← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 261

فضل الرحيم الودود تخريج سنن أبي داود

ياسر فتحي

Полный текст (16 465 стр.). Показаны 9591–9630 · переход к 9596.

стр. 9591

ج - وأما حديث جرير بن عبد الحميد: فرواه زهير بن حرب [ثقة ثبت حافظ] نا جرير عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، قال: بعث رسول الله ﷺ يعني: معاذاً -، وأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة، وذكر نحوه، وزاد الأعمش: وحدثنيه إبراهيم أيضاً. أخرجه الهيثم بن كليب الشاشي في مسنده (٣/ ٢٥٣/ ١٣٥٣). د - ورواه مروان بن معاوية الفزاري [ثقة حافظ]، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، قال: بعث رسول الله ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن، وأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعاً أو تبيعةً، ومن كل أربعين مسنةً، ومن كل حالم ديناراً، أو عدل ذلك من [المعافر]. أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في الأموال (٦٤) و (٩٩٣)، وعنه: البلاذري في فتوح البلدان (٧٨)، والهيثم بن كليب الشاشي في مسنده (٣/ ٢٥٢/ ١٣٥٠). هـ - ورواه القاسم بن معن [ثقة]، عن الأعمش، عن شقيق بن سلمة، عن مسروق، قال: بعث رسول الله ﷺ معاذاً إلى اليمن، فأمره أن يأخذ من كل ثلاثين من بقر جذعاً أو جذعةً، ومن كل أربعين مسنةً، ومن كل حالم ديناراً، أو عدله من المعافر. أخرجه أبو طاهر المخلص في الخامس من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (٣٤) (٩١٤ - المخلصيات). و - وأما حديث معمر بن راشد: فقد رواه عبد الرزاق: أنا معمر، والثوري، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ بن جبل، قال: بعثني النبي ﷺ إلى اليمن، وأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرةً تبيعاً أو تبيعةً، ومن كل أربعين مسنةً، ومن كل حالم ديناراً، أو عدله معافر. هكذا قرن بينهما عبد الرزاق، فحمل حديث معمر على حديث الثوري، فساقه بإسناد الثوري ومتنه، فلما حدث بحديث معمر مفرداً؛ بين إرساله وانفراده بلفظ «حالمة»: فقال: أخبرنا معمر، عن الأعمش، عن شقيق بن سلمة، عن مسروق بن الأجدع، قال: بعث النبي ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن، فأمره أن يأخذ من كل حالم وحالمة من أهل الذمة ديناراً، أو قيمته معافرياً. قال عبد الرزاق: كان معمر يقول: «هذا غلط؛ قوله: حالمة، ليس على النساء شيء»، معمر القائل. أخرجه عبد الرزاق (٦٨٤١/¬٢١/¬٤) و (٦/ ٨٩/ ١٠٠٩٩) و (١٠/ ٣٣٠/ ١٩٢٦٨)، ومن طريقه: أبو بكر النيسابوري في الزيادات على المزني (١٧١)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ١٢٨/ ٢٦٠)، والدارقطني (٢/ ٤٩٠/ ١٩٣٥ و ١٩٣٦)، وابن حزم في المحلى (٤/ ١٠١)، والبيهقي (٤/ ٩٨). [الإتحاف (١٣/ ٢٨٦/ ١٦٧٣٦)، المسند المصنف (٢٤/ ٤٥٣/ ١١٠٠٦)].

стр. 9592

قلت: لفظة: حالمة، لفظة منكرة في هذا الحديث عن الأعمش، لم يأت بها سوى معمر، وليس هو من أصحاب الأعمش، بل هو ممن يهم عليه، ومعمر بن راشد: ثقة، وهو ثبت في الزهري وابن طاووس، وكان يضعف حديثه عن أهل الكوفة والبصرة، وهو سيئ الحفظ لحديث قتادة والأعمش [انظر: شرح العلل (٢/ ٧٠٩ و ٧٧٤)]، وقد رواه جماعة من ثقات أصحاب الأعمش بدونها، وقد أنكرها معمر نفسه، فقال بأنها غلط. قال معمر: «هذا غلط؛ قوله: حالمة، ليس على النساء شيء». وقال يحيى بن آدم: «ولم أسمع أن على النساء جزية إلا في هذا الحديث»؛ يعني: حديث جرير عن منصور عن الحكم، وسيأتي. وقال أبو عبيد في الأموال (٩٣): «وقد جاء في كتاب النبي ﷺ إلى معاذ باليمن الذي ذكرناه: أن على كل حالم ديناراً، ما فيه تقوية لقول عمر، ألا ترى أنه ﷺ خص الحالم دون المرأة والصبي؟ إلا أن في بعض ما ذكرناه من كتبه: الحالم والحالمة، فنرى - والله أعلم - أن المحفوظ المثبت من ذلك: هو الحديث الذي لا ذكر للحالمة فيه؛ لأنه الأمر الذي عليه المسلمون، وبه كتب عمر إلى أمراء الأجناد، فإن يكن الذي فيه ذكر الحالمة محفوظاً فإن وجهه عندي - والله أعلم -: أن يكون ذلك كان في أول الإسلام، إذ كان نساء المشركين وولدانهم يقتلون مع رجالهم، وقد كان ذلك ثم نسخ» [ونقله ابن زنجويه في الأموال (١٤٤)]. وقال الأثرم: قيل لأبي عبد الله [يعني: أحمد بن حنبل]: جعل على أهل اليمن على كل حالم وحالمة ديناراً؟ قال: «لا أعرف، وحالمة، إنما هو: على كل حالم» [أحكام أهل الملل لأبي بكر الخلال (٢٤١)]. وقال البيهقي: «ليس في رواية أبي وائل عن مسروق عن معاذ حالمة، ولا في رواية إبراهيم عن معاذ؛ إلا شيئاً روى عبد الرزاق، عن معمر، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ، ومعمر إذا روى عن غير الزهري يغلط كثيراً، والله أعلم». وقال ابن القيم في «الزاد» (٣/ ١٤٣): «هذا لا يصح وصله، وهو منقطع [يعني: حديث جرير عن منصور الآتي ذكره]، وهذه الزيادة مختلف فيها، لم يذكرها سائر الرواة، ولعلها من تفسير بعض الرواة. وقد روى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم هذا الحديث، فاقتصروا على قوله: أمره أن يأخذ من حالم ديناراً، ولم يذكروا هذه الزيادة». • خالف جميع من تقدم: وكيع بن الجراح [ثقة حافظ، من أثبت الناس في الأعمش]، فرواه عن الأعمش، عن إبراهيم، وأبي وائل، قالا: بعث النبي ﷺ معاذاً إلى اليمن، وأمره أن يأخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعاً أو تبيعة، ومن أربعين مسنة، ومن كل حالم ديناراً، أو عدله من المعافر. وفي رواية: وأمره أن يأخذ الجزية من كل حالم ديناراً، أو عدله معافر.

стр. 9593

أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٦٢/ ٩٩٢٢) و (٦/ ١٨٠/ ١٠١٨٧ - ط الشثري)، و (٦/ ٤٢٨/ ٣٢٦٣٥). [المسند المصنف (٢٤/ ٤٥٣/ ١١٠٠٦)]. قلت: أصاب وكيع حيث رواه عن الأعمش عن إبراهيم مرسلاً، بينما قصر بحديث أبي وائل، إنما هو: عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ. هكذا ذكر مسروقاً فيه جماعة الثقات عن الأعمش، قصر به وكيع. • ورواه محمد بن إسحاق [صدوق، وعنه: إبراهيم بن سعد، وهو: ثقة حجة، من أثبت الناس في ابن إسحاق]، قال: حدثني سليمان الأعمش، عن أبي وائل بن سلمة، عن معاذ بن جبل، قال: أمرني رسول الله ﷺ حين بعثني إلى اليمن؛ أن لا آخذ من البقر شيئاً حتى تبلغ ثلاثين، فإذا بلغت ثلاثين ففيها عجل تابعٌ جَذَعُ أو جَذَعة، حتى تبلغ أربعين، فإذا بلغت أربعين ففيها بقرة مسنة. أخرجه النسائي في المجتبى (٥/¬٢٦/¬٢٤٥٣)، وفي الكبرى (٣/¬١٧/¬٢٢٤٥). [التحفة (٨/ ٨٥/ ١١٣١٢)، المسند المصنف (٢٤/ ٤٥٥/ ١١٠٠٦)]. قلت: قصر به ابن إسحاق، فأسقط من إسناده مسروقاً. * وقد جمع بينهما مقرونين فوهم: عبد الرحمن بن مغراء: حدثنا الأعمش، عن شقيق بن سلمة، وإبراهيم، عن مسروق، عن معاذ بن جبل، عن النبي ﷺ نحوه. أخرجه القاسم بن زكريا المطرز في فوائده (٢٦)، وابن خزيمة (٤/¬١٩/¬٢٢٦٨) (٣/ ١٠٨/ ٢٣٣٣ - ط التأصيل)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ١٢٩/ ٢٦٤). [الإتحاف (١٣/ ٢٨٦/ ١٦٧٣٦)، المسند المصنف (٢٤/ ٤٥٣/ ١١٠٠٦)]. وهذا وهم من عبد الرحمن بن مغراء، وهو: صدوق، حدث عن الأعمش بأحاديث منكرة لم يتابع عليها، نعم؛ صدقه أبو زرعة ووثقه آخرون، لكن قال ابن عدي: «إنما أنكرت على أبي زهير هذا [يعني: عبد الرحمن بن مغراء] أحاديث يرويها عن الأعمش لا يتابعه الثقات عليها، وله عن غير الأعمش غرائب، وهو من جملة الضعفاء الذين يكتب حديثهم»، وأنكر أبو حاتم على ابن مغراء حديثاً رواه عن الأعمش [التهذيب (٢/ ٥٥٤)]. وهذا إنما رواه: الأعمش، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن مسروق، عن معاذ. ورواه أيضاً: عن إبراهيم بن يزيد النخعي مرسلاً، لم يذكر فوقه أحداً. • وهم أيضاً في إسناده على الأعمش: أبو يوسف القاضي [يعقوب بن إبراهيم: صدوق، كثير الخطأ]، فرواه عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، أو: مسلم بن صبيح أبي الضحى، عن مسروق، عن معاذ بن جبل، قال: أمرني النبي ﷺ حين بعثني على اليمن أن آخذ من كل حالم ديناراً. أخرجه أبو يوسف في الخراج (١٤١).

стр. 9594

• وقد رواه بطرف صدقة البقر فوهم فيه أيضاً: قال أبو يوسف: حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن مسروق، قال: لما بعث رسول الله ﷺ معاذ إلى اليمن؛ أمره أن يأخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعاً أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة. أخرجه أبو يوسف في الخراج (٨٩). وحاصل الاختلاف على الأعمش في هذا الحديث: أن المحفوظ فيه ما رواه سفيان الثوري، ومفضل بن مهلهل، ويعلى بن عبيد الطنافسي: عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ. ورواه أيضاً: الأعمش، عن إبراهيم، عن معاذ مرسلاً. قال الطيالسي: «وقد قال غير شعبة: عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ». وقال الدارقطني في العلل (٦/ ٦٧/ ٩٨٥): «والمحفوظ: عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ. وعن إبراهيم مرسلاً». وقال البيهقي: «هذا هو المحفوظ: حديث الأعمش، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن مسروق، وحديثه عن إبراهيم، منقطع، ليس فيه ذكر مسروق، وقد روينا عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ بن جبل، عن النبي ﷺ ». وقال في موضع آخر: «إنما المنكر رواية أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن مسروق، عن معاذ، فأما رواية الأعمش عن أبي وائل عن مسروق، فإنها محفوظة»، وصوب الإرسال في رواية إبراهيم. وقال ابن عبد البر: «وهو حديث صحيح». فيقال: كيف يصححه؟ وظاهره الإرسال من رواية شعبة! والجواب: قد ثبت اتصاله برواية سفيان الثوري ومفضل بن مهلهل ويعلى بن عبيد عن الأعمش به متصلاً، وبرواية أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ. وقد صحح الحديث أيضاً: ابن خزيمة، وابن الجارود، والحاكم، واحتج به: أحمد، وأبو داود، والنسائي، وثبته ابن المنذر، وحسنه الجوزقاني، واحتج مالك والشافعي بحديث طاووس عن معاذ مرسلاً، وحكى أبو عبيد القاسم بن سلام وابن المنذر وابن عبد البر: أن الإجماع قد استقر على ما دل عليه حديث معاذ: أن في كل ثلاثين من البقر تبيعاً أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة [الأموال (٩٩٨)، شرح ابن بطال على البخاري (٣/ ٤٧٨)، التمهيد (٢/ ٢٧٣)، الاعتبار في الناسخ والمنسوخ (١/ ٤٨٨)، مجموع الفتاوى (٢٥/¬٣٦)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (١٠/ ٤١٦)]. قلت: تابع سفيان الثوري ومن معه على الوجه المحفوظ: أبو بكر بن عياش: فقد رواه أحمد بن عبد الله بن يونس، ويحيى بن آدم، ومحمد بن سعيد بن

стр. 9595

الأصبهاني [وهم ثقات أثبات]، وعاصم بن يوسف اليربوعي الكوفي: ثقة، ومعلى بن منصور [رازي، ثقة فقيه]: عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ، قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فأمرني أن آخذ من البقر من ثلاثين تبيعاً حولياً، ومن أربعين بقرة مسنة. وبإسناده، قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، وأمرني أن آخذ من كل حالم ديناراً، أو عدله معافر. وبإسناده، قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، وأمرني أن آخذ [من الثمار] مما سقت السماء، وما سُقي بعلاً العشر، وما سُقي بالدوالي [وفي رواية: بالسانية] نصف العشر. وجمعها ابن الأصبهاني [عند الطبراني]: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فأمرني أن آخذ من كل حالم ديناراً، أو عدله معافر، وأمرني أن آخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعاً، ومن كل أربعين مسنةً، وأمرني أن آخذ مما سقت السماء أو سُقي بعلا العشر، والدوالي نصف العشر. أخرجه ابن ماجه (١٨١٨)، والدارمي (١٧٧١ و ١٧٧٢ و ١٨١٤ - ط البشائر)، ويحيى بن آدم في الخراج (٢٢٨) و (٣٦٤)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (٣/ ١١٨/ ٤٠٦٨ - السفر الثالث)، والبزار (٧/ ٩٠/ ٢٦٤٥) و (٧/ ٩١/ ٢٦٤٦)، والهيثم بن كليب الشاشي في مسنده (٣/ ٢٥٢/ ١٣٤٩ و ١٣٥١)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ١٢٩/ ٢٦٢)، والبيهقي في السنن (٤/ ١٣١) و (٩/ ١٨٧)، وفي المعرفة (١٣/ ٣٧٣/ ١٨٥٢٦)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ١٦٥). [التحفة (٨/ ١٠٦/ ١١٣٦٤)، الإتحاف (١٣/ ٢٨٦/ ١٦٧٣٦) و (١٣/ ٢٨٨/ ١٦٧٣٧)، المسند المصنف (٢٤/ ٤٥٣/ ١١٠٠٦)]. قال يحيى بن آدم: «البعل والعثري والعذي: هو الذي يسقى بماء السماء، والعثري: ما يزرع بالسحاب والمطر خاصة، ليس يصيبه إلا ماء المطر، والبعل: ما كان من الكروم قد ذهبت عروقه في الأرض إلى الماء، فلا يحتاج إلى السقي الخمس سنين والست، يحتمل ترك السقي، فهذا البعل، والسيل: ماء الوادي إذا سال، والغيل: سيل دون سيل». وقال ابن عبد البر: «قال النضر بن شميل: البعل: ماء المطر، وقال يحيى بن آدم: البعل: ما كان من الكروم والنخل فذهب عروقه في الأرض إلى الماء، ولا يحتاج إلى السقي الخمس سنين والست، تحتمل ترك السقي، قال: والعثري ما يزرع على السحاب، ويقال له: العثير؛ لأنه يزرع على السحاب ولا يسقى إلا بالمطر خاصة، ليس يسقى بغير ماء المطر، قال يحيى: وفيه جاء الحديث: ما سقي عثرياً أو غيلاً، قال يحيى: والغيل: سيل دون السيل الكثير، قال: والسيل: ماء الوادي إذا سال، وما كان دون السيل الكثير فهو غيل، وقيل: الغيل الماء الصافي دون السيل الكثير، وقال ابن السكيت: الغيل:

стр. 9596

الماء الجاري على الأرض، وأما النضح والناضح: فهي بقر السواني، والرشاء: حبل البئر، والدلو والدالية الخطارة عندنا، والغرب الدلو، وقد جاء في الحديث: ما سقي بالغرب، أو كان عثرياً، أو سقي نضحاً، أو سيحاً، أو سقي بالرشاء». • خالفهم فقصر بإسناده: سليمان بن داود الهاشمي [ثقة جليل]، وهناد بن السري [كوفي، ثقة حافظ]، وأبو صالح عبد الحميد بن صالح البرجمي [ثقة]، وأسد بن موسى [مصري، صدوق]، وعلقمة بن عمرو الدارمي [روى عن أبي بكر بن عياش، وروى عنه جماعة من المصنفين، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: «يغرب». الثقات (٨/ ٥٢٥)، التهذيب (٣/ ١٤٠)]: فرووه عن أبي بكر بن عياش: حدثنا عاصم، عن أبي وائل، عن معاذ، قال: بعثني النبي ﷺ إلى اليمن، وأمرني أن آخذ من كل حالم ديناراً، أو عدله معافر، وأمرني أن آخذ من كل أربعين بقرة مسنة، ومن ثلاثين بقرة تبيعاً حولياً، وأمرني فيما سقت السماء العشر، وما سقي بالدوالي نصف العشر. أخرجه النسائي في المجتبى (٥/¬٤٢/¬٢٤٩٠)، وفي الكبرى (٣/¬٣٢/¬٢٢٨١) [بطرفه الثاني في زكاة الثمار]، وأحمد (٥/ ٢٣٣) [واللفظ له]، وأبو علي الطوسي في مختصر الأحكام (٣/ ٢٣٠/ ٥٨٩)، والطحاوي في شرح المعاني (٢/¬٣٦)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ١٦٣). [التحفة (٨/ ٨٥/ ١١٣١٣)، الإتحاف (١٣/ ٢٣٨/ ١٦٦٤٦)، المسند المصنف (٢٤/ ٤٥٥/ ١١٠٠٦)]. تنبيه: شذ علقمة بن عمرو، فرواه عن أبي بكر بن عياش بلفظ مختلف، قال فيه: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، وأمرني أن آخذ مما سقت السماء العشر، وما يسقى بالأنهار والنواضح والدوالي نصف العشر. قلت: الذين زادوا في الإسناد مسروقاً: ثقات أثبات، وزيادتهم مقبولة، وقد قصر به من أسقط مسروقاً من الإسناد. • قال الدارقطني في العلل (٦/ ٦٧/ ٩٨٥): «واختلف عن أبي بكر، فرواه منصور بن أبي مزاحم، وعبد الرحمن [كذا]، وهو: عبد الحميد بن صالح عنه، عن عاصم، عن أبي وائل، عن معاذ لم يذكرا مسروقاً، وقول من ذكر مسروقاً: أصح». وقال ابن عبد البر: «هكذا قال: أبو وائل عن معاذ، وإنما هو: أبو وائل، عن مسروق، عن معاذ». • قال النسائي: «هذا الإسناد أيضاً ليس بذاك القوي؛ لأن أبا بكر بن عياش، وعاصماً: ليسا بحافظين». وقال ابن معين: «وحديث معاذ: إذا سقت السماء؛ ليس يرويه إلا أبو بكر بن عياش، وليس هو بالقوي» [سؤالات ابن طهمان (٤٤)]، قلت: بل هو حديث صحيح، أبو بكر بن عياش: ثقة، صحيح الكتاب، وإن كان في

стр. 9597

حفظه كلام؛ إلا أنه من خاصة أصحاب عاصم بن أبي النجود، ومن أهل بلده، وقد لازمه مدة، وأخذ عنه القرآن، وعاصم بن بهدلة: كوفي صدوق، صاحب أبي وائل شقيق بن سلمة، ومكثر عنه، وإنما عابوا عليه أنه كان يُختلف عليه في حديث زر وأبي وائل، أو كان يشك فيه، وهذا الحديث لم يختلف عليه في إسناده بين زر وأبي وائل، بل قد اتفقوا على أنه من حديث أبي وائل وحده، ولم ينفرد به عاصم عن أبي وائل، بل قد تابعه عليه: الثقة الثبت الحافظ المكثر سليمان بن مهران الأعمش، فرواه عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ. • ورواه شريك بن عبد الله النخعي [صدوق، سيئ الحفظ]، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن معاذ؛ أنه قال: بعثني النبي ﷺ إلى اليمن؛ أن آخذ من كل ثلاثين من البقر بقرةً تبيعاً أو تبيعة، أو قال: جذعاً أو جذعةً، ومن كل أربعين بقرةً بقرةً مسنةً، ومن كل حالم ديناراً، أو عدله معافر. أخرجه أحمد (٥/ ٢٤٧). [المسند المصنف (٢٤/ ٤٥٥/ ١١٠٠٦)]. قصر به شريك، إنما هو: عاصم بن بهدلة، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ. هذا ما وقفت عليه من الأسانيد المشهورة لحديث أبي وائل عن مسروق عن معاذ، وله إسنادان آخران، لكنهما من الغرائب والمناكير والأباطيل: أ - روى محمد بن خالد بن خلي الكلاعي بحمص [صدوق]: حدثنا أبي [صدوق]: حدثنا الحارث بن عبيدة، عن جعفر بن الحارث - وهو: أبو الأشهب -، عن واصل بن حيان [كوفي، ثقة ثبت]، عن أبي وائل، عن معاذ بن جبل، قال: لما بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، أمرني أن آخذ من كل ثلاثين من البقر جذعاً أو جذعةً، ومن كل أربعين مسنةً، ومن كل حالم ديناراً، أو عدل ذلك من المعافر. أخرجه أبو طاهر المخلص في العاشر من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (٩٧) (٢٢٥٢ - المخلصيات). قلت: هذا حديث باطل، ولا يثبت هذا عن واصل بن حيان؛ أبو الأشهب جعفر بن الحارث الواسطي: ليس بذاك الحافظ، فقد ضعفه ابن معين والبخاري والنسائي والعقيلي وابن الجارود والدولابي وغيرهم، وقواه أبو حاتم وأبو زرعة ويزيد بن هارون وابن حبان والحاكم وابن عدي وغيرهم [التهذيب (٢/ ٥٥)، الإكمال (٣/ ٢٠٩)، الميزان (١/ ٤٠٤)، المغني (١/ ٢٠٧)، وقال: «ضعفوه». التقريب (١٩٩) وقال: «صدوق كثير الخطأ»]. والحارث بن عبيدة، هو: الحمصي الكلاعي، قاضي حمص: منكر الحديث عن الثقات، قال أبو حاتم: «ليس بالقوي»، وقال في العلل (٢٤٤١): «ضعيف»، وأنكر عليه جملة من الأحاديث، وقال الدارقطني: «ضعيف»، وذكره ابن حبان في الثقات فأخطأ، ثم أدخله في المجروحين وقال: «يأتي عن الثقات بما ليس من أحاديثهم، لا يعجبني الاحتجاج بخبره إذا انفرد»، وقال ابن عدي: «في بعض رواياته ما لا يتابعه أحد عليه».

стр. 9598

[الجرح والتعديل (٣/ ٨١)، علل الحديث (٨٦٥ و ١١٧٨ و ١٤١١ و ١٩١٥ و ٢٤٤١)، الثقات (٦/ ١٧٦) و (٨/ ١٨٢)، المجروحين (١/ ٢٢٤)، الكامل (٢/ ١٩٢)، علل الدارقطني (١٤/ ١٩٤/ ٣٥٤٣)، المغني (١٢٣٨)، تاريخ الإسلام (٤/ ٨٢٩ و ١٠٨٩ - ط الغرب)، من تكلم فيه الدارقطني لابن زريق (١٠١)، اللسان (٢/ ٥٢١)، تعجيل المنفعة (١٦١)، الثقات لابن قطلوبغا (٣/ ٢٤٨)]. ب - ورواه محمد بن جعفر بن سفيان الرقي [شيخ لأبي بكر الخلال والطبراني، مجهول الحال، روى عنه جماعة، ولم يوثق. تاريخ الرقة: (١١٧)]: ثنا أيوب بن محمد الوزان [ثقة]: ثنا معمر بن سليمان، عن زيد بن حبان، عن ابن أبي ليلى، عن أبي صالح، عن مسروق، عن معاذ بن جبل، قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا أو تبيعة - وهو الجذع -، ومن كل أربعين مسنة، ومن كل حالم دينارا، أو عدله من المعافر. أخرجه الطبراني في الكبير (٢٠/ ١٣٠/ ٢٦٥). قلت: هذا حديث منكر، وإسناد ملفق، ولا أدري من أبي صالح هذا؟ ولا يعرف هذا من حديث أبي صالح السمان المدني، ولا من حديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الكوفي الفقيه المشهور، وهو: ليس بالقوي، وزيد بن حبان الرقي: كان كثير الخطأ والوهم حتى ترك أحمد حديثه [التهذيب (١/ ٦٦٢)، الميزان (٢/ ١٠١)، المجروحين (١/ ٣١١)، فضل الرحيم الودود (١٣/ ٣٣٩/ ١٢٥٠)]، والراوي عنه هنا: معمر بن سليمان الرقي: ثقة، وقد سمع من زيد بن حبان قبل أن يفسد حديثه ويتغير [التهذيب (١/ ٦٦٢)]. ويحسن هنا قبل أن ننتقل إلى ذكر بقية طرق الحديث عن معاذ: أن نتكلم عن مسألة سماع مسروق من معاذ، لا سيما ولم يذكر سماعا في الأسانيد، واختلف على الأعمش في وصله وإرساله، فيقال: • المنقول عن مسروق في ذلك يدل على سماعه من معاذ، وأنه قد حصل علم معاذ بن جبل بغير واسطة: فقد روى أبو نعيم الفضل بن دكين [ثقة ثبت]، ومنجاب بن الحارث [كوفي، ثقة]: عن القاسم بن معن، عن منصور [هو: ابن المعتمر]، عن مسلم [أبي الضحى]، عن مسروق، قال: «شاممت أصحاب محمد ﷺ ، فوجدت علمهم انتهى إلى ستة: إلى عمر، وعلي، وعبد الله بن مسعود، ومعاذ، وأبي الدرداء، وزيد بن ثابت، ثم شاممت هؤلاء الستة فوجدت علمهم انتهى إلى: علي، وعبد الله». أخرجه ابن سعد في الطبقات (٢/ ٣٥١)، وأبو زرعة الدمشقي في تاريخه (٦٤٧)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٧/¬٢٧)، والطبراني في الكبير (٩/ ٩٤/ ٨٥١٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٣/ ١٥٤)، والضياء المقدسي في المنتقى من مسموعاته بمرو (٢/ ٦٠٩/ ٥١٣). [وانظر: علل ابن المديني (٨)، الاستيعاب (٤/ ١٦٤٦)، ووقعت عنده

стр. 9599

بدل: شاممت: شافهت. وانظر: ما أخرجه يعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (١/ ٤٤٤ - ٤٤٥)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (٢/ ٣٩٦/ ٣٥٦٦ - السفر الثالث)، وأبو زرعة الدمشقي في تاريخه (٦٤٩)، وأبو طاهر المخلص في الثامن من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (١٠٢) (١٧٧٨ - المخلصيات)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٣/ ١١٥٣/ ٢٨٩٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٣/ ١٥٥)]. وهذا مقطوع على مسروق بإسناد صحيح، رجاله ثقات مشاهير. وموضع الشاهد منه قوله: شاممت أصحاب محمد ﷺ ، فذكر منهم معاذ بن جبل، قال الخليل بن أحمد والأزهري: «الشُّمَم: الدنو» [العين (٦/ ٢٢٤)، تهذيب اللغة (١١/ ١٩٩)]، وقال ابن الأثير في النهاية (٢/ ٥٠٢): «يقال: شاممت فلاناً؛ إذا قاربته، وتعرفت ما عنده بالاختبار والكشف، وهي مفاعلة من الشم، كأنك تشم ما عنده ويشم ما عندك، لتعملا بمقتضى ذلك»، وبهذا المعنى يتبين قصد مسروق من صحبة معاذ والسماع منه، والله أعلم. وهو دليل قوي لما ذهب إليه ابن عبد البر من تصحيح هذا الحديث، المتفرع عن تصحيح إسناده، والجزم باتصاله: قال ابن عبد البر في التمهيد (٢/ ١٣٠): «وهو حديث صحيح». وقال في موضع آخر (٢/ ٢٧٥)، عن حديث الثوري المتصل: «وقد روي عن معاذ هذا الخبر: بإسناد متصل صحيح ثابت». ولم أقف على قول أحد قال بأن مسروقاً لم يلق معاذاً سوى ابن حزم، وأين هو من مكانة ابن عبد البر في الحديث والفقه، وسيأتي نقل كلام ابن حزم بعد استيفاء طرق حديث معاذ إن شاء الله تعالى، وابن حزم له أوهام، وعليه مآخذ كثيرة في الحكم على الأحاديث والرجال، وطالما رد الأئمة عليه أوهامه، وبينوا خطأه في تضعيف الثقات المشاهير، وتجهيلهم، وما ضرهم جهله بحالهم، بل ما أضر إلا نفسه، وهو دائم التعدي على الأئمة المشاهير بالطعن واللمز والعيب، مما هم منه براء، وله مبالغات عجيبة في مخالفة الأئمة النقاد في الحكم على الأحاديث والرجال، مما يجعل النفس تنفر من أحكامه التي ينفرد بها. فعلى سبيل المثال: قال ابن حجر في هدي الساري (٢/ ١٠٩١): «أساء أبو محمد ابن حزم فضعف أحاديث أبي الطفيل، وقال: كان صاحب راية المختار الكذاب، وأبو الطفيل: صحابي لا شك فيه، ولا يؤثر فيه قول أحد، ولا سيما بالعصبية والهوى». قلت: ولا تصح نسبة الإيمان بالرجعة للمختار، والطعن بها في الصحابي أبي الطفيل لا تجوز، فإنها من القول على الصحابة بغير علم، وهذا من سوء الأدب مع الصحابة أن تنسب إليهم الأقوال الردية المكفرة. ولابن حزم تجاوزات ممجوجة في الرد على مخالفيه تصل إلى تكفير الأئمة الأعلام،

стр. 9600

ورميهم بالجنون والهذيان، نسأل الله السلامة من الخذلان [انظر مثلا: الإحكام (٤/ ١٦٧)، المحلى (٤/ ٢٢٣/ م ٤٩٤)]. وابن حزم هنا قد ضعف حديث معاذ الصحيح الثابت المجمع على العمل به، بغير حجة ولا برهان، ثم يأتي في مواضع من كتابه «المحلى» فيصحح الأحاديث المنكرة، ثم يبني عليها أحكاما شاذة لم يقل بها أحد، مثل قوله في محلاه (٣/ ١٩٦): «كل من ركع ركعتي الفجر لم تجزه صلاة الصبح؛ إلا بأن يضطجع على شقه الأيمن بين سلامه من ركعتي الفجر، وبين تكبيره لصلاة الصبح، وسواء عندنا ترك الضجعة عمدا أو نسيانا؛ وسواء صلاها في وقتها أو صلاها قاضيا لها من نسيان، أو عمد نوم، فإن لم يصل ركعتي الفجر لم يلزمه أن يضطجع، … » إلى آخر ما قال، ثم احتج بحديث عبد الواحد عن الأعمش، وهو حديث منكر، قال الذهبي في ديوان الضعفاء (٢/ ١٣١/ ٢٦٥٧): «فمن يكون هذه حالته كيف يفرض ابن حزم على الأمة بخبره المنكر الاضطجاع بعد سنة الصبح» [راجع: فضل الرحيم الودود (١٣/ ٤١٩/ ١٢٦١)]. فإن قيل: قال علي بن المديني: «ما أقدم على مسروق أحدا من أصحاب عبد الله، وصلى خلف أبي بكر، ولقي عمر، وعليا، ولم يرو عن عثمان شيئا، وزيد بن ثابت، وعبد الله، والمغيرة، وخباب بن الأرت، هذا ما انتهى إلينا من لقيه من أصحاب رسول الله ﷺ » [تاريخ بغداد (١٥/ ٣١٢ - ط الغرب)، السير (٤/ ٦٧)، تاريخ الإسلام (٢/ ٧١٢)] وقال البخاري: «سمع من أبي بكر وعمر ﵄»، كذا في الأوسط، وقال في الكبير: «رأى أبا بكر وعمر وعليا وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت»، وقال مسلم: «سمع عمر بن الخطاب، وعليا» [طبقات ابن سعد (٦/ ٧٦)، التاريخ الأوسط (١/ ١٢٣/ ٥٢٢)، التاريخ الكبير (٨/¬٣٥)، معرفة الثقات (١٧٠٩)، الكنى لمسلم (٢٦٠٨)، المعرفة والتاريخ (٢/ ٥٦٠) و (٣/ ٣٢٥)، التاريخ الكبير لابن أبي خيثمة (٣/ ١١٠ - ١٣٤/ ٤٠٣٦ - ٤١٤١ - السفر الثالث)، الجرح والتعديل (٨/ ٣٩٦)، المراسيل (٨١١)، الثقات (٥/ ٤٥٦)، تاريخ بغداد (١٥/ ٣١١ - ط الغرب)، الأنساب (٥/ ٦٥٠)، السير (٤/ ٦٣)، تاريخ الإسلام (٢/ ٧١٢)، إكمال مغلطاي (١١/ ١٥٢)، غاية النهاية (٢/ ٢٩٤)، الإصابة (٦/ ٢٢٩)، التهذيب (٤/ ٥٩)] فيقال: لم يذكر أحد منهم معاذا فيمن سمع منه مسروق أو لقيه. قلت: يمكن حمل كلامهم على عدم إرادة الحصر، والاكتفاء بذكر الأكبر والأشهر، كالخلفاء الراشدين، أو بذكر من أكثر عنهم مسروق ولازمه كابن مسعود، وإلا فإن سماعه من عائشة محفوظ، وقد أكثر الدخول عليها والرواية عنها، وروايته عنها في الصحيحين، وله عنها في الكتب الستة ما يقرب من ستين رواية [التحفة (١٧٦٠٣ - ١٧٦٦٢)]، كذلك فإن روايته عن عبد الله بن عمرو بن العاص في الصحيحين [التحفة (٨٩٣١ - ٨٩٣٤)]،

стр. 9601

وروايته وسماعه من أم رومان عند البخاري [التحفة (١٨٣١٧ و ١٨٣١٨)، التاريخ الأوسط (١/ ١٢٣/ ٥٢٢)]، ولم يذكر ابن المديني والبخاري ومسلم شيئاً من ذلك، مع ثبوت اللقي والسماع، فكذلك ترك ذكرهم لرواية مسروق عن معاذ وسماعه منه؛ يحمل على نفس المعنى. وهذا عمرو بن ميمون - ومسروق أقدم وفاة منه ـ، قد صرح بلقيه معاذاً باليمن: فقد روى الأوزاعي: حدثني حسان بن عطية، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عمرو بن ميمون الأودي، قال: قدم علينا معاذ بن جبل اليمن رسول رسول الله ﷺ إلينا، قال: فسمعت تكبيره مع الفجر، رجل أجش الصوت، قال: فأُلقيت محبتي عليه، فما فارقته حتى دفنته بالشام ميتاً. ثم نظرت إلى أفقه الناس بعده، فأتيت ابن مسعود، فلزمته حتى مات، فقال: قال لي رسول الله ﷺ : «كيف بكم إذا أنت عليكم أمراء يصلون الصلاة لغير ميقاتها»، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك يا رسول الله؟ قال: «صل الصلاة لميقاتها، واجعل صلاتك معهم سُبحة». [وهو حديث صحيح، تقدم تخريجه في فضل الرحيم الودود (٥/ ٢٨٣/ ٤٣٢). وانظر: صحيح البخاري (٢٨٥٦) و (٤٣٤٨)، صحيح مسلم (٣٠)]. ومسروق أحق بصحبة معاذ من عمرو بن ميمون؛ لتقدم وفاته، إذ كانت وفاة مسروق على قول الجمهور سنة (٦٣)، وكانت وفاة عمرو بن ميمون سنة (٧٤)؛ أي: بعده بما يزيد على عشر سنين، وكان مسروق مشهوراً بحرصه على طلب العلم من أسلم، حتى قال الشعبي: «ما رأيت أحداً أطلب للعلم في أفق من الآفاق من مسروق». ويقال مثل ذلك في كل من تقدمت وفاة مسروق عليه من أصحاب معاذ الذين ثبت سماعهم منه، مثل: مالك بن يخامر [مخضرم، سمع معاذاً، وتوفي سنة (٧٠). انظر: صحيح البخاري (٣٦٤١ و ٧٤٦٠)]. والأسود بن يزيد بن قيس النخعي [مخضرم، ثقة فقيه، سمع معاذاً، وتوفي سنة (٧٤)، انظر: صحيح البخاري (٦٧٣٤ و ٦٧٤١)]. والأسود بن هلال [مخضرم، كوفي ثقة، سمع معاذاً، وتوفي سنة (٨٤)، انظر: صحيح البخاري (٧٣٧٣)، صحيح مسلم (٣٠)]. وكثير بن مرة الحضرمي الرهاوي أبو شجرة الحمصي [تابعي كبير، ثقة، من الطبقة الثانية، سمع معاذ بن جبل، وذكره البخاري في التاريخ الأوسط في فضل من مات من السبعين إلى الثمانين التاريخ الكبير (٧/ ٢٠٨)، تارخ دمشق (٥٠/ ٥٣)، السير (٤/¬٤٦)، تاريخ الإسلام (٥/ ٥١٤)، التهذيب (٣/ ٤٦٦)]. وعبد الرحمن بن غنم الأشعري [مختلف في صحبته، لازم معاذ بن جبل إلى أن مات، يُعرف بصاحب معاذ لملازمته، توفي سنة (٧٨). راجع ترجمته في: فضل الرحيم الودود تحت الحديث رقم (١٣٢٢)].

стр. 9602

وعاصم بن حميد السكوني [صدوق مخضرم، من الثانية، سمع معاذ بن جبل، ذكره الذهبي في وفيات (٨١ - ٩٠)، وقال الصفدي: «توفي في حدود التسعين للهجرة». راجع: فضل الرحيم الودود (٥/ ١٧٨/ ٤٢١)، تاريخ الإسلام (٢/ ٩٤٩ - ط الغرب)، الوافي بالوفيات (١٦/ ٣٢٢)]، وغيرهم. • كذلك فإن ابن أبي خيثمة لما ترجم في تاريخه لمسروق، وذكر من روى عنهم من الصحابة، فبدأ بذكر صلاته خلف أبي بكر الصديق، من طريق حماد بن أبي سليمان، ثم قال: «كذا قال حماد بن أبي سليمان: عن أبي بكر الصديق»، ثم ذكر من خالفه في ذلك، ثم أسهب في ذكر طرق حديث أبي إسحاق السبيعي في التسليم في الصلاة، والاختلاف عليه فيه [راجعه في «الفضل» برقم (٩٩٦)]، وكأنه يميل إلى عدم ثبوت صلاته خلف أبي بكر الصديق، ثم ذكر رواية مسروق عن عمر، وعن علي، وعن ابن مسعود، إلى أن قال: «وحدث عن معاذ بن جبل»، ولم يذكر من نازع في ذلك، ولا اعترض على هذه الرواية، مما يدل على إقراره لذلك، وأنه قد سمع معاذاً؛ إذ لا يُعرف عن مسروق تدليس، ثم ذكر جمعاً من الصحابة ممن روى عنهم مسروق، والله أعلم. ولا جرم بعد ذلك أن يقول الذهبي في تاريخ الإسلام (٢/ ٧١٢ - ط الغرب) عن مسروق: «مخضرم، سمع أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلياً، وابن مسعود، ومعاذاً، وأبي بن كعب، وخباب بن الأرت، وعائشة، وطائفة»، فأثبت سماعه من معاذ بن جبل في جملة من سمع منهم من الصحابة. كذلك فإن ابن حبان ممن أخرج حديث مسروق في صحيحه (١١/ ٢٤٤/ ٤٨٨٦)، من طريق: يحيى بن عيسى الرملي، قال: حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن مسروق، عن معاذ بن جبل، قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن … فذكره [تقدم تخريجه]، وابن حبان ممن يشترط اتصال الإسناد، فقد ذكر شرطه في مقدمة كتابه (١/ ١٥١)، وفيه: أنه لم يحتج فيه بحديث حتى يجتمع في راويه خمسة شروط، ومنها: المتعري خبره عن التدليس، ثم فسره بعد بقوله: «يرويه عن مثله سماعاً حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله ﷺ ». وهو نفس ما يقال في إخراج ابن خزيمة لهذا الحديث في صحيحه (٤/¬١٩/¬٢٢٦٨)، من طريق: سفيان الثوري، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ، وهو أيضاً ممن اشترط على نفسه إخراج ما اتصل سنده بنقل العدل عن العدل إلى النبي ﷺ ، حيث قال في افتتاح الصحيح: «مختصر المختصر من المسند الصحيح عن النبي ﷺ ، بنقل العدل عن العدل، موصولاً إليه ﷺ ، من غير قطع في أثناء الإسناد، ولا جرح في ناقلي الأخبار التي نذكرها بمشيئة الله تعالى»، وقال في افتتاح كتاب الصيام (٣/ ١٨٦): «المختصر من المختصر من المسند عن النبي ﷺ على الشرط الذي ذكرنا، بنقل العدل عن العدل، موصولاً إليه ﷺ ، من غير قطع في الإسناد، ولا جرح في ناقلي الأخبار؛ إلا ما نذكر أن في القلب من بعض الأخبار شيء، إما لشكّ في سماع راو من فوقه خبراً، أو راو

стр. 9603

لا نعرفه بعدالة ولا جرح، فنبين أن في القلب من ذلك الخبر، فإنا لا نستحل التمويه على طلبة العلم بذكر خبر غير صحيح لا نبين علته، فيغتر به بعض من يسمعه، فالله الموفق للصواب». وقد سبق معنا في «الفضل» بيان إثبات الاتصال بالقرائن الدالة على اللقاء والسماع، مثل سماع يسيع بن معدان من النعمان بن بشير [راجع: الحديث رقم (١٤٧٩)]، ومما قلت هناك بأن عدم ذكر السماع في الأسانيد لا يعني حتما الانقطاع. كما سبق أن ذكرت أيضا حديثا جزم شعبة فيه بعدم سماع التابعي من الصحابي، ومع ذلك فقد أخرجه البخاري في صحيحه (٥٠٢٧)، وهو حديث أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان، عن النبي ﷺ قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، قال شعبة: «ولم يسمع أبو عبد الرحمن من عثمان»، وقال أبو حاتم: «أبو عبد الرحمن السلمي: ليس تثبت روايته عن علي، فقيل له: سمع من عثمان بن عفان؟ قال: قد روى عنه، ولم يذكر سماعا»، وقد قلت في الموضع المشار إليه: لم يثبت في رواية هذا الحديث سماع أبي عبد الرحمن السلمي من عثمان، إذ لم يقل: سمعت عثمان، وهو كما قال أبو حاتم: «لم يذكر سماعا»، لكن القرينة الواردة في هذا الحديث تدل على سماعه منه، وذلك أنه كان كبيرا في زمن عثمان، حتى إنه جلس لإقراء القرآن في زمن عثمان، بل قد اشتهر واستفاض أنه قرأ القرآن على عثمان، بل جزم الإمام البخاري في التاريخ الكبير (٥/ ٧٣) بإثبات السماع مطلقا، ولم يعتد بقول شعبة هذا، لاشتهار صحبة أبي عبد الرحمن السلمي لعثمان بن عفان وأخذه القرآن عنه، فلم يحتج لذكر السماع في الأسانيد، وإنما اكتفى بشهرة الصحبة، وأنه أخذ عنه القرآن، وهذا يدل على سماعه منه؛ وإن لم يقل في الإسناد: سمعت عثمان؛ لذا قال البخاري في التاريخ: «سمع عليا وعثمان وابن مسعود ﵃» [راجع: كلامي مفصلا على حديث عثمان فيما تقدم برقم (١٤٥٢)]. وانظر أيضا مثالا آخر، فيما رواه شعبة، عن قتادة، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : «سووا صفوفكم؛ فإن تسوية الصف من تمام الصلاة» [أخرجه البخاري (٧٢٣)، ومسلم (٤٣٣)، راجع تخريجه في فضل الرحيم الودود (٧/ ٣٦٨/ ٦٦٨)]، وقد قال علي بن المديني: «سمعت يحيى يقول: كل شيء حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس: فهو على السماع من أنس؛ إلا حديث إقامة الصف، قال: قلت ليحيى: شعبة أجمل هذا لك؟ قال: نعم»، ولم يكن يخفى على الشيخين قول شعبة في عدم سماع قتادة لهذا الحديث من أنس؛ إلا أنه لما ترجح لهما اتصال الحديث من وجه آخر أخرجاه، والله أعلم. ومثال آخر: فيما رواه عاصم الأحول، عن عبد الله بن الحارث، عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت ذا الجلال والإكرام» [أخرجه مسلم (٥٩٢)، وتقدم برقم (١٥١٢)، وهو حديث صحيح، صححه مسلم والترمذي وابن حبان وغيرهم]، وقد دلت الأدلة والقرائن على

стр. 9604

إدراك عبد الله بن الحارث لعائشة وسماعه منها، حيث أدرك من هو أكبر من عائشة، كما أنه كان يدخل على الصحابة، ويدل الناس عليهم، حتى ينهلوا من علمهم، ولم يعرف عبد الله بتدليس ولم يشتهر بإرسال. والأمثلة على هذا المعنى كثيرة في الصحيحين وخارجهما [وانظر مثلاً: فضل الرحيم الودود (١٤/ ٩٨/ ١٢٧٣)]، إذ العبرة ليست فقط بثبوت السماع في الأسانيد، ولكن إذا دلت القرائن على الاتصال والسماع أعملناها وحكمنا بصحة الحديث، لا سيما مع تصحيح الأئمة له، وتلقيهم له بالقبول. هذا مع العلم بأنني لا أتسمح في إثبات الاتصال بمجرد ثبوت المعاصرة والإدراك، بل لا بد من ثبوت السماع في الأسانيد، أو تقوم قرائن قوية دالة على الاتصال، مع عدم وجود النفي الصريح للسماع من إمام معتبر، ولم يخالف فيه، والله أعلم. وللحديث طرق أخرى عن معاذ: أ - روى عبد الله بن نمير [ثقة]، عن عبيد الله بن عمر [ثقة ثبت، من أثبت الناس في نافع]، قال: سألت نافعاً عن البقر؛ فقال: بلغني عن معاذ بن جبل؛ أنه قال: في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين بقرة بقرة. أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٦٢/ ٩٩٢٤) (٦/ ١٨١/ ١٠١٨٩ - ط الشثري)، والبيهقي (٤/ ٩٨). وهذا إسناد منقطع رجاله كلهم ثقات، ونافع لم يدرك معاذاً، بينهما قرابة مائة عام، وهذا الموقوف له حكم الرفع. ب - وروى محمد بن جعفر بن أبي كثير، وسليمان بن بلال [وهما مدنيان ثقتان]: عن يحيى بن سعيد [الأنصاري: ثقة ثبت]، قال: أخبرني طاووس اليماني، عن النبي ﷺ ومعاذ بمثل حديث مروان بن معاوية الفزاري عن الأعمش، بلفظ: وأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعاً أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة. حديث محمد بن جعفر عند أبي عبيد. ولفظ سليمان: قال طاووس: بعث رسول الله ﷺ معاذاً، فأمره أن يأخذ من البقر الصدقة: من كل ثلاثين بقرة تبيعاً، ومن كل أربعين بقرة مسنة، ومن كل ستين تبيعين، ومن كل سبعين تبيعاً وبقرة مسنة. على نحو هذا الحديث. أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في الأموال (٩٩٥)، وسحنون بن سعيد في المدونة (١/ ٣٥٥). وهذا مرسل بإسناد صحيح. ج - وروى الشافعي، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، وأبو مصعب الزهري، ويحيى بن بكير، وعبد الله بن وهب، وعبد الرزاق بن همام [وهم ثقات]: عن مالك، عن حميد بن قيس، عن طاووس اليماني؛ أن معاذ بن جبل ﵁ أخذ من

стр. 9605

ثلاثين بقرة تبيعاً، ومن أربعين بقرة مسنة، وأتي بما دون ذلك فأبى أن يأخذ منه شيئاً، وقال: لم أسمع من رسول الله ﷺ فيه شيئاً حتى ألقاه فأسأله، فتوفي رسول الله ﷺ قبل أن يقدم معاذ بن جبل. أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٣٥٠/ ٦٩٨ - رواية يحيى الليثي) (٦٨١ - رواية أبي مصعب الزهري) (٣٤٠ - رواية محمد بن الحسن)، ومن طريقه أبو داود في المراسيل (١٠٨)، والشافعي في الأم (٣/¬٢٢/¬٧٦٣)، وفي المسند (٩٠)، وعبد الرزاق (٤/¬٢٦/¬٦٨٥٦)، وإسماعيل بن إسحاق القاضي في الخامس من مسند حديث مالك (٦٠)، وأبو القاسم البغوي في معجم الصحابة (٤/ ٣٤٧/ ٣٠٥٤)، والطحاوي في أحكام القرآن (٥٩٦)، والهيثم بن كليب الشاشي في مسنده (٣/ ٢٩٨/ ١٤٠٩)، والجوهري في مسند الموطأ (٣٢٣)، والبيهقي في السنن (٤/ ٩٨)، وفي المعرفة (٦/¬٤١/¬٧٩٤٤)، وفي الخلافيات (٤/ ٢٩٤/ ٣١٧٦)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٦/¬٢٠/¬١٥٧٢). [المسند المصنف (٢٤/ ٤٦٥/ ١١٠١٤)]. قال الشافعي: «وطاووس: عالم بأمر معاذ، وإن كان لم يلقه؛ على كثرة من لقي ممن أدرك معاذاً من أهل اليمن فيما علمت وقد روي: أن النبي ﷺ أمر معاذاً أن يأخذ من ثلاثين تبيعاً، ومن أربعين مسنة». وقال ابن عبد البر في التمهيد (٢/ ٢٧٣): «حديث خامس لحميد بن قيس يدخل في المرفوع بالدليل»، فذكره، ثم قال: «هذا الحديث ظاهره الوقوف على معاذ بن جبل من قوله؛ إلا أن في قوله: إنه لم يسمع من النبي ﷺ فيما دون الثلاثين والأربعين من البقر شيئاً؛ دليلاً واضحاً على أنه قد سمع منه ﷺ في الثلاثين والأربعين ما عمل به في ذلك، مع أنه لا يكون مثله رأياً، وإنما هو توقيف ممن أمر بأخذ الزكاة من المؤمنين يطهرهم ويزكيهم بها ﷺ ، ولا خلاف بين العلماء أن في زكاة البقر عن النبي ﷺ وأصحابه ما قال معاذ بن جبل في ثلاثين بقرة تبيع، وفي أربعين مسنة، والتبيع والتبيعة في ذلك عندهم سواء». ثم قال: «وحديث طاووس عندهم عن معاذ: غير متصل، ويقولون إن طاووساً لم يسمع من معاذ شيئاً، وقد رواه قوم عن طاووس عن ابن عباس عن معاذ؛ إلا أن الذين أرسلوه أثبت من الذين أسندوه». وقال البغوي: «ففي الحديث دليل أن الواجب لا يزداد في البقر بعد الأربعين حتى يبلغ ستين، ثم يجب فيها تبيعان، وبعده في كل أربعين مسنة، وفي كل ثلاثين تبيع، وعند أبي حنيفة: فيما زاد على الأربعين بحسابه إلى الستين». وقال أبو العباس الداني في الإيماء إلى أطراف الموطأ (٢/ ٢١٩): «ذكره مقطوعاً موقوفاً، وقد عُدَّ مرفوعاً بدليل الخطاب؛ لأن قوله: فيما دون الثلاثين لم أسمع فيه شيئاً، دليل على أنه قد سمع في الثلاثين، مع أنه كان رسولاً مأموراً، … ».

стр. 9606

وقال (٢/ ٢٢٢): «وقول الدارقطني: إن طاووساً لم يسمع من معاذ، فيه نظر؛ لأن معاذاً كان بالجند من بلاد اليمن، وهي بلدة طاووس، ومات وطاووس ابن بضع عشرة سنة، فيحتمل أن يسمع منه». قلت: قد جزم بأن رواية طاووس عن معاذ مرسلة، وأنه لم يسمع منه شيئاً: جمع من الأئمة النقاد، منهم: الشافعي، وابن المديني، وأبو زرعة، والدارقطني، وابن عبد البر، وعبد الحق الإشبيلي، والذهبي [علل ابن المديني (١١٦)، المراسيل (٣٥٤ و ٣٥٧)، علل الدارقطني (٦/ ٦٦/ ٩٨٤)، سنن الدارقطني (٢/ ٤٨٧/ ١٩٣٠)، الأحكام الوسطى (٢/ ١٦٣)، السير (٥/¬٣٩)، إكمال مغلطاي (٧/ ٥٣)، تحفة التحصيل (١٥٧)، ويؤيده التأريخ، فقد مات طاووس سنة (١٠٦)؛ يعني: بينه وبين معاذ في الوفاة: ما يقرب من تسعين سنة]. وعليه: فهو حديث مرسل، بإسناد صحيح، قد احتج به مالك والشافعي، اعتماداً على علم طاووس بأمر معاذ، ولكثرة من لقي من أصحاب معاذ باليمن، ويشهد له حديث مسروق عن معاذ، وهو حديث صحيح، منطوقه: في كل ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين بقرة مسنة ومفهومه: أن رسول الله ﷺ لم يأمره في أوقاص البقر بشيء، فوافق حديث طاووس عن معاذ، والله أعلم. د - وروى الشافعي وأحمد بن حنبل [الإمامان الجليلان]، وحجاج بن المنهال [ثقة]، واليسع بن إسماعيل [ضعيف. علل الدارقطني (٦/ ١٩٣/ ١٠٦١)، سنن الدارقطني (٥/ ٤٧٥/ ٤٦٩٧)، السنن الكبرى للبيهقي (٨/ ٣٠٤)، الخلافيات (٧/ ١٧٦/ ٥١٢١ و ٥١٢٢) و (٧/ ١٧٨/ ٥١٢٦)، تاريخ بغداد (١٦/ ٥٢١ - ط الغرب)، الأباطيل والمناكير (٢/ ٢٧٧/ ٦١٧)، العلل المتناهية (١١٢٤)، تاريخ الإسلام (٦/ ٢٣٣ - ط الغرب)، اللسان: (٨/ ٥١٤)]؛ عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاووس؛ أن معاذ بن جبل أُتي بوقص البقر، فقال: لم يأمرني فيه النبي ﷺ بشيء. لفظ الشافعي. ولفظ أحمد: أتي معاذ بوقص البقر والعسل، فقال: لم يأمرني النبي ﷺ فيهما بشيء. قال سفيان: الأوقاص: ما دون الثلاثين. ولفظ حجاج [عند الشاشي]: أن معاذاً أتي بوقص البقر فلم يأخذ منه شيئاً، وقال: لم يأمرني فيه رسول الله ﷺ بشيء. أخرجه الشافعي في الأم (٣/¬٢١/¬٧٦٢)، وفي المسند (٩٠)، وأحمد في المسند (٥/ ٢٣١)، والهيثم بن كليب الشاشي في مسنده (٣/ ٢٩٧/ ١٤٠٧)، والدارقطني (٢/ ٤٨٥/ ١٩٢٧)، ومن طريق الشافعي أخرجه: البيهقي في السنن (٤/ ٩٨)، وفي المعرفة (٦/¬٤٠/¬٧٩٤٠)، وفي الخلافيات (٤/ ٢٩٤/ ٣١٧٥). [الإتحاف (١٣/ ٢٤١/ ١٦٦٥٤)، المسند المصنف (٢٤/ ٤٦٣/ ١١٠١٣)].

стр. 9607

تنبيه: أدرج اليسع بن إسماعيل قول ابن عيينة في تفسير الأوقاص عند الدارقطني، أدرجه في المرفوع، واليسع: ضعيف. قال الشافعي: «والوقص ما لم يبلغ الفريضة، ويشبه أن يكون معاذ إنما أخذ الصدقة بأمر رسول الله ﷺ ، وقد روي أنه أتي بما دون ثلاثين، فقال: لم أسمع من النبي ﷺ فيها شيئاً»، ثم أسند حديث مالك المتقدم. قال البيهقي: «كذا في رواية الربيع بالسين، وفي كتاب البويطي بالصاد». وهذا مرسل بإسناد صحيح. أما حديثه في أوقاص البقر فهو ثابت؛ لمجيء أصله في زكاة البقر من حديث مسروق عن معاذ متصلاً، فيصح به، وأما زكاة العسل وأن النبي ﷺ لم يأمر فيها بشيء: فهو محفوظ أيضاً، ولا يثبت في الأمر بزكاة العسل حديث؛ على ما سيأتي تقريره في موضعه، في باب زكاة العسل (١٦٠٠ - ١٦٠٢)؛ إن شاء الله تعالى. • تابع سفيان بن عيينة [وهو أثبت الناس في عمرو بن دينار]: حماد بن زيد [ثقة ثبت]، وحماد بن سلمة [ثقة]: حدثنا عمرو بن دينار، عن طاووس، عن معاذ بن جبل، قال: لم يأمرني رسول الله ﷺ في أوقاص البقر شيئاً. وفي رواية: لم يقل لي رسول الله ﷺ في أوقاص البقر شيئاً. أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في الأموال (١٠٢٢)، وأحمد (٥/ ٢٣٠ و ٢٤٨)، والهيثم بن كليب الشاشي في مسنده (٣/ ٢٩٨/ ١٤٠٨)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ١٦٥/ ٣٤٨). [الإتحاف (١٣/ ٢٤١/ ١٦٦٥٤)، المسند المصنف (٢٤/ ٤٦٣/ ١١٠١٣)]. وهذا مرسل بإسناد صحيح. • ورواه ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار، أن طاووساً أخبره؛ أن معاذ بن جبل قال: لست آخذ من أوقاص البقر شيئاً حتى آتي رسول الله ﷺ ، فأتى رسول الله ﷺ فأمر فيها بشيء. أخرجه عبد الرزاق (٤/¬٢٢/¬٦٨٤٣) (٤/ ٣٣٥/ ٧٠٥٥ - ط التأصيل). [المسند المصنف (٢٤/ ٤٦٣/ ١١٠١٣)]. كذا وقع في المصنف، ولعله من أوهام إسحاق بن إبراهيم الدبري، راوي المصنف، وقد تكلّم في روايته عن عبد الرزاق، فإنه ممن سمع من عبد الرزاق بأخرة بعدما عمي وأضر، كما أن الدبري كان يصحف، ويحرف، وروى عن عبد الرزاق أحاديث منكرة [شرح العلل لابن رجب (٢/ ٧٥٤)، اللسان (٢/¬٣٦)]. وقوله: فأمر فيها بشيء، لعلها تحرفت عليه بسقوط حرف النفي، وتقديره: فما أمر فيها بشيء، كما أن الصحيح: أن رسول الله ﷺ توفي قبل أن يقدم معاذ بن جبل. • وقد رواه على الصواب: أحمد بن حنبل [وهو ممن روى عن عبد الرزاق قبل أن يفقد بصره، وسماعه منه متقدم]، قال: حدثنا عبد الرزاق، وابن بكر، قالا: أخبرنا ابن

стр. 9608

جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار؛ أن طاووساً أخبره؛ أن معاذ بن جبل قال: لست آخذ في أوقاص البقر شيئاً؛ حتى آتي رسول الله ﷺ ، فإن رسول الله ﷺ لم يأمرني فيها بشيء. قال ابن بكر: لست بآخذ في الأوقاص. أخرجه أحمد (٥/ ٢٣١). • تابع عبد الرزاق على هذا الوجه المحفوظ: محمد بن بكر البرساني [ثقة]، وحجاج بن محمد المصيصي [ثقة ثبت، من أثبت الناس في ابن جريج]: روياه عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن طاووس؛ أن معاذ بن جبل قال باليمن: لست بآخذ من أوقاص البقر شيئاً حتى آتي رسول الله ﷺ ، فإن رسول الله ﷺ لم يأمرني فيها بشيء. أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في الأموال (١٠٢٢). وفي غريب الحديث (٥/ ١٦٢)، وأحمد (٥/ ٢٣١). وهذا مرسل بإسناد صحيح. • وتابعهم: الحجاج بن أرطأة [ليس بالقوي]، عن عمرو بن دينار، عن طاووس؛ أن معاذ بن جبل قدم اليمن، فأخذ من كل ثلاثين تبيعاً جذعاً - أو قال: جذعة ـ، ومن الأربعين بقرة مسنة، فقالوا له: ألا تأخذ من الأوقاص؟ قال: لم أومر فيها بشيء. وفي رواية: إن رسول الله ﷺ لم يأمرني أن آخذ منها. أخرجه ابن زنجويه في الأموال (١٤٦٣)، والمحاملي في الأمالي (٤٢١ - رواية ابن مهدي الفارسي). هـ - ورواه سفيان الثوري [وعنه: أبو نعيم الفضل بن دكين، ووكيع بن الجراح، وعبد الرزاق بن همام، وعبد الله بن الوليد العدني، وعبد الله بن وهب]، وسفيان بن عيينة [عنه: الحميدي، وأحمد بن عبدة، وحجاج بن المنهال، وقتيبة بن سعيد] [وهم جميعاً ثقات]: عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاووس؛ أن معاذ بن جبل أتي من اليمن بوقص البقر والعسل، فقال: كلاهما لم يأمرني النبي ﷺ فيه بشيء. لفظ ابن عيينة. ولفظ عبد الرزاق: سألوه عما دون ثلاثين من البقر، وعن العسل؟ قال: لم أؤمر فيها بشيء. ولفظ أبي نعيم [عند ابن زنجويه]: لما بعث معاذ إلى اليمن سئل عما دون الثلاثين من البقر؟ فقال: لم أومر فيها بشيء. ولفظ وكيع [عند ابن أبي شيبة]: أن معاذاً لما أتى اليمن أتي بالعسل، وأوقاص الغنم، فقال: لم أؤمر فيها بشيء. ولفظ ابن وهب [عند الشاشي]: عن معاذ بن جبل حين بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن؛ أنه سئل عما دون الثلاثين من البقر، وعن العسل؛ ما فيه؟

стр. 9609

قال: لم أومر فيه بشيء، فكتب إلى رسول الله ﷺ يسأله عن ذلك، فلم يرجع كتابه حتى توفي رسول الله ﷺ . أخرجه أبو داود في المراسيل (١٠٧)، وعبد الرزاق (٤/ ٦٠/ ٦٩٦٤)، وابن أبي شيبة (٢/ ٣٧٣/ ١٠٠٥٥) (٦/ ٢١٧/ ١٠٣٢٩ - ط الشثري)، وابن زنجويه في الأموال (١٤٦٥ و ٢٠٢١)، والبلاذري في فتوح البلدان (٨٠)، والهيثم بن كليب الشاشي في مسنده (٣/ ٢٩٧/ ١٤٠٥ و ١٤٠٦)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ١٦٥/ ٣٤٧)، وابن حزم في المحلى (٤/ ١٠٢)، والبيهقي (٤/ ١٢٧ و ١٢٨). [التحفة (٨/ ٨٥/ ١١٣١٤)، المسند المصنف (٢٤/ ٤٦٣/ ١١٠١٣)]. وهذا مرسل بإسناد صحيح. وهو حديث محفوظ بشقيه: أن ليس في أوقاص البقر شيء؛ يعني: فيما دون الثلاثين، فإذا بلغت ثلاثين ففيها: تبيع أو تبيعة، وكذلك العسل: فالصحيح أن ليس فيه زكاة على ما سيأتي تقريره في باب زكاة العسل (١٦٠٠ - ١٦٠٢)؛ [إن شاء الله تعالى]. قال الدارقطني في العلل (٦/ ٦٦/ ٩٨٤) لما سئل عن هذا الحديث لطاووس عن معاذ: «يرويه عمرو بن دينار وإبراهيم بن ميسرة فرواه ابن عيينة، والحسن بن أبي جعفر، عن عمرو بن دينار، عن طاووس، عن معاذ. وكذلك رواه ابن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة، واختلف عن الثوري: فرواه ابن وهب، عن الثوري، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاووس، عن معاذ بن جبل. ورواه وكيع عن الثوري، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاووس؛ أن معاذاً لما أتى اليمن، قال: لم أومر فيها بشيء؛ فأرسله. ومن قال: عن معاذ؛ فهو أيضاً مرسل؛ لأن طاووساً لم يسمع من معاذ». هكذا روى هذا الحديث عن طاووس مرسلاً، لم يذكر بينه وبين معاذ أحداً: عمرو بن دينار [المكي: تابعي، ثقة ثبت، من الطبقة الرابعة]، وإبراهيم بن ميسرة [الطائفي، نزيل مكة: ثبت حافظ، من الطبقة الخامسة]، ويحيى بن سعيد الأنصاري [المدني: ثقة ثبت، من الطبقة الخامسة]، وحميد بن قيس [المكي: ثقة، من الطبقة السادسة]. وسواء في ذلك من قال منهم: عن معاذ، أو قال: أن معاذاً، أو قال: بعث النبي ﷺ معاذاً، فكله مرسل؛ فإن طاووساً لم يدرك معاذ بن جبل؛ لكن حديثه هنا عنه صحيح، فإنه كان عالماً بأمر معاذ، كما قال الشافعي، وأخذ علم معاذ من أصحابه، فطالما روى ما هو معروف عن معاذ؛ فحديثه صحيح مستقيم، وحديثه هذا مروي من وجه آخر صحيح، رواه مسروق عن معاذ متصلاً بإسناد صحيح، فهو يعتضد به والله الموفق للصواب.

стр. 9610

• خالف هؤلاء الثقات، فوهم فيه أو قصر به: • ليث بن أبي سليم [ضعيف، لاختلاطه وعدم تميز حديثه] [وعنه: عبد الله بن إدريس، وهو: ثقة]، فرواه عن طاووس، عن معاذ، قال: ليس في الأوقاص شيء. أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٦٤/ ٩٩٤٢) (٦/ ١٨٧/ ١٠٢٠٨ - ط الشثري) و (٧/ ٢٩٩/ ٣٦٢٦٧). [المسند المصنف (٢٤/ ٤٦٤/ ١١٠١٣)]. وهذا وهم من ليث، خلط فيه ولم يضبطه. • ورواه المعتمر بن سليمان [ثقة]، عن ليث، عن طاووس، في صدقة البقر، قال: ليس فيما دون الثلاثين شيء، وهي الأوقاص، ما لم تحل فيها الصدقة، فإذا بلغت ثلاثين، فإن فيها تبيعاً جذعاً، وفي أربعين بقرة مسنة. أخرجه ابن زنجويه في الأموال (١٤٦٤). هكذا خلط ليث في إسناده ومتنه. • وروى ابن جريج، قال: أخبرني [ابن] طاووس، عن أبيه، أنه قال: في ثلاثين بقرة تبيع جذع [أو جذعة]، وفي الأربعين بقرة بقرة. قال: ولم أسمع منه فيما وراء ذلك شيئاً. أخرجه عبد الرزاق (٤/¬٢٢/¬٦٨٤٥) (٤/ ٣٣٦/ ٧٠٥٧ - ط التأصيل)، وابن أبي شيبة (٢/ ٣٦٣/ ٩٩٣١) (٦/ ١٨٣/ ١٠١٩٧ - ط الشثري). [المسند المصنف (٢٤/ ٤٦٣/ ١١٠١٣)]. وهذا إسناد صحيح إلى طاووس قوله مقطوعاً عليه، ولعله أفتى به مرة، فسمعه ابنه، ورواه عنه من قوله، وإلا فإن رفعه عن طاووس في قصة معاذ باليمن صحيح ثابت، رواه عنه أربعة من ثقات أصحابه؛ أو يقال: قصر به بعضهم فقطعه على طاووس، والله أعلم. و - ورواه أبو بدر شجاع بن الوليد [ثقة]: ثنا الحسن بن عمارة: ثنا الحكم، عن طاووس، عن ابن عباس ﵁، قال: لما بعث رسول الله ﷺ معاذاً إلى اليمن، قيل له: ما أُمرت؟ قال: أُمرتُ أن آخذ من البقر من ثلاثين تبيعاً أو تبيعةً، ومن كل أربعين مسنةً. لفظه عند البيهقي. ولفظ الدارقطني: لما بعث رسول الله ﷺ معاذاً إلى اليمن قيل له: بما أمرت؟، قال: أمرت أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعاً أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة، قيل له: أمرت في الأوقاص بشيء؟، قال: لا، وسأسأل النبي ﷺ ، فسأله، فقال: «لا، وهو ما بين السنين». يعني: لا تأخذ من ذلك شيئاً. أخرجه الدارقطني (٢/ ٤٧٥/ ١٩٠٤)، والبيهقي في السنن (٤/ ٩٨)، وفي الخلافيات (٤/ ٢٩٢/ ٣١٧٣)، وابن الجوزي في التحقيق (٢/¬٢٦/¬٩٣٢). [الإتحاف (٧/ ٢٦٧/ ٧٧٨٧)]. قال الدارقطني: «الحسن: ضعيف» [الإتحاف (٧/ ٢٦٧/ ٧٧٨٧)].

стр. 9611

قلت: هو حديث منكر، إنما رواه الناس عن الحكم بن عتيبة مرسلاً، والحسن بن عمارة: متروك الحديث، واتهم، يحدث عن الحكم بن عتيبة بما ليس من حديثه [التهذيب (١/ ٤٠٧)] وروي من وجه آخر عن الحكم عن طاووس عن ابن عباس؛ وهو حديث باطل [أخرجه الضياء المقدسي في المنتقى من مسموعاته بمرو (٤/ ١٢٠٧/ ١٠٦٨)] [وفي إسناده: أبو أيوب عبد الله بن علي بن مهران الأزرق الإفريقي ثم الكوفي، وهو: لين الحديث. راجع ترجمته في فضل الرحيم الودود (٣/ ٣٨٣/ ٣٠٠)، والحسين بن سعيد بن أبي الجهم وأبوه: لا يُعرفان. انظر: اللسان (٣/¬٥٠)، والمنذر بن محمد بن المنذر بن سعيد بن أبي الجهم القابوسي: قال الدارقطني: «ليس بالقوي»، وقال في غرائب مالك: «ضعيف»، وقال مرة: «مجهول»، وقال أيضاً: «متروك الحديث». اللسان (٨/ ١٥٣ و ١٥٤)، سؤالات الحاكم (٢٣٤)، وأبوه: لا يُعرف. والراوي عنه: أبو بكر بن أبي دارم، أحمد بن محمد بن السري الحافظ، وهو رافضي كذاب متهم بالوضع. السير (١٥/ ٥٧٦)، اللسان (١/ ٦٠٩)] [وانظر للفائدة لمعرفة رجال هذا الإسناد ثلاثة مجالس من أمالي ابن مردويه (٢٨)، جزء الاعتكاف لأبي الحسن الحمامي (١١)]. ز - ورواه عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير الحمصي [ثقة]، وحيوة بن شريح بن يزيد الحمصي [ثقة]: ثنا بقية [صدوق، مدلس، وقد صرح بالتحديث]: حدثني المسعودي [عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة: صدوق؛ إلا أنه اختلط]، عن الحكم بن عتيبة، عن طاووس، عن ابن عباس، قال: لما بعث رسول الله ﷺ معاذاً إلى اليمن؛ أمره أن يأخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعاً أو تبيعةً، جذعاً أو جذعةً، ومن كل أربعين بقرة بقرة مسنة. فقالوا: فالأوقاص؟ قال: فقال: ما أمرني فيها بشيء، وسأسأل رسول الله ﷺ إذا قدمت عليه، فلما قدم على رسول الله ﷺ سأله عن الأوقاص، فقال: «ليس فيها شيء». وقال المسعودي والأوقاص: ما دون الثلاثين وما بين الأربعين إلى الستين، وإذا كانت ستون ففيها تبيعتان، فإذا كانت سبعون ففيها مسنة وتبيع، فإذا كانت ثمانون ففيها مسنتان، فإذا كانت تسعون ففيها ثلاث تبائع، قال بقية: قال المسعودي: الأوقاص: هي بالسين: الأوقاس، فلا تجعلها بصاد. أخرجه البزار (١١/ ١٣٨/ ٤٨٦٨)، والدارقطني (٢/ ٤٨٥/ ١٩٢٨)، وابن حزم في المحلى (٤/ ٩٥)، والبيهقي في السنن (٤/ ٩٩)، وفي الخلافيات (٤/ ٢٩٢/ ٣١٧٤)، وابن عبد البر في التمهيد (٢/ ٢٧٤). [الإتحاف (٧/ ٢٦٧/ ٧٧٨٧)]. قال البزار: «وهذا الحديث إنما يرويه الحفاظ عن الحكم عن طاووس مرسلاً، ولا نعلم أحداً قال فيه: طاووس عن ابن عباس؛ إلا بقية عن المسعودي، ولم يتابع بقية عن المسعودي على هذا الحديث أحد. ورواه الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن طاووس،

стр. 9612

عن ابن عباس، والحسن بن عمارة: لا يحتج بحديثه إذا تفرد بحديث». وقال الدارقطني: «المسعودي في حفظه شيء» [الإتحاف (٧/ ٢٦٧/ ٧٧٨٧)]. وقال البيهقي: «وهذا الحديث مشهور عن طاووس، غير أنه أرسله في رواية عمرو بن دينار وغيره عنه. قال الشافعي ﵀: وطاووس عالم بأمر معاذ بن جبل ﵁، وإن كان لم يلقه؛ لكثرة من لقيه ممن أدرك معاذا من أهل اليمن». وقال ابن عبد البر: «لم يسنده عن المسعودي عن الحكم غير بقية بن الوليد، وقد اختلفوا في الاحتجاج بما ينفرد به بقية عن الثقة، وله روايات عن مجهولين لا يعرج عليهم». وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (٢/ ١٦٣) مستدلا بحديث مالك عن حميد بن قيس: «هذا هو الصحيح: أن معاذ بن جبل قدم بعدما توفي رسول الله ﷺ ، وطاووس لم يدرك معاذا». قلت: بقية بن الوليد مع كونه قد صرح بالتحديث في هذا الحديث، والرواة عنه ثقات، وهو من طبقة بعض ممن سمع من المسعودي قبل الاختلاط، بل هو أكبر من بعضهم، فهو أكبر من وكيع بن الجراح بأكثر من خمسة عشر عاما، وأكبر من أبي نعيم بما يقرب من عشرين عاما، لكن من نفس هذه الطبقة أيضا من سمع من المسعودي بعد الاختلاط، مثل: يزيد بن هارون، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبي داود الطيالسي [انظر: تاريخ بغداد (١٠/ ٢١٨)، الكواكب النيرات (٣٥)، شرح علل الترمذي (٢/ ٧٤٧). التقييد والإيضاح (٤٣٠)]؛ ولذلك فإنه لا يتأكد عندي أن يكون بقية ممن سمع من المسعودي قبل اختلاطه، لا سيما وهو شامي، يبعد أن يكون لقي المسعودي حال صحته، والله أعلم. قلت: ومع ذلك، فإن النقاد لم يقبلوا حديث بقية هذا عن المسعودي، بل أعلوه، لا سيما وهو مقل جدا عن المسعودي، وليس من أصحابه الكوفيين ولا البصريين، بل هو من الغرباء الشاميين المقلين، مع احتمال كونه أخذ عنه بعد الاختلاط، ثم هو بعد ذلك ممن يهم في الرواية عن الثقات من غير أهل بلده، وقد وجدت كلاما لأبي زرعة وابن المديني يدل على كونه لم يكن يضبط حديث الكوفيين، بل وأهل الحجاز والعراق، قال البرذعي في سؤالاته (٢/ ٦٤٢ - ٦٤٣): «قال لي أبو زرعة في حديث أخطأ فيه بقية عن المسعودي: إذا نقل بقية حديث الكوفة إلى حمص يكون هكذا»، وقال ابن المديني: «بقية صالح فيما روى عن أهل الشام، وأما حديثه عن عبيد الله بن عمر، وأهل الحجاز والعراق، فضعفه فيها جدا»، وقال: «بقية روى عن عبيد الله بن عمر أحاديث منكرة» [تاريخ بغداد (٧/ ٦٢٧)]. وهذا ابن عدي بعد أن أنكر على بقية أحاديث رواها عن أهل الحجاز وأهل العراق وغيرهم، ثم ذكر رواية الأكابر عنه، وروايته عن الأصاغر، قال: «ولبقية حديث صالح غير

стр. 9613

ما ذكرناه، ففي بعض رواياته يخالف الثقات، وإذا روى عن أهل الشام فهو ثبت، وإذا روى عن غيرهم خلط؛ كإسماعيل بن عياش إذا روى عن الشاميين فهو ثبت، وإذا روى عن أهل الحجاز والعراق خالف الثقات في روايته عنهم». ثم قال: «قد تقدم ذكري في ذلك أن صفته في روايات الحديث كإسماعيل بن عياش إذا روى عن الشاميين فهو ثبت، وإذا روى عن المجهولين فالعهدة منهم لا منه، وإذا روى عن غير الشاميين فربما وهم عليهم، وربما كان الوهم من الراوي عنه، وبقية صاحب حديث، ومن علامة صاحب الحديث أنه يروي عن الكبار والصغار، ويروي عنه الكبار من الناس، وهذا صورة بقية [الكامل (٢/ ٥٤٩ - ط الرشد)] [وانظر أيضاً: شرح علل الترمذي (٢/ ٧٧٤)] [وقد تقدم معنا في فضل الرحيم الودود بعض المناكير التي رواها بقية عن غير أهل الشام، انظر مثلاً: وهمه على يونس بن يزيد الأيلي (٥/ ١٠٦/ ٤١٢)]. وهذا الحديث مما أنكره النقاد على بقية، فلا يحتمل تفرده به؛ فهو حديث منكر. ثم إن كان بقية حمله عن المسعودي حال اختلاطه، فهو من ضعيف حديثه؛ والعهدة إذن على اختلاط المسعودي، مع تفرد بقية به أيضاً، لكن أبا زرعة في كلامه المتقدم حمل التبعة على بقية وحده دون المسعودي، ولم يشر إلى اختلاط المسعودي حال أخذ بقية عنه. وقد تكلم أيضاً في رواية المسعودي عن غير القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود المسعودي، وعون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود؛ قال أبو زرعة عن المسعودي: «أحاديثه عن غير القاسم وعون: مضطربة، يهم كثيراً» [سؤالات البرذعي (٢/ ٥٩٦)]. وممن ميز أيضاً بين شيوخ المسعودي، فصحح حديثه عن القاسم وعون دون غيرهما: يحيى بن معين، وعلي بن المديني [التهذيب (٢/ ٥٢٤)]. • والحاصل: فهو حديث منكر؛ إنما رواه الناس عن الحكم بن عتيبة مرسلاً. ح - ورواه منصور بن أبي مزاحم [بغدادي، ثقة]: ثنا أبو شيبة، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ كتب إلى معاذ بن جبل ﵁ أن: «من أسلم من المسلمين فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم، ومن أقام على يهودية أو نصرانية فعلى كل حالم دينار، أو عدله من المعافر، ذكراً أو أنثى حراً أو مملوكاً، وفي كل ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين بقرة مسنة، وفي كل أربعين من الإبل ابنة لبون، وفيما سقت السماء أو سقي فيحا العشر، وفيما سقي بالغرب نصف العشر». أخرجه البيهقي (٩/ ١٩٤) (١٩/¬٣٨/¬١٨٧٠٦ - ط هجر). قال البيهقي: «ورواه أبو شيبة إبراهيم بن عثمان عن الحكم موصولاً، وأبو شيبة: ضعيف»، ثم قال: «هذا لا يثبت بهذا الإسناد». قلت: هو حديث منكر؛ تفرد به عن الحكم بن عتيبة الثقة الثبت: أبو شيبة إبراهيم بن عثمان بن أبي شيبة، وهو: متروك، منكر الحديث، روى عن الحكم أحاديث مناكير [التهذيب (١/ ٧٦)، الميزان (١/¬٤٧)].

стр. 9614

ط - ورواه سفيان الثوري [وعنه: عبد الرزاق بن همام]، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن معاذ، أنه سأل النبي ﷺ عن الأوقاص؛ ما بين الثلاثين إلى الأربعين، وما بين الأربعين إلى الخمسين، فقال: «ليس فيها شيء». أخرجه عبد الرزاق (٤/¬٢٣/¬٦٨٤٨) (٤/ ٣٣٦/ ٧٠٦٠ - ط التأصيل). [المسند المصنف (٢٤/ ٤٦٠/ ١١٠٠٩)]. • ورواه عبد الرحمن بن مهدي [ثقة ثبت، إمام حجة]، عن سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم بن عتيبة؛ أن معاذاً سأل النبي ﷺ عن الأوقاص؟ فقال: «ليس فيها شيء». أخرجه سحنون في المدونة (١/ ٣٥٥). • ورواه عبد الله بن المبارك [ثقة حجة]، ومحمد بن كثير [العبدي: ثقة]: عن سفيان، عن ابن أبي ليلى عن الحكم، عن رجل، عن معاذ، أن النبي ﷺ قال: «لا تأخذ من الأوقاص شيئاً»؛ يعني: ما بين الثلاثين والأربعين والخمسين. أخرجه ابن زنجويه في الأموال (١٤٦٦)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ١٦٨/ ٣٥٦). هكذا اختلف أصحاب الثوري عليه، والحكم لمن زاد في الإسناد رجلاً. • ورواه عبد الله بن نمير [ثقة]، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، قال: بعث النبي ﷺ معاذاً، فأمره أن يأخذ من البقر، من كل ثلاثين تبيعاً أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة، فسألوه عن فضل ما بينهما، فأبى أن يأخذه، حتى سأل النبي ﷺ ، فقال: «لا تأخذ شيئاً». أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٦٤/ ٩٩٤١) (٦/ ١٨٦/ ١٠٢٠٧ - ط الشثري). [المسند المصنف (٢٤/ ٤٦٠/ ١١٠٠٩)]. هكذا رواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الحكم مرسلاً، لكن اختلف عليه: فمرة يجعله عن الحكم عن رجل عن معاذ، ومرة يجعله عن الحكم مرسلاً، وهو أشبه بالصواب، وابن أبي ليلى: ليس بالقوي، كان سيئ الحفظ. وهذا مرسل بإسناد لين، ومتنه منكر. • وأصح ما روي عن الحكم في ذلك: ي - ما رواه محمد بن قدامة بن أعين، ويحيى بن آدم، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو بكر ابن أبي شيبة، ويوسف بن موسى القطان [وهم ثقات، أكثرهم حفاظ]: حدثنا جرير [هو: ابن عبد الحميد الضبي]، عن منصور [هو: ابن المعتمر]، عن الحكم، قال: كتب رسول الله ﷺ إلى معاذ بن جبل وهو باليمن: «وفي الحالم والحالمة دينار، أو عدله من قيمة المعافر، ولا يُفتنن يهودي عن يهوديته». كذا في رواية ابن أعين عند أبي داود مختصر. وفي رواية القطان عند البلاذري: كتب رسول الله ﷺ إلى معاذ بن جبل وهو باليمن أن: «فيما سقت السماء أو سُقي غيلاً العشر، وفيما سقي بالغرب والدالية نصف العشر،

стр. 9615

وأنّ على كلّ حالم ديناراً، أو عدل ذلك من المعافر، وأن لا يفتن يهوديّ عن يهوديّته». قالوا: الغيل: السيح، والغرب: الدّلو؛ يعني: ما سقي بالسّواني، والدّوالي، والدّواليب، والغرافات، والبعل: السيح أيضاً، والمعافر: ثياب لهم. ولفظ يحيى بن آدم [عند البيهقيّ]: كتب رسول الله ﷺ إلى معاذ بن جبل ﵁ باليمن: «على كلّ حالم أو حالمة ديناراً، أو قيمته، ولا يفتن يهوديّ عن يهوديّته». أخرجه أبو داود في المراسيل (١١٧)، ويحيى بن آدم في الخراج (٢٢٩ و ٣٦٥)، وأبو عبيد القاسم بن سلّام في الأموال (٦٥) و (١٤١١)، وابن أبي شيبة (٢/ ٣٧٦/ ١٠٠٨٠)، وابن زنجويه في الأموال (١٠٩ و ١٩٦٤)، والبلاذري في فتوح البلدان (٧٨)، وابن حزم في المحلّى (٤/ ١٠١)، والبيهقيّ (٩/ ١٩٤). [التحفة (١٢/ ٢٨٨/ ١٨٥٨٢)]. قال يحيى بن آدم: «ولم أسمع أن على النّساء جزية إلا في هذا الحديث». وقال أبو عبيد في الأموال (٩٣): «وقد جاء في كتاب النّبيّ ﷺ إلى معاذ باليمن الذي ذكرناه: أن على كلّ حالم ديناراً، ما فيه تقوية لقول عمر، ألا ترى أنه ﷺ خصّ الحالم دون المرأة والصّبيّ؟ إلاّ أن في بعض ما ذكرناه من كتبه: الحالم والحالمة، فنرى - والله أعلم - أن المحفوظ المثبت من ذلك: هو الحديث الذي لا ذكر للحالمة فيه؛ لأنّه الأمر الذي عليه المسلمون، وبه كتب عمر إلى أمراء الأجناد، فإن يكن الذي فيه ذكر الحالمة محفوظاً فإن وجهه عندي - والله أعلم-: أن يكون ذلك كان في أوّل الإسلام، إذ كان نساء المشركين وولدانهم يقتلون مع رجالهم، وقد كان ذلك ثمّ نسخ» [ونقله ابن زنجويه في الأموال (١٤٤)]. وقال الأثرم: قيل لأبي عبد الله [يعني: أحمد بن حنبل]: جعل على أهل اليمن على كلّ حالم وحالمة ديناراً؟ قال: «لا أعرف: وحالمة، إنّما هو: على كلّ حالم» [أحكام أهل الملل لأبي بكر الخلّال (٢٤١)]. وقال البيهقي: «وهذا منقطع، وليس في رواية أبي وائل عن مسروق عن معاذ: حالمة، ولا في رواية إبراهيم عن معاذ، إلاّ شيئاً روى عبد الرزّاق، عن معمر، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ، ومعمر إذا روى عن غير الزّهريّ يغلط كثيراً والله أعلم، وقد حمله ابن خزيمة - إن كان محفوظاً - على أخذها منها إذا طابت بها نفساً. ورواه أبو شيبة إبراهيم بن عثمان عن الحكم موصولاً، وأبو شيبة: ضعيف». وقال ابن القيّم في «الزّاد» (٣/ ١٤٣): «هذا لا يصحّ وصله، وهو منقطع، وهذه الزّيادة مختلف فيها، لم يذكرها سائر الرّواة، ولعلّها من تفسير بعض الرّواة. وقد روى الإمام أحمد، وأبو داود، والتّرمذيّ، والنّسائيّ، وابن ماجه، وغيرهم هذا الحديث، فاقتصروا على قوله: أمره أن يأخذ من حالم ديناراً، ولم يذكروا هذه الزّيادة».

стр. 9616

وهذا مرسل بإسناد صحيح، وذكر الحالمة غير محفوظ. ك - وروى معاوية بن عمرو الأزدي، وهارون بن معروف، وعبد العزيز بن عمران بن مقلاص [وهم ثقات]، وأحمد بن عبد الرحمن بن وهب [أكثر عن عمه، وهو صدوق تغير بآخره، كان مستقيم الأمر، ثم خلط بعد فحدث بما لا أصل له، حتى رمي بالكذب، لكن حديثه هنا محفوظ حيث توبع عليه. وانظر ترجمته فيما تقدم برقم (١٤٨ و ٧١٤ و ٨٢٩ و ١٠٢٤ و ١١٥٦)]: عن عبد الله بن وهب [ثقة حافظ]: أخبرني حيوة بن شريح [التجيبي: ثقة ثبت]، عن يزيد بن أبي حبيب [ثقة فقيه]، عن سلمة بن أسامة، عن يحيى بن الحكم؛ أن معاذاً قال: بعثني رسول الله ﷺ أصدق أهل اليمن، وأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعاً - قال هارون والتبيع: الجذع أو الجذعة، ومن كل أربعين مسنة. قال: فعرضوا علي أن آخذ من الأربعين - قال هارون: ما بين الأربعين والخمسين، وبين الستين والسبعين، وما بين الثمانين والتسعين - فأبيتُ ذاك، وقلت لهم: حتى أسأل رسول الله ﷺ عن ذلك. فقدمت، فأخبرت النبي ﷺ ، فأمرني أن آخذ من كل ثلاثين تبيعاً، ومن كل أربعين مسنة، ومن الستين تبيعين، ومن السبعين مسنة وتبيعاً، ومن الثمانين مسنتين، ومن التسعين ثلاثة أتباع، ومن المائة مسنة وتبيعين، ومن العشرة والمائة مسنتين وتبيعاً، ومن العشرين ومائة ثلاث مسنات أو أربعة أتباع. قال: وأمرني رسول الله ﷺ أن لا آخذ فيما بين ذلك - وقال هارون: فيما بين ذلك شيئاً - إلا أن يبلغ مسنةً أو جذعاً، وزعم أن الأوقاص لا فريضة فيها. ولفظ ابن مقلاص: بعثني رسول الله ﷺ مصدقاً إلى أهل اليمن، وأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعاً - والتبيع: الجذع - أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة، قال: فعرضوا علي أن آخذ ما بين الأربعين والخمسين، وبين الستين والسبعين، وما بين الثمانين والتسعين، فأبيت عليهم وقلت لهم حتى أسأل رسول الله ﷺ عن ذلك، فقدمت فأخبرت النبي ﷺ ، فأمرني أن آخذ من كل ثلاثين تبيعاً، ومن الأربعين مسنة، ومن الستين تبيعتين، ومن السبعين مسنة وتبيعاً، ومن الثمانين مسنتين، ومن التسعين ثلاثة أتابيع، ومن المائة مسنة وتبيعين، ومن العشر ومائة مسنتين وتبيعاً، ومن العشرين ومائة ثلاثة مسنات أو أربعة أتابيع، وأمرني رسول الله ﷺ أن لا آخذ من ما بين ذلك شيئاً، إلى أن يبلغ مسنة أو جذعاً، وزعم أيضاً: أن الأوقاص لا فريضة فيها. أخرجه أحمد (٥/ ٢٤٠)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ١٧٠/ ٣٦٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٤/ ١١٩)، وابن الجوزي في التحقيق (٢/¬٢٦/¬٩٣٣). [الإتحاف (١٣/ ٢٩٤/ ١٦٧٤٦)، المسند المصنف (٢٤/ ١١٠٠٨/ ٤٦٠)]. قال ابن كثير في البداية والنهاية (٧/ ٣٨٦): «وهذا من أفراد أحمد، وفيه دلالة على أنه قدم بعد مصيره إلى اليمن على رسول الله ﷺ ، والصحيح أنه لم ير النبي ﷺ بعد ذلك، كما تقدم في الحديث».

стр. 9617

• ورواه أبو الأسود النضر بن عبد الجبار [ثقة]، وعبد الله بن يوسف التنيسي [ثقة متقن]، وخالد بن عبد الرحمن [الخراساني أبو الهيثم: لا بأس به] [وقال: علي بن الحكم، بدل: يحيى بن الحكم؛ فوهم]: عن ابن لهيعة [ضعيف]، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سلمة بن أسامة، عن يحيى بن الحكم؛ أن معاذ بن جبل، قال: بعثني رسول الله ﷺ أصدق أهل اليمن، وأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعاً - قال: والتبيع جذع أو جذعة، ومن كل أربعين مسنة، ومن الستين تبيعين، ومن السبعين مسنة وتبيعاً، ومن الثمانين مسنتين، ومن التسعين ثلاثة أتابيع، ومن المائة مسنة وتبيعين، ومن العشرين ومائة ثلاث مسنات أو أربعة أتابيع. قال: وأمرني رسول الله ﷺ أن لا آخذ مما بين ذلك شيئاً، وقال: «إن الأوقاص لا فريضة فيها». أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في الأموال (١٠٢١) و (١٠٢٣) و (١٠٢٦) [وقع في سنده تخليط، ضبطته من مجموع مواضعه]، وابن زنجويه في الأموال (١٤٥٦ و ١٤٦٢)، والهيثم بن كليب الشاشي في مسنده (٣/ ٢٩١/ ١٣٩٨)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٤٩/ ١٢٤). وهذا مرسل بإسناد ضعيف؛ وهو حديث منكر. سلمة بن أسامة: لا يُعرف إلا بهذه الرواية حسب، فهو: مجهول، وحديثه منكر؛ إذ إن المحفوظ أن معاذاً لم يسأل النبي ﷺ عن الأوقاص، ولم يجبه فيها، ولم يأمره في الحديث الثابت؛ إلا بتبيع أو تبيعة في كل ثلاثين من البقر، وأمره بمسنة في كل أربعين [كما في حديث مسروق وطاووس عن معاذ]، ولم يأمره في الأوقاص بشيء [كما في حديث طاووس عن معاذ، وهو مفهوم حديث مسروق عن معاذ]، ولم يترجم النقاد لسلمة في أمهات كتب التأريخ والرجال، مثل: التاريخ الكبير، والجرح والتعديل، والثقات لابن حبان وغيرها، كما لم يذكره أحد علمته في الضعفاء [انظر: تعجيل المنفعة (٣٩٨)]. ويحيى بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، أخو مروان بن الحكم، وإن كان معروف النسب؛ إلا أنه مجهول الحال في الرواية؛ فإنه أيضاً لا يُعرف إلا برواية هذا الحديث، وله ذكر في التأريخ والسير، وقد ولاه عبد الملك المدينة [انظر مثلاً: تاريخ الطبري (٦/ ٢٠٢)]، ولم يترجم له في كتب الرجال أيضاً، لم يترجم له البخاري، ولا ابن أبي حاتم، ولا ابن حبان، مما يدل على ندرة روايته حتى شذ عنهم هذا الحديث؛ فلم يترجموا له، لكن ترجم له ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٤/ ١١٩)، فقال: «أخو مروان بن الحكم، حدث عن معاذ بن جبل، روى عنه سلمة بن أسامة، وسكن دمشق، وولاه ابن أخيه عبد الملك المدينة، ثم ولاه حمص، لم يزد على ذلك شيئاً سوى أن أتبعه بهذا الحديث وحده، لم يذكر له رواية أخرى، ثم نقل عن أبي زرعة الدمشقي قوله: «يحيى: مذكور في حديث صدقات أهل اليمن، يحدث به عن معاذ بن جبل»، وهذا مما يدل على صحة ما ذهبت إليه، فهو مجهول، وحديثه منكر؛ كما يغلب على الظن أن روايته عن معاذ مرسلة،

стр. 9618

وقد ذكرت عنه أشياء تدل على أنه لم يكن محمود الرأي والسيرة [انظر: تاريخ خليفة بن خياط (٢٩٦)، التاريخ الكبير لابن أبي خيثمة (٢/ ٦٤/ ١٧٨٣ - السفر الثالث)، أنساب الأشراف (٢/¬٤٩) و (٧/ ٨٧ و ١٣٦ و ٢٢٠ و ٣٧٩)، تاريخ أبي زرعة الدمشقي (٢٣٦)، المعجم الكبير للطبراني (١٤/ ١٦٦/ ١٤٧٩٧)، المؤتلف للدارقطني (٣/ ١٤٧٩)، تاريخ دمشق (٦٤/ ١١٩)، تاريخ الإسلام (٢/ ٨٨٧ - ط الغرب)، تعجيل المنفعة (١١٥٩)]. فإن قيل: لم رددت حديث المجهول في هذا الموضع، وقبلته في مواضع أخرى؟ فيقال: سبق أن قررت أن حديث المجهول لا يقبل بإطلاق، ولا يرد بإطلاق، والعبرة فيه باستقامة الرواية أو بنكارتها، وقد تبين لنا هنا نكارة الرواية لمخالفة الروايات الأصح، وقد سبق أن قررت أن حديث المجهول لا يقبل ولا يرد لمجرد كون راويه مجهولا، وإنما العبرة في ذلك بالقرائن الدالة على كون المجهول حفظ الحديث، ووافق فيه الثقات، أم أنه خالفهم، وأتى فيه بما ينكر عليه. [وقد سبق الكلام مرارا عن حديث المجهول، وأن حديثه إذا كان مستقيما فإنه يكون مقبولا صحيحا؛ وذلك في فضل الرحيم الودود (٨/ ٣٥٣/ ٧٥٩). وانظر أيضا فيما قبلته أو رددته من حديث المجهول: فضل الرحيم الودود (٨/ ٥١٠/ ٧٨٨) و (٨/ ٥٤٥/ ٧٨٨) و (٨/ ٥٨٥/ ٧٩٥) و (٩/ ١٦٠/ ٨٢٥) و (١٠/ ٤٣٠/ ٩٩١) و (١١/ ٣٧٩/ ١٠٧٠) و (١١/ ٥٤٠/ ١١٠٠) و (١٢/¬١٠ /¬١١٠٦) و (١٢/ ٣٨٦/ ١١٨٤) و (١٣/ ١٥٢/ ١٢٢٥)، والأحاديث بأرقام (١٣٦٨ و ١٤٤٦ و ١٤٦٣ و ١٤٧٧ و ١٤٧٨ و ١٥٠٠ و ١٥٥٧ و ١٥٦١)]. ل - وروى يزيد بن هارون [ثقة متقن]، ويعلى بن عبيد [الطنافسي: ثقة]: عن يحيى بن سعيد [الأنصاري: ثقة ثبت]، عن محمد بن يحيى بن حبان [مدني، ثقة فقيه، من الطبقة الرابعة]، أن نعيم بن سلامة أخبره - وهو الذي كان خاتم عمر بن عبد العزيز في يده -، أن عمر بن عبد العزيز دعا بصحيفة زعموا أن رسول الله ﷺ كتب بها إلى معاذ، فقال نعيم: فقرئت وأنا حاضر، فإذا فيها: «من كل ثلاثين تبيع جذع أو جذعة، ومن كل أربعين بقرة مسنة»، قال نعيم: فقلت: تبيع الجذع؟ فقال عمر: بل تبيع جذع. كذا في رواية يزيد. وفي رواية يعلى: عن نعيم بن سلامة - الذي كان في يده خاتم عمر بن عبد العزيز في خلافته - أنه أخبره؛ أن عمر بن عبد العزيز دعا بكتاب معاذ بن جبل الذي كتبه له رسول الله ﷺ وكتب به إليه، فقرئ وأنا جالس، فكان فيه: «في ثلاثين تبيعا جذع، وفي أربعين بقرة». أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٦٣/ ٩٩٣٦) (٦/ ١٨٤/ ١٠٢٠٢ - ط الشثري)، وابن زنجويه في الأموال (١٤٥٥). [المسند المصنف (٣٥/ ٣٥٣/ ١٧١٢٨)]. وأخرجه الشافعي في الأم (٣/¬٢٢/¬٧٦٤)، قال: أخبرنا بعض أهل العلم والأمانة، عن يحيى بن سعيد، عن نعيم بن سلامة، أن عمر بن عبد العزيز … فذكره، وأسقط من

стр. 9619

إسناده: محمد بن يحيى بن حبان. ومن طريقه: البيهقي في المعرفة (٦/¬٤٢/¬٧٩٤٩). قال الشافعي: «فهو ما لا أعلم فيه بين أحد لقيته من أهل العلم خلافاً، وبه نأخذ». قلت: نعيم بن سلامة: تابعي سمع ابن عمر، وكان على خاتم سليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز، روى عنه أبو عبيد حاجب سليمان بن عبد الملك، ورجاء بن حيوة، ومحمد بن يحيى بن حبان، وإبراهيم بن أبي عبلة، ورجاء بن أبي سلمة، والأوزاعي، وعطاء الخراساني، قال عطاء الخراساني: «ما أدركت بفلسطين رجلاً أكمل من نعيم بن سلامة»، قلت: فهو حسن الحديث، ما لم يخالف [التاريخ الكبير (٨/ ٩٨)، المعرفة والتاريخ (٢/ ٣٧٣)، تاريخ أبي زرعة الدمشقي (٣٣٦)، مسند البزار (١٦/ ١٩٠/ ٩٣١٤)، الجرح والتعديل (٨/ ٤٦٢)، الثقات (٥/ ٤٧٨)، تاريخ دمشق (٦٢/ ١٧١)، أسد الغابة (٥/ ٣٢٦)، الجامع لما في المصنفات الجوامع من أسماء الصحابة لأبي موسى الرعيني (٥/ ٣٠٣/ ٥٥٠١)، تعجيل المنفعة (١١٠٨)]. قلت: فهو إسناد لا بأس به إلى عمر بن عبد العزيز، وهي وجادة جيدة؛ إذ الأصل في كتب الصدقات أن تكون محفوظة عند الخلفاء، لكي تنسخ للعاملين على الصدقات. وعليه: فإن هذه الوجادة تقوي حديث مسروق عن معاذ، وحديث طاووس عن معاذ، في صدقة البقر. • وله إسناد آخر عن معاذ بمتن مطول، رواه ركن بن عبد الله الدمشقي، عن مكحول، عن معاذ [أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (٩/ ٤٣٥ - ط الغرب)] [وهو حديث موضوع، تفرد به عن مكحول ركن بن عبد الله الدمشقي، وهو: متروك، يروي عن مكحول أحاديث موضوعة. تاريخ بغداد (٩/ ٤٣٥ - ط الغرب)، اللسان (٣/ ٤٧٥)]. • وله إسناد آخر بمتن منكر، فيه: أمرت أن آخذ من الحالم والحالمة الدينار ونصف دينار [أخرجه أبو الشيخ في طبقات المحدثين (٤/ ٢٦٦)] [تفرد به عن أبي نضرة العبدي، عن أبي رجاء، عن معاذ: عبد الغفور، وأظنه: ابن سعيد، أو ابن عبد العزيز، الواسطي، وهو: متروك، منكر الحديث، قال ابن حبان: «كان ممن يضع الحديث على الثقات». اللسان (٥/ ٢٣٠)، التاريخ الكبير (٦/ ١٣٧)، التاريخ الأوسط (٢/ ٢٠٣)، الجرح والتعديل (٦/ ٥٥)، الكنى لمسلم (١٦٩٧)، ضعفاء النسائي (٤١٠)، ضعفاء العقيلي (٣/ ٨٦٢ - ط حمدي السلفي)، المجروحين (٢/ ١٤٨)، وغيرها]. وخلاصة ما تقدم معنا من أسانيد حديث معاذ بعد اطراح الغرائب والمناكير والأباطيل: أ - سفيان الثوري، ومفضل بن مهلهل، ويعلى بن عبيد: عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ ﵁؛ بعثه النبي ﷺ إلى اليمن، وأمره أن يأخذ من البقر من كل ثلاثين بقرةً تبيعاً، ومن كل أربعين بقرة: بقرةً مسنةً، ومن كل حالم ديناراً، أو عَدلَه مَعافِرَ.

стр. 9620

وهو حديث صحيح، صححه: ابن خزيمة وابن الجارود، والحاكم، والبيهقي، وابن عبد البر، واحتج به: أحمد، وأبو داود، والنسائي، وثبته ابن المنذر، وحسنه الجوزقاني، وحكى أبو عبيد القاسم بن سلام وابن المنذر وابن عبد البر: أن الإجماع قد استقر على ما دل عليه حديث معاذ: أن في كل ثلاثين من البقر تبيعاً أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة. ب - أبو بكر بن عياش، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ، قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فأمرني أن آخذ من كل حالم ديناراً، أو عدله معافر، وأمرني أن آخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعاً، ومن كل أربعين مسنة، وأمرني أن آخذ مما سقت السماء أو سُقي بعلاً العشر، والدوالي نصف العشر. وهو حديث صحيح. ج - عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر، قال: سألت نافعاً عن البقر؛ فقال: بلغني عن معاذ بن جبل؛ أنه قال: في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين بقرة بقرة. وهذا إسناد منقطع، رجاله كلهم ثقات، ونافع لم يدرك معاذاً، بينهما قرابة مائة عام، وهذا الموقوف له حكم الرفع. د - يحيى بن سعيد، قال: أخبرني طاووس اليماني، عن النبي ﷺ ومعاذ؛ أن النبي ﷺ أمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعاً أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة. وهذا مرسل بإسناد صحيح. هـ - حميد بن قيس، عن طاووس اليماني؛ أن معاذ بن جبل ﵁ أخذ من ثلاثين بقرة تبيعاً، ومن أربعين بقرة مسنة، وأتي بما دون ذلك فأبى أن يأخذ منه شيئاً، وقال: لم أسمع من رسول الله ﷺ فيه شيئاً حتى ألقاه فأسأله، فتوفي رسول الله ﷺ قبل أن يقدم معاذ بن جبل. وهذا مرسل بإسناد صحيح. وقد احتج به مالك والشافعي؛ لما احتف به من قرائن تدل على صحته وثبوته. و - سفيان بن عيينة، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وابن جريج: عن عمرو بن دينار، عن طاووس؛ أن معاذ بن جبل أتي بوقص البقر، فقال: لم يأمرني فيه النبي ﷺ بشيء. وفي رواية: أتي معاذ بوقص البقر والعسل، فقال: لم يأمرني النبي ﷺ فيهما بشيء. وفي رواية: لم يأمرني رسول الله ﷺ في أوقاص البقر شيئاً. وهذا مرسل بإسناد صحيح. ز - إبراهيم بن ميسرة، عن طاووس؛ أن معاذ بن جبل أتي من اليمن بوقص البقر والعسل، فقال: كلاهما لم يأمرني النبي ﷺ فيه بشيء. وفي رواية: عن معاذ بن جبل حين بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن؛ أنه سئل عما دون

стр. 9621

الثلاثين من البقر، وعن العسل؛ ما فيه؟ قال: لم أومر فيه بشيء، فكتب إلى رسول الله ﷺ يسأله عن ذلك، فلم يرجع كتابه حتى توفي رسول الله ﷺ . وهو حديث محفوظ بشقيه: أن ليس في أوقاص البقر شيء؛ يعني: فيما دون الثلاثين، فإذا بلغت ثلاثين ففيها: تبيع أو تبيعة، وكذلك فيما بين الثلاثين والأربعين، فإذا بلغت أربعين ففيها مسنة، وليس فيما بين الأربعين والستين شيء؛ فإذا بلغت ستين ففيها تبيعان، وهكذا، وكذلك حديثه في أن لا زكاة العسل محفوظ: فالصحيح أن ليس فيه زكاة. هكذا روى هذا الحديث عن طاووس مرسلاً، لم يذكر بينه وبين معاذ أحداً: عمرو بن دينار، وإبراهيم بن ميسرة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وحميد بن قيس. وسواء في ذلك من قال منهم: عن معاذ، أو قال: أن معاذاً، أو قال: بعث النبي ﷺ معاذاً، فكله مرسل؛ فإن طاووساً لم يدرك معاذ بن جبل؛ لكن حديثه هنا عنه صحيح، فإنه كان عالماً بأمر معاذ، كما قال الشافعي، وأخذ علم معاذ من أصحابه، وقد احتج بحديثه هذا مالك والشافعي، فطالما روى ما هو معروف عن معاذ؛ فحديثه صحيح مستقيم، وحديثه هذا مروي من وجه آخر صحيح، رواه مسروق عن معاذ متصلاً بإسناد صحيح، فهو يعتضد به، والله الموفق للصواب. ح - جرير بن عبد الحميد، عن منصور بن المعتمر، عن الحكم، قال: كتب رسول الله ﷺ إلى معاذ بن جبل وهو باليمن: «وفي الحالم والحالمة دينار، أو عدله من قيمة المعافر، ولا يُفتنن يهودي عن يهوديته». وفي رواية: كتب رسول الله ﷺ إلى معاذ بن جبل وهو باليمن أن: «فيما سقت السماء أو سُقي غيلاً العشر، وفيما سقي بالغرب والدالية نصف العشر، وأن على كل حالم ديناراً، أو عدل ذلك من المعافر، وأن لا يفتن يهودي عن يهوديته». وهذا مرسل بإسناد صحيح، وذكر الحالمة غير محفوظ. ط - يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، أن نعيم بن سلامة أخبره - وهو الذي كان خاتم عمر بن عبد العزيز في يده -، أن عمر بن عبد العزيز دعا بصحيفة زعموا أن رسول الله ﷺ كتب بها إلى معاذ، فقال نعيم: فقرئت وأنا حاضر، فإذا فيها: «من كل ثلاثين تبيع جذع أو جذعة، ومن كل أربعين بقرة مسنة»، قال نعيم: فقلت: تبيع الجذع؟ فقال عمر: بل تبيع جذع. وفي رواية: عن نعيم بن سلامة - الذي كان في يده خاتم عمر بن عبد العزيز في خلافته - أنه أخبره؛ أن عمر بن عبد العزيز دعا بكتاب معاذ بن جبل، الذي كتبه له رسول الله ﷺ وكتب به إليه، فقرئ وأنا جالس، فكان فيه: «في ثلاثين تبيعاً جذع، وفي أربعين بقرة». وهو إسناد لا بأس به إلى عمر بن عبد العزيز، وهي وجادة جيدة؛ إذ الأصل في كتب الصدقات أن تكون محفوظة عند الخلفاء، لكي تنسخ للعاملين على الصدقات.

стр. 9622

وعليه: فإن هذه الوجادة تقوي حديث مسروق عن معاذ، وحديث طاووس عن معاذ، في صدقة البقر. • وثمة طريق آخر عن الشعبي مرسلاً، يذكر كتاب رسول الله ﷺ إلى اليمن، ويأتي ذكره في الشواهد من حديث أنس. والحاصل فإن حديث معاذ بن جبل، قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فأمرني أن آخذ من كل حالم ديناراً، أو عدله معافر. وأمرني أن آخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعاً، ومن كل أربعين مسنةً. وأمرني أن آخذ مما سقت السماء أو سُقي بعلاً العشر، والدوالي نصف العشر. حديث صحيح. منطوقه في صدقة البقر: في كل ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين بقرة مسنة، ومفهومه: أن رسول الله ﷺ لم يأمره في أوقاص البقر بشيء، فوافق حديث طاووس عن معاذ، والله أعلم. هـ قال الشافعي في الأم (٣/¬٢٢): «وطاووس: عالم بأمر معاذ، وإن كان لم يلقه؛ على كثرة من لقي ممن أدرك معاذاً من أهل اليمن فيما علمت، وقد روي: أن النبي ﷺ أمر معاذاً أن يأخذ من ثلاثين تبيعاً، ومن أربعين مسنة». ثم قال: «وأخبرني غير واحد من أهل اليمن، عن عدد مضوا منهم: أن معاذاً أخذ منهم صدقة البقر، على ما روى طاووس. قال: وأخبرنا بعض أهل العلم والأمانة، عن يحيى بن سعيد، عن نعيم بن سلامة، أن عمر بن عبد العزيز دعا بصحيفة، فزعموا أن النبي ﷺ كتب بها إلى معاذ بن جبل، فإذا فيها: «من كل ثلاثين: تبيع، ومن كل أربعين: مسنة». قال الشافعي: فهو ما لا أعلم فيه بين أحد لقيته من أهل العلم خلافاً، وبه نأخذ». وقال أيضاً في الأم (٥/ ٤٢٥/ ١٩٤١ و ١٩٤٢): «سألت محمد بن خالد، وعبد الله بن عمرو بن مسلم، وعدداً من علماء أهل اليمن؛ فكلهم حكى لي عن عدد مضوا قبلهم كلهم ثقة، يحكون عن عدد مضوا قبلهم كلهم ثقة؛ أن صلح النبي ﷺ لهم كان لأهل ذمة اليمن على دينار كل سنة، ولا يثبتون أن النساء كن فيمن يؤخذ منه الجزية، وقال عامتهم: ولم تؤخذ من زروعهم، وقد كانت لهم زروع، ولا من مواشيهم شيئاً علمناه، وقال لي بعضهم: قد جاءنا بعض الولاة فخمس زروعهم أو أرادها، فأنكر ذلك عليه، فكل من وصفت أخبرني أن عامة ذمة أهل اليمن من حمير». قال الشافعي: «وسألت عدداً كثيراً من ذمة أهل اليمن متفرقين في بلدان اليمن، فكلهم أثبت لي لا يختلف قولهم: أن معاذاً أخذ منهم ديناراً عن كل بالغ منهم، وسموا البالغ: حالماً، قالوا: وكان في كتاب النبي ﷺ مع معاذ: أن على كل حالم ديناراً» [ونقله

стр. 9623

البيهقي في الخلافيات (٧/ ٢٨٨/ ٥٢٨١)، وفي المعرفة (١٣/ ٣٧٢/ ١٨٥٢١ - ١٨٥٢٥)، وفي السنن (٩/ ١٩٤)، بإسناد صحيح إلى الشافعي]. والشاهد من هذا النقل: أن كتاب النبي ﷺ الذي كتبه لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن، وأمره به من أمر صدقة البقر، ومقدار الجزية، وممن تؤخذ، والعشور في الثمار: كل ذلك كان قد استفاض علمه عند أهل اليمن وعلمائهم، حتى نقله العامة عن العامة، وأن النبي ﷺ كان قد أمر به معاذاً؛ كما قد استفاض كتاب النبي ﷺ في صدقات الإبل والغنم والبقر والورق، عند خلفاء المسلمين وعلمائهم والعاملين على الصدقات، ثم اشتهر من حديث أنس عن أبي بكر، ومن حديث ابن عمر، وكتاب عمر، وحديث علي بن أبي طالب، وكتاب عمرو بن حزم. وكذلك كتاب معاذ بن جبل قد اشتهر باليمن حتى رواه طاووس عمن تلقاه من أصحاب معاذ، وكذلك رواه مرسلاً عن معاذ: إبراهيم بن يزيد النخعي، والحكم بن عتيبة، وقد وقف على هذا الكتاب: الخليفة عمر بن عبد العزيز، وعامر بن شراحيل الشعبي [يأتي ذكره في الشواهد من حديث أنس]، وذلك فضلاً عن كونه مروياً بإسناد صحيح متصل، يرويه أبو وائل عن مسروق عن معاذ، والحاصل: أنه قد اتفق له الرواية بالإسناد الصحيح، والشهرة بالكتاب، والاستفاضة بنقل العامة عن العامة، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل. • وقال أبو بكر الخلال: أخبرني محمد بن علي، قال: حدثنا الأثرم، قال: قلت لأبي عبد الله يعني: أحمد بن حنبل: يؤخذ في الجزية غير الذهب والفضة؟ قال: «نعم، دينار، أو قيمته معافر» [أحكام أهل الملل (٢٤٥)]. وفي رواية أحمد بن القاسم، أنه قال لأبي عبد الله فيؤخذ منهم مكان الدينار عروض على مثل ما فعل معاذ؟ قال: «نعم، إذا كان ذلك أسهل عليهم» [أحكام أهل الملل (٢٤٦)]. وقال صالح بن أحمد: سألت أبي: إلى أي شيء تذهب في الجزية؟ قال: «أما أهل الشام فعلى ما وصف عمر ﵀: أربعة دنانير، وكسوة، وزيت. وأما أهل اليمن: فعلى كل حالم دينار. وأما أهل العراق: فعلى ما يؤخذ منهم» [أحكام أهل الملل (٢٥٣). وانظر أيضاً: (٢٥٤)]. هكذا احتج أحمد بحديث معاذ في الجزية. قال ابن القيم في «أحكام أهل الذمة» (١/ ١٢٩) عن أحمد: «وذهب في ذلك إلى حديث معاذ ﵁، الذي رواه في مسنده بإسناد جيد، عن معاذ ﵁ أن رسول الله ﷺ لما بعثه إلى اليمن، أمره أن يأخذ من كل حالم ديناراً أو عدله معافر. ورواه أهل السنن، وقال الترمذي: حديث حسن».

стр. 9624

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام في الأموال (٩٩٨) بعد إيراد حديث معاذ وما كان في معناه: «وهذا هو المعمول به عند أهل الحجاز وأهل العراق وغيرهم، ولا أعلم الناس يختلفون فيه اليوم؛ على أنا قد سمعنا في الأثر شيئاً نراه غير محفوظ؛ وذلك أن الناس لا يعرفونه». هكذا بين أبو عبيد أن الإجماع قد استقر على ما دل عليه حديث معاذ: أن في كل ثلاثين من البقر تبيعاً أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة، وحكاه عنه شيخ الإسلام إجماعاً [مجموع الفتاوى (٢٥/¬٣٦)]. وقال ابن المنذر: «ولا أعلم الناس يختلفون فيه اليوم، وفي ذلك شذوذ لا يلتفت إليه» [شرح ابن بطال على البخاري (٣/ ٤٧٨)، الاعتبار في الناسخ والمنسوخ (١/ ٤٨٨)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (١٠/ ٤١٦)]. وقال ابن المنذر في الإشراف (٣/¬٨): «ثبت عن رسول الله ﷺ أنه أمر معاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعاً أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة». وقال أيضاً في الإشراف (٤/¬٤٣): «ثبت أن رسول الله ﷺ بعث معاذاً إلى اليمن: أن يأخذ من كل حالم ديناراً، أو عدله معافر». واحتج به في الأوسط (٤/ ٣٨٧) على أن السُّنَّة قد دلت على أن الاحتلام حد للبلوغ. كما احتج به أيضاً في أخذ الجزية من عرب أهل الكتاب، وأن لا جزية على النساء والصبيان، وفي جواز أخذ العروض مكان الذهب في الجزية [الإشراف (٤/¬٣٨ و ٤٣ و ٥٠)]. وقال ابن عبد البر في التمهيد (٢/ ١٣٠): «وهو حديث صحيح». وقال في موضع آخر (٢/ ٢٧٥)، عن حديث الثوري المتصل: «وقد روي عن معاذ هذا الخبر: بإسناد متصل صحيح ثابت». وقال أيضاً (٢/ ٢٧٣): «ولا خلاف بين العلماء أن السُّنَّة في زكاة البقر عن النبي ﷺ وأصحابه ما قال معاذ بن جبل: في ثلاثين بقرة تبيع، وفي أربعين مسنة، والتبيع والتبيعة في ذلك عندهم سواء». وبذلك يكون قد اجتمع ثلاثة من الأئمة على حكاية الإجماع على العمل بما دل عليه حديث معاذ: في ثلاثين بقرة تبيع أو تبيعة، وفي أربعين مسنة، قاله: أبو عبيد، وابن المنذر، وابن عبد البر. وأما ابن حزم فقد خالف جمهور الفقهاء والأئمة، ورد حديث معاذ بجميع طرقه، وقال (٤/ ١٠٠): «وجدنا الآثار التي احتجوا بها عن معاذ وغيره مرسلة كلها، إلا حديث بقية؛ لأن مسروقاً لم يلق معاذاً، وبقية: ضعيف لا يحتج بنقله، أسقطه وكيع وغيره، والحجة لا تجب إلا بالمسند من نقل الثقات.

стр. 9625

فإن قيل: إن مسروقاً وإن كان لم يلق معاذاً، فقد كان باليمن رجلاً أيام كون معاذ هنالك؛ وشاهد أحكامه، فهذا عنده عن معاذ بنقل الكافة. قلنا: لو أن مسروقاً ذكر أن الكافة أخبرته بذلك عن معاذ لقامت الحجة بذلك؛ فمسروق هو الثقة الإمام غير المتهم، لكنه لم يقل قط هذا؛ ولا يحل أن يقول مسروق ﵀ ما لم يقل، فيكذب عليه؛ ولكن لما أمكن في ظاهر الأمر أن يكون عند مسروق هذا الخبر عن تواتر، أو عن ثقة؛ أو عمن لا تجوز الرواية عنه: لم يجز القطع في دين الله تعالى ولا على رسوله ﷺ بالظن الذي هو أكذب الحديث، ونحن نقطع أن هذا الخبر لو كان عند مسروق عن ثقة لما كتمه، ولو كان صحيحاً عن رسول الله ﷺ ما طمسه الله تعالى - المتكفل بحفظ الذكر المنزل على نبيه ﷺ ، المتم لدينه - هذا الطمس؛ حتى لا يأتي إلا من طريق واهية، والحمد لله رب العالمين [نقله ابن الملقن في البدر المنير (٥/ ٤٣١)]. قلت: إنما نفى ابن حزم سماع مسروق من معاذ بالتخرص والظن، وقد سبق بيان أن رواية مسروق عن معاذ متصلة، وإن لم يذكر سماعاً في الإسناد، فهو حديث صحيح، متصل الإسناد برواية الثقات المشاهير، ثم إن الله تعالى قد تكفل بحفظ دينه وسنة نبيه ﷺ ، ومن ذلك ما شرعه الله تعالى في صدقة البقر، والتي وصلت إلينا بأسانيد صحيحة من حديث علي بن أبي طالب، موقوفاً عليه، وله حكم الرفع ﴿راجع: حديث علي في الصدقات﴾، ثم من حديث معاذ، وقد اشتهر عن معاذ، فرواه عنه متصلاً: مسروق، وعنه: أبو وائل شقيق بن سلمة، ثم اشتهر عنه، فرواه الأعمش وعاصم بن أبي النجود، وقد اشتهر عن الأعمش برواية جمع كبير من ثقات أصحابه، فمن لا يرى هذه الطرق وانتشارها، وقيام الحجة الرسالية بها على الخلق، فليراجع نفسه، ثم إن العامة قد أخذت بكتاب معاذ وتناقلته نقل عامة عن عامة، كما بين ذلك الشافعي، حتى حمله ذلك على قبول رواية طاووس المرسلة عن معاذ، بسبب ما رآه في اليمن من انتشار العلم بكتاب معاذ، بما لا يدع مجالاً للشك في ثبوت هذا الكتاب عن رسول الله ﷺ ، وأنه قد كتبه لمعاذ، وبسبب ذلك الانتشار وكثرة النقل: فكأن البعض لم يعد يحتاج إلى ذكر من أخبره بذلك لكثرتهم، ولعل هذا كان السبب الحامل على إرساله من قبل: طاووس، وإبراهيم النخعي، والحكم بن عتيبة، والشعبي، كذلك فإن كتب الصدقات كانت محفوظة عند الخلفاء، لكي تنسخ للعاملين على الصدقات، ومن ذلك كتاب معاذ حين بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن، فقد كان عند الخليفة عمر بن عبد العزيز، وأخرجه ليُقرأ في مجلسه، ويُعمل بما فيه، فهل كان عمر بن عبد العزيز يعمل في شأن مقادير الصدقات بشيء لم يشرعه الله لعباده؟ بل ظاهر السياق يدل على أنه كان يعتمده لكونه كتاب رسول الله ﷺ ، والذي لا يجوز لمسلم إلا اعتقاد صحة ما فيه، والعمل بما جاء به، والله أعلم. وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (٢/ ١٦٢): «هذا يرويه مسروق بن

стр. 9626

الأجدع عن معاذ، ومسروق بن الأجدع لم يلق معاذا، ولا ذكر من حدث به عن معاذ. ذكر ذلك أبو عمر وغيره». فتعقبه ابن القطان الفاسي في بيان الوهم (٢/ ٥٧٤/ ٥٨٣) بأن أبا عمر ابن عبد البر إنما قال باتصال هذا الإسناد، وأما الذي رماه بالانقطاع فهو أبو محمد ابن حزم، لكن ابن القطان هو الآخر قد وهم في نسبة الرجوع عن ذلك إلى ابن حزم، فابن حزم لم يرجع عن قوله في تضعيف حديث معاذ، ولا عن رميه بالانقطاع، والله أعلم. لكنه بعدما فرغ من حكاية كلام ابن حزم، قال: «ولم أقل بعد: إن مسروقا سمع من معاذ، وإنما أقول: إنه يجب على أصولهم أن يحكم لحديثه عن معاذ، بحكم حديث المتعاصرين اللذين لم يعلم انتفاء اللقاء بينهما، فإن الحكم فيه أن يحكم له بالاتصال له عند الجمهور، وشرط البخاري وعلي بن المديني: أن يعلم اجتماعهما ولو مرة واحدة، فهما - أعني البخاري وابن المديني - إذا لم يعلما لقاء أحدهما للآخر، لا يقولان في حديث أحدهما عن الآخر منقطع، إنما يقولان: لم يثبت سماع فلان من فلان. فإذن ليس في حديث المتعاصرين إلا رأيان: أحدهما: هو محمول على الاتصال، والآخر: لم يعلم اتصال ما بينهما، فأما الثالث: وهو أنه منقطع فلا، فاعلم ذلك، والله الموفق». قلت: أصاب في ذلك؛ فإن عدم العلم بالاتصال لا يمكن معه الجزم بالانقطاع، وذلك لاحتمال خفاء بعض العلم الموجب للاتصال، مثل بعض القرائن التي سبق الإشارة إليها عند الكلام عن اتصال رواية مسروق عن معاذ، وكذلك الأمثلة التي ضربتها للتدليل على أن عدم ذكر السماع في الأسانيد لا يعني حتما الانقطاع، والله أعلم. قال ابن الملقن في البدر المنير (٥/ ٤٣٣): «وقال علي بن المديني: صلى مسروق خلف أبي بكر، ولقي عمر وعليا، وسمى جماعة من الصحابة. وكانت وفاة معاذ سنة ثماني عشرة، في طاعون عمواس، فالسن واللقاء محتمل لإدراك مسروق معاذا، والاختلاف السائر فيه لا يضره». وقال أبو بكر ابن العربي في المسالك شرح الموطأ (٤/ ٦٣): «زكاة البقر ثابتة أيضا عن النبي ﷺ ، والمعول فيها على حديث معاذ بن جبل؛ لأن تهامة ونجد لم تكن أرض بقر، وإنما احتيج إلى بيان حالها باليمن، والله أعلم، ولم يدرك طاووس معاذا، فحديثه عنه مرسل». وقال أبو العباس القرطبي في المفهم (٣/¬١١): «وأما نصاب الإبل والغنم، فلم يخرج في كتاب مسلم من ذلك شيء، وقد خرج البخاري فيه كتاب النبي ﷺ لأبي بكر الصديق. وأما نصاب البقر: فلم يقع في الصحيحين شيء من ذلك، وقد روي في ذلك النسائي عن مسروق، عن معاذ بن جبل، قال: لما بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن أمره أن يأخذ من

стр. 9627

كل ثلاثين من البقر تبيعاً أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة، ومن كل حالم ديناراً، أو عدله مَعَافِر. غير أنه منقطع، لم يلق مسروق معاذاً. وقد خرجه الترمذي عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، ولم يسمع أبو عبيدة من أبيه. ورواه مالك عن طاووس، عن معاذ من فعله موقوفاً، وطاووس لم يدرك معاذاً. وأحسن ما في الباب: ما خرجه الدارقطني عن الشعبي، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : «في كل أربعين من البقر مسنة، وفي كل ثلاثين تبيع أو تبيعة»، قال: هذا يروى مرسلاً عن الشعبي، وهو الصواب». وثبت شيخ الإسلام ابن تيمية حديث معاذ، وقال: «وحكي أبو عبيد الإجماع عليه، وجماهير العلماء على أنه ليس فيما دون الثلاثين شيء» [مجموع الفتاوى (٢٥/¬٣٦)]. وعده النووي في فصل الصحيح من «الخلاصة» (٣٨٧١ - ٣٨٧٤). • فإن قيل: قال عبد الحق: «ليس في زكاة البقر حديث متفق على صحته»؟، وكذا قال أبو العباس القرطبي في «المفهم». فيقال: ثبت من حديث علي بن أبي طالب موقوفاً عليه، وله حكم الرفع، كما ثبت من حديث معاذ بن جبل مرفوعاً، وقال به عامة أهل العلم إلا نفراً يسيراً خالفوا فيه، ثم انعقد الإجماع بعدهم على حديث معاذ. كما ثبت أصل وجوب الزكاة فيها بأحاديث الوعيد على من لم يؤد زكاتها، وسيأتي تخريج أحاديث الباب في باب حقوق المال، الحديث رقم (١٦٥٧). ومنها: حديث المعرور بن سويد، عن أبي ذر الغفاري، عن النبي ﷺ ، والشاهد منه: قوله ﷺ : «ما من صاحب إبل، ولا بقر، ولا غنم، لا يؤدي زكاتها، إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت، وأسمنه، تنطحه بقرونها، وتطؤه بأظلافها، كلما نفدت أخراها، عادت عليه أولاها، حتى يقضى بين الناس» [أخرجه البخاري (١٤٦٠)، ومسلم (٩٩٠)]. قال ابن بطال في شرح صحيح البخاري (٣/ ٤٧٧): «في هذا الحديث دليل على وجوب زكاة البقر، وسائر الأنعام من أجل الوعيد الذى جاء فيمن لم يؤد زكاتها. أما مقدار نصاب زكاة البقر ومقدار ما يؤخذ منها: فهو في حديث معاذ بن جبل، وهو متصل مسند من رواية معمر والثوري، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ بن جبل، أن النبي ﷺ بعثه إلى اليمن، فأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعاً، ومن كل أربعين مسنة، وكذلك في كتاب النبي ﷺ لعمرو بن حزم، وفي كتاب الصدقات لأبي بكر وعمر، وعلى ذلك مضى الخلفاء، وعليه عامة الفقهاء». وقال الحازمي في الاعتبار (١/ ٤٩٠): «الاعتماد على حديث معاذ؛ لأنه أصح ما يوجد في الباب، وله شواهد في السنن».

стр. 9628

تفسير التبيع: قال أبو عبيد في الأموال (٢/¬٣٦): «والتفسير في الحديث هكذا [يعني: في حديث سلمة بن أسامة عن يحيى بن الحكم]، وأما أهل العربية فيقولون: التبيع ليس بسن، ولكنه لما بلغ من السن ما يقوى على اتباع أمه سمي بذلك تبيعا، وهذا ليس بمخالف للحديث؛ لأنه لا يكاد يكون هذا منه إلا بعد الإجذاع، كما أن الفصيل من أولاد الإبل ليس بسن، ولكنه سمي فصيلا؛ لأنه فصل عن أمه في الرضاع». قلت: وقد صح عن الشعبي، أنه قال: «التبيع: الذي قد استوى قرناه وأذناه، والمسن: الثني فصاعدا» [أخرجه أبو عبيد في الأموال (١٠٢٥)، وابن أبي شيبة (٢/ ٣٦٤) (٩٩٤٩) (٦/ ١٨٨/ ١٠٢١٥ - ط الشثري)، وابن زنجويه في الأموال (١٤٦٠ و ١٤٧١)]. وبه قال أحمد [مسائل عبد الله بن أحمد لأبيه (٦٥٦)]. وقال أبو منصور الأزهري في الزاهر (٩٨): «وأما أسنان البقر: فجاء في حديث معاذ: أن النبي ﷺ بعثه إلى اليمن، وأمره أن يأخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا، ومن كل أربعين مسنا. فالتبيع: الذي أتى عليه حول من أولاد البقر، والمسنة: التي قد صارت ثنية، ويجذع البقر في السنة الثانية، ويثني في السنة الثالثة، فهو ثني، والأنثى: ثنية، وهي التي تؤخذ في أربعين من البقر، ثم هو رباع في السنة الرابعة، وسدس في الخامسة، ثم صالغ في السادسة، وهو أقصى أسنانه، يقال: صالغ سنة، وصالغ سنتين، فما زاد». وقال أبو حامد الغزالي في الوسيط (٢/ ٤٠٣): «أما البقر: فلا شيء فيه حتى تبلغ ثلاثين، ففيها تبيع، وهو الذي له سنة، ثم لا شيء حتى تبلغ أربعين، ففيها مسنة، ثم لا شيء حتى تبلغ ستين، ففيها تبيعان، ثم استقر الحساب، ففي كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة، وهي التي لها سنتان». حكم الأوقاص في البقر: وقال أبو عبيد (٩٤٧) في الإبل: «الزيادة على عشرين ومائة إلى ثلاثين ومائة شنق كسائر الأشناق التي لا يحتسب بها، وهي الأوقاص في البقر، وذلك ما بين الفريضتين». وقال أيضا (١٠٢٤): «والأوقاص: ما بين الفريضتين، وكذلك الأشناق في الإبل». وقال أيضا (١١٢٠): «ما بين الفريضتين من الأشناق والأوقاص في الماشية: معفو لأهله عنه». وقال في غريب الحديث (٥/ ١٦٣): «الوقص عندنا: ما بين الفريضتين، وذلك ست من الإبل وسبع وثمان وتسع، فما زاد بعد الخمس إلى التسع، فهو وقص؛ لأنه ليس فيه شيء، وكذلك ما زاد على العشر إلى أربع عشرة، وكذلك ما فوق ذلك، وجمع الوقص: أوقاص، وكذلك الشنق، جمعه: أشناق، … ، وبعض العلماء يجعل الأوقاص في البقر خاصة، والأشناق في الإبل خاصة، وهما جميعا ما بين الفريضتين. وهذا أحب القولين إلي».

стр. 9629

وكذلك قال الشافعي في الأم (٣/¬٢١): «والوقص: ما لم يبلغ الفريضة». وقال أيضاً في اختلاف العراقيين من الأم (٨/ ٣٣٥): «والأوقاص عندنا: ما بين الفريضتين، … ، وليس في البقر صدقة حتى تبلغ ثلاثين، فإذا بلغت ثلاثين ففيها تبيع، ثم ليس في الزيادة على الثلاثين صدقة حتى تبلغ أربعين، فإذا بلغت أربعين ففيها مسنة، ثم ليس في زيادتها شيء حتى تبلغ ستين، فإذا بلغت ستين ففيها تبيعان»، ثم تابع تفصيل الفريضة؛ إلى أن قال: «وكل صدقة من الماشية فلا شيء فيها فيما بين الفريضتين، وكل ما كان فوق الفرض الأسفل لم يبلغ الفرض الأعلى: فالفضل فيه عفو؛ صدقته صدقة الأسفل». وقال أحمد: «والأوقاص: ما بين الفريضتين، وما بين الفريضتين في ثلاثين تبيع، وفي أربعين مسنة، ما بين الأربعين إلى الخمسين فهي الأوقاص، فليس فيها شيء حتى تبلغ ستين، فيكون فيها تبيعان» [مسائل عبد الله بن أحمد لأبيه (٦٥٦)]. وقال أيضاً: «ليس في الأوقاص شيء» [مسائل الكوسج (٥٨٤)]. وقال أيضاً: «وأقل من خمس من الإبل فهو الشنق» [مسائل عبد الله بن أحمد لأبيه (٦٥٤ و ٦٥٦)]. وعلى هذا القول جمهور كتب اللغة والفقه. صدقة الجاموس هي صدقة البقر، فهما جنس واحد [كالمعز والضأن في الغنم]: روى الليث بن سعد، عن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب؛ أن عمر بن عبد العزيز كتب أن تؤخذ صدقة الجواميس، كما تؤخذ صدقة البقر. أخرجه أبو عبيد في الأموال (١٠٢٧)، وابن زنجويه في الأموال (١٤٩٣). وهذا مقطوع على الخليفة عمر بن عبد العزيز بسند صحيح. قال مالك في الموطأ (٧٠٠): في الرجل يكون له الضأن والمعز: أنها تجمع عليه في الصدقة، فإن كان فيها ما يجب فيه الصدقة، صدقت، وقال: «إنما هي غنم كلها». قال: «فإن كانت الضأن هي أكثر من المعز، ولم يجب على ربها إلا شاة واحدة، أخذ المصدق تلك الشاة التي وجبت على رب المال من الضأن، وإن كانت المعز أكثر أخذ منها، فإن استوى المعز والضأن أخذ من أيتهما شاء». قال مالك (٧٠٢): «وكذلك الإبل العراب والبخت، يجمعان على ربهما في الصدقة». وقال: «إنما هي إبل كلها، فإن كانت العراب هي أكثر من البخت، ولم يجب على ربها إلا بعير واحد، فليأخذ من العراب صدقتها، فإن كانت البخت أكثر فليأخذ منها، فإن استوت فليأخذ من أيتهما شاء». وقال (٧٠٣): «وكذلك البقر والجواميس تجمع في الصدقة على ربهما»، وقال: «إنما هي بقر كلها، فإن كانت البقر هي أكثر من الجواميس، ولا يجب على ربها إلا بقرة واحدة، فليأخذ من البقر صدقتها، وإن كانت الجواميس أكثر فليأخذ منها، فإن استوت فليأخذ من أيتهما شاء، فإذا وجبت في ذلك الصدقة، صدق الصنفان جميعاً».

стр. 9630

وهو قول الشافعي وأحمد. قال ابن المنذر في الإجماع (٩١) و (٩٢): «وأجمعوا على أن حكم الجواميس حكم البقر. وأجمعوا على أن الضأن والمعز يجمعان في الصدقة». وقال في الإشراف (٣/¬١٢): «وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم: على أن الجواميس بمنزلة البقر، كذلك قال الحسن البصري، والزهري، ومالك، والثوري، وإسحاق، والشافعي، وأصحاب الرأي. وكذلك نقول». ثم قال: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الضأن والمعز يجتمعان في الصدقة». • مسألة: • قال أبو عبيد في الأموال (١٠٤٧): وليس في أسنان الغنم ما يؤخذ في الصدقة غير سنين أيضاً مثل البقر، إلا أنهما في البقر يسميان: التبيع والمسنة، وفي الغنم يسميان: الجذعة والثنية. • وقال أيضاً (١٠٥١): «وهذا هو الذي عليه الناس اليوم، إلا أن مالك بن أنس كان يختار أن تؤخذ الجذعة من الضأن، والثنية من المعز يشبهها بالأضاحي، وهذا فيما نرى مذهب حسن. وليس بين الذكر والأنثى في البقر والغنم فصل، ولا لأحدهما على الآخر فصل في السن كالذي جاء في الإبل». هكذا في الموضعين: فصل بالصاد المهملة، وتحتمل أن تكون بالضاد المعجمة؛ فضل؛ يعني: ليس لأحدهما مزية على الآخر، بينما الفريضة في الإبل في الإناث دون الذكور، إلا لمن كانت صدقته بنت مخاض فلم يجد بنت مخاض، وكان عنده ابن لبون ذكر فيجزئ عنه، والله أعلم. وقال أحمد في مسائل ابنه صالح (١٣٥٩): «يحتسب بالسخال عليهم، ولا يؤخذ في الصدقة إلا الثني، والجذع من الضأن كذلك». ومما جاء أيضاً في زكاة البقر: ١ - عن علي بن أبي طالب: رواه أبو إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، قال: «وفي البقر في ثلاثين تبيع أو تبيعة، وفي أربعين مسنة». وهو موقوف صحيح عن علي بن أبي طالب، وله حكم الرفع، تقدم تخريجه برقم (١٥٧٣). ٢ - كتاب عمرو بن حزم: رواه معمر بن راشد عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أن النبي ﷺ كتب لهم كتاباً فيه: «وفي البقر في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة».
следующие страницы →