Полный текст (16 465 стр.). Показаны 9626–9665 · переход к 9631.
стр. 9626
الأجدع عن معاذ، ومسروق بن الأجدع لم يلق معاذا، ولا ذكر من حدث به عن معاذ. ذكر ذلك أبو عمر وغيره».
فتعقبه ابن القطان الفاسي في بيان الوهم (٢/ ٥٧٤/ ٥٨٣) بأن أبا عمر ابن عبد البر إنما قال باتصال هذا الإسناد، وأما الذي رماه بالانقطاع فهو أبو محمد ابن حزم، لكن ابن القطان هو الآخر قد وهم في نسبة الرجوع عن ذلك إلى ابن حزم، فابن حزم لم يرجع عن قوله في تضعيف حديث معاذ، ولا عن رميه بالانقطاع، والله أعلم.
لكنه بعدما فرغ من حكاية كلام ابن حزم، قال: «ولم أقل بعد: إن مسروقا سمع من معاذ، وإنما أقول: إنه يجب على أصولهم أن يحكم لحديثه عن معاذ، بحكم حديث المتعاصرين اللذين لم يعلم انتفاء اللقاء بينهما، فإن الحكم فيه أن يحكم له بالاتصال له عند الجمهور، وشرط البخاري وعلي بن المديني: أن يعلم اجتماعهما ولو مرة واحدة، فهما - أعني البخاري وابن المديني - إذا لم يعلما لقاء أحدهما للآخر، لا يقولان في حديث أحدهما عن الآخر منقطع، إنما يقولان: لم يثبت سماع فلان من فلان.
فإذن ليس في حديث المتعاصرين إلا رأيان: أحدهما: هو محمول على الاتصال، والآخر: لم يعلم اتصال ما بينهما، فأما الثالث: وهو أنه منقطع فلا، فاعلم ذلك، والله الموفق».
قلت: أصاب في ذلك؛ فإن عدم العلم بالاتصال لا يمكن معه الجزم بالانقطاع، وذلك لاحتمال خفاء بعض العلم الموجب للاتصال، مثل بعض القرائن التي سبق الإشارة إليها عند الكلام عن اتصال رواية مسروق عن معاذ، وكذلك الأمثلة التي ضربتها للتدليل على أن عدم ذكر السماع في الأسانيد لا يعني حتما الانقطاع، والله أعلم.
قال ابن الملقن في البدر المنير (٥/ ٤٣٣): «وقال علي بن المديني: صلى مسروق خلف أبي بكر، ولقي عمر وعليا، وسمى جماعة من الصحابة.
وكانت وفاة معاذ سنة ثماني عشرة، في طاعون عمواس، فالسن واللقاء محتمل لإدراك مسروق معاذا، والاختلاف السائر فيه لا يضره».
وقال أبو بكر ابن العربي في المسالك شرح الموطأ (٤/ ٦٣): «زكاة البقر ثابتة أيضا عن النبي ﷺ ، والمعول فيها على حديث معاذ بن جبل؛ لأن تهامة ونجد لم تكن أرض بقر، وإنما احتيج إلى بيان حالها باليمن، والله أعلم، ولم يدرك طاووس معاذا، فحديثه عنه مرسل».
وقال أبو العباس القرطبي في المفهم (٣/¬١١): «وأما نصاب الإبل والغنم، فلم يخرج في كتاب مسلم من ذلك شيء، وقد خرج البخاري فيه كتاب النبي ﷺ لأبي بكر الصديق.
وأما نصاب البقر: فلم يقع في الصحيحين شيء من ذلك، وقد روي في ذلك النسائي عن مسروق، عن معاذ بن جبل، قال: لما بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن أمره أن يأخذ من
стр. 9627
كل ثلاثين من البقر تبيعاً أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة، ومن كل حالم ديناراً، أو عدله مَعَافِر. غير أنه منقطع، لم يلق مسروق معاذاً.
وقد خرجه الترمذي عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، ولم يسمع أبو عبيدة من أبيه. ورواه مالك عن طاووس، عن معاذ من فعله موقوفاً، وطاووس لم يدرك معاذاً.
وأحسن ما في الباب: ما خرجه الدارقطني عن الشعبي، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : «في كل أربعين من البقر مسنة، وفي كل ثلاثين تبيع أو تبيعة»، قال: هذا يروى مرسلاً عن الشعبي، وهو الصواب».
وثبت شيخ الإسلام ابن تيمية حديث معاذ، وقال: «وحكي أبو عبيد الإجماع عليه، وجماهير العلماء على أنه ليس فيما دون الثلاثين شيء» [مجموع الفتاوى (٢٥/¬٣٦)].
وعده النووي في فصل الصحيح من «الخلاصة» (٣٨٧١ - ٣٨٧٤).
• فإن قيل: قال عبد الحق: «ليس في زكاة البقر حديث متفق على صحته»؟، وكذا قال أبو العباس القرطبي في «المفهم».
فيقال: ثبت من حديث علي بن أبي طالب موقوفاً عليه، وله حكم الرفع، كما ثبت من حديث معاذ بن جبل مرفوعاً، وقال به عامة أهل العلم إلا نفراً يسيراً خالفوا فيه، ثم انعقد الإجماع بعدهم على حديث معاذ.
كما ثبت أصل وجوب الزكاة فيها بأحاديث الوعيد على من لم يؤد زكاتها، وسيأتي تخريج أحاديث الباب في باب حقوق المال، الحديث رقم (١٦٥٧).
ومنها: حديث المعرور بن سويد، عن أبي ذر الغفاري، عن النبي ﷺ ، والشاهد منه: قوله ﷺ : «ما من صاحب إبل، ولا بقر، ولا غنم، لا يؤدي زكاتها، إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت، وأسمنه، تنطحه بقرونها، وتطؤه بأظلافها، كلما نفدت أخراها، عادت عليه أولاها، حتى يقضى بين الناس» [أخرجه البخاري (١٤٦٠)، ومسلم (٩٩٠)].
قال ابن بطال في شرح صحيح البخاري (٣/ ٤٧٧): «في هذا الحديث دليل على وجوب زكاة البقر، وسائر الأنعام من أجل الوعيد الذى جاء فيمن لم يؤد زكاتها.
أما مقدار نصاب زكاة البقر ومقدار ما يؤخذ منها: فهو في حديث معاذ بن جبل، وهو متصل مسند من رواية معمر والثوري، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ بن جبل، أن النبي ﷺ بعثه إلى اليمن، فأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعاً، ومن كل أربعين مسنة، وكذلك في كتاب النبي ﷺ لعمرو بن حزم، وفي كتاب الصدقات لأبي بكر وعمر، وعلى ذلك مضى الخلفاء، وعليه عامة الفقهاء».
وقال الحازمي في الاعتبار (١/ ٤٩٠): «الاعتماد على حديث معاذ؛ لأنه أصح ما يوجد في الباب، وله شواهد في السنن».
стр. 9628
تفسير التبيع:
قال أبو عبيد في الأموال (٢/¬٣٦): «والتفسير في الحديث هكذا [يعني: في حديث سلمة بن أسامة عن يحيى بن الحكم]، وأما أهل العربية فيقولون: التبيع ليس بسن، ولكنه لما بلغ من السن ما يقوى على اتباع أمه سمي بذلك تبيعا، وهذا ليس بمخالف للحديث؛ لأنه لا يكاد يكون هذا منه إلا بعد الإجذاع، كما أن الفصيل من أولاد الإبل ليس بسن، ولكنه سمي فصيلا؛ لأنه فصل عن أمه في الرضاع».
قلت: وقد صح عن الشعبي، أنه قال: «التبيع: الذي قد استوى قرناه وأذناه، والمسن: الثني فصاعدا» [أخرجه أبو عبيد في الأموال (١٠٢٥)، وابن أبي شيبة (٢/ ٣٦٤) (٩٩٤٩) (٦/ ١٨٨/ ١٠٢١٥ - ط الشثري)، وابن زنجويه في الأموال (١٤٦٠ و ١٤٧١)].
وبه قال أحمد [مسائل عبد الله بن أحمد لأبيه (٦٥٦)].
وقال أبو منصور الأزهري في الزاهر (٩٨): «وأما أسنان البقر: فجاء في حديث معاذ: أن النبي ﷺ بعثه إلى اليمن، وأمره أن يأخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا، ومن كل أربعين مسنا.
فالتبيع: الذي أتى عليه حول من أولاد البقر، والمسنة: التي قد صارت ثنية، ويجذع البقر في السنة الثانية، ويثني في السنة الثالثة، فهو ثني، والأنثى: ثنية، وهي التي تؤخذ في أربعين من البقر، ثم هو رباع في السنة الرابعة، وسدس في الخامسة، ثم صالغ في السادسة، وهو أقصى أسنانه، يقال: صالغ سنة، وصالغ سنتين، فما زاد».
وقال أبو حامد الغزالي في الوسيط (٢/ ٤٠٣): «أما البقر: فلا شيء فيه حتى تبلغ ثلاثين، ففيها تبيع، وهو الذي له سنة، ثم لا شيء حتى تبلغ أربعين، ففيها مسنة، ثم لا شيء حتى تبلغ ستين، ففيها تبيعان، ثم استقر الحساب، ففي كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة، وهي التي لها سنتان».
حكم الأوقاص في البقر:
وقال أبو عبيد (٩٤٧) في الإبل: «الزيادة على عشرين ومائة إلى ثلاثين ومائة شنق كسائر الأشناق التي لا يحتسب بها، وهي الأوقاص في البقر، وذلك ما بين الفريضتين».
وقال أيضا (١٠٢٤): «والأوقاص: ما بين الفريضتين، وكذلك الأشناق في الإبل».
وقال أيضا (١١٢٠): «ما بين الفريضتين من الأشناق والأوقاص في الماشية: معفو لأهله عنه».
وقال في غريب الحديث (٥/ ١٦٣): «الوقص عندنا: ما بين الفريضتين، وذلك ست من الإبل وسبع وثمان وتسع، فما زاد بعد الخمس إلى التسع، فهو وقص؛ لأنه ليس فيه شيء، وكذلك ما زاد على العشر إلى أربع عشرة، وكذلك ما فوق ذلك، وجمع الوقص: أوقاص، وكذلك الشنق، جمعه: أشناق، … ، وبعض العلماء يجعل الأوقاص في البقر خاصة، والأشناق في الإبل خاصة، وهما جميعا ما بين الفريضتين. وهذا أحب القولين إلي».
стр. 9629
وكذلك قال الشافعي في الأم (٣/¬٢١): «والوقص: ما لم يبلغ الفريضة».
وقال أيضاً في اختلاف العراقيين من الأم (٨/ ٣٣٥): «والأوقاص عندنا: ما بين الفريضتين، … ، وليس في البقر صدقة حتى تبلغ ثلاثين، فإذا بلغت ثلاثين ففيها تبيع، ثم ليس في الزيادة على الثلاثين صدقة حتى تبلغ أربعين، فإذا بلغت أربعين ففيها مسنة، ثم ليس في زيادتها شيء حتى تبلغ ستين، فإذا بلغت ستين ففيها تبيعان»، ثم تابع تفصيل الفريضة؛ إلى أن قال: «وكل صدقة من الماشية فلا شيء فيها فيما بين الفريضتين، وكل ما كان فوق الفرض الأسفل لم يبلغ الفرض الأعلى: فالفضل فيه عفو؛ صدقته صدقة الأسفل».
وقال أحمد: «والأوقاص: ما بين الفريضتين، وما بين الفريضتين في ثلاثين تبيع، وفي أربعين مسنة، ما بين الأربعين إلى الخمسين فهي الأوقاص، فليس فيها شيء حتى تبلغ ستين، فيكون فيها تبيعان» [مسائل عبد الله بن أحمد لأبيه (٦٥٦)].
وقال أيضاً: «ليس في الأوقاص شيء» [مسائل الكوسج (٥٨٤)].
وقال أيضاً: «وأقل من خمس من الإبل فهو الشنق» [مسائل عبد الله بن أحمد لأبيه (٦٥٤ و ٦٥٦)].
وعلى هذا القول جمهور كتب اللغة والفقه.
صدقة الجاموس هي صدقة البقر، فهما جنس واحد [كالمعز والضأن في الغنم]: روى الليث بن سعد، عن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب؛ أن عمر بن عبد العزيز كتب أن تؤخذ صدقة الجواميس، كما تؤخذ صدقة البقر.
أخرجه أبو عبيد في الأموال (١٠٢٧)، وابن زنجويه في الأموال (١٤٩٣).
وهذا مقطوع على الخليفة عمر بن عبد العزيز بسند صحيح.
قال مالك في الموطأ (٧٠٠): في الرجل يكون له الضأن والمعز: أنها تجمع عليه في الصدقة، فإن كان فيها ما يجب فيه الصدقة، صدقت، وقال: «إنما هي غنم كلها».
قال: «فإن كانت الضأن هي أكثر من المعز، ولم يجب على ربها إلا شاة واحدة، أخذ المصدق تلك الشاة التي وجبت على رب المال من الضأن، وإن كانت المعز أكثر أخذ منها، فإن استوى المعز والضأن أخذ من أيتهما شاء».
قال مالك (٧٠٢): «وكذلك الإبل العراب والبخت، يجمعان على ربهما في الصدقة».
وقال: «إنما هي إبل كلها، فإن كانت العراب هي أكثر من البخت، ولم يجب على ربها إلا بعير واحد، فليأخذ من العراب صدقتها، فإن كانت البخت أكثر فليأخذ منها، فإن استوت فليأخذ من أيتهما شاء».
وقال (٧٠٣): «وكذلك البقر والجواميس تجمع في الصدقة على ربهما»، وقال: «إنما هي بقر كلها، فإن كانت البقر هي أكثر من الجواميس، ولا يجب على ربها إلا بقرة واحدة، فليأخذ من البقر صدقتها، وإن كانت الجواميس أكثر فليأخذ منها، فإن استوت فليأخذ من أيتهما شاء، فإذا وجبت في ذلك الصدقة، صدق الصنفان جميعاً».
стр. 9630
وهو قول الشافعي وأحمد.
قال ابن المنذر في الإجماع (٩١) و (٩٢): «وأجمعوا على أن حكم الجواميس حكم البقر.
وأجمعوا على أن الضأن والمعز يجمعان في الصدقة».
وقال في الإشراف (٣/¬١٢): «وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم: على أن الجواميس بمنزلة البقر، كذلك قال الحسن البصري، والزهري، ومالك، والثوري، وإسحاق، والشافعي، وأصحاب الرأي. وكذلك نقول».
ثم قال: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الضأن والمعز يجتمعان في الصدقة».
• مسألة:
• قال أبو عبيد في الأموال (١٠٤٧): وليس في أسنان الغنم ما يؤخذ في الصدقة غير سنين أيضاً مثل البقر، إلا أنهما في البقر يسميان: التبيع والمسنة، وفي الغنم يسميان: الجذعة والثنية.
• وقال أيضاً (١٠٥١): «وهذا هو الذي عليه الناس اليوم، إلا أن مالك بن أنس كان يختار أن تؤخذ الجذعة من الضأن، والثنية من المعز يشبهها بالأضاحي، وهذا فيما نرى مذهب حسن.
وليس بين الذكر والأنثى في البقر والغنم فصل، ولا لأحدهما على الآخر فصل في السن كالذي جاء في الإبل». هكذا في الموضعين: فصل بالصاد المهملة، وتحتمل أن تكون بالضاد المعجمة؛ فضل؛ يعني: ليس لأحدهما مزية على الآخر، بينما الفريضة في الإبل في الإناث دون الذكور، إلا لمن كانت صدقته بنت مخاض فلم يجد بنت مخاض، وكان عنده ابن لبون ذكر فيجزئ عنه، والله أعلم.
وقال أحمد في مسائل ابنه صالح (١٣٥٩): «يحتسب بالسخال عليهم، ولا يؤخذ في الصدقة إلا الثني، والجذع من الضأن كذلك».
ومما جاء أيضاً في زكاة البقر:
١ - عن علي بن أبي طالب:
رواه أبو إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، قال: «وفي البقر في ثلاثين تبيع أو تبيعة، وفي أربعين مسنة».
وهو موقوف صحيح عن علي بن أبي طالب، وله حكم الرفع، تقدم تخريجه برقم (١٥٧٣).
٢ - كتاب عمرو بن حزم:
رواه معمر بن راشد عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أن النبي ﷺ كتب لهم كتاباً فيه: «وفي البقر في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة».
стр. 9631
يأتي تخريجه قريباً فيما روي من أحاديث في مقادير الصدقات، وهو كتاب غير مسموع، قد شهدت القرائن بصحته.
٣ - عن عبد الله بن مسعود:
رواه عبد السلام بن حرب [ثقة حافظ]، قال: أنا خصيف، عن أبي عبيدة، عن عبد الله ﵁، عن النبي ﷺ قال: «في ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة».
أخرجه الترمذي في الجامع (٦٢٢)، وفي العلل الكبير (١٧٣)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه «مختصر الأحكام» (٣/ ٢٠٥/ ٥٧٧)، وابن ماجه (١٨٠٤)، وابن الجارود (٣٤٤)، وابن أبي شيبة (٢/ ٣٦٢/ ٩٩١٩) (٦/ ١٧٩/ ١٠١٨٤ - ط الشثري)، وأبو يعلى (٨/ ٤٣٣/ ٥٠١٦)، والبيهقي في السنن (٤/ ٩٩)، وفي الخلافيات (٤/ ٢٩١/ ٣١٧٠ و ٣١٧١). [التحفة (٦/ ٤٣٨/ ٩٦٠٦)، المسند المصنف (١٨/ ٢٣٧/ ٨٥٢٨)].
قال الترمذي في الجامع: «هكذا رواه عبد السلام بن حرب عن خصيف، وعبد السلام: ثقة حافظ. وروى شريك هذا الحديث عن خصيف، عن أبي عبيدة، [عن أمه]، عن أبيه، عن عبد الله، وأبو عبيدة بن عبد الله لم يسمع من أبيه».
ثم قال الترمذي (٦٢٤): «حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال: سألت أبا عبيدة: هل تذكر عن عبد الله شيئاً؟ قال: لا».
وقال في العلل: «سألت محمد بن إسماعيل - يعني: البخاري -، عن هذا الحديث؟ فقال: رواه شريك، عن خصيف، عن أبي عبيدة، عن أمه، عن عبد الله.
قلت له: أبو عبيدة ما اسمه؟ فلم يعرف اسمه، وقال: هو كثير الغلط».
• ورواه مسعود بن سعد [الجعفي الكوفي: ثقة]: حدثنا خصيف، عن أبي عبيدة، عن أبيه، قال: كتب رسول الله ﷺ في صدقة البقر: «إذا بلغ البقر ثلاثين فيها تبيع من البقر، جذع أو جذعة، حتى تبلغ أربعين، فإذا بلغت أربعين ففيها بقرة مسنة، فإذا كثرت البقر ففي كل أربعين من البقر بقرة مسنة».
أخرجه أحمد (١/ ٤١١/ ٣٩٠٥). [الإتحاف (١٠/ ٥٣٣/ ١٣٣٦٣)، المسند المصنف (١٨/ ٢٣٧/ ٨٥٢٨)].
• وروى عبد السلام بن حرب، عن خصيف، عن أبي عبيدة، وزياد بن أبي مريم، عن عبد الله بن مسعود ﵁؛ أنه قال في فرائض الإبل: في خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض.
وقال: إذا زادت على تسعين، ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، فإذا بلغت العشرين ومائة استقبلت الفريضة بالغنم، في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمساً وعشرين، ففرائض الإبل، فإذا كثرت الإبل، ففي كل خمسين حقة.
стр. 9632
وقال: ليس للمصدق هرمة، ولا ذات عوار، ولا جداء.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٥٩/ ٩٨٨٨) و (٦/ ١٦٨/ ١٠١٥٢ - ط الشثري)، و (٢/ ٣٦٩/ ٩٩٩٩) و (٦/ ٢٠٣/ ١٠٢٦٨ - ط الشثري)، والطحاوي في شرح المعاني (٤/ ٣٧٧)، وفي أحكام القرآن (٦٢٠)، وأبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي في الأول من أماليه (٢٤). [الإتحاف (١٠/ ٢٠٥/ ١٢٥٩٤)].
قال البيهقي في المعرفة (٦/¬٣٠) رداً على الطحاوي إذ احتج بحديث خصيف هذا: «هذا موقوف، ومنقطع بينهما وبين عبد الله بن مسعود، وخصيف الجزري: غير محتج به. ومن أجاز لدينه أن يحتج بهذا فلا ينبغي له أن يتكلم في عبد الله بن المثنى، وعبد الله بن أبي بكر، وسليمان بن داود الخولاني، فعبد الله بن أبي بكر: من فقهاء أهل المدينة ومتقنيهم، اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج به فيما رواه موصولاً.
وعبد الله بن المثنى: من أولاد الأنصار، مشهور بالعلم، واحتج به البخاري في هذا الحديث بعينه.
وسليمان بن داود الخولاني: أثنى عليه الجماعة من الحفاظ، ولم يرو شيئاً منكراً.
ويجوز أن يكون عند الزهري كتاب عمرو بن حزم موصولاً، ثم يكتب أيضاً الكتاب الذي كان عند آل عمر، كما أمر عمر بن عبد العزيز بالكتابين جميعاً، فكتبا له، فبمثل هذا لا يرد الحديث، وبالله التوفيق».
قلت: زياد بن أبي مريم الجزري تابعي مقل، وثقه العجلي والدارقطني، وجزم البيهقي بأن روايته عن ابن مسعود منقطعة، وقد وجدت روايته لحديث: «الندم توبة» عن ابن مسعود بواسطة، لم يسمعه من ابن مسعود، لكن ذهب جمع من الحفاظ النقاد إلى أن راوي حديث: «الندم توبة» هو زياد بن الجراح، وهو: غير زياد بن أبي مريم [انظر: مسند الطيالسي (٣٨٠)، مسند الحميدي (١٠٥)، مسند ابن الجعد لأبي القاسم البغوي (١٧٣٨ و ١٧٣٩ و ٢٢٥٦)، تاريخ ابن معين للدوري (٤/ ٤٧٧/ ٥٣٦٦)، مسند أحمد (٣٥٦٨ و ٤٠١٢ و ٤٠١٤ و ٤٠١٦ و ٤١٢٤)، التاريخ الكبير (٣/ ٣٧٣)، سنن ابن ماجه (٤٢٥٢)، الفوائد المعللة لأبي زرعة الدمشقي (١١٥ و ١١٦)، تاريخ أبي زرعة الدمشقي (٦٧١)، مسند البزار (٥/ ٣١٠/ ١٩٢٦)، مسند أبي يعلى (٨/ ٣٨٠/ ٤٩٦٩) و (٩/¬١٣/¬٥٠٨١) و (٦٤/ ٥١٢٩)، معرفة الثقات (٥١٤)، الجرح والتعديل (٣/ ٥٢٨ و ٥٤٦)، المراسيل (٢١٧)، علل الحديث (١٧٩٧ و ١٨١٦ و ١٩١٨)، تاريخ الرقة (١٨٧)، الثقات (٤/ ٢٦٠)، علل الدارقطني (٥/ ١٩٠/ ٨١٣)، سؤالات البرقاني (٣٠٥)، موضح أوهام الجمع والتفريق (١/ ٢٣٨)، المغني (٢٢٤٤)، وقال: «تابعي، لا يُعرف». الميزان (٢/ ٩٣)، وقال: «فيه جهالة، وقد وثق». إكمال مغلطاي (٥/ ١٢٠)، التهذيب (١/ ٦٥٣). وغيرها كثير].
وحديثه في فرائض الإبل واستقبال الفريضة بالغنم بعد العشرين ومائة: حديث منكر، تفرد به خصيف بن عبد الرحمن الجزري، وهو سيئ الحفظ، ليس بالقوي.
стр. 9633
وأما حديث صدقة البقر: فقد أعله البخاري والترمذي برواية شريك بن عبد الله النخعي، عن خصيف، عن أبي عبيدة، عن أمه، عن عبد الله.
وكأنهما أشارا إلى اضطراب خصيف في إسناده، وهو ليس بالقوي، سيئ الحفظ، ينفرد عن الثقات بما لا يتابع عليه، وزيادته المنكرة في حديث فرائض الإبل تشعر بأنه لم يكن يضبط هذا الحديث سنداً ومتناً، فهو كما قال أحمد: «شديد الاضطراب في المسند» [التهذيب (١/ ٥٤٣)، الميزان (١/ ٦٥٣)]، ولهذه الأسباب مجتمعة لا تطمئن نفسي إلى ثبوت ذلك من حديث أبي عبيدة، ومن ثم فلا يصلح مثله في الشواهد، وهو حديث ضعيف، والله أعلم.
وأبو عبيدة وإن لم يسمع من أبيه؛ إلا أن أحاديثه عنه صحيحة، تلقاها عن أهل بيته الثقات العارفين بحديث أبيه، قاله ابن المديني وغيره [تقدم الكلام على سماع أبي عبيدة من أبيه مراراً. انظر مثلاً: فضل الرحيم الودود (١٤/¬٢٣/¬١٢٦٧)]، لكن الشأن في ثبوته من حديث أبي عبيدة برواية الثقات عنه، والله أعلم.
٤ - عن أنس بن مالك:
• رواه سعيد بن مسعود [المروزي: ثقة. الجرح والتعديل (٤/ ٩٥)، الثقات (٨/ ٢٧١)، الإرشاد (٣/ ٨٩٧ و ٩٢١)، السير (١٢/ ٥٠٤)، تاريخ الإسلام (٦/ ٥٤٩ - ط الغرب)، الثقات لابن قطلوبغا (٥/¬٢٠)]: حدثنا عبيد الله بن موسى [كوفي، ثقة]: أنبأ سفيان، عن داود، عن الشعبي يرفعه، وابن أبي عياش عن أنس يرفعه؛ قال: «في أربعين من البقر مسنة، وفي ثلاثين تبيع أو تبيعة».
أخرجه البيهقي في السنن (٤/ ٩٩)، وفي الخلافيات (٤/ ٢٩٤/ ٣١٧٧).
قلت: أما مرسل داود بن أبي هند عن الشعبي مرفوعاً، فهو محفوظ، وسفيان هو: الثوري، ويأتي الكلام عليه.
وأما مسند أنس: فلا يثبت؛ حيث يرويه عن أنس: أبان بن أبي عياش، وهو: متروك، منكر الحديث، رماه شعبة بالكذب.
• ورواه حاتم بن عبيد الله النمري: ثنا سلام أبو المنذر: حدثنا داود بن أبي هند [بصري، ثقة متقن، لم يسمع من أنس]، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ كتب إلى عماله في سنة الصدقات: «في أربعين شاة شاة إلى عشرين ومائة، فإن زادت واحدة ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة، فإذا كثرت الغنم ففي كل مائة شاة شاة».
وكتب في صدقة البقر: «في كل ثلاثين بقرة جذعة، وفي أربعين بقرة مسنة».
وكتب في صدقات الإبل: «في خمس من الإبل شاة، وفي عشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث، وفي عشرين أربع، وفي خمس وعشرين بنت مخاض إلى خمس وثلاثين، فإذا زادت واحدة ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقة طروقة الفحل.
стр. 9634
إلى ستين، فإن زادت واحدة ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإن زادت واحدة ففيها بنتا لبون إلى تسعين، فإن زادت واحدة فحقتان إلى عشرين ومائة، فإن كثرت الإبل ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون».
أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ٣٠٤/ ٧٥٦٦)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين (٢/ ١٨١ - ١٨٢)، وتمام في الفوائد (١١٧٨)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢/ ٢٩٢).
قلت: هو حديث غريب جداً، تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٥٦٧).
قلت: أخاف أن يكون انتقل بصر أحدهم، فأسقط من إسناده الشعبي وأبان بن أبي عياش، وجعله عن داود بن أبي هند عن أنس، وإنما يرويه داود عن الشعبي مرسلاً.
• قلت: المحفوظ في هذا ما رواه الأجلح [أبو حجية الأجلح بن عبد الله بن حجية الكندي: لا بأس به، في حديثه لين. التهذيب (١/ ٩٨)، الميزان (١/ ٧٩)] [وعنه: علي بن مسهر، وأبو بكر بن عياش، وداود بن أبي هند ثقة متقن، من أصحاب الشعبي] [وعنه: زهير بن معاوية]، وغيرهما ببعضه:
عن الشعبي، قال: كتب رسول الله ﷺ إلى اليمن: «أن يؤخذ من الإبل من كل خمس شاة، ومن كل عشر شاتان، ومن خمسة عشر ثلاث شياه، ومن عشرين أربع شياه، ومن خمس وعشرين خمس شياه، فإذا زادت واحدة ففيها بنت مخاض إلى خمس وثلاثين، فإن لم تجد في الإبل بنت مخاض فابن لبون ذكر، فإذا زادت واحدة ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين، فإن زادت واحدة ففيها حقة إلى ستين، فإن زادت واحدة ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإن زادت واحدة ففيها بنتا لبون إلى تسعين، فإن زادت واحدة ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، فإذا كثرت الإبل ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون، ولا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق، ولا يؤخذ في الصدقة تيس ولا هرمة، ولا ذات عوار».
وفيه: «أن يؤخذ من ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة».
وقال: بعث رسول الله ﷺ معاذاً إلى اليمن، وأمره أن يأخذ مما سقت السماء العشر، وما سقي بالغرب فنصف العشر. رواه بتمامه: الأجلح.
وروى داود طرف صدقة البقر، ولفظه: أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن: «في كل أربعين بقرة، وفي كل ثلاثين بقرة تبيع»، جذع استوى قرناه.
قال الأجلح: فقلت للشعبي: ما يعني بقوله: «لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع؟ قال: الرجل تكون له الغنم فلا يفرقها كي لا يؤخذ منها صدقة، ولا يجمع بين مفترق القوم تكون لهم الغنم لا تجب فيها الزكاة، فلا تجمع فتؤخذ منها الصدقة.
أخرجه يحيى بن آدم في الخراج (٣٦٦ - ٣٦٩)، وابن أبي شيبة (٢/ ٣٥٩/ ٩٨٩٧) (٦/ ١٧٠/ ١٠١٦٢ - ط الشثري)، و (٢/ ٣٦١/ ٩٩٠٧) (٦/ ١٧٥/ ١٠١٧٢ - ط الشثري)، و (٢/ ٣٦٢/ ٩٩٢١) (٦/ ١٨٠/ ١٠١٨٦ - ط الشثري)، و (٢/ ٣٧٥/ ١٠٠٧٩) (٦/ ٢٢٢/ ١٠٣٥٤ - ط الشثري)، وابن زنجويه في الأموال (١٤٥٩).
стр. 9635
• سئل الدارقطني في العلل (١٢/ ١١١/ ٢٤٩١) عن حديث الشعبي، عن أنس، قال رسول الله ﷺ : «في كل أربعين من البقر مسنة، وفي كل ثلاثين تبيع، أو تبيعة»؛ فقال: «يرويه داود بن أبي هند، واختلف عنه؛ فرواه أبو أمية الطرسوسي، عن عبيد الله بن موسى، عن الثوري، عن داود، عن الشعبي، عن أنس، ورفعه.
وغيره يرويه عن الثوري، عن داود، عن الشعبي مرسلاً، وهو الصواب».
• وقد رواه بعضهم عن الشعبي قوله، مقطوعاً عليه، ولا يضره ذلك.
• قلت: مراسيل الشعبي قوية، فقد قال العجلي: «مرسل الشعبي صحيح، لا يكاد يرسل إلا صحيحاً»، وقال الآجري لأبي دواد: «مراسيل الشعبي أحب إليك أو مراسيل إبراهيم؟ قال: مراسيل الشعبي» [معرفة الثقات (٢٣٢١)، سؤالات الآجري (١/ ٢١٩)، تاريخ دمشق (٢٥/ ٣٤٦)].
ولم يأت في هذا الحديث بما يُنكر، سوى ما انفرد به الأجلح عن الشعبي: ومن خمس وعشرين خمس شياه، فإذا زادت واحدة ففيها بنت مخاض، فهو منكر؛ والمحفوظ في صدقات الإبل في حديث أبي بكر وابن عمر وكتاب عمر وكتاب عمرو بن حزم أنها إذا بلغت خمساً وعشرين ففيها بنت مخاض، وبقية الحديث صحيح إن شاء الله تعالى [وانظر فيما ضعفته من مراسيل الشعبي: فضل الرحيم الودود (٣/ ٢٠٢/ ٢٤٤)].
ومرسل الشعبي هذا مما يعضد حديث معاذ، ويؤكد المعنى المشار إليه من استفاضة كتاب معاذ، واشتهاره بين أهل العلم اشتهاراً أغناهم عن إسناده، حيث أرسله طاووس، وإبراهيم النخعي، والحكم بن عتيبة، وعامر بن شراحيل الشعبي والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
٥ - عن عبد الله بن عمرو:
يرويه علي بن هاشم بن البريد عن ابن أبي ليلى عن عبد الكريم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: «ليس في أقل من خمس ذود شيء، ولا في أقل من أربعين من الغنم شيء، ولا في أقل من ثلاثين من البقر شيء، ولا في أقل من عشرين مثقالاً من الذهب شيء، ولا في أقل من مائتي درهم شيء، ولا في أقل من خمسة أوسق شيء، والعشر في التمر والزبيب والحنطة والشعير، وما سقي سيحاً ففيه العشر، وما سقي بالغرب ففيه نصف العشر».
تقدم تخريجه في شواهد صدقة النقدين [تحت الحديث رقم (١٥٧٤)]، وقلت هناك بعد الكلام على طرقه: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: حديث ضعيف، لا يثبت من وجه، والله أعلم.
وأشهر طرقه التي اعتنى بها المصنفون طريق ابن أبي المخارق، ثم طريق العرزمي، ثم طريق يحيى بن أبي أنيسة، وهي طرق واهية، والباقي غرائب لم تشتهر، ولا تثبت!!!
стр. 9636
٦ - عن ابن عباس:
رواه سوار بن مصعب [متروك، منكر الحديث. اللسان (٤/ ٢١٦)]، عن ليث، عن مجاهد، وطاووس، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس في البقر العوامل صدقة، ولكن في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسن أو مسنة».
وهو حديث منكر، تقدم تخريجه في شواهد حديث علي بن أبي طالب: «ليس في البقر العوامل صدقة»، تحت الحديث رقم (١٥٧٣).
٧ - عن أبي سعيد الخدري:
وروى معاوية بن هشام، عن سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي سعيد الخدري، قال: ليس فيما دون الثلاثين من البقر شيء.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٦٤/ ٩٩٤٠) (٦/ ١٨٦/ ١٠٢٠٦ - ط الشثري).
حديث ضعيف مضطرب، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى: ليس بالقوي، كان سيئ الحفظ جداً، كثير الوهم، غلب عليه الاشتغال بالفقه والقضاء؛ فلم يكن يحفظ الأسانيد والمتون [انظر: التهذيب (٣/ ٦٢٧)، الميزان (٣/ ٦١٣)].
وقد اضطرب في إسناده: ابن أبي ليلى، فمرة يجعله من حديث الحكم بن عتيبة مرسلاً [وتقدم، وهو الأشبه بالصواب]، ومرة يجعله عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده [وتقدم]، ومرة يجعله عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن أبي سعيد، ولا يحتمل من ابن أبي ليلى التعدد في الأسانيد.
ثم هو غريب من حديث سفيان الثوري، تفرد به عنه: معاوية بن هشام القصار، وهو: صدوق، كثير الخطأ، وليس بالثبت في الثوري، بل له عنه أوهام كثيرة، قيل: حاله قريب من قبيصة والفريابي، قلت: بل هما أكثر منه رواية عن الثوري، وأقل خطأ، واعتمدهما صاحبا الصحيح [التهذيب (٤/ ١١٢)، الميزان (٤/ ١٣٨)، شرح العلل (٢/ ٧٢٢)].
٨ - عن عبيد بن صخر:
روى سيف بن عمر التميمي، عن سهل بن يوسف بن سهل الأنصاري، عن أبيه، عن عبيد بن صخر بن لوذان الأنصاري، أنه قال: أمر النبي ﷺ عمال اليمن جميعاً، فقال: «تعاهدوا القرآن بالتذكرة، وأتبعوا الموعظة الموعظة، فإنه أقوى للعاملين على العمل بما يحب الله تعالى، ولا تخافوا في الله لومة لائم، واتقوا الله الذي إليه ترجعون».
وروى عن عبيد، أنه قال: عهد النبي ﷺ إلى عماله باليمن: «في البقر في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة، وليس في الأوقاص بينهما شيء».
ذكره ابن الأثير في أسد الغابة معلقاً (٣/ ٥٣٦)، وعلق ابن عبد البر في «الاستيعاب» (٣/ ١٠١٧/ ١٧٣٢) الحديث الثاني موضع الشاهد، بنفس الإسناد.
وأخرج الحديث الثاني موضع الشاهد من طريق سيف بن عمر به: الدارقطني في المؤتلف (٢/ ٣٥١ - نصب الراية).
стр. 9637
وأخرج الحديث الأول بدون موضع الشاهد: أبو نعيم في معرفة الصحابة (٤/ ٤٧٩١/ ١٩٠٥). ومن طريقه: أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس (٣/ ٥٢٣/ ١١٩٠ - زهر الفردوس). وأخرجه أيضاً: ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٨/ ٤١١)، وابن الجوزي في القصاص والمذكرين (٣).
وانظر: جامع المسانيد (٥/ ٦٤٣ - ٦٤٥/ ٧١٧٢ - ٧١٧٥).
قال أبو نعيم في موضع آخر من «المعرفة» (٣/ ١٥١٩): «وهذا حديث يتفرد به سهل بن يوسف بن سهل الأنصاري، عن أبيه، عن عبيد بن صخر».
وقال ابن حجر في الإصابة (٤/ ٣٤٤): «ذكره البغوي وغيره في الصحابة، قال ابن السكن: يقال: له صحبة، ولم يصح إسناد حديثه».
قلت: هذا حديث باطل، سهل بن يوسف بن سهل الأنصاري، وأبوه: مجهولان [انظر: اللسان (٤/ ٢٠٦)]، وسيف بن عمر التميمي: متروك الحديث، متهم [التهذيب (٢/ ١٤٤)].
٩ - عن جابر بن عبد الله:
روى محمد بن ثور [الصنعاني: ثقة]، وعبد الرزاق بن همام [ثقة حافظ]:
عن معمر [ثقة، ثبت في الزهري، يهم في حديث قتادة]، عن الزهري [وقتادة]، عن جابر بن عبد الله: في كل خمس من البقر شاة، وفي عشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه.
قال الزهري: فإذا كانت خمساً وعشرين ففيها بقرة إلى خمس وسبعين، فإذا زادت على خمس وسبعين ففيها بقرتان إلى عشرين ومائة، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بقرة بقرة.
قال معمر: قال الزهري: وبلغنا أن قولهم: قال النبي ﷺ : «في كل ثلاثين بقرة تبيع، وفي كل أربعين بقرة بقرة»؛ أن ذلك كان تخفيفاً لأهل اليمن، ثم كان هذا بعد ذلك. زاد عبد الرزاق في آخره: لا يُروى.
أخرجه أبو داود في المراسيل (١١٠)، وعبد الرزاق (٤/¬٢٤/¬٦٨٥٢) (٤/ ٣٣٧/ ٧٠٦٤ - ط التأصيل)، والبيهقي (٤/ ٩٩)، والحازمي في الاعتبار (١/¬٤٨٩/¬٣٤). [التحفة (١٢/ ٥٠١/ ١٩٣٨٢)، المسند المصنف (٣٥/ ٣١٥/ ١٧٠٧٢)].
قال البيهقي: «فهذا حديث موقوف ومنقطع، وروي من وجه آخر عن الزهري منقطعاً، والمنقطع لا تثبت به حجة، وما قبله أكثر وأشهر، والله أعلم».
وقال الحازمي: «وعلى الجملة الاعتماد على حديث معاذ؛ لأنه أصح ما يوجد في الباب، وله شواهد في السنن، وأما حديث الزهري فلا يقاومه؛ لما فيه من الانقطاع». وأورده النووي في فصل الضعيف من الخلاصة (٣٨٧٥)، ثم قال: «رواه البيهقي، وهو منقطع بين الزهري وجابر».
стр. 9638
قلت: هو موقوف على جابر بإسناد ضعيف، فإن الزهري وقتادة: روايتهما عن جابر مرسلة [تحفة التحصيل (٢٦٢ و ٢٨٧)].
وعليه: فلا تصح نسبة هذا القول الشاذ لجابر ﵁، ولا لأحد من الصحابة، إنما يحكى عن بعض التابعين، وهو قول شاذ، لا يلتفت إليه، إذ هو مخالف للأحاديث الصحيحة في نصاب زكاة البقر، وأنه ليس فيما دون الثلاثين من البقر شيء، ومخالف أيضا لما استقر عليه الإجماع بعد ذلك.
ومراسيل قتادة: شبه لا شيء، كما قال القطان، إذ كان قتادة يأخذ عن كل أحد [انظر: التهذيب (٣/ ٤٢٨)، شرح علل الترمذي (١/ ٥٣٤)].
ومراسيل الزهري: من أوهى المراسيل، وهي شبه الريح، ليست بشيء [تقدم الكلام عليها في فضل الرحيم الودود (١١/ ٣٧١/ ١٠٦٩)].
قال يحيى بن سعيد القطان: مرسل الزهري شر من مرسل غيره؛ لأنه حافظ، وكلما قدر أن يسمي سمى، وإنما يترك من لا يستجيز أن يسميه [تاريخ دمشق (٥٥/ ٣٦٨)، السير (٥/ ٣٣٨)، جامع التحصيل (٩٠)].
وأئمة الحديث على عدم الاحتجاج بالمرسل؛ إنما يحتج بالأسانيد الصحيحة المتصلة، وكان يحيى بن سعيد القطان لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئا، ويقول: «هو بمنزلة الريح»، ويقول: «هؤلاء قوم حفاظ، كانوا إذا سمعوا الشيء علقوه» [المراسيل (١)، الجرح والتعديل (١/ ٢٤٣)].
• وانظر فيما روي في ذلك من مراسيل الزهري: ما أخرجه أبو داود في المراسيل (١١١ و ١١٢)، وعبد الرزاق (٤/¬٢٥/¬٦٨٥٣) (٤/ ٣٣٨/ ٧٠٦٥ - ط التأصيل).
١٠ - وروى محمد بن ثور [الصنعاني: ثقة]، وعبد الرزاق بن همام [ثقة حافظ]:
عن معمر [ثقة]، قال: أعطاني سماك بن الفضل كتابا من رسول الله ﷺ لمالك بن كفلانس والمقوقس، فإذا فيه: «في البقر مثل ما في الإبل». لفظ ابن ثور [عند أبي داود].
ولفظ عبد الرزاق: أعطاني سماك بن الفضل كتابا من النبي ﷺ إلى مالك بن كفلانس والمصعبيين، فقرأته فإذا فيه: «فيما سقت السماء والأنهار العشر، وفيما يسقى بالمسنا نصف العشر، وفي البقر مثل الإبل».
أخرجه أبو داود في المراسيل (١٠٩)، وعبد الرزاق (٤/¬٢٦/¬٦٨٥٥) (٤/ ٣٣٨/ ٧٠٦٧ - ط التأصيل) و (٤/ ١٣٦/ ٧٢٤٠) (٤/ ٤٣٥/ ٧٤٦٨ - ط التأصيل). [التحفة (١٢/ ٣٤٦/ ١٨٧٩٦)، المسند المصنف (٣٥/ ٣١٥/ ١٧٠٧٢)].
قلت: وهذا مرسل بل معضل، فإن سماك بن الفضل: يماني ثقة، من الطبقة السادسة، روى عن جماعة من التابعين، وقد خالف كتابه ذلك المشهور من كتاب معاذ بن جبل، والذي اشتهر بين أهل العلم، ونقل باستفاضة، كما نقل بنقل الكافة عن الكافة، ثم هو قبل ذلك مروي بإسناد صحيح، والعمدة عندنا على الرواية بالإسناد المتصل الصحيح،
стр. 9639
والكتاب هنا يعضد الرواية، وكتاب معاذ قد حصل به العلم الضروري لاستفاضته واشتهاره بين العامة والخاصة، بينما هذا الكتاب لم ينقل إلينا إلا من هذا الوجه الفرد، فلما جاء هذا الكتاب بخلاف الرواية الصحيحة وما اشتهر من كتاب معاذ؛ لم نعتمده، لا سيما مع إعضاله، وعدم الوثوق بكون الكتاب محفوظاً عن الزيادة والنقصان والتحريف والتبديل، بخلاف كتاب معاذ الذي كان محفوظاً عند الخلفاء وعلماء التابعين وغيرهم، والله الموفق للصواب.
ثم إن موضع النكارة منه قوله: في البقر مثل ما في الإبل، وأما طرف: أخذ العشر مما سقي بالسماء والأنهار، ونصف العشر مما سقي بالغرب والدوالي، فهو صحيح مشهور.
وإن كان من الممكن تأويله على إرادة عموم الزكاة؛ أي: أن الزكاة واجبة في البقر، كما هي واجبة في الإبل، وليس المراد المثلية في النصاب، ولا في الفريضة التي تؤخذ منها، والحمل على هذا المعنى: أولى، وبه يرد المتشابه إلى المحكم، فإن حديث معاذ بن جبل محكم مفصل، وكتاب مالك بن كفلانس مشتبه مجمل، ويبقى أنه: كتاب مروي بإسناد منقطع، لا يشهد له أثر صحيح، يدل على كونه محفوظاً، والله الموفق للصواب.
١١ - وروى عبد الأعلى، عن داود، عن عكرمة بن خالد، قال: استعملت على صدقات عك، فلقيت أشياخاً ممن صدق على عهد رسول الله ﷺ ، فاختلفوا علي، فمنهم من قال: اجعلها مثل صدقة الإبل، ومنهم من قال: في ثلاثين بقرة تبيع أو تبيعة، جذع أو جذعة، وفي أربعين مسنة، [والجواميس تعد في الصدقة كالأباقير].
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٦٢/ ٩٩٢٨) (٦/ ١٨٢/ ١٠١٩٤ - ط الشثري) و (٢/ ٤٣٣/ ١٠٧٤٨) (٦/ ٤٠٨/ ١١٠٥٩ - ط الشثري)، ومن طريقه ابن حزم في المحلى (٤/ ٩٠).
قلت: داود هو: ابن أبي هند، وهو: ثقة متقن، وعبد الأعلى هو: ابن عبد الأعلى: ثقة، مشهور بالرواية عن ابن أبي هند، وكلاهما بصري، لكن داود غير مشهور بالرواية عن عكرمة بن خالد المخزومي، وهو: تابعي ثقة، من الطبقة الثالثة، ثم إن عكرمة: لم يحكم لهؤلاء الأشياخ بالصحبة، وإنما اكتفى في وصفهم بقوله: ممن صدق على عهد رسول الله ﷺ ، وعلى هذا: فلم تثبت لهم صحبة، فضلاً عن جهالة أعيانهم، فلا يرد المحكم الصحيح الثابت الذي استقر عليه الإجماع؛ بمثل هذا!
فهو أثر ضعيف؛ لجهالة أشياخ عكرمة.
والعجب ممن شغب لرد الإجماع والأحاديث الصحيحة بمثل هذا!
ج - والحاصل: فإنه لا يثبت في قياس البقر على الإبل شيء، بل هما أصلان، لا يقاس أحدهما على الآخر؛ لأن كل واحد منهما أصل بنفسه.
فرض الزكاة في الإبل: في كل خمس منها شاة إلى أن تبلغ أربعاً وعشرين، فإذا بلغت خمساً وعشرين ففيها بنت مخاض إلى أن تبلغ خمساً وثلاثين، فإن لم تكن فيها بنت
стр. 9640
مخاض فابن لبون ذكر، فإن زادت واحدة ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين، فإن زادت واحدة ففيها حقة إلى ستين، فإن زادت واحدة ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإن زادت واحدة ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فإن زادت واحدة ففيها حقتان إلى مائة وعشرين، ثم في كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون.
وفرض زكاة البقر بخلاف ذلك فإن النصاب الذي تجب فيه الزكاة ببلوغه ثلاثين، فإذا بلغته وجب فيها تبيع منها أو تبيعة، ولا شيء فيما زاد على ذلك حتى تبلغ أربعين، فإذا بلغت أربعين ففيها مسنة منها، فإذا زادت فعلى هذا الحساب في كل ثلاثين منها تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة.
فلا يقاس البقر على الإبل؛ لأن كل واحد منهما أصل بنفسه [انظر: الفقيه والمتفقه للخطيب (١/ ٥٤٦)].
هـ قال ابن المنذر في الإشراف (٣/¬٩): اتفق جمهور العلماء على أنه لا زكاة فيما دون الثلاثين من البقر.
وقد روي عن سعيد بن المسيب والزهري؛ أنهما قالا: في كل خمس شاة، والقول الأول هو الصحيح.
وقال أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن (٤/ ٣٥٩): «وروي عن سعيد بن المسيب وأبي قلابة والزهري وقتادة؛ أنهم كانوا يقولون: في خمس من البقر شاة، وهو قول شاذ؛ لاتفاق أهل العلم على خلافه، وورود الآثار الصحيحة عن النبي ﷺ ببطلانه» [وبه قال قبله: الطحاوي في أحكام القرآن (١/ ٢٩٥)].
وقال القاضي عبد الوهاب المالكي في شرح الرسالة (١/ ٤٦٥): «وكل هذا شاذ، لا يلتفت إليه، وإنما ذكرناه لئلا يظن أن هناك خلافاً ما عرفناه» [وانظر: عيون المسائل (٢٩٥)].
وقال ابن عبد البر في التمهيد (٢/ ٢٧٥) بعد ذكر أحاديث الباب في صدقة البقر: «وعلى ذلك مضى جماعة الخلفاء، ولم يختلف في ذلك العلماء؛ إلا شيء روي عن سعيد بن المسيب وأبي قلابة والزهري وقتادة، ولو ثبت عنهم لم يلتفت إليه؛ لخلاف الفقهاء له من أهل الرأي والأثر بالحجاز والعراق والشام وسائر أمصار المسلمين إلى اليوم، وللذي جاء في ذلك عن النبي ﷺ وأصحابه على ما في حديث معاذ هذا، وفيه ما يرد قولهم؛ لأنهم يوجبون في كل خمس من البقر شاة إلى ثلاثين».
وعلى ذلك مضى جماعة الفقهاء، لم يلتفتوا لهذا القول، وإنما ذكروه للتنبيه على خطئه.
وقد حكى أبو عبيد القاسم بن سلام وابن المنذر وابن عبد البر: أن الإجماع قد استقر على ما دل عليه حديث معاذ: أن في كل ثلاثين من البقر تبيعاً أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة، وقد سبق نقل كلامهم، فليراجع.
стр. 9641
ومما روي أيضاً في مقادير الصدقات:
١ - حديث أبي سعيد الخدري:
رواه محمد بن عقيل بن خويلد النيسابوري، قال: حدثنا حفص بن عبد الله السلمي، قال: حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن عمرو بن يحيى بن عمارة، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس فيما دون خمس من الإبل صدقة، ولا في الأربع شيء، فإذا بلغت خمساً ففيها شاة، إلى أن تبلغ تسعاً، فإذا بلغت عشراً ففيها شاتان، إلى أن تبلغ أربع عشرة، فإذا بلغت خمس عشرة ففيها ثلاث شياه، إلى أن تبلغ تسع عشرة، فإذا بلغت عشرين ففيها أربع شياه، إلى أن تبلغ أربعاً وعشرين، فإذا بلغت خمساً وعشرين ففيها بنت مخاض، إلى خمس وثلاثين، فإذا لم تكن بنت مخاض فابن لبون ذكر، فإن زادت بعيراً ففيها بنت لبون، إلى أن تبلغ خمساً وأربعين، فإن زادت بعيراً ففيها حقة، إلى أن تبلغ ستين، فإن زادت بعيراً ففيها جذعة، إلى أن تبلغ خمساً وسبعين، فإن زادت بعيراً ففيها بنتا لبون، إلى أن تبلغ تسعين، فإن زادت بعيراً ففيها حقتان، إلى أن تبلغ عشرين ومئة، ثم في كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون».
أخرجه ابن ماجه (١٧٩٩)، قال: حدثنا محمد بن عقيل بن خويلد النيسابوري به. [التحفة (٣/ ٤٨٨/ ٤٤٠٩)، المسند المصنف (٢٨/ ٢٤٠/ ١٢٦٧٨)].
قلت: محمد بن عقيل بن خويلد الخزاعي النيسابوري: وثقه النسائي وغيره، حدث بأحاديث من حفظه فأخطأ فيها، وقال أبو أحمد الحاكم: «حدث عن حفص بن عبد الله بحديثين لم يتابع عليهما، ويقال: دخل له حديث في حديث، وكان أحد الثقات النبل»، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: «ربما أخطأ، حدث بالعراق بمقدار عشرة أحاديث مقلوبة» [التهذيب (٣/ ٦٤٩)، الأسامي والكنى للحاكم الكبير (٥/ ٤٢٢/ ٣٣٩٢)، الإرشاد (٢/ ٨١٦)].
• قلت: أخاف أن يكون دخل له حديث في حديث؛ فإن عمرو بن يحيى بن عمارة المازني، يروي هذا الحديث عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً، في أنصبة الزكاة في الإبل والورق والحب والثمر، كما تقدم بيانه في طرقه، عند الحديث السابق برقم (١٥٥٨)، وليس فيه هذه الزيادة.
• وأما فرائض الصدقة في الإبل؛ فإنما تروى من حديث أبي سعيد من وجه آخر:
رواه عبد الرحمن بن مهدي [ثقة حجة، إمام ناقد، عنده عن معاوية بن صالح أحاديث عداد]: ثنا معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، قال: حدثني قزعة، قال: أتيت أبا سعيد وهو مكثور عليه، فلما تفرق الناس عنه، قلت: إني لا أسألك عما يسألك هؤلاء … ، فذكر مسائل:
منها: قلت: وسألته عن الزكاة؟ فقال - لا أدري أرفعه إلى النبي ﷺ ، أم لا -: «في مئتي درهم خمسة دراهم، وفي أربعين شاة شاة، إلى عشرين ومئة، فإذا زادت واحدة، ففيها …
стр. 9642
شاتان إلى مئتين، فإذا زادت ففيها ثلاث شياه، إلى ثلاث مئة، فإذا زادت ففي كل مئة شاة.
وفي الإبل في خمس شاة، وفي عشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين ابنة مخاض، إلى خمس وثلاثين، فإذا زادت واحدة، ففيها ابنة لبون إلى خمس وأربعين، فإذا زادت واحدة، ففيها حقة إلى ستين، فإذا زادت واحدة، ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإذا زادت واحدة، ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فإذا زادت واحدة، ففيها حقتان إلى عشرين ومئة، فإذا زادت، ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون».
أخرجه أحمد (٣/¬٣٥/¬١١٣٠٧)، والطبراني في مسند الشاميين (٣/ ١٣١/ ١٩٣٦). [الإتحاف (٥/ ٣٩٧/ ٥٦٤٤)، المسند المصنف (٢٨/ ٢٤١/ ١٢٦٧٩)].
وقد خرج مسلم في صحيحه (١٦٢/ ٤٥٤) طرفاً منه [راجع تخريجه في فضل الرحيم الودود (٩/¬١٧/¬٨٠٤)].
وهو حديث صحيح غريب؛ لأجل تفرد معاوية به.
ومعاوية بن صالح الحضرمي الحمصي: صدوق، له إفرادات وغرائب وأوهام، ولأجل ذلك تكلم فيه من تكلم، والأكثر على توثيقه، وقد أكثر عنه مسلم، لكن أكثره في المتابعات والشواهد [راجع: فضل الرحيم الودود (٧/ ٣٥٨/ ٦٦٦)، والحديث السابق برقم (١٣٧٥)].
٢ - كتاب عمرو بن حزم:
رواه الحكم بن موسى، قال: حدثنا يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود الخولاني، قال: حدثني الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده؛ أن رسول الله ﷺ ، كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض، والسنن، والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم، فقُرئت على أهل اليمن، وهذه نسختها:
«من محمد النبي ﷺ ، إلى شرحبيل بن عبد كُلال، والحارث بن عبد كُلال، ونعيم بن عبد كُلال، قيل ذي رعين، ومعافر، وهمدان، أما بعد: فقد رجع رسولكم، وأعطيتم من الغنائم خمس الله، وما كتب الله على المؤمنين من العشر في العقار، وما سقت السماء، أو كان سيحاً، أو بعلاً، ففيه العشر إذا بلغ خمسة أوسق، وما سقي بالرشاء والدالية، ففيه نصف العشر إذا بلغ خمسة أوسق.
وفي كل خمس من الإبل السائمة شاة، إلى أن تبلغ أربعاً وعشرين، فإذا زادت واحدة على أربع وعشرين، ففيها ابنة مخاض، فإن لم توجد بنت مخاض، فابن لبون ذكر، إلى أن تبلغ خمساً وثلاثين، فإذا زادت على خمس وثلاثين [واحدة] ففيها ابنة لبون إلى أن تبلغ خمساً وأربعين، فإذا زادت على خمس وأربعين ففيها حقة طروقة الجمل، إلى أن تبلغ ستين، فإن زادت على ستين واحدة ففيها جذعة، إلى أن تبلغ خمسة وسبعين، فإن زادت على خمس وسبعين واحدة ففيها ابنتا لبون، إلى أن تبلغ تسعين، فإن زادت على تسعين
стр. 9643
واحدة، ففيها حقتان طروقتا الجمل، إلى أن تبلغ عشرين ومئة، فما زاد ففي كل أربعين ابنة لبون، وفي كل خمسين حقة طروقة الجمل.
وفي كل ثلاثين باقورة تبيع جذع أو جذعة، وفي كل أربعين باقورة بقرة.
وفي كل أربعين شاةً سائمةً شاةٌ، إلى أن تبلغ عشرين ومئة، فإن زادت على عشرين ومئة واحدة ففيها شاتان، إلى أن تبلغ مئتان، فإن زادت واحدة فثلاثة شياه، إلى أن تبلغ ثلاث مئة، فما زاد ففي كل مئة شاة شاة.
ولا تؤخذ في الصدقة هرمة، ولا عجفاء، ولا ذات عوار، ولا تيس الغنم [إلا أن يشاء المصدق]، ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع، خيفة الصدقة، وما أخذ من الخليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية.
وفي كل خمس أواق من الورق خمسة دراهم، فما زاد ففي كل أربعين درهماً درهم، وليس فيما دون خمس أواق شيء، وفي كل أربعين ديناراً دينار.
وإن الصدقة لا تحل لمحمد، ولا لأهل بيته، إنما هي الزكاة تزكى بها أنفسهم، في فقراء المؤمنين، أو في سبيل الله [وابن السبيل].
وليس في رقيق، ولا مزرعة، ولا عمالها شيء، إذا كانت تؤدى صدقتها من العشر.
وليس في عبد المسلم، ولا فرسه شيء.
وإن أكبر الكبائر عند الله، يوم القيامة: الإشراك بالله، وقتل النفس المؤمنة بغير الحق، والفرار في سبيل الله يوم الزحف، وعقوق الوالدين، ورمي المحصنة، وتعلم السحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم.
وإن العمرة الحج الأصغر.
ولا يمس القرآن إلا طاهر.
ولا طلاق قبل إملاك، ولا عتق حتى يبتاع.
ولا يصلين أحدكم في ثوب واحد ليس على منكبه منه شيء.
ولا يحتبين في ثوب واحد، ليس بينه وبين السماء شيء.
ولا يصلين أحدكم في ثوب واحد وشقه باد.
ولا يصلين أحدكم عاقصاً شعره.
وإن من اعتبط مؤمناً قتلاً عن بينة، فهو قَوَدٌ، إلا أن يرضى أولياء المقتول.
وإن في النفس الدية مئة من الإبل، وفي الأنف إذا أوعب جدعه الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الذكر الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية، وفي الرجل الواحدة نصف الدية، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل، وفي كل إصبع من الأصابع من اليد والرجل عشر من الإبل، وفي السن خمس من الإبل، وفي الموضحة خمس من الإبل، وإن الرجل يقتل بالمرأة، وعلى أهل الذهب ألف دينار».
стр. 9644
أخرجه مطولاً بتمامه، أو مفرقاً بطرف من أطرافه:
أبو داود في المراسيل (٢٥٩)، والنسائي في المجتبى (٨/¬٥٧/¬٤٨٥٣)، وفي الكبرى (٦/¬٣٧٣/¬٧٠٢٩)، والدارمي (١٧٦٨ و ١٧٧٥ و ١٧٨٢ و ٢٤٤٦ و ٢٥٣٧ و ٢٥٣٩ و ٢٥٥٠ - ٢٥٥٢ و ٢٥٥٧ و ٢٥٥٩ و ٢٥٦١ - ط البشائر)، وابن حبان (١٤/¬٥٠١/¬٦٥٥٩)، والحاكم (١/ ٣٩٥) (٢/ ٢٥٧/ ١٤٦٣ - ط الميمان) (٢/ ٤٠٩/ ١٤٦١ - ط المنهاج القويم)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (١/ ٣٦٦/ ١٣٠٣ - السفر الثاني) و (١/ ٣٧٤/ ١٣١٤ - السفر الثاني) و (٢/ ٦٨٥/ ٢٨٥٤ - السفر الثاني)، وعثمان بن سعيد الدارمي في نقضه على بشر المريسي (٢/ ٦١٤)، وابن أبي عاصم في الديات (١٤٢ و ١٤٨ و ١٦١)، وابن نصر المروزي في (٢٣٤)، وأبو القاسم البغوي في مسائله لأحمد (٧٣) و (٩٩)، والطحاوي (٢/¬٣٤ و ٣٥) و (٤/ ٣٧٤)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ١٢٧) (٢/ ١٤١/ ٥٧٠ - ط التأصيل)، والطبراني في الأحاديث الطوال (٥٦)، وابن عدي في الكامل (٤/ ٢٦٩ - ط العلمية) (٥/ ٢٥٣ - ط الرشد)، وعبد الجبار الخولاني في تاريخ داريا (٨١)، والدارقطني (١/ ٢٢٠/ ٤٣٩) و (٣/ ٣٤٧/ ٢٧٢٣)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٢/ ٣٧٩/ ٥٧١ و ٥٧٢)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (١/ ٦٧٥/ ١٨٣) و (٢/ ٨١١/ ٢١٣٣) و (٣/ ١٤٧٠/ ٣٧٢٦) و (٤/ ١٩٨١/ ٤٩٧٤)، وابن حزم في المحلى (١٠/ ٢٤١) و (١١/¬٢٠)، والبيهقي في السنن (١/ ٨٨ و ٣٠٩) و (٤/ ٨٩) (٨/¬٣١/¬٧٣٣٦ - ط هجر) و (٤/ ٩٩ و ١١٦ و ١١٨ و ١٢١ و ٣٥٢) و (٨/¬٢٥ و ٢٨ و ٧٣ و ٧٩ و ٨١ و ٨٨ و ٨٩ و ٩٥ و ٩٧)، وفي الخلافيات (١/ ٢٠٧/ ٢٩٢) و (٤/ ٢٧٣/ ٣١٤٩) و (٤/ ٢٩٢/ ٣١٧٢)، وفي المعرفة (٦/ ١٠٢/ ٨١٤٤) و (١٢/ ١١٨/ ١٦٠٨٠ و ١٦٠٨١)، وفي الشعب (٤/ ٢٥٨/ ١٩٣٥)، وابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ٣٤٠ و ٣٩٧) و (٢٤/ ١٦٣)، وفي الاستذكار (٨/¬٣٧)، والخطيب في تاريخ بغداد (٩/ ١٢٩ - ط الغرب)، وفي الكفاية (١٠٤) [انظر: المعرفة والتاريخ (٣/ ٤٠٩)]، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٢/ ٣٠٥) و (٤٥/ ٤٨١)، وابن الجوزي في التحقيق (٢٦٠ و ١٢٢٧)، والمزي في تهذيب الكمال (١١/ ٤١٩)، وابن حجر في موافقة الخبر الخبر (١/ ٤٥٢) [المجلس رقم (١١١)]. [التحفة (٧/ ٣٤١/ ١٠٧٢٦)، الإتحاف (١٢/ ٤٦١/ ١٥٩٣٢) و (١٢/ ١٥٩٣٣/ ٤٦٤ و ١٥٩٣٥) و (١٢/ ٤٦٦ - ٤٦٩/ ١٥٩٣٨ - ١٥٩٤٤)، المسند المصنف (٢٣/ ٦٨/ ١٠٢٩٦)]. قيل للدارمي: من سليمان؟ قال: «أحسب كاتباً من كُتّاب عمر بن عبد العزيز».
وقال أبو داود: «وهم فيه الحكم».
وقال ابن أبي عاصم: «يحيى بن حمزة: روى عن سليمان بن داود الخولاني، وهو رجل من أصحاب عمر بن عبد العزيز، مشهور، فإن كان فهو: ثقة، وإن كان الحراني: فليس بشيء».
وقال أبو نعيم «سليمان بن أبي داود، وهو سليمان بن أرقم، قال أبو زرعة: صوابه: سليمان بن أرقم».
стр. 9645
وقال الخطيب في تاريخ بغداد (٩/ ١٢٩ - ط الغرب): «وأما حديث عمرو بن حزم: فلا أعلم أحداً تابع عليه الحكم بن موسى».
قلت: الحكم بن موسى البغدادي أبو صالح القنطري: صدوق، له أوهام كثيرة وإفرادات، وله رواية عن أهل الشام [انظر: التهذيب (١/ ٤٧٠)، تاريخ بغداد (٨/ ٢٢٧)، علل الحديث (١٣٢٥ و ٢١٤٣ و ٢٥٤٢ و ٢٧٤٥ و ٢٧٧٥)، الكامل (٣/ ٢٧٥)، علل الدارقطني (١١/ ٣٠٨/ ٢٣٠١) و (١٢/ ٤٤٠/ ٢٨٧٥)، فضل الرحيم الودود (٩/ ٣٩٤/ ٨٥٥)، والحديث السابق برقم (١٤٦٤)].
* تابع الحكم بن موسى:
أحمد بن سليمان [هو: أحمد بن أبي الطيب المروزي، من شيوخ البخاري، روى له في الصحيح حديثاً واحداً متابعة، وقد ضعفه أبو حاتم. التهذيب (١/¬٢٩)]، عن يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود الخولاني الشامي، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ : «لا طلاق قبل نكاح»، بطوله.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٤/¬١٠)، ومن طريقه: ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٢/ ٣١١).
قال البخاري بعد أن أعل حديث سليمان بن داود الموصول، بحديث شعيب بن أبي حمزة المرسل: «فيه نظر».
وقال النسائي: «خالفه محمد بن بكار بن بلال».
* قلت: خالفهما أهل بلد الرجل: محمد بن بكار بن بلال الدمشقي [العاملي: صدوق]، وأخوه [جامع بن بكار: صدوق. التهذيب (١/ ٢٨٧)، التقريب (٨٨٦)]، وأبو هبيرة محمد بن الوليد بن هبيرة [دمشقي، صدوق]:
حدثنا يحيى بن حمزة، قال: حدثنا سليمان بن أرقم، قال: حدثني الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده؛ أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم، ويقرأ على أهل اليمن هذا نسخته، … فذكر مثله إلا أنه قال: «وفي العين الواحدة نصف الدية، وفي اليد الواحدة نصف الدية، وفي الرجل الواحدة نصف الدية».
أخرجه أبو داود في المراسيل (٢٥٨)، وفي سؤالات الآجري له (١٥٧٩ و ١٥٨١)، والنسائي في المجتبى (٨/ ٥٨/ ٤٨٥٤)، وفي الكبرى (٦/ ٣٧٤/ ٧٠٣٠). [التحفة (٧/ ٣٤١/ ١٠٧٢٦)، المسند المصنف (٢٣/ ٦٨/ ١٠٢٩٦)].
قلت: ورواية بلدي الرجل أولى من رواية الغرباء، فإن أهل بلده أعلم بحديثه.
قال أبو داود بعد حديث يونس عن ابن شهاب المرسل الآتي: «أسند هذا ولا يصح. رواه يحيى بن حمزة، عن سليمان بن أرقم، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده».
стр. 9646
ثم قال: «حدثنا أبو هبيرة، قال: قرأته في أصل يحيى بن حمزة: حدثني سليمان بن أرقم. وحدثنا هارون بن محمد بن بكار: حدثني أبي، وعمي، قالا: يحيى بن حمزة، عن سليمان بن أرقم، مثله»، ثم قال: «والذي قال: سليمان بن داود وهم فيه».
وقال الآجري في سؤالاته لأبي داود (١٥٧٩ - ١٥٨١): «سألت أبا داود عن حديث الصدقات، حديث الحكم بن موسى السمسار في الصدقات؟ قال: لا أحدث به، حدثني أبو هبيرة محمد بن الوليد الدمشقي، قال: قرأت هذا الحديث في أصل يحيى بن حمزة: عن سليمان بن أرقم، عن الزهري».
ثم قال: «سألت أبا داود عن يحيى بن حمزة؟ فقال: ثقة، ثقة.
حدثنا أبو داود: حدثني هارون بن محمد بن بكار: حدثني أبي، وعمي، قالا: حدثنا يحيى بن حمزة عن سليمان بن أرقم، عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده.
قال أبو داود ليس هو حديث شعيب [كذا في المطبوعة]».
وقال النسائي: «وهذا أشبه بالصواب، والله أعلم، وسليمان بن أرقم: متروك الحديث، وقد روى هذا الحديث يونس بن يزيد عن الزهري، مرسلاً».
وروى خلف بن محمد نا صالح بن محمد نا عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم، قال: «نظرت في أصل كتاب يحيى بن حمزة حديث الصدقات لعمرو بن حزم؛ فإذا هو: عن سليمان بن أرقم»، فقال لي دحيم: «ها هو ذا عند ولد يحيى بن حمزة، يحب أن ينظر فيه [لعله قال: تحب أن تنظر فيه]؟» قال: قلت: لا؛ يكفيني أن تحدثني به أنت. قال: وسمعت أبا علي صالح بن محمد، يقول: «كتب عني مسلم بن الحجاج هاتين الحكايتين»؛ يعني: هذه، وحكايته في علة حديث محمد بن عيسى بن سميع في مقتل عثمان [تاريخ دمشق (٢٢/ ٣١٠)، تاريخ الإسلام (٣/ ٦٦٨ - ط الغرب) و (٤/ ٦٨ - ط الغرب)] [لكن في الإسناد إليها: هناد بن إبراهيم بن محمد بن نصر بن إسماعيل بن عصمة أبو المظفر النسفي: قال الذهبي: «الغالب على روايته الغرائب والمناكير» تاريخ بغداد (١٦/ ١٤٨ - ط الغرب)، المنتخب من كتاب السياق لتاريخ نيسابور (١٦٢٦)، تاريخ الإسلام (١٠/ ٢٢٨ - ط الغرب)؛ فلعله توبع عليها، وقد اعتمد الذهبي هذا النقل].
وقال أبو زرعة الدمشقي: «الصواب: يحيى بن حمزة، عن سليمان بن أرقم» [تاريخ دمشق (٢٢/ ٣١٠)، تاريخ الإسلام (٣/ ٦٦٧ - ط الغرب) و (٤/ ٦٧ - ط الغرب)].
وقال أيضاً: «عرضت على أبي عبد الله أحمد بن حنبل حديث يحيى بن حمزة الطويل في الديات، فقال: هذا رجل من أهل حران [وفي رواية: أهل الجزيرة]، يقال له: سليمان بن أبي داود، ليس بشيء، فحدثت أنه وُجد في كتاب [وفي رواية: أصل] يحيى بن حمزة: [الحديث] عن سليمان بن أرقم عن الزهري، ولكن الحكم بن موسى لم يضبطه» [تاريخ أبي زرعة الدمشقي (٤٥٥)، الكامل (٥/ ٢٥٤ - ط الرشد)، تاريخ دمشق (٢٢/ ٣٠٩)].
стр. 9647
وقال أبو الحسن الهروي: «الحديث في أصل يحيى بن حمزة: عن سليمان بن أرقم، وإنما غلط عليه الحكم بن موسى» [تاريخ دمشق (٢٢/ ٣٠٩)، الميزان (٢/ ٢٠١)].
وقال ابن أبي حاتم: «قال أبي: قد كان يحيى بن حمزة قدم العراق، فيرون أن الأرقم نعت، وأن الاسم: داود. ومنهم من يقول: سليمان بن داود الدمشقي: شيخ ليحيى بن حمزة، وما أظن أنه هو» [الميزان (٢/ ٢٠٢)].
وقال أبو علي عبد الجبار الخولاني في تاريخ داريا (٨١): «إن هذا غلط من الحكم بن موسى، وقد قال أحمد بن حنبل: إن الذي حدث بحديث الصدقات عن الزهري هو سليمان بن داود الجزري، وهذا غلط أيضاً، والذي صح عندنا: أنه روى حديث الصدقات عن الزهري هو سليمان بن أرقم، هكذا هو مكتوب في أصل يحيى بن حمزة: سليمان بن أرقم، وهو الصواب».
وقال الدارقطني: «سليمان بن داود الخولاني الشامي: ليس به بأس، عن الزهري، وعن عمر بن عبد العزيز، فقد روي عنه حديث عن الزهري عن أبي بكر بن حزم، الحديث الطويل: لا يثبت عنه، قال غير الحكم بن موسى: إنه سليمان بن أرقم» [تاريخ دمشق (٢٢/ ٣١٢)].
وقال أبو عبد الله ابن منده الحافظ: «نظرت في أصل كتاب يحيى بن حمزة، فإذا هو: عن سليمان بن أرقم»، وفي رواية: «رأيت في كتاب يحيى بن حمزة بخطه: عن سليمان بن أرقم، عن الزهري: وهو الصواب» [تاريخ دمشق (٢٢/ ٣١٠)، تاريخ الإسلام (٣/ ٦٦٨ - ط الغرب)، الميزان (٢/ ٢٠١)].
وقال أبو نعيم في المعرفة (٤/ ١٩٨٢) بعد حديث الحكم بن موسى: «هكذا قاله الحكم، وقال أبو زرعة: هو سليمان بن أرقم، وحدث به علي، قال أبو زرعة الدمشقي: محمد بن جامع الموصلي، عن أحمد بن عمرو الموصلي، عن العباس بن الفضل الأنصاري، عن أبي معاذ الأنصاري، عن الزهري، عن أبي بكر، عن أبيه، عن جده؛ بطوله، وأبو معاذ هو: سليمان بن أرقم».
وقال أيضاً: «سليمان بن أبي داود، وهو سليمان بن أرقم، قال أبو زرعة: صوابه: سليمان بن أرقم».
وبناء على جزم جماعة من الأئمة بذلك، وأنهم رأوه: سليمان بن أرقم في أصل كتاب يحيى بن حمزة؛ قال الذهبي في الميزان (٢/ ٢٠٢): «ترجح أن الحكم بن موسى وهم، ولا بد»، ثم نقل قول من وثق سليمان بن داود، ثم قال: «قلت: رجحنا أنه ابن أرقم، فالحديث إذاً: ضعيف الإسناد».
وقال في تاريخ الإسلام (٣/ ٦٦٨ - ط الغرب): «فلاح أن الخولاني لا رواية له في الكتب الستة».
• قلت: هذا الحديث إنما هو من رواية سليمان بن أرقم جزماً؛ لثلاثة أمور:
стр. 9648
أولها: أنه كان في أصل كتاب يحيى بن حمزة عن سليمان بن أرقم؛ قاله جمع من الثقات والحفاظ، ممن اطلعوا على أصل كتاب يحيى.
ثانيها: أن جماعة من أهل دمشق، وهم أهل بلد يحيى بن حمزة قد رووه عن يحيى عن سليمان بن أرقم، لم يختلفوا في ذلك، ولم يقل: سليمان بن داود سوى اثنين من الغرباء، تكلم فيهما، وأهل بلد الرجل أعلم بحديثه من الغرباء، ثم هم أكثر عدداً وأعلى ضبطاً ممن قال في إسناده: سليمان بن داود.
ثالثها: قال أبو حاتم في العلل (٦٤٤): «وما أظن أنه هذا الدمشقي [يعني: سليمان بن داود]، ويقال: إنهم أصابوا هذا الحديث بالعراق من حديث سليمان بن أرقم»، وبهذا يكون قد اشتهر الحديث من رواية سليمان بن أرقم عن الزهري: عند الشاميين والعراقيين؛ إنما وهم فيه: الحكم بن موسى وأحمد بن أبي الطيب، ولم يكونا بالحافظين.
قلت: وبناء على ذلك: فهو حديث منكر؛ تفرد به عن الزهري: سليمان بن أرقم، وهو: متروك، ذاهب الحديث [التهذيب (٢/ ٨٣)].
قلت: وقد رواه جماعة من ثقات أصحاب الزهري، من كتاب عمرو بن حزم، غير مسموع، مما يدل على وهم من وصل هذا الحديث وأسنده:
١ - رواه يونس بن يزيد [ثقة، من أصحاب الزهري المكثرين عنه]، عن ابن شهاب، قال: قرأت كتاب رسول الله ﷺ الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران، وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم، فكتب رسول الله ﷺ : «هذا بيان من الله ورسوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وكتب الآيات منها حتى بلغ: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [المائدة: ٤]، ثم كتب: هذا كتاب الجراح: في النفس مائة من الإبل، وفي الأنف إذا أوعب جدعه مائة من الإبل، وفي العين خمسون من الإبل، وفي الأذن خمسون من الإبل، وفي اليد خمسون من الإبل، وفي الرجل خمسون من الإبل، وفي كل أصبع مما هنالك عشر من الإبل، وفي المأمومة ثلث النفس، وفي الجائفة ثلث النفس، وفي المنقلة خمس عشرة، وفي الموضحة خمس من الإبل، وفي السن خمس من الإبل».
قال ابن شهاب: فهذا الذي قرأت في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ ، عند أبي بكر بن حزم.
أخرجه أبو داود في المراسيل (٢٥٧)، والنسائي في المجتبى (٨/ ٥٩/ ٤٨٥٥)، وفي الكبرى (٦/ ٣٧٥/ ٧٠٣١)، وابن وهب في الجامع (٥١٤)، وابن جرير الطبري في جامع البيان (٨/¬١١)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ١٢٧) (٢/ ١٤٢ - ط التأصيل)، والبيهقي في السنن (٨/ ٨٠ و ٨٥)، وفي الخلافيات (٧/¬٣٢/¬٤٨٩٢)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ٣٢٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٢/ ٣١١). [التحفة (٧/ ٣٤١/ ١٠٧٢٦) و (١٢/ ٥٥٥/ ١٩٥٦٧)، المسند المصنف (٢٣/ ٧٥/ ١٠٢٩٦)].
قال أبو داود: «أسند هذا ولا يصح. رواه يحيى بن حمزة، عن سليمان بن أرقم،
стр. 9649
عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده».
ب - ورواه شعيب بن أبي حمزة [ثقة ثبت، وهو من الطبقة الأولى من أصحاب الزهري] [وعنه: أبو اليمان الحكم بن نافع]، عن الزهري [قال]: قرأت عند أبي بكر بن عمرو كتاباً، … . فذكر عن النبي ﷺ بعضه.
وفي رواية: قال: قرأت صحيفة عند أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، ذكر أن الرسول ﷺ كتبها لعمرو بن حزم، فإذا فيها: «هذا كتاب الجروح، في النفس مائة من الإبل، وفي الأنف إذا أوعي جدعه مائة من الإبل، وفي العين خمسون من الإبل، وفي الأذن خمسون من الإبل، وفي الرجل خمسون من الإبل».
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٤/¬١٠)، وابن نصر المروزي في السُّنَّة (٢٣٥)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ١٢٧) (٢/ ١٤٢ - ط التأصيل)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٢/ ٣١٠).
• ورواه أيضاً شعيب بن أبي حمزة [وعنه: أبو اليمان الحكم بن نافع]، عن الزهري، قال: قرأت صحيفة عند آل أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، ذكر أن رسول الله ﷺ كتبها لعمرو بن حزم حين أمره على نجران، وساق الحديث فيه: «الحج الأصغر العمرة، ولا يمس القرآن إلا طاهر».
أخرجه أبو داود في المراسيل (٩٤). [التحفة (١٢/ ٤٩٢/ ١٩٣٤٦) و (١٢/ ٥٥٥/ ١٩٥٦٨)، المسند المصنف (٢٣/ ٧٦/ ١٠٢٩٦)].
قال أبو داود: «رُوي هذا الحديث مسنداً، ولا يصح».
وقال البخاري في إثره «فيه نظر»؛ يعني: في سليمان بن داود المتفرد بوصل هذا الحديث عن الزهري، وفي إسناد حديثه الموصول؛ إنما يُعرف عن ثقات أصحاب الزهري مرسلاً.
ج - ورواه سعيد بن عبد العزيز [التنوخي الدمشقي: ثقة ثبت، إمام فقيه]، عن الزهري، قال: جاءني أبو بكر بن حزم بكتاب في رقعة من أدم، عن رسول الله ﷺ : «هذا بيان من الله ورسوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]»، فتلا منها آيات، ثم قال: «في النفس مائة من الإبل، وفي العين خمسون، وفي اليد خمسون، وفي الرجل خمسون، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة فريضة، وفي الأصابع عشر عشر، وفي الأسنان خمس خمس، وفي الموضحة خمس».
أخرجه النسائي في المجتبى (٨/ ٥٩/ ٤٨٥٦)، وفي الكبرى (٦/ ٣٧٥/ ٧٠٣٢)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ١٢٧) (٢/ ١٤٢ - ط التأصيل)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٢/ ٣١٠). [التحفة (٧/ ٣٤١/ ١٠٧٢٦) و (١٢/ ٥٥٥/ ١٩٥٦٧)، المسند المصنف (٢٣/ ٧٦/ ١٠٢٩٦)].
قال ابن حجر في موافقة الخبر الخبر (١/ ٤٥٣): «وهذا هو المحفوظ أنه مأخوذ من كتاب».
стр. 9650
د - وروى معمر بن راشد [ثقة ثبت]، من أثبت أصحاب الزهري، عن الزهري؛ أن رسول الله ﷺ قضى في الأنف و الدية.
أخرجه عبد الرزاق (٩/ ٣٣٨/ ١٧٤٥٨). [المسند المصنف (٢٣/ ١٠٢٩٦/ ٧٨)].
هـ - وروى الليث بن سعد [ثقة ثبت، إمام فقيه]، عن ابن الهاد يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد مدني، [ثقة مكثر]، عن ابن شهاب، قال: قال رسول الله ﷺ : «في الصلب الدية».
أخرجه أبو داود في المراسيل (٢٦٣). [التحفة (١٢/ ٥٠٤/ ١٩٣٩٦)، المسند المصنف (٢٣/ ١٠٢٩٦/ ٧٨)].
قلت: فهؤلاء خمسة من ثقات أصحاب الزهري المكثرين عنه، لم يسندوا هذا الحديث عن الزهري، ولم يرووه بهذا الطول، ولم يذكروا فيه هذه الألفاظ، ولم يأت أحد منهم بهذا السياق، إنما رووا منه طرف الديات حسب، دون بقية ما انفرد به سليمان بن أرقم، وروايتهم هي المحفوظة، والله أعلم.
• قال العقيلي بعد حديث الجماعة عن الزهري: «قال محمد بن يحيى [يعني: الذهلي]: لم يسند الحديث: يونس، ولا شعيب، ولا سعيد بن عبد العزيز، وذكروا أنه كتاب، غير أنهم نقصوا من الحديث، ورواه سليمان بن داود بطوله، وهو: مجهول، وقد روى عنه يحيى بن حمزة أشياء عن عمر بن عبد العزيز من الرأي، والحديث برواية يونس وشعيب وسعيد أشبه أن يكون كتاب، والكلام الذي في حديث سليمان بن داود لا أرفعه [كذا بالراء المهملة، ولعلها تحرفت عن: لا أدفعه بالدال المهملة]، وهو عندنا ثابت محفوظ إن شاء الله، غير أنا نرى [له] أنه كتاب غير مسموع عن من فوق الزهري، والله أعلم» [الضعفاء (٢/ ١٤٢ - ط التأصيل) (ق/ ١٢١ - مخطوط الجزائر)، البدر المنير (٨/ ٣٨٧)، التلخيص الحبير (٤/¬٣٦)].
• وقال ابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (١/ ٣٧٥/ ١٣١٥ - السفر الثاني): «سئل يحيى بن معين: عن سليمان بن داود الذي يحدث عن الزهري، روى عنه يحيى بن حمزة؟ قال: ليس بشيء» [الجرح والتعديل (٤/ ١١٠)].
ووقع في التمهيد (١٧/ ٣٤١) بلفظ مختلف مفسر: «قال أحمد بن زهير [هو: ابن أبي خيثمة]: سمعت يحيى بن معين يقول: الحكم بن موسى: ثقة، وسليمان بن داود - الذي يروي عن الزهري حديث الصدقات والديات -: مجهول، لا يعرف».
وقال عثمان بن سعيد الدارمي في تاريخه عن ابن معين (٣٨٦): «قلت: فسليمان بن داود الذي يروي حديث الزهري في الصدقات، من هو؟ فقال: ليس بشيء»، قال أبو سعيد [هو الدارمي]: «أرجو أنه ليس كما قال يحيى، وقد روى عنه يحيى بن حمزة أحاديث حساناً، كلها مستقيمة، وهو دمشقي خولاني» [الجرح والتعديل (٤/ ١١٠)، الكامل (٥/ ٢٥٢ و ٢٥٤ - ط الرشد)].
стр. 9651
وعبارة عثمان بن سعيد في الكامل: «سليمان بن داود الخولاني: دمشقي، يروي عنه يحيى بن حمزة أحاديث كثيرة، أرجو أنه ليس كما قال يحيى بن معين؛ فإن يحيى بن حمزة يروي عنه أحاديث حساناً، كأنها مستقيمة».
وقال أبو يعلى: «سئل يحيى بن معين - يعني: وهو حاضر - عن حديث الصدقات، الذي كان يحدث به الحكم بن موسى، عن يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، عن الزهري، قال: سليمان بن داود ليس يعرف، ولا يصح هذا الحديث» [الكامل (٥/ ٢٥٢ - ط الرشد)، تاريخ دمشق (٢٢/ ٣١٣)].
وقال ابن معين في رواية ابن طهمان عنه (٤١): «وسليمان بن داود الشامي: روى عن الزهري حديث عمرو بن حزم؛ ليس هو بشيء».
ثم قال (٤٣): «ولم يتابع سليمان بن داود في حديث عمرو بن حزم أحد، وليس في الصدقات حديث له إسناد».
وقال عبد الله بن الدورقي: «قال يحيى: حدث يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود حديثاً في الصدقات، شيخ شامي ضعيف» [الكامل (٥/ ٢٥٢ - ط الرشد)، تاريخ داريا (٨٠)، تاريخ دمشق (٢٢/ ٣٠٨)].
وروى المفضل بن غسان الغلابي، عن يحيى بن معين، قال: «حديث سليمان بن داود في الصدقات، يحيى بن حمزة يحدث عنه؟ فقال: شيخ شامي ضعيف، قال: وكان من كتاب عمر بن عبد العزيز [تارخ دمشق (٢٢/ ٣٠٩)].
وروى أيضاً المفضل بن غسان الغلابي، عن يحيى بن معين، قال: «ويحيى بن حمزة: يحدث عن سليمان بن داود كاتب عمر بن عبد العزيز؛ ليس بقوي»، قال ابن عساكر: «إنما أراد بقوله: ليس بقوي؛ سليمان بن داود [تارخ دمشق (٦٤/ ١٢٩)] [انظر الكلام عن إسناد هذه النسخة: فضل الرحيم الودود (١٣/ ٣٣٠)، وإسنادها لا بأس به].
• وقال أبو القاسم البغوي في مسائله لأحمد (٣٨) و (٧٢): «سئل أحمد عن حديث عمرو بن حزم في الصدقات؛ صحيح هو؟ فقال: أرجو أن يكون صحيحاً».
وروى ابن عدي في الكامل (٥/ ٢٥٢ - ط الرشد) عن أبي القاسم البغوي، ورواه البيهقي بإسناده إلى: أبي القاسم البغوي، قال: سمعت أحمد بن حنبل وسئل عن حديث الصدقات هذا، الذي يرويه يحيى بن حمزة، أصحيح هو؟ فقال: أرجو أن يكون صحيحاً»، ثم قال أبو القاسم: قد أخرج أحمد بن حنبل هذا الحديث في مسنده عن الحكم بن موسى عن يحيى بن حمزة».
ويبدو لي أن ابن الجوزي لما نقل هذا النص اختصره فأخل بمعناه، حيث قال في التحقيق (٢/¬٢٦): قال أحمد بن حنبل: كتاب عمرو بن حزم في الصدقات: صحيح [نقله الزيلعي في نصب الراية (٢/ ٣٤٢)].
стр. 9652
قلت: وهذا باطل عن أحمد، مخالف لأصوله، في قبول ما تفرد به غير المشاهير عن المشاهير؛ أمثال الزهري.
بل الذي يتماشى مع أصوله، ما حكاه عنه أبو زرعة الدمشقي:
قال أبو زرعة الدمشقي: «عرضت على أبي عبد الله أحمد بن حنبل حديث يحيى بن حمزة الطويل في الديات، فقال: هذا رجل من أهل حران [وفي رواية: أهل الجزيرة]، يقال له: سليمان بن أبي داود، ليس بشيء، فحدثت أنه وجد في كتاب [وفي رواية: أصل] يحيى بن حمزة: [الحديث] عن سليمان بن أرقم عن الزهري، ولكن الحكم بن موسى لم يضبطه» [تاريخ أبي زرعة الدمشقي (٤٥٥)، الكامل (٥/ ٢٥٤ - ط الرشد)، تاريخ دمشق. (٢٢/ ٣٠٩)]
وقال ابن البراء: «قال علي بن المديني: سليمان بن داود الذي روى عن الزهري حديث عمرو بن حزم في الديات: منكر الحديث، وضعفه» [تاريخ دمشق (٢٢/ ٣١٤)].
وقيل للدارمي: من سليمان؟ قال: «أحسب كاتبا من كتاب عمر بن عبد العزيز».
وقال البخاري بعد أن أعل حديث سليمان بن داود الموصول، بحديث شعيب بن أبي حمزة المرسل: «فيه نظر»، يعني بذلك: إما القدح في سليمان بن داود المتفرد بوصل هذا الحديث عن الزهري، أو القدح في إسناد حديثه الموصول؛ وذلك لكون الحديث في الديات إنما يعرف عن ثقات أصحاب الزهري مرسلا.
وقال أبو داود بعد حديث يونس عن ابن شهاب المرسل: «أسند هذا ولا يصح. رواه يحيى بن حمزة، عن سليمان بن أرقم، عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده».
ثم قال: «حدثنا أبو هبيرة، قال: قرأته في أصل يحيى بن حمزة: حدثني سليمان بن أرقم. وحدثنا هارون بن محمد بن بكار: حدثني أبي، وعمي، قالا: يحيى بن حمزة، عن سليمان بن أرقم، مثله، ثم قال: والذي قال: سليمان بن داود وهم فيه»، وقال أيضا: «وهم فيه الحكم».
وقال الآجري في سؤالاته لأبي داود (١٥٧٩ - ١٥٨١): «سألت أبا داود عن حديث الصدقات، حديث الحكم بن موسى السمسار في الصدقات؟ قال: لا أحدث به، حدثني أبو هبيرة محمد بن الوليد الدمشقي، قال: قرأت هذا الحديث في أصل يحيى بن حمزة: عن سليمان بن أرقم، عن الزهري».
ثم قال: «سألت أبا داود عن يحيى بن حمزة؟ فقال: ثقة، ثقة.
حدثنا أبو داود حدثني هارون بن محمد بن بكار: حدثني أبي، وعمي، قالا: حدثنا يحيى بن حمزة، عن سليمان بن أرقم، عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده.
قال أبو داود: ليس هو حديث شعيب [كذا في المطبوعة]».
стр. 9653
وقال أبو حاتم الرازي: «سليمان بن داود الدمشقي؛ شيخ ليحيى بن حمزة: لا بأس به، يقال: إنه سليمان بن أرقم، والله أعلم» [الجرح والتعديل (٤/ ١١٠)].
زاد الحاكم في روايته: «قال أبو محمد ابن أبي حاتم: وسمعت أبا زرعة يقول ذلك» [المستدرك].
لكن يبدو أنه تراجع عن ذلك، فقال ابن أبي حاتم في العلل (٢/ ٦١٩/ ٦٤٤): «وسألت أبي عن حديث رواه يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن بصدقات الغنم؟
قلت له: من سليمان هذا؟
قال أبي: من الناس من يقول: سليمان بن أرقم. قال أبي: وقد كان قدم يحيى بن حمزة العراق، فيرون أن الأرقم: لقب، وأن الاسم: داود.
ومنهم من يقول: سليمان بن داود الدمشقي، شيخ ليحيى بن حمزة، لا بأس به؛ فلا أدري أيهما هو؟ وما أظن أنه هذا الدمشقي.
ويقال: إنهم أصابوا هذا الحديث بالعراق من حديث سليمان بن أرقم».
وبهذا يظهر أن أبا حاتم رجع عن قوله الأول، وسلَّم لمن اطلع على كتاب يحيى بن حمزة، وأنه كان في أصله: سليمان بن أرقم.
وقال ابن أبي عاصم: «يحيى بن حمزة: روى عن سليمان بن داود الخولاني، وهو رجل من أصحاب عمر بن عبد العزيز، مشهور، فإن كان فهو: ثقة، وإن كان الحراني: فليس بشيء».
وسئل محمد بن إسحاق بن خزيمة عن سليمان بن داود، الذي روى عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده؛ الحديث الطويل في الصدقات، فقال: «لا يحتج بحديثه إذا انفرد» [تاريخ دمشق (٢٢/ ٣١٤)].
وقال الطحاوي في شرح المعاني (٤/ ٣٧٧): «وأما حديث الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، فإنما رواه عن الزهري: سليمان بن داود، وقد سمعت ابن أبي داود، يقول: سليمان بن داود هذا وسليمان بن داود الحراني عندهم: ضعيفان جميعاً، وسليمان بن داود الذي يروي عن عمر بن عبد العزيز عندهم: ثبت، ومما يدل أيضاً على وهاء هذا الحديث: أن أصحاب الزهري المأخوذ علمه عنهم مثل: يونس بن يزيد، ومن روى عن الزهري في ذلك شيئاً، إنما روى عنه الصحيفة التي عند آل عمر ﵁، أفترى الزهري يكون فرائض الإبل عنده عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده، وهم جميعاً أئمة وأهل علم مأخوذ عنهم فيسكت عن ذلك، ويضطره الأمر إلى الرجوع إلى صحيفة عمر؛ غير مروية فيحدث الناس بها؟ هذا عندنا مما لا يجوز على مثله».
стр. 9654
قلت: الزهري إمام جليل، من كبار الحفاظ، واسع الرواية جداً، يروي الحديث الواحد عن عدد من شيوخه، يفرق بين ألفاظهم، ويضبط حديثهم، فلا غرو أن يروي حديث الصدقات من كتاب عمر، ومن كتاب عمرو بن حزم.
وقال ابن حبان في صحيحه: «سليمان بن داود هذا هو: سليمان بن داود الخولاني، من أهل دمشق، ثقة مأمون، وسليمان بن داود اليمامي: لا شيء، وجميعاً يرويان عن الزهري».
وقال في الثقات (٦/ ٣٨٧): «سليمان بن داود الخولاني: من أهل دمشق، يروي عن الزهري قصة الصدقات، روى عنه يحيى بن حمزة، وقد روى أبو اليمان عن شعيب عن الزهري بعض ذلك الحديث، وليس هذا بسليمان بن داود اليمامي، ذلك ضعيف، وهذا ثقة، وقد رويا جميعاً عن الزهري».
وقال في المجروحين (١/ ٣٣٤) في ترجمة سليمان بن داود اليمامي تعقيباً على كلام عثمان بن سعيد الدارمي مع يحيى بن معين: «هذا شيء قد اشتبه على شيوخنا لاتفاق الاسمين، أما سليمان بن داود اليمامي الذي يروي عن الزهري ويحيى بن أبي كثير فهو: ضعيف كثير الخطأ، وسليمان بن داود الخولاني الذي يروي عن الزهري حديث الصدقات فهو: دمشقي صدوق مستقيم الحديث، إنما وقع التشبيه في هذا؛ لأنهما جميعاً رويا عن الزهري، فمن لم يمعن النظر في تخليص أحدهما من الآخر؛ اشتبه عليه أمرهما، وتوهم أنهما واحد».
وقال في المشاهير (١٤٧١): «سليمان بن داود الخولاني: صدوق اللهجة، متقن في الرواية، يروي عن الزهري، وليس هذا سليمان بن داود اليمامي، ذاك ضعيف، وهذا ثقة».
قلت: قد وافق غيره في التوثيق؛ وأما وصفه بالإتقان مع قلة مروياته ومخالفة ثقات أصحاب الزهري؛ فمبالغة ممجوجة.
وقال ابن عدي: «وهذا الذي ذكر عن أحمد بن حنبل مما قد ذكرته أن هذا سليمان بن داود من أهل الجزيرة، وما ذكرت أنه وجد في أصل يحيى بن حمزة عن سليمان بن أرقم، ولكن الحكم لم يضبطه، وجميعاً خطأ، والحكم بن موسى قد ضبط ذلك، وسليمان بن داود الخولاني صحيح، كما ذكره الحكم، وقد رواه عنه غير يحيى بن حمزة؛ إلا أنه مجهول».
قلت: بل قد أصاب من قال بتوهيم الحكم بن موسى، مثل: أبي داود والنسائي وغيرهما؛ لما تقدم بيانه.
قال أبو علي عبد الجبار الخولاني في تاريخ داريا (٨١): «إن هذا غلط من الحكم بن موسى، وقد قال أحمد بن حنبل: إن الذي حدث بحديث الصدقات عن الزهري هو سليمان بن داود الجزري، وهذا غلط أيضاً، والذي صح عندنا أنه روى حديث الصدقات
стр. 9655
عن الزهري هو سليمان بن أرقم، هكذا هو مكتوب في أصل يحيى بن حمزة: سليمان بن أرقم، وهو الصواب».
وقال ابن عدي أيضاً: «وقد روى عن سليمان بن داود: غير يحيى بن حمزة، وصدقة بن عبد الله، كما ذكرته من الشاميين، وأما حديث الصدقات: فله أصل في بعض ما رواه معمر عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم؛ فأفسد إسناده، وحديث سليمان بن داود مجود الإسناد».
وقال ابن شاهين بعد حكاية قول ابن معين [من رواية ابن طهمان وابن أبي خيثمة عنه] وقول أحمد [من رواية أبي القاسم البغوي عنه]، قال: «وليس الخلاف بين أحمد ويحيى في سليمان بن داود، وإنما الخلاف في الحديث.
قال يحيى بن معين: لم يتابع سليمان بن داود في هذا الحديث أحد، وقال أحمد: أرجو أن يكون صحيحاً. وسليمان بن داود على حاله مع يحيى بن معين، والله أعلم»؛ فرجح فيه قول يحيى، وهو الصواب [ذكر من اختلف العلماء فيه (٤٣)] [وانظر: تاريخ أسماء الضعفاء (٢٣٣ و ٢٣٤)].
وقد ضعفه الدارقطني بإيراده في الضعفاء والمتروكين (٢٤٩)، فقال: «سليمان بن داود الخولاني عن الزهري، وكان قال قبل ذلك (٢٤٦): «سليمان بن أرقم أبو معاذ: عن الزهري» وابن سيرين، وقيل: إن [سليمان بن] داود عن الزهري: حديث الصدقات؛ أنه هو، قلت: وهو كذلك في كتاب يحيى بن حمزة سليمان بن أرقم.
ولكن قال الدارقطني في موضع آخر: سليمان بن داود الخولاني الشامي: ليس به بأس، عن الزهري، وعن عمر بن عبد العزيز، فقد روي عنه حديث عن الزهري عن أبي بكر بن حزم الحديث الطويل: لا يثبت عنه قال غير الحكم بن موسى: إنه سليمان بن أرقم» [تاريخ دمشق (٢٢/ ٣١٢)].
وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح كبير مفسر في هذا الباب، يشهد له أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، وإمام العلماء في عصره محمد بن مسلم الزهري بالصحة كما تقدم ذكري له، وسليمان بن داود الدمشقي الخولاني معروف بالزهري، وإن كان يحيى بن معين غمزه فقد عدله غيره، كما أخبرنيه أبو أحمد الحسين بن علي: ثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: سمعت أبي وسئل عن حديث عمرو بن حزم في كتاب رسول الله ﷺ الذي كتبه له في الصدقات، فقال: سليمان بن داود الخولاني عندنا ممن لا بأس به، قال أبو محمد ابن أبي حاتم: وسمعت أبا زرعة يقول ذلك»، قال الحاكم: «قد بذلت ما أدى إليه الاجتهاد في إخراج هذه الأحاديث المفسرة الملخصة في الزكاة، ولا يستغني هذا الكتاب عن شرحها، واستدللت على صحتها بالأسانيد الصحيحة عن الخلفاء والتابعين، بقبولها واستعمالها بما فيه غنية لمن تأملها، وقد كان إمامنا شعبة يقول في حديث عقبة بن عامر الجهني في الوضوء: لأن يصح لي مثل هذا عن رسول الله ﷺ كان أحب إلي من نفسي
стр. 9656
ومالي وأهلي، وذاك حديث في صلاة التطوع فكيف بهذه السنن التي هي قواعد الإسلام، والله الموفق، وهو حسبي ونعم الوكيل».
ونقله البيهقي في الخلافيات (٤/ ٢٧٦/ ٣١٥٠).
قلت: نعم؛ شهادة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، وإمام العلماء في عصره محمد بن مسلم الزهري: شهادة معتبرة، تجعلنا نقبل كتاب عمرو بن حزم، ونشهد له بالصحة، ونعمل بما جاء فيه، لكن الكلام هنا عن مخالفة راوي هذا الحديث عن الزهري لجماعة من ثقات أصحاب الزهري!
ومتى كان سليمان بن داود الدمشقي الخولاني معروفا بالزهري؟ ولم يعرف له عنه سوى هذا الحديث، وكيف يكون معروفا بالرواية عن الزهري، ويقول فيه ابن معين: «مجهول، لا يعرف»، أو يقول فيه وفي حديثه هذا: «ليس يعرف، ولا يصح هذا الحديث»، أو يقول: «شيخ شامي ضعيف»، ويقول فيه ابن المديني: «منكر الحديث»، ويقول البخاري فيه وفي حديثه: «فيه نظر»؟!!
وأما تعديل أبي حاتم له فقد تراجع عنه، وسلم بكون راوي هذا الحديث هو: سليمان بن أرقم؛ مع إمكان حمل تعديله على استقامة ما رواه عن غير الزهري.
وقال ابن الجوزي في التحقيق (٢/¬٢٦): «قال هبة الله الطبري [يعني: اللالكائي]: وهذا الكتاب صحيفة ليست بسماع، ولا يعرف أهل المدينة كلهم عن كتاب عمرو بن حزم إلا مثل روايتنا، رواها الزهري وابن المبارك وأبو أويس، كلهم عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده، مثل قولنا، وإليه أشار أحمد بالصحة» [التنقيح (٣/¬١١)].
وقال أبو نعيم: «سليمان بن أبي داود، وهو: سليمان بن أرقم، قال أبو زرعة: صوابه: سليمان بن أرقم».
وقال ابن حزم في المحلى (٤/ ١٦٦ و ١٦٩) في سليمان بن داود الجزري: «وهو ساقط مطرح بإجماع».
وقال البيهقي: «وقد أثنى على سليمان بن داود الخولاني هذا: أبو زرعة الرازي، وأبو حاتم الرازي، وعثمان بن سعيد الدارمي، وجماعة من الحفاظ، ورأوا هذا الحديث الذي رواه في الصدقة: موصول الإسناد حسنا، والله أعلم» [وانظر: معرفة السنن (٦/¬٢٧)].
قلت: قد خالفه جماعة من ثقات أصحاب الزهري، فرووه عن الزهري كتابا غير مسموع، بطرف الديات حسب.
وقال الخطيب في تاريخ بغداد (٩/ ١٢٩ - ط الغرب): «وأما حديث عمرو بن حزم: فلا أعلم أحدا تابع عليه الحكم بن موسى».
وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (٤/ ٥٨): «وسليمان بن داود هذا الذي يروي هذه النسخة عن الزهري: ضعيف، ويقال: إنه سليمان بن أرقم».
стр. 9657
وقال في موضع آخر (١/ ٢٠٥): «والصحيح في هذا الحديث الإرسال؛ كما رواه مالك وغيره، وسليمان ضعيف، وحديثه ذكره الدارقطني، وأكثر أهل الحديث لا يأخذون بهذا وأمثاله من الكتب».
وقال الذهبي في الميزان (٢/ ٢٠٢): «فالحديث إذا ضعيف الإسناد»، وقال أيضاً (١/ ٥٨٠): «وللحكم حديثان منكران: حديث الصدقات ذاك الطويل، وحديثه عن الوليد بن مسلم، في الذي يسرق من صلاته».
وقال ابن حجر في موافقة الخبر الخبر: «هذا حديث حسن، مختلف في وصله وإرساله».
ثم قال: «ومشى ابن حبان على ظاهر الإسناد؛ لأن سليمان بن داود هو الخولاني؛ وثقوه، وباقي رجاله رجال الصحيح، لكن يقال: إن الحكم بن موسى وهم في نسب سليمان».
وقال أيضاً (١/ ٤٥٣): «والذي يظهر من مجموع الروايات اشتهار هذا الكتاب عندهم، والأخذ من الكتاب - إذا كان معروفاً - أحد وجوه التحمل المعتمدة، وإن كان قاصراً عن السماع، وقد جاء هذا المتن مرفوعاً من حديث أبي موسى، وعبد الله بن عباس، وفي نسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده».
وقال في التهذيب (٢/ ٩٣): «أما سليمان بن داود الخولاني: فلا ريب في أنه صدوق، لكن الشبهة دخلت على حديث الصدقات من جهة أن الحكم بن موسى غلط في اسم والد سليمان، فقال: سليمان بن داود، وإنما هو سليمان بن أرقم، فمن أخذ بهذا ضعف الحديث، ولا سيما مع قول من قال إنه قرأ كذلك في أصل يحيى بن حمزة». وانظر: شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي (٢/ ٤٠١).
قلت: سليمان بن داود الخولاني: لا يُعرف له عن الزهري رواية، فكيف يحتمل تفرده عن الزهري بوصل هذا الحديث، فضلاً عن ثبوت مخالفته لثقات أصحاب الزهري المكثرين عنه، الملازمين له، ويمكن حمل الثناء عليه أو التوثيق الصادر من: أحمد، وأبي حاتم، وعثمان بن سعيد الدارمي، وابن أبي عاصم، وابن حبان، والدارقطني؛ على استقامة ما رواه مقطوعاً عن عمر بن عبد العزيز، وعبدة بن أبي لبابة، أو موقوفاً على ابن عمر، أو لكون متن هذا الحديث له ما يشهد له، لمجيئه من طرق أخرى، وأما انفراده عن الزهري بهذا الحديث: فهذا مما لا يُحتمل بحال من الأحوال؛ فكيف وقد خولفوا في تعديل سليمان بن داود الخولاني: حيث ضعفه ابن معين، وابن المديني، والبخاري، وابن خزيمة، والحجة والبرهان مع من ضعفه؛ لا مع من وثقه، حيث انفرد عن الزهري بما لم يتابع عليه، ثم هو قد خالف جمعاً من ثقات أصحاب الزهري ممن أرسل الحديث ولم يسنده، وجعله كتاباً غير مسموع، ومن النقاد أيضاً من فرق بين الراوي عن الزهري هذا الحديث الواحد، وبين الراوي عن عمر بن عبد العزيز، فضعف الأول، ووثق الأخير؛ حكاه الطحاوي عن ابن أبي داود.
стр. 9658
وأما قول أبي علي عبد الجبار الخولاني في تاريخ داريا (٨٦): «كان سليمان بن داود حاجباً لعمر بن عبد العزيز، وكان مقدَّماً عنده، … ، وولد سليمان بداريا إلى اليوم» [تاريخ دمشق (٢٢/ ٣٠٨)، تاريخ الإسلام (٣/ ٦٦٨ - ط الغرب) و (٤/ ٦٧ - ط الغرب)، الميزان (٢/ ٢٠١)]؛ فإن صلاح الرجل أو استقامته في دينه، أو ثناء الناس عليه في أمانته، أو مكانته عند الخلفاء، كل ذلك لا نعتمد عليه في قبول حديث الرجل، إذ المعول على الضبط، والتحفظ من الوهم، واعتنائه بحفظه حتى يضبطه ولا ينساه أو عنايته بكتابه حتى يحفظه عن الزيادة والنقصان، ونحو ذلك، والحاصل فنحن لا ننظر إلى ديانة الرجل وعدالته في نفسه بقدر النظر في ضبطه لحديثه، ومقارنة مروياته بمرويات أقرانه حتى يظهر لنا من خلال سبر مروياته واعتبارها أنه من الثقات الضابطين؛ أم أنه ممن كثر وهمه، حتى وقعت المناكير في حديثه، ثم إن هذا لا يعني أننا نقبل رواية الفاسقين أو أصحاب البدع المغلظة؛ فإنها من أمارات التهمة، والقدح في عدالة الراوي؛ بحيث يرد بها حديثه، ونقول هنا: نحن لا نطعن في عدالته واستقامته في دينه؛ إنما نرد روايته لهذا الحديث لكونه لم يضبطه عن الزهري، فتفرد عنه بما لم يتابع عليه، بل خالف الثقات الحفاظ في وصل الحديث.
ثم إني لم أجد ليحيى بن حمزة الحضرمي البتلهي القاضي [وهو: من ثقات الشاميين، ومشاهيرهم] عن سليمان بن داود الخولاني هذا سوى بعض الآثار المقطوعة على عمر بن عبد العزيز، وأثراً عن عبدة بن أبي لبابة؛ ولم أجد له عنه أحاديث مرفوعة سوى هذا الحديث.
ولا يُعرف لسليمان بن داود الخولاني حديث مرفوع ثابت، فهذا الحديث تفرد به عن الزهري، وخالف فيه ثقات أصحابه؛ فهو حديث منكر، وله حديث آخر يرويه: صدقة بن عبد الله السمين، عن سليمان بن داود الخولاني، قال: سمعت أبا قلابة الجرمي بحديث في صفة الصلاة، وهو حديث منكر [راجعه في: فضل الرحيم الودود (١٠/ ٦٥/ ٩١٣)].
وقال أبو علي عبد الجبار الخولاني في تاريخ داريا (٨١): «وقد روى عن سليمان بن داود جماعة من أصحاب الحديث، منهم: يحيى بن حمزة، والوضين بن عطاء، وصدقة بن عبد الله السمين، وهشام بن الغاز، وغيرهم»، ثم ذكر له حديثين غير ما تقدم، من رواية صدقة بن عبد الله السمين عنه، ومن رواية صدقة عن الوضين بن عطاء عنه، وصدقة بن عبد الله السمين: ضعيف، له أحاديث مناكير لا يتابع عليها، كما ذكر له أثراً موقوفاً عن ابن عمر من رواية هشام بن الغاز عنه [وانظر: تاريخ دمشق (٢٢/ ٣٠٣)].
فهو مقل في الحديث، ولم أقف له على حديث مرفوع ثابت، وقد أنكر عليه هذا الحديث، أو ضعفه لأجله ابن معين، وابن المديني، والبخاري، والذهلي.
وممن وصفه بالجهالة؛ مما يدل على قلة حديثه ابن معين، والذهلي، وابن عدي.
ثم إن أحمد لم يجزم بصحة الحديث، وقد روي عنه أيضاً: أنه ضعف سليمان بن داود، وعليه فقد اختلفت الرواية عنه.
стр. 9659
وكل الأسانيد التي جاءت بوصله لم يثبت منها شيء؛ إنما هو كتاب غير مسموع.
ومن أجمع الأقوال في بيان علة هذا الحديث ما قاله الحافظ محمد بن يحيى الذهلي: «لم يسند الحديث: يونس، ولا شعيب، ولا سعيد بن عبد العزيز، وذكروا أنه كتاب، غير أنهم نقصوا من الحديث، ورواه سليمان بن داود بطوله، وهو: مجهول، وقد روى عنه يحيى بن حمزة أشياء عن عمر بن عبد العزيز من الرأي والحديث برواية يونس وشعيب وسعيد: أشبه أن يكون كتاب، والكلام الذي في حديث سليمان بن داود لا أرفعه [لعلها: لا أدفعه، بالدال المهملة]، وهو عندنا ثابت محفوظ إن شاء الله، غير أنا نرى [له] أنه كتاب غير مسموع عن من فوق الزهري، والله أعلم»، ويحمل قوله: «وهو عندنا ثابت محفوظ إن شاء الله»، على كتاب عمرو بن حزم من رواية الزهري وعبد الله بن أبي بكر، والله أعلم.
وهذا كله مبني على التسليم جدلاً بأن راوي هذا الحديث عن الزهري هو: سليمان بن داود الخولاني، لكن قد توارد الخبر من أكثر من ثقة أو إمام، أنهم نظروا في أصل كتاب يحيى بن حمزة فوجدوه سليمان بن أرقم، وبهذا تكون جهيزة قد قطعت قول كل خطيب، ورجع الحديث إلى سليمان بن أرقم، وهو متروك ذاهب الحديث؛ فسقط حديثه، وممن قال بأنه: سليمان بن أرقم: أبو داود والنسائي، وأبو هبيرة محمد بن الوليد بن هبيرة، ومحمد بن بكار بن بلال الدمشقي، وأخوه جامع، ودحيم عبد الرحمن بن إبراهيم، وصالح بن محمد جزرة، وأبو الحسن الهروي، وأبو زرعة الدمشقي، وأبو علي عبد الجبار الخولاني، والدارقطني، وأبو عبد الله ابن منده، وأبو نعيم الأصبهاني، والذهبي، وقولهم هو الصواب.
وقد أتى في حديثه هذا بزيادات لم يتابعه عليها أحد من الثقات، الذين رووا كتاب عمرو بن حزم.
فهو حديث منكر.
وإنما روى الزهري بعضه من كتاب عمرو بن حزم، وعليه العمل في الاحتجاج به بالقدر الثابت في الرواية عن الزهري؛ إذ رضيه الزهري وأثبت نسبة الكتاب إلى رسول الله ﷺ ، وقد قرأه بنفسه واطلع على ما فيه، فصار شاهداً على نسبته إلى النبي ﷺ ، فقال: قرأت كتاب رسول الله ﷺ الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران، وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم، وكذلك فعل مالك والشافعي وأحمد في اعتماد هذا الكتاب والعمل به، بناء على صحة نسبته إلى النبي ﷺ ، وأنه كان كتاباً محفوظاً عن الزيادة والنقصان بشهادة إمام من أكابر أئمة هذا الشأن، ويأتي لذلك مزيد بيان، والله أعلم.
وللحكم بن موسى في هذا الحديث إسناد آخر:
رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل [ثقة ثبت]: نا أبو صالح الحكم بن موسى [صدوق، له أوهام كثيرة وإفرادات]: نا إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن
стр. 9660
محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ كتب له إذ وجهه إلى اليمن: «في الأنف إذا استوعب جدعه الدية كاملة، والعين نصف الدية، والرجل نصف الدية، والمأمومة ثلث الدية، والمنقلة خمس عشرة من الإبل، والموضحة خمس من الإبل، وفي كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل».
أخرجه الدارقطني (٤/ ٢٩٢/ ٣٤٨١). [الإتحاف (١٢/ ٤٦٨/ ١٥٩٤٢)].
قلت: هذا حديث منكر؛ تفرد به إسماعيل بن عياش عن يحيى بن سعيد الأنصاري المدني، وآفته رواية ابن عياش عن الحجازيين، فإنها ضعيفة، وهذه منها، وفي تفرد ابن عياش عن يحيى بن سعيد نكارة ظاهرة، فإن له عنه أحاديث منكرة، ثم هو غريب من حديث ابن عياش، حيث تفرد به عنه: الحكم بن موسى دون بقية أصحاب ابن عياش الشاميين.
• وقد روي موصولا أيضا من وجه آخر:
رواه عتيق بن يعقوب، عن عبد الملك بن أبي بكر بن محمد الحزمي، عن أبيه، عن جده، عن عمرو بن حزم؛ أن هذا عهد رسول الله ﷺ حين أرسله إلى اليمن: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا بيان من الله ورسوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، عهد من رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن أمره بتقوى الله في أمره كله، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأمره أن يأخذ الحق كما افترضه الله تعالى، وأن يبشر الناس للخير، ويأمرهم به، ويعلم الناس القرآن، ويفقههم فيه، وينهى الناس ألا يمس القرآن أحد إلا وهو طاهر، ويخبر الناس بالذي لهم، والذي عليهم، ويلين لهم في الحق، ويشتد لهم في الظلم، فإن الله تعالى كره الظلم، ونهى عنه، وقال تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]، ويبشر الناس بالجنة وعملها، وينذر الناس النار وعملها، ويستألف الله على الناس حتى يفقهوا في الدين، ويعلم الناس معالم الحج وسننه وفرائضه، وما أمر الله تعالى به، فالحج الأكبر الحج الأكبر، والحج الأصغر العمرة، وينهى أن يصلي أحد في ثوب صغير واحد، إلا أن يكون ثوبا واحدا يخالف بين طرفيه على عاتقيه، وينهى أن يحتبي أحدكم في ثوب واحد يفضي بفرجه إلى السماء، وينهى ألا يعقص أحد شعر رأسه إذا عفا في قفاه، وينهى إذا كان بين الناس هيج عن الدعوة إلى القبائل والعشائر، وليكن دعاؤهم إلى الله تعالى وحده لا شريك له، فمن لم يدع إلى الله تعالى ودعا إلى القبائل والعشائر؛ فليقتلوا بالسيف حتى يدعوا إلى الله تعالى وحده لا شريك له، ويأمر الناس بإسباغ الوضوء وجوههم وأيديهم إلى المرافق وأرجلهم إلى الكعبين ويمسحوا برؤوسهم، كما أمرهم الله تعالى، وأمر بالصلاة لوقتها، وإتمام الركوع الخشوع، ويغلس بالصبح، ويهجر بالهاجرة حين تزيغ الشمس، والعصر والشمس حية في الأرض، والمغرب حين يقبل الليل، ولا يؤخر المغرب حتى تبدو النجوم في السماء، ويأمر بالسعي إلى الجمعة إذا نودي لها، والغسل عند الرواح إليها، وأمر أن يأخذ من المغانم خمس الله تعالى، وما كتب على المؤمنين في
стр. 9661
الصدقات من العقار، عشر ما سقى البعل وسقت السماء، وعلى سقي الغرب نصف العشر، وفي كل عشر من الإبل شاتان، وفي كل عشرين من الإبل أربع شياه، وفي كل أربعين من البقر بقرة، وفي كل ثلاثين من البقر تبيع جذع أو جذعة، وفي كل أربعين من الغنم سائمة شاة، وإنها فريضة الله التي افترض على المؤمنين في الصدقة، فمن زاد خيراً فهو خير له، وإنه من أسلم من يهودي أو نصراني إسلاماً خالصاً من نفسه، ودان دين الإسلام فإنه من المؤمنين، له مثل الذي لهم، وعليه مثل الذي عليهم، ومن كان على نصرانية أو يهودية فإنه لا يغير عنها، وعلى كل حالم ذكر أو أنثى عبد أو حر، دينار واف أو عوضه ثياباً، فمن أدى ذلك فإن له ذمة الله وذمة رسوله ﷺ ، ومن منعه فإنه عدو الله ورسوله والمؤمنين جميعاً».
أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٥/ ٤٧٩ - ٤٨٠)، بإسناد صحيح إلى عتيق.
قلت: عبد الملك هذا هو: ابن محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أبو طاهر الأنصاري المدني، وهو الذي يروي عنه عتيق بن يعقوب [انظر: تهذيب الكمال (١٨/ ٢٩٢)، المستدرك (٣/ ٢٤٥)]، قال الخطيب: «وكان ثقة»، وقال ابن سعد: «وكان قليل الحديث» [الطبقات الكبرى (٧/ ٣٢٣)، تاريخ بغداد (١٠/ ٤٠٨)، التهذيب (٢/ ٦٠٩)].
وعتيق بن يعقوب هو: ابن صديق بن موسى بن عبد الله بن الزبير بن العوام أبو يعقوب الزبيري المدني: وثقه الدارقطني، وذكره ابن حبان في الثقات؛ إلا أن له أوهاماً ومناكير يتفرد بها عن مالك، ولا يتابع عليها [انظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٤٣٩)، سؤالات البرقاني (٣٩٥)، ثقات ابن حبان (٨/ ٥٢٥ و ٥٢٧)، الجرح والتعديل (٧/¬٤٦)، التاريخ الكبير (٧/ ٩٨)، فتح الباب (٩٦٤)، تاريخ الإسلام (١٦/ ٢٧٦)، اللسان (٥/ ٣٧٢). راجع مثلاً: فضل الرحيم الودود (٥/ ١٦٣/ ٤١٨) و (٥/ ١٧٥/ ٤١٩)].
ولا يحتمل من عتيق أن يأتي بهذا الحديث الطويل الجامع للشرائع وأحكام الصلاة والسترة والتوحيد والوضوء والمواقيت والسعي إلى الجمعة والغسل والخمس والعشور وفرائض الإبل والبقر والغنم وأحكام أهل الذمة.
فهو حديث منكر، ثم هو حديث غريب جداً؛ إذ لو كان حديثاً مشتهراً لما أعرض عنه المصنفون: أصحاب السنن والمسانيد والمصنفات والمعاجم وغيرها، ولما أعرض عنه الحاكم الذي عقب حديث الحكم بن موسى بقوله: «وقد كان إمامنا شعبة يقول في حديث عقبة بن عامر الجهني في الوضوء: لأن يصح لي مثل هذا عن رسول الله ﷺ كان أحب إلي من نفسي ومالي وأهلي، وذاك حديث في صلاة التطوع فكيف بهذه السنن التي هي قواعد الإسلام، والله الموفق، وهو حسبي ونعم الوكيل»؛ فأين هو عن هذا الحديث الذي هو أجمع للمعاني والأحكام من حديث الحكم؟!.
ولكتاب عمرو بن حزم أسانيد وطرق متعددة، فمنها:
أ - ما رواه مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، قال: الكتاب الذي كتب رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم في العقول: «إن في النفس مائة
стр. 9662
من الإبل، وفي الأنف إذا أوعب جدعاً مائة من الإبل، وفي المأمومة ثلث الدية [وفي رواية: ثلث النفس]، وفي الجائفة مثلها، وفي العين خمسون، وفي اليد خمسون، وفي الرجل خمسون، وفي كل أصبع مما هنالك عشر من الإبل، وفي السن خمس، وفي الموضحة خمس».
أخرجه مالك في الموطأ (٢/ ٤١٧/ ٢٤٥٨ - رواية يحيى الليثي) (٢٢٢٦ - رواية أبي مصعب الزهري)، وعنه: الشافعي في الأم (٦/ ٨٠ و ٨١ و ١١٣ و ١٢٧)، وفي السنن (٦١٧)، وفي المسند (٢٠٣ و ٣٤٧ و ٣٤٨)، وابن وهب في الجامع (٤٨٧)، ومن طريق مالك أخرجه: النسائي في المجتبى (٨/ ٦٠/ ٤٨٥٧)، وفي الكبرى (٦/ ٣٧٦/ ٧٠٣٣)، وأبو القاسم البغوي في مسائله لأحمد (١٠٠)، وفي حديث مصعب الزبيري (٢٠٩)، والبيهقي في السنن (٨/ ٧٣ و ٨١ و ٨٢ و ٨٧ و ٩١)، وفي الخلافيات (٧/¬٣٣/¬٤٨٩٣ و ٤٨٩٤)، وفي المعرفة (١٢/ ١٠٠/ ١٦٠١٩) و (١٢/ ١١٦ - ١١٧/ ١٦٠٧٨)، والبغوي في شرح السنة (١٠/ ١٩٣/ ٢٥٣٨). [التحفة (٧/ ٣٤١/ ١٠٧٢٦)، الإتحاف (١٢/ ٤٦٧/ ١٥٩٤١)، المسند المصنف (٢٣/ ٧٣/ ١٠٢٩٦)].
رواه عن مالك: الشافعي، وعبد الرحمن بن القاسم، وأبو مصعب الزهري، ويحيى بن يحيى الليثي، ومصعب بن عبد الله الزبيري.
وقال مالك في الموطأ (٢/ ٤٢٩/ ٢٥٠١): «الأمر المجتمع عليه عندنا: أنه ليس فيما دون الموضحة من الشجاج عقل، حتى تبلغ الموضحة، وإنما العقل في الموضحة فما فوقها، وذلك أن رسول الله ﷺ انتهى إلى الموضحة في كتابه لعمرو بن حزم، فجعل فيها خمساً من الإبل، ولم تقض الأئمة [عندنا]- في القديم ولا في الحديث - فيما دون الموضحة بعقل».
وقال ابن أبي زيد القيرواني في النوادر والزيادات (١٣/ ٣٩٥): «قال ابن القاسم، وابن وهب: قال مالك: الأمر عندنا في الجراح على ما في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم، حين بعثه إلى نجران - قال سحنون: واجتمع العلماء على ما فيه؛ أن في النفس مائة من الإبل، وفي الأنف إذا أوعي جدعاً مائة من الإبل، وفي العين خمسون من الإبل، وفي اليد خمسون من الإبل، وفي الرجل خمسون من الإبل، وفي كل أصبع مما هنالك عشر من الإبل».
هكذا احتج به مالك واعتمده في العقول، وأثبت نسبة الكتاب إلى رسول الله ﷺ ، مثلما فعل الزهري حين قال: «قرأت كتاب رسول الله ﷺ الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران، وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم». فهذا الكتاب حجة على الخلق بثبوت نسبة الكتاب إلى رسول الله ﷺ ، بشهادة إمامين كبيرين من أئمة هذا الشأن، ويأتيك المزيد.
• وروى مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم: «أن لا يمس القرآن إلا طاهر».
стр. 9663
أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٢٧٥/ ٥٣٤ - رواية يحيى الليثي) (٢٣٤ - رواية أبي مصعب الزهري) (٩٠ - رواية سويد بن سعيد الحدثاني) (٢٩٧) - رواية محمد بن الحسن الشيباني، ومن طريقه: أبو داود في المراسيل (٩٣)، وابنه أبو بكر في المصاحف (٤٢٧)، والطحاوي في أحكام القرآن (١٤٤)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (١٥٦)، والبيهقي في المعرفة (١/ ٣١٨/ ٧٦٣)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٢/¬٤٧/¬٢٧٥)، والجوزقاني في الأباطيل والمناكير (٣٦١). [التحفة (١٢/ ٣٧١/ ١٨٨٩٢) و (١٢/ ٥٥٥/ ١٩٥٦٨)، المسند المصنف (٢٣/ ٧٥/ ١٠٢٩٦)].
• وروى مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: في الكتاب الذي كتب رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم: «لا يصلّين أحدكم في الثوب الواحد؛ إلا مخالفاً بين طرفيه».
أخرجه مالك في الموطأ (٣٥٩ - رواية أبي مصعب الزهري) (٣٥٥ - رواية ابن بكير) (١١٤ - رواية سويد بن سعيد الحدثاني)، ومن طريقه: عبد الرزاق (١/ ٣٥٧/ ١٣٨٨)، وأبو القاسم البغوي في مسائله لأحمد (١٠٠).
قال أبو العباس الداني في كتاب الإيماء إلى أطراف الموطأ (٥/¬٣٤): «ليس هذا عند يحيى بن يحيى، وهو في الموطأ عند ابن بكير وجماعة».
قلت: هكذا احتج مالك في موطئه بكتاب عمرو بن حزم، مما يدل على اشتهاره شهرة أغنت عن إسناده، لكن كما سبق ذكره أن تقديم الكتاب على الإسناد، لا يعني كون الحديث لا يروى مسنداً من وجه آخر، لكن لما قامت القرائن على صحة هذا الكتاب قبلناه، لا سيما مع موافقته إجماع الصحابة وجمهور العلماء على القول بما فيه، واطلاع أئمة الشأن بما تطمئن به نفوسهم على صحة نسبة هذا الكتاب إلى النبي ﷺ ، وقد زاد فيه مالك على الزهري من هذا الكتاب طرفاً آخر، وهو: «لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد؛ إلا مخالفاً بين طرفيه».
قال الشافعي: «ولم يقبلوا كتاب آل عمرو بن حزم، حتى ثبت لهم أنه كتاب رسول الله ﷺ » [الرسالة (١٩٤)].
ونقل عن أحمد نحوه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في المجموع (٢١/ ٢٦٦): «قال الإمام أحمد: لا شك أن النبي ﷺ كتبه له».
قلت: فهؤلاء أربعة من أئمة الدين وفقهاء الملة: شهدوا لهذا الكتاب بصحة نسبته إلى رسول الله ﷺ : الزهري، ومالك، والشافعي، وأحمد؛ فمن الناس بعدهم؟!
وقال عباس الدوري في تاريخه عن ابن معين (٣/ ١٥٣/ ٦٤٧): «سمعت يحيى يقول: حديث عمرو بن حزم؛ أن النبي ﷺ كتب لهم كتاباً، فقال له رجل: هذا مسند؟ قال: لا، ولكنه صالح. قال الرجل ليحيى: فكتاب علي بن أبي طالب؛ أنه قال: ليس عندي من رسول الله ﷺ عهد إلا هذا الكتاب؟ فقال: كتاب علي بن أبي طالب هذا: أثبت من كتاب عمرو بن حزم».
стр. 9664
قلت: نعم؛ هو أثبت، وكلاهما صحيح، يشهد أحدهما للآخر، وسبق الكلام عن كتاب علي هذا، وأنه مجمل، وقد فُصِّل فيما رواه أبو إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي، فهو صحيح عن علي موقوفاً عليه مفصلاً في الديات [ويأتي تخريجه في الديات إن شاء الله تعالى، وقد سبق تخريج أطراف الصدقات منه].
واحتج إسحاق بن راهويه في مس المصحف بكتاب عمرو بن حزم، وقال: «لما صح قول النبي ﷺ : «لا يمس القرآن إلا طاهر»» [الأوسط لابن المنذر (٢/ ١٠١)].
وقال يعقوب بن سفيان في المعرفة (٢/ ٢١٦): «لا أعلم في جميع الكتب كتاباً أصح من كتاب عمرو بن حزم، كان أصحاب النبي ﷺ والتابعون يرجعون إليه، ويدعون آراءهم» [تاريخ دمشق (٢٢/ ٣١٠)، تهذيب الكمال (١١/ ٤١٩)، تاريخ الإسلام (٣/ ٦٦٧)، الميزان (٢/ ٢٠٢)، تحفة الطالب (٢٠٠)، وغيرها].
وقال ابن عبد البر في الاستذكار (٨/¬٣٧): «وفي إجماع العلماء في كل مصر على معاني ما في حديث عمرو بن حزم دليل واضح على صحة الحديث، وأنه يستغني عن الإسناد لشهرته عند علماء أهل المدينة وغيرهم».
وقال في التمهيد (١٧/ ٣٣٨): «لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث بهذا الإسناد، وقد روي مسنداً من وجه صالح، وهو كتاب مشهور عند أهل السير، معروف ما فيه عند أهل العلم معرفة تستغني بشهرتها عن الإسناد؛ لأنه أشبه التواتر في مجيئه لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة، … ، وكتاب عمرو بن حزم: معروف عند العلماء، وما فيه فمتفق عليه إلا قليلاً، وبالله التوفيق».
وقال في موضع آخر (١٧/ ٣٩٧): «والدليل على صحة كتاب عمرو بن حزم: تلقي جمهور العلماء له بالقبول، ولم يختلف فقهاء الأمصار بالمدينة والعراق والشام: أن المصحف لا يمسه إلا الطاهر على وضوء».
وقال أبو العباس الداني في كتاب الإيماء إلى أطراف الموطأ (٥/¬٢٥): «كتاب عمرو بن حزم مشهور مستفيض، بعث به النبي ﷺ إلى أهل اليمن، ونقله آله عنه، صححه ابن معين وغيره، وفيه معان جمة».
وقال في موضع آخر (٥/ ٢٧٨): «هذا الكتاب مشهور عند آل عمرو بن حزم، بعثه به النبي ﷺ إلى بني الحارث بن كعب بنجران من أرض اليمن سنة عشر، فيما ذكر ابن إسحاق وغيره، وهو كتاب كبير جامع للديات والصدقات وكثير من الأمور الواجبات. رآه الزهري عند أبي بكر بن محمد بن عمرو في قطعة أديم، وحدث به هو وغيره، والأكثر يرسلونه. قيل لابن معين: هذا الكتاب مسند؟ قال: ولكنه صحيح».
وقال ابن كثير في تحفة الطالب (١٩٧): «كتاب آل عمرو بن حزم هذا، اعتمد عليه الأئمة والمصنفون في كتبهم، وهو نسخة متوارثة عندهم، تشبه نسخة: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده».
стр. 9665
وقال في جامع المسانيد (٦/ ٥١٣): «فصار في هذا له وجادة، وقد أخذ بها الأئمة واحتجوا بها، واعتمدوها في باب الديات، والله أعلم».
وقال في التفسير (٧/ ٥٤٥): «وهذه وجادة جيدة، قد قرأها الزهري وغيره، ومثل هذا ينبغي الأخذ به، وقد أسنده الدارقطني عن عمرو بن حزم، وعبد الله بن عمر، وعثمان بن أبي العاص، وفي إسناد كل منها نظر، والله أعلم».
وقال الذهبي في تهذيب سنن البيهقي (٣/ ١٤٤٤): «هو كتاب محفوظ يتداوله آل حزم، وإنما الشأن في اتصال سنده».
وقال ابن الملقن في البدر المنير (٨/ ٣٧٧): «هذا الحديث عمدة الديات».
• وحاصل كلام الأئمة: أن كتاب عمرو بن حزم كتاب صحيح مشهور مستفيض، قد ثبت عند الأئمة نسبته إلى النبي ﷺ ، وأنه من أصح الكتب، وأنه يستغني بشهرته عن الإسناد، وقد ذهب إلى إثبات ذلك جمع من الأئمة: الزهري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وابن معين، وإسحاق بن راهويه، ويعقوب بن سفيان، وابن عبد البر، وغيرهم، وقد تلقاه جمهور العلماء بالقبول؛ فوجب العمل به، والله أعلم.
o بل نذهب إلى ما هو أعلى من ذلك في إثبات صحة هذا الكتاب، ووجوب العمل به، حيث كان هذا الكتاب موضع قبول وعمل من كبار الصحابة، فقد ترك عمر بن الخطاب رأيه، وعمل بكتاب عمرو بن حزم في دية الأصابع، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة؛ فصار إجماعاً؛ مما يدل على تسليمهم بصحة هذا الكتاب، وثبوت نسبته إلى النبي ﷺ عندهم؛ مما أغنى عن طلب إسناده، ولذلك فإن عمر بن الخطاب لما وجده لم يطالب الصحابة بمن يسنده له عن رسول الله ﷺ ، وإنما اكتفى بالكتاب؛ لما اطمأنت نفسه لثبوته عن رسول الله ﷺ .
قال الشافعي في الأم (١/ ١٧٧): «وكان عمر يقضي أن في الإبهام خمس عشرة، والوسطى والمسبحة عشراً عشراً، وفي التي تلي الخنصر تسعاً، وفي الخنصر ستاً؛ حتى وجد كتاباً عند آل عمرو بن حزم - الذي كتبه له النبي ﷺ : «وفي كل أصبع مما هنالك عشر من الإبل»، فترك الناس قول عمر، وصاروا إلى كتاب النبي ﷺ ، ففعلوا في ترك أمر عمر لأمر النبي ﷺ ؛ فعل عمر في فعل نفسه في أنه ترك فعل نفسه لأمر النبي ﷺ ، وذلك الذي أوجب الله ﷺ عليه وعليهم وعلى جميع خلقه».
وقال ضمن كلام طويل في اختلاف الحديث (١٠ - ١٤/ الأم): «وكان عمر بن الخطاب … يحكم بين أظهرهم أن في الإبهام خمس عشرة من الإبل، وفي المسبحة والوسطى عشراً عشراً، وفي التي تلي الخنصر تسعاً، وفي الخنصر ستاً، قضى على ذلك كثير ممن حكى عنه في زمانه، والناس عليه، حتى وجد كتاب عند آل عمرو بن حزم كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم فيه: «وفي كل أصبع مما هنالك عشر من الإبل»، فصار الناس إليه، وتركوا ما قضى به عمر مما وصفت، … ».
следующие страницы →