المبحث الثالث
الشورى في القضاء والحكم
من المسلم به ومن المعلوم أن إقامة العدل من أغلى وأسمى مقومات الحياة، وأن الحكم به من أقوى الوسائل التي يرتفع بها الظلم ويسود في ظلها المحبة والإخاء بين الناس، ولهذا قيل بالعدل وحده تُصان القيم وتستقر المبادئ ويتضاعف شعور الإنسان بالإنتماء لوطنه, ويعلو بناء الإنسان، وتلك غاية الغايات وقمة الأهداف لأي مجتمع متحضر ينشد حاضراً أكثر أمناً واستقراراً، ويستهدي مستقبلاً أكثر رفعة وازدهاراً، وللعدل معنى جليل تطمئن إليه النفوس وترتاح إليه الأفئدة وتنطلق به ملكات الإنسان فيأمن به على نفسه وماله فيبدع وينتج ويسهم في حل المشكلات التي تعوق مسيرة أمته (١) , وتحقيق العدل كان مهمة الرسل والأنبياء وهو رسالة السماء إلى الأرض وهو وظيفة الحكم الصالح ودعامته المكينة وعزته المشرقة.
ولما كان العدل بهذه المكانة فقد ابتعث الله به رسله إلى الكافة من خلقه وخاطب الله تعالى خاتم رسله بقوله: (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ) (٢) , والشعور بالرغبة في إقامة العدل مستقر في النفس البشرية التي تؤمن بأن العدل هو أمر الله وصفته واسم من أسماء شريعته، قال تعالى: (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) (٣) وقال: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) (٤) وقال: (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ) (٥) وهكذا يتوفر العدل في المصدر والتشريع والقضاء والتنفيذ وذلك ليس خطاباً للنبي ﵌ وإنما هو خطاب للأمة المؤمنة كلها.
стр. 107
والآيات التي تتحدث عن العدل كثيرة، فهو بلا شك أساس لعمران البلاد وأساس لبناء الحضارات في كل زمان ومكان، فربنا جل وعلا يقول: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا) (١) , ويقول جل شأنه: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (٢) , ويقول جل شأنه: (وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (٣) , ويحذر من المحاباة والظلم لأن ميزان العدل لا يميل مع الهوى ولا يتزحزح مع العصبية ولا يحيف مع الشنئان، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أو الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أو فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أو تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (٤).
ولهذا قيل إن للعدل قيمة لا تنطوي بمجرد عدم إيقاع الضرر على الغير وإعطاء كُلٍ ماله، وإنما هي شيء أعمق من ذلك وأكثر، هي تحقيق التوازن اللازم بين المصالح المتعارضة بغية كفالة نظام مأمون لسكينة المجتمع الإنساني وسلامته وسعياً به صوب الاستقرار والتقدم، ومن ثم كان العدل عنصراً حركياً، ويقتضي السعي الدائب والدائم والحثيث نحو معرفة ما يستحقه كُلٌ وكيف يعطى له. (٥)
وإذا كان العدل لا يجيء ولا يتحقق من تلقاء نفسه، وليس للإنسان أن يبتغيه لنفسه فإنها تكون الغلبة للفرد دون الحق، وحينئذ تعم الفوضى التي لا تبقي ولا تذر، وإنما تحقيق العدل هو واجب الدولة ورسالتها التي يجب أن تتجرد له سلطة من سلطاتها وهي القضاء في نظام شامل متكامل مستقل محايد ينهض بأعباء هذه الرسالة التي لا تستقيم أحوال
стр. 108
البشرية دونها، ولهذا كان القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة كما يقول الخليفة الراشد عمر ابن الخطاب ﵁. (١)
وقد حمل القضاء أمانة تحقيق العدل منذ فجر التاريخ, فإلى ساحة القضاء يهرع الناس جميعاً يلتمسون العدل والنصفة وهم عنده سواء لا قوي لديه ولا ضعيف ولا شريف أمامه ولا مشروف, لا يرهب أحداً لقوته ولا يستخف بحق أحد لهوانه وضعف قدرته, فهو حصن الأمان لكل من داهمه الخوف، وهو النظام الذي يصل به العدل إلى كل من اجترأ على الحق، وإذا كان القضاة هم ضمير الأمة ومعقد رجائها في إعلاء كلمة الحق والعدل التي أودعها خالقهم أمانة مقدسة بينهم لينطقوا في أمرها بعد بحث وكد ونصب وعناء فإنه حري بهم أن يسلكوا مسلك الشورى التي أمر الله بها؛ لأن القضاء من جملة الأمور التي أمر الله أن يُتشاور فيها, بل هو أهمها فيما التبس من الأمور وفيما لا يوجد فيه نص واضح وقاطع وما أكثر الملتبسات والمشتبهات، فالواجب على القاضي أن يبذل الجهد في فهم النص وفهم الواقعة وأن يشاور أيضاً أهل العلم والصلاح والفطنة لما لذلك من أثر في استجلاء الحقيقة والتثبت في فهم النص وفهم الواقعة (٢) , ولقد اعتبر بعض العلماء المشاورة في القضاء مندوب إليها, ونقل عن جماعة من العلماء القول بالوجوب (٣) , ونقل القرطبي أن ابن عطية قال: من لم يستشر أهل العلم والدين فعزله واجب. (٤)
قلت: الظاهر أن الشرع قد حث على المشاورة في جميع الأمور التي نص فيها فما بالك في القضاء، ففي سورة آل عمران يقول تعالى مخاطباً نبيه: (وشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) (٥) , وفي سورة الشورى يقول سبحانه: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ).
стр. 109
ولهذا فإنه ينبغي للقاضي أن يشاور أهل العلم والصلاح وأن يستعين برأيهم، فالقاضي إنسان يصيب ويخطىء وقد يتأثر ببعض عواطفه وأهوائه فيميل في قضائه إلى بعض أطراف الخصوم بما يقوض أركان العدل، ولقد بلغ من حرص الدولة الإسلامية أن أوجدت في بعض المحاكم ما يسمى بشهود القضاء أو العدول، وكانت مهمتهم هي الشهادة على بعض الأحكام، وسيجد المتتبع في كتب الفقه (١) والتراجم (٢) الكثير من ذلك فإن القضاة كانوا يتخذون شهوداً منهم, وعلى سبيل المثال لا الحصر عتيق الصباغ وأبو الطاهر الذهلي وعبدالله بن ثوبان وغيرهم، ويقول الدكتور محمد عبدالرحمن البكر أنه وصل الأمر إلى حد أن أصبحت الشورى في بعض العصور وظيفة يتخصص لها بعض العلماء كيحيى بن وافد اللخمي وأبي الأصبغ فيما يشبه أن يكون جهازاً لمراقبة القضاة (٣).
أما الشهود الذين كانوا يؤلفون جزءاً من المحكمة بحيث لا تنعقد إلا بهم حيث كانوا يجلسون على يمين القاضي ويساره ليشهدوا على ما يجري من الدعاوي والأحكام فقد أوجب بعض الفقهاء حضور الشهود، قال ابن فرحون (ومنها إحضاره الشهود العدول في مجلس قضاءه) قال المازري: يؤمر القاضي بذلك ويتأكد الأمر به على القول بأن القاضي لا يقضي بعلمه فيما أمر به الخصم في مجلسه (٤) , وجاء في مواهب الجليل: وإذا كان المشهور أن القاضي إذا سمع إقرار الخصم لا يحكم عليه حتى يشهد عنده بإقراره شاهدان فيكون إحضار الشهود واجباً وإلا لا فائدة (٥).
قلت: وليست تلك الغاية التي تتوخى فحسب بل إن وجود الشهود العدول من العلماء ليكونوا مستشارين قد يكون في بعض الحالات ضرورة, فإن القاضي العادل لا يستغني عن وجود مثل هؤلاء قط، فالمتتبع للآثار الفقهية والقضائية التي درج عليها الخلفاء الراشدون سيجد أنهم كانوا يحضون على التشاور مع وجهاء الصحابة وأهل الرأي, وذلك من أجل التحري في إقامة العدل والوصول إلى الحق، وهذا هدف من أهداف علانية الجلسات أيضاً عند التقاضي، وفي أخبار القضاة لوكيع (٦) كانت القضاة لا تستغني أن يجلس إليهم بعض العلماء, وقد روي أن أبا بكر ﵁ كان إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله تعالى فإن وجد ما يقضي به بينهم قضى به وإن لم يجد وعلم في سنة رسول الله ﵌ سنة قضى بها فإن أُعيي خرج فسأل المسلمين وقال: أتاني كذا وكذا فهل علمتم أن رسول الله ﵌ قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكرون عن رسول الله ﵌ قضاء فيقول أبو بكر الحمد الله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا ﵊، فإن أعياه أن يجد في سنة رسول الله ﵌ سنة جمع خيار الناس ورؤوسهم فاستشارهم فإن أجمع أمرهم على رأي قضى به، وكان عمر ﵁ يفعل ذلك فإن أعياه أن يجد في القرآن والسنة نظر هل كان لأبي بكر فيه قضاء فإن وجد أبا بكر قضى فيه بقضاء قضى به وإلا دعا رؤوس المسلمين فإن اجتمعوا على أمر قضى به (٧)، ولفظ الدارمي (فإن أعياه أن يجد فيه سنة من رسول الله ﵌ جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به) (٨) وقد أورد هذا الحديث الحافظ ابن حجر في فتح الباري مختصراً وعزاه للبيهقي وصحح إسناده وقال (وإن عمر بن الخطاب كان يفعل ذلك كما تقدم أن القراء كانوا أصحاب مجلس عمر ومشاورته) (٩) وعن شريح القاضي أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إليه إن جاءك شيء في كتاب الله فاقض به ولا يلفتك عنه الرجال، فإن جاءك ما ليس في
стр. 110
كتاب الله فانظر سنة رسول الله فاقض بها، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله وسنة رسول الله فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذ به. (١)
وقد استشار عمر ﵁ في حد الخمرة لأنه ليس مقداره سنة نبوية وإنما كان المرء إذا سكر أتي به فيضربونه بأيديهم ونعالهم نحواً من أربعين، فلما تولى عمر استشار الصحابة رضوان الله عليهم لكثرة وقوع الناس فيه فأشاروا عليه أن يحده حد المفتري لأنه إذا شرب هذى وإذا هذى افترى فكان يحد ثمانين جلدة في عهد عمر, ثم لما تولى علي ﵁ أمر بالسكران أن يضرب فلما بلغ الأربعين قال للجلاد أمسك جلد الرسول ﵌ أربعين وجلد أبو بكر ﵁ أربعين وجلد عمر ﵁ في صدر خلافته أربعين ثم أمضى عليه ثمانين وكل سنه وهذا (أي الأربعين) أحب إلي (٢).
كما أن عمر ﵁ استشار في الجناية على الجنين في بطن أمه ويسمى بالإملاص والسقط, فعرض الأمر مستشيراً فيه حيث قال: أيكم سمع من النبي ﵌ فيه شيئاً قال المغيرة بن شعبة ﵁: (فقلت أنا, فقال: ما هو فقلت سمعت النبي ﵌ يقول: (فيه غرة عبدٌ أو أمة) فقال له عمر ﵁: لا تبرح حتى تأتيني بالمخرج فيما قلت, فخرجت فوجدت محمد بن مسلمة فجئت به فشهد معي أنه سمع النبي ﵌ يقول: (فيه غرة عبد أو أمة). (٣)
وروى الإمام مالك في موطأه عن عثمان بن إسحاق بن خرشة عن قبيصة بن ذؤيب أنه قال: جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق ﵁ تسأل ميراثها فقال لها أبو بكر: مالك في كتاب الله شيء وما علمت لك في سنة رسول الله شيئاً فارجعي حتى أسأل الناس فسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة حضرت رسول الله ﵌ أعطاها السدس فقال مثلما قال المغيرة أي محمد بن مسلمة الأنصاري فأنفذه لها أبو بكر الصديق ﵁، وهذه الجدة هي أم الأم ثم جاءت الجدة الأخرى وهي أم الأب
стр. 111
فلم يرد أن يعطيها أبو بكر شيئاً فقال له رجل من الأنصار: أما إنك تترك التي لو ماتت وهو حي كان إياها يرث فجعل أبو بكر السدس بينهما. (١)
وأخرج البيهقي في السنن الكبرى استشارة عمر ﵁ في امرأة استقت راعياً فأبى أن يسقيها حتى تمكنه من نفسها ففعلت، وكان رأي عمر ﵁ إقامة الحد عليها فاستشار في ذلك الصحابة رضوان الله عليهم فأشار عليه علي ﵁ أن يدرأ عنها الحد لأنها كالمستكرهة. (٢)
كما أن عمر ﵁ قد استشار الصحابة في جلد قدامة بن مظعون لما شرب الخمر وتأول الآية (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (٣) , وإنما استشارهم لكونه كان مريضاً فأشاروا عليه بالتأجيل حتى يشفى ليحتمل الضرب ثم تركه ثم استشارهم فأشاروا عليه بالتأخير ثم عزم على جلده بسوط وقال: إنه والله أن يلقى الله تحت السياط أحب إلي أن ألقى الله وهو في عنقي. (٤)
ويستفاد من هذه الشواهد التي سقناها أنه يجب على القضاة وولاة الأمر أن يحرصوا على إكثار العلماء في مجالسهم لما في ذلك من إمكان استحضار بعضهم الدليل الذي يقطع الخلاف، فالقضاة مهما كانت ثقافتهم قد يغيب عنهم الدليل على المسألة من الكتاب أو السنة أو النصوص القانونية، ولأن النصوص الشرعية والقانونية قد تعطي أكثر من مدلول، ولهذا فإن الإمام الجليل عبدالحق بن عطيه المالكي اعتبرها من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، وأن من تركها من الولاة فقد وجب عزله.
قال ابن عطية (والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب هذا ما لا خلاف فيه.
ووجوب الشورى هو مذهب الجصاص من أئمة المذهب الحنفي -كما سيأتي تفصيله قريباً-.
وقد رجح الدكتور قحطان الدوري أن الشورى تكون واجبة في مواضع ومندوبة في مواضع, فالمواضع الواجبة فيها هي الأمور ذات الطابع العام والتي لها من الأهمية والخطورة الشيء الكثير كإعلان الحرب وسن القوانين, والأمور التي يندب للإمام الاستشارة فيها هي الأمور الخاصة والتي يرى أن مصلحة الأمة البت فيها بسرعة (٥).
وقد استشار عمر ﵁ في قسمة الأراضي -أي أرض الخراج التي فتحت عنوة- ومن المعلوم أن الأرض إذا فتحت عنوة أنها تقسم أخماساً فخمس لبيت المال يصرف في وجوهه المعروفة, وأربعة أخماس توزع بين الغانمين لوجود نص في ذلك وهو قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) (٦) غير أن عمر ﵁ فهم من سورة الحشر من آية الفيء وما ذكره الله في قوله: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ* لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (٧) أن لكل هؤلاء نصيباً, فلو قسمت الأراضي على الغانمين لم يكن لهم نصيب وقد رأى عامة الصحابة أن يقسمها وكان أشدهم في ذلك
стр. 112
بلال بن رباح ﵁ وتلا قوله تعالى: (ما أفاء الله على رسوله) ... الآية، قال هذه عامة في القرى كلها ثم قال: (للفقراء المهاجرين) ... الآية، ثم لم يرض حتى خلط بهم غيرهم فقال: (والذين جاءوا من بعدهم .. إلى قوله: إنك غفور رحيم) فكانت هذه عامة للمقاتلين وغيرهم إلى يوم القيامة فيأتي من بعدهم فيجدون الأرض بعلوجها قد اقتسمت وورثت عن الآباء وحيزت ما هذا بالرأي, فقال عبدالرحمن بن عوف: فما الرأي ما الأرض والعلوج إلا مما أفاء الله عليهم فقال عمر: ما هو إلا كما تقول ولست أرى ذلك، والله لا يفتح بعدي بلد يكون كثير نبل بل عسى أن يكون كلاً من المسلمين فإذا قسمت أرض العراق بعلوجها وأرض الشام بعلوجها فما يسد الثغور وما يكون للذرية والأرامل بهذا البلد وغيره من أهل الشام والعراق, فأكثروا على عمر فقالوا أتنفق ما أفاء الله علينا بأسيافنا على قوم لم يحضروا ولم يشهدوا ولا أبناء القوم ولا أبناء أبنائهم ولم يحضروا, فكان عمر لا يزيد على أن يقول هذا رأي, قالوا فاستشر فاستشار المهاجرين الأولين فاختلفوا, فأما عبدالرحمن بن عوف فكان رأيه أن تقسم لهم حقوقهم ورأى عثمان وعلي وطلحة وابن عمر رأي عمر فصرفهم, وأرسل إلى عشرة من الأنصار خمسة من الأوس وخمسة من الخزرج من كبرائهم وأشرافهم وعرض رأيه وحجته وقال: إني لم أزعجكم إلا لأن تشتركوا في أمانتي فيما حملته من أموركم فإني واحد منكم وأنتم اليوم تقرون بالحق، خالفني من خالفني ووافقني من وافقني، ولست أريد أن تتبعوا الذي هواي، معكم من الله كتاب ينطق بالحق فوالله لأن كنت نطقت بأمر أريده ما أريد به إلا الحق, قالوا نسمع يا أمير المؤمنين، قال: إني أعوذ بالله أن أركب ظالماً لأن كنت ظلمتهم شيئاً هو لهم وأعطيته غيرهم لقد شقيت ولكن رأيت أنه لم يبق شيء يفتح بعد أرض كسرى وقد غنمنا الله أموالهم وأرضهم وعلوجهم فقسمت ما غنموا من أموال بين أهله وأخرجت الخمس فوجهته على وجهه وأنا في توجيهه، وقد رأيت أن أحبس الأرض بعلوجها وأضع عليهم الخراج وفي رقابهم الجزية يؤدونها فتكون فيئاً للمسلمين المقاتلة والذرية ولمن يأتي بعدهم, أرأيتم هذه الثغور لا بد لها من رجال يلزمونها, أرأيتم هذه المدن العظام كالشام والجزيرة والكوفة والبصرة ومصر لا بد من شحنها بالجند وإدرار العطاء عليهم فمن أين يعطى هؤلاء إذا قسمتم الأراضي والعلوج؟ فقالوا جميعاً: الرأي رأيك فنعما ما قلت ورأيت إن لم تشحن هذه الثغور وهذه المدن بالرجال وتجري عليهم ما يتقوون به رحل أهل الكفر إلى مدنهم. فقال قد بان لي الأمر فمن رجل له جزالة عقل يضع الأرض مواضعها، ويضع العلوج ما يحتملون فاجتمعوا له على عثمان بن حنيف وقالوا تبعثه إلى أهم من ذلك فإن له بصراً وعقلاً وتجربة فأسرع إليه عمر فولاه ساحات أرض السواد. (١)
لقد أوردنا هذا النموذج من الشورى في عصر الصحابة لندلك على أن الشورى لا غنى عنها في شتى مناحي الحياة, وأنه قد يحصل الخلاف حتى في فهم النصوص وأن التزام الجميع بالمنهج الرباني لا يتأتى دون التشاور وأن ولي الأمر والقاضي المجتهد لا بد له من إعمال النظر. ويقول الدكتور عدنان النحوي في هذه الممارسة (وهكذا في الموقف الدقيق دارت الشورى بأوسع ميادينها وأزكى ممارساتها وأطهر نتائجها، ولقد مارس المسلمون في هذه القضية إيمانهم كله وعلمهم كله ولم يمارسوا جزئية واحدة فحسب بل مارسوا إيمانهم وعملهم على تناسق وتكامل على حب وصفاء على قوة ومضاء، وبقوا صفاً وأمة واحدة وحزباً واحداً فرضي الله عنهم أجمعين. (٢)
وقد روى وكيع عن عمر بن عبدالعزيز قولاً جاء فيه (إن القاضي ينبغي أن يكون فيه خمس خصال فإن نقصت واحدة كانت وصمة, العلم بما قبله، والحكم عند الخصم، والنزاهة عند المطمع، والاحتمال للأئمة، ومشاورة ذوي العلم) (٣) وفي وكيع أيضاً عن المغيرة بن محمد بن عبدالعزيز (لا ينبغي أن يكون الرجل قاضياً حتى تكون فيه خمس خصال
стр. 113
يكون عالماً قبل أن يستعمل مشيراً لأهل العلم ملقياً للرفع (١) منصفاً للخصم محتملاً للأمة) (٢).
وفي تذكرة ابن حمدون أن الرشيد أحضر رجلاً ليوليه القضاء فقال إني لا أحسن القضاء ولا أنا فقيه، فقال الرشيد: فيك ثلاث خلال لك شرف والشرف يمنع صاحبه من الدناءة ولك حلم يمنعك من العجلة ومن لم يعجل قل خطؤه وأنت رجل تشاور في أمرك ومن تشاور كثر صوابه، وأما الفقه فسيضم لك من تتفقه به. (٣)
وفي أخبار القضاة لوكيع نص كتاب عمر بن عبدالعزيز إلى عدي بن أرطأة جاء فيه: أما بعد فإن رأس القضاء اتباع ما في كتاب الله ثم ما في سنة رسول الله ﵌ ثم حكم الأئمة الهداة ثم استشارة ذوي الرأي والعلم، وفي تاريخ ابن عساكر في وصية عمر ﵁ إلى شريح قال الشعبي: رزقه عمر مائة درهم على القضاء وقال له: اقض بما استبان لك من كتاب الله فإن لم تعلم كتاب الله كله فاقض بما استبان لك من سنة رسول الله ﵌ فإن لم تعلم كل أقضية رسول الله ﵌ فاقض بما استبان لك من أمر الأئمة المهتدين فإن لم تعلم كل ما قضت به الأئمة المجتهدون فاجتهد رأيك واستشر أهل العلم. (٤)
وروى وكيع أيضاً أن رجلاً جرح فأعطته امرأته جارية لها تخدمه فقال له ناس من أصحابه أتبيعها فقال: إني لا أملكها إنها لامرأتي فقالوا: إنك جائز الأمر فيها فأقامها فزاد على ما أعطاه رجل من القوم وأشهد لامرأته بثمانين من ماله فوقع عليها فرفعته المرأة إلى عمر بن الخطاب فقال الرجل: يا أمير المؤمنين قال أصحأبي أتبيعها. قلت: إنها لإمرأتي فقالوا إنك جائز الأمر فيها فأقمتها فزدت على ما أعطى رجل منهم فأشهدت لها في مالي
стр. 114
فقال: اذهب فاستشار أصحابه فلم يقل له يومه شيئاً فركب عمر ذات يوم فرأى ذلك الرجل فجلده مائة جلدة. (١)
قال ظافر القاسمي بعد أن أورد هذه القصة وهذا يعني أن عمر ﵁ استشار وأجمع الرأي على أن بيع المرء لنفسه مال غيره غير صحيح وأن وقوع الرجل على الجارية يستلزم الحد فأقامه عليه (٢).
ونقل وكيع برواية عبدالرحمن بن سعيد قال: رأيت عثمان بن عفان في المسجد إذا جاءه الخصمان قال لهذا اذهب فادع علياً وللآخر اذهب فادع طلحة بن عبيدالله والزبير وعبدالرحمن فجاءوا فجلسوا فقال لهما تكلما ثم يقبل عليهم (أي المستشارين) فيقول أشيروا علي فإن قالوا ما يوافق رأيه أمضاه عليهما وإلا نظر فيقومون مسلمين) , وعلى هذا النحو نشأت شورى القضاء منذ فجر الإسلام أيام الراشدين فلم نجد أحداً منهم يستحيي من الاستشارة لا أبا بكر ولا عمر ولا عثمان ﵃ (٣) وفي ترجمة شريح عند وكيع عن الشعبي قال: كان شريح يشاور مسروقاً وقد علمت أن شريحاً كان قاضياً لعمر بن الخطاب وروت كتب التراجم أن مسروقاً كان أعلم بالفتيا من شريح وأن شريحاً أبصر منه بالقضاء (٤) وكانت القضاة لا تستغني أن يجلس إليهم بعض العلماء, وفي سنة ١٩٢هـ ولّى الرشيد عبدالله بن سوار على البصرة وما يحسن شيئاً كما يقول وكيع ولكنه كان ذا عقل وفهم فكان يشاور فلم يُر في القضاء أحد هو أصح سجلات منه لأنه لم يكن ينفذ شيئاً إلا بمشورة (٥).
стр. 115
وفي طبقات ابن سعد عن مالك بن أنس قال كان عمر بن عبدالعزيز لا يقضي بقضاء حتى يسأل سعيد بن المسيب فأرسل إليه إنساناً يسأله فدعاه فجاء حتى دخل فقال عمر أخطأ الرسول إنما أرسلناه يسألك في مجلسك (١).
وفي ترجمة عبدالله بن أبي مليكه عند ابن سعد أيضاً قال: بعثني عبدالله بن الزبير على قضاء الطائف فقلت لابن عباس: إن هذا قد بعثني على قضاء الطائف ولا غنى بي عنك أن أسالك فقال لي: نعم. قال فاكتب إلي فيما بدا لك أو اسأل عما بدا لك. وفي رفع الأسرار لابن حجر في ترجمة أبي العباس بن أبي العوام السعدي ذكر لرجل مكفوف اسمه أبو الفضل جعفر وأنه (احكم له الأمر مع الحاكم فأمر بكتب سجله وشرط عليه فيه أنه إذا جلس في مجلس الحكم يكون معه أربعة من فقهاء الحاكم لئلا يقع الحكم بغير ما يذهب إليه الخليفة) (٢) , قال ظافر القاسمي وهذا النص يدل فيما أظن على أن الفقهاء الأربعة رقباء وليس لهم أن يشتركوا في الحكم ولكن إذا رأوا أن القاضي أراد الخروج عن مذهب الخليفة ردوه إليه. (٣)
قلت وفي حضور الفقهاء والعلماء مجلس قضاء القاضي فوائد جمة, ولو لم يكن إلا الاستشارة, ولا شك أن من شاور كثر صوابه, فما تشاور قوم إلا هُدُوا لأرشد أمرهم كما في السنة النبوية, وإذا كان التشاور في الأمور العامة هو ضرورة من الضرورات فإنه مما لا شك فيه أن القضاء من الأمور الهامة التي ينبغي ألا تغيب فيها الشورى, ولو لم يكن في ذلك إلا الاتباع لهدي النبي ﵌ والاقتداء بسيرة الخلفاء الراشدين وأهل الفضل والعلم من أهل التقوى في هذه الأمة، إلا أن المشير في أمور القضاء يجب أن يكون من أهل العلم بأحكام الشريعة الإسلامية والقوانين المنظمة وأهل الفطنة والتقى فقد كان النبي ﵌ وهو المعني بالتبليغ والبيان والمثبَّت بالوحي كثير التشاور حتى قال أبو هريرة
стр. 116
رضي الله عنه ما رأيت أحداً أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله ﵌ (١).
وبهذا العرض نكون قد أتينا على بيان أن الشورى قاعدة من قواعد نظام الحكم والقضاء في الدولة الإسلامية وغني عن البيان القول بأن الشورى تشمل جميع الشؤون العامة, إلا أنه مما ينبغي التفطن له هو أنه لا تشاور فيما فيه نص صحيح صريح في أحكام الشريعة الإسلامية ولا إشكال في منطوقه ولا مفهومه ولا اختلاف في فهمه لأن ذلك مما لا يحتاج إلى تشاور, وكذلك ما لا لبس فيه في أي واقعة تطرح على القضاء ولا لبس فيها لا في الأدلة المثبتة لها ولا في حكم الشرع والقانون العادل فيها, إلا أن المشتبهات وتباين الفهم في كثير من الحالات مما يتطلب الاستشارة وعدم الاستبداد بالرأي بل إن ذلك ضرورة لا بد منها لمن أراد أن يقتدي بمحمد ﵌ والخلفاء الراشدين من بعده، ولا عيب في ذلك ولا نقيصة, ولو لم يكن في ذلك إلا دفع التهمة عن القاضي بأنه يجامل أو يحأبي أو يرتشي أو يحكم بغير الحق وهذا نظام المحلفين في إنجلترا وأمريكا يشكل معلماً من معالم النظام القانوني هناك، ولم يعتبروه عيباً, وقد رسم هذا النظام طابعه على التقاضي في إنجلترا وأمريكا وصار جزءاً من نظام القانون العام منذ حوالي سنة ١١٧٢م وأثناء حكم هنري الثاني الذي اعترف به كما اعترف به (ماجلانا كارتا) سنة ١٢١٥م، ومنذ ذلك التاريخ استقر معيار الاثني عشر محلفاً, وجوهر فكرة المحلفين وتحديد التهمة على أيديهم هي وسيلة إدخال الجمهور في العملية القضائية. (٢)
стр. 117
فكرة نظام المحلفين في القوانين الوضعية
من المعروف لدى المختصين والمتابعين أنه بعد أن استقر نظام المحلفين في إنجلترا منذ وقت طويل انتقل منها إلى الولايات المتحدة حيث أقر دستورها الصادر عام ١٧٨٧م حق المتهم في المحاكمة بواسطة محلفين كما هو منصوص عليه في الفقرة الثانية من المادة (٣) على أن المحاكمة في جميع الجرائم فيما عدا المحاكمات البرلمانية تتم بواسطة المحلفين. (١)
أما وظيفة المحلفين فيقول الدكتور محمد كامل عبيد: لعل تسمية المحلفين بقضاة الواقع تكشف بوضوح عن وظيفتهم التي يراد بها التفرقة بينهم وبين قضاة القانون، وقد عبر عن تلك القاعدة بمسائل الواقع للمحلفين ومسائل القانون للقاضي. (٢)
ويمكن القول بأنه ومن خلال هذه القاعدة أن وظيفة المحلفين هي تحديد وقائع القضية وفقاً لقواعد التفكير المنطقية والقانونية، وتتكون هيئة المحلفين من اثني عشر محلفاً، ولا يجوز أن يقل عدد الهيئة أو يزيد عن ذلك ويعتبر هذا عنصراً أساسياً من عناصر تكوين هيئة المحلفين في النظام الأنجلوأمريكي وتختار هذه الهيئة بالاقتراع السري من جماعة المحلفين الواردة أسماؤهم بجدول المحكمة, وعادة ما يتم اختيار أكثر من اثني عشر محلفاً حتى إذا طعن في أحدهم أو بعضهم بقي العدد القانوني متوفراً. (٣)
أما واجبات المحلفين وحقوقهم كما ذكرها الدكتور عبيد نقلاً عن الدكتور محمد شادي عبدالحميد والدكتور عبدالرحمن عزوز أن المحلف يجب أن يؤدي يميناً قبل ممارسة عمله بأن يكون قراره مطابقاً لضميره كما يجب عليه الحضور في الزمان والمكان المحددين لجلسة تحليفه وعليه الإمتناع عن أي عمل يتنافى مع مهمته كالاتصال بالخصوم أو الجمهور أثناء المحاكمة ويتمتع المحلف بالحصانات التي يتمتع بها القضاة، كما أن له الحق في توجيه الأسئلة والحق في تدوين ملاحظاته أثناء الترافع وعادة ما يتم اختيار المحلفين من بين المواطنين العاديين الذين ليس لهم صفة عامة والمدرجين في قوائم خاصة لهذا الغرض تحت
стр. 118
إشراف السلطة التنفيذية وفقاً لقانون المحلفين في إنجلترا الصادر في عام ١٩٢٢م والمعدل بالقانون الصادر عام ١٩٤٥م وعام ١٩٤٩م إلا أن تعديلاً جذرياً في بريطانيا صدر عام ١٩٧١م قد حدث, وبمقتضاه أصبح اختيار المحلفين أمام محكمة التاج أو المحكمة العليا أو محاكم الإقليم يتم تحت إشراف رئيس القضاة. (١)
وفي الولايات المتحدة الأمريكية يتم إعداد قوائم المحلفين بمعرفة موظفين معينين أو منتدبين لهذا الغرض وقد ترك قانون المحلفين الإتحادي الصادر عام ١٩٦٨م للقاضي وضع الخطة التي يرى اتباعها بشأن وضع أسماء المحلفين. (٢)
أما الشروط التي ينبغي توافرها في المحلف فإن القانون الإتحادي قد نص على أن أي مواطن في الولايات المتحدة الأمريكية يعد صالحاً للخدمة كمحلف بشرطين هما أن يكون قد بلغ الحادية والعشرين من عمره وأن يكون قد أقام لمدة عامين في الدائرة على الأقل ويستثنى من هؤلاء الأشخاص التالية:
١) كل من أدين من محكمة في محاكم الولاية ..
٢) من لا يستطيع القراءة والكتابة والتحدث والفهم باللغة الإنجليزية.
٣) من كان غير قادر بسبب مرض جسماني أو عقلي على الخدمة كمحلف بطريقة فاعلة. (٣)
ويرى المؤيدون لنظام المحلفين أن في هذا النظام تحقيقاً لمبدء ديمقراطي في تمثيل الشعب في كافة سلطات الدولة, فليس أقرب للعدالة في رأيهم من أن يحاكم الإنسان من بين نظرائه وبمعرفتهم من سائر المواطنين الذين لا يضمرون له أي كراهية أو تحيز، ويرون أن هذا الإحساس يعطي الفرد قناعة بأنه سوف يعامل بنزاهة وعدالة, كما يرى أنصار هذا
стр. 119
المذهب أو النظام أن تجدد المحلفين باستمرار وتنوعهم يجعلهم لا يتسمون بطابع الجمود المهني الذي كثيراً ما يؤدي بالقضاء إلى الوقوع في الأخطاء؛ لأن أعظم أهداف المجتمع هو إقامة العدالة والإخاء والمساواة, ولا يتم ذلك إلا بكفالة قضاء محايد يحمي الحرية والملكية، وإذا وضعت هذه السلطة بأيدي قضاة متخصصين ومنتقين من الصفوة ويمثلون الأقلية في المجتمع فإن قراراتهم على الرغم من سلامتها الفنية ستكون منحازة بصورة غير إرادية نحو مصالح طبقتهم، ومن ثم فإن قضاء المحلفين الذين يمثلون كل طبقات المجتمع يكون أقدر على تحقيق العدالة وحماية الحرية وصيانة الملكية (١).
والحال أن نظام المحلفين وإن كان في الواقع يشكل درعاً وسياجاً منيعاً يحمي أعراض القضاة ووظائفهم من الطعن فيهم بالتعصب أو الجهل أو الانحياز لطائفة من الناس أو الطعن بالرشوة أو غير ذلك, إلا أنه يؤدي أيضاً إلى البطء في التقاضي وإلى الالتواء على أدلة الإثبات التي حددتها الشريعة الإسلامية والقوانين المستمدة منها، ومن ثم التأثير على قناعة القاضي التي يجب أن تبنى من خلال ما يعرض عليه في مجلس قضائه من أدلة ومن ثم الحكم على خلاف مقاصد الشريعة الإسلامية أو بغير الأدلة التي يجب على القاضي العمل بها، ولئن كان من أهداف نظام المحلفين هو تمثيل الشعب على الصفة القانونية الذي اختارها ذلك النظام؛ إلا أننا نجد نظام الشورى في القضاء الإسلامي الذي يستمد من قول الحق ﵎ (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) (٢) وقوله تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) (٣) وقوله ﵌: (ما تشاور قوم إلا هُدُوا لأرشد أمرهم) يؤدي نفس ذلك الغرض من المشاركة الشعبية لأهل الخير والصلاح والفضل والتقوى دونما تأثير على القاضي في إعمال الأدلة إذ الكل ملزمون بها ديانة وعقيدة وشريعة سواءً كان المشير في وزن الأدلة التي ترد إلى مجلس القضاء أو في فهم النص الواجب التطبيق, لأن الرأي الواجب الأخذ به والذي ينبغي للقاضي أن يحتاط لنفسه ولغيره ممن وضعت قضايأهم بين
стр. 120
يديه إنما هو الرأي الذي يؤخذ من الشريعة الإسلامية ويتوافق مع جزئياتها وجزئيات وكليات القانون المستمد منها لأن الله يقول: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (١) كما أن الاستشارة تثري الموضوع الذي يستشار فيه بالآراء السليمة والصحيحة وتطلع في غالب الأحوال المستشير على ما قد يغيب عن ذهنه وتوصله إلى القناعة التامة التي يكون بها قد أرضى الحق وأرضى الخلق وأقام الحق وتدفع عنه أيضاً تهمة المحاباة والعصبية والجهل، كما أنها تدفع إلى تتبع وجه الحق وتتبع الأحكام والآثار التي تقربه إلى الصواب والحق وتضيف إلى معلومات القاضي وفقهه معلومات فقهية ومعرفية لم يكن يعلمها لولا التشاور فتكون له قوة في رأيه وسبيلاً إلى نيل الظفر في الحكم بالحق.
стр. 121
المبحث الرابع
الشورى في الحرب
إن من أهم القواعد الأساسية التي يقوم عليها النظام السياسي الإسلامي هو احترام مبدء الشورى في الشؤون العامة ومن ذلك الشورى في الحرب فهي ضرورة لاستجماع الرأي، فإشراك الأمة في أمور الحرب أدعى إلى اجتماعها ووحدة الكلمة, ففي غزوة بدر الكبرى بعد أن علم النبي ﵌ خبر قريش ومسيرهم إليه ليمنعوا عيرهم استشار الناس وأخبرهم عن قريش فقام أبو بكر الصديق ﵁ فقال: وأحسن, ثم قام عمر بن الخطاب فقال: وأحسن, ثم قام المقداد بن عمر فقال: يا رسول الله امضِ إلى ما أمرك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى (فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون, فقال له رسول الله ﵌ خيراً ودعا له، ثم قال: (أشيروا علي أيها الناس) -وإنما يريد الأنصار- فقال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله فقال: أجل. قال: فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فامضِ يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إنا لصبرٌ في الحرب صدق في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله. فسُر رسول الله ﵌ بقول سعد ونشطه بذلك، ثم قال: (سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين).
وحكى ابن هشام في السيرة ما رواه ابن إسحاق في مشاورة الحباب بن المنذر في بدر رسول الله ﵌ وأخذ الرسول بذلك. قال إن الحباب بن المنذر بن الجموح قال: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا
стр. 122
نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة. قال: (بل هو الرأي والحرب والمكيدة). فقال: يا رسول الله إن هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء بالقوم فننزله ثم نغور ما وراءه من القلب ثم نبني عليه حوضاً فنملؤه ماءً ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون, فقال رسول الله ﵌: (لقد أشرت بالرأي). فنهض رسول الله ﵌ ومن معه من الناس فسار حتى أدنى ماء من القوم نزل عليه، ثم أمر بالقُلُب فغُورت وبنى حوضاً على القليب الذي نزل فملأه ماءً ثم قذفوا فيه الآنية.
ومن ذلك ما رواه ابن هشام عن ابن إسحاق في إشارة سعد بن معاذ قال يا نبي الله ألا نبني لك عريشاً تكون فيه ونعد عنك ركائبك ثم نلقى عدونا فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك حباً منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حرباً ما تخلفوا عنك يمنعك الله بهم يناصحونك ويجاهدون معك, فأثنى عليهم رسول الله ﵌ خيراً ودعا لهم بخير ثم بني لرسول الله ﵌ عريشُ فكان فيه. (١) ثم لما انتهت غزوة بدر الكبرى بانتصار المسلمين على المشركين وقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين آخرين, ولم يكن الحكم الشرعي في الأسرى قد نزل استشار النبي ﵌ أهل بدر في الأسرى فظهرت ثلاثة آراء:
الرأي الأول أن تؤخذ الفدية من الأسرى وبه قال معظم أهل بدر وفي مقدمتهم أبو بكر الصديق ﵁، فقد ذكر أصحاب السير أن رسول الله ﵌ شاور أبا بكر وعمر ﵄ في شأن أسرى بدر فقال أبو بكر: يا نبي الله هؤلاء بنو العم والعشيرة أرى أن نأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذنا منهم قوة وعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام فيكونوا لنا عضداً، وفي لفظ أرى أن تأخذ منهم الفدية فتكون لنا
стр. 123
قوة على الكفار فعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام. فقال رسول الله ﵌ لعمر بن الخطاب: (ما ترى يا ابن الخطاب؟) فقال عمر: لا والله يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبو بكر ولكن أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم فتمكن علياً من عقيل فيضرب عنقه وتمكنّي من فلان نسيباً له فأضرب عنقه فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها. (١) , أما الرأي الثاني فهو رأي عمر بن الخطاب ﵁ الذي ورد في الحديث السالف ذكره وهو عدم قبول الفدية وضرب أعناق الأسرى، ولم يوافقه أحد من أهل بدر على هذا الرأي, أما الرأي الثالث فهو رأي عبدالله بن رواحة الذي رأى أن يقتلوا الأسارى حرقاً وهذا الرأي لم يشاركه أحد من أهل بدر فيه، وقد قال ﵁ لرسول الله ﵌ أنت في واد كثير الحطب فأضرم الوادي عليهم ناراً ثم ألقهم فيه. (٢) وبعد أن استمع الرسول ﵌ إلى ما قال أبو بكر وعمر وعبدالله بن رواحة ورأى أن أكثرية الناس مالت إلى رأي أبي بكر ﵁ قال: (إن الله ليلينن قلوب الرجال حتى تكون ألين من اللبن وإن الله ليشد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة)، ولما رأى الرسول ﵌ الأغلبية أخذ الفداء مع أبي بكر الصديق ﵁ مال إليه وقال: (أنتم عالة ولم يبقين أحد إلا بفداء أو بضربة عنق). (٣)
وقد نزل القرآن في هذه الآية موافقاً لرأي عمر ﵁ وهو قوله تعالى: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ) (٤) , والذي يستفاد من الشورى في غزوة بدر هو الأمور التالية:
١)
стр. 124
أن النبي ﵌ شاور الحضور جميعاً خاصة الأنصار لأنهم خرجوا مع الرسول من ديارهم في تلك الغزوة ولم يكن بين النبي وبين الأنصار عهداً على الخروج للقتال معه, وقد جاء في بعض الروايات أن النبي ﵌ كان يخشى أن تكون الأنصار لا ترى وجوب نصرته عليها إلا مما داهمه من العدو بالمدينة فقط، ويضاف إلى ذلك أن استطلاع رأي الجمهور ووحدة كلمتهم ومعرفة آرائهم والأخذ برأي الأكثرية ضرورة لا بد منها.
٢) استجابة المهاجرين والأنصار ومشاركتهم في القتال يداً واحدة وقوة وكتلة واحدة مما يدل على عمق الإيمان، وهذا ما يرشد إلى وجوب التوحد في الرأي عند حصول أمر يكون القتال فيه ضرورة.
٣) أن الشورى وإن كانت في ميدان المعركة والقتال إلا أنها ضرورة لا بد منها، والمسائل التي دار فيها التشاور أفراداً وجماعات هي أمور ليس فيها نص شرعي لا سبيل للاجتهاد وإعمال الرأي فيه وستبقى كل هذه الأمور اجتهادية عدا الحكم في الأسرى فإن الحكم الشرعي فيه استقر على أن يخير (الإمام) رئيس الدولة أو ملكها بين القتل أو المن أو الاسترقاق ويكون بحسب الأحوال والظروف بعد الاستشارة كما فعل النبي ﵌.
٤) أن رأي الأغلبية هو الذي ينبغي أن يؤخذ به اقتداءً بالهدي النبوي.
٥) أن رأي الجند أو رأي المتخصصين في العلوم العسكرية يجب أن يؤخذ به، ولا غضاضة في ذلك أخذاً من هديه ﵌ فقد أخذ برأي الحباب بن المنذر في الموقع الذي اختاره في بدر وأشار بالرحيل منه وفي هذا إشارة لقواد الجند في أن يسمعوا ويصغوا لكل الآراء حتى يستفيدوا منها.
٦) أن رأي الأغلبية يؤخذ به في الحرب والأمور العامة تجنباً للخلاف والتنازع الذي يعرض الجند والدول للفشل، فها هو رأي الأغلبية في فداء أسرى بدر لا يوافقه القرآن ووافق رأي عمر ﵁, ولكنه مع ذلك بقي رأي الأغلبية هو الرأي الملزم، والحكمة في الأخذ برأي الأغلبية هو منع التنازع والاختلاف وفيه أيضاً سد ذريعة
стр. 125
الاستبداد وحرمان الأمة من الشورى, ولهذا فإن القرآن أجاز للمقاتلين في هذه الغزوة الانتفاع بما أخذوه من فداء حتى وإن كان اجتهاداً غير مستساغ أو غير راجح أو غير موافق للرأي السديد فأنت ترى في هذه الغزوة أن القرآن رغم معاتبتهم إلا أنه أتاح لهم الأكل والانتفاع بما أخذوه من فداء الأسرى إذا يقول الله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (١).
٧) أن التصويت مع الاختلاف في الرأي في أمر الشورى جائز، فللإنسان أن يبدي رأيه وإن خالف رأي الأكثرية, غير أن الأكثرية إذا اتخذت موقفاً سواءً في القتال أو غيرها وصوتوا عليه وجب على الجميع أن يأخذوا به وأن لا يجعلوا من ذلك ذريعة للتنازع بل يجب عليهم أن يعتصموا بحبل الله جميعاً. غير أنه يجوز في موضوع الشورى أنه إذا قام بها البعض سقطت عن البعض الآخر إذا كانوا في حكم الموافقين عليها، أي أنه يجوز النيابة في ذلك. والذي يستفاد من القصة أن النبي ﵌ وجه الخطاب العام للذين خرجوا ليعترضوا طريق القافلة يستشيرهم جميعاً, وأن الذين أشاروا على النبي ﵌ هم زعماء المهاجرين والأنصار, وأن أغلبية القوم الذين خرجوا للقتال قد سكتوا, وأن البعض لربما كان كارهاً للقتال. وكتب السيرة النبوية لم تنقل لنا غير أقوال رؤوس المهاجرين والأنصار ونفر من المجادلين ذكرهم القرآن وقد دخلوا المعركة مع رسول الله وانضموا إليه وقاتلوا معه فرضي الله عنهم أجمعين. وإن كان ليس بالضرورة أن يتكلم الثلاثمائة والثلاثة عشر مقاتلاً وهم الذين كانوا برفقته ﵌؛ إلا أنه وبلا شك أن هناك من كان يكره القتال ولكنه آثر حب الله ورسوله فكانت يده مع يد الجماعة يقاتل راضياً مختاراً بمعنوية مرتفعة، وقد دل على ما أشرنا إليه قول الحق (وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون)، ودخل النفر القليل فيما دخل فيه الأغلبية، قال تعالى: (يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إلى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ * وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) (٢)
стр. 126
وهذه الشواهد التي سقناها تؤيد بوضوح رأي من قال بأن الشورى ملزمة وليست بمعلمة وسنأتي على مزيد بيان عند حديثنا عن إلزامية الشورى في الأمور العامة.
الشورى في غزوة أحد
لقد ذكرت كتب السنة والسيرة النبوية في أخبار هذه الغزوة أخباراً متقاربة في المعاني والألفاظ، وأن زعماء اليهود والمشركين قد بذلوا جهوداً في إثارة الحمية الجاهلية لدى القرشيين للانتقام لقتلأهم يوم بدر من الرسول والمسلمين، ولتستعيد قريش مكانتها التي تزعزعت بسبب الهزيمة التي منيت بها في غزوة بدر، أضف إلى ذلك أن القرشيين كانوا يرغبون في تأمين طرق تجارتهم إلى الشام, بالإضافة إلى أنهم كانوا يحرصون على القضاء على جماعة المسلمين قبل أن تتعاظم قوتهم.
هذه أهم الأسباب والدوافع التي جعلت قريشاً تجيش جيشاً قوياً قوامه ثلاثة آلاف مقاتل من قريش وممن تابعها من قبائل كنانة وأهل تهامة ومعهم مئتا فرس, ولما كانت سياسة الرسول ﵌ تقوم على الشورى وكانت قريش قد وجهت هؤلاء الجند في العام الثالث الهجري إلى المدينة فقد استشار الرسول ﵌ الصحابة رضوان الله عليهم, وكان ﵌ يرى البقاء في المدينة وقتال المشركين فيها وقد تحصن المسلمون فيها وهي نظرة حصيفة؛ لأنه إن دخل العدو قاتله الرجال في الشوارع والأزقة ورمأهم النساء والصبيان من سطوح الحصون والمنازل ومنافذها فيكون ذلك أدعى لهزيمة العدو، وهو ما يسمى في هذا العصر بحرب الشوارع أو حرب المدن.
قال ابن إسحاق أن رسول الله ﵌ قال: فإن رأيتم أن تقيموا في المدينة وتدَعُوهم حيث نزلوا فإن أقاموا أقاموا بشر مقام، وإن هم دخلوها علينا قاتلنأهم فيها. وكان رأي عبدالله بن أبي بن سلول مع رأي رسول الله ﵌ يرى رأيه في ذلك وأن لا يخرج إليهم، وكان النبي ﵌ يكره
стр. 127
الخروج فلم يزل الناس برسول الله ﵌ الذين كان من أمرهم حب لقاء القوم حتى دخل النبي ﵌ بيته فلبس لأمته (درعه) وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة وقد مات في ذلك اليوم رجل من الأنصار يقال له مالك بن عمر أحد بني النجار فصلى عليه النبي ﵌ ثم خرج عليهم وقد ندم الناس وقالوا استكرهنا الرسول ﵌ ولم يكن لنا ذلك فلما خرج عليهم الرسول ﵌ قالوا: يا رسول الله استكرهناك ولم يكن ذلك لنا، فإن شئت فاقعد صلى الله عليك. فقال الرسول ﵌: (ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل) فخرج الرسول ﵌ في ألف من الصحابة. قال ابن هشام واستعمل ابن أم مكتوم على الصلاة. قال: ابن إسحاق حتى إذا كانوا بالشوط بين المدينة وأحد انخذل عنه عبدالله بن أبي بن سلول بثلث الناس وقال أطاعهم وعصاني ما ندري على ما نقتل أنفسنا هنا أيها الناس. فرجع بمن اتبعه من أهل النفاق والريب. قال ابن إسحاق: ومضى الرسول ﵌ حتى نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي من الجبل فجعل ظهره وعسكره إلى أحد وقال: (لا يقاتلن أحد منكم حتى نأمره بالقتال) , وقد سرّحت قريش الظهر والكراع (١) بزروع كانت بالصمغة من قناة المسلمين (٢). فقال رجل من الأنصار حين نهى النبي ﵌ عن القتال: أترعى زروع بني قيلة (٣) ولمَّا نضارب وتعبأ النبي ﵌ للقتال وهو في سبعمائة رجل وأمّر على الرماة عبدالله بن جبير أخا بني عمرو بن عوف وهو مُعلمٌ يومئذ بثياب بيض والرماة يومئذ خمسون رجلاً فقال: (انضح عنا الخيل بالنبل لا يأتون من خلفنا إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك) (٤). وجاء في رواية أخرى أن النبي ﵌ قال: (انضحوا الخيل عنا لا يأتون من ورائنا إن كانت لنا اثبتوا مكانكم لا نؤتين من قبلكم الزموا مكانكم لا تبرحوا عنه وإذا رأيتمونا نهزمهم حتى ندخل في معسكرهم فلا تبارحوا مكانكم وإن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم وإن رأيتمونا نقتل فلا تعينونا ولا تدفعوا عنا وارشقوهم بالنبل فإن الخيل لا تقدم على النبل إنا لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم اللهم إني أشهدك عليهم) , ومما يجدر ذكره أن الذي جعل النبي ﵌ يرى البقاء للقتال في المدينة ليقاتلوا فيها أنه رأى الرؤيا التي رآها وحدث بها المسلمين فقال: (إني قد رأيت والله خيراً رأيت بقراً تذبح ورأيت في ذباب سيفي ثلماً ورأيت أني أدخل يدي في درع حصينة فأولتها المدينة). (٥) وقد جاء في تفسير هذه الرؤيا أن البقر التي تذبح أنه يستشهد نفر من أصحابه ﵌ وأن سيفه يثلم أي أنه يقتل رجل من أهل بيته فكان عمه حمزة بن عبدالمطلب أسد الله وأسد رسوله، وحصل ما حصل من القتل في أصحابه ﵌ فقال بعض أصحابه منهم نعيم بن مالك بن ثعلبة وهو من بني سالم يا رسول الله لا تحرمنا الجنة فوالذي نفسي بيده لأدخلنها. (٦) وقال أبو سعد خيثمة وكان ابنه خيثمة قد استشهد في غزوة بدر لقد أخطأتني غزوة بدر وكنت والله حريصاً عليها حتى ساهمت ابني في الخروج فخرج سهمه فرزق الشهادة، وقد رأيت البارحة ابني في النوم في أحسن صورة يسرح في ثمار الجنة وأنهارها ويقول إلحق بنا ترافقنا في الجنة فقد وجدت ما وعدني ربي حقاً وقد والله يا رسول الله أصبحت مشتاقاً إلى مرافقته في الجنة فدعا له رسول الله ﵌ بذلك فقتل شهيداً (٧). وقال عبدالله بن جحش يا رسول الله إن هؤلاء القوم قد نزلوا حيث ترى وقد سألت الله فقلت اللهم إني أقسم عليك ان نلقى العدو غداً فيقتلونني ويمثلون بي فألقاك مقتولاً قد صنع بي فتقول فيما صنع بك هذا؟ فأقول: فيك.
стр. 128
وأسألك أخرى أن تلي تركتي من بعدي فقال: نعم (١). وقال حمزة بن عبدالمطلب: والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم طعماً حتى أجالدهم بسيفي خارج المدينة. (٢) وقال إياس بن أوس بن عتك نحن بني الأشهل وإنا نرجو أن نكون البقر التي تذبح. (٣) وقال النعمان بن مالك: يا رسول الله لا تحرمنا الجنة فوالذي نفسي بيده لأدخلنها والبقر المذبح من أصحابك وأنا منهم (٤).
قال الإمام البخاري في صحيحه: (وشاور النبي ﵌ أصحابه يوم أحد في المقام أو الخروج فرأوا له بالخروج، فلما لبس لأمته وعزم قالوا أقم فلم يمل إليهم بعد العزم فقال: لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يحكم الله). (٥) والذي يستفاد من قوله (فرأوا له الخروج) بصيغة الجمع هو أن الذين رأوا الخروج عامة الصحابة أو أكثرهم عبر عنهم جماعة من فضلاء الصحابة ممن فاتهم الخروج يوم بدر فلا يحمل ذلك إلا عليه فلم يبق مجال للتظنن أو الاستشكال الذي أورده بعض العلماء المعاصرين (٦) , والذي يستفاد من هذه القصة الأمور التالية:
١) أن الرسول ﵌ لم يكن ينفرد برأيه في الحرب وهو المسدد بالوحي والمعونة من الله بل كان يستشير.
٢)
стр. 129
أن الرسول ﵌ أكثر من الاستماع لرأي أصحابه في الشورى ومداولتهم ومناقشتهم المستفيضة دون كلل أو ملل.
٣) أن الرسول ﵌ نزل عن رأيه وأخذ برأي الأكثرية التي خالفت رأيه ولم يتعصب لرأيه أو يحمل الأمة عليه.
٤) أن جمهور الصحابة لما رجعوا عن رأيهم إلى رأيه لم يوافقهم ﵌ في رجوعهم إلى رأيه, وهذا يعني أن الحاكم لا يجوز له أن يتبع هواه فإذا خرج الأكثرية برأي كان على ولي الأمة أن يتبناه ولا يناور في محاولة تغيير رأي الآخرين إلى رأيه، يؤيد هذا قوله تعالى: (وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله) والعزم هنا مشاورة الناس واتباع رأي الأغلبية، روى ابن مردويه عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: سئل رسول الله ﵌ عن العزم في قوله تعإلى: (َإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) قال: (مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم) (١). ويستفاد من القصة أيضاً أن رأي الرسول في البقاء في المدينة لم يكن خطأ ولا باطلاً وأن رأي الصحابة أيضاً لم يكن فيه مجانبة للصواب, يدل على ذلك أنهم أحرزوا نصراً في أول المعركة وبدايتها وكادوا يكسبون الجولة التامة وأن قوى الشرك بدأت تتدهور وتتقهقر ولكن مخالفة الرماة للنبي ﵌ حيث أنهم لم يبقوا في الجبل واجتهادهم الخاطئ بالنزول لإمساك الغنائم قبل فواتها هو الذي أدى إلى قلب المعركة رأساً على عقب لأنه اجتهاد في مقابلة نص، ولأن فيه مخالفة لأوامر الرسول ﵌ الذي أمرهم بالبقاء وعدم التحرك والخروج عن طاعة ولي الأمر وعن طاعة الرسول ﵌ كان سبباً رئيساً في حصول تقهقر المسلمين والقرآن على ذلك شاهد. وفي ذلك يقول الحق
(وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ
стр. 130
صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ * إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إلى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) (١).
وهذه النصوص تكشف بجلاء أسباب ما وقع فيه المسلمون من خطأ ولكن الحق أمر رسوله ﵌ أن يعفو عن المؤمنين وأن يستغفر لهم وأن يشاورهم في الأمر إذ يقول جل وعلا: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (٢) فلم يجعل القرآن المجيد حصول بعض المخالفات أو نزول فاجعة أليمة مسوغاً لاعتزال الشورى مستقبلاً بل جاءت هذه الآيات من عند الله لتثبت العمل الشوروي وترسخه بصفة الأمر الذي تفيد الوجوب في معظم أحواله، فالرسول وهو النبي المعصوم يؤمر بالتشاور وهذا الموقف من رسول الله ﵌ دليل قوي على أن الشورى للحاكم والأمير ملزمة في مثل هذه الأحوال وأنه لا مناص من الأخذ بها إذا ما أراد الحاكم أن يقتدي بهدي النبي الكريم ﵌ ففي ذلك الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة.
стр. 131
الشورى في غزوة الأحزاب وحفر الخندق
لقد حكت كتب السير أن اليهود لما رأوا انتصار المسلمين يوم أحد خرج بعض أشرافهم إلى قريش يحرضونهم على غزو الرسول ﵌, قال ابن هشام أنها كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس وأنه كان من حديث الخندق أن نفراً من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري وحيي بن أخطب النضري وكنانة بن أبي الحقيق النضري وهوذة بن قيس الوائلي وأبو عمار الوائلي في نفر من بني النضير ونفر من بني وائل وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله ﵌ خرجوا حتى قدموا على قريش مكة فدعوهم إلى حرب رسول الله ﵌ وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله فقالت لهم قريش: يا معشر يهود إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد فديننا خير أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين أنزل الله فيهم (أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا * أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا * أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَأهم اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَأهم مُلْكًا عَظِيمًا * فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا) (١) قال ابن هشام: فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله ﵌ فاجتمعوا لذلك واتحدوا له, ثم خرج ذلك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان من قيس عيلان فدعوهم إلى حرب الرسول ﵌ وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه وأن قريشاً قد تابعوهم على ذلك فاجتمعوا معهم فيه.
стр. 132
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة والحارث بن عوف بن أبي حارثة المري في بني مرة ومسعر بن رخيله بن نويرة بن طريف بن شحمة بن عبدالله بن هلال بن خلاوة فيمن تابعه من قومه من أشجع. قال ابن هشام فلما سمع بهم رسول الله ﵌ وما أجمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة (١) , وقال ابن هشام أن سلمان الفارسي كان قد أشار على النبي ﵌ به قال حدثني أهل العلم أن المهاجرين يوم الخندق قالوا سلمان منا وقالت الأنصار سلمان منا فقال رسول الله ﵌: (سلمان منا أهل البيت) (٢)، وجاء في بعض كتب السير أنه: لما سمع النبي ﵌ بزحفهم إلى المدينة وتحزب الأحزاب لقتال المسلمين استشار أصحابه أيقيمون في المدينة أم يخرجوا للقاء العدو، وهناك أشار سلمان الفارسي ﵁ بضرب الخندق وكانت خطة حربية متبعة عند الفرس، قال سلمان يا رسول الله إنا كنا بأرض فارس إذا تخوفنا الخيل خندقنا علينا فهل لك يا رسول الله أن نخندق؟ فأعجب رسول الله ﵌ رأي سلمان فأخذ برأيه, فجعل جبل السلع خلف ظهره وخط لهم مكان الخندق وعمل معه المسلمون فدأب فيه ودأبوا وكان البرد شديداً ولا يجدون من القوت إلا ما يسد الرمق وقد لا يجدونه، ويقول أبو طلحة شكوت إلى رسول الله ﵌ الجوع ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر فرفع النبي ﵌ عن بطنه حجرين، ويقول أنس ﵁ خرج النبي ﵌ إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة ولم يكن لهم عبيد يعملون لهم ذلك فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال:
اللهم إن الأجر أجر الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة
فقالوا مجيبون له نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما بقينا أبدا. (٣)
стр. 133
الشورى في تفريق الأحزاب
بعد أن اشتدت الأمور على المسلمين في غزوة الأحزاب واستشار النبي ﵌ بعض أصحابه في تخذيل المسلمين وتفكيك جموع الأحزاب المهاجمين للمدينة فبعث إلى عيينة بن حصن والحارث بن عوف المري وهما قائدا غطفان وساومهما على أن يأخذا ثلث ثمار المدينة ويرجعا بمن معهما، ولكن الرسول ﵌ ما كان ليبرم الأمر في أمر لم ينزل فيه وحي حتى يستشير فيه فأرسل إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وهما سيدا الأوس والخزرج فقالا: يا رسول الله أمر تحبه فنصنعه أم شيئ أمرك الله به لا بد لنا من العمل به أم شيئ تصنعه لنا فقال ﵌: (بل شيئٌ أصنعه لكم والله ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة كالبوكم من كل جانب فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم إلى أمر ما) فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله قد كنا وهؤلاء على الشرك بالله وعبادة الأصنام لا نعبد الله ولا نعرفه وهم لا يطمعون أن يأكلوا منا تمرة واحدة إلا قِراً أوبيعاً, أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وعزنا بك نعطيهم أموالاً ما لنا بهذا من حاجة والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم فقال النبي ﵌: (فأنت وذاك) , فتناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب (١). ويظهر هنا أن الشورى زادت المؤمنين صلابة وقوة وأن الرسول ﵌ لم يحمل أصحابه على رأيه بل نزل صلوات الله وسلامه عليه إلى رأي الصحابيين الجليلين سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، وفي ذلك عظة وعبرة لقادة المسلمين في كل زمان ومكان، ويستفاد من قصة غزوة الأحزاب وثبات المسلمين فيها وإنزال النصر عليهم وإرسال الله جنوداً لم يروها وجَعْلِ كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا الأمور التالية:
١) أن المسلمين اعتصموا بحبل الله جميعاً.
٢) أن الرسول ﵌ لم ينفرد برأيه دون مشاورة أصحابه فقد استشارهم في مكان القتال فاتفقوا على البقاء في المدينة والدفاع عنها أمام جموع الكفر وأحزابه من عرب ويهود.
٣)
стр. 134
أن النبي ﵌ قد أخذ هو وأصحابه بما أشار به سلمان الفارسي ﵁ وحفر الخندق في الجهة الشمالية للمدينة كونها جهة مفتوحة وقد فطن سلمان إلى أمر عسكري فأشار به على رسول الله ﵌ فأخذ الرسول به, وقسم الرسول ﵌ الخندق بين أصحابه لكل عشرة منهم أربعون ذراعاً حيث بلغ طول الخندق حوالي خمسة آلاف ذراع وعمقه سبعة أذرع إلى عشرة والعرض من تسعة إلى ما فوقها وقد كان حفره من شمال المدينة الشرقي إلى غربها، وكان حده الشرقي طرف حرة واقم، وحده الغربي غربي وادي بطحان حيث طرف الحرة الغربية. (١)
٤) يستفاد من القصة أيضاً ضرورة الأخذ بآراء أهل الإختصاص من أهل الخبرة فقد أخذ الرسول ﵌ برأي أهل الخبرة العسكرية الدفاعية والهجومية لغير المسلمين التي أخبره بها سلمان الفارسي وذلك مما ينبغي أن يستفيد منه القادة فليس الأمر مقصوراً على تلك الواقعة فلكل زمن واقعه وآليته التي يجب أن تراعى.
٥) الاستشارة في الأسباب التي من شأنها أن تمزق جبهة العدو وتحدث تصدعاً فيها فهو أمر مستحسن عند الضرورة والقتال، فقد روي عن النبي ﵌ أن (الحرب خدعة) (٢).
٦) يستفاد من قصة وسؤال السعدين للنبي ﵌ أن موضوع الشورى إنما هو أمر اجتهادي (أمر تحبه فنصنعه أم شيئ أمرك الله به لا بد لنا من العمل به أم شيئ تصنعه لنا)، ويستفاد من ذلك أن السعدين قد فهما من هديه ﵌ أن موضوع الشورى إنما يكون في أمر اجتهادي وإلا لما سئل رسول الله ﵌ فالأمور الإجتهادية احتمال الخطأ فيها وارد, وأن الشورى لا تقع
стр. 135
فيما فيه نص, أي أنه لا بد أن يقع محل الشورى خارج إطار النص الشرعي وليس مضاداً له ولا معاكساً، فإنه لو كان أمراً من عند الله لما كان هناك من موجب للتشاور, لأن الله يقول: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) (١).
٧) أن مخالفة ولي الأمر في الأمور الإجتهادية عند الاستشارة في الرأي لا ضير منه, لأن المستشار يجب أن يقول رأيه بكل أمانة وصدق, فالمستشار مؤتمن وقد أشار السعدان بما رأيا فيه مصلحة فأخذ الرسول ﵌ به.
٨) أن تنازل الرسول ﵌ عن رأيه وأخذه برأي السعدين ومحو الصحيفة يدل دلالة واضحة أن الشورى في الأمور الاجتهادية ملزمة وليست معلمة.
٩) أن محو ما في الصحيفة من قبل سعد بن معاذ ﵁ وإقراره صلوات الله وسلامه عليه على ذلك يدل على أن رئيس الدولة أو الخليفة أو الملك ليس له أن ينفرد برأيه ويصدر قرارات في أمور تتعلق بمصير الأمة وأموالها ومستقبلها دون مشاورة، وقد قال الشيخ محمود شلتوت ﵀: وهذه الحادثة تضع تقليداً دستورياً هاماً, وهو أن الحاكم ولو كان رسولاً معصوماً يجب عليه أن لا يستبد بأمر المسلمين وأن لا يقطع دون رأيهم في شيء هام وأن لا يعقد معاهدة تلزم المسلمين بأي التزام دون مشاورتهم وأخذ آرائهم فإن فعل كان للأمة حق إلغاء كل ما استبد به من دونهم وتمزيق كل معاهدة لم يكن لهم فيها رأي. (٢) قلت والحكمة في ذلك أن المعاهدات ربما اشتملت على أمر فيه ضرر يلحق بالأفراد فكان لا بد لإبرامها من موافقة نواب الشعب وأهل الشورى والاختصاص، ولا مشاحة في أن المصادقة على الاتفاقات والمعاهدات وعقد الإتفاقيات مناط بولي الأمر كما هو الحال في السيرة النبوية غير أن تفرد ولي الأمر دون مشاورة في ذلك هو محط الإشكال.
стр. 136
وفي النظم الحديثة لا تكاد الدساتير تختلف على أداء هذه الصلاحية ولي الأمر (رئيس الدولة أو الملك) وقد صرح دستور الجمهورية اليمنية بالمادة (١١٩) فقرة ١٢ (بأن لرئيس الجمهورية إصدار قرار المصادقة على المعاهدات والإتفاقيات التي يوافق عليها مجلس النواب) وأفصحت الفقرة (١٣) من ذات المادة سالفة البيان بأن من مهام رئيس الدولة المصادقة على الإتفاقيات التي لا تحتاج إلى تصديق مجلس النواب بعد موافقة مجلس الوزراء.
وقد أنشئ في الجمهورية اليمنية مجلس للشورى نص الدستور اليمني بأنه يجب أن ينشأ بقرار من رئيس الجمهورية مجلس شورى من ذوي الخبرات والكفاءات وذوي الرأي والشخصيات الاجتماعية لتوسيع قاعدة المشاركة في الرأي وقد أسند إليه الدستور بمقتضى المادة (١٢٥) تقديم الدراسات والمقترحات التي تساعد الدولة على رسم إستراتيجيتها التنموية وإبداء الرأي والمشورة في المواضيع الأساسية التي يرى رئيس الجمهورية عرضها على المجلس وتقديم الرأي والمشورة بما يسهم في رسم الإستراتيجية الوطنية والقومية للدولة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والأمنية لتحقيق أهدافها على المستويين الوطني والقومي كما هو صريح الفقرة (ج) من المادة (٢٥) من الدستور اليمني, وهذا يعني أنه لا بد من التشاور في الأمور العسكرية والأمنية, كما أناط الدستور به أيضاً إبداء الرأي والمشورة في السياسات والخطط والبرامج المتعلقة بالإصلاح الإداري لتحديث أجهزة الدولة وتحسين الأداء, والاشتراك مع مجلس النواب لتزكية المرشحين لمنصب رئيس الجمهورية والمصادقة على خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية والمعاهدات والاتفاقيات المتعلقة بالدفاع والتحالف والصلح والسلم والحدود والتشاور فيما يرى رئيس الجمهورية عرضه من قضايا عند الاجتماع المشترك، وهذا يعني أن الاتفاقات الهامة موقوف نفاذها على موافقة مجلس الشورى والنواب. ويدرك الإنسان المتتبع للسيرة النبوية بأن التشريعات الوضعية قد كانت مسبوقة بالهدي النبوي الذي استفاد منه المشرعون في مختلف البلدان, وذلك ليس حصراً على نظام دون نظام سواء كان شكل النظام جمهورياً أو ملكياً, فنحن نجد أن مجالس الشورى والنواب والبرلمانات موجودة في الدولة الحديثة في شكلها وقالبها
стр. 137
الحديث سواءً كان شكل النظام جمهورياً أو ملكياً في البلدان العربية والإسلامية, فتجد تلك المجالس موجودة في المملكة العربية السعودية وفي دولة الإمارات وفي المملكة الأردنية الهاشمية وفي جمهورية مصر العربية وفي مختلف بلدان العالم وإن اختلفت مسميات هذه المجالس فإن مؤداها واحد، ومن هذا يتضح أنه لا يوجد في الأنظمة المعاصرة دولة تترك لرأس الدولة العنان يتصرف دونما ضوابط أو شروط ودونما مشاركة في الرأي, إذ يستحيل إدارة الدولة بكل سلطاتها التنفيذية والقضائية والتشريعية من شخص واحد أو دونما مشاركة في الرأي من قبل آخرين، وبهذا ندرك أن مبدء المشاركة والشورى الذي جاءت به الشريعة الإسلامية هو مبدؤ أصيل تأخذ به جل دول العالم بنسب متفاوتة، وأن المسلمين كانوا سباقين إليها، وفي ذلك يقول الشيخ محمد الغزالي: لقد تعلم المسلمون من دينهم أن طغيان الفرد في أمة ما جريمة غليظة وأن الحاكم لا يستمد بقاءه المشروع ولا يستحق ذرة من التأييد إلا إذا كان معبراً عن روح الجماعة ومستقيماً مع أهدافها، ومن ثم فالأمة وحدها هي مصدر السلطات, والنزول عند إرادتها فريضة والخروج على رأيها تمرد، ونصوص الدين وتجارب الحياة تتضافر كلها على توكيد ذلك. (١)
أما الأستاذ العالم الفاضل الشهيد عبدالقادر عودة فإنه يقول: أما النظام الإسلامي فيقوم على الشورى والتعاون والتجرد في مرحلة الاستشارة وعلى السمع والطاعة والثقة في مرحلة التنفيذ. (٢)
стр. 138
الشورى في غزوة الحديبية
لقد كان الرسول ﵌ حريصاً على مشاورة أصحابه حرباً وسلماً, وقد قال ابن عباس ﵄ لما نزل قول الله (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) قال رسول الله ﵌: (أما إن الله ورسوله لغنيان عنها ولكن جعلها الله رحمة لأمتي فمن شاور منهم لم يعدم رشداً ومن ترك المشورة منهم لم يعدم عناءً) (١) فقد كانت ديدن الرسول ومبدؤه، والقاعدة التي يسير عليها فيما لم يكن فيه وحيٌ من عند الله فقد خرج الرسول ﵌ يريد العمرة في شهر ذي القعدة من السنة السادسة من الهجرة وقد استعمل غيلة بن عبدالله الليثي على المدينة وخرج بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق به من العرب وساق معه الهدي وأحرم بالعمرة ليأمن الناس من حربه وليعلم الناس أنه إنما خرج زائراً لهذا البيت ومعظماً له وفي السيرة النبوية لابن هشام أن رسول الله ﵌ خرج عام الحديبية يريد زيارة البيت لا يريد قتال وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل فكانت كل بدنة عن عشرة نفر، وكان جابر بن عبدالله فيما بلغنا يقول كنا أصحاب الحديبية أربعة عشر مائة حتى إذا كان الرسول ﵌ بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي فقال: يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك قد خرجوا معهم العوذ المطافيل (٢) قد لبسوا جلود النمور وقد نزلوا بذي طوى (٣) يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبداً، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموها إلى كراع الغميم (٤).
стр. 139
وجاء في صحيح البخاري أنه خرج النبي ﵌ عام الحديبية في بضع عشر مائة من أصحابه فلما أتى ذي الحليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة وبعث عيناً له من خزاعة وسار النبي ﵌ حتى إذا كان بغدير الأشطاط أتاه عينه وقال: إن قريشاً جمعوا لك جموعاً، وقد جمعوا لك الأحابيش وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت وما نعوك. فقال النبي ﵌: (أشيروا أيها الناس علي أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت فإن يأتونا كان الله قد قطع عيناً من المشركين وإلا تركنأهم محروبين. قال أبو بكر: يا رسول الله خرجت عامداً لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه. قال: امضوا على اسم الله). (١).
وقد أورد أصحاب السير وكتب الحديث قصة مسير عثمان ﵁ إلى مكة بعد أن أشار على رسول الله ﵌ بذلك عمر ﵁ عند اعتذاره بالذهاب إلى مكة وحدوث إشاعة مقتل عثمان ﵁ وحصول بيعة الرضوان والصلح الذي تم في الحديبية وما كتب فيه (٢)، ونقل الإمام ابن القيم في زاد المعاد أنه لما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﵌ لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا. قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قالها ثلاث مرات. فلما لم يقم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس. فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بُدَنَكَ وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك فنحر بُدْنَه ودعا حالقه فحلقه فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضاً حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً. (٣)
стр. 140
ويستفاد مما روت كتب الحديث والسيرة النبوية في هذه القصة:
١) أن الرسول ﵌ قد استشار أصحابه, وأنه أخذ برأي أبي بكر الصديق ﵁ وأنه ﵌ بعد أن بعث عثمان ﵁ إلى مكة وحصلت بيعة الرضوان مال إلى الصلح.
٢) وأن عثمان ﵁ ذهب إلى مكة بناءً على مشورة عمر ﵁ حيث كان النبي ﵌ يريد أن يبتعثه إلى قريش فاعتذر فعذره النبي ﵌ وأخذ بمشورته في بعثه لعثمان.
٣) يستفاد من اعتذار عمر ﵁ في الذهاب إلى مكة عدم رفضه لأمر النبي ﵌ وإنما أبدى وجهة نظر مشفوعة بأدلة مقنعة هو جواز إبداء الرأي في مثل هذه الحال بحرية تامة، وأنه لا ضرر من الإختلاف في وجهات النظر، وأنه لا عيب في أخذ ولي الأمر برأي من خالفه إذا كان في ذلك مصلحة بل هو مشروع غير مذموم.
٤) استشارة الرسول ﵌ لأم سلمة وأخذه برأيها, ويستفاد من هذا أن المرأة إذا كانت ذات رأي حسن فإنه يأخذ برأيها, فقد أخذ الرسول ﵌ بمشورة أم سلمة ﵂ لصواب رأيها في أمر عام.
٥) أن أمر الهدنة والمصالحة التي تمت لم يكن اجتهادياً وإنما هي تطبيق لأمر جاء من عند الله، فقد حاور عمر ﵁ الرسول ﵌ بشأن الصلح وكان معارضاً, ولكن الأمر لما كان متعلقاً بالوحي وليس أمراً اجتهادياً فقد مضى الرسول فيه وهو يقول: يا ابن الخطاب إني رسول الله وهو ناصري ولست أعصيه. وفي رواية مسلم فانطلق عمر ولم يصبر متغيظاً فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر ألسنا على الحق وهم على باطل. قال: بلى. قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلأهم في النار. قال: بلى. قال: فعلام نعطى الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم. فقال: يا ابن الخطاب إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبداً. قال: فنزل
стр. 141
القرآن على رسول الله ﵌ بالفتح فأرسل إلى عمر فأقرأه إياه. فقال: يا رسول الله أو فتح هو. قال: نعم. فطابت نفسه ورجع. (١)
وقد خصص الإمام ابن القيم في زاد المعاد فصل في بعض ما في قصة الحديبية من الفوائد الفقهية نلخص منها ونختار الأمور التالية:
أ- أن أمير الجيش ينبغي له أن يبعث العيون أمامه نحو العدو.
ب- أن الاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد جائزة عند الحاجة لأن العين الذي أرسله النبي ﵌ الخزاعي كان كافراً إذ ذاك وفيه من المصلحة أنه أقرب إلى اختلاطه بالعدو وأخذه أخبارهم.
ج- استحباب مشورة الإمام رعيته وجيشه استخراجاً لوجه الرأي واستطابة لنفوسهم وأمناً لعتبهم وتعرفاً لمصلحة يختص بعلمها بعضهم دون بعض وامتثالاً لأمر الرب في قوله تعالى (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) وقد مدح عباده بقوله (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ).
د- جواز ابتداء الإمام بطلب صلح العدو إذا رأى مصلحة للمسلمين فيه ولا يتوقف ذلك على أن يكون ابتداءً الطلب منهم.
هـ- أن مصالحة المشركين ببعض ما فيه ضيم على المسلمين جائزة للمصلحة الراجحة ودفع ما هو شر منه، ففيه دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناها.
و أن الأصل مشاركة أمته له في الأحكام، إلا ما خصه الدليل ولذلك قالت أم سلمة: اخرج ولا تكلم أحداً حتى تنحر هديك وتحلق رأسك، وعلمت أن الناس سيتابعونه، فإن قيل كيف فعلوا ذلك اقتداءً بفعله ولم يتمثلوه حين أمرهم به قيل هذا هو السبب الذي لأجله ظن من ظن أنهم أخروا الإمتثال طمعاً في النسخ فلما فعل النبي ﵌ ذلك علموا حينئذ أنه حكم مستقر غير منسوخ, وقد تقدم فساد هذا الظن، ولكن لما تغيظ عليهم وخرج ولم يكلمهم
стр. 142
وأرأهم أنه بادر إلى امتثال ما أُمر به وأنه لم يؤخر كتأخيرهم وأن اتباعهم له وطاعتهم له يوجب اقتدائهم به بادروا حينئذ إلى الاقتداء به وامتثال أمره.
ز- جواز صلح الكفار على رد من جاء منهم إلى المسلمين وأن لا يرد من ذهب من المسلمين إليهم من غير النساء، وأما النساء فلا يجوز اشتراط ردهن إلى الكفار وهذا موضع النسخ خاصة في هذا العقد بنص القرآن ولا سبيل إلى دعوى النسخ من غيره بغير موجب.
ح- أن رد من جاء من الكفار إلى الإمام لا يتناول من خرج منهم مسلماً إلى غير بلد الإمام وأنه إذا جاء إلى بلد الإمام لا يجب عليه رده بدون الطلب فإن النبي ﵌ لم يرد أبا بصير حين جاءه ولا أكرهه على الرجوع ولكن لما جاءوا في طلبه مكنهم من أخذه ولم يكرهه على الرجوع.
ط- أن المعاهدين إذا تسلموه وتمكنوا منه فقتل أحداً منهم لم يُضَمّنه بدية ولا قود ولم يضمنه الإمام بل يكون حكمه في ذلك حكم قتله لهم في ديارهم حيث لا حكم للإمام عليهم فإن أبا بصير قتل أحد الرجلين المعاهدين بذي الحليفة وهي من حكم المدينة ولكن كانوا قد تسلموه وفصل عن يد الإمام وحكمه.
ي- أن المعاهدين إذا عاهدوا الإمام فخرجت منهم طائفة فحاربتهم وغنمت أموالهم ولم يتحيزوا إلى الإمام لم يجب على الإمام دفعهم عنهم ومنعهم منهم سواءً دخلوا في عقد الإمام وعهده ودينه أو لم يدخلوا, والعهد الذي كان بين النبي ﵌ وبين المشركين لم يكن عهداً بين أبي بصير وأصحابه وبينهم وعلى هذا فإذا كان بين بعض ملوك المسلمين، وبعض أهل الذمة من النصارى وغيرهم عهد جاز لملك آخر من ملوك المسلمين أن يغزوهم ويغنم أموالهم إذا لم يكن بينه وبينهم عهد كما أفتى به شيخ الإسلام في نصارى ملطية وسبيهم مستدلاً بقصة أبي بصير مع المشركين. (١)
стр. 143
الشورى في الفتح الأعظم
إن فتح مكة يعتبر من أعظم الفتوحات بركة, فقد أعز الله به دينه ورسوله ودخل الناس به في دين الله أفواجاً وأشرق به وجه الأرض ضياءً وابتهاجاً, وقد هيأ الله لذلك أسباباً حيث كان قد تقرر في صلح الحديبية أنه من أراد أن يدخل في عقد النبي ﵌ دخل ومن أحب أن يدخل في عهد قريش دخل, فدخلت بنو بكر في عهد قريش وعقدهم، ودخلت خزاعة في عقد النبي ﵌ وعهده (١) , وكان بين خزاعة وبكر ترة قديمة وعداوة متوارثة ولما كانت الهدنة قد أدخلت القبيلتين في عسكرين متحاربين أراد بنو بكر أن ينتهزوا هذه الفرصة ليصيبوا من خزاعة الثأر القديم فبيت نفر من بني بكر لخزاعة وهم على ماء لهم فأصابوا منهم رجلاً وتناوشوا واقتتلوا وأعانت قريش بني بكر بالسلاح وقاتل معهم أشراف من قريش مستخفين ليلاً حتى حازوا خزاعة إلى الحرم فلما انتهوا إليه قالت بنو بكر لبعض رجالهم إنا قد دخلنا الحرم الهك الهك فقال: كلمة عظيمة لا إله له اليوم يا بني بكر أصيبوا ثأركم فلعمري أنكم تسرقون في الحرم فلا تجدون هذه الفرصة بعد ذلك (٢) , وخرج عمرو بن سالم الخزاعي وقدم على الرسول ﵌ المدينة فوقف عليه وهو واقف في المسجد بين ظهراني أصحابه فقال:
يا رب إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا
قد كنتم ولداً وكنا والداً ... ثمت أسلمنا ولم ننزع يدا
فانصر هداك الله نصراً أبدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجردا ... أبيض مثل البدر يسمو صعدا
إن سيم خسفاً وجهه تربّدا ... في فيلق كالبحر يجري مزبدا
إن قريشاً أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكدا
وجعلوا لي في كداء رصدا ... وزعموا أن لست أدعوا أحدا
وهم أذل وأقل عددا ... هم بيتونا بالوتير هجدا
وقتلونا ركعاً وسجدا
стр. 144
يقول قتلنا وقد أسلمنا. فقال النبي ﵌: نصرت يا عمرو بن سالم (١)، وقد أورد أصحاب السير مجيء أبي سفيان إلى المدينة وتجهيز الرسول ﵌ أصحابه وإعداد عدته لغزو قريش وأنه استكتم الناس.
وقد نقل قصة تشاوره ﵌ في غزوة الفتح مع أصحابه كما ذكر الدكتور محمد عبدالقادر أبو فارس نقلاً عن المصنّف لابن أبي شيبة حيث قال: أنها قد غدرت قريش وبنو بكر بحلفاء الرسول ﵌ خزاعة وجاء أبو سفيان بعد ذلك ليجدد العقد والعهد والتقى الرسول ﵌ وأبا بكر وعمر ﵄ في شأن الموقف من قريش ليجدد العقد والعهد، واستشار الرسول ﵌ أبا بكر وعمر ﵄ في شأن الموقف من قريش وقد نقضوا العهد فقال: عمر بن الخطاب ﵁ يا رسول الله هم رأس الكفر هم الذين زعموا أنك ساحر وأنك كاهن وأنك كاذب وأنك مفتر ولم يدع شيئاً مما كان أهل مكة يقولونه إلا ذكره، وأيم الله لا تذل العرب حتى تذل أهل مكة. (٢)
ومما لا شك فيه أن الرسول ﵌ كان ديدنه المشاورة خاصة في الأمور التي لا نص فيها وقد كان الفتح الأعظم لمكة المكرمة صبح يوم الجمعة لعشرين خلت من شهر رمضان سنة ثمان من الهجرة (٣) وكان بعد غزوة أحد وقد نزل قول الحق (وشاورهم في الأمر) وقد أعد العدة صلوات الله عليه وأخذ الجيش طريقه بصمت والتقى الرسول ﵌ عمه العباس وقد كان في طريقه للهجرة واستبقى النبي ﵌ عمه العباس معه وأرسل أهله إلى المدينة ولم يخبر الناس ﵌ بتوجهه إلى مكة إلا بعد أن تجاوز الرسول ﵌ حرتي المدينة وفي الطريق أيضاً التقى بأبي سفيان بالقرب من مكة.
стр. 145
أما قصة حاطب بن أبي بلتعة فقد كانت والرسول ﵌ لا يزال في المدينة والقصة مشهورة فلا حاجة إلى إيرادها هنا ويكفي الإشارة إليها بما يفهم منه أن الرسول ﵌ قد أعلم أهل بدر من المهاجرين والأنصار على خطته في الذهاب إلى مكة وما أجمع عليه الرأي من المسير إلى مكة، ولهذا نزل الوحي من السماء ينهى عن خيانة الله ورسوله وابتعث الرسول علياً والمقداد ﵄ لتفتيش المرأة التي ابتعثها حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش برسالة فيها إفشاء لسر النبي ﵌ وما عزم عليه وأصحابه من غزو مكة عنوة، وقد كان من كرمه ﵌ أن عفى عن أهل مكة بعد أن أسلم أبو سفيان وهو على مقربة من مكة، وجعل النبي ﵌ له مزية وهو أن من دخل دار أبي سفيان كان آمن ومن أغلق داره فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن.
ويستفاد من فتح مكة العظيم أمور كثيرة ومنها:
الشورى على ما ذكره الدكتور أبو فارس نقلاً عن المصنّف لابن أبي شيبة وهو أن الرسول ﵌ استشار أبا بكر وعمر ﵄ في شأن الموقف وذلك لأنهما كانا وزيريه، ولأن سنة الرسول ﵌ هو عدم الانفراد بالقرارات العسكرية المصيرية, بل دأبه أن يستشير أصحابه وأن يستمع إلى أقوالهم وأن يستفيد منها إلتزاماً بقول الله تعالى (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) , ومما لا شك فيه أن فتح مكة كان مما وعد الله به رسوله، ويستفاد من هذه الغزوة وهذا الفتح العظيم الأمور التالية:
١) وجوب الاحتفاظ بالأسرار العسكرية خاصة في الأمور الهامة والاستعانة بالكتمان واتخاذ أسلوب الهجوم والمباغتة في الحرب بعد الاستشارة إذا لم يكن العدو معاهداً إلا إذا نقض العهد.
٢) استشارة أهل الفضل والصلاح والتخصص والاستقامة والرأي.
٣) العفو عند حصول القدرة لما ثبت في القصة أن الرسول ﵌ قال لقريش بعد أن دخل الكعبة وهدم الأصنام فخطب الناس وذكر الله وقال: (يا معشر