القرآن على رسول الله ﵌ بالفتح فأرسل إلى عمر فأقرأه إياه. فقال: يا رسول الله أو فتح هو. قال: نعم. فطابت نفسه ورجع. (١)
وقد خصص الإمام ابن القيم في زاد المعاد فصل في بعض ما في قصة الحديبية من الفوائد الفقهية نلخص منها ونختار الأمور التالية:
أ- أن أمير الجيش ينبغي له أن يبعث العيون أمامه نحو العدو.
ب- أن الاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد جائزة عند الحاجة لأن العين الذي أرسله النبي ﵌ الخزاعي كان كافراً إذ ذاك وفيه من المصلحة أنه أقرب إلى اختلاطه بالعدو وأخذه أخبارهم.
ج- استحباب مشورة الإمام رعيته وجيشه استخراجاً لوجه الرأي واستطابة لنفوسهم وأمناً لعتبهم وتعرفاً لمصلحة يختص بعلمها بعضهم دون بعض وامتثالاً لأمر الرب في قوله تعالى (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) وقد مدح عباده بقوله (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ).
د- جواز ابتداء الإمام بطلب صلح العدو إذا رأى مصلحة للمسلمين فيه ولا يتوقف ذلك على أن يكون ابتداءً الطلب منهم.
هـ- أن مصالحة المشركين ببعض ما فيه ضيم على المسلمين جائزة للمصلحة الراجحة ودفع ما هو شر منه، ففيه دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناها.
و أن الأصل مشاركة أمته له في الأحكام، إلا ما خصه الدليل ولذلك قالت أم سلمة: اخرج ولا تكلم أحداً حتى تنحر هديك وتحلق رأسك، وعلمت أن الناس سيتابعونه، فإن قيل كيف فعلوا ذلك اقتداءً بفعله ولم يتمثلوه حين أمرهم به قيل هذا هو السبب الذي لأجله ظن من ظن أنهم أخروا الإمتثال طمعاً في النسخ فلما فعل النبي ﵌ ذلك علموا حينئذ أنه حكم مستقر غير منسوخ, وقد تقدم فساد هذا الظن، ولكن لما تغيظ عليهم وخرج ولم يكلمهم
стр. 142
وأرأهم أنه بادر إلى امتثال ما أُمر به وأنه لم يؤخر كتأخيرهم وأن اتباعهم له وطاعتهم له يوجب اقتدائهم به بادروا حينئذ إلى الاقتداء به وامتثال أمره.
ز- جواز صلح الكفار على رد من جاء منهم إلى المسلمين وأن لا يرد من ذهب من المسلمين إليهم من غير النساء، وأما النساء فلا يجوز اشتراط ردهن إلى الكفار وهذا موضع النسخ خاصة في هذا العقد بنص القرآن ولا سبيل إلى دعوى النسخ من غيره بغير موجب.
ح- أن رد من جاء من الكفار إلى الإمام لا يتناول من خرج منهم مسلماً إلى غير بلد الإمام وأنه إذا جاء إلى بلد الإمام لا يجب عليه رده بدون الطلب فإن النبي ﵌ لم يرد أبا بصير حين جاءه ولا أكرهه على الرجوع ولكن لما جاءوا في طلبه مكنهم من أخذه ولم يكرهه على الرجوع.
ط- أن المعاهدين إذا تسلموه وتمكنوا منه فقتل أحداً منهم لم يُضَمّنه بدية ولا قود ولم يضمنه الإمام بل يكون حكمه في ذلك حكم قتله لهم في ديارهم حيث لا حكم للإمام عليهم فإن أبا بصير قتل أحد الرجلين المعاهدين بذي الحليفة وهي من حكم المدينة ولكن كانوا قد تسلموه وفصل عن يد الإمام وحكمه.
ي- أن المعاهدين إذا عاهدوا الإمام فخرجت منهم طائفة فحاربتهم وغنمت أموالهم ولم يتحيزوا إلى الإمام لم يجب على الإمام دفعهم عنهم ومنعهم منهم سواءً دخلوا في عقد الإمام وعهده ودينه أو لم يدخلوا, والعهد الذي كان بين النبي ﵌ وبين المشركين لم يكن عهداً بين أبي بصير وأصحابه وبينهم وعلى هذا فإذا كان بين بعض ملوك المسلمين، وبعض أهل الذمة من النصارى وغيرهم عهد جاز لملك آخر من ملوك المسلمين أن يغزوهم ويغنم أموالهم إذا لم يكن بينه وبينهم عهد كما أفتى به شيخ الإسلام في نصارى ملطية وسبيهم مستدلاً بقصة أبي بصير مع المشركين. (١)
стр. 143
الشورى في الفتح الأعظم
إن فتح مكة يعتبر من أعظم الفتوحات بركة, فقد أعز الله به دينه ورسوله ودخل الناس به في دين الله أفواجاً وأشرق به وجه الأرض ضياءً وابتهاجاً, وقد هيأ الله لذلك أسباباً حيث كان قد تقرر في صلح الحديبية أنه من أراد أن يدخل في عقد النبي ﵌ دخل ومن أحب أن يدخل في عهد قريش دخل, فدخلت بنو بكر في عهد قريش وعقدهم، ودخلت خزاعة في عقد النبي ﵌ وعهده (١) , وكان بين خزاعة وبكر ترة قديمة وعداوة متوارثة ولما كانت الهدنة قد أدخلت القبيلتين في عسكرين متحاربين أراد بنو بكر أن ينتهزوا هذه الفرصة ليصيبوا من خزاعة الثأر القديم فبيت نفر من بني بكر لخزاعة وهم على ماء لهم فأصابوا منهم رجلاً وتناوشوا واقتتلوا وأعانت قريش بني بكر بالسلاح وقاتل معهم أشراف من قريش مستخفين ليلاً حتى حازوا خزاعة إلى الحرم فلما انتهوا إليه قالت بنو بكر لبعض رجالهم إنا قد دخلنا الحرم الهك الهك فقال: كلمة عظيمة لا إله له اليوم يا بني بكر أصيبوا ثأركم فلعمري أنكم تسرقون في الحرم فلا تجدون هذه الفرصة بعد ذلك (٢) , وخرج عمرو بن سالم الخزاعي وقدم على الرسول ﵌ المدينة فوقف عليه وهو واقف في المسجد بين ظهراني أصحابه فقال:
يا رب إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا
قد كنتم ولداً وكنا والداً ... ثمت أسلمنا ولم ننزع يدا
فانصر هداك الله نصراً أبدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجردا ... أبيض مثل البدر يسمو صعدا
إن سيم خسفاً وجهه تربّدا ... في فيلق كالبحر يجري مزبدا
إن قريشاً أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكدا
وجعلوا لي في كداء رصدا ... وزعموا أن لست أدعوا أحدا
وهم أذل وأقل عددا ... هم بيتونا بالوتير هجدا
وقتلونا ركعاً وسجدا
стр. 144
يقول قتلنا وقد أسلمنا. فقال النبي ﵌: نصرت يا عمرو بن سالم (١)، وقد أورد أصحاب السير مجيء أبي سفيان إلى المدينة وتجهيز الرسول ﵌ أصحابه وإعداد عدته لغزو قريش وأنه استكتم الناس.
وقد نقل قصة تشاوره ﵌ في غزوة الفتح مع أصحابه كما ذكر الدكتور محمد عبدالقادر أبو فارس نقلاً عن المصنّف لابن أبي شيبة حيث قال: أنها قد غدرت قريش وبنو بكر بحلفاء الرسول ﵌ خزاعة وجاء أبو سفيان بعد ذلك ليجدد العقد والعهد والتقى الرسول ﵌ وأبا بكر وعمر ﵄ في شأن الموقف من قريش ليجدد العقد والعهد، واستشار الرسول ﵌ أبا بكر وعمر ﵄ في شأن الموقف من قريش وقد نقضوا العهد فقال: عمر بن الخطاب ﵁ يا رسول الله هم رأس الكفر هم الذين زعموا أنك ساحر وأنك كاهن وأنك كاذب وأنك مفتر ولم يدع شيئاً مما كان أهل مكة يقولونه إلا ذكره، وأيم الله لا تذل العرب حتى تذل أهل مكة. (٢)
ومما لا شك فيه أن الرسول ﵌ كان ديدنه المشاورة خاصة في الأمور التي لا نص فيها وقد كان الفتح الأعظم لمكة المكرمة صبح يوم الجمعة لعشرين خلت من شهر رمضان سنة ثمان من الهجرة (٣) وكان بعد غزوة أحد وقد نزل قول الحق (وشاورهم في الأمر) وقد أعد العدة صلوات الله عليه وأخذ الجيش طريقه بصمت والتقى الرسول ﵌ عمه العباس وقد كان في طريقه للهجرة واستبقى النبي ﵌ عمه العباس معه وأرسل أهله إلى المدينة ولم يخبر الناس ﵌ بتوجهه إلى مكة إلا بعد أن تجاوز الرسول ﵌ حرتي المدينة وفي الطريق أيضاً التقى بأبي سفيان بالقرب من مكة.
стр. 145
أما قصة حاطب بن أبي بلتعة فقد كانت والرسول ﵌ لا يزال في المدينة والقصة مشهورة فلا حاجة إلى إيرادها هنا ويكفي الإشارة إليها بما يفهم منه أن الرسول ﵌ قد أعلم أهل بدر من المهاجرين والأنصار على خطته في الذهاب إلى مكة وما أجمع عليه الرأي من المسير إلى مكة، ولهذا نزل الوحي من السماء ينهى عن خيانة الله ورسوله وابتعث الرسول علياً والمقداد ﵄ لتفتيش المرأة التي ابتعثها حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش برسالة فيها إفشاء لسر النبي ﵌ وما عزم عليه وأصحابه من غزو مكة عنوة، وقد كان من كرمه ﵌ أن عفى عن أهل مكة بعد أن أسلم أبو سفيان وهو على مقربة من مكة، وجعل النبي ﵌ له مزية وهو أن من دخل دار أبي سفيان كان آمن ومن أغلق داره فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن.
ويستفاد من فتح مكة العظيم أمور كثيرة ومنها:
الشورى على ما ذكره الدكتور أبو فارس نقلاً عن المصنّف لابن أبي شيبة وهو أن الرسول ﵌ استشار أبا بكر وعمر ﵄ في شأن الموقف وذلك لأنهما كانا وزيريه، ولأن سنة الرسول ﵌ هو عدم الانفراد بالقرارات العسكرية المصيرية, بل دأبه أن يستشير أصحابه وأن يستمع إلى أقوالهم وأن يستفيد منها إلتزاماً بقول الله تعالى (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) , ومما لا شك فيه أن فتح مكة كان مما وعد الله به رسوله، ويستفاد من هذه الغزوة وهذا الفتح العظيم الأمور التالية:
١) وجوب الاحتفاظ بالأسرار العسكرية خاصة في الأمور الهامة والاستعانة بالكتمان واتخاذ أسلوب الهجوم والمباغتة في الحرب بعد الاستشارة إذا لم يكن العدو معاهداً إلا إذا نقض العهد.
٢) استشارة أهل الفضل والصلاح والتخصص والاستقامة والرأي.
٣) العفو عند حصول القدرة لما ثبت في القصة أن الرسول ﵌ قال لقريش بعد أن دخل الكعبة وهدم الأصنام فخطب الناس وذكر الله وقال: (يا معشر
стр. 146
قريش ما ترون أني فاعل بكم, قالوا: خيراً, أخٌ كريم وابن أخ كريم. قال: فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته (لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ) اذهبوا فأنتم الطلقاء. (١)
٤) أن من مكنه الله في الأرض بالنصر وجب عليه إقامة التوحيد ونشر الدعوة الإسلامية وإزالة المنكرات لما ثبت أن النبي ﵌ حين طاف بالبيت كان يطعن الأصنام بالقوس، ويقول: (جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) (٢) (قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ) (٣).
٥) رد الأمانات إلى أهلها وذلك اقتداءً بهديه ﵌ فقد جلس النبي ﵌ في المسجد الحرام فقام إليه علي ﵁ وكرم وجهه ومفتاح الكعبة في يده، فقال: يا رسول الله اجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك. فقال رسول الله ﵌: أين عثمان بن طلحة, فدعي له فقال له: هاك مفتاحك يا عثمان اليومُ يومُ بر ووفاء (٤).
٦) الشكر عند حصول النصر والنعمة فإن النبي ﵌ بعد أن هدم الأصنام وطهر البيت وطاف به سبعاً ثم اتجه ﵌ إلى دار أم هانئ بنت أبي طالب وصلى ثمان ركعات في بيتها، قال ابن القيم وكانت ضحى فظنها من ظنها صلاة الضحى وإنما هذه صلاة الفتح، وكان أمراء الإسلام إذا فتحوا حصناً أو بلداً صلوا عقب الفتح هذه الصلاة اقتداءً برسول الله ﵌، وفي القصة ما يدل على أنها بسبب الفتح شكراً لله عليه فإنها قالت ما رأيته صلاها قبلها ولا بعدها. (٥)
٧)
стр. 147
نصب القضاة والولاة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن النبي ﵌ عين في مكة عَتّاب بن أسيد أميراً عند ذهابه إلى حنين.
٨) جواز إجراء التفتيش الإداري والعسكري على الرجال والنساء عند الضرورة لدرء الخطر دل على ذلك ما ورد في قصة حاطب بن أبي بلتعة, فإن علياً والمقداد ﵄ قالا للضعينة لتخرجن الكتاب أو لنكشفنك. قال ابن القيم: وإذا جاز تجريدها لحاجتها إلى ذلك حيث تدعو إليها فتجريدها لمصلحة الإسلام والمسلمين أولى. (١)
٩) جواز دخول مكة للحرب المباحة من غير إحرام إلى غير ذلك من الأحكام والحكم التي لو ذهبنا نجمعها من مصادرها ونتقصاها لاحتجنا إلى مجلدات وأسفار.
стр. 148
الشورى في غزوة حنين وأوطاس
وهما موضعان بين مكة والطائف وقد سميت الغزوة باسم مكانها كما يقول الإمام ابن القيم، وتسمى غزوة هوازن لأن قبيلة هوازن هم الذين أتوا لقتال الرسول ﵌، قال ابن إسحاق: لما سمعت هوازن برسول الله ﵌ وما فتح الله عليه في مكة جمعها مالك بن عوف النصري واجتمع إليه مع هوازن ثقيف كلها ومضر وجشم كلها وسعد بن بكر وناس من بني هلال وهم قليل ولم يشهدها من قيس غيلان إلا هؤلاء ولم يحضرها من هوازن كعب ولا كلاب، وفي جشم دريد بن الصمة شيخ كبير ليس فيه إلا رأيه ومعرفته بالحرب وكان شجاعاً مجرباً، وفي ثقيف سيدان لهم, وفي الأحلاف قارب بن الأسود وفي بني مالك سبيع بن الحارث وأخوه أحمر بن الحارث وجماع أمر الناس إلى مالك بن عوف النصري فلما أجمع السير إلى الرسول ﵌ ساق مع الناس نسائهم وأموالهم وأبنائهم، فلما نزل بأوطاس اجتمع إليه الناس وفيهم دريد بن الصمة فلما نزل قال بأي واد أنتم؟ قالوا: بأوطاس. قال: نعم مجال الخيل لا حَزْن ضرس ولا سهل دهس (١) ما لي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير وبكاء الصبي ويعار الشاء. قالوا: ساق مالك بن عوف مع الناس نساءهم وأموالهم وأبناءهم. قال: أين مالك؟ قيل: هذا مالك. ودعي له قال: يا مالك إنك قد أصبحت رئيس قومك وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام، ما لي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير وبكاء الصبي ويعار الشاء. قال: سقت مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم. قال: ولم؟ قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم. فقال راعي ضأنٍ (٢): والله وهل يرد المنهزم شيء, إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك. ثم قال: ما فعلت كعب وكلاب. قالوا: لم يشهدها أحد منهم. قال: غاب الحد (٣) والجد, لو كان يوم علاء ورفعة لم تغبه كعب ولا كلاب ولوددت أنكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب، فمن شهدها منكم؟ قالوا: عمرو بن عامر وعوف بن عامر قال: ذلك الجذعان (٤) من عامر لا ينفعان ولا يضران يا مالك إنك لم تصنع بتقديم بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئاً، ارفعهم إلى ممتنع بلادهم وعلياء قومهم ثم ألق الصباة (٥) على متون الخيل فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك ألفاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك. قال والله لا أفعل, إنك قد كبرت وكبر عقلك لتطيعنني يا معشر هوازن أو لأتكأن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري، وكره أن يكون لدريد فيها ذكر ورأي، فقالوا أطعناك. فقال دريد: هذا يوم لم أشهده ولم يفتني:
يا ليتني فيها جذع أخب فيها وأضع
أقود وطفاء الزمع كأنها شاة صدع
ثم قال مالك للناس: إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم ثم شدوا شدة رجل واحد، وبعث أعيناً من رجاله فأتوه وقد تفرق أوصالهم. قال: ويلكم ما شأنكم. قالوا: رأينا رجالاً بيضاً على خيول بلق والله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى, فوالله ما رده ذلك عن وجهه إن مضى على ما يريد. (٦) وقد حكى أصحاب السير أنه لما سمع النبي ﵌ بعث إليهم عبدالله بن أبي حدرد الأسلمي وأمره أن يدخل في الناس فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم فدخل فيهم وعرف ما أجمعوا عليه من حرب الرسول ﵌ وأتى بالخبر إلى النبي ﵌ فأجمع الرسول ﵌ على السير وأمر المسلمين أن ينفروا نفرة رجل واحد إلى هوازن, فوافأهم عند وادي حنين وقد جمعوا نحواً من ثلاثين ألف مقاتل من ثقيف وجشم ونضر وقيس بن غيلان ورئيسهم مالك بن عوف وفيهم دريد بن الصمة من عباقرة الحرب
стр. 149
وكان النبي ﵌ قد أخذ من صفوان بن أمية أدرعاً وسلاحاً فقال صفوان: أغصباً يا محمد؟ فقال: (بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك) (١) , وقد خرج الرسول ﵌ من مكة ومعه ألفان من أهلها وعشرة آلاف من أصحابه الذين خرجوا معه، وقد كان المسلمون في بداية المعركة قبل أن يتمكنوا في الوادي انقضّت عليهم كتائب المقاتلين من هوازن ففر من فر من المسلمين وثبت النبي ﵌ وثلة من أصحابه, وكانت المعركة كما أخبرنا الله بقوله تعالى: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ) (٢) , وقد كانت غنائم المؤمنين عظيمة وكبيرة, فيها سبي ومال وكان سبب ذلك أنهم أخرجوا نساءهم وأموالهم معهم حتى لا يجبنوا في القتال، وقد اختار النبي ﵌ أن يترك الغنائم بلا قسمة رجاء أن يسلم أصحابها أو يساومهم بها على عقد حسن جوار، وبقيت الغنائم مجموعة في الجعرانة إلى حين فرغ النبي ﵌ من غزوة الطائف، (٣) وقد نصر الله ﵎ في هذه الغزوة محمداً ﵌ على قبيلة هوازن فقسم النبي ﵌ بعد ذلك الغنائم والنساء وبعد قسمة النبي الغنائم جاء وفد هوازن مسلماً يطلب المن, وجاء في قصة استشارته ﵌ أصحابه بشأن هوازن ما يؤكد حق الشورى في أمور كهذه, فقد ذكر ابن هشام في السيرة أن وفد هوازن أتى النبي ﵌ وقد أسلم فقالوا يا رسول الله إنا أصل وعشيرة وقد أصابنا من البلاء ما لا يخفى عليك فامنن علينا مَنَّ الله عليك. قال فقام رجل من هوازن فقال: يا رسول الله إنما من في الحضائر عماتك وخالاتك وحواضنك التي كن يكفلنك لو أنا ملحنا (٤) للحارث بن أبي
стр. 150
شمر أو للنعمان بن المنذر ثم نزل بنا مثل الذي نزلت به رجونا عطفه وعائدته (١) علينا وأنت خير المكفولين. قال ابن إسحاق: فحدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبدالله بن عمرو قال: فقال رسول الله ﵌ (أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم, فقالوا: خيرتنا بين أموالنا وأحسابنا بل ترد إلينا نساءنا وأبناءنا فهو أحب إلينا. فقال لهم: ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم, وإذا ما صليت الظهر بالناس فقوموا فقولوا إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول الله في أبنائنا ونسائنا فسأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم. فلما صلى النبي ﵌ بالناس الظهر قاموا فتكلموا بالذي أمرهم به فقال النبي ﵌: أما ما كان لي ولبني عبدالمطلب فهو لكم, فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله ﵌, وقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لرسول الله ﵌, فقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبني تميم فلا, وقال عيين بن حصن: أما أنا وبني فزارة فلا, وقال عباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا, فقال بنو سليم: بلا ما كان لنا فهو لرسول الله ﵌, قال: يقول عباس بن مرداس لبني سليم: وهنتموني, فقال رسول الله ﵌: أما من تمسك بحقه في هذا السبي فله بكل إنسان ست فرائض من أول سبي أصيبه فردوا إلى الناس أبناءهم ونساءهم (٢). وذكر ابن كثير الشامي: أن النبي ﵌ قال: إن هؤلاء قد جاءوا مسلمين وإنا قد خيرنأهم بين الذراري والأموال فلم يعدلوا بالأحساب شيئاً, فمن كان عنده شيء فطابت نفسه أن يرده فسبيل ذلك، ومن لا فليعطنا وليكن قرضاً علينا حتى نصيب شيئاً فنعطيه مكانه. قالوا: يا نبي الله قد رضينا وسلمنا. قال: إني لا أدري لعل فيكم من لا يرضى فمروا عرفاءكم يرفعوا ذلك إلينا. فرفع إليه العرفاء أن رضوا وسلموا. (٣)
стр. 151
ويستفاد من هذه القصة أن الرسول ﵌ أدار المعركة بحنكة واقتدار ويتلخص منها ما يلي:
١) أن ولي الأمر (السلطان أو الملك أو الرئيس) عليه أن يبعث العيون والمخابرات بحسب تسمية اليوم في جيش عدوه.
٢) أن من حق ولي الأمر وقائد الأمة أن يستعير سلاحاً عند الحاجة يستعين به في المعركة حتى وإن كان من مشرك أو كافر كما استعار النبي من صفوان بن أمية.
٣) يستفاد أيضاً من هذه القصة أن العارية يدخلها الضمان فيجب ردها بعينها.
٤) أن المسلمين قد غنموا غنائم كبيرة وكثيرة وكأن الله عوضهم عن فتح مكة فلم يغنم المسلمون منها ذهباً ولا فضة ولا متاعاً ولا سبياً.
٥) أن الاغترار بالكثرة وعدم الاعتماد على الله يكون سبباً في الهزيمة وإن كانت العدة والعدد مطلوبة مع الإيمان والعزيمة.
٦) أن النصر إنما هو من عند الله فمن ينصره الله فلا غالب له ومن يخذله فلا ناصر له غيره، ومع ذلك لا بد من الأخذ بالأسباب وإعداد العدة.
٧) إعطاء الغانمين حظهم من الغنيمة وجواز إعطاء المؤلفة قلوبهم من خمس الخمس، فإعطاء النبي ﵌ لصفوان بن أمية عطاءً كبيراً يدل على استحباب استمالة أهل الوجاهة من أهل الكفر الذين ينصلح بهم أمر الإسلام؛ لأن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها.
٨) الإرشاد إلى مشاورة أصحاب الحقوق إذا ما أراد الإمام أن يتصرف بشيء من الغنيمة بعد قسمتها ففي هذه القصة نجد أن النبي ﵌ استشار فاختلف بعض رؤساء القبائل مع مقاتليها، وهم أصحاب الحقوق فمنهم من بذلها للرسول ﵌ ومنهم من لم يتنازل عن حقه, لأنه لما اختلط الأمر والتبس طلب من الأمراء أن يأخذوا رأي أصحاب الحقوق فالمستشار هنا هم أصحاب الحقوق وعرفاءهم، ويستفاد من ذلك أنه ليس لولي الأمر مصادرة حقوق المقاتلين إلا إذا طابت نفس الغانمين بذلك.
стр. 152
قال الإمام ابن القيم ﵀: وفيها أن النبي ﵌ قال: (من لم تطب نفسه فله بكل فريضة ست فرائض من أول ما يفيء الله علينا)، وفي هذا دليل على جواز بيع الرقيق بالحيوان بعضه ببعض نسيئة متفاضلاً. (١)
ومن خلال هذه النماذج الذي أتينا عليها في الشورى في الحرب من عصر النبوة يتبين لنا أن الشورى بأي صورة اتخذت وعلى أي طريقة طبقت فإن الشريعة الإسلامية تقره وترتضيه إذا كان محققاً لمقاصدها التي جاءت بها الشريعة وهو مثبتٌ لحق الأمة في المشاركة في صنع القرار بحسب ما تقتضيه مصالح الأمة ويقوم به العدل فيها بشرط ألا يعارض نصاً في كتاب الله ولا سنة رسول الله ﵌.
стр. 153
الشورى في أيام الخلفاء الراشدين
لم تكن الشورى في الحرب والسلم مقصورة على أيام الرسول ﵌ وإنما كان الخلفاء يستشيرون في ذلك، وكان أبو بكر ﵁ ينصح أمراءه وقادته بأن لا يبرموا أمراً حتى يتشاوروا، فقد ورد في كتاب أبي بكر ﵁ إلى خالد بن الوليد حين وجهه لحرب المرتدين قوله: واستشر من معك من أكابر أصحاب الرسول ﵌ فإن الله ﵎ موفقك بمشورتهم. (١) ولما عزل أبو بكر ﵁ خالد بن سعيد أوصى به شرحبيل بن حسنة وكان أحد الأمراء قال: انظر خالد بن سعيد فاعرف له من الحق عليك مثلما كنت تحب أن يعرفه لك من الحق عليه لو خرج, والياً فإذا نزل بك أمر تحتاج فيه إلى رأي تقيّ ناصح فليكن أول من تبدأ به أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل, وليكن الثالث خالد بن سعيد فإنك واجد عندهم نصحاً وخبرة, وإياك واستبداد الرأي عليهم أو تطوي عنهم بعض الخبر. (٢)
стр. 154
الشورى في الحرب بشأن المرتدين في أيام أبي بكر ﵁
قال في تاريخ الخميس وقدم على أبي بكر ﵁ عيينة بن حصن والأقرع بن حابس في رجال من أشراف العرب فدخلوا على المهاجرين والأنصار وقالوا: إنه قد ارتد عامة من وراءنا وليس في أنفسهم أن يؤدوا إليكم ما كانوا يؤدونه إلى الرسول ﵌ فإن تجعلوا لنا جعلاً نرجع فنكفيكم من وراءنا فدخل المهاجرون والأنصار على أبي بكر فعرضوا عليه الذي عرضوا عليهم وقالوا: نرى أن تطعم الأقرع وعيينة طعمة يرضيان بها ويكفيانك مَن وراءهما حتى يرجع إليك أسامة وجيشه ويشتد أمرك, فإننا اليوم قليل في كثير ولا طاقة لنا بقتال العرب. قال أبو بكر هل ترون غير ذلك؟ قالوا: لا. قال: إنكم قد علمتم أنه كان من عهد رسول الله ﵌ إليكم بالمشورة فيما لم يمضِ فيه أمر من نبيكم ولا نزل به الكتاب عليكم وإن الله لم يجمعكم على ضلالة وإني سأشير عليكم وإنما أنا رجل منكم, تنظرون فيما أشرته عليكم وفيما أشرتم به فتجتمعون على أرشد ذلك فإن الله يوفقكم, أما أنا فأرى أن نشد إلى عدونا فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر وألا ترضوا على الإسلام أحداً وأن تتأسوا برسول الله ﵌ فنجاهد عدوه كما جاهدهم، والله لو منعوني عقالاً لرأيت أن أجاهدهم عليه حتى آخذه من أهله وأدفعه إلى مستحقه، فأتمروا يرشدكم الله فهذا رأيي. فقالوا لأبي بكر لما سمعوا رأيه أنت أفضلنا رأياً ورأينا لرأيك تبع. فأمر أبو بكر الناس بالتجهز وأجمع على المسير بنفسه لقتال أهل الردة. (١)
وفي البداية والنهاية لابن كثير أنه بعد أن أنفذ الصديق ﵁ جيش أسامة قلَّ الجند فطمعت كثير من الأعراب في المدينة، وأن الصديق ﵁ جعل على أنقاب المدينة حراساً، وجعلت وفود العرب تقدم المدينة يُقِرّون بالصلاة ويمتنعون من أداء الزكاة، وفيهم من امتنع من دفعها إلى الصديق ﵁، وذكر أن منهم من احتج بقوله
стр. 155
تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ) (١) قالوا فلسنا ندفع زكاتنا إلا إلى من صلاته سكن لنا وأنشد بعضهم:
أطعنا رسول الله إذ كان بيننا ... فواعجباً ما بالُ ملك أبي بكر
ثم ساق ابن كثير ما دار بين أصحاب رسول الله مع أبي بكر حول تركهم وتألفهم وامتناع الصديق ﵁ وما قاله عمر ﵁ وما رد به الصديق على نحو مما سلف بيانه. (٢)
وجاء في صحيح البخاري قال: حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع قال أخبرنا شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قال حدثنا عبيد الله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود أن أبا هريرة ﵁ قال: لما توفي الرسول ﵌ وكان أبو بكر ﵁ (٣) وكفر من كفر من العرب فقال عمر ﵁: فكيف تقاتل الناس؟ وقد قال رسول الله ﵌: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله, فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه, وحسابه على الله. فقال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﵌ لقاتلتهم على منعها. قال عمر ﵁: فوالله ما هو إلا أن شرح الله صدر أبي بكر ﵁ فعلمت أنه الحق. (٤)
وهذا الحديث نص في الشورى وأنها كانت ديدن الخلفاء الراشدين ومعتمدهم, وأنه لم يعارض أحد إلا عمر ﵁ ثم تابع أبا بكر الصديق ﵁ وقد كان رأي أبي بكر ﵁ في حرب المرتدين ومانعي الزكاة رأياً موفقاً.
стр. 156
الشورى في الحرب في أيام عمر ﵁
لما تكاثفت جيوش الفرس على الجيش الإسلامي وخشي الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ على المسلمين أراد أن يخرج بنفسه لقتالهم فاستشار كبار الصحابة رضوان الله عليهم فقال الإمام علي بن أبي طالب ﵁ إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة, وهو دين الله الذي أظهره الله وجند الله الذي أعده وأمده حتى بلغ ما بلغ وطلع حيث ما طلع, ونحن على موعد من الله والله منجز وعده وناصر جنده ومكان القيِّم بالأمر مكان النظام من الخرز يجمعه ويلمه فإذا انقطع النظام تفرق الخرز وذهب ثم لم يجتمع بحذافيره أبداً, والعرب اليوم وإن كانوا قليلاً هم كثيرون بالإسلام عزيزون بالاجتماع, فكن قطباً واستدر الرحى بالعرب, وأصلهم دونك نار الحرب فإنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك مما بين يديك, إن الأعاجم إن ينظروا إليك غداً يقولون هذا أصل العرب فإذا قطعتموه استرحتم فيكون ذلك أشد لِكَلبِهم عليك وطمعهم فيك, فأما ما ذكرت من مسير القوم إلى قتال المسلمين فإن الله سبحانه هو أكره لمسيرهم منك وهو أقدر على تغيير ما يكره, وأما ما ذكرت من عددهم فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة وإنما كنا نقاتل بالنصرة والمعونة. (١)
стр. 157
عمر ﵁ يستشير في الذهاب إلى العراق
جاء في البداية والنهاية لابن كثير أن عمر بن الخطاب ﵁ في اليوم الأول من المحرم سنة ١٤هـ ركب في الجيوش من المدينة فنزل على ماء يقال له صرار فعسكر به عازماً على غزو العراق بنفسه واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب واستصحب معه عثمان بن عفان وسائر الصحابة ثم عقد مجلساً واستشار أصحابه فيما عزم عليه ونودي أن الصلاة جامعة وقد أرسل إلى علي فقدم من المدينة ثم استشارهم فكل وافقه على الذهاب إلى العراق إلا عبد الرحمن بن عوف فقال له إني أخشى إن كسرت أن تضعف المسلمون في سائر الأرض, وإني أرى أن تبعث رجلاً وترجع أنت إلى المدينة فأتى عمر ﵁ الناس عند ذلك واستصوبوا رأي ابن عوف فقال عمر: من ترى أن نبعث إلى العراق؟ قال: قد وجدته قال: ومن هو قال الأسد في براثنه سعد بن مالك الزهري فاستجاد قوله وأرسل إلى سعد فأمره على العراق وأوصاه فقال: يا سعد لا يغرنك من الله أن قيل: خال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصاحبه, فإن الله لا يمحو السيء بالسيء، ولكن يمحو السيئ بالحسن وإن الله ليس بينه وبين أحد نسب إلا بطاعته, فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء, الله ربهم وهم عباده يتفاضلون بالعافية ويدركون ما عند الله بالطاعة, فانظر الأمر الذي رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم منذ بعث إلى أن فارقنا عليه فألزمه فإنه الأمر، هذه عظتي إياك إن تركتها ورغبت عنها حبط عملك وكنت من الخاسرين. (١)
стр. 158
عمر ﵁ يستشير في الخروج لقتال الروم
لقد شاور عمر ﵁ كبار الصحابة في غزو الروم بنفسه فقال له علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: قد توكل الله لأهل هذا الدين بإعزاز الحوزة (١) وستر العورة والذي نصرهم وهم قليل لا ينتصرون ومنعهم وهم قليل لا يمتنعون حي لا يموت.
إنك متى تسر إلى هذا العدو بنفسك فتلقهم فتنكب لا تكن للمسلمين كانفة دون أقصى بلادهم ليس بعدك مرجع يرجعون إليه فابعث إليهم رجلاً مجرباً واحفز معه أهل البلاء والنصيحة فإن أظهر الله فذاك ما تحب وإن تكن الأخرى كنت ردءاً للناس ومثابة للمسلمين. (٢)
ويستفاد من هذا أن عمر ﵁ كان يستشير في أمور الحرب شيوخ صحابة الرسول ﵌ من السابقين الأولين في الإسلام من المهاجرين والأنصار.
عمر ﵁ يستشير الصحابة في ذهابه لاستلام بيت المقدس
لما حاصرت جيوش المسلمين مدينة القدس فقد ذكر المؤرخون أن سكان المدينة خرجوا إلى أبي عبيدة بن الجراح مستأمنين يتقدمهم قائدهم صفرونيوس فطلبوا الصلح فتلقأهم بالترحيب وخاطبهم بدعة ولين قائلاً لهم: إن التسليم أكثر نفعاً لكم فانصاعوا: ولكنهم اشترطوا أن لا يسلموا المدينة إلا إلى الخليفة فوافقهم وأمر الجند أن يكفوا عن القتال فصارت هدنة ثم كتب أبو عبيدة إلى عمر بن الخطاب ﵁ وعرض عليه الموقف العسكري وعرض عليه القدوم إلى بيت المقدس وأنه اتخذ كل الاحتياطات لسلامته من الغدر وختم كتابه بالعبارة التالية: وإن رأيت أن تقدم فافعل فإن مسيرك أجر وصلاح آتاك الله رشدك ويسر أمرك والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 159
ولما وصل الكتاب إلى عمر ﵁ جمع أهل العقد والحل واستشارهم في الأمر, فكان رأي عثمان أن لا يذهب الخليفة بنفسه إذ أن العدو لا بد أن يضطر للتسليم ما دام أصيب بالضعف والرعب، وكان رأي علي أن يصير الخليفة إلى فلسطين عملاً برأي قائده المحنك خشية أن ييأس العدو إذا رفضت شروطه المعقولة فيتمسك بحصنه أو يأتيه مدد من عدو آخر فيتغير الموقف وتنعكس الآية ويصيب المسلمين ضرر عظيم. وفي النهاية أخذ الخليفة برأي علي وسار إلى بيت المقدس بعد أن استخلفه على البلاد. (١)
وهذه النماذج تؤكد في عهد الخلفاء الراشدين والنبوة ضرورة الشورى وإلزاميتها, وأنه لا رشد ولا صلاح للأمة دون التمسك بهذا المنهاج. أما القوانين الوضعية في الدول العصرية فإن الدساتير تقرر حق القائد في اتخاذ القرار بإعلان حالة الطوارئ والحرب والتعبئة العامة, ولكنها تقيد حق اتخاذ القرار والمصادقة على ما يصدر بدعوة مجلس النواب أو الشورى أو الاستشاري فإذا لم يتم العرض على هذه المجالس تتم المصادقة خلال المدد التي يحددها الدستور. والقانون اليمني يحددها بسبعة أيام وإلا فإن حالة الطوارئ تزول ولا يجوز تمديد هذه الفترة إلا بموافقة مجلس النواب، ولا تكاد القوانين الوضعية تختلف على تقرير هذه المبادئ التي كانت الشريعة الإسلامية سابقة النظم الوضعية في ذلك.
стр. 160
المبحث الخامس
بيان من هم أهل الشورى وما هي الصفات التي ينبغي أن تتوافر فيهم
إذا كانت الشورى لها مكانة كبيرة في حياة الأمم فإنه من الضرورة البحث عن الصفات التي ينبغي أن تتوافر في أهل الشورى, لأن المهام التي تلقى على عاتقهم كبيرة, فهم ينوبون تارة عن الشعب في التشريع فيما لم يرد فيه نص، وتارة في الرقابة على أعمال الحكومة, وأخرى يشيرون فيها على ولي الأمر بمن يتولى الوظائف العامة والهامة, إلى غير ذلك من المهام الجسيمة, فكان لا بد لنا أن نبحث عن صفات أهل الشورى وملامحهم في الكتاب والسنة وفي أقوال أئمة التفسير والعلماء وفي النظم القانونية لكي نخرج بحصيلة توضح ما التبس على كثير من الناس من أحوال المرشحين للمجالس النيابية أو الشورى وذلك لغرض الوصول بالقارئ لدراستنا هذه إلى ما أفصح عنه القرآن والسنة والعلماء وليكون على بصيرة من الأمر, فقد تظافرت أدلة كثيرة في كتاب الله وسنة رسول الله ﵌ على الإفادة من صفات أهل الشورى بعبارة النص أو بإشارة النص, وأورد ذلك العلماء في أكثر من موضع ونلخص من ذلك ما يأتي:
صفات أهل الشورى:
أولاً: ما ورد في القرآن الكريم
جاء في سورة الشورى تعدد صفات أهل الإيمان والصدق والإخلاص والتسامح وكرم الأخلاق وأهل الشورى والرأي. قال تعالى: (فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَأهم يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ) (١).
فإذاً لا بد من أخذ هذه الآيات كمنظومة متكاملة, أي أنه ينبغي أن يكون أهل الشورى من أهل الإيمان بالله والتوكل عليه وأن يكونوا ممن يجتنب إتيان كبائر الإثم والفواحش, أي
стр. 161
أنه لا بد أن يكون حسن السيرة والسلوك مجتنباً لما نهى الله ورسوله عنه من الكبائر، صفته التسامح والاستجابة لله والمحافظة على الشعائر الدينية, ويلاحظ أنه قد ورد في النص القرآني (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ) أي كانوا سريعين في الاستجابة لأوامره ونواهيه, وأنها قد جاءت الصيغة في الاستجابة وإقامة الصلاة والإنفاق فِعْليَّه, ثم أتى في ثناياها بصفة الشورى بجملة إسميّة مما يفيد ثبوت هذه الصفة لهم في كل أحوالهم, وهذا إشعار رباني لطيف يشير إلى أهمية وجلالة شأن أمر الشورى. أما سورة آل عمران التي نزلت بعد غزوة أحد فإن النص القرآني جاء ليخاطب الله المؤمنين فيه خطاباً مباشراً حيث يقول الله جل وعلا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أو كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أو مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ * وَلَئِنْ مُتُّمْ أو قُتِلْتُمْ لَإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ* فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ * إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (١) , والنص يخاطب الرسول ﵌ بمشاورة المؤمنين بعد أن أمره بالعفو عنهم والاستغفار لهم، ونقل أبو حيان والقرطبي عن ابن عطية أنه أُمر بالعفو عنهم فيما يخصه, فإذا صاروا في هذه الدرجة أمر بالاستغفار في مالله, فإذا صاروا في هذه الدرجة صاروا أهلاً للاستشارة في الأمور, قال أبو حيان ولا يظهر هذا التدريج في اللفظ ولكن هذه حكمة تقديم هذه الأوامر بعضها على بعض, أمر أولاً بالعفو عنهم إذ عفوه عنهم مسقط لحقه ودليل على رضاه ﵌ عليهم وعدم مؤاخذته، ولمّا سقط حقه بعفوه استغفر لهم الله ليكمل لهم صفحه وصفح الله عنهم ويحصل لهم رضاه ﵌ ورضا الله تعالى. ولما زالت عنهم التبعات في
стр. 162
الجانبين شاورهم إيذاناً بأنهم أهل للمحبة الصادقة والخلة الناصحة, إذ لا يستشير الإنسان إلا من كان معتقداً فيه المودة والعقل والتجربة. (١)
قلت ويستفاد من الآية أنه ينبغي أن يكون من صفات المستشار أن يكون أميناً محباً صادقاً مؤمناً, إذ العدو لا يستشار, ومخالفة المشير لولي الأمر اجتهاداً أو ظناً للصواب في تلك المخالفة لا يقتضي حصول عداوة مانعة من الاستشارة ولا يقتضي الحقد على المخالف أو العزيمة على عدم مشاورته أو عدم مشاركته بالرأي في أمور الأمة إذا كان من أهل الرأي، ولهذا أمر الله رسوله بالعفو عن الصحابة فيما أخطؤوا فيه من مخالفته لأوامر الرسول ﵌ يوم أحد ومسارعتهم إلى الغنيمة واختلافهم في الرأي مع أمرهم بالبقاء في جبل الرماة وأمره أن يستغفر لهم, لأن مخالفة النبي ومخالفة الأمير معصية لله لأن الله يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ) (٢). وقد حذر الله المؤمنين من مخالفة الله ورسوله كما أن أصحاب الرأي يجب عليهم ألا يشيروا إلا بما فيه طاعة لله ورسوله وصلاح لشؤون الأمة, ألا ترى أن الحق يقول في سورة الأنفال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (٣) , وهي عامة في الرأي وغيره من الأمانات، وقد ورد في أسباب نزول هذه الآية أن أبا لبابة لما استشاره يهود قريظة فأشار عليهم بما فيه مصلحتهم شعر فوراً بهذه الفلتة الخاطئة ثم تاب منها وقبلت توبته (٤). ففي ذلك ما يفيد أن الشورى أمانة, وإنما شرعت لجلب المصالح المشروعة للمسلمين وصرف الأضرار والمحرمات عنهم لا أن تستخدم آراء المسلمين في إعانة عدوهم عليهم أو في إباحة
стр. 163
المحرمات وانتهاك الحرمات, كما أنه يجب على ولاة الأمور أن يكونوا أصحاب عفو وصفح فيما قد يحصل من خطءٍ عليهم وأن لا يقاطعوا أصحاب الرأي من أهل الإيمان حتى وإن أخطؤوا, بل يجب التجاوز عنهم باعتبار أن أهل الشورى هم أهل أمانات, وقد أمر الله في سورة النساء بأداء الأمانات إلى أهلها فقال جل شأنه: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إلى أَهْلِهَا) (١) وإذا ما عدنا إلى سورة آل عمران نجد أن الحق سبحانه بعد أن أمر رسوله بالمشاورة قال: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) فقد أمر الله جل وعلا رسوله وولي الأمر من بعده أن يتوكل على الله وأزجى إثر ذلك دعوة حارة للجميع في الدخول في محبة الله فقال: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ).
قال الإمام الفخر الرازي أن القوم لما انهزموا عن النبي ﵌ يوم أحد ثم عادوا لم يخاطبهم الرسول ﵌ بالتغليظ والتشديد, وإنما خاطبهم بالكلام اللين, ثم إنه ﵌ لما أرشدهم إلى ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم كان من جملة ذاك أن عفا عنهم وذكر عدة فوائد في مشاورتهم فقال إن مشاورة الرسول ﵌ توجب علو شأنهم ورفعة درجتهم وذلك يقتضي شدة محبتهم له وخلوصهم في طاعته، ولو لم يفعل ذلك لكان ذلك إهانة بهم فيحصل سوء الخلق والفضاضة. (٢)
قلت وهكذا ينبغي أن يكون ولاة الأمر حينما يشاورون أهل الرأي من المؤمنين حتى وإن أخطؤوا فإن ذلك يكون سبباً لمحبتهم، وقد دل الأمر لرسول الله صلى الله عليه وآلع وسلم بمشاورتهم أن للمؤمنين عند الله قدراً وقيمة ومكانة حتى وإن أخطؤوا وكذلك عند الناس, وفيه دلالة أيضاً على أن من يحصل منه الخطأ مرة لا يمكن أن تكون القاعدة أن كل آرائه تكون خطأ.
стр. 164
ومع ذلك فإن الإستشارة إنما تكون بقصد تحري الصواب والوصول إليه, فقد شرعت لجلب المصالح ودفع الضرر, أما الاعتماد فإنما هو على الله وحده فهو الموفق والهادي، وقد قال الفخر الرازي في قوله تعالى: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) المعنى أنه إذا حصل الرأي المتأكد من المشورة فلا يجب أن يقع الاعتماد عليه بل يجب أن يكون الاعتماد على أعانه الله وتسديده وعصمته, وقد دلت الآية على أنه ليس التوكل أن يهمل الإنسان نفسه كما يقول بعض الجهال وإلا لكان الأمر بالمشاورة منافياً للأمر بالتوكل بل التوكل أن يرعى الأسباب الظاهرة ولكن لا يعول بقلبه عليها بل يعول على عصمة الحق. (١)
وذكر العلامة الألوسي أن الله تعالى أمر نبيه وكذا ولي الأمر من بعده وكل مستشير بالتوكل عليه والإنقطاع إليه, لأنه سبحانه السند الأقوم والملجأ الأعظم الذي لا تؤثر الأسباب إلا به ولا تنقضي الحاجات إلا عند بابه. (٢)
والذي يستفاد من القرآن الكريم ومن خلال ما أشرنا إليه نقلاً عن العلماء في تفسير الآيات القرآنية أنه ينبغي أن تتوافر في المشير أو أهل الشورى الصفات الآتية:
١) أن يكون بالغاً راشداً حسن السيرة والسلوك.
٢) أن يكون المشير من أهل الإيمان بالله والتوكل على الله وتلك سجية المؤمن.
٣) أن يكون من أهل الأمانة والنصيحة والرأي والخبرة في الأمر المستشار فيه.
٤) أن يكون من أهل الصدق والحلم والشجاعة في الحق والأناة, وبهذا التطبيق نكون قد علمنا أن أهل الشورى هم نخبة من العلماء وأهل التقوى والصلاح، ولا يعني ذلك المفاضلة بين الناس إلا على أساس من التقوى والعلم والمعرفة.
стр. 165
وفي ذلك رد الأمور إلى أصحاب الخبرة والصلاح والصدق ورد إلى أهل الذكر, فالله يقول: (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) (١) , ويقول: (فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً) (٢) , إذاً فهي مسألة تكاملية فلربما تتوافر صفات أهل الشورى فيمن تختارهم الأمة مجتمعين ولا تتوافر الصفات كلها في كل فرد من أفرادهم, فالبحث عن هؤلاء من بين أفراد الأمة ليكونوا أعضاء في مجلس النواب أو مجلس شورى أو هيئة استشارية لمن ينوب عن الأمة هي ضرورة لا بد منها لأن الله يقول: (وَلَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وَإلى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (٣) ولا يعني ذلك حجب الشورى عن بقية الأمة, فالنص القرآني عام في مشاورة الأمة مجتمعة ومنفردة فيمن تتوافر فيهم الأهلية والصلاحية، فالواجب الشرعي يقتضي تشكيل مجلس شورى يضم ممثلين عن الأمة يتشاورون في شؤونها العامة وأمورها الهامة عملاً بالنص القرآني (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) وسواءً كان ذلك عن طريق الانتخاب كما هو جوهر النظام الشوروي أو عن طريق الاختيار وصدور القرار بتعيين هؤلاء, لأنه ينبغي في كل الأحوال أن تعتمد الأمة وولاة الأمر فيها على الشورى في تسيير أمور شؤون الحكم وغيرها إذا ما أرادوا السير على منهج الله, وأن يعتمدوا أخذ الرأي من أصحاب العلم والخبرة في شؤون الدولة كلها ويتشاور معهم في المسائل المعروضة, وهي بلا شك تحتاج إلى أنواع من المعرفة كما سبق أن أشرنا إلى أنه يستشار علماء الدين في شؤون الدين والأحكام والحلال والحرام والمهندسون في شؤون العمران والهندسة، وعلماء الصناعة وخبراؤها في شؤون الصناعة، وعلماء التجارة وخبراؤها في شؤون التجارة، وعلماء الزراعة وخبراؤها في شؤون الزراعة، ولكن ينبغي أن يكون علماء الدين القاسم المشترك في كل هذه الفنون حتى لا يخرج المستشارون في تقرير السياسات المتنوعة عن حدود الشريعة وآدابها.
стр. 166
ثانياً: ما ورد في السنن النبوية وما يستفاد منها عن صفة أهل الشورى
إن المتتبع للهدي النبوي سيجد أن الأحاديث النبوية لا تخرج دلالتها في مجملها عن تفصيل وبيان ما أورده القرآن من الإشارة إلى صفات أهل الشورى، ولمزيد إيضاح وبيان نورد بعضاً مما ورد في السنة النبوية فنقول أن الرسول ﵌ فيما أورده أبو داود في سننه عن أبي هريرة أن الرسول ﵌ قال: (المستشار مؤتمن) (١) , فهذا الحديث يشير إلى صفة الأمانة، والأمانة ملازمة للإيمان والصدق والأخلاق الفاضلة فهو مؤتمن على ما يشير فيه أمين فيه صفته الأمانة، وجاء في حديث آخر أن النبي ﵌ قال: (من أفتى بغير علم كان إثمه على من أفتاه ومن أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه) (٢) وهذا الحديث يشير إلى صفة العلم, وجاء في صحيح البخاري: وكانت الأئمة بعد النبي ﵌ يستشيرون العلماء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداءً بالنبي ﵌, وكان القراء أصحاب مشورة عمر ﵁ كهولاً كانوا أو شباناً، وكان وقّافاً عند كتاب الله . (٣)
وقال الحافظ ابن حجر: وأما تقييده بالأمناء فهي صفة موضحة لأن غير المؤتمن لا يستشار ولا يلتفت لقوله، وأما قوله بأسهلها فلعموم الأمر، وللأخذ بالتيسير والتسهيل والنهي عن التشديد الذي يدخل المشقة على المسلم. (٤) وسبق أن أوردنا ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن النصيحة قول رسول الله ﵌ فيها: (الدين النصيحة, قلنا: لمن؟ يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) (٥).
стр. 167
وهذه الأحاديث تدل على وجوب توافر صفة الأمانة والعلم والنصيحة وإرشاد الأمة إلى مصالحهم, وهي مؤكدة ومبينة لما ورد في كتاب الله وفي ذلك إشارة إلى صفات أهل الشورى التي ينبغي أن تتوافر فيهم, ويكفي المتتبع للهدي النبوي ما أوردنا من استشارته ﵌ حرباً وسلماً في المباحث السابقة فلا نعيده هنا, وسيتعرف من خلال ذلك على صفة مشيريه صلوات الله وسلامه عليه وأنه طبق الشورى التي جاء بها القرآن، وسيدرك الإنسان صفات أهل الشورى وأن الحق والخير كان في اتباع منهج الله، ولا ضير من الإشارة هنا إلى صفات أهل الشورى التي ذكرها بعض علماء الأمة لأن في ذلك مزيد إيضاح وبيان وفائدة لمن يحب الاستزادة والاقتداء.
стр. 168
صفة أهل الشورى عند العلماء
لقد حرص العلماء والمحققون من الفقهاء والمفسرين استنباطاً من كتاب الله وسنة رسوله على بيان صفة المستشار، جاء في مصنف أبي داود عن أبي هريرة أن الرسول ﵌ قال: (المستشار مؤتمن) , قال العلماء: وصفة المستشار إن كان في الأحكام أن يكون عالماً ديناً وقل ما يكون ذلك إلا في عاقل. قال الحسن: ما كمل دين امرء ما لم يكمُل عقله فإذا استشير مَنْ هذه صفته واجتهد في الصلاح وبذل جهده فوقعت الإشارة خطأ فلا غرامة عليه. قال الخطأبي وغيره: أما صفة المستشار في أمور الدنيا عند القرطبي فهو كما يقول وصفة المستشار في أمور الدنيا أن يكون عاقلاً مجرباً واداً في المستشير. قال الشاعر:
شاور صديقك في الخفي المشكل ... واقبل نصيحة ناصح متفضل
وقال آخر:
وإن باب أمر عليك التوى ... فشاور لبيباً ولا تعصه
وقال البخاري: كانت الأئمة بعد النبي ﵌ يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها، وقال سفيان الثوري: ليكن أهل مشورتك أهل التقوى والأمانة، وقال ابن خويز منداد: واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون وفيما أشكل عليهم من أمور الدين ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح ووجوه الكتَّاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها، وقال ابن عطية: الشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام, من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب وهذا مما لا خلاف فيه. (١)
وقال أبو حيان في معرض تفسيره لقوله تعالى: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْلهم) ليكمل لهم صفحه وصفح الله عنهم ويحصل لهم رضاه ﵌ ورضا الله تعالى, ولما زالت التبعات من الجانبين شاورهم إيذاناً بأنهم أهل للمحبة الصادقة والخلة الناصحة إذ لا يستشير الإنسان إلا من كان معتقداً فيه المودة والعقل والتجربة. (٢)
стр. 169
وقال الماوردي: أنه إذا عزم على المشاورة ارتاد لها من أهلها من قد استكملت فيه خمس خصال: إحداهن عقل كامل مع تجربة سالفة؛ فإنه بكثرة التجارب تصح الروية، والخصلة الثانية: أن يكون ذا دين وتقى فإن ذلك عماد كل صلاح وباب كل نجاح؛ ومن غلب عليه الدين فهو مؤمن السريرة موفق العزيمة، والخصلة الثالثة: أن يكون ناصحاً ودوداً فالنصح والمودة يصدقان الفكرة ويمحضان الرأي؛ وقد قال بعض العلماء لا تشاور إلا الحازم غير الحسود واللبيب غير الحقود، والخصلة الرابعة: أن يكون سليم الفكر من هِمٍّ قاطع وغمٍّ شاغل فإن من عارضت فكره شوائب الهموم لا يسلم له رأي ولا يستقيم له خاطر وقد قيل في منثور الحكم كل شيء يحتاج إلى العقل والعقل يحتاج إلى التجارب، والخصلة الخامسة: أن لا يكون له في الأمر المستشار فيه غرض يتابعه ولا هوى يساعده فإن الأغراض جاذبة والهوى صاد، والرأي إذا عارضه الهوى وجاذبته الأغراض فسد، فإذا استكملت هذه الخصال الخمس في رجل كان أهلاً للمشورة ومعدناً للرأي فلا تعدل عن استشارته اعتماداً على ما تتوهمه من فضل رأيك وثقة بما تستشعره من صحة رؤيتك، فإن رأي غير ذي الحاجة أسلم وهو من الصواب أقرب لخلوص الفكر وخلو الخاطر وارتفاع الشهوة (١). وذكر الماوردي في الأحكام السلطانية: أن الشروط المعتبرة فيمن يصلح جعله من أهل الإختيار أحدها: العدالة الجامعة لشروطها. الثاني: العلم الذي يتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة على الشروط المعتبرة فيه، والثالث: الرأي والحكمة والمؤديان إلى اختيار من هو للإمامة أصلح وبتدبير المصالح أقوم وأعرف. (٢)
وقد ذكر الدكتور حسن ضياء الدين محمد: أنه لعل أوفى وأقدم المباحث في صفة أهل الشورى ما دبَّجة العلامة الماوردي, فإنه تحدث عن الشورى فأشاد بعظيم أهميتها لكل ذي عقل وإيمان، ثم أورد مقتبساً من كلامه في الصفات التي أوردها الماوردي في أدب الدنيا والدين، وهي إشادة في محلها.
стр. 170
وقد ذكر الدكتور حسن ضياء الدين: أن أصحاب الشورى دائماً هم نخبة من خيار المسلمين في كل عصر وقطر, لذا فإن من البديهي أن تتوفر فيهم صفات المؤمنين التي ذكرها القرآن العظيم والحديث الشريف, لكن العلماء الأجلاء لم يتصدوا لسرد جميع صفات المؤمنين لدى حديثهم عن صفات أهل الشورى وإنما ذكروا الصفات الأساسية الضرورية التي يلزم التنبّه إلى الأهمية العظمى لضرورتها فيهم. (١)
قلت: وهي كافية لتقرير صفة من يصلح أن يكون موضع ثقة ومشاورة من ولي الأمر أو من خواص المسلمين وعامتهم.
وذكر الدكتور عز الدين التميمي: صفات لأهل الشورى فقال: ينبغي أن يختار لأهل المشورة أناس يتحلون بخصال وأوصاف معينة حتى تؤتي أكلها وتعطي ثمارها نلخصها بإيجاز:
أولاً: مرتبة العقل الكامل والفطنة والذكاء مع طول التجربة مستدلاً بقوله ﵊ (استرشدوا العقل ترشدوا ولا تعصوه تندموا) (٢) وبقوله ﵊ (ولا حكيم إلا ذو تجربة) (٣).
ثانياً: الاستقلال في الرأي, فمن المفضل أن يكون المستشار من ذوي الاستقلال في الرأي وقد استدل على ذلك بما ورد في السنة النبوية (لا يكون أحدكم إمعة يقول أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسأت) (٤).
ثالثاً: الشجاعة في إبداء الرأي, فالشجاعة في إبداء الرأي والتصريح به من الأمور المهمة مستدلاً على ذلك بما جاء في حديث عبادة بن الصامت الذي يقول فيه (بايعنا رسول الله على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان وعلى أن نقول الحق أينما كان لا نخاف في الله لومة لائم). (٥)
стр. 171
رابعاً: الدين والاستقامة قال وهذه من الصفات الرئيسية في المستشار لئلا يغش فيما يستنصح فيه مستدلاً على ذلك بقول النبي ﵌ (المستشار مؤتمن). (١)
ويرى فريق من العلماء أن من صفات المستشارين أن يكونوا شيوخاً كباراً في السن ولا يستشار الأحداث من الشباب، والصحيح أن لكل من الشيوخ والشباب مزايا فالشيوخ قد حنكتهم التجارب وعركتهم الأيام وصقلتهم الأحداث والسنون وشهدوا من الأحداث ما يسعف عقولهم باقتناص الآراء الصائبة, وقد كانت العرب تقول المشائخ أشجار الوقار ومنابع الأخبار لا يطيش بهم فهم ولا يسقط بهم وهم. وقال بعض العلماء الآراء هي قياس أمور مستقبلة على أمور ماضية ولها أمثال وأشباه، ومادة الرأي التجارب مباشرة أو سماعاً فلكثرة التجارب ندب إلى استشارة المشائخ, أما الشباب فإنهم إذا تمتعوا بأمزجة صحيحة وقرائح سليمة وعلوم غزيرة فربما فاقوا في إدراك الصواب الكهول والشيوخ، وكان يقال عليكم بآراء الأحداث ومشاورة الشباب فإن لهم أذهاناً تغل الفواصل وتحطم الذوابل, وكان مجلس عمر بن الخطاب ﵁ يغص بالقراء والعلماء شيوخاً كانوا أو شباناً وربما استشارهم، وكان يقول: لا يمنع أحدكم حداثة سنه أن يشير برأي فإن الرأي ليس على حداثة السن ولا على قدمه ولكن على أمر يضعه الله حيث يشاء. (٢)
أما أبو الفتح البوستي فهو يقول:
خصائص من تشاوره ثلاثٌ فخذ منها جميعاً بالوثيقة
ودادٌ خالصٌ ووفور عقلٍ ومعرفة بحالك بالحقيقة
فمن حصلت له هذي المعاني فتابع رأيه والزم طريقه (٣)
ولصلاح بن عبدالقدوس:
ولا مشير كذي نصحٍ ومقدرةٍ في مشكل الأمر فختر ذاك منتصحا (٤)
ولا مانع من أخذ رأي المرأة ومشاورتها في الأمور العامة كما فعل النبي ﵌ في قصة مشاورته لأم سلمة ﵂ في الحديبية, وذهب البعض من العلماء إلى القول بجواز عضوية المرأة لمجلس الشورى، وفي ذلك يقول الدكتور محمود الخالدي: إنه كما كان مجلس الشورى وكيلاً عن الناس في الرأي والمرأة يجوز لها شرعاً أن تبدي رأيها للخليفة، لذلك يجوز للمرأة أن تكون عضواً في مجلس الشورى والدليل على ذلك ما يلي:
أولاً: لم يرد في الشرع أي دليل على تحريم انتخاب المرأة عضواً في مجلس الشورى، فدل على أنه مباح، أما ما ورد في السنة في قوله ﵌ (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) (٥) فإنه لا علاقة له بمجلس الشورى لأن الحديث وارد في الحكم ومجلس الشورى ليس من قبيل الحكم، فلا يكون دليلاً على ذلك.
ثانياً: في السنة الثالثة عشر للبعثة أي السنة التي هاجر فيها النبي ﵌ قدم عليه خمسة وسبعون مسلماً من المدينة منهم ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان وبايعوه جميعاً بيعة العقبة الثانية وهي بيعة حرب وقتال وبيعة سياسة، وبعد أن فرغوا من بيعته قال لهم جميعاً: (أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيباً يكونون على قومهم كفلاء) (٦) وهذا أمر فيه توجيه للجميع بأن ينتخبوا من الجميع ولم يخصص الرجال ولم يستثن النساء، لا فيمن يُنتخب ولا فيمن يَنتخب، والمطلق يجري على إطلاقه ما لم يرد دليل للتخصيص والتقييد فيدل على أن الرسول ﵌ أمر المرأتين أن تنتخبا النقباء، وجعل للمرأتين حق انتخابهما من المسلمين نقيبتين.
стр. 172
ثالثاً: لما فرغ رسول الله ﵌ من صلح الحديبية ولقي مقاومة عنيفة من المسلمين لشروطها أمرهم أن ينحروا ويحلقوا فرفض المسلمون جميعاً ذلك، فدخل على زوجته أم سلمة ﵂، وأخبرها بما صنعه المسلمون فأشارت عليه أن يخرج وينحر ويحلق فأخذ برأيها وفعل كما قالت له، فهبَّ المسلمون ينحرون ويحلقون حتى كادوا يتذابحون لسرعتهم في التقيد بفعل رسول الله ﵌، وهذا يدل على حق المرأة في الشورى وأن رسول الله ﵌ كان يشاور النساء ويأخذ برأيهن فيجوز للمرأة أن تكون عضواً في مجلس الشورى لتعطي رأيها كما فعلت أم سلمة ﵂ مع رسول الله ﵌. (١)
وورد في الشورى في الإسلام الإصدار المقدم له من الدكتور/ صالح بن عبدالله بن حميد امام وخطيب المسجد الحرام رئيس مجلس الشورى السعودي عرضاَ مفصلاً عن شروط عضوية مجلس الشورى السعودي, وبعد ذلك وتحت عنوان عضوية المرأة , هناك أمراً في غاية الأهمية كثيراً ما تطرح حوله الأسئلة ويثار في مناسبات عدة ولا سيما عند الحديث عن قضايا المرأة في المملكة العربية السعودية هذا الأمر لم يرد له ذكر في شروط العضوية ألا وهو: (عضوية المرأة في مجلس الشورى).
ففي ديننا الحنيف ليس هناك ما يمنع من اسهام المرأة في شؤون المجتمع, إذا ما كانت وفق الضوابط الشرعية التي تحافظ عليها. وقد أسهمت المرأة السعودية بجهد وافر في العملية التنموية للبلاد, من خلال ما تحمل من مؤهلات عالية, وتخصصات متنوعة.
ومجلس الشورى كثيراً ما يستعين بالنساء ويستشيرهن في الأمور التي تخصهن, وليس هناك ما يمنع حضورهن للمجلس سواءً لتقديم استشارة أو لحضور جلسة من جلسات المجلس (٢).
أما النظم القانونية والدساتير فإنها لا تشترط الذكورة فيمن يعين عضواً في مجلس الشورى، وبالنسبة للأعمار فاشترطت فيمن ينتخب في عضوية مجلس النواب أن لا يقل
стр. 173
سنه عن خمسة وعشرين عاماً، وهذه مرحلة النضج، وقد نص على ذلك في دستور الجمهورية اليمنية بالمادة (٦٤) , كما يشترط فيمن يُنتخب أن يكون مستقيم الخلق والسلوك مؤدياً للفرائض الدينية وأن لا يكون قد صدر ضده حكم قضائي بات في قضية مخلة بالشرف والأمانة ما لم يكن قد رد إليه اعتباره، أما نظام مجلس الشورى السعودي الصادر سنة ١٤١٢هـ فإنه يشترط فيمن يقوم الملك باختياره لعضوية مجلس الشورى أن يكون سعودي الجنسية وأن يكون من المشهود لهم بالصلاح والكفاءة وأن لا يقل عمره عن ثلاثين سنة (١).
أما الناخب فإن الدستور اليمني لا يشترط فيه إلا أن يكون يمنياً وأن لا يقل سنه عن ثمانية عشر عاماً وهو حسن لأن في ذلك إعطاء كل مواطن بالغ عاقل حق المشاركة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ومن ذلك حق الانتخاب والترشيح وإبداء الرأي.
إن اعتبار تكافؤ الفرص لجميع المواطنين على السواء ميزة ينبغي أن يحافظ عليها الكافة فهي لا تختلف مع أحكام الشريعة في شيء ولكن شرط العلم والأمانة أُغفِل في بعض التشريعات وربما عولج موضوعه عن طريق اختيار هيئة استشارية من بين كبار العلماء في مختلف التخصصات لأنها ضرورة لا بد منها, فإشراك الأمة في مزاولة السلطة والتفكير بقضاياها العامة وتوسيع دائرة المسؤولية بقصد تجنب الخطأ في اتخاذ القرارات لا يتأتى إلا عن طريق استشارة أهل الاختصاص, ومما لا شك فيه أن محاربة اعتقال الإرادة الإنسانية التي تمارسها الأنظمة الدكتاتورية وتحقيق ذاتية الأمة يقتضي إشراك الناس كافة ووضعهم في دائرة المسؤولية لأن الرسول ﵌ يقول: (إن أمتي لا تجتمع على ضلالة) (٢)، فالشورى هي يسيرة المنال عظيمة الفائدة ويتحقق بها النفع العظيم للأمة ولهذا جاءت بصورة مختلفة في العهد النبوي, فالخير ممارستها في أي صورة من الصور التي لا تختلف مع منهج الله وشرعه، كما سنزيد الأمر بياناً عند الحديث عن
стр. 174
نتائج الشورى والكيفية التي كانت تمارس بها، والذي يهمنا هنا هو القول بأن الدعوة لمشاركة الكافة لا يعني عدم التركيز على ذوي الإختصاص ولا يجيز تهميشهم لأن الله سبحانه يقول: (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) (١).
ولا تكاد النظم القانونية في مختلف البلدان تختلف على وجوب إشراك الأمة في معظم شؤونها وعلى إعطاء الإنسان كافة حقوقه السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مختلف المجالات كما هو مصرح بذلك في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في ١٠/ ١٢/١٩٩٤م المادة (٢١) من الإعلان العالمي تقول: لكل فرد الحق في الاشتراك في إدارة الشئوون العامة لبلاده إما مباشرة أو بواسطة ممثلين يختارون اختياراً حراً, وكذلك ما نص عليه العهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية بالمادة (٢٥) التي جاء فيها أن لكل مواطن أن يشارك في سير الحياة في بلاده مباشرة أو عن طريق ممثل له وأن ينتخب ويُنتخب وأن جميع الأفراد متساوون أمام القانون بدون تمييز.
وفي الولايات المتحدة الأمريكية يعتبر الدستور أعلى قاعدة قانونية ويتألف من مقدمة وسبع مواد وستة وعشرين تعديلاً ويقيم نظاماً فدرالياً تتوزع فيه السلطات بين حكومات الولايات المتحدة والحكومة القومية, كما ينشأ حكومة قومية متوازنة كذلك تتوزع السلطة على ثلاثة فروع مستقلة هي الفرع التنفيذي والفرع التشريعي والفرع القضائي, ويتولى الفرع التنفيذي تنفيذ القوانين بينما يقوم الفرع التشريعي بسن القوانين ويقوم الفرع القضائي بتفسير القوانين, ويمثل رئيس الجمهورية الفرع التنفيذي بينما يمثل الكونجرس الفرع التشريعي وتمثل المحكمة العليا الفرع القضائي, ويتم اختيار الرئيس مباشرة عن طريق الانتخابات المباشرة.
أما السلطة التشريعية فإنها تناط بالكونجرس كما هو مقر في دستور الولايات المتحدة, إلا أن السلطة التشريعية بالكونجرس تتألف من مجلس الشيوخ ومجلس النواب, ويتألف مجلس النواب من أعضاء يختارون كل سنتين من قبل الشعب في مختلف الولايات، ويجب أن يتوفر من الناخبين في كل ولاية نفس المؤهلات التي يتوجب توافرها في ناخبي
стр. 175
مجلس الهيئة التشريعية في تلك الولاية، وينتخب أعضاء مجلس النواب لدورات مدة الواحدة منها سنتان وإذا كان شخصاً مؤهلاً لانتخاب أعضاء الكونجرس والفرع الأكثر عدداً هو المجلس الذي يضم العدد الأكبر من الأعضاء ولدى جميع الولايات باستثناء (نبراساكا) هيئات تشريعية مكونة من مجلسين.
ومسألة أهلية انتخاب أعضاء الهيئة التشريعية لولاية ما متروكة كلياً لتلك الولاية وإنما خاضعة لقيود الدستور والقانون الفدرالي كقانون حقوق الاقتراع لعام ١٩٦٥م ويمنع الدستور الأمريكي في تعديلاته رقم ١٥، ١٩، ٢٤، ٢٦ الولايات من حرمان المواطن من حق الاقتراع أو تقييد هذا الحق بسبب العرق أو الجنس أو التقصير عن دفع ضريبة ما أو السن إذا كان سنه ثمان عشر سنة على الأقل, ولا يصبح أي شخص نائباً ما لم يكن قد بلغ سن الخامسة والعشرين ولم تكن مضت عليه سبع سنوات وهو من مواطني الولايات المتحدة.
أما مجلس الشيوخ فإنه يتألف من شيخين عن كل ولاية تختارها الهيئة التشريعية في كل ولاية لمدة ست سنوات ويكون لكل شيخ صوت واحد ولا يصبح أي شخص عضواً في مجلس الشيوخ ما لم يكن قد بلغ الثلاثين من العمر وما لم تكن مضت عليه تسع سنوات وهو من مواطني الولايات المتحدة وما لم يكن لدى انتخابه من سكان الولاية التي يتم اختياره عنها، وتحدد في كل ولاية مواعيد وأماكن وطريق انتخاب الشيوخ والنواب, تحددها هيئاتها التشريعية، ولكن يمكن للكونجرس في أي وقت أن يسن قانوناً يحدد فيه مثل هذه الأنظمة أو يعدلها إلا فيما يتعلق بدوائر اختيار الشيوخ, وعلى كل حال فإن الدستور الأمريكي الفدرالي هو الذي يحدد القوانين الأساسية للبلاد ويرسم شكل نظام الحكم القومي, كما يحدد حقوق الشعب الأمريكي وحرياته, ويحدد الدستور أيضاً أهداف الحكومة وسبل تحقيقها, وقد جاء في التعديل السادس والعشرين لدستور الولايات المتحدة الأمريكية الذي تم المصادقة عليه في ١ يوليو ١٩٧١م أنه لا يجوز للولايات المتحدة ولا
стр. 176
لأي ولاية فيها أن تحرم مواطني الولايات المتحدة ممن بلغوا سن الثامنة عشرة وما فوق من حق الانتخاب أو تنتقص لهم منه بسبب السن. (١)
ونجد أن هذه القوانين الوضعية لا تبعد كثيراً عن المنهاج الإسلامي إلا في جزئيات يسيرة سبق الإشارة إليها عند حديثنا عن الشورى في التشريع فلا نعيد هنا تحاشياً للتطويل والتكرار، ونخلص مما سلف أن اختيار ممثلي الأمة في مجلس الشورى أو المجلس النيأبي أو الاستشاري لا بد من توافر شروط يضعها العلماء للدولة, ويصدرون النظام والقانون المستجمع للشروط على ضوء ما ذكره العلماء, وأن كل طريق يمكن به تبيين من يحوز ثقة جمهور الأمة ويرجى منه ضبط شؤونها فهو جائز شرعاً إذ الأصل في الأشياء الإباحة سواءً كان ذلك عن طريق الانتخاب وهو الأمثل أو عن طريق إصدار قرار بالتعيين من قبل ولي الأمر.
المبحث السادس
بيان الكيفية التي كانت تتم بها الشورى في صدر الدولة الإسلامية وما يستفاد من ذلك
لقد عرضنا في المباحث السابقة أن الشورى في الشكل الإسلامي لم تتخذ شكلاً معيناً محدداً بحيث لا يجوز مخالفته وإنما اكتفت الشريعة الإسلامية بإيجاد مبدء الشورى الثابت وتركت أمر تنظيمها وتحديد وسائلها وأساليبها لاجتهاد الأمة بحسب ما تقتضيه مصلحة الأمة، وفي ذلك يقول الإمام محمد عبده: ومعلوم أن الشرع لم يجيء ببيان كيفية مخصوصة لمناصحة الحكام ولا طريقة معروفة للشورى عليهم, كما لم يمنع كيفية من كيفياتها الموجبة لبلوغ المراد منها, فالشورى واجب شرعي وكيفية إجرائها غير محصورة في طريق معين, فاختيار الطريق المعين باق على الأصل من الإباحة والجواز كما هو القاعدة في كل ما لم يرد نص بنفيه أو إثباته, غير أننا إذا نظرنا إلى الحديث الشريف الذي رواه البخاري عن ابن عباس ﵁ وهو (كان النبي ﵌ يحب موافقة أهل الكتاب في كل ما لم يُؤمَر فيه .. ) ندب لنا أن نوافق في كيفية الشورى ومناصحة أولياء الأمر الأمم التي أخذت هذا الواجب نقلاً عنا وأنشأت له نظاماً مخصوصاً متى رأينا في الموافقة نفعاً ووجدنا منها فائدة تعود على الأمة والدين، فتألف من مجموع هذا أن الشورى واجبة وأن طريقها مناط بما يكون أقرب إلى غاية الصواب وأدنا إلى ضمان المنافع ومجالبها على أنها إن كانت في أصل الشرع مندوبة فقاعدة تغير الأحكام بتغير الزمان تجعلها عند مسيس الحاجة إليها واجبة وجوباً شرعياً. (٢)
وقد قال الرسول ﵌ (ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمورههم) (٣).
стр. 177
ويقول طه حسين في كتابه الفتنة الكبرى: كان الإسلام وما زال ديناً قبل كل شيء وبعد كل شيء يوجه الناس إلى مصالحهم في الدنيا والآخرة بما يبين لهم من الحدود والأحكام التي تتصل بالتوحيد أولاً وبتصديق النبي ثانياً، ويتوخى الخير من السيرة بعد ذلك ولكنه لم يسلبهم حريتهم ولم يملك عليهم أمرهم كله وإنما ترك لهم حريتهم في الحدود التي رسمها لهم ولم يحص عليهم كل ما ينبغي عليهم أن يفعلوا وكل ما ينبغي أن يتركوا وإنما ترك لهم عقولاً تستبصر وقلوباً تستذكر وأذن لهم أن يتوخوا الخير والصواب والمصلحة العامة ما وجدوا لذلك سبيلا، وقد أمر الله نبيه أن يشاور المسلمين في الأمر, ولو قد كان الحكم متنزلاً من السماء لأمضى النبي كل شيء بأمر ربه لم يشاور أحداً ولم يآمر فيه ولياً من أوليائه وقد قبل النبي ﵌ مشورة أصحابه في غزوة بدر. وعن المشورة للاعتماد على رأي أصحابه صدر النبي حين أمر بحفر الخندق في غزوة الأحزاب، ولو أردنا أن نستقصي المواطن التي شاور فيها النبي أصحابه لطال بنا الحديث ولكن في هذه الأحاديث اليسيرة التي روينا فيها ما يكفي لإثبات أن الحكم في أيام النبي لم يكن ينزل من السماء في جملته وتفصيله، وإنما الوحي كان يوجه النبي وأصحابه إلى مصالحهم العامة والخاصة دون أن يحول بينهم وبين هذه الحرية التي تتيح لهم أن يدبروا أمرهم على ما يحبون في حدود الحق والخير والعدل. (١)
أما الأستاذ ظافر القاسمي في نظام الحكم في الإسلام فإنه عن كيفية تطبيق الرسول ﵌ للشورى أيام حياته يقول: نستطيع أن نقسم الشورى أيام الرسول إلى قسمين:
أولهما: شورى وقعت بناءً على طلب الرسول ﵌, أي أن الرسول هو الذي سأل الناس أن يشيروا عليه, وإن شئت سميتها بلغة العصر شورى إيجابية, ومن ذلك ما رواه الطبري من استشارة الرسول ﵌ لأصحابه قبل غزوة أحد حيث قال إن الرسول ﵌ لما سمع بنزول
стр. 178
المشركين من قريش واتباعها أحداً قال لأصحابه: أشيروا علي ما أصنع؟ فقالوا يا رسول الله اخرج بنا إلى هذا الأكلب فقالت الأنصار يا رسول الله ما غلبنا عدو قط أتانا في ديارنا فكيف وأنت فينا, فدعا الرسول ﵌ عبدالله بن أبي بن سلول ولم يدعه قط قبلها فقال يا رسول الله لا تخرج بنا إلى هذا الأكلب. وهكذا فإن الرسول استشار المهاجرين ثم الأنصار حتى رأس المنافقين عبدالله بن أبي بن سلول لم يهمل استشارته، ولقد رأيت اختلافهم بين الخروج من المدينة والبقاء فيها. يقول الطبري ثم إن الرسول ﵌ دعا بدرعه فلبسها فلما رأوه قد لبس السلاح ندموا وقالوا بئس ما صنعنا فقاموا فاعتذروا إلى النبي ﵌ وقالوا اصنع ما رأيت فقال الرسول ﵌ (لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل) , وهكذا لم تكن المشورة إلا درساً في السلوك لقنها النبي لأصحابه حتى حُفظ عنه أنه كان يردد في أكثر المناسبات قوله المشهور: (أشيروا عليَّ أيها الناس).
ثانيهما: شورى جاءته من بعض الصحابة ابتداءً من غير طلب وإن شئت سميتها بلغة اليوم شورى سلبية, وأورد ما حدث في غزوة بدر وما أشار عليه الحباب بن المنذر وقد سبق أن أوردناه فلا نعيده هنا وهو أن النبي ﵌ أخذ برأي الحباب ابن المنذر وقال: (قد أشرت بالرأي).
وربما كان هناك نوع ثالث من الشورى ليس سلبياً وليس إيجابياً وإنما هو أمر بين بين كأن يعزم الرسول ﵌ على أمر من الأمور ويبدأ بالمفاوضة فيه حتى إذا حان إبرامه رأى أن يستشير فيشار عليه وبعد ذلك إما أبرمه وإما نقضه كالذي وقع خلال غزوة الخندق. (١) أي من استشارة الرسول ﵌ للسعدين بقصد مصالحة المشركين وتخذيلهم على شيء من ثمار المدينة، والمتتبع للهدي النبوي يجد أن الشورى في عهد النبي ﵌ إما أن تكون لعامة الناس وإما أن تكون لخاصتهم أو لوجهائهم الذين ينوبون عنهم في الغالب كما حدث في قصة استشارة
стр. 179
النبي ﵌ للسعدين، وكما ورد في قول النبي ﵌ لأبي بكر وعمر ﵄ (لو اجتمعتما على رأي لما خالفتكما) (١)، وقد تكون الاستشارة خاصة في أمر عام كما في قصة استشارة الرسول ﵌ لأم سلمة في الهدي بعد عقد صلح الحديبية، وقد سبق بيان ذلك وأن النبي ﵌ أخذ برأيها, وقد تكون الاستشارة عامة في أمر خاص إذا تعلق ذلك بأمر هام وخطير يترتب عليه براءة أو إدانة، فقد جاء في صحيح مسلم والبخاري من حديث السيدة عائشة ﵂ في قصتها قالت: دعا النبي ﵌ علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يسألهما ويستشيرهما في فراق أهله فأما أسامة فأشار بالذي يعلم من براءة أهله فقال: أهلك ولا نعلم إلا خيراً، وأما علي فقال: يا رسول الله لن يضيق الله عليك والنساء كثير وسل الجارية تصدقك. قال فدعا الرسول بريرة فقال: أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك؟ قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق ما رأيت عليها أمراً قط أغمضه غير أنها جارية تنام عند عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله فقام النبي ﵌ على المنبر فقال: يا معشر المسلمين من يعذرني في رجل بلغني أذاه في أهلي والله ما علمت على أهلي إلا خيراً, وذكر براءة عائشة. (٢)
وجاء في رواية أخرى عن عائشة أن النبي ﵌ خطب الناس وحمد الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس أشيروا علي في أناس آذوا أهلي وأيم الله ما علمت على أهلي من سوء قط، ولقد ذكروا رجلاً والله ما علمت عليه إلا خيراً وما كان يدخل على أهلي إلا معي, فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: يا رسول الله أنا أعذرك منه إن كان من الأوس ضربت عنقه وإن كان من إخواننا في الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. وساق البخاري القصة إلى أن ذكر نزول القرآن ببراءة عائشة رضوان الله عليها. (٣)
وهذه الأحاديث تدل على أن الرسول ﵌ قد استشار استشارة خاصة وذلك كما ورد في استشارته لعلي وأسامة ﵄ واستشار الصحابة في عقاب من يعمل على إشاعة مثل هذا الإفك بين الناس ولكن القرآن حكم ببراءة عائشة وبتحديد العقوبة فلم يبق للإجتهاد محل.
وهكذا نجد الاستشارة العامة والاستشارة الخاصة في عهد النبوة وفي عهد الخلفاء الراشدين, ففي قصة خروج عمر بن الخطاب ﵁ إلى الشام سنة ١٧هـ ذكر الطبري وغيره: أنه كان قد خرج غازياً حتى إذا كان بسر لقيه أمراء الأجناد فأخبروه أن الأرض سقيمة فرجع بالناس إلى المدينة، ونقل الطبري عن ابن عباس: خروج عمر ﵁ ومعه المهاجرين والأنصار حتى إذا نزل بسر لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة فأخبروه أن الأرض سقيمة فقال عمر: اجمع لي المهاجرين الأولين, قال: فجمعتهم له, فاستشارهم, فاختلفوا عليه, فمنهم القائل: خرجت لوجه تريد الله وما عنده ولا نرى أن يصدك بلاء عرض لك, ومنهم القائل: أنه لبلاء وفناء ما نرى أن تقدم عليه, فلما اختلفوا عليه قال: قوموا عني ثم قال اجمع لي مهاجرة الأنصار, فجمعتهم, فاستشارهم, فسلكوا طريق المهاجرين, فكأنما سمعوا ما قالوا فقالوا مثله. فلما اختلفوا عليه قال: قوموا عني, ثم قال اجمع لي مهاجرة الفتح من قريش, فجمعتهم له فلم يختلف عليه منهم اثنان وقالوا: ارجع بالناس فإنه بلاء وفناء. فقال لي عمر: يابن عباس اصرخ في الناس فقل: إن أمير المؤمنين يقول لكم إني مصبح على ظهر, فأصبحوا عليه, قال: فأصبح عمر على ظهر وأصبح الناس عليه, فلما اجتمعوا عليه قال: أيها الناس إني راجع فارجعوا, فقال له أبو عبيدة بن الجراح: أفرار من قدر الله, قال نعم فرار من قدر الله إلى قدر الله, أرأيت لو أن رجلاً هبط وادياً له عدوتان إحداهما خصبة
стр. 180
والأخرى جدبة أليس يرعى من رعا الجدبة بقدر الله ويرعى من رعى الخصبة بقدر الله ثم لو غيرك يقول هذا يا أبا عبيدة, ثم خلا به بناحية دون الناس, فبينما الناس على ذلك إذ أتى عبدالرحمن بن عوف وكان متخلفاً عن الناس لم يشهدهم بالأمس, فقال: ما شأن الناس؟ فأُخبر الخبر فقال: عندي من هذا علم, فقال: عمر فأنت عندنا الأمين الصدوق فماذا عندك, فقال سمعت رسول الله ﵌ يقول: (إذا سمعتم بهذا الوباء في بلد فلا تقدموا عليه وإذا وقع وأنتم في بلد فلا تخرجوا فراراً منه ولا يخرجنكم إلا ذلك) فقال عمر: فلله الحمد انصرفوا أيها الناس, فانصرف بهم. (١)
واستشارة الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ هنا جاءت للمهاجرين والأنصار ولمهاجري الفتح وهي استشارة لوجهاء الناس وخيارهم وأهل الرأي فيهم ويستفاد منها عدة فوائد منها:
? الفائدة الأولى: حرص ولي الأمر على مصالح المسلمين العامة وعدم إقدامه على اتخاذ قرار لم يتبين له فيه وجه الصواب لما في ذلك من المخاطرة بالمسلمين.
? الفائدة الثانية: هي مشاورة كل من حضره من أهل الحل والعقد أو من أهل الشورى لما في ذلك من تمحيص الآراء والوصول إلى رأي مفيد عن طريق قدح عقول كثيرة.
? الفائدة الثالثة: جواز اجتماع ولي الأمر برعيته على فئات متجانسة كما فعل عمر ﵁ هنا حيث قسمهم إلى ثلاث فئات فئة الأنصار وفئة المهاجرين وفئة مشيخة قريش من مهاجرة الفتح, لأنه كلما كان العدد المتشاور أقل كان النقاش أوسع لسعة الوقت.
? الفائدة الرابعة: الاستئناس برأي كبار السن ذوي الرأي والتجربة.
? الفائدة الخامسة: الاستئناس بالرأي الموحد كما استأنس عمر ﵁ برأي مشيخة الفتح لعدم اختلافهم.
?