← Сияса и кади

Сияса и кади · id 26217

الشورى في الشريعة الإسلامية

حسين بن محمد المهدي

Полный текст (244 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

لأي ولاية فيها أن تحرم مواطني الولايات المتحدة ممن بلغوا سن الثامنة عشرة وما فوق من حق الانتخاب أو تنتقص لهم منه بسبب السن. (١) ونجد أن هذه القوانين الوضعية لا تبعد كثيراً عن المنهاج الإسلامي إلا في جزئيات يسيرة سبق الإشارة إليها عند حديثنا عن الشورى في التشريع فلا نعيد هنا تحاشياً للتطويل والتكرار، ونخلص مما سلف أن اختيار ممثلي الأمة في مجلس الشورى أو المجلس النيأبي أو الاستشاري لا بد من توافر شروط يضعها العلماء للدولة, ويصدرون النظام والقانون المستجمع للشروط على ضوء ما ذكره العلماء, وأن كل طريق يمكن به تبيين من يحوز ثقة جمهور الأمة ويرجى منه ضبط شؤونها فهو جائز شرعاً إذ الأصل في الأشياء الإباحة سواءً كان ذلك عن طريق الانتخاب وهو الأمثل أو عن طريق إصدار قرار بالتعيين من قبل ولي الأمر. المبحث السادس بيان الكيفية التي كانت تتم بها الشورى في صدر الدولة الإسلامية وما يستفاد من ذلك لقد عرضنا في المباحث السابقة أن الشورى في الشكل الإسلامي لم تتخذ شكلاً معيناً محدداً بحيث لا يجوز مخالفته وإنما اكتفت الشريعة الإسلامية بإيجاد مبدء الشورى الثابت وتركت أمر تنظيمها وتحديد وسائلها وأساليبها لاجتهاد الأمة بحسب ما تقتضيه مصلحة الأمة، وفي ذلك يقول الإمام محمد عبده: ومعلوم أن الشرع لم يجيء ببيان كيفية مخصوصة لمناصحة الحكام ولا طريقة معروفة للشورى عليهم, كما لم يمنع كيفية من كيفياتها الموجبة لبلوغ المراد منها, فالشورى واجب شرعي وكيفية إجرائها غير محصورة في طريق معين, فاختيار الطريق المعين باق على الأصل من الإباحة والجواز كما هو القاعدة في كل ما لم يرد نص بنفيه أو إثباته, غير أننا إذا نظرنا إلى الحديث الشريف الذي رواه البخاري عن ابن عباس ﵁ وهو (كان النبي ﵌ يحب موافقة أهل الكتاب في كل ما لم يُؤمَر فيه .. ) ندب لنا أن نوافق في كيفية الشورى ومناصحة أولياء الأمر الأمم التي أخذت هذا الواجب نقلاً عنا وأنشأت له نظاماً مخصوصاً متى رأينا في الموافقة نفعاً ووجدنا منها فائدة تعود على الأمة والدين، فتألف من مجموع هذا أن الشورى واجبة وأن طريقها مناط بما يكون أقرب إلى غاية الصواب وأدنا إلى ضمان المنافع ومجالبها على أنها إن كانت في أصل الشرع مندوبة فقاعدة تغير الأحكام بتغير الزمان تجعلها عند مسيس الحاجة إليها واجبة وجوباً شرعياً. (٢) وقد قال الرسول ﵌ (ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمورههم) (٣).

стр. 177

ويقول طه حسين في كتابه الفتنة الكبرى: كان الإسلام وما زال ديناً قبل كل شيء وبعد كل شيء يوجه الناس إلى مصالحهم في الدنيا والآخرة بما يبين لهم من الحدود والأحكام التي تتصل بالتوحيد أولاً وبتصديق النبي ثانياً، ويتوخى الخير من السيرة بعد ذلك ولكنه لم يسلبهم حريتهم ولم يملك عليهم أمرهم كله وإنما ترك لهم حريتهم في الحدود التي رسمها لهم ولم يحص عليهم كل ما ينبغي عليهم أن يفعلوا وكل ما ينبغي أن يتركوا وإنما ترك لهم عقولاً تستبصر وقلوباً تستذكر وأذن لهم أن يتوخوا الخير والصواب والمصلحة العامة ما وجدوا لذلك سبيلا، وقد أمر الله نبيه أن يشاور المسلمين في الأمر, ولو قد كان الحكم متنزلاً من السماء لأمضى النبي كل شيء بأمر ربه لم يشاور أحداً ولم يآمر فيه ولياً من أوليائه وقد قبل النبي ﵌ مشورة أصحابه في غزوة بدر. وعن المشورة للاعتماد على رأي أصحابه صدر النبي حين أمر بحفر الخندق في غزوة الأحزاب، ولو أردنا أن نستقصي المواطن التي شاور فيها النبي أصحابه لطال بنا الحديث ولكن في هذه الأحاديث اليسيرة التي روينا فيها ما يكفي لإثبات أن الحكم في أيام النبي لم يكن ينزل من السماء في جملته وتفصيله، وإنما الوحي كان يوجه النبي وأصحابه إلى مصالحهم العامة والخاصة دون أن يحول بينهم وبين هذه الحرية التي تتيح لهم أن يدبروا أمرهم على ما يحبون في حدود الحق والخير والعدل. (١) أما الأستاذ ظافر القاسمي في نظام الحكم في الإسلام فإنه عن كيفية تطبيق الرسول ﵌ للشورى أيام حياته يقول: نستطيع أن نقسم الشورى أيام الرسول إلى قسمين: أولهما: شورى وقعت بناءً على طلب الرسول ﵌, أي أن الرسول هو الذي سأل الناس أن يشيروا عليه, وإن شئت سميتها بلغة العصر شورى إيجابية, ومن ذلك ما رواه الطبري من استشارة الرسول ﵌ لأصحابه قبل غزوة أحد حيث قال إن الرسول ﵌ لما سمع بنزول

стр. 178

المشركين من قريش واتباعها أحداً قال لأصحابه: أشيروا علي ما أصنع؟ فقالوا يا رسول الله اخرج بنا إلى هذا الأكلب فقالت الأنصار يا رسول الله ما غلبنا عدو قط أتانا في ديارنا فكيف وأنت فينا, فدعا الرسول ﵌ عبدالله بن أبي بن سلول ولم يدعه قط قبلها فقال يا رسول الله لا تخرج بنا إلى هذا الأكلب. وهكذا فإن الرسول استشار المهاجرين ثم الأنصار حتى رأس المنافقين عبدالله بن أبي بن سلول لم يهمل استشارته، ولقد رأيت اختلافهم بين الخروج من المدينة والبقاء فيها. يقول الطبري ثم إن الرسول ﵌ دعا بدرعه فلبسها فلما رأوه قد لبس السلاح ندموا وقالوا بئس ما صنعنا فقاموا فاعتذروا إلى النبي ﵌ وقالوا اصنع ما رأيت فقال الرسول ﵌ (لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل) , وهكذا لم تكن المشورة إلا درساً في السلوك لقنها النبي لأصحابه حتى حُفظ عنه أنه كان يردد في أكثر المناسبات قوله المشهور: (أشيروا عليَّ أيها الناس). ثانيهما: شورى جاءته من بعض الصحابة ابتداءً من غير طلب وإن شئت سميتها بلغة اليوم شورى سلبية, وأورد ما حدث في غزوة بدر وما أشار عليه الحباب بن المنذر وقد سبق أن أوردناه فلا نعيده هنا وهو أن النبي ﵌ أخذ برأي الحباب ابن المنذر وقال: (قد أشرت بالرأي). وربما كان هناك نوع ثالث من الشورى ليس سلبياً وليس إيجابياً وإنما هو أمر بين بين كأن يعزم الرسول ﵌ على أمر من الأمور ويبدأ بالمفاوضة فيه حتى إذا حان إبرامه رأى أن يستشير فيشار عليه وبعد ذلك إما أبرمه وإما نقضه كالذي وقع خلال غزوة الخندق. (١) أي من استشارة الرسول ﵌ للسعدين بقصد مصالحة المشركين وتخذيلهم على شيء من ثمار المدينة، والمتتبع للهدي النبوي يجد أن الشورى في عهد النبي ﵌ إما أن تكون لعامة الناس وإما أن تكون لخاصتهم أو لوجهائهم الذين ينوبون عنهم في الغالب كما حدث في قصة استشارة

стр. 179

النبي ﵌ للسعدين، وكما ورد في قول النبي ﵌ لأبي بكر وعمر ﵄ (لو اجتمعتما على رأي لما خالفتكما) (١)، وقد تكون الاستشارة خاصة في أمر عام كما في قصة استشارة الرسول ﵌ لأم سلمة في الهدي بعد عقد صلح الحديبية، وقد سبق بيان ذلك وأن النبي ﵌ أخذ برأيها, وقد تكون الاستشارة عامة في أمر خاص إذا تعلق ذلك بأمر هام وخطير يترتب عليه براءة أو إدانة، فقد جاء في صحيح مسلم والبخاري من حديث السيدة عائشة ﵂ في قصتها قالت: دعا النبي ﵌ علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يسألهما ويستشيرهما في فراق أهله فأما أسامة فأشار بالذي يعلم من براءة أهله فقال: أهلك ولا نعلم إلا خيراً، وأما علي فقال: يا رسول الله لن يضيق الله عليك والنساء كثير وسل الجارية تصدقك. قال فدعا الرسول بريرة فقال: أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك؟ قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق ما رأيت عليها أمراً قط أغمضه غير أنها جارية تنام عند عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله فقام النبي ﵌ على المنبر فقال: يا معشر المسلمين من يعذرني في رجل بلغني أذاه في أهلي والله ما علمت على أهلي إلا خيراً, وذكر براءة عائشة. (٢) وجاء في رواية أخرى عن عائشة أن النبي ﵌ خطب الناس وحمد الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس أشيروا علي في أناس آذوا أهلي وأيم الله ما علمت على أهلي من سوء قط، ولقد ذكروا رجلاً والله ما علمت عليه إلا خيراً وما كان يدخل على أهلي إلا معي, فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: يا رسول الله أنا أعذرك منه إن كان من الأوس ضربت عنقه وإن كان من إخواننا في الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. وساق البخاري القصة إلى أن ذكر نزول القرآن ببراءة عائشة رضوان الله عليها. (٣) وهذه الأحاديث تدل على أن الرسول ﵌ قد استشار استشارة خاصة وذلك كما ورد في استشارته لعلي وأسامة ﵄ واستشار الصحابة في عقاب من يعمل على إشاعة مثل هذا الإفك بين الناس ولكن القرآن حكم ببراءة عائشة وبتحديد العقوبة فلم يبق للإجتهاد محل. وهكذا نجد الاستشارة العامة والاستشارة الخاصة في عهد النبوة وفي عهد الخلفاء الراشدين, ففي قصة خروج عمر بن الخطاب ﵁ إلى الشام سنة ١٧هـ ذكر الطبري وغيره: أنه كان قد خرج غازياً حتى إذا كان بسر لقيه أمراء الأجناد فأخبروه أن الأرض سقيمة فرجع بالناس إلى المدينة، ونقل الطبري عن ابن عباس: خروج عمر ﵁ ومعه المهاجرين والأنصار حتى إذا نزل بسر لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة فأخبروه أن الأرض سقيمة فقال عمر: اجمع لي المهاجرين الأولين, قال: فجمعتهم له, فاستشارهم, فاختلفوا عليه, فمنهم القائل: خرجت لوجه تريد الله وما عنده ولا نرى أن يصدك بلاء عرض لك, ومنهم القائل: أنه لبلاء وفناء ما نرى أن تقدم عليه, فلما اختلفوا عليه قال: قوموا عني ثم قال اجمع لي مهاجرة الأنصار, فجمعتهم, فاستشارهم, فسلكوا طريق المهاجرين, فكأنما سمعوا ما قالوا فقالوا مثله. فلما اختلفوا عليه قال: قوموا عني, ثم قال اجمع لي مهاجرة الفتح من قريش, فجمعتهم له فلم يختلف عليه منهم اثنان وقالوا: ارجع بالناس فإنه بلاء وفناء. فقال لي عمر: يابن عباس اصرخ في الناس فقل: إن أمير المؤمنين يقول لكم إني مصبح على ظهر, فأصبحوا عليه, قال: فأصبح عمر على ظهر وأصبح الناس عليه, فلما اجتمعوا عليه قال: أيها الناس إني راجع فارجعوا, فقال له أبو عبيدة بن الجراح: أفرار من قدر الله, قال نعم فرار من قدر الله إلى قدر الله, أرأيت لو أن رجلاً هبط وادياً له عدوتان إحداهما خصبة

стр. 180

والأخرى جدبة أليس يرعى من رعا الجدبة بقدر الله ويرعى من رعى الخصبة بقدر الله ثم لو غيرك يقول هذا يا أبا عبيدة, ثم خلا به بناحية دون الناس, فبينما الناس على ذلك إذ أتى عبدالرحمن بن عوف وكان متخلفاً عن الناس لم يشهدهم بالأمس, فقال: ما شأن الناس؟ فأُخبر الخبر فقال: عندي من هذا علم, فقال: عمر فأنت عندنا الأمين الصدوق فماذا عندك, فقال سمعت رسول الله ﵌ يقول: (إذا سمعتم بهذا الوباء في بلد فلا تقدموا عليه وإذا وقع وأنتم في بلد فلا تخرجوا فراراً منه ولا يخرجنكم إلا ذلك) فقال عمر: فلله الحمد انصرفوا أيها الناس, فانصرف بهم. (١) واستشارة الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ هنا جاءت للمهاجرين والأنصار ولمهاجري الفتح وهي استشارة لوجهاء الناس وخيارهم وأهل الرأي فيهم ويستفاد منها عدة فوائد منها: ? الفائدة الأولى: حرص ولي الأمر على مصالح المسلمين العامة وعدم إقدامه على اتخاذ قرار لم يتبين له فيه وجه الصواب لما في ذلك من المخاطرة بالمسلمين. ? الفائدة الثانية: هي مشاورة كل من حضره من أهل الحل والعقد أو من أهل الشورى لما في ذلك من تمحيص الآراء والوصول إلى رأي مفيد عن طريق قدح عقول كثيرة. ? الفائدة الثالثة: جواز اجتماع ولي الأمر برعيته على فئات متجانسة كما فعل عمر ﵁ هنا حيث قسمهم إلى ثلاث فئات فئة الأنصار وفئة المهاجرين وفئة مشيخة قريش من مهاجرة الفتح, لأنه كلما كان العدد المتشاور أقل كان النقاش أوسع لسعة الوقت. ? الفائدة الرابعة: الاستئناس برأي كبار السن ذوي الرأي والتجربة. ? الفائدة الخامسة: الاستئناس بالرأي الموحد كما استأنس عمر ﵁ برأي مشيخة الفتح لعدم اختلافهم. ?

стр. 181

الفائدة السادسة: فتح الباب لمن أراد أن يستفسر لإزالة الشبهة عنده ولو كان ولي الأمر قد انتهى بالأخذ بأحد الآراء لأن إزالة الشبهة من قلوب الرعية تأليفاً لقلوبهم واطمئناناً يجعلهم يشاركون إخوانهم في الرأي, كما أنه ينبغي أن يكون عند ولي الأمر القدرة على إيراد الحجج المقنعة, ولكن ذلك لا يبيح للرعية أو بعضهم أن يقفوا موقف المعارضين لما تم التوصل إليه من الشورى بعد عزم ولي الأمر على إنفاذه لقوله تعالى: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) أما أبو عبيدة فإنه لم يقف معارضاً وإنما مستفسراً. ? الفائدة السابعة: أن الله يوفق ولي الأمر ورعيته للصواب إذا أخلصوا في مشاورتهم وقصدوا المصلحة العامة. ? الفائدة الثامنة: أن أهل الشورى مهما كثروا فإنه قد يغيب عنهم الدليل على المسألة من الكتاب أو السنة ولو كانوا علماء مجتهدين مع وجوده عند من غاب عن مجلسهم كما دل على ذلك تلك المناقشات الطويلة، ولو كان عند أحدهم دليل لذكره، ولما كان هناك حاجة لمناقشته حتى جاء عبدالرحمن بن عوف فذكر الدليل فحمد الله عمر ﵁ على موافقته. (١) قلت وهذه الفوائد جليلة وجميلة ولا تخلو الشورى في كل الأحوال من فوائد جمة وهي تدل على ضرورة استحضار العلماء في مجالس الشورى للأمراء والرؤساء والمجالس النيابية والبرلمانية, وقد درج على ذلك الخلفاء الراشدون كما حدث في شورى الصحابة في تعيين الخليفة بعد الرسول ﵌ في سقيفة بني ساعدة وشورى عمر ﵁ حينما جعل الأمر شورى في ستة من بعده واستشارته في دخول مصر بعد فتح بلاد الشام واستشارة علي ﵁ أصحابه في مسألة التحكيم وقد لاح النصر وتبين أنها خدعة فلما أشاروا عليه وغلبوه رضخ لأمرهم, وقد قيل أن أهل الشورى كان فيهم ضعف وتناقض في تلك الحادثة أما هو فهو أهل للشورى وما كان يقطع بأمر حتى يستشير وقد أثر عنه أنه قال: الاستشارة عين الهداية وقد خاطر من استغنى برأيه، وأما

стр. 182

عثمان فإنه لما استأذنه عبدالله بن أبي السرح في التوغل في أرض افريقيا وطلب منه النجدة استشار عثمان الصحابة فأشاروا به. (١) وهذا كله يكشف بجلاء أن الشورى الإسلامية لم تتخذ نمطاً واحداً في شكل محدد, فمنها ما يمكن طرحه للناس كافة في استفتاء عام, ومنها ما يمكن بحثه بين مجموعة من أهل الرأي والخبرة, ومنها ما لا يمكن أن يكون محل بحث إلا في نطاق محدود فبأي صورة طرحت الشورى وتحقق الغاية منها فإن الإسلام يقره ويرتضيه. ومن هنا يمكن القول أن أساليب الشورى ووسائلها تتغير بحسب ما تقتضيه مصلحة الأمة ويوافق متطلبات العصر ولا يختلف مع شرع الله في شيء، وإن قيام مجالس للشورى لا يصادر حق ولي الأمر في إصدار القرار بعد المشاورة وبيان الصواب وإنما يحد من التسلط أو الوقوع في الخطأ, وليس بمهم تسميات هذه المجالس سواء سميت مجالس شورى أو مجالس نواب أو غير ذلك. أما أسلوب الاختيار الأمثل فإن فقهاء السياسة والعلماء يختلفون في العصر الحاضر فمنهم من ذهب إلى أن الطريق الأمثل هو الانتخاب مباشرة من الشعب بشرط أن تضع الدولة الإسلامية نظاماً لإجراء هذا الانتخاب وضمان سلامته على أن يتضمن هذا النظام أو القانون تعيين الشروط على ضوء ما ذكره الفقهاء وحجة أصحاب هذا الاتجاه يتمثل في أمرين: الأول: أن اختيار ممثل الأمة بطريق الانتخاب يجد مستنده في القرآن الكريم وذلك في آيتي الشورى وهما قوله تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) وقوله (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) وانتخاب ممثل الأمة منهم أهم الأمور التي تجري فيها الشورى، وإجراء الشورى فيها يكون باستشارة أفراد الأمة فيمن يكونون ممثلين عنها, والوسيلة لمعرفة رأي أفراد الأمة هو الانتخاب ويقولون أن سند ذلك كما هو موجود في كتاب الله العزيز فإن القارئ يجد سنده في السيرة النبوية وذلك في قوله ﵊ لأهل بيعة العقبة: أخرجوا منكم اثني عشر نقيباً يكونون على قومهم بما فيهم, فاخرجوا عليهم اثنى عشر نقيباً تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس, قال ابن إسحاق: حدثني عبدالله بن أبي بكر أن الرسول ﵌ قال للنقباء: أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم وأنا كفيل على قومي. قالوا: نعم. (٢) الأمر الثاني: قالوا أن كل طريق يمكن به تبين من يحوز ثقة جمهور الأمة هو جائزٌ شرعاً إذ الأصل في الأشياء الإباحة، ولا شك أن طريق الانتخاب في هذا الزمان هو الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن تظهر رأي الأمة فيمن يمثلها بشرط أن لا يستعمل فيها التزوير والغش والخداع وما إلى ذلك مما يحرمه الشرع. (٣) ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن الانتخاب ليس بمحظور شرعاً ولا يتعارض مع أهداف النظام الإسلامي وما تقتضيه المصلحة ولكن بشرط أن يجري الانتخاب بحرية تامة بعيداً عن الهوى والتزييف أو التزوير. (٤) وقد قال الإمام أبو الأعلى المودودي أنه يجوز أن تستخدم اليوم على حسب أحوالنا وحاجاتنا كل طريق مباح يمكن به تبين من يحوز ثقة جمهور الأمة, ولا شك أن طرق الانتخاب في هذا الزمان هي أيضاً من الطرق المباحة التي يجوز لنا استخدامها بشرط أن لا يستعمل فيها ما يستعمل من الحيل والوسائل المرذولة. (٥) وقد نقل الدكتور الباز عن الإمام حسن البناء قوله لقد رتب النظام الحديث

стр. 183

طريق الوصول إلى أهل العقد والحل بما وضع الفقهاء الدستوريون من نظم الانتخاب وطرائقه المختلفة ما دام يؤدي إلى اختيار أهل الحل والعقد. (١) قلت: وهذه المسألة من المسائل التي يحدد وسائلها العلماء وتتخذ الدولة بذلك نظاماً أو قانوناً, وإذا كان أصحاب هذا الاتجاه قد أوجدوا سنداً من الكتاب والسنة فإنه لا يعني الاختلاف في الوسيلة التي توصل الأمة إلى الشورى وجواز تغيرها إذ ليست الأدلة تدل بصفة قاطعة على طريق معينة كما سبق وأن بينا ذلك ولكنه بلا شك طريق مثالي إذا تجرد من الحيل ووسائل الغش المرذولة الذي أشار إليها الإمام أبو الأعلى المودودي. أما أصحاب الاتجاه الثاني فإنهم يرون أن الانتخاب ليس الطريق الأمثل في اختيار أعضاء مجلس الشورى وأن الاعتماد على الجمهور والشعب أو على الاستفتاءات العامة وسيلة قد يساء استعمالها من الحاكمين لأخذ المبادرة وجعل المفكرين والعلماء وأرباب الإختصاص وأولي النهي رقماً مهملاً أو رقماً يتساوى مع عامة الناس ممن ليس لهم رأي سديد ولا معرفة صحيحة أو خبرة أو دراية. نقل ذلك الأستاذ محمد المبارك في تقديمه لكتاب نظام الحكم في الإسلام وقال أنا لا أقول بإهمال الجمهور ففي نصوص الشريعة واتجاهات السلف ما يجعل لهم موقفاً ومكاناً كحق النقد والمجاهرة بالحق أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمبايعة العامة للإمام, لكن أستاذنا الكبير يميل إلى إعطاء القيمة الكبرى لجمهور الشعب حتى في التشريع وهي مسألة اختصاصية (٢). ويقرب من هذا القول ما ذكره الدكتور أحمد العوضي في كتابه الحقوق السياسية حيث فرق بين نوعين من الشورى الأولى الشورى غير الملزمة ويقصد بها أخذ آراء أهل الإختصاص والتقيد بأصوبها وأطلق على مجلسها اسم مجلس الشورى والثاني الشورى الملزمة ويقصد بها أخذ رأي الأمة أو أهل الحل والعقد والتقيد برأي الأكثرية فيهم، وأطلق على مجلسها اسم مجلس الحل والعقد، وعن طريق العضوية في مجلس الشورى قال: لذلك فإن لطريقة

стр. 184

الانتخاب عيوباً تجعلها غير مفضلة عقلاً فضلاً عن عدم وجود ما يستدل به شرعاً على مشروعيتها, فإن الأمة لا تدرك حاجة الخليفة من المستشارين حتى تزوده بهم، وإن أدركت ذلك إلا أن الخليفة قد لا يألف من انتُخِب مستشاراً له, لذلك فإن الأمثل أن يُترَك للخليفة حق اختيار أعضاء مجلس الشورى وفق الشروط الدستورية وقد يكون منها استفاضة أخبار فضلهم واشتهارهم بالعلم والخبرة والرأي السديد في اختصاصهم سواءً كان في الأحكام الشرعية أم في غيرها من التخصصات والعلوم في الاقتصاد والعلوم والسياسة وغير ذلك. (١) وهناك اتجاه ثالث ذكره الدكتور عبدالله الكيلاني في كتابه القيود الواردة على سلطة الدولة في الإسلام وضمانتها يرى فيه أصحاب هذا الرأي أن طريقة اختيار أعضاء مجالس الشورى تتنوع بتنوع الوظائف التي يمارسها المجلس في الأنظمة البرلمانية الحديثة والتي يمكن حصرها في ثلاث وظائف: الأولى وظيفة سياسية وتتمثل باختيار الحاكم ومنح الثقة للسلطة التنفيذية أو حجبها عنها مع ممارسة الرقابة عليها أثناء عملها. الثانية وظيفة مالية وتتمثل بالموافقة على الموازنة السنوية للدولة. الثالثة وظيفة تشريعية وتتمثل في سن القوانين. فبالنظر إلى الوظيفة الأولى والثانية فإن أصحاب هذا الرأي يرون أنه يتعين اختيار أعضاء المجلس بطريقة الإنتخاب الشعبي, لأن الأمة هي صاحبة الحق في اختيار الحاكم ومراقبة أعماله فيكون لها الحق في اختيار من ينوب عنها في هذه المهمة, والانتخاب هو الأسلوب العلمي الأمثل لهذا الاختيار, ولأن إقرار الموازنة العامة للدولة قد يرتب التزامات مالية معينة على أفراد الأمة الذي يقتضي استئمارها في ذلك أو استئمار ممثليها, ولا يخفى أن وسائل التمثيل مختلفة من عصر إلى عصر، وفي العصر الحديث تعد الانتخابات أحد أصدق سبل التمثيل.

стр. 185

وبالنظر إلى الوظيفة الثالثة للمجلس فإن الانتخاب وتحصيل الأصوات لا يعد أسلوباً مناسباً لتأهيل الشخص المنتخب لممارسة الدور التشريعي بسن القوانين ذلك أن مهمة التشريع المتمثلة بسن القوانين تحتاج إلى كفاءات علمية قد لا تكون كثرة الأصوات الانتخابية معبرة لعدم التلازم, ومن هنا كان لا بد من سد هذه الثغرة إما بإعطاء الحاكم حق تعيين ذوي الكفاءات والتخصصات الذين يحتاج إليهم المجلس لممارسة الدور التشريعي إذا أخطأهم الانتخاب الحر, على أن يكون عددهم والسلطة الممنوحة لهم تتناسب والغاية من منحهم عضوية المجلس حتى لا يكون وجودهم مفرغاً من غايته, وإما باشتراط شروط عملية دقيقة في المرشحين بحيث لا يصل إلى المجلس إلا كفوء قادر, وعلى الإختيار الأول يتم الدمج في مجلس واحد بين الأعضاء المنتخبين بطريق الانتخاب المباشر وبين الأعضاء المعينين وذلك حتى يؤدي المجلس دوره بتسديد خط الدولة في التشريع والتنظيم وإمدادها بالرأي القوي المدروس من أهل الإختصاص والبصر بشؤون الدين والدنيا توصلاً إلى تحقيق المصلحة العامة. (١) وهذه الاتجاهات الثلاثة على ما رأينا لا نراها تبتعد عن منهاج الشريعة الإسلامية, وقد أخذت بعض الدول بالاتجاه الأول وذلك كما هو الحال في الجمهورية اليمنية بالنسبة لمجلس النواب, أما مجلس الشورى فقد جاء بالتعيين وليس هناك ما يمنع من تشكيل مجلسين, أما الاتجاه الثاني فقد أخذت به بعض الدول كالمملكة العربية السعودية التي يصدر فيها مرسومٌ ملكيٌ بتعيين وتسمية أعضاء مجلس الشورى كما هو الحال في نظام مجلس الشورى السعودي الصادر عام ١٤١٢هـ ١٩٩٢م , وأخذ بالاتجاه الثالث بعض الدول كما هو الحال في المملكة الأردنية الهاشمية فمجلس الأمة الأردني يتكون من مجلس النواب ويتألف من أعضاء منتخبين ومن مجلس الأعيان ويتألف من أعضاء يعينهم الملك, فوجود مجالس نيابية تعنى بالشورى في التشريع وسن القوانين وبمنح الثقة للسلطة التنفيذية أو حجبها عنها والموافقة على الموازنة السنوية وعلى المعاهدات والاتفاقات هي ضرورة لا بد منها وكذلك في تقديرنا وجود مستشارين لرئيس الدولة يتشاور معهم في المهام الموكلة إليه ومنها اختيار كبار موظفي الدولة وتحديد المعايير التي يجب أن تتوافر فيمن يتولى الوظائف الهامة فذلك من الضرورة بمكان, فممارسة الأمة للشورى بهذه الكيفية أو بأي كيفية تؤدي إلى قيام الدولة بواجبها وأداء السلطة العامة لوظيفتها على النحو الذي يحبه الله ويرضاه هي فريضة إلهية وضرورة شرعية أرشد إليها القرآن والسنة النبوية وحرص على ممارستها أولو الفضل من الخلفاء الراشدين ومحبوا العدل من التابعين وتابعيهم إلى يومنا هذا, ولا غرابة إن وجد تقارب بين الفكر الإسلامي والفكر الديمقراطي لأن جوهر الفكر هو الأخذ بآراء الناس مجتمعين فيما يصلح شؤونهم, غير أن الفكر الإسلامي يتميز باتباعه لمنهج الله وتمسكه بالعدل, بينما الفكر الديمقراطي لا يتطابق مع الفكر الإسلامي في جزئيات كثيرة, لأن الشورى الإسلامية لم تأت استجابة لضغط جماهيري ولا هي منحة من الحاكم وإنما هي بأمر الله وإرشاده وتوجيهه الذي عالج شؤون البشرية بما يسدد حاجاتها ويصلح شؤونها على أساس من العدل, وهي تقوم على أساس جعل السيادة لتشريع الله وللأمة ممارسة السلطة على أساس من العدل بينما الأنظمة الديمقراطية المعاصرة تقوم على جعل السيادة والسلطة معاً للأمة, ولذلك فإنها ترى أنه لا علاقة للدين بتنظيم سلوك الإنسان, ووجد مبدؤ سياسة فصل الدين عن الدولة والإرادة الشارعة في الديمقراطية الوضعية لا تحكمها إلا إرادة الأمة ممثلة بنوابها، وقد سبق بيان ذلك ولهذا نرى أن الشورى الإسلامية هي الشورى المنزهة عن الهوى والعصبية والجهل والاستبداد, فإذا ما ظهر سلوك لا يقره الشرع ولا يرضى به الحق وجب تغييره، قال تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (٢).

стр. 186

وبأي أسلوب تمت الشورى وتحقق بها إصلاح شؤون الأمة ويتفق مع منهج الله الذي جاءت به شريعته الإسلامية لا تمنعه ولا تختلف معه, ففي عدم تحديد أسلوب معين يلزم الأمة التقيد به حكمة عظيمة وفيه إفساح للإنسان كي يبدع ويجتهد ويبتكر الأسلوب الذي يناسب كل عصر وفي ذلك يقول الدكتور عبد الله بن أحمد قادري: يبدو واضحاً من الأحداث التي ذكرت في دراسة ما سلكه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه ﵃ في أسلوب الشورى وطرق إجرائها - وهي في أحداث قليلة من كثير - أن الشارع الحكيم لم يضع أسلوباً معيناً يلزم المسلمين باتباعه في كل أمر يحدث لهم يحتاجون فيه إلى المشورة, بل ترك الباب مفتوحاً للمسلمين ليتخذوا لكل حدث ما يناسبه من الأسلوب الذي تجري به الشورى, فالأحداث مختلفة منها ما يحتاج إلى رأي شخصٍ واحدٍ ومنها ما لا يكفي فيه إلا شخصان أو أكثر، ومنها ما لا يكفي فيه إلا أهل الحل والعقد بأجمعهم، ومنها ما يقع في ظروف تتعين فيها السرعة والبت في الأمر ويصعب تأجيل ذلك حتى يجتمع أهل الحل والعقد كلهم فيكتفي بالحاضرين، ومنها ما لا ينبغي أن يطلع عليه إلا العدد القليل لأنه خطر يقتضي السرية وعدم النشر، ومنها ما يحتاج فيه إلى ذوي خبرة معينة، وقد يقتضي الأمر استقصاء أراء أهل الحل والعقد في اجتماع واحد, وقد يقتضي الأمر تقسيمهم إلى مجموعات بحيث يؤخذ رأي كل مجموعة على حده، وقد يقتضي أخذ رأي زعماء أهل الحل والعقد فقط, وهكذا تختلف موضوعات الشورى وزمانها ومكانها وأهلها، ولكل مقام مقال ولكل أمر رجال, وقد تحدث في بعض العصور وسائل يكون استعمالها أجدى وأنفع في أسلوب الشورى, وقد حدث في هذا العصر مثلاً سبل جديدة لسرعة المواصلات والاتصالات كما حدثت أنظمة إدارية دقيقة لا يصعب معها مشاورة أهل الحل والعقد كلهم في جميع بلاد المسلمين في الغالب سواءً كان ذلك عن طريق الاجتماعات العامة كالمساجد وقاعات الاجتماعات والمؤتمرات أو عن طريق التقسيمات الإدارية للبلدان، كالمقاطعات والمدن والحارات أو عن طريق المراكز الحكومية كالوزارات والمؤسسات، أو عن طريق التجمعات العمالية كالمصانع ونحوها, أو عن طريق أجهزة الاتصالات المباشرة السمعية والبصرية, كالهاتف والمذياع والتلفاز كل ذلك أصبح ميسراً لا صعوبة فيه ولقد كان حدث اختيار الخليفة يحتاج إلى استشارة أهل الحل والعقد في المدينة وخارجها من البلدان، ولكن ذلك يصعب في ذلك الزمان لصعوبة المواصلات والاتصالات، فاكتفى في ذلك بأهل الحل والعقد الحاضرين في المدينة وما جاورها لأن ذلك هو المستطاع في ذلك الوقت, لذلك حدد الشارع الهدف من الشورى، وهو الوصول إلى الحق والتعاون على تحقيقه بالوسائل الممكنة, كما حدد صفات أهل الشورى وعلاقتهم بولي الأمر، وترك الوسيلة إلى اتخاذ الشورى بدون تحديد معين بل اتخذ وسائل مختلفة لذلك تدل على سعة الأمر في ذلك ليتخذ المسلمون أنفع الوسائل وأنجحها لكل حدث وفي كل زمان ومكان (١). وقال عبد القادر عودة ﵀ بعد أن ذكر الآيتين الواردتين في الشورى وهما قوله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (٢) , وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَأهم يُنْفِقُونَ) (٣) , وظاهر من النصين المقررين لمبدء الشورى أنهما عامَّان مرنان إلى آخر حدود العموم والمرونة بحيث لا يمكن أن يحتاج الأمر إلى تعديلهما أو تبديلهما في المستقبل, وفي هذا بيان لما قلناه من أن الشريعة تتميز بصفة الدوام وأنها لا تقبل التبديل والتعديل، ولهذه الاعتبارات اكتفت الشريعة بتقديم الشورى كمبدءٍ عام وتركت لأولياء الأمور في الجماعات أن يضعوا معظم القواعد لتنفيذه لأن هذه القواعد تختلف تبعاً لاختلاف الأمكنة والجماعات والأوقات, فلأولياء الأمور مثلاً أن يعرفوا رأي الشعب عن طريق رؤساء الأسر والعشائر أو عن طريق ممثلي الطوائف أو بأخذ رأي الأفراد الذين تتوفر فيهم صفات معينة إما بطريق التصويت المباشر وإما بطريق التصويت

стр. 187

غير المباشر, ولأولياء الأمور أن يسلكوا أي سبيل آخر يرون أنه أفضل من غيره من تعرف رأي الجماعة بشرط أن لا يكون في ذلك كله ضرر ولا ضرار بمصالح الأفراد أو الجماعة أو النظام العام. (١) أما الدكتور صالح بن عبدالله بن حميد فإنه يقول: ولقد دعا الإسلام إلى الشورى, وحث على الأخذ به, وطبقها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بصور مختلفة, وطبقها خلافائه الراشدون من بعده, لكنه لم يضع لها صورة محددة, ولا إطاراً محدداً, بل لم يضع لها نظاماً تفصيليلاً ملزماً, غير أنه ترك ذلك ليجتهد فيه المسلمون تبعاً لاختلاف الظروف والأحوال, وتعدد الوسائل وتنوع الأساليب. (٢) وبذلك يعرف أن الشورى نظاماً متطوراً يتماشى ومصالح الأمة ومتطلبات كل عصر باعتبار أن عدم تحديد آليةٍ معينةٍ للشورى تطبق به يعد من المميزات التي تتفق مع منهج الإسلام في التشريع من تقرير الكليات وإرساء الاصول العامة, والنص على المبادئ والأحكام الأساسية, تاركاً التفصيلات الفرعية والجزئية لمقتضيات الزمان والمكان, بحيث تتخذ الشكل الملائم لتحقيق المصلحة تبعاً للظروف, بما يوافق الشريعة الاسلامية, وبالتالي فقد تركت نظم الشورى واجراءاتها دون تحديد, رحمةً بالناس, وتوسعةً عليهم, وتمكيناً لهم من اختيار ما ترجحه العقول وتدركه الأذهان بضوابط وآليات متجددة. (٣)

стр. 188

المبحث السابع الشورى ومدى إلزاميتها إنه مما لا شك فيه أن الشورى واحدة من المبادئ التي يقوم عليها نظام الحكم, أمر بها الشارع لتكون أداة لتقويم الفكر وتدعيم الرأي ووحدة الصف واحترام العقل الذي زود الله به الإنسان وفضله على كثير مما خلق من خلقه تفضيلاً، والشورى يمكن أن تتوحد بها الصفوف فتتوحد الأمة حتى تكون كالبنان أو كالبنيان يشد بعضه بعضاً, فهي التي تجسد مبدء الأخوة الإيمانية التي هي جزء من عقيدة الإنسان المسلم الذي جاءت من عند الله وليست أمراً يقره أحد أو يرفضه، وإنما جاءت الشورى من السماء بأمر من عند الله (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)، (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) فهي بلا شك تجسد مبدء الأخوة الإنسانية وتحافظ على رابطة الأخوة الإيمانية, وقد أمر الله بالأخوة عباده المؤمنين بقوله (إنما المؤمنون إخوة) (١) , وقوله جلت قدرته في سورة الأنبياء (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (٢) , فالأخوة الإيمانية هي رابطة عقائدية يترتب عليها حقوق وواجبات؛ فلا يمكن أن تؤخذ الأخوة في الله معزولة عن سائر الوشائج والروابط والعلاقات وسائر الأحكام والقواعد والأسس في منهاج الله؛ ولكنها تؤخذ على تناسقها كاملة تامة، والله جل وعلا دعا المؤمنين إلى التعاون والتناصح والتآزر. قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) (٣) , وقال: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (٤) , وقال تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (٥).

стр. 189

والموالاة تقتضي الإعانة والنصرة والتناصح، والقرآن يدعو الأمة المؤمنة إلى الاعتصام بحبله ومنهجه وشريعته حيث يقول جل شأنه (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا) (١). والشورى فيها تطييب للنفوس وجمع للكلمة واستخراج للرأي السديد, فالقرآن يأمر الرسول بالمشاورة، وقد كان ﵌ يأخذ برأي الأغلبية, وقد استدل القائلون بوجوب الشورى وإلزاميتها بعدة أدلة من الكتاب والسنة من ذلك قوله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (٢) , وجه الاستدلال أن هذه الآية نزلت بعد غزوة أُحد والتي كان قرار الخروج فيها مبنياً على الشورى وأخذه صلى الله عليه وعلى آله وسلم برأي الأكثرية فنزلت هذه الآية بعد النتائج الأليمة التي حلت بالمسلمين تأمر الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالعفو عنهم والاستغفار والمشاورة حتى لا يظن ظان بضرورة استبعاد الشورى, فإذا أمر الله بها رسوله وهو أرجح الناس عقلاً فالأمر في حق غيره من قادة المسلمين أولى وأوجب, فصيغة الأمر عند علماء الأصول تفيد الوجوب ما لم ترد قرينة تصرفه عن ذلك, وهذه الصيغة (وَشَاوِرْهُمْ) صيغة أمر وهي تدل على وجوب الشورى ولم ترد نصوص أخرى تصرفها إلى الندب بل جاءت النصوص الأخرى من الكتاب والسنة تؤكد هذا الوجوب وتؤيده، ويقول الفخر الرازي في التفسير الكبير ظاهر الأمر للوجوب فقوله (وَشَاوِرْهُمْ) يقتضي الوجوب (٣). ويقول أبو حيان في البحر المحيط: في هذه الآية دليل على المشاورة وتخمير الرأي وتنقيحه والفكر فيه وأن ذلك مطلوب شرعاً (٤).

стр. 190

ويقول الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير المنار عن الآية وشاورهم في الأمر العام أي الأمر الذي هو سياسة الأمة في الحرب والسلم والخوف والأمن وغير ذلك من مصالحهم الدنيوية أي دُم على المشاورة وواظب عليها كما فعلت قبل الحرب في هذه الواقعة (غزوة أحد) وإن أخطأوا الرأي فيها فإن الخير كل الخير في تربيتهم على المشاورة بالعمل دون العمل برأي الرئيس وإن كان صواباً لما في ذلك من النفع لهم في مستقبل حكومتهم إن أقاموا هذا الركن العظيم (المشاورة) فإن الجمهور أبعد عن الخطأ من الفرد في الأكثر والخطر على الأمة من تفويض رأيها على الرجل الواحد أشد وأكبر (١). وقد اعترض على هذا الاستدلال بعدة اعتراضات أوردها الدكتور خالد أحمد أبو سمرة (٢) وهي تتلخص في التالي: الاعتراض الأول: أن هذه الآية خاصة بأبي بكر وعمر ﵄ وليست عامة في أصحاب الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم, فقد روى البيهقي في السنن الكبرى: عن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) قال: (أبو بكر وعمر ﵄ (٣) , وللرد على هذا الاعتراض فقد نقل الفخر الرازي في تفسيره رد الواحدي (٤) على ذلك حيث يقول: روى الواحدي في الوسيط عن ابن عباس ﵄ أنه قال: الذي أُمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمشاورته في هذه الآية أبو بكر وعمر ﵄ وعندي فيه إشكال لأن الذين أمر الله رسوله بمشاورتهم في هذه الآية هم الذين أُمر بأن يعفو عنهم ويستغفر لهم وهم المنهزمون, فهب أن عمر ﵁ كان من المنهزمين فدخل تحت الآية إلا أن أبا بكر ﵁ ما كان منهم

стр. 191

فكيف يدخل تحت هذه الآية (١) , ثم إن وقائع السيرة تشير إلى أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما قصر الشورى على أبي بكر وعمر ﵄ بعد غزوة أحد بل كان يستشير غيرهما من الصحابة ﵃. الاعتراض الثاني: أن الأمر في الآية يدل على الندب وليس الوجوب وذلك لأن الله تعالى أمر الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمشاورة أصحابه لا لأجل أنه محتاج إليهم بل تطييباً لنفوسهم ﵃ فقد جاء في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (فقالت طائفة ذلك في مكايد الحروب وعند لقاء العدو وتطييباً لأنفسهم فما أمر الله نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالمشاورة لحاجة منه إلى رأيهم (٢) , وجاء في التفسير الكبير للرازي (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) لا لتستفيد منهم رأياً وعلماً (٣) , وللرد على ذلك نقول أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سيرته العملية كان يستفيد من آراء من يشيرون عليه, فقد أخذ برأي الحباب بن المنذر ﵁ في موقع نزول الجيش في غزوة بدر, وأخذ برأي سلمان الفارسي ﵁ بحفر الخندق حول المدينة في غزوة الأحزاب, وغيرها كثير من الوقائع, ثم إن مجال الشورى كما أوضحنا هو في غير الأمور الموحى بها من مثل أمور الحرب والأمور الدنيوية والتي تخضع لتجارب البشر وخبراتهم والله لم يخبر أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أعلم البشر في تلك الأمور، والفخر الرازي يقول في تفسيره فيما يرى من فوائد الأمر الإلهي للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالمشاورة: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإن كان (أكمل الناس عقلاً إلا أن علوم الخلق متناهية فلا يبعد أن يخطر ببال إنسان من وجه المصالح ما لا يخطر بباله) (٤).

стр. 192

الاعتراض الثالث: أن معظم المفسرين قالوا إن الأمر في الآية ليس من نوع الأمر الواجب إنما مراده الندب, لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المؤيد بالوحي ليس بحاجة إلى الشورى, وقد أغناه الله عن ذلك بتسديد خطاه وتوفيقه للصواب وتعلل أسباب نزول هذه الآية بأنها للاستحباب واستجلاب قلوب المؤمنين وليقتدي المؤمنين بصنيعه صلى الله عليه وعلى آله وسلم من بعده ويصير سنة متبعة, وللرد على هذا الاعتراض يقول الدكتور محمد أبو فارس في كتاب حكم الشورى في الإسلام ونتيجتها أن القول بأن معظم المفسرين قالوا أن الأمر في قوله تعالى (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) ليس من نوع الأمر الواجب وإنما مرده إلى الندب ليس صواباً ولا دقيقاً فإن القارئ لكتب التفسير قلما يجد أن مفسراً يقول: أن الأمر للندب, وأن جماهير العلماء يقولون بوجوب الشورى اعتماداً على قوله تعالى (وَشَاوِرْهُمْ) إذ الأمر يدل على الوجوب ما لم ترد قرينة تصرفه من الوجوب إلى الندب بل جاءت القرائن والتطبيقات العملية لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه تفيد الوجوب, ثم إن القول أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مؤيد بالوحي وليس في حاجة إلى الشورى ليس صحيحاً على إطلاقه ذلك لأن القضية لا تعدو أمرين: الأول: أن تكون القضية من أمور التشريع وهذا خارج عن موضوع المسألة .. (فأمور التشريع المنصوص عليه لا نقاش فيه, وما لم يرد فيه نص فإنه يجب الرجوع إلى طرق الإستنباط المعروفة بضوابطها وسبق وأن أشرنا إلى ذلك). الأمر الثاني: حين تكون القضية ليس موحى بها ولا نص ورد في الكتاب والسنة يتضمن الحكم بها فالرسول بحاجة إلى آراء الناس ومشورتهم, ولهذا كان يقول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم (أشيروا عليَّ أيها الناس) , وكان يستفيد من هذه الآراء فيأخذ بها ويذر رأيه, ثم أن تعليل الشورى بأنها تجلب قلوب المؤمنين ولكي يقتدي المسلمون بعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بصنيعه ويصير سنة أن هذه الأمور وأشباهها تأتي في حكم الشورى وفوائدها وليست علة لها ولو سلمنا جدلاً أن هذه الحِكَم

стр. 193

علل فإنها تدل على وجوب الشورى لا على أنها مندوبة لأن استجلاب قلوب المؤمنين والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم واجب وبخاصة في القرارات المتعلقة بمصير الأمة ولا تتحقق أيضاً إلا إذا كانت الشورى واجبة (١). أما الاستدلال بقوله جل وعلا (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) فقد قال الشيخ محمد رشيد رضا أن مجيء النص في الذكر بصيغة الخبر يؤكد كونه فرضاً حتماً (٢) , وقد نوقش هذا الاستدلال واعتُرِض عليه بأن هذه الآية تتحدث عن صفة من صفات الأنصار التي كانوا يتحلون بها قبل الإسلام وبعده؛ وهي أنهم كانوا لا يبرمون أمراً إلا بعد الشورى، قال أبوحيان الأندلسي في البحر المحيط قيل نزلت في الأنصار دعأهم الله للإيمان به وطاعته فاستجابوا له وكانوا قبل الإسلام وقبل أن يقدم الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم المدينة إذا نابهم أمر تشاوروا فأثنى الله عليهم لا ينفردون بأمر حتى يجتمعوا عليه (٣) , وقد رد على هذا خالد أبو سمرة بقوله أن النص مطلق وليس مقيداً بالشورى الخاصة بالأنصار, مستدلاً على ذلك بما قاله الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير حيث يقول: والمقصود منها ابتداءً هم الأنصار ... ومعنى ذلك أنه من المؤمنين الذين تأصل فيهم خلق الشورى ... وإذ قد كانت الشورى مفضية إلى الرأي والصواب وكان من أفضل آثارها أن اهتدى بسببها الأنصار إلى الإسلام أثنى الله بها على الإطلاق دون تقييد بالشورى الخاصة التي تشاور بها الأنصار في الإيمان وأي أمر أعظم من أمر الإيمان (٤). ويقول الأستاذ سيد قطب: التعبير يجعل أمرهم كله شورى ليصبغ الحياة بهذه الصبغة, وهو كما قلنا نص مكي كان قبل قيام الدولة الإسلامية فهذا الطابع أعم وأشمل من الدولة في حياة المسلمين, إنه طابع الجماعة الإسلامية في كل حالاتها ولو كانت الدولة بمعناها الخاص لم تقم فيها بعد, ومن ثم كان طابع الشورى في الجماعة مبكراً وكان مدلوله أوسع

стр. 194

وأعمق من محيط الدولة وشؤون الحكم فيها أنه طابع ذاتي للحياة الإسلامية وسمة مميزة للجماعة المختارة لقيادة البشرية وهي ألزم من صفات القيادة (١). إذاً فالشورى جزء من كيان الجماعة المسلمة وسلوكها ولا مجال لتقييدها بما كان من الأنصار، وبالشورى يحصل اجتماع الكلمة واجتماع الأمة, وقد جاء في الحديث الذي رواه ابن ماجه عن أنس بن مالك رضي الله أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (إن أمتي لا تجتمع على ضلالة فإذا رأيتم اختلافاً كبيراً فعليكم بالسواد الأعظم) (٢) , ويقول الشهيد عبدالقادر عودة في التشريع الجنائي: أن الشريعة قررت الشورى كمبدءٍ عام وتركت لأولياء الأمور في الجماعة أن يضعوا معظم القواعد اللازمة لتنفيذه, لأن هذه القواعد تختلف تبعاً لاختلاف الأمكنة والجماعات والأوقات, أما القواعد الأساسية الخاصة بتطبيق مبدء الشورى وتنفيذه وهي أقلية فقد بينت الشريعة أحكامها ولم تتركها لأولياء الأمور, وهذه القواعد حكمها حكم مبدء الشورى لا تقبل التعديل ولا التبديل لأنها قواعد جاءت بها نصوص خاصة, والقاعدة أن ما نص عليه لا يبدل ولا يعدل, ومن هذه القواعد الأساسية التي توجب الشريعة اتباعها في تطبيق مبدء الشورى وتنفيذه أن تكون الأقلية التي لا يؤخذ برأيها أول من يسارع إلى تنفيذ رأي الأغلبية وأن تنفذ بإخلاص باعتباره الرأي الواجب الإتباع، وأن تدافع عنه كما تدافع عنه الأغلبية, وليس للأقلية أن تناقش أمراً اجتاز دور المناقشة أو تشكك في أمر وضع موضع التنفيذ، وتلك هي سنة الرسول التي سنها للناس والتي يجب على الناس اتباعها طبقاً لقوله تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (٣) , والذي يتضح من عرض الأستاذ الشهيد عبدالقادر عودة: أن الشورى وسيلة للالتزام والتعاون ولا ضير من اختلاف الرأي فالثابت في هدي النبي ﵌ هو الأخذ برأي الأغلبية وأنه إذا تمت الإستشارة وجب الأخذ بها لقوله تعالى (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) وقوله تعالى (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ).

стр. 195

ويقول الدكتور محمد العوى أن المقصود بالشورى هو تمكين الأمة من أن تقرر ما تراه صالحاً لها في شؤونها العامة بطريق تمنع الاستبداد وتحول دون نشوء دكتاتورية لحاكم عبقري أو لزعيم فذ مهما كان إنجاز هذا الحاكم أو الشخصية لذاك الزعيم مثيرة أو مؤثرة. (١) ويقول العوى أيضاً: إذا تبين هذا فإنه يصبح بيناً أن الحاكم وقد وجبت عليه الشورى يجب عليه أن يلتزم نتيجتها التي ينتهي إليها رأي أكثر المشيرين, وأنه لا دليل يصح الإستناد إليه في تأييد من ذهب إلى أن الشورى معلمة وليست ملزمة وإنما الذي تدل عليه الأدلة جميعاً من فعل الرسول ﵌ وصاحبيه أن الشورى متى انتهت إلى رأي وجب على الإمام أو الحاكم تنفيذه, ومن الجدير بالإشارة إليه أن فعل الرسول ﵌ في غزوة أحد لقتال المشركين خارج المدينة واضح الدلالة على هذه القاعدة وعلى قاعدة التزام رأي الأكثرية ولو خالف رأي الحاكم أو رأي غيره من أولي الرأي. (٢) وقد ذهب فريق من العلماء إلى القول بأن الشورى إنما هي للاستنارة والتوضيح فهي للإعلام لا للإلزام, وقد أورد الدكتور عبدالحميد إسماعيل الأنصاري في بحثه إلزام الشورى ومبدء الأكثرية في الإسلام (٣) أدلة القائلين بأن الخليفة مخير في قبول رأي أهل الشورى أو رفض ذلك, ورأي من يقول بأن الإمام في الإسلام ملزم برأي أهل الشورى ويجب عليه تنفيذ ما اتفقوا عليه ورجح رأي من يقول بأن الشورى ملزمة لا معلمة, والحقيقة أن العمل بمبدء الشورى كمرجعية للحكم والسياسة, يتطلب أن تكون ملزمة وممارستها يكون قولاً وعملاً حتى تكون صفة لازمة امتثالاً لقوله تعالى (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) , وقوله تعالى (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) , والمتبين من استعراض كيفية الشورى التي تمت في

стр. 196

العهد النبوي وعهد الخلفاء الراشدين أن الشورى أتت بصور مختلفة, وأنها لا تكون إلا في الأمور الاجتهادية, وأن من صورها ما يستشار فيه الكافة ويصلح الاستفتاء فيه ومنها ما لا يصلح إلا لجماعة متخصصين من العلماء وذلك في مسائل التشريع مما لا نص فيه ونحو ذلك من الأمور الهامة وهذا لا بد من الرجوع فيه إلى أهل الاختصاص, وإذا تباينت وجهات نظرهم لا بد من ترجيح رأي الأكثرية وهذا هو المنهاج النبوي كما عرفنا ذلك من نماذج الشورى التي نقلناها من الهدي النبوي وسير الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم, أما الآيات التي يستدل بها من لا يقول بإلزامية الشورى فهي تتحدث عن الكفار أو عن المشركين أو عن غير المؤمنين في الغالب أو عن رعاع الناس ممن يجهل حكم الله وأمره ونهيه ممن ليسوا محل استشارة ولا يمكن أن يكونوا أهل اختصاص وأغلبية في المجالس التشريعية, وقد سبق أن أشرنا إلى ضوابط التصويت في مجالس الشورى الإسلامية الذي يعتد به فليرجع إليه. وقد ذهب بعض العلماء إلى القول بأن مبدؤ الأكثرية مبدؤ غير إسلامي؛ غير أن هذا قد رد عليه في موضوع الشورى, من ذلك ما ذكره الدكتور عبدالحميد الأنصاري حيث يقول بأن هذا المبدء معروف في التفكير السياسي الإسلامي منذ قرون بعيدة, فالإمام الغزالي في كتاب الرد على الباطنية يقول أنهم لو اختلفوا في مبدء الأمور وجب الترجيح بالكثرة, ولأن الكثرة أقوى مسلك من مسالك الترجيح (١) , وينقل عن ابن تيمية قوله في مبايعة أبي بكر ﵁ قوله: وإنما صار إماماً بمبايعة جمهور الصحابة (٢) , وعن الماوردي قوله في الأحكام السلطانية: وإذا اختلف أهل المسجد في اختيار إمام عمل على قول الأكثرين. (٣) ولم يثبت في السنة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم شاور أصحابه وأعرض عن رأي الغالبية, فقد سبق من الأمثلة على ذلك, ففي بدر حيث شاورهم للخروج للعير ابتداءً وشاورهم عندما خرجت قريش لتدافع عن عيرها وشاورهم في الأسرى وفي كل ذلك نزل على حكم الأغلبية، وفي أحد شاورهم في الخروج ونزل على حكم الغالبية وهو كاره، وفي الخندق شاورهم بمصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة ونزل على حكم السعدين في عدم المصالحة, وفي الحديبية عندما استشارهم في قتال من تحالفوا مع قريش وأخذ برأيهم في عدم القتال, وفي حصار الطائف عندما لم يرض المسلمون بالرجوع أمهلهم حتى طلبوا بأنفسهم الرجوع، وقد وردت أحاديث في شأن الأكثرية تحث على الالتزام برأي الجماعة أو بالسواد الأعظم أو بالأكثرية, ويفهم منها أن الجماعة أقرب إلى الحق والصواب من الفرد فمنها: - ما روي عن جابر بن سمرة خطبنا عمر بن الخطاب ﵁ فقال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كقيامي فيكم فقال: (من أحب منكم بحبوحة الجنة فليلتزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد) (٤). وبما روي عن ابن عمر ﵄ أيضاً أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة ويد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار) (٥) , والأخذ بالأكثرية معمول به عند علماء ومؤرخي المسلمين الأوائل, فالخبر الواحد بأمر لا يفيد العلم بل الظن بعكس خبر الجماعة المتواترة فإنه يفيد العلم فيكون الأمر في الاجتهاد الفقهي والإجماع كذلك وينعقد الإجماع برأي الأكثرية كما أن كثرة الرواة ترجح صدق الرواية وكذلك, كثرة المجتهدين في جانب واحد ترجح صحة رأيهم كذلك. فالإجماعات التي نقلت عن عهد الصحابة إنما هي اتفاق الأكثر, وأخيراً يقولون أن الكثرة ليست مناط الصواب أو حتى دليلاً قاطعاً أو راجحاً عليه, إذ أن صواب الرأي أو خطأه يستمدان من ذات الرأي لا من كثرة أو قلة القائلين, ويستدل أصحاب هذا الرأي

стр. 197

بآيات من القرآن تذهب حسب زعمهم إلى أن الكثرة جاهلة وأنها مذمومة فمنها قوله تعالى: (وَلَكِنَّ أكثر النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) ومنها قوله تعالى: (وَلَكِنَّ أكثر النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ) ومنها قوله تعالى: (وَلَكِنَّ أكثر النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ) ومنها: (وَمَا أكثر النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) ومنها: (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً) ومنها قوله تعالى: (وَإِن تُطِعْ أكثر مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ) ومنها قوله تعالى: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ) ومنها قوله تعالى: (إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ) ومنها قوله تعالى: (قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ). وقد ناقش الاستدلال بهذه الآيات الدكتور عبدالحميد الأنصاري وقال أن قوله تعالى: (وَلَكِنَّ أكثر النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) وردت في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم منها الآية (٢١) من سورة يوسف وهي قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أو نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أكثر النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) فالسياق يعدد نعم الله على يوسف ﵇ وأن الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس يتجاهلون هذه الحقيقة ولا يقدر نعمة الله عليه بسبب انصرافهم إلى شؤون الدنيا, وواضح أنه لا علاقة للآية بموضوعنا (أي موضوع الشورى) أما الآية (٤٠) من سورة يوسف فقد ورد فيها (مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أكثر النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) وواضح أن الآية في شأن غير المسلمين، وقوله تعالى: (وَلَكِنَّ أكثر النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) (يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) (١) , فالآية في شأن أمور الدين والآخرة وكذلك في قوله تعالى (إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أكثر النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ) (٢) وقوله تعالى (وَلَكِنَّ أكثر النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ) (٣) ونصها (وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ

стр. 198

آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإسحاق وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أكثر النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ) وواضح أن الآية في فضل الشكر على الهداية وقوله تعالى (وَمَا أكثر النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) وهي الآية (١٠٣) من سورة يوسف والآيات بعدها (وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ) (وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ) وواضح أن الآيات في شأن الإيمان بالله مع المشركين, أما قوله تعالى (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً) فهي جزء من الآية (٣٦) من سورة يونس ونصها (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ) وقبلها الآيات (قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) (قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إلى الْحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إلى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) (١) فالآيات إذاً في شأن الكفار وكذلك الآية (وَإِن تُطِعْ أكثر مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ) الآية (١١٦) سورة الأنعام فهي من شأن أهل الكتاب والكفار بدليل السياق قبلها والآية التي بعدها (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)، أما الآية (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ) فهي جزء من الآية (١١١) من سورة الأنعام وهي (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ) والآية في غنى عن الشرح, أما الآية (إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ) فهي جزء من الآية (٢٤) من سورة ص ونصها (قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ) فشأن المؤمنين ألا يبغي بعضهم على بعض, ولا أدري ما علاقة هذه الآية بموضوعنا -أي موضوع الشورى- , والآية (قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ) وهي جزء من الآية (١٠٠) من سورة المائدة وبقيتها (فَاتَّقُواْ اللهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) فهو تحذير لأهل العقل أن يغتروا بكثرة الباطل وانتشاره, فالشيء إذا كان خبيثاً في أصله فكثرته وانتشاره لا تجعله طيباً بل يبقى على خبثه, وهل نحن ادعينا أن كثرة أي شيء مطلقاً يدل على صحته وطيبته أم دعوانا منحصرة في أكثرية المؤمنين على مسألة خلافية. فالآيات لا علاقة لها بموضوعنا لا من قريب ولا من بعيد فبعض الآيات في شأن الكفار وبعضها متعلقة بشأن العقيدة والدين والآخرة, فلا علاقة للآيات بمسألة ذم الكثرة في مسألة الإنتخابات وشؤون السياسة والحكم, إذاً فاستدلال البعض بالآيات السابق شرحها لإثبات أن الكثرة جاهلة وأنها مذمومة غير صحيح, وكما قال الأستاذ عبدالقادر عودة في الإسلام وأوضاعنا السياسية (وربما صح عقلاً أن يأتي رأي الأكثرين خطأ ورأي الأقلين صواباً ولكن هذا نادر والنادر لا حكم له, والمفروض شرعاً أن رأي الأكثرين هو الصواب ما دام كلهم يبدي رأيه مجرداً لله, وأساس ذلك قول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لا تجتمع أمتي على ضلالة ويد الله مع الجماعة) (٢) , وفي رواية (سألت الله أن لا تجتمع أمتي على ضلالة وأعطانيها) فالله يسدد دائماً خطى الجماعة ويوجهها إلى الرأي السديد, من هذا يتضح أن الشورى ملزمة وأن هذا ما عنته الآية الكريمة (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) وليس العكس كما صوروه أو هو دال على الأخذ برأي الأكثرية فقد روي عن علي ﵁ قال سئل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن العزم قال: (مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم) (٣) , فكأن الآية تقول دم على استشارة أصحابك ودم على أخذ رأيهم ولا تكونن هذه النتيجة الخاطئة (هزيمة المؤمنين في أحد) مانعة لك من الأخذ بالشورى ورأي الغالبية مستقبلاً,

стр. 199

ونحن لو فرضنا جدلاً أنه ليس في الشريعة الإسلامية ما يقرر بأن الأخذ بحكم الأكثرية واجب فإنه ليس هناك أيضاً ما يحرم ذلك في الشريعة, لذا نرى أنه من باب المصالح المرسلة أن نأخذ بمبدء الأغلبية, وبيان ذلك أنه في إلزام الحاكم برأي الأغلبية منافع عظيمة للأمة, إذ أنه يحول بين الحاكم وبين الاستبداد, ويجعل للرأي مكانة ومنزلة ولجمهور الشورى منزلتهم ومكانتهم ويعصم من الآراء الفردية المرتجلة التي قد تدمر الأمة بأسرها, فإن وجوب الشورى على الأمة الإسلامية يقتضي التزام رأي الأكثرية, والواقع أن الشورى لن يكون لها معنى إذا لم يؤخذ برأي الأكثرية وأما أن يستمع ولي الأمر لآراء جميع أهل الشورى ثم يختار ما يراه هو بنفسه بحرية تامة فإن الشورى تفقد معناها وقيمتها, وإذا قيل أن الشورى للاستنارة وظهور الرأي والصواب واحترام أهل الرأي والعلم وتطييب النفوس وتأليف القلوب فإننا نجيب بأن هذه المعاني هي من نتائج الشورى الملزمة، أما الشورى غير الملزمة فلا تحقق هذه المعاني وذلك كما يقول الجصاص (لأنه كان معلوم عندهم أنهم إذا استفرغوا مجهودهم إلى استنباط ما شوروا فيه ثم لم يكن ذلك معمولاً عليه لم يكن في ذلك تطييباً لنفوسهم ولا رفعاً لأقدارهم بل فيه إيحاشهم وإعلامهم بأن آراءهم غير مقبولة ولا معول عليها ولكانت المشورة مدعاة للفتنة والانقسام) , وأما القول بأن الفائدة هي في ظهور الرأي الصواب والمظنون في الخليفة أن يأخذ به, فيرد بأن ما أدرانا أن الخليفة غير الملتزم بالأكثرية إذا أخذ بغير الأكثرية أنه قد أخذ بالصواب, والسؤال هنا من الذي يقرر أن هذا صواب أم خطأ؟ وهل الخليفة الفرد أم الجماعة؟ كما أن مبدء المساواة الذي أكده الإسلام يجعل الخليفة واحداً من قادة المسلمين لا يختلف في ميزان الحق عنهم ما دامت صفات العلم والإخلاص والتقوى متساوية وما دام الناس في مثل هذه الحالات لا يستطيعون الجزم بأن هذا أفضل عند الله من ذاك, ولو كان الأمير غير ملزم برأي الأغلبية لكان هذا مدعاة لإلغاء رأي الأمة وإتلافاً لإجماعها وهي (أي الأمة) معصومة من الخطأ كما تقرر في الأصول, والأمير غير معصوم من الخطأ فكيف يحكم غير المعصوم على المعصوم, وإذا كان الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم

стр. 200

وهو المعصوم قد سمح للصحابة ﵃ بإبداء آرائهم المخالفة لرأيه وأخذ برأيهم وترك رأيه لهم امتثالاً للأمر بالمشورة والالتزام بها, ومع ذلك لم يأت القرآن بتخطئته إذا أخذ بالأغلبية (١) , بل أكد دوام المشاورة ودوام الالتزام فكيف يطلب منا ألا نخالف رأياً لإمام أو حاكم وهو غير معصوم, فلكي نسلم بوجهة النظر هذه لا بد من افتراض العصمة في الأئمة والحكام وأنهم دائماً على صواب, ولكن مبدء العصمة لغير الأنبياء والرسل غير مسلم به ابتداءً لدينا, أما القول بأن الحكم في الإسلام للصفوة وأن العامة لا شأن لها بأمور الحكم وأن الشورى الإسلامية تبحث عن الحكمة والرشد عند أهل الذكر بدليل قوله تعالى (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ) وقوله تعالى (فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً) فذلك مردود عليه بأنه لا شأن لتلك الآيات بالعامة فالسؤال لأهل الذكر فيما يخصهم لا يتعارض مع استشارة العامة في الأمور التي تخصهم, وأما أن العامة جاهلة فكيف تستشار؟ والرد أولاً أن هذه الكثرة لا بد أن تتعلم وهذه مسؤولية المتعلمين ووسائل الإعلام وثانياً أن العامة عندها العلم الضروري بأمور معيشتها فهي تفرق بين الخير والشر وتعرف ما فيه صلاحها, فاشتراك الشعب في أمور الحكم وتجاربه في الخطأ والصواب هو خير وسيلة لتعليم أي شعب جاهل كما هو المدعى (٢). أما الدكتور عبدالله أحمد قادري وإن لم يكن من القائلين بإلزامية الشورى إلا أنه عند محاولته التوفيق بين الرأيين ناقش الموضوع وقرر رجحان من قال بإلزامية الشورى مقيداً ذلك بالعصور المتأخرة كما سنأتي على بيان ذلك, ورأى أن رأي الأكثرية يجب أن يكون ملزماً في اختيار خليفة المسلمين معللاً ذلك بعدة أمور: الأول: عدم وجود ولي أمر للمسلمين وقت الشورى حتى يقال له أن يأخذ بما ترجح له ويبت في الأمر فأهل الحل والعقد هم أولوا الأمر. الأمر الثاني: أن الإجماع في هذا الأمر قد يصعب لأن كثيراً من النفوس تتوق إلى الوصول إليه ولكل من يتوق إليه أعوان وأنصار, فإذا لم يكن للأكثرية هنا حق اتخاذ القرار لكان في ذلك فتنة وتأخير لأمر فيه ضرر على المسلمين. الأمر الثالث: أن تأخر العدد القليل عن البيعة لم يكن مؤثراً في انعقاد بيعة عامة الناس في عهد الصحابة ﵃ كما تأخر علي بن أبي طالب ﵁ عن بيعة أبي بكر الصديق ﵁ ستة أشهر ثم بايع بعد ذلك بعد أن اعتذر لأبي بكر ﵁ فعذره ثم اجتمعا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقام أبو بكر ﵁ على المنبر فتشهد وذكر شأن علي بن أبي طالب وتخلفه عن البيعة وعذره بالذي اعتذر إليه, ثم استغفر وتشهد علي بن أبي طالب فعظم حق أبي بكر ﵁ وأنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر ﵁ ولا إنكاراً للذي فضله الله به ولكننا كنا نرى لنا من الأمر نصيباً فاستبد علينا به فوجدنا في أنفسنا, فسر بذلك المسلمون وقالوا أصبت فكان المسلمون إلى علي قريب حين راجع الأمر بالمعروف (٣) , وكذلك ما ذكر من تخلف بعض الصحابة وغيرهم عن بيعة علي ﵁ بعد مقتل عثمان ﵁ ولم يؤثِّر تخلفهم في انعقاد الخلافة له. (٤) الأمر الرابع: نص عمر بن الخطاب ﵁ على الأخذ برأي الأكثرية إذا اختلف الستة الذين جعل الشورى بينهم بعد وفاته وإن تساووا فُضِّل الجانب الذي يوافق رأيه رأي عبدالرحمن بن عوف, وكان ذلك إشارة من عمر ﵁ أن عبدالرحمن بن عوف أمير القوم في هذه الشورى كما روى ابن سعد بسنده عن أبي جعفر قال: قال عمر بن الخطاب ﵁ لأصحاب الشورى (تشاوروا في أمركم فإن كان اثنان واثنان فارجعوا في الشورى وإن كان أربعة واثنان فخذوا صنف الأكثر) وفي رواية (وإن اجتمع رأي ثلاثة وثلاثة فاتبعوا صنف عبدالرحمن بن عوف واسمعوا وأطيعوا) (٥) , غير

стр. 201

أن الدكتور قادري يرى أنه ليس لأحد أن يستدل بهذا النص على أن الشورى ملزمة للإمام الذي توافرت فيه شروط الإمامة, لأنه ورد في قضية اختيار الإمام في وقت لا يوجد فيه إمام وهي قضية عين لا عموم لها ويرد الاستدلال بذلك إصرار عمر ﵁ على رأيه في القضايا التي وقعت في إمامته (١). قلت وهو يشير بهذا إلى أمثلة منها إصرار عمر ﵁ على أرض أهل العراق والشام ومتابعة الصحابة له على الرغم من إصرار بعضهم على خلافه, وقد سبق الإشارة إلى ذلك , وإيراد الحجج القوية على من قال بإلزامية الشورى، أما رأيه في ترجيح رأي من قال بإلزامية الشورى وتقييد ذلك بالعصور المتأخرة فإنه علَّلَ ذلك بقوله أن الذي يتأمل في واقع السلف في الماضي وواقع المسلمين الآن سواء على مستوى بعض الحكومات أم على مستوى الجماعات يرى أن لكُتَّاب العصر الحاضر في إلزام ولي الأمر وجهاً من الصواب, وأنه لا بد أن توضع حدود لتدبير ولاة الأمر وقيادتهم لشعوبهم أو لجماعتهم حتى لا يستبدوا بالأمر دونهم وليسوا أهلاً لذلك, وأن الظروف المعاصرة تحتاج إلى رأي جماعي يكون الصواب فيه أكثر من الخطأ, ولقد نظر هؤلاء الكُتَّاب إلى أسلوب الأخذ برأي الأغلب في بعض البلدان الأجنبية وقارنوا بينه وبين الإستبداد الذي يُتَّبع في أغلب الشعوب الإسلامية فوجدوا أن أسلوب الأخذ بالرأي الأغلب أنفع وأقل ضرراً من الإستبداد, وعندما رجعوا إلى المصادر الإسلامية وجدوا ذلك القلب الرؤوف الرحيم وذلك العقل العظيم والخلق الفاضل الذي فسر به القرآن الكريم قدوة حسنة للناس، وجدوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يكثر من مشاورة أصحابه ويستجيب لرأيهم في بعض الأحيان وفي بعض الأمور التي هي محل للاجتهاد ووجدوا بعض الألفاظ التي فيها نوع احتمال لما ذهبوا إليه فقرروا تلك القاعدة، أن الشورى إذا صدرت عن أغلب أهلها تكون ملزمة لولي الأمر, وهدفهم من ذلك تقييد سلطة ولي الأمر حتى لا يشتط ويخرج عن الحدود المقررة له, ولا شك في رجحان ما ذهبوا إليه في هذه العصور

стр. 202

المتأخرة التي اغتصبت فيها أمور المسلمين واستبدَ بها المستبدون حتى لم تبق ضرورة من ضرورات الحياة إلا تعرضت للاعتداء والانتهاك, ولو أن الكتَّاب المعاصرين قيدوا هذا الحكم وهو كون الشورى ملزمة بظروف المسلمين المعاصرة وما أشبهها حيث لا يكون معظم ولاة الأمور متصفين بالصفات التي كان يتصف بها ولاة الأمور في السابق؛ لو أنهم قيدوا الحكم بذلك لما كان للإعتراض, عليهم وجه, ولكنهم أطلقوا ذلك وجعلوه قاعدة فاقتضى التحقيق بيان الحق فيه ثم نقل ما ذكره عبد الكريم زيدان في كتابه مجموعة بحوث فقهية, وهو من الذين يرون أن نتيجة الشورى ليست ملزمة لولي الأمر في الأصل حيث يقول " الرأي الثالث هو الأخذ برأي رئيس الدولة (مطلقاً) قوي سديد من الناحية النظرية ولكن لضرورات الواقع وتغير النفوس ورقة الدين وضعف الإيمان وندرة الأكفاء الملهمين؛ كل هذا يقتضينا أن نأخذ بالرأي الثاني وهو الأخذ برأي الأكثرية فنلزم الرئيس برأي الأكثرية (١). أما الدكتور وهبه الزحيلي فإنه في كتابه حق الحرية في العالم عند حديثه عن مدى الالتزام بالشورى أو هل الشورى ملزمة قد أورد جملاً مفيدة نختار منها قوله " هناك رأيان للعلماء, يرى جماعة أن الشورى فيما لم ينزل فيه وحي في مكايد الحرب وعند لقاء العدو وغير ذلك من التنظيمات الإدارية والإجرائية مندوبة أو مستحبة واختيارية تطييباً للنفوس ورفعاً للأقدار وتألفاً على الدين لقوله تعالى: (فإذا عزمت فتوكل على الله) (٢) والعزم من الحاكم قد يكون على رأيه أو رأي المستشارين, ولأن أبا بكر ﵁ حينما استشار الناس في محاربة المرتدين لم ير غالبية المسلمين منهم عمر ﵁ قتالهم وأخذ أبو بكر ﵁ برأيه الذي لم يفرق بين الصلاة والزكاة قائلاً والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه, وذهب آخرون إلى أن الشورى واجبة, وهو الراجح المتفق مع الكرامة الإنسانية والحرية والمشاركة السياسية في مصائر الأمة فيكون الحاكم ملزم, برأي أغلب المستشارين من أهل الحل والعقد عملاً بالأوامر القرآنية بالشورى, ويصبح الأمر بها عديم الأثر إذا لم يلتزم الحاكم بنتيجتها وقد عمل بها الرسول ﵌ وصحابته الراشدين من بعده, أما الأمر القرآني بالشورى فهو قوله تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) والأصل في الأمر الوجوب ولأن القرآن الكريم وضعها بجانب ركنين مهمين هما الصلاة والزكاة في آية وصف المؤمنين (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَأهم يُنْفِقُونَ) (٣). وسئل الرسول ﵌ عن العزم في آية (فإذا عزمت) فقال: (هو مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم). قال الشيخ محمد الغزالي أخطأ من المفسرين من وهم أن الشورى غير ملزمة, فما جدواها إذاً وما غناها في تقويم اعوجاج الفرد إذا كان من حقه أن لا يتقيد بها وأين في حياة الرسول ﵌ وسيرة خلفائه ما يدل على أن الحاكم خرج على رأي مستشاريه ومضى في طريقه وحده, وبما استشهد بعضهم بموقف أبي بكر ﵁ في حرب الردة واعتراض الصحابة له في قتاله من نطق بالشهادتين ومن بينهم عمر بن الخطاب ﵁ وإصرار أبي بكر ﵁ على موقفه ويمينه التي أقسمها على قتالهم إلى النهاية وهذا استشهاد يرد في غير موضعه، فقصة أبي بكر ﵁ مع المرتدين ومانعي الزكاة لا تعني إلا أنه عرف الحق قبل عمر ﵁ ثم ما لبث أن أقنع به صاحبه فأيد وجهة نظره واتفقا جميعاً على تنفيذها, وخطأ عمر في موقفه ابتداءً مع المرتدين كخطئه بعد وفاة الرسول ﵌ حين أنكر موته وتوعد من يقول به ثم ثاب إلى الحقيقة التي قررها أبو بكر ﵁ في يقين وتؤدة (٤). ويقول الدكتور الزحيلي أن الاختلاف في الرأي أثناء التشاور أمر طبيعي لا بد منه, والمهم أن يتوصل أهل الشورى في النهاية إلى رأي معين ومخالفة عمر ﵁ في هذا لا تضر لأنها في أثناء النقاش وكل نقاش تتضارب فيه الآراء ثم

стр. 203

ينتهي المتناقشون إلى رأي موحد، وهذا ما حصل بين أبي بكر وعمر ﵄ وغيرهما. ثم أورد الدكتور الزحيلي عدة ملاحظات نورد منها ما يلي: أولاً: أنه يكره في الإسلام كرهاً شديداً الاستبداد بالرأي لأنه يغمط حقوق الآخرين ويمس كرامتهم ووجودهم، وقد قال النبي ﵌ (الكبر بطر الحق وغمط الناس). (١) ثانياً: لا يسمح الإسلام للحاكم أن يحكم عن هوى أو أن يحكم حكماً مطلقاً فذلك لا يأتي بخير. ثالثاً: الإسلام وإن أوجب على الحاكم الالتجاء إلى الشورى لكنه لم يوجب عليه اتباع الرأي المشور به لما يرى من تقدير المصلحة العليا ولما يطلع عليه من آفاق الأحداث، مع ذلك للحاكم وضع تشريع أو نظام خاص تفصيلي يلتزم الحاكم بمقتضاه الأخذ برأي معين في مسائل معينة. (٢) رابعاً: أن الوضع السائد في عصرنا حيث تعقدت المعلومات والمعارف وازدحمت وبعد الناس عن الإسلام في هديه ودستوره وفقهه ولم تتوافر مقومات الإجتهاد بضوابطه الشرعية في الحاكم فلم يبق أمامهم إلا التشاور وتبادل الآراء والخبرات للاهتداء إلى أرشد الأمور وإلا وقعوا في هوة الانهيار والضياع. خامساً: أن الحس المعاصر للبشرية هو الالتزام بحقوق الإنسان يفرض على الحاكم والدولة العناية بالمجالس الاستشارية وبالمؤسسات المختلفة التي تسهم في تحمل أعباء الدولة وأضحى بناء دولة المؤسسات هو شعار الدولة الحديثة. قال ابن خويز منداد: واجب على الولاة مشاورة العلماء وما أشكل عليهم من أمور الدين, ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب, ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح, ووجوه الكُتاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها, قال وهذا دليل واضح على أن المراد بالعلماء ليس فقط علماء

стр. 204

الشريعة وإنما المراد بهم أهل الإختصاص والخبرة بالأمور السياسية والتشريعية والاقتصادية والثقافية والحرفية. قال ومما سبق يتبين أن الإسلام في تقريره أصل الشورى في نظام الحكم أنه عدو للاستبداد السياسي والتحكم الفردي والطغيان الدكتاتوري فلا يقبل من مخلوق مهما كان معتزاً برأيه أن يفرض على مجتمعه آراءه الخاصة التي لا تنضجها الشورى ولا تصدر عن خبرة ووعي للماضي والحاضر والمستقبل فإن الشورى ترشد للخير حتى لصالح المستبد وشعبه وهي المجال المتعين لترجيح رأي على غيره. (١) قلت وهذا الكلام في غاية من الجودة, ففائدة الشورى تتمحور في إلزاميتها, فهي التعبير الحقيقي عن وحدة الأمة وحريتها, ولا مناص من العمل بالشورى إذا ما أرادت الأمة أن تسير على منهج الله. وقد قال الدكتور محمد أبو فارس أن القول بأن الشورى ملزمة تقتضيه المصلحة العامة وحيثما كانت المصلحة فثم شرع الله (٢). وإلى ذلك انتهى خالد أبو سمرة في دراسته الشورى في الإسلام إلى ترجيح الرأي القائل بالشورى وإلزاميتها. (٣) والأدلة من الكتاب والسنة تقتضي ذلك وأن الحكم هو إلزامية الشورى سواءً كان ذلك في الوظائف الهامة كما ورد في حديث: (لو كنت مؤمراً أحداً من غير مشورة لأمرت ابن أم أعبد) (٤) , أو في غير ذلك. فقد ورد في حديث آخر النهي عن الانفراد بالرأي كما روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال: قلت يا رسول الله إن نزل بنا أمر ليس فيه بيان أمر ولا نهي فما تأمرنا؟ قال صلوات الله وسلامه عليه: (شاوروا فيه العلماء والعابدين ولا تمضوا فيه رأي خاصة) (٥) , والحديث جاء بصيغة الأمر والأمر في صيغة افعل يدل على الوجوب ما لم ترد قرينة تصرفه إلى الندب كما هو

стр. 205

مقرر في الأصول كما أنه تضمن النهي عن أن يمضي فيه رأي خاصة أي برأي خاص دون شورى, والنهي أيضاً في صيغة لا تفعل تدل على التحريم ما لم ترد قرينة صارفة إلى الكراهية، فدل الحديث على أن الشورى واجبة وأن تركها محرم. وقال أبو الأعلى المودودي بعد أن نقل الحديث بلفظ يقارب ما ذكرناه أن المراد بالعابدين في هذا الحديث هم الذين يعبدون الله ولا يتخذون ما يروق لهم من طرق وتدابير في تحرر تام وليس صواباً أن نفهم من هذا المعنى أن التشاور مع من نرى فيهم صفة العبادة وحدها ونغفل الصفات الأخرى التي لا بد من توافرها فيهم ليكونوا أهل الرأي والمشورة. (١) أما أبو فارس فهو يرى أن الحديث فيه دلالة على أن الإسلام يرفض أن تسير الجماعة برأي فرد بل يقرر على أن الجماعة تسير برأي أهل الشورى الجماعي. (٢) قلت والحديث صريح في إلزامية الشورى, والسيرة العملية للرسول ﵌ دالة على ذلك, والدلالة على وجوب الشورى واضحة من الكتاب والسنة, فيكون حكم نتيجتها الإلزام.

стр. 206

الفصل الرابع خصوصية الشورى وأهمية تعليمها

стр. 207

المبحث الأول الشورى في الأسرة والمجتمع ومنهجيتها إذا كانت الشورى تعني عدم الانفراد بالتصرف قبل معرفة ما يقدم الإنسان عليه في أي أمر من الأمور وهي بطبيعتها تستلزم حصول المناقشة في الأمر والحوار فيه وتبادل وجهات النظر حوله والعناية به حتى تظهر المصلحة من خلال الحوار الذي يكون من نتائجه الاستفادة من مزايا القرائح لأن لكل عقل مزية إذ أن من طبيعة الشورى أن تتعدد الآراء وتجول فيه الخواطر والأفكار فيتذكر كل واحد من المستشارين نتاج خاطرته وفكره ثم يعرض على المستشير ما لديه من علم وتجربة وخبرة؛ فإن من خصوصية الشورى أنها نظام يشمل جميع مناحي الحياة وأن المستشير يستفيد من ثمرات العقول حسن التصرف وحسن التدبير وحسن التخطيط, فالشورى حوار ومناقشة, والشورى بحث عن الصواب؛ والشورى أمان من الضلال, والشورى بحث عن المصلحة, والشورى محاسبة وشكوى واستيضاح واقتراح والشورى تدعو إلى التأني في الأمور وإلى الحزم وإلى الدراسة وإلى العلم وإلى رد الأمور إلى نصابها, وتبعث الإنسان وتحثه على أداء الأمانات إلى أهلها، فأضعف الرأي كما قيل ما سمح للبديهة ابتداءً وأقربه إلى الصواب ما تكررت فيه الفكرة وأحكمت فيه الروية فالشورى مجالها فسيح وميدانها واسع, ولهذا جاء في الحديث (ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمورهم) (١) , أي أن الشورى طريق هداية تعصم من الضلال وليست مقصورة ومحصورة على الأمور العامة والهامة فقط, إذ أننا نجد في الأمور الخاصة في كثير من الحاجات ضرباً من رد الأمور إلى أهل الاختصاص, فالذي يريد أن يتداوى لا بد أن يذهب إلى استشاري متخصص من الأطباء, والذي يريد أن يبني داراً أو نحو ذلك لا بد أن يذهب إلى استشاري من المهندسين والبنائين, والذي يريد أن يزرع حقلاً لا بد أن يستشير متخصصين في علوم الزراعة. وهكذا نجد أن للشورى خصوصية ولست تجد ذلك في أي منهج غير المنهج الرباني الذي جعلها صفة لازمة للمؤمنين حيث يقول جل شأنه (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) فالشورى هي منهج حياة. أما الشورى العامة في التشريع والوظائف والأمور السياسية فقد أتينا على بيان الشورى من ذلك بما لا مزيد عليه كونه قد كشف الحقيقة وأبانها لمن يبصر ويسمع ويدرك ويتدبر, وإذا كانت الديمقراطية الحديثة تخضع الحاكم لرأي الأغلبية وتمنع السلطة التشريعية من التدخل في شؤون السلطة التنفيذية أو القضائية المحضة عملاً بمبدء فصل السلطات فصلاً نسبياً لا مطلقاً وتعتمد على كون الأمة أو الشعب هو مصدر السلطات فكذلك الشأن في نظام الحكم الشوروي الإسلامي من الوجهة السياسية العلمية فإن الأمة مصدر السلطات بمعنى أن لها حق الاشتراك في نصب الحاكم الذي تريده حاكماً عليها. (٢) ولها حق تعيين شكل الحكم الذي يقوم فيها ولها حق تعيين القائمين على الحكم, وحقوق الأمة في الحقيقة ليست إلا حقوق أفرادها وأن كل ما يصدر عن الحاكم من سلطات أو ولايات فمرجعه الأول إرادة الأمة (٣). ويتقيد الجميع بنظام الشريعة ولا يصح للسلطة التشريعية مصادمة أحكام الشريعة, وعلى كل حال فإنه إذا صح لنا أن نسمي الشورى الإسلامية بالديمقراطية الإسلامية والديمقراطية الوضعية بالديمقراطية الغربية فإن هناك كما يقول الدكتور الزحيلي فوراق ثلاثة بين الديمقراطية الغربية والديمقراطية الإسلامية .. الأول: الديمقراطية الغربية مقترنة بفكرة القومية أو العنصرية وتسايرها نغمة التعصب أو العصبية أما في الإسلام فنظرته إنسانية وأفقه عالمي.

стр. 208

الثاني: أهداف الديمقراطية الغربية الحديثة هي أغراض دنيوية أو مادية فقط أما في الإسلام فأغراضها دنيوية وأخروية والغاية هي الآخرة ورضوان الله والدين والأخلاق مقياس أعمال الدولة. الثالث: سلطة الدولة في الديمقراطية الغربية مطلقة فالأمة هي صاحبة السيادة وأما في الإسلام فليست سلطة الأمة مطلقة وإنما هي مقيدة بالشريعة -أي بدين الله-. (١) قلت وللشورى خصوصية لا توجد في أي فكر أو مذهب وضعي, ولهذا فإن منهاجها شامل على مستوى الأسرة وعلى مستوى الأمة, وهي تشمل الذكر والأنثى, فالمرأة يصلح أن تستشير وتستشار, وقد سبق أن أشرنا إلى شيء من خصوصية الشورى وهو وجوب الاعتماد على أصحاب الإختصاص والخبرة, ففي شؤون الدين يستشار علماء الدين وفي شؤون العمران والهندسة يستشار المهندسون وفي شؤون التجارة يستشار خبراء التجارة وعلمائها, وهكذا تصل الاستشارة إلى الأسرة والمتجر والبيت وتمتد حتى إلى الطفل الرضيع، وفي ذلك يقول الحق (فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ) (٢) أي فإن اتفق والدا الطفل على فطامه قبل الحولين ورأيا في ذلك مصلحة له وتشاورا في ذلك وأجمعا عليه فلا جناح عليهما في ذلك, ويؤخذ من هذا أن انفراد أحدهما بذلك دون الآخر لا يكفي ولا يجوز لواحد منهما أن يستبد برأيه دون الآخر, وفي هذا احتياط للطفل وإلزام للنظر في أمره, وهو من رحمة الله بعباده حيث حجر على الوالدين في تربية طفلهما وأرشدهما لما يصلحه ويصلحهما. (٣) والمتتبع سيجد جمهور المفسرين يتفقون على إيجاب الشورى على الوالدين فيما لو أرادا اختصار مدة إرضاعه عن حولين كاملين, أما الإمام الفخر الرازي فإنه يرى إيجاب

стр. 209

الشورى عليهما فيما بينهما ومع غيرهما أيضاً من أهل التجربة والخبرة أيضاً وهو كلام حسن. (١) والشورى مع ذلك تعم كل الأمور الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية في كل ما لم يرد فيه نص, فهي تُقوّي أواصر الأخوة والمودة والتعاون بين الأفراد والجماعات, وتجعل المسلم يتميز بالحس البليغ المرهف على مصالح أمته ودينه ووطنه, وتغلق أبواب النقد والطعن والتشهير وتوحد صفوف الأفراد والجماعات, وتقي الدول ومؤسساتها من التمرد والانقسام والاقتتال, وتكون وقاية وحماية من مخاطر التشرذم والذل والفشل وتعصم في كثير من الحالات الإنسان من الظلم والوقوع في الخطأ, وتعود الناس على الحلم وتلقي الرأي المخالف بسعة الصدر وحسن التفهم, وتمنع أيضاً من إثارة الفتن والحروب, وهي وسيلة واقية من التخلف والاستبداد, وهي مع ذلك طاعة وعبادة لله , وهي أهم عماد يرتكز عليه الحكم الإسلامي وأهم أسسه وقواعده ولهذا أمر الله بها, فالترك لها ترك لجزء من العقيدة والشريعة فهي ضرورة إنسانية وشريعة إسلامية لا بد من تعليمها وتفهيمها وتدريب النشء عليها وإدخالها في المناهج والبرامج والنشرات, ولما كانت الشورى بهذه المكانة وكان تعليمها ضرورة لا بد منها فإننا نخصص لبيان ضرورة تعليمها وبيانها المبحث التالي.

стр. 210

المبحث الثاني تعليم الشورى واتخاذها منهجاً تعليمياً إذا كان العلم هو الوسيلة الوحيدة لإخراج الناس من الظلمات إلى النور ومن الظلم إلى العدل ومن القطيعة والجفاء إلى المحبة والإخاء ومن التقاطع والتدابر إلى التناصح والتشاور فإن التربية السياسية التي تعني إيجاد مواطنين صالحين يعرفون ربهم ويعرفون مجتمعهم ويعرفون واجباتهم فيؤدونها من تلقاء أنفسهم طاعة لله ورجاء رضوانه والحصول على ثوابه في الآخرة من أهم الواجبات فإنه مما لا شك فيه أن المواطن الصالح هو الذي يسعى للحصول على حقوقه بالوسائل المشروعة, وبدون العلم والتعليم لمفهوم الشورى في الأسرة والمدرسة وتربية النشء على السياسة الشوروية الإسلامية لا يمكن أن تكتمل حلقة البناء الأخلاقي وتكون الفوضى هي التي تسود ويحل محل الاجتماع التفكك, وتستطيع حينئذ العصبية السياسية أو التسلط السياسي القضاء على أخلاقيات المجتمع ويتمكن من إذلالهم, أما إذا كان البيت والشارع والمسجد والمدرسة يقومون بتأدية دور التعليم للمفاهيم الإسلامية والإنسانية ولمفهوم الشورى التي جاءت به الشريعة الإسلامية وصارت صفة ملازمة لأهل الإيمان فإن الأسرة والمدرسة والمسجد في مثل هذه الحالة سيُخرِجون مواطنين صالحين رضعوا الشورى منذ الصغر وتدربوا على التعاون على البر والتقوى, فالبيت المسلم يشكل ركيزة التربية الإسلامية الأولى, وهو المسؤول الأول عن تكوين المواطن الصالح, فالمتأمل في البيت المعاصر يجده صورة مصغرة للمجتمع المعاصر, فكثيراً ما يسود القهر والاستبداد والظلم ويحصل الصراع بين الرجل والمرأة على القوامة, فالبيت هو المسؤول الأول عن التخلف الحضاري بلا شك, ولهذا نجد الرسول ﵌ فيما يرويه عنه عبدالله بن عمر ﵄ قال سمعت رسول الله ﵌ يقول: (كلكم راع وكل راع مسؤول عن رعيته فالإمام راع ومسؤول عن رعيته والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها

стр. 211

والخادم في مال سيده راع وهو مسؤول عن رعيته) قال: فسمعت هؤلاء من النبي ﵌ وأحسب النبي ﵌ قال: (والرجل في مال أبيه راع ومسؤول عن رعيته). (١) وإذا كانت الشورى مفروضة على الرئيس والأمير فهي أيضاً كذلك يجب أن يتعلمها الوزير والمدير في المدرسة والمدرس في الفصل والأب في البيت باعتباره راع والمرأة تشاور زوجها وأولادها في شؤون بيتها كما يشاور الموظف غيره ليؤدي واجبه على النحو المطلوب, فالشورى قد قرنها الله بالزكاة والصلاة فدل ذلك على أن حكمها كحكم الصلاة, فالشورى هي من كوابح حب الذات والأنانية, وهي تربط الفرد المسلم بإخوانه المسلمين فتصبح جماعة متماسكة, فالشورى إذاً خلق إسلامي والمسلم الذي لا يتصف بالشورى ناقص الإسلام وفي أخلاقه فجوة كبيرة ولا تظهر هذه الفجوة إلا إذا صار أميراً أو مسؤولاً فتراه يفرض عليهم أنانيته وحبه لذاته. (٢) وعندما يتسع إطار الشورى ليشمل انتخاب الرئيس أو انتخاب المجالس النيابية أو المحلية أو البلدية ... إلخ, فإن الناس يلجؤون إلى الاقتراع السري في غالب الأحوال في عصرنا الحاضر وفي مثل هذه الحالة يكون الاقتراع والانتخاب في اختيار الشخص لتوليه أو الإشادة به أمانة والرسول ﵌ يقول: (المستشار مؤتمن) (٣) , والله جل وعلا يقول (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إلى أَهْلِهَا) (٤) , فيكون من الخيانة تزكية شخص من قبل المشير أو اختياره من قبل الأمير أو الرئيس إذا لم يكن أهلاً ويصادف محلاً، فهو بمثابة شهادة الزور، وإضاعة للأمانة التي حملها الإنسان، وقد ورد التحذير من الخيانة، وإضاعة الأمانة في أكثر من آية في كتاب الله من ذلك قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (٥)

стр. 212

فلتحصين النشء من ضرر الاستبداد يجب علينا أن نتخذ الشورى منهجاً وأن نعلمها كما نعلم الصلاة والزكاة وأن تتبنى ذلك المدرسة والمسجد, فالمسؤولية هي مسؤولية الجميع, ولا يمكن تربية الفرد المسلم تربية سياسية إسلامية صحيحة ويكون مواطناً صالحاً ما لم يكن قد تعلم الشورى في بيته ومدرسته ومسجده, لأن الشورى من صفات المؤمنين الذين استجابوا لربهم, فالذي لا يتصف بها يكون بلا شك ناقص الإيمان, وإذا كان الرسول ﵌ من أكثر الناس مشاورة لأصحابه فكيف بأفراد الأمة, فالشورى ينبغي أن تكون صفة لكل فرد مسلم, فرب الأسرة وهو مسؤول أمام الله عن سياستها عليه أن يشاور أفرادها وأهل المعرفة والخبرة من أجل حسن سياستها وقيادتها, وكذلك الوزير في وزارته هو مسؤول أمام الله عن حسن سياسته ومدير المؤسسة والمدرسة, فلا يصح أن نجتزئ من القرآن صفات نتحلى بها وصفات نهملها فنكون ممن جعلوا القرآن عضين, فمن أخذ بالهدي النبوي والشريعة الإسلامية كمنظومة متكاملة فإنه سيكون قد غرس في نفسه الفضيلة وفي مجتمعه وابتعد عن الظلم والقهر والتسلط وفكرة الإرهاب غير المشروع, ولا يمكن أن يكون الإنسان قد أدى الأمانة ما لم يكن قد التزم في سلوكه بكل التكاليف التي أمر الله بها وتعلم كيف يَحترِم الناس وكيف يتعاون معهم وكيف يستفيد من آرائهم وكيف ينتمي إلى مجتمعهم الذي يعيش فيه, فعلماء الإجتماع يرون أن المجتمع سابق على الفرد, أي أن الفرد يوجد ضمن المجتمع ولا يوجد بدونه, وعندما يتفاعل الفرد مع مجتمعه يشاورهم ويتعاون معهم فإنه يكون قد نهج نهجاً سليماً, أما إذا انعزل عن المجتمع فإنه يكون قد عبر عن الشذوذ بفراره من المجتمع, فالمؤمن الحق هو الذي يألف الناس ويألفونه ويحبهم ويحبونه, ولا يمكن أن يكون الإنسان متجنباً للفتن ومتخلصاً من الشرور ما لم يكن عضواً فاعلاً في المجتمع, ولهذا فإن الحق يقول: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (١). ولا شك أن التشاور والتناصح توأمان وأن كليهما يبعث على المحبة ويدعو إلى التآزر والتآخي, وقد جاء في الحديث (إن أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس وأحب

стр. 213

الأعمال إلى الله سرور يدخله على قلب مسلم أو يكشف عنه كربة أو يقضي عنه ديناً أو يطرد عنه جوعاً ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد -يعني مسجد المدينة- شهراً ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تتهيأ له ثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام) (١) , ولو ذهبنا نتتبع النصوص التي تعزز الولاء بين المؤمنين لاحتجنا إلى وقت طويل حتى نفي ببعض ما تفيده في الدعوة إلى التناصر والتكافل والتراحم والتآخي والتعاون, مع أنه يكفي لبيان أهمية الشورى والحكمة من الأمر بها وكونها من صفات المؤمنين ما أتينا على بيانه في المباحث السابقة, وأن ثمرة الشورى الطيبة إنما تجنيها الأمة حينما تتعلمها وتعمل بها, فهي جزء من أخلاق المؤمنين ومبادئهم التي ينبغي أن لا يتخلوا عنها في أي حال من الأحوال وأن لا يتركوا العمل بها في أي ظرف من الظروف, فكما لا ينبغي للمؤمن أن يترك الصلاة أو الزكاة فكذلك لا ينبغي له أن يهمل الشورى أو يعرض عن تعلمها, فهي جزء من عقيدة الإيمان وجزء من حياة الإنسان العملية التي يعيشها كل يوم ويتنفس معها في كل صباح والله الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 214

الخاتمة لقد حرصنا في دراستنا هذه أن نبين أهمية الشورى وأساس مشروعيتها والتطبيقات العملية لها في حياة الرسول ﵌ وفي حياة الخلفاء الراشدين, وتطرقنا إلى إيجاد نماذج عملية عن الشورى في كافة مجالات الحياة مما يتبين معه أن أي عمل مشترك بين الجماعات إذا ما أردنا له النجاح فإنه لا بد وأن يقوم على مشاورة العقلاء وذوي الكفاءات والخبرات المتنوعة في الإدارة والسياسة والأمور الاجتماعية والعلمية والاقتصادية وكل ما يحتاج الإنسان في حياته في شتى المجالات, ففوائد الشورى أكثر من أن تحصر في وريقات لأنها هبة الله وأمره وهديه وشرعه, ولعل من أهم فوائد الشورى في مجراها الشرعي هو إصابة الحق في غالب أحوالها إذا عرضت بحرية تامة وأدلى كل مشير برأيه وحجته وكانت نيته صحيحة وهدفه الوصول إلى الحق, ومهما تجرد المستشارون عن الأهواء والغرائز والدوافع السيئة مع التوكل على الله فإنه لا شك بأن العواقب ستكون حميدة وسديدة بإذن الله لأن في تلاقح الأفكار وتكامل الثقة وتبادل الخبرة تتولد الكلمة الطيبة الصالحة, فضلاً عن كون ذلك فيه إشعار للمشاركين بالمسؤولية فيسعى الكل عند ذلك لتحقيق المصلحة ودرء المفسدة واستمرار الثقة بين المشير والمستشار والراعي والرعية وتقوي الصلة ويسود الاطمئنان وتتضيق هوة الخلاف ويحصل التلاحم والتعاون وتنحصر أسباب الخلاف عند وجوده مبكراً, وفي الشورى الاقتداء بنصوص الوحي وعمل النبي ﵌ وسلف هذه الأمة, كما أن في تركها كل البلاء فضلاً عن فقد صفة من صفات المؤمنين. ولعل القارئ يلمس أن ترك الشورى يفضي إلى اعتساف الأمور والوقوع في الخطأ وعدم الاستفادة من آراء الآخرين وخبراتهم, ناهيك عن أن كل ذلك يفضي إلى الجفاء والتقاطع والتسلط والاستبداد, وقد حرصنا على أن نأتي بشيء من التحليل في دراستنا وأن نورد النصوص موثقة معزوة إلى مراجعها, وأن نورد النظام الديمقراطي ونصوص القوانين على سبيل المقارنة مع إظهار فضل الشورى ومكانتها الرفيعة وبيان خصوصيتها

стр. 215

وبيان أن تعليمها يعتبر أساساً للعمل بها واتخاذها مبدء ومنهجاً وتطبيقها وفق منهج الله العادل, وغني عن البيان القول أن الشورى وممارستها يعتبر من أسما آيات الحضارات وأجلها لما فيها من الخير والنفع للكافة أفراداً وجماعات, فهي في الأمور الخاصة تقرب من السداد وتظهر المصلحة وتقود إلى الصواب، ولهذا أمر الله بالتشاور حتى في فطام الطفل, وهي في الأمور العامة تمثل عملاً سياسياً ضرورياً لنجاح الدولة في تدبير شؤون الأمة, وقد رأينا كيف كان الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتشاور مع أصحابه فيما لا نص فيه, وكيف كان الخلفاء يتشاورون, فهي بحق تشكل منهجاً حيوياً يتوقف عليه انتصار الحق في المجتمع والتزام السداد في شؤونه, كما يتوقف عليها احترام العقل في الدولة واحترام الإنسان في ظلها, ويستفاد مما أتينا على بيانه من الشورى في التشريع وفي القضاء وفي الوظائف أن الشورى تعتبر من أهم الضمانات لصيانة حقوق الإنسان واحترام آدميته، وأن الشورى تمثل أهم ضمانة سياسية لاستقرار الدولة وحمايتها من عوامل الضعف والوهن, وهي سبيل رئيس لسلامة المجتمع من الفوضى وكبح جماح النفس عن الهوى, وفيها مصالح عظيمة أشرنا إليها وفصَّلها الكثير من العلماء, وهي تقي الكثير من المفاسد والمهالك المعطبة، وبذلك نأتي على ملخص لهذه المصالح زيادة في البيان مما يجعلها تستقر في الأذهان, ولتكون مسك ختام مع إيجاز للمفاسد المترتبة على تركها: المصلحة الأولى: ظهور الحق والصواب في الغالب, فمعلوم أنه إذا كان الغرض من الشورى هو طلب الحق, فإنه مع عرض الآراء بحرية تامة وتجرد المستشارين عن الهوى ستكون النتائج بعد ظهور الصواب سديدة والعواقب حميدة, وفي ذلك مصلحة تعود على الراعي والرعية وعلى الأمة كلها. المصلحة الثانية: استفادة المتشاورين فيما بينهم من بعضهم البعض, فقد سبق أن أشرنا إلى أنه من أعظم منافع الشورى وفوائدها تلاقح الأفكار والاطلاع على ما عند الآخرين والاستفادة من تنوع الخبرات, وفي ذلك مصلحة للجميع بل إن في ذلك حصول التكامل الاجتماعي.
следующие страницы →