وفرّ شيخ ونوروز في خواصّهما إلى تدمر فامتاروا منها، ثم مضوا إلى صرخد ولم يستقروا بها، ثم مضوا إلى البلقاء فدخلوا إلى القدس، ثم رجعوا إلى غزة فدخلوها في سادس عشري شعبان، ومات منهم بالبلقاء تَمرْبُغَا المشطوب وإينال المنقار بالطاعون في حسبان، ولحق بهم سودون الجلب من الكرك فأَخذوا منه عدةً كبيرة من الخيول، ثم رحلوا منها في صبيحة الثالث من رمضان، ورجع الجلب إلى الكرك، فجهَّز الناصرُ في إثرهم بكتمر جلق على عسكر كبير، فساروا إلى زرع، ثم أَلحقه بطوغان فساروا في أَواخر شعبان فاجتمعوا بقاقون (١) في الثاني من رمضان، فساروا جميعا إلى غزة فقدموها في ثالثه وقد رحل منها شيخ وأَصحابه بكرة النهار، فوجدوا نائب غزة خاير بك قد تبعهم إلى الزعقة فاستراحوا بغزَّة، وبعث بكتمر شاهين الزردكاش وغيره على البرية إلى القاهرة يحذّرهم بمجئ شيخ ومن معه.
وخرج من غزة في الخامس من رمضان فاستمرّ شيخ ومَن معه متوجّهين إلى القاهرة، فمات شاهين دويداره بالصالحية فدفنه هناك وحزن عليه كثيرا، وكان (٢) من الفرسان المعدودين ميمون النقيبة، لم يرسله أُستاذه في جهة إلَّا وكان على وجهه النصر.
* * *
واستمر شيخ ومَن معه إلى القاهرة، فاستعدّ أَرغون نائب الغيبة ومَن معه للحصار فوصلوا في الثامن من رمضان، وهم: شيخ ونوروز ويشبك بن أَزدمر وبردبك وقنباي وسودون بقجة وسودون المحمّدي ويشبكُ العثماني وقَمَشْ وأَتباعهم، والتفّ عليهم جمْعٌ كثير من عرب الشرقية، فتوجّه شيخ من ناحية المطريّة إلى بولاق إلى الميدان الكبير إلى الصليبة إلى الرميلة، فبرز لهم إينال الصصلاني الحاجب فصدّهم عن القلعة، فتوجّهوا إلى بيت نوروز بالرميلة واجتمع عليهم خلق كثير من الغوغاء، وأَرسل شيخ رجلًا إلى القاهرة فنادى بالأَمان ورفْع الظلم وترخيص سعر الذهب والقمح، فمال الناس إليه وساعدوه؛
стр. 1017
فتوجّه بمن معه إلى مدرسة الأَشرف فملكها ثم مدرسة حسن، ورموا على الإصطبل ففرّ أَرغون فدخل القلعة بمفرده، وأَمر شيخ بإخراج من في جميع الحبوس من المسجونين فاطلقوا، وكان بعض ذلك بمباشرة يشبك بن أَزدمر بحيث أَنه هدم ما فوق خوخة أَيتمش وسهَّل الدخول للراكبين منها فدخلوا وفتحوا باب زويلة، فهرب حسين وإلى القاهرة وتوجّه إلى حبس الديلم فكسر بابه وأَخرج مَن فيه.
وأَمر شيخ بتَتَبّع الخيول من الإصطبلات وغيرها فأَخذ منها ما يحتاج إليه، ثم هجم على باب السلسلة فأَخذ الإصطبل، وجلس في الحرّاقة، وتوجّهوا إلى باب القلعة فطلبوا فتْحه فكلَّمهم الزمام من وراءِ الباب فقال: "إن حريم السلطان في القلعة"، فقالوا: "مالنا غرض في النهب بل نريد أَن نأْخذ ابن السلطان ونسلطنه" فقال: "ليحضر منكم إلى باب السرّ إثنان أَو ثلاثة فيحلفوا وأَنا أُسَلِّمه لكم"، وقصد إبْطاءَه ليحضر العسكر السلطاني، فباتوا. فلمّا أَصبحوا لاحت بوارق العسكر وارتفع العجاج وأُشيع أَن الناصر وصل، فارتفعت الأَصوات في القلعة بذلك وهلَّلوا وكبّروا، فركب شيخ وأَصحابه مِن ساعتهم نحو باب القرافة، فكبا بالأَمير شيخ جواده فبادر أَصحابه فأَركبوه غيره ولم يجسر أَحدٌ على اتِّبَاعِهم، وكان العسكر الواصل فيه بكتمر جلق وطوغان ومن معهما، فقبضوا من المذكورين على جماعة منهم بَردْبِك وبَرْسَبَاي وقَرَابُشْتُك (١).
وكان السبب في قدوم هؤلاء بهذه السرعة أَنَّ النَّاصر لمّا وصل دمشق وقيل له إن نوروز ومن معه توجهوا إلى صرْخد جهَّز بكتمر جلق وطوغان الدويدار ويشبك الموساوي وقنباي وأَسنبغا الزردكاش وأَلطنبغا العثماني ومَن معهم - وكانوا قَدْر أَلفِ نفس - ليحاصِروا نوروز ومَن معه ويقبضوا عليهم.
فلما وصلوا إلى صرخد قيل لهم قد توجهوا إلى غزَّة فاستمرّوا خلفهم إلى غزة، فقيل لهم توجّهوا إلى نحو مصر فاختلفوا، فقال بكتمر ومن معه: "ما معنا مرسوم بالروح لمصر"، وخالفهم الأَكثر فاحتاج أَن يوافقهم وتوجّهوا إلى مصر مسرعين، فاتفق وصولهم
стр. 1018
حين أَراد نائب الغيبة بالقلعة أَن يسلم القلعة فبطل ذلك فجأَة، وظنّ شيخ ومَن معه أَن السلطان في العسكر المذكور فانهزموا، ولو تحقَّق أَنَّ رأْسهم بكتمر لما انهزم ولعلمهم أَن بكتمر لا يقوم قدّامه.
واعتذر مَن قدم من عدم اتباعهم للمنهزمين أَن خيولهم كانت أَعْيَتْ - وكذلك الرجال - من توالي الركض حتى أَدركوا ما أَدركوا.
* * *
وسار شيخ بمن معه إلى إطفيح ثم إلى السويس فأَخلوا منها عليقا وجمالًا، وسار بهم شعبان بن عيسى في درب الحاج إلى نخل وافترقوا حينئذ فرقتين: فرقة رأَسها نوروز ومعه يشبك بن أَزدمر وسودون بقجة، وفرقة فيها شيخ ومعه سودون قرا صقل وسودون المحمّدي، فوصلوا إلى الشوبك ثم إلى الكرك فتلقّاهم سودون وأَدخلهم المدينة.
فلما كان في وسط ذي القعدة توجّه شيخ إلى الحمّام بالكرك ومعه قانْباي المحمّدي وسودون وطائفة يسيرة، فبادر أَحمد بن أبي العباس الحاجب بالكرك وأَراد الفتك بهم ومعه جمعٌ كثير فاقتحموا الحمام فسبقهم بعض مماليك شيخ فأَعلمه فنهض وفي وسطه مئزر وفي يده طاسة الحمَام، فقاتلهم وأَخرجهم من الحمام.
ثم تكاثروا عليه فأَدْركه (١) نوروز في جماعة فكسروهم، وقد أَصاب شيخًا سهمٌ فخرج منه بسببه دم كثير فسقط مغشيًّا عليه فحُمل على بساطه وأَقام أَيامًا لا يعقِل.
وقُتل في هذه الكائنة سودون بقجة وكان شابًّا، وهو زوج بنت تمراز، وكان مع ذلك محبًّا في العلماء.
فلما وقع ذلك خشي سودون الجلب من الأُمراء أَن ينسبوه إلى الفتنة المذكورة، فهرب منهم إلى ماردين وعزم على المضيّ إلى قرا يوسف، فبلغه أَنه مشغولٌ بمحاربة ملوك الترك - مثل أَيدكي وإبراهيم الدربندي وشاه رخ بن تمرلنك - فتأَخَّر عن المضيّ إليه، ونودي بالقاهرة
стр. 1019
بتهديد من آوى أَحدًا من الشيخيّة والنوروزيّة، وبَسَط حسام الدين يده في أَذى من ينتسب إليهم حتَّى منعه بعد ذلك نائبُ الغيبة.
وأَخذ بكتمر جلق من الأُستادار السلطاني أَلف دينار، وأَلزم المحتسب ببيْع قمحٍ له بأَلفي دينار وإِحضار ثمنها فعجز عن ذلك وهرب وعزل نفسه، وهو شمس الدين بن الدميري ومات بعد قليل في رمضان.
وأَخذ بكتمر من تجار الشام مالًا جزيلًا قرْضًا، وتوجّه في السادس عشر يريد دمشق فوصل إلى غزة في الثاني والعشرين منه.
* * *
وفي رمضان قُبض على شرف الدين وشمس الدين ولدَيْ التّبّاني، وعلى محب الدين بن الشحنة وشهاب الدين شُقْرِي من حلب، فقُيّدوا وأُحضروا إلى دمشق فسجنوا بالقلعة.
وأَرسل الناصر إلى جانم نائب طرابلس وتغرى بردي نائب صفد فقدما عليه في دمشق فأَرسلهما في عسكر إلى جهة شيخ، فخرجوا في سابع عشر رمضان فوصل الخبر بما اتفق في القاهرة فاستعادهم.
وأَرسل آقبغا دويدار يشبك إلى القاهرة بخِلَعٍ إلى الأُمراء المذكورين مع الثناء عليهم بما فعلوه.
وكان الخبر قد اتَّصل إلى الناصر بتقاعد طوغان وبكتمر عن القبض على شيخ ومَن معه مع قدرتهم على ذلك، فأَسرَّ ذلك في نفسه، ثم جاءَه الخبر بأَخْذ أَصحابه قلعة (١) صرخد.
وفي العشرين من شوال أُخرج بالذين قَبض عليهم النَّاصر من دمشق مقيدين للتوجّه بهم إلى مصر، وتوجّه دمرداش إلى بلد الخليل ومعه عسكرٌ لكشف أَخبار الأُمراء الهاربين من القاهرة.
стр. 1020
وفي العاشر من ذي القعدة نودي بالعسكر أَن يخرجوا إلى باب النصر، وتُتُبِّعَت الحمير من الدواليب والبساتين لتُحمَل عليها الأَمتعة السلطانية، فتضرر الناس من ذلك كثيرًا وكثر الدعاءُ عليه.
وفي الخامس عشر منه خرج السلطان إلى الغوطة فنهب عقرباءَ (١)، وكان قد سعى عنده أَن الأُمراءَ الهاربين بها فلم يجدْ منهم أَحدًا وعظم الضَّرر بالناحية المذكورة.
وفي سابع عشره خرج الناصر من دمشق ونزل بقبة يلبغا ورجع بكتمر جلق بخلعة على نيابة الشام.
فلما كان في صفر في سلخ ذي القعدة أُلزم قضاة الشام بعشرة قراقل والتجار بعشرة أُخرى.
* * *
وفي ذي القعدة خامر آقبغا شيطان - وكان على المرقب من جهة شيخ - فسار إلى جهة حلب مظهِرا طاعة السلطان، وتوجّه السلطان إلى جهة الكرك لما تحقَّق حلول الأُمراء بها وأرسل حريمه إلى القاهرة، فوصلوا ووصل صحبتهم أَكثر الأَثقال والقضاة في ذي الحجة، ووصل الناصر إلى الكرك فحاصرها، فمشى تغري بردي وتمراز الناصري في الصلح بين الناصر وبين الأُمراء إلى أَن استقرّ على أَن يكون شيخ في نيابة حلب وتستمر قلعة المرقب بيده، وأَن يكون نوروز في نيابة طرابلس، وشرط الناصر عليهما أَن لا يُخرِجا إمرةً ولا إِقطاعًا ولا وظيفةً إلَّا بأَمره، وأَن يُسلما قلعة الكرك ومدينتها له، وكذلك يسلِّم شيخ قلعة صرخد وقلعة صهيون. وحلف الجميع على الوفاء بذلك وخلع عليهم وعلى من معهم خلعًا كثيرة.
وقرر يشبك بن أَزدمر أتابكَ العساكر بدمشق، وسودون من عبد الرحمن أَميرًا بمصر، وقانباي المحمّدي أَميرا بحلب، ونزل الجميع إلى الناصر وأَكلوا على سماطه وعملوا الخدمة عنده.
ورحل الناصر عن الكرك إلى القدس، وسار تغري بردي إلى جهة دمشق وقد استقرّ نائبًا عوضًا عن بكتمر جلق، فأَقام الناصر بالقدس خمسة أَيام ورجع متوجّها إلى القاهرة.
* * *
стр. 1021
ذكر الحوادث الخارجة عن حروب المتغلبين
في أَول المحرّم استقر قراجا شادُّ الشرابخاناه دويدارًا كبيرًا عوضًا عن قجاجق بحكم موته فلم ينشب أَن مات وهو متوجّه صحبة العساكر بالصالحية في ثالث صفر ودُفن في جامعها ثم نُقل بعد ذلك إلى القاهرة، قال العينْتابي: "كان فاسقًا قليل الخير، وخلّف موجودا كثيرًا احتاط عليه السلطان".
وفيه أَوْلَمَ بكتمر جلق على بنت (١) الناصر وبنى بها ليلة الجمعة حادي عشره.
وفي ليلة الحادي والعشرين منه اجتمع رجلان مِن العوامّ بدمشق فشربا الخمر فأَصبحا محروقَيْن، ولم يوجد منهما نار ولا أَثر حريق في غير يديهما وبعض ثيابهما، وقد مات أَحدهما وفي الآخر رمق، فأَقْبل الناسُ أَفواجًا لرؤيتهما والاعتبار بحالتهما.
وفيه فشى الطاعون بطرابلس وحوران ودمشق، ووقع جرادٌ بالرملة وبالساحل.
* * *
وفيه توجّه أَحمد بن أُويس في عسكر بغداد إلى تبريز ليستولي عليها، وقد سار صاحبها قرا يوسف إلى أَرزنكان لقتال قرايلك التركماني وكانت بينهما عداوة، فبلغ ذلك قرا يوسف وأَن أَحمد بن أُويس اتفق مع شاه رخ بن تمرلنك وغيره على قرا يوسف. فرجع (٢) قرا يوسف عن محاربة قرايلك وتوجّه إلى تبريز، فجمع أَحمد بن أويس عسكرًا كبيرًا فيهم ابن الشيخ إبراهيم الدربندي وأُمراء البلاد، فاقتتلوا في يوم
стр. 1022
الجمعة ثاني عشري ربيع الآخر، فانكسر ابن أويس وفُقِد ابن أويس وولدُه علي وكثير من الأُمراء، وأُسِر ابن الشيخ وعدّةٌ من الأُمراء.
واستولى قرا يوسف على تبريز وغيرها، ويقال إن ابن أُويس اختفى في عين ماءٍ فدخل عليه بعض الفرسان فأَراد قتله فعرّفه بنفسه فأَحضره إلى قرا يوسف فأَكرمه واستمرّ معه في الاعتقال، فيقال إنه قُتِل خنقًا.
* * *
وحاصر محمد بن قرا يوسف بغدادَ أَشهرًا وبها "بَخْشايش" (١) مملوك أَحمد [بن أويس] فلم يصدِّق بموت أَحمد واستمرّ على الخطبة له، ثم أَقام صبيًّا يقال له أويس ابن أَخي أَحمد فسلطنه، ثم قامت ببغداد ضجة في الليل قُتِل فيها بَخْشايش، وأُشيع أَن الذي أمر بقتله أَحمد بن أويس وأَنه حيّ يرزق وأَنه ظهر ببغداد، وصارت الأَوامر تخرج من دار أَحمد على لسانه، واستقر عبد الرحيم بن الملَّاح موضع بخشايش وأُعيدت الخطبة باسم أَحمد وبطل أَمر أويس (٢)، فرجع محمد بن قرا يوسف بمن معه عن حصار بغداد، ثم قُتل عبد الرحيم بن الملَّاح فأَشاعت أُم الصبي أويس أَن أَحمد بن أُويس قُتل فأَعادوا ابنها إلى السلطنة فعاد عليهم محمد فحاصرهم، فأُشيع ثانيا أَن أَحمد حيٌّ، وقد وقعت ضجة عظمى.
وشاع أَن أَحمد ظهر فاجتمع الناس إلى داره فخرج إليهم شخص في زي أَحمد على فرس فقبّلوا له الأَرض وذلك لَيْلًا، وسأَلوه أَن يظهر لهم في النهار فوعدهم وظهر لهم عند غروب الشمس فصاحت العامة: "هذا السلطان أَحمد" وظنُّوا ذلك حقيقة، ثم ظهر فسادُ ذلك وأَن ذلك كله مخرَّجٌ على أُم أُويس، وآل الأَمر إلى غلبة محمد بن قرا يوسف على بغداد، ونزح عنها أُويس بمن معه فسار إلى تستر فملكها وانقضى أَمر أَحمد بن أُويس، وكانت غلبة محمد [بن قرا يوسف] على بغداد في أَول سنة أَربع عشرة.
стр. 1023
وهربت مرضعة حسن بن أَحمد بن أُويس إلى حلب فقدمت به في رمضان، وقيل إن قرا يوسف لمّا ظفر به سلَّمه لبعض أَصحابه وقال: "إنِّي لم أُنْصَر عليه بقوّتي ولكن بغدره"، وكان قرا يوسف لا يحبّ القتل فخشى مَنْ فرّ إلى قرا يوسف من أَحمد أَن يطلقه فيهلكهم فتسبّبوا في قتله إلى أَن لم يجد بدًّا من الأَمر بقتله فأَمر بخنقه ظاهرا، وأَسرّ إلى مَنْ يخفيه أَن يُبقِي عليه، ثم أَحضر شخصًا يشبهه فشنقه، فرضي أَصحابه بذلك.
ولهذا كان قرا يوسف وولده محمد ومن عرف القصة إذا أُشيع أَن أَحمد حيَّ يصدّقون بذلك ولا يتوقَّفون، وقد أُشيع بعد ستِّ سنين من هذا التاريخ أَنَّه حيّ.
* * *
وفيه في ثالث عشري صفر نودي بالقاهرة أَن تكون الفلوس بإثني عشر درهمًا كلُّ رطلٍ وكان بستة؛ والذهب بمائتين منها، واشتدّ الأَمر وفُقِد الخبز وغلقت الأَسواق فغضب الناصر من ذلك، وكان قد حصّل من الفلوس جملة كبيرةً لتحسين بعض الناس له ذلك، وسوّلت له نفسه أَنَّه إذا صيّرها بإِثني عشر كل رطل ربح في كل أَلفٍ أَلْفًا أُخرى، فاشتدت عليه مخالفتهم لأَمره وهَمَّ بأَن يضع السيف في العامّة، وبات (١) من الناس في كرب، ثم لم يزل به الأُمراءُ حتى أَذن أَن يكون بتسعٍ كلُّ رطل، فنودي بذلك فسكن الحال قليلا وظهرت المآكل، ثم شفع إليه الأُمراءُ أَن يعيدها كما كانت عليه لما حصل لهم من العطلة في تجهيزهم إلى السّفر فنودِيَ عليها بستةٍ ففُتحت الأَسواق.
وقيل كان السبب أَنه سأَل عن سعر الحديد الذي يُنْعل به الخيول والبغال وعن الحديد والسلاسل فقيل له: "كل رطل بإثني عشر"، فأَنكر ذلك وقال: "الفلوس من النحاس، وهو أَغْلى من الحديد، فكيف يكون النحاس أَرخص من الحديد! " فلما تخيّل المماليك أَن ذلك بسببهم نفروا منه فرجع عن ذلك.
стр. 1024
وفيها انحطَّ سعر الغلال بعد سفر الناصر إلى الشام حتى وصل الشعير من مائةٍ وخمسين إلى ستين، وقِسْ على ذلك.
* * *
وفي هذه السنة كثرت الفتن بجبال نابلس بين ابن عبد الساتر وابن عمه عبد القادر شَيْخَيْ العشير، وعظم البلاءُ بحيث أَن الدّرب انقطع من السالك.
وفي جمادى الأُولى استقرّ محمد التركماني في نيابة الكرك.
وفيه توجّه عثمان بن طرغلي المعروف بقرايلك إلى أَرزنكان وأحرق ديارها وجلا أَهلها معه إلى بلاده.
وفيه اقتتل سلمان بن أَبي يزيد مع أَخيه موسى وهزمه وحصره بأَفلاق، وآل الأَمر إلى استيلاء موسى على مملكة أَخيه، ومات أَخوه في هذا العام.
ووقع بين ابن قرمان وبين ابن كريمان قتال، وكثرت الفتن بين التركمان واستعرّت البلاد نارا، ولله الأَمر.
* * *
وفي جمادى الآخرة وصل الفرنج الذين استأْذنوا الناصر - في العام الماضي لما دخل القدس - أَن يُجدّدوا عمارة بيت لحم، فوصلوا في هذا العام إلى يافا ومعهم عَجَلٌ وصنَّاع وأَخشاب، فأَخرجوا المرسوم واستدعوا الصّناع للعمل بالأُجرة، فأَتاهم عدة وشرعوا في إزاحة ما في طريقهم من الأَوعار ووسعوا الطريق بحيث يسع عشرة أَفراس ولم تكن تَسَعُ غير فارس، وأَحضروا معهم دُهنًا إذا وضعوه على الصخرة سهل قطعها، فلما رجع الناصر إلى دمشق عرّفه نصحاؤه بسوءِ الفالة في ذلك، فكتب إلى أَرغون كاشف الرملة بمنعهم من ذلك والقبض عليهم وعلى مَن معهم من الصّناع والآلات والسلاح والجمال والدّهن، فختم على مخازنهم وحملهم وما معهم إلى القاهرة.
* * *
стр. 1025
وفي ثانى عشري رمضان استقر تاج الدين عبد الوهاب بن نصر الله في نظر الكسوة ووكالة بيت المال بعد موت الطويل.
وفي سابعه استقرّ شهاب الدين بن الكشك في قضاء الحنفيّة بدمشق، ونجمُ الدين بن حجّي في قضاء الشافعية بطرابلس.
وفي رمضان أَوقع قرقماس بالتركمان ونهب منهم غنمًا كثيرًا وجمالًا ومالًا، فوافاه كتاب الناصر يأْمره بالوصول إليه، فوصل وأَهدى له مما كسبه من التركمان أَربعة آلاف رأْس غنم.
وفي شوّال قَبض الناصر على جانبك القرمي فضربه ضربًا مبرحًا وسجنه بالقلعة.
* * *
وفي ذي القعدة قدم الأُستادار تاج الدين بن الهيصم والوزير سعد الدين بن البشيري إلى القاهرة لتحصيل الأَموال، فأَظهر الأُستادار مرسوم الناصر بقبض تِرَك الموتى جميعها من ذوي الأَموال مطلقًا: سواءٌ من كان له وارثٌ أو مَن لم يكن، فعظمت المصيبة وكثرت الشناعة، وبالغ في استرجاع الميراث ممن أَخذه بحقّ: مِن ولدٍ وأَخٍ وزوجٍ وزوجةٍ وغير ذلك، فشاع بين الناس أَن الناصر أَمر بتغيير حكم الله.
* * *
وفي هذه السنة كان في أَول العام وباءٌ ببلاد فلسطين وحوران وعجلون ونابلس وطرابلس فمات خلق كثير جدًّا، ثم كان في آخرها الطاعون بدمشق ونواحيها.
وفيها ارتفعت (١) الأسعار بالقاهرة وبلغ القمح مائة وثلاثين، والشعيرُ ثمانين، والذهب مع ذلك غالٍ جدًّا، بلغ الإفرنجيّ مائتي درهم والهرجة مائتين وعشرين.
* * *
وفيها جدّد مرجان الهندي - خزندار شيخ - الجامع بحكر السماق ورتَّب في إمامته شهاب
стр. 1026
الدين الأَذرعي ابن أَخي قاضي أَذرعات، ورتب فيه كمال الدين الشرائحي (١) متصّدرًا لسماع الحديث.
وفيها (٢) عَزَّر القاضي شمسُ الدين الإخنائي قاضي الشام جمالَ الدين عبدَ الله المجادلي بسبب ما يكثر من المذكور من النميمة بالناس فضربه وحبسه، وشكره الناس على ذلك؛ قرأت ذلك بخط ابن حجي.
* * *
وفي هذه السنة كانت الحادثة العظيمة بفاس من بلاد المغرب حتى خربت، وذلك أَن ملكها - وهو أَبو سعيد عثمان بن أَحمد بن إبراهيم بن علي بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق - قَرَّر في تدبير مملكته الحاجبَ عبد الله بنَ الطريفي فأَوقع بينه وبين أَبي فارس صاحب إفريقية، وجهز محمد بن أبي يحيى زكريا بالعسكر ليحاصر تونس، فمازال أَبو فارس ينصب له أشراك المكائد حتى أَوقعه وهزمه ومزّق عسكره، فلمّا تمكْن من ذلك كاتب ابنَ الأَحمر بأَن يفرج عن محمد بن عبد العزيز بن أَبي سالم - وكان معتقَلًا عنده مع جماعة من ذرّية بني مرين ممن يرشح للملك - فأَفرَج عنه وسلطنه في أَوّل شعبان منها وجهزه، فاجتاز البحر حتى نازل فاس في خامس ذي الحجة، فخرج عليه (٣) عبد الله بن الطريفي لقتاله فكبابه فرسه فقَبض عليه محمد وأَمر به فأُحرِق، واستمرّ في حصار فاس؛ وكان ما سنذكره في التي بعدها إن شاءَ الله تعالى.
* * *
стр. 1027
ذكر من مات في سنة ثلاث عشرة وثمانمائة من الأعيان
١ - إبراهيم بن محمد الرّصافي، كان من ذوى اليسار فقُطع عليه الطريق فقُتِل (١).
٢ - أَحمد بن أُويس بن الشيخ حسن النَّوين بن حسين بن آقبغا بن إيلكان بن ألقان غياث الدين سلطان (٢) العراق، كان مولده سنة. . . (٣)، وأول ما ولي إمرة البصرة عن أَخيه حسين، فلما اختلف الأُمراء على حسين خرج من بغداد إلى تبريز، فقدم أَحمد بالجنود واغتال أَخاه وقام بالسلطنة وذلك في صفر سنة أَربعٍ وثمانين، وقبض على أَعيان الأُمراء فقتلهم وأَقام أَولادهم، فثار عليه مَن بقي ببغداد مع أَخيه شيخ علي شاه، فآل الأَمر إلى أَن قُتل واستبدّ أَحمد فسار السيرة الجائرة، فقَتل في يوم واحدٍ ثمانمائةَ نفس من الأَعيان وانهمك في الملذات.
واتفق أَن اللنك نازل شاه منصور صاحب شيراز فقتله وبعث برأْسه إلى بغداد، والتمس منهم ضرب السكة باسمه فلم يطعْه أَحد، فأَخذ تبريز ولم يزلْ إلى أَن نازل بغداد في شوّال سنة خمس وتسعين، ففرّ (٤) منه بأَهله وما يعزّ عليه مِن ماله، فلحقه عسكر اللنك بالحِلَّة فهزموه ونهبوا ما معه وخرّبوا الحلَّة فقصد الشام، وأَما اللنك فإنه أَفْقَر أَهل بغداد بالمصادرة ومات تحت عقوبته فوق الثلاثة آلاف.
وأَما أَحمد فوصل إلى الرحبة (٥) واستأْذن الظاهر في القدوم عليه، فأَجابه بما طيّب خاطره وأَمر النوّابَ بإكرامه، وجَهَّز له الأَميرَ أَزدمر وصحبته ثلاثمائة أَلف درهم للمطبخ السلطاني فنُصبَتْ له الموائد، وركب الظاهر إلى لقائه وذلك في سنة ست وتسعين ونزل له عن (٦) المسطبة،
стр. 1028
وأَسرع أَحمد في تقبيل يده فلم يوافق وعانقه وبكى وطيّب خاطره وأَجلسه معه على البساط بغير كرسي، ثم خلع عليه وأَركبه فرسًا وسايَرَه إلى أَن وصل القلعة، فأَرسله إلى بيتٍ أَعدَّه له مطلٍ على بركة الفيل (١)، ثم أَرسل إليه الظاهر بنحو عشرة آلاف دينار ومائتي قطعة قماش وعدّة خيول وعشرين مملوكا وعشرين جارية، ثم قدم ثقل أَحمد، ثم أَحضره الظاهر دار العدل، ثم تجهز السلطان وسافر بالعساكر إلى حلب بعد أَن تزوّج أُخت أَحمد واسمها تندى (٢) ودخل بها في ربيع الآخر، ثم سار فدخل دمشق في العشرين من جمادى الأُولى فأَقام بها، وجهّز أَحمدَ بن أويس في أَوّل شعبان ورسم له بجميع ما يحتاج إليه فدخل بغداد في رمضان فوجد بها مسعودًا الخراساني (٣) من جهة اللنك فقرّ، وأَقام أَحمد ببغداد واستخدم جنودًا من العرب والتركمان.
ووقع الوباءُ ببغداد ففرّ أَحمد إلى الحلَّة، وجرى على سيرته السيئة في سفك الدماء والجهد في أَخذ أَموال الرعيّة، ولم يزل على ذلك إلى أَن عاد اللنك طالبًا الشام ففرّ أَحمد إلى قرا يوسف ابن قرا محمد بن بيرم خجا صاحب الموصل واستنجد به فصار معه، وكان أَهل بغداد قد كرهوه فحاربوه وهزموهما (٤) معًا فدخلا بلاد الشام واستأْذنا أمير حلب - وكان يومئذ دقماق من جهة الناصر فرج - وذلك في شوال سنة اثنتين وثمانمائة، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فانهزم أَهل حلب وأُسِر دقماق ففدّى نفسه بمائة ألف، فبلغ الناصرَ ذلك فغضب وأَمر بتجهيز عساكر الشام فتوجّهوا، ففرّ قرا يوسف فأَوقعوا بأَحمد فكسروه ونهبوا ما معه وبعثوا بسيفه إلى النَّاصر، ثم قدم اللنك بلاد الشام وخرّبها في سنة ثلاثٍ وخرج منها؛ وكان أَحمد حينئذ قد فرّ إلى بلاد الروم.
стр. 1029
وأَرسل اللنك إلى بغداد عسكرا ثم تبعهم وحاصرها ثم أَخذها عنوةً ووضع السيفَ فيها وذلك في شوّال سنة ثلاثٍ بعد رحيله من الشام، ويقال إنه قتل من أَهلها نحو مائتين وخمسين ألف نفس وبنى بِرءوسهم مساطب، وفارقها وهي خراب.
ولمّا بعُد اللنك رجع أَحمد إلى بغداد فأَقام بها قليلا، فثار عليه ولده طاهر بن أَحمد، ففرّ منه وأَتى إلى قرا يوسف فسار معه وقاتلا طاهرًا بالحلة فانهزم وغرق، ودخل أَحمد بغداد، ثم غدر أَحمد بجماعة كانوا عنده من جهة قرا يوسف عُدّتُهم خمسون نفسَا من أَعيان دولته، فغضب قرا يوسف وسار لمحاربة أَحمد فهرب ثم اختفى في بئر ببغداد، فأَمر يوسف بطمّ البئر فطُمَّت فما شكوّا في هلاكه، فاتفق أنه كان بها فرجة فخرج منها ومضى إلى تكريت ثم إلى حلب.
وملك قرا يوسف بغداد فأَرسل اللنك ابن ابنه مرزا أَبا بكر بن مرزا شاه بن اللنك ففرّ قرا يوسف فنهبه الأعراب بالرحبة، فقدم دمشق فأَكرمه نائبها شيخ، ثم قدم قرا يوسف في رجب سنة سبعٍ ووافقه على سيره إلى مصر صحبة يشبك، حتى كانت وقعة السعيدية ورجع الجميع منهزمين، فأَفْرج شيخ عن أَحمد في شوال فتوجّه إلى بغداد في سادس عشر ذي الحجة فملكها، وتوجّه قرا يوسف إلى الموصل وكتب إلى أَحمد فاجتمعا ونازلوا مرزا أَبا بكر بالسلطانية فقُتل في آخر سنةِ ثمانٍ ومَلَك قرا يوسف تبريز، ورجع أَحمد إلى بغداد فاستأْذنه قرا يوسف فيمن يقيمه في السلطنة فأَذن له في إقامة ولده يرن (١) ففعل وذلك في سنة إحدى عشرة، فقدم ميرزاشاه في طلب ثأْر ولده فوافقه قرا يوسف فقُتل، وغنم قرا يوسف جميع ما كان معه وهو شيء كثير فتقوّى به.
واتفق في غضون ذلك أن أَحمد - لِمَا تغلَّب على طباعه من الغدر - مضى إلى تبريز فملكها ونهب جميع ما وجده لقرا يوسف وولده، فرجع إليه وقاتله فانهزم منه وذلك في
стр. 1030
ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة، ولم يزل قرا يوسف (١) يتطلبّه إلى أن ظافر به فأَكرمه ثم سجنه ثم دسّ عليه مَن خنقه فمات في آخر يوم من ربيع الآخر، واستقرت قدم قرا يوسف في بغداد وتبريز، وكان منه ما ذكر في ترجمته.
وكان أَحمد سفاكًا للدماء، متجاهرًا بالقبائح، وله مشاركةٌ في عدة علومٍ كالنجوم والموسيقى، وله شعر كثير بالعربية وغيرها (٢)، وكتب الخط المنسوب، وكانت له شجاعة ودهاءٌ وحيلٌ ومحبة في أَهل العلم.
٣ - أَحمد بن الشهيد، كان أَولًا يتعانى صناعة الفراء ثم اشتغل قليلًا وباشر في ديوان السلطان ثم ولي الوزارة، ثم وقعت فتنة اللنك وهو وزير فاستصحبه معه إلى بلاده، ثم خلص منهم بعد الستين ورجع إلى دمشق فباشر نظر الجيش وغيره في شعبان.
٤ - أَحمد بن علي بن خلف الطنتدائي نزيل القاهرة، يُعرف بالحسيني لأَنه كان ينزل الحسينية، وقد لازم شيخنا سراج الدين (٣) وعلق من فتاويه قدْر مجلد، وكتب خطا حسنًا ومهر في قراءة الحديث والعربية، وشارك في الفنون، وسمع معنا قليلًا. مات في جمادى الآخرة.
٥ - أَحمد بن علي بن يوسف المحلِّي المعروف بالطَّرّيني الملقَّب بمشمش، سمع الكثير بقراءَة شيخنا العراقي من العرضي ومظفر الدين العسقلاني وغيرهما وحدّث باليسير وأَجاز لي (٤)، وكان شاهدًا في شئون المفرد ومباشرًا في بعض المدارس، وكان ساكنًا خيّرًا، مات في جمادى الأُولى.
стр. 1031
٦ - أَحمد بن محمد بن أَحمد بن محمد بن عمر بن رضوان الحريري، شهاب الدين الدمشقي المعروف بالسَّلَاوي، وُلد سنة ثمانٍ وثلاثين أَو نحوها، وكان أَبوه يتعانى التجارة في الحرير، وتزوّج امرأَةً من ذرية الشيخ محمد بن عمر السلاوي (١) فوُلد له أَحمد، ومات عن قريب فتربّى يتيمًا، ثم اشتغل وتفقَّه على علاءِ الدين بن حجي والتقيّ الفارقي، وسمع الحديث بنفسه فأَخذ عن جدّه محمد بن عمر السلاوي وتقي الدين بن رافع وابن كثير، ثم أَخذ في قراءَة المواعيد، وقرأَ "الصحيح" مرارًا على عدّة مشايخ وعلى العامة. وكان صوته حسنًا وقراءتُه جيدة. وولي قضاءَ بعلبك سنة ثمانين، ودرّس وأَفتى؛ ثم ولي قضاءَ المدينة بعد سنة تسعين، ثم تنقَّل في ولاية القضاء بصفد وغيره والقدس وغيرها، وكان كثير العيال.
وقد سمعتُ بقراءته "صحيح البخاري" - إلَّا ما فاتني منه - بمكة المشرّفة على العفيف النشاوري سنة ٨٥، واجتمعْتُ به بعد ذلك وكانت بيننا مودّة. ومات في صفر؛ وهو آخر من بقي من فقهاء الشافعية وأَكبرهم سنًا، وذكر ابن حجّي أَنه قرأَ على الحافظ ابن رافع وابن كثير.
٧ - أَحمد (٢) بن محمد الدّهّان، رئيسُ المؤذّنين بالجامع الأَموي، كان شجيّ الصوت عارفًا بالميقات، وقد عمّر حتى صار أَقدم المؤذنين عهدا وأَعرفهم وأَشجاهم صوتًا، عاش أَربعًا وثمانين سنة، وقد دخل بلاد العجم تاجرًا وأَقام هناك مدة، وكان عنده خبرة بالأُمور ومات في ذي القعدة.
٨ - أَبو بكر بن محمد بن بديع (٣) الدمشقي الصالحي، وُلد في المحرّم سنة أَربع وخمسين واشتغل قليلًا، وكان خيّرًا يقرأ في المصحف بعد الصلاة بجامع دمشق وعلى قراءَة (٤) أَنس، وكان يُحيى في رمضان بجامع الحنابلة فيُقصد لسماع قراءته لطيبها. مات في المحرّم عن تسع وخمسين سنة.
стр. 1032
٩ - خليل بن محمد الجندي الصوفيّ بالخاتونية (١)، جمع السبع على شرف الدين خادم السميساطية وأَقرأَ. مات في صفر (٢).
١٠ - شاهين الشجاعي (٣) دويدار شيخ، كان من خيار الأُمراء وكان شجاعًا مقدامًا مات في شعبان بالصالحية التي بقرب مصر.
١١ - عبد الرحمن بن محمد بن عبد الناصر بن تاج الرياسة المحليّ (٤) الزبيري، القاضي تقي الدين، ولد في سنة بضع وثلاثين، ثم قرأْتُ بخطِّ مَن أَثق به عنه أَن مولده سنة أَربعٍ وثلاثين، واشتغل قديما ووقَّع على القضاة، وصاهر القاضي موفق الدين الحنبلي على ابنته، وكان قد سمع بن أَبي الفتح المينوى وحدّث عنه، ثم ناب في الحكم مدة طويلة من زمن القاضي عزّ الدين بن جماعة، وكانت معه عدّة جهاتٍ من الضواحي ينوب فيها، وقرّره الملك الظاهر في القضاءِ سنة تسع وتسعين في جمادى الأولى مباشر إلى أَثناء رجب سنة إحدى وثمانمائة، فصُرف ثم أُعيد المناوي، واستمرّ (٥) بطالًا خاملًا إلى أَن مات، وكان الناصر قد عُيِّن عنده للقضاء عند القبض على جمال الدين ثم لم يتم ذلك.
وكان عارفًا بالشروط والوثائق، وباشر القضاءَ مباشرة حسنة لم يذمّه فيها أَحد، وكان مطرحا للتكلف بعد عزله يمشي في الطريق وحده، وفوّض له القاضي جلال الدين تدريس الناصرية والصالحية فباشرهما، وكتب قطعة على "التنبيه" (٦) ومات في أَول شهر رمضان.
стр. 1033
١٢ - علي بن إبراهيم بن عدنان الحسيني، علاءُ الدين الدمشقي، ولد سنة خمسين فباشر نقابة الأَشراف بالشام بعد موت أَبيه (١) ثم ولي كتابة السرّ غير مرة ولم يكن ماهرًا، وكان ليّنًا متواضعًا بشاشًا (٢) رئيسًا، وأُصيب بإِحدى عينيه بأَخرة فانقطع إلى أَن مات في شهر ربيع الأَول.
١٣ - علي بن إبراهيم بن المؤرخ شمس الدين محمد بن أَبي بكر بن إبراهيم بن عبد العزيز الجزري ثم الدمشقي، ولد سنة ثمانٍ وأَربعين ومات أَبوه وله سنةٌ فربّاه عمه نصير الدين [محمد (٣)] وأَسمعه من جماعة من أَصحاب الفخر، وحضر على المرداوي صاحب عمر (٤) الكرماني بالحضور، وحدّث وقرأَ الحديث وأَعاد بالتَّقَوية (٥) وباشر نظر الأَيتام، مع خفض الجناح وطهارة اللسان ولين العريكة، وحجّ غير مرة وجاور، وعلق في الوفيات واجتِيح في شيء كثير من ماله في فتنة اللنك، ولم يكن فيه ما يعاب إلَّا مباشرته مع قضاةِ السوء.
١٤ - علي بن أَحمد بن أَبي بكر بن عبد الله الأَدمي الشافعي، ذكر أَنه سمع من القلانسي (٦) وحدّث عنه، ولازم الشيخ وليّ الدين المنفلوطي ونحوه، واشتغل كثيرًا وتنبّه وأَفاد ودرّس وأَفتى وأَعاد وشارك في الفنون، وانتفع به أَهل مصر كثيرًا، مع الدين المتين والسكون والتقشف والانجماع، وكان يتكلَّم على الناس بجامع عمرو، ثم تحوّل
стр. 1034
إلى القاهرة وسكن بجوار جامع الأَزهر. مات في رابع شعبان عن سبعين سنة وأَسف الناس عليه (١).
١٥ - على بن زيد بن علوان بن مغيرة (٢) بن مهدي بن حريز، يكنى أَبا يزيد الردماوي الزُّبيدي وقد تَسمَّى بآخره: "عبد الرحمن" وُلد بردماو وهي من مشارف اليمن (٣) دون الأَحقاف في جمادي سنة إحدى وأَربعين ونشأَ بها وجال في البلاد، ثم حجّ وجاور مدّة وسكن الشام ودخل العراق ومصر، وسمع من اليافعي والشيخ خليل وابن كثير وابن خطيب يبرود، وبرع في فنون من حديث وفقهٍ ونحو وتاريخ وأَدب، وكان يستحضر من الحديث كثيرًا ومن الرجال ويذاكر من كتاب سيبويه، ويميل إلى مذهب ابن حزم، ثم تحوّل إلى البادية فأَقام بها يدعو إلى الكتاب والسُّنَّة فاستجاب له حيار بن مهنَّا والد نعير فلم يزل عنده حتى مات، واستمر ولده نعير على إكرامه، فكانت إقامته عندهم نحو عشرين سنة.
فلما كانت وقعة ابن البرهان وبيدمر وقرط خشى على نفسه فاختفى بالصعيد، ثم قدم القاهرة وقد ضعف بصره، ومات (٤) في أَول ذي القعدة، وكان شهمًا قويَّ النفس، له معرفة بأَحوال الناس على اختلاف طبقاتهم، وكان كثير التطوّر يتزيّا في كل قليل بزيٍّ غير الذي قبله ومن شعره:
ما العِلْمُ إِلَّا كِتابُ اللهِ والأَثَر … وما سِوَى ذاكَ لا عَيْنٌ وَلَا أَثرُ
إلَّا هوىً وخصومات مُلَفَّقَة … فلا يَغُرَّنْك من أَرْبَابها هَذَر
فَعَدِّ عن هَدْيَانِ القوم مكتفيًا … بمَا تضمّنتِ الأَخبارُ والسُّوَرُ
стр. 1035
نقلت ترجمته من خط الشيخ تقيّ الدين المقريزي، والعُهْدةُ (١) فيه عليه.
١٦ - علي بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد الرَّبعي (٢) الرشيدي، نور الدين نزيل القاهرة، قدمها فاشتغل بالعلم ولازم البلقيني ثم الدميري (٣)، ودرّس بعده في الحديث بقبة بيبرس، وكان قد فاق في استحضار الفقه فصار كثير النقل كثير البحث، وكان يقظا نبيهًا كثير العصبية. مات في شهر رجب وكان قد جاوز الخمسين، ودرَّسْتُ بعده للمحدّثين.
١٧ - علي بن عبد الرحمن الصَّرْنجي (٤) نور الدين، سمع "صحيح مسلم" علَي بن عبد الهادي و "سنن أَبي داود" علي عبد العزيز بن عبد القادر (٥) بن أَبي الدّرّ، سمعْتُ منه قديمًا وحديثًا، وحدّث في العام الماضي مع الشيخ نور الدين الأَنباري بـ "السنن" في البيبرسيّة وكان صوفيًّا بها. مات في شعبان.
١٨ - على بن محمد بن علي الدمشقي، علاء الدين بن الحريري (٦)، وُلد سنةَ تسع وثلاثين واشتعل على مذهب الحنفية، وتعاني حفْظ السّير والمغازي، وكان يستحضر منها شيئا كثيرًا، وكان كثير اليسار فتزوّج (٧) الشيخ شهاب الدين الغزِى ابنته فماتت بعد أُمها بقليل.
стр. 1036
١٩ - علي بن مسعود بن علي بن عبد المعطي بن (١) أَحمد بن عبد المعطي المالكي، أَبو الحسن المكيّ الخزرجي، وُلد سنة أَربعين (٢)، وسمع من عثمان بن الصفى الطبري "سنن أَبي داود"، ومن إبراهيم (٣) بن محمد بن نصر الله الدمشقي مشيخته وحدّث بمكّة، وكان مشاركًا في الفقه مع الديانة والمروءَة. مات في تاسع المحرم.
٢٠ - علي بن مصباح (٤)، الشيخ نور الدين، كان أَحد الفضلاء في الفقه، خيّرًا كثير الإِطعام، نزل في زاوية بمنية السيرج (٥) وتردّد في القرى وتعاني الزراعة. مات في وسط السنة (٦).
٢١ - عمر بن محمد الطرابلسي [الحنفي (٧) [الشاعر الماهر نزيل القاهرة، قدمها ومدح رؤساءَها ومات في شهر رجب عن نحو من خمسين سنة. أَنشدني كثيرًا من شعره.
٢٢ - فاطمة بنت أَحمد بن محمد بن علي بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن زيد الحسينية الحلبية، أُم الحسن أخت الشريف (٨) نقيب الأَشراف، وُلدت سنة اثنتين وثلاثين، وسمعت على جدّها لأُمها جمال الدين إبراهيم بن الشهاب محمود في ذي القعدة سنة سبع وثلاثين، وأَجاز لها المزي وجماعة، وحدّثت بحلب؛ قال القاضي علاء الدين: "كانت عاقلةً ديّنة" وماتت في العشر الأَول من ربيع (٩) الأَول وقد جاوزت الثمانين.
стр. 1037
٢٣ - محمد بن أَحمد بن عبد الملك الدميري، شمس الدين ناظر المرستان ومفتي دار العدل وولى الحسبة مرارًا (١) وكان عارفًا بالمباشرة، وحصّل في المرستان مالا كبيرًا جدا وفَّره مما كان يصرفه غيره في وجوه البرّ وغيرها، فاتفق أَنّ الناصر أَخذ منه جملةً مستكثرة في بعض تجريداته. مات في رمضان.
٢٤ - محمد بن أَحمد بن محمد بن محمد بن أَحمد بن علي بن محمد بن سليم بن حنا المصري، شمس الدين بن عز الدين بن شمس الدين بن شرف الدين بن زين الدين بن محيى الدين بن بهاء الدين المعروف بابن الصاحب. وُلد سنةَ أَربعٍ وستين، واشتغل قليلًا وتقدّم في ديوان الإِنشاء وناب في كتابة السرّ مدّة، وأَقام بالشام زمانًا ثم درّس بعد أَبيه بالشريفية (٢) وغيرها، وكان وجيهًا ذا مروءَة (٣) وبرٍّ ومعروف. مات فجأَة فيقال إنه سمّ.
وله شعر وسط ولم يكن يتصوّن، و [كان] ينسب إلى تعاطي المنكر والله أعلم بسرّه وتمزَّق ماله من بعده. سامحه الله.
٢٥ - محمد بن أَحمد الجَرَوَاني (٤) نزيل القاهرة، وُلد سنةَ تسع عشرة، وكان يذكر أَنه سمع من الحجّار فلم نظفر بسماعه، وكان عارفًا بالوثائق وله فيها تصنيف، وخطه حسن، وله نظم - يزعمه - ولكنه بغير وزن ولا معنىً، وكان قد انتسب إلى الحسن بن علي وصار شريفًا فكان يُطعن في نسبه، ويقال إِنه أولًا كان يكتب "الأنصاري".
٢٦ - محمد بن خاص بك التركي (٥) الحنفي بدر الدين، كان يُنسب إلى الظاهر
стр. 1038
بيبرس من جهة النساء، وقد اشتغل في مذهب الحنفية فبرع، وأَخذ عن أَكمل الدين وغيره، وكان يجيد البحث مع الدِّيانة والمروءَة والعصبيّة لمذهبه وأَهله. مات في خامس شهر رجب وقد جاوز الخمسين.
٢٧ - محمد بن علي بن محمد بن عمر بن عيسى بن (١) محمد، الشيخ شمس الدين بن القطان المصري الشافعي، كان أَبوه قطانًا وأَخوه كذلك فاشتغل هذا بالعلم ومهر، ولازم الشيخ بهاءَ الدين بن عقيل وصاهره على بنتٍ له من جارية، وسكن مصر ودرَّس وأَفْتى وصنف وناب في الحكم بآخره فتهالك على ذلك إلى أَن مات في أَواخر شوال، وكان أَخبرني أَن مولده بعد سنة ثلاثين، قرأْت عليه وأَجاز لي. وذكر لي أَنه قرأَ الأُصول على الشيخ عماد الدين الإِسنائي ولم يحصل له سماع في الحديث على قدْر سِنِّهِ، وقد حدّث "بصحيح مسلم" بإِسنادٍ نازلٍ، وسمع معنا على بعض شيوخنا كثيرًا وبقراءتي، وكان ماهرًا في القراءات والعربية والحساب (٢).
٢٨ - محمد بن محمد بن عبد الوهاب المناوي المعروف بالطويل (٣)، شمس الدين، صهر كاتب السر فتح الله، تقدّم بجاه صهره فولى الحسبة ووكالة بيتِ المال ونظر الأَوقاف ونظر الكسوة وتنقَّلَتْ به الأُمور في ذلك، وولى الحسبةَ مرارًا بالقاهرة ومات في شعبان، وكان له بعض اشتغال ومشاركة ومعرفة بشيء من الهيأَة، وكان قليل العلم ووُجد بخطِّه على محضرٍ: "تسمع الدعوة" وقد ناب في الحكم لما كان محتسبًا بعد ذلك.
٢٩ - محمد بن محمد بن محمد بن النعمان بن هبة الله الهُوِّى نزيل القاهرة، كريم الدين، اشتغل قليلًا وولى الحسبة ببلده مدّةً ثم تزيَّا بزيّ الجند ووَلِيَ شدَّ البلد فظلم وعسف
стр. 1039
ثم قدم القاهرة وتقدّم عند الناصر بالمسخرة فولى الحسبة مرارًا، أَولها في ثالث جمادي الآخرة سنة خمس وثمانمائة ونادمه السلطان. ومات في شعبان، وولى الحسبة بعده زين الدين محمد بن شمس الدين الدميري.
وكان يقال إن الهُوّى هو الذي أَشار على السلطان بأَن من مات لا يُعْطِي وارثَه - ولو كان ولده - من ميراثه شيئًا بل يؤخذ للديوان السلطاني، وقام بذلك ابن الهيصم فاتفق موت الهوّى فعومِلت تركته بذلك؛ أَخبرني بذلك الصاحب بدر الدين بن نصر الله.
٣٠ - محمد (١) بن سعد الدين محمد بن نجم الدين محمد البغدادي نزيل القاهرة، شمس الدين الزركشي، مهر في القراءَات وشارك في الفنون وتعاني النظم، وله قصيدة في العروض استحسنها القاضي مجد الدين الحنفي ويقال إنه شرحها، ونَظَمَ "العواطل الخوالي (٢) ": ست عشرة قصيدة على ستة عشر بحرًا ليس فيها نقطة؛ وقد راسلني ومدحني وسمعْتُ منه كثيرًا من نظمه، ولازمني (٣) طويلًا ورافقني في السماع أَحيانًا، وجرت له في آخر عمره محنة، ومات في ذي الحجة.
٣١ - محمد بن محمد الشوبكي شمس الدين [الحنبلي (٤)]، قدم دمشق وتفقَّه بها وتولى وظائف وخطابة، ومات في المحرّم.
٣٢ - محمد بن محمود بن نون (٥)، الشيخ الخوزرامي الحنفي المعروف بالمعيد نزيل مكة، أَعاد بدرس يلبغا بمكَّة فعرف بالمعيد، وأَمّ بمقام الحنفية (٦) زيادةً على ثلاثين سنة
стр. 1040
فإنه وليها سنة ثمانين، وحدّث عن العفيف النشاوري (١) والأَمين الأَقشهري وغيرهما، وحج خمسين حجة، وكان عارفًا بالعربية مشاركًا في الفقه وغيره، وقد حدّث بالإجازة العامة عن الحجار، ومات في جمادي الأُولى وقد جاوز الثمانين.
٣٣ - محمد بن أَبي اليمن الطبري (٢)، تقدم ذكر أَبيه قريبا، وكان هو يُلَقَّب "زكي الدين" ويُكْنىَ "أَبا الخير". أَمَّ في المقام وقُتل ليْلًا خطأً، ظنَّه بعض العسس لصًّا فضربه فصادف منيته وله أَربعون سنة.
وفيها مات:
٣٤ - ابن حمامة قارئ الحديث تحت النَّسر (٣) في رمضان.
٣٥ - وشهاب الدين الزملكاني.
٣٦ - وعلاء الدين البانياسي ناظر الجامع الأموي، وكان مشكورًا.
٣٧ - وتمربغا المشطوب [مات] مطعونًا بحسبان.
٣٨ - وتمربغا الحافظي في المحرّم.
٣٩ - وتغرى برمش أُستادار شيخ، خامر عليه إلى النَّاصر فولَّاه أُستاداريةً بالشام فبالغ في العسف فسلَّطه الله عليه فصادره وعاقبه حتى مات.
٤٠ - وقراجا الدويدار، ولى بعد قجاجق ثم ضعف فمات في أَول ما خرج النَّاصر إلى الشام في ربيع الأَول.
٤١ - ومجد الدين عبد الغني بن الهيصم كما تقدّم
٤٢ - وشاهين الدويدار الشيخي (٤)، تقدّم في الحوادث.
стр. 1041
٤٣ - وقرا تنبك الحاجب بالقاهرة في شوال، وكان عُيّن لإِمرة الحاج فمات قبل أَن يخرج.
٤٤ - وأَحمد بن أَويس كما تقدّم.
٤٥ - وإينال الجلالي، ويقال له إينال المنقار، مات بغزَّة في شعبان لمّا دخلها مع شيخ ونوروز وكان يحبّ العلماءَ والفضلاء.
٤٦ - وشهاب الدين الدويداري كاشف الجيزة في حادي عشري شعبان وخلَّف موجودًا كثيرًا جدًّا.
* * *
стр. 1042
سنة أربع عشرة وثمانمائة
فيها دخل الناصر إلى القاهرة في ثاني عشري المحرّم وزار القدس في طريقه ولم يُفْقَد أَحدٌ مِمَّن كان صحبته إِلَّا ابن الفريخ الحكيم فإِنه اغتيل في الطريق.
وفي يوم وصوله إلى القلعة عُزل زين الدين بن الدميري من الحسبة واستقر شمس الدين يعقوب الدمشقي وكان قد صاهر إلى تقي الدين بن أَبي شاكر.
وفي سادسه دخل تغرى بردى نائب الشام.
وفى الثامن منه دخل الأَميران شيخ ونوروز دمشق فتلقَّاهما نائبها، وتوجَّه شيخ من دمشق إلى حلب، وتوجّه قرقماس من حلب يريد صفد، وتوجّه نوروز بريد طرابلس فوصلا إلى مقرّ نيابتهما وحكما بما أَرادا، فقدم الخبر على الناصر في ربيع الأَول أَنهما خالفا ما حلفا عليه وأَخرجَا الإقطاعات لمن أَرادا، وأَرسل كل منهما بمحاصرة بعض القلاع التي لم تدخل في نيابتهما، فتغيّر خاطر الناصر لذلك.
وفى الرابع والعشرين من المحرّم وصل بكتمر جَلق إلى القاهرة فتلقاه السلطان وخلع عليه وعلى دمرداش بنظر المارستان على العادة، ودخل النَّاصر البلد وهما معه بخلعتيهما، فدخل مدرسةَ جمال الدين وكانت قد غُيّرت (١) من اسم جمال الدين لاسمه أَيضا، واستناب الأَميرُ ولدَ ناظر الجيش: صلاحَ الدين بن بدر الدين (٢) بن نصر الله في النيابة عنه بالمرستان.
* * *
وفي حادي عشريه صُرف صدر الدين بن العجمي عن مشيخة التربة الظاهريّة واستقرّ حاجّي فقيه عوضًا عنه، وقُبض على صدر الدين فسُلِّم للأُستادار بسبب أن النَّاصر لمّا أَراد التوجّه إلى الشام أَودع كلِّ شيخٍ من المشايخ المشهورين - الذين جرت عادتهم بالتردّد
стр. 1043
إليه - عشرة آلافَ دينار، فلمّا عاد أَحضر إليه كلُّ واحدٍ ما استودعه إلَّا صدر الدين وأَحمد بن أَوحد الدين شيخ السرياقوسيَّة.
فأَما أَحمد فضمن دركه ابن أَبي شاكر فلم يلحقه عقاب؛ وأَمّا صدر الدين فكان قد حجَّ واستبضع بذلك المال بضاعةً، فلما عاد قُبض عليه وأُلزم ببيع تلك البضاعة فباعها بثمن بخس، وبقي عليه من الوديعة قريبٌ من أَلفي دينار، فلم يزل في الترسيم إلى أَن شَفع فيه بعض الكتاب فأُطلق، وبقي من المال زيادةً على الأَلف فذهبت (١) جحافا.
* * *
وفي المحرّم أَراد الناصر بإِشارة بعض القبط أَن يأْخذ من المدرسة الجمالية برحبة العيد ما بها من الرخام وكان عجبًا في حسنه: انتقاه جمال الدين من بيوتٍ كبارٍ وجعله بها، فعزم [الناصر] على ذلك فأَشار عليه كاتب السرِّ فتح الله أَن يترك المدرسة على ما هي عليه لسوءِ السمعة في ذلك، والتزم له أَن يصيّرها مِلْكه ثم يوقفها هو فتُنسب إليه ويبطل منها اسم جمال الدين فأَصْغى لذلك؛ فتكلم فتح الله مع القضاة إلى أَن صوّروا في ذلك صورةً وحكموا بصحّتها، ومحوا اسم جمال الدين من المدرسة وأُثْبِتَ اسمُ الناصر، وصارت الجمالية هي الناصريّة وذلك من أَطرف ما يُسْمع، ولم يكن قَصْدُ فتح الله في ذلك إلَّا الخير على ما اطَّلعنا عليه من باطن القصة، ودخلها (٢) الناصرُ في أواخر المحرّم وصلَّى بها وقرَّر مَن بها من المدرّسين والطلبة على حالهم في الأَغلب.
* * *
واستقر دمرداش أَتابكَ العسْكر بالقاهرة، وبكتمر جَلَق أَميرًا كبيرًا بها، وتكلَّم دمرداش هو وفتح الله في المرستان المنصوري.
وفى صفر جهَّز الناصر جماعةً من الأُمراء البطالين والمماليك إلى الشام على إقطاعات هناك ليكونوا أَعوانًا لنائب الشام فتوجّهوا.
стр. 1044
وفي حادي عشريه استقر تقيّ الدين بن أَبي شاكر في نظر الخاص عوضًا عن مجد الدين بن الهيصم الذي مات في السنة الماضية.
وفي الرابع والعشرين منه قبَض على يشبك الموساوي وقنباي المحمّدى رأْس نوبة وكمشبغا المزوّق في آخرين وسُجِنوا بالإسكندرية، وعَزل تمراز من الإِمرة وصيّره طرخانًا وقرّر له شيئًا وخيّره بين الإِقامة بالقاهرة أَو دمياط فاختار دمياط فأُرسل إليها.
وفي أَواخر صفر وردت هديةٌ (١) من مانويل (٢) صاحب القسطنطينية وتدعى إسطنبول، وقرينها كتاب يصف محبته ويوصى بالنصارى من أهل ملَّته.
وفى أَواخر صفر استقر سودون من عبد الرحمن في نيابة غزَّة.
وفى سلخ صفر انقطع طوغان الدويدار عن الخدمة خوفًا على نفسه من واشٍ وَشَى به أَنه يريد الركوبَ على الناصر، فأَرسل إِليه يلبغا الناصري ودمرداش فلم يزالا به حتى أَصعداه إلى الناصر فعاتبه واعتذر، فسلَّم [الناصر] له غريمه وخلع عليه.
وفيه ارتفع الطاعون عن دمشق وما حولها، وكان ابتدأَ من شوال فأُحْصِى من مات من أَهل دمشق خاصّةً فكانوا نحوًا من خمسين أَلفًا وبارت (٣) عدةٌ من القرى، وبقيت الزروع قائمةً لا تجد من يحصدها.
وفي ربيع الأَول أُطلِق إينال الساقي من سجن الإسكندرية وصرف جرباش كبَّاشة (٤) عن الإِمرة وأُرسل إلى دمياط بطالًا.
وقَبض الناصر على جمع كبير من المماليك الظاهرية مِمَّنْ اتَّهمهم بالممالأَة عليه، وسجَن جماعةً بالبرج ثم ذبحهم بعد ذلك. وقَبض على خير بك وقتل جماعة ممن سَجَن
стр. 1045
بالإسكندرية، ثم بالغ في القبض عليهم بأَنواع الحيل حتى زادت عدّة المسجونين في رمضان على أَربعمائة نفس.
وفى صفر توجّه موسى بن أَبي يزيد بن عثمان - بعد استيلائه على مملكةِ أَخيه سلمان بعد قتله - إلى مملكة أَخيه كرشجى (١)، فاستخلف كرشجي (٢) على بلاده ابنه مراد واستعدّ لقتال أَخيه، فالتقيا في شعبان من هذه السنة.
* * *
وفى أَول ربيع الآخر زوّج الناصرُ أُخته بيرم من أسنبغا الزردكاش وصيّره شاد الشراب خاناه، وكان يقال إن اسمه "محمد" وأَنه شامى، فغيّر اسمه فصار إلى ما صار إليه.
وفى الثالث عشر منه قُرّر فخر الدين عبد الغني بن أَبي الفرج - الذي كان كاشف البحرى ونائبَ قطيا - في أُستاداريّة الناصر، وسلّم له تاج الدين بن الهَيْصم الأُستادار وحواشيه، فبسط فخر الدين يده في الظلم وبالغ في ذلك كما سيأتى.
* * *
وفى هذه السنة دامت الحرب بين قرا يوسف وقرايلك أَكثر من شهر فقُتِل بينهما خلق كثير، وخرّب قرا يوسف بلادًا كثيرة لغريمه وهرب غريمه إلى بعض الأَماكن فوصل الخبر إلى قرا يوسف أّن شاه رخ بن تمر قصد تبريز فترك أَثقاله ورجع مسرع مسرعًا فعاد قرايلك فنهبها وتوجّه لتخريب بعض بلاد غريمه، ثم وقع الفناء في شعبان في عسكر قرا يوسف فأَرسل يطلب الصلح من قرايلك فلم يوافقه على ذلك ونهب سنجار وأَخذ قُفْل الموصل، وأَوقع بالأَكراد فافتدوا منه بمائة أَلف، وألف رأْس غنم.
* * *
وفيها كانت الفتن والحروب بين التركمان وغيرهم، فتوجّه نائب هينتاب إلى قلعة الروم، فقبض عليه طوغان نائبها واعتقله، فلم يزل به شيخ نائب حلب حتى أَفرج عنه
стр. 1046
وقبض نائب صهيون على نائب اللاذقية فقاتله، وحاصر بعضُ التركمان أَنطاكية فأَسر نائبها واعتقله، وحاصر نوروز قلعة صهيون فصالحه أَهلها على مال.
واجتمع نوروز وشيخ على قتال العجل بن نعير ففرّ عنهما واستولى على عانة، فبعث إليه ابن قرا يوسف عسكرًا فكسره، ومضى إلى الأَنبار فتخوّف أَهل بغداد منه فأَرسل إليهم بالأمان، فنزل شيخ على سرمين ونوروز على جبلة، وأَرسل الناصر - لمّا بلغه ذلك - معاتبا لهما، وأَرسل إلى شيخ يحذِّره بما فيه ضعفه، وأَمره أَن يجهز إليه يشبك العثماني وبردبك وقنباى الخزندار محتَفظًا بهم، وأَن يرسل سودون الجلب إلى دمشق، فلم يوافق على ذلك.
فأَرسل الناصر إلى دمشق يأْمرهم بتحصين قلعة دمشق، فبالغ غرسُ الدين خليل - أُستادار الشام - في المظالم بالشام، وقرّر الشعير على النائب، واتفق شيخ ونوروز لمّا بلغهما تغيّر النَّاصر عليهما، فأَرسل كل (١) منهما عسكرًا إلى حماة لأَخْذِها، وراسلا قرايوسف فسار إليه أَحمد الجنكى أَحد ندماء شيخ وبهلوان مملوك نوروز، فعاد جوابه في آخر شوّال بما طيّب خاطرهما.
وأمّا الناصر فجدّ وعزم على السفر وبالغ في القبض على الناس في المصادرات ووقعت الشناعة بذلك، وفحش أَخْذُ أموال الناس بغير طريق ولا شبهة، وكلُّ ذلك على يد فخر الدين الأُستادار، وزاد الأَمر في ذلك عن الحدّ، ثم أّراد فخر الدين القبضَ على الوزير وناظر الخاص فبادراه وقبضا عليه بعد أَن استمالا الناصر على ذلك في حين غفلة، ففجأ الناس من الفرح مالا مزيد عليه، وكان فخر الدين قد استمال تاج الدين بن الهيصم الذي كان أُستادارًا قبله وكلَّم السلطانَ فأَلبسه خلعة رضيّ.
فلما قُبض على فخر الدين قُبض عليه أَيضا وأُهين، فعوقب فخر الدين عند الوزير بأَنواع العقوبات فلم يعترف بشيءِ ولم يوجد له سوى ستةِ آلاف دينار وشيء كثير من جرار
стр. 1047
الخمر، فباعوا كل جرة بنصف دينار فحُصّل منه جملة مستكثرة، واستقر منكلى أُستادارُ جركس - في الأُستادارية الكبرى.
ولى العُشْر الأَخير من رجب قبض الناصر على جمْعٍ كبيرٍ من الأُمراء والمماليك، مِنْهم: إينال الصصلاني وأَرغون وسودون الظريف وشرباش وسودون الأَسندمرى، وقَتل جماعةً ووسَّط جماعةٌ وسَجن جماعة؛ وكان السبب في ذلك أَن مملوكًا أَحضر إليه ورقةً فيها خطوطُ جماعةٍ من الأُمراء والمماليك أَرادوا الفتك به، فقَبض على من وجد اسمه فيها، وكان كبيرهم جانم فوجده حينئذٍ في إقطاعه بالوجه البحرى، فجهّز إليه طوغان الدويدار فاقتتلا في البر ثم على ظهر النيل في المراكب، فانتصر طوغان فأَلقى جانم نفسه في الماء فرُمِى بالسهام حتى هلك فقطع رأْسه.
* * *
وفى شعبان أَمر الناصر بالقبض بدمشق على يشبك بن أَزدمر وجماعة من الأُمراءِ الذين يُخشى منهم لممالأَة على الناصر مع نوروز وشيخ، وكان تغرى بردى قد ابتدأَ به مرضه فأَرسل إلى قرقماس نائب صفد فحضر، فقبض على تمراز الأَعور وخشكلدى وغيرهما وسجنهم بقلعة الصبيبة، وفر يشبك بن أَزدمر إلى نوروز، فاتفق هو وسودون الجلب وقَّويا عَزْمَ شيخ ونوروز على المخامرة (١)، ومضى إليهما كل مرتاب، واستمال شيخ محمدَ بن ذُلغادر أَميرَ التركمان فمال إليه وأَحضر إليه عسكره فولَّاه عينتاب وأَرسل إليه خلعًا ومالًا.
ثم توجّه شيخ إلى قلعة حماة وعدّى الفرات ليوقع بالعربان فغرقت طائفةٌ مِن أَصحابه، فأَنشأَ مركبًا بناحية الباب قريبًا من حلب طوله نحو ثلاثين خطوة، فأَرسل إليْه نائب قلعة الروم جماعةً فأحرقوه.
* * *
وقُبض في شوال بدمشق على ناصر الدين بن البارزي وعلى شهاب الدين الحسباني لكوْنهما يكاتبان شيخًا بالأَخبار فسُجِنا بقلعة دمشق في سابع عشر شوال، فتوجّه تاج
стр. 1048
الدين محمد الحسبانى إلى القاهرة فسعى في خلاص أَبيه، فأَمر بإطلاقه فأُطلق في أَواخر ذي الحجة.
وقبض الناصر على جماعةٍ من الأُمراء والمماليك فوُسّط بعضهم وشنق بعضهم، وذبح بحضرته مائة نفس من أَكابر الظاهرية، منهم جرباش نائب القدس ومغلباى ومحمد بن قجماس (١)، وبالغ في ذلك حتى إنه ركب مرة إلى الصَّعيد ورجع فأَمر الوالى بقتل عشرة من مماليكه تخلَّفوا عن الركوب معه، وعاد من الصَّيْد فمرّ بشارع (٢) القاهرة وهو بثياب جلوسه في دون المائة وهو يطفح سكرًا حتى يكاد أَن لا يشت على الفرس.
* * *
وفى أَواخر ربيع الأَول قُبض على أَحمد بن جمال الدين الأُستادار وعلى أَحمد وحمزة ولدَىْ أَخيه، وعلّى ناصر الدين أَخى جمال الدين وجماعةٍ من قرابتهم فعوقبوا وطولبوا بالأَموال، فمات ناصر الدين تحت العقوبة ولم يوجد له إلا شيء يسير.
واستُخرِج من أَحمد بن أَخيه (٣) ستة آلاف دينار، ثم خُنِق الأَحمدان وحمزة ليلة السادس عشر من جمادى الأُولى، وقتل الثلاثة ظلمًا.
* * *
وفى يوم السبت ثامن عشر شعبان كَتب عُلم الدين بن جُنَيْبَة - أُحدُ رؤساء الأَطباء للناصر ورقة دواءٍ مسهل، فأَمره أَن ينزل ويطوف على الأُمراء والمباشرين ويُعْلِمهُم أَن السلطان يشرب يوم الأحد مسهلا (٤)، فحمل كل منهم تقدمة (٥)، فحمل الوزير ألفي دنيار وأشياء كثيرة من المأكولات وكذلك ناظر الخاص لكن دونه في النقد، و [حمل] الأُستادار حتى المحتسب، وكان (٦) [هو] أَول من سنّ ذلك من ملوك مصر واستمرّ بعده في كلّ سنة عند دخول الورْد.
* * *
стр. 1049
وفي شهر رمضان نادى للمماليك بالأَمان وأَنهم عتقاءُ رمضان، فحضر (١) منهم جماعة تزيد على الثلاثين فحضروا لخدمته فوعدهم بالخير ووعدهم يوما أَن يخرج لهم خيولهم أو بدلها، فلما اجتمعوا أَمسكهم أَجمع، وجلس يوما آخر لتفرقة القرقلات فأَمسك منهم جماعة ثم ذُبحوا في شوال.
وفى هذه السنة غلا الزيت الحار إلى أَن بلغ الرطل تسعة.
* * *
وفى شوال توجّه النَّاصر إلى الإسكندرية وشنّ الغارات على الجهات البحرية فنُهِبت الأَغنام والخيل والجمال حيث وُجِدت، ودخل النَّاصر الإسكندريّة في ثامن عشر شوال، فقدم عليه مشايخ تروجة بتقادمهم فخلع عليهم ثم أَمسكهم وساقهم في الحديد واحتاط على أَموالهم، فهرب باقيهم إلى برقة ورجع [هو] إلى القاهرة.
وفي حال إقامته بالإسكندرية شكا إليه المغاربة أنه يؤخذ منهم ثُلْثُ أَموالهم في المكس ويؤخذ من الفرنج العُشر، فغضب من ذلك وأَمر أَن لا يؤخذ من المغاربة إلَّا العُشْر، فشكر المسلمون له ذلك فكانت من حسناته النادرة، وكانت حركته إلى الإسكندرية آخر سعده.
فلما قدم وصل إليه كتاب نوروز يعتذر عما بلغه عنه، وقرينُه محضرٌ آخرٌ فيه شهادة أربعين رجلًا بأَنَّه مقيم على الطاعة، فلم يلتفت الناصر لذلك.
وفى (٢) نصف ذى القعدة أَمَرَ (٣) الناصر أَن تكون الفلوس كل رطل بإثنى عشر درهمًا فغلقت الحوانيت، فغضب السلطان وأَمر مماليكه الجلبان بوضع السيف في العامّة، فضفع (٤) فيهم الأَمير الكبير وبقية الأُمراءِ وقَبض على جماعة وضُربوا بالمقارع، وقتل رجلًا وشنقه بسبب الفلوس، ثم انحلّ أَمر الفلوس بعد الفتنة (٥).
стр. 1050
ونودى في سادس (١) عشر ذي الحجة أَن يكون بستةٍ الرطلُ على العادة الأُولى.
وفى أَواخر الشهر ضَرب النَّاصر عنق أَحمد بن محمد الطبلاوى بيده، ثم استدعى بنت صُرُق - وهي إحدى زوجاته - (٢) فليحها بيده ولفَّها مع ابن الطبلاوي في بساطٍ وأَمر أَن يُدفنا في قبر واحد؛ وكان قد وُشِىَ بها أَنها تتنكرّ وتخرج من القلعة وننزل إلى ابن الطبلاوي المذكور.
* * *
وأَنفق النَّاصر نفقة السّفر وخرج الجاليش في سابع عشرى ذي القعدة، وخرج النَّاصر في الثامن من ذي الحجة وقد تباهي في ملابس عسكره، وجرّ ثلاثمائة جنيب بالسّروج المذهّبة الثقيلة وبعضُها مرصّع بالجوهر بالعبي الحرير والكنابيش الزركش والعرقيات (٣) الحرير واللَّجم المسقطة، ووراءَها ثلاثة آلاف فرسٍ ساقها جشارًا، وأَعقبها عَددٌ كبير من العَجَل التي تجرّها الأبقار وعليها آلات (٤) الحصار، وبعدها خزانة السلاح على أَلف جمل وخزانة المال محتوية على أَربعمائة أَلف دينار، والمطبخُ وفيه ثلاثون أَلف رأْسٍ من الغنم وكثير من البقر والجاموس، والحريمُ في سبع محفّات حتى بلغ عدّة الجمال التي تحمل جميع ذلك ثلاثة وعشرين أَلف جمل.
واستقر يَلْبُغا النَّاصرى نائب الغيبة، وأَسنيغا نائب القلعة، وكانت نفقة المماليك: كل واحد سبعين ناصريا، وصُرف للأَمير الكبير خمسة آلاف دينار، ومثلها لبكتمر ولغيرهما من الأُمراء الكبار لكل لكل واحد ثلاثة آلاف دينار.
ونحر النَّاصر الضحايا بالتربة الظاهرية: تربةِ أَبيه، ورحل من التربة بعد صلاة العصر من يوم الجمعة حادى عشر ذي الحجة في طالعٍ اختاره له الشيخ إبراهيم بن زقاعة، وسار
стр. 1051
في ليلة السبت ثالث عشره، واتفق في هذا اليوم اجتماع نوروز وشيخ بحمص وفرَّ إليهما جمعٌ كبير.
ونادى النَّاصر أَن لا يرحل أَحدٌ قبله، فبلغه أَن واحدا رحل قبله فركب بنفسه ووُسِّط بحضرته، ونصب مشنقةً يُذهَب بها معه، فما وصل إلى غزة حتَّى قتل عدّة من الغلمان بسبب ذلك، فلما نزل بغزّة وسَّط عشرين نفسًا من الظاهريّة وهو لا يعقل من السكْر فنفر أَكثر العسكر منه، فبلغه تلك الساعة أَن الجاليش الذي تقدّمه خامر عليه فركب وجدَّ في طلبهم.
وكان أُمراءُ الجاليش وصلوا إلى دمشق في سادس عشرى ذي الحجّة فدخلوا إلى تغرى بردي في غاية المرض فأَعلموه بسوء سيرة الناصر وخَوْفِهم منه واجتماع كلمتهم على اللحاق بالأَميرين، وتوجهوا في آخر الشهر إلى جهتهما فخالفهم شاهين الزردكاش فقبضوا عليه، وجَدَّ الناصر في السير فلم يلحقهم فأَلبس عسكره وقد ظهرت عليه علامات الخذلان، فرحل إلى دمشق فدخلها وقْت الزوال من سلخ السنة، وكان بعد ذلك ما سنذكره من حوادث السنة الآتية.
* * *
وفي هذه السنة مات السلطان "الملك المنصور" ويقال له الصالح حاجي بن الأَشرف بن حسين ابن الناصر، وكان مقيًا بالدور السلطانية في قلعة الجبل منذ خلَعه الظاهر من سنة اثنتين وتسعين إلى أَن مات في تاسع عشر شوّال بعد أَن تعطلت حركة يديه ورجْليه منذ سنين، وعاش أَزيد من أَربعين سنة.
قال العينتابي: "كان شديد البأْس على جواريه لسوء خلقه من غلبة السوداء عليه، ولم يزل مشغولا باللهو والسكر".
* * *
وفيها قَتل من الظاهرية ما بين أَمير وخاصكي وغيرهما نحوًا من سبعمائة رجل أَراد
стр. 1052
الناصر بإزالتهم توطيد مملكته فانعكس الأَمر، وكان قتْلُهم في الحقيقة من أَعظم الأَسباب في توطيد مُلْك الملِك المؤيّد، فسبحان مَن بيده المُلك.
وفيها قُتل الأَمير تمراز النَّاصري الذي ولى نيابة السلطنة بالقاهرة، قُتل بالإسكندرية وكان لا بأْس به، وكان من خواصّ برقوق وأُمِّر أربعين في زمانه، ثم أُمِّر تقدمةً في سنة اثنتين وثمانمائة، ثمّ ناب في الغيبة في فتنة اللنك، ثم وَليّ نيابة السلطنة في سنة تسعٍ وثمانمائة، وناب في الغيبة [مرة أُخرى] في سنة اثنتي عشرة، ثم قُبض عليه في أَول هذه السنة وسُجن بدمياط ثم بالإسكندرية، ثم قُتل في عيد الأَضحى. وكان يحب الحكماءَ ويكرمهم ويعتقد في الصّالحين، وكان تركيا خالصًا حسن الصورة.
وقُتِل خايربك وكان قد ناب في غزَّة وأُعطى تقدمة، وقُتل الأَمير يشبك الموساوى وكان أُعْطِىَ تقدمةً ثم ولى نيابة طرابلس ثم كان نائب غزة مدة طويلة.
قال العينتابي: "ظلم أَهلها ظلمًا كثيرًا فاحشًا، وكان أَفقم سيِّيء المعتقد ردئ المذهب متجاهرًا باللواط، قُتِل بالإسكندرية أَيضا".
و [قُتل] الأَمير قزدمر الحسنى: كان قد أُعْطِيّ تقدمةً وتولى خزندارًا كبيرًا "ولم يكن به بأس". قاله العينتابي.
وقُتل قنباى وأقبغا القديدى المعروف بدويدار يشبك، كان مقدّما عند يشبك ثم استقر عند الناصر دويدارًا صغيرًا وأمره عشرة، وكانت له وجاهة ومعرفة ويقتدى برأْيه في كثير من الأُمور. قال العينتابي: "كان يدّعى الحكمة ووفور العقل مع خبثٍ ومكرٍ وحبٍّ لجمع المال، ولم يشتهر عنه خير، وحصّل في أيام يشبك مالًا جما، ثم لم يزل في ازديادٍ إلى أَن مات في ليلة الخميس ثالث عشر شوال وخلَّف شيئًا كثيرًا جدا تموّل بعدهُ منه جماعة، واستولى السلطان على غالبه".
* * *
стр. 1053
وفى رجب رُجم رجل تركماني بدمشق اعترف بالزنا وهو محصن وذلك بدمشق فكُتِّفَ تحت القلعة وأُقِعد في حفرة فرُجم حتى مات.
* * *
ومِمَّنْ مات فيها: على بن محمد الإخميمي وكان يدعى أَنَّه شريف وأصله بغدادي، وقد ولى الوزارة وشدَّ الدواوين وغير ذلك؛ وفيروز الطواشي وكان قد تقدّم عند الناصر ومات في رجب، وكان شرع في مدرسته واشترى لها مكانًا بالغرابليّين ليبنى به ربعا وغيره فمات قبل الفراغ، فأَقرّ الناصر وقفه ونقله من المدرسة إلى التربة، وأَضاف الوقف كله إلى مدرسته، فأَخذ دمرداش العمارة بإنعام الناصر وشرع فيها ثم فاجأَه السفر ثم آل أَمرها إلى أَن اشتراها زين الدين عبد الباسط في الدولة المؤيّدية وعمَّرها قيسارية وربعا، فَأَتْقَنَ ذلك غاية الإتْقَان وذلك في سنة ٨٢٣ فما بعدها.
* * *.
وفيها قُتِل سُلمان - بضمّ السين المهملة - بن أَبي يزيد صاحب برصة وغيرها من بلاد الروم، واستولى على مملكته أَخوه موسى بعد حروبٍ وقعَتْ بينهما.
* * *
وفى (١) هذه السنة - في ربيع الآخر - قُبض على جماعة من أقارب جمال الدين وهم: أَحمد ولَدُه وأحمد وحمزّة ابني أُخت جمال الدين، وعلى شمس الدين وناصر الدين أَخوَىْ جمال الدين، وصودروا وعوقبوا إلى أَن مات في العذاب ناصر الدين وقُتل الأَحمدان وحمزة خنقًا (٢).
* * *
وفى ربيع الآخر وصلت طائفة من الجنوبة إلى الإسكندرية فوجدوا طائفةً من الكتلان فقاتلوهم، فخاف منهم أَهل الإسكندرية وأَغلقوا الأبَواب وبلغَتْ عدة القتلى أَلفَىْ نفس، وأَسَر الكتلانُ من الجنوبّين رجلًا يقال له: "الفستاوى" فأَرسلوه إلى الناصر فأَلزمه بمائة
стр. 1054
أَلف دينار، فذكر أَن ماله تحت حوطة الجنويّين فقبض [الناصر] على تُجّارهم بالإسكندرية فغضبوا وساروا بمراكبهم إلى أَلطينة فسبوا نساءً وصبيانًا وكانت بينهم وقعة كبيرة، فخرجت طائفةٌ من أَهل دمياط لنجدتهم، وكبيرُهم محي الدين بن النحاس (١) وكان ملازمًا للجهاد بثغر دمياط وفيه فضيلة تامة، وجمع كتابا حافلًا في أحوال الجهاد وقُتل في المعركة مقبلًا غير مدبر، وغنم الفرنج من أَهل الطينة مالا كثيرا ثم مضوا.
* * *
وفى ذي القعدة في ثانى عشرين منه نازل الفرنج أَلطينة أَيضا في أَربعة أَغربة، فقاتلهم المسلمون قتالًا عظيمًا إلى الليل، فمضى الفرنج إلى الساحل المقدم فنهبوا ما وجدوا فيه ورجعوا من الغد إلى القتال، فقدم في الحال غراب للمسلمين فاحْتاط به الفرنج، فأَلقى مَن فيه مِن المسلمين أَنفسهم إلى البحر فنجوا إلى البرّ بالسَّباحة، ثم وافى الناس من دمياط مقاتلة فتكاثر المسلمون على الفرنج واستعادوا منهم الغراب المذكور بعد قتالٍ شديد، فانهزم الفرنج وقُتل بعضهم، ولله الحمد.
* * *
وفي جمادى الأُولى أَمر السلطان بهدم مدرسة الأَشرف شعبان بن حسين التي على باب القلعة وجدَّ الهدم فيها وكانت من أَعظم الأَبنية، وكان جمال الدين قد اشترى من أَولاد الأَشرف كثيرًا من الآلات التي بُنيَتْ (٢) بها لأَن الأَشرف مات قبل أَن تكمل فبسط يده في تحويل ما بها، فأَخذ الشبابيك والأَبواب والبوّابة وكثيرًا من الحجارة حتى الكتب الموقوفة فاستعان بالجميع في مدرسته.
стр. 1055
ثم جاءَ الناصر في هذه السنة فكره مكان بُقْعَتِها لأَنَّ المتغلِّبين صاروا يستعينون على حصار القلعة بالنزول فيها، فهدمها فصارت رابيةً عالية، وحوّل ما يُنتفع به من حجارتها وأَخشابها إلى الأَمكنة التي يريدها، فبقيت كذلك إلى آخر دولة المؤيّد فأَمر بعمارتها مرستانًا وسكن فيه بعض المرضى، ومات المؤيد بعد ذلك فحوّلوه بعده جامعًا ومنزلًا للواردين.
* * *
وأمر في هذا الشهر بهدم الدور الملاصقة لسور القلعة تحت الطبلخاناه وغيرها فهُدمت من ثم إلى باب القرافة وتشتَّت سكانها.
وفيه خُتم على جميع الحواصل التي يُظن أَن بها فلوسًا بالقاهرة، وندب الناصر لذلك أَحمد بن الطبلاوى والى القاهرة - قبل قتْله - ومجد الدين سالم بن سالم قاضى الحنابلة ففتحا حواصل الناس ونقلا ما فيها من الفلوس وأَعطيا لكل واحد ثمن فلوسه ذهبًا في كل قفة ثلاثٌ ناصرية، وكانت قيمتها يومئذ ثلاثًا وثمنا فجمع منها شيئًا كثيرًا، فكان ذلك هو السبب في مناداته عليها كل رطل بإثنى عشر درهما كما تقدّم (١). ويقال إن الذي أَخبره برخص الفلوس وأَن قيمتها قبل ذلك كانت تقتضى أَن يكون كل رطل بعشرين درهمًا: الشيخ سراج الدين البهادرى (٢) أحد الأَطباء، فجرّه ذلك إلى الطمع الكائن في نفسه قبل ذلك إلى أَن نادى عليها بإثنى عشر فلم يمْشِ له ذلك إلا بالمشقَّة، فترك بعد أَن حصّل من من البلاد ما حصّل.
* * *
وفيها كانت بين الحجّاج من أَهل دمشق وبين العرب بناحية زيرا محاربة، فجُرح أمير الحاج ومات من تلك الجراح.