← История

История · id 26317

إنباء الغمر بأبناء العمر - ت حبشي

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (1 903 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

في ليلة السبت ثالث عشره، واتفق في هذا اليوم اجتماع نوروز وشيخ بحمص وفرَّ إليهما جمعٌ كبير. ونادى النَّاصر أَن لا يرحل أَحدٌ قبله، فبلغه أَن واحدا رحل قبله فركب بنفسه ووُسِّط بحضرته، ونصب مشنقةً يُذهَب بها معه، فما وصل إلى غزة حتَّى قتل عدّة من الغلمان بسبب ذلك، فلما نزل بغزّة وسَّط عشرين نفسًا من الظاهريّة وهو لا يعقل من السكْر فنفر أَكثر العسكر منه، فبلغه تلك الساعة أَن الجاليش الذي تقدّمه خامر عليه فركب وجدَّ في طلبهم. وكان أُمراءُ الجاليش وصلوا إلى دمشق في سادس عشرى ذي الحجّة فدخلوا إلى تغرى بردي في غاية المرض فأَعلموه بسوء سيرة الناصر وخَوْفِهم منه واجتماع كلمتهم على اللحاق بالأَميرين، وتوجهوا في آخر الشهر إلى جهتهما فخالفهم شاهين الزردكاش فقبضوا عليه، وجَدَّ الناصر في السير فلم يلحقهم فأَلبس عسكره وقد ظهرت عليه علامات الخذلان، فرحل إلى دمشق فدخلها وقْت الزوال من سلخ السنة، وكان بعد ذلك ما سنذكره من حوادث السنة الآتية. * * * وفي هذه السنة مات السلطان "الملك المنصور" ويقال له الصالح حاجي بن الأَشرف بن حسين ابن الناصر، وكان مقيًا بالدور السلطانية في قلعة الجبل منذ خلَعه الظاهر من سنة اثنتين وتسعين إلى أَن مات في تاسع عشر شوّال بعد أَن تعطلت حركة يديه ورجْليه منذ سنين، وعاش أَزيد من أَربعين سنة. قال العينتابي: "كان شديد البأْس على جواريه لسوء خلقه من غلبة السوداء عليه، ولم يزل مشغولا باللهو والسكر". * * * وفيها قَتل من الظاهرية ما بين أَمير وخاصكي وغيرهما نحوًا من سبعمائة رجل أَراد

стр. 1052

الناصر بإزالتهم توطيد مملكته فانعكس الأَمر، وكان قتْلُهم في الحقيقة من أَعظم الأَسباب في توطيد مُلْك الملِك المؤيّد، فسبحان مَن بيده المُلك. وفيها قُتل الأَمير تمراز النَّاصري الذي ولى نيابة السلطنة بالقاهرة، قُتل بالإسكندرية وكان لا بأْس به، وكان من خواصّ برقوق وأُمِّر أربعين في زمانه، ثم أُمِّر تقدمةً في سنة اثنتين وثمانمائة، ثمّ ناب في الغيبة في فتنة اللنك، ثم وَليّ نيابة السلطنة في سنة تسعٍ وثمانمائة، وناب في الغيبة [مرة أُخرى] في سنة اثنتي عشرة، ثم قُبض عليه في أَول هذه السنة وسُجن بدمياط ثم بالإسكندرية، ثم قُتل في عيد الأَضحى. وكان يحب الحكماءَ ويكرمهم ويعتقد في الصّالحين، وكان تركيا خالصًا حسن الصورة. وقُتِل خايربك وكان قد ناب في غزَّة وأُعطى تقدمة، وقُتل الأَمير يشبك الموساوى وكان أُعْطِىَ تقدمةً ثم ولى نيابة طرابلس ثم كان نائب غزة مدة طويلة. قال العينتابي: "ظلم أَهلها ظلمًا كثيرًا فاحشًا، وكان أَفقم سيِّيء المعتقد ردئ المذهب متجاهرًا باللواط، قُتِل بالإسكندرية أَيضا". و [قُتل] الأَمير قزدمر الحسنى: كان قد أُعْطِيّ تقدمةً وتولى خزندارًا كبيرًا "ولم يكن به بأس". قاله العينتابي. وقُتل قنباى وأقبغا القديدى المعروف بدويدار يشبك، كان مقدّما عند يشبك ثم استقر عند الناصر دويدارًا صغيرًا وأمره عشرة، وكانت له وجاهة ومعرفة ويقتدى برأْيه في كثير من الأُمور. قال العينتابي: "كان يدّعى الحكمة ووفور العقل مع خبثٍ ومكرٍ وحبٍّ لجمع المال، ولم يشتهر عنه خير، وحصّل في أيام يشبك مالًا جما، ثم لم يزل في ازديادٍ إلى أَن مات في ليلة الخميس ثالث عشر شوال وخلَّف شيئًا كثيرًا جدا تموّل بعدهُ منه جماعة، واستولى السلطان على غالبه". * * *

стр. 1053

وفى رجب رُجم رجل تركماني بدمشق اعترف بالزنا وهو محصن وذلك بدمشق فكُتِّفَ تحت القلعة وأُقِعد في حفرة فرُجم حتى مات. * * * ومِمَّنْ مات فيها: على بن محمد الإخميمي وكان يدعى أَنَّه شريف وأصله بغدادي، وقد ولى الوزارة وشدَّ الدواوين وغير ذلك؛ وفيروز الطواشي وكان قد تقدّم عند الناصر ومات في رجب، وكان شرع في مدرسته واشترى لها مكانًا بالغرابليّين ليبنى به ربعا وغيره فمات قبل الفراغ، فأَقرّ الناصر وقفه ونقله من المدرسة إلى التربة، وأَضاف الوقف كله إلى مدرسته، فأَخذ دمرداش العمارة بإنعام الناصر وشرع فيها ثم فاجأَه السفر ثم آل أَمرها إلى أَن اشتراها زين الدين عبد الباسط في الدولة المؤيّدية وعمَّرها قيسارية وربعا، فَأَتْقَنَ ذلك غاية الإتْقَان وذلك في سنة ٨٢٣ فما بعدها. * * *. وفيها قُتِل سُلمان - بضمّ السين المهملة - بن أَبي يزيد صاحب برصة وغيرها من بلاد الروم، واستولى على مملكته أَخوه موسى بعد حروبٍ وقعَتْ بينهما. * * * وفى (١) هذه السنة - في ربيع الآخر - قُبض على جماعة من أقارب جمال الدين وهم: أَحمد ولَدُه وأحمد وحمزّة ابني أُخت جمال الدين، وعلى شمس الدين وناصر الدين أَخوَىْ جمال الدين، وصودروا وعوقبوا إلى أَن مات في العذاب ناصر الدين وقُتل الأَحمدان وحمزة خنقًا (٢). * * * وفى ربيع الآخر وصلت طائفة من الجنوبة إلى الإسكندرية فوجدوا طائفةً من الكتلان فقاتلوهم، فخاف منهم أَهل الإسكندرية وأَغلقوا الأبَواب وبلغَتْ عدة القتلى أَلفَىْ نفس، وأَسَر الكتلانُ من الجنوبّين رجلًا يقال له: "الفستاوى" فأَرسلوه إلى الناصر فأَلزمه بمائة

стр. 1054

أَلف دينار، فذكر أَن ماله تحت حوطة الجنويّين فقبض [الناصر] على تُجّارهم بالإسكندرية فغضبوا وساروا بمراكبهم إلى أَلطينة فسبوا نساءً وصبيانًا وكانت بينهم وقعة كبيرة، فخرجت طائفةٌ من أَهل دمياط لنجدتهم، وكبيرُهم محي الدين بن النحاس (١) وكان ملازمًا للجهاد بثغر دمياط وفيه فضيلة تامة، وجمع كتابا حافلًا في أحوال الجهاد وقُتل في المعركة مقبلًا غير مدبر، وغنم الفرنج من أَهل الطينة مالا كثيرا ثم مضوا. * * * وفى ذي القعدة في ثانى عشرين منه نازل الفرنج أَلطينة أَيضا في أَربعة أَغربة، فقاتلهم المسلمون قتالًا عظيمًا إلى الليل، فمضى الفرنج إلى الساحل المقدم فنهبوا ما وجدوا فيه ورجعوا من الغد إلى القتال، فقدم في الحال غراب للمسلمين فاحْتاط به الفرنج، فأَلقى مَن فيه مِن المسلمين أَنفسهم إلى البحر فنجوا إلى البرّ بالسَّباحة، ثم وافى الناس من دمياط مقاتلة فتكاثر المسلمون على الفرنج واستعادوا منهم الغراب المذكور بعد قتالٍ شديد، فانهزم الفرنج وقُتل بعضهم، ولله الحمد. * * * وفي جمادى الأُولى أَمر السلطان بهدم مدرسة الأَشرف شعبان بن حسين التي على باب القلعة وجدَّ الهدم فيها وكانت من أَعظم الأَبنية، وكان جمال الدين قد اشترى من أَولاد الأَشرف كثيرًا من الآلات التي بُنيَتْ (٢) بها لأَن الأَشرف مات قبل أَن تكمل فبسط يده في تحويل ما بها، فأَخذ الشبابيك والأَبواب والبوّابة وكثيرًا من الحجارة حتى الكتب الموقوفة فاستعان بالجميع في مدرسته.

стр. 1055

ثم جاءَ الناصر في هذه السنة فكره مكان بُقْعَتِها لأَنَّ المتغلِّبين صاروا يستعينون على حصار القلعة بالنزول فيها، فهدمها فصارت رابيةً عالية، وحوّل ما يُنتفع به من حجارتها وأَخشابها إلى الأَمكنة التي يريدها، فبقيت كذلك إلى آخر دولة المؤيّد فأَمر بعمارتها مرستانًا وسكن فيه بعض المرضى، ومات المؤيد بعد ذلك فحوّلوه بعده جامعًا ومنزلًا للواردين. * * * وأمر في هذا الشهر بهدم الدور الملاصقة لسور القلعة تحت الطبلخاناه وغيرها فهُدمت من ثم إلى باب القرافة وتشتَّت سكانها. وفيه خُتم على جميع الحواصل التي يُظن أَن بها فلوسًا بالقاهرة، وندب الناصر لذلك أَحمد بن الطبلاوى والى القاهرة - قبل قتْله - ومجد الدين سالم بن سالم قاضى الحنابلة ففتحا حواصل الناس ونقلا ما فيها من الفلوس وأَعطيا لكل واحد ثمن فلوسه ذهبًا في كل قفة ثلاثٌ ناصرية، وكانت قيمتها يومئذ ثلاثًا وثمنا فجمع منها شيئًا كثيرًا، فكان ذلك هو السبب في مناداته عليها كل رطل بإثنى عشر درهما كما تقدّم (١). ويقال إن الذي أَخبره برخص الفلوس وأَن قيمتها قبل ذلك كانت تقتضى أَن يكون كل رطل بعشرين درهمًا: الشيخ سراج الدين البهادرى (٢) أحد الأَطباء، فجرّه ذلك إلى الطمع الكائن في نفسه قبل ذلك إلى أَن نادى عليها بإثنى عشر فلم يمْشِ له ذلك إلا بالمشقَّة، فترك بعد أَن حصّل من من البلاد ما حصّل. * * * وفيها كانت بين الحجّاج من أَهل دمشق وبين العرب بناحية زيرا محاربة، فجُرح أمير الحاج ومات من تلك الجراح.

стр. 1056

ومات فيها صاحب الهند غياث الدين أَبو المظفر أَعظم شاه بن إسكندر شاه بن شمس الدين صاحب بنجالة. وفيها قُتل وزيرُه يحيى بن عرب شاه ويلقب شاه جهان. * * * وفيها مات مرجان زمام الملك الأَشرف ثم النَّاصر صاحب الممن وقد ولى إمرة زبيد. * * * وفيها قتل وبير بن نخبار بن محمد بن عقيل بن راجح بن إدريس بن حسن بن قتادة الحسنى أَمير ينبع، وليها أَزْيد من عشرين سنة، وقتل أَخوه مقبل وابنه عليٌّ قتلى كثيرين ممن اتهموهم بقتله لأَنه قُتل غيلة، واستقرّ في أَمر ينبع بعده أَخوه مقبل منفردًا واستمرّ إلى أَن خُلع بعد بضع عشرة سنة، واستقر عقيل بن وبير مكانه كما سيأْتي. * * * وفيها كان السعيد محمد بن أَبي فارس بن عبد العزيز بن أَبي سالم إبراهيم المريني يحاصر فاس وبها أَبو سعيد بن أَحمد بن أَبي سالم فهزمه أَهل فاس بعد شهرين وذلك في صفر منها، ووقع الإفساد في الزروع وقوى القويّ على الضعيف، واشتدّ الغلاء وكان الإردب عندهم برُبع دينار فارتفع بعد ذلك بأَضعاف مضاعفة، ثم رجع السعيد إلى حصار فاس وقد انتُهِبت الأَعمال والنواحي في ربيع الآخر وحصرها نحوًا من عشرين يومًا ثم هزموه فتوجّه إلى سلا، ثم جمع عسكرًا ورجع في شعبان وحصر البلاد، وبنى مقابلها مدينةً سمَّاها المنصورة، وانقضت هذه السنة وهو على ذلك. ثم تقاتل أَهل البلد، ثم قام عليه عبد الواحد بن أَبي حمود واسمه موسى، وفرّ السعيد إلى تونس فهالك ببلد العنَّاب وطالت مدّة عبد الواحد وسنذكر أمره في سنة سبع وعشرين. * * *

стр. 1057

ذكر من مات في سنة أربع عشرة وثمانمائة من الأعيان ١ - إبراهيم (١) بن أَحمد بن حسين الموصلى ثم المصرى نزيل مكة، أَقام بها ثلاثين سنة، وكان مالكيّ المذهب يتكسّب بالنسخ بالأجرة مع العبادة والورع والدين المتين، وكان يحج ماشيًا من مكة ومات بها. أثنى عليه تقى الدين المقريزى. ٢ - إبراهيم بن أَبي بكر الماحوزى الأَصل ثم الدمشقى، تفقه قليلًا وسلك طريق التصوّف مع الدين المتين، وكان كثير المال ولا يقبل لأَحدٍ شيئًا وينهى أَصحابه أَن يأُكلوا لأَحد شيئًا، وكانت تلك طريقة والده الشيخ أَبي بكر الموصلي، وكان للناس فيه اعتقاد زائد وقلّ أَن يرُدَّ أحدٌ من الأُمراء رسالته، وكان لا يمشى لأحدٍ مطلقا، مع الثروة الزائدة. مات راجعًا من الحج في المحرم ودُفن بتبوك ولم يبلغ الستين، وكان قد حجّ عشرين حجّة وفى كل مرة يحصل للناس به النفع الزائد، رحمه الله تعالى. ٣ - أَحمد الله بن عبد الرومى ويعرف بالشيخ "صارو (٢) " وهوه "الأشقر" بالتركية، قدم من بلاده فعظّمه نائب الشام شيخ قبل أَن يتسلطن ثم صار من خواصّه، ثم سكن الشام وكان (٣) يقبل شفاعته ويكرمه وولَّاه عدّة وظائف، وكان (٤) كثير الإنكار للمنكر وقد حجّ وجاور. مات في شعبان بحلب - عند شيخ لما ولى نيابتها - وقد شاخ.

стр. 1058

٤ - أَحمد بن علي بن أَحمد بن محمد بن سليمان بن حمزة الدمشقي ثم الصالحي الحنبلي، شهاب الدين بن فخر الدين بن نجم الدين بن عزّ الدين، خطيب الجامع المظفري (١). ٥ - أَحمد بن محمد بن مفلح الصالحي الحنبلي، شهاب الدين أَخو الشيخ تقي الدين، وُلد سنة ٧٥٤ واشتغل قليلًا وسمع من جماعته، ثم انحرف وسلك طريق الصوفية والسماعات، ومات أَبوهما (٢) الشيخ شمس الدين سنة ثلاث وستين. ٦ - أَحمد بن محمد بن أَبي القاسم الحوارى (٣) ثم العثماني شاهدُ المطبخ السلطاني، كان محبًّا في أَهل الخير. مات في ثالث ربيع الأَول، وكانت مباشرته للمطبخ من أَول دولة الأَشرف فأَقام في الوظيفة المذكورة نحو الخمسين سنة. ٧ - أعظم شاه غياث الدين بن إسكند شاه بن شمس الدين، السجستاني الأَصل ملك الهند كان غلبه سلفه على دلّى بعد رجوع اللنك، وكان اللنك لما دخل الهند حاربه يلُّو مملوك فيروز شاه بن نصرة شاه ثم انهزم، فلما رجع اللنك إليها يلُّو فخرج عليه خضر خان بن سليمان فقتله وقبض عليه نائبه دولت يار واستولى خضر على المملكة. فلما مات قام بعده ولده مبارك شاه في مُلك دلّى وقام شمس الدين السجستاني في ملك بنجالة (٤) ثم مات، فقام بعده ابنه إسكندر شاه ثم قام بعده ابنه أَعظم شاه، وكان له حظ من العلم والفهم والخير، وهو الذي أَنشأَ المدرسة البنجالية بمكة والبنجالية الأُخرى بالمدينة، وكان له معروف كثير، ومات في سنة أَربع عشرة. وملَك ابنه حمزة بعده فشار عليه مملوكه شهاب وقتله فتسلَّط عليه فندو ملِك الكفرة فقتله، ثم ثار ولد فندو عليه فقتله وتسمّى "محمدا" وأسلم وتلقب جلال الدين أَبا المظفر،

стр. 1059

وجدّد مآثر من شعائر الإسلام والمساجد، وأَرسل إلى مكة بأَموال يتصدّق بها سنة اثنتين وثلاثين، ثم أَرسل هدية إلى مصر بعدها وطلب التقليد من الخليفة فجُهّزِ إليه مع رسوليه مهمل (١) وبرغوت في سنة ثلاث فأَعاد جوابه سنة أَربعٍ وصحبته مالٌ للخليفة، وللسلطان هدية. ٨ - آقبغا (٢) القديدي ٩ - وتمراز (٣) الناصري. ١٠ - وجانم (٤). ١١ - وحاجى بن الأَشرف شعبان، تقدموا (٥) في الحوادث. ١٢ - حسن بن علي بن عبد الرحمن الأَذرعى. ثم الصالحي بدر الدين بن قاضي أذرعات، تفقَّه في صباه على الشرف بن الشريشي والنجم بن الجابي، وتعالى الأَدب وفاق في الفنون، ودرّس وأَفتى وناظر، وناب في الحكم ثم تركه تورّعًا، وولى عدّة إعادات، وهو مِمَّن أذن له البلقيني بالإفتاء لما قدم الشام سنة ثلاث وتسعين وكان يثنى عليه كثيرًا، ودخل القاهرة بعد الكائنة العظمى، وكانت بيننا مودّة وسمعْتُ منه نظما وسمع منّي، وكان بآخره قد انجمع عن الناس. مات بالطاعون في المحرم رحمه الله تعالى.

стр. 1060

١٣ - خاير باك. تقدّم في الحوادث. ١٤ - خليل (١) بن عبد الله الأَذرعى المعروف بالقابونى، كان صالحًا مباركًا منقطعًا عن الناس مثابرًا على العبادة قليلَ الكلام كثير الحجّ مع فقْره، وكان الناس يأْتمنونه على الصدقات التي يريدون إرسالها إلى مكة، وكان أَهل مكة يستبشرون به إذا حجّ لكثرة إحسانه إليهم، وكان للشاميّين فيه اعتقاد زائد. مات في صفر بالطاعون وله ثلاث وسبعون سنة، وحضر الناس جنازنه حتى النائب؛ وقد نسخ الكثير، وخطُّه حسن. ١٥ - عبد الرحمن بن أَحمد بن محمد بن أَبي الوفا الشاذلي، أَبو الفضل بن الشيخ شهاب الدين. اشتغل في صباه قليلًا وتعالى النظم فقال الشعر الفائق، وكان ذكيًّا حسن الأَخلاق لطيف الطباع، غرق في بحر النيل هو ومحمد بن عبد الله البَشْكالُسِي (٢) وعبد الله بن أَحمد بن محمد التنسى جمال الدين قاضي المالكية وابن قاضيهم. ومن نظمه أَراه في مرثية محبوبٍ له: مَضَتْ قامَةٌ كَانَتْ أَلِيفَةً مَضجَعى … فَلِلَّهِ أَلْحَاظٌ لَهَا ومَرَاشِفُ وللهِ أَصْدَاغٌ حَكَيْنَ عَقَارِبًا … فهُنَّ عَلَى الحُكْمِ المعنَّى سَوَالِفُ وَمَا كُنْتُ أَخْشَى أَمْسِ إِلَّا مِنَ الجفا … وإنِّي علَى ذَاكَ الجفّا اليوْمَ آسِفُ رَعَى اللهُ أَيَّامًا وَناسًا عهِدْتُهُمْ … جِيَادا، ولَكِنَّ اللَّيَاليِ صَيارِفُ

стр. 1061

ومن نظمه من غزلٍ قصيدةٌ على هذا الرويّ: وبي ذَهَبِيُّ اللَّوْن صِيغَ لمِحْنَتِى … يُطِيلُ امتحانًا لى ومَا أنا زائِفُ وَفِي فَمِهِ شَهْدٌ وشُهْدٌ مكرّرٌ … وفِي خَدِّهُ وَرْدٌ ووِرْدٌ مُضَاعَفُ له أَعْيُنيِ - أَنيَّ رأَتْه - توابِعٌ … وأَعيُنُه أَيضا لقَلْبِي خواطِفُ (١) ١٦ - عبد السلام بن محمد الزرْعى أحد سكان المجاهديَة بدمشق، كان خيرًا أمينًا موثوقًا به، قرأْتُ ذلك بخطِّ ابن حجيّ .. مات في أَواخر السنة. ١٧ - عبد الوارث بن محمد بن عبد الوارث البكرى المالكي، أخو شيخنا نور الدين (٢) المقدَّم ذكره ونسبُه في سنة ستٍ وثمانمائة. مات فيها بَينبع راجعًا من الحج في المحرم. ١٨ - عقيل بن سريجا بن محمد بن سريجا بن محمد الملطيّ الأَصل المارديني نزيلها، قطب الدين أَبو عبد القاهر بن المحقِّق زين الدين، اشتغل على أَبيه وحدّث عنه بشيء من تصانيفه بحلب، قال القاضي علاءُ الدين في تاريخ حلب: "كان شيخًا حسنًا إلى الكهولة أَقرب، قدم علينا بلادنا سنة ثمانٍ وتسعين فكتب عنه شيخنا برهان الدين [الحلبي] شيئًا من نظم أَبيه الشيخ سريجا، وتكلَّم على الناس بالجامع الكبير؛ وكان كثير الاستحضار ورجع إلى بلاده بحصن كيفا (٣) فمات هناك في هذه السنة"؛ ومن إنشاده عن أَبيه: حِفْظُ الحَدِيثِ رِوَايَةٌ ودِرَايَةٌ … وعُلُومُه سَنَدٌ (٤) إلى الإيمان لا يَجْحَدَنِّي من حَدَاهُ عَلَى الفَتَى الْ … نَّحْريِرِ بعد تِلاوَةِ القُرْآنِ

стр. 1062

وهي طويلة. ١٩ - على بن سيف (١) بن علي بن سليمان، الشيخ نور الدين اللواتي الأَصل الإنباري النحوى المصرى نزيل دمشق، وُلد سنة بضعٍ وخمسين بالقاهرة ونشأَ بغزَّة يتيمًا فقيرا فحفظ "التنبيه"، ثم دَخَل دمشق فعرضه على التّاج السبكي فقرره في بعض المدارس واستمرّ بدمشق، وأَخذ عن العُنَّابي وغيره، ومهر في العربية وشغل الناس بدمشق، وأَدّب أَولاد ابن الشهيد، وقرأَ عليه "التيسيره"، وسمع من الكمال بن حبيب وابن أَميلة وغيرهما، وكان خازن كتب السميساطية وحصّل كثيرًا من الوظائف والكتب، وفاق في حِفْظ اللغة، وعنى بالأُصول فقرًا "مختصر ابن الحاجب" دروسًا على المشايخ، وأَكْثَرَ مطالعة كتب الأَدب فصار يستحضر من الأَنساب والأَشعار والأَخبار شيئًا كثيرًا، ولم يتزوّج قط، ثم نُهب جميع ما حَصّله في فتنة اللنك. وكان عارفًا بأيّام النَّاس حسن الخطِّ كثير الانجماع، دخل القاهرة بعد الكائنة العظمى فأَقام بها وحَصَّل كتبًا، ثم قدم دمشق ثم رجع فعظَّمَهُ تمراز - وكان يومئذٍ نائبًا - وتعصّب له ففوّض له مشيخة البيبرسية بعد موت شيخها فعارضه جمال الدين الأُستادار وانتزعها منه لأَخيه شمس الدين أَلبيرى، ثم قرره في تدريس الشافعي (٢) بعد موت جلال الدين بن أَبي البقاء، فعارضه جمال الدين أَيضا وانتزعها منه لأَخيه وعوّضه تدريس الشيخونية فدرّس بها يومًا واحدًا ثم نزل لى عنها بمال واستمرّ على الجماعه، وحدّث بالبيبرسية بـ "سنن أَبي داود" و "جامع الترمذي" عن ابن أَميلة وبغير ذلك، وحدّث بالفصيح بسماعه من ابن حبيب، وسمعْتُ منه يسيرًا، وكان فقير النَّفس شديد الشكوى، وحصل له شيء اشترى به كتبا، ثم تحوّل بما جمعه إلى دمشق في هذه السنة. وذكر لنا القاضي علاء الدين أَنه قرأَ عليه جزءً جمعه شيخه العنَّابي في الفعل المتعدّى والقاصر وأَنه لم يستوعبه كما ينبغي، قال: "وذكر أَن في الإصبع إحدى عشرة لغة، فأَنشدته

стр. 1063

البيت المشهور وفيه عشرة، وطالبْتُه بالزائدة فلم يستحضرها لكنه صمّم على العدّ، وذكر لى أَنه جمع جزءًا في الردّ على تعقيبات أَبي حيان لكلام ابن مالك" انتهى. مات بالشام في ذي القعدة عن نحو سبعين سنة، وتفرّقت كتبه شذر مذر. ٢٠ - على بن محمد بن علي بن عبد الله الحلبي، علاء الدين بن القوصى (١)، نشأَ بدمشق واحترف النسخ والشهادة، ثم وقّع على الحكام وناب في الحكم عن البرهان الصنهاجي المالكي، وولى قضاء المجدل وتوقيع الدست ثم قضاء غزة بعناية فتح الله وكان صديقه قديمًا، ثم ولى قضاء دمياط مضافًا لغزَّة ومشيخة البيبرسية بالقاهرة وخطابة القدس؛ وكان متواضعًا بشوشًا كثير المدارة والخدمة للناس ولا يمرّ به أحد إلَّا أَضافه وخدمه وراح هو يشكره، وقد سمع في صباه من ابن أَميلة وجماعةٍ من أصحاب الفخر وابن القوّاس على ما أَخبرنى به، وكانت بيننا مودّة، ومات في أَواخر السنة. ٢١ - فيروز الخزندار الرومى، تربّى مع الناصر فرج من صغره فاختص به وكان جميل الصورة نافذ الكلمة، وولى نظر الخانقاه بسرياقوس ومات في تاسع رجب وهو شاب، وكان عمَّر أماكن كثيرة ووقف وقْفًا على تدريس (٢) وغيره فاستولى الناصر على جميع أوقافه فصيّرها للتربة الظاهرية. ٢٢ - قاسم بن أَحمد بن أَحمد بن موسى بن أَحمد بن حسين بن يوسف بن محمود، الحلبي الأَصل العينتابي الكتبي، أَحد الفضلاء في الحساب والهندسة والنجوم (٣) والطلسمات وعلم الحرف والطب، وكان مفرطًا في الذكاء، وهو ابن أخي القاضي بدر الدين العينتابي وهو الذي ترجمه، ذكر أَن مولده في سنة تسع وتسعين ومات في رابع عشر المحرم مطعونًا بمصر وصُلِّىَ عليه بالجامع الأَزهر، وكان له صديق يقال له خليل بن إبراهيم الخياط من

стр. 1064

أَهل بلده، فقال لمّا رأى جنازته وقد صُلِّيَ عليها مع من حضر صلاة الجمعة: "يا رب اجعلنى مثله" فمات ليلة الجمعة المقبلة وصُلِّىَ عليه كما صُلِّىَ على صديقه، وعاش أَبو قاسم بعده مدّة. ٢٣ - قزدمر الحسنى، تقدّم في الحوادث. ٢٤ - محمد بن إسماعيل بن يوسف بن عثمان الحلبي، الشيخ شمس الدين الناسخ المقرئ، كان ديّنًا خيرًا يتعانى نسخ المصاحف مع المعرفة بالقراءات، أَخذ عن أَمين الدين بن السلَّار وغيره، وأَقرأَ الناس وانتفعوا به، وقد جاور بالحرمين نحو عشر سنين، ودخل اليمن فأَكرمه ملكها، وكان قد بلغ الغاية في حفظ القرآن بحيث أَنه يتلو ما شاء منه ويسمع في موضع آخر ويكتب في آخر من غير غلط، شوهد ذلك منه مرارًا. مات في ربيع الآخر وقد جاوز السبعين، وهو عمّ شرف الدين أَبي بكر الموقّع المعروف بابن النجمي. ٢٥ - محمد بن خليل بن محمد العُرضى، الشيخ شمس الدين الغزى، وُلد قبل سنة ستين، واشتغل بالفقه فمهر فيه إلى أَن فاق الأَقران، وصار يستحضر أَكثر المذهب مع المعرفة بالطب وغيره. مات في جمادى الأُولى. ٢٦ - محمد بن عبيد بن عبد الله البُشْكَالسي، زين الدين، كان أَبوه من أَعيان أَهل مذهبه وناب في الحكم وأَفتى، وحدّث عن عز الدين بن جماعة وغيره، ونشأَ ولده هذا ذكيا فاشتهر ذكره بالفضل، وكان يتعاشر مع جماعةٍ من الفضلاء فاتَّفق أنهم توجّهوا إلى شاطى النيل وركبوا شختُورًا فانقلبت (١) بهم. ٢٧ - محمد بن علي بن إبراهيم بن عدنان بن جعفر بن محمد بن عدنان بن جعفر الحسيني الشريف ناصر الدين ابن كاتب السرّ، كان فاضلًا ماهرًا في الأَنساب، كثير الاشتغال إلَّا أَنه جامد الذهن، وكان كثير التقشُّف لا يتعانى الملابس ولا المراكيب،

стр. 1065

سمع معنا كثيرًا وكانت بيننا مودّة، وكان أُعجوبةَ زمانه في السّعى كثير الدهاء، دخل القاهرة مرارًا بسبب السّعى لأبيه في كتابة السرّ فكان غالبًا هو الغالب، وحّصل لنفسه في غضون ذلك كثيرًا من الوظائف والتداريس والأَنظار، وكان يتبرّأُ من التشيُع ويُتهم به، قال ابن حجيّ: "كان ديّنا صيّنا لا تُعرَف له صبوة وقد عُين لكتابة السرّ فلم يتَّفِقْ ذلك". مات في صفر بالطاعون وله سبع وثلاثون سنة. ٢٨ - محمد بن علي بن عمر بن علي بن محمد الدمشقي المعروف بابن الإربلى سبط ابن الشريشي؛ مات في المحرّم. ٢٩ - محمد بن محمد بن محمد بن محمد (١) بن يوسف الدمشتى، فتح الدين بن الشيخ شمس الدين بن الجزرى نزيل بلاد الروم ثم دمشق، باشر الأَتابكية (٢) بدمشق إلى أَن مات في صفر مطعونًا، وكان جيّد الذهن يستحضر كثيرًا من الفقه ويقرئ بالروايات ويخطب جيدا، وترجمه ابن حجيّ فقال: "كان ذكيًا جيّد الذهن يستحضر كثيرًا من الفقه ويقرئ بالروايات، أَخذ ذلك عن أَبيه وعن الشيخ صدقة [الضرير] وغيرهما، ومات في صفر مطعونًا ولم يكمل الأَربعين،؛ وقد رأَيْتُه بالقاهرة. وهو والد صاحبنا الشيخ شمس الدين وعاش بعده دهرًا، وكان قد تسحّب من أَبيه لمّا توجّه إلى بلاد الروم، ثم حضر إلى القاهرة برسالة ابن عثمان بسبب المدرسة الصّلاحية وكانت مع والده، فوثبَ عليها بعده القمنى فنازعه، فتعصبّ للقمنى جماعةٌ فغلب ابن الجزري، فنازع جلال الدين بن أَبي البقاء في تدريس الأَنابكية ونظرها فلم يزل إلى أَن فوّضها له - بزعمه - بركة ثم تصالحا وفوّضها له باختياره، وباشرهما إلى أَن مات.

стр. 1066

٣٠ - محمد الشبراوى اشتغل كثيرًا وكان مقتدرًا على الدرس فدرّس كتاب "الشفا" وعرضه، ثم درّس "مختصر مسلم" للمنذرى ولم يكن بالماهر. مات في سلخ السنة (١). ٣١ - محمد بن الحنبلي، شمس الدين، شاهد القيمة كان من كبار الحنابلة وقدمائهم، وكان ورعًا قليل الكلام على سَمْتِ السلف؛ مات في رابع ربيع الأَول وقد بلغ السبعين. ٣٢ - هود بن عبد الله المحايري الدمشقي. مات في أوائل السنة. ٣٣ - يحيى بن محمد بن حسن بن مرزوق المرزوق الجِبْلي (٢) - بكسر الجيم وسكون الموحدة - الشافعي اليماني، تفقَّه على رضيّ الدين بن أَبي داود (٣)، وسمع من على بن شدّاد واشتغل كثيرًا، وكان عابدًا دينًا خيرًا يتعانى السماعات على طريق الصوفية ويجتمع الناس عنده لذلك. مات في جمادى الآخرة وقد بلغ ثمانين سنة. ٣٤ - يشبك الموساوي، تقدم في الحوادث. ٣٥ - يوسف بن أَحمد بن عبد الله بن الصّائغ، وهو وَلدُ شيخنا أَبي اليسر (٤) المقدم ذَكره قريبا، كان ثقيل البدن خفيف الروح كثير المجون حسن المذاكرة، ولى تدريس الدماغية (٥) ونظر الرباط النَّاصري، ومات في المحرّم. ٣٦ - يوسف بن محمد النحاس، جمال الدين المعروف "بابن القطب"، الحنى، كان يجلس مع الشهود ثم ولى الحسبة مرة ثم ناب في الحكم ثم سعى في القضاء بعد فتنة اللنك فوليه مرارًا، وكان عربًّا عن العلم، وباشر مباشرةً غير محمودة. مات في المحرّم ولم يكمل السبعين. * * *

стр. 1067

سنة خمس عشرة وثمانمائة استهلت والناصر قد رحل في آثار الأُمراء الذين خامروا عليه فدخل دمشق كما قدّمنا في سلخ السنة الماضية وخرج منها في سادسه. ووقع في أَول يوم منه تقرير ابن الكشك في قضاء الحنفية، وكان عماد الدين بن إسماعيل بن القصّاص - قاضي الحنفية بحماة - قد جرت له مع يشبك بن أَزدمر كائنة قبيحة جدا، فخرج من حماة إلى دمشق، فبذل لنوروز - وهو نائب الشام - مالًا فولَّاه قضاءَها ثم توجّه إلى مصر فقرّره طوغان وهو بغزَّة في قضاء الشام، فوصل إلى دمشق فلم يتمكن من المباشرة لدخول الشريف ابن بنت عطا بتوقيع الحنفية بدمشق فباشر، ثم دخل الناصر دمشق فأعاد ابن الكشك؛ فولى قضاء دمشق ثلاثةُ أنفس في عشرة أَيام. * * * وأَفرج الناصر عن ناصر الدين بن البارزي وعن نكباى الحاجب، وسار إلى جهة حمص قد وقد بلغه أَن الأُمراء نزلوا بها، ثم بلغه أَن الأُمراء رحلوا إلى بعلبك فوصل إليها فوجدهم قد توجهوا إلى البقاع على جهة وادى التيم بقصْد القاهرة، فتوجّه إليهم فمضوا إلى جهة الصُّبَيْبة وهو يتتبّعهم حتى نزلوا باللجون، فأَشار عليه نصحاؤه أَن يرجع إلى دمشق حتى تستريح العسكر ثم يتوجّه إليهم فيأْخذهم من الصُّبَيْبة فأَبىَ ولجّ في طلبهم وظنَّ أَنهم في قبضته، وأَن الذي أَشار عليه بذلك غشَّه واتهمه لهواه فيهم، ثم ركب من ساعته وساق فما وصل إلى اللجّون حتى تقطَّعْت عساكر، ولم يبق معه الَّا اليسير، وذلك في ثالث عشر المحرّم. وكان الأُمراءُ قد داخلهم الخوف منه فعزموا على أَن يتوجّهوا في الليل من وادي عاره (١) إلى جهة الرملة ثم يقصدون حلب من طريق البريّة ولم يخطر لهم أَن يقاتلوه خوفًا منه وعجزا عنه، فساعة وقوع عينه عليهم حمل واقتحم فيهم، فارتطمت خيول الذين معه في وحل كان هناك، وخامرت طائفة منهم، فقُتل في المعركة مقبل الرومي وكان الناصر قد فسخ عقد

стр. 1068

أخته من نوروز وزوّجها لمقبل، فقصده نوروز فقتله في المعركة وقتل أَلطنبغا شقل، وجرح بكتمر فمات من جراحته بعد ذلك بأَيَّام. ووقعت في الناصر جراحة فانهزم راجعًا إلى دمشق، فأَشار عليه بعضُ من ينصحه أَن يستمر متوجها إلى القاهرة فامتنع لما أَراد الله من هلاكه، وتوجّه إلى دمشق فأَدركه الليل في بيتِ تركمانيٍّ فعرفه فأَنزله عنده، وكان معه حينئذ ثلاثة أَنفس فأَقام في الليل يسيرًا حتى استراح، ثم قدّم له التركماني حِجرة - وكان فرسه قد أَعْبي - فركبها ووعده بمالٍ وإقطاع، وتوجّه إلى دمشق فتحصّن بالقلعة واحتاط الأُمراءُ بالخليفة والقضاةِ وكاتب السرِّ وناظر الجيش وبجميع ما كان مع النّاصر من المال والخيل مما لم ينزله، فانتقل الأُمراءُ من الخوف إلى الأَمن ومن الذل إلى العزّ، وتقدّم شهاب الدين الأَذرعي - إمام النائب شيخ - وهو ابن أَخي الشيخ بدر الدين بن قاضي أَذرعات فصلَّى بالقوم المغرب فقرأَ (١) ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾ الآية، فوقعت الموقعَ لمناسبة الحال، وأَصبح الأُمراءُ ورأْسُهم شيخ ونوروز فاشتوروا فيما يفعلون، وكان كاتب السرّ فتح الله قد خاف من الناصر فأَشار عليهما أَن يكتبا إلى القاهرة بما اتَّفق ويأْمرا بحفظ القلعة والبلد، ويكتب الخليفة بمثل ذلك. وتوجّه قجقار الفردي بذلك فوصل آخر الشهر، ورحل الأُمراءُ إلى دمشق فوصلوا إليها في نصف المحرّم. وكان الناصر قدم في تلك الليلة وطلع القلعة واستدْعى القضاة والأَعيان ورغَّبهم فيما لديه، ووعدهم بالعدْل والجميل فمالوا معه وشجّعوه، فتلاحق به العسكر شيئًا بعد شيء، ووجد تغرى بردى نائب الشام قد مات في ذلك اليوم فقرر عوضه دمرداش، وأَخذ في الاستعداد وإخراج الأَموال والسلاح، فاجتمع له جمع كثير وأَنفق فيهم وقواهم بالمدافع والمكاحل ورَفْع الجسور عن الخنادق، وأَمر القضاة أَن يركبوا مع القاضي جلال الدين البلقيني وكان قد تقدّم

стр. 1069

قبل الواقعة إلى دمشق ونادى بأَن النَّاصر قد أَبطل المكوس وأَزال المظالم ويطلب منهم الدعاءَ، فتعصب له عوام الشام. فلما كان في الثامن عشر من المحرّم نزل الأُمراءُ بقبة يلبغا، فندب الناصر لهم عسكرًا، فخرج إليهم سودون الجلب وسودون المحمّدى فهزموهم ثم ارتحلوا فنزلوا غرب البلد ووقفوا من جهة القلعة فتراموا بالنشاب. ثم نزل نوروز بدار المطعم، وشيخ بدار غرس الدين الأُستادار، وضَمَّ معه الخليفة وكاتب السرّ والقضاة، ونزل بكتمر جَلَق وقرقماس فمنعوا الميرة عن النَّاصر وقطعوا نهرى دمشق، فتعطَّلت الحمامات وغلقت الأَسواق وعظم الأَمر واشتد القتال وكثرت الجراحات. وفى ثالث عشرى المحرّم لحق بالأَمير شيخٍ ناصرُ الدينُ بن العديم قاضى الحنفية وشهابُ الدين الباعونى وشهاب الدين الحسباني - وكانوا بالصالحية - وناصرُ الدين بن البارزي وصدرُ الدين الأَدمى - وكانا من أَخصّاء شيخ - فأَنس فأنس بهما وعرّفاه بأَحوال البلد مفصّلة؛ وبسط ناصر الدين بن العديم لسانه في الناصر فبلغ ذلك النَّاصر فقَرّر ابن الشحنة في قضاء الحنفية بالقاهرة عوضًا عنه. ويُقال إن ناصر الدين المذكور كان ممَّن شهد الواقعة باللَّجون وأُحيط به مع الخليفة والمباشرين. وفى الرابع والعشرين من المحرّم وُسِّط بلبان (١) أَشق شاد الشرابخاناه وبلاط أَميرُ علم وكان كلٌ منهما يذبح المماليك الظاهرية بين يدى الناصر بالقاهرة. وفى يوم السبت خامس عشرى المحرّم أَشهد عليه الخليفة بخلع الناصر من المُلْك لِمَا ثبت عليه من الكفريات والانحلال والزندقة، وحكم ناصر الدين بن العديم بذلك وبسفْك دمه، واستقرّ في السلطنة الخليفة المستعين بالله أَبو الفضل العباسي بن المتوكل العباسي ولم يُغَيّر لقبه، وبايعه الأُمراء ومَن حضر، وكان رأْىُ الأُمراء قد أَجْمع على ذلك فلم يوافقهم الخليفة إلَّا بعد شدّةٍ وتوثُّقٍ منهم بالأَيمان فاشتد امتناعه وصمّم، وبادر كاتب السرّ

стр. 1070

فتح الله فأَرْسل جماعة، منهم: محمد بن مبارك الطازى - وهو أَخو الخليفة لأُمه - ورَتَّب معه ورقةٌ فيها مثالب الناصر، وأَن الخليفة عزله من السلطنة فلا يحلّ لأَحدٍ من المسلمين القتال معه ولا مساعدته فإنه فعل وفعل؛ وعدَّد مثالب الناصر، وقرأَها شيخ بينهم جهْرًا ودار بها على الوطاق كلِّه حتى بلغ ذلك النَّاصر وتحقَّقه، وتوعّد الخليفة بكل سوء ظنَّا منه أَن ذلك مِن تدبيره. فبلغ ذلك الخليفةَ فسقط في يده وأَيِس من صلاح النَّاصر فأَجاب إلى ما التمسوه منه من القيام بالأَمر، فبايعوه كلهم وحلفوا له على الوفاء، وأَحضروا له لباس الخطيب الأَسود فلبسه وجلس على كرسيٍّ وقام الكل بيْن يديه. وقرّر بكتمر جلق في نيابة الشام، وقرقماس في نيابة حلب، وسودون الجلب في نيابة طرابلس، والأَميرين: شيخ ونوروز في ركابه يدبران الأَمر. ونادى منادى الخليفة: "أَلَا إنَّ فرج بن برقوق قد خُلع من السلطنة، ومَن حضر إلى أَمير المؤمنين وابن عمّ رسول الله فهو آمن! " فتسلَّلَ الناس عن الناصر، وكتب المستعين إلى القاهرة باجتماع الكلمة وأَمر يلبغا الناصري بحفظ البلد. فلما كان صبيحة هذا اليوم قدم الحاج فتلقَّاهم شيخ وبعث كل طائفة إلى الجهة التي هي مقصدها، ومنَعهم أَن يمّروا تحت القلعة. وفى سابع عشرى المحرّم استقرّ برهان الدين الباعونى في قضاء الشافعية بالقاهرة عوضًا عن البلقيني، وشهاب الدين الحسبانى في قضاء الشافعية بدمشت عرضًا عن الإخنائي، واشتغل الأَميران بحصار النَّاصر؛ وقُتِل في هذه الفتنة (١) خلق من الأُمراء منهم: يشبك العثماني. ولمَّا بلغ الناصرَ ما صنع فتحُ الله عَزَله من كتابة السرّ وقرّر عرضه فخرَ الدين بنَ المزوّق، وأضاف نظر الخاص إلى الوزير سعد الدين بن البشيري وكان معه بدمشق. * * *

стр. 1071

وفى ثامن صفر قدم قجقار القردمى القاهرة بأَخبار الواقعة، فأَراد أَسنبغا الزردكاش أَن يقبض عليه فمنعه يلبغا الناصري وقرأَ كتبه، واشتهر الخبر، ورَتَّبَ الناصر لقجقار ما يليق به وبمن معه وهم نحو ثلاثين نفرا. ثم قدم كزل العجمى وعلى يده كتب من الخليفة والأُمراء بما تقدّم من خلع النّاصر. وقدم بعده ساعٍ من عند الناصر يخبر فيه بأَنه ملتجئٌ إلى القلعة، ثم قدم قصروه وعليه خلعة الخليفة وكتابٌ إلى الناصريّ ومَن بالقاهرة من الأعيان، فقُرِئ وأُرسل إلى الجامع الطولوني فقرأَه ابن النقاش، ثم [أُرْسِل] إلى الجامع الأَزهر فقرأَه مسطرها (١) كما سيأْتى. * * * وفى السادس من صفر شاع بين الناس أَن قرايلك وغيره من التركمان وصلوا نجدةً مِنَ النَّاصر، فنادى مُنادِى شيخ بتكذيب ذلك و "أَن المذكورين جاليش تمرلنك فاحذروهم" ثم اجتمع الجميع وأَعادوا بيعة المستعين وجدّدوا له الأَيمان وأَنهم رضوا بأَن يكون حاكما عليهم، وأنه المستبدّ بالأُمور من غير معارضة أَحدٍ منهم له. * * * وفى الثامن من صفر اشتدّ القتال وحمل شيخ بمن معه فانهزم أصحابه وثبت هو ثم تراجعوا وصدقوا الحملة فانهزم أَصحاب الناصر، ووصل شيخ إلى طرف القنوات، فجاء دمرداش فأَعلم الناصر أَنه قد سهل القبض عليه وسأَله أَن يندب معه رجلًا فناداهم فلم يجبه أَحد، وأَعاد فأَجابه بعضهم بجوابٍ فيه جفاء، وإذا العسكر قد اختبط فإن نوروز كيسهم فهربوا بحيث لم يبْق بيْن يدى الناصر أَحد، فملك شيخ الميدان والإصطبل. فأَشار دمرداش على الناصر أَن يرحل إلى حلب، فقام فدخل حريمه ليلًا وتجهَز فلم يخرج، فاستبطأَه دمرداش فتركه وسار وقام ناس على الأَسوار فنادوا: "نصر الله أَمير المؤمنين"، فلما سمع الرماة ذلك تخوّفوا على أَنفسهم ففروا، فركب الناصر فرسه ودار

стр. 1072

على السور فلم يجد أَحدًا فعاد إلى القلعة، فركب شيخ ودخل من باب النصر وملك المدينة ونزل بدار السعادة، وامتدَّتْ أيدى الغوغاء إلى النهب فبالغوا ونزل المستعين في البلد. ويقال إن دمرداش لما رأى أَن حال الناصر تلاشى احتال لنفسه فقال للناصر: "أَروح أَنا وابن أَخى وأَجمع عسكر من التركمان وغيرهم"، فمال الناصر لكلامه وأَعطاه مالًا كثيرًا لذلك، فتوجّه من دمشق ومعه نحو مائتي نفس، فلما رأى الذين مع الناصر ذلك خارت قواهم ووهنوا، ورأى الناصر علامة الخذلان فقال لهم: "من شاء أَن يستوثق لنفسه فليفعل"، فتفرفوا. * * * ثم تحوّل شيخ إلى الإصطبل، وأَنزل بكتمر جلق في دار السعادة، فلما كان يوم الأَحد بعث الناصر يطلب الأَمان ويستحلف الأُمراءَ فحلفوا له على ما أَراد، وأَرسلوا له أَخا الخليفة: لأمه: محمد بن مبارك الطازى وكان بينه وبينه الكلام ولم يفترقا على طائل، فعاود الرمي عليهم من أعلا القلعة فعاودوا الحصار، فاضطرهُ الأَمر إلى أَن نزل ليلة الاثنين ومعه أولاده يحمل بعضهم وتُحمل معه بعضهم وهو يمشى من باب القلعة إلى الإصطبل: فلما راه شيخ قام فقبّل له الأَرض وأَجلسه بصدر المجلس فسكن روعه، فبات تلك الليلة وأَصبح شيخ يوم الاثنين فلم يجتمع به، واجتمع الأُمراء عند المستعين يوم الاثنين بدار السعادة فاشتوروا فيما يصنعون بالنَّاصر، فاتفق رأْيهم على أَن يمضوا فيه حكم ابن العديم، فأُخذ في ليلة الأَربعاء من الإصطبل فجلس في مكانٍ من القلعة وحده لا يصل إليه إلَّا من يناوله حاجة المأْكول والمشروب خاصة، وتركوه فريدًا إلى ليلة السبت سادس عشر صفر، فدخل عليه محمد بن مبارك الطازى ورجل من خواصّ شيخ وآخر من خواصّ نوروز ورجلان من المشاعلية، فلما رآهم أحس بالشرّ فقام ودافع عن نفسه، فبادر المشاعلية حى صرعاه بعد ما أَثخنا جراحه، وتقدّم إليه أحدهما فخنقه، فلما ظنّ أَنه أَتلفه قام عنه فتحرّك، فعاد مرة بعد مرة، فغزَّ أَوْدَاجَه بخنجر كان معه، ثم سحبه بعد ما سلبه فأَلقاه على مزبلة تحت السماء ليس عليه سوى لباسه وعيناه مفتوحتان، يمرّ به القريب والبعيد وقد صرف الله قلوبهم عنه فلا أَحد يترققّ له ولا يحنّ عليه، بل ربّما مدّ إليه بعضهم يده فعبث بلحيته. ثم حُمِل

стр. 1073

ليلة الأَحد فغُسل وكُفِّن وصلى عليه ودُفن بمقبرة (١) باب الفراديس، ولم يكن له جنازة مشهورة، فسبحان المعزّ المذلّ. * * * وكان شيخ يحلف أَنه لا يريد قتله ولم يُرد إلَّا أَن يسجنه ببعض الأَماكن منفيا ويرتب له ما يأْكل ويشرب، ووافَقَه جماعةٌ من الأُمراء، منهم: يشبك بن أَزدمر؛ إلا أَن نوروز وبكتمر جلق لم يأْمنا عاقبته فحرّضا على قتله وساعدهم الحُكم ابن العديم بقتله بسيف الشرع فقُيِل. ولقد كان الناصر هذا أَعظم الناس خذلانًا لدين الإسلام وأَشأَمهم طلعةً على المسلمين، والعجب أَنه لما وُلد أَقبل يلبغا الناصري ومنطاش فبشَّرا به أَباه فسمَّاه "بُلْغَاق" يعني "فتنة"، فلما خلص أبوه من الكرك سماه "فرجًا"، فكان اسمه الأَول هو الحقيقى. * * * وفى عاشر صفر قُبض على الإخنائى وابن المزوق والغرس الأُستادار وعبد الرزاق ناظر الجيش وصودروا، وخُلع على صدر الدين بن الأَدمى بكتابة السرّ بدمشق وعلى الأمويّ بقضاء المالكية بها. وتقرّر الأَمر بين الأُمراء أَن يكون الأَميران (٢) يدبّران الأَمر بين يدى الخليفة، وأَن ينزل شيخ بباب السلسلة وينزل نوروز في بيت قوصون، فلما كان الخامس والعشرُون من صفر (٣) التَمس نوروز من الخليفة أَن يقرّره على نيابة الشام فأَجابه إلى ذلك وخلع عليه وصَرف بكتمر جلق عنها واستقر أَميرًا كبيرًا بالقاهرة، واعتلّ نوروز بأَنه يخشى وقوع الفتنة وأَن التدبير لا يليق أَن يكون إلَّا لشخص واحد فأجيب لذلك، وفُوّضت له كفالة الشام كله، وجُعل له تعيين النواب والبلاد وتعيين الإقطاعات لمن يراه، وكذلك أَمْرُ القضاة والمباشرين فيطالع الخليفة بمن يرى تقريره فيكتب له تقليده * * *

стр. 1074

وفي السابع والعشرين من صفر أُعيد جلال الدين البلقيني إلى قضاء الشافعية بالقاهرة وعُزل الباعوني فكانت مدّته شهرًا: إسمًا بلا مباشرة، وصَرف نوروزُ ابنَ الأَدمى من كتابة السر وقرر البصروى، وصرف الحسبانى عن قضاء الشافعية بدمشق وقرر الإخنائي فتوجّه مع الحسبانى إلى وطاق الخليفة، فكتب له توقيعًا بخطابة الجامع ونظر الأَسرى ومشيخة السميساطية ونصف الناصرية، فَضَرَبَ نوروز على الخطابة وأبقاها الباعوني، ثم بَقّى نصف الناصرية مع شهاب الدين بن نقيب الأَشراف، ثم قرّر الباعوني في المشيخة فلم يتأَخَّر مع الحسباني سوى نظر الأَسْرى ثم انتُزِعَتْ منه. * * * وفي ثامن صفر وصلت الأَخبار إلى القاهرة - صحبةَ كزل - بما جرى للناصر وقرئت الكتب بذلك على المنابر، وكذَّب أَسنبغا الزرد كاش ذلك وأَراد إثارة فتنة، فساس يلبغا الناصري الأَمر حتّى سكن اضطرابه، ووصل كتاب الخليفة إليه أَن يسلم يلبغا القلعة فأَذعن وتوجّه إلى داره، وصدرت الكتب من الخليفة إلى الأُمراء والتركمان والعربان والعشير، ومفتتَحُها: "مِن عبد الله ووليّه الإمام المستعين (١) أَمير المؤمنين وخليفة رب العالمين وابن عمّ سيد المرسلين، المفترضة طاعته على الخلق أجمعين، أَعزَّ الله ببقائه الدين. إلى فلان". وفى الثامن من ربيع الأَول توجّه الخليفة وشيخ ومن معهما إلى القاهرة فدخلوا في يوم الثلاثاء ثاني شهر ربيع الآخر بعد أَن تلقّاهم الناس إلى قطية وإلى الصالحية وإلى بلبيس، وحصَل للناس من الفرح بذلك مالا مزيد عليه ونادوا في الناس برفع المظالم والمكوس. وفى سادس عشره توجّه نوروز من دمشق إلى حلب، وقرّر في نيابتها سودون الجلب فمات معه في حادى عشر ربيع الأَول، واستقر يشبك بن أَزدمر في نيابة طرابلس، وخرج نوروز من حلب وطلب دمراش فوصل إلى عينتاب فقطع دمرداش الفرات فرجع نوروز فوجد سودون الجلب قد مات، فقرّر في نيابة طرابلس طوخ ورجع إلى دمشق فدخلها في أَوائل رجب، وتوجّه أَلطنبغا القرمشي نائبًا على صفد. * * *

стр. 1075

وفيه ضَرب نوروز الدراهم الخالصة زنة الواحد نصف درهم والدينار بثلاثين منه وفرح الناس بها، وكانت معاملاتهم قد فسدت بالدراهم المغشوشة النوروزية فكان ضربها (١) قديمًا في كل درهم عُشْرُهُ فضة وتسعة أَعشاره نحاس. * * * وفى شهر ربيع الأَول استقرّ الشيخ محب الدين محمد بن الأَشقر شرف الدين عثمان الرازي (٢) في مشيخة الخانقاه الناصرية بسرياقوس، وكان شيخها - شهاب (٣) الدين بن أَوحد - قد قام عليه الصوفية لما بلغهم خبر الملك الناصر لأَنه كان يستطيل عليهم لصحبته فآذوه ورموه بكل عظيمة وكان جديرًا بذلك؛ فخشي على نفسه منهم فبادر بالنزول عن الخانقاه المذكورة للمذكور (٤) لمعرفته بمحبّة الناس له لحسن سياسته، فأَمضى له يلبغا الناصري النزول واستقرّ بها، وخرج ابن أَوحد إلى ملاقاة معارفه من المصريين في العسكر، واستقرت قدم ابن الأَشقر في سرياقوس. وكان قد تزوّج بنت البرهان المحلِّى - وهى أُخت زوجة الخليفة - فخرج إلى لقائه فتلقاه بإكرام وتعظيم. وفي الثاني من ربيع الأَول دخل الخليفة القاهرة فشقها والأُمراءُ بين يديه، واستمر إلى القلعة فنزلها، ونزل شيخ الإصطبل بباب السلسلة، وكان شيخ يظن أَن الخليفة يتوجّه إلى بيته ويستعفى من السلطنة، فلما لم يفعل ذلك أَعْرَض عنه وأَبْقى له مَن يخدمه من حاشيته، واستقرّت الخدمة عند شيخ، وأَمْسَك أَسنبغا الزردكاش فادّهى عليه مُدَّعٍ بموجب القتل فقُتِل، وقبض على أَرغون وسودون الأَسندمرى وكمشيغا المزوّق وحبسهم (٥)، وقرَّر في نيابة الإسكندرية خليل الدشارى عوضا عن قطلوبغا الخليلي بحكم موته.

стр. 1076

وفى الثامن منه صعد شيخ والأُمراءُ إلى القصر، وجلس الخليفة على تخت الملك، فخلَع على شيخ خلعة عظيمة بطراز لم يُعْهد مثْلُه، وفَوّض إليه أَمر المملكة بالديار المصرية في جميع الأُمور، وكتب له أَن يولِّى ويعزل بغير مراجعة، وأَشهَد عليه بذلك، ولُقِّب "نظام الملك" وقرر طوغان دويدارًا، وجاهين الأَفرم أَمير سلاح، وإينال الصصلالي في الحجوبية. وخلع على يلبغا الناصري وسودون الأَشقر، وقرّر أَلطنبغا العثماني في نيابة غزَّة عوضا عن سودون من عبد الرحمن، ونزلوا كلهم في خدمة شيخ. فلما كان اليوم الذي يليه عرض شيخ الأَجنادَ وفرق الإقطاعات. وقَرر جقمق دويدارًا في خدمة الخليفة وأَسكنه القلعة، وتقدّم إليه بأَن لا يمكِّن الخليفة من كتابة العلامة إلَّا بعد عرْضها على شيخ، فاستوحش الخليفة حينئذ وضاق صدره وكثر قلقه واتَّضَع جانبه وصار المُلك كله لشيخ؛ فسبحان من له الأَمر كله. * * * وفي حادى عشره استقرّ صدر الدين بن العجمي في حسبة القاهرة وصُرف ابن الدميرى، وخُلع على المباشرين باستقرارهم على عادتهم، وخُلع على التاج الشوبكي واستقرّ والىَ القاهرة (١). واستقرّ بدر الدين حسن بن محب الدين أستادارًا وسكن في بيت جمال الدين، واستقر شهابُ الدين أَحمدُ الصفدى ناظرَ المرستان - عوضا عن فتح الله - وناظرَ الأحباس عوضا عن تاج الدين بن نصر الله أَخى ناظر الجيش بدرِ الدين، وقام جدَّ القيام في دفْع ذلك فلم يجب سؤاله، واستقرّ ناصر الدين البارزي في توقيع الأَمير (٢) عوضًا عن تاج الدين بن نصر الله، وشرفُ الدين التبّانى في وكالة بيت المال ونظر الكسوة. * * * وفى قدوم القوم إلى القاهره انحلَّت الأَسعار ورخصت الغلال، وزاد النيل زيادةً وافرة

стр. 1077

بحيث أَنه كان عند الناروز قد وَفَى ثمانية عشر ذراعًا واستبشر الناس بذلك، وخفَّ الظلم جدًّا وتعَطَّلت الرمايات والمصادرات، ومُنع بيع الأَنفس الأَحرار والمجاهرة بالمحارم في الجملة. وفى السادس عشر من جمادى الأولى قرى تقليد الأَمير شيخ بتفويض الخليفة له أَمورَ المملكة وجميع ما قد اشتهر من خلافته. وفى ثالث (١) عشريه جلس في الحرّاقة وبين يديه القضاة والأُمراءُ والمباشرون، وقرأَ كاتب السرّ عليه القصص كما جرت العادة عند السلاطين في دار العدْل، ولم يبْق له من السلطنة سوي اسمها والسكة والخطبة، واستمرّ يعمل هذه الخدمة كل اثنين وخميس. وفي رابع عشريه قُرّر صدر الدين بن الأَدمى في قضاء الحنفية بالقاهرة وصُرف ابن العديم، فسعى ابن العديم بالمال حتى أُعيد إلى الشيخونية في رجب وصُرف أَمين الدين بن الطرابلسي، وأرسل جقمق إلى بلاد الشام بتقاليد النواب من جهة الخليفة. وفى الثامن من جمادى الآخرة مات بكثمر جلق وكان قد لسعَتْه عقرب من مدة شهرين فتمرّض منها إلى أَن مات، ونزل شيخ للصلاة عليه راكبًا والناس مشاة، فخلا الجو الشيخٍ بموت بكتمر. وفيه جُهّزَت سارة بنت الملك الظاهر إلى زوجها نوروز بدمشق فخرج لملاقاتهَا إلى الرملة، فوصلَتْ وهي ضعيفة فتوجّه بها إلى القدس فماتَتْ هناك. ولما دخل القدس اتَّصل به شمس الدين محمد بن عطاء الله الهروى فقرّره في تدريس الصلاحية عوضًا عن الشيخ زين الدين القمنى، وكانت الوظيفة بيَدِ القمنى ويستنيب فيها شهاب الدين بن الهائم، فمات ابن الهائم فخلت من مدرّس فوثب عليها الهروى. وفى جمادى الآخرة قرأَ البارزى مُوَقعُ شيخ بين يديه القصص في غير أَيام الخدمة، وكثُر الناس على بابه وقلّ تردَادهم إلى فتح الله، فبدأَ جانبه في الانحطاط.

стр. 1078

وفي يوم السبت تاسع عشرى رجب عُقد مجلس بين يدى شيخ بسبب (١) مدرسة جمال الدين، وادّعى أَخوه شمس الدين على فتح الله كاتب السرّ أَنه واضعٌ يده عليها ظلمًا، فأَجاب بأَنها صارت للنَّاصر بوجْه شرعى وأَنَّه فوّض له النظر عليها، فبدر ابن الأَدمى فقال: "حكمْتُ بإعادتها إلى وقف جمال الدين وكذلك أَوقافها على ما كان جمال الدين وقَفها، وانفصل الأَمر على ذلك. * * * وفى رجب شكي أَخو جمال الدين الأُستادار وعاداته ما أَصابهم من الناصر وانتزاع أَوقافهم، فحكم صدر الدين بن الأَدمى بإبطال ما صنعه الناصر وبإعادة وقف جمال الدين على حاله، وصرف الفائض من الريع إلى ورثة جمال الدين. وكان فتح الله سعى في ضدّ فلم يجب سؤاله واتَّضع جانبه جدًّا، وسعى أَخو جمال الدين حينئذ فاستعاد البيبرسيّة بحكم أَنها كانت بيده وخرجَتْ عنه لعلاء الدين الحلبي ثم نزل عنها لكاتبه (٢)، فلم يزل أَخو جمال الدين يسعى إلى أَن اشترك معه في المشيخة، ثم انتزعها منه كلها في سنة ست عشرة ثم استعادها كاتب في سنة ثماني عشرة. * * * وفي مستهل شعبان - يوم الاثنين - بويع (٣) للأَمير شيخ بالسلطنة باتفاقٍ من أَهْل الحلّ والعقد - الذين حضروا - من الأُمراء والقضاة والمباشرين، ثم صعد إلى المقصر فجلس على تخت الملك وقَبَّل الأُمراء الأَرض وصافحه القضاة وأَصحاب الوظائف وقرّرهم على وظائفهم، وأَرسل إلى الخليفة ليشهد عليه بتفويض السلطنة الله على عادة من تقدّمه، فأَجاب بشرط أَن ينزل من القلعة إلى بيته، فلم يوافقه السلطان على النزول بل استنْظره أَياما. وتلقَّب السلطان "بالملك المؤيد" بعد أَن شاوره في ذلك فاختار هو هذا اللقب، وكنتُ حاضرًا في وظيفة إفتاء دار العدل، فاتفق أَنهم اختلفوا في تكنيسته فقلت: "الذي يوافق التأْييد هو النصر"، فاتُّفِق على تكنيته "أَبا النصر"، وانفصل المجلس على ذلك.

стр. 1079

واتفق في يوم سلطنته قدوم جقمق الدويدار راجعًا إلى دمشق لتقليد النواب، فتلقّاه نوروز وخلع عليه ظانًا أَن الأَمر على ما كان عليه، فلما كان في ثامن عشر رجع إلى دمشق فقبض عليه نوروز وسجنه. وفى السادس عشر من شعبان توجّه طرباى بخلعة استقرارٍ لنوروز نيابة الشام، فلمّا بلغه ذلك أَعاد جوابًا قبيحًا وأَفحش في الردّ وكاتَبَه كما كان يكاتبه من قبل، فرجع الرسول مسرعًا فوصل في أَول يوم من رمضان، فجهَّز المؤيدُ الشيخّ شرف الدين التَّباني - في ثامن عشر - رسولًا إلى نوروز يعظه ويشير عليه بالدخول في الطاعة، فقدم عليه في سابع شوال فلم يلْقه بإكرامٍ ومنعه من الاجتماع بالناس، وقبض على نجم الدين بن حجّى - وكان خرج مع الحجّاج فوُشِى به إلى نوروز أَنه يريد التوجّه من مكة إلى مصر - فحبسه بالقلعة ثم أفرج عنه بعد خمسة عشر يومًا. وأَرسل نوروز إلى الأُمراء مِن البلاد أَن يوافوه بدمشق لحرْب المؤيد، فوصل إليه تغرى بردى بن أَخي دمرداش وطوخ وقمش ويشبك بن أَزدمر، فاستقرّ الرأْى على أَن يرجعوا إلى بلادهم ويتجهَّزوا ويعودوا إلى دمشق. ثم وصل الخبر بمجئ إينال الرجبي وجانبك الصوفى في عسكرٍ من جهة المؤيد إلى غزَّة فملكوها، وهرب كاشف الرملة إلى نوروز، فجهَّز نوروز جيشًا إلى غزَّة، فتوجّه معه كاشف الرملة فكبسوا إينال الرجبي بالقدس فكسروه وأُرسل إلى دمشق - وكان زوج أُخت (١) نوروز - فخامر عليه، فلما حضر إلى نوروز بصق في وجهه ثم أَطلقه، وتوجّه عسكر نوروز فأَخذوا غزَّة فهرب جانبك إلى صفد. * * *

стр. 1080

وفى الثامن من شعبان عمل المؤيد الخدمة بدار العدل بالديوان وكانت قد انقطعت مدة طويلة، وقرّر الأُمراءَ: فيلبغا النَّاصرى أَتابكَ العساكر، وطوغان دويدارًا كبيرًا، وشاهين الأَفرم أَميرَ سلاح، وقنباى المحمدى أَميرَ آخور، وسودون الأَشقر رأْسَ نوبة. وخلع على القضاة والمباشرين، واستقرّ شمس الدين بن التَّبّالي في قضاء العسكر عوضًا عن جمال الدين بن القطّان، وكان استقرّ في الوظيفة بعناية الخليفة فعُزِل. وفى هذا اليوم صَرَف نوروز شهابَ الدين الأَموى عن قضاء المالكية وأَعاد عيسى فرحل الأمويّ إلى القاهرة. وفى شعبان تجهَّز طوغان ومعه عسكر إلى البحيرة لدفع عرب لبيد عنها - وكانوا قد أَفسدوا - فقتل منهم جماعة، فرحلوا إلى الإسكندرية فحاصروها فتجهَّز إليهم قرقماس ابن أَخي دمرداش. * * * وفى الثاني من رمضان جُمع اليهود والنصارى وحضر جماعةٌ من أَهل العلم، منهم: ابن النَّقَّاش وشمس الدين التبّانى وشهاب الدين بن شقرى مع المحتسب ابن العجلي، وكتب أَسماءَ أَهل الذمة وقُرّرت عليهم الجزية على قدر أَحوالهم: على الغنيّ أَربعة دنانير، والوسطِ ديناران، والفقير دينار واحد. فبلغت الجزية في هذه السنة عشرة آلاف دينار، وكانت في العام الماضي أَلفًا وخمسمائة دينار فقط. وفى شوال أَرسل المؤيد آقبغا الأَسندمرى إلى دمرداش بتقريره نائبًا بحلب. وفى تاسعه قُبض على سودون المحمّدى بالقاهرة وأُرسل إلى الإسكندرية لأَنه كان يميل إلى نوروز، وقُبض على كاتب السرّ فتح الله وعُوّق بالقلعة وأُحيط (١) بداره وقُبض على حواشيه، ثم صُرِف في ليلة الجمعة وأُلزم بمائة أَلف دينار، وحُمل في ليلة الأَحد إلى بيت الأُستادار وشَرع في بيع حواصله.

стр. 1081

وقُرّر (١) ناصر الدين البارزى في كتابة السرّ عوضا عن فتح الله، وكان صدر الدين بن الأَدمى قد عُيّن لذلك من قبل، فاتفق له رمد أَشفى منه على العمى، فاستقرّ البارزي وسُجن فتح الله بالقلعة في أَواخر شوال، ثم عوقب في سادس ذي الحجّة على ظهره عقوبةً بالغةً وعُصِر حتى كاد أَن يموت وأُهين إهانة بالغةٍ، ثم حُوِّل في ثامن ذى الحجة إلى ناظر الخاص فأَنزله في داره (٢) مُضَيْقًا عليه. وكان المؤيد قد نقل الخليفة المستعين من القصر فأَنزله في دارٍ من دور القلعة ومعه أَهله، ووَكلَ به مَن يمنع الاجتماع به فبلغ ذلك نوروز فجمَع (٣) القضاةَ والعلماء في سابع ذي القعدة واستفتاهم عمّا صنعه المؤيّد بالخليفة من خَلْعه وسِجْنه، فأَفتوه بعدم جواز ذلك، وافترقوا على غير شيء. * * * وفى هذا الشهر انتهت عمارة قلعة دمشق إلى أَن صارت أحسن مما كانتْ وأَعمر، وتوَسَّع نوروز في النفقات والعطايا حتى إنه أَعطى تغرى بردى بن أَخي دمرداش ثمانية آلاف دينار، ويشبكَ بن أَزدمر خمسة آلاف دينار؛ وقسْ على هذا. وكثرت مصادرته للناس فأَخذ من خليل الأُستادار وحده مائتي أَلف دينار، ويقال إنه وجد مع ناسٍ من أَهل البقاع ذهبًا فأَنكر عليهم فاعترفوا أَنهم نبشوا لدفْن ميت فوجدوا ناووسًا ففتحوه فوجدوا فيه ذهبًا كثيرًا فاقتسموه، فتَتَبِّع نوروز من أَخذه واستعاد منه ما قدر عليه، فحصل له نحو ثلاث غرائر ملآى ذهبا فيما قيل. * * * وفى تاسع شوال سُجن سودون المحمدى بالإسكندرية. وفى ذى القعدة قُطع الدعاء للخليفة بمكة ودُعِى للمؤيد وحده، وكان من أَول دولة المستعين يُدْعى لهما.

стр. 1082

وفيه مات طوغان نائبُ قلعة الروم فغلب عليها دمرداش، ثم وصل إليه تقليد نيابة حلب فسار إليها واستقرّ في تاسع ذى الحجة وخَطب باسم المؤيّد بها؛ وكان أَهل حلب قد ركبوا على يشبك بن أَزدمر وأَخرجوه منها بسبب كثرة ظلمه لهم وأَخْذِ أَموالهم بغير تأْويل، فلما خرج إلى البرِّ يتنزَّه أغلقوا في وجهه أَبواب البلد فوقعت بينهم حروب فكسروه فرجع إلى دمشق مستنصرًا بنوروز. وأَرسل أَهل حلب إلى دمرداش - وكان مقيما بقلعة الروم من حين هرب من دمشق والناصرُ في الحصار - فأَمّروه عليهم، وثار أَهل طرابلس بأّصحاب طوخ - وكان مقيما بحماة - فقتلوا أُستاداره وولده، وأَخرجوا الحاجب بعد ما خرج. وأَرسل نوروز من استولى على غزَّة، وهربَ نائبها فلجأَ إلى العرب فأَقام عندهم. وفى الثالث من ذى الحجة قَرَّر المؤيد قرقماس (١) ابن أَخي دمرداش في نيابة الشام وأَمره بقتال نوروز فوصل إلى الرملة ثم رجع بغير قتال. وكان نوروز قد راسل المؤيّد فسأَله أَن يستمر على نيابة الشام وأَن يستبد بها فلم يجب سؤاله وعرف أَنها مكيدة. وفي الثالث من ذى الحجة استقر (٢) شرف الدين بن التبانى - بعد أَن وصل من الرسلية لنوروز - في تدريس الشيخونية ومشيختها عوضا عن ابن العديم، وكان ابن العديم حجَّ واستخلفَ في التدريس الشيخَ سراج الدين قارئ الهداية، وفى المشيخة شهابَ الدين بن شقري. وفى أَواخر ذى الحجة صُرف ابن العجميّ من الحسبة وأُلزِم بمال يحمله، واستقر محمد بن شعبان على بذل خمسمائة دينار دفعةً واحدة معجّلة: في كل شهر مائة دينار. * * * وكان سعر الغلال في هذه السنة رخيصا بمصر جدًّا، غاليا بمكة جدا، حتى بلغ الشعير

стр. 1083

كلّ ويبة دينارين، ونوى التمر - واسمه العضا - دينارًا، وكل ثلاثة أَرطالِ بقسماط بدينار. * * * وفيها غلا سعر الفلفل جدا، ووصل الفرنج على العادة فأَبى تجار المسلمين أَن يبيعوه لهم إلَّا بسعر مائتين وأَربعين، فوصّلوهم إلى مائتين وعشرين فامتنعوا ورجعوا فلم يشتروا شيئًا، وذلك في سنة خمس عشرة، ودخلت سنة ستّ عشرة والأَمر على ذلك؛ وكان المسلطان المؤيد جهَّز مع شيخ على الكيلاني - أَحد التجار - بخمسة آلاف دينار ليشترى له بها من الفلفل يقصد التجارة، فاتفق أَن صاحب اليمن أَرسل إلى مكة جملةً مستكثرة من الفلفل وأَمر قاصده أَن يعتمد على ما يشير به شيخُ علي، فقطع سعره بخمسة وعشرين: كل مائة منّ، فأخذ منه بالخمسة آلاف - التي هي للسلطان - بهذا السّعر فأَتى على أكثره، وباع القاصد بقيّة ما معه على التجار بسعر خمسة وثلاثين. ولما وصل الذي اشتُرِىَ للسلطان بيع بإثنى عشر أَلف دينار فعظُمَ قدْر شيخ عليّ عنده جدا. وفي آخرها غلا الكتَّان جدا، وغلا بسبب ذلك القماش المعمول من الكتَّان، وتبعه جمْع الأَقمشة القطنية. * * * وفيها اشتد البلاءُ على أَهل فاس (١) باستمرار حصار السّعيد إياها إلى أَن قُدِّرَت هزيمته أَيضا في شعبان، ثم عاد في شوال فخرجوا إليه فقاتلوه فكبّا به فرسه فأُخِذ وقُتل. وفى أثناء ذلك وقع الفساد في تلك البلاد واستولى المفسدون وقُطِعت الطرقات، ومات بفاس من الناس مَن لا يُحصى عدده جوعًا، ثم أَعقبه الوباء حتى كان يرى الدُّوَّار ليس فيه أَحد حيّ. * * * ومن النوادر أَن قلعة دمشق لما كملت عمارتها على يد نوروز حضر عنده شخص أَعجمي

стр. 1084

فقطع له آلةً بطريق الهندسة بحيث تُطْلِع الماء من النهر في دلويْن - يديرهما شخصان - من نحاس فيجرى الماء إلى الطارمة بالقلعة من غير علاج بهيمة ولا حامل يُصْعد الدّلو فيصب في الإناء الذي أُعدّ له وينزل الآخر كذلك. * * * وأَظهر نوروز في إمرته هذه بدمشق من العدل ما لا يوصف حتى توفّرت الدواعي من الواردين على حكاية ذلك، حتى إن المؤيد كان أَرسل إلى القدس أَميرين وهما جانبك الصوفى وإينال الرجبي في عسكر فخرج نائب القدس وظفر بإينال وفرّ جانى بك إلى صفد، وأَرسل نائب القدس إينال إلى نوروز، فلما وصل إليه أَكرمه وخلع عليه وأَعطاه واستقرّ عنده (١). * * * وفيها مات شاهين الحسنى، وكان تقدّم في دولة الناصر وحجَّ بالناس، وولى نظر البيبرسيّة وغيرها. وفيها مات على بن مبارك بن رميثة الحسنى، وكان عُيِّن لإمرة مكة - عند غَضَب النَّاصر على حسن بن عجلان سنة اثنتي (٢) عشرة - ولم يتم أمره. * * *

стр. 1085

ذكر من مات في سنة خمس عشرة وثمانمائة من الأعيان ١ - إبراهيم بن أَحمد بن حسين الموصلي المالكي، تفقه واحترف تأْديب الأَطفال بالقاهرة ثم حجَّ وجاور وسلك طريق الورع والنُّسْك، وصار يتكسّب بالنسخ ويحج، ماشيًا، وكان في غابة الورع والتحرّى. مات في عشر السبعين (١). ٢ - أَحمد بن أَحمد بن أَحمد بن النَّشار، شهاب الدين الدمشقى أَحدُ موقعي الحكم، كان من أَعيان الدماشقة حسنَ الخطِّ والخطابة. مات في شهر رمضان وهو ممَّن وافق اسمه اسم أَبيه وجدّه. ٣ - أَحمد (٢) بن إسماعيل بن خليفة الحسباني ثم الدمشقى، الشيخ شهاب الدين بن الشيخ عماد الدين، وُلد سنة ٧٤٩، واشتغل في حياة أَبيه وبعده وأخذَ عنه وعن غيره، وسمع الكثير وقرأَ بنفسه وطلب الحديث فأَكثر من الأَجزاء والمسانيد، ومهر في الفنّ وضبْط الأَسماء، واعْتنى بتحرير "التنبيه" وكتب بخطه أَشياء. وكان ذكيا سريع القراءة والكتابة، شارك في الفقه والعربية والأَصول، وولى تدريس الحديث بالأَشرفية (٣) وغيرها وناب في الحكم، ثم اشتغل (٤) في دولة المؤيد بغير إذن النّاصر. وكان يتورّع ويستند في تنفيذ الأَحكام إلى إذن بعض رفقته، ثم امتُحن في أَيّام الناصر كما تقدّم، ثم ولى القضاءَ أيامًا قلائل في دولة المستعين، وكان ممَّنْ أعان على موجب قتْل الناصر وكان قد فتر عن الاشتغال وانشغل (٥) بحب الرئاسة، ونَشأَ ابنه تاج الدين فازداد الأَمر فسادًا، وكان لمّا قُبض عليه في سنة اثنتي عشرة أُشيع موته

стр. 1086

وأَنه خلق فأَرّخه الشيخ شهاب الدين بن حجّى - رفيقه - في تلك السنة وقال في ترجمته: "المشاغل في الفقه عند أَبيه، وفى الفرائض وفى العربية عند [أَبي العبّاس] العنابي فبرع فيها، وسمع الكثير بدمشق ومصر، وقرأَ بنفسه قراءة صحيحة، وكان صحيح الذهن، جيّدَ الفهم، حسنَ التدريس إلَّا أَنه كان شرها في طلب الوظائف كثيرَ المخالطة للدولة، شديد الجرأَة والإقبال على التحصيل". انتهى. * * * ثم ضَرب (١) على ترجمته وأَرّخه على الصحة في هذه السنة، وقال: "غزل غير مرة وامتُحن مرارًا وفى كل مرة يبلغ الهلاكَ ثم ينجو، وقد تغيّر بآخره لمما جرى عليه من المحن، وكان يحبّ ولده فيرميه (٢) في المهالك ومقَتَه الناس بسببه ولا يبالي بهم". قلتُ: وأخبرني الشيخ نور (٣) الدين الأَنبارى أَنه عذله - لمّا دخل القاهرة - في ولده فقال: "يا أَخى الناس يحصلونه لأَنه أعرف منهم بالتحصيل"، قال: "فعرفتُ أَنه لا يفيد فيه العقاب". وقال القاضي تقي الدين الشهبي: "جرت له مع ابن جماعة فتنة وأوذي أذىً كبيرًا ثم نجا". قلتُ: وكان شيخنا البلقيني يحبّه ويعظّمه ويشهد له أَنه أحفظ أَهل دمشق للحديث، وقد اجتمعت (٤) به في دمشق فأَكرمني وأَعارنى كتبه وأجزاءه التي كان يضنّ بها على غيرى، ثم قدم القاهرة بعد الكائنة فأَعطيْتُه جملةً من الأجزاء، وشهد لي بالحفظ في عنوان "تعليل التعليق"، وسمعت منه بدمشق قليلًا، وكان قد شرع في تفسيرٍ كبير أكمَلَ منه كثيرًا - وعليه فيه مآخد - ثم قدم في الكائنة، رحمه الله تعالى. وكان عنده كرمٌ مفرطٌ قد يُفضي إلى الإسراف وفيه شجاعةٌ وإقدام (٥). مات في شهر ربيع الآخر.

стр. 1087

٤ - أَحمد بن أَبي بكر بن علي بن محمد بين أَبي بكر بن عبد الله بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن يعقوب الناشري الزَّبيدي - بفتح الزاي - شهاب الدين بن رضي الدين بن موفق الدين الفقيه الشافعي، عني (١) بالعلم وبرع في الفقه وشارك في غيره وتخرّج به أَهل بلده، مدّةً طويلة، وولى (٢) قضاءَ زبيد فراعي الحق في أَحكامه فتعصّبوا عليه فعُزل، وانتهت إليه رئاسة الفتوي ببلده. وكان (٣) شديد الحط على صوفية زَبيد المنتمين إلى كلام ابن العربي، وكان يستكثر مِن كلام مَن يردّ عليه فجمع من ذلك شيئًا كثيرًا في فساد مذهبه ووهاء عقيدته. اجتمعتُ به بزييد ونعم الشيخ كان. مات في خامس عشري المحرم وقد جاوز السبعين. ٥ - أَحمد (٤) بن محمد بن حماد بن علي المصرى لهم المقدسي، شهاب الدين بن الهائم الشافعي، وُلد سنة ثلاثٍ وخمسين واشتغل بالقاهرة وحصّل طرقها صالحًا من الفقه، وعني بالفرائض والحساب حتى فاق الأَقران في ذلك ورحل إليه الناس من الأغاني، وصنَّف التصانيف المنافعة في ذلك، ودرّس بالمقدس في أَماكن، وناب عن القمني في تدريس الصلاحية، فلما قدم نوروز القدس في هذه السنة لملاقاة زوجته بنت الظاهر قرّر (٥) الهروي كما تقدّم ثم قسّمها بينه وبين ابن الهائم لقيام أَهل البلد معه (٦)، ثم جهز القمني توقيعًا من الخليفة لابل الهائم بنَزْع الهروي فلم يَمْضِ نوروز ذلك واستمرت (٧) بيده بعد موت ابن الهائم إلى أَن ولي القضاء بالقاهرة واستمرَّت أَيضا إلى أَن رجع إليها بعد عزله مرتين؛ ومات ابن العالم في جمادى الآخرة. اجتمعْتُ به ببيت المقدس وسمعتُ من فوائده.

стр. 1088

٦ - أَلطنبغا بن عبد الله التركي الدمشقى مولى ابن القوّاس، سمع من الحجار بعض "صحيح البخاري" ولم يظهر سوى قبل موته بقليل، وقد استجازه بعض أَصحابنا ولم نعلم أَنَّه حدّث، وهو آخر من سمع من الحجار من الرجال. ٧ - أَي ملك بنت إبراهيم بن خليل بن محمود البعلِيّة (١) ثم الدمشقية، أُختُ الشيخ جمال الدين [عبد الله] بن الشرائحي، سمعَتْ بعناية أَخيها من ابن أَميلة ومن بعده وحدّثت معه (٢)، سمعْتُ منها وسمِعَتْ بقراءَتي في ربيع الآخر. ٨ - أَبو بكر بن علي بن يوسف الهاشمي الحسنى (٣) الموصلى نزيل القاهرة، اشتغل كثيرًا وكان يميل إلى المذهب الظاهرى وامتُحن بسبب ذلك مرة، وكان يحفظ شيئًا من "البخاري" بأسانيده وكثيرًا من كلام ابن تيمية، وكان مقتِّرا (٤) قانعًا ملازمًا للصلاة والعبادة حسن السمت يتكلم على الناس بالجامع الحاكمي. مات في حادى عشرى جمادى الأُولى. ٩ - تغرى بردى الكمشبغاوي (٥) الرومى، كان جميل الصورة ورقاه الظاهر حتى صيّره أَمير (٦) مائة في نصف رمضان سنة أَربعٍ وتسعين، وولى نيابة حلب في ذى الحجة سنة ستٍّ وتسعين فسار فيها سيرةً حسنة وأَنشأَ بها جامعًا كان ابن طولون ابتدأَ في

стр. 1089

تأْسيسه ووقف عليه قرية من عمل سرمين (١) ونصف السوق الذي كان له بحلب، وقرَّر في الجامع مدرسيْن: شافعى وحنفى، فقرر أَولا شمس الدين القرمى ثم صرفه وقرّر جمال الدين الملطى الذي ولى القضاء بالديار المصرية بعد ذلك، وقرر نور الدين الصَّرْخدى في تدريس الشافعية. ثم صُرف تغرى بردى بأَرغون شاه وطُلب إلى مصر فأُعطى تقدمة. وكان مِمّن توجّه إلى الشام مع أَيتمش فبقى بالقدس، ثم ولى نيابة دمشق ثم صُرف ففرّ إلى دمرداش بحلب، ثم فارقه وتوجَّه في البحر إلى مصر فقرّبه الناصر وأَعطاه تقدمة، ثم استقر سنة ثلاث عشرة أَتابك العساكر، ثم قرره (٢) في نيابة دمشق في آخر السنة فمرض في آخر سنة أَربع عشرة فمات في الأُسبوع الذي دخل فيه الناصر منهزمًا، وذلك في المحرّم سنة خمس عشرة. قال القاضي علاء الدين في تاريخه: "كان عنده عقلٌ وحياءٌ وسكون"، ثم قال أَيضا: "كان كثير الحياء والسكون، حليما عاقلًا مشارًا إليه بالتعظيم في الدولة". قلتُ: وكان جميلًا حسن الصورة، وكان يلهو لكن في سترة وحشمة وأَفضال، والله يسمح له. ١٠ - جار الله بن صالح (٣) بن أَحمد بن عبد الكريم الشيباني المكي، سمع على تاج الدين بن بنت أبى سعد ونور الدين الهمداني وعزّ الدين بن جماعة وشهاب الدين الهكَّارى (٤) وحدّث عنهم، قرأتُ عليه أَحاديث من "جامع الترمذي" بمدينة ينبع، وكان خيرًا عاقلًا. مات (٥) في هذه السنة، وهو الذي قال فيه صدر الدين بن الأَدمى البيتين المشهورين وسنذكرهما في ترجمته.

стр. 1090

١١ - خليل (١) بن الوزير جمال الدين بن بشارة الدمشقى، كان شابا فطنًا ذكيا محبًّا للتاريخ، جمع تاريخا وكان يؤرّخ الحوادث ويضبطها ويذاكر بأَشياء حسنة إلَّا أَنه مقبل على اللهو. مات قبل الكهولة. ١٢ - رقية بنت العفيف [يحي] (٢) بن عبد السلام بن محمد بن مزروع المدنيّة، حدّثت بالإجازة عن شيوخ مصر والشام كالختنى (٣) وابن المصرى وابن سيّد الناس من المصرييّن، والبندنيجي والمزى من الشاميين. ماتَتْ عن سبع وثمانين سنة. ١٣ - سعد بن عبد الله الحبشي عتيق الطواشي بشير الجمدار، اعتنى به سيده وعلَّمه القرآن ورتَّبه في وظائف، واستمرّ بعد سيّده على طريقة حسنة وتزيّا بزيّ الفقهاء، وكان محبًّا في السُّنة وأهلها، جميل العشرة كثير الحج يقال إنه حجَّ ستين حجة؛ ومن أَعجب ما كان يحكيه أَنه شاهد بعض الغلمان باع ما حصل له من مائدة السلطان بأَربعة دراهم وكان فيها ربع قنطار لحم وستة أَرطال حلوى خارجًا عمّا عدا ذلك. ١٤ - سليم بن عبد الله الضرير الصالحي، اشتغل بالفقه ومهر فيه. مات بدمشق. ١٥ - طيبغا (٤) الشريفي، عتيق الشريف شهاب الدين نقيب الأَشراف بحلب، سمع مع أَولاده من الجمال بن الشهاب محمود وتعلَّم الخط معهم من الشيخ حسن، ففاق في الخط الحسن وكتب الناس عليه واستقرّ في وظيفة تعليم الخط بالجامع الكبير، وتسمّى "عبد الله"، ثم أَجلسه الكمال بن العديم مع العدول ففرّ في الكائنة العظمى إلى دمشق (٥) فأَقام بها مدة وحدّث بها وعلَّم الخط ثمّ تحوّل إلى القاهرة فقطنها إلى أَن مات، ذكره
следующие страницы →