وأَنه خلق فأَرّخه الشيخ شهاب الدين بن حجّى - رفيقه - في تلك السنة وقال في ترجمته: "المشاغل في الفقه عند أَبيه، وفى الفرائض وفى العربية عند [أَبي العبّاس] العنابي فبرع فيها، وسمع الكثير بدمشق ومصر، وقرأَ بنفسه قراءة صحيحة، وكان صحيح الذهن، جيّدَ الفهم، حسنَ التدريس إلَّا أَنه كان شرها في طلب الوظائف كثيرَ المخالطة للدولة، شديد الجرأَة والإقبال على التحصيل". انتهى.
* * *
ثم ضَرب (١) على ترجمته وأَرّخه على الصحة في هذه السنة، وقال: "غزل غير مرة وامتُحن مرارًا وفى كل مرة يبلغ الهلاكَ ثم ينجو، وقد تغيّر بآخره لمما جرى عليه من المحن، وكان يحبّ ولده فيرميه (٢) في المهالك ومقَتَه الناس بسببه ولا يبالي بهم".
قلتُ: وأخبرني الشيخ نور (٣) الدين الأَنبارى أَنه عذله - لمّا دخل القاهرة - في ولده فقال: "يا أَخى الناس يحصلونه لأَنه أعرف منهم بالتحصيل"، قال: "فعرفتُ أَنه لا يفيد فيه العقاب".
وقال القاضي تقي الدين الشهبي: "جرت له مع ابن جماعة فتنة وأوذي أذىً كبيرًا ثم نجا".
قلتُ: وكان شيخنا البلقيني يحبّه ويعظّمه ويشهد له أَنه أحفظ أَهل دمشق للحديث، وقد اجتمعت (٤) به في دمشق فأَكرمني وأَعارنى كتبه وأجزاءه التي كان يضنّ بها على غيرى، ثم قدم القاهرة بعد الكائنة فأَعطيْتُه جملةً من الأجزاء، وشهد لي بالحفظ في عنوان "تعليل التعليق"، وسمعت منه بدمشق قليلًا، وكان قد شرع في تفسيرٍ كبير أكمَلَ منه كثيرًا - وعليه فيه مآخد - ثم قدم في الكائنة، رحمه الله تعالى. وكان عنده كرمٌ مفرطٌ قد يُفضي إلى الإسراف وفيه شجاعةٌ وإقدام (٥). مات في شهر ربيع الآخر.
стр. 1087
٤ - أَحمد بن أَبي بكر بن علي بن محمد بين أَبي بكر بن عبد الله بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن يعقوب الناشري الزَّبيدي - بفتح الزاي - شهاب الدين بن رضي الدين بن موفق الدين الفقيه الشافعي، عني (١) بالعلم وبرع في الفقه وشارك في غيره وتخرّج به أَهل بلده، مدّةً طويلة، وولى (٢) قضاءَ زبيد فراعي الحق في أَحكامه فتعصّبوا عليه فعُزل، وانتهت إليه رئاسة الفتوي ببلده.
وكان (٣) شديد الحط على صوفية زَبيد المنتمين إلى كلام ابن العربي، وكان يستكثر مِن كلام مَن يردّ عليه فجمع من ذلك شيئًا كثيرًا في فساد مذهبه ووهاء عقيدته. اجتمعتُ به بزييد ونعم الشيخ كان. مات في خامس عشري المحرم وقد جاوز السبعين.
٥ - أَحمد (٤) بن محمد بن حماد بن علي المصرى لهم المقدسي، شهاب الدين بن الهائم الشافعي، وُلد سنة ثلاثٍ وخمسين واشتغل بالقاهرة وحصّل طرقها صالحًا من الفقه، وعني بالفرائض والحساب حتى فاق الأَقران في ذلك ورحل إليه الناس من الأغاني، وصنَّف التصانيف المنافعة في ذلك، ودرّس بالمقدس في أَماكن، وناب عن القمني في تدريس الصلاحية، فلما قدم نوروز القدس في هذه السنة لملاقاة زوجته بنت الظاهر قرّر (٥) الهروي كما تقدّم ثم قسّمها بينه وبين ابن الهائم لقيام أَهل البلد معه (٦)، ثم جهز القمني توقيعًا من الخليفة لابل الهائم بنَزْع الهروي فلم يَمْضِ نوروز ذلك واستمرت (٧) بيده بعد موت ابن الهائم إلى أَن ولي القضاء بالقاهرة واستمرَّت أَيضا إلى أَن رجع إليها بعد عزله مرتين؛ ومات ابن العالم في جمادى الآخرة.
اجتمعْتُ به ببيت المقدس وسمعتُ من فوائده.
стр. 1088
٦ - أَلطنبغا بن عبد الله التركي الدمشقى مولى ابن القوّاس، سمع من الحجار بعض "صحيح البخاري" ولم يظهر سوى قبل موته بقليل، وقد استجازه بعض أَصحابنا ولم نعلم أَنَّه حدّث، وهو آخر من سمع من الحجار من الرجال.
٧ - أَي ملك بنت إبراهيم بن خليل بن محمود البعلِيّة (١) ثم الدمشقية، أُختُ الشيخ جمال الدين [عبد الله] بن الشرائحي، سمعَتْ بعناية أَخيها من ابن أَميلة ومن بعده وحدّثت معه (٢)، سمعْتُ منها وسمِعَتْ بقراءَتي في ربيع الآخر.
٨ - أَبو بكر بن علي بن يوسف الهاشمي الحسنى (٣) الموصلى نزيل القاهرة، اشتغل كثيرًا وكان يميل إلى المذهب الظاهرى وامتُحن بسبب ذلك مرة، وكان يحفظ شيئًا من "البخاري" بأسانيده وكثيرًا من كلام ابن تيمية، وكان مقتِّرا (٤) قانعًا ملازمًا للصلاة والعبادة حسن السمت يتكلم على الناس بالجامع الحاكمي. مات في حادى عشرى جمادى الأُولى.
٩ - تغرى بردى الكمشبغاوي (٥) الرومى، كان جميل الصورة ورقاه الظاهر حتى صيّره أَمير (٦) مائة في نصف رمضان سنة أَربعٍ وتسعين، وولى نيابة حلب في ذى الحجة سنة ستٍّ وتسعين فسار فيها سيرةً حسنة وأَنشأَ بها جامعًا كان ابن طولون ابتدأَ في
стр. 1089
تأْسيسه ووقف عليه قرية من عمل سرمين (١) ونصف السوق الذي كان له بحلب، وقرَّر في الجامع مدرسيْن: شافعى وحنفى، فقرر أَولا شمس الدين القرمى ثم صرفه وقرّر جمال الدين الملطى الذي ولى القضاء بالديار المصرية بعد ذلك، وقرر نور الدين الصَّرْخدى في تدريس الشافعية.
ثم صُرف تغرى بردى بأَرغون شاه وطُلب إلى مصر فأُعطى تقدمة.
وكان مِمّن توجّه إلى الشام مع أَيتمش فبقى بالقدس، ثم ولى نيابة دمشق ثم صُرف ففرّ إلى دمرداش بحلب، ثم فارقه وتوجَّه في البحر إلى مصر فقرّبه الناصر وأَعطاه تقدمة، ثم استقر سنة ثلاث عشرة أَتابك العساكر، ثم قرره (٢) في نيابة دمشق في آخر السنة فمرض في آخر سنة أَربع عشرة فمات في الأُسبوع الذي دخل فيه الناصر منهزمًا، وذلك في المحرّم سنة خمس عشرة.
قال القاضي علاء الدين في تاريخه: "كان عنده عقلٌ وحياءٌ وسكون"، ثم قال أَيضا: "كان كثير الحياء والسكون، حليما عاقلًا مشارًا إليه بالتعظيم في الدولة". قلتُ: وكان جميلًا حسن الصورة، وكان يلهو لكن في سترة وحشمة وأَفضال، والله يسمح له.
١٠ - جار الله بن صالح (٣) بن أَحمد بن عبد الكريم الشيباني المكي، سمع على تاج الدين بن بنت أبى سعد ونور الدين الهمداني وعزّ الدين بن جماعة وشهاب الدين الهكَّارى (٤) وحدّث عنهم، قرأتُ عليه أَحاديث من "جامع الترمذي" بمدينة ينبع، وكان خيرًا عاقلًا.
مات (٥) في هذه السنة، وهو الذي قال فيه صدر الدين بن الأَدمى البيتين المشهورين وسنذكرهما في ترجمته.
стр. 1090
١١ - خليل (١) بن الوزير جمال الدين بن بشارة الدمشقى، كان شابا فطنًا ذكيا محبًّا للتاريخ، جمع تاريخا وكان يؤرّخ الحوادث ويضبطها ويذاكر بأَشياء حسنة إلَّا أَنه مقبل على اللهو. مات قبل الكهولة.
١٢ - رقية بنت العفيف [يحي] (٢) بن عبد السلام بن محمد بن مزروع المدنيّة، حدّثت بالإجازة عن شيوخ مصر والشام كالختنى (٣) وابن المصرى وابن سيّد الناس من المصرييّن، والبندنيجي والمزى من الشاميين. ماتَتْ عن سبع وثمانين سنة.
١٣ - سعد بن عبد الله الحبشي عتيق الطواشي بشير الجمدار، اعتنى به سيده وعلَّمه القرآن ورتَّبه في وظائف، واستمرّ بعد سيّده على طريقة حسنة وتزيّا بزيّ الفقهاء، وكان محبًّا في السُّنة وأهلها، جميل العشرة كثير الحج يقال إنه حجَّ ستين حجة؛ ومن أَعجب ما كان يحكيه أَنه شاهد بعض الغلمان باع ما حصل له من مائدة السلطان بأَربعة دراهم وكان فيها ربع قنطار لحم وستة أَرطال حلوى خارجًا عمّا عدا ذلك.
١٤ - سليم بن عبد الله الضرير الصالحي، اشتغل بالفقه ومهر فيه. مات بدمشق.
١٥ - طيبغا (٤) الشريفي، عتيق الشريف شهاب الدين نقيب الأَشراف بحلب، سمع مع أَولاده من الجمال بن الشهاب محمود وتعلَّم الخط معهم من الشيخ حسن، ففاق في الخط الحسن وكتب الناس عليه واستقرّ في وظيفة تعليم الخط بالجامع الكبير، وتسمّى "عبد الله"، ثم أَجلسه الكمال بن العديم مع العدول ففرّ في الكائنة العظمى إلى دمشق (٥) فأَقام بها مدة وحدّث بها وعلَّم الخط ثمّ تحوّل إلى القاهرة فقطنها إلى أَن مات، ذكره
стр. 1091
القاضي علاءُ الدين في تاريخه وقال: "كتبتُ عنه بحلب وقرأْتُ عليه الحديث بالقاهرة في سنة ثمانٍ وثمانمائة، ومات في أَواخر هذه (١) السنة.
١٦ - عائشة بنت على بن محمد بن عبد الغنى بن منصور الدمشقية، سمعت مع زوجها الحافظ شمس الدين الحسينى من ابن الخباز والمرداوي ومَن بعدهما وحدّثتْ. مانت في رمضان عن بضع وسبعين سنة.
١٧ - عبد الله بن محمد بن طَيْمان - بفتح المهملة وسكون التحتانية - المصرى جمال الدين الطماني الشافعي نزيل دمشق، وُلد قبيل السبعين بيسير، وحفظ "الحاوى الصغير" ولازم البلقيني وعز الدين بن جماعة، واشتغل بالقاهرة ونبغ في الفقه وشارك في الفنون، ثم نزل دمشق وأفتى ودرّس. ومات مقتولًا في حصار الناصر دمشق بغير قَصْد مِن قاتله.
وكان يلبس زيّ العجم: قريبا من زيّ الترك؛ وكان ذكيًا ماهرًا لا يتكلم إلَّا معرّبا، ويتعانى طريق الصوفية؛ مات في صفر ولم يُكمل الخمسين، ومات صهره ابن حسّان والد صاحبنا شمس الدين بن حسّان (٢) القدسى بعده بيسير، وكان من أَهل القدس فقدم دمشق فقطنها ولازم الطيماني، وكان الطيماني تردّد إلى دمشق بسبب وقف له فحضر - أَول مرة قدمها - عند الشيخ نجم الدين بن الجابي ثم قدمها مرارًا، وفى الأَخيرة حضر عند الشيخ شرف الدين الغزّى فاستحضر كلام الإسنوى في "المهمات" مرة بعد مرة، فقال له الغزّى: "أَنت درست المهمات. إنتى بت أُطالع هذه المواضيع وأَنت تحفظها أَكثر مني".
وقال ابن حجى: "قدم علينا فاضلًا فلازم التحصيل وشغل الطلبة (٣) وأفتى وصنف"، وقال القاضي تقى الدين الشهبي: "شرع في جمع أَشياءَ لم تكمل، واختصر شرح
стр. 1092
الغزى على المنهاج وضمّ إليه أَشياءَ من شرح الأَذرعى، وقد درّس بالركنية (١) والعذرواية والظاهرية والشامية".
١٨ - عبد الله بن محمد بن التقى بن الحنبلي، تقى الدين بن قاضي الشام عز الدين، درّس بعد أَبيه فلم ينجب، ثم ولى القضاءَ بعد الفتنة بطرابلس، مات في رمضان (٢).
١٩ - على بن محمد بن أَبي بكر العبدرى الشيبي الحجبي المكي، ولى حجابة البيت مرارًا، وكان حسن الخط حصل كتبا كثيرة بخطه.
٢٠ - عمر بن عبد الله الهندى، سراج الدين الفافا - بفاءين - كان كثير النطق بالفاء فلُقب بذلك، وكان عارفًا بالفقه والأُصول والعربية، أَقام بمكة أَزيد من أَربعين سنة فأَفاد الناس في هذه العلوم، ومات في ذى الحجة عن سبعين سنة.
٢١ - فرج (٣) بن برقوق بن أَنس، الناصر بن الظاهر، وُلد سنة إحدى وتسعين
стр. 1093
في وسط فتنة يلبغا الناصري ومنطاش فسماه أَبوه "بلغاق"، ثم سمّاه "فرجا"، وأُجلس على التخت في يوم الجمعة النصف الأَول من شوال سنة إحدى وثمانمائة وعمره عشر سنين وستة أشهر، وقد تقدمت أخباره في الحوادث.
٢٢ - قانباي قريب بيبرس ابن أُخت الظاهر، وكان من الأُمراء في دولة الناصر وكان مِمَّن عصى عليه فسجنه بالقلعة، فلما وصل الخبر إلى القاهرة بكسرة الناصر قتله أسنبغا نائب القلعة، ويقال إن الناصر كان قرر معه (١) ذلك.
٢٣ - محمد بن أَحمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن أَبي بكر الطبري، زينُ الدين أَبو الخير بن زين الدين أَبي الطاهر بن جمال الدين بن الحافظ محبّ الدين، سمع قليلًا من الفخر النورى (٢) وابن بنت سعد وابن جماعة والعلائي، وأَجاز له أَحمد بن على الجزرى، وله أَيضا إجازة من ابن القماح وابن غالى والمشتولى ونحوهم، ومن الحسن بن السديد، وابن جمال وابن الأَخوة وابن عبد الهادى والمزى وحفيد ابن عبد الدائم وغيرهم، وتفرّد بإجازة الجزرى بمكة، وحدّث بأَشياء كثيرة بالإجازة عن جماعة من المصريّين والشاميين، وبرع في العلم وعُرف بالمروءة. مات في رمضان (٣).
٢٤ - محمد بن أَحمد بن محمد بن علي بن سعيد بهاءُ الدين أَبو حامد بن أَبي الطيب بن بهاء الدين الأَنصاري بن إمام المشهد (٤)، وُلد سنة سبع وستين وسبعمائة، وأَحضره أَبوه وأَسمعه على بعض أَصحاب الفخر وابن القوّاس ونحوهم، وتوفى أَبوه وهو صغير فأَدّبه رجل أعمى وبرع مِن صباه، وكان صحيح الفهم ديّنا عاقلا، نشأَ نشأَةً حسنة
стр. 1094
وأَفتى ودرس، وعرض عليه حموه شهاب الدين الحسبانى النيابة في الحكم. فامتنع مات في ذي القعدة بعلَّة الاستسقاء.
٢٥ - محمد بن الحسن بن عيسى بن محمد بن أَحمد بن مسلم بن يحيى، جمال الدين المكى الحَلَوى (١) - بفتح المهملة واللام الخفيفة - المعروف بابن العُلَيْف - بمهملة ولامٍ وفاءٍ مُصَغَّر - كان من مدينة حَلْى فنزل مكة، وتعانى النظم فمهر فيه وفاق أقرانه إلَّا أَنه كان عريض الدعوى يحسب أَن شعره يشبه شعر المتنبيّ وأَبي تمّام.
وُلد بحلى سنة ٧٤٢ وتردّد إلى مكة وسمع العزَّ بن جماعة، وكان غاليًا في التشيّع ومَدَح أمراء مكة وينبع، ومدح أَيضا الإمام صلاح الدين بن علي صاحب صنعاءَ وملوك اليمن والحجاز، وانقطع إلى حسن بن عجلان، ومات في سابع شهر رجب سنة خمس عشرة وثمانمائة.
ذكر لي أَنه رأى في النوم - وهو صبي - قائلًا يقول له: "أَنا نجيّ البحتري وأَنا نجيّك"، فقلت: "الحمد لله ارْتحلتك جذعا وارتحلتك بازلا".
ومن مدائحه في الناصر لدين الله صلاح بن علي:
جَادَكَ الغَيْثُ مِنْ طُلُولٍ بَوَالِي … كَبُرُوجٍ منَ النُّجُومِ خَوَالى
فَقَدَتْ بِيضُ أُنْسِهَا فَتَاوَى … بيضُ أَيَّامهَا وسُودُ الَّليَالي
قَاسَمَتْني وَجْدِى بِهَا فَتَسَاوَى … حَالُها بَعْد مَنْ أُحبُّ وَحالي
ومن مديحه:
وتَرَى الأَرْض إِذْ يَهِمُّ بمغزا … تِهِ في رِعْدَةٍ وفى زَلزَال
فإذا أَرْسَل الجُنُودَ علَيْهَا … [أصبحتْ في شقاوة] ونكالِ
قَرَأتْ: سَالَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ … واقع في سُهولها والجبال
وله فيه من أُخرى.
يا وَجْهَ آلِ محمَّدٍ في وقْتِهِ … لم يَبْقَ بَعْدَكَ (٢) مِنْهُمُو إلَّا قَفَا
стр. 1095
لو كانتْ الأَشْرَافُ - آلُ مُحَمَّدٍ - … كُتُبَ العُلُومِ لَكُنْتَ فِيهَا المُصْحَفا
أوْ كانَت (١) الأَبْرَارُ آل مُحَمّدٍ … يا بْنَ النَّبيِّ لَكُنْتَ فِيهَا المُصْطَفَى
أوْ كانَتْ الأَسْبَاطُ آلَ مُحَمَّدٍ … - يا بن النبيّ - لكُنْتَ فيها يُوسُفا
٢٦ - محمد بن عبد الله العجمي، ناصر الدين الدمشقي كان جنديًّا يباشر في الأُستادارية ثم ترك ذلك ولبس بزيّ الصوفية وصحب الشيخ أبا بكر الموصلي، ثم بنى زاوية بالعقيبة الصغرى وعمل شيخها وأَسكن بها فقراء فكان يطعمهم، وكثر أَتباعه، وصار يتكسب من المستأْجرات، وكان حسن الشكل واللحية بهيّ المنظر. مات في جمادى الأُولى وله ثلاث وستون سنة.
٢٧ - محمد بن عبد الله الصفدي، أمين الدين، كان من مسلمة السامرة وسكن دمشق بعد الكائنة العظمى، وكان عالمًا بالطب مستحضرًا إلا أنه لم يكن ماهرًا بالمعالجة بل إذا شخَّص له غيرُه المرض نقل أقوال أَهل الفنّ فيه، وكان بارع الخطِّ فرُتِّب موقِّعا، واعترتْه في آخر عمره غفلة بحيث صار يسأَل عن الشيء في حال كوْنه يفعله فينكره لشدّة ذهوله. مات في صفد.
٢٨ - محمد بن عبد السلام بن محمد الكازرونى، تقى (٢) الدين، ناب في الحكم بالمدينة وكان نبيها في الفقه. مات في مصر.
٢٩ - محمد بن عثمان بن محمد السلمى السويدي ثم الدمشقى، سمع من ابن الشيرجي "جزء الأنصاري"، ومن على بن موسى الصفدى وتقى الدين بن رافع وجماعة، ووقّع في الحكم في ولاية البلقينى في القضاء بدمشق وفاق أقرانه في ذلك. قال ابن حجى: "كان صحيح العدالة محررا عارفًا بالشروط، انفرد بذلك في وقته، مع حُسْن خَطِّه وجَودة ضَبْطِه"، وقد حدث قليلًا. مات في ربيع الأول (٣).
стр. 1096
٣٠ - محمد بن عمر بن مُسَلَّم - بالتشديد - ابن سعيد الدمشقى نزيل القبيبات، شمس الدين القرشي أخو شهاب الدين (١) بن الشيخ زين الدين، سمع مع أخيه كثيرًا وكان يذاكر شيئًا من الشعر وفنون الأدب، وكان كثير المزاح وكان كثير المزاح، عاش نحوًا من ستين سنة.
٣١ - محمد (٢) بن محمد بن محمد بن محمد بن علي بن أحمد البعلبكي، جمال الدين بن اليونانية، وُلد أول سنة ٧٥٢ وسمع الحديث وقرأ ودرّس وأفي وشارك في الفضائل، وكان عارفًا بأخبار أهْل بلده، وهو ابن أخى الشيخ شمس الدين البعلبكي.
٣٢ - محمد بن محمد بن [محمد بن] محمود بن غازي بن أيوب بن محمود بن الخَتْلُو (٣)، الشيخ محبّ الدين أبو الوليد بن الشِّحْنة الحنفى - والشِّحنة هو جدّه الأعلى محمود الأول - وكان أبوه من أهْل الفضل. مات سنة ستٍّ وسبعين، ووُلد له أبو الوليد في سنة تسع وأربعين، واشتغل قديمًا ونبغ وتميّز في الفقه والأدب والفنون، ووَلى قضاءَ حلب قديمًا سنة ثمان وسبعين وسبعمائة، وصُرف (٤) كمالُ الدين بن العديم ثم أُعيد ابن الشِّحنة ثم صُرِف بعد كائنة الناصرى مع برقوق وجرت له أُمور، ووَلَى مرّة بعد موت الجمال إبراهيم بن العديم ثم إلى سنة ثلاثٍ وتسعين فعُزِل لما قدم الظاهرُ حلب، وامتُحِن حتى أرادَ الظاهر قتْله ثم سُجِنَ وصودر، واعتنى محمود الأُستادار به واختُصَّ به وله فيه مدائح، ثم استخلصَه وقدم معه القاهرة وأقام مدّة نحو ثلاث سنين، ثم رَجع إلى حلب فأَقام ملازمًا للاشتغال والتدريس ونشْرِ العِلم، ثم أُعيد في أوّل قدْمة قدمها الناصرُ فرج وأقام مدّة، ثم حصل له إنكارٌ (٥) إلى أن وَلِي جكم نيابة حلب.
стр. 1097
وكان مِمَّن قام مع جكم لمّا تسلْطَن فنقم عليه الناصر ذلك وقَبَضَ عليْه ثم هرب ثم رضى عليه وولَّاه قضاء حلب في سنةِ تسع وثمانمائة، ثم امتُحن في سنة ثلاث عشرة وأُحْضر إلى القاهرة، ثم رضى عنه النَّاصر وولَّاه تدريس الجماليّة بعد موْت مدرّسها محمود بن الشيخ زادة، ثم ولَّاه قضاء الحنفيّة بالقاهرة وهو بدمشق في الحصار، فلمّا دالت دولةُ النَّاصر أُعيد ابن العديم لقضاء الدّيار المصرية، واستقر ابن الشحنة في قضاءِ حلب وأُعطى تداريس بدمشق، وتوجّه صحبة النائب فمات في يوم الجمعة ثاني عشر ربيع الآخر، وكان قد نزل عن وظائفه بالقاهرة لصدْر الدين بن الأَدمى، ونزل صدْر الدين له عن وظائفه بدمشق (١).
وكان كثير الدعوى والاستحضار عالى الهمّة، وعمل تاريخًا لطيفًا فيه أوْهامٌ، وله نظم فائق وخطٌّ رائق، وعاش خمسًا وخمسين (٢) سنة؛ ومِن نظْمه:
سَاقِي المُدام دعِ المُدَام فكُلُّ ما … فِي الكأْس من وصْفِ المُدَامَةِ فِيكَا
فِعْلُ المُدَام ولوْنُها ومَذَاقُها … في مُقْلَتَيْكَ وَوَجْنَتَيْك وفيكا
وله:
أسِيرُ بالجَرْعَا أسِيرًا ومِن … هَمّى لا أعْرفُ كيف الطَّريق
في مُنْحنَى الأَضْلُع وَادِى الغَضا … وفوْقَ سَفْح الخَدِّ وَادى العَقيْق
وقرأتُ في ذيل تاريخ حلب للقاضى علاء الدين: أنه باشر قضاء دمشق مرة أيام كان شيخ نائبًا بها. . وألَّف (٣) يسيرا وشرح "الكشَّاف" ولكنه ما أكمله، وعمل لأجْل ابنه مختصرًا في الفقه غايةً في الاقتصار لكنه فُقد.
стр. 1098
قال ابنه: وكان منفردًا في الرئاسة علمًا وعملًا في بلده وعصره، وغُرّةً في جبين دهره، ولى قضاءَ حلب ودمشق والقاهرة وقضاء الشام كله، وأخذ من العز الحاضري والبدر بن سلامة"، قلتُ: وابن قاضي شهبة وابن الأوزاعي بالشام وابن الهمام وابن التَّنسى والسقطي وابن عبيد الله بمصر.
وله ألفيَّة رجز تشتمل على عشرة علوم، وألفيّةٌ اختصر فيها "منظومة النّسفي "وضمّ إليها "مذهب أحمد"، وله تواليف أُخرى في الفقه والأُصول والتفسير (١).
٣٣ - محمد بن محمد بن محمد بن يوسف بن عليّ بن يوسف بن عَيّاش (٢) الجوخى الدمشقى التَّاجر، سمع من ابن الخبّاز وحدّث عنه "بجزء ابن عرفة"، وحضره أيضا على علي بن العز عمر (٣)؛ وكان ذا ثروةٍ واسعة ويحكى عنه غرائب من شُحّه، وكان أسَنَّ مِن أخيه أحمد المقرئ. مات في رمضان وقد جاوزَ السّنين (٤).
٣٤ - محمّد بن مسعود النَّحريري الشافعي نزيل مكة، أفادَ الطلبة بها في الفقْه.
٣٥ - مسعود (٥) بن عمر بن عمر بن محمود بن أيْمَان الأَنطاكي، شرفُ الدّين النحوى، نزيل دمشق قَدم إلى حلب وقد حصّل طرفًا صالحًا من العربية، ثم قدِم دمشق فأخذ من الصفدي وابن كثير و [الشهاب] العنَّابي والصدْر بن منصور؛ وتقدّم في العربية، وفاق في حُسْن التعلُّم حتى كان يشارط عليه إلى أجلٍ معلوم بجعل معلوم؛
стр. 1099
وكان يكتب حسنًا وينظم جيّدا، وكان يتعانَى الشهادة ولم يكن بالمحمود وكان مزّاحًا قليل التصَوُّن. مات في تاسع (١) شعبان وهو في عشر الثمانين.
٣٦ - موسى (٢) بن سعيد المصرى نزيل دمشق، شرف الدين بن البابا، كان أبوه يخدم ابنَ الملك بالحسينية ونشأ هُو على طريقتِه ثم اشتغل وكتب الخطّ الحسن، وشارك في الفنون مع التقلُّل والفقر والدّعوى العريضة في معرفة الطب والنجوم وغير ذلك، ثم اتَّصل بخدمة فتح الله [كاتب السرّ] فحصّل وظائف بدمشق وأثْرى وحسنت حاله وحجَّ، ثم رجع فمات في شعبان وله خمس وسبعون سنة. اجتمعْتُ به مرارًا وسمعْتُ من فوائده.
ووجدْت بخط الشيخ تقي الدين المقريزى عنه أنّه أخبره أنه جَرَّب مرارا أن مَن وضع شيئًا في مكان وزَمَّ نفسه منذ يضعه إلى أن يبعد عنه فإنَّ النحل (٣) لا يقربه.
٣٧ - و [مات] من الترك: سودون الجلب أحد مماليك الظاهر [برقوق] وكان من مثيرى الفتن، ولى نيابة الكرك مِن قِبل النَّاصر ثم استبد بها وأظهر العدْل، وفي الآخر أعْطَى نيابة حلب بعد قَتْل النَّاصر فمات من جراحة أصابَتْه برجْله في ربيع الآخر.
* * *
стр. 1100
(ملحق رقم ١)
أدرجنا في هذا الملحق صفحات وردت في نسخ المخطوطة وليست منها، والظاهر أنها من تاريخ وضعه ابن حجر لفترة سابقة لأحداث إنباء الغمر، ثم وضعت هنا خطأ.
وقد تنبه لذلك ناسخ هـ فقال: "كذا" يحرر من هنا. ثم جاء بخط البقاعي: "الظاهر أن هذا في ترجمة الناصر حسن لا الناصر فرج".
стр. 1101
وفى يوم الإثنين العشرين من جمادى الأُولى فَتح دار العدل وأَحضر جميعَ الأُمراء والقضاة ونودِيَ: "من كانت له ظلامة فليَحْضُر دار العدل" فكان أكابر الناس يهابون ذلك ويتعاطون الحقوق بينهم خوفًا من الخجل، واستمر [السلطان] على ذلك في كل يوم اثنين وخميس فتُقْرَأ عليه القصص ويوقع عليها بين يديه بفصل الحكومات.
وفى زمانه خطب له اللحيان بمدينة طرابلس الغرب.
وتوجّه في شوال سنة ثنتى عشرة إلى الشام لما سمع بقصد خربندا الشام فلما كان بأَثناءِ الطريق بلغه رجوعه فدخل الشام في طائفةٍ وحجّ من الكرك وعاد في حادى عشر المحرم سنة ثلاث عشرة إلى دمشق وهو راكب ناقةً وفى يده حربة وعليه بشت من صوفٍ وعمامةٌ بلثام، فأَقام بدمشق ثم دخل القاهرة في ثانى عشر صفر ثم دخل الصعيد في سنة ثلاث عشرة فمهّده، وأَنشأَ فيها القصر الأبلق وعمل عند فراغه وليمةً عظيمة، وكتب إلى الشام بإِسقاطِ ما على الناس من البواقى من سنة ثمانٍ وتسعين إلى سنة ثنتى عشرة، وراك أراضى الزرع بقبلى مصر وغربيها في سنة خمس عشرة.
وفيها حلق رأْسه وكان قد مَرِض، فحلق الأُمراءُ رؤؤسهم وبطلت الذوائب من حينئذ، وأحدث السلطان ديوانًا خاصًّا وأَبطل نحو الخمسة عشر مكسًا وقرّر عدّةً من الأُمراء الأُلوف: أربعة وعشرين.
واتفق أن اجتمع بباب النصر في سنة ست عشرة رُسُلُ عدَّةٍ من ملوك الأرض وهم: أزبك ملك الشمال، وملك الكرج، وطغاى قريب أزبك، وبوسعيد ملك التتار، وجوبان، ورسُلُ الفرنج من برْشَنُونة، ومن إصطنبول ورسُلُ مَلِكِ النوبة، وعاد إلى الصعيد سنة سبع عشرة فيها إلى الكرك وراك مملكة طرابلس.
وفيها ضُرِبت السكة باسمه ودُعِىَ له على منابر بلاد ابن قرمان؛ وأحدث في سنة ثمانى عشرة الركوب إلى الميدان في أيام السبوت، وحج سنة عشرين فأَرسل أولًا من مَهَّد عقبة أيلة ووسَّع مضيقها وسهّل صعْبَها، وحجّ معه صاحب حماة وابنُ جماعة وكريمُ الدين أبوكم،
стр. 1102
وحصل لأهل الحرمَيْن منه برٌّ كبير وظهر منه تواضع زائد، منه أن القاضي أشار عليه أن يطوف راكبًا خشبةً عليه من الزحمة وذكر له أن رسولَ الله ﷺ طاف راكبا فقال: "ومَنْ أنا حتى أكون مثل رسول الله ﷺ ؟ " ثم طاف راجلًا ومنع حاشيته أن يتعرّضوا للناس فزاحمهم وزاحموه وغسل الكعبة بيده وغسل إحرامات الناس، وأبطل مكس مكة وعرض أسراها، وكسا البيت بالحرير الأطلس، وأجرى عينَ خليص بعد أن كانت انقطعت، واجتمع عنده بمكة أكابر بني مهدى وبني طيّ وغسّان وأمراءُ مكة والمدينة وبنى لام وأولاد مهنّا، ولم يخطب باسم صاحب اليمن مدة إقامته بمكة، ودخل مصر في ثاني عشر المحرم.
وفى سنة عشرين هادنه بوسعيد ملك المغل وجَهّز المحمل من العراق وخطب للناصر على منبر نوريز مع أبي سعيد، وحمل سنة إحدى وعشرين إلى مكة ألْفَى إردب يفرقها لمّا بلغه أن الغلاء بها. وفيها أرسل إلى النوبة عسرًا.
وفى سنة أربعٍ وعشرين أبطل مكس القمح ببلاد الشام كلها وكان يؤخذ على كل أردبٍ ثلاثةُ دراهم، وكان المتحصّل عن ذلك في كل سنةٍ ألفُ ألفٍ ومائتا ألفِ درهم نقدة.
وتقدّم في سنة أربعٍ وعشرين إلى الكتبة بالدواوين أن يكتبوا له أوراقًا بما يُتَحَصل من الجهات وبما يُصرف، فلما قُرِئت عليه أمر أن يُرفَع إليه كل يوم أوراق ما يُتحصَّل وما يصرف، فضبط الأمر واستبدّ بمعرفة ما يتعلَّق بالدولة.
وبعث في سنة خمس وعشرين سريّةً مع بيبرس الحاجب وغيره إلى اليمن.
وفيها حفر الخليج الناصرى خارج القاهرة، وأنشأَ الخانقاه بسرياقوس، وجرَّد عسكرًا إلى برقة لمنْع العربان زكاة أموالهم.
وفى سنة ثمان وعشرين جُدِّدت عماراتٌ بالمسجد الحرام، وأجرى العين التي كانت
стр. 1103
انقطعت عنها، وأمر بردم الجبّ الذي كان من قبله يسجن فيه مَن يعصون عليه لما بلغه ما يقاسيه فيه مَن يسجن من المشقة، وأنشأَ فوقه طباقًا، وكان أبوه هو الذي أحدثه سنة إحدى وثمانين.
وفى سنة تسعٍ وعشرين منع الكتَّاب والعوام وبياض الناس من شراء المماليك الأتراك وألزمهم ببيْع ما عندهم منهم.
وفى سنة ثلاثين سقط من ظهر فرسه في الصيد فأقام موعوكًا أربعين يومًا، فلما عوفى توجّه آقبغا عبد الواحد بالبشارة إلى الشام بعافيته فيقال حصل له مائة ألف دينار، وحجّ في سنة اثنتين وثلاثين.
وفى سنة ستٍّ وثلاثين وقع الغلاءُ بمصر إلى أن بلغ الإردب خمسين درهمًا فقام في ذلك واهتمّ له وطلب نجم الدين محمد بن حسين الأَسعردى المحتسب وعلى بن حسين المرداني والى القاهرة فأَمرهما بضبط الغلال، وكتب إلى غزّة والشوبك والشام بحمل الغلال وأمر أن لا يباع القمح بأكثر من ثلاثين وشدّد على الأُمراء في بيْع ما في شونهم ثم فوّض الحسبة للضياء يوسف خطيب بيت الآبّار وندب معه شاد الدواوين فمشت الأحوال حتى قدم القمح الجديد.
وفى سنة سبعٍ وثلاثين ندب العساكر إلى بلاد الأرمن فملكوا مدينة أياس، وقدمت عليه رسل ملك الهند ورسل ملك الحبشة، قال منكلي بغا بن البابا: "لما حجّ الناصر رأيت منه تواضعًا زائدًا بحيث أنه منع حجّابه أن يمنعوا أحدًا أن يطوف معه"، وقال له القاضي بدر الدين بن جماعة المقصد تهوين ذلك عليه إن النبي ﷺ طاف على جمل فقال له: "ومن أنا يا قاضى حتى أُشَبَّه بالنبي ﷺ ، والله لا طُفْتُ إلّا مع الناس" وذكر أنه صلّى الجمعة وطاف طواف الوداع وركب إلى المدينة فصلّى بها الجمعة التي تليها وأقام بها يومَيْن حتى وَصل الركبُ، وكان وصوله في ثاني عشر المحرّم.
* * *
стр. 1104
بيان
ما أحسب أن هذا الجزء في حاجة إلى تصدير جديد، إذ هو امتدادٌ للجزئين السابقَيْن له من حيث المادة والنُّسخ التي روجع المتن عليها، وأرجو أن يتم ظهور البقية من الكتاب قبل موعد الاحتفاء بمرور ستمائة سنة على مولد مؤلفه: "ابن حجر" فإن ظهوره مساهمة في هذه الذكرى.
أما الكشاف التفصيلي فسيكون في الجزء الختامي أجزاء الإنباء المطبوعة.
ومن الله أستمد العون والتوفيق.
حسن حبشي
стр. 1105
سنة ست عشرة وثمانمائة
في المحرم غلا الكتان جدا حتى بيع الرطل بثلاثين درهمًا، وغلا بسبب ذلك صنف القماش.
وفيه ثار أهل حلب على يشبك بن أَزدمر، فقُتل من الفريقين جماعة، وانكسر يشبك وتوجّه إلى نوروز بدمشق، فكاتب أهلُ حلب دمرداش فدخل حلب وملكها.
وفيه مات الأمير تَغْرِى بَرْدِى نائبُ الشام إذ ذاك، وكان من خيار الأُمراء في العدل مع أنه كان كثير الإسراف على نفسه؛ وكان يحب العلماء والعلم، ويعرف مسائل عديدة أتقنها، مع التواضع؛ وهو من قدماء الأُمراء: أُمِّر رأْسَ نوبة كبيرًا في أيام الظاهر، ثم ولى نيابة حلب، ثم ولى أتابك العساكر في أواخر دولة الناصر فرج.
وفي العشرين منه توجّه قرقماس في (١) عسكره ليأْخذ الشام بزعمه، فلما بلغ ذلك أخاه تغرى بردى فارق نوروز وتوجّه إلى صفد وانتمى إلى المؤيد، ودخل قرقماس غزة فملكها ووصل إليه أخوه، وقد قرّره المؤيد في نيابة حماة فسار ومعهما ألطنبغا العثماني بالعساكر، فبلغهم عوْدُ نوروز من حلب إلى دمشق فأَقاموا بالرملة، وكان نوروز توجّه إلى حماة ليقاتل دمرداش، ففرّ دمرداش إلى حلب فتبعه نوروز وملك حلب وقرّر في نيابتها طوخ، وفى نيابة طرابلس قمش، ورجع إلى دمشق في أواخر صفر فسار دمرداش إلى حلب بعد عوْدِهِ فقاتله النوروزية، فدام الحصار إلى أن بلغ دمرداش أن العجل ابنَ نعير وافى لنصر نوروز ففر دمرداش إلى العمق (٢) ثم إلى أعزاز: وكان ما سنذكره بعد ذلك.
стр. 1106
وتوجّه نوروز إلى الرملة ففرّ قرقماس بمن معه إلى أن وصل إلى الصالحية بطرف الرملة، فرجع نوروز إلى دمشق.
وفيه شُدِّد على صدر الدين بن العجمي في بقية المال الذي تأخّر عليه فباع موجوده وأورد نحو ثلاثمائة دينار وعجز عن الباقى، ثم قُرِّر في نظر المواريث على أن يحمل ما يُتحصل منه إلى الخزانة ثم صُرِف في شعبان وأُضيف ذلك إلى مرجان، ثم قُرِّر في مشيخة التربة الظاهرية وصُرِف عنها زين الدين حاجي فقيه في سادس رجب، ثم صُرف مرجان وأُعيد النظر لصدْر الدين في أواخر شوّال.
وفيه (١) فشا الطاعون بمصر وكان أكثره في الأَطفال، وكان الحرّ أزيد من العادة، فبلغ مَن يموت كل يوم أكثر من مائة نفس.
وفيه ثار بالمؤيد وجع المفاصل في رجليه فلم يزل يعاهده إلى آخر عمره.
وفى صفر تزايد الطاعون وبلغ الموتى كل يوم مائةً وعشرين، وعزّ البطيخ الصيفي حتى بيعت واحدة بخمسمائة درهم.
وفي رابع عشر المحرم نُقل فتح الله من بيت ناظر الخاص إلى بيت التاج الوالى فأُمر (٢) له بدارٍ فأقام فيها وحيدًا فريدًا يُقاسى ألم العقوبة ويترقَّب الموت. فلما كان في ثاني عشر ربيع الأول مُنع خَدَمه الدخول إليه، ثم خُنِق في ليلة السادس منه وأُخرِج من الغد فدُفن بتربته ولم يجسر أحدٌ على تشييع جنازته؛ وكان في يوم الجمعة قد توجّه إليه قاضي الحنفية صدر الدين بن الأدمى وهو من أعظم المؤلّبين عليه فأَشهد عليه أنه رجع عن وقفه وصيّره موقوفًا على أولاد المؤيد وذريّته وأثبت ذلك وحَكَمَ به، فقدّر الله تعالى أنه أُعيد إلى شرطه الأول بعد تسعة أعوام سواء في ربيع الأول سنة خمس وعشرين، وحُكم بإبطال ما حَكم به صدْرُ الدين المذكور، ولم يُمْهَل صدر الدين هذا حتى أخذه الله قريبًا.
وفى سادس ربيع الأول وقع الحريق بالقلعة فعظم (٣) أمره واستمرّ إلى تاسعه.
стр. 1107
وفي سابع ربيع الآخر سُجن الأمير قصروه بالإسكندرية، ووُسّط فارس المحمودي تحت القلعة وكان نَمّ على طوغان أنَّه يريد الوثوب على المملكة، فحاققه طوغان فأنكر فقتله السلطان.
وفى ثانى عشر ربيع الآخر استقرّ شهاب الدين الأُمويّ المغربي في قضاء المالكية بالقاهرة وعُزِل شمس الدين المدني.
* * *
وفى تاسع عشرى الأول قُتل العجل بن نعير أمير العرب من آل فضل وذلك ربيع أنه حضر لنصر النوروزية، وكان طوخ بعث عسكرًا إلى سرمين وبها دويدار دمرداش فكسره فثار عليه (١) فأسر منهم كثيرًا، فسَجن (٢) دمرداش منهم طائفة وجَدع طائفة وقَتل أخرى، فركب طوخ وقمش إلى تل السلطان فالتقيا بالعِجْل فسألاه أن يرافقهما لحرب دمرداش فأجاب إلى ذلك، فرحلا بالعسكر وتأخَّر العجل، فبلغهما أنّه اتفق مع دمرداش فاستعدَّا له، فلما ركبا أرسلا إليه في ضيافةٍ فحضر، فثار به جماعة منهم فقتلوه ورحلوا إلى حلب وكتبوا إلى نوروز في طلب النجدة، فجمع حسين بنُ نعير العرب وجاء إلى دمرداش فحضروا جميعًا إلى حلب وحصروها، وتحصّن طوخ وقمش بالقلعة فلم يثبت دمرداش ورجع.
* * *
وفى ربيع الأول ظهر الخارجي (٣) الذي ادّعى أنه السفياني، وهو رجل عجلونى يسمى عثمان، اشتغل بالفقه قليلا بدمشق ثم قدم عجلون فنزل إلى قرية الجيْدور (٤) ودعا لنفسه فأطاعه بعض الناس، فأقطع الإقطاعات ونادى أن مغل هذه السنة مسامحة ولا يؤخذ من أهل الزراعة بعد هذه السنة - التي سومح بها - سوى العُشر، فاجتمع عليه خلق كثير من عرب وعشير وترك وعمل له ألويةً خضراء، وسار إلى وادى إلياس وبثَّ
стр. 1108
كتبه إلى النواحي، ترجَمَتُها بعد البسملة: "السفياني: إلى حضرة فلان: أن يجمع فرسان هذه الدولة السلطانية الملكية الإمامية الأعظمية البهائية (١) الممحدية السفيانية، ويحضر بخيله ورجله مهاجرًا إلى الله ورسوله ومقاتلا في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا" فثار عليه - في أول ربيع الآخر - غانم الغزاوى وجهز إليه طائفةً فطرقوه وهو بالجامع بعجلون فقاتلهم فقبضوا عليه وعلى ثلاثة من أصحابه، فاعتقل الأربعة وكُتب إلى المؤيد بخبرهم فأَمر بنقلهم إلى قلعة صرخد.
* * *
وفي خامس ربيع الآخر قُبض على الوزير وناظر الخاص، وقُرر في نظر الخاص بدرُ الدين بن نصر الله عوضًا عن ابن أبي شاكر، وقُرِّر في نظر الجيش علمُ الدين بن الكُوَيْز عوضًا عن ابن نصر الله، وقُرر تاج الدين بن الهَيْصم في الوزارة عوضًا عن ابن البشيري، وصُودر البشيري وابن أبي شاكر على مال كثير (٢).
فأما الوزير فتسلمه ابن الهيصم ثم تسلمه الأُستادار وصولح على مال كثيرٍ شرع في تحصيله. وأما ابن أبي شاكر فعوقب بين يدى المؤيّد ثم أطلقه وتقرّر عليه مالٌ يحمله، فباع موجوده واقترض ثم سار يطلب بالأوراق حتى سَدَّ ما طلب منه؛ فلما كان في تاسع عشرى رجب خُلع عليه واستقر أُستادار الذخيرة.
وبدْرُ الدين هذا هو حسن بن نصر الله بن حسن (٣)، أصله من فوّه، وذكر أن جدّه
стр. 1109
كان خطيب إدكو (١)، وأن أباه وُلد بفُوّه (٢) وتعانى المباشرة وتعلّم الحساب، ووُلد له ابنه حسن هذا في ربيع الآخر سنة ست وستين ونشأ بفوّة، وتنقَّل في المباشرات بها ثم بالإسكندرية ثم استقرّ في نظر الخاص بالقاهرة عوضًا عن ابن البقرى في جمادى الأُولى سنة ستٍّ وثمانمائة واستمر بالقاهرة، ثم ولى الوزارة في شوال منها، ثم عُزِل عن نظر الخاص سنة سبع وثمانمائة بالفخر بن غراب، ثم صُرف عن الوزارة في جمادى الأُولى منها، ثم استقر في نظر الجيش عوضًا عن علم الدين يحيى الذي يقال له "أبوكُم" في جمادى الآخرة، ثم أضيف إليه الخاص والوزارة في شعبان منها، ثم صُرِف عن الوزارة في رمضان وعن نظر الخاص في صفر سنة ثمانٍ، واستمر في نظر الجيش إلى أن عُزل عنها في هذه السنة واستقرّ في نظر الخاص إلى أن عُزل منها في آخر دولة المؤيّد، وولى الأُستادارية بعد ذلك، ثم انقطع في منزله في دولة الأشرف (٣) إلى أن ولى كتابة السر بعد موت ولده صلاح الدين وذلك في ذى القعدة سنة إحدى وأربعين، ثم صُرف في ربيع الآخر سنة ٤٣ واستمر في عزله (٤) مقيمًا.
* * *
وفي حادى عشر ربيع الآخر ضُرب محمد بن شعبان المحتسب أكثر من ثلاثمائة عصا بين يدى المؤيّد وأُشهد عليه أن لا يسعى في الحسبة، وأُضيفت الحسبة إلى صدْر الدين بن الأدمى وهو أول من جمع بين القضاء والحسبة، ثم صُرف في العشرين منه وقُرِّر منكلى بغا الحاجب وهو أول تركيٍّ ولى الحسبة فيما نعلم.
* * *
стр. 1110
وفيه وصل ألطنبغا العثماني وجانبك الصوفى إلى القاهرة، واستمر قرقماس وتغرى بردي بقطيا، واستقر جانبك رأْسَ نوبة عوضًا عن سودون الأشقر، واستقر سودون الأشقر أمير مجلس.
* * *
وفي جمادى الأُولى أراد طوغان الوثوب على المُلك فوُشِيَ به إلى المؤيّد فاحترز منه، فلما كانت ليلة السادس عشر من الشهر كان طوغان قد واعَدَ من اتَّفق معه على الحضور إليه، فمضى عامَّة الليلة ولم يحضر إليه أحد، فلما قَرُب الفجر هرب في مملوكين فاختفى بمصر عند ابن بنت الملكي كاتب الجيش وكان قد تزوّج ابنته، وجرى عليه منه مالا خير فيه فإنّه زعم أنه وجدها ثيبا فأغرم والدها مالًا كثيرًا، فلما نزل به ما أمكنه ردّه بل آواه ثم تحيّل في الإعلام به، فأصبح المؤيد فعرف بذلك فأمر بالنداء بالأمان، فلما كانت ليلة الجمعة وشى بطوغان فأُخِذَ من مكانه وأُرْسِل إلى الإسكندرية مقيَّدا فبقى معتقَلًا إلى المحرم سنة ثماني عشرة، فمات في الحبس.
وفي الحادي والعشرين منه قُبض على جماعةٍ ممن كان اتفق مع طوغان، منهم: سودون الأشقر وكمشبغا العيساوي، فتوجَّه بهما برسباى إلى الإسكندرية ومعهما مغلباي وثلاثة معه وُسِّطُوا.
واستقر قجق حاجبًا بدلًا عن إينال الصصلاني، واستقر الصصلاني كبير مجلس عوضًا عن سودون؛ وكان ممّن اتُّهم بمالأة طوغان: شاهين الأفرم، فخلع عليه خلعة رضًا وبُرِّئت ساحته، واستقر جانى بك المؤيّدى دويدارًا كبيرًا وكان ثانى الدويدارية.
وفي سلخ جمادى الآخرة صُرف ابن محبّ الدين عن الأستادارية واستقر فخر الدين بن أبي الفرج وأُضيف إليه الكشف، واستقر ابن محبّ الدين مشير الدولة ولُقِّبَ من يومئذ "المشير" حتى صار لا يُعرف - إذا ذكر - إلا بها مدّة طويلة.
стр. 1111
وفى رجب تزوج إبراهيم بن المؤيّد بنتَ الناصر التي كانت زوجة بكتمر جلق ودخل بها فوجدها بكرا، وعُمل له مهمّ كبير (١).
وفيه عُزل قرقماس عن نيابة الشام وقُرّر في نيابة صفد عوضًا عن ألطنبغا القرمشي وأُحْضِر القرمشي إلى القاهرة، وهرب جار قطلو أتابك الشام من نوروز إلى القاهرة فأكرمه المؤيّد وأمَّره تقدمةً، وقُرِّر تغرى بردى - أخو قرقماس - في نيابة غزَّة عوضًا عن ألطنبغا العثماني.
وفى نصف رجب خرج نوروز إلى صفد فرحل قرقماس إلى الرملة، ثم وصل إلى القاهرة فأكرمه المؤيّد وأقام أخوه بقطية، وكان من شأْنهما وعادتهما أن لا يجتمعا بموضع واحد بل يكون أحدهما غائبًا فإذا قُبض على أخيه سعى هو في تخليصه (٢).
فلما كان يوم السبت أول رمضان قدَّم دمرداش - عمُّهُما (٣) - تقدمة، فأجل المؤيد مقدمه وخلع عليه وكان قد تحيّر في أمره بعد هزيمته من حلب، فأشار عليه أكثر أصحابه أن يتوجّه إلى نوروز، وكان بعث إليه ذهبًا كثيرًا والتمس منه أن يحضر إليه فلم يوافقهم لأجْل حضور أجله، فركب البحر إلى أن وصل إلى دمياط ثم استأْذن على المجئ إلى القاهرة فأُذن له فوصل فأكرمه المؤيّد وأرسل (٤) في ثانى عشر رجب عسكرًا مقدمهم قجقار القردمى وأظهر أنهم يريدون كبس عرب الشرقية أهل الفساد، وأسرّ إليهم بالقبض على تغرى بردى من قطية، ثم استدعى دمرداش وابن أخيه قرقماس وجميع الأُمراء ليلة السبت سادس عشر منه فأَفطروا عنده، فلما انقضى السماط أمر بالقبض عليهما
وبعثهما من ليلته إلى الاسكندرية.
ثم قدم قجقار ومن معه وصُحْبتُهم تغري بردي في العاشر فسُجن بقلعة الجبل
стр. 1112
ثم قُتل، وسكن كثير من الفتن بعد قتْلِ هؤلاء الثلاثة، وكان دمرداش من قدماء الأُمراء في هذا الوقت: أُمِّرَ من زمن الظاهر وناب في عدّةٍ من البلاد مرارًا، وكان فصيحًا وله في قلعة حلب آثار حسنة من الإصلاح بعد التخريب الذي وقع من اللنكية، وكان حسن الفهم قد جرّب الأمور وحنَّكَتْه التجارب، اجتمعْتُ به وكان من رجال العالم إلا أنه لم يكن ميمون النقيبة؛ وقد مضى كثير من أحواله في الحوادث.
* * *
وفيه (١) - أعنى شهر رجب في أواخره - ثار بالناس السعال والنزلات والحمّيات وغيرها من الأمراض ولكنها كانت سليمة وكذلك بدمشق، وغلا سعر السكر النَّبات حتى عزَّ وجوده وكذلك الزيت الحلو؛ وكان الطاعون ببلاد الروم وامتد إلى حلب وحماة.
وفي (٢) عاشر رمضان قُرّر ناصر الدين بن العديم في قضاء الحنفية عوضًا عن صدر الدين الأدمى بحكم موته.
وفى ثالث عشره قرر قنباى في نيابة الشام، واستقر أَلطنبغا العثماني في وظيفة أمير آخور، وقرر إينال الصصلانى في نيابة حلب وسودون قراصقل في نيابة غزة.
وفى (٣) ثامن شوال قُرر بدر الدين بن محبّ الدين في نيابة الإسكندرية عوضًا عن خليل الجشارى وصُرف عن المشورة.
وفي ذي القعدة توجّه السلطان إلى الربيع فألزم التاجُ الوالى مَن بالقاهرة من اليهود النصارى بحمْل الخمور فوُزِّعت على الأسارى (٤) وغيرهم، وكانت قضيةً فاحشة جدًّا.
стр. 1113
ورجع السلطان من السرحة في حادى عشرى ذي القعدة.
وفيه أُرسل الجاليش ومعه العسكر وفيهم نائب حلب إينال الصصلاني، ونائب الشام قانباى ونائب حماة تانى بك البجاسى، ونائب طرابلس سودون من عبد الرحمن، وطرباي نائب غزة ومعهم جمع كبير.
وفى سابع عشر ذي الحجة خُلع (١) المستعين من الخلافة وكانت مستمرة باسمه من يوم غُزل من السلطنة، فلما عزم المؤيد إلى الشام طلب داود بن المتوكّل بحضرة القضاة فأَلبس داود خلعة سوداء وأجلسه بينه وبين القاضي الشافعي البلقيني، وقرّره في الخلافة عوضًا أخيه المستعين ولقَّبَه "المعتضد".
وفى هذا الشهر قُرّر شمس الدين بن التبّانى في قضاء الحنفية بدمشق، وأُنْفق على المماليك السلطانية لكل نفر مائة دينار ناصرية.
وفى السابع والعشرين منه نُصب الخام السلطاني بالريدانية، وضُرب الوزير تاج الدين بن الهيصم بالإسطبل السلطاني وطيف به على جمل في الإسطبل منكَّسا إلى أن كاد يهلك ثم خلع عليه خلعة الرضا، وقدم فخر الدين الأُستادار من الصعيد - وقد أباد أهلَه - وصحبته من العبيد والإماءِ والذهب والحلى والسلاح والغلال ما يفوق الوصف، وشرع في رمى الأصناف التي أحضرها، فعظم البلاءُ به إلّا أنه على أهل الريف أكثر منه على أهل البلد.
* * *
وفيها في جمادى الآخرة دخل الشريف رميثة بن محمد بن عجلان مكة في جمْعٍ من أصحابه فأقاموا بها إلى الظهر ولم يُحدث شرًا، فدخل عمه عتبة وحسن بن عجلان في عسكره فاطمأن الناس.
وفيها مات من الأكابر: عمر بن السلطان المؤيد وله عشر سنين أو دونها، و [مات]
стр. 1114
تاج الدين رزق الله - ويقال له عبد الرزاق - ناظر الجيش بدمشق: تقدَّم (١) من زمن تنم في الولايات إلى أن مات.
و [مات] مبارك شاه الظاهرى، ولى كشف الصعيد ونيابة الإسكندرية والوزارة والاستدارية والحجوبية، وكان في بداية أمره يخدم الملك الظاهر وهو جندى، فلما تأَمَّر ثم تسلطن رقَّاه، وتنقَّل في الدول إلى أن مات في رمضان.
* * *
وفى هذه السنة وقعت بمكة كائنة عجيبة وهي أن جمّالا يقال له حسن الفاروثي كان يكرى من مكة إلى المدينة، فرآى بعض جماله قد أَسَنَّ فأَراد بيعه وأن يشترى بثمنه غيره، فباعه للجزار فاعتقله بالمجزرة لينحره، فانفلت والناس في صلاة العشاء فدخل المسجد الحرام، فأَرادوا أن يخرجوه فعجزوا عنه، فرفعوا الأَمر للقاضي جمال الدين بن ظهيرة فأَمرهم بحفظ الطوَّاف منه، فباتوا يحرسونه ويمنعونه من المطاف، فلما كان الثلث الأخير [من الليل] هجم هجمة فطاف ثلاثة أشواط ثم ذهب في الثالثة إلى جهة مقام الحنفية فسقط ميتًا وحضرت له حفرة فدفنوه بها (٢).
ذكر من مات في سنة ست عشرة وثماني مائة من الأعيان.
١ - إبراهيم بن أحمد بن محمد بن خضر الصالحي الحنفى، وُلد في رمضان سنة أربع وأربعين، واشتغل على أَبيه وناب في القضاء بمصر، ودرّس وأفْتَى وولى إفتاء دار العدل وكان جريئًا مقدامًا ثم ترك الاشتغال بأخرة وافتقر ومات في ربيع الأَول وكانت وفاة (٣) أبيه في سنة ٧٨٥.
стр. 1115
٢ - إبراهيم (١) بن محمد بن بهادر بن عبد الله بن أحمد الغَزى المعروف بابن زُقَّاعَة - بضم الزَّاى وقد تُجْعل سينا مهملة وتشديد القاف - كان يدّعى أنه من بني نوفل بن عبد مناف، وأنه وُلد سنة خمس وأربعين وسبعمائة؛ سمعْتُ كلّا منهما من لفظه، وذكر لي من أثق به عنه غير ذلك في مولده، وكان أُعجوبة زمانه في معرفة الأَعيان واستحضار الحكايات والماجريات، مقتدرًا على النظم، عارفًا بالأوفاق وما يتعلَّق بعلم الحرف، مشاركا في القراءات والنجوم وطرف من الكيمياء، وقد عظَّمه الظاهر جدًّا ثم الناصر حتى كان لا يسافر إلَّا في الوقت الذي يحدّده له، ثم نقم عليه المؤيد ونالتْه منه محنةٌ يسيرةٌ في أوّل دولته، وشهد عليه عنده جماعة من الطواشيّة وغيرهم بأُمور منكرة فأغضى عنه.
وكان في بداية أمره قد تجرّد وتزهَّد وساح في الجبال ثم رجع إلى غزة. اجتمعتُ به غير مرة وأخذتُ عنه مِن نظمه، وأجازني قبل ذلك بالقاهرة؛ ثم سكن القاهرة من بعد سنة ثلاثٍ وثمانى مائة، وجاور في هذا العشر سنة بمكة، ونظمه كثيرٌ وغالبهُ وسط وينْدر له الجيد وفيه السفساف.
مات في العُشر الأَوسط من ذى الحجة بمنزله بمصر على شاطئ النيل ودُفن خارج باب النصر، وغلط مَن أرّخه سنة ثمانى عشرة (٢).
٣ - أحمد بن أبي بكر بن يوسف بن عبد القادر بن يوسف بن خليل بن مسعود (٣) ابن سعد الله الخليلي ثم الدّمشقيّ الحنبلي، وُلد سنة [ستٍّ (٤) وثلاثين وسبعمائة أو التي بعدها]
стр. 1116
وسمع من [ابن القيّم وأبيه وابن عبد الهادى والجزري]. أجاز لي وكانت وفاته في ليلة الأربعاء ثانى (١) عشر المحرّم.
٤ - أحمد أبي أحمد الشُّنْبُل - بضم المعجمة وسكون النون، بعدها موحّدة مضمومة، وهو مكيال القمح بحمص - أبو العبّاس الحمصي، اشتغل ببلده وولى قضاءها وقدم القاهرة مرارًا ونُزِّل في خانقاه سعيد السعداء، ثم سعى في قضاء دمشق فوليه في آخر سنة ستٍّ وثمانمائة ثم عُزِل عن قرب، وكان نبيها في الفقه مع طيْشٍ فيه.
٥ - أحمد بن الجوبان الذهبي، شهاب الدين الدمشقى الكاتبُ المجوّد، كان كثير المداخلة للدولة بسبب التجارة وكانت له دنيا، واعتنى به المشير (٢) فأرْسله إلى صاحب اليمن بكتاب المؤيد فلم ينلْ منه غرضًا فرجع إلى مكة فمات بها في ثانى عشر ذي الحجة، وكان حجَّ معنا من القاهرة في سنة خمس عشرة وتوجّه من ثمّ إلى اليمن.
٦ - أحمد (٣) بن حجيّ بن أحمد موسى بن بن سعيد بن غشم بن عزوان بن علي بن سرور بن مشرف بن تركي الحسبانى، شهابُ الدين بن علاء الدين، وُلد في رابع المحرّم سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، وتفقَّه على أبيه وجماعةٍ غيره، منهم: شمس الدين بن أبي الحسن الغزّى وابن قاضي شهبة وأبو البقاء السبكي، وسمع الحديثَ من جماعة من أصحاب الفخر، منهم: العماد بن السيرجي وأحمد بن إسماعيل بن محمد بن محمود بن أميلة والصلاح بن أبي عمر، وكتب الكثير وتميَّز وتقدّم في الفقه والحديث مع الدّين والصّيانة والانجماع، وجمع نكتًا على الألغاز للإِسنوى، وجمع تاريخًا مفيدًا ودرّس وأفتى، وولى خطابة
стр. 1117
الجامع الأُمويّ ونظر الجامع مرارًا، وآخر ما علق من تاريخه (١) إلى ذى القعدة سنة خمس عشرة، وقدم القاهرة مرارًا آخرها في الرسلية عن الملك المؤيّد قبل سلطنته سنة ثمان. وحصّل نسخة من "تعليق التعليق" وشهد لي في عنوانها بالحفظ، وكتب خطه في أصلى (٢).
وأُريد على قضاء الشافعية مرارًا فامتنع، وولى أخوه الأصغر نجم الدين وهو حيٌّ، وانتهتْ إليه في آخر وقته رئاسة العلم بدمشق. عاش خمسًا وستين سنة.
وجمع أسماء شيوخه على حروف المعجم، وكان أشياخه ونظراؤه يثنون عليه، وقد شرح قطعةً من "المحرّر" لابن عبد الهادى، وله نكت على "المهمّات" وعلى "الألغاز"، وكان دينًا خيرًا له حظّ من عبادة.
رأيتُ (٣) في تاريخه في ترجمة والده قال: رأيْتُ أبي في النَّوم في أواخر شهر رجب سنةَ ثلاث وثمانين وسبعمائة في الأسديّة (٤) فقمْتُ خلْفه فقلتُ: كيف أنتم؟ فتبسّم وقال: طيب، فمشيتُ معه إلى الباب؛ وكان من جملة ما سأَلْتُه: أيهما أفضل الاشتغال بالفقه أو الحديث؟ فقال: الحديث بكثير، قال: فقلت له ادْع لي، فدعا لي بثلاث: بوفاء الدين وخاتمة الخير، ونسيت الثالثة، ثم التفت إليّ كالمودّع فقال إنهم يشكرونك فقلتُ: من؟ قال: الملائكة، فقلت: باالله؟، قال: نعم، قال: فاستيقظت مسرورًا".
قال القاضي تقيّ الدين الشهبي: "وُلد في المحرّم سنة إحدى وخمسين، وحفظ "التنبيه" وسمع الحديث فأكثر، واستجيز له من بلادٍ شتّى،، وجمع لنفسه معجمًا
стр. 1118
مجردًا للتراجم، وأخذ الفقه عن أبيه وابن قاضي شهبة وأبى البقاء وعن الأذرعي والحسبانى وابن قاضي الزبداني وابن خطيب يبرود وتاج الدين السبكي وشمس الدين الموصلي والعنَّابي، وأذن له في التدريس والإفتاء، وناب في الحكم مدّة، وجمع "الدارس في أخبار المدارس" وهو كتاب نفيس دَلّ على اطِّلاع كثير، وذيّل على تاريخ ابن كثير بدأ فيه من سنة إحدى وأربعين، وشرح المحرّر لابن عبد الهادى ولم يكمل، وله نكت على الألغاز للإسنوى".
٧ - أحمد بن علي بن السيس (١) الحنفى، تقدّم في فقه الحنفية وشارك في فنون، وُلد سنة ٤٠ ومات سنة ٨١٦ وكان يؤمّ بالمسجد الأقصى.
٨ - أحمد بن ناصر بن خليفة بن فرج بن عبد الله بن يحيى بن عبد الرحمن المقدسي الناصري الباعونى (٢) - وناصرة من عمل صفد - القاضي شهاب الدين الباعونى نزيل دمشق، - وباعونة قرية بالقرب من عجلون -، وكان أبوه حائكًا ثم اتَّجر في البزِّ، ووُلد له أحمد وإسماعيل، وكان إسماعيل الأكبر فنشأَ يصاحب الفقراء وسكن صفد
стр. 1119
وتصوّف وناب في الحكم بالنَّاصرة فتخرّج به أخوه أحمد، وحفظ "المنهاج" ولازم الاشتغال، وكان قويّ الذكاء، عرَضَ محفوظاته على تاج الدين السبكي وابن خطيب ببرود وابن قاضي الزبداني وابن قاضي شهبة وغيرهم وأخَذَ عنهم وانتفع، وأخذ النحو عن العنَّابي وأجاز له.
وكان مولده في سنة إحدى وخمسين تقريبًا، واشتغل بالفقه وسمع الحديث، وكان ذكيًّا فطنا، فقال الشعر وكتب الخط الجيّد، ثم وقعت له كائنة مع أهل صفد لكوْنه مدح منطاش وغضَّ من برقوق فخرج منها خائفًا يترقَّب حتّى قدم القاهرة ونزل بخانقاه سعيد السعداء، وكان السّالميّ يعرفه من صفد فنَوَّه به عند الظاهر حتى أحضره عنده وقرّبه وعامله معاملة أهل الصلاح وولَّاه خطابة جامع دمشق. وولَّاه القضاء بدمشق في ذى الحجة فباشر بحرمةٍ وافرة.
وكان عريضَ الدعوى كثير المنامات التي يشهد سامعها بأنها باطلة.
ثم عُزِل وحصل له إهانة فسُجِنَ، ثم أُطلق ولزم داره ثم ولى خطابة بيت المقدس، ثم ولَّاه الناصر قضاء دمشق سنة اثنتي عشرة فباشره مباشرةً حسنةً بعفة ونزاهة ومداراةٍ وحرمة، وعُزِل وبقيت معه وظائف فاستمر فيها؛ ونظم كتابًا في "التفسير".
وهو الذي أثبتَ المحضر المكتتب على النَّاصر بالعظائم الشنيعة، ثم لمّا توجّه المستعين إلى القاهرة أقام الباعوني بدمشق إلى أن مات بها.
وكان طوالًا مهابًا فصيح العبارة جميلَ المحاضرة حسنَ المذاكرة سريعَ الدّمعة جدًّا مقتدرًا على ذلك حتى حكى لي مَن شاهَدَه يبكى بعيْنٍ واحدة. وكان عفيفًا نزهًا لا يُحابى ولا يداهن ولا يعاب إلَّا بالإعجاب والمزيد في الكلام والمنامات؛ ثم كان ممَّن قام في خلع النَّاصر فولَّاه المستعين قضاء الديار المصرية، ثم صُرِف بعد استقرار الأمْر من غير أن يباشره ولم يُرْسِل إلى القاهرة نائبًا، ثم ولى الخطابة بجامع دمشق ثم صُرف؛ وقد اجتمعْتُ به بيت المقدس.
стр. 1120
وأنشدني من نظمه، وسمعْتُ عليه جزءًا سمعه من أحمد بن محمد الأَيكى صاحب الفخر، ثم اجتمعت به بالقاهرة. وهو القائل:
ولمَّا رأتْ شَيْبَ رأْسِي بكَتْ … وقالَتْ عَسَى غير هذا عَسَى
فقلتُ: البياضُ لباسُ المُلوكِ … وإن السَّوَادَ لباسُ الأَسَى
فقالت: صدَقْتَ ولكنَّه … قليلُ النِّفَاق بسوُقِ النِّسَا
وله قصيدة في العقيدة أوّلها:
إثْبِتْ صِفَاتِ العُلَا وانْفِ الشّبِيهَ فَقَدْ … أخطأ الَّذين على ما قدْ بَدَا جمدوا (١)
وضلَّ قوْمٌ على التأْويل قد عَكَفُوا … فعُطِّوا وطَرِيقُ الحقِّ مقْتَصدُ
قال القاضي تقي الدين الشُّهْبي: "كان يكاتِب السلطان فيما يريده فيرجع الجوابُ بما يختار، وانضبطت الأوقاف في أيّامه، وجعل (٢) للفقهاء مالًا كانوا لا يَصِلُون إليه قبْله، وانتزع شيخة الشيوخ من ابن أبي الطيب كاتب السر، وقال أيضًا: "وقعَتْ له أُمورٌ تَغيّر خاطر برقوق عليه منها - وكان طلب منه اقتراض مالٍ للأيتام فامتنع - فعُزل في جمادى الآخرة سنة ستٍّ وتسعين بعدما باشر سنتين وشهرًا، وعُقِدَت له بعد عزْله مجالس ولفَّقُوا عليه قضايا، فلم نسمع عليه - مع كثرة مَن تعصّب عليه - أنّه ارتشي في حكمٍ ولا أخذ من قضاة البرّ شيئًا، ثم إنه بعد ذلك ولى خطابةَ القدس مدة، ثم ولَّاه الناصر خطابة دمشق والمشيخة، ثم أضاف إليه القضاة في صفر سنة اثنتي عشرة، ثم صرفه [المؤيد] شيخ بعد ثلاثة أشهر"، قال (٣): "وكان خطيبا بليغًا له اليد الطولى النظم والنثر والقيام التّام في الحقّ، وكتب بخطّه كثيرًا وجمع أشياء". مات في رابع المحرّم.
٩ - أحمد الخالدي أحد القراء بصفد، وكانت عنده عبادةٌ وخيرٌ وله شهرة؛ مات يصفد في ذي القعدة.
стр. 1121
١٠ - أبو بكر بن حسين بن عمر بن عبد الرحمن بن أبي الفخر بن نجم بن طولو العثماني المراغى نزيل المدينة، زين الدين بن حسن الشافعي، وُلد سنة ثمان أو تسْع وعشرين، واشتغل بالقاهرة فسمع الحديث من صالح بن مختار وعبد القادر بن الملوك وأحمد بن كشْتَغْدى، وأخذ عن الشيخ تقي الدين السبكى والشيخ جمال الدين الإسنوى، ثم دَخل المدينة فاستوطنها، وأجاز له قديمًا - في سنة تسع وعشرين - أبو العبّاس الحجار وأحمد بن مزيز والبرزالي والمزّى وآخرون، خرَّجْت له عنهم أربعين حديثًا عن أربعين شيخًا، وخرّج له الحافظ جمال الدين بن موسى مشيخةً عن شيوخه بالسّماع والإجازة وحدَّث بها، وتفرّد بالرواية عن أكثر شيوخه، وعمل "شرحا على المنهاج" واختصر "تاريخ المدينة (١) ".
سمعْتُ عليه بمنًى وبالمدينة وبمكة، وولى قضاء المدينة وخطابتها سنة تسعٍ وثمانمائة، ثم عُزِل بزوْج بنته أبى حامد بن المطرى، ومات في سادس (٢) عشر ذي الحجة. وكان بعض من يتعصّب عليه ينسبه إلى الخرف والتغيُّر ولم يقع ذلك فقد سمعْتُ منه بمكة سنة خمس عشرة وهو صحيح، وأخبرني من أثق به أنه استمرّ على ذلك. عاش دون تسعين سنة إلَّا سنتين.
١١ - أبو بكر بن يوسف بن أبي الفتح العدني، رضيّ الدين بن المستأْذن، حجّ كثيرًا وقدم القاهرة وتعانى النظر في الأدب ومهر في القراءات وتكلّم على الناس بجامع عدن وخطب ولم يُنْجِبْ. سمعْتُ من نظمه وسمع منيّ كثيرا. مات وقد جاوز السبعين.
١٢ - جابر بن عبد الله الحَرَاشي - بمهملتين مفتوحتين وبعد الألف معجمة - وُلد سنة ست وخمسين باليمن (٣) ونشأَ بها وتعانى التجارة، ثم خدم الشريف حسن بن عجلان وكان نظير الشَّاد له في أمور مكة، واشتهر بالأمانةِ والحرمةِ وبحُسْن المباشرة حتى قرّر
стр. 1122
لبنى حسن الرسوم وزادها، وبني بجدّة فرضة، ثم تغيّر على مخدومه حسن بن عجلان ووالى أصحاب ينبع وباشَرَ لهم وعمل لهم قلعةً ولمدينتهم سورًا (١)، وكان السبب في ذلك أن حسن بن عجلان تنكَّرَ عليه في رمضان سنة تسعٍ فقبض عليه، ثم أفرج عنه فتوجّه إلى اليمن، ثم قدم مصر مُؤلِّبًا على حسن [بن عجلان] فما أفاده ذلك شيئًا فرجع، وكان قد دخل مصر أيضا فثار عليه النَّاصر وصادره وحمله في الحديد إليه (٢) فتسلَّمه ثم أفرج عنه وأعاده إلى ولاية جدّة فباشرها على عادته، فاتّهمه حسن بموالاة ابن أخيه رميثة بن محمد بن عجلان، وكان رميثة قد هجم على مكة في جمادى الآخرة سنة ستٍّ عشرة وهجم على جدّة، فقام جابر في الصلح فلم يفدْه ذلك عند حسن إلَّا التهمة بموالاة رميثة، ثم ظفر به حسن فشنقه على باب الشبيكة.
وكان [جابر] داهية ماكرًا داعيةً إلى مذهب الزيدية، أرسل به الناصر إلى حسن بن عجلان سنة ثلاث عشرة، فقتله بعد ذلك في هذه السنة (٣) في النصف من ذي الحجة.
١٣ - حسام الدين حسام بن عبد الله الصفدى، كان ممَّن يُعتقد ببلده وله زاوية بحارة يعقوب بصفد. مات في شهر ربيع الأول.
١٤ - حسن بن علي بن [حسن (٤)] بن أحمد الأبيوردي، حسام الدين الشافعي الخطيب نزيل مكة، كان عالمًا بالمعقولات ثم دخل اليمن واجتمع بالنَّاصر ففوّض إليه تدريس بعض المدارس بتعزّ فعاجلته المنية؛ وكان قد أخذ عن الشيخ سعد الدين التفتازاني مع الدين والخير والزهد، وله من التصانيف "ربيع (٥) الجنان في المعاني والبيان"، وله غير ذلك.
стр. 1123
١٥ - رزق الله بن فضل الله بن يونس القبطى، تاج الدين بن أبي الكرم، أول ما باشر ديوان النائب ثم ولى نظر الجيش فباشرها مدة وعُزِل في أثناء ذلك بسبب تغيّر الدول، وكان رئيسًا محتشما كثير المداراة إلى الناس والعصبية لمن يقصده. مات في رجب.
١٦ - عائشة بنت محمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة، المقدسى الأصل أبوها، الصالحية، وُلدت سنة أربع (١) وعشرين وسبعمائة، وأُحضرت في الرابعة على الحجار سنة ستٍّ وعشرين وسمِعَت عليه "أربعين الطائي" و"أربعين الحجّار" وغير ذلك، وأُسْمِعَت "صحيح مسلم" على جماعة من أصحاب ابن عبد الدائم ومعظمَ (السيرة) على عبد القادر بن الملوك، وشاركت أُختها فاطمة في كثير من المسموعات والمجازات وتفرّدت.
وممَّن أجاز لما إبراهيم (٢) بن صالح بن العجمي من حلب، والشيخ شرف الدين البارزي من حماة، والبرهان الجعبرى من بلد الخليل، وعبد الله بن محمد بن يوسف من نابلس، وتفرَّدَتْ بالسماع من الحجّار ومن جماعة، وسمع منها الرّحالةُ فأَكثرُوا، وكانت سهلةً في الإسماع سهلة الجانب، ومن العجائب أن ستٍّ الوزراء [بنت (٣) عمر بن أسعد بن المنجا] كانت آخر مَن حدّث عن ابن الزبيدي بالسّماع، ثم كانت عائشةُ آخر مَنْ حدّث عن صاحبِه الحجَّارِ بالسماع، وبيْن وفاتهما مائة سنة. ماتت في ربيع الأول.
١٧ - عبد الله بن محمد بن أحمد بن قاسم العمراني الحرازي المكي، عفيفُ الدين ابن القاضي تقيِّ الدين بن الشيخ شهاب الدين، عَنِىَ بالعلم وتَنَبَّه في الفقه ومات بمكة وله بضع وستُّون سنة.
стр. 1124
١٨ - عبد القوى بن محمد عبد القويّ البجائى (١) المغربيّ المالكي الفقيه نزيل مكة، تفقَّه وأفادَ ودرّس وأعاد وأَفْتى، وكان خيِّرًا ديّنًا. مات في شوال وقد جاوز الستين.
١٩ - عثمان بن إبراهيم بن أحمد، فخر الدّين البَرْمَاوى، اشتغل كثيرًا ومَهر في القراءات ووَلِيَ تدريس الظاهرية (٢) فيها بعد الشيخ فخر الدين إمام الجامع الأزهر، وكان نبيهًا في العربيَّة وسمِعَ الحديثَ كثيرًا ورافقنا في بعض ذلك، واستملى بعض مجالس عند شيخنا العراق، وناب في الحكم. مات فجأةً عند خروجه من الحمام في تاسع (٣) عشر شعبان ولم يكمل الستين (٤)، وكان أبوه (٥) قد عمّر فمات (٦) قبله بعشر سنين.
٢٠ - العجل بن نعير بن حيار بن مهنَّا، يقال اسمه يوسف بن محمد، وُلد بعد الثمانين ونشأَ في حجر أبيه، ثم لما بلغ العشرين فارقه ومال مع جكم، ولمّا وقع بين جكم وبين ابن صاحب الباز حضر نعير في نصر ابن صاحب الباز، والبازُ وابنه مع جكم، فلما كسر جكم نعيرًا وأسره أحضر إليه ابنه العجل فقبّل يده فأعرض عنه وذلك سنة ثمان.
ثم هرب مِن جكم فقَرّر جكمُ في إمرة العرب فَضْلَ بن عليّ بن نعير، ثم حاصر العجلُ حماة فجاءَ إليه نوروز من دمشق فأوقع به وكسره ونُهب له شيءٌ كثير، ثم اتَّصَل العجل بشيخ وحَضر معه حصار حماة ونوروز بها، فلما ولى شيخُ نيابة حلب فرّ منه العجل فخرج شيخ إلى تلّ السلطان ليَمنع العجلَ من قسم إقطاعات العرب وقسّمها هو، ثم إن نوروز تصالح مع العجل وردّ عليه إقطاعه بعد قتل الناصر (٧).
стр. 1125
ثم لمّا ولى نوروز يشبك بن أزدمر بحلب وطردوه عنها واختاروا دمرداش - وكان بقلعة الروم بطَّالا - حضر نوروز (١) إلى حلب فهرب دمرداش وفرّ نوروز بحلب إلى طوخ، فلما رجع نوروز طرق دمرداش حلب بغتة فاستنجد طوخ بالعجل فحضر ورحل دمرداش، ثم فهم طوخ من العجل عدم المناصحة، واتفق أن العجل طلبه لضيافةٍ عملها له فتعلَّل، فركب العجل إلى طوخ في عشرة أنفس، فلاقاه طوخ في نحو العشرين، فلمّا التقيا وتصافحا أمسك طوخ بيد العجل وأشار إلى بعض أتباعه فقتله وذلك في تاسع عشر ربيع الأول، ويقال إنه كان حينئذ سكرانا.
وكان (٢) شهما فتَّاكا محبا للخمر شديد السطوة والجرأة، فلما قتل من أغضبه بغير موجبٍ قُتل، وبقتله انكسرت شوكة آل مهنَّا.
٢١ - علي بن عبد الله المصرى نور الدين القرافى الحنفى، ناب في الحكم ومهر في ذلك وشارك في مذهبه. مات في رمضان.
٢٢ - على بن محمد بن محمد الدمشقى صدر الدين بن أمين الدين بن الأدمى الحنفى، وُلد سنة سبعين (٣)، واشتغل بالأدب ونَظَرَ في الفقه وكتَبَ الخطَّ الحسن، وناب في الحُكْم،