١٠ - أبو بكر بن حسين بن عمر بن عبد الرحمن بن أبي الفخر بن نجم بن طولو العثماني المراغى نزيل المدينة، زين الدين بن حسن الشافعي، وُلد سنة ثمان أو تسْع وعشرين، واشتغل بالقاهرة فسمع الحديث من صالح بن مختار وعبد القادر بن الملوك وأحمد بن كشْتَغْدى، وأخذ عن الشيخ تقي الدين السبكى والشيخ جمال الدين الإسنوى، ثم دَخل المدينة فاستوطنها، وأجاز له قديمًا - في سنة تسع وعشرين - أبو العبّاس الحجار وأحمد بن مزيز والبرزالي والمزّى وآخرون، خرَّجْت له عنهم أربعين حديثًا عن أربعين شيخًا، وخرّج له الحافظ جمال الدين بن موسى مشيخةً عن شيوخه بالسّماع والإجازة وحدَّث بها، وتفرّد بالرواية عن أكثر شيوخه، وعمل "شرحا على المنهاج" واختصر "تاريخ المدينة (١) ".
سمعْتُ عليه بمنًى وبالمدينة وبمكة، وولى قضاء المدينة وخطابتها سنة تسعٍ وثمانمائة، ثم عُزِل بزوْج بنته أبى حامد بن المطرى، ومات في سادس (٢) عشر ذي الحجة. وكان بعض من يتعصّب عليه ينسبه إلى الخرف والتغيُّر ولم يقع ذلك فقد سمعْتُ منه بمكة سنة خمس عشرة وهو صحيح، وأخبرني من أثق به أنه استمرّ على ذلك. عاش دون تسعين سنة إلَّا سنتين.
١١ - أبو بكر بن يوسف بن أبي الفتح العدني، رضيّ الدين بن المستأْذن، حجّ كثيرًا وقدم القاهرة وتعانى النظر في الأدب ومهر في القراءات وتكلّم على الناس بجامع عدن وخطب ولم يُنْجِبْ. سمعْتُ من نظمه وسمع منيّ كثيرا. مات وقد جاوز السبعين.
١٢ - جابر بن عبد الله الحَرَاشي - بمهملتين مفتوحتين وبعد الألف معجمة - وُلد سنة ست وخمسين باليمن (٣) ونشأَ بها وتعانى التجارة، ثم خدم الشريف حسن بن عجلان وكان نظير الشَّاد له في أمور مكة، واشتهر بالأمانةِ والحرمةِ وبحُسْن المباشرة حتى قرّر
стр. 1122
لبنى حسن الرسوم وزادها، وبني بجدّة فرضة، ثم تغيّر على مخدومه حسن بن عجلان ووالى أصحاب ينبع وباشَرَ لهم وعمل لهم قلعةً ولمدينتهم سورًا (١)، وكان السبب في ذلك أن حسن بن عجلان تنكَّرَ عليه في رمضان سنة تسعٍ فقبض عليه، ثم أفرج عنه فتوجّه إلى اليمن، ثم قدم مصر مُؤلِّبًا على حسن [بن عجلان] فما أفاده ذلك شيئًا فرجع، وكان قد دخل مصر أيضا فثار عليه النَّاصر وصادره وحمله في الحديد إليه (٢) فتسلَّمه ثم أفرج عنه وأعاده إلى ولاية جدّة فباشرها على عادته، فاتّهمه حسن بموالاة ابن أخيه رميثة بن محمد بن عجلان، وكان رميثة قد هجم على مكة في جمادى الآخرة سنة ستٍّ عشرة وهجم على جدّة، فقام جابر في الصلح فلم يفدْه ذلك عند حسن إلَّا التهمة بموالاة رميثة، ثم ظفر به حسن فشنقه على باب الشبيكة.
وكان [جابر] داهية ماكرًا داعيةً إلى مذهب الزيدية، أرسل به الناصر إلى حسن بن عجلان سنة ثلاث عشرة، فقتله بعد ذلك في هذه السنة (٣) في النصف من ذي الحجة.
١٣ - حسام الدين حسام بن عبد الله الصفدى، كان ممَّن يُعتقد ببلده وله زاوية بحارة يعقوب بصفد. مات في شهر ربيع الأول.
١٤ - حسن بن علي بن [حسن (٤)] بن أحمد الأبيوردي، حسام الدين الشافعي الخطيب نزيل مكة، كان عالمًا بالمعقولات ثم دخل اليمن واجتمع بالنَّاصر ففوّض إليه تدريس بعض المدارس بتعزّ فعاجلته المنية؛ وكان قد أخذ عن الشيخ سعد الدين التفتازاني مع الدين والخير والزهد، وله من التصانيف "ربيع (٥) الجنان في المعاني والبيان"، وله غير ذلك.
стр. 1123
١٥ - رزق الله بن فضل الله بن يونس القبطى، تاج الدين بن أبي الكرم، أول ما باشر ديوان النائب ثم ولى نظر الجيش فباشرها مدة وعُزِل في أثناء ذلك بسبب تغيّر الدول، وكان رئيسًا محتشما كثير المداراة إلى الناس والعصبية لمن يقصده. مات في رجب.
١٦ - عائشة بنت محمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة، المقدسى الأصل أبوها، الصالحية، وُلدت سنة أربع (١) وعشرين وسبعمائة، وأُحضرت في الرابعة على الحجار سنة ستٍّ وعشرين وسمِعَت عليه "أربعين الطائي" و"أربعين الحجّار" وغير ذلك، وأُسْمِعَت "صحيح مسلم" على جماعة من أصحاب ابن عبد الدائم ومعظمَ (السيرة) على عبد القادر بن الملوك، وشاركت أُختها فاطمة في كثير من المسموعات والمجازات وتفرّدت.
وممَّن أجاز لما إبراهيم (٢) بن صالح بن العجمي من حلب، والشيخ شرف الدين البارزي من حماة، والبرهان الجعبرى من بلد الخليل، وعبد الله بن محمد بن يوسف من نابلس، وتفرَّدَتْ بالسماع من الحجّار ومن جماعة، وسمع منها الرّحالةُ فأَكثرُوا، وكانت سهلةً في الإسماع سهلة الجانب، ومن العجائب أن ستٍّ الوزراء [بنت (٣) عمر بن أسعد بن المنجا] كانت آخر مَن حدّث عن ابن الزبيدي بالسّماع، ثم كانت عائشةُ آخر مَنْ حدّث عن صاحبِه الحجَّارِ بالسماع، وبيْن وفاتهما مائة سنة. ماتت في ربيع الأول.
١٧ - عبد الله بن محمد بن أحمد بن قاسم العمراني الحرازي المكي، عفيفُ الدين ابن القاضي تقيِّ الدين بن الشيخ شهاب الدين، عَنِىَ بالعلم وتَنَبَّه في الفقه ومات بمكة وله بضع وستُّون سنة.
стр. 1124
١٨ - عبد القوى بن محمد عبد القويّ البجائى (١) المغربيّ المالكي الفقيه نزيل مكة، تفقَّه وأفادَ ودرّس وأعاد وأَفْتى، وكان خيِّرًا ديّنًا. مات في شوال وقد جاوز الستين.
١٩ - عثمان بن إبراهيم بن أحمد، فخر الدّين البَرْمَاوى، اشتغل كثيرًا ومَهر في القراءات ووَلِيَ تدريس الظاهرية (٢) فيها بعد الشيخ فخر الدين إمام الجامع الأزهر، وكان نبيهًا في العربيَّة وسمِعَ الحديثَ كثيرًا ورافقنا في بعض ذلك، واستملى بعض مجالس عند شيخنا العراق، وناب في الحكم. مات فجأةً عند خروجه من الحمام في تاسع (٣) عشر شعبان ولم يكمل الستين (٤)، وكان أبوه (٥) قد عمّر فمات (٦) قبله بعشر سنين.
٢٠ - العجل بن نعير بن حيار بن مهنَّا، يقال اسمه يوسف بن محمد، وُلد بعد الثمانين ونشأَ في حجر أبيه، ثم لما بلغ العشرين فارقه ومال مع جكم، ولمّا وقع بين جكم وبين ابن صاحب الباز حضر نعير في نصر ابن صاحب الباز، والبازُ وابنه مع جكم، فلما كسر جكم نعيرًا وأسره أحضر إليه ابنه العجل فقبّل يده فأعرض عنه وذلك سنة ثمان.
ثم هرب مِن جكم فقَرّر جكمُ في إمرة العرب فَضْلَ بن عليّ بن نعير، ثم حاصر العجلُ حماة فجاءَ إليه نوروز من دمشق فأوقع به وكسره ونُهب له شيءٌ كثير، ثم اتَّصَل العجل بشيخ وحَضر معه حصار حماة ونوروز بها، فلما ولى شيخُ نيابة حلب فرّ منه العجل فخرج شيخ إلى تلّ السلطان ليَمنع العجلَ من قسم إقطاعات العرب وقسّمها هو، ثم إن نوروز تصالح مع العجل وردّ عليه إقطاعه بعد قتل الناصر (٧).
стр. 1125
ثم لمّا ولى نوروز يشبك بن أزدمر بحلب وطردوه عنها واختاروا دمرداش - وكان بقلعة الروم بطَّالا - حضر نوروز (١) إلى حلب فهرب دمرداش وفرّ نوروز بحلب إلى طوخ، فلما رجع نوروز طرق دمرداش حلب بغتة فاستنجد طوخ بالعجل فحضر ورحل دمرداش، ثم فهم طوخ من العجل عدم المناصحة، واتفق أن العجل طلبه لضيافةٍ عملها له فتعلَّل، فركب العجل إلى طوخ في عشرة أنفس، فلاقاه طوخ في نحو العشرين، فلمّا التقيا وتصافحا أمسك طوخ بيد العجل وأشار إلى بعض أتباعه فقتله وذلك في تاسع عشر ربيع الأول، ويقال إنه كان حينئذ سكرانا.
وكان (٢) شهما فتَّاكا محبا للخمر شديد السطوة والجرأة، فلما قتل من أغضبه بغير موجبٍ قُتل، وبقتله انكسرت شوكة آل مهنَّا.
٢١ - علي بن عبد الله المصرى نور الدين القرافى الحنفى، ناب في الحكم ومهر في ذلك وشارك في مذهبه. مات في رمضان.
٢٢ - على بن محمد بن محمد الدمشقى صدر الدين بن أمين الدين بن الأدمى الحنفى، وُلد سنة سبعين (٣)، واشتغل بالأدب ونَظَرَ في الفقه وكتَبَ الخطَّ الحسن، وناب في الحُكْم،
стр. 1126
وولى كتابةَ السرّ ونظر الجيش بدمشق، واشتغل بالقضاء بدمشق ثم بالقاهرة، وجُمِع له القضاءُ والحسبة في دوْلة المؤيدّ كما تقدّم، وقد أُصيب مرارًا وامتُحِن. ودَخل القاهرة مع المؤيّد فقيرًا جدًّا بحيث أنه احتاج إلى نزْرٍ يسيرٍ للنَّفقة فاقترضه من بعض أصْحابه، ولمَّا مات خلَّف من المال جملةً مستكثرة، وكان لا يتصوّن ولا يتعفَّف سامحه الله. مات في رمضان بعلَّة الصرع القولنجى وبها مات أبوه؛ ومِن نظْمه ما أنشدني لنفْسه وكنتُ اقترحْت عليه أن يعملَ على نمط قَوْلى:
نَسِيمُكُم يُنْعِشُنِي والدُّجَى … طَالَ، فَمَنْ لي بِمَجِئ الصَّبَاح
ويا صِبَاحَ الوجْهِ فارَقْتُكُمْ … فَشِبْتُ همًّا إِذْ فَقَدْتُ الصِّبَاحُ
فعمل ذلك في سنة سبع وتسعين وأنشدنيه عنه جماعة، ثمّ لقيتُه فأنشدني لنفسه:
يَا مُتْهِمى بالصَّبْرِ كُنْ مُنْجِدى … وَلَا تُطِلْ رفْضِي فإنّي عَليلْ
أنْتَ خَلِيلِي فبِحَقِّ الهَوَى … كُن لشْجُونِي راحمًا يا خَليلْ (١)
٢٣ - عمر (٢) بن الشيخ خلف الطوخي، سقط من سطح جامع الحاكم فمات، وكان خيِّرًا حسن السَّمْت.
стр. 1127
٢٤ - فتح الله (١) بن معتصم بن نفيس الداودي التبريزي [البغدادي المولد]، فتح الدين الحنفى، وُلد سنة تسع وخمسين وقدم مع أبيه إلى القاهرة فمات أبوه وهو صغير فكفله عمّه بديع بن نفيس فتميَّزَ في الطِّبّ وبرع، وقرأ "المختار في الفقه"، وتردّد إلى مجالس العلم وتعلَّم الخطَّ، وباشر العلاج وصحب بيبغا السابقي في أيّام الأشرف واختُصّ به فرافقه من مماليكه الأَمير شيخ الصفوى؛ وكان بارعَ الجمال فانتزعه برقوق لما قَبض على السابقي وصار مِن أخصّ المماليك عنده، فزوّج فتح الله أُمّه وفوّض إليه أُمورَه وأسْكنه معه فاشتهر حينئذٍ وشاع ذِكره؛ واستقر في رئاسة الطبّ بعد موت عمه بديع ثم عالج برقوقًا فأعجبه.
وكان يدْرى كثيرًا الألسنة ومن الأخبار فراج على الظَّاهر واختُصّ به وصار له مجلس لا يحضر فيه غيره، فباشر رئاسة الطّب بعفّةٍ ونزاهة، فلما مات [محمود] الكلستاني قرّره الظاهر في كتابة السرّ بعد أن سعى فيها بدْرُ الدِّين بن الدماميني بمالٍ كثير فلم يُقْبِل عليه الظَّاهر، وباشر [فتحُ الله] بعفَّةٍ ونزاهةٍ وقُرْبٍ من الناس وبشاشة وجدّ، وجعله الظاهرُ أحدَ أوصيائِه واستمرّ في كتابة السرّ بعده ولم يُنكَبْ إلَّا في كائنةِ ابن غراب ثم عاد.
وكانت خصاله كلها حميدة إلّا البخل والحِرْص والشّح المفرط حتى بالعارية وبسبب ذلك نُكِب، فإن يشبك لما هرب من الوقْعة التي كانتْ بينه وبيْن النَّاصر ترك أهله وعياله بمنزلٍ (٢) بالقرب منه فلم يُقْرِهم السلام ولا تَفَقَّدَهم بما قيمته الدرهم الفرْد فحقد عليه ذلك، وكان ذلك أعظم الأسباب في تمكين ابن غرابٍ من الحطِّ عليه، فلما كانت النكبة المشهورة لجمال الدين كان هو القائم بأَعبائها وعظُم أمرُه عند الناصر من يومئذٍ وصار كل مباشِر - جَلَّ أو حقر -
стр. 1128
لا يتصرّف إلَّا بأمْره، فلما انهزم النَّاصر وغلَب شيخ استمرّ به وقام بالأَمر على عادته إلى أن نكبهُ في شوال سنة خمس عشرة وثماني مائةٍ واستمرّ إلى أن مات.
قرأت بخط الشيخ تقي الدين المقريزي: "كان لفتح الله فضائل جمّة غَطَّاها شُحّه حتى اختَلق عليه أعداؤه معايب فبرَّأه الله منها، فإنِّى صحْبتُه مدةً طويلة تزيد على العشرين ورافقتْه سَفَرًا وحضرًا فما علمْتُ عليْه إلَّا خيْرًا، بل كان من خَيْر أهل زمانه رصانةَ عقل وديانةً وحسنَ عبادةٍ وتألُّهٍ ونُسْكٍ ومحبَّةٍ للسّنَّةِ وأهلها وانقيادٍ إلى الحق، مع حُسْن سفارةٍ بيْن النَّاس وبين السلطان والصّبْر على الأذى وكثرة الاحتمال والتؤدة وجوْدة الحافظة، وكان يُعابُ بالشحّ (١) بجاهه وبماله فإنّه كان يخذُلُ صديقه أحوجَ ما يكون إليْه، وقد جوزىَ بذلك فإنَّه لما نُكِب هذه المرّة تخلَّى عنه كلُّ أحدٍ حتى عن الزيارة فلم يجِدْ معينًا ولا مغيثًا، فلا حوْل ولا قوّة إلا بالله".
٢٥ - فضلُ بن عيسى بن رمْلة بن جماز أمير آلِ عليّ، كان مِمَّنْ نَصر برقوق لما خرج من الكرك فصار وجيهًا عنده ولم يزلْ إلى أن قَتَلَهُ نوروز في ذي القعدة، ووَلِيَ الإمرة خمسًا وثلاثين سنة.
٢٦ - محمد بنُ إبراهيم بن عبد الحميد بن علي المرغانى (٢) نزيلُ مكة، اشتغلَ بالأدب ونظْم الشِّعر وفاق، وكان به صَمَمٌ؛ وكان لذكائه يُدْرِكُ ما يُكتب له في الهواء وما يُكتب في كَفِّه بالإصبع ليلًا. مات بمكة وقد جاوز السّتين؛ وقد حاكاه في ذلك صاحبنا عبد الرحمن (٣) بن على الحلبيّ الأصل سبْطُ الشيخِ أبي أُمامة بن النِّقاش.
стр. 1129
٢٧ - محمد بن أحمد بن خليل المقرئ (١)، شمسُ الدين الغَرَّاقِي (٢) - بالمعجمة وتشديد الرّاء وبعد الألف قاف - اشتغَلَ كثيرًا وتَمهَّر في الفرائض وشَغَل الناس فيها بالجامع الأزهر وكثُر طلبَتُه وأمّ بالجامع المذكور نيابةً، معَ الدِّين والخيْر وحُسْن السَّمْتِ والتَّواضع والصَّبْر على الطلبة، وكان يقسِّم "التنبيه" و "المنهاج" فيقرّر (٣) عنهما جميعًا في مدّةٍ لطيفة؛ وقد سمع من عزِّ الدين بن جماعة بمكة وحدّث وجاور كثيرًا، وكان يعتمر في كل يوم أربع عمرات ويختم كل يوم ختمة. مات في خامس شعبان.
٢٨ - محمد بن عبد الله الحجبي (٤) الحنفى الملقّب "القطعة": كان من أكثر الحنفيّة معرفة باستحضار الفروع مع جمود ذهْنه، وكان خطه رديئًا للغاية، وكان رثّ الهيئة خاملًا. مات في رمضان.
٢٩ - محمد بن عُمر العَوَارى (٥) - بفتح المهملة والواو الخفيفة - الفقيه جمالُ الدّين التعزى، اشتغل ببلده وشغل الناس كثيرًا واشتهر وأفتى ودرّس ونفع الناس وكثُرَتْ تلامذتُه،
стр. 1130
ثم ولى القضاء ببلده فباشر بشهامة وتَركَ مراعاة أهل الدولة فتعصبوا عليه حتى عُزِل، وقد أراقَ في مباشرته الخمور وأزال المنكرات وألزمَ اليهود بتغيير عمائهم، ثم بَعْد عزْلِه أقبل على الاشتغال والنَفْع للناس إلى أنْ مات.
٣٠ - محمد بن محمد بن سلَّام (١) الاسكندرانى ثم المصرى نزيل جزيرة الفيل، ناصرُ الدين، أحدُ التجار الكبار بالقاهرة صَاهرَ البرهان المحلِّى (٢) على ابنته فعَظُم أمْره، ثم لمَّا مات خلف أموالًا عظيمة فتصرّف في أكثرها محبّ الدين المشير وغيره وتمزَّقت أمواله؛ وكان عمّر دارًا جليلة بجزيرة الفيلَ فاستأْجرها القاضي (٣) ناصر الدين البارزي وشيّدها وأتقنها وأضاف إليها مبانِيَ عظيمةً إلى أن صارت دار مملكةٍ أقام بها الملكُ المؤيّدُ مدّة، ثم بعد ذلك عادَتِ الدار إلى أصحابها وفرق بين المساكن، ومات في أول هذه السنة.
٣١ - محمد بن محمد بن عثمان الدمشقى، القاضي شمس الدين الإخنائي السّعدى، كان يذكر أنَّه من ذريّة شاور وزير الفاطميين؛ وُلد سنة سبعٍ وخمسين واشتغل قليلًا سبع وناب في الحكم عن البرهان بن جماعة بدمشق (٤) في بعض البلاد ثم ناب بدمشق، ثم ولى قضاء حلب - في سنة سبع وسبعين - عوضًا عن ناصر الدين خطيب بَعْرين نحو سنتين، ثم [قَضاء] دمشق في الأيّام الظاهرية ثم النَّاصرية، ثم وَلى قضاء الديار المصرية مرارًا، ثم أخْرَجَه جمال الدين الأُستادار إلى دمشق فوِلِي قضاءها مرارًا ثم امتُحن مرارًا.
وكان شكلًا ضخْما حسنَ الملتقى كثير البِشر والإحسان للطلبة، عارفا بجمْع المال، كثيرَ البذْل على (٥) الوظائف والمدارة للأكابر، وكان قليل البضاعة في الفقه وربما افتُضِح في بعض المجالس لكنه كان يَسْتُر دلك بالبذْل والإحسان. اجتمعْتُ به عند [يلبغا] السالمي وعند
стр. 1131
[قطلوبغا] الكركى ولم يتَّفق أنَّنى اجتمعْتُ به في منزله لا بدمشق ولا بالقاهرة، وكنتُ بدمشق سنة اثنتين وثمانمائة وهو قاضيها فلم أجتمع به وما كنتُ حينئذٍ أُدْمِنُ الاجتماع بأحدٍ من الرؤساء، ولكنّنى اجتمعْتُ به في مجلس الحديث في بيْتِ قطلوبغا الكركى ومرةً أخرى في بيْت يلبغا السالمي، وكان يقول: "أنا قاضٍ كريمٌ، والبُلقينى قاضٍ عالم" عفا الله عنه. مات في رجب ولم يُكْمِل السبعين.
٣٢ - محمّد بن محمّد بن محمّد بن مُسَلَّم بن عليّ بن أبى الجود، ناصر الدين بن الغرابيلي الكركي (١)، وُلد بها (٢) سنة ٥٣، وكان أبوه من أعيانها فنشأَ في نعمة واشْتغَل بالعِلم والآداب وصاهَر العماد الكركي على ابنته، وسكن القاهرة سنين، ثم ولي نيابة قلعة الكرك، ولمَّا عُزِل سكن القدس إلى أن مات في شعبان (٣) وكان فاضلًا يرجع إلى دين، وأنجب ولده الحافظ تاج الدين الغرابيلي الذي مات في سنة. خمس وثلاثين.
٣٣ - موسى بن أحمد بن موسى الرّمثاوى (٤) ثم الدمشقى الشافعي، شهابُ الدين،
стр. 1132
وُلد سنة ستين تقريبًا واشتغلَ فأخذ عن الشيخ شرف (١) الدين الغزّى ولازمه وأذِن له في الإفتاء، وأخذ الفرائض عن محبّ الدين المالكي وفضُل فيها، وأخذ بمكة عن ابن ظهيرة؛ وأخذ طرفًا من الطب عن الرئيس جمال الدين؛ وكتب بخطه ومَهر وتعانى الزراعة، ثم تزوّج بنت شيخه (٢) فماتت معه فورث منها مالًا؛ ثم بذَل مالًا حتى ناب في الحكم واستمر، ثم ولى قضاء الكرك سنة أربعٍ وعشرين؛ قال ابن قاضي شهبة في تاريخه: "كان سيّيء السيرة، فَتَح أبوابًا من الأحكام الباطلة فاستمرَّتْ بعده، وكان عنده دهاء، ومات بدمشق في ربيع الأول وقيل إنه سُمّ، وصاهر [شمس الدين] الإخنائي، وقد امتحن مرة".
стр. 1133
سنة سبع عشرة وثمانى مائة
استهلَّت وقد صمّم السلطان المؤيّد على سَفر الشام لقتال نوروز فخرج في رابع المحرّم من القلعة إلى الرّيدانية في قليلٍ من العسكر، واستنَاب ألطنبغا العثماني في باب السلسلة، وقَرّر للحُكم قجق الحاجب، وفي القلعة صُمَاى وبردبك، وقرّر صدر الدين بن العجمي في نظر الجيش بدمشق، وصُرِف من التُّربة الظاهرية وأعيد إليها حاجي فقيه، وأعيدت المواريث لديوان الوزارة.
وفى هذا اليوم هبَّت ريح شديدة تلاها رعدٌ عظيمٌ وبرقٌ ومطرٌ غزير وبرْدٌ مَلأ وجْه الأرض كل واحدة قدر (١) .... وأكبر من ذلك وخربت عدة دور، وجُمع منه الكثير حتى بيع في الأسواق بستَّةٍ كلُّ رطلٍ، وأحضروا للسلطان منه - وهو معسكِرٌ بالريدانيّة - في طبقٍ فأعجبه ذلك واستبشر به، وأنه يدكُّ بلاد الثلج وكان ذلك في بشنس (٢) من الأشهر القبطيّة، وقد وقع (٣) قريبٌ من ذلك في سنة تسعٍ وتسعين وسبعمائة في سلطنة الظاهر برقوق.
* * *
واستمر [السلطان] متوجّها في تاسع المحرم ومعه الخليفة الجديد والقضاة وأربابُ الدولة إلَّا الأُستادار فإنّه توجّه إلى الوجه البحريّ ثم عاد بعد أيام بأجمال موقرة ذهبًا ولحق بالسلطان؛ ودخل المؤيد غزة في العشرين من المحرّم وأقام بها أيامًا، ثم رحل فنزل على قبة يلبغا ثامن صفر، وكان سبب تباطيه في السير الاحتراز على نفْسه من أعدائه وممَّن معه، وفي غصون ذلك كان يحضر إليه جماعةٌ بعد جماعةٍ من الظاهرية والناصرية يفرّون من نوروز وأكثرُهم ممَّن كان يؤثر الإقامة بالدّيار المصرية، ومن أسباب ذلك أنه كان وقع الغلاءُ في الشام.
стр. 1134
ثم التَقتْ طلائع الفريقَيْن فرجحَتْ طليعةُ نوروز، و كان شيخ بِشَقْحَب فركب إليهم فداهمهم، فانهزم أصحاب نوروز واستعدّ نوروز للحصار وحَصَّن القلعة، فبعَث إليه المؤيّدُ مجد الدين قاضِيَ الحنابلة في طَلبِ الصلح فامتنع فوقعت الحرب، ووصل كزل نائبُ طرابلس فحمل بمَن معه فانهزم نوروز كعادته وامتنع بالقلعة، ومَلكَ المؤيّدُ البلد فنزل بالميدان وحاصَرَ القلعة إلى أنْ ضاق بنوروز الأمر ومال إلى طلب الصلح، فأرسل قمش فقرّر له الصلح ونزل هو ويشبك بن أزدمر وسودون كسا وبرسنبغا وإينال وغيرهم فقبض عليهم جميعًا وقُتِلوا في ليلتهم، وبَعث برأس نوروز إلى القاهرة فوصلوا بها في جمادى الأُولى فعُلقَت على باب القلعة صحبةَ جرباش (١) قاشق، وكان يومئذٍ أميرَ عشرة، وكان أوَّلَ ما تقدّم نوروز تقدمةً في صفر سنة سبع وتسعين في اليوم الذي تأَمَّر فيه شيخٌ طبلخاناه؛ ثم توجَّه المؤيّدُ إلى جهة حلب في ثامن جمادى الأُولى ثم توجه منها في آخر جمادى الآخرة إلى الأبلستين ودخل إلى ملطية وقَرّر قواعد البلاد، ووافاه نوّاب القلاع فقَرَّر من أراد وصرف من أراد صَرْفه، وقتل طوغان نائبَ قلعة الروم وقَرَّر فيها جانبك الحمزاوي ورجع إلى القاهرة.
واستناب في ملطية كزل، وفى حلب إينالَ الصصلاني، وفى حماة تنبك البجاسي، وفي طرابلس سودون من عبد الرحمن، وفى الكرك يشبك وقد صارت خرابًا من الفتن؛ ثم قدم دمشق فوصل في ثالث رجب فاستناب فيها قانباي (٢)، وسار إلى القدس فوصلها في أوّل شعبان ومضى إلى غزَّة فاستناب فيها طراباي، وسار منها فدخل سرياقوس في رابع عشرى شعبان وأقام إلى آخر الشهر، وعمل أوقاتًا بالقرّاء والمغنِّين والسماعات وفرَّق على أهل الخانقاه مالًا. وركب يوم الأربعاء سلخ شعبان فبات بالرّيدانية وأصبح يوم الخميس فعسكر وطَلع إلى القلعة فانتفَضَ عليه ألمُ رِجله من ضربات المفاصل فانقطع به مدّة.
стр. 1135
وفي ثامن رمضان نُفى جرْباش كباشه وأرغون إلى القدس، واستقرّ ألطنبغا العثمانيُّ أتابك العساكر بالقاهرة بعد موت يلبغا الناصري، وكان قد مات في حال رجوعهم من الشام.
وفى ثانى عشره قُبض على قجق ويلبغا المظفرى وتَمَنْتمِر (١) آق وسُجنوا بالإسكندرية. وعُزِل الأُمويّ قضاء المالكيَّة وأعيد جمال الدين الأقفاصى، وقرّر صُماى في نيابة إسكندرية وأُحْضِر ابن محبّ الدين و كان قد ظَلم فيها وعسف في غيبة المؤيد فوصل في أواخر الشهر فقدَّم تقدمة قُوّمَتْ بخمسة (٢) وعشرين ألف دينار فخُلع عليه وأُعيد إلى الأستادارية، وكان ابن أبي الفرج قد هرب (٣) إلى بغداد لأمرٍ بلغه من السلطان فخاف منه على نفسه، فسدَّ تقي الدين بن أبي شاكر متعلقات الأُستادارية في هذه المدّة إلى هذه الغاية.
* * *
وفيه ضُيِّقَ على الخليفة المستعين وكانَتْ قد أُفردت له بالقلعة دارٌ فأقام فيها هو وأهله وخدمه، ثُمَّ نُقل إلى البرج الذي كان الظاهر برقوق سجن فيه والده الخليفة المتوكِّل فأقام فيه في ضيقٍ شديد إلى (٤) أن أخرجه في ذى الحجة من السنة المقبلة إلى الإسكندرية.
وفى خامس عشر رمضان استقر سودون القاضي حاجبًا كبيرًا عوضًا عن قجق، واستقرَّ قجقارُ القردميُّ أمير مجلس، وجانبك الصوفى أمير سلاح عوضًا عن شاهين الأفرم بعْد موته، واستقرّ تانى بك ميق رأْسَ نوبة عوضًا عن جانى بك الصّوفيّ، واستقر كزل العجمي أمير جندار عوضًا عن جرباش كباشة، واستقر أقباى الخازندار في الدويدارية الكبرى عوضًا عن جانبك الدويدار وكان (٥) قد مات في هذه السفرة من سهمٍ أصابه في حصار دمشق فضعُف منه إلى أن مات بحمص.
* * *
وكان سعرُ الغلال في هذا الشهر من هذه السنة في غاية الرخص حتى صار ثمن كل
стр. 1136
ثلاثة أرادب من القمح دينارًا واحدًا؛ هذا في البلد، وأمّا في الريف فكان. يصبح بالدينار الواحد أربعة أرادب وخمسةُ أرادب، وكثر حَمْل النّارنج حتى بيع كل مائة وعشر حبّات بدرهم واحد بندقيّ، ثمنه من الفلوس إثنا عشر.
وفى شوّال سُجن سودون الأسندمرى وقَصْرُوه وكمشبغا الفيسي وشاهين الزرد كاش، وأُحضر كمشبغا العيساوى من دمياط.
وفيه أمر المؤيّد بضرب الدراهم المؤيدية فشرع فيها، وكان ما سنذكره في السنة المقبلة.
وفيه جلس المؤيّد في الحكم بين الناس بالإسطبل واستمرَّ ذلك في يوم السبت والثلاثاء أوّل النهار. وفى يوم الجمعة - بعد الصلاة - كان يسمع الحكومة ويردُّها غالبًا إلى القضاة إذا كانت (١) شرعيّة.
وفي ليلة الخميس رابع عشر شوّال خُسف القمر وظلَّ مختفيًا قدْر أربع ساعات.
* * *
وفيه راجَتِ الدّراهم البندقيّة وحَسُن موقعها بين الناس وحضّ المؤيد الأُستادار وغيره من المباشرين على مصادرة أهل الظُّلم من البرددارية والرّسل والمتصرّفين وكانوا قد كثرُوا جدا في أيام جمال الدين يوسف وتزايدَت أموالهم بحيث أن واحدًا منهم يقال له "سعد" أنشأ ببركة (٢) الرّطلى دارًا صرف عليها نحو الخمسين (٣) ألف دينار، فمال عليهم ابن محبّ الدّين وصادر أكثرهم. واشتدّ المؤيّد - في جلوسه للحكم - على طائفة القبط وأسمعهم ما
стр. 1137
يكرهون، وضرب جماعةٌ منهم بالمقارع وحطَّ من قدْرهم، وأوقع التنكيل باليهود والنَّصارى حتى أُلزموا بحمل عشرين ألف دينار مصالحةً عما مضى من الجزية، واستقر زين الدين قاسم البشتكي في تحصيل ذلك منهم وفي نظر الجوالى.
وفى سلخ شوال أُضيفت حسبةُ القاهرة ومصر إلى التاج الوالى، وقُبض على منكلى بغا الحاجب المحتسب فوُكِّل به أيامًا ثم أطلق.
وفى أول ذي القعدة توجه السلطان إلى أوسيم (١) بالجيزة، ثم توجه إلى تروجة (٢)، وقَرّر كمشبغا العيساوي (٣) في كشف الوجه البحرى.
وفى شوال سعى القاضي ناصر الدين بن البارزى كاتب السرّ في إحضار القاضي علاء الدين بن المغلى قاضي حماة فأذن له فأُحْضِر في ذي القعدة، فوجد [ابن المغلى] السلطان في سفرة تروّجة فأقام عند كاتب السر إلى أن قدم السلطان، ثم كان ما سيأْتي ذكره في السنة المقبلة.
وفي هذه السنة كثير الوباءُ بكورة البهنسا (٤) فمات خلقٌ كثير.
وفي خامس ذي الحجة كان أمير الحاج - وهو جقمق الدويدار - قدْ مَنَع عبيد أهل مكة من حَمْل السلاح في الحرم، فاتَّفق أن واحدًا دخل ومعه سيفه ولم يسمع النداء فأحضروه إلى جقمق فقيَّده وضربه، فبلغ ذلك رفقَتَه فأرادوا إثارة الفتنة، فبادر جقمق فأَغلق أبواب المسجد وأدخل خيله فيه ومشاعِلِيَّتَه، فهجم عبيد مكة بالسِّلاح ركوبًا على الخيل إلى المسجد، فمشى إليه أهل الخير وأشاروا بإطلاق ذلك العَبْدِ تسكينًا للفتنة فأطلقه
стр. 1138
فسكنت، وكان (١) الشريف حسن قد قام في إطفائها ومنع القواد من القتال بعد أن وقع بنهيم الشرّ، وحصل لبعض الحاج عند الدّفع من عرفة نهبٌ وجراح، وقتل في المعركة جماعةٌ ولم يحجّ أكثرُ أهل مكة خوفًا على أنفسهم.
وفيها مات يَعمر (٢) بنُ بهادر الذكرى من أمراء التركمان هو وولده بالطاعون في أوّل ذي القعدة.
وفيها تواقع قرا يوسف وشاه رخ بن تمرلنك ثم اصطلحا وتصاهرا.
وفي أواخر السنة عَيّد شاه رُخ عيد النَّحر بمدينة قزوين، وأرسل إلى قرا يوسف يلتمس منه أمورًا ذكرها، فكان ما سنذكره في العام الآتى.
* * *
وفيها مات - غير من تقدّم - من الأمراء: سليمان (٣) بن هبة الله بن جُماز بن منصور الحسينى مسجونًا في آخر ذى الحجة وقَدْ ولى إمرة المدينة مرة.
وفى أولها مات طوغان.
* * *
وفى هذه السنة جُددت مئذنة جامع الأزهر وكانت أُصْلِحَتْ في سنة ثمانمائة فكملت في هذه السنة، فأمر المؤيد بتجديد ما انهدم منها وأُعيدت بحجرٍ منحوت، وجُدِّدت تحتها بوابةٌ جديدةٌ وكتب عليها اسم السلطان، وكان تكميل ذلك في أول السنة المقبلة.
* * *
وفيها أخل الفرنج سبتة، وكان السبب في ذلك أن أحمد بن سالم المريني نزل عنها لابن الأحمر صاحب غرناطة، فانتقل ما كان فيها من العدد والأسلحة والذخائر إلى غرناطة، ثم اتفقت الفتنة المقدّم ذكرها في سنة أربع عشرة بين السعيد وقريبه أبي سعيد إلى أن
стр. 1139
قُتِل السعيد، وأعقَبَ ذلك الوباءُ والغلاءُ بمدينة فاس والمغرب كله، فولى السعيد على فاس رجلًا سامهم سوء العذاب، ثم أرسل أبو سعيد إليها رجلًا من أقاربه يُقال له "صالح بن صالح" فتناهى في الظلم، وفشا فيهم الموت وبلغ ذلك الفرنج فعمروا عليهم عدّة مراكب، فجَيَّشَ (١) صالح أهل الجبال وأنزلهم على البلد، فرجع الفرنج إلى جزيرةِ بيْن سبتة وجبل الفتح تسمّى "وطرف القنديل" فأقاموا بها، وطال الأمر على أهل الجبال وظنّوا أن الفرنج رجعوا إلى بلادهم، وقلَّت على أهل الجبال الأزواد فتفرّقوا، فبلغ ذلك الفرنج فنازلوا أهل سبتة فقاتلوهم فغَالَبَهم بالكثرة وملكوا منهم الميناء، فخرج المسلمون بأهلهم وأموالهم وما قدروا عليه، فدخل الفرنج البلد في سابع شعبان من هذه السنة ونقلوا ما كان بها حتى الكتب العلمية و كان بها منها شيءٌ كثيرٌ إلى الغاية، ونقلوا ما وجدوا بها من الرخام والآلات والأمتعة حتى الأنوال وتركوها قاعًا خرابًا ومع ذلك فهى بأيديهم، فلا قوّة إلا (٢) بالله.
* * *
ذكر من مات في سنة سبع عشرة وثمانمائة من الأعيان
١ - أحمد (٣) بن أحمد المقرئ الحلبي (٤)، اعتنى بالقرآن وكان يقرئ بمسجدٍ يجاور الشاذبختية بحلب مدّة، ثم تحوّل من حلب إلى القدس قبل الوقعة العظمى وانتقل
стр. 1140
إلى دمشق وأقام بها، ثم [انتقل] إلى طرابلس فأقام بها، واستمر إلى أن مات في شوال سنة ٨١٧. أثنى القاضي علاءُ الدين في تاريخه على خيْره ودينه.
٢ - أحمد (١) عبد الله المالقى النَّاسخ، كان شافعيَّ المذهب إلا أنه يحبّ ابن تيميّة ومقالاته، وكان حسن الخطِّ، كتب ثلاثمائة مصحف وعدّة نسخ من "صحيح البخاري" وأشياء غير ذلك. مات في شوّال مطعونًا، وأرّخه القاضي تقيّ الدين بن قاضي شهبة في جمادى الأُولى سنة خمس عشرة (٢) فليحرّر هذا.
٣ - أبو بكر بن علي بن سالم بن أحمد الكناني، تقيّ الدين العامري (٣) بن قاضي الزبداني، وُلِد في ذى الحجّة سنة خمسين، واشتغل بدمشق فبرع في الحساب وشارك في الفقه وقرأ في الأصول، وولى قضاء بعلبك وبيروت، وقدم القاهرة بعد الفتنة الكبرى وكان قد أُسر مع التمرية ثم خلص، وأخبر عن بعض مَن أَسُرَهُ أنه قال له: "علامة وقوع الفتنة (٤) كثرة نباح الكلاب وصياح الديكة في أوّل الليل، قال: "وكان ذلك قد كثر بدمشق قبل مجيء تمرلنك".
وكان يقرأ في المحراب جيدًا ووُلى قضاة كفر طاب (٥) وتقدم في معرفة الفرائض والحساب، وكان دينا خيّرًا يتعانى المتجر. مات بدمشق في ذي الحجة.
стр. 1141
٤ - حسن بن موسى بن إبراهيم (١) بن مكيّ المقدسي الشافعي، بدْر الدين قاضي القدس، سمع من الميدومى (٢) "جزء ابن عرفة" و"جزء البطاقة" وغير ذلك، وحدّث عنه، وولى قضاء القدس مرارًا، وكان مزجِيَّ البضاعة في العلم. مات عن ستين (٣) سنة.
٥ - سعد (٤) بن علي بن إسماعيل الهمذانى الحنفى ثم العينى سعد الدين نزيل حلب، كان فاضلًا عاقلًا ديّنًا له مروءة ومكارم أخلاق، وله وقعٌ في النفوس لخيْرِهِ ونفعه للطلبة وإحسانه إليهم بعلْمه وجاهه. مات في أوّل شعبان وخلَّف ولده سعد الدين سعد الله ولم تطل مدّته (٥) بل مات في سنة ٢١ [ولم (٦) يكتهل].
٦ - شاهين (٧) الأفرم [الظَّاهرى برقوق ويعرف بشاهين كَتُك] مات في الرملة عند توجههم إلى قتال نوروز، وكان مشهورًا بقلَّة الدين بل كان بعض الناس يتهمه في إسلامه؛ وذكر لي الشيخ برهان الدين بن زقاعة شيئًا من ذلك، وقال العينتابي: "كان مدمنًا على الخمر واللواط ولم يشتهِر عنه خير ولا معروفٌ مع كثرة أمواله".
٧ - عبد الله بن صالح بن أحمد بن عبد الكريم بن أبى المعالي الشيباني المكي، سمع من عثمان بن الصفيّ الطبرى والفخر النويرى (٨) والسراج الدمنهورى وغيرهم وتفرّد بالرواية عنهم بمكة، وكان خطيبًا بجدَّة. مات في ربيع الآخر وقد جاوز (٩) الثمانين، وقد تقدم ذكر أخيه (١٠) جار الله بن صالح.
стр. 1142
٨ - عبد الله بن علي بن محمد بن علي بن عبد الله بن أبي الفتح الكناني العسقلاني الحنبلي (١) بن هاشم بن إسماعيل بن إبراهيم بن نصر الله، جمالُ الدين سبطُ [أبي الحرم] القلانسي، ولد سنة خمسين [وسبعمائة] وأُحْضر عند الميدوى وأُسْمع على القلانسي والعرضي وابن الملوك وحدّث بالكثير في آخر أمره، وأحبّ الرواية فأكثروا عنه، وكان أبوه قاضي القضاة، وكان هو بزيّ الجند مع الدين والعبادة وعلى ذهنه مسائل فقهيّة. مات في نصف السنة بالقاهرة.
٩ - عبد الرحمن بن حيدر بن علي (٢) بن أبي بكر الشيرازي الدمقلى التاجر [السفار] سمع من أحمد بن محمد الجوخى وغيره بدمشق، وكان أبوه من طلبة الحديث فأسمعه الكثير ثم ضاعت أَسْمِعَتُه. لقيتُه بزبيد فحدّثني عن ستِّ (٣) العرب بنت محمد بن الفخر، ثم لقيتُه بعدن فحدثني عن ابن الجوخى وأجاز لي، ومات في جزيرةٍ (٤) من جزر الهند وقد قارب السبعين.
١٠ - عبد الرحمن بن علي بن يوسف بن الحسن بن محمود الزَّرَنْدي (٥)، زين الدين الحنفى المدني ابن القاضي نور الدين، ولد قبل (٦) سنة خمسين واشتغل [في الفقه (٧) وغيره] وسمع من العلائي، وولى قضاء المدينة بعد أخيه أبى الفتح سنة أربعٍ وثمانين (٨) إلى أن مات
стр. 1143
إلّا أنَّه عُزِل مرةً (١) سنة أربع وثمانى مائة ثمّ أعيد، وولى حسبة المدينة أيضا، وحدّثنا "بمسلسل التمر" (٢) بالمدينة ولم أضبط ذلك عنه، وتفرَّد بالإجازة من الزبير بن عليّ الأسوانى راوى "الشفا". مات في ربيع الأول.
١١ - عبد الرحمن بن عمر بن أحمد بن عبد الله بن المهاجر زين الدين، وُلد سنة ............. (٣) وولى مشيخة خانقاه الصالح بحلب، ثم ولى كتابة السّر بها، ثم ولى نظر الجيش. وكان حسن البشر (٤). مات في شعبان بعد أن ارتفع الطاعون.
١٢ - عبد الرحمن بن محمد الحضرمي الزبيدي (٥)، وجيه الدين [اليماني]، سمع من خاله عيسى بن أحمد بن أبي الخير الشماخي وعلى بن شدّاد، وأجاز له [خالاه] عبد الرحمن وإبراهيم إبنا أحمد بن أبي الخير، وكان يحفظ كثيرًا من أحاديث الأحكام ويذاكر بأشياء حسنةٍ وأشعار. مات في أوّل المحرم وله ثلاثٌ وثمانون سنة.
١٣ - محمد بن عبد الله بن ظهيرة بن أحمد بن عبد الله بن عطية بن ظهيرة بن مرزوق بن محمد بن سليمان المخزومى المكي الشافعي، جمالُ الدين أبو حامد، وُلد (٦) سنة خمسين تقريبًا، ثم (٧) تحرّر لي أنه وُلِد في شوال سنة إحدى وخمسين. وعَنِىَ بالحديث فرحل فيه إلى دمشق وحلب وحماة ومصر والقدس وغيرها، وحصّل الأجزاء والنسخ وكتب الكثير بخطِّه الدقيق الحسن، وبرع في الفقه والحديث، وشَغَل الناس وأفادهم نحوًا من أربعين سنة بمكَّة.
стр. 1144
ومِن (١) شيوخه في الحديث بدمشق ابن أَميلة وابن الهبل وابن أَبي عمر صلاح الدين من أَصحاب الفخر وجَمْعٌ من أَصحاب التقيّ سليمان ومنَ بَعْدَهم؛ ومِن شيوخه في الفقه بمكَّة عمُّه أَبو الفضل النويري، وبدمشق البهاءُ السُّبكى وقَرأَ عليه الحديث بمصر، والأَذرعِيُّ بحلب، والبلقيني بمصر؛ ولازم شيخنا العراق في الحديث. وقد خرّج له صاحبنا غرسُ الدين خليل معجمًا عن (٢) شيوخه بالسماع والإِجازة في مجلدة، وشرح هو قطعةً من "الحاوي". وله (٣) عدّة ضوابط نظمًا ونثرًا وله أَسئلة تدلُّ على باعٍ واسعٍ في العلم اسْتَدْعَى الجوابَ عنها من شيخنا البلقيني فأَجاب عنها وهى معروفة بلقب "الأسئلة المكية"؛ ومن ضوابطه في المواطن الذي يزوّج فيها الحاكم، أَنشدها عنه رفيقه برهان الدين بحلب، وذكر أَن شيخنا البلقيني لمّا سمعها أَعجبَتْه وبالغ في شُكْرِه لقوله فيها "أَسلام أَم الفرع وهي (٤) لكافر":
عدم الولى وفقده ونكاحه … أَسلام أَم الفرع وهي لكافر
وحدّث بكثيرٍ من مروياته بالمسجد الحرام، وقد سمعتُ منه وحدّثنى مِن لفظه، وهو أَوّلُ شيخٍ سمعْتُ الحديث بقراءَته بمصر في سنة ستٍّ وثمانين، وقد وَلى قضاءَ مكة سنة ستٍّ وثمانمائة وعُزِل وأُعيد مرارًا ومات وهو قاضٍ في شهر رمضان؛ وكان كثير العبادة والأَوْراد مع السَّمْتِ الحسن والسُّكُون والسلامة. رحمه الله تعالى.
١٤ - محمد بن عزيز (٥) بن الواعظ الحنفى، كان فاضلًا ذكيًا، ولى مشيخة اليُونسية (٦)
стр. 1145
ودرّس بغير مكان، وكان حسن الخطِّ والعشرة كريمَ النَّفْس، كتب بخطِّه كثيرًا، ومات في جمادى الآخرة.
١٥ - محمد بن محمد بن محمد المخزومي الإسكندرانى، فتح الدّين، سمع من ابن نباتة "سيرة ابن هشام"، وحدّث بها عنه بمكة، وكان يتعانى التجارة فنُهب مرّة وأَملق وأَقام بزبيد ينسخ للملك الأَشرف ثم حسنت حالُه وتبضّع وربح، ثم وَالَى الأَسفار إلى أَن أَثرى وجاور بمكة ثم وَرَدَ في البحر قاصدًا (١) القاهرة فمات بالطُّور في أوائل شعبان.
١٦ - محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم بن عمر الشيرازي (٢)، الشيخ العّلامة مجد الدين أَبو الطَّاهر الفيروزبادي، كان يرفع نسبه للشيخ أَبي إِسحق الشيرازي صاحب "التنبيه"، ويذكر أَن بعد "عمر": أَبا بكر بن أَحمد بن أَحمد بن فضل الله بن الشيخ أَبي إسحق" ولم أَزل أَسمع مشايخنا يطعنون في ذلك مستندين إِلى أَن "أَبا إسحق" لم يعقِب؛ ثم ارتقى الشيخ مجدُ الدين درجةً فادّعى - بعد أَن وَلِي القضاءَ باليمن مدّة طويلة - أَنَّه من ذرّية أَبي بكر الصّدّيق، وزاد إِلى أَنْ قرأْت بخطه لبعض نوّابه في بعض كُتُبه: "محمد الصديقي" ولم يكن مدفوعًا عن معرفةٍ إِلَّا أَن النفس تأْبى قبول ذلك.
وُلِد الشيخ مجدُ الدين سنة تسعٍ وعشرين وسبعمائة بكازرون (٣) وتفقّه ببلاده وسمع بها من محمد بن يوسف الزرندي (٤) المدني "صحيح البخاري" وعلىَ بعْضِ أَصحاب الرشيد ابن أَبي القاسم، ونظَر في اللغة فكانَتْ جُلَّ قصدِه في التحصيل فمهر فيها إِلى أَن تمهّر وفاق
стр. 1146
أَقرانه، ودخل الدّيار الشامية بعد الخمسين فسمع بها وظهرت فضائله وكثر الآخذون عنه، ثم دَخل القاهرة ثم جال في البلاد الشمالية والشرقية، ودَخل (١) الهند وعاد منها على طريق اليمن قاصدًا مكَّة، ودخل زبيد (٢) فتلقّاه الملك الأَشرف إِسماعيل بالقبول وكان ذلك بعد وفاةِ جمال الدين الريّمي (٣) قاضي الأَقضية باليمن كلِّه، فقرّره الملك الأَشرف مكانه وبالغ في إِكرامه فاستقرَّت قدمُه بزبيد واستمرّ في ذلك إلى أَن مات؛ وقدم في هذه المدّة مكة مرارًا وأَقام بها وبالطائف ثم رجع.
وصنّف "القاموس المحيط" في اللغة لا مزيد عليه في حُسْن الاختصار، وميّز فيه زياداته على "الصحاح" بحيث (٤) لو أُفْرِدَت لكانت قدْر "الصحاح"، وأَكثر في عدد الكلمات وقرئ (٥) عليه؛ وكان ابتدأَ أَوّلًا بكتَابٍ كبيرٍ في اللغة سمّاه "اللَّامع والعلم العجاب، الجامعُ بيْن المحكم والعباب" وكان يقول: "لو كان يكمل لكان مائة مجلدة". وذكر عنه الشيخ برهان الدّين الحلبي بأَنَّه تتبعَ أَوهام "المجمل" لابن فارس في أَلف موضع، وكان مع ذلك يعظِّم ابنَ فارس ويثني عليه، وقدْ أَكثر المجاورةَ بالحرميْن، وحصّل دنيا طائلة وكتبًا نفِيسةً لكنَّه كان كثير التبذير، وكان لا يسافر إِلَّا وصحبَتُه عدَّةُ أَحمال من الكتب ويُخْرجُ أَكثرها في كلِّ منزلة: فينظر فيها ويعيدها إِذا رحل، وكان إذا أَملق باعها.
وكان الأَشرفُ كثيرَ الإِكرام له حتَّى إِنه صنَّف له كتابًا وأَهداه له على أَطباقٍ فملأَها له دراهم؛، وصنَّف للناصر كتابا سمَّاه "تسهيل الوصول إلى الأَحاديث الزائدة على جامع الأُصول" و "الإِصعاد إلى رتبة الاجتهاد" في (٦) أَربعة أَسفار، وشرع في شرح مطوّل على "البخاري" ملأَهُ بغرائب المنقولات، وذكر (٧) لي أَنَّه بلغ عشرين سفرًا،
стр. 1147
إِلَّا أَنه لمّا اشتُهِرَت باليمن مقالةُ ابن العربي ودَعى إِليها الشيخ إِسماعيل الجبرتي وغَلب علَى علماءِ تلك البلاد صار الشيخ مجدُ الدين يُدخِل في "شرح البخاري" من كلام ابن العربي في "الفتوحات" ما كان سببًا لشَيْنِ الكتاب المذكور فلمْ (١) يشتهر، ولم (٢) أَكن أَتهم الشيخ بالمقالة المذكورة إِلَّا أَنه كان يحبّ المداراة، وكان الناشري يناضل الفقهاءَ بزبيد ويبالغ في الإِنكار على إِسماعيل، وشَرحُ ذلك يطول. ولمّا اجتمعتُ بالشيخ مجْد الدين أَظهر لي إِنكارَ مقالةِ ابن العربيّ وغضَّ منها ورأَيْتُه يصدق بوجود روين الهندى ويُنكِر على الذهبّي قولَه في الميزان "إِنه لا وجودَ له"، وقال لي الشيخ مجد الدين إِنه دخل قرْيَتَه ورآى ذرّيته وهم مطبقون على تصديقه؛ وقد أَوضحْتُ ذلك في ترجمة رتن في كتاب "الإصابة".
ومن تصانيفه: "شوارق الأَسرار في شرح مشارق الأَنوار" و "الروض المسلوف فيما له اسمان إِلى أُلوف" و "تحبير الموشّين فيما يقال بالسين والشين"؛ وكان يقول: "ما كنتُ أَنام حتى أَحفظ مائتى سطر"؛ ولم يُقدَّر له قط أَنه دخل بلدًا إِلَّا وأَكرمه متولِّيه وبالغ في إِكرامه مثل شاه شجاع صاحب تبريز والأَشرف صاحب مصر والأَشرف صاحب اليمن وابن عثمان صاحب الروم (٣) وأَحمد بن أُويس صاحب بغداد وغيرهم، ومتَّعه الله بسمعه وبصره إِلى أَن مات.
سمع الشيخ مجْدُ الدين من ابن الخبّاز وابن القيّم وابن الحموي وأَحمد بن عبد الرحمن المرداوى (٤) وأَحمد بن مظفرّ النابلسي (٥) والشيخ تقيّ الدين السبكي ويحيى بن عليّ بن
стр. 1148
مجلى بن الحداد (١) وغيرهم بدمشق في سنةِ نيّفٍ وخمسين، وبالقُدس من العلائي والتبّاني، وبمصر من القلانسي ومظفَّر الدين وناصر الدّين التُّونسى وابنِ نباتة والفارق والعُرَضى والعزِّ بن جماعة، وبمكة من خليل المالكي والتقيّ الحرازي، ولقى بغيرها من البلاد جمعًا جمًّا من الفضلاءِ وحمل عنهم شيئا كثيرًا، وخرّج له الجمال المراكشي مشيخةً، واعتنى بالحديث. اجتمعْتُ به في زبيد وفى وادى الخصيب، وناولني جُلَّ "القاموس" وأُذن لي مع المناولة أَن أَرويه عنه، وقرأُتُ عليه مِن حديثه عدَّةَ أَجزاء، وسمعْتُ منه "المسلسل" بالأَولية بسماعه من السبكي، وكتب لي تقريظًا على بعْض تخريجاتى أَبْلَغَ فيه، وأَنشدني لنفسه في سنة ثماني مائة بزبيد (٢) بيتيْن كتبهُما عنه الصّلاح الصفدي في سنةِ سبع وخمسين بدمشق، وبيْن (٣) كتابتهما عنه ووفاته ستون سنة.
أَخِلَّانَا الأَماجِدَ إِنْ رَحَلتُمْ (٤) … ولمْ ترعُوا لَنَا عَهْدا وإِلَّا
نُوَدِّعُكُمْ ونُودِعُكُمْ قُلُوبًا … لَعَلَّ الله يَجْمَعُنَا وإِلَّا
مات في ليلة العشرين من شوّال وهو متمتِّعٌ بحواسّه، وقد ناهز التسعين.
١٧ - نوروز (٥)، كان من مماليك الظاهر وأَوّل ما رقَّاه خاصكيًّا ثم أَمير آخور عوضًا عن بكلمش سنة ثمانى مائة، وكان قبل ذلك أَمّره رأْس نوبةٍ صغيرًا في شهر رجب سنة سبع وتسعين وسبعمائة، ثم رامَ القيام على السلطان فنمَّ عليه بعضُ المماليك فقَبض عليه في صفر سنة إِحدى وثمانى مائة وقُيِّد وَحُمِل إِلى الإِسكندرية فسُجِن بها ثم نُقل إِلى دمياط، ثم
стр. 1149
أُفْرِج عنه في سنة اثنتين وثمانى مائة واستَقَرَّ رأْسَ نوبةٍ كبيرًا ثم استقر في نظر الشيخونيّة (١)، وحضر قتال أَيتمش ثم وقعة اللنك، ورَجع مَع مَنْ انهزم واستقرّ (٢) رأْس نوبة كبيرًا، واستمر يتنقَّل في الفتن على ما مرّ في الحوادث إِلى أَن قُتِل في ربيع الآخر.
وكان متعاظمًا سفاكًا للدماءِ عبوسًا مهابًا شديد البأْس، وكان مشئوم النقيبة (٣) ما كان في عسكرٍ قطَّ إلَّا انهزم، ولا حُفِظَ له أَنه ظفر في وقعة قطّ، وهو الذي عمّر قلعة دمشق بعد اللنك، قال العينتابي: "كان جبارًا ظالمًا غشومًا بخيلًا" كذا قال؛ وقد سمعْتُ (٤) الشيخَ تقيَّ الدين المقريزى يقول: "سمعتُ نوروز هذا يقول ما معناه إِنى لَيَشُقُّ عليَّ أَلا يكون في مماليك أُستاذى الملك الظَّاهر رجلٌ كاملٌ في أُمور المملكة وتدبير الرعية والرفق بهم".
١٨ - يشبك (٥) بن أَزدمر، كان مشهورًا بالشجاعة والفروسية، وقال العينتابي: "كان ظالمًا لم يشتهر عنه خير" كذا قال، وقد باشر نظر الشيخونية ورأَيْتُ أَهلها يبتهلون بالدعاء له والشكر منه.
١٩ - يلبغا (٦) النَّاصري كان من خيار الأُمراء، مات ليلةَ الجمعة في شهر رمضان.
* * *
стр. 1150
سنة ثماني عشرة وثمانمائة
في الثاني من المحرم قدم المؤيّد من البحيرة بعد أَنْ قرّر على مشايخها أَربعينَ أَلفَ دينارٍ، فكانت مدّة غيبته شهرين.
وفي عاشره أُفرج عن يلبغا المظفرى وبكتمر اليوسفى من سجن الإسكندرية.
وفيها استعدّ قرا يوسف للحرب بينه وبين شاه رخ بن تمرلنك، وذلك أَن ابن تمرلنك استناب في فارس بعد أَن غلب عليها وانتزع من متملكها ابن أَخيه (١) إِسكندر بن مرزا بن تمر لنك أَخاه رستم وأَمر بالإِسكندر فكحَّل ثم أُطلق، فجمع الإِسكندر جمعا وحارب أَخاه فانهزم الإسكندر فأَسره (٢) عمّه فقُتل، وتسلَّم شاه رخ السلطانية (٣) وتفرّغ وجه شاه رخ لقرا يوسف وكان أَرسل يطلب منه قريتين عَيَّنَهُما وامرأَةَ أَخيه وابنةَ أَخيه وكان قرا يوسف قد أَسرهما، ويقال إِنَّه تزوجهما، ويلتمس منه أَن يلتزم بديات مَن قتل من إِخوته ورَدِّ ما وصَلَ إِليه من أَموالهم، وأَن يضرب السكة باسمه ويخطب له في بلاده؛ فلم يفعل قرا يوسف. ذلك واستعدّ للحرب من أَواخر العام الماضي وأَرسل إِلى ابنه محمد شاه من بغداد وينبه عساكره المتفرّقة في البلاد.
وفيه قدم كتاب فخر الدين بن أَبي الفرج من بغداد بأَنه مقيم بالمستنصرية وإِنَّما هرب خوفًا على نفسه ويسأَل العفو ويطلب الأَمان، وكان استشفع بالشيخ محمد بن قديدار (٤) بن الدمشقى فأَرسل كتابه قرينَ كتابه، فأُجيب بما طيّب خاطره.
стр. 1151
وفيه وصل كتاب آقبغا النظامى من جزيرة قبرص - وكان قد توجّه [من القاهرة] في العام الماضي لفكِّ أَسارى المسلمين - فإنَّه وجد هناك - خمسمائة أَسير فافتكَّهُم بثلاثة عشر أَلف دينار، وأَنه أَوصل للفرنج المبلغ الذي كان جُهّز معه وهو عشرة آلاف دينار، وسمح له متملّكُ قبرص بالباقى، وحمل منهم (١) إلى جهة مصر مائتي أَسير وفرّق الباقي في سواحل الشام.
وفيه قُتل (٢) طوغان الدويدار وسودون المحمّدى ودمرداش المحمدى وأَسَنْبُغَا الزردكاش بسجن الإسكندرية وأُقيم عزاؤهم بالقاهرة.
وفيه هَزَم إِينال الصصلاني نائبُ حلب كردي (٣) بنَ كندر التركماني وانتهب من غنمه شيئًا كثيرًا، واستعان عليه بعلى بن ذلغادر فدخل بينهما في الصلح حتى رجع إينال عنه إِلى حلب.
وفي المحرَّم من هذه السنة ابتدأَ الطاعون بالقاهرة وتزايد في صفر حتى بلغ في ربيع الأَول كل يوم ثمانين نفسًا، ثم ارتفع في ربيع الآخر.
وفي مستهل صُفر صرف مجد الدين سالم الحنبلي عن قضاء الحنابلة وأُمر بلزوم بيْته.
وفي الثاني عشر منه قُرّر في منصبه علاءُ الدين على بن محمود بن مغلى الحموي وكان قد قدم من حماة في أَواخر السنة الماضية والسلطان بالبحيرة، واستقرّ قضاءُ حماة بيده وأُذِن له أَن يستنيب عنه من شاءَ، وسعى مجْدُ الدين عند أَقباى الدويدار فقام معه في ذلك قيامًا كليا ولم يفد ذلك شيئًا.
стр. 1152
وفيه عُزِل شهاب الدين بن سفري (١) عن قضاء العسكر، وقُرّر فيه تقى الدين أَبو بكر بن عمر بن محمد الحبتى الحموى الحنفى، وكان قدم صحبةَ ابن مغلى المذكور.
* * *
وفى صفر كثر ضرب الدراهم المؤيّدية، ثم استدعىَ المؤيدُ القضاةَ والأُمراءَ وتشاوروا في ذلك، وأَراد المؤيد إِبطال الذهب الناصري وإِعادته إِلى الهرجة، فقال له البلقيني: "في هذا إتلاف شيءٍ كثيرٍ من المال"، فلم يعجبه ذلك وصمّم على إِفساد النَّاصرية (٢) وأَمر بسَبْك ما هو حاصلٌ عنده وضَرْبِه هرجة، فذكر لنا بعد مدّة أَنه نقص عليه سبعة آلاف دينار، وأَمر القضاةَ وغيرهم أَن يدبِّروا رأْيهم في تسعير الفضَّة المضروبة، فاتفقوا على أَن يكون كلُّ درهم صغيرٍ بتسعةِ دراهم، وكلُّ درهمٍ كبير بثمانية عشر، على أَن يكون وزنُ الصغير سبعة قراريط فضة خالصة، ووزْنُ الكبير أَربعةَ عشر قيراطًا، واستمر ذلك وكثُرَتْ بأَيدى الناس وانتفعوا بها، ونودى على البندقية (٣) كل وزنِ درهمٍ بخمسة عشر.
* * *
وفى صفر وَقع الشروع في حفْر الرمل الكائن بيْن جامعي الخطيري ببولاق والناصريّ المعروف بالجديد بمصر، وكانت الرمال قد كثرت هناك جدا بحيث كان ذلك أَعظمَ الأَسباب في تخريب منشأَة المهرانى ومنشأَة الكتان وموردة الجبس وزريبة قوصون وحكر ابن الأَثير وفم الخور، وكانت هذه الأَماكن في غاية العمران فلما انحسر عنها النيل ودام انحساره خربت، فاتفق أَن السلطان ركب إِلى هذه النواحي وكان عهده بها عامرة، فسأَل عن سبب خرابها فأُخْبِر به فأَراد حَفْر ما بيْن الجامِعَيْن ليعود الماءُ إليها شتاءً وصيفًا. وشُرع حينئذ في الأَمر بعمارتها فابتدأَ ذلك في عاشر صفر، فنزل كزل العجمي - وهو يومئذ أَمير جندار - فعلَّق مائة وخمسين رأْسًا من البقر لتجرف الرمال، ثم تلاه سودون القاضي، فاستمرّ العمل بقيةً من صفر وربيع الأَول، فلما كان في اليوم
стр. 1153
الثاني من ربيع الأَول ركب السلطان ومعه الأُمراءُ وغيرهم إِلى حيث العمل في حفر البحر ونزل في خيمةٍ نُصِبَتْ له، ونودى بخروج الناس إِلى الحفر فخرجت جميع الطوائف وغُلِّقَت الأَسواق، وعَمل فيه حتى الأُمراء وأَربابُ الدولة والتجارُ واستمرّ العمل، ثم دخل الناس في العمل حتى الصوفية الذين بالظاهرية بين القصرين فإِنهم توجّهوا لتوجّه ناظرهم أَمير آخور ثم أُعفوا من العمل، ثم صار يخرج إِليه كل يوم أمير كبير ومعه طوائف لا تُحصى، وتكرر النِّداءُ في القاهرة بالخروج إِلى العمل، واستمر [الحفر] طول هذا الشهر فما أَفاد شيئًا بعد طول العناء.
وفى صفر قُبض على شاهين الأَيدكارى بحلب وسُجن بالقلعة، ومات سنقر الرومى بسجن الإسكندرية.
وفيه سأَل حسين بن بشارة أَن يستقرّ في مشيخة العشير ويَحمل ثلاثين أَلف دينار فأُجيب إِلى ذلك، وأُرسلت إِليه خلعةٌ مع يشبك الخاصكي فأَعطاه ثلاثة عشر [أَلف دينار] وأُحيل عليه أَرغون شاه أُستادار الشام بالباقي، فبلغ. ذلك أَخاه محمدًا فغضب واقتتلا، فانكسر محمد وانهزم إلى جهة العراق.
وفي المحرّم تسلَّم محمد بن رمضان مدينة طرسوس عنوةً بعد أَن حاصرها سبعة أَشهر وسبي أَهلها وخطب فيها للمؤيّد، وأَرسل إِلى نائب حلب فأَعلمه بذلك.
وفيه أَرسل حسين بن نعير ملك العرب يسأَل قرايلك أَن يشفع له إِلى السلطان وإِرسال قَوْده (١) وكتابه، فأُجيب إِلى ذلك.
* * *
وفي هذه الأيام حارب كرشجي (٢) بن أَبي يزيد بن عثمان بن محمد بن فرمان صاحب قونية، فانكسر محمد وانتزعت منه بلاده سوى قونية.
стр. 1154
وفي صفر (١) - وذلك في تاسع (٢) بشنس في وسط الربيع - حدث بمصر برق ورعد هائل لم يُعهد مثله في هذا الزمان وأَعقبه مطر كثيرٌ جدا بحيث سالت الأَودية سيلًا كثيرًا تغيّر منه ماءُ النيل.
وفى ربيع الأَول عُزل حسن بن عجلان عن إِمرة مكة وقُرَّر ابن أَخيه رميثة بن محمد بن عجلان، فبلغ ذلك ابن عجلان فصادر التجارَ المقيمين بمكة وأَخذَ منهم أَموالًا عظيمة.
وفيه في أَوائل ربيع الأَول أَنكر المؤيّد على القضاة كثرةَ النوّاب فخففوا منهم كثيرًا، فاستقرّ للحنفى ستّة، وللشافعيِّ أَربعة عشر بشرط أَن لا يرتشوا.
وفيه قُبض على آق بلاط نائبِ عينتاب، وعلى شاهين الزردكاش وسُجنا بقلعة حلب.
وفيه استقرّ محيى الدين المدني الموقع في كتابة السرّ بدمشق، وكان أَقام بالقاهرة مُدةً طويلة وباشر التوقيع بها، ثم نُقل في هذا الشهر إلى دمشق.
وفيه أَمر السلطان أُستاداره ووزيره وناظر خواصّه بمصادرة المباشرين فصودروا على خمسين أَلف دينار، فقُرِّرَت (٣) عليهم على مراتبهم وشرعوا في جبايتها.
* * *
وفيه ابتُدئ بعمارة المدرسة المؤيّدية داخل باب زويلة، وسببهُ أَن المؤيّد كان حُبس في خزانة شمائل في أَيام فتنة منطاش، فنَذَر لئن اللهُ نجّاه ومَلَّكَه القاهرة أَن يبني مكانها جامعًا يُقام فيه ذِكرُ الله فابتدأَ بالوفاءِ بِنَذره، فأَوّل شيء بدئ به أخْذُ القيسارية المعروفة بستقر الأَشقر مقابل سوق الفاضل، فنزل التاج الوالى وجماعةٌ من أَرباب الدولة وابتدي بالهدْم فيها وما بجوارها وانتقل السكان بها، فلما كان في الرابع من
стр. 1155
جمادى الآخرة ابتدئ بحفر الأَساس وشرع في العمل، وقُرِّر الأمير ططرشادًّا على العمارة وبهاءُ الدين البرجي - الذي كان محتسبًا قبل هذا الوقت - في النظر على العمارة المذكورة، وكان صديق ططر فسعى له في ذلك فاستمرّ.
* * *
وفي أواخر ربيع الأَول قدم على المؤيّد شمس الدين بن عطاء الله الرازي المعروف بالهروى وكان مِن أَعوان تمرلنك، فأَرسله إِلى جهةٍ من جهاته فخانه فهدّده ففرّ منه إِلى بلاد الروم، والتمس من ابن قرمان أَن يجمع بينه وبيْن عالم بلادهم شمس الدين الفنارى، فامتنع ابن قرمان من ذلك وقال: "هذا رجل منسوب إلى العلم والفنارى عالمنا فلا يَسْهُل بنا أَن يغلب عالمنا ولا أَن ينكسر خاطر هذا الغريب" فأَكرمه بأَنواع من الكرامات وغير ذلك وصرفه عن بلاده، فدخل الشام وحجَّ ثم رجع إِلى القدْس فانتزع الصلاحية - بعناية نوروز - من القمنى واستمرّ بها مدرّسًا، ثم سعي عليه القمنى في دولة المستعين فعُزل واستمر القمنى ولم ينفذ ذلك لغلبة نوروز على البلاد الشامية.
فلما توجّه المؤيّد إِلى قتال نوروز لقيه الهروى فقرّره في الصلاحية، ولمّا رجع إِلى القاهرة لقيه أَيضًا فاستأْذنه أَن يحضر إِلى القاهرة فأَذن له فحضر، وخرج إِلى لقائه جماعةٌ وتعصب له كثيرٌ من مشايخ العجم، وشاع عنه أَنه يحفظ إِثنى عشر أَلف حديث، وأَنه يحفظ "صحيح مسلم" بأَسانيده، ويحفظ متون "البخارى" فاستعظم الناس ذلك، ودار القمنى على الأُمراء يلتمس أَن يسأَلوا المؤيد أَن يُحْضِر الهروى ويَعْقد له مجلسًا بالعلماءِ ليظهر له أَنه مزجيّ البضاعة في العلم، فلم يزل يسعى في ذلك إِلى أَن أَجاب لبسلطان - وكان الهرويّ قد اجتمع به - وأَحضره المولد (١) الخاص، وأَرسل إِلى القاضيَيْن البلقيني وابن مُغْلى فتكلموا بحضْرته ولم يُمْعِنُوا في ذلك (٢). وكان من جُمْلة ماسُئِل عنه
стр. 1156
الهرويُّ حينئذٍ: "هل ورد النصّ على أَن المغرب لا يقصر في السفر؟ "، فقال: "نعم، جاءَ ذلك من حديث جابر في كتاب الفردوس لأَبي الليث السمرقندي"، فلما انفصلوا روجع "الفردوس" (١) لأَبي الليث فلم يوجد فيه ذلك، فقيل له في ذلك، فقال: "للسمرقندى لهذا الكتاب ثلاث نسخ: كُبرى، ووُسطى، وصُغرى؛ وهذا الحديثُ في الكبرى، ولم تدخل الكبرى هذه البلاد"، فاستشعروا كذبه مِن يومئذ.
وأَنزله السلطان دارًا حسنةً بالقاهرة ورتَّب له رواتب جميلة، وهاداه أَهْلُ الدولة فأَكثروا من فاخر الثياب وغيرها، فلمّا كان الخميس ثامن عشر ربيع الآخر أَحضر المؤيدُ الهرويَّ المذكورَ وأَمَرَ القضاةَ الأَربعةَ ومشايخَ الفنون من العلماءِ بالحضور، وكان مجلسًا حافلًا بالمنظرة التي داخل الحوش السلطاني، فكان أَوّل شيء سئل عنه الهرويّ: "على مَن سمع صحيح البخاري؟ " فاختلق في الحال إِسنادًا إِلى أَبي الوقت زعم أَن أَباه حدّث به عن شيخٍ يُقال له: "أَحمد بن عبد الكريم البوشنجي" عاش مائةً وعشرين سنة، عن آخر يقال له "أَبو الفتح الهروى" عاش أَيضا مائة وعشرين سنة عن أَبي الوقت، فقال له كاتبه (٢) "أَولادنا يروون الصحيح (٣) إِلى أَبى الوقت بمثل هذا العدد برجالٍ أَشهر من هؤلاء"، وكان المذكور قد ضبط عنه الرجالة أَوّل ما قدم بيت المقدس - منهم صاحبنا الحافظ جمال الدين (٤) محمد بن موسى المراكشي ثم المكى - أَنَّه يروى "الصحيح"
стр. 1157
عن عليّ بن يوسف بن عبد الكريم عن ناصر الدين محمد بن إِسماعيل الفارقي عن ابن أَبي الذكر الصقلي عن الزبيدي عن أَبى الوقت، وهذا الإِسناد أَيضًا أَظنه مما اختلق بعضه، وذلك أَن الكرماني - الذي شرح البخاريّ - هو (١) محمد بن يوسف بن عبد الكريم، وهو ذكر في مقدمة "شرح البخاري" أَنه سمع "البخارى" من جماعةٍ منهم الفارقي المذكور بالإِسناد المذكور، فإِن كان الهرويّ صادقًا فيكون أَخَذَه عن أَخيه. على أَنه كان للكرماني أَخ اسمهُ عليّ.
ثم قال بعضُ خواصّ السلطان: "ينبغى أَن يفتنح السلطان المصحف فأَوّل شيء يخرج يقع الكلام فيه" فأَحضر مصحفًا فتناوله السلطان بيده ففتحه فخرج قوله تعالى (٢): ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ الآية، فتكلَّموا في معاني "لو"، فبدر من الشيخ همام الدين الخوارزمي شيخ الخانقاه بالجمالية - وكان قد حضر مع الهرويّ - حمية له لأَنه كان يذكر أَن الهرويّ قرأَ عليه وكان الهرويّ قد صاهرهُ على ابنته، فتعصّب الهمام للهروى على البلقيني، وكان عزْمهم (٣) أَنهم إِذا أَغضبوه (٤) يتغيّر مزاجُه لما عرفوا مِنْ سرعةِ انْفعاله وعدم صبَرِهِ على الضَّيْم، فتواصوا على أَن يغضبوه، فكلَّمه الهمام بكلام أَزعجه فقال (٥): "مثلك يقول لمثْلى هذا؟ " فقال: "نعم، أَنا أَفضل منك ومن كل شيء، فبدر كاتبه (٦) وقال:
стр. 1158
"يا شيخ: هذا الإِطلاق كفر" فجحد أَن يكون قال ذلك؛ وكان السلطان قد سمعه لأَنه كان جالسًا إِلى جانبه فأَظهر ذلك انزعاجًا على كاتبه في مقالته لكونه خالفه، فقال: "انشد الله رجلًا سمع ما سمعت إِلَّا شهد به"، فشهد تقى الدين الجيتى وآخر فقال: (١) "ما قصدْتُ بهذا الإِطلاق إِلَّا الحاضرين" فقيل له: "إذا سلم ذلك ففيه دعوى عريضةٌ وإساءَةُ أَدب"، واشتدّ انزعاج البلقيني من ذلك حتى قال: "ما أَساءَ أَحدٌ عليَّ الأَدب منذ بلغْتُ الحلُم مثل اليوم"، وصار لا ينتفع بنفسه بقية يومه، فتم له ما أَبرموه إِلَّا أَنهم خُذلوا بهذه السقطة.
وكانوا قد رتبوا على الشيخ شرف الدين التَّبّانى - على ما أَخبر به بعد ذلك - أَن يسأَل الهرويّ في المجلس عن حديث الوضوءِ بالنبيذ ومَنْ خرّجه، فسأَله (٢) عن ذالك مع أَنَّه لا تَعَلُّقَ له بما كانوا فيه فبادر بأن قال: "رواه الترمذي، قال ثنا هناد بن السرى، ثنا شريك، ثنا أَبو فزارة عن أَبي زيد عن ابن مسعود ﵁، ورواه ابن ماجه قال ثنا العباس بن الوليد الدمشقى، ثنا مروان بن محمد، ثنا قاسم بن عبد الكريم عن حنش الصنعاني عن ابن عبّاس عن عبد الله بن مسعود"؛ فقال له كاتبه (٣): "هذا الإِسناد الذي سُقْتَه لابن ماجة غلط وليس في ابن ماجة ولا غيره من الكتب الستة أَحدٌ اسمه قاسم بن عبد الكريم وأَيضًا فليس في سياق ابن ماجة أَن الحديث لابن عباس عن ابن مسعود، وليس لفظه مطابقًا للفظ سياق الترمذي"، فقال الهروى: "فما الصواب في هذا الإِسناد؟ " فقال له: "تكتبُ ما قلتَ وأَنا أُعيّن موضع الغلط ونُحضر ابنَ ماجه فإِن كان كما قلتَ وإِلَّا تَبَيَّن خطؤك! "، فلم يجسر أحدٌ أَن يكتب ذلك حتى أَشار السلطان إلى تقيّ الدين الجيتى فكَتب ذلك، فظهر الصواب مع كاتبه في جميع ما قال في ذلك، وظهر أَنه درس إِسناد ابن ماجة فسقط عليه راوٍ وأَبدل واحدًا بآخر، والساقطُ ابن لهيعة شيخُ مروان بن محمد، والمبدولُ: قيسُ بن الحجاج، فجعله الهرويّ "قاسمَ بن عبد الكريم" ووضحت مجازفة الهرويّ
стр. 1159
حينئذ، ومال السلطان إِلى كاتبه وصار يغمزه بعيْنه تارة ويُرْسِل إِليه من يسرّ إِليه مِن خواصّه أَن لا يترك منازعةَ الهرويّ، فقوى قلبه بذلك وقال حينئذ: "يا شيخ شمس الدين: أَنت تدّعى إِنك تحفظ إِثنى عشر أَلف حديث وقد ارتابَ مَن بلغه عَنْك ذلك في صحته، وأَنا أمتحنك بشيءٍ واحد وهو أَن تسرد لنا في هذا المجلس إِثنى عشر حديثًا، من كل أَلفِ حديثٍ: حديثًا واحدًا بشرْط أَن تكون هذه الأَحاديث الإِثنا عشرة متباينةَ الأَسانيد، فإِنْ أَمْلَيْتَها علينا إِملاءً أَو سردْتها سردًا أَقررنا لك بالحفظ وإِلا ظهر عجْزُك" فقال: "أَنا ما أَستطيع السّرد ولكن (١) أَكتب" فقال له: "والإِملاءُ نظير الكتابة" فقال: "لا أَسرد؛ أَنا أَكتب" فأُحْضر له في الحال دواةٌ وورق فشرع يكتب فلم يستتم البسملة إلَّا وهو يرعد ولم يكتب بعدها حرفًا وقال: "لا أَستطيع أَكتب إِلا خاليًا، فيأْمر السلطان أَن أَختلى في بيتٍ وأَنت في بيت، ويكتب كلّ منَّا مِن حفظه ما يستطيع، فمَن كتب أَكثر كان أَحفظ"، فقال له كاتبه: "إِنا (٢) لم نحضر امتحانًا في سرعة الكتابة"، مع أَن شهرةَ كاتبه بسرعة الكتابة غيرُ خفيّة ولكِنْ أَراد إِظهار عجز الهرويّ عمّا ادّعاه من الحفظ.
والتمس منه أَن يكتب في المجلس حديثًا واحدًا ليتبين للحاضرين خطؤه فيه فلم يستطع فضلًا عن أَن يمليه، فطال الخطب في ذلك وكل أَحدٍ مَّمن يتعصّب عليه يقصد أَن ينصره بكلامٍ وكلُّ أَحدٍ ممن يتعصّب عليه يدفع ما يقول القائل، وكلما فتُرَتْ همتهم في ذلك أَو كادَتْ يرسل السلطان بعض خواصّه لكاتبه يجذف عليه إِلى أَن قرب وقت الصلاة للظهر، وكانَ ابتداؤ الحضور ضُحى النهار، فقُمْنا إِلى صلاة الظهر ثم تحوّلنا إِلى البستان على شاطئ البركة الكبرى، فقال السلطان للشيخ زين الدين القمني: "مالك لم تتكلم في هذا المجلس مع الهرويّ؟ " فقال: "نعم، أَتكلم معه في مسائل الوضوءِ فإنه لا يعرف شيئًا"، وشرع في خطابته على عادة شفاشقة فلم ينجح شيئًا
стр. 1160
ومُدَّ السماط فأَكلت الجماعة، ثم جئَ بالحلْوى ثم بالفاكهة فقرأَ قارئ ﴿مَثَل (١) الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾، الآية. فقال الشيخ نور الدين التلواني (٢) - وهو ممَّنْ حضر المجلس - "الظل لا يكون إِلَّا عن ضوءِ، والجنة لا شمس فيها ولا قمر"، فأَجابه بعض الحاضرين؛ وانجر الكلام إِلى الحديث الذي أَخرجه البخاري ومسلم (سبعة يظلهم الله بظله أَو في عرشه يوم لا ظلّ إِلا ظله) الحديث. فقال كاتبه: "هل منكم من يحفظ لهذه السبعة ثامنا؟ " فقالوا: "لا"، فقال: "ولا هذا الذي يدّعى أَنه يحفظ إِثنى عشر أَلف حديث؟ " وأَشار إِليه فسكت، فقال له بعضهم: "فهل تحفظ أَنت ثامنًا؟ "، فقال: "نعم، أعرِفُ ثامنا وتاسعًا وعاشرًا، وأَعجبُ من ذلك أَنه في صحيح مسلم - الذي يدّعى هذا الشيخ أَنه يحفظه كله - ثامنُ السبعة المذكورة"، فقيل له: "أَفِدْنا ذلك"، فقال: "المقام مقام امتحانٍ لا مقام إِفادة، وإِذا صرْتم في مقام الاستفادة أَفدْتُكم"؛ ثم جَمعَ كاتبهُ بعد ذلك ما ورد في ذلك فبلغَ زيادةً على عشر خصال زائدة على السبعة المذكورة في الحديث المذكور، وكان أَبو شامة قد نظم السبعة المشهورة في بيتين مشهوريْن، فجمع كاتبه سبعةً وردت بأَسانيد جياد فنظمها في بيْتَيْن، ثم جمع سبعةً ثالثة بأَسانيد فيها مقال ونظمها في بيتين آخرين؛ وانفضَّ المجلس لصلاة العصر، فلما أَرادوا القيام قال كاتبه للسطان: "يا خوند، أَدَّعى عَلَى هذا أَنَّ لي عنده دَيْنًا"، فقال: "ما هو؟ "، فقال: "إِثنا عشر حديثًا"، فتبسّم وانصرف.
فلما كاد كاتبه أَن يخرج من باب الحوش طُلب (٣) فعاد فوَجد السلطان قام ليقضى حاجته فوقف مع خواصّه إِلى أَن يحضر، فقال له كاتب السر: "إن السلطان قال قد اسْتَحْيَيْتُ من فلانٍ كيف يتوجّه بغير ثواب، فقلتُ (٤) إِنه كان شيخ البيبرسيّة وانتزعها