الهرويُّ حينئذٍ: "هل ورد النصّ على أَن المغرب لا يقصر في السفر؟ "، فقال: "نعم، جاءَ ذلك من حديث جابر في كتاب الفردوس لأَبي الليث السمرقندي"، فلما انفصلوا روجع "الفردوس" (١) لأَبي الليث فلم يوجد فيه ذلك، فقيل له في ذلك، فقال: "للسمرقندى لهذا الكتاب ثلاث نسخ: كُبرى، ووُسطى، وصُغرى؛ وهذا الحديثُ في الكبرى، ولم تدخل الكبرى هذه البلاد"، فاستشعروا كذبه مِن يومئذ.
وأَنزله السلطان دارًا حسنةً بالقاهرة ورتَّب له رواتب جميلة، وهاداه أَهْلُ الدولة فأَكثروا من فاخر الثياب وغيرها، فلمّا كان الخميس ثامن عشر ربيع الآخر أَحضر المؤيدُ الهرويَّ المذكورَ وأَمَرَ القضاةَ الأَربعةَ ومشايخَ الفنون من العلماءِ بالحضور، وكان مجلسًا حافلًا بالمنظرة التي داخل الحوش السلطاني، فكان أَوّل شيء سئل عنه الهرويّ: "على مَن سمع صحيح البخاري؟ " فاختلق في الحال إِسنادًا إِلى أَبي الوقت زعم أَن أَباه حدّث به عن شيخٍ يُقال له: "أَحمد بن عبد الكريم البوشنجي" عاش مائةً وعشرين سنة، عن آخر يقال له "أَبو الفتح الهروى" عاش أَيضا مائة وعشرين سنة عن أَبي الوقت، فقال له كاتبه (٢) "أَولادنا يروون الصحيح (٣) إِلى أَبى الوقت بمثل هذا العدد برجالٍ أَشهر من هؤلاء"، وكان المذكور قد ضبط عنه الرجالة أَوّل ما قدم بيت المقدس - منهم صاحبنا الحافظ جمال الدين (٤) محمد بن موسى المراكشي ثم المكى - أَنَّه يروى "الصحيح"
стр. 1157
عن عليّ بن يوسف بن عبد الكريم عن ناصر الدين محمد بن إِسماعيل الفارقي عن ابن أَبي الذكر الصقلي عن الزبيدي عن أَبى الوقت، وهذا الإِسناد أَيضًا أَظنه مما اختلق بعضه، وذلك أَن الكرماني - الذي شرح البخاريّ - هو (١) محمد بن يوسف بن عبد الكريم، وهو ذكر في مقدمة "شرح البخاري" أَنه سمع "البخارى" من جماعةٍ منهم الفارقي المذكور بالإِسناد المذكور، فإِن كان الهرويّ صادقًا فيكون أَخَذَه عن أَخيه. على أَنه كان للكرماني أَخ اسمهُ عليّ.
ثم قال بعضُ خواصّ السلطان: "ينبغى أَن يفتنح السلطان المصحف فأَوّل شيء يخرج يقع الكلام فيه" فأَحضر مصحفًا فتناوله السلطان بيده ففتحه فخرج قوله تعالى (٢): ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ الآية، فتكلَّموا في معاني "لو"، فبدر من الشيخ همام الدين الخوارزمي شيخ الخانقاه بالجمالية - وكان قد حضر مع الهرويّ - حمية له لأَنه كان يذكر أَن الهرويّ قرأَ عليه وكان الهرويّ قد صاهرهُ على ابنته، فتعصّب الهمام للهروى على البلقيني، وكان عزْمهم (٣) أَنهم إِذا أَغضبوه (٤) يتغيّر مزاجُه لما عرفوا مِنْ سرعةِ انْفعاله وعدم صبَرِهِ على الضَّيْم، فتواصوا على أَن يغضبوه، فكلَّمه الهمام بكلام أَزعجه فقال (٥): "مثلك يقول لمثْلى هذا؟ " فقال: "نعم، أَنا أَفضل منك ومن كل شيء، فبدر كاتبه (٦) وقال:
стр. 1158
"يا شيخ: هذا الإِطلاق كفر" فجحد أَن يكون قال ذلك؛ وكان السلطان قد سمعه لأَنه كان جالسًا إِلى جانبه فأَظهر ذلك انزعاجًا على كاتبه في مقالته لكونه خالفه، فقال: "انشد الله رجلًا سمع ما سمعت إِلَّا شهد به"، فشهد تقى الدين الجيتى وآخر فقال: (١) "ما قصدْتُ بهذا الإِطلاق إِلَّا الحاضرين" فقيل له: "إذا سلم ذلك ففيه دعوى عريضةٌ وإساءَةُ أَدب"، واشتدّ انزعاج البلقيني من ذلك حتى قال: "ما أَساءَ أَحدٌ عليَّ الأَدب منذ بلغْتُ الحلُم مثل اليوم"، وصار لا ينتفع بنفسه بقية يومه، فتم له ما أَبرموه إِلَّا أَنهم خُذلوا بهذه السقطة.
وكانوا قد رتبوا على الشيخ شرف الدين التَّبّانى - على ما أَخبر به بعد ذلك - أَن يسأَل الهرويّ في المجلس عن حديث الوضوءِ بالنبيذ ومَنْ خرّجه، فسأَله (٢) عن ذالك مع أَنَّه لا تَعَلُّقَ له بما كانوا فيه فبادر بأن قال: "رواه الترمذي، قال ثنا هناد بن السرى، ثنا شريك، ثنا أَبو فزارة عن أَبي زيد عن ابن مسعود ﵁، ورواه ابن ماجه قال ثنا العباس بن الوليد الدمشقى، ثنا مروان بن محمد، ثنا قاسم بن عبد الكريم عن حنش الصنعاني عن ابن عبّاس عن عبد الله بن مسعود"؛ فقال له كاتبه (٣): "هذا الإِسناد الذي سُقْتَه لابن ماجة غلط وليس في ابن ماجة ولا غيره من الكتب الستة أَحدٌ اسمه قاسم بن عبد الكريم وأَيضًا فليس في سياق ابن ماجة أَن الحديث لابن عباس عن ابن مسعود، وليس لفظه مطابقًا للفظ سياق الترمذي"، فقال الهروى: "فما الصواب في هذا الإِسناد؟ " فقال له: "تكتبُ ما قلتَ وأَنا أُعيّن موضع الغلط ونُحضر ابنَ ماجه فإِن كان كما قلتَ وإِلَّا تَبَيَّن خطؤك! "، فلم يجسر أحدٌ أَن يكتب ذلك حتى أَشار السلطان إلى تقيّ الدين الجيتى فكَتب ذلك، فظهر الصواب مع كاتبه في جميع ما قال في ذلك، وظهر أَنه درس إِسناد ابن ماجة فسقط عليه راوٍ وأَبدل واحدًا بآخر، والساقطُ ابن لهيعة شيخُ مروان بن محمد، والمبدولُ: قيسُ بن الحجاج، فجعله الهرويّ "قاسمَ بن عبد الكريم" ووضحت مجازفة الهرويّ
стр. 1159
حينئذ، ومال السلطان إِلى كاتبه وصار يغمزه بعيْنه تارة ويُرْسِل إِليه من يسرّ إِليه مِن خواصّه أَن لا يترك منازعةَ الهرويّ، فقوى قلبه بذلك وقال حينئذ: "يا شيخ شمس الدين: أَنت تدّعى إِنك تحفظ إِثنى عشر أَلف حديث وقد ارتابَ مَن بلغه عَنْك ذلك في صحته، وأَنا أمتحنك بشيءٍ واحد وهو أَن تسرد لنا في هذا المجلس إِثنى عشر حديثًا، من كل أَلفِ حديثٍ: حديثًا واحدًا بشرْط أَن تكون هذه الأَحاديث الإِثنا عشرة متباينةَ الأَسانيد، فإِنْ أَمْلَيْتَها علينا إِملاءً أَو سردْتها سردًا أَقررنا لك بالحفظ وإِلا ظهر عجْزُك" فقال: "أَنا ما أَستطيع السّرد ولكن (١) أَكتب" فقال له: "والإِملاءُ نظير الكتابة" فقال: "لا أَسرد؛ أَنا أَكتب" فأُحْضر له في الحال دواةٌ وورق فشرع يكتب فلم يستتم البسملة إلَّا وهو يرعد ولم يكتب بعدها حرفًا وقال: "لا أَستطيع أَكتب إِلا خاليًا، فيأْمر السلطان أَن أَختلى في بيتٍ وأَنت في بيت، ويكتب كلّ منَّا مِن حفظه ما يستطيع، فمَن كتب أَكثر كان أَحفظ"، فقال له كاتبه: "إِنا (٢) لم نحضر امتحانًا في سرعة الكتابة"، مع أَن شهرةَ كاتبه بسرعة الكتابة غيرُ خفيّة ولكِنْ أَراد إِظهار عجز الهرويّ عمّا ادّعاه من الحفظ.
والتمس منه أَن يكتب في المجلس حديثًا واحدًا ليتبين للحاضرين خطؤه فيه فلم يستطع فضلًا عن أَن يمليه، فطال الخطب في ذلك وكل أَحدٍ مَّمن يتعصّب عليه يقصد أَن ينصره بكلامٍ وكلُّ أَحدٍ ممن يتعصّب عليه يدفع ما يقول القائل، وكلما فتُرَتْ همتهم في ذلك أَو كادَتْ يرسل السلطان بعض خواصّه لكاتبه يجذف عليه إِلى أَن قرب وقت الصلاة للظهر، وكانَ ابتداؤ الحضور ضُحى النهار، فقُمْنا إِلى صلاة الظهر ثم تحوّلنا إِلى البستان على شاطئ البركة الكبرى، فقال السلطان للشيخ زين الدين القمني: "مالك لم تتكلم في هذا المجلس مع الهرويّ؟ " فقال: "نعم، أَتكلم معه في مسائل الوضوءِ فإنه لا يعرف شيئًا"، وشرع في خطابته على عادة شفاشقة فلم ينجح شيئًا
стр. 1160
ومُدَّ السماط فأَكلت الجماعة، ثم جئَ بالحلْوى ثم بالفاكهة فقرأَ قارئ ﴿مَثَل (١) الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾، الآية. فقال الشيخ نور الدين التلواني (٢) - وهو ممَّنْ حضر المجلس - "الظل لا يكون إِلَّا عن ضوءِ، والجنة لا شمس فيها ولا قمر"، فأَجابه بعض الحاضرين؛ وانجر الكلام إِلى الحديث الذي أَخرجه البخاري ومسلم (سبعة يظلهم الله بظله أَو في عرشه يوم لا ظلّ إِلا ظله) الحديث. فقال كاتبه: "هل منكم من يحفظ لهذه السبعة ثامنا؟ " فقالوا: "لا"، فقال: "ولا هذا الذي يدّعى أَنه يحفظ إِثنى عشر أَلف حديث؟ " وأَشار إِليه فسكت، فقال له بعضهم: "فهل تحفظ أَنت ثامنًا؟ "، فقال: "نعم، أعرِفُ ثامنا وتاسعًا وعاشرًا، وأَعجبُ من ذلك أَنه في صحيح مسلم - الذي يدّعى هذا الشيخ أَنه يحفظه كله - ثامنُ السبعة المذكورة"، فقيل له: "أَفِدْنا ذلك"، فقال: "المقام مقام امتحانٍ لا مقام إِفادة، وإِذا صرْتم في مقام الاستفادة أَفدْتُكم"؛ ثم جَمعَ كاتبهُ بعد ذلك ما ورد في ذلك فبلغَ زيادةً على عشر خصال زائدة على السبعة المذكورة في الحديث المذكور، وكان أَبو شامة قد نظم السبعة المشهورة في بيتين مشهوريْن، فجمع كاتبه سبعةً وردت بأَسانيد جياد فنظمها في بيْتَيْن، ثم جمع سبعةً ثالثة بأَسانيد فيها مقال ونظمها في بيتين آخرين؛ وانفضَّ المجلس لصلاة العصر، فلما أَرادوا القيام قال كاتبه للسطان: "يا خوند، أَدَّعى عَلَى هذا أَنَّ لي عنده دَيْنًا"، فقال: "ما هو؟ "، فقال: "إِثنا عشر حديثًا"، فتبسّم وانصرف.
فلما كاد كاتبه أَن يخرج من باب الحوش طُلب (٣) فعاد فوَجد السلطان قام ليقضى حاجته فوقف مع خواصّه إِلى أَن يحضر، فقال له كاتب السر: "إن السلطان قال قد اسْتَحْيَيْتُ من فلانٍ كيف يتوجّه بغير ثواب، فقلتُ (٤) إِنه كان شيخ البيبرسيّة وانتزعها
стр. 1161
منه أَخو جمال الدين ظلمًا"، فلما استَتَّم كلامَه حضر السلطانُ فأَشار إِلى كاتب السرّ أَن يُعْلِم كاتبَه بما تقرّر مِن أَمر البيبرسيّة فقال له: "إِن السلطان قد أَعادَ لك مشيخة البيبرسية"، فشكرْتُ له ذلك، ثم قلتُ له: "قرّرْتني في مشيخة البيبرسيّة ونظرها وعَزْل مَن هو مقرّر بها بحكم أَنه انتزعها بغير صحة؟ (١) "، فقال: "نعم"، فأَشْهَدْتُ عليه بذلك مَن حضر.
وفى غداةِ غدٍ لبسْتُ بها خلعةً وحضرْتُها، وصُرف أَخو جمال الدين منها، ثم عُوِّض بعدسنتين (٢) بمشيخة سعيد السعداء بعد موت البلالي (٣) - كما سيأْتي - بعناية الأَمير ططر الذي ولى السلطنة في سنة أَربع وعشرين.
وكان أَخو جمال الدين قد استعانَ على كاتبه بتنبك ميق، فاستعان تنبك بأَقباى الدويدار الكبير وبططر المذكور وكلَّموا السلطان مرارًا في ذلك فامتنع، فلما أَيسوا منه عدلوا إِلى المخادعة فلم يزل ذلك في نفس ططر إِلى أَن قَرَّر المذكورَ (٤) في الخانقاه السعيدية بعد موت البلاليّ، وكفى الله شره.
وأَمّا الهروى فإِنَّ طائفةً من العجم وغيرِهم سعوا عند الأَمير وسأَلوا السلطان أَن يُنعم عليه بما يجبر به خاطرَه وخاطرَ صهره، فأَحضره يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الآخر وخَلع عليه جبّة سمّور وأُركب فرسًا مسروجًا ورجع إِلى منزله ومعه طائفة من الأُمراء وغيرهم، وأُشِيع بأَنها خلعة استقرارٍ بتدريس الصالحية، فسقط في يد القمنى وانزعج من ذالك لأَنه كان أَعظم الأَسباب فيما وقع للهروى، وإِنما سعى في ذلك لينزع منه الصلاحية لكوْنها كانت بيده قبل ذلك؛ فدار على الأُمراء وغيرهم فما أُجيب إِلى ذلك، فلما يئس سَأَل أَن يُعَوَّض عنها بمسموحِ مركبٍ في البحر لا يُؤْخذ منه - على ما يحضر فيها -
стр. 1162
مكس، فكُتِب له بذلك واطمأَنَّت نفسه، واستمرّ هو يؤجّرها بأجرةٍ بالغةٍ في الزيادة وبتوفّر دواعي التجار على ركوبها، فإذا وصلوا أَخذ المستأْجِرُ من التجار الأُجرةَ مضاعفةً بسبب رفع المكس، واستمرّ الهروى بعد ذلك مقيمًا بالقاهرة إِلى خرج أَن صحبةَ ركابِ السلطان إِلى الشام فقرّره في نظر القدس والخليل زيادةً على مشيخة الصالحية، كما سيأْتي.
* * *
وفي هذه السنة قَبض أَقباى الدوادار على الشيخ شرف الدين التباني بسبب الكسوة التي عُمِلت في هذه السنة وأَغرمه مالًا كثيرًا باع فيه دارًا - وقَد استجدّها في دولة المؤيد - وعُزِل عن نظر الكسوة، ورَدَّ السلطانُ أَمرَها إِلى ناظر الجيش علم الدين بن الكُوَيْز، وأَمدّه بألف دينارٍ مضافًا إِلى ما يُتَحَصَّل من أَوقافها، فعُمِلت في السنة المقبلة فجاءَت في غاية الحُسْن.
* * *
وفي جمادى الأُولى عصى أَقباى نائبُ الشام على السلطان وزيّن له الشيطانُ أَن يستبدَّ بالملك، وكان السلطان لمّا بلغه طَرَفٌ من ذلك عزَله من نيابة الشام وقرّر فيها أَلطنبغا العثماني؛ وفي أَثناء ذلك في رجب عُثِرُ بالقاهرة على كتابٍ من أَقباى إِلى جانبك الصوفي، فأُحضر جانبك وسُئِل عن ذلك فأَنكر فعوقِب عقوبةً عظيمة وعُصِرَتْ رجلاه ليقرّ على مَن وَافق أَقباى على العصيان والمخامرة.
واستقرّ أَلطنبغا القرمشى أَميًرا كبيرًا عوضًا عن العثماني، واستقر تاني بك ميق أَمير آخور عوضًا عن القرمشي، واستقرّ سودون قراسقل حاجب الحجاب عوضًا عن سودون القاضي، واستقر سودون القاضي رأْسَ نوبة عوضًا عن سنقر، وأُرسل إِلى قنباي
стр. 1163
جلبانُ أَميُر آخور لإِحضاره إِلى القاهرة واستقراره فيها أَميًرا، فوصل جلبان (١) في أَوّل جمادى الآخرة وبلَّغه الرسالة فأَظهر الامتثال وأَخذ في نقل حريمه من دار السعادة إِلى بيت العرس الأُستادار بطرف القبيبات (٢). فبيْنا جلبان المذكور ومعه أَرغون شاه ويَلْبغا المظفر ومحمد بن منجك ويشبك الأَيتمشى يسيرون تحت القلعة إذْ وصل يلبغا كماج الكاشف إِلى داريا (٣)، فخرج إِليه قانباى فاتفقا على محاربة المؤيّدية فبلغهم ذلك
стр. 1164
فتأَهّبوا للحرب، ثم وقع القتال من بكرة النهار إِلى العصر فانهزم المؤيّدية وفرّوا على وجوههم إِلى صفد، واستمرّ محمد بن منجك في هزيمته إِلى القاهرة.
ودخل قانباي دمشق فنزل دار السعادة وحاصر القلعة وتراموا بالسهام والمجانيق، فاستظهروا على قانباى فتحوّل إِلى خان السلطان، ووصل إِليهم طرباى نائبُ غزة مطاوعًا له على العصيان وانضمَّ إِليه تنبك البجاسى نائبُ حماة وسودون من عبد الرحمن نائب طرابلس وجماعة؛ وكاتَبَ نائبَ حلب إِينال الصصلاتى فوافقه على العصيان أَيضًا، وخرج في عسكره مِن حلب لملاقاته، فخرج قانباى بمَن أَطاعه إِلى جهة حلب.
ولما بلغ قانباى خروجُ المؤيّد إِلى حرْبه توجّه إِلى جهة حلب من طريق البريّة، وكان نائبُ حماة - لمّا أَظهر العصيانَ - اتَّفق أَنَّه خرج إلى جهة المعرّة (١) - فلمّا أَراد دخول حماة منعه أَهلها فوافاهم (٢) نائبُ حلب، وكان لما أَظهر العصيان أَنكر عليه شاهين - دويدار المؤيّد - وهو يومئذٍ بحلب فبادر إِلى القلعة فحصرها، فحاصره إينال مدّة ثم اجتمع بقانباي ومن معه.
وأَمّا السلطان فإِنَّه لما بلغه الخبر جهّز أَقباى الدويدار ويشبك شادّ الشربخاناه قبله في جماعةٍ في عسكرٍ بخلعةٍ لنائب الشام، فتوجّه في حادى عشر رجب وجدّ في السير إِلى أَن وصل دمشق وبلغ أَلطنبغا العثماني، فلما وصل قانباى إِلى تلك الجهة انضمّ إِليه واجتمعوا كلَّهم بحلب، وكان شاهين الدويدار بحلب خالف إينال الصصلاني في العصيان وطلع إِلى القلعة وحصّنها واجتهد في قتال المخالفين، فحاصرهم إِينال نحو شهرين ونصف، فبلغ أَلطنبغا العثماني - الذي استقرّ نائبَ الشام - خبرُ قانباى ومَن معه فتوجّه إِلى جهتهم ومعه العسكر المندوب من القاهرة والذين كانوا انهزموا إِلى صفد إِلى أَن وصلوا برْزة (٣)
стр. 1165
فوجدوا قانباى قد تقدّم فتبعوه فأَخذوا من ساقته أَغنامًا، ووصل قانباي إِلى سَلَمْيَة (١) في سلخ رجب، ثم رحل من حماة في ثانى عشرى شعبان فوافاه إِينال نائبُ حلب وسودون من عبد الرحمن نائبُ طرابلس وكثُرَ جمعهُم.
ووَصل إِلى القاهرة محمد بن إِبراهيم بن منجك (٢) في ثالث عشر رجب، فحقَّق للسلطان عصيانَ قانباى وأَخبره بالوقعة التي انهزم هو فيها معه، فلم يكذب السلطان خيرًا وأَصبح منزعجًا فأَنفق في العسكر وعيّن مَن يسافر معه منهم، وأَعفى القضاة والخليفة عن السفر معه، لكن سافر معه القاضي الحنفى ناصرُ الدين بنُ العديم باختياره، وسار جريدةً (٣) بعد وصول ابن منجك بأَيّام يسيرة وذلك في ثانى عشرى رجب؛ وقَرَّر في نيابة الغيبة ططر، وقرر سودون صقل حاجب الحجاب، وقطلوبغا التنمى نائب القلعة، وعُزل ابن الهيصم عن الوزارة في تاسع عشرى رجب، وشغرت الوزارة فقرر أَبوكم في نظر الدولة ليسد المهِمّات في غيبةِ السلطان بمراجعة الأُستادار.
واستمرّ السلطان في سفره فدخل دمشق في سادس شعبان، وكان قد دخل غزة وخرج منها يومه، ثم خرج من دمشق في ثامن شعبان.
فلما كان في ثاني عشر شعبان - قبْل أَن يصل السلطان بعسكره - التقي عسكر قانباي وإِينال ومَن معهما وعسكر السلطان، فالتقى العسكران فانكبس أَقباى الدويدار وأُسر منهم جماعة من العسكر وانهزم بعضهم، فاتفق موافاة السلطان في صبيحة ثاني يوم الوقعة قد نزل العسكر واشتغلوا بالنَّهب واطمأَنوا، فطلعت أَعلامه عليهم من وراء أكمة فولُّوا
стр. 1166
الأَدبار ولم يَلْوِ أَحدٌ على أَحد، فقبض المأْسورون في الحال علَى مَن أَسروهم واستعادوا ما نُهب منهم، ورَجع الناهب منهوبًا والغالب مغلوبًا، وأُسر إِينال الصصلاني وجرباش قاشق وتمنتمر واقبغا النظامي وجماعةٌ، واستمر السلطان إِلى حلب والأَسارى بين يديه مشاة في الأَغلال والقيود فطَلع القلعة. واستمرّ قانباى في هزيمته إِلى جهة أَعزاز، فلقيه بعضُ التركمان فأَمّنه وأَنزله عنده ثم غدر به وقَبض عليه وأَحضره إِلى السلطان، فأَمر به وبإِينال الصصلاني وبكباشة وتَمنتَمر فقُتِلوا وأُرْسِلتْ رءُوسهم إِلى القاهرة فعلّقَتْ على باب زويلة، ثم أَرسل بها إِلى الإِسكندرية فطيف بها، وفرّ سودون مِن عبد الرحمن وطرباى وغيرهما فنجوا؛ وقَرّر السلطانُ آقباى الدويدار نائب حلب، وجار قطلى في نيابة حماة، ويشبك - مشدَّ الشربخاناه - في نيابة طرابلس.
وفى مدة إِقامة السلطان بحماة قدم عليه أَبو يزيد بن قرايلك بهديّةٍ من أَبيه وتهنئةٍ له بالنَّصر على أَعدائه، فأَكرم مورده وردّه إِلى أَبيه ومعه هدية مكافأَة على هديته.
* * *
وفيها فرَّ كزل نائبُ ملطية إِلى التركمان خوفًا من السلطانِ، فإِنَّه قد وافق قانباى على العصيان عليه؛ وعَزَم السلطانُ على الإِقامة بحماة بقية السّنة لحسْم مادَّةِ الفِتنَ والقبْضِ على مَنْ تسحّب من النوّاب الذين خامروا وهم: كزل نائبُ ملطية وسودون من عبد الرحمن نائب طرابلس وطرباي نائب غزة، ثم فَتُر عَزْمه عن الإِقامة وأَرْسل طوغان نائب صفد إِلى القاهرة على تقدمة أَلف، وأَذِن له في سفر البحيرة لتحصيل شيءٍ يكون عوْنًا له على تجديد ما نُهِب له في الوقعة.
وكانت الوقعة في رابع عشر شعبان، واستمرّ المؤيّد يقفو أَثر المنهزمين إِلى قلعة الأَثارب (١)
قبات بها ثم أَصبح فدَخل إِلى حلب وأَقام بحلب إِلى ثانى عشرين شوّال.
* * *
стр. 1167
وفي رمضان - ليلة الجمعة ثالثه - أُخِذَ رجلٌ سكران وهو يشرب الخمر بالنهار فضُرب الحدَّ وطيف به، فثار به عامَّة الصليبة فقتلوه ثم أَجّجوا نارًا فأَلقوه فيها حتى مات حريقًا.
* * *
وفى شوال - ليالى تَوَجُّهِ الحجاج - ابتدأَ الغلاءُ العظيم في القاهرة مع وجودِ الغلال وزيادةِ الماءِ وكثْرَةِ الزرع، وكان أَول السنة في الغلال مِن الرّخْص شيء عجيب بحيث أَن القمح الذي هو في غاية الجودة لا يتجاوز النِّصفَ دينار: كلُّ إِردب، ودونه قد يباع بالدينار ثلاثة أَرادب وذلك في كثيرٍ من الأَوقات. وأَعظم الأَسباب في هذا الغلاء كثرةُ الفتن بنواحي مصر من العرب وخروج العساكر إِليهم مرة بعد مرة، وفى كل مرة يحصل الفسادُ في الزرْع ويقلّ الأَمْنُ في الطرقات فلا يقع الجلب كما كان.
وفي آخر ذلك توجّه الأُستادار لدفْع العرب المفسدين في وقْت قبْضِ المغل، فعاث منَ معه في الغلال وأَفسدوا وعادوا بُخُفّيْ حنين، واتفق وقوع القحط بالحجاز والشام فكثر (١) التحويل في الغلال من نواحي أَراضى مصر وصعيدها، واتُّفق أَن بعض الناس - مِمَّن له أَمرٌ مُطاعٌ في غيبة السلطان - أَرادَ التجارة في القمح فصار يحجر على مَن يصل بشيءٍ منه أَن يبيعه لغيره، فعزَّ الجالبُ فِرارًا منه، فوقع في البلد تعطيلٌ في حوانيت الخبّازين، ووقع الفساد من ذلك قليلًا قليلًا بحيث لا يُتَنَبَّه له، إِلى أَن استحكم فبلغ الإِردبٌ من القمح إِلى ثلاثمائة وكذلك الحِمْل من التِّبْن، وتزاحم الناس على الخُبز في الأَسواقِ إِلى أَن فُقد من الحوانيت وصار الذي من شأْنه أَن يكتفى بعشرةِ أَرْغفة لوْ وَجد مائةً لاشتراها لِمَا قُذِف في قلوبهم من خشْيَة فقْدِه، وصار مَن عنده شيءٌ من القمح يحرص على أَن لا يُخْرِج منه شيئًا خشيةً أَن لا يجد بَدَلَه، فتزاحم الناس على الأَفران إِلى أَن قُفِلَتْ وصاروا يبيعونه من الأَسطحة وآل الأَمر إِلى أَن فُقِد القمح وبلغ الناس الجهد وانتشر الغلاءُ في بحريِّ مصر وقبلِيِّها.
стр. 1168
واتَّفق أَن الوجْه البحرى كان مُقِلًّا من الغلال بسبب الفأْر الذي تسلَّط على الزرع في هذه السنة، فاحتاجوا إِلى جلْبه من الصعيد، فأَمسك أَهلُ الصعيد أَيديَهم عن البيع لما يبلغهم مِن مَنْع المحتسب من الزيادة في السعر، واشتد الأَمْر وعمّ البلاء.
ولما رآى التاج الوالى - وهو المحتسب يومئذ - ذلك استعفى مِنَ الحسبة، فقرّر نائبُ الغيبة فيها القاضيَ شمسَ الدين محمدَ بن يوسف الحَلاوي (١) في العشرين من شوال فباشر أَيَّامًا قلائل؛ فلمّا أَهلّ ذو القعدة تزايدت الأَسعار واشتدّ الزحامُ بالأَفران، فخشي المحتسب على نفسه فاستعنى وأُعيد أَمرُ الحسبة إِلى الوالى - وهو التاج الشوبكي - وذلك في حادى عشر ذي القعدة؛ وقد امْتَدَّت الأَّيْدى للخطف واجتمع مَن لا يُحصى ببولاق لطلب القمح، وتعطَّل غالبُ الأَسواق من البيع والشراءِ بسبب اشتغالهم بتحصيل القوت لأَنَّ بعضهم كان يتوجّه إِلى الأَفران من نصف الليل ليحصل له شيء من الخبز، وبعضهم يتوجّه إِلى السواحل ليحصل له شيء من القمح، فمنهم من يجد ومنهم من يرجع خائبًا، فقلَّتْ أَصناف المأْكل وعظُم الخطب، وصارت المركب من القمح إذا وَصَلَتْ إِلى السّاحل تُرْبَطُ وسَط النّيل خشيةً من النهب بالسّاحل ويتوجّه الناس إِليها في الشخاتير ليشتروا منها.
ثم وقع التحجير على من يشترى زيادةً على إِردب، فصار معظم الواصل يقسَّم على الطحَّانين ليطحنوه للفرانين ويُحمل إِلى حوانيت الخبّازين، ومع ذلك فالزحام عليه شديدٌ حتى مات جماعةٌ من الزحمة، وغرق جماعةٌ في البحر عند التوجّه إِلى المراكب الواصلة.
وخَرج الناس في ثامن عشر ذي القعدة إِلى الصحراء يستكشفون هذا البلاءَ، ومقدّمهم
стр. 1169
القاضي جلال الدين البلقيني فوقفوا قريبًا من قبّة النصر فضجّوا ودعوا بغيرِ صلاة؛ واتفق أَن القاضي واجه التاج الوالى فأَشار عليه أَن يختفى خشيةً عليه مما اتفق لأَبيه النشو في أَواخر القرن الماضي على ما تقدم شرحه، لأَنَّ الأَلسنة كانت انطلقت في حقه أَنَّ سبب الغلاءِ منه فرجع مختفيا.
ورجع بعد ذلك الموقفُ وقد تيسّر وجودُ الخبز قليلا، ثم فُقِد أَشدّ مما تقدّم، فركب التاج الوالى إلى البلاد الغربية، وتتبعّ مخازنَ القمح وأَلزم أَصحابها بالبيع، وقسَّم على الطحّانين مقادير احتياجهم فبلغت البطةُ الدقيق مائة درهم، ثم زاد الأَمر فانتهَتْ إِلى مائتين، وبلغ القمحُ إِلى ثمانمائة كل إِردب، وبَلغ الفول إِلى ثلاثمائة، والأرزُ إِلى أَلفٍ وثمانين؛ وتزايَد في غضون هذه الأَيام سعْرُ الذهب إِلى (١) أَن بلغ سِعرُ الهرجة مائتين وثمانين كل مثقال، ونَدب نائبُ الغيبة إِلى كل فرنٍ طائفةً مِن الترك لمنْع مَن يَنهب، وقَعَد حاجب الحجّاب بنفسه على بعض الأَفران واجتهد في ذلك حتى رآى الخبزَ على الحوانيت.
وكان من اللُّطف الخفيّ في هذه المدة طلوعُ الزرع، فاستغنى الناس لبهائمهم بالربيع، ثم استغنوا لأَنفسهم بأَكل الفول الأَخضر ثم فريك الشعير، وخرجَ الناسُ من ابتداء ذى الحجة أَفواجًا أَفواجًا إِلى الأَرياف، ثم استشعر مَن عنده قمح مِن أَهل الصعيد قرب الحصاد فأَطلقوا أَيديهم في البيع، وكثر الجلَّابة من التجّار فكثر الواصل، ومع ذلك فالغلاءُ مستمرُّ والطَّالِبُ للقمح غيرُ قليل.
وفى هذه السنة قدم فخر الدين بنُ أَبي الفرج من بغداد، فالتقى بالسلطان فأَكرمه وعفى عنه ذنْبَه الماضي وولاه كشف الشرقية والغربية والبحيرة وقطيا، فقدم القاهرة في أَواخر شوّال وأَقام بها قليلًا وخرج إِلى عمله لتحصيل الأَموال على عادته.
وخرج السلطان من حلب في أَوائل ذى القعدة وقَبض على سودون القاضي وسجنه بدمشق، واستقر بردبك عوض رأْس نوبة.
стр. 1170
وخرج إِبراهيم ولدُ السلطان من القاهرة لملاقاة أَبيه في أَواخر ذي القعدة وصحبته كزل العجمي وغيره، ووصل السلطانُ إِلى سرياقوس في نصف ذى الحجّة فعمل هناك وقتًا حافلًا بالقراءِ والسّماع على العادة، ووَهب صوفيَّةَ الخانقاه شيئًا كثيرًا، وأَصبح في السادس عشر فنزَل الريدانية بكرةً ومَدَّ السّماط وخلع على مَن له عادة بذلك، وطلع القلعةَ من يوْمه، ونُودى مِن الغد بالأَمان وأَنْ لا يتكلم أَحدٌ في سعْر الغلال فإِن الأَسعار بيد الله، ومَن زاحم على الأَفران فُعِل به كذا و كذا، وتصدّى [السلطانُ] للنظر في أَمرْ القمح بنفْسه، وجهَّز مرجان (١) الخازندار وعبدَ الرحمن السمسار بمالٍ جزيل إِلى الصّعيد ليشتروا به قمحًا ويحضرونه بسرعة ليكثر بالقاهرة وتبطل المزاحمة على الخبز.
وانسلخت السنة والأَمْر على ذلك.
* * *
وفي خامس عشرى ذى الحجة استقر جقمق الدويدارُ دويدارًا كبيرًا عوضًا عن آقباى، واستقرّ يشبك دويدارًا ثانيا موضع جقمق.
وفى أَواخر السنة نودى على الذهب أَن تكون الهرجة بمائتين وخمسين بعد ما كان بلغ مائتين وثمانين، وشدّد السلطانُ في ذلك وتوعّد عليه، واستقر إِبراهيم - المعروف بخرز (٢) في ولاية القاهرة عوضًا عن التاج، ونُقل التاج إِلى أُستادارية الصحبة.
وفيها في صفر استقرّ رميثة (٣) بنُ محمّد بن محمد بن عجلان في إِمرة مكة عوضا عن عمّه حسن بن عجلان فلم يتهيأْ له الدخولُ إِلى مكة إلا مع الحجاج، فدخلها في ذي الحجة
стр. 1171
ونزع عنها حسنًا وأَولاده وحاشيته واستقرّ أَميرًا بها إِلى أَن كان ما سنذكره في السنة الآتية.
وفيها في ربيع الآخر أُهين اليهود والنصارى إِهانةً بالغةً في استخراج الذهب الذي قُرِّرَ عليهم في وفاءِ الجزية الماضية، ونالهم من الأَعوان كُلَفٌ كثيرة.
* * *
وفى هذه السنة كثر عيث العربان بالوجه القبلى والبحرى واشتدَّ بأْسهُم، وثارت الأَحامدةُ (١) من عرب الصعيد، وهم قافلةٌ من أَراضى الحجاز من آل بلى سكان "دامة" فما فوْقها إِلى جهة ينبع، فتحوّلوا إِلى الصعيد الأَعلى فنزلوا فيه واتخذوه وطنًا، ووثبوا على والى قوص فقتلوه وقتلوا خلقًا معه.
وفيها في ربيع الآخر توجه يلبغا المظفَّرى إِلى دمشق فاستقرّ بها أَميرًا كبيرًا، ونُقل طوغان من نيابة صفد إِلى حجوبِيّةِ دمشق، ونُقِل خليل الجشاري (٢) من حجوبيّة دمشق إِلى صفد، وكان المتوجّه من القاهرة إِينال الأَزعرى.
وفيه توجّه محمد شاه بن قرا يوسف صاحب بغداد إِلى ششتر (٣) فحاصرها وفيها بقية آل أويس فقاتلوه ومنعوا البلد منه.
وفي جمادى الأُولى استقر أَقبردى المنقار في نيابة الإِسكندرية عوضًا عَنْ صُمَاىْ (٤).
وفى ربيع الآخر توجّه نائب حلب إِينال الصصلانى ونائبُ طرابلس سودون التركماني - قبْلَ المخامرة - على جرائد الخيل في طلب كردي بن كَندَرَ التركماني ففرّ منهم فأَخذوا
стр. 1172
أَعقابه واستولوا على كثير من أَغنامه وأَبقاره، ثم توجهوا إِلى قلعة دربساك فحاصروها ثلاثًا فأَخذوها، وفرّ عن كردى أَكثر أَصحابه فتسحَّب إِلى مرعش وانضمّ إِليه فارس بن مردخان بن كندر.
وفيه توجّه نائب ملطية كزل في طلب حسين بن كبك وأَخيه سولو، وكانا قد نازلا جرباص من أَعمال ملطية وأَحرقاها فأَدركهما فتحصّنا بقلعة كَركر (١)، فقَتَل من جماعتهما خلقًا ورجع إِلى ملطية، فيخرجا وجمعا عليه من التركمان والأَكراد جمعًا كبيرًا فرجعوا عليه فقاتلهم وهزمهم.
* * *
وفيها سقطت دار من الدور القديمة التي أُخِذَت لتضاف إِلى المدرسة التي ابتدأَ السلطانُ في إِنشائها داخل بابي زويلة، فمات تحت الردم منهم أَربعة عشر نفسًا.
وفي جمادى (٢) الآخرة طرق سودون القاضي الجامع الأَزهر - وهو يومئذ حاجب الحجاب وبيده نظر الجامع - بعد عشاء الآخرة ومعه كثيرٌ من أَعوانه، وكان بلغه أَنَّه حدث بالجامع من الفساد بمبيت الناس فيه ما لا يُعَبَّر عنه، فأَمر بعدم المبيت فيه فلم يرتدعوا فطرقهم، فوقع من أَعوانه النّهْبُ في الموجودين فامتنعوا بعد ذلك من المبيت، وأخرج بعد ذلك ما بالجامع من الصناديق والخزائن للمجاورين لأَنها ضَيَّقَتْ على المصلِّين.
* * *
وفيها - في أَوّلها - كانت كائنة الشيخ سَليم - وهو بفتح السين - وذلك أَنه كان بالجيزة بالجانب الغربي من النيل كنيسةٌ للنصارى، فقيل إِنهم جددوا فيها شيئا كثيرًا، فتوجه الشيخ من الجامع الأَزهر ومعه جماعة فهدموها، فاستَعَان النصارى بأَهل الديوان من القبط فسعوا عند السلطان بأَنّ هذا الشيخ افتات في المملكة وفعل ما أَراد بيده بغير حكم حاكم، فاستُدْعِىَ هذا المذكور فأُهين، فاشتدّ أَلمُ المسلمين لذلك، ثم توصّل
стр. 1173
النصارى ببعض قضاة السّوءِ إِلى أَن أَذن لهم في إعادة ما تهدّم، فجرّ ذلك لهم أَنْ شيَّدوا ما شاءوا بعلَّة إِعادة المتهدَّم الأَول، فللَّه الأَمر.
* * *
وفيها صُرف حسين بن نعير عن إِمرة العرب، واستقرّ حديثة بن سيف في إِمْرة آل فضْل، فوقع بينهما حرب فغلب حديثَة بن سيف، وتوجّه حسين إِلى الرَّحْبَة فأَفْسد زرعها، ثم التقيا في أَواخر رجب فقُتِل حسين في المعركة وبعث برأْسه إِلى القاهرة (١).
وفيها قدم رسولُ صاحب البندقية من الفرنج إِلى القاهرة بهديةٍ وكتابٍ من صاحبه، فعُرِّبَ الكتاب وقُرِئ على السلطان فقُبِلَت الهدية وأَمَر السلطان ببَيْعها وصْرف ثمنها في العمارة التي أَحْدثَها، وقرّر كذلك كل هديّة تصل إِليه من كل جهة.
وفيها أَوقع آل لبيد (٢) من عُربان الغرب الأَدْنى من نحو برقة - بأَهل البحيرة بحريّ مصر وكسروهم ونهبوا منهم زيادةً على ثلاثة آلاف بعير وأَضعافها من الأَغنام، وانهزم أَهلُ البحيرة إِلى الفيّوم، ثم رجَع أُولئك (٣) وأَيديهم ملآى من الغنائم.
وفى رجب نُقل سودون القاضي من الحجوبية وصار رأْس نوبة كبيرًا، ونُقِل رأْسُ
стр. 1174
نوبة وهو تانى بك ميق فصار أَمير مجلس، واستقر سودون قراصقل حاجبًا بدل سودون القاضي.
وفيها عُزِل صدْرُ الدين العجمي عن نظر الجيش بدمشق وأُهين وصُودر، واستقرّ ابن الكشك قاضى الحنفية في وظيفته.
* * *
ذكر من مات في سنة ثماني عشرة وثماني مائة من الأعيان (١)
١ - إبراهيم بن بركة المصرى، سعد الدين البشيرى، وُلد في ذي القعدة سنةَ ستٍّ وستين، وخدم - لمّا ترعرع - في بيت ناظر الجيش تقى الدين بن محبّ الدين، ثم تنقل في الخدم عند الأُمراءِ وغيرهم إِلى أَن ولى نظر الدولة، وباشر عند جمال الدين واعتمد عليه في أَمر الوزارة، ثم اسْتَقَلَّ بالوزارة بعد (٢) جمال الدين إِلى أَن قُبض عليه في الدولة المؤيدية كما تقدّم (٣) في سنة ست عشرة ولزم منزله إِلى أَن مات في صفر من هذه السنة، ولم يتَّفق له عند القبض أَن يُضرب ولا مكنت منه أَعداؤه.
وكان جيّد الإسلام، وهو الذي جدَّد الجامعَ بالقرب من منزل سكنه ببركة الرطلي، وكان عارفًا بالمباشرة، يسلك طريق الوزراءِ السالفين من الحشمة والترتيب.
٢ - أَحمد بن محمد بن أَحمد بن عَرَنْدة المحلَّى، شهاب الدين الوجيزى (٤) الناسخ، وُلد سنة اثنتين وأَربعين وسبعمائة بالمحلَّة، ثم قدم القاهرة فحفظ "الوجيز" فعُرف به
стр. 1175
وأَخذ عن علماءِ عصره، ولازم القاضي تاج الدين السبكى لمّا قدم القاهرة، وكَب من (١) الكتب له ولغيره (٢) شيئًا كثيرًا جدا، وكان صحيح الخطِّ ويذاكر بأَشياءَ حسنة، ثم حصل له سوءُ مزاجٍ وانحراف ولم يتغيّر عقله، وكان عارفًا بالحساب. مات في جمادى الأُولى.
٣ - أسنبغا الزردكاش، كان أَصله من أَولاد حلب فباع نفسه وتسمّى "أَسنبغا" وتوصّل إِلى أَن خدم النَّاصر فحظى عنده وارتفعت منزلته حتى زوجه أُخته واستنابه لمّا خرج إِلى السفرة التي قُتِل فيها، فجرى من أَسنبغا ما قدم شرحه إِلى أَن قُبض عليه وحُبس بالإسكندرية فقُتل بها؛ قال العينتابي: "كان ظالما غاشما لم يشتهر عنه إِلَّا الشر".
٤ - إِينال بن عبد الله الصصلائي كان (٣) من الظاهرية وتنقَّل في الخدم إِلى أَن ولى الحجوبية الكبرى بالقاهرة، ثم كان مِمَّن انضمّ إِلى شيخٍ فولَّاه نيابة حلب في سنة ستّ عشرة، وكان فيمن حاصر معه (٤) نورور إِلى أَن قُتل نوروز ورَجع (٥) إِلى ولايته بحلب. وكان شكلا حسنا عاقلًا (٦) شجاعًا عارفًا بالأُمور قليل الشرّ، ثم كان مِمَّن عصى على المؤيّد هو وقانباى نائبُ الشام ونائب طرابلس ونائب حماة فآل أَمرهم إِلى أَن انهزموا وأُسِروا، وقُتل إينال بقلعة حلب في شعبان من هذه السنة؛ ورأَيْتُ الحلبيين يثنون عليه كثيرًا، ولما (٧) خامَر علَى المؤيدّ لم يحصل لأَحدٍ من أَهل بلده منه شرّ بل طَلَب أَخْذَ القلعة فعصى عليه نائبها فحاصره أَيامًا ثم تركه وتوجّه إِلى الشام. ذَكرَه القاضي علاء الدين في تاريخه
стр. 1176
٥ - أَيوب بن سعد (١) بن علوى الحسباني الناعوري (٢) الدمشقى، وُلد سنة تسع وأَربعين، وحفظ "التنبيه" وعرضه على ابن جملة (٣) وطبقته، وأَخذ عن العماد الحسبانى وذويه، ثم فتر عن الطلب واعتذر بأَنه لم يحصل له نيّة خالصة، وكان ذا أَورادٍ من تلاوةٍ وقيام وقناعةٍ واقتصادٍ في الحال وفراغٍ عن الرئاسة مع سلامة الباطن. مات في صفر.
٦ - حاجي بن عبد الله زين الدين الرومى المعروف بحاجى فقيه، شيخ التربة الظاهرية خارج القاهرة، كان عريًا من العلم إِلَّا أَنّ له اتصالًا بالترك كدأْب غيره. مات في شوّال فاستقرّ في مشيختها الشيخ شمس الدين البساطي (٤) بعناية الأَمير ططر نائب الغيبة، وكان السبب في ذلك أَن نائبَ الغيبة كان لا يحبّ القاضي جلال الدين البلقيني، فاتَّفق أَن البلقيني أَفْتى فُتْيا فخالفه فيها كاتبه (٥) والبساطى المذكور، فنمّ إِليه بعض أَهل الشر بذلك فوقف على ما كتَبنا وتغيّر منه واحتشم مع كاتبه، وتقوّى على جانب البساطي لضعفه إِذ ذاك، فأَرسل إِليه وأَحضره وأَسمعه ما يكره وبالغ في إِهانته، فخرج وهو يدعو عليه فطاف علَى مَنْ له به معرفة يشكوه، فبَلغ ذلك الأَميرَ ططر فغضب من ذلك، واتفق موت حاجي فقيه فعيّنه في المشيخة مراغمًا للبلقيني، ولم يستطع البلقيني تغيير ذلك بل
стр. 1177
استدْعى البساطى وأَظهر الرضى عليه وخَلع عليه فرجية صوف من ملابسه واسترضاه لما علم من عناية الأَمير ططر به. فالله المستعان.
٧ - خلف بن أَبي بكر التحريري المالكي، أَخذ عن الشيخ خليل في "شرح ابن الحاجب"، وبرع في الفقه وناب في الحكم، وأَفتى ودرّس ثم توجّه إِلى المدينة (١) فجاوربها مُعْتنِيا بالتَّدريس والإِفادة والانجماع والعبادة إِلى أَن مات بها (٢) في صفر عن ستين سنة (٣).
٨ - دمرداش المحمّدي الظاهري، كان من قدماءِ مماليك الظاهر [برقوق]، ولمّا جرت فتتة منطاش كان خاصكيًّا وكان معه في الوقعة ففرَّ مع مَن انهزم إِلى حلب، فلمّا استقرت قدمُ الظاهر في السلطنة حضر إِليه فولَّاه نيابة طرابلس ثم نقله إِلى الأتابكية بحلب فأَقام مدّة، ثم ولَّاه نيابة حماة، ثم مات الظاهر وهو نائبها فحاصره، ثم لما أَراد أَن يتسلطن أَطاعه ووصل صحبته إِلى غزة، ففرّ إِلى الناصر فولَّاه نيابة حلب بعد قتْل تنم وذلك في رمضان سنة اثنتين وثمانمائة، ففي تلك السنة غزا التركمانَ فكسروه الكسرةَ الشنيعة، ثم كان من شأْن اللنكية ما كان، فيقال إِنه باطَنَهم وفى الظاهر حاربهم وانكسر. ثم أمسكه اللنك من القلعة واستصحبه إِلى الشام بغير قيْدٍ ولا إِهانة، فلمّا قرُب من الشام هرب إِلى الناصر. فلما فرّ الناصر ومَن معه مِن اللنكية توجّه هو إِلى جهة حلب، فلما نزح اللنك ومَن معه دخل دمرداش إِلى حلب في جَمْعٍ جمَعه وذلك في شعبان سنة ثلاثٍ فأَقام حاكمًا بحلب، فولَّى الناصرُ دقماقَ نيابة حلب فواقع دمرداش ففرَّ إِلى التركمان، ثم بعد مدّة ولَّاه نيابة طرابلس فاستمرّ بها إِلى سنة ستٍّ ثم نقله إِلى نيابة حلب في رمضان منها؛ ثم واقعه جكم في سنة سبع فانهزم إِلى أَياس، ثم ركب البحر ووصل إِلى القاهرة ثم نكص راجعًا إِلى التركمان، ثم هجم على حلب بغتةً فاستولى عليها في سنة ثمان، ثم أَخرجه منها نوروز فتوجّه إِلى حماة فهجم عليها بغتةً ثم أُخرج منها فتوجّه إِلى دمشق فأَقام عند نائبها شيخ الذي تسلْطن بعد ذلك.
стр. 1178
ثم كان معهم في وقعة السعيدية ووُجِّه نائبًا بحلب مِن قِبل الناصر، ووصل الناصر إِلى حلب سنة تسعٍ وهو في خدمته، ثم رَجع إِلى مصر واستصحبه وقَرَّر في نيابة حلب جركس المصارع، ثم تولَّى دمرداشُ نيابةَ صفد؛ ثم نُقِل إِلى نيابة حلب فأَخرجه منها شيخ ففرّ إِلى أَنطاكية، فلمّا توجّه الناصر في طلب شيخ فرّ منه إِلى الأّبلستين فسار دمرداش في خدمة النَّاصر إِلى أَنْ قرّره بمصر أَتابكًا، ثم كان في خدمة النَّاصر إِلى أَن حضر بدمشق فاستأْذنه في أَن يتوجّه إِلى جهة حلب ويجمع له عسكرًا كثيرًا فأَذن له فتوجّه إِلى حلب، فلما بلغه قتلُ الناصر واستقرارُ نوروز بالمملكة الشاميّة خرج من حلب لما بلغه توجُّهُ نوروز إِليها فوصل إِلى قلعة الروم فأَقام بها؛ فلما بلغَتْه سلطنة شيخ وأَظهر نوروز مخالفته مَالَ أَولًا إِلى نوروز وكاتبه أَن يقرّره في حلب ففعل، وبها يومئذٍ من جهته يشبك بن أَزدمر، فورَدَتْ مكاتبات المؤيّد لمن بحلب أَن يعاوِنوا دمرداش على الركوب على ابن أَزدمر ففعلوا وكسروه، وذلك في ذى الحجة سنة خمس عشرة.
ودخل دمرداش إِلى حلب حاكمًا ووصلت إِليه الخلعة من مصر، ثم بلغه في صفر سنة ستّ عشرة خروج نوروز من دمشق طالبًا البلاد الحلبية فتوجّه نحو العمق، فدخل نوروز إِلى حلب في صفر وقرّر فيها طوخ نائبًا، ورجع نوروز إِلى صفد فحاصره دمرداش فاستنصر طوخ بالعرب فنكص دمرداش إِلى العمق، ثم كانت بينه وبيْن طوخ وقعة عظيمة انكسر فيها دمرداش وذلك في ربيع الآخر سنة ستّ عشرة، وفرّ دمرداش إلى أَنطاكية وغيرها، ثم ركب البحر إِلى القاهرة فتلقَّاه المؤيد بالإِكرام وأَعطاه تقدمة، وكان قرقماس وتغرى بردي (١) - ابنا أَخى دمرداش - صحبةَ المؤيّد لما دخل مصر فأَعطى كلَّا منهما تقدمة وَوَلَّى قرقماس نيابة الشام، فخرج هو وأَخوه، ثم رجع من غزة وأَقام أَخوه هناك فجهّز المؤيّد عسكرًا إِلى الإِيقاع بالعرب، وتقدّم إِليهم بالقبض على تغرى بردى في وقتٍ عيَّنَه لهم، ثم قبض هو على دمرداش وقرقماس في رمضان سنة سبع عشرة واعتقلهما بالإسكندرية وكانت وفاة دمرداش بها في المحرّم سنة ثماني عشرة.
стр. 1179
وكان دمرداش مهيبًا عاقلًا مشاركًا في عدّة مسائل، كثيرةَ الإكرام لأَهْل العلم والعناية بهم، اجتمعْتُ به فوجَدْته يستحضر كثيرًا من كلام الغزالي وغيره. قال القاضي علاءُ الدين الحلبي في تاريخه: "كان لا يواجه أَحدًا بما يكره، وقد بنى جامعًا بحلب وأَوقف عليه أَوقافًا كثيرة؛ وله زاوية بظاهر طرابلس لها أَوقاف كثيرة" وهذا بخلاف قول العيني: "ليس له معروف".
٩ - طوغان الحسنى قُتل بمحبسه بالإسكندرية في المحرم، وكان أَصله من جلبان الظاهر برقوق ثم ترقّى إِلى أَن ولى الدويدارية الكبرى للناصر ثم للمستعين ثم للمؤيد، ثم قُبض وحُبس كما تقدّم في الحوادث وخلَّف أَموالًا جمّة؛ وهو صاحب الصهريج والسبيل في رأْس حارة (١) برجوان.
١٠ - عبد الله بن أَبي عبد الله الفَرْخاوى، جمال الدين الدمشقي، عنى بالفقه والعربية والحديث ودرّس وأَفاد، وكان قد أَخذ عن العنابي فمهر في النحو، وكان يعتنى بـ "صحيح مسلم" ويكتب منه نسخا، وقد سمع من جماعة من شيوخنا بدمشق. وفرخا - بالفاءِ والخاءِ المعجمتين (٢) بينهما راءٌ ساكنة - قرية من عمل نابلس. مات في عمل الرماة (٣).
١١ - عبد الله بن أَبي عبد الله العُرْجاني الدمشقى - بضَمّ المهملة وبعد الراء جيم - كان من أَتباع الشيخ أَبي بكر (٤) الموصلى ونشأَ في صلاح وعبادة، وكان سريع الدّمعة وعنده نوعٌ من الغفلة وخشوعٌ وسرعة بكاء، باشر أَوقاف الجامع الأُمويّ مدة ولم يكن يعرف شيئًا
стр. 1180
من حاله (١)، مات راجعًا من الحج بالمدينة النبوية (٢) ويقال إِنَّه كان يتمنّى ذلك، وقد غبطه الناس ببلوغ أُمنيته في موطن منيّته وذلك في ذي الحجة. رحمه الله تعالى.
١٢ - على (٣) بن أَحمد بن علي بن سالم الزبيدي: موفق الدين، أَصله من مكة، وُلد بها سنة سبع وأَربعين، وعنى بالعلم وبرع في الفقه والعربية، ورحل إِلى مصر والشام وأَخذ عن جماعة، ثم رجع إِلى مكة وتحوّل إِلى زبيد فمات بها في ذي القعدة.
١٣ - قانباي: كان من مماليك [الظاهر (٤) برقوق] وتنقلت به الأَحوال إِلى أَن قدم مع المؤيّد في سنة خمس عشرة واستقرّ دويدارًا كبيرًا، ثم نُقل إِلى نيابة الشام كما تقدم في سنة سبع عشرة وثمانمائة، ثم عصي كما شُرح في الحوادث، فلما هُزِم هو ومَن معه فرّ إِلى شمالي حلب فنزل عند بعض التركمان فغدر به وأَحضره إِلى السلطان في رابع عشر شعبان فحبسه بالقلعة فكان آخرَ العهد به، فيقال قُتل في سلخ شعبان.
وكان حسن الصورة (٥) جميل الفعل بنى برأْس سويقة (٦) العزّى مدرسةً فقرّر بها مدرّسين للشافعية والحنفية ووقف لها وقفا جيدا.
١٤ - محمد (٧) بن أَحمد بن محمد بن جمعة بن مسلم الدمشقى الصالحي الحنفي، عزيز الدين المعروف بابْن خضر، وُلد سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة واشتغل ومهَر، وأُذن له في الإِفتاء، ونَاب في الحكم وصار المنظورَ إِليه في أَهل مذهبه بالشام. مات في شوال.
стр. 1181
١٥ - محمد بن جلال بن أَحمد بن يوسف، التركماني الأَصل، شمس الدين بن التبّاني (١) الحنفى، وُلد في حدود السبعين وأَخذ عن أَبيه وغيره، ومهر في العربيّةِ والمعاني وأفاد ودرّس، ثم اتَّصل بالملك الموّيّد - وهو حينئذ نائب الشام فقُرِّر في نظر الجامع الأموى وفى عدّة وظائف وباشر مباشرةً غيرَ مُرْضِية، ثم ظَفر به النَّاصر فأَهانه وصادره فباع ثيابه واستَعْطَى باليد فساءَ، وأَحضره إِلى القاهرة ثم أَفرج عنه، فلما قدم المؤيّدُ القاهرةَ عَظُم قدرُه ونزل له القاض جلال الدين البلقيني عن درس التفسير بالجمالية واستقرّ في قضاءِ العسكر، ثم رحل مع السلطان في سفرته إلى نوروز فاستقرّ قاضى الحنفية بها ودرّس بأَماكن. وكانت له في كائنة قانباى اليد البيضاء، ثمّ لمّا توجّه السلطان إِلى حلب استدْعاه وأَراد أَن يرسله إِلى ابْنِ قرمان فاستعفى، ثم رجع لدمشق فمات في تاسع (٢) عشرى رمضان، وكان جيّد العقل وباشر قضاءَ الحنفية مباشرةً لا بأس بها. ولم يكن يتعَاطى شيئًا من الأَحكام بنفسه بل له نواب يفصلون في القضايا على بابه بالنْوبة.
١٦ - محمد بن محمد بن محمد الشافعي الحموي، ناصر الدين بنُ خطيب نقرين (٣) الشافعي وُلد … (٤) ...... واشتغل قليلًا، وترامى (٥) على الدخول في المناصب إلى أَن ولى قضاءَ حلب سنة اثنتين وتسعين (٦) فباشرها مباشرة غير مرضية فعُزل بعد سنة ونصف بأَبي (٧) البركات الأَنصارى، وتوجّه إِلى القاهرة ليسعى فأَعاده الظاهر إِلى تغرى بردى نائب حلب فحصلت له محنة وأَهانهُ وحَبَسَهُ بالقلعة، ثم عاد إِلى القضاءِ في سنة ست
стр. 1182
وتسعين فباشرها قليلا، ثم صُرف (١) بعد سنة بالإِخنائى فسافر عنها واستمر يتنقل في البلاد بطَّالا إِلى أَن عاد إِلى ولاية قضاءِ حلب في أَيام نيابة شيخ بها في أَواخر دولة الناصر، ثم عُزِل لما عزله المؤيد عنها، ثم عاد - بعْد قتْل النَّاصر واستقرار (٢) شيخ بتدبير المملكة للخليفة المستعين إِلى قضائها، - وفى غضون ذلك ولى قضاءَ دمشق مرة وطرابلس أُخرى.
ولما قام نوروز بدمشق - قبْل الناصر - قرّبه، فلما قتل نوروز قبض عليه شيخ في سنة ثماني عشرة [وقد] وجده جقمق الدويدار باللجون (٣) فقبض عليه وحبسه بصفد بإِذن السلطان، فلمّا وصل السلطان إِلى دمشق في فتنة قانباى أخرج ابن خطيب نقرين من حبس صفد ميتا، ويقال إِن ذلك كان بدسيسةٍ من كاتب السرّ ابن البارزي لأَنَّه كان يعاديه في الأَيّام النَّاصرية والنوروزية، ولما بلغ السلطانَ موتُه أَنكر ذلك ونقم على ابن البارزي وكان يتهدّده به كل حين.
وكان ابن خطيب نقرين قليلَ البضاعة، كثيرَ الجرأَة، كثيرَ البذْل والعطاءِ، إِلَّا أَنه يتعاني التزوير بالوظائف وبالدور ينتزعها من أَهلها بذلك؛ والله يسامحه.
١٧ - نجم بن عبد الله القابونى أَحد الفقراء الصالحين، انقطع بالقابون (٤) ظاهر مدينة دمشق مدةً مقبلًا (٥) على العبادة، وكان صحِب جماعةً من الصالحين الزُّماد، وكان ذا اجتهاد وعبادة، وتؤثر عنه كرامات وللناس فيه اعتقاد. مات في صفر.
* * *
стр. 1183
سنة تسع عشرة وثمانمائة
استهلَّت والغلاءُ بالقاهرة مستمر.
وفى ثانى المحرم أَرسل السلطانُ فارس الخازندار الطواشيَّ بمبلغٍ كبيرٍ من الفضة المؤيّدية فَرّقها على الجوامع والمدارس والخوانق، فكان لكل شيخٍ عشرةُ دنانير وإِردبُّ قمح، ولكل طالبٍ أَو صوفيٍّ أَربعة عشر مؤيديا، ومنهم من تكرّر اسمه حتى أَخذ بعضهم في خمسة مواضع، ثم فرّق في السوّال مبلغًا كبيرًا، لكل واحدٍ خمس مؤيدية فكان جملة ما فرق أَربعة آلاف دينار، ثم رسم بتفْرقة الخبز على المحتاجين فانتهت تفرقته في كل آلاف ستةَ آلاف رطل، واستمرّ على ذلك قدْر شهرين.
وتناهى سعرُ القمح في هذا الشهر إلى ثمانمائة درهمٍ الإِردب.
وقرّر السلطانُ في الحسبة الشيخ بدر الدين العينتابي وأَضاف إِليه إِينال الأَزْعَرى وذلك في الخامس من المحرّم، وأَلزم الأُمراءَ ببيع ما في حواصلهم فتتبَّعَها إِينال.
وفى سادس المحرّم وردت عدة مراكب تحمل نحو أَلفَيْ إِردب قمح، فركب إِينال ليفرّقها مع المحتسب، فاجتمع خلْق كثير فطرد الناسَ عن القمح خشيةَ النهب فتزاحموا عليه فَحمَل عليهم، فمات رجلٌ في الزحمة وعرقت امرأَة، وعمد إِينال إِلى أَربعة رجال فصلَبهم وضَرب رَجُلين ضربًا مبرحا، ونُهب للناس في هذه الحركة من العمائم والأَردية شيءٌ كثير، وسالت أَدميةُ جماعةٍ من ضرب الدبابيس (١).
وفى الثاني عشر من المحرّم سُفر الخليفة المستعين إِلى الإسكندرية فسُجن بها وسُفر معه أَولاد الناصر فرج وهم: فرح ومحمد وخليل (٢)، وكان الذي سافر بهم صهر كاتب السرّ
стр. 1184
ابن البارزي واسمه كزل (١) الأَرغون شاوى.
وفى هذا السّنة كثُر البرْسيم الأَخضر فانحطَّ بكثرته سعْرُ الشَّعير، واستغنت البهائم عنه.
وفي صفر تيسر وجودُ الخبز في حوانيت الباعة.
وفى أَواخره قدم مرجان من الصعيد وعلى يده شيءٌ كثير من الغلال وقد انحط السعر بالتماهرة، فرُسِم له أَن يبيع ما اشتراه بالسّعر الحاضر ولوْ خسر النصف.
وفي رابع عشر ربيع الآخر صُرف العينتابي من الحسبة وأُعيد ابن شعبان، وفى أَواخره استقرّ العينتابي في نظر الأَحباس بعد موت شهاب الدين الصفدَى، ثم صُرف ابن شعبان في رجب واستقر منكلى بغا، ويقال إِنَّه أَوّلُ من أُضيفت له وظيفةُ الحسبةِ من الترك.
وفيها أَوْقع أَقباى - نائبُ حلب - بالتركمان بناحية العَمْق - وكبيرهم (٢) كردي بك من كندر ومن انضمّ إِليه - فهزمهم وانتصر عليهم، ثم أَوقع أَقباى بالعرب بأَرض أَلبيرة (٣) فكسرهم بعد أَن نال عسكرَه منهم مشقةٌ عظيمة ووهن.
* * *
стр. 1185
وفى ثانى عشر المحرّم نقلت الشمس إِلى برج الحمل فدخل فصلُ الربيع، وابتدأَ الطاعون بالقاهرة فبلغ في نصف صفر كل يوم مائة نفس، ثم زاد في آخره إِلى مائتين وكَثُر ذلك حتى كان يموتُ في الدّار الواحدة أَكثرُ من فيها؛ وكثر الوباءُ بالصّعيد والوجه البحرى حتى قيل إِن أَكثر أَهلِ هُوّ (١) هلكوا، [وكثر] في طرابلس حتى قيل إِنه مات بها في عشرة أَيام عشرة آلاف نفس.
وبلغ عددُ الأَموات بالقاهرة في ربيع الأَوّل ثلاثمائة في اليوم، ثم في نصِفْه بلغوا خمسمائة، وفي التحقيق بلغوا الألف لأَنّ الذين يُضبَطون إِنما هم من يَرد الديوان، وأَما من لا يرد الديوان فكثير جدا (٢).
وماتت ابنتاى عالية وفاطمة وبعضُ العيال، وكان كل من طُعِن مات عن قربٍ إِلَّا النادر. وتواتر انتشار الطاعون في البلاد حتى قيل إِن أَهل أَصبهان لم يَبْق منهم إِلَّا النادر؛ وأَن أَهل فاس أَحصوا من مات منهم في شهر واحد فكان ستةً وثلاثين أَلفا حتى كادت البلد أَن تخلو من أَهلها، وتصدّى الأُستادار لموارات الأَمْواتُ.
ثمّ ابتدأَ الموتُ بالنَّقص في نصف ربيع الأَول إِلى أَن انتهى في أَول ربيع الآخر إِلى مائةٍ وعشرين، ثم بلغ في تاسعهِ إِلى ثلاثةٍ وعشرين؛ وتزايد الموتُ بدمشق وكان ابتداؤه عندهم في ربيع الأَوّل فبلغت عدة من يموت في ربيع الآخر في اليوم ستين نفسا، ثم بلغ مائتين في أَواخره، ثم كثر في جمادى الآخرة بها؛ وكذلك وقع في القدس وصفد وغيرها، ثم ارتفع في آخر ربيع الأَول فنزل في الثالث والعشرين منه إِلى أَحد عشر نفسًا.
* * *
стр. 1186
وفيه قدم مفلح - رسول صاحب اليمن - بهدية جليلة إِلى الملك المؤيّد فأَكرم مورده، وأَمر أَن تباع الهديَةُ وتصرف في عمارة المؤيّدية، فحُصِّلَ من ثمنها جملةٌ مستكثرة؛ وعُيّن كاتبه (١) للتوجّه إِلى اليمن في الرسلية عن السطان فاستعْفَى من ذلك فأُعْفِيَ.
وعمل الملك المؤيّد الخدمة في ديوان دار العدل، ورتّب الجند في القلعة ما بين الباب الأَوّل إِلى باب الدار المذكورة قيامًا في هيئة جميلة مهولة، وطَلب قاصدَ صاحبِ اليمن فأُحضر فرآي (٢) ما يهال، وقَدَّم الكتابَ الواصلَ صحبته ثم أَحضر الهديّة بعد ذلك على ثمانيةِ جمال، وخُلعت عليه خلعة سنية.
* * *
وفيها مات أَحمد (٣) بن رمضان أَمير التركمان وكان قديمَ (٤) الهجرة في الإِمارة، وقد تقدّم (٥) في حوادث سنة خمس وثمانين قبل أَخيه إِبراهيم واستمراره إِلى هذه الغاية، وكان معه أَدنة وإياس وسيس وما ينضمّ إِلى ذلك، وكان يطيع أَمراءَ حلب طورًا ويعصى عليهم طورًا، وقدم على الناصر فرج سنة ثلاث عشرة فخلع عليه وتزوّج ابنته وردّه إِلى بلاده مكرما.
* * *
وفى الثاني عشر من المحرّم قُرّر تقيُّ الدين عبدُ الوهّاب بن أَبي شاكر في الوزارة، وكانت بيده مباشرةُ النظر على ديوان سيدى إِبراهيم بن السلطان فقَبِل الوزارة بعْد تمنُّعٍ شديدٍ، وكانت [الوزارة] شاغرةً منذ سفر السلطان في العام الماضي فباشرها مباشرةً حسنة.
وفى أَواخر المحرم جمع السلطانُ الصّناعَ من الحجَّارين وأَمرهم أَن يقطعوا العمارةِ ما يَحتاجون إِليه لجامعه داخل باب زويلة من مكانٍ عيّنه تحت دار الضيافة، وأَقام هناك يومًا كاملًا.
стр. 1187
وفى هذا الشهر ركب كزل نائب ملطية في جماعة من المخامرين فهجم على مدينة حلب فقاتلوه، فقُتِلَتْ طائفةٌ وانهزم.
وفيه استقر عمر بن الطحان في نيابة قلعة صفد.
وفيه كانت الفتن بين عرب الرجوم وعرب العائد بَأرض القدس والرملة وغزة.
وفيه قُبض على إِينال أَحد أَمراءِ دمشق وسُجن بالقلْعة.
وفيه قبض على أَبي بكر بن نعير ففرّ أَخوه أَحمد ثم قُتل في جمادى الآخرة، ونزل أَخوه الآخر فأَحرق الرّحْبة (١).
* * *
وفي المحرم جَمع السلطانُ القضاةَ والعلماءَ وأَحضر مَن يتكلَّم في العمارة، وذُكر أَن الشيخ شرف الدين بن التبّاني تكلَّم معه (٢) في أَن كثيرًا من الأُمور التي يباشرها من يتكلم في العمارة لا تجرى على أَحكام الشرع مِنْ أَخْذِ بيوت الناس بغيْر رِضاهم وهَدْمِ الأَوقاف بغير طريقٍ شرعى ونحو ذلك، فأَصغى إِليه السلطان وجَمع الجميع فأَدار الكلام بينهم، فتعصّب الجميع على ابن التبّاني، وفَجَر عليه أَحمد النسخة (٣) شاهدُ القيمة ووافقه غيره إِلى أَن عجز عنهم وأَعيَتْه أَجوبتهم، فانفَصل المجلسُ على غيرِ شيءٍ وحقَّقوا للسلطان أَنه (٤) يتعصّب عليهم وأَنّ له غرضا في الوقيعة فيهم، والتزَم له (٥) القضاة بأَنهم لا يجرون أَموره في العمارة إلَّا على الوجه الشرعى المعتبر المرضى، وانفصلوا على ذلك، وسيسْأَلون
стр. 1188
أَجمعين عن ذلك. واستمرَّتْ في صفر العمارةُ بالجامع ونودى أَن لا يُسَخَّر فيه أحدٌ، وأَن يُوَفَّى الصُّناعُ أَجْرَهم بغير نقص ولا يُكلَّف أَحدٌ فوقَ طاقته، واستمرّ ذلك.
وفي أَول صفر أَمر السلطان القضاةَ الأَربعة بعزْل جميع النواب - وكانوا قدْ قاربوا مائتي نفس - فمُنِعُوا من الحكم، ثم عرضهم في ثانى عشر صفر، وقرّر للشافعي والحنفى عشرةً عشرة، وللمالكيّ خمسة، وللحنبلي أَربعة. ثم سعى كثيرٌ - ممنْ مُنِع - عنْد كاتب السّرّ بالمال إِلى أَن عادوا شيئًا فشيئًا.
وفي نصف صفر نودى أَن لا يَتَزوّج أَحدٌ من العقاد أَحدًا من مماليك السلطان إِلَّا بإِذنه.
وفي ربيع الأَول عرض السلطانُ أَجْناد الحلقة فمرَّ به شيخٌ يقال له قطلوبغا السيفي وكان قد أُمِرّ في دولة منطاش تقدمةَ أَلف ثم أُهين بعد زوال دولته وخَمل في الأَيّام الظاهريّة إِلى أَن صار بأَسوءِ حال، فعرَفه السلطانُ فسأَله عن حاله فأَعلمه بسوء حاله، فاتَّفَق أَنّ السَلطان كان قد تغيّر على أَقبردى المنقار نائبِ الإسكندريّة وعَزَله فقَرَّرَ هذا في نيابتها بغير سعْيٍ ولا سؤالٍ ولا قدرةٍ حتى إِنه لم يجْد ما يتجَهَّز به.
وفى سابع عشر شهر ربيع الأَول أَشهد (١) السلطان على نفسه بوقْف الجامع الذي جدّده، اشتدّ الأَمر في العمارة في وسط السّنة، وتناهى أَهلُ الدولة في جَلْب الرُّخام إِليها من كل جهة وكذلك الأَعمدة.
وفيه ثار عليه (٢) أَلم رِجْلِه وصار ذلك يعتاده في قوة الشتاءِ وفي قوة الصيف، ويخفُّ عنْه في الخريف والربيع.
* * *
وفي ربيع الأَول هجم الفرنج نستراوة فنهبوا بها وأَحرقوا، ثم قَدِموا في ربيع الآخر إِلى يافا فأَسروا من المسلمين نِساءً وأَطفالًا، فحاربهم المسلمون ثم افتكّوا منهم الأَسرى بمالٍ، ثم كان منهم ما سنذكره قريبًا.
стр. 1189
وفيه همَّ السلطان بتغيير المعاملة بالفلوس وجَمع منها شيئًا كثيرًا جدًّا، وأَراد أَن يضرب فلوسًا جددا وأَن يَرُدَّ سعرَ الفضة والذهب إِلى ما كان عليه في الأَيّام الظاهرية، فلم يزل يأْمر بتنزيل (١) الذهب إِلى أَن انحطَّت الهرجة من مائتين وثمانين إِلى مائتين وثلاثين، والأَفلورى إِلى مائتين وعشرة، وأَمر أَن يُباع الناصريُّ بسعرِ الهرجة ولا يُتعامَل به إِلَّا عددًا، وعَدَّل أَفلوريا من الذهب بثلاثين من الفضة، فاستقرّ ذلك إِلى آخر دولته، ثم كان ما سنذكره في سنة خمس وعشرين.
* * *
وفى هذا الشهر جُرِّدَت طائفةٌ من الأُمراءِ إِلى الصَعيد لقتال العرب المفسدين، وجرِّدت طائفةٌ أُخرى لقتالِ مَن بالوجه البحرى، فرجع المجرَّدون إِلى الوجه البحرى وقَدْ غنموا أَغنامًا وأَموالًا وجمالًا، وحصل لفخر الدين الكاشف من ذلك ما لا يدخل تحت الحصْر حتى كان جملةُ ما حَمَلَه للسلطان في مدّةٍ يسيرةٍ أكثرَ من مائةِ أَلفِ دينار.
وفيه اشتدّ الغلاءُ بالرملة ونابلس وكثر فساد محمد (٢) بن بشارة معاملة صفد.
وفيه كانت وقعةٌ بيْن نائب حلب وكزل، فانهزم كزل وجُرح جماعةٌ من أَصحابه، فاستولي حسين (٣) بن كبك على ملطية فأَسار السيرة بها، وغلب نائب حلب على حميد بن نعير وهزمه وغنم منه مالًا وجمالًا.
وفيه توجّه حديثة بن سيف أَمير آل فضل إِلى الرحبة صحبة نائبها عمر بن شهري وطائفة من عسكر الشام، ففرّ عذرا، وسبى ولدا (٤) على بن نعير فرجع العسكر الشامي، وأَقام حديثة
стр. 1190
على الرحبة ونزل قريبا (١) من تدمر، فأَتاه عذرا في ثلاثة آلاف نفس فوقعت بينهم مقاتلة عظيمة، وكان النصر الحديثة.
* * *
وفيه غضب السلطانُ على بدر الدين الأُستادار المعروف بابن محب الدين وشتمه وهَمَّ بقتْله وعوَّقَه بالقلعة، فتسلَّمه جقمق على ثلاثمائة أَلف دينار، وكان (٢) عاجزًا في مباشرته مع كثرة إذْلاله على السلطان وبَسْط لسانه بالمنَّة عليه حتيّ أَغضبه، فلما كان في الخامس والعشرين من هذا الشهر - وهو ربيع الأَول - أُعِيد فخر الدين بن أَبي الفرج إِلى الأُستادارية واستمرّ بدر الدين في المصادرة، ثم اشتدَّ الطلب عليه في أَول جمادى الآخرة وعوقب بأَنواع العقوبات؛ ثم خُلع في رابعه على فخر الدين واستقرّ مشيرًا، ثم نُقِل المذكور إِلى بيت فخر الدين الأُستادار فقُبِضَ على امرأَته وعوقبَتْ فأَظهرَتْ مالًا كثيرًا، ثم أُفْرِج عن ابن محبّ الدين في أَواخر رجب وقُرّر في كشف الوجْه القبلى بعّد أَن قرّر عليه مائة أَلف دينار باع فيها موجودَهُ وأَثاثَه وأَثاثَ زوجته - بعد أَن عوقبت - واستدان شيئًا كثيرًا.
وفي هذا الشهر أَمر السلطانُ الخطباءَ إِذا وصلوا إِلى الدّعاء إِليه في الخطبة أَن يهبطوا من المنبر درجةً أَدبًا ليكون اسم (٣) الله ورسولِه في مكانٍ أَعلى من المكان الذي فيه السلطان، فصنَع كاتبُه (٤) ذلك في الجامع الأَزهر، وابنُ النقَّاش (٥) ذلك في جامع ابن طولون، وبلغ ذلك القاضيَ جلالَ الدين فما أَعجبه. كونه لم يبدأْ بذلك فلم يفعل ذلك في جامع
стр. 1191
القلعة، فأَرسل السلطان يسأَله عن ذلك فقال: "لم يَثْبُتْ هذا في السُّنَّة" فسكت عنه وتُرك فِعْلُ ذلك بعد ذلك، وكان مقصدُ السلطان في ذلك جميلًا (١).
وفي ذي القعدة أخذ نائب طرابلس قلعة الأَثارب - وهى من قلاع الإِسماعيلية - عنوةً وخرّبها حتّى صارت أَرضًا.
* * *
وفى أَواخر ربيع الآخر ابتدأَ النيل في الزيادة ثم توقَّف ونقص أَّربعة عشر إِصبعا، فأَرسل السلطان طائفةٌ من القُرَّاءِ إِلى المقياس فأَقاموا فيه أَيامًا يقرءَون وتُطْبَخُ لهم الأَطعمة، وأَمَر سودون صوفى حاجبَ الحجاب أَن يرْكبَ إِلى شاطئ النّيل ويحرق ما يجده هناك من الأَخصاص التي توضع للفساد ويطهرها ممّا فيها من المناكر كالزنا وشُرْب الخمْر والّلواط، وكانوا متجاهرين بذلك غير مستحين (٢) منه فأَوْقَع بهم ونَهب بعضُهم بعضًا، فقدّر الله بعد ذلك وفاءَ (٣) النيل وزاد الوفاء زيادةً بالغةً إِلى أَن انتهت إِلى عشرين ذراعًا سواء، ثم ثبت إِلى وقت انحطاطه ثباتًا حسنا.
وفى ثانى عشري ربيع الآخر دخل ميناءَ الإسكندرية مركبٌ من الفرنج ببضاعةٍ، فثار بينهم وبيْن بعض العتَّالين شرٌّ آل إِلى القتال، فأَخَذَ الفرنجُ مركبًا فيها عدةٌ من المسلمين، فبعث إليهم النائبُ غريَمهم العتَّالَ فردّوا ما أَخذوه من المسلمين وانتقموا من العتَّال، ثم وثبوا على مركبٍ وصلَتْ للمغاربة فأَخذوها بما فيها فما نجى منها غير خمسة عشر رجلًا سبحوا في الماء.
стр. 1192
ثم في سادس عشر جمادى الآخرة قدم صلاح الدين بن ناظر الخاص إِلى الإسكندرية لتحصيل ما بها من المال، فبينما هو في مجلسه وبين يديه أَعيانُ البلد إِذْ أَسرَّ إِليه شخصٌ أَن الفرنج الذين وصلوا في ثمانية راكب قد عزموا على أَن يهجموا عليْه ويأْسروه فلم يكذب الخبر وقام مسرعًا، فتسارع الناسُ فسقط فانكسرت رجْلُه وحُمل إِلى داره ثم أُركب إِلى النيل، ثم ركب إِلى أَن وصل إِلى القاهرة منزعجًا.
وهَجَم الفرنج عقب صنيعه ذلك، فكاثروا أَهلَ البلد حتى أَغلقوا باب البحر فعاثوا فيمن هو خارج الباب من المسلمين فقتلوا منهم عشرين رجلًا وأَسروا جماعة تزيد على السبعين، وأَخذوا ما ظفروا به وصعدوا مراكبهم، ثم حاصروا البلد فتراموا بالسهام جميعَ الليل، فأَخذ كثير من المسلمين في الفَرار من الإسكندرية، وقام الصّياح على فَقْد من قُتل وأُسِر، فاتفق قدوم مركبٍ من المغاربة ببضاعةٍ فمال الفرنج عليهم وقاتلوهم، فدافعوا عن أَنفسهم حتى أُخذوا عنوةً فضَربوا أَعناقهم، وأَهلُ الاسكندرية يرونهم من فوْق الأَسوار ما فيهم مَنَعَة، ووصل ابن ناظر الخاصّ بعد أَن خرج إِليه أَبوه لما سمع الخبر، وخَرج جماعةٌ (١) من الجند، ثم سار الشيخ أَبو هريرة (٢) بن النقَّاش في أُناس من المطوْعة على نيّة الجهاد في سبيل الله، فقدموا الإسكندرية فوجدوا الفرنج قد أَخذوا ما أَخذوا وصاروا مُقْلِعِين في مراكبهم وفات ما فات.
وفيه نفي كزل العجمي (٣) إِلى غزة ثم إِلى صفد فسُجن بالقلعة واستمرّ إِلى أَن أُطْلق في أَيّام الظاهر ططر في سنة أَربعٍ وعشرين.
وفيها أَحدث الوالى - وهو خرز - على النصارى واليهود - برسم المماليك الذين يركبون في المحمل في رجب - المصادرة لهم على خمر كثير، فتجوّهوا في بعضه ببعض أَهل الدولة فحقد
стр. 1193
ذلك عليهم، ثم استأْذن السلطانَ وركبَ فكَبَس صومعة سويقة صفية خارج القاهرة والكوم خارج مصر، فأَراق عدة جرار من الخمر وكتب على أَكابرهم إِشهاداتٍ بأُمورٍ اقترحها عليهم حتى كَفَّ عنهم.
وفي ربيع الآخر نُقل جانبك الصوفي من سجنه بالقاهرة بالقلعة إِلى الإسكندرية.
وفيه نزل العرب المعروفون بلبيد - على ريف البحيرة في خمسمائة فارس سوى المشاة - فأَوقعوا بأَهلها.
وفيه (١) قُبض على ابن بشارة وهو محمد بن سيف بن عمر بن محمد بن بشارة، وكان قد زاد فساده ببلاد (٢) الشام وقطع الطريق فحمل إِلى دمشق (٣).
* * *
وفى رجب غضب السلطان على نجم الدين بن حجى بسعاية الشريف شهاب الدين ابن نقيب الأَشراف عليه، وكان بينهما منازعة أَفْضَتْ إِلى العداوة الشديدة حتى رحَل إِلى القاهرة في السَّعْى عليه، فلم يزل به إِلى أَن وصل بالسلطان ما يقتضى الغضبَ عليه فأَرسل بالكشف عليه بعد النداءِ بعزله، وأَن مَن له عليه حقُّ يحضر إِلى بيت الحاجب، فاستمرّ النداءُ أَيامًا فلم يثبت عليه شيء، ثم نُقل إِلى المدرسة (٤) اليونسية بالشرف الأَعلى ورُسم عليه وقُرّر في الحكم إِثنان من نوّابه، وكُتب عليه إِشهادٌ بما بيده من الوظائف وأَنه إِنُ ظَهَر بيده زيادةٌ على ذلك كان عليه عشرةُ آلافِ دينار على سبيل النذر لعمارة الأَسواق.
واستمر غضب السلطان عليه، وعَرَض منصبَ القضاءِ بدمشق على كاتبه (٥) مرارًا فامتنع وأَصَرَّ على الامتناع، فأَراده على ذلك ورغَّبه فيه حتى صرّح بأَن للقاضي بدمشق
стр. 1194
في الشهر عشرةَ آلافِ درهم فضة معاليم قضاء وأنظارًا إذا كان رجلا جيدا، فإنْ كان غيرَ ذلك كانَ ضِعْف ذلك، فأصرّ على الامتناع وبالغَ في الاستعفاء؛ فسعى بعض الشاميين لابن زيد (١) قاضي بعلبك فقُرر في قضاء دمشق على ثلاثمائة ثوب بعلبكي.
وفى عقب ذلك قدم نجم الدين بن حجّى القاهرة فأَنزله زينُ الدين عبدُ الباسط ناظرُ الخزانة عنده وقام بأَمره، ولم يزل إلى أن صلح حالُه عند السلطان وأعاده على القضاء في بقيّة السنة، فلبس الخلعةَ بذلك في رابع ذى الحجة، وعاد من كان منكِرًا على كاتبه في الامتناع مادحًا على ذلك، وكان شقّ هذا القدْرُ على كثير من الناس حسدًا وأسفا؛ فلله الحمد على ما أَنعم.
* * *
وفي جمادى الأُولى تقاول فخر الدين الأُستادار وبدر الدين بن نصر ناظرُ الخاص بين يدى السلطان، فأَفضى الحال إلى أنّ السلطان ألزم ناظر الخاص بحمل خمسين ألف درهم.
وفى رجب قَبض فخرُ الدين الأُستادار على شمس الدين محمد بن مرجونة وكان متدرّكا (٢) بجَوْجَر (٣) ثم سعى إلى أن ولى قضاءَها فأَمر بتوسيطه فوسّط وذهب دمُه هدرًا وأُحيط بموجوده فبلغ نحو خمسين ألفَ دينار فحملها إلى السلطان.
وفي ربيع الآخر شعر قضاءُ الحنفيّة بموت ابن العديم (٤) فسعى فيه جماعةٌ وكاد أمرُه أن يتمّ للقاضي زين الدين الأقْفَهْسى بحيث أنه أُجيب، وبَات على أن يُخلَع عليه
стр. 1195
في يوم الاثنين ثامن عشر ربيع الآخر، ثم تأَخر ذلك وأمر السّلطانُ بطَلب ابن الدَّيْري من القدس فوصل إليه الخبر، فتجهّز وحضر في الثالث عشر من جمادى الأُولى وهرع الناس للسّلام عليه، ثم اجتمع بالسلطان ففوّض إليه قضاءَ الحنفية في يوم الاثنين سابع عشر جمادى الأُولى وباشرهُ بصرامةٍ ومهابة.
وفى أواخر شعبان استقرّ زين الدين قاسم العلائي في قضاء العسكر وإفتاء دار العدل عوضًا عن تقيّ الدين الجيْتى بحكم وفاته في الطاعون وشغرت الوظيفتان هذه المدة، وكان سعى فيهما شمس الدين القرماني خادمُ الهروى فأُجيب إلى إحداهما ثم غلبه قاسم عليهما.
* * *
وفى ذى الحجة قدمت خديجة زوج ناصر الدين باك بن خليل بن قراجا بن ذلغادر على المؤبّد في طلب ولدها، وكان السلطان استصحبه معه من بلادهم فأكرم مجيئها ورتَّبَ لها رواتب وجَمع بينها وبين ولدها وهذه هي التي تزوّج -بعد ذلك الملك الظاهر جقمق- ابنتها في سنة ثلاث وأربعين، وقدم أبوها طائعًا فأُكرم غاية الإكرام.
* * *
وفي رجب غضب قاضي الحنابلة القاضي علاء الدين بن المغلى (١) من ابن الدويدار الكبير فعزل نفسه ولزم منزله، وكان السبب في ذلك أن حكومةً وقعت إلى الدويدار في جمال الدين الإسكندراني نقيب القاضي، فبعث يطلبه فامتنع قاضيه من إرْساله، فأرسل بعضَ نُوابه يسألُ عن القضية فأفحش القولَ له فأَعاد الجواب، فغضب لاعتماده على كاتب السرّ، فقام كاتب السر في تسكين القضية إلى أن أصلح بينهما، وتَحَيَّل على السلطان حتى أمر له بخلعة فخلعت عليْه بسبب قدومه بعد غَيْبته، وأوهم السلطانَ أنَّه خشى لطول الغيبة أن تكون ولايته بطلت، فأَذن له ولبس الخلعةَ وفرَّره على ولاية القضاء، ومشى الأمر على السلطان في ذلك؛ وذلك كله من جودة تدبير كاتب السّر وقوة معرفته بسياسة الأمور.
وفى شعبان مات أيدغمش التركماني في الاعتقال بدمشق.