← История

История · id 26317

إنباء الغمر بأبناء العمر - ت حبشي

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (1 903 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

القلعة، فأَرسل السلطان يسأَله عن ذلك فقال: "لم يَثْبُتْ هذا في السُّنَّة" فسكت عنه وتُرك فِعْلُ ذلك بعد ذلك، وكان مقصدُ السلطان في ذلك جميلًا (١). وفي ذي القعدة أخذ نائب طرابلس قلعة الأَثارب - وهى من قلاع الإِسماعيلية - عنوةً وخرّبها حتّى صارت أَرضًا. * * * وفى أَواخر ربيع الآخر ابتدأَ النيل في الزيادة ثم توقَّف ونقص أَّربعة عشر إِصبعا، فأَرسل السلطان طائفةٌ من القُرَّاءِ إِلى المقياس فأَقاموا فيه أَيامًا يقرءَون وتُطْبَخُ لهم الأَطعمة، وأَمَر سودون صوفى حاجبَ الحجاب أَن يرْكبَ إِلى شاطئ النّيل ويحرق ما يجده هناك من الأَخصاص التي توضع للفساد ويطهرها ممّا فيها من المناكر كالزنا وشُرْب الخمْر والّلواط، وكانوا متجاهرين بذلك غير مستحين (٢) منه فأَوْقَع بهم ونَهب بعضُهم بعضًا، فقدّر الله بعد ذلك وفاءَ (٣) النيل وزاد الوفاء زيادةً بالغةً إِلى أَن انتهت إِلى عشرين ذراعًا سواء، ثم ثبت إِلى وقت انحطاطه ثباتًا حسنا. وفى ثانى عشري ربيع الآخر دخل ميناءَ الإسكندرية مركبٌ من الفرنج ببضاعةٍ، فثار بينهم وبيْن بعض العتَّالين شرٌّ آل إِلى القتال، فأَخَذَ الفرنجُ مركبًا فيها عدةٌ من المسلمين، فبعث إليهم النائبُ غريَمهم العتَّالَ فردّوا ما أَخذوه من المسلمين وانتقموا من العتَّال، ثم وثبوا على مركبٍ وصلَتْ للمغاربة فأَخذوها بما فيها فما نجى منها غير خمسة عشر رجلًا سبحوا في الماء.

стр. 1192

ثم في سادس عشر جمادى الآخرة قدم صلاح الدين بن ناظر الخاص إِلى الإسكندرية لتحصيل ما بها من المال، فبينما هو في مجلسه وبين يديه أَعيانُ البلد إِذْ أَسرَّ إِليه شخصٌ أَن الفرنج الذين وصلوا في ثمانية راكب قد عزموا على أَن يهجموا عليْه ويأْسروه فلم يكذب الخبر وقام مسرعًا، فتسارع الناسُ فسقط فانكسرت رجْلُه وحُمل إِلى داره ثم أُركب إِلى النيل، ثم ركب إِلى أَن وصل إِلى القاهرة منزعجًا. وهَجَم الفرنج عقب صنيعه ذلك، فكاثروا أَهلَ البلد حتى أَغلقوا باب البحر فعاثوا فيمن هو خارج الباب من المسلمين فقتلوا منهم عشرين رجلًا وأَسروا جماعة تزيد على السبعين، وأَخذوا ما ظفروا به وصعدوا مراكبهم، ثم حاصروا البلد فتراموا بالسهام جميعَ الليل، فأَخذ كثير من المسلمين في الفَرار من الإسكندرية، وقام الصّياح على فَقْد من قُتل وأُسِر، فاتفق قدوم مركبٍ من المغاربة ببضاعةٍ فمال الفرنج عليهم وقاتلوهم، فدافعوا عن أَنفسهم حتى أُخذوا عنوةً فضَربوا أَعناقهم، وأَهلُ الاسكندرية يرونهم من فوْق الأَسوار ما فيهم مَنَعَة، ووصل ابن ناظر الخاصّ بعد أَن خرج إِليه أَبوه لما سمع الخبر، وخَرج جماعةٌ (١) من الجند، ثم سار الشيخ أَبو هريرة (٢) بن النقَّاش في أُناس من المطوْعة على نيّة الجهاد في سبيل الله، فقدموا الإسكندرية فوجدوا الفرنج قد أَخذوا ما أَخذوا وصاروا مُقْلِعِين في مراكبهم وفات ما فات. وفيه نفي كزل العجمي (٣) إِلى غزة ثم إِلى صفد فسُجن بالقلعة واستمرّ إِلى أَن أُطْلق في أَيّام الظاهر ططر في سنة أَربعٍ وعشرين. وفيها أَحدث الوالى - وهو خرز - على النصارى واليهود - برسم المماليك الذين يركبون في المحمل في رجب - المصادرة لهم على خمر كثير، فتجوّهوا في بعضه ببعض أَهل الدولة فحقد

стр. 1193

ذلك عليهم، ثم استأْذن السلطانَ وركبَ فكَبَس صومعة سويقة صفية خارج القاهرة والكوم خارج مصر، فأَراق عدة جرار من الخمر وكتب على أَكابرهم إِشهاداتٍ بأُمورٍ اقترحها عليهم حتى كَفَّ عنهم. وفي ربيع الآخر نُقل جانبك الصوفي من سجنه بالقاهرة بالقلعة إِلى الإسكندرية. وفيه نزل العرب المعروفون بلبيد - على ريف البحيرة في خمسمائة فارس سوى المشاة - فأَوقعوا بأَهلها. وفيه (١) قُبض على ابن بشارة وهو محمد بن سيف بن عمر بن محمد بن بشارة، وكان قد زاد فساده ببلاد (٢) الشام وقطع الطريق فحمل إِلى دمشق (٣). * * * وفى رجب غضب السلطان على نجم الدين بن حجى بسعاية الشريف شهاب الدين ابن نقيب الأَشراف عليه، وكان بينهما منازعة أَفْضَتْ إِلى العداوة الشديدة حتى رحَل إِلى القاهرة في السَّعْى عليه، فلم يزل به إِلى أَن وصل بالسلطان ما يقتضى الغضبَ عليه فأَرسل بالكشف عليه بعد النداءِ بعزله، وأَن مَن له عليه حقُّ يحضر إِلى بيت الحاجب، فاستمرّ النداءُ أَيامًا فلم يثبت عليه شيء، ثم نُقل إِلى المدرسة (٤) اليونسية بالشرف الأَعلى ورُسم عليه وقُرّر في الحكم إِثنان من نوّابه، وكُتب عليه إِشهادٌ بما بيده من الوظائف وأَنه إِنُ ظَهَر بيده زيادةٌ على ذلك كان عليه عشرةُ آلافِ دينار على سبيل النذر لعمارة الأَسواق. واستمر غضب السلطان عليه، وعَرَض منصبَ القضاءِ بدمشق على كاتبه (٥) مرارًا فامتنع وأَصَرَّ على الامتناع، فأَراده على ذلك ورغَّبه فيه حتى صرّح بأَن للقاضي بدمشق

стр. 1194

في الشهر عشرةَ آلافِ درهم فضة معاليم قضاء وأنظارًا إذا كان رجلا جيدا، فإنْ كان غيرَ ذلك كانَ ضِعْف ذلك، فأصرّ على الامتناع وبالغَ في الاستعفاء؛ فسعى بعض الشاميين لابن زيد (١) قاضي بعلبك فقُرر في قضاء دمشق على ثلاثمائة ثوب بعلبكي. وفى عقب ذلك قدم نجم الدين بن حجّى القاهرة فأَنزله زينُ الدين عبدُ الباسط ناظرُ الخزانة عنده وقام بأَمره، ولم يزل إلى أن صلح حالُه عند السلطان وأعاده على القضاء في بقيّة السنة، فلبس الخلعةَ بذلك في رابع ذى الحجة، وعاد من كان منكِرًا على كاتبه في الامتناع مادحًا على ذلك، وكان شقّ هذا القدْرُ على كثير من الناس حسدًا وأسفا؛ فلله الحمد على ما أَنعم. * * * وفي جمادى الأُولى تقاول فخر الدين الأُستادار وبدر الدين بن نصر ناظرُ الخاص بين يدى السلطان، فأَفضى الحال إلى أنّ السلطان ألزم ناظر الخاص بحمل خمسين ألف درهم. وفى رجب قَبض فخرُ الدين الأُستادار على شمس الدين محمد بن مرجونة وكان متدرّكا (٢) بجَوْجَر (٣) ثم سعى إلى أن ولى قضاءَها فأَمر بتوسيطه فوسّط وذهب دمُه هدرًا وأُحيط بموجوده فبلغ نحو خمسين ألفَ دينار فحملها إلى السلطان. وفي ربيع الآخر شعر قضاءُ الحنفيّة بموت ابن العديم (٤) فسعى فيه جماعةٌ وكاد أمرُه أن يتمّ للقاضي زين الدين الأقْفَهْسى بحيث أنه أُجيب، وبَات على أن يُخلَع عليه

стр. 1195

في يوم الاثنين ثامن عشر ربيع الآخر، ثم تأَخر ذلك وأمر السّلطانُ بطَلب ابن الدَّيْري من القدس فوصل إليه الخبر، فتجهّز وحضر في الثالث عشر من جمادى الأُولى وهرع الناس للسّلام عليه، ثم اجتمع بالسلطان ففوّض إليه قضاءَ الحنفية في يوم الاثنين سابع عشر جمادى الأُولى وباشرهُ بصرامةٍ ومهابة. وفى أواخر شعبان استقرّ زين الدين قاسم العلائي في قضاء العسكر وإفتاء دار العدل عوضًا عن تقيّ الدين الجيْتى بحكم وفاته في الطاعون وشغرت الوظيفتان هذه المدة، وكان سعى فيهما شمس الدين القرماني خادمُ الهروى فأُجيب إلى إحداهما ثم غلبه قاسم عليهما. * * * وفى ذى الحجة قدمت خديجة زوج ناصر الدين باك بن خليل بن قراجا بن ذلغادر على المؤبّد في طلب ولدها، وكان السلطان استصحبه معه من بلادهم فأكرم مجيئها ورتَّبَ لها رواتب وجَمع بينها وبين ولدها وهذه هي التي تزوّج -بعد ذلك الملك الظاهر جقمق- ابنتها في سنة ثلاث وأربعين، وقدم أبوها طائعًا فأُكرم غاية الإكرام. * * * وفي رجب غضب قاضي الحنابلة القاضي علاء الدين بن المغلى (١) من ابن الدويدار الكبير فعزل نفسه ولزم منزله، وكان السبب في ذلك أن حكومةً وقعت إلى الدويدار في جمال الدين الإسكندراني نقيب القاضي، فبعث يطلبه فامتنع قاضيه من إرْساله، فأرسل بعضَ نُوابه يسألُ عن القضية فأفحش القولَ له فأَعاد الجواب، فغضب لاعتماده على كاتب السرّ، فقام كاتب السر في تسكين القضية إلى أن أصلح بينهما، وتَحَيَّل على السلطان حتى أمر له بخلعة فخلعت عليْه بسبب قدومه بعد غَيْبته، وأوهم السلطانَ أنَّه خشى لطول الغيبة أن تكون ولايته بطلت، فأَذن له ولبس الخلعةَ وفرَّره على ولاية القضاء، ومشى الأمر على السلطان في ذلك؛ وذلك كله من جودة تدبير كاتب السّر وقوة معرفته بسياسة الأمور. وفى شعبان مات أيدغمش التركماني في الاعتقال بدمشق.

стр. 1196

وفيها فُوّض أمْرُ النظر على الكسوة للقاضى زين الدين عبد الباسط بعد أن استعفى منها ناظرُ الجيش فأَعفى. وفى شعبان قُبض على مُحمد بن عبد القادر وأَخيه عمر بغزة وحُملا إلى القاهرة. وفيه قُدِّمَتْ هدية كرشجى بن أبي يزيد بن عثمان من بلاد الروم فأُكْرم قاصدُه وقُبِلت هديَّتُه وأُمِر بصرف ثمنها في العمارة. وفى سابع رمضان عُزِل خرز (١) من ولاية القاهرة واستقر آقينا شيطان -وكان بيده شدّ الدواوين- فاستمرت معه، ثم انتزعها منه خرز، واستمر خرز في نيابة الجيش أيضا. * * * وفيه قدم أبو البركات حسن بن عجلان إلى القاهرة ومعه خَيْلٌ وغيرُها فقَدَّمها فقُبلت منه، وأُنْزِل عند ناظر الخواص وكُتب تقليد ابنه (٢) بعوْدِهِ إلى إمرة مكة وعَزْلِ رُمَيثة، فوصل إليه الكتابُ فى شوال فبعث إلى آل عمر القواد -وكانوا مع رميثة- فاستدعاهم إلى الرجوع في طاعته فامتنعوا وقاموا مع رميثة محاربين لحسن، فركب حسن إلى الزاهر ظاهر مكة في ثانى عشر شوال، ووافاه مقبل بن نخبار أمير ينبع منجدًا له بعسكره، ثم دخلوا مكة فعسكر بقرب "العُسلة" (٣) فوقعت الحرب هناك فانكشف رميثة ومَن معه، وغلب حسن ومن معه فدخلوا البلد بعد أن أَحرقوا الباب وكثرت الجراحات فى الفريقَيْن، فخرج الفقهاءُ والفقراءُ بالمصاحف يسأَلون حسن بنَ عجلان الكفَّ عن القتل فأجابهم، فخرج رميثة من مكة هو ومَن معه وتوجهوا إلى جهة اليمن، ودخل حسن مكَّةَ في سادس عشرى شوّال فغلب عليها ونادى بالأَمان واستقرّت قدمُه، وأقام ولده بركات بالقاهرة ثم سار منها بإذن السلطان في أوّل ذى القعدة فوافى الحجّاج قبل ينبع. * * *

стр. 1197

وفى (١) رمضان حَضر السلطانُ مجلسَ سماعِ الحديث بالقلعة وفيه القضاةُ ومشايخُ العلم، فسأَلهم عن الحكم في شخص يزعم أَنه يصعد (٢) إلى السماء ويشاهد الله تعالى ويتكلم معه، فاستعظموا ذلك، فأَمر بإحضاره فأُحْضِر (٣) وأنا يومئذ معهم، فرأَيتُ رجلًا ربعةً عبْلَ البدن أبيضَ مشوبًا بحمرة، كبيرَ الوجه كثيرَ الشعر منتفِشَه، فسأَله السلطان عما أخبر به فأَعاد نحو ذلك وزاد بأَنه كان في اليقظة، وأن الذي رآه على هيئة السلطان في الجلوس وأن رؤيته له تتكرَّرُ مرارًا كثيرة، فاستفسره عن أمور تتعلَّق بالأَحكام الشرعية من الصلاة وغيرها فظهر أنه جاهلٌ بأُمور الدّيانة. ثم سئل عنه فقيل إنَّه يسكن خارج باب القرافة في تُربةٍ خراب، وأنّ لبعض الناس فيه اعتقادا كدأْبهم في أمثاله، فاستفتى السلطانُ العلماءَ فاتفق رأيُهم على أنَّه إنْ كان عاقلًا يستتاب فإن تابَ وإَّلا قُتل، فاستُتِيبَ فامتنَع، فعلَّق المالكيُّ الحكمَ بقتْله على شهادةِ شاهدين يشهدان أن عقلَه حاضر، فشهد جماعة من أهل الطب أنه مختل العقل مُبَرْسم، فأَمر السلطان به أن يقيَّد في المارستان فاستمرّ فيه بقية حياة السلطان، ثم أمر بعد موْتِ السُّلطان بإطلاقه. * * * وفي شوال كانت الفتن بين أهل البحيرة فقُتِل موسى بن رحاب وخلاف بن عتيق وحسين بن شرف وغيرهم من شيوخهم، وتوجّه الأُستادار لمحاربتهم ففتك فيهم، وقدم في ذي القعدة ومعه من الغنم والبقر شيءٌ كثير، ووصل في طلبهم إلى العقبة الصغرى ثم توجّه منها إلى جهة برقة، فسار أيّامًا ثم رجع. وفيه قدم ركب (٤) التكرور في طلب الحجّ ومعه شي كثير من الرقيق والتبر.

стр. 1198

وفيه قدمت إلى دمشق الخاتون زوجة أيدكى صاحب الدشت في طلب الحج وصُحْبَتُها ثلاثمائة فارس فحجّوا صحبة المحمل الشامي. وفى ذى القعدة أُفرج عن سودون الأَشقر من الإسكندرية وأرسل إلى القدس بطالا. وفى أواخر شوّال قلع باب مدرسة حسن وكان الملك الظاهر قدْ سَدّه من داخلِهِ ومنع من الصعود منه، ثم هُدمت -بعد ذلك بمدة- البوابة، ثم اشترى الملك المؤيد الباب من ذرية حسن والتنور الذى هو داخله بخمسمائة دينار، فَرُكِّبَا بجامعه الذي أنشأَه بباب زويلة. وفى أوائل رمضان أُعِيد قاسم البشتكي إلى نظر الجوالي بعد أن كان عُزل وصودر وأُهِين. وفيه عاود المؤيَّد ضعفُ رجلَيْه بالمفاصل. * * * وفي رمضان نودي على المؤيّدى بأَن يكون بثمانية، والأفلورى بمائتين وثلاثين؛ والفلوسِ كلُّ رطلٍ: بخمسةٍ ونصف، فكان في ترخيص الذهب سببٌ إلى تكثير الفضة. وأما ترْخيص الفلوس فلا يُعْقَل معناه فإنها رخيصة جدا بالسِّتة، وكان في الستة ترفُّقٌ بمن لا يد له بالحساب لسرعة إدراك نصفها وثلثها وربعها وغير ذلك بخلاف الخمسة ونصف. * * * وفى سادس شوال قدمت رسل قرا يوسف على المؤيد، فسمع الرسالة وأَعاد الجواب. وفى أواخر شوّال مات أمير الركب الأَول قمارى وكان أَمير عشرة، فسار بالركب الأَمير صلاح الدين ابنُ ناظر الخاص الصاحبِ بدْرِ الدين بن نصْر الله، وكان قد حجّ في هذه السنة فشكروا سيرته فيها بعد أَن وصلوا. وفى العشرين من ذي القعدة استقرّ فخر الدين في الوزارة مضافًا إلى الأُستاداريَّة بعد موت تقيّ الدين بن أبي شاكر. وفيه غلا البنفسج بالقاهرة حتى لم يوجد شئ منه ألبتَّة، ووُجدَتْ باقة واحدة فبيعت بعشرين درهم فضة.

стр. 1199

وفيها (١) حاصر نائب طرابلس قلعة الخوابي إحدى قلاع الإسماعيلية فأَخذها عنوةً وخرّبها حتى صارَتْ أَرْضًا. وفي أواخره مات محمد بن هيازع أمير آل مهدي (٢) من العرب فقُرّر مكانه مانع ابن سنيد. وفى أوّل ذى الحجة أُنيب (٣) جقمق الدويدار بعرْض أجْناد الحلقة ليسافروا صحبةَ ركاب السلطان إذا تَجَهّز إلى البلاد الشمالية، فاشتدّ عليهم جقمق وحلَّف السلطانُ ناظرَ الخاص بالطَّلاق من زوْجته وبكلّ يمينٍ أن لا يكتم عنه شيئًا، فاشتدَّ الأمرُ على أَجناد الحلْقة جدًّا، ثم أمر السلطان أن يُعرَضوا عليه، وكان ما سنذكره في السنة الآتية. * * * وفي عاشر ذي الحجة -يومِ عيدِ النَّحر- أُنزِل المستعينُ بالله أبو الفضل العباس بن محمد العباسي إلى ساحل مصر على فرس، و [أُنْزل] بفرحٍ وخليلِ (٤) ومحمدٍ أولادِ الناصر فرج في محفة وتوكّل بهم الأَمير كزل الأرغنشاوى -وكان أحدَ الأُمراءِ بحماة وزوْج بنت كاتب السرّ- وسار بهم إلى الاسكندرية. وكان المستعين -لمّا خلَعَه المؤيدُ من الملك- نقله من القصر إلى دارٍ من دور القلعة ومعه أهلُه وحاشيتُه، ثم نقله إلى برجٍ قريب من باب القلعة كان الظاهر

стр. 1200

حبس فيه أباه المتوكّل، ثم نقله في هذا الشهر إلى الإسكندرية فأَنزله في برجٍ من أبراجها ولم يُجْر عليه معلومًا ولا راتبًا (١). وانتهت هذه السنة وقد بلغَتْ النفقةُ على الجامع المؤيّدى أربعين ألف دينارٍ ذهبًا. وفى ثانى عشر ذي الحجة توجَّه السلطان إلى الربيع فأَقام بوسيم خمسةَ عشر يومًا، ونزل ليلةَ السابع والعشرين من ذى الحجة في حرَّاقته (٢) الذهبية في بر أنبوبة، فجَمع بعضُ (٣) الناس له عدةَ مراكب وزيّنوها بالوقيد الكثير، وكان الهواءُ ساكنًا فكانت ليلةً معجبة (٤). وفى هذه السرحة قدَّم الأُستادار عشرة آلاف دينار ومائةٌ وخمسين جملًا، واستمرّ ذلك سُنَّةً بعدَهُ على المباشرين. وفيها مات أحمد (٥) بن رمضان أحد أُمراءِ التركمان وكان بيده سيس ودرندة، فاختلف أولاده بعده. وفيها بلَغ السلطانَ في يوم الأربعاء ثامن ذى الحجة أن نائب الحكم ببلبيس أخبر أنه ثبت عنده هلال (٦) ذى الحجة ليلة الثلاثاء، فانزعج السلطانُ. على القاضي الشافعي ونَسَبَه إلى التّفْريط في الأُمور المهمّة، وتكلَّم مع القضاة كلّهم بكلامٍ خشن. وفي هذه السنة غلب الأَمير بهار بن فيروز شاه بن محمد شاه بن محمد شاه بن تهم ابن جرد بن شاه بن طغلق بن طبق شاه سيف الدين بن قطب الدين على ملك هرمز، وكان حسام بن عدىّ قد خرج على أبيه وغلب على مرمز، فثار عليه بهار المذكور في هذه السنة ففرّ منه إلى جزيرة ساروب ثم حجّ سنة عشرين وثمانمائة. * * *

стр. 1201

ذكر من مات فى سنة تسع عشرة وثمانمائة من الأعيان: ١ - أحمد بن أبي أحمد الصفدى شهاب الدين الشامى نزيل القاهرة، كان قد خدم (١) في التوقيع عند الملك المؤيَّدِ حين كان نائبًا، ثم قدم معه القاهرة وكان ظُنَّ أنه يلى كتابةَ السرّ، فاختُصّ القاضي ناصر (٢) الدين البارزي بالسّلطان وكان يكره الصفدى لطَرَشٍ فيه فأراد الإحسانَ إليه وجبْرَ خاطره فقرّره في نظر المرستان ونظر الأَحباس فباشرهما حتى مات في ربيع الأول ولم يكن محمودًا، فقَرّر عوضه في نظر المرستان تقى الدين يحيى بن الشيخ شمس الدين الكرماني (٣)، وفي نظر الأَحباس بدرَ الدين محمود العيني. ٢ - أحمد بن رمضان التركمان الأَجقى صاحب أدنة وأياس وسيس وغيرِها، وَلِيَ الإمرة من قبل الثمانين واستمرّ يشاقق العسكر الشامى تارةً ويصالحونه أُخرى، وتجرّدوا له أول مرة سنة ثمانين وكان ما ذُكِر فى الحوادث، وتجهَّزُوا إليه ثاني مرة سنة خمس وثمانين فكُسِر فيها أميرُ عسكره أخوه إبراهيم (٤)، فلمّا كانت الفتنة العظمى ورجع اللنك إلى العراق استقرّت قدم (٥) أحمد هذا ولم يزل في ذلك إلى أن مات في أواخر هذه السنة. وكان شيخًا كبيرًا مهيبا شهمًا، وهو الذي تزوّج الظاهر (٦) ابنته، وكانت له اليدُ البيضاءُ في طرْدِ العرب عن حلب فى ذى الحجة سنة ثلاث وثمانمائة على ما تقدّم. ٣ - أحمد (٧) بن عبد الله الذهبي: اشتغل قليلا وحفظ "المنهاج"، ثم صَحب الشيخ

стр. 1202

قطب الدّين وغيره، ثم سافر بعْدَ اللنك إلى القاهرة فعظم بها وسافر (١) معه أكابر الأُمراء في الاعتناء بعمارة الجامع الأُمويّ والبلد فحصل له إقبالٌ كبيرٌ، ثم عاد إلى مصر في أول الدولة المؤيّدية، ثم توجّه رسولًا إلى صاحب اليمن وحصلت له دنيا، ثم عاد فمات في جمادى الأُولى. ٤ - أحمد بن عبد الرحمن [بن (٢) محمد] بن عبد الناصر الزبيري، شهاب الدين ابن القاضي تقيّ الدين الزبيرى أحد موقعى الحكم، كان ممن قد مَهَر في صناعته وحصّل فيها مالًا جزيلا وورثه أخوه علاء الدّين (٣)، وكان شهاب الدين شديد الإمساك وأخوه شديد الإتلاف فوسّع الله بموْت الشهاب على علاء الدّين، ويقال إنه وَرَثَ منه أَلفَيْ دينار غير البيوت. مات في نصف دى الحجة. ٥ - أحمد بن على بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن الفاسي ثم المكي المالكي الحسنى شهاب الدين، والدُ قاضى المالكية بمكة تقىّ (٤) الدين، وُلد سنة أربعٍ وخمسين وسبعمائة، وعنِيَ بالعلم فمهر فى عدّة فنونٍ خصوصا الأَدب، وقال الشّعر الرَّائق، وفاقَ في معرفة الوثائق، ودرّس وأفتى وحدّث قليلًا؛ سمع من عزّ الدين بن جَماعة وأبي البقاء السبكي وغيرهما وأجاز لى، وباشر شهادة الحرم نحوًا من خمسين سنة ومات (٥) في حادى عشري شوال. ٦ - أحمد بن عمر بن قُطَيْنَة -بالقاف والنون: مصغَّر- باشر شدّ الخاص (٦) ثم تنقلت به الأَحوال إلى أن ولى الوزارة في سنة اثنتين وثمانمائة فلم يرسُخْ فيها قدمُه بل أقام جمعةً واحدةً وعُزِل (٧) وتَنَقَّلت به الأحوالُ إلى أن مات في أواخر المحرّم.

стр. 1203

٧ - أحمد (١) بن أبي أحمد بن محمد بن سليمان المصرى المعروف بالزَّاهد، انقطع في بعض الأمكنة فاشتهر بالصّلاح، ثم صار يتتبّع المساجد المهجورة فيبنى بعضها ويستعين بنقْضِ البعْض في البعض، وأنشأ جامعًا بالمقْس وصار يعظ الناس خصوصًا النساء، ونقموا عليه فتواه برأْيه من غير نظرِ جيِّد في العلم، مع سلامةِ الباطن والعبادة. مات في رابع عشرى ربيع الأول. ٨ - أحمد بن القاضي أصيل الدين محمد بن عثمان الأَشليمي، شهاب الدين، ناب في الحكم ومات في صفر مطعونًا. ٩ - أحمد (٢) بن محمد بن نشوان بن محمد بن نشوان بن محمد بن أحمد الحواري (٣) ثم الدّمشقيّ الشافعي، وُلد سنة سبعٍ وخمسين وسبعمائة، واشتغل بالعلم ومَهر في الفقْه

стр. 1204

واشتهر بالفضْل وناب في الحكْم بدمشق، وأفتى ودرّس، وكان أوّل أمره أقرأ أولاد الزُّبيدي (١) فحصّل معهم عن مشايخ ذلك العصر إلى أن مهر وظَهَر فضْلُه، وأذن له البلقيني في الإفتاء سنة ثلاث وتسعين، وجلس للاشتغال وأفتى فَحُمِدت فتاويه، مع وفور عقله وحسُن تأَنِّيه وإنْصافِه فى البحث وحسْن محاضرته. ومات في جمادى الأُولى. ١٠ - أحمد بن محمد المَرَيْني (٢) أحد فضلاء الحنابلة، ناب في الحكم واشتغل كثيرًا وكان خيّرًا صالحًا. مات في العشرين من ذى القعدة. ١١ - أحمد بن يوسف بن عبد الرحمن اليمني المعروف بابن (٣) الأَهدل، أحدُ مَنْ يعتقده الناس باليمن، جاور بمكة زمانًا وهو من بيت صلاحٍ وعلم. مات في سادس عشر ذي الحجة. ١٢ - أحمد (٤) الشربيني ثم السنباطى الشهير بابن الأديب الشافعي، قدم سنباط فدرّس بها، و كان يحفظ "الحاوى" ويوصف بالعلم والشجاعة والكرم، وانتفع بالعزّ ابن جماعة، وكان العزّ يصفه بأَنّ ذهنه لا يقبل الخطأَ، وتنزَّل صوفيًا بالجماليّة وكان يقرأ على شيخها الشيخ همام الدين؛ ووصفه العلاءُ بن المغلى للقاضي ناصر الدين [بن البارزي] فأَحضره ليُقرِئ له ولدَه الكمال. مات في الطاعون، أخبرنى (٥) بذلك الشيخ عزّ الدين السنباطي.

стр. 1205

١٣ - أرغون الرومى، ولى نيابة الغيبة للنَّاصر فرج و كان يرجع إلى دينٍ وخير. مات في ذي القعدة بالقدس (١) بطالًا (٢). ١٤ - أبو بكر بن عثمان بن محمد الجِيتِى -بكسر الجيم وسكون التحتانية، بعدها مثناة- الحموى الحنفى أحد فضلاءِ أهل حماة، عارفٌ بالعربية حسن المحاضرة؛ قدم (٣) صحبة علاء الدين بن مغلى من حماة فنزل على كاتب السرّ ابن (٤) البارزي فأكرمه وأحضره مجلس السلطان وولَّاه قضاء العسكر وغيره. مات في الطاعون في آخر ربيع الأول (٥). ١٥ - ثاني بك الجركسى شادُّ الشَّرابْخَاناه، تنقَّل في الخدم إلى أن ولى إمرة الحجّ في سنة ثماني عشرة، وقدم في أول هذه (٦) السنة وهو ضعيف وقد شكر الناس سيرته. ومات في صفر (٧). ١٦ - ظهيرة بن حسين بن على بن أحمد بن عطية بن ظهيرة المخزومي المكي، أبو أحمد، سمع على عز الدين بن جماعة وغيرِه وأجاز له القلانسي ونحوه. مات في صفر وقد جاوز السبعين بمكة (٨).

стр. 1206

١٧ - عائشة بنت أنس الجركسية أُخت الملك الظاهر وكانت في السِّن قريبًا منه وعاشت بعده دهرًا وقد أَسَنَّتْ، وهي والدة ببيرس الذى ولى أتابكية العسكر وغير ذلك من الوظائف. ماتت في ذي القعدة. ١٨ - عبد الرحمن (١) بن سلمان بن عبد الرحمن بن محمد بن سليمان بن حمزة المقدسي الحنبلي، من بيت كبير، وُلد في ذى الحجة سنة إحدى وأربعين، وسمع من عبد الرحمن ابن إبراهيم بن على بن بقا الملقن وأحمد بن عبد الحميد بن عبد الهادى وغيرهما وحدّث. مات بالصّالحية. ١٩ - عبد الرحمن بن محمد بن على بن عبد الواحد بن يوسف بن عبد الرحيم الدّكالي (٢) الأَصل ثم المصرى، أبو هريرة بن النقاش، وُلد في رابع عشر ذي الحجة سنة سبعٍ وأربعين وسبعمائة بالقاهرة واشتغل بالعلم، ودرس بعد وفاة أبيه (٣) وله بضع عشرة سنة، وسمع من محمد بن إسماعيل (٤) الأيوبى والقلانسي والتباني (٥) وغيرهم، واشتهر بصدق اللهجة وجودة الرأى وحسن التذكير والأمر بالمعروف مع الصرامة والصدع بالوعظ في خطبه (٦) وقصصه، وصارت له وجاهة عند الخاصة والعامّة، وانتزع خطابة جامع ابن طولون من ابن بهاء الدين السبكي فاستمرت بيده، وكان مقتصدًا في ملبسه مفضالًا على المساكين كثيرَ الإقامة في منزله، مقبلًا على شأْنه، عارفًا بأمر دينه ودنياه، يتكسّب من الزراعة وغيرها ويبرّ أصحابه مع المحبة التّامة في الحديث وأهله، وله حكايات مع

стр. 1207

أهل الظلم، وامتُحن مرارًا ولكن ينجو سريعا بعون الله. وقد حجّ مرارًا وجاور، وكانت بيننا مودّة تامة. ومات في ليلة الحادى عشر من شهر ذى الحجة ودُفن عند باب القرافة. وكان الجمع في جنازته حافلًا جدا، رحمه الله تعالى. ٢٠ - عبد الرحمن بن يوسف [بن (١) الحسين] الكردى الدمشقيّ الشافعي زين الدين، حفظ "التنبيه" في صباه وقرأ على الشريف بن الشريشي (٢)، ثم تعانى عمل المواعيد فنفق سوقه فيها واستمرّ على ذلك أكثر من أربعين سنة، وصار على ذهنه من التفسير والحديث وأسماء الرجال شي كثير، و كان رائجًا عند العامة مع الديانة (٣) وكثرة التلاوة، وكان ولى قضاء بعلبك ثم طرابلس، ثم ترك واقتصر على عمل المواعيد بدمشق، وقدم مصر وجرت له محنة مع القاضي جلال الدين البلقيني، ثم رضى عنه وأَلبسه ثوبًا من ملابسه واعتذر له فرجع إلى بلده؛ وكان يعابُ بأنه قليل البضاعة في العلم (٤) ولا يسؤل -مع ذلك- عن شئ إلَّا بادر الجواب، وحفظ "ترجيح كون المولد النبوى كان في رمضان" لقول ابن اسحق إنه نُبِّئ على رأس الأربعين فخالف الجمهور في ترجيح ذلك، وله أشياء كثيرة من التنطّعات، (٥) ولم يزل بينه وبين الفقهاء منافرة، ويقال إنه يرى حلَّ المتعة على طريقة ابن القيم وذويه (٦)، ومات مطعونا فى شهر ربيع الآخر وهو في عشر السبعين. ٢١ - عبد الكريم بن [إبراهيم بن (٧) أحمد] الحنبلي الكتبي، كان من خيار النَّاس في فنِّه، وكان للطلبة به نفع فإنه كان يشترى الكتب الكثيرة وخصوصا العتيقة ويبيع

стр. 1208

لمن رام منه الشراءَ من الطلبة برأْس ماله فائدةٍ يعينها بشرْط أنه متى رام (١) بيع ذلك الكتاب يدفع له (٢) رأْس ماله، فكان الطالب ينتفع بذلك الكتاب دهرا ثم يأْتى به إلى السوق فينادي عليه فإن تجاوز الثمن الذي اشتراه به باعه وإن قصر عنه أَحضره إليه فاشتراه منه برأْس ماله، ولا يخرم معهم في ذلك. وكان الناصر فرج ولاه الحسبة على الصلاة، وكان يُلزم الناس بالصلاة وبتعليم الفاتحة وجرت له في ذلك خطوب يطول ذكرها. و كان مأْذونًا له في الحكم لكن لا يتصدّى لذلك ولا يحكم إلَّا في النادر، وله وِرد وقيامٌ في الليل. مات في حادى عشر ذي القعدة. ٢٢ - عبد الوهاب بن عبد الله، ويدعى ماجد بن موسى بن أبي شاكر أحمد بن أبي الفرج بن إبراهيم بن سعيد الدولة القبطى، الوزير تقى الدين بن فخر الدين بن تاج الدين ابن علم الدين، يُعرف بالنسبة لجده فيقال له -ولكل من آل بيته- "ابن أبي شاكر"؛ وُلد سنة سبعين أَو في التي بعدها ونشأَ فى حجر السعادة وتنقَّل في المباشرات إلى أن باشر نظر ديوان المفرد في آخر الدولة الظاهرية واستمرّ مدة إلى أن مات، وباشر أُستادارية الأملاك والذخائر والمستأجرات والأوقاف، وعظم عند الناصر بحسن مباشرته، ثم ولى نظر الخاص بعد موت مجد الدين بن الهيصم، ثم قُبض عليه في جمادى الأُولى سنة ستّ عشرة وصودر على أربعين ألف دينارٍ باع فيها موجوده، وبَقِىَ في الترسيم (٣) بشبّاك الظاهريّة الجديدة يستجدى مِن كلّ مَن يمرّ به من الأَعيان حتى حصّل مالًا له صورة، وأُفْرج عنه وأُعِيدَ إلى مباشرة الذخيرة والأَملاك، ثم قرّره في الوزارة بعد صرْف تاج الدين بن الهيْصم فباشرها مباشرةً حسنة وشكره الناس كلُّهم فلم تطل مدّته حتى مات بعْد تسعةِ أشهر من وزارته في حادى عشر من ذي القعدة (٤).

стр. 1209

وكان بعيدًا من النَّصارى متزوّجا من غيرهم وهى علامةُ (١) حُسْن إسلام القبطى، وكان يُكثِر فِعْل الخير والصدقة مع الانهماك في اللَّذَّة. وحَدَث في وزارته الوباءُ فلم يشاحِحْ أحدا في وارثه وكَثُر الدعاءُ له؛ وكان عارفًا بالمباشرة ويحب أهل العلم، وكان شديد الوطأَةِ على العامّة إلّا أنّه باشر الوزارة برفْقٍ لم يُعْهد مثله؛ وكان موصوفًا بالدهاء وجودة الكتابة. ٢٣ - عبد الوهاب بن محمد بن أحمد بن أبي بكر الحنفى، القاضي أمين الدين ابن القاضي شمس الدين الطرابلسي نزيل القاهرة، وُلد سنة ٧٧٤ واشتغل في حياة أبيه، ووِلِي القضاءَ مستقلًا بعد موت الملطى فباشره بعفة ومهابة؛ وكان مشكور السيرة إلا أنه كان كثير التعصّب لمذهبه مع إظهار محبّةٍ للآثار، عاريًا من أكثر الفنون إلَّا استحضار شيءٍ يسير من الفقه، وعُزِل عن القضاء بكمال الدين بنِ العديم ولزم منزله مدّةً طويلة، ثم تنبّه بصحبة جمال الدين فتقرّر بعنايته في القضاء وفى مشيخة الشيخونية، ثم زال ذلك عنه في الدولة المؤيدية، وانتُزِعَتْ مِن أخيه وظيفة إفتاءِ دار العدْل فقُرِّرَت [لأحمد بن] سفرى ثم لابن الجيتى، واستمرّ أمينُ الدين خاملًا حتى مات بالطاعون في خامس عشرى شهر ربيع الأول. ومن العجائب أنّ ناصرَ الدين بن العديم أوصى في مرض موته بمبلغ كبير يُصرَف لتقى الدين بن الجيتى الحنفى ليسعى به فى قضاء الحنفية لئلَّا يليه ابن الطرابلسي، فقدَّر اللهُ موت ابن الطرابلسي قبل موت ابن العديم وكذلك ابن الجيتى. ٢٤ - على بن الحسين بن على بن سلامة الدّمشقى، تفقّه على الشيخ عماد الدين الحسباني وغيره، وكانت له مشاركة في الأدب ونظْم الشِّعر الوسط. درّس بدمشق ومات بها في سنة ٨٢٩ (٢).

стр. 1210

٢٥ - على بن عيسى بن محمد، علاءُ الدين أَبو الحسن بن أبي مهدي الفهري البسطى، اشتغل ببلاده ثم حجّ ودخل الشام ونزل بحلب على قاضيها الجمال النحريري، وأقْرَأ بحلب "التسهيل" وعمل المواعيد، وكان يذكر في المجلس نحو سبعمائة سطر يرتّبها أوّلًا ثم يلقيها ويطرّزها بفوائد ومحاسنات، ثم رحل إلى الروم وعظم قدره ببرصا؛ وكان فاضلًا ذكيًّا أديبًا يعمل المواعيد بالجامع، فذكر الشيخ برهان الدّين المحدّث أنه كان يرتبها يوم الأربعاء فيبلغ سبعمائة سطر وينظره يوم الخميس ويلقيه يومَ الجمعة سرْدًا، وذكر (١) أنَّه أنشده لابن الحباب الغرناطي اللغز المشهور في "المسك (٢) ": كتَبْتُم رموزا ولم تكتبوا … كَهَذَا الَّذِي سُبْلُهُ واضِحَه قال: "وأَنشدني عنه أناشيد". ثم دخل الروم فسكنها وحصل له ثروة، ثم دَخَل القِرم وكَثُر ماله واستمرّ هناك إلى أن مات في هذه السنة.

стр. 1211

٢٦ - على (١) بن محمد بن على بن الحسين (٢) بن حمزة بن محمد بن ناصر الحسيني، وَلَدُ (٣) المحدّث الشهير الشريف شمس الدين، مات أبوه (٤) سنة خمس وستين وسبعمائة وهو صغير فحفظ القرآن و "التنبيه"، وقرأَ على ابن السّلَّار وابن اللَّبّان في ذلك حتّى صار شيخَ الإقراء بالقرمية، وكتب الخط المنسوب، وجلس مع الشهود مدّةً ووقَّع وكان عَيْن البلد في ذلك وكان مشكورًا في ذلك، وولى نقابة الأَشراف مدّة يسيرة، وولِيَ نظرَ الأحباس (٥) أيضا ومات في شوال (٦). ٢٧ - غانم بن محمد بن محمد بن يحيى بن سالم، جلال الدين بن عبد الله الخَشَبي -معجمتين مفتوحتين ثم موحّدة- المدنىّ الحنفى، وُلد سنة إحدى وأربعين وسبعمائة وسمع متأَخرًا من ابن أميلة وغيره بدمشق؛ سمعْتُ منه يسيرًا، وكان له اشتغالٌ ونباهةٌ في العلم ثم خمل وانقطع بالقاهرة. مات في الطاعون.

стр. 1212

٢٨ - قُمَارى (١)، كان أَمير الركب الأَول فمات متوجّهًا إلى الحجّ في شوّال، وكان شادّ الزردخاناه (٢). ٢٩ - محمد بن أحمد بن عثمان بن عمر التونسي المالكي أبو عبد الله -المعروف بالوانُّوغِي- بتشديد النون المضمومة وسكون الواو بعدها معجمة - وُلد سنة تسعٍ وخمسين وسمع من أبي الحسن البطرني وأَبي عبد الله بن عرفة وأَذن له في الفقه وغيره، وعنِىَ بالعِلم وبرع في الفنون الذكاء المفرط وقوّة الفهم وحُسْن الإيراد وكثرة النوادر المستظرفة والشِّعر الحسن والمروءة التامّة والبأْوِ الزائد، وله انتقادٌ على "قواعد" ابن عبد السّلام؛ وكان كثير الوقيعة في أعيان المتقدمين وعلماء العصر وشيوخهم، شديدَ الإعجاب بنفسه والازدراء بمعاصريه فلهجوا بذمّه وتتبّعوا أغلاطه في فتاويه، وأَقام بمكة مجاورًا، ثم بالمدينة دهرًا مقْبِلًا على الاشتغال والتدريس والتصنيف، والإفتاءِ والإفادة وجَرَتْ له بها محن، وكان قد اتسعت دنياه. اجتمعْتُ به بالمدينة ثم بمكة، وسمعْتُ من فوائده؛ ومات في سابع عشر ربيع الآخر بمكة، وله أسئلة مُشكلة كتبها للقاضى جلال الدين البلقيني فأَجابه عنها وكان هو قد بعث بنقْضِ الأجوبة. ٣٠ - محمد بن إسماعيل بن علوان الزَّبيدي، بفَتْح الزاي ثم المعجمة (٣)، ولِيَ قضاء المهجم (٤) مدّةً وكان نبيهًا في الفقه مشكور السيرة. ٣١ - محمد بن أيوب بن سعيد (٥) بن علوى الحسبانيّ الأصل الدمشقي الشافعي، وُلد

стр. 1213

سنة بضع وسبعين واشتغل، وحفظ "المنهاج" في الفقه و "المحرّر" لابن عبد الهادى وغيرهما، وأَخذ عن الزهرى والشريشي والصرخدى وغيرهم، ولازم الملكاوى حتى قرأ عليه أكثر "المنهاج"، ومهر في علم الفقه وفى الحديث، وجلس للإشغال بالجامع والنفع إلى الطلبة، وكان قليلَ الغيبة والحسد بل حَلف أنَّه ما حسد أحدًا. مات مطعونًا في ربيع الآخر وقد تقدم ذكر والده (١) قريبًا (٢). ٣٢ - محمد بن أبي بكر بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن سعْد الله بن جماعة، عز الدين بن شرف الدين بن عز الدين بن بدر الدين، وُلد سنة تسعٍ (٣) وأربعين وسبعمائة بمدينة ينبع، وسمع من القلانسي والعَرضى والتباني (٤) وجدّهِ وغيرهم، وأُحْضِر على الميدومى، وأجاز له جماعة من الشاميين والمصريين بعناية الشيخ زين الدين العراقي،، ونشأ مشتغلا بالعلم، ومال إلى المعقول فأَتْقنه حتى صار أُمّةً وحده، وبقيت طلبةُ البلد كلها عيالًا عليه في ذلك، وصنّف التصانيف الكثيرة المنتشرة، وقد جمعها في جزءٍ مفرد وضاع أكثرها بأَيدي الطلبة، والموجود منها النصف (٥) الأول من "حاشية العضد"، وشرح "جمع الجوامع" وقدْ أَخذْتُ عنه هذَيْن الكتابيْن، وله على كل كتاب أقرأَهُ -مع أنَّه كاد أن يقرئ جميع هذه المختصرات- التَّصنيف والتصنيفان والثلاثة ما بين حاشيةٍ ونكتٍ وشرْح، وكان أُعجوبة دهره في حُسْن التقرير، ولم يُرْزَق ملكةً في الاختصار ولا سعادةً في حُسْن التصنيف، بل كان بين قلمه ولسانه كما بينه هو وآحاد طلبته، وكان ينظم شعرًا عجيبا غالِبُه غير موزون ويُخْفِيه كثيرًا إلَّا عمَّنْ يختصّ به ممَّن لا يدرى الوزن، وأقرأ "التنبيه" و "الوسيط"، وأقرأ "شرح الألفية" لولد المصنف وكتب عليه تصنيفًا، وأقرأَ "التسهيل" و "الكشَّاف" و "المطوّل" لسعد الدين وكتب عليه شيئًا سمَّاه "المعوّل،" و [أقرأ] "الشرح

стр. 1214

الصغير" لسعد الدين أَيضا وكتب عليه شيئا سمّاه "سُبك النضير في حواشي الشرح الصغير"، ونظر فى كل شئ حتى في الأشياء الصناعية كلِعْبِ الرمح ورمْي النشاب وضرْب السيف والنفط حتى الشعوذة حتى فى علم الحرف والرمل والنجوم، ومهر فى الزيج وفنون الطبّ، وكان من العلوم بحيث يُقْضى له في كل فن بالجمع؛ هذا مع الانجماع عن بني الدنيا وتَرْكِ التعرض للمناصب، وقد نفق له سوق فى الدولة المؤيدية وهاداه السلطان عدّة مرار بجملة من ومع ذلك كان يمتنع من الاجتماع به ويتغير إذا عُرِض عليه ذلك. وحضر معنا المجلس المعقود للهروى في السنة الماضية فلم يتكلم في جميع النهار كله مع التفاتهم إليه واستدعائهم منه الكلام، حتى سأَله السلطان في ذلك المجلس عن تصنيفه في لعب الرمح فجحد أن يكون صنَّف فيه شيئًا، وكان يبرّ أصحابه ويساويهم في الجلوس ويبالغ في إكرامهم، وكان لا يتصوّن عن مواضع النُّزه والمتفرجات ويمشى بين العوامّ، ويقف على حلق المنافقين ونحوهم (١)؛ ولم يتزوّج فيها علمْتُ، بل كانت عنده زوجة أبيه فكانت تقوم بأَمر بيته ويبرّها ويحسن إليها، ولم يتَّفق له أن حجّ مع حِرْص أصحابه له على ذلك، وكان يُعاب بالتزيّي بزىّ العجم من طول الشَّارب وعدم السّواك حتى سقطت أسنانه، وبلغني أنه كان يديم الطهارة فلا يُحدِث إلَّا توضَّأ، ولا يترك أحدًا يستغيب عنده أحدًا، هذا مع ما هو فيه من محبة الفكاهة والمزاح واستحسان النادرة. لازمْتُه من سنة تسعين إلى أن مات، وكان يودّني كثيرا ويشهد لي في غيبتيّ بالتقدّم ويتأَدّب معى إلى الغاية مع مبالغى في تعظيمه حتى كنتُ لا أُسمّيه في غيبته إلا "إمام الأئمة"، وقد أقْبلَ في الأخير على النظر في كتب الحديث، واستعار من ابن العديم "تخريج أحاديث الرافعي" الكبير لشيخنا ابن الملقن وهو في سبع مجلدات فمرّ عليه كله

стр. 1215

واختصره على ما ظهر له، وفرغ منه عند موت ابن العديم ثم مات هو بعد ذلك بيسير، وكان ينهى أصحابه عن دخول الحمام أيام الطاعون فقُدِّر أن الطاعون ارتفع أو كاد فدخل هو الحمام فخرَج فطُعن عن قُربٍ فمات في ربيع الآخر في العشرين منه، واشتدّ أسف الناس عليه ولم يخلف بعده مثله. ٣٣ - محمد بن أبي بكر بن محمد بن أبي الفتح أَلبيرى (١)، شمس الدين بن الحدّاد وُلد سنة ..... (٢)، وتفقَّه على الزين الباريني (٣) ومهر، ثم رحل إلى القاهرة وتصوّف وكان يذاكر بأشياء حسنة، وسكن بعد اللنك بحلب دهرًا ثم رجع إلى بلده ألبيرة فأقام بزاويته إلى أن مات بها في رجب. ٣٤ - محمد بن بهادر اللطيفى أحد الأمراء باليمن، وقد ناب في وصاب (٤) وغيرها وكان محبا في أهل الخير. ٣٥ - محمد بن سيف بن محمد بن عمر بن بشارة، مات (٥) مقتولًا بالقاهرة وحُشِى جلده تِبنًا وحُمل إلى صفد في ذى الحجة. ٣٦ - محمد بن طيْبُغَا التنكزى (٦) ناصر الدين، كان أبوه من مماليك تنكز نائب الشام فوُلد له هذا في رمضان سنة إحدى أو اثنتين وستيّن، وحفظ "الحاوى، واشتغل

стр. 1216

ولازم الشيخ شهاب الدين بن الحباب مدةً وهو بزىّ الجند، ثم بعد ذلك (١) صار يقرئ "البخارى ويتكلم حال القراءة على بعض الأحاديث، وانقطع عند المصلّى فتردّد إليه الناس، وكان يغلظ للترك وغيرهم وربّما آذاه بعضهم، وكان يستحضر كثيرًا من الفقه والحديث والتفسير إلَّا أنَّه عريض الدعوى جدا مع أنّه متوسط فى الفقه. ومات في شهر رمضان. ٣٧ - محمد بن على بن محمد المشهدي، شمس الدين بن القطان، أخذ عن الشيخ ولّى الدين الملوى ونحوه، واعتنى بالعلوم العقلية واشتغل كثيرًا حتى تنبّه، وكان يدرى الطبّ، وسمعْت من فوائده، ومات في الطاعون عن نحو ستين سنة. ٣٨ - محمد بن على بن معبد المقدسى المالكي المعروف بالمدنى، وُلد سنة تسعٍ وخمسين، واشتغل وأخذ عن جمال الدين بن خير ولازمه، وسمع الحديث من محيى الدين بن عبد القادر الحنفى وحدّث، ثم ولى تدريس الحديث بالشيخونية فباشره مع قلة علمه به مدّة ثم نزل (٢) عنه، ثم ولى القضاءَ بعناية فتح الله كاتب السرّ في الأيام النّاصرية ثم صُرِف ثم أُعيد ثم صُرف في الأيام المؤيّدية ثم أُعيد، وكان مشكورًا في أحكامه، ووقعَتْ له كائنةٌ صعبةٌ مع شريف حَكَم (٣) بقتْله فأنكر عليه ذلك أهْلُ مذهبه، ولم يكن بالماهر في مذهبه. مات في عاشر ربيع الأول. ٣٩ - محمد بن عمر بن إبراهيم بن محمد بن عمر بن عبد العزيز بن محمد بن أبي جرادة العُقَيْلي الحنبلي نزيل القاهرة، ناصر الدين بن العديم الحنفى، تقدّم نسبةُ في ترجمة أبيه (٤) سنة إحدى عشرة. وُلد سنة اثنتين وتسعين بحلب واستمع على عمر بن أيدغمش (٥) مسند حلب وعلى غيره، وقدم القاهرة مع أبيه وهو شاب فاشتغل في عدة فنون

стр. 1217

على عدّة مشايخ، وقرأ بنفسه على شيخنا العراقي قليلًا من منظومته، وكان يتوقَّد ذكاءً مع هوج وذكاءٍ (١) ومحبّةٍ فى المزاح والفكاهة إلى أن مات أَبوه وأَوصاه أن لا يترك منصب القضاء ولو ذهب فيه جميع ما خلفه، فقبل الوصية ورشا على الحكم إلى أن وليه، ثم صار يرشى أهل [البلد] بأوقاف الحنفية يؤجّرها لمن لم (٢) يخطر له منهم ببال بأَبخس أُجرة ليكون له عونًا على مقاصده إلى أن يخربها ولو دام قليلًا لخربت كلها؛ وصار في ولايته القضاء كثيرَ الوقيعةِ في العلماء قليلَ المبالاة بأمْرِ الدين، كثيرَ التظاهر بالمعاصي ولاسيما الرّبا، سيئ المعاملة جدًّا، أحمق أهوج متهوّرًا. وقد امتُحِن في الدولة النَّاصرية على يد الوزير سعد الدين [إبراهيم بن كريم] البشيري (٣) وصودر وهو مع ذاك قاضى الحنفيّة، ثم قام في موجب قَتْل الملك النَّاصر قيامًا بالغًا ولم ينفعْه ذلك لأنَّه ظنّ أنّ ذلك يبقيه في المنصب فعُزِل عن قُرْبٍ كما تقدم في الحوادث، وقد ذكرنا في الحوادث تنقُّلاته في القضاء والشيخونية. ثم لمّا وقع الطاعون في هذه السنة ذُعر منه ذُعرا شديدًا وصار دأْبه أن يستوصف ما يدفعه ويستكثر من ذلك أدويةً وأدعيةً ورُقىً، ثم تمارض لئلا يشاهِد ميّتًا ولا يُدْعى إلى جنازة لشدّةِ خوْفه من الموْت، فقدّر الله أنَّه سلم من الطاعون وابتُلِيَ بالقولنج الصفراوي فتسلسل به الأَمر إلى أن اشتدّ به الخطب فأَوصى، ومن جملة وصيّته ما قدّمته في قضية ابن الطرابلسي، فلما بلغه أن ابنَ الطرابلسي مات بُشِّر بذلك وأَشهد عليه (٤) أنه رجع عما كان أوصى به لابن الجيتى، فقدّر الله تعالى أنَ ابن الجيتى مات أيضا قبله بعشرة أيام، ثم مات ابن العديم في ليلة السبت تاسع شهر ربيع الآخر (٥).

стр. 1218

٤٠ - أبو البركات محمد بن أبي السعود محمد بن حسين بن على بن أحمد بن ظهيرة المخزومي المكي، كمال الدين. ولد سنة (١) أربع وستين وسبعمائة، وأُحضر على عز الدين ابن جماعة، ولم يَعْتَن بالعلم بل كان مشتغلًا بالتجارة مذكورًا بسوء المعاملة، وولى حسبةَ مكة ونيابةَ الحكم عن قريبه الشيخ جمال الدين، فعُتِب جمالُ الدين بذلك وأُنكر عليه من جهة الدّولة فعزله، وسعى هو في عزْل جمال الدّين وبذل مالًا في أوائل الدولة المؤيّدية فلم يتم له ذلك حتى مات جمال الدين فتعصّب له بعضُ أهل الدولة فولِيَ (٢) دون السنة، ثم وليه مرة ثانية فى هذه السّنة دون الشَّهرين ومات معزولًا فى ثالث عشري ذي الحجة بعلَّة ذات الجنب. ٤١ - محمّد بن محمّد بن عبد الله شمس الدين بن مؤذِّن الزَّنْجِيليّة (٣)، اشتغل وهو صغير في "حفظ البحرين" و "الألفية" وغيرهما، وأَخذ الفقه عن البدر المقدسي مجمع وابن الرضى، ومَهر فى الفرائض وأخذها عن الشيخ محبّ الدين [الفرضي] واحتاج الناس إليه فيها، وجلس للاشتغال بالجامع الأُموى؛ وكان خيِّرا دَيّنًا. مات في شوّال. ٤٢ - محمد بن محمد بن محمد بن إبراهيم الحسبانى، شمس الدين رئيس المؤذنين بالجامع الأُموىّ وكبيرُ الشُّهود بدمشق، كان عارفًا بالشُّروط سريعَ الكتابة ذكيًّا يستحضر كثيرًا من الفقه والحديث مع كثرة التلاوة. مات في شعبان. ٤٣ - محمّد بن محمّد بن محمّد بن محمّد بن عبد الدائم الباهي، أبو الفتح نجمُ الدين الحنبلي، برع في الفنون وتقرّر مدرّسًا للحنابلة في مدرسة جمال الدين برحبة (٤) باب

стр. 1219

العيد؛ وكان عاقلًا حَييًّا كثير التأدّب، مات في ليلة الجمعة رابع عشرى ربيع الأول بالطاعون عن بضع وثلاثين سنة (١). ٤٤ - محمد بن محمد الكُومْ رِيشى، تاجُ الدين بن شمس الدين نقيبُ درس الحنابلة، مات في ربيع الأول مطعونًا ولم يبلغ الخمسين، وكان موصوفًا بحسن المعاملة. ٤٥ - محمد بن الشيخ قلاف (٢) الدين الحلوائي، مات يوم الخميس رابع عشرى صفر مطعونًا، وكان كثير المجازفة في القول، سامحه الله. ٤٦ - محمد [القطب (٣)] قطب الدين الأَبرقوهي، أَحد الفضلاء، ممن قدم القاهرة في رمضان سنة ثماني عشرة فأَقرأ "الكشاف" و "العضد" وانتفع به الطلبة، ومات في أواخر صفر مطعونًا. ٤٧ - مساعد بن ساري بن مسعود بن عبد الرحمن الهوّارى المصرى، نزيل دمشق، وُلد سنة بضعٍ وثلاثين، وطَلب بعد أن كبر فقرأ على الشيخ صلاح الدين العلائي وولىُ الدين المنفلوطي وبهاءِ الدين بن عقيل والإسنوى وغيرهم، ثم مهر في الفرائض والميقات، وكتب بخطِّه الكثير لنفسه ولغيره، وسكن دمشق وانقطع بقرية عقيربا (٤)، وكان الرؤساءُ يزورونه وهو لا يدخل البلد مع أنه لا يقصده أحدٌ إلَّا أضافه وتواضع معه، وكان ديّنا مُتقشفا سليم الباطن حسن الملبس، مستحضرًا لكثير من الفوائد وتراجم الشيوخ الذين لقيهم.

стр. 1220

وله كتاب في "الأذكار" سماه "بدر الفلاح في أذكار المساء والصباح" مات بقرية عقيربا شهيدًا بالطاعون، وكان ذميم الشكل جدًّا، رحمه الله تعالى. ٤٨ - مفتاح الطَّواشي الحبشي ثمّ اليمنى (١)، وَلِيَ إمرة عدن للأَشرف. ٤٩ - مقبل بن عبد الله الطواشي الأَشقتمرى الرومى، كان جمدارًا عند الظَّاهر والناصر، وكان ملازمًا للدّيانة محبًّا في الفقهاء، اشتغل بالعلم كثيرًا وحفظ "الحاوى الصغير" فصار يذاكر به، [وكان] حسنَ القراءة للقرآن جدًّا، ثم عمّر مدرسة بالتبانة وقَرّر فيها مدرسين وطلبة، وكان قد أُسِر مع اللنكيّة من دمشق ثم خلص وحضر مع الرسل الواردين من اللنك فى سنة ستٍّ وثمانمائة، وجاور عامَيْن متواليَيْن قبل موته، ومات بالطاعون. ٥٠ - موسي بن أحمد بن عيسى الحرامى -بالمهملتين- أمير حلى، انفرد (٢) بإمْرتها بعد أخيه دريب ثم أخرجه حسن بن عجلان منها ثم عاد إليها حتى مات في هذه السّنة. ٥١ - موسى بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الناصر بن على بن عمر، الشريف شرف الدين الشطنوفى، وُلد في حدود الأربعين ومات فى ذى القعدة، وكان حسنَ المحاضرة كثير النادرة وينظم شعرًا كثيرًا وسطًا. ٥١ - همام بن أحمد الخوارزمي، هكذا رأيتُه بخطِّه -وقد يُدْعى "محمدا" أَيضا - الشيخ همام الدين الشافعي، اشتغل في بلاده ثم جاءَ إلى حلب قبل اللنكيّة فأنزله القاضي

стр. 1221

شرف الدين أبو البركات في دار الحديث البهائيّة فأَقام بها، ثم قدم القاهرة في أوائل الدولة الناصرية واشتغل عليه بعض الأُمراء فحصّلَ له بعض مدارس ثم نزل عنها للحاجة، فلما عمر جمال الدين مدرسته عُيّن له ووُصِف وبالغ الواصف، فاستحضره إيّاه واختص (١) به وأسكنه بيتًا قريبا منه ورتِّبَتْ له الرواتب الواسعة، ثم لمّا فتحها أسكنه في المسكن البهىّ الَّذى عُمر له وأجلسه شيخًا بها، وقرّر له معالم ورواتب خارجًا عن ذلك وهدايا وعطايا وله مراعاة وسماع كلمة، فَنُبه بعد أن كان خاملًا، وتحلّى بما ليس فيه بعد أن كان عاطلًا، وانثال عليه الطلبة لأَجْل الجاه، وكان يحضر درسه منهم أضعاف من هو مُنَزّل فيه، وأقرأ في المدرسة المذكورة "الحاوى" و "الكشاف"، ثم طال الأَمر فاقتصر على "الكشاف"، وكان ماهرًا في إقرائه إلَّا أنه بطئُ العبارة جدًّا بحيث يمضى قدر درجة حتى ينطق بقدر عشر كلمات. وكانت له مشاركة في العلوم العقلية مع اطِّراح التكلِّف وسلامة الباطن، [وكان] ممشى فى السوق ويتفرّج في الحلق في بركة الرطلى وغيرها، وكانت له ابنة ماتت أُمها فصار يلبسها بزيّ الصبيان ويحلق شعرها ويسميها "سيدى على" وتمشى معه في الأسواق إلى أنْ راهَقَتْ، وهى التي تزوّجها الهروى فحَجَبها بعد ذلك. وقد ذكرْتُ ما اتفق له في المجلس المعقود للهروى. مات في العُشر الأخير من ربيع الأول وقد جاوز السبعين. ٥٢ - يوسف (٢) بن عبد الله المارديني الحنفى، قدم القاهرة ووعظ الناس بالجامع الأزهر وحصّل كثيرًا من الكتب، مع لين الجانب والتواضع والخير والاستحضار لكثير

стр. 1222

من التفسير والمواعظ. مات في الطاعون وقد جاوز الخمسين وخلَّف تركةً جيدةً ورثها أخوه أبو بكر؛ ومات [أبو بكر] بعد قليل سنة ٨٢٢ (١). ٥٣ - نور الدين بن قدامة النابلسى الصالحي (٢). * * *

стр. 1223

سنة عشرين وثمانمائة استهلَّت والسلطان على قصْد السّفر لتمهيد أُمور البلاد الشمالية، فعلق الجاليش في خامس المحرّم ونودِيَ على الفلوس أن يكون سعر كل رطل بستة فاستقامت الأحوال، وأَمر طغرلبك بن صقل سيز بالسفر لجمع التراكمين فتوجّه، وفُرِّقَتْ النفقات في نصف الشهر فكان لكل مملوك عشرة آلاف درهم يكون حسابها من الذهب أربعين مثقالًا. وكانت النفقة من الخزانة: للأَمير الكبير خمسة آلاف دينار، وللأمير آخور أربعة آلاف دينار، ولمن دونه من المقدّمين لكل واحدٍ من الطبلخاناة خمسمائة، ولكلِّ أمير عشرةٍ: مائتان، ولكل (١) مملوك ما تقدم ذكره. * * * وفى أوّل هذه السنة بلغ أقباى الدويدارَ - نائبَ حلب- تغيُّرُ خاطر السلطان عليه فركب على الهجن جريدةً في أسرع وقت، فوصل إلى قطيا واستأْذن في الوصول، فأَمر السلطانُ بتلقِّيه فتلقّوه وهو بسرياقوس وجَهَّز إليه مركوبًا وكاملية، فلقى السلطان يوم السبت رابع عشريه فلامَهُ السلطان على سرعة الحركة فاعتذر، فقرّره في نيابة الشام وأُمر بالمسير إلى دمشق فسار جريدةً على الخيل. * * * وفيه ضُرِبَتْ الدنانير من عشرة مثاقيل وخمسة، وكان السّالميُّ قبل ذلك ضرب ذلك ثم بَطُل فجدّده المؤيّد، وكان الذي يحصل له الدينار منها لايجد صيرفيا يصرفه، فلما كثير التشكي من ذلك بطلت. * * * واستناب في حلب قجقار القردمى أَمير سلاح، وجهَّز آقبغا أمير آخور للقبض على ألطنبغا العثماني نائب الشام والحوطة على موجوده وسِجْنه بالقلعة فتوجّه لذلك مسرعًا، ونودِيَ للأجناد والبطالين أَن يخدموا عِنْد الأُمراء وعند السلطان ومَن وُجد بعد ذلك بغيْر خدمةٍ فلا يلومَنَّ إلَّا نفسه؛ ثم قُبض على جماعةٍ ممَّنْ لم تمتَثِل للأمر وسُجنوا.

стр. 1224

وخرج السلطان إلى الريدانية في سادس عشرى المحرّم، وقَرّر في نيابة الغيبة طوغان أمير آخور، وفى القلعة أَزدمر شَايَهْ وكان قدم أميرَ المحمل في أول السنة، وقدم القاصد إلى السلطان بخيمة كبيرة بلغت النفقة عليها عشرة آلاف دينار. وتقدّم الجاليش صحبة إبراهيم ولد السلطان ومعه قجقار -نائب حلب- وجماعةٌ من الأُمراء، وسار السلطان في رابع صفر، وتأخَّر بالقاهرة فخرُ الدين الأُستادار، وعَيَّن نائبُ الغيبة له مائتي مملوكٍ يكونون صحبَتَه من أجنادِ الحلقة، وسافر القضاة صحبة السلطان على العادة إلَّا المالكي وكان قريب العهد بالقدوم من الحجِّ فأُعْفِيَ من السفر، واتَّفق أن شهاب الدين القرداح كان استقر مؤذنا في ركاب السلطان فتغيّب عن السّفر المرسوم بعد مدّةٍ بالقبض عليه وتجريسه فجُرِّس ثم حُبِس إلى أن جاءَ الخبر بقدوم السلطان فأُفرج عنه وأذن له في ملاقاته: وفي ثاني عشر صفر وصل ناصر الدين بن خطاب الحاجب بدمشق بسبب ألطنبغا العثماني وقد قبض عليه وسجن بقلعة دمشق، وكان الخبرُ لمّا وصل بذلك أذعن إليه وحلّ سيفه بيده -وهو حينئذ بالخربة- وتوجّه صحبة العسكر إلى دمشق فسُجن بالقلعة. ونزل السلطان غزة في نصف صفر ونزل بمصطبةٍ (١) اتَّخذها بظاهر المدينة، فقدم خليل الجشارى نائب صفد وحسَنُ بن بشارة مقدّم البلاد الصفدية عليه؛ ثم توجّه إلى جهة دمشق وأمير العربان ومشايخ البلاد يردُون إليه إلى أن وصل برج (٢) الكنيسة في سابع عشرى صفر، وقدم عليه قصّاد أُمراء التركمان يسأَلون الصفح عنهم ويعدونه بحضورهم إلى الطاعة، فأُجيبوا بأنَّهم إن صدقوا في ذلك وصلوا وإلَّا فليتخذ كل منهم سلما.

стр. 1225

ثم قدم أقباى نائب الشام في العسكر ودخل السلطان دمشق أول ربيع الأول ولم ينزِلْ بالقلعة بل استمر سائرًا إلى أن نزل بالمصطبة التى قد استجدها لنفسه ببرزة، وابنه إبراهيم حاملٌ القبَّة على رأسه، وكان يومًا مشهودًا. وفي ليلة الجمعة عمل المولد هناك على العادة، وأرْسل في ثامنه زين الدين الخواجا إلى محمد بن قرمان برسالة. وفى تاسعه قدم يشبك نائب طرابلس. وفي عاشره دخل السلطان حمص وقدم نائب حماة جارقطلو فأُعيد إليها من ساعته فعمل المهمّات السلطانية. وفي ثالث ربيع الأول أَفرج السلطان عن سودون القاضي وأعطاه إقطاع آقبردي المنقار بعْد موته. وتوجّه السلطان إلى حماة فقدم عليه بها حديثة بن سيف أمير آل فضل وغنام بن زامل أمير آل موسى فتشاجرا في قتل سالم بن طويب فسكَّن السلطان ما بينهما، ثم عُرضَتْ عليه تقادم الأُمراء فقبلها، ثم سار متوجّهًا إلى حلب، فخيّم -في ليلة الثلاثاء سابع عشره- بمنزلة تل السلطان وكانت تُعرَف قديمًا بالعبيديين، وأصبح فاستعرض العساكر هناك، ثم رحل إلى قِنَّسرين فتقدّم إليه بها قجقار القردمى -نائب حلب- بعساكره، ثم قدم طغرلبك بن سقلسيز بعساكره وهم ألفٌ وخمسمائة فارس. * * * وفى يوم السبت حادى عشرى ربيع الأول ركب السلطان عِند الفجر وشرع في صفّ الأطلاب وتعبئة العساكر بنفسه، ودَخَل حلب وهو في الميمنة -من شرقى حلب بين النيّرب وجبرين- وشَقَّها إلى أن نزل بالمصطبة الظاهريّة خارجها، ودخلت الميسرة من الجهة الأُخرى والتقوا بالميدان الأَخضر؛ وترقّب وصول الرسل التي أرسلها إلى أطرافه، فقدم في ثاني

стр. 1226

عشري ربيع الأَول خليل بن بلال الكرى نائب مدينة إياس ومعه مفاتيح قلعتها، فقَرّر في نيابتها صاروجا مهمندار حلب. وقدم عليه في ثالث عشريه جمعٌ كثيرٌ من التركمان والعربان، ثم جَهّز نائبَ الشام ونائبَ حماة وعسكرهما ومَن انضمّ إليهما منْ تركمانٍ وعربٍ إلى جهة ملطية، وقَرّر داود بن زيد وجماعةً بالعَمق، وقَرّر فى نيابة حلب يشبك اليوسفى، وفى نيابة القلعة شاهين وأرغون وأمَره بتقوية البرجين اللذين جدّدهما جكم فأكمل عمارتهما وشيّدهما وحصّنهما وصارا كقلعتين استخرجتا من القلعة، وعظم شأْن القلعة بهما. وأمر المؤيّد بعد ذلك بتكميل سور حلب فشرع فيه، وطلب العمّال من البلاد حتى جدّوا فيه، وبعث أهلَ حلب في عمله. * * * ثم سار الجاليش السلطاني ومقدّمهم ألطنبغا القرمشي في عدّةٍ من الأُمراء. وتوجّه السلطان في ثاني ربيع الآخر إلى جهة العمق فقدم عليه رسل محمد بن قرمان وفيهم القاضي مصلح الدين قاضي عسكره وصحبته هديةٌ وكتابُ اعتذارٍ عن تقصيره وطبق فضة مسكوكة باسم المؤيد، فعنَّف السلطانُ الرسولَ وعدَّد له خطأ مرسله في امتناعه من تجهيز مفاتيح طرسوس وفى عدم قبْضه على كزل وغيره من المتسحّبين، فاعتذر مصلح الدين فصفح عنه وأَمره بالجلوس وفرّق الدراهم على الحاضرين. وقدم في ذلك اليوم رسول اللهبن عثمان، ثم قدم إبراهيم بن رمضان وابن عمّه وأكثر التركمان الأوجقية، وقدمت معهم أُمّ إبراهيم وأولاده الصغار فأَكرمهم السلطان وخلع عليهم وأنفق فيهم. وأرسل مصلحَ الدين لإحضار مفاتيح طرسوس بشَرْط إنْ مضى جمادى الأول ولم يُحضرها مشى السلطان على بلاد ابن قرمان؛ وتوجّه قجقارُ نائبُ حلب إلى جهة طرسوس، فقدم بين يديه شاهين الأَيدكاري فدخل طرسوس وتحصّن نائبها مقبل بالقلعة، فنزل

стр. 1227

قجقار وحاصر القلعة إلى أن أَخذها بالأَمان في أَواخر ربيع الآخر، وأخذ مقبل فسُجن (١) ومَن معه، وسار السلطانُ على جهة مرعش على الأَبلستين. وحضر إلى قجقار -لمّا نزل بغراص (٢) - خليفةُ الأَرمن بمفاتيح قلعتي سيس وبادرايا (٣) فجهَّزهم إلى السلطان، فخلع على القصاد وقَرّر في نيابة قلعة سيس الشيخ أحمد أحد العشراوات بحلب. ووصل نائب الشام إلى ملطية في خامس ربيع الآخر فوجد حسين بن كبك قد أحرقها فلم يبق منها إلَّا اليسير ولم يتأخَّر مِن أهلها إلَّا الضَّعيف العاجز، ونزح فلَّاحوها فتوجّه في آثارهم وأعْلَمَ السلطان، فأَرسل السلطان ولده إبراهيم ومعه جقمق الدويدار وجماعة من الأُمراء، فساروا مجدّين ودخلوا الأَبلستين للقبض على ابن ذلغادر ففرّ منهم وأخْلى البلاد، فتوجهوا منها وأوقعوا بمن في كلديا (٤) من التركمان وبمن في خان السلطان وممن فى ساروس (٥) ولحقوا محمد بن ذلغادر في سادس عشره وهو سائر بحريمه وأثقاله فاحتووا على جميع ماله، وخلص في جريدةٍ من الخيل، فقُبض على جماعة من أصحابه، ومِن جملة ما نهب له مائة بختى: كلُّ واحدٍ قدْر الفيل

стр. 1228

ورجع نائب الشام وقد قرّر أمر ملطية، وفرّ حسين بن كبك إلى بلاد الروم، وتوجه نائب حماة إلى جهة كختا (١) وكركر فنازل القلعتين بعسكر آخر. وقدم كتاب محمد بن ذلغادر يسأَل العفو على أن يسلّم قلعة درندة فأُجيب إلى ذلك، فقدم ولده ومعه هدية ومفاتيح القلعة في أواخر الشهر، وقدم قاصد على بن ذلغادر ومعه هدية وكتاب، فأَضاف له السلطان نيابة الأَبلستين مع نيابة مرعش. وتوجه السلطان في ثامن عشرى الشهر إلى درندة وبات عليها، واستدعى بآلات الحصار فوصَلَت إليه مفاتيح قلعة سوروس (٢)، وأوقع الأمير أسنبك بن إينال بمحمد بن ذلغادر فقطعت يد ولده الكبير في الواقعة، ثم ركب السّلطان بنفسه على دَرَنْدَة وطَلَبُوا الأَمان فأَمّنهم فأُنزِلوا يوم الجمعة سلخ الشهر وفيهم داود بن محمد بن قرمان فأَلْبَسه السلطانُ خلعةٌ واستولى على القلْعة، وقرّر في نيابة ملطية ودورْكي: منكلى بغا الأرغون شاوى. * * * وفي سادس جمادى الأُولى وجَّه محمد بن شهرى عسكرا فقاتلوا مَن بقلعة خرت برت فأَخذوها، فجهز من أهلها أحدَ عشر رجلًا فأَمر السلطان بصلْبهم على قلعة درنْدة، ثم رجع السلطان إلى الأَبلستين يريد بهسنا وكختا وكركر، وأرسل من هنا رسول قرايوسف واسمه دَكز إليه بجوابِ كتابِه وصحْبَتُه هديّة مع رسول من جهة السلطان، ثم وصل رسول من قرا يوسف صحبة القاضي حميد الدين قاضي عسكره؛ ووصل كتابُ محمد شاه بن قرا يوسف وكتاب بير عمر حاكم أرزنجان (٣).

стр. 1229

وتوجّه السلطان إلى بهسْنا بعد أنْ وجّه إليها نائب الشام، فتسلَّم نائب الشام القلعة من طغرق بن داود بن إبراهيم بن ذلغادر وأخذه صحبته ورجع إلى لقاء السلطان فالتقيا به في حصن منصور، فرَضِىَ علَى طغرق، ونزل قجقار نائبُ حلب على كختا وكركر، ثم أردفه السلطان بنائب حماة ونائب طرابلس، ونزل السلطان بحصن منصور في أواخر جمادى الآخرة فقدم عليه رسول قرايلك بهديته. وقدم عليه رسول الله الملك العادل سليمان الأيوبى صاحب حصن كيفا بهديّة، وقرر في نيابة قلعة الروم منكلي بغا عوضا عن أبي بكر بن بهادر البابرى، وقرّر فى نيابة بهسنا كمشبغا الركنى. ونازل كختا ونصب للرمى على قلعتها، فبيْنا هو في ذلك إذْ ورد الخبر بأَن قرا يوسف قصد قرايلك، فالتجأَ قرايلك إلى السلطان وكاتبه واحتمى به، واشتدّ الحصارُ على قلعة كختا ولم يَبْق إلَّا أخْذُها فطلب صاحبها الأَمان، فآل الأَمر إلى أنَّه يبعث ولده رهْنًا وينزل عن القلعة بعْد رحيل السلطان، فتوجّه السلطان إلى جهة كركر وسارت الأثقال إلى عينتاب، فنازل السلطان قلعة كركر في أواخر جمادى الآخرة. ونزل قرقماس من قلعة كختا فتسلَّمها نوابُ السلطان، وَطَرَق جماعةٌ مِن عسكر قرا يوسف قلعة بيشار فنهبوا بيوتَ الأَكْراد، وعدّى منهم جماعةٌ الفراتَ فركب عليهم منكلى بغا نائب ملطية فساروا إلى خرت برت. * * * وفي رابع رجب عاود السلطانَ ألم رِجله بالمفاصل فركب المحفَّة عجْزا عن ركوب الفرس، فنزل الفرات فى مركبٍ وصُحْبَتُه خاصَّتُه إلى أن وصل قلعة الروم وقرر (١) بها أميرها. * * * وفى سابع رجب قدم كتابُ آقباى نائبِ الشام أن قَجقار -نائبَ حلب- رحل عن حصار

стр. 1230

كركر بغير عِلْمه، فوَصَل كتاب قجقار يعتذر عن ذلك بأنَّه بلغه أنَّ قرا يوسف واقَع قرايلك فهزمه وأنَّ مَن معه خافوا مِن قرايوسف، فلمّا حَلَّ ذلك رَحل، فأُجيب نائبٌ الشام أن يستمر على الحصار ووقع الغضب على قجقار، ثم طَلب خليلُ -نائبُ كركر- الصُّلحَ من نائب الشام فراسل السلطانَ في ذلك. ودخل السلطانُ حلب في ثالث عشر رجب فوَجد أهلها في وجلٍ شديد من قُرْب قرايوسف فاطمأَنُّوا لحضور السلطان، وأَمر السلطان بتكملة القصْر الذي كان حكم شرع في عمارته فعُمر في أسرع وقتٍ وقعد السلطان فيه من آخر الشهر، وأمر بصلب مقبل القرماني ورفاقِه. ووصل النّوابُ في سابع عشر رجب فأَغلظ السلطانُ لقجقار ووبّخه على سرْعةِ رحيله فأجاب بغلظة، فأَمر بالقبض عليه فسُجنَ بقلعة حلب ثم أُفرِج عنه من يوْمهِ وأَرسله إلى دمشق بطالًا، وقرّر يشبك نائب طرابلس في نيابة حلب، وقَرَّر بردبك في نيابة طرابلس، وقَرَّر ططر رأْسَ نوبةٍ موضعَ بردبك، ونَقل جارقطلو إلى نيابة صفد، وقرّر في نيابة حماة نكباى، ونَقل خليل الجشارى نائبَ صفد حاجبًا بطرابلس فاستعْفَى فأُعْفِى، وقرّر عوضه سودون (١) قراصَقل؛ وتوجّه النواب إلى بلادهم. وحضر إلى السلطان حميدُ الدين رسول قرا يوسف ورسولُ صاحب حصن كيفا يسأَل أن يُنْعم عليه بانتسابه إلى السلطان واستمراره نائبًا من نوّابه، فخُلع على قاصده وخُلع على قاصد قرا يوسف وأُعيد إلى مُرْسله. وفى شعبان أصلح السلطان بين حديثة -أمير آل فضل- وبيْن غنام بن زامل وحلَّفهما على الطاعة، وخلع على محمد بن ذلغادر بنيابة الأَبلستين. ووصل قاصد كردى باك ومعه سودون اليوسفى -أَحدُ من هرب في وقعة قانباي- فسُمِّر تحت قلعة حلب ثم وُسِّط.
следующие страницы →