٥ - جَانِبك الدويدار الأشرفى، كان (١) اشتراه وهو صغير ثم رقاه كما تقدم في الحوادث، وأمره طبلخاناه سنة ستٍّ وعشرين، وأرسل إلى الشام لتقليد النواب فأفاد مالًا عظيمًا، وتقرّر أولًا خازندارًا ثم تقرّر دويدارًا ثانيًا بعد سفر قُرْقُمَاس إلى الحجاز وصارت غالب الأمور منوطةً به وليس للدويدار الكبير معه كلام، وتمكَّن من سيده غاية التمكين حتى صار ما يُعْمل برأيه مستمرًا وما يُعمل بغير رأيه يُنْقَض عن قرب.
وشرع في عمارة المدرسة التي خارج (٢) باب زويلة، وابتدأ به مرضه بالمغص ثم انتقل إلى القولنج وواظبه الأطباء بالأدوية والحقن، ثم اشتدّ به الأمر فعاده أهل الدولة كما هم من الخدمة السلطانية فحُجِبُوا دونه، فبلغ السلطان فنزل إليه العصر فعاده واغتمَّ له وأمر بنقله إلى القلعة وصار يباشر تمريضه بنفسه مع ما شاع بين الناس أنه سُقِي (٣) السّم، وعُولج بكل علاج إلى أن تماثل ودخل الحمام ونزل إلى داره فانتكس أيضا لأنه ركب إلى الصيد بالجيزة فرجع موعوكًا وتمادى به الأمر حتى مات، فنزل السلطان إلى داره وحضر غُسلَه وركب في جنازته وصلى عليه تحت القلعة.
وكان شابًّا حادَّ الخلق عارفًا بالأمور الدنيوية، كثير البر للفقراء، شديدًا على من يتعاني الظلم من أهل الدولة، وهمَّ الأشرفُ مرارًا أن يؤمره تقدمةً فلم يُقدر ذلك، وكان هو في نفسه وحاله أكبر من المقدمين.
مات في ليلة الخميس سابع عشري شهر ربيع الأول عن خمس وعشرين سنة تقريبًا، وماتت زوجته بعده بستَّة أيام فيقال إنه كان جامعها لما أفاق من مرضه قبل النكسة فأصابها ما كان به من الداء، ونقل السلطان أولاده عنده وبنى لهم "خان سرور" بالقرب بين القصرين وكان قد استهدم فأخذه بالربع وعمره عمارةً متقنةً بحيث صار الذي يتحصّل من ربعه يفي لأهل الربع بالقدر الذي يتحصّل لهم من جميعه.
стр. 1507
٦ - جانِبك بن حسين بن محمد بن قلاون، سيف الدين بن الأمير شرف الدين بن الناصر بن المنصور، ولد سنة بضعٍ وخمسين وأمّر طبلخاناه في سلطنة أخيه الأشرف شعبان، ولما زالت دولة آل قلاون استمر ساكنًا بالقلعة مع أهل بيته وكانت عُدَّتهُم إذ ذاك ستمائة نفس فما زال الموت يقلل عددهم إلى أن تسلطن الأشرف برسباي فأمر بهم أن يسكنوا من القاهرة حيث شاءوا فتحوّلوا، ولم يكن منهم يومئذ أقعد نسبًا من جانِبِكْ بل كان قبله بقليل ولد الناصر حسن وقد تقدّمت وفاته في ....... (١)، وأناف جانبك على السبعين.
٧ - حسن بن أحمد بن محمد البُرديني (٢)، بدر الدين، قدم من الشرقية (٣) صغيرًا ونشأ بالقاهرة فقيرًا ونزَّله أبو غالب (٤) القبطى الكاتب بمدرسته التي أنشأها بجوار باب الخوخة، فقرأ على الشيخ شمس الدين الكلائى ولم يتمهَّر في شيء من العلوم بل لما ترعرع تكسب بالشهادة، ثم ولى التوقيع واشتهر به، وكانت لديه معرفةٌ بالأمور الدنيوية فراج على ابن خلدون فنوَّه به وكذا صدْر الدين المناوى، ولم ينتقل في غالب عمره عن ذلك (٥) ولا عن ركوب الحمار حتى بأواخر دولة جمال الدين الأستادار فإن فتح الله نوّه به فركب الفرس، وناب في الحكم وطال لسانه، واشتهر بالمروءة والعصبية فهرع الناس إليه لقضاء حوائجهم وصار عمدة القبط في مهماتهم يقوم بها أتمَّ قيامٍ، وخصّوه هم بها فلا يثق أحدٌ منهم فيها بغيره فصارت له بذلك سمعة، وكان يتَجوّه على كاتب السر فتح الله بناظر
стр. 1508
الجيش ابن نصر الله وعلى ناظر الجيش ابن نصر الله بكاتب السر فتح الله، وعلى سائر الأكابر بهما معًا، فحوائجه مقضيّة عند الجميع.
ولما باشر نيابة الحكم أظهر العفّة ولم يأخذ على الحكم شيئًا فأحبه أكثر الناس وفضّلوه على غيره من المهرة لهذا المعنى. وحُفِظت عنه كلمات منكرة مثل إنكاره أن يكون في الميراث خُمْسٌ أو سُبْعٌ لانَّ الله لم يذكره في كتابه، وغير ذلك من الخرافات التي كان يسميها المفردات، وحج بآخره فذكر لي صلاح الدين بن نصر الله عنه أمورًا منكرة من التبرّم والازدراء؛ نسأل الله العفو.
وكان مع شدة جهله عريض الدعوى غير مُبالٍ بما يقول ويفعل مات (١) في يوم الاثنين خامس عشر رجب، وكان قد أناف على الثمانين، وتغيّر عقله.
٨ - حسن (٢) بن نجم الدين بن عبد الله، السامريُّ الأصل كاتب السرّ بدمشق وقد جمع بينها وبين نظر الجيش بعناية صهره زوج بنت امرأته أُزْبُك (٣) الدويدار، واستقر بعده كمال الدين البارزي في كتابة السر بدمشق وشهاب الدين الشريف نقيب الأشراف في نظر الجيش، وكان موت حسين المذكور في جمادى الآخرة وكان عريًّا عن العلوم جملة، والعجب أنه كان باسمه التدريس بدار الحديث الأشرفية (٤) بدمشق.
وأوّل ولايته لكتابة السّر في أوّل اثنتى عشرة ثم صرف وباشر عند الأمراء، وأوّل
стр. 1509
ولايته نظر الجيش سنة خمسٍ وعشرين في صفر، ثم أضيفت إليه كتابة السر في جمادى الآخرة منها وصُرِف عن كتابة السرّ في سنة ثمانٍ وعشرين، ثم أعيدت إليه في ربيع الآخر سنة ثلاثين واستمر ما معه إلى أن مات يوم الأربعاء لست (١) بقين من جمادى الآخرة.
٩ - سعيد بن عبد الله المغربي المجاور بالجامع الأزهر وأحَدُ مَن يُعْتقد ويُزَار وكان عنده مالٌ جَمٌ من ذهبٍ وفضةٍ وفلوس، يشاهده الناس فلا يجسر أحد على أخذ شيء منه، وكان عنده ذهب هَرْجَة يخرجه أحيانا ويصففه، وقد شاع بين الناس أن من اختلس منه شيئًا أصيب في بدنه فلا يقربه أحدٌ، وكانت حوله قِفافٌ ذوات عدد ملأى من الفلوس، وكان يَحْضُر أحيانا ويغيب أحيانا إلى أن مات تاسع عشر ربيع الآخر بعد مرض طويل، وقد زاره السلطان مرة، ولما مات حمل المال الذي وجد له لبيت المال؛ وكانت جنازته حافلة.
١٠ - شرف (٢) بن أمير، السّرّائي ثم المارديني الكاتب المجوّد، تعانى الكتابة إلى أن أتقن الخط على طريقتي: ابن البواب وياقوت وتعلم منه أهل تلك البلاد، وقدم حلب على رأس القرن ثم حج في سنة تسع وعشرين، وذكر أن اللنك طلبه من صاحب ماردين فتغيّب هو كراهية من قربه من اللنك؛ ثم نزل حصن كَيْفا وسكنها وعلَّم الناس بها الكتابة، وقرّبه صاحبها. قرأتُ ترجمته في تاريخ القاضي علاء الدين بحلبٍ، أيَّده الله.
١١ - عبد الغني المعروف بابن الجيعان مستوفى الخاص، كان متموّلًا عارفًا بأمور الديوان وبالمتجر، وقد حجّ في سنة ستٍ وثمانمائة، ومات في جمادى الآخرة؛ وكان كثير السكون وفي لسانه لثغةٌ قبيحة، وعمر دارًا هائلة بقرب الجامع أخذ فيها أملاك الناس فَقُدِّر أَنْ آل نظرها إلى بنت زوجته التي كانت زوجًا لازبك الدويدار فباعَتْها بأبخس ثمن وهو ألف دينار في سنة إحدى وأربعين، وذكر لي كاتب السر كمال الدين - في سنة خمس وأربعين - أن مصروفها كان أكثر من عشرة آلاف دينار.
стр. 1510
١٢ - فَجْقَارٍ شَغَطَاي (١) أحد الأمراء الصغار، تقدم في دولة المؤيّد وقُرر رأس نوبة ولده إبراهيم، وتوجّه رسولا إلى ملك الططر، وعظم قدره في دولة الأشرف وصار زَرْدَ كاشًا، واستقر بعده فيها أحمد الأسود الذي كان دويدارًا صغيرا؛ وكان مشكور السيرة كثير الرّفق بالفلاحين عارفًا بعمارة الأرض.
١٣ - كَمَشْبُغا بن عبد الله (٢) الجمالي أحد أمراء الأربعين، كان عاقلًا وقورًا متديّنا واستنابه الناصر فرج في بعض سفراته إلى الشام، ولما كانت الدولة المؤيّدية بطل من الإمرة وولى النظر على الخانقاه بسرياقوس وحُمِدت سيرته، ومات (٣) بطالًا بحلب في يوم الجمعة في جمادى الأولى وجاوز الثمانين.
١٤ - محمد بن بن علي، الشيخ شمس الدين الرملي الحنبلي المعروف بالشَّامى، وُلد سنة أربعٍ وأربعين وسبعمائة، وسمع من أبي الحسن العرضي وتفرد بالرواية عنه بالسّماع، وسمع أيضا من [أبى الحرم] القلانسي وغيره، وسمع من موفَّق الدين القاضي وتفقَّه عليه ولازم صهره ناصر (٤) الدين وناب في الحكم مدة.
وكان جلدًا قويًّا يمشى - وقد جاوز الثمانين - من بين القصرين إلى الشيخونية ليحضر وظيفة التصوف والدرس ويلازم دروسه في الطلب، يمشى على رجليه ويقضى حوائجه وحوائج الناس بنفسه، ولم يكن ماهرًا في العلم ولا متصوِّفًا في الدين ولا متثبتًا في الحكم، وكان على ذهنه ما جرياتٌ طريفة، وتعصَّب على مجد الدين سالم لما عُزِل من الحكم، وقام مع ابن المغلى قيامًا عظيما حتى كان يخدمه بنفسه في جميع ما يحتاج إليه حتى في شراء زيت القنديل يتعاطاه بنفسه. مات في ثانى عشري شعبان سامحه الله تعالى.
стр. 1511
١٥ - محمد بن أحمد بن موسى بن عبد الله، الشيخ شمس الدين الكُفَيْرِى (١)، العجلوني الأصل الدمشقى، ولد (٢) في العشر الأول من شوال سنة سبع وخمسين وثمانمائة، وحفظ "التنبيه" وأخذ عن ابن قاضي شهبة وغيره ولازم الشيخ شمس الدين الغزى مدة طويلة، واشتُهِر بحفظ الفروع، وكتب بخطه الكثير نسخًا لنفسه ولغيره، وناب في الحكم، وولى بعض التداريس، وحجَّ مرارًا وجاور وولى مرةً قضاء الركب، وجمع شرحًا على البخاري في في ست مجلدات، وكان قد لخص شرح ابن الملقن وشرح الكرماني ثم جمع بينهما؛ نقلت ترجمته من ابن قاضي شهبة.
ونقلْتُ من خط غيره أنه أجاز له محمد بن أحمد المنبجي ويوسف بن محمد الصيرفي، وأنه سمع على ابن أميلة وابن أبي عمرو وابن قواليح وابن المحب وابن عوض والعماد وابن السراج وابن الفصيح وغيرهم، وأنه صنّف "النبيه في شرح التنبيه"، واختصر "الروض" للسهيلي وسمّاه "زهر (٣) الروض" وكان لا يعرف شيئا من العلوم سوى الفقه، وينظم ولا يعرف العروض، وكان كثير التلوّن. مات في ثالث عشر المحرّم (٤).
١٦ - محمد بن حسين، شمس الدين التَّرُوجي المالكي، اشتغل وتعانى النظم وقال الشعر الحسن فأكثر. مات تحت الهدم في تاسع عشر صفر عن ستين سنة.
стр. 1512
١٧ - محمد بن عبد الدائم بن عيسى (١) بن فارس البِرْماوى، الشيخ شمس الدين، وُلد في نصف ذي القعدة سنة ثلاثٍ وستين، وكان اسم والده "فارسًا (٢) "فغيّره "البِرْماوي" وتفقَّه وهو شاب، وسمع من إبراهيم بن إسحق الآمدى (٣) ومن عبد الرحمن بن علي بن القارئ (٤) وغيرهما، وسمع معنا في جماعة من المشايخ ولازم الشيخ بدر الدين الزركشي وتمهّر به، وحضر دروس الشيخ سراج الدين البلقيني وقرأ عليه غالبها، وقد سمعْتُ بقراءته على الشيخ "مختصر المزنى" وأول ما تخرّج بقريبه الشيخ مجد الدين إسماعيل وقد عاش بعده.
وكان حسن (٥) الخطّ كثير المحفوظ قويّ الهمة في شغل الطلبة، حسن التودّد لطيف الأخلاق، ضيّق الحال كثير الهمّ بسبب ذلك، ثم اتَّسع حاله بأخرة.
وله منظومات وتصانيف منها "شرح العمدة" ومنظومة في أسماء رجالها وشرحها، و"شرح البخاري" في أربع مجلدات، وكان غالب عمره خاملًا، ثم ولى نيابة الحكم عن ابن أبي البقاء وصحب ولده جلال الدين، ثم ناب عن الجلال البلقيني ثم عن الإخنائي، ثم ترك ذلك وأقبل على الاشتغال، وكان للطلبة به نفع، وفى كل سنة يقسم كتابا من "المختصرات" فيأتي على آخره ويعمل لهم وليمة، ثم استدعاه نجم الدين بن حجّى - وكان رافقه في الطلب عند الزركشي - فتوجه (٦) إلى دمشق فقرره في وظائف كثيرة واستنابه في الخطابة والحكم ونوّه به. فلما مات ولده محمد - وكان ولدًا نجيبًا وحفظ عدة مختصرات -
стр. 1513
أسف عليه وكره الإقامة بدمشق فزوّده ابن حجّى وكتب له إلى معارفه (١) كتبًا أطراه (٢) فيها إلى الغاية فتلقاه أولئك بالقبول واعتقدوا فيه تلك الأوصاف فقاموا معه حق القيام حتى قرروه في مباشرة وظائف الشيخ ولى الدين العراقى نيابةً عن حفيده، وكانت (٣) عند موته قُرّرت باسمه فباشر الجميع بعد أن كان العراقي قد أوصى أن ينوب عن حفيده في درس الحديث من عيَّنه وكذا في دروس الفقه، وباشر بعض ذلك، وقرر الناظر الشرعي على أوقاف المدرسة الجمالية الشيخ ناصر الدين البارِنْبَارى (٤) أحد المهرة في العلوم في نيابة المشيخة والتَّدريس، وباشر ذلك مدة مع شدة استحقاقه من أوجهٍ، فلم يلتفت البرماوى لذلك بل لبس للنيابة عن الصُّغَير تشريفًا، وباشر الجميع ولم يرْع حقَّ البارنبارى مع ظهور استحقاقه، فباشر البرماوى ذلك من أثناء سنة سبعٍ وعشرين إلى أن حجّ في سنة ثمانٍ وعشرين، وجاور بمكة سنة تسع وعشرين. فلما حضر (٥) أول سنة ثلاثين قُرِّر في تدريس الصلاحية ببيت المقدس عوضًا عن الهروى (٦) في آخر المحرم ثم سافر إلى القدس في رجب، وناب في رجب من هذه السنة فباشرها نحو السنة مع ملازمة الضَّعْف له إلى أن مات وتفرّقت كتبه وتصانيفه شذَر مذر، عفا الله تعالى عنه.
واستقرّ في تدريس الصلاحية بعده عزُّ الدين عبد السلام بن داود بن عثمان المقدسي بعناية القاضي بدر الدين بن مُزهِر كاتب السِّرِّ فتأخر سفره إلى ذي القعدة، وكان نزل عن غالب وظائفه بمصر والقاهرة ببدل من المبذول كتدريس الحديث بالجمالية وتدريس
стр. 1514
الخرّوبية في الفقه بمصر. واستقدمه (١) ابن حجى إلى دمشق سنة إحدى وعشرين فأجلسه بالجامع يقرئ ويُفْتِي ثم رجع إلى مصر، ثم استقدمه سنة ثلاث وعشرين فاستنابه في الحكم، وولى إفتاء دار العدل عوضًا عن الشهاب الغزى، ثم ولاه تدريس الرواحية وغيرها عوضًا عن برهان الدين بن خطيب عذراء، وتدريس "الأمينية" عوضًا عن عز الدين بن الحسبانى، وعَكَفَتْ عليه الطلبة فأقرأ في جمادى ورجب وشعبان "الحاوى" في سنة، والتنبيه" في سنة، و"المنهاج" في سنة (٢).
١٨ - محمد بن يعقوب البجانسى، شمس الدين الدمشقى، ولى حسبة الشام ثم القاهرة في سنة اثنتي عشرة وثمانمائة وولى وزارة دمشق. مات في ثالث المحرم.
١٩ - محمد بن يوسف بن عبد الرحمن، تقى الدين القرشي الدمشقى، ولد سنة نيفٍ وستين وتعانى المباشرات إلى أن ولَّاه نَوْرُوز الوزارة بدمشق ثم كتابة السرّ، وولى قضاء طربلس سنة ستٍّ عشرة، ثم رجع إلى دمشق وباشر التوقيع واستمر ينوب في كتابة السرّ إلى أن مات، وكان فاضلًا في فنه ساكنًا كثير التلاوة منجمعًا عن الناس، ثم مات في جمادى الآخرة.
стр. 1515
٢٠ - محمد بن خطيب قارا (١)، الشيخ شمس الدين، كان متموّلًا، ولى قضاء صفد وحماة وغيرهما يتنقَّل في ذلك، وفي أواخر أمره تنجّز مرسومًا من السلطان بوظائف الكُفْرِى ونيابة الحكم بدمشق، وقدمها (٢) فوجد الوظائف انقسمت بين أهل الشام فجمع أطرافه وغرم على السعى في قضاء دمشق، وركب البحر ليحضر بما جمعه إلى القاهرة فغرق وذهب ماله، وذلك في رجب منها (٣).
٢١ - يَشْبك بن عبد الله الأمير الكبير الساقي الأعرج الظاهري، اشتراه برقوق، وهو شاب ثم تأمّر في أول دولة الناصر فرج وخرج من القاهرة في كائنة جَكَمْ ونوروز ببركة الحبش فتنقل في تلك السنين في الفتن إلى أن قتل الناصر فصار من فريق نوروز فأرسله إلى قلعة حلب ليحفظها، وكان من إخوة ططر وقد صار من فريق المؤيد فلم يزل يراسله حتى حضر عند المؤيد، فلما قُتِل نوروز أراد المؤيد قتل يشبك فشفع فيه ططر فأعفاه من القتل وأمر بتسفيره إلى مكة بطالًا فتوجه إليها ودخل اليمن، ثم سعى له إلى أن عاد إلى القدس فأقام به بطالًا، فلما تمكن ططر من المملكة أمر بإحضاره فوصل إليه وهو بدمشق، وتوجه معه إلى حلب فأقام في حفظ قلعتها، ثم لما رجع وتسلطن أرسل إليه فحضر فأمره، ثم كان من كبار القائمين بدولة الأشرف وسلطنته، فرعى له ذلك وأسكنه معه في القلعة ثم صيره أتابك العساكر بعد قطع.
وكان من خيار الأمراء محبًّا في الحق وفى أهل الخير، كثير الديانة والعبادة، كارها لكثير من الأمور التي تقع على خلاف مقتضى الشرع.
توعك صبيحة موت جانِبِكْ فلم يزل يتنقل في المرض إلى أن مات السبت الثالث من جمادى الآخرة، واستقر في الأتابكية جَارْقُطْلى نقلًا من نيابة حلب، واستقر نور الدين بن مفلح على نظر المرستان بعد أن كان نور الدين الصَّفْطي قد سعى فيها ليعود إليها فلم يتم له بعد أن هُيّئَتْ خلعته، وكذا سعى فيها جماعة فبطل سعيهم.
стр. 1516
سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة
في (١) أولها نقص النيل عن الغاية التي انتهى إليها ذراعًا وثلثى ذراع فإنه كان انتهى إلى عشرين ذراعا ثم أسرع في النقص حتى منع السقائين من الملى من الخليج في عاشر الشهر، وصار الماء على ستة عشر ذراعًا وذلك في رابع عشر بابه، فبادر الناس إلى الزراعة واشتغلوا بها، فلما كان في النصف منه - وذلك في أواخر بابه - وقع برقٌ متوال من الغروب إلى أن مضت من الليل هجعةٌ فوقع رعدٌ شديدٌ مزعجٌ فتمادى، ثم أعقبه المطر كأفواه القرب إلى أن مضى ثلث الليل الأول، فدَلقت (٢) السقوف من البيوت الكبار فضلًا عن وسقطت أماكن، وانزعج الناس انزعاجًا ما عهد مثله في هذه الأزمنة في مثل هذا الوقت، وأصبحت أزقَّة البلد كالخلجان وكثر الوحل جدا، وشرع الناس في تنظيفها ولم يُعهد مثل ذلك بالقاهرة إلا إذا أمطرت مرارًا ووصل الخبر بأنها أمطرت بالبهنسا بردًا قَدْرَ بيضة الدجاجة والحمامة، وهلك بسبب ذلك الحيوان شيء كثيرٌ جدًّا.
* * *
وفي ربيع الأول شغب الجند على الأُستادار ونهبوا بيته بسبب تأخير النّفقة، فأحضر السلطان الأستادار فضربه بحضرته ثم خلع عليه واستمر، وأنفق من خزانته شهرين، وعمل المولد على العادة في اليوم الخامس عشر فحضره البُلْقينى والتَّفَهْنى وهما معزولان، وجلس القضاة المستقرّون على اليمين وجلسا (٣) على اليسار والمشايخ دونهم، واتَّفق أن السلطان كان صائما فلما مُدَّ السماط جلس على العادة مع الناس إلى أن فرغوا، فلما دخل وقتُ المغرب صلوا ثم أحضرت سفرة لطيفة فأكل هو ومن كان صائما من القضاة وغيرهم.
стр. 1517
وفى شهر ربيع الآخر التزم نور الدين الطنبَدي - كبير التجار بالقاهرة - أن يأخذ من السلطان ستين ألف دينار ليتجر له فيها، ويقوم للأُستادار بالربح، وكان له به عناية لأنه كان صديقه وصديق أبيه من قبله فأجيب لذلك، فشرع في جلب السكر وأن لا يباع إلا بأمره، ودخل في أمور شنيعة، وكثر الدعاء عليه. وعورض كثيرا من أهل الدولة في ذلك، واستمر (١) ذلك إلى آخر السنة.
* * *
وفي ربيع الآخر أمر السلطان نوّاب القضاة أن لا يُحبس أحدٌ على أقل من ألف درهم.
وفيه نزل السلطان من القلعة متخفيا إلى القاهرة فدخل بيت القاضي ناظر الجيش بغتةً فاندهش الرجل وقدَّم ما تيسر ثم صَبَّحه بألفي دينار وخَيْلٍ وبغال: تقدمة.
وفي هذا الشهر نودى على الفلوس أن يباع الرطل المُنَقَّى منها بثمانية عشر درهمًا، ففرح من كان عنده منها حاصل، وحزن من عليه منها دينٌ لما يقاسونه من نوّاب الحكم في إلزامهم إعطاء ذلك بالوزن الأول، وفيه بحث كثير، وبَيَّنْتُ أَنَّ ذلك لا يازم على الإطلاق بل لابد فيه من شروط. واقتضى الحال كتابةً مراسيم للشهود أن لا يكتبوا وثيقةً في معاملة ولا صداقٍ ولا غيره إلا بأحد النقدين: الذهب والفضة، بسبب شدة اختلال أحوال الناس واختلاف أحوال الفلوس التي صارت هي النقد عندهم في عرفهم، ومع عِزَّة الفلوس وعدمها كانوا يكتبون ذلك بالفلوس مع تحققهم أن لا وجود لها وأن لا حقيقة لذلك الإقرار. ثم إذا نودى عليها بأن يزاد سعرها يصير من كُتِبَت له يطالب بذلك الوزن، فأجحف ذلك بالناس فحُسِمت هذه المادة من هذا التاريخ على يد من وفقه الله لذلك وهو كاتبه، ونادي الاختلاف بسبب ما كان كتب أولًا فلم يزل يضمحل بحمد الله تعالى.
* * *
وفي رجب استقر جلال الدين محمد بن بدر الدين محمد بن مزهر في كتابة السر الشريف عوضًا عن أبيه وهو شاب أمرد كثير الخجل والسكون، فباشره معه شرف الدين
стр. 1518
سِبط بن العجمى وقام معه بأعباء الوظيفة إلى أن انفصل عن قريب، وكوتب الشريف بن عدنان كاتب السر بدمشق فتباطأَ في الحضور.
وفى يوم الجمعة الثاني من شعبان تأخَّر اللحم عن المماليك الذين في الطباق يوم الخميس فأصبحوا يوم الجمعة (١) فصبح بيت الوزير جمعٌ فهجموا عليه ببيته الذي بحارة زويلة فكسروا أبوابه ونهبوا ما فيه، وكُسِرت عدة أوانٍ من الصينى واستَلَبُوا ثياب النّساء والجوارى وأفسدوا رخام منزله، وهرب الوزير في بيت بعض الجيران.
ثم ثارت في سادس شعبان فتنةٌ بين جماعة من المماليك السلطانية وبين الأمير الكبير جارقُطْلِي، فأرادوا أن يهجموا عليه فأُغلقت الأبواب فأرادوا إحراق الدار فبرز إليهم راكبًا فنكصوا عنه ودخلوا بين القصرين، فوقعت في العوام هجّة فأُغْلِقت أبواب المدينة وأمْسِك من مماليك الأمير الكبير ثلاثة أنفس، فضربوا بحضرة السلطان، فبلغ ذلك الأمير الكبير فغضب، وسكنت الفتنة؛ ثم إن السلطان تلطف بالمماليك (٢).
* * *
وفى أوائل شعبان هجم ساحل الإسكندرية خمسة مراكب للفرنج فعبثوا، فبادر عبد القادر بن أبي الفرج الأستادار وساق معه جماعة من عرب البحيرة ودخل الإسكندرية، فقويت بهم نفوس أهل الثغر ونكص الفرنج على أعقابهم بعد أن جرح منهم جماعة، وكفى الله المؤمنين القتال.
وفى ذي القعدة هرب الفرنج الجنوية الذين كانوا مقيمين بالإسكندرية وفي جهتهم لتجار المسلمين أكثر من عشرين ألف دينار، وكانت إقامتهم بالإسكندرية قد طالت حتى إن أكثرهم إنما ولد بها. وكانوا يخرجون في كل يوم بعد عشائهم فيمشون بالساحل على عادة لهم بعد الأكل، فلما كثرت عليهم المظالم التي لم يألفوها رتبوا أمرهم وهربوا في
стр. 1519
بعض المراكب، ووجدوا في نواحيهم مركبين حضرا من بلادهم فردوهم فانزعج السلطان والمسلمون لذلك؛ وكان ما سنذكره.
* * *
وفى تاسع ذي القعدة كسر الخليج الناصري وكان النيل وصل في أول يوم من ذي القعدة وهو يوم الجمعة إلى خمسة عشر ذراعًا (١) وشيء، ثم وصل في رابعه إلى تسعة عشر من السادس عشر، وتوقف أربعة أيام فضج الناس وأقبلوا على شراء القمح وغيره خشية استمرار التوقف، فجمع السلطان القضاة والقراء (٢) عنده وقرئ عنده القرآن وابتهلوا بالدعاء، وأصبح في اليوم الثامن فركب إلى الآثار فزار ودعا وتصدق، فاتفق أنه أوفى في صبيحة ذلك اليوم، وباشر كَسْر الخليج محمد ولد السلطان.
وفى نصف ذى الحجة استقرّ الشريف شهاب الدين أحمد بن علي بن عدنان الحسنى نقيب الأشراف بالشام في كتابة السر بمصر، وأُلْبِس خلعةً خضراء بطرحةٍ خضراء، وصرف جلال الدين بن مُزْهر وكان قد استقر فيها بعد والده ولم يعهد في الدولة التركية وظيفة كاتب السر تُمْتَهن هذا الامتهان حيث يتولاها شاب صغير وتدور بين ثلاثة في سنة واحدة، ولم تكن العادة أن لا يتولاها إلا مَنْ جُرِّب عقْلُه ومعرفته، ثم لا ينفصل عنها إلا بالموت غالبا.
* * *
وفي جمادى الآخرة حاصر ابن قَرَايُلُك مدينة خَرْت بِرْت فبلغ ذلك السلطان فجرد عدة من الأمراء والمماليك وأنفق فيهم، وأرسل إلى المماليك الشامية بالخروج معهم فآل أن وصلوا، فصالح قَرَايُلُك النائب وتسلمها قرايلك فوصل العسكر بعد ذلك إلى الرّها فانتهبوها وقتلوا من أهلها مقتلة عظيمة وأفحشوا في ذلك، وأسروا ولد قَرَايُلُك وأرسلوه إلى القاهرة، واتفق ورود الخبر بذلك يوم وفاء النيل في تاسع ذي القعدة.
وفى شوال وعك كاتبه ثم عوفى في ذى القعدة فاستعرض أهل السجون فصولح من له دين من مال كاتبه وحصل لجمعٍ كثير من الناس فرح كبير، وأما صاحب الدين فليأسه
стр. 1520
من حصول شيء من المسجون. وأَما المسجون فلما كان يقاسيه من الحر وغيره من الضيق، فلله الحمد.
* * *
وفيها نازل إسكندر (١) رسل محمد بن قَرَا يوسف [بن قرا محمد] السُّلطانية وقتل متوليها من جهة شاه رخ ملك الشرق ووقعت بينه وبين إسكندر بن قرا يوسف وقعةٌ فانكسر إسكندر وانهزم إلى الجزيرة وقد تمزَّق عسكره.
وفي هذه السنة غزا شاه رخ ملكُ الشرق ابن قرا يوسف فأوقع به خارج تبريز، ودخل شاه رخ تبريز فخربها بحيث صارت قاعًا صفصفًا وجَلا أهلها عنها إلى سَمَرْقَنْد، وأعقب رحيله عنها جرادٌ عظيمٌ أفسد الزرع كله، وعائت الأكراد فيمن بقى فما أبقوا لهم شيئا.
وفيها أغار قرايلك (٢) على الرها فنازلها وأخذ قلعة (٣) خَرْتَ بِرْت وسلّمها لولده، فتوجهت العساكر إليها فحاصروا الرّها وبها هابيل بن قرايلك واسمه عثمان فلم يزالوا حتى أخذوها ونهبوا وأفحشوا، حتى بلغنى - لما دخلت حلب - أنهم فعلوا فيها شيئا أشد مما فعل التتر بدمشق من التخريب والتحريق والفساد بالنساء والصبيان وقتل الأنفس بالسيف والتحريق، والله الأمر.
* * *
وفيها انقطع جسر زِفْتَه فغرق البلد وخربت منه عدة دور.
стр. 1521
وفي أوّل هذه السنة تَلَفَّتَ السلطان إلى المتجر بإغراء الخزندار له، فأمر بتجهيز مالٍ إلى جدة ليُشترى له، وحجر على الفلفل أن يشترى لغيره، وألزم جميع التُّجار أن لا يتوجه أحدٌ ببضاعة إلى الشام ولا غيرها بل إلى القاهرة ولا يُباع إلا بالإسكندرية بعد أن يكتفى السلطان.
وألزم الفرنجَ بشراء الفلفل بزيادة خمسين دينارًا عن السعر الواقع، فاشترى الفرنج شيئا ورجعوا بأكثر بضائعهم وما معهم من النقد إلى بلادهم، فلم يحصل للسلطان مقصوده، وحصل على التجار من البلاد ما لا يوصف، وتمادى الأمر على ذلك ولا يزداد الأمر في كل سنة إلا شدة.
وفيه حجر على باعة الثِّياب البعلبكي والموصلى والبغدادى، ثم بطل ذلك.
وفيه حجر على السكر مدة ثم بطل ذلك أيضا.
* * *
ذكر من مات في سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة من الأعيان
١ - أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن أبي بكر بن عبد الوهاب المرشدى المكي، أخو محمد (١) وعبد الواحد، ولد سنة (٢) ستين وسبعمائة، وسمع من عبد الرحمن بن علي التغلبي بن القارى جزء ابن الطلاية" أنا الأبرقوهى، ومن محمد بن أحمد بن عبد المعطى (٣) "صحيح ابن حيان" أنا الرضى والصفى الطبريان، ومن عبد الله بن أسعد اليافعي (٤) "صحيح البخاري؛ ومن عز الدين بن جماعة جزءًا من "مناسكه الكبرى" ومن غيرهم.
стр. 1522
وأجاز له الصلاح بن أبي عمر وابن أميلة وابن الهبل وابن قواليح وأبو البقاء السبكي وآخرون، وحدّث. ومات بمكة يوم الخميس رابع ذي القعدة، وقد حدث قبل موته بسنة "بشرح السنة" للبغوى بإجازة من بعض شيوخه، وحدّث قبل موته بشهر "بالشمائل" بإجازته من الصلاح المذكور.
٢ - أحمد بن عبد الرحمن بن عوض بن عبد الله، الإمام شهاب الدين الطنْتَدائي الشافعي، وُلد سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، واشتغل وهو كبير فحفظ "الحاوى" وعدة كتب؛ ودخل القاهرة وتفقّه على جماعة، منهم: البُلقيني وابن المُلَقِّن والإنباسي، ومات في ثالث شوال.
وقد كتب شرحًا على "جامع المختصرات" في سبعة أجزاء، و [كتب] توضيحها في مجلَّد، وذكره ابن قاضي شهبة وقال: "حفظ ما ينيف على خمسة عشر ألف بيتِ رجزٍ في عدة علوم، منها تفسير الشيخ عبد العزيز الديرينى، ونظم المطالع للموصلى".
٣ - أحمد بن عمر بن أحمد بن عبد الله (١) بن عيسى، الشاب التائب شهاب الدين المصرى الشاذلى نزيل دمشق، ولد في ذي الحجة سنة وستين، واشتغل بالفقه قليلًا سبع وتعانى المواعيد فمهر فيها، وكان (٢) يلقى من حفظه عيانا، وطاف البلاد في ذلك فدخل اليمن مرتين ثم العراق مرارًا، ودخل حصن كيفا وكثيرا من بلاد المشرق وأقام بدمشق مدة وحج مرارًا، وكان فصيحًا ذكيًّا يحفظ شيئًا كثيرًا وله رواجٌ زائد عند العوّام، وبنى عدة زوايا (٣) بالبلاد.
مات في يوم الجمعة غرّة صفر (٤).
٤ - برسْبُغَا (٥) الجُلْباني، تقدّم في أيام الناصر فرج بواسطة عبد اللطيف الطواشي وكان
стр. 1523
يخدمه واستقر في الدويدارية، وكان فصيحًا عارفا، لا يَظُنّ من لا يعرفه إلا أنه من أولاد الناس، وكان نفي في الدولة المؤيّدية إلى القدس ثم أعيد في الدولة الأشرفية وباشر الدواليب السلطانية بالصعيد، ومات في شهر رجب.
٥ - رابعة بنتي، زوج شيخ الشيوخ محب الدين بن الأشقر، وكان مولدها في رجب سنة إحدى عشرة وكانت قد تأهلت بشهاب الدين بن مكنون (١) قبله، وسمِعت معى في سنة خمس عشرة من الشيخ زين الدين بن حسين بمكة، وأجاز لها جمعٌ كبير من أهل مصر والشام. عوّضها الله الجنة.
٦ - حمد (٢) بن عبد الله الآمدي، سعد الدين، نزل بطرابلس وشغل الناس في "الحاوى" ولم يكن مشكورًا في دينه. مات في جمادى منها.
٧ - خُشْرُم (٣) بن دُوغَان [الحسينى] بن جعفر بن عبد (٤) الله بن جماز بن منصور بن جماز، قتل مع رفيقه كما سبق ذكره.
٨ - عبد الغنى (٥) بن جلال الدين عبد الواحد بن إبراهيم الرشيدي ثم الملكي، نسيم الدين، اشتغل كثيرًا ومهر وهو صغير، وأحبّ الحديث فسمع الكثير وحفظ وذكر، ودخل اليمن فسمع من الشيخ مجد الدين، وكتب عليَّ الكثير ومات مطعونًا بالقاهرة.
٩ - عبد المعطي، زين الدين الكوم ريشى الحنفى، مات في هذه السنة وقد تقدم خبره في حوادث سنة (٦) ستٍّ عشرة وثمانمائة.
стр. 1524
١٠ - عجلان (١) بن نُعَيْر بن منصور بن جماز بن شيحة بن قاسم بن مُهَنَّا بن حسين بن مهنَّا بن داود بن قاسم بن عبد الله بن طاهر بن يحيى بن الحسين بن علي بن أبي طالب العلوى الحسينى أمير المدينة، قُبض عليه في سنة إحدى وعشرين وثمانمائة فسُجن ببرجٍ في القلعة ثم أفرج عنه لمنامٍ رآه القاضي عز الدين عبد العزيز بن علي الحنبلي فقصّه على المؤيد فأمر بالإفراج عنه، (٢) قُتِل في حَرْب في ذى الحجة وقتل فيها أيضا قريبه خُشْرُم بن دوغان بن جعفر بن هبة بن حجاز بن منصور كما ذكر (٣).
١١ - على بن حسين بن علي الحاضري، نور الدين؛ وُلد في جمادى الأولى سنة خمسٍ وخمسين وسبعمائة، واشتغل فباشر عدّة وظائف سلطانية، وكان كثير التودّد طلق الوجه حسن العشرة، وكان في دولة مِنْطَاش قد أُهين ونُفى، ثم عظُم لما عاد الظاهر وتولى ابن أخيه بيبرس الدويدارية. مات في العشرين من شعبان وقد شاخ ورقَّ حاله.
١٢ - علي بن محمد بن محمد بن محمد بن يوسف التبريزي، نور الدين، كان أبوه من كبار التجار ونشأ هو في كنفه ثم مات أبوه، واشتهر بالتجارة أخواه الجمال محمد والفخر أبو بكر؛ وتعانى هذا السفر إلى بلاد الحبشة في التجارة فاشتهر بذلك وصارت له عندهم منزلة وصورة كبيرة ووجاهة، وصارت كتبه (٤) عندهم مقبولة لقيامه في خدمتهم بما يرومونه من النفائس التي يُحضرها لهم من القاهرة وغيرها، فلما أكثر من ذلك نقم عليه بعض الناس موالاته لكفار الحبشة فنسبوه إلى شراء السلاح لهم والخيول، وعثر عليه معه مرةً بشيء من ذلك في الدولة المؤيدية فاستُتيب فأقسم أن لا يعود.
فلما كان في أثناء العام الماضي (٥) زعم بعض من يتعصب عليه أنه توجه رسولًا من ملك الحبشة إلى ملك الفرنج يستحثه على المسلمين، وهذا عندى لا يقبل لأن معتقد الطائفتين
стр. 1525
مختلف، ويقال إنه دخل بلاد الفرنج بسبب تحصيل صليب عندهم بلغ أمره ملك الحبشة فأحب أن يراه، ولما شاع ذلك عنه خشى على نفسه فنزل في مكان بالقرب من الخانقاه الناصرية بسرياقوس فنمَّ عليه عبد السلام الجبرتى ووشى به إلى السلطان، فأمر والى القاهرة فقبض عليه فوجد معه أمتعة من ملابس الفرنج وشيئًا من سلاح وناقوسين من ذهب وكتابًا فيه مراسلة من صاحب الحبشة يستدعى منه أشياء يصوغها من صلبان ونواقيس ويحضه على أن يشترى له مسمارًا من المسامير التي سُمر بها المسيح بزعمهم، والكتاب كله بالحبشية فعُرب وحُبس، ثم عُقد له مجلسٌ ففَوَّض السلطان أمره إلى المالكي، وذلك في حادي عشر جمادى الأولى.
فتسلَّمه المالكي (١) وسمع عليه الدّعوى فأنكر، فشهد عليه صدر الدين بن العجمي والشيخ نصر الله وآخرون، ومستند (٢) أكثرهم الاستفاضة فأُعْذِر إليه فيمن شهد عليه فادعى عداوة بعضهم، وأُعْذِر لبعضهم فحكم بقتله بشهادة من أعذر لهم، فضربت عنقه بين القصرين تاسع عشر الشهر (٣) المذكور وهو يعلن بالشهادتين وقراءة القرآن ويتبرّأ من كل دين يخالف دين الإسلام، فتسلَّمه أهله فغسّلوه وصلوا عليه ودفن.
ثم بعد أيام أعاد السلطان لأهله ما كان وُجد له. وتبين لأكثر الناس أنه مظلوم، وذكر لي خادمى فاتن الطواشي الحبشي - وكان على هو الذي جلبه من بلاد الحبشة - أنه كان ببلاد الحبشة يواظب على الصلاة والتلاوة ويؤدّب من لم يُصَلِّ من أتباعه، وعنده فقيه يقرئ أولاده وأتباعه القرآن. وللمسلمين به نفعٌ وهم بسببه في بلاد الحبشة في إكرام واحترام، ولم يمتّع من شهد عليه بل لحق به بعد قليل كما سيأتي. والله أعلم بغيبه.
١٣ - على بن محمد بن الصفى، علاء الدين بن صدر الدين بن صفّ الدين الأرْدَبيلي شيخ الصوفية بالعراق، قدم دمشق سنة ثلاثين ومعه أتباعه فحج وجاور، ثم قدم دمشق
стр. 1526
ولده ومعه جمع كبير، وذكروا أنّ له ولوالده بتلك البلاد أكثر من مائة (١) ألف مريد. ومات علاء الدين المذكور بعد رجوعه من الحج ودخولِه بيت المقدس في شهر ربيع الآخر.
١٤ - على السفطى (٢)، نور الدين، كان يتعانى الشهادة عند الأمراء فباشر نظر المارستان مدة ثم ولى كتابة بيت المال والكسوة، ومات (٣) في ليلة الثلاثاء سلخ جمادى الآخرة وقد جاوز الخمسين.
١٥ - محمد بن إبراهيم بن أحمد، الشيخ شمس الدين الصّوفى [الضرير] ناظر المرستان، ولد سنة تسع وأربعين، واشتغل بالعلم وأحب المذهب الظاهري والانتماء إلى الحديث، ورافق برهان الدين بن البرهان لما دخل بغداد، ثم اتصل بالملك الظاهر برقوق وقام معه فلما عاد إلى السلطنة رعي له ذلك وولاه نظر المرستان، ثم خشى منه فاستأذنه في الحج وتوجه فدخل اليمن وجال في البلاد، ثم عاد بعد موت الظاهر بمدة فأقام بالقاهرة متجمعًا، وكان يرجع إلى دينٍ وتعبد، وعمى مدة إلى أن مات في مسجده (٤) بالكافورى في المحرم منها.
١٦ - محمد بن إبراهيم بن عبد الله، الشيخ شمس الدين الشَّطَنُوفى (٥) الشافعي، وُلد بعد الخمسين وقدم القاهرة شابًّا واشتغل ولم يُرزق الإسناد العالى بل كان عنده عن التقى الواسطى ونحوه، واشتغل بالفقه ومهر في العربية، وتصدّر بالجامع الطولوني في القراءات
стр. 1527
وفي الحديث بالشيخونية، وانتفع به الطلبة لانتصابه لشغلهم تبرعًا بالجامع الأزهر، وكان كثير التواضع مشكور السيرة. مات في ربيع الأول بعد علة طويلة.
١٧ - (١) محمد بن علي، الحافظ تقى الدين أبو الطيب الفاسي، ثم المكي المالكي مفيد البلاد الحجازية وعالمها، وُلد سنة خمس وسبعين وسبعمائة، وأجاز له بإفادة الشيخ نجم الدين المَرْجاني ابنُ عوض وابن السّلار وابن المحب وجماعة من الدماشقة، وعنى بالحديث بعد التسعين من جماعة ببلده، ورحل إلى القاهرة والشام مرارًا، وولى قضاء بلده للمالكية، وهو أول مالكى ولى القضاء بها استقلالًا.
وصنَّف "أخبار مكة" وأخبار ولاتها وأخبار من اجتاز (٢) به من أهلها عدة وغيرهم مصنفات طوال وقصار؛ وذيّل على "العبر" للذهبي، وعلى "التقييد" لابن نقطة، وعمل "الأربعين المتباينة" و "فهرست (٣) مروّياته".
وكان لطيف الذات حسن الأخلاق عارفًا بالأمور الدينية والدنيوية، له غورٌ ودهاءٌ ومعرفةٌ وتجربةٌ وحُسنُ عشرةٍ وحلاوة لسان، ويخلب القلوب بحسن عبارته ولطيف إشارته، ورافقنى في السماع كثيرًا بمصر والشام واليمن وغيرها، وكنت أودّه وأعظِّمه وأقوم معه في مهماته، ولقد ساءني موته وأَسفْتُ على فقد مثله، فلله الأمر.
وكان قد أصيب ببصره وله في ذلك أخبار ومكَّن من قدْحه فما أطاق ذلك ولا أفاده، مات في رابع شوال.
١٨ - محمد بن سعيد الصالحي شمس الدين، نسبةً للصالح صالح بن الناصر، وكان سعيد ولى بشير الجمدار، وبشير مولى الصالح فنُسب شمس الدين لمولى مولاه، وكان
стр. 1528
أحد القراء في الجوق بالنغم، ويُلقب "سُوَيْدَان" وهو آخر الحلبة (١) الأولى من تلامذة الشيخ خليل المشبب، وممَّن قرأ مع الزرْزارى وابن الطباخ، [مات وقد] جاوز السبعين وقد حظى في أيام الناصر فرج، وولى حسبة القاهرة مرارًا، وكانت بيده مشيخة العلائية وإمامة القصر وغير ذلك. مات (٢) في يوم الإثنين السابع من صفر.
١٩ - محمد بن عبد الله بن حسن (٣) المعروف بابن المواز، شمس الدين، اشتغل كثيرًا ونزل في بعض المدارس وكان يؤدّب أولاد أبي هريرة بن النقاش، والغالب عليه الانجماع، ومات فجأةً في ربيع الأول.
٢٠ - محمد بن عبد الله، شمس الدين الزفتاوى الملقب "فَتْفَتْ"، كان يتكسّب بالشهادة ثم عمل التوقيع وتقدّم في ذلك، وأقرأ أولاد بعض الروساء، وكان ينوب في الحكم في بعض المراكز، وكان كثير التلاوة خيّرًا سليم الباطن. أكْمَل الثمانين.
٢١ - محمد بن عبد الوهاب بن محمد، الشيخ ناصر الدين البارِنْباى (٤) الشافعي، ولد قبيل السبعين بيسيرٍ، وقدم القاهرة فاشتغل ومهر في الفقه والعربية والحساب والعروض وغير ذلك، وتصدر بالجامع الأزهر احتسابًا. وكان من خيار الناس، ودرّس (٥) وخطب وأفتى وأقرأ مدةً بالقاهرة ودمياط، وقد ذكرتُ ما جرى له مع شمس الدين البِرْماوي في السنة الماضية، وأصاب ناصر الدين عقب ذلك فالجٌ فأبطل نصفه واستمر به موعوكا إلى أن مات في ليلة الأحد حادى عشر ربيع الأول وقد (٦) ناف على الستين.
٢٢ - محمد، ويدعى الخضر بن علي بن أحمد بن عبد العزيز بن القاسم النوَيْرِي الشافعي، ولد في ربيع الآخر سنة اثنتين وستين، وتفقَّه قليلًا، وأُسْمِع على العزّ بن جماعة
стр. 1529
وابن حبيب وابن عبد المعطى والأميوطى ومن بعدهم، وأجاز له البهاء بن خليل والجمالُ الإسنوى وأبو البقاء السّبكي وغيرهم، وناب في الحكم عن قريبه عز الدين بن محب الدين بن أبي الفضل، وولى قضاء المدينة مدةً يسيرة ولم يصل إليها بل استناب ابن المطرى وصُرف، وكان ضخما جدًّا. مات في رابع عشر ذي الحجة وقد دخل السبعين وانصلح بآخره. وهو والد أبي اليُمْن خطيب الحرم.
٢٣ - محمد بن بدر الدين محمد بن أحمد بن مزهر الدمشقي، بدر الدين، وُلد سنة ستٍ وثمانين وسبعمائة، ونشأ في كنف أبيه ثم مات أبوه عنه وهو صغير فكفله زوج أخته محي الدين أحمد المدني، وتولَّى التوقيع عنده لما ولى كتابة السرّ بدمشق فاتّصل بالمؤيّد وخدمه (١)، ثم سلَّمه إلى نائب القلعة يَشْبك بن أزْدمر فحبسه عنده وضيّق عليه إلى أن وقع الإفراج عنه بعد قتل الناصر فقدم مع التجريدة إلى القاهرة فولى نظر الإصطبل وباشر توقيع الدست ابن البارزي، ثم صار نائب كاتب السر في مباشرة (٢) والده فمهر إلى أن استقر فيها استقلالًا، فكانت مدته في ذلك نيابة واستقلالًا نحو تسع سنين، لأنه باشر ذلك عقب وفاة ناصر الدين بن البارزي في ثامن شوال سنة ثلاث وعشرين، وباشر في غضونها نظر الجيش نيابةً عن ناظر (٣) الجيش لما حج في سنة ستٍّ وعشرين.
وكان فصيحًا مفوّهًا عارفًا بالأمور الدنيوية، عاريًا عن معرفة الأمور الأخروية، إنَّما همه الأعظم تحصيل الدرهم ولو كان فلوسًا حتى حصل في هذه المدة ما يزيد على مائتي ألف دينار تمزَّقت بعده وبقى منها ما اشتراه من العقار فإنه بقى لذريته.
وكان ابتداء مرضه في أول ربيع (٤) الآخر، حصلت له ذبحة في حلقه فصار ينفث الدم قليلًا ولم ينقطع عن الركوب إلى الحادى والعشرين من الشهر المذكور، وحصل له
стр. 1530
رعافٌ كثير حتى أفرط فانقطع بسببه ولازمه الأطباء وأكثروا له من الحقن والأدوية إلى أن استفرغوا قوته كلها مع ما يخرج من أنفه من الدم، ثم تنوّعت به الأمراض من القولنج وغيره إلى أن مات وأُشيع أنَّه سمَّ وكان هو يلوح بذلك، ولم يغب ذهنه في طول مرضه، وحُرِّض مرارًا على أن يوصى ببرٍّ أو صدقة أو خلاص ذمّةٍ فلم يُقدَّر له ذلك، ومات بأحماله لم يحطّ عنه منها شيء إلا إن كان اغتيل فإن في ذلك كفارة كبيرة؛ وكثر الثناء السّيئ عليه بعد موته بسوء معاملته وطمعه، والله يسمح له، فلقد كان يقوم في الحق أحيانا، وله برّ وصلةٌ وصدقةٌ لبعض الناس ومحبةٌ في الصالحين ومروءةٌ وعصبيةٌ لأصحابه. رحمه الله تعالى.
واستقر بعده في كتابة السر ولده جلال (١) الدين محمد، لُقِّب بلقب أبيه بدر الدين ولم يستمر ذلك، وخُلع على شرف الدين سبط ابن العجمي بنيابة كتابة السر، فَتَلَقَّى الأمور عن جلال الدين لصغر سنه. ويقال إنه أخذ لأجل ذلك من مال أبيه مائة ألف دينار.
стр. 1531
سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة
في المحرَّم استقر الوزير كريم الدين في نظر الديوان المفرد مضافًا للوزارة.
وفيه أمطرت في حمص ضفادع (١) خضراء امتلأت منها الأزقَّة والأسطحة، ووصل الخبر بذلك.
وفيه شَغَب الجندُ المماليكُ فزِيد في أرزاقهم، كلُّ واحدٍ أربعمائة، فسكتوا.
وفيها رجع إسكندر بن قَرَا يوسف إلى تبريز (٢) فملكها بعد رحيل شاه رخ، ووقع بها الغلاء المفرط حتى أكلوا الكلاب.
وفي شوّال أغار قرْقُمَاس بن حسين بن نُعير على ابن عمه مُدْلِج بن علي بن نُعيْر، فانهزم قرْقُمَاس ودخل مدلج ومن معه بيوت قرْقُمَاس فنهبوها، فكر عليهم قرقُماس بمن معه فقُتل مدلج وذلك في ذي القعدة وعُمره نحو العشرين سنة، فقدم سليمان بن عذرا إلى القاهرة فأمَّره الأشرف على العرب عوضًا عن. مدلج فوصل إلى حلب في سابع ذي القعدة، وورد على يده مثال الأمراء المجردين أن يتوجهوا مع نائب حلب ليقضوا على قرْقُمَاس، فأرسل يطلب الأمان فورد المثال السلطاني بطرده عن البلاد، فتوجه الجميع من حلب يوم الجمعة سابع ذي القعدة وقرْقُمَاس يومئذ محاصرٌ مدينة جَعْبر، فأسرعوا السير فأدركوه وهو على المشهد تجاه جَعْبر على شاطئ الفرات، فلما رآهم ركب وانهزم فركبوا في أثره، وتشاغل بعض العرب الذين معهم والعسكر بالنهب واستمر العسكر في أثر قرْقُماس فأبْعد عنهم فنزلوا وقد تعبت خيولهم وعلمانُهم، فكر فيهم قرْقُمَاس ومن معه فقتلوا الدّشاري
стр. 1532
وكان على الساقة، وأخذوا غالب الخيول التي وقعت والتي وجدوها، وقُتِل من العسكر جماعة في تلك الوقعة ونُهبت بعض خيامهم وأثقالهم ورجعوا إلى العرب في إثرهم يتخطفونهم، ولما تحقَّق قرْقُمَاس رجوعهم خشي عاقبتهم فتوجّه إلى جهة المشرق فدخل الأمراء إلى حلب سابع عشر ذي القعدة، وقد نُهِب من أثقالهم وخيولهم وسلاحهم شيء كثير جدا.
وفيها ورد كتاب شاه رخ ملك الشرق يستدعى من الأشرف هدايا فيها كتبٌ من العلم منها "فتح (١) البارى بشرح البخاري" فجُهِّزت (٢) له ثلاث مجلَّدات من أوائل الكتاب، عاد طلبه لها في سنة تسعٍ وثلاثين فلم تَتَّفِق تتمة الكتاب.
وفيها نقض عبد الواحد بن أبي حمو بيعة أبي فارس صاحب تونس، فجهز أبو فارس إليه ابن أخيه ابن الرّكاعنة فظفر بعبد الواحد عمه فقتله واستقر في مملكة تلمسان في ذي القعدة منها.
* * *
وفيها مات أزبك الدويدار الذي كان قد نفى إلى القدس بطّالًا فمات في شهر ربيع الأول منها بعد ضعفٍ طويل.
وفي مستهل جمادى الأولى سافر الناس إلى مكّة ليجاوروا بها صحبة سعد الدين بن المرأة، وكان استقر ناظرًا على مكس البهار الوارد عليه في جدة.
* * *
وفيها هلك صاحب الحبشة إسحق بن داود بن سيف أرعد الحبشي الأمْحَرِى في ذي القعدة، وأُقيم بعده ولدُه أندراوس بن إسحق فملك أربعة أشهر وأقيم عمه خرنباى بن داود فهلك في سبعة أشهر، فأُقيم سلمون بن إسحق بن داود المذكور فهلك سريعا، فأُقيم
стр. 1533
بعده صبيٌّ صغيرٌ إلى أن هلك في الطاعون الذي كان عندهم سنة تسع وثلاثين فذكرت ذلك هنا تحصيلًا للفائدة، وكانت ولاية إسحق إحدى وعشرين سنة منذ مات أبوه (١).
وفى زمانه حُضِّرتْ دولته بعد أن كانت همجًا، وكان أبوه يركب وهو عريان كزى بقية الحبشة، فصار هذا يركب في الملابس الفاخرة وشعار الملك، والسبب فيه أن قبطيا كاتبا يقال له فخر الدولة فرّ من حادث حدث له فدخل بلاد الحبشة بكتاب البترك، فحظى عند إسحق ورتَّب له أمور المملكة الأموال وصادف دخول أمير من الجراكسة يقال له "ألْطَنْبُغا مَفْرَق" وكان يعرف أنواع العمل بالسلاح والفروسية، فعلَّم جماعةً منهم رَمْىَ النشاب والطعن بالرمح والضرب بالسيف وكانوا لا يعرفون القتال إلا بالحراب، وعمل له زَرْدخَاناه ملأها بجميع آلات السلاح مما كان يجلبه له التجار الذين يترددون إلى بلاده خصوصا عليّ بن التّوريزى الذي ذكرنا (٢) قتله قبل ذلك، وقد ذكرت خبره فيما مضى.
* * *
وفى المحرم جهز أبو فارس عسكرا في البحر إلى جزيرة صقلية فنازلوا أوّلًا "مَازَر" فأخذوها عنوةً، وحصروا مَالِقة فانهزم من جملة الجند العلوج واحدٌ فانهزم بهزيمته جماعة، واستشهد بعض الأعيان ثم تراجعوا وقبضوا على العلج وبعثوه إلى أبى فارس فأمدّهم بجيش.
* * *
وفيها كان الغلاء الشديد بحلب ودمشق، والطاعون بدمشق وحمص.
* * *
وفى يوم الخميس سادس عشرين صفر صُرف كاتبه والعينى عن وظيفة الحكم واستقر فيهما التَّفَهْنى والبُلقيني، واستقر صدر الدين بن العجمي في مشيخة الشيخونية عوض التَّفَهْني، وشُرط على الشافعيِّ عشرة نواب والحنفى ثمانيةٌ، والمالكي ستةٌ والحنبلي أربعة، ولا يُوَلّي أحدٌ من غير مذهبه.
стр. 1534
وفيها حجّر المحتسب إينال الشِّشْمَانى على جُلاب القمح من البيع، وشَغَل الطَّحانين جميعهم بشراء القمح من شُوَنِ السلطان واستمر على ذلك مدة، فكثرت الغلال من الجلَّابة، فانحط السعر كثيرًا والله الحمد.
وفي الرابع من ربيع الآخر يوم الأربعاء صرف إيثال من الحسبة وأُعيد العيني إليها.
وفى التاسع منه أُمر بإحضار نائب الإسكندرية الأمير آقْبغَا التَّمْرَازي. وقُرِّر في نيابتها شهاب الدين الدويدار المعروف بالأسود بن الأقْطع.
وفي خامس عشرينه استقرّ آقبُغَا الجمالي في وظيفة الأُستادارية عوضًا عن عبد القادر بن أبي الفرج لكونه كان التزم بحمل مائة ألف دينار بعد التكفية، ثم لما تمادى الحال عجز فآل أمره إلى الإهانة كما سيأتي ذكره، وسلَّم عبد القادر وألزامه لآقْبُغا ثم أُفرج عنهم على مال.
وفى رجب مات ياقوت - ويلقب فخر الدين الحبشى - مقدم المماليك، واستقر عوضه نائبه فيها خُشْقَدم الرومى، وكان من مماليك يشبك، واشتهر في أيام المؤيد وترقى وعُرف بالحرية.
وفى رجب أيضا قدم تغرى بردى المحمودي من دمياط فأُمر أن يتوجه إلى دمشق أميرًا كبيرا.
وفي ذي القعدة أُضيفت وظيفة الأُستادارية للوزير فباشرهما معًا، وقبض على آقْبُغَا الجمالي وعوقب ثم أفرج عنه ووَلِيَ كشف الجسور في أواخر السنة.
وفي ثامن عشره ركب السلطان إلى مصر، ثم ركب النيل إلى المقياس وخلَّقه، وفُتح الخليج بحضرته، وهى أول سنةٍ فعل فيها ذلك بنفسه.
* * *
وفي ذي القعدة ظهر للحاج من جهة البحر كوكبٌ يرتفع ويعظم ثم يرتفع منه شرر كبار، فلما أصبحوا اشتد عليهم الحر فهلك من المشاة عالمٌ كثيرٌ وتلف من جمالهم وحميرهم
стр. 1535
شيء كثير، واشتهر أمر الطاعون في الوجه البحرى فيقال مات بالمحلة خمسة آلاف نفسٍ، وبالنَّحرارية تسعة آلاف، ومات في الإسكندرية في كل يوم مائة وخمسون إلى غير ذلك وعُدَّ ذلك من النوادر لأنه وقع في قوة الشتاء، وكان قبل ذلك قد فشا في برَصَا وغيرها من بلاد الروم حتى بلغ عدد من يموت في اليوم زيادة على الألف على ما قيل، فلما استهلَّ ربيع الآخر كان عدة من يموت بالقاهرة اثنى عشر نفسًا، وفي آخره قاربوا الخمسين.
وفى أول يوم من جمادى الأولى بلغوا مائةً فنودى في الناس بصيام ثلاثة أيام وبالتوبة والخروج إلى الصحراء في اليوم الرابع.
وخرج الشريف كاتبُ السر والقاضي الشافعي وجمعٌ كثير من بياض الناس وعوامهم فضجوا وبكوا ودعوا وانصرفوا قبل الظهر، فكثر فيهم الموتُ أضعاف ما كان، وبلغ في اليوم ثلاثمائة في القاهرة خاصةً سوى من لا يَرِدُ الديوان، ووُجد بالنيل والبرك شيءٌ كثيرٌ من الأسماك والتماسيح موتى طافية، وكذا وُجد في البرية عدة من الظباء والذئاب.
* * *
ومما وقع فيه من النوادر أنَّ مركبا ركب فيها أربعون نفسا فقصدوا الصّعيد، فما وصلت إلى المَيْمون حتى مات الجميع، وأن ثمانية عشر صيَّادًا اجتمعوا في مكانٍ فمات منهم في يوم واحد أربعة عشر، فجهزهم الأربعة فمات منهم وهم مشاة ثلاثة، فلما وصل الأخير منهم إلى المقبرة مات.
وبلغ في سلخ جمادى الأولى إلى ألفٍ وثمانمائة.
* * *
وفي رابع جمادى الأولى بلغت عدّة الموتى بالقاهرة خاصةً في اليوم ألف نفس ومائتي نفس، ووقع الموت في المماليك السلطانية حتى زاد في اليوم على خمسين نفسا منهم. وانتهى عدَدُ من صُلِّيَ عليه في اليوم خمسمائة وخمسة أنفس، وضبط جميع المصليات في يوم واحد فبلغت ألفا نفس ومائتين وستة وأربعين نفسا.
стр. 1536
ووقع الموت في السودان بالقرافة إلى أن مات منهم نحو ثلاثة آلاف، وعزّ وجودُ حمَّالى الموتى وغُسَّالهم ومن يحضر القبور حتى عملوا حفائر كبارًا كانوا يُلْقُون فيها الأموات، وسُرق كثير من الأكفان ونَبَشَت الكلاب كثيرا فأكلتهم من أطراف الأموات، ووصل في الكثرة حتى شَاهَدتُ النعوش من مصلَّى المؤمنى إلى باب القرافة كأنها الرخم البيض تحوم على القتلى، وأما الشوارع فكانت فيها كالقطارات يتلو بعضها بعضا.
* * *
وفي جمادى الأولى وعك يوسف ولد السلطان فتصدّق عنه بوزنه فضة.
وفي نصف جمادى الآخرة جمع الشريفُ كاتب السر أربعين شريفا اسم كل منهم "محمد" وفرَّق فيهم مالًا، فقرأوا بعد صلاة الجمعة بالجامع الأزهر ما تيسر من القرآن، فلما أَن قَرُبَ العصر قاموا فدعوا وضجوا وكبّر الناس في ذلك إلى أن صعد الأربعون إلى السطح فأذَّنوا العصر جميعا وانقضوا وكان بعض العجم قال للشريف: "إن هذا يرفع الطاعون" ففعل ذلك فما ازداد الطاعون إلَّا كثرة حتى دخل رجب، فلما دخل رجب تناقص.
قرأتُ بخط قاضي الحنابلة محب الدين: "صحَّ لي أن شخصا يقال له على الحريري كان له أربعة مراكب فيها مائة نفر وعشرون نفرًا ما تواكلهم بالطاعون إلا واحدًا"، ولما اشتد الأمر بالطاعون أمر السلطان استفتاء العلماء عن نازلة الطاعون: "هل يُشْرَع الاجتماع للدعاء برفعه؟ أو يشرع القنوت له في الصلوات؟ وما الذي وقع للعلماء في الزمان الماضي؟ " فكتبوا الأجوبة وتشعّبَتْ آراؤهم، وتُحُصّل منها على أنه يشرع الدعاء والتضرع والتوبة، وتُقَدّم قبل ذلك التوبة والخروج من المظالم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنهم لا يستحضرون عن أحد من السلف أنهم اجتمعوا لذلك، إلا أن الاجتماع أرجيء للإجابة، وأجاب الشافعي بجواز القنوت لأنه نازلة، وقد صرّح الشافعية بمشروعية القنوت في النوازل، وأجاب الحنفى والمالكي بالمنع، فأجاب الحنبلي بأن عندهم روايتين ومن جَوَّزه وخصّه بالإمام الأعظم في غير يوم الجمعة، ثم طلب القضاة والعلماء إلى حضرة السلطان
стр. 1537
فقُرئت الفتاوى وفسّرها له محب الدين بن الأُقْصُرائي فأجاب: "أنا أتابع الصّحابة والسلف الصالح ولا أخرج، بل كل واحد يبتهل إلى الله تعالى في سره، ثم سألهم عن المراد بالمظالم التي كتبوا في الفتاوى أنهم يخرجون منها، فذكروا له أشياء مجملة فقال: "مهما تجدد بعد الظاهر برقوق أنا أزيله" فقال له الشافعي: "قد تجدد في هذه السنة ثلاث مظالم: التشديد على التجار الكارمية في بَيْع البهار للسلطان وإلا مُنعوا من التجارة فيه، والتّشديد على الباعة في طرح النطرون، والتّحكير على القصب أن لا يُزْرع إلا في بلاد السلطان" فلم يتحصل من الجواب عن ذلك كبير أمر.
وأمر السلطان القضاة والأمراء بأن يأمروا الناس بالتوبة والإقلاع عن المعاصي والإكثار من الطاعات ونحو ذلك؛ ونودى بالقاهرة بمنع النساء من الخروج إلى التُّرَب وتُوُعِّد المكارى بالشنق والمرأة بالتغريق، وانصرفوا على ذلك. ففى الحال دخل إليه بعض خدمه فأخبره أن ابنه الكبير محمد طعن.
وذكر القاضي زين الدين التَّفَهْنى أنه رآى في النوم حسام الدين دِرْعَان الخادم بالشيخونية - وكان من جملة من مات في هذه السنة بالطاعون - فسأله عن حاله فقال: "الجنة مفتحة للمسلمين! "، سمعْتُ ذلك منه، وكان حسام الدين رجلًا جيدًا كثير النفع للطلبة بالشيخونية منذ أقام بها وباشر الخدمة بها مباشرة حسنة.
وفيها في جمادى الآخرة أمر السلطان القضاة والحجاب وغيرهم أن لا يحبسوا أحدا على دين، فاستمر ذلك إلى شوال منها.
وحكى أبو بكر بن نقيب الأشراف - وكان باشر بعد موت أخيه شهاب الدين أمور كتابة السر قبل أن يلبس الخلعة - أن السلطان ورد عليه كتابٌ فلم يجد من يناوله إياه حتى استُدْعى مملوكٌ من بعض الطباق.
* * *
وفي ثامن عشر شعبان بلغ السلطان أن كمال الدين بن الهمام عزل نفسه عن مشيخة مدرسته الأشرفية، فسأل عن السبب في ذلك فأخبر أن وظيفةً شغرت عن صوفي فعين فيها
стр. 1538
شخصًا وعارضه جوهر اللَّالا، فنزل غيره فغضب وقام بعد أن حضر التصوف وقت العصر، فقال: "إشهدوا عليَّ أنَّني عزلتُ نفسى من هذه الوظيفة وخلعتها كما خلعت طيلساني هذا! "، ونزع طيلسانه ورمى به، وتحوّل في الحال إلى بيت له في باب القرافة، فلم يعرج السلطان عليه وقرر أمين الدين يحيى بن الأُقصرائي في المشيخة، ونِعْم الرجلان هما، فنزل أمين الدين لابن أخيه محب الدين بن مولانا زاده عن المشيخة بمدرسة جَانْ بك.
* * *
وفيها سقط العينى عن بغلته فانكسرت رِجْله فأقام عدَّة أشهر منقطعا.
واستقر محب الدين المذكور يقرأ عند السلطان السِّير والقصص التي كان يقرؤها العينى.
وفي ثامن عشري شعبان شكى برد بك الحاجب فطلبه، فادعى عليه الشاكي أنه ضربه بغير ذنب فقال: "طلبته فامتنع" فأرسله إلى الحنفى فحكم بعزله عن وظيفته فعُزل أياما ثم أرضى خصمه فصفح عنه فتكلموا له مع السلطان فأعاده.
وفى (١) تاسع رمضان قَرَّر السلطان في مدرسته بقية المذاهب ولم يكن نزَّل بها أولًا إلَّا الحنفي.
وفي ثامن عشر رمضان استقر القاضي شهاب الدين بن السفاح في كتابة السر وكانت شغرت بموت جلال الدين بن مزهر وتكلم فيها شرف الدين بن الأشقر نيابة إلى أن دخل ابن السفاح واستقرّ ولده عمر في وظائفه بحلب.
وفي رمضان وصل كتاب شاه رخ صحبة شريفٍ اسمه "هاشم" بغير ختم أوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ ثم خاطب السلطان فيه بالأمير (٢) وأرعَد وأبرق وتهدد، فكُتب إليه جوابه من جنس كتابه.
стр. 1539
وفى ذى الحجة وصل شاه رخ إلى تبريز في عساكر هائلة، وتأخَّرت إدارة المحمل إلى ثامن شعبان بسبب شغل المماليك الرماحة بأنفسهم وبمن مات من رفقتهم، وأداروه على العادة المعهودة.
* * *
وفى شعبان اشتغل بدر الدين بن الأمانة بتدريس الفقه بالشيخونية وكمال الدين بن المجبر بمشيخة الصلاحية، وكان ابن المحمرة استنابهما في وظيفتيه المذكورتين لما توجَّه قاضيًا بالشام، وسعيا إلى أن استقلا، ثم لما عُزل هو وعاد استعادهما، ثم لما سار إلى مشيخة الصلاحية بالقدس لم يعد إلى استنابتهما.
* * *
ذكر من مات في سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة من الأعيان
١ - إبراهيم بن ناصر الدين بن الحسام الصَّقْرى، صارم الدين، نشأ طالبًا للعلم فتأدب وتعلم الحساب والكتابة والأدب، والخط البارع، وقد ولى الحسبة بالقاهرة في أواخر أيام المؤيد ومات في ثامن عشر جمادى الآخرة مطعونا (١).
٢ - إبراهيم بن أحمد بن وفاء الشاذلي، أبو المكارم، ولد سنة ثمانٍ وثمانين ومات في هذه السنة مطعونا.
٣ - إبراهيم بن المؤيد شيخ.
٤ - وأخوه الملك المظفر أحمد ماتا صغيرين بالإسكندرية.
٥ - أحمد ولد ناظر الجيش عبد الباسط، شهاب الدين، مات في مستهل شعبان وكان قد بلغ ونبغ وناب عن والده في كتابة العلامة فطُعن، وكانت جنازته حافلة.
٦ - أحمد بن علي بن إبراهيم بن عدنان (٢)، الشريف شهاب الدين الحسيني الدمشقي
стр. 1540
وُلد سنة أربع وسبعين وسبعمائة ونشأ بدمشق ومع والده (١) نقابة الأشراف، وكان فيه بأوٌ (٢) وإقدام، ثم ترقَّى بعد موت أبيه فولى نقابة الأشراف عوضه، ثم ولى كتابة السر في سلطنة المؤيد، ثم ولى القضاء بدمشق (٣) في سلطنة الأشرف، ثم ولى كتابة السر في ذى الحجة سنة اثنتين وثلاثين وباشرها إلى أن مات بالطاعون في جمادى الآخرة.
٧ - أحمد بن علي بن عبد الله بن علي بن حاتم بن محمد بن يوسف، البعلى الأصل الحنبلي القاضي شهاب الدين بن الحبّال الطرابلسي (٤)، ولد سنة تسع وأربعين وتفقه وسمع الحديث، ثم كان مع الذين قاموا في السعي في إزالة دولة الظاهر وأُخذ معهم وضرب، واشتهر بعد اللنك بطرابلس وعظم شأنه، ثم ولى القضاء بها وصار أمر البلد إليه، وكان يقوم على الطلبة ويردّ عنهم ويتعصب لعقيدة الحنابلة، ثم نوه به ابن الكويز فنقل إلى قضاء دمشق في أول دولة ططر فدخلها في جمادى الأول سنة أربع، فاستمر إلى أن صرف في سنة اثنتين وثلاثين في شعبان بسبب ما اعتراه من ضعْف البصر والارتعاش وثُقل السمع، وكانت الأمور بسبب ذلك تخرج كثيرة الفساد؛ وكان مع ما أصابه كثير العبادة ويلازم صلاة الجماعة، وكان منصفا لأهل العلم قليل البضاعة في الفقه، ورحل إلى طرابلس فمات بها في شهر ربيع الأول: بعد قدومه بيوم.
٨ - أحمد بن محمود بن محمد بن عبد الله القيرى (٥)، العلّامة صدر الدين بن القاضي جمال الدين المعروف بابن العجمى، ولد سنة سبع وسبعين وسبعمائة، واعتنى به أبوه
стр. 1541
في صغره؛ وصلي بالناس التراويح بالقرآن أوّل ما فتحت المدرسة الظاهرية في سنة ٨٨ وهو ابن إحدى عشرة سة لم يكملها، وأقرأه الفقه والعربية والمعاني وأحضر له المؤدّبين والمعلمين، وترعرع وبرع وباشر التوقيع في ديوان الإنشاء، ثم ولى الحسبة مرارًا ونظر الجوالى وغير ذلك، وتنقَّلت به الأحوال كما مضى في الحوادث.
مات في الطاعون في الرابع عشر من شهر رجب.
٩ - ازبك الدويدار، مات بالقدس بطالًا في سادس عشر ربيع الأول.
١٠ - إسحق بن إبراهيم بن أحمد بن محمد التَّدمري، تاج الدين خطيب الخليل، ذكر أنه أخذ عن قاضى حلب شمس الدين محمد بن أحمد بن المهاجر (١) وعن شيوخنا العراقي وابن الملقن وغيرهما. وأجاز له ابن الملقن في الفقه، ومات ليلة العيد من شهر رمضان.
١١ - إسحق بن داود صاحب الحبشة، مات في هذه السنة، وقدّمنا نبأه في ترجمة أبيه سنة اثنتي عشرة.
١٢ - أبو بكر بن علي بن إبراهيم عدنان، الشريف عماد الدين الماضي أخوه أحمد (٢) قريبا، ولد سنة تسعين تقريبًا ونشأ بزى الجند ثم بعد ذلك تزيّا بزيّ المباشرين (٣).
١٣ - أبو بكر بن عمر بن عرفات بن عوض بن أبى السعادات بن أبي الظاهر محمد بن أبي بكر بن أحمد بن موسى بن عبد المنعم بن علي بن عبد الرحمن بن سالم بن عبد العزيز بن أحمد بن علي بن ضياء الدين عبد الرحمن بن أبي المعالى سالم بن الأمير المجاهد عز العرب وهب بن مالك الفاضل من أرض الحجاز بن عبد الرحمن بن مالك بن زيد بن ثابت الأنصاري الخزرجي، الشيخ زين الدين القِمْنى (٤)، هكذا قرأت نسبه بخطه وأملاه عليَّ بعض الموقِّعين ولا أشك أنه مركب ومفترى، وكذا لا يشك من له أدنى معرفةٌ بالأخبار
стр. 1542
أنه كذب، فليس لزيد بن ثابت ولدٌ يسمى "مالكا"، وتلقيبه "عبد الرحمن بن سالم" بضياء الدين من أسمج الكذب فإن ذلك العصر لم يكن فيه التلقيب بالإضافة للدين؛ وكان مولده - على ما كتب بخطه - سنة ثمانٍ وخمسين، وذكر لي بلفظه أنه حضر درس الشيخ جمال الدين - وهو بالغٌ - وعرض عليه "التنبيه" فيُحتمل أن يكون بلغ وهو ابن ثلاث عشرة سنة أو ذهل حين كتب مولده.
وقدم القاهرة في حدود السبعين، وأول شيء رأيته من سماعه في جمادى سنة أربع وسبعين من الشيخ بهاء الدين بن خليل، ثم في رمضان سنة ثمان وسبعين؛ وسمع في البخاري على التقيّ (١) عبد الرحمن بن أحمد البغدادي، وسمع أيضًا من عبد بن الباجي وعبد الله بن مَغْلَطَاى وصلاح الدين البلبيسي، ثم تقى الدين بن حاتم وابن الخشاب وعزيز الدين المليجي؛ ونشأ يتيمًا فقيرًا بجامع الأزهر ثم اتصل بعلاء الدين بن قشتمر فنبه قليلا، ثم تنقلت به الأحوال إلى أن صحب قلَمطَاى الدويدار في سلطنة الظاهر فصار له ذكر.
واتفق تسحّب الشيخ شمس الدين بن الجزرى إلى بلاد الروم فشغرت عنه الصلاحية فوثب عليها، وكان رحل إلى الشام قبل التسعين فسمع من ابن المحب وابن الذهبي وابن المعز والبرهان بن جماعة - وهو يومئذ قاضي الشام - ومحمد بن أحمد بن عبد الرحمن المنبجى الأسمرى والكمال بن النحاس وابن خطيب يبرود وابن الرشيد وناصر الدين محمد بن عمر بن عوض بصالحية دمشق، وسمع من متأخرى شيوخنا كالشامي والغزّى والصردى والمطرز وابن صديق وابن أبي المجد ثم الحلاوى والسويداوى؛ ومن الحافظين: الإنباسي والبلقيني، والهيثمي شمس الدين، وأبى بكر حسين المراغى، وخرّج له ابن الشرائحي مشيخةً عن أربعة وأربعين شيخًا وحدَّث بها مرتين وكان يتبجح بها لكنه لا يعرف عاليًا من نازل، وكان عريض الدعوى كثير المجازفة سامحه الله. مات في رجب مطعونًا.
١٤ - برْدبك (٢) السيفي أحدُ مقدّمى الأُلوف بمصر مات في يوم الأحد عاشر جمادى الآخرة
стр. 1543
بالطاعون كهلًا، وهو والد صاحبنا ومخدومنا الزيني فرج الحاجب الأشقر.
١٥ - بيْبُغَا المظفرى التركي، كان من مماليك الظاهر وتأمّر في أول دولة الناصر وعمل الأتابكية وقد سجن مرارًا وتكب وكان قويَّ النفس. مات في ليلة (١) الأربعاء سادس جمادى الآخرة.
١٦ - حسن (٢) بن أحمد بن حرمى بن مكي بن موسى العلقمي، بدر الدين، ناظر الأوقاف، مات بالقاهرة وكان حسن العشرة والأخلاق بسّامًا. جاوز الستين.
١٧ - زين خانون، بنتي وهي بكر أولادى، وُلدت في رجب سنة اثنتين وثمانمائة وتعلمت الكتابة والقراءة، وأسمعتها من الشيخ زين الدين العراقي والشيخ نور الدين الهيثمي وأجاز لها كثير من المسندين من أهل دمشق، وماتت - وهى حامل - بالطاعون فجُمِعَتْ لها شهادتان.
١٨ - سَرْدَاح (٣) بن مُقْبِل بن نَخْبَار بن مقبل بن محمد بن راجح بن إدريس بن حسن بن أبي عزير الحسنى الينْبعي، ولى أبوه إمرة الينبع مدةً ثم قبض عليه وحبس بالإسكندرية سنة خمس وعشرين إلى أن مات بها وكُحِّل ولده، فقال إنه رأى النبي ﷺ في المنام فمسح عينيه فأبصر السلطان من كحله والله أعلم. مات (٤) في أواخر جمادى الآخرة بالطاعون.
١٩ - العباس بن المتوكل بن المعتضد أمير المؤمنين المستعين أبو الفضل، ولد في سنة … ... … (٥) واستقر في الخلافة بعهدٍ من أبيه في شهر رجب سنة ثمان وثمانمائة، فلمّا انهزم الناصر وحوصِرَ بدمشق بويع للمستعين بالسلطنة مضافةً للخلافة فتصرف بالولاية
стр. 1544
والعزل، وفي الحقيقة كانت له العلامة والخطبة. وضُرِبت السكة من الذهب والفضة باسمه، فلمّا توجّه العسكرُ إلى مصر كان الأمراءُ كلُّهم في خدمته على هيئة السلطنة ولكن الحلَّ والعقدَ للأَمير شيخ، ثم سكن الإصطبلَ وصار الجميعُ -إذا فرغت الخدمة من القصر- نزلوا في خدمته إلى الإصطبل، فأُعيدت الخدمة عنده ووقع الإبرام والنقض، ثم يتوجه دويداره للسلطان فيعلّم على المناشير والتواقيع، فلم يزل على ذلك إلى أَن تسلطن المؤيد ولم يوافق العباس على ذلك، فصرح المؤيّد بعزله من الخلافة وقرر فيها أخاه داودًا ولُقِّب "المعتضد"، فلمّا خرج المؤيّد إلى نوروز أَرسله إلى الإسكندرية فاعتُقِل بها فلم يزل بها إلى أن تكلم ططر في المملكة فأَرسل في إطلاقه وأُذِنَ له في المجئ إلى القاهرة، فاختار الاستمرار في سكن الإسكندرية لأَنه استطابها، وحصل له مال كثير من التجارة فاستمر إلى أَن مات بالطاعون شهيدًا، وخلَّف ولده يحيى.
٢٠ - عبد الله (١) بن محب الدين خليل بن فرج بن سعيد، جمال الدين، المقدسي الأَصل الدمشقى الرَّمْثَاوى (٢) وُلِد في حدود الستين وقرأ على ابن الشريشي وابن الجابي وغيرهما، ودخل مصر فحمَل عن جماعةٍ وجاور بمكة مدةً طويلة، ثم قدم الشام فأَقام على طريقةٍ حسنة وعمل المواعيد واشتهر، وكان شديد الحطّ على الحنابلة وجرت له معهم وقائعٌ، ومات في ربيع الآخر.
٢١ - عبد البر بن القاضي جلال الدين محمد بن قاضي القضاة بدر الدين أحمد بن أبي البقاء، كان شابًّا جميل الصورة طيبَ النغمة، وكان قد أُذِن له في نيابة الحكم في
стр. 1545
أواخر السنة الماضية ثمّ سافر إلى الشام ورجع فمات في سابع عشر شهر رجب ولم يكمل الثلاثين.
٢٢ - عبد الغني بن جلال الدين عبد الواحد بن إبراهيم (١) المرشدى ثم المكي، نسيم الدين، اشتغل كثيرًا ومهر وهو صغير وأحبّ الحديث فسمع الكثير وحفظ وذاكر ودخل اليمن فسمع من الشيخ مجد الدين الفيروزآبادي، وكتب عنى الكثير، ومات مطعونًا بالقاهرة.
٢٣ - عبد القادر بن عبد الغني بن [عبد الرازق بن] أبي الفرج الملكي [الأرمني]، ولى الأُستادارية كأَبيه ومات في سابع عشري جمادى الآخرة.
٢٤ - عبد الكريم، كريم الدين بن سعد الدين بركة القبطى المعروف بابن كاتب جَكَم: كان أَبوه يخدم الوزير علم الدين بن كاتب سيدى ثم تعلَّق بخدمة الأُمراء فخدم عند الأمير جكم فشُهر به، واستقر ولدُه سعد الدين إبراهيم بعده، وصاهر تاج الدين بن الهيْصَم قبل أن يلى الأُستادارية، واستقرّ مستوفى الدولة في مباشرة ابن نصر الله: ثم ولى نظر الدولة وباشر ديوان السلطان قبل أن يتسلطن، ثم سعى في نظر الخاص لمّا ولى ابنُ نصر الله الأستادارية: فباشر بسكون وحشمة ونزاهة، وأكثر من زيارة الصالحين ومن الفقراء، وألزم ولديه إبراهيم ويوسف بالاشتغال بالعلم وأَحضر لهما من يعلمهما العربية والكتابة.
وكانت (٢) وفاته سادس عشر ربيع الأَول قبل وقوع الطاعون. واستقر ولده في وظيفته وهو أَمرد فاستمر ولم يظن أحدٌ أنه يستمر لصغر سنه لكنَّه استعان أولًا بجده لأمّه ثم استقلَّ بالأُمور بعد وفاته وقد تدرب؛ وكان يتكلم بالتركي ويحسن المعاشرة مع لثغةٍ في لسانه، وخلَفَهُ أخوه جمال الدين يوسف.
٢٥ - على (٣) بن تاج الدين عبد الوهاب بن القاضي ولى الدين العراقي، تقى الدين.