في صغره؛ وصلي بالناس التراويح بالقرآن أوّل ما فتحت المدرسة الظاهرية في سنة ٨٨ وهو ابن إحدى عشرة سة لم يكملها، وأقرأه الفقه والعربية والمعاني وأحضر له المؤدّبين والمعلمين، وترعرع وبرع وباشر التوقيع في ديوان الإنشاء، ثم ولى الحسبة مرارًا ونظر الجوالى وغير ذلك، وتنقَّلت به الأحوال كما مضى في الحوادث.
مات في الطاعون في الرابع عشر من شهر رجب.
٩ - ازبك الدويدار، مات بالقدس بطالًا في سادس عشر ربيع الأول.
١٠ - إسحق بن إبراهيم بن أحمد بن محمد التَّدمري، تاج الدين خطيب الخليل، ذكر أنه أخذ عن قاضى حلب شمس الدين محمد بن أحمد بن المهاجر (١) وعن شيوخنا العراقي وابن الملقن وغيرهما. وأجاز له ابن الملقن في الفقه، ومات ليلة العيد من شهر رمضان.
١١ - إسحق بن داود صاحب الحبشة، مات في هذه السنة، وقدّمنا نبأه في ترجمة أبيه سنة اثنتي عشرة.
١٢ - أبو بكر بن علي بن إبراهيم عدنان، الشريف عماد الدين الماضي أخوه أحمد (٢) قريبا، ولد سنة تسعين تقريبًا ونشأ بزى الجند ثم بعد ذلك تزيّا بزيّ المباشرين (٣).
١٣ - أبو بكر بن عمر بن عرفات بن عوض بن أبى السعادات بن أبي الظاهر محمد بن أبي بكر بن أحمد بن موسى بن عبد المنعم بن علي بن عبد الرحمن بن سالم بن عبد العزيز بن أحمد بن علي بن ضياء الدين عبد الرحمن بن أبي المعالى سالم بن الأمير المجاهد عز العرب وهب بن مالك الفاضل من أرض الحجاز بن عبد الرحمن بن مالك بن زيد بن ثابت الأنصاري الخزرجي، الشيخ زين الدين القِمْنى (٤)، هكذا قرأت نسبه بخطه وأملاه عليَّ بعض الموقِّعين ولا أشك أنه مركب ومفترى، وكذا لا يشك من له أدنى معرفةٌ بالأخبار
стр. 1542
أنه كذب، فليس لزيد بن ثابت ولدٌ يسمى "مالكا"، وتلقيبه "عبد الرحمن بن سالم" بضياء الدين من أسمج الكذب فإن ذلك العصر لم يكن فيه التلقيب بالإضافة للدين؛ وكان مولده - على ما كتب بخطه - سنة ثمانٍ وخمسين، وذكر لي بلفظه أنه حضر درس الشيخ جمال الدين - وهو بالغٌ - وعرض عليه "التنبيه" فيُحتمل أن يكون بلغ وهو ابن ثلاث عشرة سنة أو ذهل حين كتب مولده.
وقدم القاهرة في حدود السبعين، وأول شيء رأيته من سماعه في جمادى سنة أربع وسبعين من الشيخ بهاء الدين بن خليل، ثم في رمضان سنة ثمان وسبعين؛ وسمع في البخاري على التقيّ (١) عبد الرحمن بن أحمد البغدادي، وسمع أيضًا من عبد بن الباجي وعبد الله بن مَغْلَطَاى وصلاح الدين البلبيسي، ثم تقى الدين بن حاتم وابن الخشاب وعزيز الدين المليجي؛ ونشأ يتيمًا فقيرًا بجامع الأزهر ثم اتصل بعلاء الدين بن قشتمر فنبه قليلا، ثم تنقلت به الأحوال إلى أن صحب قلَمطَاى الدويدار في سلطنة الظاهر فصار له ذكر.
واتفق تسحّب الشيخ شمس الدين بن الجزرى إلى بلاد الروم فشغرت عنه الصلاحية فوثب عليها، وكان رحل إلى الشام قبل التسعين فسمع من ابن المحب وابن الذهبي وابن المعز والبرهان بن جماعة - وهو يومئذ قاضي الشام - ومحمد بن أحمد بن عبد الرحمن المنبجى الأسمرى والكمال بن النحاس وابن خطيب يبرود وابن الرشيد وناصر الدين محمد بن عمر بن عوض بصالحية دمشق، وسمع من متأخرى شيوخنا كالشامي والغزّى والصردى والمطرز وابن صديق وابن أبي المجد ثم الحلاوى والسويداوى؛ ومن الحافظين: الإنباسي والبلقيني، والهيثمي شمس الدين، وأبى بكر حسين المراغى، وخرّج له ابن الشرائحي مشيخةً عن أربعة وأربعين شيخًا وحدَّث بها مرتين وكان يتبجح بها لكنه لا يعرف عاليًا من نازل، وكان عريض الدعوى كثير المجازفة سامحه الله. مات في رجب مطعونًا.
١٤ - برْدبك (٢) السيفي أحدُ مقدّمى الأُلوف بمصر مات في يوم الأحد عاشر جمادى الآخرة
стр. 1543
بالطاعون كهلًا، وهو والد صاحبنا ومخدومنا الزيني فرج الحاجب الأشقر.
١٥ - بيْبُغَا المظفرى التركي، كان من مماليك الظاهر وتأمّر في أول دولة الناصر وعمل الأتابكية وقد سجن مرارًا وتكب وكان قويَّ النفس. مات في ليلة (١) الأربعاء سادس جمادى الآخرة.
١٦ - حسن (٢) بن أحمد بن حرمى بن مكي بن موسى العلقمي، بدر الدين، ناظر الأوقاف، مات بالقاهرة وكان حسن العشرة والأخلاق بسّامًا. جاوز الستين.
١٧ - زين خانون، بنتي وهي بكر أولادى، وُلدت في رجب سنة اثنتين وثمانمائة وتعلمت الكتابة والقراءة، وأسمعتها من الشيخ زين الدين العراقي والشيخ نور الدين الهيثمي وأجاز لها كثير من المسندين من أهل دمشق، وماتت - وهى حامل - بالطاعون فجُمِعَتْ لها شهادتان.
١٨ - سَرْدَاح (٣) بن مُقْبِل بن نَخْبَار بن مقبل بن محمد بن راجح بن إدريس بن حسن بن أبي عزير الحسنى الينْبعي، ولى أبوه إمرة الينبع مدةً ثم قبض عليه وحبس بالإسكندرية سنة خمس وعشرين إلى أن مات بها وكُحِّل ولده، فقال إنه رأى النبي ﷺ في المنام فمسح عينيه فأبصر السلطان من كحله والله أعلم. مات (٤) في أواخر جمادى الآخرة بالطاعون.
١٩ - العباس بن المتوكل بن المعتضد أمير المؤمنين المستعين أبو الفضل، ولد في سنة … ... … (٥) واستقر في الخلافة بعهدٍ من أبيه في شهر رجب سنة ثمان وثمانمائة، فلمّا انهزم الناصر وحوصِرَ بدمشق بويع للمستعين بالسلطنة مضافةً للخلافة فتصرف بالولاية
стр. 1544
والعزل، وفي الحقيقة كانت له العلامة والخطبة. وضُرِبت السكة من الذهب والفضة باسمه، فلمّا توجّه العسكرُ إلى مصر كان الأمراءُ كلُّهم في خدمته على هيئة السلطنة ولكن الحلَّ والعقدَ للأَمير شيخ، ثم سكن الإصطبلَ وصار الجميعُ -إذا فرغت الخدمة من القصر- نزلوا في خدمته إلى الإصطبل، فأُعيدت الخدمة عنده ووقع الإبرام والنقض، ثم يتوجه دويداره للسلطان فيعلّم على المناشير والتواقيع، فلم يزل على ذلك إلى أَن تسلطن المؤيد ولم يوافق العباس على ذلك، فصرح المؤيّد بعزله من الخلافة وقرر فيها أخاه داودًا ولُقِّب "المعتضد"، فلمّا خرج المؤيّد إلى نوروز أَرسله إلى الإسكندرية فاعتُقِل بها فلم يزل بها إلى أن تكلم ططر في المملكة فأَرسل في إطلاقه وأُذِنَ له في المجئ إلى القاهرة، فاختار الاستمرار في سكن الإسكندرية لأَنه استطابها، وحصل له مال كثير من التجارة فاستمر إلى أَن مات بالطاعون شهيدًا، وخلَّف ولده يحيى.
٢٠ - عبد الله (١) بن محب الدين خليل بن فرج بن سعيد، جمال الدين، المقدسي الأَصل الدمشقى الرَّمْثَاوى (٢) وُلِد في حدود الستين وقرأ على ابن الشريشي وابن الجابي وغيرهما، ودخل مصر فحمَل عن جماعةٍ وجاور بمكة مدةً طويلة، ثم قدم الشام فأَقام على طريقةٍ حسنة وعمل المواعيد واشتهر، وكان شديد الحطّ على الحنابلة وجرت له معهم وقائعٌ، ومات في ربيع الآخر.
٢١ - عبد البر بن القاضي جلال الدين محمد بن قاضي القضاة بدر الدين أحمد بن أبي البقاء، كان شابًّا جميل الصورة طيبَ النغمة، وكان قد أُذِن له في نيابة الحكم في
стр. 1545
أواخر السنة الماضية ثمّ سافر إلى الشام ورجع فمات في سابع عشر شهر رجب ولم يكمل الثلاثين.
٢٢ - عبد الغني بن جلال الدين عبد الواحد بن إبراهيم (١) المرشدى ثم المكي، نسيم الدين، اشتغل كثيرًا ومهر وهو صغير وأحبّ الحديث فسمع الكثير وحفظ وذاكر ودخل اليمن فسمع من الشيخ مجد الدين الفيروزآبادي، وكتب عنى الكثير، ومات مطعونًا بالقاهرة.
٢٣ - عبد القادر بن عبد الغني بن [عبد الرازق بن] أبي الفرج الملكي [الأرمني]، ولى الأُستادارية كأَبيه ومات في سابع عشري جمادى الآخرة.
٢٤ - عبد الكريم، كريم الدين بن سعد الدين بركة القبطى المعروف بابن كاتب جَكَم: كان أَبوه يخدم الوزير علم الدين بن كاتب سيدى ثم تعلَّق بخدمة الأُمراء فخدم عند الأمير جكم فشُهر به، واستقر ولدُه سعد الدين إبراهيم بعده، وصاهر تاج الدين بن الهيْصَم قبل أن يلى الأُستادارية، واستقرّ مستوفى الدولة في مباشرة ابن نصر الله: ثم ولى نظر الدولة وباشر ديوان السلطان قبل أن يتسلطن، ثم سعى في نظر الخاص لمّا ولى ابنُ نصر الله الأستادارية: فباشر بسكون وحشمة ونزاهة، وأكثر من زيارة الصالحين ومن الفقراء، وألزم ولديه إبراهيم ويوسف بالاشتغال بالعلم وأَحضر لهما من يعلمهما العربية والكتابة.
وكانت (٢) وفاته سادس عشر ربيع الأَول قبل وقوع الطاعون. واستقر ولده في وظيفته وهو أَمرد فاستمر ولم يظن أحدٌ أنه يستمر لصغر سنه لكنَّه استعان أولًا بجده لأمّه ثم استقلَّ بالأُمور بعد وفاته وقد تدرب؛ وكان يتكلم بالتركي ويحسن المعاشرة مع لثغةٍ في لسانه، وخلَفَهُ أخوه جمال الدين يوسف.
٢٥ - على (٣) بن تاج الدين عبد الوهاب بن القاضي ولى الدين العراقي، تقى الدين.
стр. 1546
٢٦ - على بن عنان بن مُغَامِس بن رُمَيْثَة بن أَبي نُمَى الحسنى المكي الشريف، مات بالقاهرة في ثالث جمادى الآخرة مطعونًا وقد وَلِيَ إمرة مكة مرّة، ودخل الغرب بعد أن عُزل عنها (١) فأَكرمه أَبو فارس، وكان حسن المحاضرة ويذاكر (٢) بالشعر وغيره.
٢٧ - على الأسيوطى الشيخ، ويقال له أبو الحَلَق، كان ممَّن يُعتَقَد وتُذكَر عنه مكاشفات كثيرة.
٢٨ - عمر، القاضي سراج الدين [بن محمد (٣)] النُّوَيْرِى الشافعي قاضي الشافعية بطرابلس، مات في جمادى الآخرة.
٢٩ - قاسم بن الأمير كَمَشْبُغا الحموى، كان أحَد الحجاب الصغار (٤).
٣٠ - كَمَشْبُغَا الفَيْسِي الكاشف الظاهري، كان جريئًا على سفْك الدماء، مات منفيًّا بدمشق في رابع عشر ربيع الأَول (٥) وقد ناهز الثمانين.
٣١ - ماجد بن أبى الفضائل بن سناء المُلك، فخر الدين بن المُزَوَّق، كان من أولاد الكتبة وخدم عند سعْد الدين بن غراب فولى بعنايته نظر الجيش وكتابة السرّ: واحدةً بعد أخرى، ثمّ ولى نظر الإصطبل ثمّ تعطل فى الدولة المؤيدية وما بعدها إلى أَن مات في ليلة الخميس ١٣ رجب.
٣٢ - محمد بن أحمد بن سليمان الأَذرعى الحنفى، شمس الدين، أخذ عن ابن الرضى والبدر المقدسي فى مذهب الحنفية، ثم بعد اللنك انتقل إلى مذهب الشافعي، وولى قضاء بعلبك وغيرها، ثم عاد حنفيا، وناب في الحكم، ودرّس وأَفْتى، وكان يقرئ البخارى جيّدا ويكتب على الفتوى كتابةً حسنةً وخطُّه مليح، وتوجّه إلى مصر في آخر عمره فعند وصوله طُعِن فمات غريبًا شهيدًا في جمادى الآخرة.
стр. 1547
٣٣ - محمد بن عبد الواحد بن أبي بكر بن إبراهيم بن محمد السِّنْقَارى (١)، شرف الدين نزيل هُو، وُلِد في المحرم سنة ثلاثٍ وسبعين، تفقَّه قليلًا وأخذ عن المشايخ، وكان أبوه موسرًا فمات بعد الثمانين ونشأَ هو يتعاني التجارة والزراعة ويتردّد إلى القاهرة وتقلَّبت به الأُمور؛ وكان فاضلًا مشاركًا متديّنا، وكان يقول: "ما عشقتُ قط ولا طرِبْتُ قط".
مات بالطاعون في جمادى الآخرة: وكان يحكى عن ناصر الدين محمد بن محمد ابن عطاء الله -قاضي هو- أنه كان بجانب داره نخلةٌ جربها بضعًا وثلاثين سنة فإنْ قلَّ حملها توقَّف النيل وإن كثير زاد، وأنها سقطت في سنة ستٍّ وثمانمائة فقصر (٢) النيل في تلك السنة ووقع الغلاء المفرط.
٣٤ - محمد (٣) تاج الدين بن العماد إسماعيل البَطَرني المغربي الأصل نزيل دمشق، كان في خدْمَةِ القاضي علم الدين القَفَصِي وعمل نقيبه ثم بعد موته ولى قضاء طرابلس ثم رجع وناب عن القاضي المالكي، وكان عفيفًا فى مباشرته ويستحضر طرفًا من الفقه. مات بالطاعون في صفر.
٣٥ - محمد بن فرج بن برقوق بن أنس الناصري بن الظاهر بن الأمير، مات بسجن الإسكندرية فى يوم الاثنين أحد وعشرين جمادى الآخرة مطعونًا عن إحدى وعشرين سنة، ودُفِنَ بها ثم نقل إلى مصر (٤).
٣٦ - محمد بن الملك الأَشرف برسباى وكان قد عُيّن للسلطنة بعد أبيه، مات في يوم الثلاثاء ٢٦ جمادى الآخرة مطعونًا وقد ناهز الاحتلام، ودُفِنَ بمدرسة أبيه (٥).
стр. 1548
٣٧ - محمد بن ططر، السلطان الصالح بن الظاهر، خُلع في خامس عشر ربيع الأَول سنة خمسٍ وعشرين وأَقام عند السلطان الملك الأشرف مكرّمًا إلى أن طعن ومات في سابع (١) عشري جمادى الآخرة هذه السنة.
٣٨ - محمد (٢) بن عبد الحق بن إسماعيل بن أحمد الأنصاري السَّبْتي صاحبنا، كَتَب إلىّ وشرَح "البردة"، وله يد فى النظم والنثر والتصوَف، وكان حسن الطريقة.
٣٩ - محمد بن عبد الوهاب بن نصر الله، شرف الدين أبو الطيب بن تاج الدين الفوّى، (٣) وُلد في ذي القعدة سنة سبعٍ وتسعين،، ونشأ في السعادة وتعلَّم الكتابة واشتغل بالعلم وكتب في الإنشاء، وعظُم في دولة الظاهر ططر وولَّاه نظر الكسوة ودارَ الضرب ونظر الأشراف وغير ذلك، ومات في سابع عشرى ربيع الآخر بمرض السّل.
٤٠ - محمد بن عمر بن عبد العزيز بن أمين الدولة، قاضى الحنفية بحلب، شمس الدين. مات يوم الخميس ثانى عشر شعبان.
٤١ - محمد جلال الدين بن بدر الدين محمد بن بدر الدين محمد بن مزهر، وُلد سنة أربع عشرة وحفظ القرآن واشتغل قليلًا، فلمّا مات أبوه في سنة اثنتين وثلاثين قُرِّر مكانه في كتابة السّر فباشرها، والاعتماد في ذلك على شرف الدين الموقّع، وكان قد تقرّر في نيابة كتابة السرّ فاستمرّ (٤) من يومئذٍ إلى أن قدم السيد الشريف شهاب الدين فولى كتابة السر، واستقرّ أخوه الشريف أبو بكر فى نيابة كتابة السر وانفصل بدر الدين المذكور؛
стр. 1549
وكان لُقِّب في أيام مباشرته كتابة السِّر بلقب أبيه "بدر الدين"، ومات في الطاعون في (١) يوم الاثنين سادس عشري رجب.
٤٢ - محمد زين الدين بن القاضي شمس الدين الدَّمِيرى المالكي، كان حسن الصورة وله قبولٌ تام عند الناس لكثرة حشمته، وقد تولى الحسبة مرارًا وبيده التحدّث على المرستان نيابةً عن الأمير الكبير على قاعدة أبيه ولا أَظنه جاوز الخمسين. ومات في ثالث شعبان.
٤٣ - محمد الاسكندراني المالكي، شمس الدين المعروف بابن المعلّمة، ولى حسبة القاهرة مدَّةً وكان مالكيا فاضلًا مشاركا فى العربية وغيرها. مات في شعبان.
٤٤ - مدلج بن على بن نُعَيْر، واسمه محمد بن حيار أمير آل فضل، وكان وَلِي إمرة العرب بعد أَخيه عذرا (٢) ودخل في الطاعة، ثمّ وقع بينه وبين ابن عمه قرقماس قاتل أخيه عذرا الوقعة المقدم ذكرها فى الحوادث، وقتل مدلج فى ثانى ذى القعدة منها.
٤٥ - مرجان الهندي، مملوك شهاب الدين بن مسلَّم، أخذه المؤيّد قبل أن يلى السلطنة قهرًا من أُستاذه فنجب عنده وترقَّت منزلته جدًّا إلى أن اتضعت في أيام ططر فمَنْ بعده وصُودر إلى أن مات في سادس عشري جمادى الآخرة.
٤٦ - ناصر محمد البِسْطامي، الشيخ ناصر، من تلامذة الشيخ عبد الله البسطامي، قدم القاهرة وقطَنَها ومات بها في الطاعون.
٤٧ - نصر الله بن عبد الرحمن بن أحمد بن اسماعيل الأنصاري الشيخ جلال الدين الرّوياني (٣) العجمي الشافعي، وُلد سنة ستٍ وستين وتجرّد وبرع في علم الحكمة والتصوّف،
стр. 1550
وشارك في الفنون وكتبَ الخطَّ الفائق، وقدم القاهرة مجرّدًا واتصل بأُمراء الدولة، وراج عليهم لما يُنْسب إليه من معرفة علم الحرف وعَمِل الأوفاق، وسكَنَ المدرسة المنصورية (١).
وكان مفضالًا مطعامًا محبًّا للغرباء فهرعوا إليه ولازموه وقام بأمرهم فصيَّرهم سُوقَهُ التي ينفق منها، وينفق بها، واستخلص بسبب ذلك من أَموال الأُمراء وغيرهم ما أراد حتى كان كثير من الأُمراء يُفْرِدُ له من إقطاعه أرضًا يصيّرها رزْقه ثمّ يسعى هو حتى يشتربها ويحبسها.
وكان فصيحًا مفوّهًا حسن التأنِّى، عارفًا بالأُمور الدّنيوية عريًّا عن معرفة الفقه، له اقتدارٌ على التوصّل لما يطلب، كثير العصبيّة والمروءة، حسن السياسة والمداراة، عظيم الأدب جميل العشرة. وله عدّة تصانيف في علوم الحرف والتصوف، منها: "غنية الطالب فيما اشتمل عليه الوهم من المطالب" و "إعلام الشهود بحقائق الوجود".
مات في ليلة (٢) الجمعة سادس شهر رجب بالطاعون.
٤٨ - هابيل بن قرايلك، مات مسجونًا مطعونًا بالقلعة في (٣) ثالث عشر رجب.
٤٩ - هاجر خوند بنت منكلي بغا زوج برقوق، ماتت (٤) في ثالت رجب، وأُمها خوند فاطمة بنت الأشرف شعبان بن حسين بن قلاون.
٥٠ - ياقوت (٥) الأُرْغُنْشَاوى الحبشى مقدم المماليك السلطانية، مات مطعونًا في يوم الاثنين ثاني رجب ودُفِن بتربته التى أنشأَها بالصحراء واستقر بعده خشقدم.
٥١ - يحيى (٦) نظام الدين بن الشيخ سيف الدين سيف بن محمد بن عيسى السيرامي
стр. 1551
الحنفى، وُلد قبل الثمانين، وكان حسن التدريس والتقرير، جيّد الفهم قويَّه، قليل التكلُّف، متواضعًا مع صيانة، قليلَ الشرّ كثير الإنصاف، ولم يكن في أبناء جنسه مثله.
وكان قد اختُصّ بالمؤيّد وسامره وكان يبيت عنده كثيرًا من الليالي ويثق به وبعقله، ولما وقع الطاعون استكان وخضع وخشع ولازم الصلاة على الأموات بالمصلَّى إلى أن قَدَّر الله أنَّه مات بالطاعون في أواخر (١) جمادى الآخرة. أرّخ (٢) المقريزى وفاته يوم الثلاثاء (٣) تاسع عشرة جمادى الآخرة. واستقر في المشيخة بعده عضد الدين عبد الرحمن (٤).
٥٢ - يحيى (٥) بن الإمام شمس الدين محمد بن على بن يوسف بن على، الشيخ تقيّ الدين الكرماني الشافعي، ولي نظر المرستان، وكان ثقيل السمع، وكان قد ضعف وطال، (٦) وأصابه رمدٌ إلى أن كفَّ ثمّ مات مطعونًا في يوم الخميس ثاني عشرى جمادى الآخرة.
٥٣ - يَشْبك، أخو السلطان، وكان أَسَنَّ منه لكن السلطان أسرع إليه الشيب دونه، طُعِنَ فأقام أيامًا يسيرة ويقال إنه مات ساجدًا، وكان شديد العجمة وتعلَّم اللسان التركيّ ولم يفقد بالعربى إلَّا اليسير، وكانت فيه عصبيةٌ لمن يلتجئ إليه ومكارمُ أخلاق. مات (٧) في رابع رجب.
٥٤ - يعقوب بن إدريس بن عبد الله بن يعقوب الشهير بقرا يعقوب الرومى النَّكْدِي الحنفى -نسبة إلى نَكْدة- من بلاد ابن قرمان. وُلد سنة تسع وثمانين، واشتغل في بلاده
стр. 1552
ومهر في الأُصول والعربية والمعانى، وكتب على "المصابيح" شرحًا، وعلى "الهداية" حواشي، ودخل البلاد الشامية، وحج سنة تسع عشرة ثمّ رجع وأقام ملازمًا مدةً يدرس ويُفتى، ثم قدم القاهرة بعد موت المؤيّد فاجتمع بمدبّر المملكة ططر فأَكرمه إكرامًا زائدًا ووصله بمال جزيل، فاقتنى كتبا كثيرة ورجع إلى بلاده فأَقام بلا رَنْدة إلى أن مات في شهر ربيع الأول.
٥٥ - يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن داود بن أبي الفضل بن أبي المنجب ابن أبي الفتيان الداودي الطبيب، جمال الدين، مات في أول شهر رجب، وله زيادة على التسعين.
* * *
стр. 1553
سنة أربعٍ وثلاثين وثمانمائة
استهلَّت هذه السنة وقد غَلا سعر الذهب إلى أن بلغ مائتين وخمسةً وسبعين، وانتهت فيه زيادةُ النيل إلى تسعة عشر ذراعًا وعشرين إصبعا، وخرج الأمراء المجرّدون في أواخره ثم أمر بعودهم فعادوا من خانقاه بسرياقوس.
وفيه رخص الفول جدا حتى صار بدرهمين ونصف فضة وزنًا: كلُّ إردب، والشعير: كل إردبٍ بثلاثة، والقمحُ: بستةٍ ونصف، وهذا غايةُ الرُّخص إلَّا ما تقدم في دولة المؤيد فإنَّ القمح نزل فيه إلى ستة دراهم بندقية.
وخرج السلطان إلى الصّيد في الهيئة الكاملة فشَقَّ المدينة وخرج من باب الشَّعْريَّة ثم عاد من يومه.
وفيها حصل للحاجّ عطشٌ عند رجوعهم بمنزلة الوجه فمات منهم ناسٌ كثيرٌ قيل قدر ثلاثة آلاف، كلُّهم من الرّكب الأَول، ومات من الجمال والدواب شيءٌ كثيرٌ جدا ونُهِب لمَن مات من الأَموال ما لا يُحصى.
* * *
وفيها (١) حجر السلطان على الباعة أن لا يتبايعوا إلا بالدراهم الأشرفية التي جعل كل درهم فيها بعشرين من الفلوس، وانتفع الناس بها بالميزان يومئذ، وشدّد في الذهب أن لا يزداد سعره فإذا غفل ازداد، ولم يزل الأَمر يتمادى على ذلك إلى أن بلغ كل دينار أشرفى مائتين وخمسةً وثمانين درهما من الفلوس، واستقر الأَمر على ذلك إلى آخر الدولة الأشرفية.
وفيه استبدّ ابن الرّكاعنة صاحب فاس وتلمسان بالمملكة فسار إليه أبو فارس صاحب تونس بنفسه فظفر به وقرر في المملكة أحمد بن حمو وذلك في رجب سنة أربع وثلاثين.
* * *
وفى ربيع الآخر السلطان الفَعلة وأَهل المعرفة بالبناء لإصلاح الآبار وأماكن المياه التي في طريق الحجاز.
стр. 1554
وفيها (١) حُفرت بعيون القصب بئر عظيمة فعظم النفع بها، وكانت عيون القصب تجرى من وادٍ عظيم ينبت فيه القصبُ الفارسي ويجرى الماء بين تلك الغابات، وكان للحاج به رفق بحيث يبيتون فيه ليلةً، ثمّ عمرت تلك العيون وصاروا ينتفعون بالحفائر وكان الماء الذي يخرج منها يفسد في ليلته، فأشار ناظر الجيش -لما حجّ- بحفر بئرٍ هناك فخرج ماؤها عذبًا، وحفروا قبل ذلك بئرين بزعيم وقبقاب فاستغنى الناس بهما عن ورود الوجه، والوجه مكانٌ فيه بئران لا يحصل الماء فيهما إلَّا بالمطر، فإذا لم يقع المطر لم يجد الحاج فيهما إلا النزر اليسير ففى الغالب يقع لهم العطش والهلاك، فاستغنوا بالبئرين عن الوجه.
وفيها استقر تاج الدين عبد الوهاب بن الخَطير في نظر الديوان المفرد بعد موت تاج الدين بن الهَيصَم وهو من بيت كبير في القبط، وكان اسمه جرجس ولقبه الشيخ التاج، فأسلم على يد السلطان الأَشرف قبل أن يتسلطن وذلك في الأيام المؤيدية وخدم في ديوان الخاص، ثمّ ولَّاه الأشرف نظر الإسطبل بحكم شغوره عن بدر الدين بن مزهر لما ولى كتابة السر وأُستادارية ولد السلطان، فشُكرت سيرته وأمانته وحسن سياسته وكثرة بره.
وفي ثالث عشر جمادى الأُولى سار سعد الدين [إبراهيم] القبطى المعروف بابن المرأة إلى مكة المكس المتعلِّق بالتُّجار الواصلين إلى جدة، وخرج معه نحو ألف نفس للمجاورة، فلما كانوا فيها بين الوجه وأَكْبِرَة (٢) وجدوا عدة موتى ممّن مات بالعطش في العام الماضى، فلما نزلوا رابغ (٣) خرج عليهم الشَّريف زهير بن سليمان بن زيّان بن منصور ابن جماز بن شيحة الحسينى ومن معه وكانوا نحو مائة فارس وأرادوا نهْبه فصالحوهم على مالٍ بعد أن وقعت بينهم مهاوشة، وقتل ناسٌ قلائل من الطائفتين ودخلوا مكَّة في ثامن عشري جمادى الآخرة فكانت مدة سفرهم ستة وأربعين يومًا، وعارضهم في تاسع عشرى جمادى الآخرة عربُ زَبيد وقيل بل صالحوهم على ألف (٤) دينار بذلها ابن المرأة من ماله.
стр. 1555
وفي ثاني عشر رمضان نودى بمنع المعاملة بالفضة اللنكية وبأنَّ الذهب الأَشرفي بمائتين وخمسين.
وفى سادس عشرى جمادى الأُولى أعيد كاتبه إلى وظيفة القضاء الشافعية للمرة الثالثة (١).
وفيها مات شهاب الدين الدّويدار نائب الإسكندرية، فاستقر جاني (٢) بك الناصري رأسُ نوبة إبراهيم بن المؤيد نائبها، وكان من مماليك يَلْبُغا الناصري.
* * *
وفي ذي القعدة جرى بين شخص في خدمة كاتب السر ابن السفاح -يقال له ابن الناظر الصّفدي- وبين مملوك لابن السفاح مشاجرة فاغتاله فقتله بسكين، فاطَّلع عليه بعض الخدم فنم عليه، فانزعج كاتب السّر لذلك وحرص على أنه يعرف السبب، فقيل إنه بسبب صبيٍّ تغايرا عليه، وقيل إن ابن الناظر ذكر لقاتله أنه يعرف السحر وأنه قَتل شخصا بسحره، وأن العلماء أفتوه بقتل مَن يَقتل بسحره فما أفادَتْه هذه الفتوى، وبلغ السلطانَ الخبرُ فاستدعاه فلما اعترف أمر بقتله، فحَرِص كاتب السر أن يؤخر قتله إلى أن يحضر أولياءُ المقتول، فامتنع السلطان وأمر بتوسيطه، وحصل لكاتب السر من ذلك مشقةٌ شديدةٌ لقصّةِ مملوكه وكان يميل إليه ولقوم صديقه، وكان يأْتمنه على كثير من أحواله، فلله الأمْر.
وفي ذي الحجة استقر التاج الوالى الشَّوْبَكِي في نظر الأوقاف الحُكْمِيَّة وقُرِّر له من الأوقاف في الشهر ثلاثةُ آلاف [درهم؟]، ولم يباشر شيئا بل قنع بالمعلوم المذكور.
وفى يوم الاثنين [الثاني عشر (٣)] من ذى القعدة الموافق لثامن عشرى أبيب أوفى النيل وكُسر الخليج وزاد بعد ذلك فكان في أول يوم من مسرى سبعةَ عشر ذراعًا وأصابع من الثامن عشرة، ولا يُحفظ ذلك فيما مضى قط.
وأعجب منه أنه زاد ثاني يوم الوفاء نصفَ ذراعٍ ولم يُحفظ فيما مضى مثل ذلك إلَّا في سنة ست عشرة، فإن الملك المؤيد صاحب حماة ذكر فى تاريخه بنظير ذلك في هذا العصر أن النيل أوفى تاسع عشرى أبيب وقال: إنه غريب.
* * *
وفي شعبان كانت الزلزلة في غرناطة وخسفت عدة أماكن ومواضع، وانهدم بعضُ
стр. 1556
القلعة ودامت الأرض تهتز أياما، وسقط من جدار الجامع الأَعظم وخاف أهل البلد كُلهم فخرجوا إلى الصحراء.
وفيها غزاهم الفرنج وكادوا يقبضون عليهم قَبْض اليد فأَدركهم الله بالفرج، فخرج الشيخ يحيى بن عمر بن عثمان بن عبد الحق شيخ الغزاة في أَلفين من الجند وسار نصف الليل حتى بُعد عن عسكر الفرنج وقرر مع أهل البلد أَن يخرجوا إلى الفرنج فإذا حملوا عليهم انهزموا أمامهم، وطمع الفرنج فى أخذ البلد فدهمهم الشيخ يحيى من خلفهم فأطلق النيران في معسكرهم، فجاءهم الصريخ فرجعوا فركب المسلمون أقفيتهم أسرا وقتلًا، فقيل بلغ عدة القتلى زيادةً على ثلاثين ألفا والأسرى إثنى عشر ألفا.
* * *
وفي الرابع والعشرين من المحرم عقد مجلس بين أمير آخور جقمق العلائي الذي ولى السّلطنة بعد ذلك وبين القاضي زين الدين التَّفَهْني -وكان يومئذ مدرس الحنفية بمدرسة قانباي - فقُرئَ محضرٌ يتضمن أنَّ قَانِبَاى فوض النظر للتَّفَهْنى والزّمام، ثمّ عزلهما، وأحضر جقمق جماعةً يشهدون بذلك، فأسرَّ السلطان لناظر الجيش كلامًا فغاب والشهود معه، ثمّ عاد فقال: "اتَّفَقَتْ شهادتهم"، ثم أمر السلطان بعقْد مجلسٍ بالصالحية وادّعى وكيل جقمق على وكيل التَّفَهْني أن التَّفَهنى تكلَّم في المدرسة المذكورة بغير طريق شرعى، فأجاب وكيلُ التَّفَهْنى بأن جقمق ليس ناظرًا إلى أن يثبت ذلك، فوصل كتابُ الوقف بالشَّافعي فوجد فيه أن النظر بعدَه لمن يكون أمير آخور يوم ذلك، فقال الوكيل: "هذا يقتضى التقييد بذلك الوقت وليس فيه تعميم"، فقال الشاهدان على الواقف: "نحن نشهد على الواقف أنه جعل النظر بعده لمن يكون أمير آخور" فوقع البحث في ذلك فادّعى وكيل الحنفى أن له دافعًا، فأُمهل ثلاثة أيام فحكم الحنبلي في غضون ذلك بمقتضى ما شهد به الشاهدان، وأَن ذلك مقبول ولا يقدح في شهادتهما وإنما هو تفسير لما أُبْهِمَ، وانفصل الأَمر على ذلك.
وفى سابع عشر المحرم وصل الأُمراء الذين كانوا مجردين بحلب، وأمر السلطان بإخراج بعض العسكر إلى البلاد الحلبية لدفع قَرايُلُك عن مَلَطْية، وكان نائبها قَانِبَاى البهلوان أرسل يطلب المدد.
стр. 1557
فلما تجهّز الأمراء وصل الخبر بالاستغناء عن ذلك فأمر برجوعهم فرجعوا بعد أن رحلوا مرحلةً واحدة، وقيل كان السبب أن نائب الشام أرسل يذكر للسلطان أنّه لا حاجة إلى إرسال أحدٍ من مماليك السلطان، فتخيلَ منه وأَراد اختبار حاله، فأرسل له كتابًا صحبة ساع يستدعى حضوره إلى القاهرة، فوصله الكتاب وهو راكبٌ، فخرج في الحال إلى ظاهر دمشق، واستدعى آلة السفر وتجهّز فوصل في سادس جمادى الآخرة فأكرمه السلطان وخلع عليه بالاستمرار، وعمل له السلطان ضيافةً بخليج الزَّعفراني، وسافر في ثالث عشر الشهر الذي جاء فيه.
* * *
وفى هذه السنة قرئ البخارى على العادة فكثر من يحضر من آحاد الطلبة الذين يقصدون الظهور ومُنِعوا، فتَشَفّعوا وصار لَغطْهم يزيد وسوء أدبهم يفحش فهُدِّدوا فلم يرتدعوا، فأمر السلطان في المجلس الثانى أن تكون القراءة في القصر التحتانى، وصار إذا جاء يجلس في الشباك الذي يطلّ من القصر الفوقانى على القصر التحتانى، وحصل بذلك للقضاة وأعيان المشايخ اتضاعُ منزلة، وعظم اللغط بالنسبة لما كان بحضرة السلطان، وصار السلطان بعد ذلك يتشاغل بكتابة العلامة فيجتمع عنده من يتعلق بها وتصير بالتبعية له في أعلى منزلة بالنسبة لمن هو في الحقيقة فوقهم. ولما رأى البُلقيني أنه ما بقى يظهر له مقصود انقطع عن الحضور واستمر إلى سنة أربعين، فسعى في العود كما سيأتى إن شاء الله تعالى.
* * *
وفيها توجه قرْقُماس الشعباني -وهو يومئذ الحاجب الكبير- إلى الصّعيد، فلاقاه موسى بن عُمَير شيخ عرب هوّارة وقدم له تقدمة، فلما رجع بلغ موسى أن ابن عمه عمران استقرّ مكانه وعُزل هو، فخاف موسى ودخل البريّة أطاعه بمن، وتوجه الوزير إلى قرْقُماس ليتعاونا على رجوع موسى فعجزا عنه، ثم لم يزل الوزير يراسل موسى ويتلَطَّف به حتى عاد وأحضره إلى السلطان فخلع السلطان عليه ثمّ أمسكه بعد أيام ثمّ حبسه، فبلغ ذلك عربَهُ فأفسدوا في البلاد وأَحرقوا الغلال، ووصل عبد الدايم شيخ القرافة (١) ومعه طائفةٌ من الفقراء في شوال فهرع إليه الناس للسلام عليه والتبرك به، وكان قد أذن لموسى بن عمر في التوجه
стр. 1558
إلى السلطان وضمن له السلامة، فلما سمع بحبسه جاء للشفاعة فيه، فأرسل لهم السلطان القاضي بدر الدين العيني فأَحضرهم عنده وتأَدب معهم، وكانوا ثلاثة: عبد الدايم وشجاع والعربان وأتباعهم، وقبل السلطان شفاعتهم وأَذن لهم في تسليم ابن عمر بعد أَن يحلفه كاتب السر عند العيني، ففعل ذلك ورجعوا.
* * *
وفي جمادى الأُولى شاع عن أَهل التقويم أنهم اتفقوا أن الشمس تكسف ثامن عشر هذا الشهر بعد الزوال فتأَهب السلطان وغيره لذلك وترقبها إلى أن غربت ولم يتغير منها شيءٌ ألبتة.
وفى يوم الخميس ثاني عشر شهر رجب تزوج سيدي محمد -ولد الأمير جقمق- بنت أحمد ابن أَرْغُون شاه، وعَمل له أبوه وليمةً عظيمة، وقدَّم له السلطان ومن دونه تقادم سنية
* * *
وفى شوال أرسل السلطان ثلاثمائة مملوك إلى جزيرة قبرص بمطالبة صاحبها بما استقر عليه من المال في كل سنة، وأوصاهم أن يرسوا على بعض الجزائر ويراسلوه، فإن أَجاب بالامتثال رجعوا وصحبتهم ما يوصله لهم، وإن امتنع اعتصموا ببعض الجزائر وراسلوا السلطان، فعادوا بعد بضعةٍ وعشرين يوما وصُحْبتُهم أثوابُ صوفٍ بقيمة ثلاثة آلاف دينار.
* * *
وفيها حجت خَوَنْد جُلْبَان زوج السلطان، وكانت أمَتَه فأَعتقها وتزوجها وصيّرها أكبر الخوندات، وجهزها في هذه السنة تجهيزا عظيما، وأرسل صحبتها جوهر اللالا وناظر الجيش، ونَصب الروك المتعلق بها على شاطئ النيل، فكان أمرًا مهولًا وسافروا بالمحمل من أجلها في سابع عشر شوال ورحلوا به من البركة يوم الحادى والعشرين منه قبل العادة بثلاثة أيام.
* * *
وفى ١٢ ذي القعدة أو فى النيل ستة عشر ذراعا ونودى عليه بزيادة نصف ذراع بعد الستة عشر، وذلك في تاسع عشر أبيب، وقد تقدم في سنة خمس وعشرين أنه أَوفى في تاسع عشرى أبيب أيضا ولكن بزيادة إصبعين على الستة عشر فقط، وأَوفى قبل ذلك في سنة ست عشر آخر يوم من أبيب وهى من النوادر، وأَفسد تعجيل الزيادة من الزروع التي بالجزائر شيئا كثيرا كالبطيخ والسمسم.
стр. 1559
وفيها قدم الأَمير ناصر الدين محمد بن إبراهيم بن منجك في ذي القعدة فأخبر أن نائب الشام أقام أياما محتجبا، فأَنكر عليه برسباى الحاجب الكبير، فأَجابه بالشتم والضرب والإهانة، وخرج النائب إلى ظاهر البلد وأَقام هناك، فوقع الرأى على رجوع ابن منجك بخلعةِ استمرار للنائب وأُخرى للحاجب وأن يصلح بينهما، فبادر، وصحبته سودون ميق - وهو أَمير آخور ثاني- فأصلحا بينهما، واستمر الحال.
واشتهر فيها وقوع زلزلة بالأندلس هُدم فيها من الأمكنة شيءٌ كثير.
وفيها نودى على الذهب بأنّ كلّ أشرف بمائتين وخمسة وثلاثين ومن خالف ذلك سُبِك (١) في يده، فاستمرّ على ذلك.
وفيها قدم عاذر بن نُعَير على السلطان مفارقًا لأخيه فَرْقُمَاس فأكرمه وأمّره عوضا عن أخيه فلما، رجع عصى وأذى بعض الناس، فأَرسل السلطان إلى نائب حلب ونائب حماه أَن يركبوا عليه، فبلغه ذلك فهرب وأحاطوا بما وجدوه من ماله.
وفيها أرسل شاه رخ قرايلك فى طلب إسكندر بن قرا يوسف فواقعه، فانهزم اسكندر وفرّ إلى بلاد الكرج، فنزل بقلعة شَلْمَاس وبعث إليه شاه رخ عسكرًا فقاتلوه إلى أن انهزم ونجا بنفسه جريحا، فاتفق أَنه وقع الوباء ثم الغلاء في عسكر شاه رخ فكّر راجعا إلى بلاده.
وفي العشرين من ذي الحجة مات فارس الذي كان رأس المماليك المقيمين بمكة لكف أذى المفسدين (٢)، وكان غيره قد توجه عوضه مع الحج ورجع هو مبشرا فمات في الطريق، وتأخر قدوم المبشرين بسبب ذلك يومين عن العادة فقدموا في ثامن عشرى ذى الحجة وأخبروا بالرخاء، لكن كان المساء قليلا.
* * *
ذكر من مات في سنة أربع وثلاثين وثمانمائة من الأعيان
١ - إبراهيم بن على بن إسماعيل بن إبراهيم، برهان الدين، البلبيسي الأَصل المعروف بابن الظُّرَيّف -بالظاء المعجمة وتشديد التَّحتانية. ولِيَ نيابة الحكم بالحسينية في ولاية البلقيني، ثم أُضيفت إليه نيابة الحكم بالقاهرة ومصر، وباشر مباشرة حسنة، وكان حسن العشرة والمعاملة كثير الإسراف على نفسه سامحه الله. مات في (٣) يوم السبت خامس عشر شوال بعد مرضٍ طويل.
стр. 1560
٢ - أحمد بن الدوادار نائب الإسكندرية، ويُعرف بالأَقطع (١)، مات في يوم الأحد تاسع جمادى الآخرة بالقاهرة.
٣ - إسماعيل بن أبي الحسن بن علي بن عبد (٢) الله البِرْماوي الشافعي (٣)، وُلد في حدود الخمسين ودخل القاهرة قديمًا وأخذ عن المشايخ، وسمع ومهر في الفقه والفنون، وتصدى للتدريس وخطب بالجامع العمرى بمصر، ومات في: نصف ربيع الآخر يوم (٤) الأحد عن أربع وثمانين سنة.
٤ - إسماعيل الرومي (٥) الطبيب، الصوفى المقيم بالخانقاه البيبرسية، كان يقرئ العربية والتصوف والحكمة، وامتحِن بمقالة ابن العربي ونُهى مرارًا عن إقرائها، ولم يكن محمود السيرة ولا العلاج، وكان من صوفية البيبرسية. مات فى تاسع شوال.
٥ - حمزة بن يعقوب الحريري الدّمشقيّ، مات في صفر.
٦ - شاهين الرومى المَزِّى، عتيق تقى الدين أبي بكر [المزى] الذي كان عارفًا بالتجارة على طريقة سيّده في محبة أَهل الخير ووصّاهُ على أولاده فربّاهم ثم مات بالقولنج وهم صغار فأُحيط بموجوده، فيسّر الله تعالى القيام في أمرهم مع السلطان إلى أَن أَسعدته فصار الذي لهم في ذمّة شاهين، وظهر لشاهين أخ شقيق فلمّا أثبت نسبه قبض ما بقى من تركة أخيه بعد مصالحة ناظر الخاص؛ وكان موته فى ثالث عشري ذي القعدة.
٧ - عبد الرزَّاق بن سعد الدين تاج الدين إبراهيم بن الهَيْصَم، كتب في الديوان المفرد ثم ولى الأُستادارية بعد جمال الدين، ثمّ ولى الوزارة المؤيّدية ونكب مرارًا ومات في يوم الخميس العشرين من ذى الحجة.
стр. 1561
٨ - عبد (١) الرحمن [بن محمد بن أبي بكر] وجيه الدين بن الجمال المصرى، وُلِد بزَبيد وتفقَّه وتزوّج بنت عمه النجم المرجاني، وقطن مكة وأَشغل الناس بها في الفقه واشتهر بمعرفته، ومات في سابع عشر رجب.
٩ - عبد الله محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج المقدسي ثمّ الصالحي، الشيخ شمس الدين بن الشيخ شرف الدين، أخو القاضي تقي الدين؛ وُلِد في ربيع الأَول سنة، خمسين (٢) ومات أَبوه وهو صغير فحفظ "المقنع" و "مختصر ابن الحاجب"، وأخذ عن بعض مشايخ أخيه الحديث، وأَجاز له عز الدين بن جماعة وجمال الدين بن هشام النحوى وغيرهما، وسمع من جده لأمه -جمال الدين المرْداوي- وشرف الدين بن قاضي الجبل وغيرهما، وأَفتى ودرّس واشتغل وناظر، وناب فى القضاء دهرًا طويلا، وصار كثير المحفوظ جدا، وأَما استحضار فروع الفقه فكان فيه عجيبًا مع استحضار كثير من العلوم، وكان يُنسب إلى المجازفة في النقل أحيانًا وعليه مآخذ دينية، وانتهت إليه رئاسة الحنابلة في زمانه، وعُيِّن للقضاء غير مرة فلم يتفق ذلك، وولى [عمر] ابن أخيه في حياته وقدم عليه.
مات في ليلة الجمعة ثاني ذي القعدة، أَرّخه مؤرخ الشام وأرّخه قاضي الحنابلة في خامس عشر شوال.
١٠ - عمر بن منصور، الشيخ سراج الدين البَهَادُرى الحنفى، وُلد سنة بضع وستِّين، واشتغل بالفقه والعربيّة والطبّ والمعانى وغير ذلك حتى مهر واشتهر، ودرّس وناب في الحكم وصار يُشَار إليه في فضلاء الحنفية وفى الأَطباء، إلَّا أنه لم يكن محمود (٣) العلاج أيضا. مات (٤) في يوم السبت ثاني عشر شوال.
стр. 1562
١١ - محمد، ناصر الدين بن أرغون الماردانى القُبَيْبَاتى، وُلد سنة خمسين وسبعمائة، ونشأَ في خدمة الأُمراء من عهد آقتمر عبد الغنى النائب وهلمّ جرا، وولى الجيزة والحجوبية والأُستادارية عند غير واحد، وكان عارفًا بالأُمور، وصحب الناس وعرف أخلاقَ الدولة وعاشرهم ومازجهم (١)، ثم أقبل على الاشتغال في الفقه حتى صار يستحضر كثيرًا من المسائل الفقهيّة ويقرأ عنده فى "الروضة" وغيرهما، ويكثر من مساءلة مَن يلقاه من العلماء؛ وسمعتُ منه فوائد ولطائف، وكان (٢) ينتمى إلى أصهارنا بقرابة من النساء. مات في رمضان (٣).
١٢ - محمد بن الحسن بن محمد، الشيخ شمس الدين الحسنى (٤) ابن أخي الشيخ تقى الدين الحِصْنى، اشتغل على عمّه ولازم طريقته فى العبادة والتجرد ودرّس بالشامية، وقام في عمارة البادرائية (٥) ومات في شهر ربيع الأَول، وكان شديد التعصّب على الحنابلة.
١٣ - محمد بن حمزة بن محمد بن محمد الرومى، العلّامة شمس الدين الحنفى المعروف بابن الفَنَرِى (٦) -بفتح الفاء والنون مخففا -وُلد سنة ثمانٍ وخمسين في صفر، وأخذ ببلاده عن العلّامة علاء الدين المعروف بالأَسود شارح "المغنى"، وعن الكمال محمد بن محمد المعرى، والجمال محمد بن محمد بن محمد الأقصرائي وعن غيرهم، ولازم الاشتغال ورحل
стр. 1563
إلى الديار المصرية سنة ثمانٍ وسبعين وله عشرون سنة، فأَخذ عن الشيخ أكمل الدين وغيره، ثمّ رجع إلى الرّوم فولى قضاء برصا مدة، ثم تحوّل إلى قونية فأَقام بها، فلما وقعت الحرب بين أبي عثمان وابن قِرْمان وانكسر ابن قرمان أخذ ابن عثمان الشيخ شمس الدين المذكور إلى برصا ففوّض إليه قضاء مملكته وارتفع قدْرُه عنده وحلَّ عنده المحلَّ الأعلى وعذق (١) به الأُمور كلها وصار في معنى الوزير واشتهر ذكره وشاع فضله. وكان حسنَ السَّمْت كثير الفضل والأفضال، غير أنه يُعاب (٢) بنحلة ابن العربي وبأَنه يقرئ "الفصوص" ويقرّره، ولما قدم القاهرة لم يتظاهر بشيء من ذلك، وحجّ سنة اثنتين وعشرين، فلما رجع طَلَبَهُ المؤيّد فدخل القاهرة، واجتمع بفضلاتها ولم يظهر عنه شيء مما كان يُرْمى به من المعاملة المذكورة. وكان بعض من اعتنى به أوصاه أن لا يتكلَّم في شيء من ذلك، فاجتمع به فضلاء العصر وذاكروه وباحثوه وشهدوا له بالفضيلة، ثمّ رجع إلى القدس فزاره ثم رجع إلى بلاده.
وكان قد أثرى إلى الغاية حتى يقال إن عنده من النقد خاصةً مائةً. وخمسين ألف دينار؛ وكان عارفا بالقراءات والعربية والمعاني، كثير المشاركة في الفنون، ثمّ حج سنة ثلاث وثلاثين على طريق أَنطاكية ورجع قمات ببلاده في شهر رجب، وكان قد أصابه رمدٌ وأشرفَ منه على العمَى، بل يقال إنه عمى ثم ردّ الله عليه بصره فحج هذه الحجة الأخيرة شكرًا لله على ذلك.
وله مصنَّف في أصول الفقه جمع فيه "المنار" و "اليزدوى"، وغيرهما، وأقام في عمله ثلاثين سنة، وأقرأ "العضد" نحو العشرين مرة، كتب لى بخطه بالإجازة لما قدم القاهرة.
١٤ - محمد تقى الدين بن الشيخ نور الدين على بن أحمد بن الأمين المصرى، وُلد سنة ستين وتفقَّه قليلا، وتكسّب بالشهادة مدةً طويلة، وكان يحفظ شيئًا كثيرًا من الآداب والنوادر، واشتهر بمعرفة المُلَح والزوائد المصرية وَثَلْب الأعراض خصوصًا
стр. 1564
الأكابر فكان بعض الأكابر يقربه لذلك، ولم يكن متصوّنًا في نفسه ولا في دينه، والله يسامحه. مات في شوال.
١٥ - محمد بن الناصر فرج.
١٦ - محمد (١) بن محمد بن محمد بن محمد بن على بن يوسف؛ الحافظ الإمام المقرئ شمس الدين بن الجزري (٢)، وُلد ليلة السبت الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة إحدى وخمسين بدمشق وتفقه بها ولهج بطلب الحديث والقرآن وبرز في القراءات وعمّر مدرسةً للقراء سماها "دار القرآن"، وأقرأ الناس؛ وعُين لقضاء الشام مرة وكتب (٣) توقيعَه عمادُ الدين بن كثير ثم عرض عارض فلم يَتمّ ذلك، وقدم القاهرة مرارًا.
وكان مثريًا وشكلًا حسنًا وفصيحًا بليغا، وكان باشر عند قطلبك أُستادار أيْتَمُش فاتفق أنه نقم عليه شيئًا فتهدّده ففرّ منه فنزل البحر إلى بلاد الروم في سنة ثمانٍ وتسعين، فاتَّصل بأَبي يزيد بن عثمان فعظَّمه، وأخذ أهلُ البلاد عنه علم القراءات وأكثروا عنه، ثم كان ممَّن حضر الوقعة مع ابن عثمان واللَّنكية، فلما أُسر ابن عثمان اتصل ابن الجزري باللنك فعظَّمه وفوّض (٤) له قضاء شيراز فباشره مدّة طويلة وكان كثير الإحسان لأهل الحجاز، وأخذ عنه أهل تلك البلاد في القراءات وسمعوا عليه الحديث، ثم اتفق أنه حج سنة اثنتين وعشرين فنهب ففاته الحج وأقام بينبع ثمّ بالمدينة، ثمّ دخل مكَّة فجاور إلى أن حجّ ورجع إلى العراق، وكان كَاتَبَ المؤيّد أن يأذن له في دخول القاهرة فمات المؤيد في تلك السنة فرجع.
ثم عاد في سنة ستٍّ وعشرين وحجّ ودخل القاهرة سنة سبعٍ وعشرين فعظّمه الملكُ الأشرفُ وأكرمه، وحج في آخرها وأقام بها قليلًا، ودخل اليمن تاجرًا فأَسمع الحديث
стр. 1565
عند صاحبها ووصله ورجع ببضاعةٍ كثيرة فقدم القاهرة في سنة سبعٍ [وعشرين] وأقام بها مدّةً إلى أن سافر على طريق الشام ثمّ على طريق البصرة إلى أن وصل شيراز، وقد انتهت إليه رئاسة علم القراءات في الممالك.
وكان قديما صنَّف "الحصن الحصين (١) " في الأَدعية، ولهج به أهل اليمن واستكثروا منه، وسمعوه علىَّ قبل أن يدخل هو إليهم ثم دخل إليهم فأَسمعهم، وحدّث بالقاهرة بمسند أحمد ومسند الشافعي وبغير ذلك،، وسمع بدمشق وبمصر من ابن أميلة وابن الشيرجي ومحمود بن خليفة وعماد الدين بن كثير وابن أبي عمرو وإبراهيم بن أحداد بن فلاح والكمال بن حبيب وعبد الرحمن بن أحمد البغدادي وغيرهم، وبالإسكندرية من عبد الله ابن الدَّماميني، وببعلبك من أحمد بن عبد الكريم، وطلب بنفسه وكتب الطباق وعنى بالنظم وكانت عنايته بالقراءات أكثر، فجمع "ذيل (٢) طبقات القراء" للذهبي وأجاد فيه، ونظم قصيدة في قراءة الثلاثة، وجمع "النشر (٣) فى القراءات العشر"، جوّده، وذكر أن ابن الخباز أجاز له واتُّهم في ذلك.
وقرأتُ بخط القاضى علاء الدين بن خطيب الناصرية أنه سمع الحافظ أبا إسحق إبراهيم سبط ابن العجمى: سمعت من أصحابه الذين سمعوه منه يقول: لما دَخلتُ دمشق قال لي الحافظ صدر الدين الياسوفى: لا تسمع من ابن الجزرى شيئًا": قلت. وقد سمعت بعض العلماء يتهمه بالمجازفة في القول وكذا (٤) الحديث فما أظن إلَّا أنه كان إذا رأى للعصريّين شيئًا أغار عليه ونسبه لنفسه، وهذا أمرٌ قد أكثر المتأخِّرون منه ولم ينفرد به.
وكانت وفاته في أوائل سنة ثلاث (٥) وثلاثين، وكان يلقب في بلاده "الإمام الأعظم"
стр. 1566
ولم يكن محمود السيرة في القضاء، وأَوقفنى بعض الطلبة من أهل تلك البلاد على جزء فيه أربعون حديثًا عشاريّات فتأملتها فوجدْته خرّجها بأسانيد من جزء الأنصاري وغيره، وأخذ كلام شيخنا العراقي في أَربعينه المشاريات بنصّه، فكأَنه استخرج عليها مستخرجًا بعضه بالسماع وأكثر بالإجازة، ومنه ما خرّجه شيخنا من جزء ابن عرفة فإنه رواه عن ابن الخباز بالإجازة.
١٧ - محمد جمال الدين بن الشيخ بدر الدين يوسف بن الحسن بن محمود الحلواني، قدم القاهرة سنة أربعٍ وعشرين فأُكرم، ثم طلبه صاحبُ الحصن من الأَشرف فجهزه إليه فمات بمصر في هذه السنة، وكان فاضلًا في عدة علوم، وما أظنه أكمل أربعين سنة.
١٨ - محمد بن الشيخ بدر الدين الحمصي المعروف بابن العُصَيَّاتي (١)، اشتغل كثيرًا، وكان في أوّل أمره جامدَ الذهن، ثمّ اتفق أنه سقط من مكان فانشقَّ رأسه نصفين ثمّ عولج فالتأم فصار حَفَظة، ومهر في العلوم العقلية وغيرها، وكان يرجع إلى دين، وينكر المنكر، وصف بحدّةٍ ونَقْصٍ عقل. مات في صفر.
١٩ - محمد ناصر الدين الشيخي، تولّى الوزارة للناصر، ثمّ عُزِل في سنة أربعٍ وثمانمائة وصودر بسبب ظهر عنده من يعمل الزغل ويخرجه على الناس فقُبض عليه وعوقب إلى أن مات في ذي القعدة، واستقر بعده فى الوزارة سعد الله بن عطايا.
٢٠ - محمود بن أحمد بن محمد، الفيّومى (٢) الأصل، نور الدين الحموي ابن خطيب الدهشة، وُلد سنة خمسين وسبعمائة، وسمع من جماعةٍ، وتفقَّه ببلده (٣) على علمائها في ذلك العصر، ودخل الشام ومصر طالبَ عِلْم؛ ثم ولى قضاء حماة في أول دولة الملك المؤيد وباشر مباشرةً حسنة بعفةٍ ونزاهة، وصُرف بزين الدين بن الجزري في أوائل سنة ستٍّ
стр. 1567
وعشرين، واختصر "القوت" للأَذرعى وسمّاه "الباب القوت"، ولم يكمله (١)، وشرح "المنهاج" للسّبكي، وشرح "الكافية الشافية" فى العربية، وله منظومة في الخط وشرحها؛ وهذَّب "المطالع" لابن قرقول في قدر ضِعفه، وانتهت إليه رئاسة المذهب بحماة الدّين والتواضع المفرط والفقه والانكباب على المطالعة والاشتغال والتصنيف، وكان مشاركًا في الأدب وغيره، حَسَن الخط. مات في يوم الخميس (٢) تاسع عشر شوال بحماة وكانت جنازته مشهودة، ومن نظمه:
وصْل (٣) حبيبي خبرٌ … لأنَّه قدْ رَفَعَه
ينصِبُ قلبي غرضًا … إذْ صَار مفعولا مَعَه
وبينه وبين الشيخ بدر الدين بن قاضي أَذرعات مكاتباتٌ منظومة.
стр. 1568
سنة خمس وثلاثين وثمانمائة
في ثامن عشر المحرّم وصل الأمير طَرَاباى نائب طرابلس فسلَّم على السّلطان وخلع عليه، فأَقام خمسةَ أيّام ورجع إلى بلده.
وفى شهر رمضان منها استقر دُولات حَجَا الظَّاهرى فى ولاية القاهرة عوضا عن التاج [الشوبكي] واستمر التاج فى وظائفه، وكان هذا (١) ظالما غاشمًا ولى كشف الوجه القبلى فتعدّى الحدّ في العقوبة حتى كان يأْمر بأن يُنْفَخَ في دبر من من يريد عقوبته حتى تبرز عيناه أو ينفلق دماغه، ثمّ ولى كشْفَ الوجه البحرى، ثم استقرّ في الولاية فجمع كلَّ مَن في سجن الوالى مِن أُولى الجرائم فأطلقهم، وحلف جهد يمينه أنه متى ظفر بأَحد منهم وسّطه، وفعل ذلك ببعضهم فكَفوا، وركب في الليل وطاف وأكثر من ذلك، وألزَم الباعةَ بكَنْس الشوارع ورشِّها ووقيد القناديل في حوانيتهم كلَّ ليلة، ومنع النساء من الخروج إلى الترب أيَّام الجمع، فاستمرّ على ذلك قدر شهرين ثم أُعيد التاج.
* * *
وفي الخامس من صفر انتشر بمصر جرادٌ كثير في الآفاق ولكن لم يحدث منه شر، ووردت الأخبار بأنه وقع فيما بين بغداد وتبريز فلم يدع خضراء فكثُر فساده وعمّ البلاء حتى حدث منه الغلاء الشديد وأعقبه الوباء المفرط.
وفيه (٢) أُعيد آقبغا الجمالي لكشف الوجه القبلى.
وفى ربيع الآخر نزل بعض (٣) المماليك من الطِّباق لنهب بيت الوزير وكان استعدَّ لهم
стр. 1569
فلم يظفروا به ولا بشيءٍ فيه، فلما أصبح استعفى من الأُستادارية فقرر السلطان فيها الصاحب بدر الدين بن نصر الله في ثالث عشرى ربيع الآخر فباشرها شَهْرين، ثمّ انفصل وأُعيد آقبُغَا الجمالي في جمادى الآخرة، وسبب ذلك أنه (١) كان حَصَّلَ من الصعيد الأعلى -بالظّلم والعسْف- مالًا كثيرًا فرافعه فيه بعض الناس، فسعى فى الحضور فأُجيب، فسعى في الأُستادارية على أن يزن عشرة آلاف دينار ويلتزم بالتَّكْفِية فأُجيب، ثم حُوقِقَ على جهات احتاط عليها فزيد على الذي وعَد به خمسة آلاف دينار فالتزم بها.
* * *
وفيها أُجريت العيون حتى دخلت مكة فامتلأت بِركُ باب المعلى ومرت على سوق الخيل إلى الصفا فعمّ النفع بها، وكان القائم على ذلك سراج الدين بن شمس الدين ابن المُزَلَّق كبير التجار بدمشق، وصرف على ذلك من مال نفسه شيئًا كثيرا.
وفي السابع والعشرين من جمادى الآخرة صُرف القاضي زين الدين التَّفَهْني من قضاء الحنفية وأُعيد العيني، وكانت عِلةُ التَّفهْنى طالت لأنها ابتدأَت به من ذى الحجة فأقام مدةً وعوفى ثم انتكس واستمر، وتداولته الأمراض إلى أن أُشيع موته، واستقر في قضاء الحنفية بدر الدين العينتابي (٢)، وبلغ التفهنى ذلك فشق عليه وركب في اليوم الثاني إلى القرافة حتى شاهده الناس ليحقق أَن العينتابي يقول عليه أنه بلغ الموت لكن لم يفد ذلك، فلما دخل شوال مات؛ وكان مولده سنة بضعٍ وستين فإن القاضي شمس الدين البساطي ذكر لي (٣) أنه يعرفه من سنة ثمانين وهو بالِغٌ، وكان في غضون مرضه نزل لولده شمس الدين محمد عنْ تدريس الصُّرْغُتْمشِيّة فشَقَّ ذلك على العينتابي وقام فيه وقعد، فصدَّه ناظر الجيش عنه وأمضى السلطان النّزول، فلما مات التَّفَهْنى صُودر ولدُه على خمسمائة دينار، وكان
стр. 1570
التَّفَهْني قد سمع الحديث من النجم بن الكشك وغيره واشتغل على جماعة من المشايخ، وأَوَّلُ من نَوَّه به كاتبُ السر بدر الدين الكُلُسْتَانى؛ وكان أصله من نَفَهْنة (١) -إحدى القرى الغربية- وأبوه طحّان، ومات وهو صغير فرباه أخوه شمس الدين محمد، فلما ترعرع دخل القاهرة ونزل في كُتّاب السبيل بالصُّرْغُتْمُشِيّة ثمّ صار عريفًا بالمكتب، ثم نزل في الطلبة، ثم نزل في صوفية الشيخونية، فلما نَوَّه به الكُلْسْتَاني ناب في القضاء وحُمِدَت سيرته ولازم الاشتغال وحَسُنَ حظه، وكَتَبَ على الفتاوى فأجاد، وكان حسنَ الأخلاق كثيرَ الاحتمال شديدَ السّطوة إذا غضب لا يُطاق، وإذا رضى لا يكاد يُوجد له نظير؛ رحمه الله تعالى.
* * *
وفى شعبان صُرف القاضى شهاب الدين بن المحمرة (٢) عن قضاء الشام واستقر كمال الدين البارزى وخلع عليه في يوم الجمعة ثانى شعبان مع استمراره (٣) في كتابة السر الشام، فلما بلغ الشام توجه إلى بيت المقدس فصام شهر رمضان هناك وقدم بعد شوال إلى القاهرة، وكان لما سار إلى الشام استناب بدر الدين بن الأمانة في تدريس الشيخونية وجمال الدين ابن المجير في مشيخة الصلاحية، فلما تمادت إقامته هناك استنجز مرسومَ السلطان بالاستقلال، فلما عاد إلى القاهرة استعاد الوظيفتين منهما بإذن السلطان، ولم يلتفت إلى شرط الواقف أنَّ من غاب عن وظيفته أزْيد من مدّةِ مجاورة الحاجِّ أُخْرج منها، وهذا بخلاف شرط سعيد السعداء فإن شرط واقفها بأنَّ من غاب عن وظيفته يعود إليها إذا عاد ولو طالت غيبته، فحُجَّة ابن الأمانة قائمة وحجة ابن المجير داحضة.
وفيها وصل من جُنُوك الصّين عدة ومعهم من التحف مالا يوصف فبيع بمكة.
стр. 1571
وفيها أُسِر حمزة بن قَرَايلك صاحب آمد، أسَره ناصر الدين أمير ماردين وسجنه لأنَّ أباه كان يغير على معاملة ماردين ويكثر الفساد، فسار قَرَايُلُك حتى نازل ماردين وحاصرها مدةً إلى أن ملكها وهرب ناصر الدين أَميرها، وخلص حمزة قرايلك واستمرت ماردين في يد قرايلك.
* * *
وفي رجب قدم نائبُ الشام (١) أيضًا مطلوبا فحضر فى حادي عشري رجب فخُلع (٢) عليه في ثاني عشرى رجب واستقر أتابكَ العساكر عوضا عن جَارقطِلي، وخلع على جَارقُطْلِي بنيابة الشام عوضه وتوجه في أول شعبان منها.
* * *
وفيها صمم السلطان على السفر إلى البلاد الشمالية بسبب قرايلك وتجهيز غالب الناس ولم يبق إلا السفر، فقدم قاصد قرايلك ومعه مفاتيح قلعة ماردين وكان قد غلب عليها ونقل صاحبها، ففتر العزمُ في هذه السنة.
وفيها أراد السلطانُ عَمَلَ دار العدل كما كانت في أيّام الظَّاهر برقوق، فبادر إلى ترميمها وإصلاحِ ما تشعَّبَ فيها، وجلس يوما ثم تركها.
وفيها حَجَّ ركبُ المغاربة وركْبُ التَّكرُور، ومعهم بعض ملوكهم.
وفيها اشتدّ تحجير السلطان على التجار وأَلزمهم بعدم بيْع بضائعهم إلا بإذنه، ثم جمعهم في رمضان وسألهم أن يبيعوا عليه جميع ما عندهم من الفلفل سعر خمسين الحمل، فشق عليهم جدًا ولم يجدوا بدًّا من المطاوعة وكانوا قد باعوه عليهم من قِبَل السلطان من قبل ذلك بسعر ثمانين، وذكر له بعضهم ذلك فلم يلتفت إليه، ثم كُتبت مراسيم وأُرسلت إلى الشام والحجاز والإسكندرية، وأن لا يبيع أحد البهار ولا يشتريه إلَّا السلطان.
стр. 1572
وفي ذي القعدة عُقد مجلس بحضرة القضاة الأربعة وقُرْقَماس الحاجب الكبير بإذن السلطان بسبب ما حَكم به نائب الحنفى من هَدْم دار ابن النقاش، وكان السبب في ذلك أن علَم الدين البُلْقِيني كان سأل ناظرَ الجيش أن ينتزع له من كاتبه نظر جامع طولون ونظر الناصرية ليَسْكُت عن طلب العود للقضاء والسعى فيه، فرضى كاتبه بذلك وفوض له ذلك وأخذ توقيعًا سلطانيًا، فمِن حمقه أنه هنأ السلطان بعيد الفطر فشكر السلطان، فقال ينبغي أن تشكر القاضي الذي أعطاك فقال: "أنا ما أعطانى إلا السلطان" وهذا غاية في الحمق والجهل، فإِنَّ الواقف شَرَط النَّظَر للقاضي الشافعي فلو ولاه السلطان بغيره لمْ تصحّ ولايته، فلما بلغنى ذلك صرَّحْت بعزله فما بَالَى بذلك واستمرّ يتحدّث فيهما افْتِيَانًا من غير مبالاة، فلما استمر على التحدّث في جامع طولون استخرج من أوراق أخيه محضرًا كان كتبه على ابن النقاش يتضمّن أن أَمين الدين الطرابلسي -حين كان قاضى الحنفية- حكم عليه بسدّ السراب الذي فتحه في جدار الجامع ليستطرق منه إلى الدخول، وأنَّ البيت الذي بناه من جملة حريم الجامع فيكون له حكم المسجد، وسأل القاضي بدر الدين العينتابي بأَن يأذن لأَحد نوابه أن يحكم بذلك فأَسند ذلك للقاضي ناصر الدين الشَّنَشى فحكم وعرض ذلك على السلطان، فاستعظم الناس هَدْمَ البيت المذكور بعد مضى أربعين سنة أو أكثر، وشاهد ذلك أكابر العلماء والأئمة، فأَمر السلطان بعقد مجلس، فلما اجتمعوا ادعى مدع على ابن النقاش بأن البيت الذي بأيديهم يجب هدمه لأنه عُمر في حريم الجامع فله حكم المستجد (١)، وأنه يجب عليهم أجرة المثل عن المدة الماضية في تركة أبيهم إلى أن مات ثمّ في المدة التي منذ مات يجب من ريعه، فأَجاب بأن أباه استأْذن القاضي جلال الدين البلقيني في استئجار الأرض المذكورة، فأَذن لنائبه القاضى ولى الدين العراقى فى النظر في ذلك، فاستوفى الشروط وأذن لبعض العدول في إجارته فأجَّره بأُجرة معينة مدةً معينة ليبنى في ذلك الزمان ما أراد، واتصل ذلك بالعراقَّي وحكم به، وذلك أن الأرض المذكورة ليست مسجدا، فاتَّصل ثبوت ذلك بالقاضي المالكي في المجلس لكونها شهادة على الخط، ثمّ اتصل بالشافعى فحكم بإبْقَاء البناء المذكور وعدم التعرض لهدْمه؛ وكان ابن النقاش قد سَدّ الاستطراق المذكور فحاول المعلم
стр. 1573
أن يهدم ما سدَّه ثم يبنى فلم يوافقه أحد، وانفصل المجلس على ذلك وَقَصُرَ حُكْمُ نائبِ الحكم (١) بأن السّاحة المذكورة الدائرة حول الجامع من جريم الجامع وأنَّ لها حكم الجامع على ما ينافيه مما لم يتقدم به حُكْمُ أحدٍ من الحكام، وحصل للعَلَم والحنفى من ذلك حُنْقٌ زائدٌ، فأمَّا العلَمَ فبذل جهده في السعى ليعود إلى القضاء فتعذر عليه ذلك، وأما الحنفى فصار يمتنع من حضور المجالس مع الشافعى والله الحمد.
وأدير المحمل في هذه السنة في ثالث رجب.
وفى هذه السّنة مُنع الناس من السفر في وسط السنة إلى الحجاز صحبة ابن المرأة خشيةً عليهم من نهب العرب.
* * *
وكان كسرُ الخليج فى الخامس من مسرى وانتهت الزيادة في هذه السنة إلى إحدى وعشرين إصبعا من ثمانية عشر ذراعًا إلى آخر مسرى (٢)، ووصل المبشر يوم الجمعة خامس عشري ذي الحجة فقطع المسافة في أربعة عشر يوما، وهذا أسرع ما سمع في ذلك.
وفي سابع عشر شعبان -وهو الثالث والعشرون من برمودة- أرعدت (٣) السماء وأمطرت مطرًا غزيرًا. وفي هذه السنة تقطع غالب الجسور التي عملت للنيل فشَرَق بسبب ذلك كثير من البلاد.
وفى أول رمضان تراءى الناسُ الهلالَ فخفى عليهم، فشهد به إثنان بعد العشاء فثبت، فلمّا أصبح السلطان استغْرب ذلك لكونه تراءى هو ومن معه ومكانهم بالقلعة مرتفع جدًا وكانت السماء صاحيةً (٤) فاستدعى بالشهود فحضروا عنده فامتحنهم بأَن فرّق بينهم، وبأَن
стр. 1574
ألزمهم أن يشيروا إلى الجهة التي رأوا الهلال فيها في أوّل ليلة، ففعلوا فلم يخطئوا فمضى الأمر؛ واتُّفق في هذه السنة أنهم لم يروا الهلال ليلة التَّرائي، ثم ثَبت في اليوم الثاني ذي الحجّة فتوافق العيدان في المعنى المذكور.
وفيه أكثر السلطانُ من الركوب إلى العسر (١) والنزهة حتى ركب في يومٍ واحد إلى بيت ناظر الجيش ثم إلى بيت ناظر الخاص، فحملا له تقادم جليلة.
وفيه (٢) استقر الوزير كريمُ الدين بنُ كاتبِ المناخات في كتابة السّرّ مضافا إلى الوزارة في ثالث شوّال عوضا عن ابن السفاح، وكان السّلطان أرسل إلى شهاب الدين بن الكشك قاضى الحنفية بدمشق بأَن يحضر ويستقرَّ في كتابة السر، فأَرسل بالاعتذار وبذل مالًا على الكف عنه فأُجيب (٣)، واستقرّ كريمُ الدين فباشر قليلًا ثمّ صُرف بعد قليلٍ لمّا حضر ابنُ البارزي.
وفي ذي القعدة استقرّ القاضى عزُ الدين عبدُ العزيز بنُ علىٍّ البغدادي (٤) الحنبليّ في قضاء الحنابلة بدمشق.
وفي أواخر جُمادى الأولى صُرف العينتابي من الحسبة واستقرّ صلاحُ الدين بنُ بدر الدين ابن نصر الله.
* * *
وفى شوال قُتل نصرانى وقع في حق داود ﵇ فحُبس مدةً ليسلم، فأصرَّ فقُتِل.
وفى (٥) هذه السنة ثارت فتنةٌ عظيمةٌ بين الحنابلة والأشاعرة بدمشق، وتَعصّب الشيخُ
стр. 1575
علاء الدين البخارى نزيلُ دمشق على الحنابلة وبالغ في الحط على ابن تيميّة وصَرَّح بتكفيره، فتعصَّب جماعةٌ من الدماشقة لابن تيمية، وصنَّف صاحبُنا الحافظ شمس الدين بن ناصر من الدين جُزءا في فَضْل ابن تيمية -وسَردَ أسماء من أثْنى عليه وعظَّمه من أهل عصره فمَنْ بعدهم على حروف المعجم مبينا لكلامهم -وأرسله إلى القاهرة، فكتَب له عليه غالبُ المصريين بالتصويب، بل خالفوا علاء الدين البخارى فى إطلاقه القول بتكفيره وتكفير من أطلق عليه أنه "شيخ الإسلام"، وخَرج مرسوم السّلطان إلى كل: "أنَّ أحدًا لا يعترض على مذهب غيره، ومن أظهر شيئا مُجْمَعًا عليه سُمع منه"، وسَكَن الأمر.
واستقر جَارْقُطْلِي في نيابة الشام في ثامن عشرى رجب.
وفيه أُلزِم أهل سوق الخيل أن لا يبيعوا لمتعمّم فرسًا ولا لجندىٍّ من أولاد الناس، ثمّ بَطُلَ ذلك عن قريب.
وفيه وقع الفناء في الخيول فأخِذت خيولُ الناس من الرّبيع ثم شفع فيهم فأُعيد أكثرُها، وتوجَّه عدةٌ من الأُمراء إلى بلاد الريف لأخْذ الخيول من أيدى الفلَّاحين.
وفى ثالث ربيع الآخر أمر السلطانُ بإخراج مَن فى السجون على الدّيون والمصالحةِ عنهم.
وفى أوَّلها اهتمَّ السلطانُ بأمر الأَسعار وأمر بإخراج البذر من حواصله للأراضي البائرة، فكثر الزرع وفُرِّج عن الناس بذلك وتراجع السعر.
وفي (١) ربيع الآخر عقد مجلسٌ آخر عند كاتب السر اجتمع فيه القضاةُ ومشايخُ العِلْم بسبب أن السلطان اشترى من وكيل بيت المال أرضًا وقفها، وثبت ذلك عند الشافعي ونفَّذه الباقون إلَّا الحنفى، فادَّعى أن الحكم باطل واستَند إلى أن عَلَمَ الدين، وَلَدَ شيخنا البلقيني، ذكر له البُطلان ووافقه بعض نواب الحكم من الشافعية المنفصلين، وكان القائم في أَمْرِ الشراء المذكور ناظر الجيش بأَمْر كاتب السر أن يستفتى علماء الشافعية عن ذلك فأَفتوه بالجواز إلَّا القِمْني وقال: "إذا استوفى الحاكم الشروط صحَّ البيع"، وكان قبل ذلك كتب أن البيع لا يصح وأطلق. وأما العَلَم فاعتلَّ بأنه يلزم من ذلك اتِّخاذ الموجب والمقابل وذلك
стр. 1576
يختص بما يتعاطى الجدّ لحفيديه وأنَّ وكيلَ بيت المال وكيلُ السلطان، فإذا اشترى السلطان من وكيله فكأَنه اشترى من نفسه، وفاته ما صرَّح به جماعةٌ من العلماء بأنَّ وكيل بيت المال وكيلٌ عن أئمة المسلمين لا عن خصوص السلطان، وإنّما وظيفتُه ولايةٌ لا نيابة؛ وقد صرّح بذلك السُّبكي وغيره. ثمّ ظَفرْتُ بأن ذلك صَنَعَهُ السّلطانُ صلاحُ الدين في وقْف الصّلاحية ببيت المقدس ونَقَله السّبكي في فتاويه، وقال الأَذرعي في "شرح المنهاج": "اغتر بعض الناس بتسميته وكيلا فقال إنه يَنْعزِلُ بموت السلطان وهو غلط"، ثم أحضر حكمه جلال الدين البُلْقِيني في مثل ذلك وكذلك مِنْ قَبْلِه أبو البقاء وعز الدين بن جماعة، فأصرّ على دعوى البطلان، وأصرّ الحنفى على الامتناع من التنفيذ اعتمادًا على قول المذكور مع تحقُّقٍ في الفهْم وغزارة ما عنده من العلم، ثمّ حملته العصبيَّةُ على أن اجتمع بالسلطان وعرَّفه أَن البيع باطلٌ، وأنَّ الشافعية راعوا القاضي الشافعي فوافقوه فيما عمل، فأَمرهم بالاجتماع عنده، فحضروا يوم الاثنين ثامن الشَّهر المذكور، فبدأَ الشافعي فسأَل الحنفى: "لِمَا امتنعت من تنفيذ هذا الحكم؟ "، فقال: "لأَنَّ الشافعية قالوا إنه باطلٌ فوقفته على فتاوى الشافعية" فأسند الأمر للقِمْنى، فوقَّفْتُه على فتوى القِمْني الثانية، فقال: "هذا لا يعتمد عليه لأَنه تناقض"، فسُئِل العلم في المجلس عن مستنده في دعوى البطلان، فقال: "نَصَّ الشافعيُّ في عيون المسائل أَن الوالى فى رعيّته بمنزلة الوصِيّ في مال اليتيم"، فسُئِل: "ما وجْهُ الدلالة هذا النص بصورة المسألة"، فخلط في جوابه وانفعل، فأُخْرِج له نَصُّ الشافعي في مختصر المازني بأَن المراد في ذلك مما يتعلق برعاية المصلحة للجهتين، فكابَرَ فَردّ عليه من حضر وقالوا: "إذا كان الكلام مطلقا، وذُكر له في موضع آخر قيد أوجب الحمل عليه وعمل بالخاص"، ثم استَظهر الشافعىّ بأنَّ للسلطان أَن يقف ما يراه من أراضى بيت المال على من رآه، وأن الوصىَّ ليس له ذلك في مال اليتيم، فدلّ على أنَّ النص ليس له عمومته، فاستمر على العناد فبان للجماعة حصْره وتعصبه.
وأما الحنفى فبَيّن له أن لا حجة للقمنى والعلم قاصر على التعصب وقال: "لا يجب التنفيذ"؛ وكان يخشى أن ينفذ في الحال فيقال إنه غلب فجنح إلى هذا العذر، وانفصل المجلس على هذا، وسئل علماءُ الحنفية عن ذلك فقالوا: بل يجب على الحاكم إذا اتَّصل به
стр. 1577
حُكْمُ غيره وسأله صاحب الحق التنفيذ أَن يفعل. وممن كتب بوجوب ذلك عليه وأنه إذا لم يفعل: التفهنى وابنُ الدّميرى ونظام الدين وصدرُ الدين بن العجمي وعبدُ السلامُ البغدادى وكمالُ الدين بنُ الهُمام وبدرُ الدين المقدسي وأمينُ الدين الأُقصرائي والقاضي المالكي والقاضى الحنبلي، فلما بلغه ذلك استفتى فيما "إذا حصلت عند الحنفى ريبَةٌ في الحكم هل يجب عليه أن ينفده مع الريبة؟ " فطافوا بها فلم يكتب عليها أحد، فأُشير عليه بأَن يرجع وينفذ، فآل الأمر إلى أن نفَّذ الحكم بعد ذلك في السادس عشر من الشهر المذكور.
* * *
وفى أواخر شهر ربيع الآخر قدم فيروز من المدينة وخُلع عليه بعد أيام. وعاد إلى مكانه وزاد تمكينًا بحيث اقتصر السلطان من الندماء عليه وعلى التاج الوالى وولى الدين بن قاسم وأحمد بن الأَحدب الشامى ومراد العجمي، هؤلاء ندماء السلطان، والحصنى ومن طرأَ عليهم من غيرهم مقتوه إلى أن يخرجوه.
وفي يوم الاثنين مستهل جمادى الآخرة استقر شهاب الدين أحمد بن محمد بن صلاح المعروف بابن المحمرة وبابن السمسار في قضاء الشام عوضًا عن أبي البقاء بن حجى وبقيت مدةً مشيخةُ سعيد السعداء وتدريس الشيخونية وغير ذلك من خطابة القاهرة، فاستناب فيها وسافر في رجب، وكان السلطان طلب العَلَم البَلْقِيني وفوَّض إليه قضاء الشام فامتنع وقال: "أنا أُوثر رؤية السلطان في الشهر مرة"، فقال له: "قد بَعَثَ النبي ﷺ معاذًا إلى اليمن فلم يعتذر بمثل هذا"، فتَعَجَّب مَن حضر من استحضاره هذه القصة المناسبة ولم يؤثر ذلك في العلَم لشوقه إلى العود بالقاهرة، فلما استقر ابن المحمرة أَرسل له السلطان محفةً وأذن له أن يستنيب في وظائفه بالقاهرة.
* * *
وفيه استقرّ جمالُ الدين يوسف بن الصفىّ الكَرْكي في نظر الجيش بدمشق عوضًا عن
стр. 1578
الشريف شهاب الدين، واستقرّ شمسُ الدين محمد بن على بن عمر الصفدى (١) في قضاء الحنفية بدمشق عوضا عن القاضي شهاب الدين بن الكشك نقلا من قضاء القضاة بطرابلس. واستقر في قضاء طرابلس ولدُ الصفدى المذكور.
وفي ليلةِ الخميس ثاني عشر جمادى الآخرة هبّت ريحٌ بالتراب فأثارت منه ما ملَأ البيوت وكاد الناس يهلكون من الغم، وأصبح الجوُّ أصفر.
وفي ليلة النصف خُسِف القمر ولم يشعر به أكثر الناس.
وفى ثالث شعبان استقرَّ نظام الدين عمر بن القاضي تقى الدين إبراهيم بن الشيخ شمس الدين محمد بن مفلح في قضاء الحنابلة بدمشق عوضًا عن القاضى شهاب الدين بن الحبّال (٢)، وكان ابن الحبّال قد ضعف بصره حتى قيل إنّه عمى وقوى صممه وضعفت قوته، فلما استقرّ نظامُ الدين وبلغه ذلك تَحَوَّل إلى بلده طرابلس فأَقام بها إلى أن قام في السنة المقبلة.
* * *
وفى شعبان جماعةٌ من المماليك بيتَ الوزير فنهبوه وكانت كائنة شنيعة.
وفيه اشتدّ فسادُ المماليك الجلب وأفسدوا حتى مَنع السلطان الناس من العمل إلا بإذنه إشفاقًا عليهم منهم، وسار الأمراء إلى خَرْتَ بِرْت فأَوقعوا بمن فيها.
وفيه وقع الوباء بفرندا.
وفيه قدم نائب الشام سودون من عبد الرحمن وقدم معه كاتب السر ابنُ البارزي ثم رجعا إلى وظيفتيهما، وسار بعدهما العسكر المجهز إلى البلاد الحلبية وهم: الحاجب الكبير والدويدار الكبير وغيرهما، ومعهم من الطبلخاناة والعشرات جماعةٌ، ثم وقعت لهم مع التركمان وقعةٌ قُتِل فيها ولدٌ لقرايلك صاحب تلك البلاد؛ وصادف وصول الخبر بذلك يوم وفاء النيل فحصل للناس بذلك بشْران. وشاع أن قرايلك مات ثمّ تبين كذب الإشاعة.
стр. 1579
وفيها قدم بِيرَم التركماني صاحب هيت فارًّا من أصبهان بن قرا يوسف، فأكرمه السلطان وأجرى له راتبًا ثم أقطعه ناحيةً من الفيوم.
وفيها في رجب استقرّ سودون من عبد الرحمن أتابك العساكر نقلًا من نيابة الشام، واستقر في نيابة الشام جارْقُطْلى عوضًا عنه.
* * *
وفيها (١) مات جينوس بن بابى الفرنجى متولى قبرص الذي كان أُسر، ووصل الخبرُ بذلك فى ذى القعدة، واستقرّ ولدُه مكانَه فبذل الطاعةَ لصاحب مصر والتزم ما كان أَبوه التزم به، وأرسل مع رُسل السلطان إليه بذلك أربعةً وعشرين ألف دينار، وكان السلطانُ الأشرف جهَّز إلى جوان بن جانوس الفرنجى متولى قبرص رسولًا، فقابله بالإكرام وقبّل الأرض قائما أمام الكتاب وأَجاب بالطاعة وأَنه نائب عن السلطان؛ وجهز المال الذي كان تأخَّر على والده وجهز سبعمائة ثوب صوف ملونة، وسأَلوا السلطان أن يكون عندهم نائبٌ من جهته، فأَرسل إليهم أميرا ومعه أربعون مملوكا.
* * *
وفيها اشتهر خراب الشرق من بغداد إلى تبريز وكثر الغلاء حتى بيع رطل اللحم بنصف دينار وأَكلو الكلاب والميتات، ثم فشا الوباءُ في العراق والجزيرة وديار بكر.
* * *
وفيها أُمِر القضاة بإحضار جميع نُوّابهم إلى السلطان ليعرضهم ففعلوا ذلك في أوائل ذي القعدة، ثم أُمِروا بتأخير النّوَّاب، فسألهم السلطانُ. عن النّوّاب فوقع الكلام إلى أن قال السلطان: "يستقر للشافعي خمسة عشر، والحنفى عشرة، والمالكى سبعة، والحنبلي خمسة"، فامتثلوا ذلك ثم قال: "لا يستنيب أحدٌ من غير مذهبه بالقاهرة، وأما في الضواحي فيستنيب الشافعي من شاء (٢) ".
وفى الثامن والعشرين من ذي القعدة استقر القاضي عز الدين الحنبلي في قضاء الشَّام عوضًا عن نظام الدين بن مفلح.
стр. 1580
ذكر من مات فى سنة خمس وثلاثين وثمانمائة من الأعيان
١ - أحمد بن إسماعيل الإِبشيطى (١)، الشيخ شهاب الدين، تفقَّه قليلًا ولزم قريبه الشيخ صدر الدين الإبشيطى وأدّب جماعةٌ من أولاد الأكابر، ولهج بالسّيرة النبوية فكتب منها كثيرًا إلى أن شرع في جمع كتابٍ حافلٍ فى ذلك وكتب منه نحوًا من ثلاثين سِفرا تحتوى على سيرة ابن إسحق وما وُضع عليها من كلام السُّهَيْلي وغيره، وعلى ما احتوتْ عليه "المغازى" للواقدى، وضمَّ إلى ذلك ما في السّيرة للعماد بن كثير وغير ذلك، وعنى بضبط الألفاظ الواقعة فيها، ومات في سلخ شوال وقد جاوز السبعين.
٢ - أحمد بن صالح بن محمد بن محمد بن أبى السّفاح، شهاب الدين بن السّفاح كاتب السر بحلب (٢) ثم بالدّيار المصرية، وُلد سنة اثنتين وسبعين بحلب، وسمع من الكمال بن حبيب وجماعة من الحلبييّن، وحفظ القرآن وتعانى الكتابة في التوقيع إلى أن مهر فيه، وولى نظر الجيش بحلب فباشر التوقيع عند يشْبك بعد أخيه ناصر الدين، ثم ولى كتابة السر بصفد ثم بحلب مرتين، ثم قدم القاهرة واستقرّ في توقيع السلطان قبل سلطنته، فلمّا تسلْطن استقرّ به كاتبُ السّر ابنُ الكُوَيْز فى كتابة السّر ببلده حلب إرادةً للراحة منه فتوجه إليها بعد أن كان يباشر توقيع الدست مدّة، فلما كان من وفاة الشريف شهاب الدين كاتب السر ما كان وتبعه أخوه أبو بكر شغرت وظيفةُ كاتب السّر وذُكر لها جماعة، فاقتضى رأىُ السلطان تقريرَ هذا فأَرسل إليه فقدم في شهر رمضان سنة ثلاث