← История

История · id 26317

إنباء الغمر بأبناء العمر - ت حبشي

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (1 903 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

يختص بما يتعاطى الجدّ لحفيديه وأنَّ وكيلَ بيت المال وكيلُ السلطان، فإذا اشترى السلطان من وكيله فكأَنه اشترى من نفسه، وفاته ما صرَّح به جماعةٌ من العلماء بأنَّ وكيل بيت المال وكيلٌ عن أئمة المسلمين لا عن خصوص السلطان، وإنّما وظيفتُه ولايةٌ لا نيابة؛ وقد صرّح بذلك السُّبكي وغيره. ثمّ ظَفرْتُ بأن ذلك صَنَعَهُ السّلطانُ صلاحُ الدين في وقْف الصّلاحية ببيت المقدس ونَقَله السّبكي في فتاويه، وقال الأَذرعي في "شرح المنهاج": "اغتر بعض الناس بتسميته وكيلا فقال إنه يَنْعزِلُ بموت السلطان وهو غلط"، ثم أحضر حكمه جلال الدين البُلْقِيني في مثل ذلك وكذلك مِنْ قَبْلِه أبو البقاء وعز الدين بن جماعة، فأصرّ على دعوى البطلان، وأصرّ الحنفى على الامتناع من التنفيذ اعتمادًا على قول المذكور مع تحقُّقٍ في الفهْم وغزارة ما عنده من العلم، ثمّ حملته العصبيَّةُ على أن اجتمع بالسلطان وعرَّفه أَن البيع باطلٌ، وأنَّ الشافعية راعوا القاضي الشافعي فوافقوه فيما عمل، فأَمرهم بالاجتماع عنده، فحضروا يوم الاثنين ثامن الشَّهر المذكور، فبدأَ الشافعي فسأَل الحنفى: "لِمَا امتنعت من تنفيذ هذا الحكم؟ "، فقال: "لأَنَّ الشافعية قالوا إنه باطلٌ فوقفته على فتاوى الشافعية" فأسند الأمر للقِمْنى، فوقَّفْتُه على فتوى القِمْني الثانية، فقال: "هذا لا يعتمد عليه لأَنه تناقض"، فسُئِل العلم في المجلس عن مستنده في دعوى البطلان، فقال: "نَصَّ الشافعيُّ في عيون المسائل أَن الوالى فى رعيّته بمنزلة الوصِيّ في مال اليتيم"، فسُئِل: "ما وجْهُ الدلالة هذا النص بصورة المسألة"، فخلط في جوابه وانفعل، فأُخْرِج له نَصُّ الشافعي في مختصر المازني بأَن المراد في ذلك مما يتعلق برعاية المصلحة للجهتين، فكابَرَ فَردّ عليه من حضر وقالوا: "إذا كان الكلام مطلقا، وذُكر له في موضع آخر قيد أوجب الحمل عليه وعمل بالخاص"، ثم استَظهر الشافعىّ بأنَّ للسلطان أَن يقف ما يراه من أراضى بيت المال على من رآه، وأن الوصىَّ ليس له ذلك في مال اليتيم، فدلّ على أنَّ النص ليس له عمومته، فاستمر على العناد فبان للجماعة حصْره وتعصبه. وأما الحنفى فبَيّن له أن لا حجة للقمنى والعلم قاصر على التعصب وقال: "لا يجب التنفيذ"؛ وكان يخشى أن ينفذ في الحال فيقال إنه غلب فجنح إلى هذا العذر، وانفصل المجلس على هذا، وسئل علماءُ الحنفية عن ذلك فقالوا: بل يجب على الحاكم إذا اتَّصل به

стр. 1577

حُكْمُ غيره وسأله صاحب الحق التنفيذ أَن يفعل. وممن كتب بوجوب ذلك عليه وأنه إذا لم يفعل: التفهنى وابنُ الدّميرى ونظام الدين وصدرُ الدين بن العجمي وعبدُ السلامُ البغدادى وكمالُ الدين بنُ الهُمام وبدرُ الدين المقدسي وأمينُ الدين الأُقصرائي والقاضي المالكي والقاضى الحنبلي، فلما بلغه ذلك استفتى فيما "إذا حصلت عند الحنفى ريبَةٌ في الحكم هل يجب عليه أن ينفده مع الريبة؟ " فطافوا بها فلم يكتب عليها أحد، فأُشير عليه بأَن يرجع وينفذ، فآل الأمر إلى أن نفَّذ الحكم بعد ذلك في السادس عشر من الشهر المذكور. * * * وفى أواخر شهر ربيع الآخر قدم فيروز من المدينة وخُلع عليه بعد أيام. وعاد إلى مكانه وزاد تمكينًا بحيث اقتصر السلطان من الندماء عليه وعلى التاج الوالى وولى الدين بن قاسم وأحمد بن الأَحدب الشامى ومراد العجمي، هؤلاء ندماء السلطان، والحصنى ومن طرأَ عليهم من غيرهم مقتوه إلى أن يخرجوه. وفي يوم الاثنين مستهل جمادى الآخرة استقر شهاب الدين أحمد بن محمد بن صلاح المعروف بابن المحمرة وبابن السمسار في قضاء الشام عوضًا عن أبي البقاء بن حجى وبقيت مدةً مشيخةُ سعيد السعداء وتدريس الشيخونية وغير ذلك من خطابة القاهرة، فاستناب فيها وسافر في رجب، وكان السلطان طلب العَلَم البَلْقِيني وفوَّض إليه قضاء الشام فامتنع وقال: "أنا أُوثر رؤية السلطان في الشهر مرة"، فقال له: "قد بَعَثَ النبي ﷺ معاذًا إلى اليمن فلم يعتذر بمثل هذا"، فتَعَجَّب مَن حضر من استحضاره هذه القصة المناسبة ولم يؤثر ذلك في العلَم لشوقه إلى العود بالقاهرة، فلما استقر ابن المحمرة أَرسل له السلطان محفةً وأذن له أن يستنيب في وظائفه بالقاهرة. * * * وفيه استقرّ جمالُ الدين يوسف بن الصفىّ الكَرْكي في نظر الجيش بدمشق عوضًا عن

стр. 1578

الشريف شهاب الدين، واستقرّ شمسُ الدين محمد بن على بن عمر الصفدى (١) في قضاء الحنفية بدمشق عوضا عن القاضي شهاب الدين بن الكشك نقلا من قضاء القضاة بطرابلس. واستقر في قضاء طرابلس ولدُ الصفدى المذكور. وفي ليلةِ الخميس ثاني عشر جمادى الآخرة هبّت ريحٌ بالتراب فأثارت منه ما ملَأ البيوت وكاد الناس يهلكون من الغم، وأصبح الجوُّ أصفر. وفي ليلة النصف خُسِف القمر ولم يشعر به أكثر الناس. وفى ثالث شعبان استقرَّ نظام الدين عمر بن القاضي تقى الدين إبراهيم بن الشيخ شمس الدين محمد بن مفلح في قضاء الحنابلة بدمشق عوضًا عن القاضى شهاب الدين بن الحبّال (٢)، وكان ابن الحبّال قد ضعف بصره حتى قيل إنّه عمى وقوى صممه وضعفت قوته، فلما استقرّ نظامُ الدين وبلغه ذلك تَحَوَّل إلى بلده طرابلس فأَقام بها إلى أن قام في السنة المقبلة. * * * وفى شعبان جماعةٌ من المماليك بيتَ الوزير فنهبوه وكانت كائنة شنيعة. وفيه اشتدّ فسادُ المماليك الجلب وأفسدوا حتى مَنع السلطان الناس من العمل إلا بإذنه إشفاقًا عليهم منهم، وسار الأمراء إلى خَرْتَ بِرْت فأَوقعوا بمن فيها. وفيه وقع الوباء بفرندا. وفيه قدم نائب الشام سودون من عبد الرحمن وقدم معه كاتب السر ابنُ البارزي ثم رجعا إلى وظيفتيهما، وسار بعدهما العسكر المجهز إلى البلاد الحلبية وهم: الحاجب الكبير والدويدار الكبير وغيرهما، ومعهم من الطبلخاناة والعشرات جماعةٌ، ثم وقعت لهم مع التركمان وقعةٌ قُتِل فيها ولدٌ لقرايلك صاحب تلك البلاد؛ وصادف وصول الخبر بذلك يوم وفاء النيل فحصل للناس بذلك بشْران. وشاع أن قرايلك مات ثمّ تبين كذب الإشاعة.

стр. 1579

وفيها قدم بِيرَم التركماني صاحب هيت فارًّا من أصبهان بن قرا يوسف، فأكرمه السلطان وأجرى له راتبًا ثم أقطعه ناحيةً من الفيوم. وفيها في رجب استقرّ سودون من عبد الرحمن أتابك العساكر نقلًا من نيابة الشام، واستقر في نيابة الشام جارْقُطْلى عوضًا عنه. * * * وفيها (١) مات جينوس بن بابى الفرنجى متولى قبرص الذي كان أُسر، ووصل الخبرُ بذلك فى ذى القعدة، واستقرّ ولدُه مكانَه فبذل الطاعةَ لصاحب مصر والتزم ما كان أَبوه التزم به، وأرسل مع رُسل السلطان إليه بذلك أربعةً وعشرين ألف دينار، وكان السلطانُ الأشرف جهَّز إلى جوان بن جانوس الفرنجى متولى قبرص رسولًا، فقابله بالإكرام وقبّل الأرض قائما أمام الكتاب وأَجاب بالطاعة وأَنه نائب عن السلطان؛ وجهز المال الذي كان تأخَّر على والده وجهز سبعمائة ثوب صوف ملونة، وسأَلوا السلطان أن يكون عندهم نائبٌ من جهته، فأَرسل إليهم أميرا ومعه أربعون مملوكا. * * * وفيها اشتهر خراب الشرق من بغداد إلى تبريز وكثر الغلاء حتى بيع رطل اللحم بنصف دينار وأَكلو الكلاب والميتات، ثم فشا الوباءُ في العراق والجزيرة وديار بكر. * * * وفيها أُمِر القضاة بإحضار جميع نُوّابهم إلى السلطان ليعرضهم ففعلوا ذلك في أوائل ذي القعدة، ثم أُمِروا بتأخير النّوَّاب، فسألهم السلطانُ. عن النّوّاب فوقع الكلام إلى أن قال السلطان: "يستقر للشافعي خمسة عشر، والحنفى عشرة، والمالكى سبعة، والحنبلي خمسة"، فامتثلوا ذلك ثم قال: "لا يستنيب أحدٌ من غير مذهبه بالقاهرة، وأما في الضواحي فيستنيب الشافعي من شاء (٢) ". وفى الثامن والعشرين من ذي القعدة استقر القاضي عز الدين الحنبلي في قضاء الشَّام عوضًا عن نظام الدين بن مفلح.

стр. 1580

ذكر من مات فى سنة خمس وثلاثين وثمانمائة من الأعيان ١ - أحمد بن إسماعيل الإِبشيطى (١)، الشيخ شهاب الدين، تفقَّه قليلًا ولزم قريبه الشيخ صدر الدين الإبشيطى وأدّب جماعةٌ من أولاد الأكابر، ولهج بالسّيرة النبوية فكتب منها كثيرًا إلى أن شرع في جمع كتابٍ حافلٍ فى ذلك وكتب منه نحوًا من ثلاثين سِفرا تحتوى على سيرة ابن إسحق وما وُضع عليها من كلام السُّهَيْلي وغيره، وعلى ما احتوتْ عليه "المغازى" للواقدى، وضمَّ إلى ذلك ما في السّيرة للعماد بن كثير وغير ذلك، وعنى بضبط الألفاظ الواقعة فيها، ومات في سلخ شوال وقد جاوز السبعين. ٢ - أحمد بن صالح بن محمد بن محمد بن أبى السّفاح، شهاب الدين بن السّفاح كاتب السر بحلب (٢) ثم بالدّيار المصرية، وُلد سنة اثنتين وسبعين بحلب، وسمع من الكمال بن حبيب وجماعة من الحلبييّن، وحفظ القرآن وتعانى الكتابة في التوقيع إلى أن مهر فيه، وولى نظر الجيش بحلب فباشر التوقيع عند يشْبك بعد أخيه ناصر الدين، ثم ولى كتابة السر بصفد ثم بحلب مرتين، ثم قدم القاهرة واستقرّ في توقيع السلطان قبل سلطنته، فلمّا تسلْطن استقرّ به كاتبُ السّر ابنُ الكُوَيْز فى كتابة السّر ببلده حلب إرادةً للراحة منه فتوجه إليها بعد أن كان يباشر توقيع الدست مدّة، فلما كان من وفاة الشريف شهاب الدين كاتب السر ما كان وتبعه أخوه أبو بكر شغرت وظيفةُ كاتب السّر وذُكر لها جماعة، فاقتضى رأىُ السلطان تقريرَ هذا فأَرسل إليه فقدم في شهر رمضان سنة ثلاث

стр. 1581

من حلب واستقرّ في أواخره (١) واستمرّ فيها (٢) إلى أَن وعك في شهر رمضان هذه السنة فلم يلبث سوى خمسة أيام ومات. وكان قليل الشرّ غيرَ مهابٍ، ضعيفَ التصرّف، قليلَ العلم جدا، وكان السلطان يمقته في طول ولايته مع استمرار خدمته له ببدنه وماله، ويقال إنه أزعجه بشيءٍ هدّده به فضعف قلبُه من الرّعب، ومات ليلة الأَربعاء. قال القاضي علاء الدين: "هو أخى من الرّضاعة وكان صديقي، وفيه حشمةٌ ومروءةٌ وعصبيّةٌ وقيامٌ في حاجة مَنْ يقصده، ومات في (٣) رابع عشر رمضان عن ثلاث (٤) سنة، وعُيّنَتْ (٥) بعده للقاضى شهاب الدين بن الكشك قاضى الحنفية بدمشق فعاد جوابه بالاستعفاء، فعيب عليه والتزم بمالٍ يحمله بسبب الإعفاء، وعُيّن القاضي كمال الدين فإلى أن يحضر استقر الوزير مضافًا إلى الوزارة، واستقرّ في الأستادارية آقْبُغا الجمالي إلى أن قدم كمال الدين". ٣ - أحمد (٦) بن تقى الدّين عبد الرحمن بن العلّامة جمال الدين بن هشام المصرى النحوى، شهاب الدين، اشتغل كثيرًا بمصر وأخذ عن الشيخ عز الدين بن جماعة وغيره والشيخ يحيى الصّيرامى والعُجَيْمي، وفاق فى العربية وغيرها، وكان يجيد لعب الشطرنج، وانصلح بأخرة وسكن دمشق فمات بها في رابع جمادى الآخرة (٧). ٤ - أحمد بن عثمان بن محمد بن عبد الله الحنفى بن الكُلُوتَاتي، الشيخ شهاب الدين، وُلد في شهر رمضان سنة ستٍّ وستين وسبعمائة، وأجاز له قديمًا القاضي عزّ الدين بن جماعة،

стр. 1582

وأحبّ (١) الحديث بعناية صديق أبيه شمس الدين بن الرّفَّا فسمع وهو مترعرعٌ منه الكثير، ثم طاف على الشيوخ في سنة تسع وتسعين وسبعمائة وهلمّ جرا إلى أن مات: ما فتر ولا وَنَى ولكنه لم يُنْجِب، ولم ينتقل عن الحدّ الذي ابتدأ فيه في الفهم والمعرفة والحفظ والقراءة درجةً، بل كان شديد الحرص على الاشتغال في الحديث والفقه والعربية والقراءات، وأعْلَا مَن عنده السماع ناصر الدين محمد بن على الحرَّاوى صاحب الدمياطي، وسمع من أصحاب ابن الصّواف وابن القيّم ثم من أصحاب ست الوزراء وابن الشِّحنة والوانى والدَّبُّوسي والخَتَنِي، ثم من أصحاب أصحاب النجيب، ثم من أصحاب أصحاب الفخر ثم من بعدهم حتى أقْرَانه ومن سمع بعده، وخرَّج لنفسه شيئًا لم يكمله، وشرع في اختصار "تهذيب الكمال" فكتب منه شيئًا وتركه، ونسخ بخطه من تصانيف شيوخنا ثم من تصانيف أقرانه كالقاضى ولىّ الدين وكاتبه (٢) وغيرهما شيئًا كثيرًا. وخطّه ردئ، وفهمُه بطئ، ولحنه فاش، لكنه كان دينًا خيرًا كثير العبادة على وجهه وضاءة الحديث، وكان في أكثر من عمره متقلّلًا من الدنيا حتى كان يحتاج أن يتكسب بالشهادة، ثم قُرّر في قراءة الحديث بالقلْعة بأخرة بعد الشيخ سراج الدين قارئ الهداية؛ ومات في يوم الاثنين رابع عشر (٣) جمادى الآخرة. ٥ - حسين بن علاء الدولة بن أحمد بن أُويْس آخر ملوك العراق من ذرية أويس، وكان اللنك أسره وأخاه حسنًا وحملهما إلى سمرقند ثم أُطْلِقا فساحا في الأرض فقيرَيْن مجرَّديْن، فأما حسن فاتصل بالناصر فرج وصار في خدمته ومات عنده قديما؛ وأما حسين فتنقَّل في البلاد إلى أن دخل العراق فوجد شاه محمد بن شاه ولد بن أحمد بن أُوَيْس، وكان أبوه صاحبَ البصرة فمات، فملك ولدُه شاه محمد فصادفه حسين وقد حضره الموت فعهد إليه بالمملكة، فاستولى على البصرة وواسط وغيرهما، ثم حاربه أصبهان شاه

стр. 1583

ابن قرا يوسف فانتمي حسين إلى شاه رخ بن اللنك فتقوّى بالانتماء إليه وملك الموصل وإِرْبِل وتكريت -وكانت مع قرا يوسف- فقوى أصبهان (١) شاه واستنقذ البلاد، وكان يخرّب كل بلد ويحرقه إلى أن حاصر حسينا (٢) بالحلة مدة سبعة أشهر ثم ظفر به بعد أن أعطاه الأمان فقتله خنقًا (٣) في ثالث صفر من هذه السنة. ٦ - خالد بن قاسم بن محمد العاجلي ثم الحلبي زين الدين، وُلد في رمضان سنة ثلاثٍ وخمسين ولازم القاضي شرف الدين بنَ فيَاض وولده أحمد، وأخذ عن شمس الدين ابن اليونانية وأحَبَّ مقالة ابن تيمية؛ وكان من رؤس القائمين مع أحمد بن البرهان على الظاهر وهو آخر من مات منهم، وتنزل بالآثار النبويّة، وكان قد غلب عليه حبّ المطالب فمات ولم يظفر بطائل، ونزّله المؤيد بمدرسته في الحنابلة، ومات في ثالث ذي الحجة. ٧ - عبد الله بن نور الدين محمد بن قطب الدين عبد الله بن حسن بن يوسف ابن عبد الحميد بن أبي الغيث البَهْنَسى، قطب الدين ويقال له أيضا جمال الدين، وُلد في رجب خمس وخمسين وسبعمائة، واشتغل وسمع الحديثَ وقال الشعر، وكان موسرًا لكنه كان كثير التقتير على نفسه جدًّا، وأصيب في عقله بآخره وأكمل الثمانين. مات في شهر رمضان. قرأت بخط الشيخ تقي الدين المقريزي: "أنشدني جمال الدين البهنسي لنفسه: إذَا الخِلُّ قد ناجاك بالهَجْر فَاصْطَبر … وسامِحُ لَهُ واغْفِرْ بنُصْحٍ ودَارِهِ فإنْ (٤) عَادَ فَاقْلِيهِ وَلَا تَذْكُرِ اسْمُه … وحوَّل طَرِيقَ القصْدِ عن باب داره

стр. 1584

٨ - عبد الرحمن بن على بن عبد الرحمن بن على بن هاشم التَّفَهْني القاضي زين الدين الحنفى، ولد سنة بضع (١) وستين، وسألتُ أخاه شمس الدين -أحد من ينوب بدمياط في الحكم عن النائب بها -عن مولده فذكر أنَّه وُلد سنة ٤٣ وأنَّه أَسَن من القاضي زين الدين بعشرين سنة، ولستُ أرتاب في مجازفته (٢) في كل ذلك. ومات أبوه وهو صغير فانتقل إلى القاهرة وهو شاب وتنزل في مكتب اليتامى بمدرسة صرغتمش، ثم ترقَّى إلى أن صار عريفًا به وتنزَّل فى الطلبة هناك، ولازم الاشتغال، ودارَ على الشيوخ فمهر فى الفقه والعربية والمعانى، وجاد خطّه وشهر اسمه، وخالط الأتراك وصحب بدر الدين محمود الكُلُسْتَانى -كاتب السر- فاشتهر ذكره، وناب في الحكم عن الطرابلسي، ثم عن ابن العديم كمال الدين، ونوَّه به كمالُ الدين عِنْد الأكابر، وكان قد تقرر فى طلبة الشَّيخونيَّة وولى كمال الدين مشيختها فصار من أفاضلهم (٣)، وولى تدريس الصرغتمشية بعناية ابن العديم بعد أن تنازع فيها هو والشيخ شرف الدين التبَّاني وحضرها التباني ثم انتزعت منه. وتزوج فاطمة بنت شهاب الدين المحلّى كبير التجار بمصر فعظُم قدره، وسعى في قضاء الحنفية بعد موت ناصر الدين بن العديم وراج أمره، ثم لم يتم ذلك وولى شمس الدين ابن الدَّيري، ثم لما قَرّر المؤيدُ الديرىَّ فى مشيخة المؤيدية فوّض إليه (٤) قضاء الحنفية في ذي القعدة سنة اثنتين وعشرين فباشرها مباشرة حسنة. وكان حسَن العشرة، كثير العصبية لأصحابه، عارفًا بأُمور الدنيا ومخالطة أهلها، على أنَّه يقعُ منه في بعض الأُمور لجاج شديدٌ يُعاب به ولا يستطيع أن يتركه، وصُرف عن القضاء في سنة تسع وعشرين بالعَيْنِي، ثم أُعيد في سنة ثلاث وثلاثين، ثم صُرِف قبل موته في جمادى الآخرة ومات فى تاسع (٥) شوال، وكان قد انتهت إليه رئاسة أهل

стр. 1585

مذهبه، ويقال إن أُم ولده دسَّتْ عليه سما لأن زوجته لما ماتت ظنت أم ولده أنها تنفرد به فتزوّج امرأةً وأخرج الأمة فحصلَتْ لها غيرة، والعلم عند الله تعالى، والله يسامحه (١). ٩ - عمر بن أبي بكر بن عيسى بن عبد الحميد، المغربي الأصل، البصروي، زين الدين، قدم دمشق فاشتغل بالفقه والعربية والقراءات وفاق في النحو، وشغل الناس وهو بزيّ أَهل البر، وكان قانعًا باليسير، حسن العقيدة، موصوفًا بالخير والدين، سليم الباطن، فارغًا من الرئاسة. مات في رابع جمادى الآخرة. ١٠ - عيسى بن محمد بن عيسى الأقْفَهْسي الشافعي، شرف الدين، أحدُ نواب الحكم، مولده سنة خمس وخمسين (٢) وتفقَّه وعرف كثيرًا من الفروع وكان يستحضرها، وناب في الحكم مدّةً طويلة، ومات في ليلة الجمعة في سادس عشرى جمادى الآخرة -ولم يكن مشكورًا- وأظنه جاوز الثمانين، وكان يذكر أنه حضر دروس الشيخ جمال الدين الإسنوى ثم لازم شيخنا البُلْقيني وقرأ عليه "منهاج الأصول" ورأيت خطَّهُ له بذلك، وفيه أنه أذن له في التدريس، وفيه إلحاق الفتوى بخط شرف الدين نفسه الذي لا يخفى فوق كشط، وسمع "الصحيحين"، وكانت إجازة الشيخ له فى سنة ٧٥ فعاش بعدها ستين سنة، وكان يذكر أنه ناب في الحكم في بعض البلاد عن البرهان بن جماعة. سامحه الله. ١١ - محمد بن سعد الدين، جمال الدين ملك الحبشة المسلمين، قُتِل في جمادى الآخرة وكانت ولايتُه بعد فقْد أخيه منصور فى سنة ثمان وعشرين، وكان شجاعًا بطلًا مُديمًا للجهاد، وكان عنده أميرٌ يقال له "حوب جوشن" وكان نصرانيا فأَسلم وحسُن إسلامه وكان لا يُطاق في القتال فهزم الحبشة الكفارَ مرارًا وأنكى فيهم، وغزاهم جمال الدين مرةً ومعه حرب جوشن فغَنم غنائم عظيمةً حتى بيع الرأسُ الرقيق بربطة ورق،

стр. 1586

وانهزم منهم مرة الحِطِّىُّ صاحبُ الحبشة، ولم يزل جمال الدين على طريقته في الجهاد حتى ثار عليه بنوعمه فقتلوه في هذه السنة. وكان من خير الملوك دينًا ومعرفةً وقوةً وديانةً، وكان يصحب الفقهاء والعلماء، وينشر العدل في أعماله حتَّى فى ولده وأهله، ومن جملة سعده هلاك الحطى إسحق (١) بن داود ابن سيف أرعد في أيّامه في سنة ثلاث وثلاثين وأقيم بعده أندراس؛ وأسلم على يد جمال الدين خلقٌ كثير من الحبشة، واستقرَّ بعده في مملكة الحبشة المسلمين أخوه شهاب الدين أحمد ويلقب "بدلاي"، فأَوّل ما صنع جَدّ حتى وجد قاتل أخيه فاقتصّ منه. ١٢ - محمد أبو عبد الله بن صاحب المغرب أبي فارس عبد العزيز، مات وكان ولَّى عهد أبيه فأسف عليه أبوه أسفًا كثيرًا، وكان موصوفًا بالشهامة ومكارم الأخلاق، ولا تُعْرف له صَبْوَةٌ إلا فى الصّيد، وكان أبوه قد تخلّى له المُلْك عن غير مرة فيمتنع ويبالغ في الامتناع فقُدّرت وفاته بطرابلس الغرب بزاويته التي أنشأَها هناك وكثر الأسف عليه، ويقال إنه كان مغرمًا بالجوارى وكان أبوه يعرف ذلك فكان يقول له: "إيّاك والنّساء!) ويكرّر ذلك في المجلس حتى يخجله ولا يرتدع، وكان حَدث له ورم في ركبتيه فكان أبوه يخشى عليه من كثرة الجماع فقُدّر أن وفاته كانت بسبب ذلك فيما يقال. ١٣ - محمد بن ناصر الدين محمد بن محمد [بن (٢) محمد بن مسلم بن على ابن أبي الجد] الحافظ تاج الدين الكركي، ابن الغَرَابيلي سِبط العماد الكركي، وُلد سنة ستٍّ وتسعين بالقاهرة حيث كان جدُّه لأمه حاكمًا ونقله أبوه إلى الكرك حيث عمل إمرتها، ثم تحوّل به إلى القدس سنة سبع (٣) عشرة فاشتغل وحفظ عدة مختصرات كالكافية لابن الحاجب و "المختصر" الأصلى، و "الإلمام" و "الألفية في الحديث"، ولازم الشيخ عمرًا البلْخِيِّ فبحث عليه في "العضد" والمعاني والمنطق، وتخرَّج أيضًا بنظام الدين قاضي العسكر

стр. 1587

وبابن الدَّيْرى الكبير، ومهر في الفنون، إلّا الشعر، ثم أقبل على الحديث بكليته فسمع الكثير وعرف العالى والنازل، وقيّد الوفيات وغيرها من الفنون، وشرع في شرحٍ على "الإلمام"؛ وذكر لي بعض أصحابه أنه أقبل على الحديث من سنة خمسٍ وعشرين فأَقبل على النظر فى التواريخ (١) والعمل، وسمع الكثير ببلده ورحل إلى دمشق، ورحل إلى القاهرة فلازمني إلى أن حرّر نسخته من "المشتبه"، غاية التحرير، واغتبط به الطلبة لدماثة خلقه وحُسْنِ وجهه وفعله، وقُدِّرت وفاته في جمادى الآخرة بعد أن هم بالحج صحبةَ ابن المرأة (٢) فلم يتهيّأ له ذلك ووعك إلى أن مات. وكان من الكملة: فصاحةَ لسانٍ وجرأةً ومعرفةً وقيامًا مع أصحابه ومروءةً وتودّدًا وشرفَ نفس وقناعة باليسير وإظهارًا للغنى مع قلة الشئ، وقد عُرض عليه كثيرٌ من الوظائف الجليلة فامتنع واكتفى بما كان تحصّل له من شيء كان لأبيه، وكان الأكابر يتمنون رؤيته والاجتماع به لما بلغهم من جميل أوصافه فيمتنع إلّا أن يكون الكبيرُ من أهل العلم. الله رحمه تعالى. ١٤ - يحيى بن عبد الله القبطى، علم الدين أبوكُمْ، باشر نظر الأسواق ثم ولى الوزارة في دولة فرج ثم خمل وحجّ وجاور بمكَّة إلى أن مات فى ٢٢ رمضان بالقاهرة وقد جاوز السبعين، وكان إسلامه حسنًا. * * *

стр. 1588

سنة ست وثلاثين وثمانمائة في المحرم حُوِّلَت السنة الخراجِيَّة على العادة، وكان أول السنة الخراجية ثاني يوم المحرم. وكان أوّله (١) يوم الجمعة فأَول السنة الخراجية يوم السبت، وكان الذهب الأشرفى حينئذ بمائتين وسبعين، وانتهت زيادةُ النيل إلى خمسة أصابع بعد العشرين. وفي السادس والعشرين منه غضب السلطان على آقْبُغَا الجمالي الأُستادار فضربه بحضرته عدة مقارع ونحو ثلاثمائة عصا على ما قيل وأُنزل على حمارٍ إلى بيت والى الشرطة، وأُعيدت الأُستادارية إلى الوزير وانْفصل من ولاية كتابة السر، وكوتب كمال الدين محمد ابن ناصر الدين محمد البارزي -وكان قد استقر قاضيَ الشافعية بدمشق- لِيَلىَ كتابةَ السّرّ، فوصل يوم الجمعة تاسع عشر شهر ربيع الأول، ولم يلبس (٢) حتى حَمل المال الذي قُرِّر عليه بسبب ذلك، وخُلع عليه في يوم السبت العشرين منه وقرئ تقليده يوم الخميس ثامن جمادى الأولى، فلم يقم إلا قليلا حتَّى تحرك السلطان للسفر إلى الشام فخرج معه واستقر في قضاء دمشق صهرُه بهاء الدين بنُ حِجّى، وعُرضت كتابة السر على شهاب الدين بن الكشك فاعتذر بضعفِ بصرِه فقرر فيها تاج الدين عبد الوهاب بن أفْتَكِين وكان أحدَ الموقَعين بها ويتوكَّل عن كاتب السر بمصر ابن مزهر. وكان الشتاء في هذه السنة معتدلًا بحيث لم يقع به بردٌ شديدٌ سوى أسبوعٍ، وبقيته يشبه مزاجه مزاج فَصْل الربيع في الاعتدال. وفى هذا الشهر أظهَرَ السلطانُ الجِدَّ في التوجّه إلى بلاد الشمال وأعلم الناس بذلك فتجهَّزوا. وفي حادى عشر جمادى الآخرة أُنْفِق على العسكر ثم أُنفق في المماليك في سلخ جمادى الآخرة وهم ألفٌ وسبعمائة.

стр. 1589

وفى ربيع الأوّل استقر محيي الدين يحيى بن حسن بن عبد الواسع الحَيْحَاني (١) المالكي في قضاء دمشق عوضًا عن الشهاب الأموى بحكم وفاته. وفى ثانى عشر شهر رجب أُدير المحملُ المكىُّ بغير زينةٍ ولا سوْق الرّماحة ولا رَمْيِ النفط، ولم يصل المحمل إلى مصر على العادة (٢) بل رجعوا من الصليبة. وفيها حجّ صاحبُ التَّكرور في جمع كبير، ولمَّا رجع من الحج وسار إلى الطور ليركب البحر مات ودُفن بالطور. وفي رجب كانت كائنة القاضي سراج الدين الحمصي بطرابلس مع الشيخ شمس الدين ابن زُهْرة شيخ الشافعية بطرابلس، وذلك أنه بلغه ما وقع بين علاء الدين البخاري والحنابلة فى أمر الشيخ تقى الدين بن تيمية، وأن الشيخ علاء الدين البخاري أفتى بأن ابن تيمية كافِرٌ وأن من سماه "شيخ الإسلام" يكفر، فاستفتى عليه بعض من يميل لابن تيميّة من المصريين فاتَّفقوا على تخطئته في ذلك وكتبوا خطوطهم، فبلغ ذلك الحمصي فنظم قصيدةً تزيد على مائة بيت بوفاق المصريين. وفيها أن من كَفَّرَ ابنَ تيمية هو الذي يكفر، فبلغ ذلك ابن زهرة فقام عليه، فقال: "كفر القاضي"، فقام أهل طرابلس على القاضى وأكثرهم يحب ابن زهرة ويتعصّب له، ففر الحمصي إلى بعلبك، وكاتَبَ أهل الدولة فأرسلوا إليه مرسومًا بالكف عنه واستمراره على حاله، فسكن الأمر. * * * وفي صفر استقر في نيابة البحيرة حسن (٣) بَاكْ بن سالم الدّكْرِى أحد أُمراء التركمان وخُلع عليه، وأمر له بمائة قرقل ومائة قوس ومائة تركاش وثلاثين فرسا.

стр. 1590

وفي أواخره ضُربت رقبةُ نصرانىٍّ كان أسلم خوفًا من الوالى، لأنه ظُفِر به مع امرأة سلمة، ثم بدَّله بعد ثلاثةِ أيّام فارتدّ فقُتِل وأُحرِقَت جثته. وفي سابع عشر جمادى الآخرة أُعيد دُولَات خَجَا إلى ولاية القاهرة. * * * ذكر السفرة الشمالية في يوم الجمعة تاسع عشر شهر رجب، وهو أول يوم نزلت فيه الشمس الحمل، رَحَل السلطانُ من الرّيدانية قبل صلاة الجمعة بقدر نصف ساعة، فصلَّينا الجمعة بالقاهرة وسرنا فبتنا مع العسكر بالعكرشة، ورحل سحرًا فوصل بلبيس قبل الظهر، ورحل عند طلوع الفجر فنزل الخطَّارة (١) بعد الظهر وحَلَّ نصفُ الليل فوصل إلى الصَّالحية بعد طلوع الشمس يوم الاثنين، ثم رحل منها في تاليه -الثلاثاء- إلى الغرابي (٢) بعد العشاء بكثير، فقطع أربعة برد: بير الوالى ثم العاقول ثم بير حيوه ثم الغرابي، ورحل يوم الأربعاء وقت الزوال فوصل قَطَيَا بعد العصر، والأثقالُ بعد المغرب، وأقام إلى أن رحل منها بكرةَ يومِ الجمعة فوصل السوادة (٣) بعد العشاء وهى ثلاثة: معن (٤) ثم المُطَيْلِب (٥) ثم السّوادة، ثم رحل

стр. 1591

قبل طلوع الشمس فوصل إلى العريش بعد العشاء وهي ثلاثة برد: الواردة (١) ثم بردويل (٢) فبات بالعريش ليلة الأحد ورحل في الثالثة إلى الخرّوبة ثم الزَّعْقَة قبل المغرب، ثم رَحَل بعد نصف الليل أول يوم من شعبان فاجتاز على رفح ثم خان يونس، ثم نزل خارج غزة ثم دخلها وقت العصر سلخ رجب فدخلها في موكب عظيمٍ فبات خارجها إلى جهة الشام، وسلّمنا على السلطان يوم الثلاثاء وهنّيناه بالسلامة وبالشهر، وكان ثَبَتَ عندهم يوم الاثنين، وحَصَلَ من الجند في زَرْعِ الناس فسادٌ كبير، وأقام بها إلى ليلة الخميس فرحل فوصل إلى المجدل (٣) بعد طلوع الشمس ونزل بموضع يقال له السّكّرية، ووقع في تلك الليلة برد شديدٌ عند السحر أشدّ من الشتاء المعتاد بعد أن كان في النهار شديدًا إلى الغاية؛ ورحل بعد المغرب على طريق العَوْجَاء ولم يدخل، الرَّمْلة، واجتاز ببازور ورحل قبل طلوع الشمس يوم السبت إلى قاقون (٤)، وهى منزلةٌ (٥) نزهةٌ لكثرة الخضرة والنضارة، فترك بعد العصر إلى اللّجون وهى منزلةٌ وعرة إلى الغاية فنزل بعد الظهر، ورحل يوم الإثنين أول النهار فنزل بيسان وهى طريق وعرة بعد المغرب، ورحل قبل الفجر إلى جسر المجامع، وحَصل فيه لهم وحلةٌ عظيمةٌ عند القنطرتين، وهناك النَّهر من بحيرة طبريّة فوصل إلى الكرى آخر النهار ليلة العاشر.

стр. 1592

وطلع العقبة وهي كثيرة الوعر مع الخضرة في أَرضها فنزل بالخربة الظهر، وبات ليلة الحادى عشر فوصل نائبُ الشام والقضاة أول النهار وسلموا، وسار ليلةَ الجمعة سحرا إلى العَدْوانية فنزل الظهر، وفى الطريق قنطرة حصل عندها ازدحامٌ شديد. ورحل ليلة السّبت إلى شقحب بعد الظهر والطريق إليها شديد الوعر جدا وفيه مخاضات، وهي أرضٌ فيحاء خضرة. ووصل ليلةَ الرابع عشر قبل الفجر إلى قُبَّة يلْبغا ومَرَّ على خان ذي النون والكسوة فبات ليلة النّصف، وأصبح فعمل الموكب ودخل دمشق من أول النهار إلى أن وصل الخيام ببرزة، وهبت في آخر النهار ريحٌ شديدة. وفي صبيحة الثلاثاء سادس عشره هنَّيْنا السلطان بالسلامة. وعَقَدْتُ مجلس الإملاء يوم بدمشق، فاستملى (١) القاضى نور الدين بن سالم، وحَضَر الحافظُ شمسُ الدين بنُ ناصر الدين والقاضي شهاب الدين بن الكشك وجمعٌ وافر. وفي السابع عشر عُقد مجلسٌ بسبب وقفٍ حكمّ فيه نائب الحنفىّ فاعترضه الشيخُ علاء الدين البخارى وأفتى بنَقْص (٢) حكمه، فاتَّفق الجماعة على استمرار الحكم ونفَّذوه بحضرة الدويدار الكبير، وامتنع ابنُ حجّى من التنفيذ حتى يأذن له الشيخ علاء الدين فلم يلتفتوا إليه، وصلينا الجمعة بالقابون، ورحل السلطان بعد طلوع الفجر العشرين فنزل بمرج عذرا، ورحل بعد صلاة الفجر، وفى الطريق مخاضاتٌ ووعْرٌ؛ ونزل القطيفة ووصل إلى النبك في صبيحة الثاني والعشرين.

стр. 1593

ورحل وقت الظهر إلى مكان عُيُونِ القصب واجتاز في هذه الرحلة بقارا وحسبان (١) وكانت شديدة المشقة، ووصل هناك نائبُ طرابلس ونائبُ حماة. ورحل قبل الفجر رابع عشرى شعبان إلى حمص فنزل بظاهرها يوم الخميس ورحل منها صبح يوم الجمعة، وزار [قبر] خالد بن الوليد وأَمر لمن فيه بمائة دينار، وكان الزحام على جسر الرستن شديدا، ونزل الرَّسْتن فى أرضٍ وعرة، ورحل سَحَرًا ودخل حماة بعد طلوع الشمس يوم السبت، ورحل بعد صلاة الجمعة فنزل العيون يوم الإثنين نصف الليل ورحل قبل الزوال فنزل تل السلطان، وأمطرت السماء على الناس مطرا شديدًا ولاقوا شدَّةً حتى نزلوا نصف الليل تلَّ السلطان فبات إلى ليلة الخميس (٢). وهُنِّئَ السلطانُ بالشَّهر، ووصل قضاة حلب فسلموا وذكروا أنهم لم يروا هلال رمضان ليلة الثلاثاء، ثم تبين أنه ثبت لغيرهم. ورحل يوم الخميس ثم نزل قنسرين (٣) ليلة الجمعة ثم رحل فنزل عين مباركة بعد الظهر يوم الجمعة، ثم رحل صبيحة يوم السبت خامس شهر رمضان في موكب هائل إلى حلب، فنزل الشافعي عند القاضي الشافعي، والحنفى فى منزل وحده، والمالكيُّ والحنبلي جميعًا في مدرسة وكانت الإقامة بحلب خمسةَ عشر يومًا. وفى أثنائها استقر القاضي محب الدين بن القاضي محب الدين بن الشِّحنة في قضاء الحنفية بحلب وكانت الوظيفةُ شاغرةً منذ تَحوَّل باكير إلى القاهرة، وحضر إلى السلطان أكابرُ أمراء التركمان مثل ابن رمضان وابن قراجا، ومن أُمراء العرب.

стр. 1594

وفى الثامن من شهر رمضان آغار (١) .. وفى السادس عشر من شهر رمضان تقدّم إلى جهة الفرات نائبُ طرابلس ونائبُ صفد ونائبُ حماة ونائبُ غزة، وجاء الخبر بأن الجسر عمر وأُتقن، وأَن قَرْقُماس البدوى العاصي أرسل جماعةً ليحرقوه فأُمسِك منهم أكثر من عشرين، وسافر بعدهم نائبُ حلب فى تاسع عشر رمضان، ورحل السلطان وجميع العسكر في ليلة الحادي والعشرين من رمضان، وأذن للقاضيين المالكى والحنبلى فى الإقامة بحلب وسافر صحبته الشافعى، وكان الحنفى استأذنه أن يزور أهله بعينِتَاب فأذن له؛ فلما رحل السلطان من حلب أرسل إليه مرسومًا أن يلاقيه بألبيرة. وفى رابع عشرى رمضان أغار قَرْقُمَاس البدوى على ابن الأقرع البدوى فقتله واستاق من ماله نحو مائتى بعير، وخرج نائب الغيبة بحلب في طلبه فلم يظفُر به. وفى يوم الجمعة اجتاز السلطان الجسر المعد على الفرات، واجتاز العسكر بعده (٢) أولا فأولًا فلم يتكاملوا إلى بقية يوم الأحد لكثرتهم، فلما كان الأحد وقت الظهر أذن السلطانُ للقاضيين الشَّافعى والحنفى في الرجوع، فلما سلَّم عليه الشافعى خَيَّرَهُ بين الإقامة بألبيرة أو بحلب، فاختار التوجّه صحبة الحنفى إلى عينتاب ليأكل ضيافته ببلده، ثم يتوجه إلى حلب، فأذن له فى ذلك وأصحبه أميرًا وصحبته خمسةٌ من الرّماة، وتوجها صحبة الأمير

стр. 1595

فدخلا عينتاب قبل العيد بثلاثة أيام، ثم صلَّينا العيد وتوجَّهتُ إلى جهة حلب، وتخَلَّف العينى ببلده أيامًا ثم وصل إلى حلب في حادى عشر شوال. وفى الثامن والعشرين من شوال كسفت (١) الشمس بعد العصر واستمرت إلى قرب الغروب فانجلت بعد أن صلَّيتُ بالجماعة بالجامع الكبير صلاة الكسوف على الصورة المشروعة في السُّنة النبوية، فما سلَّمْتُ إلا وقد انجلت وغربت الشمس، فصلَّينا المغرب بالجامع وانصرفنا بغير خطبة؛ وكنت بعد السلام من الصّلاة أَرسلتُ بعض الشهود ليصعد المنارة ليشاهد الشمس هل تم انجلاؤها؟ فصعد وعاد بأنها انجلت انجلاء تاما، وذكر أنه صادف في طلوعه رجلًا يفجر بشاب في سُلَّم المنارة وتعَّجبتُ من جرأته فى مثل تلك الحال. وأمّا العسكر فاستمر السلطانُ حتى وصل الرها فعبروها فوجدها خاليةً، واستمر إلى آمد فنازلها أوّل يوم، وقُتل من الفريقين جماعةٌ، وتُبيِّن أنَّ بها ولد قَرايَلك وجماعةٌ من العسكر، وأنها فى غاية الحصانة فلم يقدر عليها، فنصب عليها منجنيقا وأقام في عمله مدةٌ، ثم تبين أن قرايلك مقيمٌ بجبل بالقرب من آمد فتوجَّه إليه بعض العسكر وأوقع به فساقه العسكر فانهزم مكيدةً، ثم عطف عليهم لَمَّا عرف بُعدَهم من الجريدة فأوقع بهم فانهزموا، ورَامُوا من أمير الجريدة أن يتبعه فخشوا من كيده فتركوه، وبلغَ السلطانَ ذلك فغضب منه، ويقال إن نائب الشام (٢) كان غضب من تَقَدُّم إينال الجَكَمي عليه فقَصَّر في طلب قرايلك مع قدرته عليه لشهامته وفروسيته، وكلُّ شيءٍ له أجل محدود لا يتعداه، وصاروا في شدّةٍ فى زمن حصار آمد من كثرة الحرّ والذباب ووخم الأرض من الجيف المقتولة، وعزَّت الأَقوات فوضعوا أيديهم في الزروع التي فى ضواحى البلد فأَفسدوها ونقلوا ما بها من

стр. 1596

الشُّون فتوسعوا به واتخذوا أرحيةً ليطحن لهم غلمانُهم فيقتاتوا بذلك، ودام الأمر على ذلك خمسة وثلاثين يوما إلى أن ملُّوا ولم يظفروا بشيء فتراسلوا في الصّلح، فاستقرّ الأمرُ على أن يَخطب للسلطان ببلاده وأن لا يتعرّض لأحد من جهة السلطان ولا من معاملات بلاده، ولا يمكَّن أحدًا من جهته بقطع الطريق على التجار ولا على القوافل، وأن يسلم أكثرها، فأجاب إلى ذلك وانتظم الأمر؛ وتوجه القاضى شرف الدين سبط ابن العجمى كبيرُ موقعى الدست لتحليفه. وتوجه السلطانُ بالعساكر إلى الرّها فدخلها في تاسع ذي القعدة وقرر بها نائبًا إينال (١) الأجرود الذي كان نائبًا بغزة وجعل عنده مائتي مملوك ليحفظها، وأعطاه تقدمة قَانِبَاى البهلوان بحلب، وأعطى قَانِباى تقدمة تغرى بردى المحمودي بدمشق، وقدم إلى حلب فتلقَّينَاه بالباب وبزاعة في الأحد رابع عشرى ذى القعدة ودخل حلب ليلة الاثنين بغير موكب وأقام بالمخيم أيضا، واستهل به شهر ذى الحجة ثم خرج منها يوم السبت السابع، منه فدخل دمشق يوم الخميس التاسع عشر منه ونزل بقلعتها، ونزل الجند ينهبون الناس وحصل الضرر بهم ولكن لم يفحش، ثم رحل منها يوم السبت الثاني والعشرين منه (٢). * * * وفي مستهل ذي الحجة أرسل قَرقُماس بن نُعَير ولدَه إلى السلطان بهديةٍ سنيةٍ ومن جملتها فرسٌ كان اشتراه بألف دينار، ورَدّ على السلطان فرسًا سرقه منه تركمانيان فظفر به معهما فجهزهما مع الفرس، فأعجب السلطان ذلك وخلع على ولده وأمر بشنق التركمانيين. وذكر الشيخ شهاب الدين أبو بكر بن محمد بن شاذى الحصنى (٣) أن يعقوب ابن قَرَايَلك أمير خَرْتَ بِرْت على معتقد النَّسيمي المقتول بحلب، وأنه يرى تحريم مقاتلة

стр. 1597

خادم الحرمين، وأرسل ينكر على أبيه وكذا أنكر عليه أخوه على باك أمير كماخي، وأن قرايلك راسل إينال الأجرود يتهدّده فأراد قتل رسوله ثم شُفع فيه فضَربه ورَدَّه ردًّا عنيفًا، فبلغ ذلك قرايلك فندب عسكره إلى القتال فامتنعوا، وأنَّه بلغه أن السلطان أراد العود إلى آمد فأمر بإحراق جميع المراعي التي حولها، وكان قرايلك خرج من آمد إلى أرقَنين وترك بآمد ولده، فلما زحف العسكرُ على آمد قُتل مراد بك بن قرايلك بسهمٍ، ونزل محمود ابن قرايلك في عسكرٍ على جبل يشرف على العسكر، فصار يتحدّى من خَرج، فندب السلطان سريةً فأحضروا عشرين رجلًا منهم فوسطوا تجاه القلعة. وفيها حاصر إسكندر بنُ قَرَا يوسف قلعَة ساهى وكان صاحبُها من نوابه، فلما رجع إسكندر من محاربته مع شاه رخ أرسل إليه النائب ولده لتهنئته بالسلامة، وكان شابا جميلًا فحبسه عنده يرتكب معه الفاحشة فيما قيل، ثم أرسله إلى أبيه، فلما أخبر أباه بما جرى عصى على إسكندر فتوجّه إليه وحاصره فلم يظفر منه بشيءٍ، وكان لإسكندر في تلك القلعة عدةٌ من النساء، فخشي عليهنَّ من أيدى أعاديه [فأقامهن في القلعة] لحصانتها، فنفذ الأمير إلى النسوة المذكورات فقسَّمهن بينه وبين ولده الذي أفحش فيه الاسكندر وبين ابن عمه، فجعلوهن بمنزلة السراري لهم، فبلغ ذلك الإسكندر فزاد في حنقه. * * * وفي ذي الحجة توقف النيل عن العادة ونقص منه عدة أصابع قبل الوفاء واستمر ذلك ستَّةَ أيام، فضجّ الناس وغَلا السّعر قليلا، ثم وقعت الزيادة وأوفى، وكان ما سنذكره إن شاء الله تعالى في السنة المقبلة. * * * وفى هذه السنة قبض (١) مراد بك بن أبي يزيد بن عثمان صاحب الروم على أخيه أرضر بك فأكحله سجنه مدة طويلة، فاتفق أنه مات في هذه السنة، وكان له مملوك يخدمه في السجن اسمه طُوغان، فدسّ له جاريةٌ فى صورة مملوك فأقامت عنده للوطء حتى اشتملت

стр. 1598

منه على حِمل ثم على حمل آخر، فولدت منه ذكرًا سماه سليمان، وبنتا، فلما مات أخذهما طوغان وأمهما فهرب بهما من السجن إلى حلب، فلاقى السلطان لما عاد من آمد وشكي له حاله فأكرمه وجهَّزَ الأخوين إلى القاهرة ورتب لهما راتبًا وأسكنهما القلعة إلى أن جرى لهما ما يأتى ذكره في سنة أربعين. * * * ذكر الحوادث فى غيبة السلطان الأشرف بالقاهرة قرأتُ بخط الشريف صلاح الدين الأسيوطى: في أوائل شعبان دخل سائلٌ إلى سوق الحاجب فسأل، فقال له تاجر: "يفتح الله" فتناول من يد التاجر أوراق حسابٍ خطفًا وهرب، فاتَّبعه وضربه بمُدية، فخطف من جَزَّارٍ سكينةٌ وضرب بها التاجر فمات في الحال، فأظهر الفقير التجانن فحُمل إلى المرستان وذهب دمُ التاجر هدرا. وفي رمضان تخاصم اقسماوىٌ ولحَّامٌ على نصف فضة فخنق أحدهما الآخر فوقع مغشيا عليه فمات بعد يومين، وتخاصم إثنان من المسحرين فضرب أحدهما الآخر فسقط ميتا، وطلَّق عجمى زوجته ثم ندم فتبعها في زقاق فضربها بسكين فماتت، وتزوج بعض مساتير البزازين بنت أمير فعشقت عليه عبدا أسود فأدخلته في زىّ امرأة وقالت لزوجها إنها بنت أمير كبير فعمل لها ضيافةٌ وجلست يومها مع ذلك العبد، والزوج لا يجسر على دخول البيت إكرامًا لها، فلما دخل الليل سألته أن يبيت في طبقةٍ وحده وتبيت هي مع خوند إكراما لها فقبل ذلك، وباتت هي مع محبوبها فسكرا، فسوَّلَت لها نفسها أن اتفقت معه أن يقتل زوجها فهجم عليه بسكينٍ فضربه فخابت الضربة، فاستغاث فأمسك العبد وضُرب فَأقرّ، فأُمضى فيه الحكم، وأما الزوجة فحَلَفت لزوجها أنها هي وبنت الأمير باتا تلك الليلة وما علمنا بقصة ذلك العبد أصلا، فصدّقها واستمر معها. * * * وفيها احترق بيت البرهان المحلى التاجر الذى على شاطئ النيل بمصر،، وكان أُعجوبة الدهر في إتقان البناء وكثرة الرّخام والزخرفة والمنافع الكبيرة من القاعات والأروقة

стр. 1599

فاحترق جميعه، وسلِمت المدرسة التى بجواره وهى من إنشاء المحلى أيضا، وكان يقال إن مصروف بيت المحلى المذكور خمسون ألف مثقال ذهبا، وذلك في شعبان؛ ووقع الحريق فى مصر والقاهرة فى عدة أماكن ولكنها لا تقارب هذا. وكان سعر القمح بكل دينار أشرفى إردبٌ ونصف مصرى. يكون عنها من الفضة بالوزن ستةُ دراهم الإردب ومن الفضة الكاملة دون العشرة، وهذا في نهاية الرخص. وحج بالناس إينال الشِّشمانى والحاج قليل جدا، فساروا ركبا واحدا. وفى غيبة السلطان وقع في عدة أماكن الحريقُ: منها بيت المحلى كما تقدم واحترقت غلال كثيرة فى الجرون بناحية شبين القصر. وفى رابع عشر ذي القعدة خُسف القمر. وفى ليلة الثالث عشر من جمادى الأولى خُسف القمر كله قدر ثلاث ساعات. وفى الثامن عشر من جمادى الآخرة سُفِّر أَسَنْبُغَا الطَّيّارى إلى جدّة لتحصيل المكوس الهنديّة، وأُرسل معه سعد الدين بن المرأة كاتبًا على عادته، وأَسَنبغا شادًّا عليه، وسافر معه جماعةٌ لقصد المجاورة من تجارٍ وغيرهم. وفيها قدم مقبل الرومى نائب صفد وقَدَّم هدية هائلة، وخُلع علية خلعهُ استمرارٍ وتوجّه إلى بلاده فى جمادى الأولى، وكان له الآن في نيابة صفد نحو عشر سنين. وفي شهر رمضان منها ذكر لى رفيقُنا الفاضل إبراهيم بن حسن بن عمر البقاعى أنه رأى فى النوم قبل أن يدخل إلى حلب أن السلطان مات، وأنه صار يتعجب من كونه مات على فراشه، واستيقظ ثم لم يظهر لنا تعبير ذلك المنام، والعلم عند الله تعالى. * * *

стр. 1600

وفيها انتزع إصبهانُ بنُ قرا يوسف بغدادَ من مراد بن محمد، فبعث أربعين رجلا في زي القلندريّة وقرر معهم أن يقتلوا البوابين ويفتحوا له الباب في يوم معين. ففعلوا، ففر محمد، ثم استولى إصبهان على بغداد فسار فيها أفحش سيرة، والله الأمر. * * * ذكر من مات فى سنة ست وثلاثين وثمانمائة من الأعيان ١ - إبراهيم بن حجّاج بن محرز (١) الأنباسي (٢) برهان الدين، ولد سنة ٨٧٩ (٣) واشتغل كثيرًا وسكن زاوية سميّه الشيخ برهان الدين الأنباسي وانتفع به الطلبة، ومات بعد ضعفٍ طويل في سابع عشرى ربيع الآخر، ورأيتُ (٤) سماعه فى بعض مجالس من أمالي الزين العراقى. ٢ - أحمد الملك الأشرف بن العادل سليمان (٥) بن المجاهد غازى بن الكامل محمد

стр. 1601

ابن العادل أبى بكر بن الأوحد عبد الله بن المعظم توران شاه بن الصالح نجم الدين أيوب صاحب مصر بن العادل أبى بكر صاحب مصر بن الأمير نجم الدين أيوب بن شاذي بن مروان الأَيوبى صاحب حصن كيفا، وكان خرج في عسكره لملاقاة السلطان على حصار آمدفا تفق أن نزل اصلاة الصبح فوقع به فريق من التركمان فأوقعوا به على غرة فقتل، ووصل بقية أصحابه وولده (١) إلى السُّلطان، فقرّر ولده في مملكة أبيه. وكان فاضلًا دينا له شعر حسن، وقفتُ على ديوانه وهو يشتمل على نوائح في أبيه وغزلٍ وزهديات وغير ذلك، وكان جوادًا محبًّا في العلماء، رحمه الله تعالى. واستقرّ في مملكته ولده الملك الصالح خليل، وماهو على طريقة والده في محبّة العلماء خصوصًا الشافعية، وله نظم أيضًا؛ وقدم أخوه شرف الدين يحيى بتقدمة أخيه على السلطان بآمد فخلع عليه وكتب عهد أخيه ولقب بالملك الكامل وسار في بلاده سيرةً حسنة ونشر العدل، واستوزر القاضى زين الدين عبد الرحمن بن عبد الله بن المجد وهو قاضٍ شافعى عالم حسن السيرة، ووقع من قرايلك تعرّضٌ للإفساد ببعض بلاده فأرسل إليه يهدّدُه فخضع له وصالحه على أنَّ كلا منهما لا يتعرّض لبلاد الآخر، واستمر الصلح بينهما. ٣ - أحمد بن عبد الله بن محمد بن محمد الأموى، القاضي شهاب الدين المالكي، نشأ بدمشق وتعاطى الشهادة وكتب جيدًا، وخدم البرهان التَّادلي، ثم ولى قضاء طرابلس ثم قضاء دمشق سنة خمسٍ وثمانمائة نحو ثلاثة أشهر، ثم أُعيد فى سنة ست وثمانمائة فامتنع النائب من إمضاء ولايته، ثم ولى من قبل شيخ سنة اثنتى عشرة وانفصل بعد أربعة أشهر وهرب مع شيخ إلى بلاد الروم وقاسى شدة، ثم لمّا تسلطن شيخ ولَّاه القضاء بالديار المصرية وذلك فى شهر ربيع الآخر سنة ست عشرة، فباشر دون السنة بأيّام، وكان شيخٌ يكرهه ويسميه: "الساحر"، ولكن كان بعض أهل الدولة راعيه، ثم استقرَّ في قضاء الشام سنة إحدى وعشرين نحو أربعة أشهر، ثم أعيد فى جمادى الآخرة سنة أربع وعشرين

стр. 1602

واستمر (١) إلى أن مات بسبب أن الأشرف كان يعتقده لأنَّه بشَّره - وهو في السجن - بأنه سيلى السلطنة، فلما تسلطن اتفق أنه كان حينئذ قاضيًا فاستمرَّ به ولم يَسمع فيه كلامَ أحدٍ مع شهرته بسوء السّيرة والجهلٍ الزائد، وكان متجاهرًا بأخذ الرشوة وحصّل مالًا طائلًا تمزَّق بعده. مات ليلة الثلاثاء حادى عشر صفر. ٤ - أحمد بن غُلام الله بن أحمد بن محمد الميقاتي، شهاب الدين الكُوم ريشي، اشتغل فى فن النجوم وعرف كثيرًا من الأحكام وصار يحلّ الزيج ويكتب التقاويم واشتهر بذلك. مات فى صفر وقد أناف على الخمسين (٢). ٥ - أبو بكر زين الدين الإنْبّابي الشافعي، أحد نوّاب الحكم وكان كثير الاشتغال، أخذ. عن الشيخ علاء الدين الأقفهسى وابن العماد والبلقينى وغيرهم، وكان خيرًا. مات في شعبان. ٦ - تَنبِك الناصِرى، أحد أُمراء العشرات ويعرف بالبهلوان (٣). مات في شوال بآمد وخرج إقطاعه باسم الأمير آقبُغا الجمالى الذى ولى الأستاداريّة مرّتين، وتقدم ذكره فى الحوادث. ٧ - تغرى بردى المحمودي، تنقل فى الخدم إلى أن ولى تقدمه ألف وقُرر رأس نوبة كبيرًا ثم صُرف وحُبس بعد أن كان رأس الذين غزوا الفرنج بقبرس ثم أُفرِج عنه وقرّر أميرًا بدمشق ومات في قتال قرايلك فى ذى (٤) القعدة.

стр. 1603

٨ - جَانبِك (١) الحمزاوى ولِى نيابة غزة ومات (٢) قبل وصوله إليها فى ذى الحجة. ٩ - حسن (٣) بن شرف الدين أبي بكر بن أحمد الشيخ بدر الدين المقدسي الحنفى وهو يومئذ شيخ الشيخونية، قُرّر فيها لما أُعيد (٤) التَّفَهنى في رجب سنة ثلاث وثلاثين إلى القضاء وكان أوّلًا ينوب عنه واشتغل قديمًا من سنة ثمانين وهلمّ جرًّا بالقدس ثم بدمشق ثم بالقاهرة، وكان فاضلًا في العربية (٥) وغيرها. مات ثالث (٦) شهر ربيع الآخر وقد قارب السَبعين، واستقر بعده في تدريس جامع الماردانى الشيخُ سعدُ الدين بن الدَّيرى فلبسَّ بعضُ الناس على السلطان أنه نزل له وكان السلطان أمر بترك النزولات وعدم إمضائها، فغضب وأمر بتقرير محب الدين بن الشيخ زاده فيها فتأَلَّم الناس لسعد الدين، واعتذر محب الدين بأَنّه لم يكن له في ذلك سعىٌ ولا يقدر على مخالفة السلطان خشيةً على نفسه، واستقرّ فى مشيخة الشيخونية عوضًا عن المقدسي الشيخ باكير الملطى (٧) نقلا من قضاء حلب، وتأخر حضوره إلى رجب وباشر. وهو أبو بكر بن إسحق الحنفى، وأصله من ملطية وسكن حلب مدة. وهو كثير السكون قليل البضاعة (٨) الهيأة.

стр. 1604

١٠ - عبد الرحمن بن محمد القزوينى المعروف بالحَلَّالى (١) بمهملة ولام ثقيلة - الشيخ زين الدين من أهل جزيرة (٢) ابن عمر، وهو ابن أُخت العالم نظام الدين (٣) عالم بغداد، وُلد سنة بضع وسبعين وأخذ عن أبيه وغيره، وبرع في الفقه والقراءات والتفسير، وحجّ وقدم حلب لطلب زيارة القدس فزار ثم رجع إلى حلب وهو في سن الكهولة وظهرت فضائلهُ، ودخل القاهرة فى سنة أربعٍ وثلاثين وأخذوا عنه ثم رجع، فلما وصل إلى بلده مات (٤) بعد أربعة أشهر وذلك فى سنة ستٍ وثلاثين ظنا. قاله القاضي علاءُ الدين. قال (٥): "واجتمعت به فرأيتُه عالمًا بالفقه والمعاني والبيان والعربية، وله صيتٌ كبير في بلاده وكان عالمًا". "قرأتُ (٦) بخط عبد الرحمن بن محمد الحلالي الشافعي القزويني أنَّه يروى البخاري عن قاضي المدينة عن الحجار ولم يسمه وأنا أظنه شيخنا زين الدين بن حسين فإنَّه كان يروى عن الحجار بالإجازة وهو آخر من حدَّث عنه بها (٧) فيما أعلم، وأنَّه يرويه عن المحدث شمس الدين محمد الفنَكِى الشيرازى بروايته له عن الحافظ عماد الدين إسماعيل بن عمر ابن كثير بسماعه له على الحجّار، وكتب خطه فى أواخر سنة احدى وثلاثين وثمانمائة". ١١ - عبد الوهاب بن أفتَكِين الذى ولى كتابة السرّ في العام الماضي بدمشق ومات (٨) في أواخر السنة وقرّر السلطانُ عوضه في كتابة السرّ بدمشق نَجمَ الدين بن المدنى نقلًا من نظر

стр. 1605

الجيش بالشام (١) إليها وأرسل توقيعه بذلك فى أواخر ذى الحجة فوصل في آخر المحرم وباشر. ونعم الرجل هو. ١٢ - عثمان، الأمير فخر الدين بن الأمير ناصر الدين محمد بن الطحان، الحاجب بحلب كان، مات في خامس عشر المحرّم خارج حلب وأُحضِر إليها في سابع عشره ودفن فيه. ١٣ - علي بن عمر الكَثِيري، انتزع ظفارًا من عبد الله بن محمد بن عمر بن أبي بكر ابن عبد الوهاب بن على بن نزار الظّفارى واستمر فيها إلى هذه الغاية. ١٤ - على بن محمد بن نور الدين بن جلال الدين الطَّنبَدِي، انتهت إليه رئاسة التجار بالدّيار المصرية، وكان كثير الحجّ كثير الإسراف على نفسه حسنَ المعاملة، وشاهدتُه يقرض المحتاج بغير ربحٍ مرارًا، وكان له بِرٌّ لجماعةٍ ومروءةٌ في الجملة على ما فيه. مات ليلة الجمعة رابع عشر صفر وقد جاوز السبعين. ١٥ - على بن يوسف بن عمر بن أنور صاحب مَقِدْشُوه في عصرنا، ولقُبُه: المؤيد ابن المظفر بن المنصور. ١٦ - محمد بن جوهر المدبّر (٢) فى الجيش. مات بحلب في رمضان. ١٧ - محمد بن عبد الرحيم بن أحمد المِنهاجي (٣)، المعروف بسبط ابن اللّبّان، الشيخ شمس الدين الشافعى، وُلد (٤) بعد السبعين واشتغل قديمًا، وأخذ عن مشايخ العصر كالعزّ ابن جماعة وشمس الدين بن القطَّان، وقرأَ على ابن القطَّان "صحيح البخاري" بحضورى، وقرأ علىَّ "ترجمة البخارى" [من جمعى (٥)] يوم الختم؛ وتعانى نظم الشعر فتمهّر فيه وله

стр. 1606

عدة قصائد ومقاطيع، ومهر فى الفقه والأصول وعمل المواعيد وشغل الناس ولزم بآخره جامع عمرو بن العاص يقرأ فيه الحديث والمواعيد ويشغل الناس، وكان حسن الإدراك واسع المعرفة بالفنون، حجّ في هذه السنة من البحر فسلم ودخل مكة في شهر رجب فجاور إلى زمن إقامة الحجّ فحجّ وقضى نسكه ورمى جمرة العقبة ثم رجع فمات بمِنًى قبل أن يطوف طواف الإفاضة. سمعتُ من نظمه وطارحى مرارًا وكتب عنى كثيرًا. ١٨ - محمد بن (١) عبد الحق بن إسماعيل السَّبتي، أبو عبد الله الأنصاري (٢)، وُلد سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة، وأخذ عن الحاج أبى القاسم بن أبي حُجر ببلده، ووصل إلى غرناطة وتفرّد بالأدب وقدم القاهرة سنة اثنتين وثلاثين فحجّ، وحضر عندي في الإملاء وأوقفني على "شرح البردة" له؛ وله أداب وفضائل. مات في صفر. ١٩ - محمد (٣) بن على بن موسى، الشيخ شمس الدين الدمشقى المعروف بابن قديدار، وُلد سنة اثنتين وخمسين تقريبًا فإنه قال: "كنت في فتنة بَيبغا رُوس رضيعًا"، وقرأ القرآن في صغره، وحفظ "المنهاج" و"العمدة" و"الألفية"، وتلا بالسبع على جماعة منهم ابن اللَّبان، وصحب الشيخ أبا بكر الموصلى والشيخ قطب الدين وأقبل على العبادة، واشتهر من بعد سنة تسعين حتى إنَّ اللنك لما طرق الشام أرسل من حماة (٤) وحمى من معه وكان شيخ يعظمه وأرسله في سنة ثمانٍ وثمانمائة رسولًا عنه إلى الناصر فاجتمعنا به بالقاهرة ومصر وسمعنا من فوائده. وكان سهلَ العريكة لين الجانب متواضعًا جدًا محبًّا فى العلماء وَالمحدثين، وكان قدم رفيقًا له في ذلك الشيخُ شهابُ الدين بنُ حجّى فنزلا بمدرسة البُلقيني ثم بمدرسة المحلىّ على

стр. 1607

شاطئ النيل ثم رجعا، وبنى الشيخ له زاويةً (١)، وكان يتردّد إلى بيروت للمرابطة بها وله بها زاوية فيها سلاح كثير، وكلمته عند الفرنج مسموعة يكتب لهم بسبب المسلمين فيقبلون ما يكتب به. وحصل له في آخر عمره ضعف فى بدنه،، وثَقُل. سمعه، ومات ليلة عيد الفطر ودفن صبيحتها، وكانت جنازته مشهورة وصلَّينَا عليه بحلب صلاة الغائب. ٢٠ - مُنْكَلي بُغًا الحاجب وهو من مماليك الظاهر واشتغل كثيرًا وكتب الخط الحسن، وولِى حسبة القاهرة في دولة المؤيّد، وأرسله الناصر فرج إلى اللنك؛ وكان يذاكر بشيء من الفقه. مات فى ليلة الخميس حادى عشر ربيع الأول. ٢١ - يوسف جمال الدين بن صاروجا بن عبد الله المعروف بالحجازي، تنقلت به الأحوال في الخدم وعمل أستادارًا، وتقدم فى أواخر دولة الناصر عند الدويدار طوغان وكان زوج ابنته ويدعوه "أبى" وكثر ذلك حتى صبار يقال له "أبو طوغان"؛ وكان عارفًا بالأُمور. ٢٢ - خوند والدة عبد العزيز بن برقوق. * * *

стр. 1608

سنة سبع وثلاثين وثمانمائة أوَّلها الثلاثاء بلا نزاع (١) فإنَّ الهلال غاب ليلةَ الثلاثاء قبل العشاء نحو نصف ساعة، وفى الحساب أوّلها الاثنين. وفى أوّل يومٍ منها أوفى (٢) النيل ثم كُسر الخليج في يوم الأربعاء الثاني منه، واستمرّت الزِّيادة إلى يوم وصول العسكر، واستَهلت ونحن بالطريق إلى غزَّة، ورحل السلطان منها يوم الخميس يوم عاشوراء وساق إلى الطريق التي توجّه فيها، وأرسل إلى القدس خمسة آلاف دينارٍ صدقةً، وكان الوصول إلى بلبيس يوم الجمعة ثامن عشره، ومات ما بين غزة وبلبيس من الجمال والبغال والحمير والخيول مالا يحصى كثرةً بحيث صارت الأرض منتنةَ الرّيحة مع شدة (٣) الحر، ووصل (٤) إلى الخانقاه بسر ياقوس ليلةً السبت فأصبح فدخل القاهرة في موكبٍ عظيمٍ جدًا، وشقَّ القاهرةَ وأمامه الخليفةُ والقضاةُ والأُمراءُ، وزُينَت له المدينة، وبعد يومين وصل الحاج وأخبروا بالرخاء والأمن وأنه مات منهم في طريق المدينة خلقٌ كثيرٌ من شدة الحر، وأمطرت السماء مطرًا غزيرًا فنقص النيل نقصًا فاحشًا وكان انتهى إلى سبعة عشر إصبعًا من ثمانية عشر ذراعًا فبادروا إلى كسر سد الأمبوبة وظهر النقص فيه وانكشف كثير من الأراضى واستشعر الناس الغلاء فبادروا إلى خزن الغلال والله المستعان، ثم تراجعت الزيادة إلى أن نودى بإصبع من ثمانية عشر ثم عاد النقص. وأظنه لكسر الصليبي، فنودي في يوم الأحد رابع (٥) صفر الموافق لثالث عشرى توت بإصبع لتكملة ستَّةَ عشر إصبعًا

стр. 1609

من سبعة عشر ذراعًا، وبلغ سعر القمح مائةً وثمانين بعد أن كان بتسعين، والفولُ بمائةٍ وعشرة، والشعيرُ كذلك؛ وامتدَّت الأيدى إلى تحصيل الغلال إما للمُونَة وإما للتجارة، فاشتد الخطب ولله الأمر، ومع ذلك فلَطف الله بأهل مصر لطفًا عظيما كما سيأتي بيانه بحيث أنَّ جميع مَن خَزَن القمحَ نَدم على ذلك لعدم ارتفاع سعره في طول المدة. * * * وفيها أرسل يوسف بن محمد بن يوسف بن محمد بن يوسف بن محمد بن الأحمر إلى أبي عبد الله محمد بن نصر بن أبي عبد الله بن الأحمر المعروف بالأيسَر عسكرًا حاصره وهو بالمَريَّة، وكان من شأنه أنَّه ثار على محمد بن الموال ففرّ إلى مالقة فجمع عسكرًا ونازل ابن الموال فغلب عليه فقتله، ثم ثار عليه محمد بن يوسف والد يوسف المذكور فغلب على غرناطة ففر الأيسر إلى تونس، فأقام في كنف أبي فارس حتى جهز معه عسكرًا إلى غرناطة فملكها ثالث مرة، وقتل محمد بن يوسف، فثار عليه يوسف ولده فقتله، وكان صحبة أبى فارس منذ قُتِل أبوه، فلما مات أبو فارس توجّه إلى صاحب قشتالة الفرنجى فأمده بعسكر، وكتب إلى أهل رَندة ومالقة وغيرهما أن يعينوه، وإلى أهل غرناطة أن يطيعوه، ويتهدّدهم إن خالفوه، فسار يوسف فملك رندة ودخل غرناطة وفر منه الأيسر واستقرَّ فيها؛ فلما كان فى هذه السنة جهز إلى الأيسر عسكرًا وهو بالمريّة. * * * وفي شعبان طلب من البلاد بالوجه البحرى (١) خيولٌ فُوظِّف على كل بلد فرسٌ واحدٌ، وعلى البلد الكبير إثنان أو ثلاثة وإن لم يوجد فيه خيل أُخِذ عوض الفرس خمسة آلاف، فكانت مظلمةً حادثة. * * * وفيه -فى التاسع والعشرين منه- كان ختانُ يوسف بن السلطان وعمرُه يومئذ نحو تسع

стр. 1610

سنين أو هو ابن عشر ودخل فى الحادية عشرة، وخُتن معه عدّةٌ من أولاد الأُمراء وغيرهم. وكان مُهمًّا حافلا. * * * ورأيتُ فى كتاب بعض من يذكر الحوادث أَنَّ امرأة طُلِّقَت وهي حامل فكتمت حملها وتزوجت ثم طلَّقها الزوج فتزوجت بثالث ثم بعد ذلك أخذها الطلق ووضعت ولدا صورته صورة الضفدع في قدر الطفل، فسترها الله بأن أماته، قرأت ذلك بخط الشيخ تقى الدين المقريزى. وأُعيد التاج إلى ولاية القاهرة عند (١) السلطان إلى القلعة وعُزل دُولات خَجا، ثم أُعطي ولايةَ القليوبية والمنوفية في ربيع الآخر. وانتهت زيادةُ النيل إلى سبعة عشر ذراعًا وسبعة عشر إصبعًا، ثم نقص بعد النيروز دفعة واحدة قدر ذراع، ثم عادت الزِّيادة إلى أن كاد يكمل الذراع السابع عشر فنقص أيضًا قدر خمسة عشر إصبعًا، ثم عادت الزيادة في العشرين من توت فتناهت إلى قدر عشرين إصبعًا من السابع عشر، ثم عاد النقص واستمر وشرقت غالبُ البلاد العالية من الصعيد الأعلى فما دونه وشرق بعض بلاد الجيزة وما والاها، ومع ذلك لطف الله تعالى بالمسلمين في هذه السنة المباركة لطفًا عظيمًا، بحيث أن القمح -مع ارتفاعه قليلا- لم ينقطع الواصل منه، واستمر ذلك إلى أن جاء المغل الجديد وتناقص السعر. * * * وفى صفر أُعيد (٢) آقبُغا الجمالى إلى كشف الوجه القبلى. وفي ليلة السبت تاسع ربيع الأول هبت شديدة قلعت كثيرًا من الأشجار بدمياط من أصولها فتساقطت [أشجار] نخيل كثيرة وفسدت أشجار الموز، وفسد كثير من الأقصاب وأسف كثير من الناس على ما تلف من ماله.

стр. 1611

وشاع أن فى أوائله وقع سراق الفرنج على سبعة مراكب للمغاربة المسلمين، فأسروا من فيها ونهبوا الأموال والبضائع وأحرقوا ثلاثة منها وساروا بأربعة. وفي ثاني عشر ربيع الأول أُخرج إقطاع الأمير الكبير سودون من عبد الرحمن الذي كان نائبَ الشام وأُمر (١) بلزوم بيته، فأرسل سودون في صبيحة ذلك اليوم جميع ما عنده من الخيل والجمال والبغال للسّلطان ولم يُقرَّر في نظر المرستان أحدًا ولا في الأتابكية وأضيف إلى الديوان المفرد، ثم أُمر بنفيه إلى دمياط في جمادى الآخرة فاستمر بها إلى أن مات، والعجب (٢) أنه ولد له في هذا الشهر مولودٌ من جاريةٍ ولم يكن له ولدٌ ذكر. وقيل إنهم تكلموا مع السلطان في إحضاره إلى القاهرة ثم لم يتم ذلك. وفى يوم الخميس ثانى عشر شهر ربيع الآخر نزل السلطانُ في عددٍ يسيرٍ فدخل المرستان وقَرَّرَ أمره، ونادى بأنَّه الناظرُ عليهم، ومن كانَت له حاجةٌ أو ظلامةٌ فليحضُر إلى باب السلطان. وفيه استقرٌ إينال الشِّثماني في نيابة صفد بحكم وفاة مقبل. وفيه في ثالث عشري شوال استقرّ خليل بن شاهين الصّفوى فى نظر الإسكندرية، وكان أبوه يسكن القدس، ونشأ ابنه هناك، ثم قدم القاهرة وتزوج أُخت خوند جلبان زوج السلطان فعظُمت حرمته وسعى فى حجوبية الإسكندرية ثم فى نيابتها. وفى صفر ألزم الوزيرُ بحَمل ما توفَّر من العليق في ديوان الدولة وفي ديوان المفرد، وكان جملة ذلك. سبعين ألف إردب.

стр. 1612

وفى ربيع الأول عملت مكحلة (١) - لرمى المنجنيق - من نحاس، وزنُها مائةٌ وعشرون قنطارًا بالمصرى ونُصِبَت خارج باب القرافة، ورموا بها إلى جهة الجبل بأحجار زنةُ بعضِها قدرُ ستمائة رطل. وفيه وصلت كتُبٌ من دِمياط بأنَّه هبت بها رياحٌ عاصفة فتقَّصفت نخيل كثيرة وتلفت أشجار الموز وقصب السكر من الصّقيع، وانهدمت عدة دور، وفزع الناس من شدة الربح حتى خرجوا إلى ظاهر البلد، وسقطت صاعقةٌ فأحرقت شيئًا كبيرًا، ثم نزل المطر فدام طويلا. وفيها وقع بمكَّة سيلٌ عظيم طبَّق ما بين الجبلين، وانهدمت بمكة دورٌ كثيرة، ووصل الماء إلى قرب باب الكعبة، وطاف بعضُ الناس سبحًا، وأقام الماء يومًا بالحرم إلى أن صُرف، وفاضت زمزم. قرأت في كتاب على بن إبراهيم الإبّى (٢) الزِّبيدى نزيل مكة: "لما كان في ليلة الحادي والعشرين من جمادى الأُولى وقع بمكة مطر غزير سالت به الأودية، وكانت ليلة الجمعة فأصبحوا وقد صار في المسجد ارتفاعُ أربعةِ أذرع، فأُزيلت عتبة باب إبراهيم فخرج الماء من المسقلة فبقى من الطين في المسجد نحو نصف ذراع، وتهدَّمت في تلك الليلة دور كثيرة، ومات تحت الروم جماعة".

стр. 1613

وقرأت في كتاب صاحبنا شهاب الدين الجَرْهِى (١) أنه تلف له كتبٌ كثيرة من السيل، وعقب هذا السيل وباء. وفى يوم الأربعاء رابع عشر جمادى الآخرة توعك السّلطان فاستمرّ بالقولنج خمسة أيام ثم تماثل، وعُدتُه فوجدتُه ملما به، ثم عدته في أول يوم شهر رجب فوجدته تماثل، ثم صلى الجمعة ثانى شهر رجب، وكانوا أرجفوا بموته وتحزَّبوا أحزابًا ووجل الناس من إثارة الفتنة. * * * وفى أوائل شعبان قرئ البخارى فى القلعة على العادة، وحضر شخص عجمى (٢) يقال له شمس الدين محمد الهروى، ويقال له ابن الحلاج [وهو]، كهلُ من أبناء الأربعين، ادّعى أنه يعرف مائةً وعشرين علما فأظهر بأوًا عظيمًا وشرع يسأل أسئلةً مشكلة، وظهرت منه أمور تدلّ على إعجابٍ زائد، فآل أمره إلى أن وقعت منه أُمور أُنكرت من جهة المعتَقَد فزُجر، فخذل بعد ذلك وصار كآحادٍ الطَّلبة، واعتذر بعد ذلك أن بعض (٣) الناس أغراه بذلك ظنًا منه أن ينتقص من قدر كاتبه، فأبى الله ذلك وحاق المكر السيئ بأهله، ولله الحمد. وفيه فى الجملة ذكاء، وعلى ذهنه فوائدُ كثيرة، وعنده استعدادٌ ويعرف الطبَّ، وعُدَّت عليه سقطاتٌ، وبحث مع سعد الدين بن الديرى فلم يُجِبهُ وقُرِّر من جملة المشايخ ورُتب له ما يكفيه. * * *

стр. 1614

وفيه استعفى الوزير كريم الدّين من الوزارة وشكى من كثرة المصروف وقلةِ المتحصل، فاستُرضِىَ بزيادة بلدٍ أضيفت له فاستمر، ثم تغيّب فى يوم السبت ثالث عشرى رجب بعد أن طلع القلعةَ، واستقر في الوزارة أمينُ الدين إبراهيم الذى كان ولى نظر الدولة، وهو ولد مجد الدين عبد الغني بن الهَيصَم الذى كان وَلَىِ نظر الخاص في دولة الناصر فرج، ولبس الخلعة فى هذا اليوم المذكور وهرع الناس للسّلام عليه بمنزله ظاهر باب القنطرة بالقرب من المقس، فلما كان يوم الثلاثاء استقرّ ولدُه -وهو صغير السن- في نظر الدولة وأُلبس خلعةً لذلك، وشغرت الأُستادارية، وتكلَّموا مع السّلطان في استقرار جانِبِك مملوك ناظرِ الجيوش عبد الباسط فيها فأجاب لذلك ثم بطل ذلك، وسعى ناظر الجيش في إعفائه، وتغيَّظَ السلطانُ على المباشرين وأُلزم ناظر الخاص -فيما قيل- بالمباشرة فيها، فاستعنى فأُمر أن ينادى بأمان الأُستادار فبلغه ذلك فظهر، وذلك في السابع والعشرين منه، وطلع إلى السلطان فخلع عليه قباء كان عليه، ونزل إلى داره وفرح الناس به وكان يومًا مشهودًا. * * * ومن حوادث سنة ٣٧ أنه أحصى (١) من في الإسكندرية من الحاكة فوجد فيها ثمانمائة نول، وكان ذلك وقع في سنة ٧٩٧ فبلغوا أربعة عشر ألف نول بمباشرة جمال الدين محمود الأُستادار، ونحو هذا أنَّ كُتَّاب الجيش أَحْصُوا قرى مصر قبليّها وبحريها فبلغت عدَّتُها ألفين ومائةً وسبعين قرية، وقد ذكر بعض القدماء في أوائل دولة الفاطميين أن عدّتها عشرة آلاف. وفيها أُعيد جلال الدين أبو السعادات (٢) على القضاء (٣) في جمادى الآخرة عوضًا عن الجمال محمد بن على الشَّيبى. وفى رجب سافر الناس صحبة أرنبُغا إلى مكة.

стр. 1615

وفى ذي القعدة استقرّ الشَّيخ شمس الدين محمد بن أحمد المالكى الفُرِيَّانى (١) المُغيَربى فى قضاء نابلس وتحوّل شافعيًا وسار إليها، وهو كثير الاستحضار للتواريخ، وكان يتعانى عمل المواعيد بقرى مصر وبدمياط وبلاد السواحل، وصحب الناسَ، وهو حسن العشرة، [وكان] نزها عفيفا، وقَد حدّث بحلب عن أبي الحسن البَطَرْنى وما أظنّه منه، سمع، فإنه ذكر لنا أنَّ مولده سنة ثمانين ببلده، وكان البَطَرْنِى بتونس ومات بعد سنة تسعين، ورأيت له بحلب إسنادًا للمسلسل بالأولية، مختلقًا إلى السِّلفى، وآخر أشد اختلاقا منه إلى أبى نصر الوائلى، وسئِلتُ عنهما فبيَّنتُ لهم فسادَهُما (٢)، ثم وقَفتُ مع جمال الدين بن السّابق الحموى (٣) على كراسةٍ كتبها عنه بأسانيده في الكتب السّتة أكثرها مختلق وجلها مُرَكَّب. وأوقفنى الشيخ تقي الدين المقريزى له على تراجم كتبها له بخطه كلها مختلفة إلا الشئ اليسير، والله المستعان. ثم وقفت على ذلك بخط الفُرّيانى المذكور وهو بضم (٤) الفاء وتشديد الراء بعدها ياء آخر الحروف وبعد الألف نون. * * * وفي رمضان ألزَم السلطانُ القاضىَ بدرَ الدين بنَ الأمانة بالحجّ لأنه ترجم له بأنه من المياسير وأنه قارب الثمانين ولم يحج، فسأله فقال: "حججتُ وأنا صغير" فقال لابد أن
следующие страницы →