← История

История · id 26317

إنباء الغمر بأبناء العمر - ت حبشي

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (1 903 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

وشاع أن فى أوائله وقع سراق الفرنج على سبعة مراكب للمغاربة المسلمين، فأسروا من فيها ونهبوا الأموال والبضائع وأحرقوا ثلاثة منها وساروا بأربعة. وفي ثاني عشر ربيع الأول أُخرج إقطاع الأمير الكبير سودون من عبد الرحمن الذي كان نائبَ الشام وأُمر (١) بلزوم بيته، فأرسل سودون في صبيحة ذلك اليوم جميع ما عنده من الخيل والجمال والبغال للسّلطان ولم يُقرَّر في نظر المرستان أحدًا ولا في الأتابكية وأضيف إلى الديوان المفرد، ثم أُمر بنفيه إلى دمياط في جمادى الآخرة فاستمر بها إلى أن مات، والعجب (٢) أنه ولد له في هذا الشهر مولودٌ من جاريةٍ ولم يكن له ولدٌ ذكر. وقيل إنهم تكلموا مع السلطان في إحضاره إلى القاهرة ثم لم يتم ذلك. وفى يوم الخميس ثانى عشر شهر ربيع الآخر نزل السلطانُ في عددٍ يسيرٍ فدخل المرستان وقَرَّرَ أمره، ونادى بأنَّه الناظرُ عليهم، ومن كانَت له حاجةٌ أو ظلامةٌ فليحضُر إلى باب السلطان. وفيه استقرٌ إينال الشِّثماني في نيابة صفد بحكم وفاة مقبل. وفيه في ثالث عشري شوال استقرّ خليل بن شاهين الصّفوى فى نظر الإسكندرية، وكان أبوه يسكن القدس، ونشأ ابنه هناك، ثم قدم القاهرة وتزوج أُخت خوند جلبان زوج السلطان فعظُمت حرمته وسعى فى حجوبية الإسكندرية ثم فى نيابتها. وفى صفر ألزم الوزيرُ بحَمل ما توفَّر من العليق في ديوان الدولة وفي ديوان المفرد، وكان جملة ذلك. سبعين ألف إردب.

стр. 1612

وفى ربيع الأول عملت مكحلة (١) - لرمى المنجنيق - من نحاس، وزنُها مائةٌ وعشرون قنطارًا بالمصرى ونُصِبَت خارج باب القرافة، ورموا بها إلى جهة الجبل بأحجار زنةُ بعضِها قدرُ ستمائة رطل. وفيه وصلت كتُبٌ من دِمياط بأنَّه هبت بها رياحٌ عاصفة فتقَّصفت نخيل كثيرة وتلفت أشجار الموز وقصب السكر من الصّقيع، وانهدمت عدة دور، وفزع الناس من شدة الربح حتى خرجوا إلى ظاهر البلد، وسقطت صاعقةٌ فأحرقت شيئًا كبيرًا، ثم نزل المطر فدام طويلا. وفيها وقع بمكَّة سيلٌ عظيم طبَّق ما بين الجبلين، وانهدمت بمكة دورٌ كثيرة، ووصل الماء إلى قرب باب الكعبة، وطاف بعضُ الناس سبحًا، وأقام الماء يومًا بالحرم إلى أن صُرف، وفاضت زمزم. قرأت في كتاب على بن إبراهيم الإبّى (٢) الزِّبيدى نزيل مكة: "لما كان في ليلة الحادي والعشرين من جمادى الأُولى وقع بمكة مطر غزير سالت به الأودية، وكانت ليلة الجمعة فأصبحوا وقد صار في المسجد ارتفاعُ أربعةِ أذرع، فأُزيلت عتبة باب إبراهيم فخرج الماء من المسقلة فبقى من الطين في المسجد نحو نصف ذراع، وتهدَّمت في تلك الليلة دور كثيرة، ومات تحت الروم جماعة".

стр. 1613

وقرأت في كتاب صاحبنا شهاب الدين الجَرْهِى (١) أنه تلف له كتبٌ كثيرة من السيل، وعقب هذا السيل وباء. وفى يوم الأربعاء رابع عشر جمادى الآخرة توعك السّلطان فاستمرّ بالقولنج خمسة أيام ثم تماثل، وعُدتُه فوجدتُه ملما به، ثم عدته في أول يوم شهر رجب فوجدته تماثل، ثم صلى الجمعة ثانى شهر رجب، وكانوا أرجفوا بموته وتحزَّبوا أحزابًا ووجل الناس من إثارة الفتنة. * * * وفى أوائل شعبان قرئ البخارى فى القلعة على العادة، وحضر شخص عجمى (٢) يقال له شمس الدين محمد الهروى، ويقال له ابن الحلاج [وهو]، كهلُ من أبناء الأربعين، ادّعى أنه يعرف مائةً وعشرين علما فأظهر بأوًا عظيمًا وشرع يسأل أسئلةً مشكلة، وظهرت منه أمور تدلّ على إعجابٍ زائد، فآل أمره إلى أن وقعت منه أُمور أُنكرت من جهة المعتَقَد فزُجر، فخذل بعد ذلك وصار كآحادٍ الطَّلبة، واعتذر بعد ذلك أن بعض (٣) الناس أغراه بذلك ظنًا منه أن ينتقص من قدر كاتبه، فأبى الله ذلك وحاق المكر السيئ بأهله، ولله الحمد. وفيه فى الجملة ذكاء، وعلى ذهنه فوائدُ كثيرة، وعنده استعدادٌ ويعرف الطبَّ، وعُدَّت عليه سقطاتٌ، وبحث مع سعد الدين بن الديرى فلم يُجِبهُ وقُرِّر من جملة المشايخ ورُتب له ما يكفيه. * * *

стр. 1614

وفيه استعفى الوزير كريم الدّين من الوزارة وشكى من كثرة المصروف وقلةِ المتحصل، فاستُرضِىَ بزيادة بلدٍ أضيفت له فاستمر، ثم تغيّب فى يوم السبت ثالث عشرى رجب بعد أن طلع القلعةَ، واستقر في الوزارة أمينُ الدين إبراهيم الذى كان ولى نظر الدولة، وهو ولد مجد الدين عبد الغني بن الهَيصَم الذى كان وَلَىِ نظر الخاص في دولة الناصر فرج، ولبس الخلعة فى هذا اليوم المذكور وهرع الناس للسّلام عليه بمنزله ظاهر باب القنطرة بالقرب من المقس، فلما كان يوم الثلاثاء استقرّ ولدُه -وهو صغير السن- في نظر الدولة وأُلبس خلعةً لذلك، وشغرت الأُستادارية، وتكلَّموا مع السّلطان في استقرار جانِبِك مملوك ناظرِ الجيوش عبد الباسط فيها فأجاب لذلك ثم بطل ذلك، وسعى ناظر الجيش في إعفائه، وتغيَّظَ السلطانُ على المباشرين وأُلزم ناظر الخاص -فيما قيل- بالمباشرة فيها، فاستعنى فأُمر أن ينادى بأمان الأُستادار فبلغه ذلك فظهر، وذلك في السابع والعشرين منه، وطلع إلى السلطان فخلع عليه قباء كان عليه، ونزل إلى داره وفرح الناس به وكان يومًا مشهودًا. * * * ومن حوادث سنة ٣٧ أنه أحصى (١) من في الإسكندرية من الحاكة فوجد فيها ثمانمائة نول، وكان ذلك وقع في سنة ٧٩٧ فبلغوا أربعة عشر ألف نول بمباشرة جمال الدين محمود الأُستادار، ونحو هذا أنَّ كُتَّاب الجيش أَحْصُوا قرى مصر قبليّها وبحريها فبلغت عدَّتُها ألفين ومائةً وسبعين قرية، وقد ذكر بعض القدماء في أوائل دولة الفاطميين أن عدّتها عشرة آلاف. وفيها أُعيد جلال الدين أبو السعادات (٢) على القضاء (٣) في جمادى الآخرة عوضًا عن الجمال محمد بن على الشَّيبى. وفى رجب سافر الناس صحبة أرنبُغا إلى مكة.

стр. 1615

وفى ذي القعدة استقرّ الشَّيخ شمس الدين محمد بن أحمد المالكى الفُرِيَّانى (١) المُغيَربى فى قضاء نابلس وتحوّل شافعيًا وسار إليها، وهو كثير الاستحضار للتواريخ، وكان يتعانى عمل المواعيد بقرى مصر وبدمياط وبلاد السواحل، وصحب الناسَ، وهو حسن العشرة، [وكان] نزها عفيفا، وقَد حدّث بحلب عن أبي الحسن البَطَرْنى وما أظنّه منه، سمع، فإنه ذكر لنا أنَّ مولده سنة ثمانين ببلده، وكان البَطَرْنِى بتونس ومات بعد سنة تسعين، ورأيت له بحلب إسنادًا للمسلسل بالأولية، مختلقًا إلى السِّلفى، وآخر أشد اختلاقا منه إلى أبى نصر الوائلى، وسئِلتُ عنهما فبيَّنتُ لهم فسادَهُما (٢)، ثم وقَفتُ مع جمال الدين بن السّابق الحموى (٣) على كراسةٍ كتبها عنه بأسانيده في الكتب السّتة أكثرها مختلق وجلها مُرَكَّب. وأوقفنى الشيخ تقي الدين المقريزى له على تراجم كتبها له بخطه كلها مختلفة إلا الشئ اليسير، والله المستعان. ثم وقفت على ذلك بخط الفُرّيانى المذكور وهو بضم (٤) الفاء وتشديد الراء بعدها ياء آخر الحروف وبعد الألف نون. * * * وفي رمضان ألزَم السلطانُ القاضىَ بدرَ الدين بنَ الأمانة بالحجّ لأنه ترجم له بأنه من المياسير وأنه قارب الثمانين ولم يحج، فسأله فقال: "حججتُ وأنا صغير" فقال لابد أن

стр. 1616

تحجّ حجة الإسلام هذه السنة"، فأجاب وحَجّ ورجع سالمًا؛ وجرى نظيره للعراقي فمات كما تقدم (١)، ومن العجب أن ابن الأمانة لما أُلزم تكرَّه ذلك كثيرًا (٢). * * * وفي يوم السبت عاشر ذي الحجة يوم عيد الأضحى وُلد لمحمد ولدى ابنة سماها بَيرم، ثم ماتت عن قريب بعد أن استهلت السنة. وفى يوم السبت ثالث (٣) عشرى ذى الحجة ووافق سابع مسرى كسر الخليج على العادة وحصل للناس السرور بالوفاء، وكانت الوقفة بمكة يوم الجمعة وكان الحج كثيرًا. وحج جقمق (٤) -وهو يومئذ أميرُ سلاح - فى أواخر ذى القعدة على الرواحل، وصُحبَتُه خلق كثير، فحج ورجع أيضًا فى العاشر من المحرم. وفى هذه السنة كثر فساد الفرنج الكتلان فأخذوا عدة مراكب للتّجار وأسروا من فيها وباعوهم أسرى، وكاتب صاحبُهُم السلطانّ ينكر عليه إلزامه للفرنج بشراء بضائعه من الفلفل وغيره، فمزَّقُ السلطانُ كتابه لما قُرئ عليه. * * * وفى التاسع والعشرين من شعبان ليلة السبت تراءى الناس الهلال فلم يروه، وأجمع أهل الفن أنه تغَيَّب مع غيبوبة الشمس، فحضر (٥) وله شهاب الدين أحمد بن قطب الدين

стр. 1617

محمد بن عمر الشِّيشينى فأخبر أنه رأى الهلال، وكان المحتسب حاضرًا، وكانوا كتبوا الورق على العادة يتضمن عدم الرؤية، وجُهِّزت إلى السلطان فقلت للمحتسب: "استصحب هذا معك"، فتوجه به فذكر أنه صمّم على أنه رآه، فسأل السلطان عنه فأثنوا عليه لكونه يَقرُب لجليس السلطان ولى الدين بن قاسم، فأَمر بالعمل بما يقتضيه الشَّرع، فحكم الحنبلىٌ بمقتضى شهادته ونودى فى الناس بالصيام، وذُكِر أن الناس بعد عدة ثلاثين تراؤا الهلال ليلة الإثنين فلم يروه ولم يجئ أحد من البلاد يخبر برؤيته ليلة الأحد، لكن نحن اعتمدنا على حكم الحنبلى وأكملنا العدة ثلاثين، ولم نتعرض للترائى؛ ومن زعم أن الناس خرجوا للتراثى فقد وهم وإنَّما شاع أن بعض الناس تراءى فلم ير شيئًا، واتفق أن غالب الجهات المتباعدة وكثيرًا من المتقاربة عيَّدُوا يوم الإثنين. وكان وفاءُ النيل فى الثامن عشر من ذي الحجة فصادف أنه أول (١) يوم من مسرى، وكان في العام الماضى تأخر إلى العُشر الأخير منه، فبسبب ذلك التأخير وهذا الإسراع وقع الوفاءُ فى أوّل العام وفي آخره (٢)، ولكن لزم منه أنه لم يقع في العام المقبل وفاءٌ بل تأخَّر إلى أن دخل العامُ الذي يليه فصار في العام الواحد الوفاءُ مرتين، وخلا عن العام الذي يليه وهو من النوادر. * * * وفيها كانت لإينال الأَجْرُود النَّائب بالرها وقعة مع التركمان، وسببها أن بعض أتباعه كان في تسيير خيله، فوقف لطائفة منهم فصار بهم فقتل منهم، فخرج إينال نجدة لهم فخرج عليه كمينُهم فوقع بينهم قتالٌ، فقتل بين الطائفتين جماعة، ودخل إينال المرقب فبلغ ذلك السلطانَ، فكتب إلى نائب حلب قَرْقُمَاس أن يتوجّه بالعسكر إلى الرها، وكتب إلى سائر الممالك الشامية أنهم إن تحققوا نزول قرايلك على الرها أن يتقدّموا بعساكرهم إلى اللحاق بقرقماس لقتال قرايلك.

стр. 1618

وفيها أخرب أصبهان بن قرا يوسف بغداد وتشتَّت أهلها منها، وأخرب قبل ذلك الموصل. وفيها جهّز السلطان الجُنَيد أمير آخور إلى المغرب لمشترى الخيول فعاد ومعه كُتبٌ من تونس وهديَّةٌ من صاحبها (١) وخيولٌ جيادٌ اشتراها. * * * ذكر من مات فى سنة سبع وثلاثين وثمانمائة من الأعيان ١ - إبراهيم بن داود بن محمد بن أبى بكر العبّاسى، ولَدُ أمير المؤمنين المعتضد بن المتوكل العباسى ولم يكن بقى له ولدٌ غيره، وكان رجلًا حسنًا كبير الرئاسة، قرأ القرآن وحفظ "المنهاج"، واشتغل كثيرًا وخلف أباه لما سافر خلافةٌ حسنةٌ شُكِر عليها، ومات بمرض السّل في ليلة الأربعاء ثالث عشر ربيع الأول (٢) بالقاهرة ولم يُكمِل الثلاثين، ولم يبقَ لأبيه ولدٌ ذكر، وذُكر أنه تمام عشرين (٣) ولدًا ذكرًا. ٢ - أحمد (٤) بن محمود بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن أبي العز الدمشقي، شهاب الدين الحنفى المعروف بابن الكشك، انتهت إليه رياسة (٥) أهل الشام في زمانه، وكان شهمًا قوىّ النفس يستحضر الكثير من الأحكام، وولى قضاء الحنفية استقلالا مدة، ثم أُضيف إليه نظر الجيش في الدولة المؤيّدية وبعدها ثم صُرف عنهما معًا، ثم أُعيد لقضاء الشام وعُيّن لكتابة السّر بعد موت شهاب الدين بن السّفَّاح فاعتذر لضعف يعتريه وهو عسرُ البول.

стр. 1619

وكانت بينه وبين نجم الدين بن حجّى معاداة (١) فكان كل منهما يبالغ في الآخر، لكن كان ابن الكشك أجود من ابن حجّى، سامحهما الله تعالى، وعاش ابن كشك بضعًا وخمسين سنة، وكانت وفاتُه في صفر (٢) بالشام. ٣ - إسماعيل بن أبي بكر بن المقرئ، عالم البلاد اليمنية شرفُ الدين، أصله من الشَّرجة (٣) من سواحل اليمن ووُلد في خامس عشر جمادى الأُولى سنة خمس وستين وسبعمائة - كذا كتبهُ بخطه- بأبيات حسين، وسكن زبيدًا ومهر فى الفقه والعربية والأدب، وجمع كتابًا فى الفقه سماه "عنوان (٤) الشرف" يشتمل على أربعة علوم غير الفقه يخرج من رموز فى المتن عجيب الوضع، اجتمعتُ به فى سنة ثمانمائة ثم فى سنة ستّ وثمانمائة، وفي كل مرة يحصل لى منه الودّ الزائد والإقبال، وتنقَّلت به الأحوال، وولى إمرة بعض البلاد في دولة الأشرف، ونالته من النَّاصر جائحةٌ تارةً وإقبالٌ أخرى، وكان يتشوق لولاية القضاء بتلك البلاد فلم يتفق له. ومن نظمه: "بديعيةٌ" التزم أن يكون في كل بيت تورية مع التورية باسم النوع البديعى، وله مسائل وفضائل، وعمل مرة ما يتفرّع من الخلاف في مسألة الماء المشمس فبلغت آلافًا، وله "شرح الحادى (٥) " في مجلدين؛ وحجّ سنة بضع عشرة وأسمع كثيرًا من شعره مكة. رحمه الله تعالى.

стр. 1620

٤ - آقبُغا الجمالى الذى كان عمل الأُستاداريّة الكبرى غير مرّة وفي الآخر ولاه السّلطانُ كشفَ البحيرة فتوجّه إلى هناك، فأَغار على بعض العرب فتجمعوا عليه وقتلوه وذهب دمُه هدرًا، وكان أهوج (١) مقداما غشومًا، وهو من مماليك كمشبغَا الجمالى، وخرج الوزير الأُستادار عبد الكريم بن كاتب المناخات بعسكرٍ فجمع العرب وأمّنهم وأحضرهم إلى السلطان، وذهب دم آقبغا هدرًا في ٢١ ربيع الآخر. ٥ - أبو بكر بن على بن جحَّة الحموى الحنفى، الشيخ الأَديب الفاضل شاعر الشام تقى الدين الأزرارى، كان فى ابتداء أمره يعقد الأزرار وكان يخضب بالحمرة، ثم تعانى النظم فولَّع أولًا بالأزجال والمواليا ومهر فى ذلك وفاق أهل عصره، ثم نظم نظم القصائد ومدح أعيان أهل بلده، ودخل (٢) الشام فمدح برهان الدين بن جماعة قبل التسعين بقصيدةٍ كافيةٍ أعجبته فطاف بها على نبهاء عصره فقرظوها له. ودخل بسبب ذلك إلى القاهرة فدُلَّ على القاضى فخر الدين بن مُكَانِس ومدحه وطارح ولده، وكتَبا له على القصيدة، واجتمعتُ به إذ ذاك، ثم عاد مرة أخرى فتأَكَّدت الصحبة. ولمّا رجع في الأوّل صادف الحريق الكائن بدمشق لمَّا كان الظَّاهر يحاصر دمشق بعد أن خرج من الكرك، وكان أمرًا مهولا فعمل فيه رسالته وكاتبه بها ابن مكانس وهى طويلة، وأقام بحماة يمدح أمراءها وقضاتها؛ وله قصيدة في علاء الدين بن أبي البقاء قاضي دمشق، ومدح أمين الدين الحمصي كاتب السر حينئذ وغيره، ودخل القاهرة ثم نوه به القاضى ناصرُ الدين بنُ البارزى فى الدولة المؤيّدية فعظم أمره وشاع ذكره، وكان نظم قصيدةً بديعية على طريقة شيخه العزّ الموصلى وشرحها في ثلاثة مجلدات، وجمع مجاميع أخرى مخترعة، وله فى المؤيد غُرر القصائد، وقُرِّر فى ديوان الإنشاء منشىٍّ الدّيوان، وعمل فى طول

стр. 1621

الدولة المؤيدية من إنشائه مجلَّدين فى الوقائع، ودخل مع المؤيّد بلاد الروم، فلما انقضت الدولة المؤيّدية رقَّ حاله فرجع إلى بلده حماة فأقام بها على خير إلى أن مات في الخامس والعشرين من شعبان. سمعتُ من نظمه كثيرًا، وسمعتُ عليه معظم شرحه على "بديعيّته" وجملةً من إنشائه، ولقيتهُ بحماة سنة ستٍ وثلاثين ذهابًا وإيابًا وبيننا مودّة أكيدة، والله تعالى المسئول أن يرحمه ونعم الرجل كان. رحمه الله تعالى، ومن نظمه: سرنا ولَيْلُ شَعْرِهِ مُنسدِلٌ … وَقَدْ غدا جمالُه مُسفَّرا (١) فَقَال صُبْحُ ثَغْرِهِ مُبْتَسِمًا … عند الصَّباح يحمدُ القومُ السّرى ومنه: فى سويداء مُقلَةِ الحُبِّ نَادى … جفنُه وهُوَ يَقْنَصُ الأُسد صَيْدَا لا تَقُولُوا ما فى السُّوَيْدَا رِجَالٌ … فأنا اليَوم مِن رجال السُّويدَ (٢) ٦ - أبو بكر، المقيم ببولاق، أحدٌ من كان يُعتقد، وكان مقيمًا بالحسينية (٣) ظاهر القاهرة ثم تحوّل إلى بولاق وبُنيت له زاوية، ثم اتَّفَق أَنه أَمرَ أَن يُبْنَى له بها قبرٌ فبُنى، فلما انتهت عمارته ضعف فمات فدُفن فيه فى المحرّم؛ وتُحكى عنه كرامات ومكاشفات وكان في الغالب هملا (٤). ٧ - جارقُطلى (٥) نائب الشام: تنقَّل في الخدم إلى أن ولى نيابة حماة في الدولة المؤيّدية، ثم نُقل إلى نيابة حلب عوضًا عن قَانِى بِك واستقرّ البجاسى في نيابة دمشق، وكان دخولهُ

стр. 1622

إلى حلب فى شوال سنة ستٍ وعشرين ثم نُقِل إلى القاهرة فى سنة ثلاث وثلاثين فأُمِّر تقدمة، ثم قُرِّر أتابك العساكر بها، ثم نُقل إلى نيابة دمشق بعد عزلِ سودون من عبد الرحمن فكانت مدّةُ ولايته لها قدر سنةٍ واحدة إلى أن مات في شهر رجب. وكان شهمًا مسرفًا على نفسه يحب العدل والإنصاف، ولم يخلف ولدًا. واستقر بعده في نيابة الشام قَصْرُوه نائبُ حلب نقلا منها، واستقرّ عوضه في نيابة حلب قَرقُمَاس الحاجب الكبير، واستقر عوضه في الحجوبية يَشبك المِشَدٌ. ومن الاتفاق أَنَّ أنَّ رفيقًا لى (١) رأى ما كُنَّا في سفرة آمد - قبل أن ندخل حلبا وذلك في رمضان- أَنَّ النَّاس اجتمعوا فطلبوا مَنْ يؤم بهم فرأوا رجلًا يُنسب إلى الصلاح فسأَلوه أن يؤمّ بهم فقال: "بل يؤم بهم قرْقُماس"، ففى الحال حضر قرقماس فتقدم فصلَّى بهم، فوليها بعد ذلك بدون السنة، ونُفى سودون من عبد الرحمن الذى كان نائب الشام إلى دمياط بعد أن كان بذل فى نيابة الشام ستين ألف دينار يُعَجِّل نصفها ويُجهّز نصفها بعد الولاية فلم يجب. واستقر عوضه في إمرته الأمير الكبير إينال الجكمى أمير سلاح، واستقر عوضه آقبُغَا الِتَّمرازى أمير سلاح وكان أمير مجلس، واستقر عوضه أمير مجلس جَقمقَ أمير آخور، واستقر عوضه أمير آخور تغرى برمش الذى كان نائب الغيبة في سفر الشام. كل ذلك يوم الخميس سلخ شهر رجب (٢). ٨ - رميتة بن محمد بن عجلان الحسنى الذى كان ولى إمرة مكة، وكان خرج فى طائفةٍ من العسكر للوقيعة ببنى إبراهيم على نحو ثمانية أيام من مكة فقُتِل فى المعركة.

стр. 1623

٩ - عبد (١) الله العفيف المعروف بالأشرفى، كان مملوكًا روميًا اشتراه أَرْغُون الفاخورى وربّاه فتعلَّم الخطَّ وحذق اللِّسان العربى وتعانى الخدم، فرآه البرهان المحلِّى التاجر فأَعجبه فاشتراه من أَرْغُون ثم أعتقه، ثم تنقَّلَت به الأحوال حتى اتصل المذكور بالملك الأشرف إسماعيل صاحب اليمن فعظم عنده جدًّا وفوّض إليه أمر المتاجر بعدن، وصار يكتب بخطه "الأشرفى" واشتهر بها فشرق بها المحلى وتولَّدت بينهما العداوة؛ وكان يباشر بصرامةٍ وشهامةٍ وبعض عسفٍ مع معرفة تامة، فلم يزل على ذلك من سنة ثمانمائة يتنقل الحال فى ذلك. بينه وبين نورالدين ابن جُميع (٢) إلى أن مات الأشرف وولى ولده الناصر، ومات ابن جُميع فتحوّل الأشرفى إلى مكة فسكنها نحوًا من عشر سنين، ثم تحوّل إلى القاهرة فقطنها واستقام أمره إلى أن قُدّر أنه خرج في تجارةٍ إلى جهة طرابلس فاشتراها فأسرته طائفةٌ من الفرنج وقعوا بالمركب الذى هو فيه فانتهبوا ما معه، واستمر في الأسر نحوًا من أربع سنين إلى أن مات في هذه السنة في ربيع الآخر. ١٠ - عبد الله، جمال الدين بن الشيخ شمس الدين محمد بن محمد العراقى، الحلى الأصل، نزيل القاهرة، وُلد سنة أربع وستين تقريبًا بحلب، وكان أبوه من صدور علمائها وتربىّ هو بعد موته عند الشيخ شهاب الدين الأذرُعى وحصل له وظائف أبيه، ثم تعلَّق - بعد أن كبر - بولاية الحكم فناب فى عدّة بلاد، وولى قضاء بعض البلاد على غير مذهبه ولم يكن متحرّيًا، وكان يعرف الشروط، واستكثر من شراء الكتب مع عدم فراغه للاشتغال. وقدم القاهرة سنة إحدى وعشرين فقطنها إلى أن مات (٣)، وفى هذه السنة قيل للسلطان إِنَّهَ لم يحج فأرسل إليه في العشر الأخير من شوال فسأله عن ذلك، فاعترف فأمره بأن يحجّ

стр. 1624

في هذه السنة، فبادر إلى الإجابة وأظهر الفرح بذلك ونزل في الحال فتجهَّز وتوجّه صحبة الركب الأول فقدِّرت وفاته بمغارة نبط ذاهبًا على ما بلغنا، ولم أعرف له سماعًا فى الحديث ولا حدّث. وكان مبغِضًا للناس بغير سبب غالبًا، على الله عنه. ١١ - عبد (١) العزيز عز الدين بن القاضى بدر الدين محمد بن عبد العزيز بن الأمانة، مات في سابع عشرى جمادى الأُولى وكان شابًا صالحًا عفيفًا فاضلًا، اشتغل كثيرا ودرّس وعمل المواعيد بالجامع الأزهر. ١٢ - عبد العزيز (٢) السلطان أبو فارس بن أبي العبّاس أحمد صاحب تونس، مات وهو قاصدٌ إلى تلمسان وقد مضى كثيرٌ من أخباره فى الحوادث؛ قرأتُ بخط صاحبنا أبي عبد الله محمد بن عبد الحق السّبتى -فيما كتب من سيرته- أنه بلغه أنه كان لا ينام من الليل إلّا قليلا حتى حرّز مقدار ما ينامه بالليل أربع ساعات لا تزيد قط بل ربما نقصت، وليس له شغل إلَّا النظر في مصالح ملكه، وكان يؤذّن بنفسه ويؤم بالناس في الجماعة ويُكثر من الذكر ويقرّب أهل الخير، وقد أبطل كثيرا من المفاسد والتركات بتونس منها "العيالة" وهو مكان يباع فيه الخمر للفرنج ويُتحصّل منه فى السنة شئٌ كثير، وكان لأكثر الجيش عليه رواتب فأبطله وعوّضهم وأخرج للجيش بدله، قال: وشُكِى إليه قلة القمح بالسوق فدعا تجاره فعرض عليهم قمحًا من عنده وقال: "أُريد أبيع هذا يسعر دينار ونصف"، فاسترخصوه فأمر ببيعه بذلك السعر وأن لا يشترى أحدٌ من غيره بفوق ذلك، فاحتاجوا أن يبيعوه بذلك القدر فترك هو البيع، فبلغه أنهم زادوا قليلًا فأمر بأن يُباع ما عنده بسعر دينار واحد، وتقدم إلى خازنه أنه إن وجد القمح بالسوق لا يبيع من عنده شيئًا، وإلَّا باع بسعر دينار، فاضطروا إلى أن مشى الحال فكانت تلك من أحسن الحيل فى تمشية حال الناس. ولم يكن ببلاده كلها شئ من المكوس، ولكنه كان يبالغ في أخذ الزكاة والعُشر

стр. 1625

وكان محافظًا على عمارة الطرق حتى أَمنت القوافل في أيّامه في بلاده، وذكر أنه حضر محاكمةً مع منازع له فى بستان إلى القاضى فحكم عليه فقبل الحكم وأنصف الغريم. وكان إذا مرّ فى الأسواق يسلّم، ولا يلبس الحرير ولا يجلس عليه ولا يتختَّم بالذَّهب. وكانت صدقاتُه إلى الحرمين وإلى جماعةٍ من الصلحاء بالقاهرة وغيرها مستمرة، وما سافر قط - كثرة أسفاره - إلَّا قَدَّم بين يديه صدقات للزوايا وكذلك إذا عاد، وكتب إليه ابن عرفة مرة: "والله لا أعلم يومًا يمرّ علىّ ولا ليلة إلَّا وأنا داع لكم بخيري الدنيا والآخرة، فإنكم عماد الدين ونصرة المسلمين (١). ومات (٢) فى ذى الحجة عن ستٍ وسبعين سنة بعد أن خُطب له بفاس وتلمسان وما والاهما من المدن والقرى إحدى وأربعين سنة وأزيد، وقام من بعده حفيده المنتصر أبو عبد الله محمد بن الأمير أبى عبد الله محمد ابن أبى فارس. ١٣ - على بن حسين بن عُروة المشرقى ثم الدمشقى الحنبلى أبو الحسن بن زَكنُون، وُلد قبل السّتين وكان فى ابتداء أمره جمَّالا (٣)، وسمع على يحيى بن يوسف (٤) الرحبى ويوسف الصيرفى ومحمد بن محمد بن داود وغيرهم، وكان يذكر أنه سمع من ابن المحبّ ثم أقبل على العبادة والاشتغال فبرع، وأقبل على "مسند أحمد" فرتَّبه على الأبواب، ونقل فى كل بابٍ ما يتعلق بشرحه من كتاب "المغنى" وغيره، وفرغ فى مجلدات كثيرة. وكان منقطعًا فى مسجد لله يعرف بمسجد القدم (٥) خارج دمشق، وكان يقرئ الأطفال ثم انقطع، وكان يصلِّى الجمعة بالجامع الأموى ويُقرأ عليه بعد الصلاة فى الشرح ..

стр. 1626

وثار بينه وبين الشافعيّة شرٌ كبيرٌ بسبب الاعتقاد، وكان زاهدًا عابدًا قانتا لا يقبل لأحد شيئًا ولا يأكل إلَّا من كسب يده. وتوفى (١) ثانى عشر جمادى الآخرة، وكانت جنازتُه حافلةً. ١٤ - عمر (٢) بن على بن حجىّ، الشيخ الحنفى البِسطَامى. أصله من العجم وصحب بعض الفقراء ودخل القدس فلازم الشيخ عبد الله البسطامى فعُرف به، وأخذ عن الشيخ محمد القرمى ثم قدم مصر فقطنها وسكن بدرب (٣) اللؤلوة بالعارض. وكان خيرًا ساكنًا يعتقد الناس فيه، وله مددٌ من عقار يملكه ويستأجره، وكان قد أقعد وهو مع ذلك ملازمٌ الصلاة والذكر وقلَّ أن تُردّ رسائلهُ، مات فى حادى (٤) عشر ذي الحجة وقد قارب التسعين، وسمعتُ بعض النَّاس يذكر أنَّه جاوز المائة وليس كما ظُنَّ. ١٥ - قَطلُوبُغَا حجى البانَقُوسى، حمو الظاهر ططر، وقدولى نظر الأوقاف فى أيام الأشرف برسباي مدةً وباشر بعسفٍ شديد ثم لانَت عريكتُه ثم انفصل ومات فى يوم السبت ٢٥ صفر. ١٦ - محمد بن أحمد المالكي، فتح الدين بن النَّعاس - بالعين والسين المهملتين- أحدُ. موقعى الحكم، كان حسن الخطّ عارفًا بالوثائق، وولى الخطابة بمدرسة (٥) ناظر الجيش عبد الباسط، وكان متتلمذًا لابن وفاء وتقدّم في الصّلاة عليه بإشارة ناظر الجيش مع حضور القاضى الحنبلى وغيره من الأعارف، ولم يتفق لى حضورها.

стр. 1627

١٧ - محمد (١) بن أبى بكر بن محمد بن محمد بن سلامة الماردينى الحلبى الحنفى، الشيخ بدر الدين، اشتغل ببلده مدّةً، ولقى أكابر المشايخ، وحفظ عدة مختصرات، ومهر في الفنون وشغل الناس، وقدم إلى حلب مرارًا فاشتغل بها، ثم درّس فى أماكن وأقام بها مرةً عشر سنين ورجع. ولما غلب قَرَايلُك على ماردين نقله إلى آمد فأَقام مدةً ثم أُفرج عنه فرجع إلى حلب فقطنها، ودرَّس في عدّةِ مدارس، ثم حصل له فالج قبل موته بنحو عشر سنين فانقطع، ثم خفَّ عنه وصار ثقيلَ الحركة. وكان حسنَ النظم والمذاكرة، اجتمعتُ به فى حلب فذكر لى أنَّ مولده سنة خمسٍ (٢) وخمسين، ومدَحنى بقصيدةٍ رائيةٍ وأجبتُه عنها، ومات ثاني صفر سنة ٨٣٧. وكان فقيها فاضلًا صاحب فنونٍ من العربية والمعانى والبيان، وأخذ عن سَرِيجا وجماعة، وقد ذكرتُ له ترجمةً حسنة فى معجمى، ومات وله اثنتان وثمانون سنة ولم يخلف بعده بحلب مثله. ١٨ - محمد بن أبى بكر بن محمد السّمنودى المقرئ، تاج الدين الشهير بابن ثمرية وُلد قبل الثمانين بيسير، وكان أبوه تاجرًا بزازًا فنشأَ هو محبًّا فى الاشتغال مع حُسن الصّورة والصيانة. وتعانى القراءات فمهر فيها ولازم الشيخ فخر الدين بالجامع الأزهر والشيخ كمال الدين الدَّمِيرى، وولى خطابة جامع بشتك ومشيخة الإقراء بالخانقاه الشيخونية، وأخذ أيضًا عن الشيخ خليل المشبّب. مات (٣) يوم الجمعة عاشر صفر. ١٩ - محمد بن شقيل (٤) شمس الدين الحلبى أحد الفقهاء بها اشتغل كثيرًا وفضل، مات في جمادى.

стр. 1628

٢٠ - محمد بن عبد الله السُّلَمى، الشيخ بدر الدين. مات في تاسع عشر ذي الحجة. ٢١ - محمد بن على بن محمد بن أبى بكر قاضى مكة جمال الدين القرشى العَبدرى المكي الشَّيبي، أبو المحاسن، وُلد فى رمضان سنة تسع وسبعين وسبعمائة، وسمع على برهان الدين بن صدّيق وغيره، وله إجازة من النشاورى والحافظ العراقى وغيرهما، وتعانى الأدب والنظر في التواريخ، وصنّف أشياء لطيفة منها ذيل على حياة الحيوان سماه "طيب (١) الحياة". ومن نظمه قوله فى القاضى جلال الدين لمّا أُعيد إلى القضاء بعد الهروى في سنة اثنتين وعشرين: عودُ الإمَامِ لَدَى الأنَامِ كَعِيدِهم … بل عَودُ لا عِيدٌ أُعِيدَ مثالُهُ أجلَى جَلَالُ الدّينِ عَنَّا غُمَّةُ … زالَت بعونِ اللهِ ﷻ وولى سدانَةَ البيت سنة سبع وعشرين، ثم أُعيد وولى قضاء مكَّة بعد صرف أبي السعادات فى سنة ثلاثين فباشرها فحُمِدت سيرتُه وأُضيف إليه نظرُ الحرم، ولم يكن يُعاب إلَّا بما يُرمي به من تناول لبن الخشخاش. ثم قال القاضى تقى الدين الشهبى: "وَلى حجابة البيت سنة ثمانٍ وعشرين، وولى قضاء مكة سنة ثلاثين" وجمع مجاميع كثيرة منها تعليق على الحاوى، وطيب الحياة "ومختصر حياة الحيوان، مع زوائد، وكان رحل إلى شيراز وبغداد، وكتب بخطه حوادث زمانه. مات فى ليلة الجمعة ثامن عشرى ربيع الأول عن نحو سبعين سنة". ٢٢ - محمد بن على الحِكرى، بدر الدين، ولى أبوه القضاء مدّةً لطيفةً كما تقدم ذكره فى سنة ستٍّ وثمانمائة ونشأَ ابنُه هذا نشأةً حسنة واشتغل كثيرًا ثم ناب فى الحكم مرة، وكان جميل الصورة حسن العشرة متواضعًا فاشتغل ومهر، وبحث "المقنع" و"المستوعب" على القاضى الحنبلى وكتب بخطه كثيرًا، ومات في أول (٢) شهر ربيع الأول، طلعَت له جمرةٌ فى قفاه فمات بها؛ وعاش ثلاثا وخمسين سنة.

стр. 1629

٢٣ - قُطُلبك (١) الكماخِى - بالخاء المعجمة - شمس الدين أحد نوّاب الحنفى، مات في الخامس من جمادى الآخرة، وكان مذموم السيرة. ٢٤ - محمد بن محمد بن محمد بن القماّح التُّونسى المحدّث بها (٢) أبو عبد الله، سمع من ابن أبى عبد الله بن عَرَفة وجماعة، وحجّ فسمع من شيخنا تاج الدّين بن موسى خاتمة من كان عنده حديث السِّلفى بالعلوّ بالسماع المتصل بالقاهرة من شيخنا حافظ العصر زين الدين العراقى، ومن مسند القاهرة برهان الدين الشامى وجماعة، ورجع إلى بلاده فعنى بالحديث واشتهر به، وكاتبنى مرارًا بمكاتباتٍ تدلُّ على شدة عنايته بذلك ولكن بقدر طاقته فى البلاد. وقد ولى قضاء بعض الجهات بالمغرب، وحدّث بالإجازة العامة عن البطرني الأندلسى بسند يونس وخاتمة أصحاب ابن الزبير بالإجازة،، وعن غيره من المشارقة، وحدّث بالكثير. مات فى أواخر شهر ربيع الآخر، وكتَب إلىَّ بوفاته الشيخ عبد الرحمن البرشكى من تونس وقال: "كان حسن البشر، سمحَ الأخلاق، محبًّا للحديث وأهله"، رحمه الله تعالى. ٢٥ - محمد بن الفخر (٣) المصرى، ناصر الدين المعروف بابن النَّيدى (٤)، كان أبوه

стр. 1630

تاجرًا فنشأ محبًّا فى العلم فمهر في العربيّةِ، وصاهر شيخنا العراق على ابنته ثم ماتت معه فتزوّج بركة بنتَ الشيخ ولىّ الدين أخىِ زوجته ومات (١) وهى فى عصمته، وخلَّف ولىَّ الدين، وكان معروفًا بكثرة المال فلم يظهر له شئ، مات وله بضع وستون (٢) سنة. ٢٦ - محمد بن فَندو (٣) ملك بنجالة، جلال الدين أبو المظفَّر ويلقَّب بكاس، وكان سببُ مملكته لها أن أباه كان كافرًا فثار عليه شهاب الدين مملوك سيف الدين حمزة بن غياثِ الدين أعظم شاه بن إسكندر شاه بن شمس الدين فغلبه على بنجالة وأسَره، وكان أبو المظفر قد أسلم فثار على أبيه واستملك منه البلاد فأَقام شرائع الإسلام، وجدد ما خَرَّبَهُ أبوه من المساجد، وراسَل صاحب (٤) مصر بهديّة واسْتَدْعَى بعهد من الخليفة، وكانت هداياه متواصلة بالشيخ علاء الدين البخارى نزيل مصر ثم دمشق، وعمّر بمكة مدرسةً هائلة. وكانت وفاته فى شهر الآخر، فأُقيم بعده ولده المظفر أحمد شاه وهو ابن أربع عشرة (٥) سنة. ٢٧ - محمد [بن محمد (٦) بن عبد الله] الدمشقى المعروف بابن تيمية، ناصر الدين، كان يتعانى التجارة، ثم اتَّصل بكاتب السرّ فتح الله وشمس الدين بن الصاحب وسار فى التجارة لهما، وولى قضاء الإسكندرية مدة، وكان عارفًا بالطب ودعاويه في الفنون أكثرُ من علمه. مات في تاسع (٧) شهر رمضان وقد جاوز السبعين.

стр. 1631

٢٨ - مقبل بن عبد الله [الحسامى (١)] الرومى الذي كان دويدارًا عند موت المؤيّد وفرّ إلى الشام فَرَقًا من ططر ثم أمّنه واستعان به على جقمق الذي كان نائب الشام، ثم استقرَّ فى النيابة بصَفَد فباشرها مدةً طويلة وحَسُنَتْ سيرته فيها وسُمعَتُه، وكان فارسًا بطلًا عارفًا بالسياسة. مات بصفد فى يوم الجمعة تاسع عشرى ربيع الأول (٢) واستقرٌ فى نيابتها بعده إينَال (٣) الشِّشمانى وكان قريبَ العهد من المجئ من إمرة الحاج وهم يشكون من جوره ووهنه؛ ولله الأمر (٤). * * *

стр. 1632

سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة كان أولها يوم السبت (١). فيها كائنةُ شمس الدين محمد المعروف بابن الأدمى الجوهرى (٢)، كان أحد طلبةِ العلم واشتغل كثيرًا وتنزَّل في بعض المدارس ثم ترك فلزم التسبّب بالبضاعة، فاتَّفق أنه حضر مجلسَ جوهر الخزندار فأراد أن يطرِيَه فقال له: "أنت سُئلت بهذه الوظيفة ويوسف ﵇ سئل عنها، فانظر كم بين السّائل والمسئول"، وأعاد ذلك مرةً أخرى، فقال: "فانْظُرْ كَمْ بين المقامين"، فشاع ذلك عنه فبادر إلى الحنفى فاعترف وحَقن دمه وحكم له باستمراره على الإسلام ونفذ ذلك، وبلغ ذلك الشيخ يونس الألواحى (٣) فثار كعادته فاستشكى وأكثر من الاستفتاء على ذلك، فبلغ ذلك الخزندار فشَقَّ عليه وتوعّد يونس، قلت: واستمرّ ابن الأدمى على حالته وتَنَصّل من ذلك وتألم لما نُسب إليه. من ذلك ومن غيره. * * * وفيها أُعيد ناصر الدين بن عز الدين البكرى إلى قضاء الفيّوم عوضًا عن رجب ابن العماد الفيّومى، ثم صرف وأعيد رجب بعناية جوهر الخزندار. وفيها فى المحرم قدم السيد الشريف تاج الدين [على] بن عبد الله الحسينى الشيرازى رسولا من قبل السلطان شاه رخ بن تيمور وقدَّم هديةً للأشرف وسأل أن يؤذن له فى كسوة البيت الحرام، وكانت الهديةُ ثمانين ثوبًا من الحرير الأطلس، وألف قطعةِ فيروز ج، وتاريخُ كتابه فى ذى الحجة سنة ستٍّ وثلاثين، ولقيتُ السيد الشريف فوجدتُه

стр. 1633

فاضلًا متواضعًا، فذكر لى أنه تزوج بنت السيد الشريف الجُرجانى صاحبِ التصّانيف، وأَنَّ الشَّريف المذكور ذكر له أنه اشتغل بالقاهرة وأخذ عن أكمل الدين وغيره، وأقام بالخانقاه السعيدية أربع سنين، ثم خرج إلى بلاد الروّم، ثم لحق ببلاد العجم ورأس هناك، وكان قدومه (١) من جهة الحجاز فحجَّ ووصل مع الحاج، ثم عُقد الموكب وأُحضر الرسول المذكور ومعه ولدُه وذكر أنه رُزقَه من بنت الشريف الجرجاني وهو كهل (٢) من أبناء الثلاثين وله فضيلة أيضا، ثم في أثناء صفر أحضر (٣) الرسولَ والقضاة المصريَّة ودار بينهم كلامٌ يتعلق بالرسالة المذكورة، وانفصل المجلس على أنَّ السلطان اعتذر عن الإجابة خشيةَ أن يتطرق إلى ذلك غيرُه من الملوك، وقنع الرسول بهذا الجواب، ثم جهَّز معه أقطوة [الأسدى الظاهرى] الذي كان دويدارًا صغيرًا ثم صار مهمندارَ السلطان رسولًا من قبل سلطان مصر بهدية وجواب، وسافروا فى العشرين من صفر من طريق الشام، وأظهر السلطان بعد ذلك حُنقًا على القضاة فى عدم مبالغتهم (٤) فى الرّد على الرّسول فيما احتجّ به على تعيين إجابة سؤالِ مُرسِلِه، وكانوا استفتوا على ذلك أهلَ العلم بالقاهرة فأجابوا، وتواردت أجوبتهم على المنع، ومنهم من أجاب مِن قَبل أن يسألَ بل كتب السؤال والجواب بخطه معا. فمن عجيب ذلك أن بعضهم كتب: "لا يجوز ذلك لما فيه من تعطيل الوقف". وكتب آخر: "لا يجوز لسلطان مصر الإجابة لذلك لما فيه من الافتِيَات على سلطان مصر"، إلى غير ذلك من الاستدلالات الواهية. كل ذلك زعموا لطلب مرضاة السّلطان، فقدَّر الله تعالى أنه لم يعجبه شيء مما كتبوا به أجمعين، ولم أُعَرّج في جوانى إلَّا على ما تقدم من أن ذلك يُفضى إلى تسليط غيره لطلب ذلك فينخرق السياج وتقع الخصومة.

стр. 1634

ولما شاع غضبُ السلطان من القضاة تحرّك صالح البُلقينى في العَود إلى القضاة، وذكر شمس الدين بن القاضى زين الدين التفهنى الذى كان أبوه فى وظيفة القضاء بالقاهرة أن يستقر في وظيفة أبيه، فيقال إنه مال إلى ذلك، وسعى أو له سعى له فيه ولم ينبرم لواحد منهما أمر، والأمر بيد الله تعالى يفعل ما يشاء ويختار. * * * وفي المحرّم شرع الأمير سودون المحمدي في عمل سقف الكعبة بأمر الملك الأشرف فبدأ فيه فى نصف الشهر سقفًا جديدًا فشرع فيه فى أوائل ربيع الأول منها، وهدم منارة باب السّويقة وعمَّرَها جديدةً فوجد فيها مالا. * * * وفى أوائل صفر صُرف بهاء الدين أبو البقاء محمد بن القاضى نجم الدين بن حِجّى عن قضاء الشام وقُرّر بها شهاب الدين بن المحمرة عودًا على قَدْرٍ، والتُمِس منه أن يَدفَع للمسفِر بعد ذلك خمسمائة دينار فامتنع وصمّم، فغضب السُّلطان وأمر بنفيه إلى القدس بطَّالا أو إلى مكة قاضيًا، فأجاب إلى مكة واستَمهَل إلى رجب أو شوال، فسعى حينئذٍ سراج الدين عمر بن موسى بن حسن الحمصى الذى كان نائب الحكم بأسيوط من الصعيد ثم ولى قضاء طرابلس فأُجيب ساعته على مالٍ جزيل، وأرسل إليه خلعته، وصُرف شمس الدين محمد ابن شهاب الدين بن الكشك عن قضاء الحنفيّة بدمشق أيضا، وقرر شمس الدين الصفدي على مالٍ جزيل، وتوجَّهَت خلعةُ الصفدى أيضا. * * * وفي وسط صفر قصَّر الوزير المستقر عن قربٍ، وهو أمين الدين إبراهيم بن مجد الدين عبد الغني بن الهيصم (١) الذي كان ناظر الدولة وكان أبوه ناظر الخاص ومن قبل في الديوان المفرد، فقصَّر في تجهيز المرتَّبات السّلطانية، فهجم جماعةٌ من المماليك الجُلْبُ على داره

стр. 1635

فنهبوا ما وجدوا فيها، ثم توجهوا إلى منزل الأُستادار وهو كريم الدين عبد الكريم بن تاج الدين عبد الوهاب بن كاتب المناخات فنهبوا ما وجدوا فيه أيضا، ثم توجهوا إلى منزلِ ناظرِ الجيوش زين الدين عبد الباسط بن خليل فأفحشوا فى نهب ما قدَروا عليه، فلما أصبحوا بكَّر الوزير والأُستادار فشكيا (١) حالهما، ثم أراد ناظرُ الجيش أن يحضر بين يدى السّلطان فمنعه وراسله بأن لا يتوجّه إلى الاسكندرية حتى تنكسر شوكةُ المماليك، فصعب ذلك عليه وراسل السلطان يستعفيه فأعفاه وأمره بالحضور فحضر، واستقرّ الحال على أنه يتكفل بأمر الوزير ويسعِفُه فى جميع ما يحتاج إليه، واستمر الأُستادار على حاله، ثم بعد يومين استقر جانبك دويدارُ ناظرِ الجيش في وظيفة الأُستادارية وقُبض على الأُستادار وصودر، واستقر الوزير فأمر السلطان ناظر الدولة وهو سعد الدين إبراهيم ابن كريم الدين عبد الكريم بن سعد الدين كاتب جكم فى الكلام فى الوزارة، فلما أصبح ألزمه السلطانُ بأن يستقر وزيرًا فامتنع، فأمر بضَربه ضربًا مبرحا وتوجّه إلى منزله ملزومًا بتكفيةٍ عن الوزارة، وكان ذلك يوم الثلاثاء ثالث عشرى صفر، فسار ينظر فى أمور الوزارة إلى أن استقر أخوه جمال الدين يوسف فباشر بشدةٍ وعسفٍ، واستقر قبطىٌّ يقال له ابن قطارة فى نظر الدولة وألزمه بسد الأُمور. ثم فى يوم الأربعاء ضُرب الأُستادار ضربًا مبرحًا وعُصِر وأُلزم بخمسين ألف دينار، فشرع فى بيع دوره ودواليبه وقماشِ أهله وعَرض مماليكه وجواريه للبيع. * * * وانتهت زيادة النيل في سابع عشرى توت إلى عشرين ذراعًا ونصف ذراع، وانفتق من الخليج فتق فنفذ إلى ناحية شبرا ومنية السيرج فغرق من ذلك شئٌ كثير، وبقى الناس أياما فى شدة، وصرف والى الشرطة عُمر أخو التاج الشوبكى عن ولايته وأُعيد دُولات خجا الذى كان استقر فى سنة ست وثلاثين وصرفه نائب الغيبة فأُعيد وباشر سد القطع المذكور.

стр. 1636

وفي ربيع الآخر قدم أرغون شاه من الشام وهو الذى كان ولى الوزارة قبل ذلك بالقاهرة واستمرّ عِوضَ الحمصى بطرابلس ولدُ قاضيها شهابُ الدين، وهو صدر الدين محمد بن أحمد ابن محمد النويرى ببذل ثلاثمائة دينار. * * * وفي ربيع الآخر قبض قرقماس نائب حلب على ولد ناصر الدين بن صدر الباز التركمانى بسبب أنَّ أباه نزع ابنَ أخيه من نيابة مَرْعَش، وكان السلطان قرره فيها فانتمى إلى نائب حلب، فكاتب فيه فأُذن له أن يسير إلى مَرعش وتقرّر فى نيابته ويخرج من عَانَدَه، فتوجّه لذلك فوقع بينهم مناوشة فكسَرَهم وقبض على ابن ناصر الدين المذكور وجماعة وأحضرهم إلى حلب، وكاتب بذلك فعاد إليه الجواب عن ذلك. * * * وفي جمادى الأولى -أوّل يوم منه- أمَر السلطان القضاة بقراءة كتب الأوقاف بالمدارس الكبار والخوانق واتِّباع شرط الواقف فيها، وشدَّد في ذلك، فلما كان يوم الأربعاء رابعه اجتمعوا بالشيخونية وقرئ كتاب الوقف، فقال لهم الشافعى: "يقام ناظرٌ بشرط الواقف ليعمل بالشرط وينفذ تصرفه"، فانفصلوا على ذلك، ثم حضر المشايخ والطلبة يوم الثلاثاء حادى عشره عند السلطان فقال لهم: "ما فعلتم؟ " فقالوا: "الحال يتوقف على ناظرٍ يتكلَّم" فقال للشيخ: "أنت ناظر" فقال: "وكذلك كاتب السر" فأمر كاتب السر فى الكلام معه، فحضروا يوم الأربعاء وقرئ شرط الواقف فتكلَّموا أولا فى البيوت فوجدوا الشرط أن يسكنها العزاب، فوجدوا من المترددين نحو العشرين فأمر أن يخرج من المتزوجين بعددهم ويسكن المترددون ووعدوا بأن يحضر الكتابة ذلك من يوثق به فلم يحضر أحد، وحضروا يوم العشرين بالصّالحية فقُرئ كتاب الوقف الناصرى فتردّدوا فيمن يستحقّ النظر: هل هو الشافعى أو المالكى؟ ونزل إلى الشيخونية جَمْدَار فأَخبر الشيخ وهو فى الحضور أن السلطان أن كلَّ أحدٍ على حاله، فَسُرّوا بذلك وقرؤوا للسلطان. ثم تبيّن للسلطان أن الذى قام فى ذلك كان له فيه هوًى وتعصب، وأُشير عليه بترك الناس على حالهم وأن الذى يصل إليهم من المعاليم هو من جملة أموال المسلمين وهم يستحقون ذلك،

стр. 1637

إلى غير ذلك من الاعتذارات، إلى أن أمر بتَرك ذلك وخمدت الكائنة، واستمر الأمر على ما كان. وفى المحرم قَدمَت هديَّةٌ قَرَايُلك وفيها دراهِمُ مكتوبٌ عليها سكة السلطان الأشرف. وفيه استقرّ جانِبِك الذى كان نائبا بالإسكندرية حاجبًا عوضًا عن بَردبِك الإسماعيلى بحكم نقله إلى دمياط. ونودى يومَ النَّوروز بزيادة إصبعين فصار على أربعة عشر إصبعًا من الذراع العشرين، ولا يُحفظ مثل ذلك فيما مضى. * * * وفيها استمر إسكندر بن قَرَا يوسف على قلعة شاهين وكان الأمير بها - من قبل أن يستقر رمضان- وقد قدَّمتُ سبب عصيانه عليه، وهى على مسيرة يومين من تبريز، فاستمرّ فيها إلى الآن، فحاصرها إلى أن نفذ زاده ومات فى الحصار فملكها إسكندر واستنقل نساءه بها. * * * وفيها رفع داود الكيلانى التاجر عن قاضى مكة أمورًا عظيمة من الظلم والأحكام الباطلة، وسعي فى أن يُقرَّر فى نظر الحرم عوضَه على مال بذله فأُجيب، فراجع أمير مكة وذَمَّ داود المذكور، وذكر أنه أمر سُودُون المحمدى الذى جُهِز من القاهرة لترميم البيت (١) الحرام أن ينظر فى ذلك إلى أن يعود المرسوم من القاهرة، فأُجيب بتقرير سودون المذكور فى ذلك. وفيها استقرّ سَفَرُ الذى تجهَّز من مصر لقبض المكوس الهندية بجدة في البحر وبطل السفر من البر، وكان للناس فيه فرجٌ كبيرٌ لأن كثيرًا من المسلمين يحبّون المجاورة بمكة، وكان السفر فى هذه الأيام يحصل لهم به صيام رمضان بمكة والعمرة والمجاورة، وفى غضون ذلك يحصل لكثير منهم المكاسب. وجُدِّدَ فى هذه السنة مرسومٌ بأن لا يوخذ من تجار الهند إلَّا العشر من كل شيء معهم بضاعة من غير تكليف للدرهم الفرد، فإن وُجد بينهم مصرىٌّ أو شامىٌّ يؤخذ منهم الخُمس عقوبةً

стр. 1638

لهم على مخالفة الأمر، وإن وُجد بمنىُّ أُخِذ جميع ماله. واتفق أن قرئ هذا المرسوم تجاه الحجر الأسود، ثم راجع أميرُ مكة السلطان بذلك حتى أمر بالتسوية بين الجميع بعد ذلك. * * * وفى ليلة التاسع والعشرين من صفر سقط صبىٌّ لعبد الرحمن بن فيروز عمره ست سنين من منزلهم الذى على الخليج الناصرى فى الماء فغرق فَتبعوه فى الماء فلم يقدروا عليه، فبعد يومين وجدوه في بركة فى آخر الخليج فدفنوه في الحال. فلما كان بعد ذلك ظهروا على أن جارية لهم سوداء غضبت من أُمّه فألقَته في الماء وهو نائم، فتحيّلوا عليها حتى أقرَّت كيفية ذلك، فرفعوا الأمر إلى بعض نواب المالكى فحكم بتغريقها فى المكان الذى ألقت فيه الصبىَّ فألقوها موثقةً بالكتاف فتخبّطت في الماء قليلا وانغمست فماتت، وذلك فى تاسع عشرى الشهر المذكور. * * * وانتهت زيادة النيل على ما زعم القياس إلى عشرين ذراعًا ونصف، والحسُّ لا يَقبل ذلك بل لم يكمل العشرين ولكنَّ الرَّىَّ كان عاما فى جميع البلاد العالية. * * * شهر ربيع الأول أوله الثلاثاء الموافق لثامن (١) بابه. نقص النيل نحو الذراع وتشاغل الناس بزرع البرسيم على العادة. وفيه ادُّعىَ على والى الشرطة عند المالكى بأنه ضرب شخصًا حتى مات فأجاب أنه أتِى إليه به وهو سكران فضربه الحد وما زاد عليه وأقام البيّنة بذلك فدرأ عنه القتل. وبلغ السلطانُ ذلك فأَنكره واتَّفق أنَّ أولياء المقتول أبرؤوا الوالى وطاح دم ذلك القتيل. * * *

стр. 1639

وفى أول يوم منه استقر يوسف بن كريم الدين عبد الكريم بن سعد الدين بن كاتب جكمَ فى الوزارة، وخُلع عليه وهرع الناس للسلام عليه، وخُلع على أخيه خلعة الرضا واستقر فى نظر الخاص، واستمر الأُستادار فى المصادرة فعرض جميع عقاراته وكلَّ ما يملكه واستقرت مصادرته على عشرين ألف دينار، فَسُلّم للتاج أُستادار الصُّحبة على المال المذكور فأقام فى منزله حتى أورد نحو أربعة عشر ألف دينار. * * * وعُمِل المولدُ السلطانى يوم الخميس الثالث منه. * * * وفيه أغار ولد قَرَايُلُك على معاملة مَلَطَّيّة ودُوركى فنهب شيئًا كثيرًا، وتوجّه أبوه للإغارة على الرها. * * * وفي أواخر جمادى الآخرة استقر تاج الدين عبد الوهاب بن الخَطِير بن نصر الله القبطى ناظرُ الإسطبل في الوزارة بعد القبض على جمال الدين يوسف بن كريم الدين بن كاتب جكم ومصادرته، وكان يوسف قد استعفى بسبب قلَّة المتحصّل وكثرة المصروف، فأعفاه السلطان ولكنَّه قبض عليه وعلى أخيه ناظر الخاص وصادرهما على مال يقال إنَّه ثلاثون ألف دينار، ثم خُلع في صبيحة ذلك اليوم - يوم الاثنين السابع عشر من جمادى الآخرة - على ناظر الخاص مستمرا. وأُمر الخطير أن يتكلَّم في الوزارة بغير ولاية إلى أن يرى رأيه، فتكلم في ذلك يوم الأحد ويوم الاثنين ثم خلع عليه يوم الثلاثاء بالوزارة، وشَرع ناظرُ الخاص وأخوه فى بَيع أملاكهم ورزقهم من أراض وعقار، ثم خُفّف عنهما من مال المصادرة نحو النصف، واستمرّ ناظر الخاص، واستقرّ أبو الحسن بن تاج الدين فى نظر الإسطبل عوض والده. * * *

стр. 1640

ومن الحوادث فيها توليةُ دُولات خَجا كَشفَ منفلوط، واستقرارُ علاء الدين علىّ ابن محمد بن الطَّبلاوى الذى كان واليًا فى الأيام الناصريّة فرج وبعدها فى الولاية؛ وكان له مدةً طويلةً خاملًا، فاستقرّ فى سابع عشر جمادى الأولى. * * * وفيها استقر جُلْبَان نائبًا بطرابلس نقلا من حماه، واستقر قَانِبَاى الحمزاوى فى نيابة حماة نقلًا من إمرته بالقاهرة، واستقر خُجا سُودون عوضا عن قَانِبَاى وأُضيف إقطاع سودون خُجا للوزير تقويةً له. وفى هذا الشهر جَدَّد سُودون المحمدى سقف الكعبة وأتقَنَه وحمل إليه من الرخام من القاهرة لمرمّة الحجر وشاذروان البيت. * * * وفيها كانت وقعةٌ بين بعض الأُمراء وبين عرب هوّارة فقتل منهم جماعة، فعين السلطان يوم السبت أول (١) يوم من جمادى الآخرة وهو السادس من كانون الثاني كريم الدين الذي كان أُستادارًا ووزيرًا، فتوجه لكشف الوجه القبلى وأُلبس خلعة بزى الأُمراء وفرح الناس بذلك، وصحبته محمد الصُّغيّر - الذى كان كاشفًا فيها - دويدارًا فى خدمته وأُمّر على الدم، وولى لكشف القبلى أيضا والوجه البحرى مرة أخرى واستمر ناظرُ الخاص رأس نوبةٍ بين يديه فتوجه إلى الصعيد فأصلح أحوال العرب ورجع. والسبب في ذلك ان تغرى برمش أمير آخور خرج في السّرحة التى جرت بها العادة فالتزم له الكاشِفُ- واسمه محمد الصُغيَّر. - بمقدارٍ من المال، فبلغ ذلك أكابر العرب فتحالفوا على أن لا يعطوا أحدًا شيئا ووقع بينهم تناوش، فراسل أمير آخور السلطان فجرّد له جماعةً من أكابر الأُمراء فتوجّهوا فى هذه السنة، وكان ما سيأتى.

стр. 1641

وفيها وثب فياض بن ناصر الدين محمد بن ذلغادر على ابن عمه حمزة أمير مرعش، فأخرَجه واستقر بها نعير توليةٍ من السلطان، فتوجه قرقُمَاس نائبُ حلب فقبض على فيّاض المذكور وولاها لابن عمه حمزة باك بن على باك ابن ذُلْغَادِر، فبلغ ذلك ناصرَ الدين والدَ فياض المذكور وهو يومئذ أمير الأَبْلُسْتين وقَيصَرية فشق عليه، وجهز قرقُمَاس فيّاضًا المذكور إلى القاهرة فسُجن بالقلعة، فبعث ناصر الدين زوجته خديجة والدة فياض تشفع فى ولدها، وجهّز معها هديةً ومفاتيح قيصرية، وأن يكون زوجها نائبًا عن السلطان فيها، فوصلت حلب في رمضان ووصلت القاهرة فى أواخر شوال، فقُبِلت هديتها وأُفرج عن ولدها وأُعطى نيابة مَرعش واستقر أبوه على حاله بقَيصَريّة؛ وكان إبراهيم بن قِرمان راسل السلطان أن يعطيه قيصرية على أن يَحمِل كل سنة عشرة آلاف دينار وغيرها، فأَمر قَرْقُمَاس نائب حلب أن يتوجه لأخذها ويسلَّمها لابن قرمان، فوقع لصاحبها ما ذُكر فبَطُل ذلك، وفى أثناء ذلك لجأ حمزة إلى ابن عمه سليمان بن ناصر الدّين، واجتمع جَانِبِك الصوفى الذى كان أميرًا بمصر وسجن بالإسكندرية وهرَب من أول الدولة الأشرفية بعد أن اختفى ثلاث عشرة سنة، واستمرّ السلطان في التَّنقيب عليه، فجهز دواداره ومحمد بن كَشغَدى بن رمضان إلى ناصر الدين باك بن ذلغادر بالأبلُستِين فحلَّفاه على أنه إذا قدم عنده جَانبك الصوفى لا يُسْلِمُه ولا يخذله، ثم اجتمع جانى بك بسليمان بن ذُلْغَادِر فتلقاه هو وأمراؤه وأمير الماس ابن كبك ومحمد بن قُطبُك ونزلوا بملطية، فجاء إليهم ناصر الدين بك، ثم توجّهوا جميعًا إلى محمد بن قَرَايُلك وهو بقلعة كَرْكَرْ فقوّاهم، ثم نزلوا قلعة دُركِى وضايقوا أهلها بالحصار، وجاء قاصدُ شَاهُ رُخ إلى قَرايُلُك يأمره بالمسير إلى قتال إسكندر ابن قرا يُوسف، فنزل جانى بِك ومَن معه بدُوركى، وتوجَّه بجماعته إلى مَلطية فحاصرها فمشى عليه إسكندر وأغار على أَرْزَن الرّوم، فأخذها ففرَّ قَرَايُلُك إلى آمد فأقام بها. ثم خرج إلى أرقين. فلما كان فى صفر سنة تسع وثلاثين التقى إسكندر وقرايُلُكْ على أَرْزَن الرّوم فخرج على قَرَايُلُك كمينٌ لإسكندر فهزمه، فلما كاد أن يوخذ رمى بنفسه في خندق المدينة فغرق وطلع به أولادُه بعد ذلك فدفنوه هناك، فجاء إلى إسكندر من عَرَّفه بذلك فأَرسل من

стр. 1642

أخرجه من قبره بعد ثلاثة أيام وحَزَّ رأسه ورأس اثنين من أولاده وثلاثةٍ من ألزامه وأرسلهم إلى القاهرة، فنصبت على باب زويلة، وذلك فى ربيع الأول وزُيَنَت القاهرة فرحًا بذلك، وأكرم السلطانُ قصّاد إسكندر وأعطاهم مالًا وقماشًا بقدر عشرة آلاف دينار. وكتب سليمان بن ذُلغادر إلى جانِبك بأنه معه فاغترّ بذلك فاجتمعا فبالغ في إكرامه والمناصحة له، وأقاما على ذلك مدة، ثم خرجا يوما للصيد والتنزه فأبعدا فى ذلك، وكان جانبك قدرتب فرسانه وجماعته على حصار دوركى، فقبص أصحاب سليمان على جانبك (١) وقيدوه وسرى به سليمان ليلةً كاملة حتى صَبّح الأبلستين فسجنه، وراسل السلطانَ الملك الأشرف يُعْلِمُه بالقبض عليه. * * * وفيها جُرّد أربعة أُمراء من الألوف إلى عرب البحيرة وكانت طائفةٌ من عرب لبيد مَحلت بلادُهم فدخلوا البحيرة وصالحوا أهلها فمكّنوهم من التوجه إلى عرب محارب بالوجه القبلى، فنزلوا فى الأراضى التى بارت من الزرع وطلع فيها مرعى يقال له الكُتَيج- بكاف ومثناة مهملة مصغرا - ولم - يُمكِّنهم الكاشف من الرعى فيه إلا ببذل مال، فأنفوا من ذلك ووقع بينهم قتالٌ، فكان ذلك سبب بعث الأمراء، فتوجّه العرب إلى الواحات ثم نزلوا الأشمونين فأوقع بهم الأمراء فنهبوا منهم كثيرًا من جمالهم وفرّوا من أيديهم، فرجع الأُمراء فى شعبان. * * * وفى رمضان الموافق لبرموده من أشهر القبط عند دخول فصل الصيف (٢) وقع بمصر مطر غزير ذلقت منه البيوت، وجاء سيل عظيم بحيث أقام بالصحراء أيامًا. * * *

стр. 1643

وقرأت بخط الشيخ تقى الدين المقريزى ورأيت في كتابٍ ورد من أرض الحبشة فيه: "وفى أول رجب أى سنة ثمان وثلاثين غزا الأمير خير الدين أخو السلطان بدلاى ابن سعد الدين بلاد الكفرة، ففتح سبعة أبواب من أبواب الحِطّى وانتصر عليهم، وقتل أميرًا من ألزام الحطى، وحَرَّق فى بلادهم، وأخذ من المال غنيمةً شيئًا كثيرًا، وقتل منهم عددًا كبيرا، ورجعوا ومعهم من الذهب والفضَّة والزِّرد والدروع والوصفان كثير، ولم يسوقوا شيئًا من الإبل والبقر والغَنم ولا العجائز والشيوخ بل جعلوا عليهم علامات، وخرّبوا ستَّ كنائس وعدّةَ قرى، ورَدّ ألفَ بنت من المسلمين، ووصفوا خير الدين بعدلٍ كثيرٍ، والرخاء عندهم كثير". وفيها مات الحِطّى ووقع الخُلف بعده، ثم اتفقوا على صبى صغير وسلطانهم بدلاى عادل خير. وفيها وقع الوباء فى بلاد المسلمين والكفار فمات به خلقٌ كثيرٌ جدًا. وفى شوال منها خرج خير الدين أيضًا غازيًا. * * * وفى شعبان راجت الفلوس التي ضربها السلطان عن كل در هم ثمانية عددًا منها، وأبطل الفلوس الأُولى، وصار الرّطل من هذه بحساب سبعة وعشرين درهما، ومن القديمة بثمانية عشر فكانت تؤخذ من الباعة وتحمل لدار الضرب لتضرب جديدة وتَمَشىَّ الأمر على ذلك ولكنها قليلة لعدم الاعتناء بها لكثرتها وقلة المتحصل منها. * * * وفيها نقل قانِصُوه من نيابة طرسوس إلى الحجوبية بحلب، ونقل الحاجب طُوغان إلى إمرة مائة بدمشق وقرر يوسف بن علوان فى نيابة طرسوس. * * * وفى هذا الشهر استقرّ سراجُ الدين عمر بن موسى الحمصى فى قضاء حلب نقلًا من قضاء طرابلس عوضًا عن بهاء الدين بن حِجِّى، ويقال إنه بذل ثلاثة آلاف دينار؛ واستقرّ

стр. 1644

شمس الدين محمد بن على بن عمر بن على بن مهنا بن أحمد الصفدي في قضاء دمشق عوضًا عن شمس الدين بن الكشك، وشرط عليه بَذْلُ أَلْفي دينار، فلما وصل إليه التَّوقيع والخلعة امتنع ورحل إلى القاهر مُسْتَعْفِيًا، وكان قد أقام في قضاء طرابلس مدةً طويلة، ثم ولى قضاء دمشق عوضًا عن شهاب الدين بن الكشك، ثم صُرف وأُعيد ابن الكشك، فلما وحل السلطانُ إلى جهة حلب قرّره -لما رجع- في عدة بلاد (١) انتزعها من نواب ابن الكشك. واستمر ابن الكشك في القضاء، فلما مات ابن الكشك أمَّل أن يعود، فقدم عليه ولد ابن الكشك على مال كثير بذله واستقرّ هذه المدة اللطيفة ثم صرفه، فلما امتنع ابن الصفدى من الولاية بالشرط المذكور واستعنى أُعْفِيَ ورجع إلى دمشق من فوْره على ما بيده من المدارس واستمر ابن الكشك، ثم أُلْزِم ابنُ الصفدي بالتوجّه إلى صفد فسار إليها فيما قيل. ولد في ذي القعدة سنة ٧٧٥، وذكر أنه سمع موطأ القعبنى (٢) على ابن حبيب الكمال، قرأ عليه ابن فهد منتقى منه، وقرأه عليه كاملًا صاحبنا البقاعي. وفيه ثار شمس الدين الهروى (٣) على القاضي علم الدين صالح وادعى أن بيده (٤) وظائف كثيرة بغير شروط الواقفين، فتعصّب له ناظرُ الجيش ودفع عنه واستمر على ما بيده، وانتفع الهروى بذلك، ثم عمل ناظر الجيش مولده فى السابع والعشرين من الشهر وأرسل إليه وأصلح بينهما، والله المستعان. شهر ربيع الآخر: أَوله (٥) الأربعاء بالرؤية. في أوائله منع الوالى السّقّائين من الملء من الخليج الحاكمي ثم الناصري ونقص الماء إلى مقدار الوفاء، فكانت مدة ما انتفع أهل البلد بالخلجان نحو المائة يوم. وفي الرابع منه وقعت زلزلة لطيفة وزالت بسرعة.

стр. 1645

وفى أوله وصلت البنادقة - وهم تجار القطائع من الفرنج - فتأخّروا عن عادتهم نحو العشرين يومًا، ولم يصلوا في العام الماضى وعجلوا عن عادتهم في الذي قبله بنحو الشهرين، ولم يحفظ ذلك فيما مضى بل الذي تمادى عليه حالُهم أنهم يَصِلُون فى أول العشر الثاني من بابه ويرجعون في أوائل هاتور، فأَلزم السلطانُ التّجارَ بعدَم البيع إلى أن يباع ما يتعلَّق به، وطَلب من الفرنج أن يشتروا منه الفلفل بمائةٍ وعشرين كل حمل فامتنعوا وترَاضُوا مع نائب الإسكندرية إلى أَن اشتروا منه ثلاثمائة حمل، سِعْرُ كلّ حملٍ مائةٌ، وتوجهوا ولم يشتروا من المسلمين حِملا واحدًا، وكسدت بضائع التجار واشتدَّ أسفهم وشقَّ عليهم ذلك مشقة شديدة، والأَمر بيد الله. وفى السادس منه -ووافق ثانى عشر هاتور- أمطرت السماء وقْتَ العصر وسرح السلطان في هذا اليوم ورجع وقد صاد. وفي أواخر أمشير في العُشر الأخير من رجب وقع بردٌ شديدٌ وحصل المطر أيّامًا وسُرّ الناس بذلك، وتمادى البرد نحوًا من عشرة أيام أشد مما كان في طوبة وكيهك، ثم عاد فراح الوقت كما كان، وفى الحملة -من نحو ثلاثين سنة- ما عهد أقلَّ بردًا من فصل الشتاء في هذه السنة. وفى نصف شوال أُعيد التاج الوالى إلى ولاية القاهرة وعُزل ابن الطَّبْلاوى. وفيه قطعت إصبع عبد (١) القدوس بن الجيعان لما تكرر منه من التزوير. وفيه اهتمّ السلطان بأمر الجسور وأمر بإتقانها وندب لذلك تمَربَاي الدويدار الثاني والوزير فاجتهدا في ذلك، ثم ضاق بالوزير الحال فى المصروف فاستعنى، وكان ما سنذكره. * * *

стр. 1646

وفيها نازل أصبهانُ بن قرا يوسف صاحبُ بغداد الموصلَ فراسل صاحبها وسأل قرايلك فأَمدّه بولده محمود في مائتي فارس فأنزله عنده كالمسجونين، وراسل محمود أَباه فأَمدّه بأخيه محمد بن قرايلك في ألف نفس، فنزل على الموصل ولم يمكن من رؤية أخيه، وكان قَرَايُلُك برأَس العين، فتوجه على نصّيبين، فبلغه أن إسكندر بن قرا يوسف قصد محاربته بعد فراره من شاه رخ ملك المشرق. * * * وفي التاسع عشر من جمادى الآخرة سافر تغرى برمش أمير آخور إلى الصّعيد في تجمّل كبيرٍ، ونزل معه غالب الأُمراء فودّعوه، ووقع له مع عرب الصعيد وقعةٌ قُتل فيها من أَصحابه جماعة وبعث يَطْلب نجدة، فأُمر تمراز رأْس نوبة بالتوجّه إليه، وأُمر كل أَمير مقدمٍ أن يُرْسل معه عشرين مملوكًا ويكمل له من غير المقدمين ثلاثمائة، وسافر في سابع جمادى الآخرة. وفى أَول شعبان أمر السلطانُ القاضي الشافعي إذا حضر المجلس لسماع الحديث أن يحضر صحبته فلقة (١) وعصا، ومن تعدى فى كلامه أو أَساء الأَدب أُدِّب، وأكد في ذلك. وفي رمضان أمر السلطان بترك أكثر الخلع التي قُرِّرت لمن يحضر سماع الحديث ثم شفع فيهم، وقيل له لو كان هذا قبل أن يحضروا فإن كان ولابد وقد قضوا المدة كلها يصرف هذا العام ثم يعلمون ويقطعون فيما يستقبل، فأَمر بالصرف لهم. * * * وفي أواخر رمضان حضر عند السلطان شريفٌ من الشام ومعه أوراق بخط الشيخ علاء الدين البخارى فيما يتعلق بالنسيمى وشيخه فضل الله، وأَنَّ بالشام ومصر جماعةً على عقيدته، وأنه تصدّى لتتبّعهم وكَشْف عوراتهم، وأنه وجد بالقاهرة شخصًا منهم، فقُرِئ كتاب الشيخ علاء الدين فأَمر السلطان بإحضار الرجل وما في بيته من ورق ففعل ذلك، وهذه هي الطائفة المبتدعة المعروفة بالحَرّوفية ثم النسيمية، فلما كان في رابع شوال عُقد مجلسٌ

стр. 1647

بالقصر عند السلطان وأُحضرت الكتب وبعضها من كلام شيخه وهي باللسان الفارسي، فقرأَ من أوّل واحدٍ منها شيئًا يسيرًا وفسّره بالعربى وهى مقالة مركَّبة من قول المشبهة والاتحادية، فقرأَ الشافعى خطَّ الشيخ علاء الدين وفيه: "أن شعر الإِنسان في رأَسه ووجهه سبعة شعور، شعر أَجفانه الأَربعة وحاجبيه ورأْسه، وأَن في وجهه شيئًا آخر سبعة، وأَن عقد أَصابعه في اليدين أَربعة عشر فذلك عدد حروف المعجم"، ونحو هذا. وفيه: "أن الإِلهية انتقلت من الله لآدم، ومن آدم لآخر، إلى أَن انتقلت لفضل الله"، وكلامًا من هذا حاصله: "أَنَّ الله هو الحروف"، ثم أُحضر الرجل فسُئل عنها فقيل إنه اشتراها من حصن كيفا بثلاثين درهمًا ولا يعتقد شيئًا مما فيها، وأعلن بالشهادتين والتبرى مِن كل مَن يخالف دينَ الإِسلام، وصرّح بكفر من صنَّف هذه الكتب وشيخِه أَو يعتقد بما فيها، فقال له الشافعي: "إن كنْتَ صادقًا فأحرق هذه الكتب بيدك! " فامتثل ذلك بعد أن حاد عن الجواب وباشر إحراق ذلك بنفسه، ثم سأَل السلطانُ: "هل عليَّ إثم إذا أَخرجْتُ هذا وأَمثاله من بلادي؟ " فقال: "لا"، فنودي: "مَن عَرف من أَهل المذهب النَّسيمى ووُجد عنده شئ من كُتُبه وأحضره للسلطان كان له مائةُ دينار"، ثم أُمر فنودى أن يخرج جميع العجم من القاهرة والقلعة بأُسَرِهم ولا يتأَخر أَحدٌ منهم إلى ثلاثة أَيام، ثم لم يتم ذلك. * * * وفى يوم الأَحد ثاني عشر شعبان أُشيع موت زين الدين عبد الرحمن بن الشيخ شهاب الدين أحمد بن حمدان الأَذرعى وكان مولده في المحرم سنة ٧٨٨ (١)، واشتغل على أَبيه وغيره، وسمع من الصدر [محمد بن يونس بن أحمد] بن غَنَّوم جزءًا من الخلعيات سنة بضعِ وستين بسماعه من العراقي، أَنا ابن عماد؛ وسمع الكثير من شيوخ ذلك العصر بحلب وغيرها، وقدم مع أَبيه دمشق فأَسمعه من [محمد (٢) بن محمد بن عبد الله بن عوض ومحمد

стр. 1648

ابن قليج بن كيكلدى]، وأجاز له جماعة تفرّد بالرّواية عنهم، لكني لا أَعلم أَنه حَدّث عنهم بشيءٍ غير جزء أو جزين، ثم ظهر أنه لم يمت إذ ذاك، فذكر لى ابن فهد أَنه توجّه إليه ابنُ (١) فهدٍ وغيره من الرحالة في هذه السنة فمات بعد وصولهم إليه بقليل، وكان قدومُه القاهرة سنة بضع عشرة فاستوطنها وولى نيابةَ الحكم ثم ولى قضاء دمنهور والبِحيرة فاستقرّت قدمه بها بعد منازعات، وأقام على ذلك بغير منازعةٍ أكثرَ من عشْر سنين؛ وكان فاضلًا يستحضر أشياء في الفقه، ويذاكر بأَشياء حسنة، وله نظم حسن قديمًا وحديثًا. واستهل شهر رمضان بالخميس ووافق كذا (٢) برمهات. * * * وفيها وصلت هدية نائب الشام وفيها مائة وخمسون فرسًا وعشرة قطر جمال وأَلف ثوب بعلبكي ومثلها بطاين وخمسون قباء سمور ووشق، وعشرة آلاف دينار ونعالات خيل من ذهب ومسامير فضة، قيل إن في كل نعل خمسين دينارًا، وقيل إن مجموع قيمتها ثلاثون أَلف دينار، وكان قدومهم سابع عشر ذي الحجة. * * * وفى سادس شهر رمضان هبَّت ريحٌ شديدةٌ باردةٌ وترابٌ كثير عَمَّ القاهرة وسقطت عدة من الدور. وفي الثالث عشر منه أَمطرتْ ليلًا وتمادى ذلك في أوّل النَّهار مع رعد وبرق وذلك عند حلول الشمس برجَ الثور، ثم تمادى المطر ذلك اليوم كله لكن بغير توالٍ حتى توحّلت الأَرض كلها وزلقت البيوت، ثم أمطرت صبيحة ذلك اليوم بعد الفجر مطرًا غزيرًا جدًا حتى زلقت البيوت وفسدت الأَمتعة والزروع، والأَمر لله وحده.

стр. 1649

وهبت ريح شديدة وقْت العصر من اليوم الماضى حتى انتصف النهار ثم انجلت عن قرب. وفيه استقر ..... في كشف الوجه القبلى وصُرف كريم الدين ودخل القاهرة. وفي آخر يوم من رمضان خَطَبْتُ بجامع عمرو بن العاص، قايَضْت الشيخ شمس الدين محمد بن يحيى بما كان معى من خطابة الجامع الأَزهر بما معه من نصف خطابة جامع عمرو. وكان أَكثر الفاكهة في هذه السنة غير ناجب (١) بسبب كثرة الماء وتعقده في البساتين، ثم تأَخَّر المطر في الشتاء كلّه فكان الورد قليلًا وكذا المشمش والليمون، حتى بيعت الليمونُة الواحدةُ بنصف درهم. وأَمطرت في عشاء يوم الجمعة سابع شوال قبيل المغرب مطرًا خفيفًا ووافق ذلك الحادي (٢) عشر من بشنس، والشمس يومئذ في أواخر برج الثور، وأَمطرت يوم السبت بعد أن هبت ريحٌ عاصفٌ بترابٍ ثم انجلت، واستمر البرد في طرف النهار شديدًا بنحو ما كان فصل الشتاء أَو دونه يسيرًا، ولكن فى وسط النهار وفي جوف الليل يقع فيهما بعض الحر، وتأَخَّر لِبْسُ الصوف إلى يوم الجمعة سابع شوال المذكور فتأَخَّر عن العام الماضي نحوًا من عشرين يومًا، وزاد النيل فى غير أوانه فى أول العشر الثالث من بشنس فعجل بنحو عشرين يومًا وغرقت بعض الأَمتعة. وفي الثامن عشر من شوال طيف بالمحمل وخرج الحاجّ إلى بركة الجب، وأَميرهم تَمرْباي الدويدار الثاني وأمير الأَول المحتسب صلاح الدين بن الصاحب بدر الدين ابن نصر الله، ورحلوا من البركة في الحادي والعشرين منه. وفى أواخر بشنس من الأَشهر القبطية زاد النيل قبل أوان عادته زيادة عظيمة وغرق غالب ما زرع من المقاتي والبطيخ والسمسم وغيره في الجزائر، وفسد للناس شئ كثير من

стр. 1650

البطيخ ونحوه، ثم عادت الزيادة في أَوائل بئونة، وكُلُّ ذلك قبل الوقت الذي جرت فيه العادة بالزيادة، فلما كان الثاني عشر من بئونة -وهو أَوّل الوقت المعتاد- زاد أَيضًا بحيث بلغت الزيادةُ في المدة المذكورة نحو ستة أَذرع ثم نقص نحو ذراع ونصف، ثم ما كان في الخامس والعشرين من بئونة -وهو اليوم الذى جرت فيه العادة بابتداء القياس- وُجد الماء قد بلغ إلى أحد عشر ذراعًا وعشرة أَصابع، وقد كان بلغ ثلاثة عشر ذراعًا، لكن نقص في أوَّل (١) العشر الأخير وهذا شي علم يُعَهدْ مثله بمصر، وأكثر ما وصل إلى الخامس والعشرين إلى عشرة أذرع ولكنها لم تقع زيادتها قبل الأَوان، وزاد في اليوم السادس والعشرين إصبعين، وفي الذي بعده إصبعين ثم ثلاثة، ثم توقَّف عن الزيادة من ثامن عشرى بئونة إلى رابع أَبيب، ثم زاد فيه إصبعًا ثم إصبعين وتمادى، وكان نَقُصَ سبعة عشر إصبعًا، وتحرك سعر القمح كل يوم شيئًا إلى أن وصل إلى مائتين وخمسين بعد أَن كان بمائة وثمانين. وفى آخر يوم من المحرم وهو اليوم الثانى من أيام النسيئ (٢) كانت الزيادة خمسة أَصابع فانتهى إلى تسعة عشر ذراعًا وأَربعة أَصابع، وصادف أَنه كان في العام الماضي في مثل هذا اليوم من أَيام النسئ كان انتهى إلى هذا القدر سواء، وهذا من عجائب الاتفاق. * * * وفي أول ذي القعدة وصل الخبر من شيراز من شاه رخ بأَنه جَهَز إلى مكَّة كسوةَ الكعبة وهي التي كان عُقِد المجلس بسببها في أَوائل هذه السنة، وجهّزت الرسل بالأَجوبة فجَهَّز هو الكسوة من قبل أن يعود عليه الجواب، وانزعج السلطان، وكان ما سيأتي ذكره. * * * وفي الرابع والعشرين من ذى القعدة كسرت عدةُ جرارٍ تزيد عن المائتين من الخمور، فيها كبارٌ تسع الواحدة نحو القنطار، وذكر إنها لشخص يقال له أبو بكر بن الشاطر سمسار
следующие страницы →