وفيها نازل أصبهانُ بن قرا يوسف صاحبُ بغداد الموصلَ فراسل صاحبها وسأل قرايلك فأَمدّه بولده محمود في مائتي فارس فأنزله عنده كالمسجونين، وراسل محمود أَباه فأَمدّه بأخيه محمد بن قرايلك في ألف نفس، فنزل على الموصل ولم يمكن من رؤية أخيه، وكان قَرَايُلُك برأَس العين، فتوجه على نصّيبين، فبلغه أن إسكندر بن قرا يوسف قصد محاربته بعد فراره من شاه رخ ملك المشرق.
* * *
وفي التاسع عشر من جمادى الآخرة سافر تغرى برمش أمير آخور إلى الصّعيد في تجمّل كبيرٍ، ونزل معه غالب الأُمراء فودّعوه، ووقع له مع عرب الصعيد وقعةٌ قُتل فيها من أَصحابه جماعة وبعث يَطْلب نجدة، فأُمر تمراز رأْس نوبة بالتوجّه إليه، وأُمر كل أَمير مقدمٍ أن يُرْسل معه عشرين مملوكًا ويكمل له من غير المقدمين ثلاثمائة، وسافر في سابع جمادى الآخرة.
وفى أَول شعبان أمر السلطانُ القاضي الشافعي إذا حضر المجلس لسماع الحديث أن يحضر صحبته فلقة (١) وعصا، ومن تعدى فى كلامه أو أَساء الأَدب أُدِّب، وأكد في ذلك.
وفي رمضان أمر السلطان بترك أكثر الخلع التي قُرِّرت لمن يحضر سماع الحديث ثم شفع فيهم، وقيل له لو كان هذا قبل أن يحضروا فإن كان ولابد وقد قضوا المدة كلها يصرف هذا العام ثم يعلمون ويقطعون فيما يستقبل، فأَمر بالصرف لهم.
* * *
وفي أواخر رمضان حضر عند السلطان شريفٌ من الشام ومعه أوراق بخط الشيخ علاء الدين البخارى فيما يتعلق بالنسيمى وشيخه فضل الله، وأَنَّ بالشام ومصر جماعةً على عقيدته، وأنه تصدّى لتتبّعهم وكَشْف عوراتهم، وأنه وجد بالقاهرة شخصًا منهم، فقُرِئ كتاب الشيخ علاء الدين فأَمر السلطان بإحضار الرجل وما في بيته من ورق ففعل ذلك، وهذه هي الطائفة المبتدعة المعروفة بالحَرّوفية ثم النسيمية، فلما كان في رابع شوال عُقد مجلسٌ
стр. 1647
بالقصر عند السلطان وأُحضرت الكتب وبعضها من كلام شيخه وهي باللسان الفارسي، فقرأَ من أوّل واحدٍ منها شيئًا يسيرًا وفسّره بالعربى وهى مقالة مركَّبة من قول المشبهة والاتحادية، فقرأَ الشافعى خطَّ الشيخ علاء الدين وفيه: "أن شعر الإِنسان في رأَسه ووجهه سبعة شعور، شعر أَجفانه الأَربعة وحاجبيه ورأْسه، وأَن في وجهه شيئًا آخر سبعة، وأَن عقد أَصابعه في اليدين أَربعة عشر فذلك عدد حروف المعجم"، ونحو هذا.
وفيه: "أن الإِلهية انتقلت من الله لآدم، ومن آدم لآخر، إلى أَن انتقلت لفضل الله"، وكلامًا من هذا حاصله: "أَنَّ الله هو الحروف"، ثم أُحضر الرجل فسُئل عنها فقيل إنه اشتراها من حصن كيفا بثلاثين درهمًا ولا يعتقد شيئًا مما فيها، وأعلن بالشهادتين والتبرى مِن كل مَن يخالف دينَ الإِسلام، وصرّح بكفر من صنَّف هذه الكتب وشيخِه أَو يعتقد بما فيها، فقال له الشافعي: "إن كنْتَ صادقًا فأحرق هذه الكتب بيدك! " فامتثل ذلك بعد أن حاد عن الجواب وباشر إحراق ذلك بنفسه، ثم سأَل السلطانُ: "هل عليَّ إثم إذا أَخرجْتُ هذا وأَمثاله من بلادي؟ " فقال: "لا"، فنودي: "مَن عَرف من أَهل المذهب النَّسيمى ووُجد عنده شئ من كُتُبه وأحضره للسلطان كان له مائةُ دينار"، ثم أُمر فنودى أن يخرج جميع العجم من القاهرة والقلعة بأُسَرِهم ولا يتأَخر أَحدٌ منهم إلى ثلاثة أَيام، ثم لم يتم ذلك.
* * *
وفى يوم الأَحد ثاني عشر شعبان أُشيع موت زين الدين عبد الرحمن بن الشيخ شهاب الدين أحمد بن حمدان الأَذرعى وكان مولده في المحرم سنة ٧٨٨ (١)، واشتغل على أَبيه وغيره، وسمع من الصدر [محمد بن يونس بن أحمد] بن غَنَّوم جزءًا من الخلعيات سنة بضعِ وستين بسماعه من العراقي، أَنا ابن عماد؛ وسمع الكثير من شيوخ ذلك العصر بحلب وغيرها، وقدم مع أَبيه دمشق فأَسمعه من [محمد (٢) بن محمد بن عبد الله بن عوض ومحمد
стр. 1648
ابن قليج بن كيكلدى]، وأجاز له جماعة تفرّد بالرّواية عنهم، لكني لا أَعلم أَنه حَدّث عنهم بشيءٍ غير جزء أو جزين، ثم ظهر أنه لم يمت إذ ذاك، فذكر لى ابن فهد أَنه توجّه إليه ابنُ (١) فهدٍ وغيره من الرحالة في هذه السنة فمات بعد وصولهم إليه بقليل، وكان قدومُه القاهرة سنة بضع عشرة فاستوطنها وولى نيابةَ الحكم ثم ولى قضاء دمنهور والبِحيرة فاستقرّت قدمه بها بعد منازعات، وأقام على ذلك بغير منازعةٍ أكثرَ من عشْر سنين؛ وكان فاضلًا يستحضر أشياء في الفقه، ويذاكر بأَشياء حسنة، وله نظم حسن قديمًا وحديثًا.
واستهل شهر رمضان بالخميس ووافق كذا (٢) برمهات.
* * *
وفيها وصلت هدية نائب الشام وفيها مائة وخمسون فرسًا وعشرة قطر جمال وأَلف ثوب بعلبكي ومثلها بطاين وخمسون قباء سمور ووشق، وعشرة آلاف دينار ونعالات خيل من ذهب ومسامير فضة، قيل إن في كل نعل خمسين دينارًا، وقيل إن مجموع قيمتها ثلاثون أَلف دينار، وكان قدومهم سابع عشر ذي الحجة.
* * *
وفى سادس شهر رمضان هبَّت ريحٌ شديدةٌ باردةٌ وترابٌ كثير عَمَّ القاهرة وسقطت عدة من الدور.
وفي الثالث عشر منه أَمطرتْ ليلًا وتمادى ذلك في أوّل النَّهار مع رعد وبرق وذلك عند حلول الشمس برجَ الثور، ثم تمادى المطر ذلك اليوم كله لكن بغير توالٍ حتى توحّلت الأَرض كلها وزلقت البيوت، ثم أمطرت صبيحة ذلك اليوم بعد الفجر مطرًا غزيرًا جدًا حتى زلقت البيوت وفسدت الأَمتعة والزروع، والأَمر لله وحده.
стр. 1649
وهبت ريح شديدة وقْت العصر من اليوم الماضى حتى انتصف النهار ثم انجلت عن قرب.
وفيه استقر ..... في كشف الوجه القبلى وصُرف كريم الدين ودخل القاهرة.
وفي آخر يوم من رمضان خَطَبْتُ بجامع عمرو بن العاص، قايَضْت الشيخ شمس الدين محمد بن يحيى بما كان معى من خطابة الجامع الأَزهر بما معه من نصف خطابة جامع عمرو.
وكان أَكثر الفاكهة في هذه السنة غير ناجب (١) بسبب كثرة الماء وتعقده في البساتين، ثم تأَخَّر المطر في الشتاء كلّه فكان الورد قليلًا وكذا المشمش والليمون، حتى بيعت الليمونُة الواحدةُ بنصف درهم.
وأَمطرت في عشاء يوم الجمعة سابع شوال قبيل المغرب مطرًا خفيفًا ووافق ذلك الحادي (٢) عشر من بشنس، والشمس يومئذ في أواخر برج الثور، وأَمطرت يوم السبت بعد أن هبت ريحٌ عاصفٌ بترابٍ ثم انجلت، واستمر البرد في طرف النهار شديدًا بنحو ما كان فصل الشتاء أَو دونه يسيرًا، ولكن فى وسط النهار وفي جوف الليل يقع فيهما بعض الحر، وتأَخَّر لِبْسُ الصوف إلى يوم الجمعة سابع شوال المذكور فتأَخَّر عن العام الماضي نحوًا من عشرين يومًا، وزاد النيل فى غير أوانه فى أول العشر الثالث من بشنس فعجل بنحو عشرين يومًا وغرقت بعض الأَمتعة.
وفي الثامن عشر من شوال طيف بالمحمل وخرج الحاجّ إلى بركة الجب، وأَميرهم تَمرْباي الدويدار الثاني وأمير الأَول المحتسب صلاح الدين بن الصاحب بدر الدين ابن نصر الله، ورحلوا من البركة في الحادي والعشرين منه.
وفى أواخر بشنس من الأَشهر القبطية زاد النيل قبل أوان عادته زيادة عظيمة وغرق غالب ما زرع من المقاتي والبطيخ والسمسم وغيره في الجزائر، وفسد للناس شئ كثير من
стр. 1650
البطيخ ونحوه، ثم عادت الزيادة في أَوائل بئونة، وكُلُّ ذلك قبل الوقت الذي جرت فيه العادة بالزيادة، فلما كان الثاني عشر من بئونة -وهو أَوّل الوقت المعتاد- زاد أَيضًا بحيث بلغت الزيادةُ في المدة المذكورة نحو ستة أَذرع ثم نقص نحو ذراع ونصف، ثم ما كان في الخامس والعشرين من بئونة -وهو اليوم الذى جرت فيه العادة بابتداء القياس- وُجد الماء قد بلغ إلى أحد عشر ذراعًا وعشرة أَصابع، وقد كان بلغ ثلاثة عشر ذراعًا، لكن نقص في أوَّل (١) العشر الأخير وهذا شي علم يُعَهدْ مثله بمصر، وأكثر ما وصل إلى الخامس والعشرين إلى عشرة أذرع ولكنها لم تقع زيادتها قبل الأَوان، وزاد في اليوم السادس والعشرين إصبعين، وفي الذي بعده إصبعين ثم ثلاثة، ثم توقَّف عن الزيادة من ثامن عشرى بئونة إلى رابع أَبيب، ثم زاد فيه إصبعًا ثم إصبعين وتمادى، وكان نَقُصَ سبعة عشر إصبعًا، وتحرك سعر القمح كل يوم شيئًا إلى أن وصل إلى مائتين وخمسين بعد أَن كان بمائة وثمانين.
وفى آخر يوم من المحرم وهو اليوم الثانى من أيام النسيئ (٢) كانت الزيادة خمسة أَصابع فانتهى إلى تسعة عشر ذراعًا وأَربعة أَصابع، وصادف أَنه كان في العام الماضي في مثل هذا اليوم من أَيام النسئ كان انتهى إلى هذا القدر سواء، وهذا من عجائب الاتفاق.
* * *
وفي أول ذي القعدة وصل الخبر من شيراز من شاه رخ بأَنه جَهَز إلى مكَّة كسوةَ الكعبة وهي التي كان عُقِد المجلس بسببها في أَوائل هذه السنة، وجهّزت الرسل بالأَجوبة فجَهَّز هو الكسوة من قبل أن يعود عليه الجواب، وانزعج السلطان، وكان ما سيأتي ذكره.
* * *
وفي الرابع والعشرين من ذى القعدة كسرت عدةُ جرارٍ تزيد عن المائتين من الخمور، فيها كبارٌ تسع الواحدة نحو القنطار، وذكر إنها لشخص يقال له أبو بكر بن الشاطر سمسار
стр. 1651
القماش الإسكندرانى، وكان لكسرها في وسط البحر رجّة، واجتمع فيه خلق كثير، والسبب فيه أنه عثر عليه في بعض الحواصل بساحل بولاق فاستعان أُناس من الجند فهجموا على الذين عثروا عليهم فضربوهم فهربوا فحوّلوا جميع ذلك إلى مركب، وانحدروا بهم إلى قرب شبرا، فتوجه إليهم الوالى، فقبض عليهم فتمكنوا منهم وأَخذوا الجرار فرجعوا بها إلى الساحل فكسروها، وكان يومًا مشهودًا.
وفيها وقع بين جماعة من نواحى الزَّبداني فتنة، فقُتل خطيب الجامع وجماعةٌ (١) نحو الستة عشر نفسًا، واتُّهِم بذلك زين الدين بن صادر الأُستادار، فبلغ السلطانَ ذلك فأَرسل يستدعيه ويأمره أن يحضر معه بتقدمةٍ فبادر إلى الحضور، فلما وصل إلى قَطَيا جَهَّز السلطانُ عمرًا الوالى وأَمره أن يقتله حال اجتماعه به، فلاقاه إلى بلبيس فقتله وحمل رأْسه إلى السلطان، وهو عبد الرحمن بن محمد بن صادر، وَلِيَ الأُستادارية في المتاجر والجبايات السلطانية وكان أُستادار جقمق ودويدار الملك المؤيد بالقاهرة، وتنقَّلت به الأَحوال بعده إلى أَن مات عن نحو من سبعين سنة.
* * *
وفيه خرج عرب بني لام على المبشرين بالوجه فقتلوا منهم اثنين، وسلم المبشر وهو خجَا القُرْمُشى فدخل في الثامن والعشرين من ذى الحجة وليس معه شي من الكتب، وذكر أَنه نُهب لهم أَشياء كثيرة، وأَنه كان معه نفائس حصَلها فجاء مسلوبًا.
* * *
وفى يوم الثلاثاء ثاني عشر ذي الحجة خرج شهاب الدين بن المحمرة على مشيخة الصلاحية بالقدس فصادف قدوم عز الدين القدسى فالتقيا بالخانقاة النَّاصرية، ودخل
стр. 1652
عز الدين يوم الأَربعاء ثالث عشر ذي الحجة القاهرةَ واستمر بها على نيابة القضاء فقط، وصُرف عز الدين النَّاعورى عن قضاء حمص وأُضيف ذلك إلى قاضي الشام.
* * *
ذكر من مات في سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة من الأعيان
١ - إبراهيم (١) السلطان أمير زاده بن ألقان معين الدين شَاهْ رُخ بن الطَّاغية تيمور، كان صاحب شيراز، فكتب الخطَّ المنسوب يقارب ياقوت، ومات في رمضان ووجد عليه أَهل شيراز.
٢ - أحمد (٢) بن عبد المحيى بن عبد الخالق بن عبد العزيز الأَسيوطي، شهاب الدين، سمع من أَبيه (٣) ومن عبد الرحمن بن القارئ وأَجاز له، وكان يواظب التكسّب بالشهادة في جامع ظاهر الوراقين، وكتب في الاستدعاءات بأجْرة وحدّث (٤) وسمع منه الفضلاء، ومات في ثاني عشر ربيع الآخر، وهو والد القاضي وليّ الدين الأَسيوطي.
وُلد سنة خمس وسبعين تقريبًا، وسمع على جُوَيْرية (٥) الهَكَّارية بعض "الدارمي" ومجلسًا من "أمالي البحتري" وأَبي بكر الشافعي، وعلى عمه عز الدين عبد العزيز جزءا لشيخنا، وعلى عبد الله بن قيم الكاملية جزءا من حديث الأجرى الحنبلي وعلى التنوخي وحدث، وسمع منه الفضلاء.
٣ - أحمد بن عمر البلبيسي البزاز، شهاب الدين، مات في يوم الجمعة ثاني عشر رجب
стр. 1653
وقد جاوز الثمانين، وكان من خيار التجار ثقةً ودينًا وأمانةً وصدْق لهجة، وله عدةُ مجاوراتٍ بمكة، وسمع الحديث الكثير وأَنجب أولادًا؛ رحمه الله تعالى.
٤ - أحمد بن ناصر الدين محمد بن أبي بكر بن رسلان بن نُصَيْر البلقيني، شهاب الدين ابن أَخي شيخنا سراج الدين، مات في السادس والعشرين من رجب بعلَّة السّل. وُلد سنة ستٍ وتسعين ولما ترعرع كان ابن عمّ أبيه القاضي جلال الدين قاضيًا وقد استناب إيّاه، وتعلَّم القرآن وحفظ كتبًا ودرَّبه أبوه فى توقيع الحكم واشتغل في القراءات والعربية، وكان حسنَ الصّوْت بالقرآن، وأَمّ بالمدرسة الملكية بالقرب من مشهد الحسين، ووقع في الحكم ثم ناب في القضاء بأُخرة وخدم ابن الكويز وهو كاتبُ السّر، ثم [خدم] ابنَ مزهر فأثرى وصارت له وجاهة وحصّل جهات، ثم مرض أكثر من سنة [ومات] ودُفِنَ عند أَبيه بمقابر الصوفية.
٥ - أحمد بن محمد، ناصر الدين المعروف بابن أَمين الحكم، وكان ينوب في الحكم بمصر وعدة بلادٍ من البهنساوية، وكان له مدةً منقطعًا بمرضٍ عَرَض له منه فالجٌ فانقطع بسببه.
٦ - أحمد (١) شاه بن أحمد بن حسن شاه بن بَهْمَن سلطان كلبركة، شهاب الدين أَبو المغازي، أَقام في ملكه.
٧ - أَحمد بن محمد المَاجِرى (٢) المصمُودى، الشيخ أحمد الحنبلي شهاب الدين الحلبي المعروف بالخازوق، وَلِيَ قضاء الحنابلة بها (٣) مرارًا، وفى سنة خمس صُرِف وتقرّر ابن الرسام فدخل القاهرة ليعود إلى القضاء فتعذَّر ذلك مدّة إلى أن قرّر، فلما وصل لدمشق ضعف فتوصّل إلى حلب في محفةٍ فدخلها مريضًا فاستمر على ذلك إلى أن مات بعد دخوله حلب بقليل.
стр. 1654
٨ - إسماعيل بن على بن محمد بن داود بن شمس بن عبد الله بن رستم البيضاوي الزمزمي المؤذِّن بمكة، يُكنى "أَبا الطاهر" ويُلَقَّب "مجد الدين"، وُلد (١) سنة ستٍّ وستين، وأَجاز له صلاح الدين بن أَبي عمر وعمر بن أَميلة وأَحمد بن النجم وحسن بن هبل وآخرون، وكان يتعانى النظم، وله نظمٌ مقبولٌ ومدائح نبويّة من غير اشتغالٍ بآلاته، ثم أَخذ العروض عن الشيخ نجم الدين المرجاني ومهر، وكان فاضلًا. ورحل إلى القاهرة فسمع من بعض شيوخنا، وكان قليل الشرّ مشتغِلًا بنفسه وعيالهِ، مشكورَ السّيرة، ملازمًا لخدمة قبة العبّاس، وله سماع من قدماء المكيّين وحدّث بشيءٍ يسير، وسمعْتُ من نظمه.
وأخوه إبراهيم (٢) وُلد سنة سبع وسبعين وسبعمائة، وأَجاز له في سنة سبع وثمانين وسبعمائة النَّشاورى والشهاب بن ظهيرة وآخرون، واشتغل فى عدّة فنون، وأَخذ عن أَخيه حسين عِلمَ الفرائض والحساب فمهر فيهما.
٩ - أبو بكر بن أحمد بن عبد الله بن الهَلِّيس (٣) رفيق زكيّ الدين، المَهْجَمي (٤) الأَصل ثم المصرى، وُلد بعد (٥) السبعين بيسير ونشأَ في حال بزة وترفّه، ثم اشتغل بالعلم بعد أن جاوز العشرين ولازم الشيوخ، وسمع معى بعض عوالى شيوخي مثل البرهان الشَّامي وابن الشيخة وابن أبى المجد وبنت الأَذرعى وغيرهم فأَكثر جدًّا، وأَجاز له عامّة مَن أخذْتُ عنهم فى الرحلة الشامية، ورافقنى في الاشتغال على الإِنباسي والبلقيني والعراقى وغيرهم، ثم دخل اليمن في سنة ثمانمائة فاستمرّ بالمهجم وبعدن إلى أَن عاد من قربٍ فسكن مصر، ثم ضعف بالذَّرب واختل عقله جدًّا وسئم منه جيرانه فنقلوه إلى المرستان المنصوري فأَقام به نحو شهرين، ومات وصلَّيْتُ عليه ودفنْتُه بالتربة الركنية بيبرس في سلخ المحرّم.
стр. 1655
١٠ - أبو بكر بن الشيخ تقي الدين اللوبيائى الفقيه الشَّافعي أحد الفضلاء الشافعية بدمشق، باشر تدريسَ الشَّامية الجوانية وغيرَها ومات في شوال.
١١ - باب سنقر بن شاه رخ بن تيمور صاحب مملكة كرمان. مات في العشر الأول من ذى الحجة (١).
١٢ - حسين بن على بن سبع المالكي شرف الدين وبدر الدين البوصيري، وُلد سنة خمس وأَربعين (٢) على المحبّ الخلاطى أكثر الدّارقُطْني، أنا الدمياطي "صِفَة التصوف" لابن طاهر خلا من أَوّل الزهد إلى آخر الكتاب، وسمع أيضًا على عز الدين ابن جماعة غالب "الأَدب المفرد" [للبخاري]، وعرض على مَغْلَطَاي شيئًا من محفوظه وأَجازَ له وكان من الطلبة بالشيخونية، وحدّث وسمع منه رضوانُ وابنُ فهد والبقاعي وغيرهم، وأَجاز لابن محمد ومن معه، ومات في ربيع الأَوّل.
١٣ - خضر بن أَحمد، وأَصله من القصور (٣)، وكان يتجر في الزّيت ثم في البُر يجلبه ويبيعه، وأنجب ولده إبراهيم صاحبنا، وذكر أَنَّ مولده (٤) سنة سبع وأَربعين فبلغ التسعين، وكان عجز بآخره وانقطع فآواه ولده إلى أَن مات.
стр. 1656
١٤ - زهير بن سليمان بن زَيَّان (١) بن منصور بن جماز بن شيحة الحسنى، قُتل في حربٍ وقعت بينه وبين أَمير المدينة مانع بن على بن عطية بن منصور جماز في شهر رجب وقُتل جمْعٌ من بني حسن، منهم علان بن غرير بن هيازع الذى كان أَبوه أَمير المدينة، وكان زهير فاتكًا يقطع الطريق ومعه جماعة كما تقدم في حوادث سنة أربع وثلاثين (٢).
١٥ - طرَبَاي (٣) نائب طرابلس الظَّاهري، وبها (٤) مات في يوم السبت في رجب فجأة.
١٦ - عبد الرحمن (٥) بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن محمد بن سليمان بن حمزة المقدسي، زين الدين، وُلد في السادس من رمضان سنة ٧٨٩ وأَسمعه عمه الكثير من ابن المحب وابن عوض وابن داود وابن الذَّهبي وابن العز. مات فجأَةً في رابع عشر شهر ربيع الآخر، فمِنْ مسموعه على ابن العز السادس من أَمالي المحاملي رواية أبي عمر بن مهدى، انا سليمان بن حمزة.
١٧ - عبد الرّحمن بن نجم الدين عمر بن عبد الرحمن بن حسين بن يحيى ابن عبد المحسن المسند زين الدين أَبو زيد (٦) القِبَابي (٧) ثم المقدسي الحنبلي، وُلد في ثالث عشر شعبان سنة تسعٍ وأربعين وأَجاز له أبو الفتح الميدومى وجُلُّ شيوخ شيخنا العراقى، وسمع من الشيخ تقي الدين السّبكي وصلاح الدين بن أَبي عمر وابن أَميلة وصلاح الدين
стр. 1657
العلائي وناصر الدين التونسي والتَّبّانى وابن رافع وأَحمد بن النجم إسماعيل والخلاطي وابن جماعة ومَغْلَطَاى وابن نباتة والزنبارى وحسن بن هبل؛ وشيوخُه بالسماع والإجازة نحو المائة وخمسين نفسًا، خرَّجْتُ له عنهم مشيخةٌ وأجاز لي غير مرة، مات في سابع (١) شهر ربيع الآخر ببيت المقدس، وقد أَكْثَرَ عنه الرحالة وقُصِد لذلك وبلغ تسعين سنة إلَّا قليلًا وتفرد بأَكثر مشايخه.
١٨ - عبد الله بن سليمان المحلى جمال الدين، أحد موقِّعى الحكم وقد ناب في الحكم في بعض الجهات وبعض النواحى بالقاهرة قليلا، مات في يوم الاثنين ثانى عشر رجب.
١٩ - عبد العزيز (٢)، أبو فارس صاحب المغرب، مات في يوم الأضحى سنة ثمان وثلاثين وحُمل إلى تونس فدُفن بها عند ولده المنصور محمد (٣) الَّذي مات قبله سنة خمسٍ وثلاثين وكان وليَّ عهده ففُجع به وعهَد إلى حفيده المستنصر، فلما استقرّ كحّل عمَّه المعتمد بن أبي فارس وقتل أَخاه أبا الفضل بن المنصور وولده الفضل، ففجأَه الموتُ سنة تسعٍ وثلاثين واستقر أَخوه عثمان وخرج على عمه الحُسَيْن بن أبي فارس من بجاية ووصل إلى قسطنطينة في سنة تسع وثلاثين، وعمه الفقيه المجد الحسين وولده عبد المؤمن.
٢٠ - عبد (٤) الواحد بن إبراهيم بن أحمد بن أبي بكر بن عبد الوهاب، القُوِّى الأصل ثم المكي العلَّامة النحوى جلال الدين أبو المحامد الشهير بالمرشدي، وُلد في جمادى الآخرة سنة ثمانين بمكَّة، وأَسمع على النَّشاوري والأَميوطى والشهاب بن ظهيرة وغيرهم، ورحل إلى القاهرة فسمع بها من بعض شيوخنا، ومهر فى العربيّة وفى الأصول والمعانى والفقه، وكان نعمَ الرجل مروءةً وصيانة. مات في يوم الجمعة رابع عشرى شعبان وكثر الأَسف عليه.
стр. 1658
٢١ - عبد الوهاب بن عبد الغنى، تقى الدين بن الجِيعَان، أخو كاتب ديوان الجيش، وكان ساكنًا وقورًا يباشر في عدة جهات، وكانت جنازته حافلة وكثر أَسفُ الناس عليه.
٢٢ - على بن طَيْبُغَا بن حاجِّي بك التركماني، الشيخ علاءُ الدين العينتابي الحنفى، كان فاضلًا وقورًا، مهر فى الفنون وقرّرهُ السلطان الأشرف مدرسًا وخطيبًا بالتربة التي انشأَها بالصحراء؛ مات في طريق الحجاز ودُفن بالقرب من الينبع.
٢٣ - علي بن محمد بن موسى بن منصور المحلِّي ثم المدنى، الشيخ نور الدين، كان مولده في جمادى الأُولى سنة أربعٍ وخمسين بالمدينة، وسمع على ابن حبيب وابن خليل وابن القارئ وأبي البقاء السّبكي وغيرهم، وأَجاز له ابن أَميلة وابن الهبل وابن أبى عمر، وحدّث باليسير وأَجاز، ومات في الثالث من شوّال، وليس ببلاد الحجاز أَسند منه.
٢٤ - عمر البسْطامي المقيم بالعارض بسفح المقطم، كان كثير الذكر مستمرًا عليه لا يفتر عنه لسانه، وتُحكَى عنه كراماتٌ وللناس فيه اعتقاد، وعمر نحو التسعين (١).
٢٥ - فاطمة بنت خليل (٢) بن أَحمد بن أبي الفتح المقدسية ثم القاهرية زوج غازى الحنبلي، ولدت في سنة [خمسين (٣)] وسبعمائة تقريبًا، وأجاز لها [الشرف بن قاضي الجبل والعلائي السبكي] وأكثر شيوخ التباني الذين ذكروا فبل، وخَرَّجْتُ لها مشيخةً مع القبابي وحدَّثت بآخرها، سمع منها الطلبة وماتت فى أَول يوم من جمادى الأولى وقد تفرَّدتْ عن بعضهم.
٢٦ - محمد (٤) بن المنصور بن أبي فارس بن عبد العزيز بن المنتصر ملك الغرب عم
стр. 1659
أبيه الحسين، وكان فاضلًا ذكيًا مناظرًا (١) يحفظ المذهب ويعرف كثيرًا من معانى الحديث، وكُحِّل.
٢٧ - محمد (٢) بن عبد الله بن عبد القادر الشيخ نجم الدين الواسطي السكاكيني، وقال إنه قرأَ على العاقولى ومهر فى القراءات والنَّظم والفقه، ويقال إنه أَقرأَ (٣) الحاوى ثلاثين مرة، وله شرح على "منهاج البيضاوى"، ونظم بقية "القراءات العشرة" تكملةً للشاطبي على طريقته حتى يغلب على ظن سامعه أنه نظم الشاطبي، وخَمَّس "البردة" و "بانت سعاد"، ومات بمكة في سادس عشرى شهر ربيع الآخر.
٢٨ - محمد بن علي، جمال الدين النُّوَيْرى التاجر، تنقَّلت به الأَحوال وتولَّى ببلاد اليمن التحدّث في المتجر السلطاني بعدن ثم صرف، وكان قد تسحّب من القاهرة من ديونٍ رَكِبَتْه في سنة أربعٍ وعشرين ولم يعد إليها ومات في هذه السنة بمكة، وهو أَخو المذكور قبل بسنين، المقتول في سنة أَربعٍ وثلاثين.
٢٩ - محمد (٤) بن عمر، تقى الدين بن بدر الدين بن شيخنا سراج الدين البلقيني، مات في أوّل ليلة الثاني عشر من شوّال ودُفن صبيحةَ ذلك اليوم يوم الأَربعاء على أَبيه وجدَّه، وكان مولده سنة تسع وثمانين، مات أبوه وهو طفلٌ فرباه جده وحفظ القرآن وصلى بالناس وهو صغير له نحو عشر سنين، ودرّس فى "المنهاج"، ولازم الشيخ كمال الدين الدميرى وغيره، وكان ذكيًا حسنَ النغمة ونشأَ في إملاق، ولمّا ولى عمُّه القضاء نَبُه قليلا وولى
стр. 1660
بآخره نيابةَ الحكم بمنية (١) الأُمراء وغيرها من الضواحي، ودرّس بعد موت عمه جلال الدين في الفقه بجامع طولون وكذا (٢) درس بالحجازية فى الفقه وولى بها الخطابة ومشيخة الميعاد، وتموّل بملازمة ناظر الجيوش عبد الباسط، وحصّل وظائفَ وإقطاعاتٍ ورزقًا وصار كثير المال جدًا في مدّة يسيرة، وسيرته مشهورة؛ وسبب تقدمه عند المذكور مشهور، وتقدّم في الصلاة عليه عمه علمُ الدين وله نحو الخمسين، وخَلَّف ولدًا كبيرًا وآخر صغيرًا وابنتَيْن، وقد حدّث عن جده بشيء يسير، قرأَ بعضُ الطلبة عليه "كتاب الجمعة" للنِّسائي بسماعه من جده، انا إسماعيل التفليسي بسنده.
٣٠ - محمد، ناصرُ الدين الشِّيرازى نقيبُ الجيوش، مات في يوم الثلاثاء رابع عشر ربيع الآخر عن بضعٍ وخمسين سنة وكان تامَّ القامة كثير المداراة محببًّا عند الناس، لكنَّه كان مسرفًا؛ وله فى هذه الوظيفة (٣) مدة طويلة.
٣١ - عماد الدين السَّرْميني موقع الدست بدمشق وكان فاضلا ذكيًّا، مات في شوّال وقد بلغ الأَربعين أَو قاربها.
٣٢ - الحِطى الحبشي ملك الحبشة الكافر، لا رحم الله فيه بغرز إبرة.
стр. 1661
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الخالق المبدع المصور
أما بعد. .
فها هو ذا الجزء الرابع والأخير من كتاب إنباء الغمر بأنباء العمر لشيخ الإسلام وأمير المؤمنين في الحديث في عصره ابن حجر العسقلاني، نحمده تعالى على أن وفقنا إلى إنجاز تحقيقه على هذه الصورة التي نرجو أن تنال رضاء القارئ، وما كنا بمنجزيه لولا فضله ﷻ .
وليس عندى ما أقوله بين يدي هذا الجزء إلا أن أشكر لجنة التراث بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية بوزارة الأوقاف بالقاهرة إذ أخرجته على هذا النسق، ولا أنسى المساعدة الكريمة من الإخوة الكرام الأساتذة المرحوم عبد المنعم عمر طيّب الله ثراه، والاستاذ فهيم محمد شلتوت والدكتور رمضان عبد التواب والدكتور حامد عبد المجيد والدكتور أيمن فؤاد، فقد كان لكل منهم ملاحظاته النابعة من رغبة صادقة في إخراج "إنباء الغمر" على أكمل وجه مستطاع وإن كان الكمال لله وحده. وقد كنا نختلف تارة حول بعض هذه الملاحظات ونتفق تارة أخرى، وأثبتُ بعض ما أشاروا به في حواشي الكتاب مقرونة بأسمائهم. فلهم شكر المقر على ما أبدوا وأسدوا: إخوة كراما: وزملاء أفاضل، ومحققين صادقين، وعلماء أجلاء. وأسأل الله تعالى التوفيق. . .
٣٤ ش عمر بن الخطاب - الدقي
السبت ٧ مارس ١٩٩٨
أ. د. حسن حبشي
стр. 1662
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة اللجنة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد …
فهذا هو الجزء الرابع والأخير من هذا الكتاب الجليل: "إنباء الغمر بأبناء العمر" لشيخ الإسلام الحافظ ابن حجر العسقلاني. وقد طال الأمد على صدور هذا الجزء والذي به تم الكتاب، فقد مضى على صدور الجزء الثالث، حوالى خمسة وعشرين عاما.
ولعل السبب فى هذا التأخير، يعود إلى وجود المحقق فى الخارج، لأداء الحق الواجب تجاه أبناء العربية، وإخوة الإسلام فى بعض البلاد العربية، من جانب، وإلى بعض ما يعترى ميزانية النشر في المجلس من قصور أحيانا، من جانب آخر.
* * *
ويسير ابن حجر العسقلانى فى هذا الجزء على النمط الذى اختطه لنفسه في أول الكتاب إلى آخره، فهو يتناول الأحداث التي تمت، فى خلال المدة التي يؤرخ لها عاما بعد عام، وهى في هذا الجزء الرابع من سنة (٨٣٩ هـ) إلى سنة (٨٥٠ هـ) ويبدأ في كل عام بالحديث عن مستهله بواحد من أيام الأسبوع، وما يوافقه من أيام شهور السنة القبطية، وأحوال النيل فيه من الزيادة والنقصان، والاحتفال بالفيضان. كما يتحدث عن أحوال حكام البلاد ورسلهم، وتوليتهم وعزلهم، وموت السلاطين وخلافة من بعدهم، والحروب والمنازعات بين الحكام، وغلاء الأسعار ورخصها، وأخبار الهدايا والخلع، والمحمل والكسوة الشريفة للكعبة، وأحاديث الأوبئة والطاعون، وبدايات فصول السنة ونهاياتها، وأحوال الجو وتقلباته.
ثم يأخذ ابن حجر بعد ذلك، في ذكر من مات في هذه السنة أو تلك من الأعيان، فيذكر اسمه ونسبه، وشيئا من علمه وصلاته بعلماء عصره، والشهر الذي توفى فيه. وكان ابن حجر العسقلاني صديقا لبعض هؤلاء الأعيان، فيذكر شيئا من علاقاته بهم، كما يصف خطوطهم، وتلقى بعضهم العلم عنه، أو إجازتهم لأولاده. وهو يسيء الظن ببعضهم أحيانا، ويمدح معظمهم في كثير من الأحيان.
стр. 1663
أما محقق هذا الجزء، فهو المؤرخ المشهور، الأستاذ الدكتور حسن حبشي، وهو محقق الأجزاء الثلاثة الأولى. وقد سار في تحقيق الكتاب كله على المنهج الصارم لتحقيق النصوص، بين المقابلة، والتخريج، والضبط. وشرح الغامض، والوقوف أمام المشكل، وغير ذلك.
وقد التزم المحقق بصنع الفهارس اللازمة للكتاب كله، ورتبها على النسق المطلوب للنصوص التاريخية وغيرها، بحيث تتيسر الإفادة المرجوة من الكتاب بأجزائه الأربعة على أحسن وجه.
وقد شارك بعض أعضاء لجنة التراث فى مراجعة الأصول، وكان لهم بعض الآراء الصائبة في شيء غير قليل من نصوص الكتاب، بحيث أصبح هذا الجزء مشرق الوجه، خاليا من الشوائب والأوهام.
وإن لجنة إحياء التراث الإسلامي، وهى تصدر هذا الجزء الأخير من الكتاب، ليسعدها أن تتقدم بالشكر الخالص، والثناء العاطر، للأستاذ الدكتور حسن حبشى، على ما بذله من وقت وجهد، في التحقيق والتتبع، وصنع الفهارس الكاملة. كما يسعدها أن تشكر كل من أسهم من أعضائها فى المراجعة وإبداء الرأى.
أما أنت أيها القارئ الكريم فى مصر والعالم العربي والإسلامي، فإليك هذا الجهد الصابر لواحد من ألمع علماء العربية، يشهد شهادة حق، على أن هذا التراث العربي الخالد، جدير بالاحترام، وصالح لأن يكون مشعل حضارة في كل زمان ومكان، يفضح الظلام، ويظهر زيف دعاوى التنوير، التي امتلأت بها الساحة العربية، يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم، والله متم نوره ولو كره الكافرون.
أ. د. رمضان عبد التواب
أ. عبد المنعم محمد عمر
стр. 1664
سنة تسع وثلاثين وثمانمائة
استهلّت (١) بالخميس، ووافق ذلك رابع مِسْرى من شهور القبط، وبلغت زيادة النيل فيه إلى دون خمسة عشر ذراعًا، ثم وقع الوفاء، وكُسِر الخليج في يوم الاثنين خامس. المحرّم -ووافق ثامن مِسْرى- وكان نظير ذلك في العام الماضي في سابع مسرى، وزاد من الذراع السابع عشر أربع أصابع (٢)، وباشر ذلك ولدُ السلطان، وكان يوما مشهودا، وسُرّ الناس بذلك وتباشروا بانحطاط السعر، ولله الحمد.
واستمرَّت الزيادة بعد ذلك إلى أن كان في آخر يوم من مِسْرى وقد انتهى إلى تسعة عشر ذراعا سوى إصبع واحدة، ولم يُعهد مثل هذا فيما مضى من السنين سوى في السنة الماضية، والله المحمود على كل حال.
* * *
وفيه وصل إلى حلب رسل من قبل جانبك الصوفى، فبلغ السلطان ذلك فجهَّز لنائبها بقَتْلهم فقُتِلوا، ثم تبين أن ذلك كان في آخر السنة الماضية.
وكان النيروز يوم الثلاثاء خامس صفر، وكانت السنة القبطية كبيسة (٣)، ولم يلعب أحد فيه لنهى السلطان عن ذلك.
وبلغت زيادة النيل فيه تسعة عشر ذراعا وثماني عشرة إصبعا، وساوى العام الماضي في ذلك وزاد ثلاث أصابع، ثم زاد فى أول يوم من توت إصبعين، وفى الثاني منه إصبعا، وكان في العام الماضي قد نقص في أول يوم من توت أربع أصابع، ومع ذلك فلم تُرْوَ عدّة بلاد من الجيزية التي كان من شأنها أنْ تُرْوى من. من ست عشرة لفساد الجسور، والأمر لله، ثم يسّر الله أن زاد حتى وفى قدر العام الماضى، ولم يكن أحدٌ يظنّ ذلك. وانتهت زيادةُ النيل في أول يوم من بابه إلى عشرين ذراعًا وعشرين إصبعا. ورُئى [هلال] (٤) شهر ربيع الأول ليلة
стр. 1665
السبت، وثبت ذلك فلم ينقص منه إلى الرابع من شهر ربيع الآخر سوى قدر ذراع، ودخل هاتور من الأشهر القبطية وهو على ثباته، وتأخرّ زمانُ الزرع عن العادة وضجّ الناس من ذلك، وغلا السعر في القمح وغيره إلى أن بلغ القمح نحو الدينار ثم تناقص.
وفيها استدعى شاه رخ قرايلك، وأمره بقتال اسكندر، فكان ما حكيناه (١) في السنة الماضية.
ووصل أحمد بن شاه رُخّ نجدةً لقرايُلُك، فلقوا اسكندر على "ميافارقين" (٢)، فقُتل من الفريقين جَمع جم، وانهزم اسكندر إلى بلاد الروم فوصل إلى "آق شهر" (٣)، وكاتب صاحب مصر فقام متوليها بخدمته، ودَلّ عليه أحمد بن شاه رخ فسار في طلبه، فتبعه العسكر فانهزم، ودخل "توقات" (٤) من بلاد الروم، فأرسل صاحبها يستأذن ملك الروم: مراد بن محمد بن عثمان في أمْره، فأرسل له هديةً بما قيمته عشرة آلاف دينار وأمره بإكرامه، فإلى أن يصل إليه ذلك جرى على عادته من الفساد والنّهب، فشق ذلك على متولى "توقات" وراسل صاحبه فأمر بردّ الهدية وإخراج اسكندر من بلاده، فسار إلى جهة البلاد الفُراتية، وراسل شاه رُخ ملوك الروم وجهّز لهم خِلعًا، وأمرهم بطرد اسكندر وتمليك ابنه أحمد بن شاه رخ مُلْكَ الروم، وتزوّج بنت قَرَايُلُك. ولما وصل الخبر للسلطان شرع في التجهيز للسفر وعَرْض أجناد الحلقة.
* * *
وفى الثالث من شهر ربيع الأول خُلع على شرف الدين أبي بكر بن سليمان الحلبي - سبط ابن العجمي- كبير الموقعين ونائب كاتب السر بحلب -بكتابة السر بحلب، وقرّر ولده مكانه فى جهاته، وهو معين الدين عبد اللطيف (٥)، وجهّز إلى كاتب السرّ بها زين الدين
стр. 1666
عمر بن السّفاح، لأن كاتب السر ابن السفاح بحلب كتبَ يحذّر من غائلة قرقماس، فراسل يطلب الحضور، وصادف توجّه النّجاب بطلبه فسبق قاصدُه فعرف السلطان براءته مما رُمى به، وأذن له فى المجيء، وضيق على ابن السفاح وعزله من كتابة السرّ، وأمره بالقدوم ثم شُفِعَ فيه أن يستمر بطّالًا. وتوجه شرف الدين، واتفق قدوم قرقماس على الهجن في أربعة عشر يوما في سادس ربيع الأول، فلما قدم أكرمه.
وفي صبيحة وصوله خُلعٍ عليه أمير سلاح عوض جقمق، وخلع على إينال الجكمي الأمير الكبير بنيابة حلب، وعُيِّن جقمق -الذي كان أمير سلاح- فى وظيفته وعوتب قرقماس بأنه راسل جانى بك الصوفى فتنصّل، وكان ما سيأتى.
ثم سافر إينال الجكمي وشرف الدين [أبو بكر بن سليمان] (١) في الرابع عشر من شهر ربيع الأول إلى مدينة حلب، وخُلع على جقمق بما كان الجكمى فيه قبل ذلك، وخلع عليه أيضا بنظر المارستان فى السادس عشر منه.
والعجب أنه (٢) بعد ثلاث سنين ولى السلطنة فى هذا الشهر وحضر المولد السلطاني في الثالث عشر منه، وجلس رأسَ الميمنة، وجلس قرقماس رأس الميسرة، ثم جاء ولد السلطان فجلس فوقه، وكان السرور طافحا على وجه جقمق، وقرقماس مكتئب.
* * *
وفي حادى عشر ربيع الآخر وصل الخبر بموت قَصْروه نائب الشام فقُرر مكانه إينال الجكمى الذى توجّه قريبا إلى حلب، وتوجه القاصد إليه بنقله من حلب إلى دمشق، وقُرّر تغْرِى بَرْمُش أمير آخور التركماني نائبا بحلب، فسار في أول الشهر إلى جهة حلب، وخرج في تجمل زائد، وقرر عوضه جانم -أخو السلطان الأشرف من أمه- أمير آخور. وخلع عليه في سابع جمادى الأولى أيضا وأمّرَ تَغْرى بَرْدى المؤذى تقدمة.
وورد كتاب صاحب حصن كيفا يخبر فيه بمنازلة شاه رخ تبريز، وإذعان اسكندر بن قرايوسف له، ثم ظهر أن اسكندر انكسر ودخل شاه رخ تبريز، ونزل من قراباغ (٣) ليُشَتّى
стр. 1667
فيها، وأرسل عسكرًا مع ولده ابراهيم يتبع اسكندر، فدخل اسكندر بلاد صاحب مصر واستأذنه في الإقامة بها، وجاءت رُسُله، فأجابه الأشرف [بَرْسْباي] لذلك، وأرسل إليه هدية، وآثره بجملة من المال.
* * *
وورد كتاب نائب مَلَطْيَة يخبر فيه بإمساك جاني بك الصوفى، وتاريخه ثامن عشر شهر ربيع الأول، ثم أحْضِرَتْ رأس عثمان بك قَرَايُلُك وولده وعُلّقَتَا بباب زويلة، وكان وقع بينه وبين قوم آخرين من التركمان حرب فسقط عن فرسه في المعركة فلم يَشْعر به إلّا بعد يومين فعُرِف، وكوتب السلطان فأمر بإحضار رأسه، وشَرَح نائبُ ملطية أمورًا، فأرْسِلت إليه هدية، وأمّر.
ووصل قاصد من "ذُلْغَادِر" يخبر بإمساك جاني بك. ووصل جمال الدين يوسف بن عبد الله الكَرَكي قريب ابن الكُويْز الذي كان ولي كتابة السر بعد موته (١) قَدْر نصف سنة ختام سنةِ ستٍ وعشرين وأوائل سنة سبع وعشرين، ثم صُرِف، ثم أعيد مدة فوصل مطلوبًا في أول يوم من شهر ربيع الآخر فَتوعَك واستمر إلى أن خُلع عليه السبت سادس جمادى الأولى بكتابة سرّ الشام، وصُرِف عن نظر الجيش فاستقر فيه بهاء الدين بن حجّى، وكان وليها مدّةً قبل هذه.
* * *
وفي أواخر شهر ربيع الآخر غلا سعر القمح فتزايد، وقَلَّ الخبزُ من الحوانيت فضجَّتِ العامَّة فأمَر السلطان بفتح الشون والبيع منها فمشى الحال قليلا، وتزايد السعر إلى أن بلغ القمح أربعمائة، والفولُ مائتين، والشعير مائةً وسبعين، وسكن الحال بوجود ذلك، وبيع الرغيف الذى زنته نصف رطل بدرهم، ونصفُ قنطار من الدقيق -ويسمى عندهم بطة- بثمانية وعشرة، وهذا كله والريّ قد شمل الأرض قبليها وبحريها، فكيف لو كان فيه تقصير!! اللهم (٢) الطف بعبادك يارب العالمين.
وفيها قبض على جانبك (٣) الصوفى، وقد تقدّم ذكر ظهوره في السنة الماضية فأتفق أنه توجه هو وقَرْمش الأعور وابنُ سَلَامُشْ وابن قُطْلُبَك إلى محمد بن قَرَايَلُك فقواهم فنازلوا قلعة
стр. 1668
"دوركي" ونهبوا ما حولها، ثم توجّه محمد إلى أبيه بأمر شاه رخ لقتال اسكندر، وتوجه جَانبك ومن معه إلى ملطية فحصروها، فأظهر له [سليمان بن ناصر الدين بن ذُلْغَادِر] (١) أنه معه، فكتب إليه أن يقدم عليه فقدم في مائة وخمسين فارسا فتلقّاه جانبك الصوفى فأظهر له المناصحة حتى اطمأن إليه، ثم غدر به وقبض عليه، وتوجه به ليلًا حتى دخل الأُبلسْتَيْن، وكتب إلى نائب حلب يعلمه بأنه قبض عليه في سابع عشر ربيع الأول، ويريد نقله في مقابلة خمسة آلاف دينار، فجهّز نائب حلب كتابه إلى السلطان بمصر، وجهّز ناصر الدين ولده سليمان إلى صاحب مصر للإعلام بذلك وبخبر جَانِبَك ليتخذ عنده يدًا بذلك كي يطلق ولده فياضا، ولم يكن بلغه إطلاقه، وفى غضون ذلك وصلَتْ خديجة وابنها فياض.
وأرسل جانبك كتابًا إلى بَلبان نائب "دَرَنْدَة" يستميله فقبض على قاصده وسجنه، وأرسل كتابه إلى الأشرف، فتحقق غدْر ابن ذُلْغَادِر، ووقع الإرجاف بأمر جانبك، وكثر القال والقيل ولاسيما مِمَّن يتعصب له، وكان ناصر الدين قبل ذلك نازَلَه تَغْرِى بَرْمَش نائب حلب ففرّ منه، فأمر أهل الأبلستين بالرحيل منها وأحرقها، ونهب العسكر من بقى بها، فكانت غيبته خمسين يومًا.
* * *
وفى شوال رجع رخ إلى الشرق، واستناب بتبريز "شاه جهان" وأنعم عليه بجميع نساء اسكندر بن قرايوسف، ووجد مع جانبك -بعد القبض عليه- كتاب شاه رخ يحرّضه على أخْذ البلاد الشامية، ويعده بأنّه يرسل إليه ولده أحمد نجدةً بالعساكر، فقلق صاحب مصر من ذلك، وكتب إلى نواب الشام بالاستعداد
وفى ربيع الآخر نودى بعرْض أجناد الحلقة فعُرِضوا على السلطان فقال: "اخرُجوا كلكم، من قدر على فرسٍ ركب فرسا، ومن قَدَر على حمار ركب على حمار".
* * *
وفي سابع عشره ورد الأمير شاهين الأيْدَكارى وصُحْبته قُصّادُ إسكندر بن قَرا يوسف، ومعهم رأس قَرَايُلك ورأسا ولديْه، فأمر السلطان بالرؤوس فَطِيف بها، وازّينَت القاهرة، وعلقت الرءوس على باب زويلة، وحُمِل إلى إسكندر مال.
стр. 1669
وفى سابع عشريه تجهَز شادِى بَك رأس نَوْبة بمال وفرسٍ وسرج ذهب وكُنْبُوش زركش إلى ناصر الدين بن ذُلغادر وولده سليمان ليتسلما جَانِبك الصوفى، فجاء الخبر بأنهما أخذا المال وأطلقا جانبك، فقدم شادى بك فى حادى عشر رجب بذلك، فشق على السلطان وكاتب أهلَ البلاد الشامية ونادى فى العسكر بالتجهيز للسفر، وكاتب ملك الروم أن يتأهب ليترافق معه إلى قتال شاه رخ، ثم جهز السلطانُ جماعةً من الأمراء وهم: الأتابك جقمق -الذي ولى السلطنة بعده- والدويدار أرْكَماس، والحاجب الكبير يشبك، ونائب القلعة تنبك وتغرى بردى البكْلَمشى، وقراقجا -الذي صار أمير آخور- وتغرى بردى (١) الذي صار دويدارا كبيرا وخجاسودون، وألف فارس من مماليكه، وألف فارس من جند الحلقة، وأنفق فيهم سبعة عشر ألف دينار، وتوجهوا إلى حلب فالتقوا بأميرها تغرى برمش، وساروا جميعا، وقبض على مملوك لابن ذُلغادر توجه ليكشف حال أهل حلب، فدلهم على جانبك وأنه مقيم بالأبلستين، فتوجهوا إليها، ففر منهم جانبك، واقتحموا البلد فاحتملوا ونهبوا ما فيها، وعادوا إلى حلب وتخلف عنهم خجا سودون بعينتاب، فاجتمع جانبك ومن معه على أن يكبسوه، فلاقاهم، فوقعت بينهم محاربة شديدة انجلت عن أخذ قرمش الأعور وجماعة معه، وفر جانبك، وسجن قرمش ومن أسر معد بقلعة حلب ثم جهزت رأس قرمش بعد قتله إلى القاهرة.
وفى رابع عشر من رمضان قدم "أسلماس بن كبك" التركماني إلى القاهرة مراغما لجانبك الصوفى، فأكرمه السلطان وخلع عليه، وجهز إلى بلاده وقرر شاد بك في نيابة الرها عوضا عن إينال الأجرود (٢) وأمر بإحضار إينال.
* * *
وفي هذه السنة أكثر السلطان من النزول إلى الصيد ونزل غير مرة إلى الضواحي ومنها إلى جامع عمرو فصلى ركعتين، وإلى خليج الزعفران مرة، وغير ذلك.
وفى ثالث عشر ربيع الآخر رسم بعقد مجلس للقضاة ليتشاوروا في جمع المال لقتال اللنكي (٣) ثم أعفوا من ذلك. وأشار السلطان بأن من ينتسب إلى الغنى يجهز ما يقدر عليه من المقاتلة، وقرر على القاضي الشافعى خمسة عشر، وعلى الحنفى عشرة، ونحو ذلك.
стр. 1670
وفى أواخر ربيع الآخر شاع أن شاه رخ قاصدٌ البلاد الشامية، فنودي في أجناد الحلقة بالعرض، فعرضوا عند الدويدار الكبير، فحصل لهم مشقات كبيرة، وخصوصًا لصعاليكهم واستمر التشديد عليهم.
* * *
وفيه خلع على ولى الدين محمد بن تقى الدين بن قاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن عبد القادر الشيشيني (١) نزيل المحلة ونديم السلطان بنظر الحرمين عوضًا عن سودون المحمدى، وبشيخ الخدام بالمدينة عوضًا عن بشير التميمي، وخلع على الصاحب كريم الدين بن تاج الدين كاتب المناخ بالنظر على الكارم بجدة، وشرع في التجهيز صحبة ابن قاسم، وخُلع على يَلْحَجا بشادِّية جدة عوضا عن نكار، وخرجوا وصحبتهم جماعة لقصد العمرة والمجاورة -وهو الركب الرجبي- في نحو أربعمائة جمل، وساروا في يوم الثلاثاء رابع عشر جمادى الآخرة، ووصل نكار إلى القاهرة محتفظا به، ويقال إنه أهين وصودر على مال، وكان نُكار المذكور توجه إلى جدة فلم ينجح كما نجح من قبله، فسخط عليه لسوء تصرفه.
* * *
وفي جمادى الأولى وصل الخبر من "أقْطُوه" الذى كان توجه رسولًا إلى شاه رخ بأنه وصل إلى حلب وصحبته رسل من شاه رخ، فأجيب بالإذن لهم في المجيء، فلما كان في جمادى الآخرة وصل أقْطُوَه سالما كما سيأتى.
* * *
وفى ذى الحجة وصلت هدية ملك بنجالة إلى السلطان فغرقت المركب، وقام الصاحب كريم الدين ومن معه إلى أن استخرجوا الشاشات من البحر وأصلحوها وجهزوها، وفات ما عدا ذلك.
стр. 1671
وكان أصلها أن السلطان جهز هدية إلى ملك بنجالة (١) فمات فأرسل ولدُه أحمد أبو المظفر جواب الهدية بتحف كثيرة، فاتفق أن الريح ألقتهم بجزيرة قرب "ذيبة" (٢) فمات الطواشي الذي من جهة السلطان، فاحتاط أصحاب "ذيبة" على موجوده وترك الهدية، فوصلت إلى جدة فغرقت دون ذلك، فبلغ السلطان فشق عليه وأمر بالقبض على كلّ من وصل مكة من بنجالة، فقبض عليهم وعلى أموالهم حتى افتكوها بغرامة ما فسد من الهدية.
* * *
ودخل فصل الشتاء فى يوم الاربعاء (٣) السابع عشر من كيهك وقد اشتد البرد بالديار المصرية جدًا كأشد ما عهد في وسط الشتاء، وكان ذلك فى الثالث والعشرين من جمادى الأولى، وكان ابتداءً شدة البرد في يوم العشرين منه قبل انفصال الشمس عن القوْس بثلاثة أيام.
وتزايد البرد مع عدم الهواء والسحب وما جرت به العادة فى الشتاء بمصر، بل الهواء غير مزعج الهبوب مع شدة برده، فأكثر ما تهب من جهة المشرق عن يسار القبلة.
وفي الحادى والعشرين من كيهك صار الماء الذى فى البرك وبقايا الخلجان جليدا فجمع منه شيء كثير جدا بحيث صار أصحاب المزابل يجمعونه فيبيعونه، والناس يسارعون إلى شرائه والتناول منه، ويظنون أنه من جملة الثلج، وكثر ذلك جدا بحيث لم نسمع بنظير ذلك في هذه الأعصار.
وكان الأمر فى العام الماضى -مثل هذه الأيام- بالعكس من استمرار الحر وعدم البرد ألبتة، فسبحان من له الملك.
* * *
стр. 1672
وفى السادس عشر صُرِف خليل نائب الاسكندرية من الإمرة والنظر، وذكر لنا خليل بن شاهين المذكور أنه فى ولايته أبطل ما كان مقررًا على الباعة لجهة الحسبة، وهو في كل شهر ثلاثون ألفًا تُحمل لديوان النيابة، ونقش ذلك في رخامات جعلت على أبواب البلد، وأنه وجد ابن الصُّغَيّر (١) -الناظر على الثغر- أخذ ما بالمجانيق التي بقاعة السلاح من الرصاص فعمر به حماما له، فطالع بذلك السلطان فأمر بانتزاعه منه فانتزع، وعمر المجانيق كما كانت، وجدّد بها واحدًا كبيرًا ووضعه على برج يقال له "الضرغام"، ووصف [خليل] لنا ما بالقاعة من العدد فكان شيئا كثيرا وأمرًا مهولا حتى قيل إنه في بعض الكائنات احتيج إلى أخذ درق منها فأخرجت منها خمسة آلاف فلم يؤثر في كثرتها.
* * *
وفى العشرين منه استقر "سرور المغربي" ناظرًا وقاضيًا بالثغر، ولبس الخلعة بذلك، وبلغني أنه عوتب فقال: "ان الجمع بينهما جائز، لأن الذي ينظر عليه ليس مكسا بل هو زكاة أموال من المسلمين، وما يؤخذ من الكفار فليس بمكس"، ثم بعد يوم أهين وضرب على ما بلغني، وقرر اقباى اليشبكي الدويدار فى إمرة الاسكندرية، ثم قرر خليل المذكور في نظر دار الضرب بالقاهرة عوضًا عن ابن قاسم، وكان قد استناب فيها أخاه، فصُرِف.
* * *
وفى يوم الثلاثاء يوم سابع عشرى جمادى الآخرة منها، أو فى شهر رجب، وصل "أقطوه" الدويدار الذى كان رسولًا (٢) إلى شاه رخ بن تمرلنك، وصبحته رُسل منه، فاجتمع بالسلطان في يومه، ثم وصل الرسلُ يوم الأربعاء وأنزلوا بالقاهرة، ثم أخذ منهم الكتاب فقرئ وفيه إنكار لما يصنع بمكة من أخذ المكوس، والتحذير من أمر اسكندر بن قرا يوسف، والإذن له فى دخول هذه البلاد، وأن يخطب له بمصر وتضرب السكة باسمه، والتغليظ فى ذلك والتهديد، وصحبة الرسول خلعة بنيابة مصر وتاج، ثم راسله القاصد بأن كلامًا مشافهة، فأحضر في يوم السبت فأدّاه، فأمر بضربه وضرب رفيقه، فضربا ضربا مبرحا وغُمسا فى ماء البركة في شدة البرد بكل ثيابهما حتى كادا أن يهلكا غما، ثم أمر بإخراجهما فأعيدا إلى المكان الذى أنزلا فيه، ثم أمر بنفيهما إلى مكة فى البحر فحجا وتوجها إلى العراق.
* * *
стр. 1673
وعزم السلطان على السفر إلى البلاد الحلبية بالعساكر، وكاتب الأشرفُ ابنَ عثمان أن يكونا عونا على شاه رخ، وجهز المراسم إلى بلاد الشام بتجهيز الإقامات، وكتب إلى جميع المدن الكبار بتجهيز العساكر واستخدام جند من كل بلد، والله يختم بخير.
وفيه أدير المحمل على خلاف العادة، لكن أمر مشايخ الخوانق أن يركبوا في صوفيتهم بغير رمّاحة، وأن يلاقوا المحمل من الجامع الجديد إلى الرُّمَيْلة، ويرجع القضاة من هناك.
* * *
وفيها وقعت بقُرب عسفان (١) بين سرية لأمير مكة وبين بعض العرب حرب، فتحيَّل عليهم العرب وأظهروا الهزيمة ثم رجعوا عليهم وقتلوا منهم مقتلة وانهزم مَنْ بقى. ومِمّن قُتل الشريف ميلب (٢) بن على بن مبارك بن رُميثة، وغنموا منهم اثنين وثلاثين فرسًا وجملةً من السلاح.
* * *
وفى يوم الخميس السابع من شهر رجب استقر شيخ الشيوخ محب الدين محمد بن الشيخ شرف الدين عثمان المعروف بابن الأشقر في كتابة السر الشريف عوضا عن القاضي كمال الدين بن البارزي، واستقر شهاب الدين أحمد في مشيخة الشيوخ بسرياقوس عوضا عن والده وباشر، وهرع الناس للسلام عليه فركب هو مسرعا فطاف على كبراء الدولة فسلم عليهم ورجع ونظر في الأمور، ورجع من سلّم عليه يتوجّع للمنفصل على العادة.
* * *
وفي رمضان نُقل قانصوه إلى دمشق بتقدمة ألف عوضا عن جانبك المؤيدى لموته، ونقل حسن ناظر القدس على إمرة قانصوه بدمشق.
وفي جمادى الآخرة صُرِف أمين الدين القسطلاني عن قضاء المالكية بمكة، وأعيد أبو عبد الله النويري.
* * *
стр. 1674
وفى رجب أوقع تغرى برمش نائب حلب بالتركمان بمدينة مَرْعش (١) فقتل منهم جماعة، وأسر جماعة، وغنم منهم غنيمة كبيرة ثم رجع إلى حلب سالما.
وفيها فى الخامس من جمادى الآخرة استقر جمال الدين بن الصفتي الكركى كاتب سرّ دمشق عوضا عن يحيى بن المدنى بحكم عزله، واستقر بهاء الدين بن حجّي في نظر الجيش عوضا عن جمال الدين، واستقر الشريف بدر الدين محمد بن على الدين محمد بن على بن أحمد الجندى (٢) في قضاء الحنفية بدمشق عوضا عن الشريف [عبد الرحمن بن الدخان] (٣).
وفيها نازل إسكندر بن قرا يوسف أرْزَن الروم (٤) فأخذها وفرّ منه قَرَايَلُك إلى أمدثم بعد ليلة إلى أرفنين (٥).
* * *
وفيها وقع بين طوائف من الافرنج حروب هائلة وأنجَد المنتصر صاحب تونس بعض الطوائف وكانت أمه منهم، وكانت النصرة لهم على الباقين.
وفيها حاصر العرب مدينة تونس، وكان المنتصر ضيق عليهم ومنعهم من دخول تونس فأنتهى إليهم ابن عمه زكريا بن محمد ابن أبي العباس، وأمه بنت أبي فارس، وكان المنتصر مريضا، فأنجد عثمان -أخو- المنتصر أخاه، وكانت بينهم مقتلة عظيمة.
* * *
стр. 1675
وفيها عزل جمال الدين يوسف بن أبي أصَيْبِعة من نظر الجيش بحلب وأضيف لزين الدين بن السفاح كاتب السر.
* * *
وفى ذى الحجة خرجت طائفة من العرب من غزة على مبشّرى الحاج ففتكوا بهم وسلبوهم، فمشوا حتى وقعوا على بعض ذوى الدّرك من جهينة فأووهم وكسوهم وحملوهم إلى القاهرة.
* * *
وحج في هذه السنة أمير ذيبة (١) وبلاد الهند، واسمه حسن بن أبي بكر بن حسن الشهير بابن بدر الدين، ويلقب بالناصر.
* * *
وفيها وقع الوباء ببلاد كِرْمان (٢)، وفشا الطاعون بهراة.، حتى سَمِعْتُ أقْطُوه -الذي كان رسولًا إلى شاه رخ ملك المشرق- يقول إنه سمع وهو عند شاه رخ أن عدة من مات بهراة ثمانمائة ألف.
وتوجه شاه رخ فى جمع عظيم لقتال إسكندر بن قرايوسف، والسبب في ذلك أن إسكندر كان نازلا على قلعة شماخى (٣) من بلد شيْروان، وقاتل صاحبها خليل بن ابراهيم الدربندي (٤) مدة، فاغتنم خليل غيبة إسكندر فى الصيد فهجم على عسكره فقتل منه ناسا، وأسر ولد إسكندر وابنته وزوجته، فبعث بالإبن إلى شاه رخ فسيَّره إلى سمرقند، وأوقف خليلُ بنت اسكندر وزوجته فى الخرابات مع البغايا، فلما عاد اسكندر غلب على "شماخي"
стр. 1676
حتى خرّبها ونهب ما بها من الأموال، وأفحش فى القتل والسبى، فهرب خليل واستنجد بشاه رخ فخرج فى نصرته، وظفر اسكندر ببنت خليل وامرأته فوقفها في البغايا وألزم كل واحدة منهما أنْ تمكن خمسين رجلًا يزنون بها، جزاء بما فعل معه خليل.
وكان خروج رخ في ربيع الأول فنزل على قزوين فى رجب، وأمر فيروز شاه أمير الأتراك أن ينزل ويتوجه إلى البلاد ما بين قزوين إلى السلطانية (١) إلى تبريز وسائر العراقين، وينادي بعمارة ما خرب من البلاد، وزراعة ما تعطل من الأرض وغرس البساتين، وحط الخراج عمن زرع إلى خمس سنين، وإعانة الزراع والفلاحين بالبذور والمال، فلما بلغ أصبهان بن قرا يوسف خبره راسل شار رخ بأنه في طاعته فكف عنه، ثم أرسل شاه رخ ولده أحمد إلى ديار بكر (٢) فى ذى الحجة، وأقام على قراباغ (٣) وجد في عمارة تبريز وأظهر العدل، إلى أن كان ما سنذكره في السنة المقبلة.
* * *
وفى هذا الشهر نزلت الشمس برج الحمل في يوم الأحد ثالث عشرى شعبان في النصف من برمهات من أشهر القبط، وانقضى فصل الشتاء والبرد أشدّ مِمَّا كان حتى كان كنحو الذي كان في طوبة من أشهر القبط، وهو كانون من أشهر الروم، ثم بعد ثلاثة أيام هجم الحر دفعةً واحدةً، فدام على ذلك سبعة أيام، ثم عاد البردُ على حاله واستمر في رمضان، إلّا أنه فى العشر الأخير منه تناقص ووقع بعضُ الحرّ.
وفى يوم الخميس سادس عشري شعبان برز الأمراء -المقدمة العسكر المجردين إلى حلب- إلى الريدانية، وخرج آخرهم يوم الجمعة. وهم سبعة أمراء فيهم: الأتابك والدويدار الكبير والحاجب الكبير، فتوجهوا، فلما استهل شهر رمضان أشيع خروج بقية العسكر مع السلطات، ثم فتر العزم.
стр. 1677
وفى شهر رجب اجتمعت طائفة من عرب بني حرب ومنازلهم حول عُسْفان بعد أن كانوا متفرقين في أعمال [الحجاز] (١)، فنبهوا غنما لبعض أهل مكة فقبض ابن عجلان على الغنم وردها لأصحابها وأنكر عليهم، فاعتذروا بأنهم اتفقوا مع والده حسن بن عجلان أن لا حَرَج عليهم من قبله فيما يفعلونه فى غير الحرم، فأنكر ذلك وأمر بالغارة عليهم، فخرج إليهم طائفة من أهل مكة فيهم أخوه على بن حسن ووزيره شكر (٢) وميلب بن على بن مبارك بن رُمَيْثَة، وخرج أرنبغا مقدّم المماليك المقيمين بمكة من قبل سلطان مصر ومعه عشرون مملوكا -وذلك فى الثالث عشر من شهر رجب- فأوقعوا بهم فقتلوا منهم طائفةً وانهزم الباقون، واستاقوا إبلا كثيرة. واشتغل من غلب بالنهب فكمن لهم بعض من انهزم في مضيق فأخذوهم على غرة فقُتِل مَيْلَب وفرّ أرَنبغا، وقتل من أهل مكة نحو الثلاثين، ومن الترك ثمانية أنفس ونهب جميع ما معهم، ودخلوا مكة فى أسوأ حال وفاز العرب بالغنيمة وتوجهوا إلى بلادهم فصادفهم وصول الوزير ولى الدين بن قاسم ويلخجا الذي استقر شادًا على البهار بجدة، فبلغهم طرف من القصة فأخذوا حذرهم، فمروا بمكان الوقعة. ودفنوا بعض القتلى. وتوجهوا خائفين فلم يلقوا أحدًا ودخلوا مكة سالمين في أول يوم من شعبان، فتوجه أرنبغا ومن بقى معه الترك إلى القاهرة فدخلوا فى أوائل العشر الثاني من شهر رمضان وذكروا أنه وصل إلى مكة ناس من التجار ومعهم بضائع من قبل شاه رخ بن اللنك أمر ببيعها بمكة، وتفرقَةِ ثمنها صدقه على من عينه من أهل مكة، وذكروا أن المتكلم على البضائع من قبل سلطان مصر أساء عشرتهم وأخذ منهم عُشور ما معهم، وكاتب السلطان يستأذنه في تمكينهم من بيع ما أحضروه ومن تفرقته.
* * *
وفي السابع من شهر رمضان قُرر خليل -الذي كان نائب الاسكندرية- في الوزارة، وصرُف تاج الدين بن الخطير، وكان قد أظهر العجز، فاتفق أن لحم المماليك الأجلاب تأخر فرجموه (٣)، فسعى فى الاستعفاء، فأناط (٤) السلطان الأمر بناظر الجيش فتروى في الأمر، ثم قرر هذا فباشر دون الشهر، ثم عجز وقصر فَتَغَيَّظ السلطان، فتلافي ناظرُ الجيش الأمر
стр. 1678
وآل الأمرُ إلى أن صُرف خليل عن الوزارة، وتكلم ناظرُ الجيش في ذلك إلى أن يصل كريم الدين من جدة، وأَقام ناظر الدولة يَتَصرّف ويراجعه، واستمر الحال إلى أن قدم كَرِيمُ الدين.
واستهلّ شوال يوم الأربعاء فَلَبِس السلطان الأبيض وذلك قبل العادة القديمة بأسبوعين، فإنّ العادة جرت أن يكون ذلك في ثامن بَشَنْس، فوقع هذا في الثالث والعشرين من بَرمُودَة.
* * *
وفي ليلة السبت ثاني ذي القعدة ولد على بن محمد بن كاتبه، أنشأه الله صالحًا في دينه ودنياه، وأمطرت [السماء] في صبيحة هذا اليوم بعد طلوع الشمس واستمرّتْ طول النهار أحيانا، وذلك في رابع عِشْرِى بشنس، وكان تقدَّم ذلك سموم حارة في معظم النهار في الجمعة التي قبلها وفى اللّيَل، وأضرُّ ذلك بكثير من الخضروات.
وفيه نودى بمنع ضرب أوانى الفضة وآلاتها، وشُدّد على من يحمل الدراهم المضروبة إلى الحجاز، لأنّ التجار يستفيدون منها لرغبة الهنود فى الفضّة، فلذلك قلَّت بأيدى الناس ..
وفيه استقرّ شمس الدين الصفدى فى قضاء الحنفية بدمشق على مال يحمله، وكان قدم القاهرة ليخفف عنه فزيد عليه.
* * *
وفي ليلة السبت خامس عشرى الشهر هبّ هواء بارد بحيث عاود الناسُ لِبْس الصوف وخصوصًا في الليل وفى أوائل النهار، وذلك عند انفصال فصل الرّبيع ودخول فصلْ الصّيف.
* * *
واستهلّ شهر ذي الحجة بالسبت وكنّا تراءيناه فَتَعَسَّرت رُؤيته، ثم ثبت في اليوم الثاني.
وفى يوم الخميس سادس ذى الحجة نودى على البحر، وكانت القاعدة ستة أذرع وستة عشر إصبعًا.
وفيها وصل حمزة بن على باك بن ذُلْغادِر، فوقف بين يدى السلطان فقُبض عليه وسُجِن.
стр. 1679
وفيها وقعت بين خَجَا سُودُون ومَن معه من جيش حلب وبين قرمش ومن معه من أتباع جانِبَك الصوفى بَعْينتَاب وقعة كبيرة أمْسِك فيها قُرمُش وجماعة مِمَّن فرّ إلى جَانِبكَ، وسُرُّ السلطان بذلك لمّا وصل إليه الخبر (١).
* * *
وفيها -على ما قرأت بخط الشيخ تقيّ الدين المقريزي- أنّه بلغه في مجاورته بمكة هذه السنة أن "أندراس" الحطّى -صاحب مملكة الحبش الكفرة- مات في الطاعون العظيم الذي وقع في بلاد الحبشة، حتى مات بسببه من لا يُحْصى من المسلمين والنصارى، وأقيم بعده ولدُ له صغير، فغزاهم شهاب الدين أحمد الملقّب بدلاى ملك المسلمين بالحبشة. فغنم وسبي وفتح عدّة قرى، واستنقذ "البالى" وهي بلدة من بلاد المسلمين كان العدوّ غلب عليها، فأنزل بها ألف بيتٍ من المسلمين، وأقام أخاه خير الدين في بلد "رَكْلَة" ونشر العدْل وأمِنَت الطريق في زمانه، ولله الحمد.
* * *
وفى هذه السنة فشا الوباءُ فى بلاد اليمن: سَهْلهِا وجبلها إلى صَعْدة وصنعاء، وفى مقابلها من بلاد بَرْبَر والحبشة والزنج.
* * *
ذكر من مات في سنة تسع وثلاثين وثمانمائة من الأعيان
١ - إبراهيم أمير زاه بن شاه رُخ صاحب شِيراز (٢) وكان قد ملك البصرة، وكان ابراهيم فاضلًا حسن الخطّ جدًّا، مات في رمضان.
٢ - أحمد بن شاه رُخ ملك الشرق، مات في شعبان بعد أن رجع من بلاد الجزيرة ثم
стр. 1680
بلاد الروم، فحزن عليه أبوه، واتفق أنه مات له فى هذه السنة ثلاثة أولاد كانوا مُلُوكَ الشرق بشيراز وكرمان، وهذا كان من أشدهم ويقال له أحمد جوكى (١).
٣ - أحمد بن عبد العزيز السبكي ثم الشيرازى، الشيخ همام الدين، قرأ على الشريف الجرجاني "المصباح في شرح المفتاح" وقدم مكة فنزل فى رباط رامشت (٢)، فأتفق أنه كان يقرئ في بيته، فسقط بهم البيت إلى طبقة سفلى، فلم يُصَبْ أحدُ منهم بشيء وخرجوا يمشون، فلما برزوا سقط السقف الذي كان فوقهم.
وكان حسن التقرير قليلَ التكلَف، مع لطف العبارة، وكثرة الورع، عارفًا بالسلوك على طريق كبار الصّوفية، وكان يَحذّر من مقالة ابن عربي وينفِّرُ عنها. مات في خامس عشرى رمضان.
٤ - أحمد بن محمد بن على بن إسماعيل بن علي بن محمد بن محمد بن الزّاهدي، المعمر العابد، شهاب الدين خادم ضريح الشيخ رسلان بدمشق، ذكر أنه ولد سنة ٧٣٧ وأنه سمع من زينب بنت الكمال وغيرها، فقرءوا عليه بإجازتها، ولم يظهر له سماع، ومات في تاسع جمادى الأولى وله مائةُ سنةٍ وسنتان (٣).
٥ - إسماعيل (٤) بن عبد الخالق الأسيوطى، مجد الدّين، كان وقورا ملازما حانوت الشهود، قليلُ الشر، وله سماع وحضور وإجازة من ابن عبد الرحمن بن القارئ، مات في ثاني المحرم.
стр. 1681
٦ - أبوبكر (١) بن محمد بن على الخوافى -وخواف (٢) من قرى خراسان بالقرب من هراة- الهروى العجمى شيخُ العصر زينُ الدّين، كان أحد أفراد زمانه (٣)، مات في يوم الخميس الثالث من رمضان بهراة فى الوباء، ويقال إنه لا يُعرَف أعجمي يُسمّى أبا بكر أو عمر.
٧ - باي سنقر (٤) بن شاه رخ صاحب كرمان، مات فى ذى الحجة. وكان وليّ عهد أبيه وفيه شجاعة موصوفة.
٨ - التاج بن سيفا بن عبد الله الشُوَيْكى (بالشين المعجمة والكاف: مصغر، نسبة إلى الشويكة مكان بظاهر دمشق) المعروف بالتاج الوالى، وقديمًا كان يعاني خدمةَ الأكابر في الحاجة، وذكر لى أنه كان يخدم شهاب الدين بن الجابى بدمشق، وذكر لي مرارًا ما يدل على أنّ مولده كان بعد الخمسين، واتّصل بالملك المؤيد قبل سلطنته بعد أن اتّصل بالأمير ألْطنُبغا القُرْمَشي فخدمه ورَاجَ عليه، فلما استقرّ فى الملك بالقاهرة ولّاه الشرطة فباشرها وفوّض إليه في أثناء ولايته الحسبةَ، فكان فى مباشرته ذلك الغلاء المفرطُ، ثم في آخر الدولة صُرِف عنها واستقر أستادارَ الصحبة، وفى مرض موت المؤيد أعيد، وحصل له في أوائل دولة الأشرف
стр. 1682
انحطاط منزلةٍ وهو مستمر على الولاية، ثم خدم الأشرف فراج عليه أيضًا، واستقر معه - مضافا إلى الولاية- المهمنداريّة، وأستاداريةُ الصحبة، وشاد الدواوين، والحجوبية، ونظر الأوقاف العامة. وغيرُ ذلك.
فامّا الشرطة فكان الذي باشرها عنه أخوه عمر غالبًا، ثم في الآخر صار كالمستبدّ، ثم صُرِف واستقر غيره، ثم صرف وأعيد ابن الطبلاوى، ثم صُرِف ومات وهو على هذه الوظائف كلها.
مات بعلّة عُسْر البول في آخر يوم العشرين من المحرم، وبلغني أنه لقى منه شدائد وكان يعتريه قبل هذا بحيث إنه شَق عليه مرّة فخرجت حصاة كبيرة وأفاق دهرا ثم عاوده، ثم كانت هذه هي القاضية.
وكان حسنَ الفكاهة، ذَرِبَ اللسان لا يبالي بقول، وتُنْقَل عنه كلمات كفر مخلوطة بمجون لا ينطق بها من فى قلبه ذرّة من إيمان، فإن كان (١) ....... مرضا نفعه فإنه كان كثير الصدقة والبرّ المستمرّ، ولم يتعرّض السلطان الماله، وترافع أخوه عمر وزوجته، وقرّر عليها خمسةُ آلاف دينار، ثم أعْفِيَتْ من ذلك باعتناء أهل الدولة.
٩ - جُلبان خَوَنْد الجركسية زوج السلطان ووالدةُ ولده يوسف الذي قُرّر أميرًا كبيرًا وهو مراهق، وكانت من جواريه فأعتقها وتزوّجها وحَظيتْ عنده، وحَجَّت سنة أربع وثلاثين، وكانت في عظمةٍ زائدة مفرطة، وماتت بعلة الصرع فى يوم الخميس ثاني شوال .. وقد أقْدم السلطانُ من أهلها عددًا كبيرًا أحضرهم من بلاد الجركس وأقطعهم وخوّلهم، وخَلَّفَتْ من الأمتعة والأقمشة والملابس والنقد شيئًا كثيرًا جدا، يقال يقرب من سبعين ألف دينار.
١٠ - الحسين، الإمام العلامة المفتى الأمير، ابن أمير المسلمين أبي فارس الحفصي، وكان أخوه لمّا مات في العام الماضى استقر ولده في المملكة، ثم أراد الحسين الثورة فظفر به فقتله، وقتل أخوين له، وعَمَّتِ المصيبة بقتل الحسين، وكان فاضلا مناظرًا ذكيًا، ذكر لى ذلك صاحبنا الشيخ عبد الرحمن البرشكي، رحمة الله تعالى.
١١ - خُشْ قَدَم (٢) الخصيّ الظاهرى -كان خازندارَ السلطان ثم صُرِف عنها. واستقرّ زماما إلى أن مات، وخلّف مالًا جزيلًا يقال يقارب مائةً ألفِ دينار، منه غلال مخزونة قُوِّمَتْ
стр. 1683
بستة عشر ألف دينار. وصار للسلطان من تركته مالُ كبير، وكذا من تركة خوند زَوْجِ يَلْبُغَا النّاصري، وقيل وصل ثمنها قدر عشرين ألف دينار، وكان مرضه بالقولنج، في أوائل السنة، فتعافى ثم انتكس مرارًا إلى أن مات، وكان شهما يحبّ الصيد، وفيه عصبيّة، وخُلقُه سيء إلى الغاية.
واتّفق أنه كان أنشأ مكانًا بالقرب من الأخفافيين (١) ليجعله مدرسةً وعجَّل ببناء صهريج، وابتدأ فى عمل سبيل لسفّى الماء، فكمل في مدة ضَعْفِهِ، وجرت لشمس الدين الرازي بسبب إثبات وقفية داره فى مرض موته إهانة من جهة السلطان، واستقر جوهر اللّالا زمّاما بعد موت خشقدم مضافًا لوظيفته.
١٢ - سعد بن محمد بن جابر العجلوني ثم الأزهرى الشيخ سعد الدين بن شمس الدين بن زين الدين، أحدُ من كان يُعتقد بالقاهرة (٢). مات في شوال وقد قارب الثمانين (٣). وكان خيرًا دَيِّنًا سليم الباطن، (٤) يحفظ القرآن، ويلازم الذكر والعبادة، ولكثير من الناس فيه اعتقاد، وتُذْكر عنه كرامات، وكانت بيده إمامةُ المدرسة الطيبرسية (٥) المجاورة للجامع الأزهر.
١٣ - صالح بن محمد بن موسى بن أحمد بن إبراهيم بن على بن عبد الجبار بن تميم بن هرمز بن حاتم بن قصي بن يوسف بن يوشع المغربى الزواوي، الشيخ الصالح، كان خيرًا ذاكرًا لكثير من الفقه، ملازمًا لحضور مجالس العلم، وجاور بالمدينة المشرفة مدة، وحصلت له جذبة، ثم قدم القاهرة وسكن قرية الظاهر بالصحراء، وحَسُنَ ظنّ كثير من الناس فيه، ثم سكن القاهرة وتنزّل بدرس الحديث بالمؤيّدية، ورُتِّبَ له في الجوالى، ودخل في وصايا
стр. 1684
كثيرة، ولكنه لم يُسمع عنه سوء في تصرفه، وكان (١) يصل إليه من سلطان الغرب كل سنة مبلغ. وكان شهمًا يقوم فى الحقّ عند الظلمة ولا يبالي بهم، وذكر أنه سمع من [الشيخ محمد المراكشي] (٢). وأجاز لأولادى.
ومولده تقريبا سنة ستين، رأيْتُ بخطه: "وُلِدت أوائل الستين وسبعمائة"، ومات في ليلة الأربعاء ثامن عشري شهر رجب (٣).
١٤ - عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن الفخر المصرى ثم الدمشقي زين الدين، واسم الفخر محمد بن على، تفقه قليلًا وأسمعه أبوه الكثير من مشايخ عصره، فسمع على الكمال بن حبيب سنن ابن ماجة، وعلَى ابن المحب جزء العالى - أنا الحجار وعشرة الحداد، أنا إبراهيم بن صالح - وعلى الصّلاح ابن أبي عمر بعض مسند عائشة من مسند أحمد، ومات في جمادى الآخرة.
١٥ - عبد الرحمن بن على بن محمد الحلبى الحنفى، الشريف ركن الدين المعروف بالدّخان (٤)، اشتغل بدمشق (٥) وكان مشاركًا في عدة فنون وناب في الحكم مدة، ثم ولى القضاء استقلالًا بغير بذل ولاسعى بعد موت ابن الكشك فحمدت سيرته، وكان ماهرًا في فروع مذهبه. مات في ليلة الأحد ٢٧ من المحرم (٦).
١٦ - عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد العدناني الشهير بالبرشكي (٧)، صاحبنا المحدث الرحال الفاضل زين الدين، أخذ ببلاده عن جماعة، ورحل إلى المشرق قديمًا سنة ست عشرة فحجّ وحمل عن المشايخ، وأجاز له الشيخ برهان الدين الشّامي قديمًا، وكان حسن الأخلاق، لطيف المجالسة، كريم الطباع ﵀.
стр. 1685
وكذا (١) ماتت في هذه السنة زوجته ابنة الفاسي وولده منها.
١٧ - عبد العزيز ابن بدر الدين محمد بن محمّد بن على بن أحمد بن عبد الله بن عمر بن حياة بن قيس، الحراني الأصل، الدمشقى نزيل (٢) .... ، عز الدين أبو العز ويُدْعى محمدا، كان كثير العبادة ملازمًا للصلاة في اللّيل، وله اشتغالُ بالعلم وتصانيف ونظمٌ ونثر، وتُذكر عنه كرامات وكلام فى الرقائق، مات في ١٣ جمادى الأولى.
١٨ - عبد الملك بن على بن أبي المنى البابي نزيل حلب (٣)، ويُعرف بالشيخ عُبَيْد، وُلِد في حدود سنة سبعين (٤)، واشتغل بالفقه والعربية والقرآن، وكان حفظ المنهاج واشتغل على الشيخ بيرو، والقاضي شرف الدين، وشمس الدين النابلسى وكان يشتغل في الجامع الكبير بحلب، وأخذ عنه جمع جمّ، وناب فى الخطابة بالجامع ولم يكن هيّنًا. مات في جمادى الآخرة، وكانت جنازته حافلة جدا، وعاش ستين سنة (٥)، وتقدم في العربية والقراءات، وشغل الناس كثيرًا، وناب في الخطابة والإمامة بالجامع مدة إلى أن مات.
١٩ - عبد المولى بن محمد بن الحسن الخولاني، الإمام وليُّ الدين، ولد بقرينا (٦)، ولازم بتعز الإمام رضى الدين بن الخياط، والإمام جمال الدين محمد بن عمر العوادي، والفقيه أحمد بن عبد الله الحرازى، والفقيه وجيه (٧) الدين عبد الرحمن بن أبي بكر الزوقرى، وقرأ عليهم الفقه،