٦ - أبوبكر (١) بن محمد بن على الخوافى -وخواف (٢) من قرى خراسان بالقرب من هراة- الهروى العجمى شيخُ العصر زينُ الدّين، كان أحد أفراد زمانه (٣)، مات في يوم الخميس الثالث من رمضان بهراة فى الوباء، ويقال إنه لا يُعرَف أعجمي يُسمّى أبا بكر أو عمر.
٧ - باي سنقر (٤) بن شاه رخ صاحب كرمان، مات فى ذى الحجة. وكان وليّ عهد أبيه وفيه شجاعة موصوفة.
٨ - التاج بن سيفا بن عبد الله الشُوَيْكى (بالشين المعجمة والكاف: مصغر، نسبة إلى الشويكة مكان بظاهر دمشق) المعروف بالتاج الوالى، وقديمًا كان يعاني خدمةَ الأكابر في الحاجة، وذكر لى أنه كان يخدم شهاب الدين بن الجابى بدمشق، وذكر لي مرارًا ما يدل على أنّ مولده كان بعد الخمسين، واتّصل بالملك المؤيد قبل سلطنته بعد أن اتّصل بالأمير ألْطنُبغا القُرْمَشي فخدمه ورَاجَ عليه، فلما استقرّ فى الملك بالقاهرة ولّاه الشرطة فباشرها وفوّض إليه في أثناء ولايته الحسبةَ، فكان فى مباشرته ذلك الغلاء المفرطُ، ثم في آخر الدولة صُرِف عنها واستقر أستادارَ الصحبة، وفى مرض موت المؤيد أعيد، وحصل له في أوائل دولة الأشرف
стр. 1682
انحطاط منزلةٍ وهو مستمر على الولاية، ثم خدم الأشرف فراج عليه أيضًا، واستقر معه - مضافا إلى الولاية- المهمنداريّة، وأستاداريةُ الصحبة، وشاد الدواوين، والحجوبية، ونظر الأوقاف العامة. وغيرُ ذلك.
فامّا الشرطة فكان الذي باشرها عنه أخوه عمر غالبًا، ثم في الآخر صار كالمستبدّ، ثم صُرِف واستقر غيره، ثم صرف وأعيد ابن الطبلاوى، ثم صُرِف ومات وهو على هذه الوظائف كلها.
مات بعلّة عُسْر البول في آخر يوم العشرين من المحرم، وبلغني أنه لقى منه شدائد وكان يعتريه قبل هذا بحيث إنه شَق عليه مرّة فخرجت حصاة كبيرة وأفاق دهرا ثم عاوده، ثم كانت هذه هي القاضية.
وكان حسنَ الفكاهة، ذَرِبَ اللسان لا يبالي بقول، وتُنْقَل عنه كلمات كفر مخلوطة بمجون لا ينطق بها من فى قلبه ذرّة من إيمان، فإن كان (١) ....... مرضا نفعه فإنه كان كثير الصدقة والبرّ المستمرّ، ولم يتعرّض السلطان الماله، وترافع أخوه عمر وزوجته، وقرّر عليها خمسةُ آلاف دينار، ثم أعْفِيَتْ من ذلك باعتناء أهل الدولة.
٩ - جُلبان خَوَنْد الجركسية زوج السلطان ووالدةُ ولده يوسف الذي قُرّر أميرًا كبيرًا وهو مراهق، وكانت من جواريه فأعتقها وتزوّجها وحَظيتْ عنده، وحَجَّت سنة أربع وثلاثين، وكانت في عظمةٍ زائدة مفرطة، وماتت بعلة الصرع فى يوم الخميس ثاني شوال .. وقد أقْدم السلطانُ من أهلها عددًا كبيرًا أحضرهم من بلاد الجركس وأقطعهم وخوّلهم، وخَلَّفَتْ من الأمتعة والأقمشة والملابس والنقد شيئًا كثيرًا جدا، يقال يقرب من سبعين ألف دينار.
١٠ - الحسين، الإمام العلامة المفتى الأمير، ابن أمير المسلمين أبي فارس الحفصي، وكان أخوه لمّا مات في العام الماضى استقر ولده في المملكة، ثم أراد الحسين الثورة فظفر به فقتله، وقتل أخوين له، وعَمَّتِ المصيبة بقتل الحسين، وكان فاضلا مناظرًا ذكيًا، ذكر لى ذلك صاحبنا الشيخ عبد الرحمن البرشكي، رحمة الله تعالى.
١١ - خُشْ قَدَم (٢) الخصيّ الظاهرى -كان خازندارَ السلطان ثم صُرِف عنها. واستقرّ زماما إلى أن مات، وخلّف مالًا جزيلًا يقال يقارب مائةً ألفِ دينار، منه غلال مخزونة قُوِّمَتْ
стр. 1683
بستة عشر ألف دينار. وصار للسلطان من تركته مالُ كبير، وكذا من تركة خوند زَوْجِ يَلْبُغَا النّاصري، وقيل وصل ثمنها قدر عشرين ألف دينار، وكان مرضه بالقولنج، في أوائل السنة، فتعافى ثم انتكس مرارًا إلى أن مات، وكان شهما يحبّ الصيد، وفيه عصبيّة، وخُلقُه سيء إلى الغاية.
واتّفق أنه كان أنشأ مكانًا بالقرب من الأخفافيين (١) ليجعله مدرسةً وعجَّل ببناء صهريج، وابتدأ فى عمل سبيل لسفّى الماء، فكمل في مدة ضَعْفِهِ، وجرت لشمس الدين الرازي بسبب إثبات وقفية داره فى مرض موته إهانة من جهة السلطان، واستقر جوهر اللّالا زمّاما بعد موت خشقدم مضافًا لوظيفته.
١٢ - سعد بن محمد بن جابر العجلوني ثم الأزهرى الشيخ سعد الدين بن شمس الدين بن زين الدين، أحدُ من كان يُعتقد بالقاهرة (٢). مات في شوال وقد قارب الثمانين (٣). وكان خيرًا دَيِّنًا سليم الباطن، (٤) يحفظ القرآن، ويلازم الذكر والعبادة، ولكثير من الناس فيه اعتقاد، وتُذْكر عنه كرامات، وكانت بيده إمامةُ المدرسة الطيبرسية (٥) المجاورة للجامع الأزهر.
١٣ - صالح بن محمد بن موسى بن أحمد بن إبراهيم بن على بن عبد الجبار بن تميم بن هرمز بن حاتم بن قصي بن يوسف بن يوشع المغربى الزواوي، الشيخ الصالح، كان خيرًا ذاكرًا لكثير من الفقه، ملازمًا لحضور مجالس العلم، وجاور بالمدينة المشرفة مدة، وحصلت له جذبة، ثم قدم القاهرة وسكن قرية الظاهر بالصحراء، وحَسُنَ ظنّ كثير من الناس فيه، ثم سكن القاهرة وتنزّل بدرس الحديث بالمؤيّدية، ورُتِّبَ له في الجوالى، ودخل في وصايا
стр. 1684
كثيرة، ولكنه لم يُسمع عنه سوء في تصرفه، وكان (١) يصل إليه من سلطان الغرب كل سنة مبلغ. وكان شهمًا يقوم فى الحقّ عند الظلمة ولا يبالي بهم، وذكر أنه سمع من [الشيخ محمد المراكشي] (٢). وأجاز لأولادى.
ومولده تقريبا سنة ستين، رأيْتُ بخطه: "وُلِدت أوائل الستين وسبعمائة"، ومات في ليلة الأربعاء ثامن عشري شهر رجب (٣).
١٤ - عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن الفخر المصرى ثم الدمشقي زين الدين، واسم الفخر محمد بن على، تفقه قليلًا وأسمعه أبوه الكثير من مشايخ عصره، فسمع على الكمال بن حبيب سنن ابن ماجة، وعلَى ابن المحب جزء العالى - أنا الحجار وعشرة الحداد، أنا إبراهيم بن صالح - وعلى الصّلاح ابن أبي عمر بعض مسند عائشة من مسند أحمد، ومات في جمادى الآخرة.
١٥ - عبد الرحمن بن على بن محمد الحلبى الحنفى، الشريف ركن الدين المعروف بالدّخان (٤)، اشتغل بدمشق (٥) وكان مشاركًا في عدة فنون وناب في الحكم مدة، ثم ولى القضاء استقلالًا بغير بذل ولاسعى بعد موت ابن الكشك فحمدت سيرته، وكان ماهرًا في فروع مذهبه. مات في ليلة الأحد ٢٧ من المحرم (٦).
١٦ - عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد العدناني الشهير بالبرشكي (٧)، صاحبنا المحدث الرحال الفاضل زين الدين، أخذ ببلاده عن جماعة، ورحل إلى المشرق قديمًا سنة ست عشرة فحجّ وحمل عن المشايخ، وأجاز له الشيخ برهان الدين الشّامي قديمًا، وكان حسن الأخلاق، لطيف المجالسة، كريم الطباع ﵀.
стр. 1685
وكذا (١) ماتت في هذه السنة زوجته ابنة الفاسي وولده منها.
١٧ - عبد العزيز ابن بدر الدين محمد بن محمّد بن على بن أحمد بن عبد الله بن عمر بن حياة بن قيس، الحراني الأصل، الدمشقى نزيل (٢) .... ، عز الدين أبو العز ويُدْعى محمدا، كان كثير العبادة ملازمًا للصلاة في اللّيل، وله اشتغالُ بالعلم وتصانيف ونظمٌ ونثر، وتُذكر عنه كرامات وكلام فى الرقائق، مات في ١٣ جمادى الأولى.
١٨ - عبد الملك بن على بن أبي المنى البابي نزيل حلب (٣)، ويُعرف بالشيخ عُبَيْد، وُلِد في حدود سنة سبعين (٤)، واشتغل بالفقه والعربية والقرآن، وكان حفظ المنهاج واشتغل على الشيخ بيرو، والقاضي شرف الدين، وشمس الدين النابلسى وكان يشتغل في الجامع الكبير بحلب، وأخذ عنه جمع جمّ، وناب فى الخطابة بالجامع ولم يكن هيّنًا. مات في جمادى الآخرة، وكانت جنازته حافلة جدا، وعاش ستين سنة (٥)، وتقدم في العربية والقراءات، وشغل الناس كثيرًا، وناب في الخطابة والإمامة بالجامع مدة إلى أن مات.
١٩ - عبد المولى بن محمد بن الحسن الخولاني، الإمام وليُّ الدين، ولد بقرينا (٦)، ولازم بتعز الإمام رضى الدين بن الخياط، والإمام جمال الدين محمد بن عمر العوادي، والفقيه أحمد بن عبد الله الحرازى، والفقيه وجيه (٧) الدين عبد الرحمن بن أبي بكر الزوقرى، وقرأ عليهم الفقه،
стр. 1686
ولازم الشيخ مجد الدين الشيرازى، وأخذ عنه النحو واللغة، وجاور معه بمكة وبالطائف. ومهر إلى أن صار مفتى تعزّ مع ابن الخياط، ومات بالطاعون أيضا.
٢٠ - عثمان بن قُطْلَبَك بن طُرْعَلى التركماني المعروف بَقَرايُلُك، كان أبوه من أمراء التركمان بديار بَكْر، وتأمّر هو بعده، وكان شجاعًا أهْوَج (١)، وله مع الترك والعرب وقائع، ولمّا طرق اللنكُ البلادَ انتمى إليه، ودخل في طاعته، فاستنابه في بلاده، وحضر معه فتح البلادِ الشامية، ثم وقعت له وقعة مع جكم [من عوض] لمّا ولى السلطنة بحلب فقُتل جكم في الوقعة وقوى قرايلك واستولى على ماردين وقتل صاحبها وهو آخر أهل بيته.
وكان بينه وبين حُدَيْثَة بن سيف بن فضل أمير العرب، وبين حُمَيْد بن نُغَير عداوة، فنصر قرايُلُك هذا فكبس حُديثة بالقرب من شَيْزَر، وكاتب الملكُ المُؤيّد قرا يوسف في الغارة على قرايلك، وسار المؤيّد من مصر، فلما بلغ ذلك قرايلك ترامى على المؤيد وانتمى له، فأرسل إلى قرا يوسف يَشْفَع فيه، فرجع عنه، ثم صار قرايُلُك يغير على بلاد قَرَا يوسف فحنق منه وكَبَسهُ ففرّ منه إلى حَلب، فتبعه فَجَفلَ أهلُ حَلَب من قرا يوسف وفرّوا على وجوههم إلى الشام. ثم إلى مصر، ثم كبس قرايُلُك على بَيْرَم النائب بأرزنكان (٢) فقتله، واتفقت وفاة قرا يوسف ثم المؤيد وغلب قرايُلُك على أرزنكان، وكانت له وقعة مع بَرسْبَاى - قبل أن يلى السلطنة، وبَرْسْبَاىُ يومئذ نائب طَرَابُلُس - انكسر فيها بَرْسبَاي، وبسبب هذه الوقعة غزا برسباي في سلطنته آمد.
وكانت له وقعةُ أخرى مع بُرْهَان الدين قاضى سيواس قُتِل فيها البرهان. واستمر قرايُلُك أمير آمد وملك ديار بكر. وشرع في إيواء مَن هَرب من السلطان الأشرف، فجهّز له عَسْكرًا في سنة ٣٢ فتوجهوا لجهة آمد فكبس هابيل بن قرايلك الرها -وهي في طاعة السلطان- فأخذها عنوة واستباحها، فوصل العسكر فأسروه، ثم جهز للقاهرة فاتفق موته بالطاعون سنة ٣٣، ثم غزا الملكُ الأشرفُ آمد فقرّ قرايُلُك واستمر الأشرفُ يحاصر آمد، واستمر قرايُلُك على حاله في نهب القوافل وقطع الطريق، ثم إن قرايلك جهّز من نَهب
стр. 1687
التركمانَ الذين حول حَلَب، فتجهز له الأشرف نفسه فلم يتم له أمر وأذعن للصلح، ثم اتفق أن إسكندر بن قرا يوسف فرّ من ميران شاه وَلدِ اللنّك، فبلغ خبرُه قرايُلُك فتبعه، فلما تلاقوه كسره إسكندر كسرةً شنيعةً، وانهزم قرايُلُكِ فوقع في خندق البلد وهي أرْزَن الرُّوم (١)، فنزل إليه جماعة من جهته فاحتملوه ودَلَّى مَن بالقلعة لهم الحبال ورفعوه.
مات في العشر الأخير (٢) من صفر فى هذه السنة، وقد بلغ التسعين أو زاد عليها، وذكر لى الشيخ بدر الدين بن سلامة، أنه لما استولى على ماردين استصحبه، قال: "فوجدته فى عيشة نشطة (٣) إلى الغاية، وفى غالب زمانه يشتغل بالشر" وتفرق أولاده بعده في البلاد وانكسرت شوكتهم جدا.
٢١ - على بن صلاح بن على بن محمد بن على بن أحمد بن الحسين الحسنى، بن إمام الزيدية، مات وأقيم ولده بعده فمات عن قرب بعد شهر، فقام بقصر صنعاء عبْد من عبيد الإمام، يقال له سنقر، وأراد أن يجعلها مملكة بالشوكة، فأنف الزيدية من ذلك وثاروا عليه، وأقاموا مهدى بن يحيى بن حمزة قريب الإمام. وجدُّه حمزة هو أخو محمد جد صلاح، ويقال إن أم الإمام راسلت صاحب زبيد الملك الظاهر تسأله أن يرسل إليهم أميرًا على صنعاء، ولم نتحقق ذلك إلى الآن …
٢٢ - فيروز (٤)، قطب الدين فيروز شاه بن بهمن بن جردن شاه بن طغلق بن طبق شاه، صاحب هرمز والبحرين والحسا والقطيف.
٢٣ - قصروه (٥) [من تمراز الظاهرى] نائب الشام، كان من بقايا مماليك الظاهر برقوق، تقدم فى دولة الأشرف وولى أمير آخور فى أول دولته، ثم ولاه نيابة طرابلس، ثم نقل إلى حلب فى سنة ثلاثين فاستمر إلى سنة ٣٧، ثم نقل لنيابة دمشق بعد موت جار قطلى في شعبان منها، وكان عاقلا، واستمر الى أن مات في ليلة الأربعاء ثالث ربيع الآخر (٦).
стр. 1688
٢٤ - كُبَيْش بن جمّاز الحسينى، كان قَصَدَ القاهرة ليتولّى إمرة المدينة فظفر به قوم لهم عليه ثأر فقتلوه قَبْل أن يدخلها.
٢٥ - مانع بن على بن عطيّة بن منصور بن جماز بن شيحة، أمير المدينة النبوية مات فتنازع العجلُ بن عجْلان، وعلى بن مانع في الإمرة، ثم استقرت الإمرة لأميان (١) بن مانع عوض أبيه، وكان قتله في جمادى الآخرة.
٢٦ - محمد بن إبراهيم بن أحمد بن أبي بكر (٢) الفوّى الأصل، المكي: جمالُ الدين، أبو المحامد المرشدى، وُلد في ربيع الأول سنة سبعين وسبعمائة (٣) واُسْمِع على النشاورى وأبي الفضل النويرى والأميوطى وغيرهم، ورحل إلى القاهرة فسمع بها الكثير، وطلب بنفسه فسمع على التقى ابن حاتم،
وقرأ الألفية على الحافظ زين الدين العراقي، وأذن له، وله إجازة من مسندى الشام كالصّلاح بن أبي عمر، وابن أميلة وغيرهما، وخرج له الشيخ الأقفهسي أربعين [من طريق أربعين من الفقهاء الحنفية] (٤)، والجمال بن موسى فهرسْتا، وصحب المجد الشيرازي وحفظ عنه من اللغة شيئًا كثيرًا، ثم صار يتعانى ذلك في كلامه وفي مراسلاته ومات في حادي عشري شهر رمضان وقد قارب السبعين، ولم يكن فى مكة - ممن له المعرفة بالفقة والنحو، مع الديانة والصيانة - نظيره.
٢٧ - محمد بن أحمد بن عبد العزيز (٥) بن الأمانة الأبيارى الأنصاري القاهري القاضي بدر الدين، وُلد في حدود الستين وجاء القاهرة مع أبيه واشتغل، فذكر لي أنه قرأ على الشيخ عبد المحيى الأسيوطى، وأن الأسيوطى أخبره بأن الشيخ سراج الدين البلقيني قرأ على الأسيوطى فى مبدء أمره، وكان الأسيوطى قد عمر، وهو والد إسماعيل وأحمد المقدم ذكرهما قريبا.
стр. 1689
سمع الشيخ بدر الدين المذكور من عبد الله الباجي، ومن سراج الكومى وطبقتهما، وأكثر عن شيوخنا، ولازم الشيخ سراج الدين البلقيني وابن الملقن والعراقي، واشتغل في الفقه والحديث والعربية ومهر، وسكن المدرسة الصالحية (١) ووقع فيها على الحكّام مدّة، ثم ناب عن القضاة، واستمر إلى أن كان كبير النواب في آخر عمره، وحجّ قبل موته بقليل ودرّس للمحدثين، وولى عدة وظائف، ودرس بالهكارية، وتصدّى للفتيا والاشتغال بالفقه وغيره، وأضيف إليه قضاء الجيزة مدة وغيرها.
وكان قليل الشرّ، حسن المحاضرة والمذاكرة، يستحضر كثيرًا من أخبار القضاة الذين أدركهم وما جرياتهم، وله نوادر ظريفة، وحضر معنا سماع البخاري (٢) بالقلعة يوم الأحد إلى العصر، ورجع إلى بيته فأقام يوم الاثنين وهو طيب، إلى أن دخل الليل فصلى العشاء، ودخل الفراش وقال: "أجِد غمًا" فلم يلبث أن مات فجأةً، وقد قارب الثمانين، رحمه الله تعالى.
واتفق أنّ بعض النّاس شكّك أهله وأولاده في موته، وقال لهم: "هذا به سكتة، ويجب أن تختبروا أمره لئلا تدفنوه حيّا" فأحضروا طبيبًا فجسّه وأمر بفَصْد، فامتنع الفاصد حتى اجتمع ثلاثة من الأطباء وقالوا: إن ذلك لا يضر، فقصد فخرج منه دم كثير، ثم فُصد في الذراع الآخر فخرج منه أيضا دم كثير، فتُرك إلى أن أمسى ثم إلى أن أصبح فاتفقوا على موته، ودفن في ثامن عشر شعبان ضحى يوم الأربعاء، وخلف أربعة ذكور.
٢٨ - محمد بن أبي بكر بن محمد بن الخياط الحافظ الجِبْلي (٣) المفتى، حافظ البلاد اليمنية جمال الدين بن الإمام رضى الدين، ولد سنة [سبع وثمانين وسبعمائة] (٤) وتفقه بأبيه (٥) وغيره حتى مهر، ولازم الشيخ نفيس الدين العلوى في الحديث، فما مضى إلّا اليسير حتى فاق عليه حتى كان لا يجاريه فى شيء، وتخرج بالشيخ تقيّ الدين الفاسي وأخذ عن
стр. 1690
القاضي مجد الدين الشيرازى، واغتبط به حتى كان يكاتبه فيقول: "إلى الليث ابن الليث، والماء ابن الغيث".
ودرّس جمال الدين بتعزّ وأفْتى، وانتهت إليه رياسة العلم بالحديث هناك، ومات بالطاعون في هذه السنة.
٢٩ - محمد بن عمر بن أبي بكر (١)، تاج الدين بن الشرابيشي، مات في يوم الأحد تاسع عشر جمادى الآخرة، ودُفن يوم الاثنين العشرين منه، وقد أسن، وتَغيّر عقلُه، وسمع الكثير من الشيخ بهاء الدين بن خليل، ورأيت قراءته عليه في صحيح البخارى سنة سبعين، وبلغ بضعا وثمانين سنة، وطلب الفقه، وكتب الكثير بخطّه الحسن المتْقن، ولازم شيخنا ابن الملقّن، وأكثر عن شيخنا العراقيّ، وسمع الكثير من أصحاب السبْط والطبقة، ثم من أصحاب أصحاب المحبّ، ثم من أصحاب أصحاب الفخر، ودار على الشيوخ وسمع معي كثيرًا ولم يمهر، وكان يستحضر شيئًا كثيرًا من الفوائد الفقهية والحديثية، وكان يعلّق الفوائد التي يسمعها في مجالس المشايخ والأئمة، حتى حصّل من ذلك جملةً كثيرةً، تسلّط عليه بعض أهله فمزّقوا كتبه بالبيع تمزيقًا بالغًا، لأنهم كانوا يسرقون المجلدات مفرقات من عدة كتب قد أتقنها وحرّرها فيبيعونها مفاريق، وكذلك الكتب التي لم تجلد يبيعونها كراريس بالرّطل، وضاعت كراريسه وفوائده.
وقد تصَدى للإسماع، وأكثر عنه الطلبة من بعد سنة ثلاثين وثمانمائة إلى أن مات، رحمه الله تعالى.
وأجاز لى فى استدعاء أولادى غير مرّة.
قال (٢): التقيّ القلقشندي: وكان قد تغَير قبل موته بنحو ثلاثة أشهر، ودَفن بالقرافة"، وكان فاضلًا بارعًا يكتب الخط الحسن، وكان مُمْلقًا، وزاد عليه ذلك في آخر عمره، حتى أنّه صار يحدّث ويأخذ الأجرة على التحدث، وحدّث بالكثير.
٣٠ - محمد بن أبي فارس المنتصر أبو عبد الله، مات في يوم الخميس ٢١ صفر بتونس ولم يتهَنّ في أيام ملكه لطول مرضه، وكثرة الفتن، واستقرّ بعده شقيقه عثمان فقبض على الهلاليّ القائد، وفتك في أقاربه بالقتل، فخرج عليه عمّه أبوالحسن صاحب بجايَة.
стр. 1691
٣١ - يحيى بن يحيى بن أحمد بن حسن القبابي (١)، محيي الدين أبو زكريا المصرى، وُلد في أواخر سنة ستين أوْ فى أول التي قبلها، وقدم القاهرة فاشتغل بها، وحفظ التنبيه، والألفية، ومختصر ابن الحاجب، وحضر دروس البلقيني، وابن الملقّن، والأنباسي وغيرهم، واشتغل في علم الحديث على العراقي، ولازم عزّ الدين بن جماعة في قراءة المختصر، ومحبّ الدين بن هشام فى العربية، وطاف على الشيوخ فى الدروس، ثم ارتحل إلى دمشق وهو فاضل، فأثنى شهاب الدين الزهرى على فضائله حتى قال: "ما قدم علينا من طلبة مصر مثله" ولازم الزُّهرى حتى قرأ عليه نصف المختصر وأذن له، وتكلّم على الناس بالجامع، وسكن بعد الفتنة العظمى "بيت روحا" فأقام بها، ودخل إلى مصر حين دخل إليها مع الشاميين، ثم عاد ولازم عمل الميعاد.
وكان فصيحا مفوّها، فاجتمع عليه العامة وانتفعوا به، وقرأ صحيح البخاري عند نوروز، ثم ناب فى الحكم عن ابن حجى سنة إحدى عشرة وثمانمائة، واستمرّ في ذلك، ولم يكن في أحكامه محمودًا.
وكان في بصره ضَعْف، فتزايد إلى أن أضرّ، وهو مستمر على الحكم، وكان يُؤْخذ بيده فيعلّم بالقلم، وتؤخذ عنه الفتوى ثم يكتب هو اسمه، وكان فصيحا ذكيًا مشاركًا في عدّة فنون، جيّد الذّهن، ليّن العريكة، سهل الانقياد، قليل الحسد، مع المروءة والعصبية، وقد أقبل في أواخر عمره على إقراء الفقه، فدرّس فى المنهاج، والتنبيه، والحاوى بالجامع، وكان قد درّس بالرواحية (٢)، وناب فى تدريس الشامية البرانية، واجتمع بي في
стр. 1692
ذي الحجة سنة ستّ وثلاثين بالعادلية الصغرى (١)، وذكر أنه قرأ على شيوخنا كالعراقي والبلقيني وغيرهما، وسمع من ابن المحبّ جزءًا من فوائد أبي يَعْلى بن عبد الله الخليلي سنة ثمان وسبعين وسبعمائة، وسمعتُ عليه جزءًا من حديثه وسمع عليَّ شيئًا، ومات في صفر (٢).
نقلتُ غالب ترجمته من كتاب القاضي تقيّ الدين الأسدي إليّ، أبقاه الله تعالى.
٣٢ - أبو الطاهر بن عبد الله المراكشي، الشيخ المغربي نزيل مكة، مات بها في شوّال، وكان قرأ على عبد العزيز الحلفاوي قاضي مراكش وغيره، وكان خيّرا دينًا صالحًا.
* * *
стр. 1693
سنة أربعين وثمانمائة
استهلّت ليلةَ الاثنين، ووصل شاه رخ إلى السلطانية فنزلها، وعَزَم على الإقامة بها حتى يبلغ غرضه من إسكندر بن قَرَا يُوسف.
وفي عاشر المحرّم أعيد لأجنادِ الحلقة ما كان أُخذَ منهم بسبب التّجريدة، وقُبض على التاج بن الخطير، وصُرف من أستادارية ولدِ السّلطان، وقرر عوضه في الوزارة ناظر الخاص.
* * *
وفي حادي عشرينه طَرق ميناءَ الاسكندرية ثلاثة أغربة (١) من الكتلان أخذوا مركبين، فخرج إليهم أقْبَاى النائب، فرماهم حتى استعاد أحد المركبين، وأحرق الفرنجُ الأخرى، وتحارب مركب للجِنْوِيَّة مع مركب الكتلان فانهزم الكتلان.
وفيها حاصر أبو الحسن بن أبي فارس صاحبُ بجاية قسنطينة، فخرج صاحبُ تونس - عثمانُ - إلى قتاله، وهو ابن أخيه.
стр. 1694
وفي الثالث عشر منه أوْفَى النيلُ، وكُسر الخليج، وصادف التاسع عشر من مسرى، وباشر ذلك يوسف بن السلطان.
* * *
ووصل رأس قُرْمُش [الأعور] وَكَمَشْبُغَا، فعُلقَتا بباب زويلة، ثم أمر السلطانُ أن تُلْقَيَا في السراب الحاكمي (١)، وكان قُبض عليهما بيد خَجا سُودُون بعينتاب، وكانا جَمَعا عسكرًا وكبسا العسكر المصري.
* * *
وفي هذه السنة رخص العسل النّحل إلى أن بيع بتسعمائة القنطار، وعادتُه ألف وخمسمائة، وكانت جميع الغلال وأصناف المطعومات والفواكه رخيصة، وجاء الزرع في غاية الخصب، والنماء في الزرع بالغ جدًّا.
واستمرّ وقوع الفناء في عسكر اللنكية، فرجعوا إلى بلادهم.
ووصل الحاج فشكوا من أميرهم كثيرًا فلم ينجح ذلك، ومن جملة قبائحه التي حكوها أنه طلب من التجار في اليوم الثالث عشر من ذي الحجة مالًا يُجْبَى منهم فامتنعوا، فرحل بالناس في آخر الحادي عشر ليفوت عليهم البيع بمنى في الثاني عشر والثالث عشر، فكانت من أفحش الفعلات، فأنه فوّت عليهم المبيت والرَّمْي.
* * *
واستهل صفر ليلة الأربعاء، واستهل ربيع الأول ليلة الخميس (٢).
في شهر ربيع الأول قام الشيخ ناصر الدين محمد بن علي الطنباوي في هدْم الدّير (٣) الذي في بحرى، وحضر المولدَ النبويَّ وأخرج محضرًا يتضمن أنّ النصارى يحجّون إليه في كل
стр. 1695
سنة، ويجتمع عنده من النصارى والمسلمين للفرجة والتجارة مالا يُحْصَى حتى صاروا يضاهون بذلك أهل الموقف بعرفة، وأفتى العلماء بهدْم الدّير وإزالة تلك العادة، ففوّض السلطان الأمر للقاضي المالكي فلم يتّفق أنه يقوم بذلك حقّ القيام حتى كان ذلك في السنة المقبلة (١)، فهدم ولله الحمد.
وفيه هرب سليمان [بن أرخن] بن عثمان (٢) مع جماعة من الروم والتركمان في غراب، وكان مقيما بالقلعة من سنة آمد (٣)، فلما عرف السلطان ذلك شَقّ عليه وأرسل في آثارهم، فأتى بهم، فحَبَس الصبيَّ وقطع أيدى قوم وقتل آخرين، وكان السبب في ذلك أن سليمان هذا - وهو ابن أرخن بك بن محمد بن عثمان (٤) - كان عمه مرادُ صاحبُ برصا قبض على والده أرخن وكحله وسجنه، وكان له مملوك يقال له طوغان يقوم بخدمته، فأدخل إليه جارية، وهو في السجن فحملت منه، فلما مات أرخن في السجن فرّ المملوك بسليمان هذا وأخذه شاه زاده إلى حلب، فلما قدم السلطان إليها وقف بهما إليه وأخبره خبرهما فأكرمهما ثم صحبهما معه إلى القاهرة، فأمر سليمان أنْ يمشي في خدمة ولده يوسف، وأقامت أخته في القلعة لتكبر ويتزوجها السلطان أو ولده، فلما كانت ليلة خامس ربيع الأول فرّ سليمان وأخته ومن انضم إليهما، فركبا بحر النيل وتوجها إلى جهة دمياط (٥) لينزلا في مركب إلى بلاد الروم، فبلغ السلطان فأرسل في آثارهما فقبض عليهما وعلى من في المركب وعدّتهم خمسة وستون رجلًا، فوُسّط طوغانُ مملوك سليمان وثمانية من مماليك السلطان [كانوا] صحبوهم، وقطعت أيدي الباقين، ولا ذنب لهم ألبتة لأنهم تجارٌ رافقهم أولئك.
فلما جاء الذين أرسلهم السلطان في طلب المتسحبين خشي التجار على أنفسهم، فدافعوا عنها من غير أن يعلموا الخبر لكونهم قصدوا الاستيلاء عليهم ونهبهم، فظنوا أنهم حرامية، فلما دافعوا عن أنفسهم وقع بينهم الحرب، فغلبوهم وأسروهم، وكان ما كان.
стр. 1696
وفي السادس من شهر ربيع الأول استقر كريمُ الدين [عبد الكريم] بن الصاحب تاج الدين [بن كاتب المناخات] في الوزارة على قاعدته، فباشرها مباشرةً حسنةً وفرح الناس به، واستقرّ أمين الدين بن الهيثم ناظر الدولة على عادته.
وكانت الوزارة - منذ صُرف عنها خليل بن شاهين - لم يستقر فيها أحد، بل عُذِقَ أمرُها بناظر الجيش، فأقام فيها ناظرَ الدولة متحدثًا عنه، وأحال عليه مصروف كل جهة من الجهات، وكل جهةٍ لم يَفِ متحصّلها بها أكملها مِن عنده، فاستمر الحال على ذلك إلى أن قدم.
* * *
وفيه نودي بمنع لبس الزموط (١) الحمر وعملها، وهي التي يلبسها العرب ويسمونه "الشّاشة"، فنودي بذلك، فوقف له جماعة ممَّن اشتروا الصوف لذلك فصمّم على المنع، ثم رُفع له بعض الغلمان من الهجانة وغيرهم فأغلظ لهم القول، واستقر على المنع، ونودي ألّا يحمل أحد سلاحًا.
وفيه وصل العسكر المجرد إلى الأبُلُسْتَين فوصلوا إلى تجاه سيواس (٢)، فوجدوا - في تاسع عشره - جانبك ومن معه، فقدموا بهم.
وفيه قُتل جاسوس وُجد معه كُتبُ من جانبك الصوفي.
* * *
وفيه وقع (٣) قتال بين الهنود الذين يقيمون بظاهر المدرسة الصالحية لإصلاح شعور اللحى، وَثَب رجل على رجلين فقتلهما قدام الصالحية، وذلك أنه تقاتلَ مع واحدٍ فقتله ثم مرّ برجل يُصْلح شاربه فضرب الذي يصلح بسكين في كتفه فوقع ميتا، وحصل للرجل فزع فحمِل
стр. 1697
إلى بيته فمات هو والقاتل (١) فصاروا أربعة، فقبض عليه (٢)، فقطعت يده ثم قتل، ونوديَ بعد غدٍ أن لا يبقى أحد من الهنود بالقاهرة
وعُيِّن خليل (٣) الذي استقر بالإسكندرية أن يكون شادًّا على المكوس بجدّة، وأميرا على المماليك المجرَّدين بمكة، وأمر ابن المرأة بالسفَر فسافروا وسافر خليل ومن معه في البَر، ونُودي للناس بالسفر صُحْبَتَهم.
* * *
واستهلّ شهر ربيع الآخر ليلة الجمعة، وفي السادس عشر منه جمع الجزّارين الجزّارين وأشهَدَ عليهم أنْ لا يشتروا اللّحْمَ إلا من ذبائح السلطان، فصار يَذبح لهم في كل يوم ما يَحصل عند السّلطان من الغنم المحضر من البلاد.
* * *
وفي الخامس من ربيع الآخر فُقِد سليمان بن أرخن بن كُرْجِي بن أبي يزيد بن عثمان، وأخته شاه زاده، وقد تقدّمَ (٤) خبر مجيئهما في سنة ستّ وثلاثين، وكان مملوكهما الذي أحضرهما اتفق معهما أن يسير بهما إلى بلادهما، وواطئوا على ذلك جماعةً من تُجار الروم، فأخذهما طوغان وتوجَه بهما إلى الغُراب فتوجهوا إلى رَشِيد، فلما عَرَف الأشرف بالقصة كاتَبَ نواب البلاد يطلبهما، فحاربهم شادُّ رَشِيد بحضرة قاصد السلطان (٥). فحبسوا بالريح، فاتّفق أنْ هبّت الريح عاصفة وصادف وصول نائب الإسكندرية فقبض عليهم وجهز جميع مَنْ في الغراب من التجار وغيرهم، ثم أمر بقطْع أيدي بقية التجار وهم نحو الخمسين، وأدّب سليمان بالضرب تحت رجْليه ونظر [السلطان برسباي (٦)] إلى أخته فاستحسنها فعقد عقده عليها وابتكرها، وقد تزوجها الملك الظاهر جقمق.
стр. 1698
واستهل جمادى الأولى ليلة السبت.
وفيه قدمت رُسل مُراد بك بن محمد بن بَايَزيد بن عثمان ابن ملك الروم بهديّة.
وفي سابع عشره قدم الأمراء الذين جُردوا لحلب فهرع الناس للسلام عليهم، ثم طلعوا القلعة فخلع عليهم.
وفي صبيحة ذلك اليوم قدم الأمراءُ المجردون إلى البحيرة وصحبتهم الأمير حسن بك بن سالم الدوكاري التركماني (١)، ومحمد بك (٢) بن بكار بن رحاب وقد دَخَلَ في الطاعة.
وفيه رُفِعَت يد القاضي الحنفي من وقف الطرحاء وأمر بأنْ يحاسَب على متحصله، وأن يتحدث فيه جوهر الخزندار، ثم بطل ذلك وأعيدت للقاضي.
* * *
وفيها نودي "من له ظلامة فليحضر إلى باب السلطان في يومي الثلاثاء والسبت"، وأمر القضاة أن يحضروا مجلس الحكم في المظالم، فحضروا يومًا واحدًا ثم أبطل ذلك.
وفي سابع جمادى الأولى خرج الركب الحجازي - وأميره خليل الذي كان نائب الاسكندرية - ومعه نحو السبعين من المماليك ليقيم بمكة عوضًا عن الذي كان فيها، ويخرج معه عدد كبير من الحجاج، ورحلوا من خليج الزعفران في التاسع منه.
وفي الخامس عشر منه وصل الأمراء الذين كانوا بحلب وفيهم جقمق الأمير الكبير الذي ولى السلطنة بعْدَ هذا بسنتين، والدويدارُ الكبير أركماس الظاهري، وتأخر منهم خجا سودون فلم يحضر.
* * *
وفى يوم السبت تاسع عِشْريه حضر القضاةُ الأربعةُ بأمر السلطان مجلسَ حُكْمه، وتكلّم الشافعي معه في عدةِ حكومات بَيّنَ حُكمَ الشرع فيها، ثم لما فرغوا أمَرَهم السلطان أن يبطلوا الوكلاء من أبوابهم، فأجابوا بالامتثال، ثم تكلّموا في الذين يعاملون بالرِّبا وما
стр. 1699
الحكم فيهم، فقال الشافعي: "الحيلة في ذلك سائغة عندي وعند الحنفي، فلنفوض أمرهم إلى المالكي والحنبلي"، ثم سأل [السلطانُ] عن النوّاب فقال له الشافعي: "كان السلطان قبل السفر أمر بعشرين، وهم الآن أربعون، لكن كلّ اثنين في نوبة"، ثم سأل عن الرّسل وأمر أن لا يُعطى الرّسول إلا ثلاثين.
ثم انصرفوا ولم يعد يطلبون إلى مجلس حكم، بعد أن كان شاع أنه أمر أن يواظبوه كل سبت وثلاثاء، فبطل ذلك.
* * *
واستهلّ جمادى الآخرة ليلة الاثنين.
فيه أرسل ناصر الدين بن ذُلْغَادِرْ وَلَدَه سليمان إلى مراد بن عثمان صاحب الروم يستنجد به على إبراهيم بن قرمان، وكان ابن قرمان قد أخذ قيصرية (١) ونازل صاحب أماسية، وهو من حاشية ابن عثمان، فجهز مع سليمان عسكرا وندب معه صاحب توقات. وأمره بمحاصرة قيصرية وتسليمها إلى ابن ذُلْغَادرْ، وجهز عيسى - أخا إبراهيم - على عسكر آخر ليغير على بلاد أخيه إبراهيم، فبلغ ذلك صاحب مصر فكتب إلى أمراء الطاعة من التركمان بمعاونة إبراهيم بن قرمان.
وفى يوم الجمعة خامس جمادى الآخرة أرسل القاضي المالكي ورقةً إلى كاتب السرّ يستعفى من القضاء، فقرأها على السلطان فأعفاه وأمره أن يُعَيِّن قاضيًا غيره، ويستمر بمعاليم القضاء له دون الذي يتعيّن، فلما بلغ ذلك وَلدَ القاضي قام وقعد وسعى عند عليباي الخزندار، وأنكر أن يكون أبوه كتب الورقة، وبلغ ذلك كاتبّ السّر فغضب عليهم نِسْبَتَهم إياه للكذب، وأخرج الورقة فوجدوها بخطّه الذي لا يُرتاب فيه. ومع ذلك اعتنى بهم عَليباي، ولم يستطع كاتب السّر التوسع في القضيّة كلاما رعايةً لخاطر الخزندار المذكور، فإنه كان يومئذٍ من أقرب الناس منزلةً عند السلطان، فاستقرّ الحال على أنه يتحيّل السلطانَ أن يعيد ولاية المالكي، فأجابهم لذلك، واستمرّ في القضاء بعد ذلك إلى أن مات في رمضان سنة اثنتين، كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
стр. 1700
وفيه رخص القمح إلى أن بيع بمائة وأربعين إلى مائة، فأمر السلطان بشراء القمح وخَزْنِه فغلا السعر، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
وفيه قدم شرف الدين بن الأشقر من حَلَب، فلما كان في الثالث من شعبان استقرّ ولدُه معين الدين عبد اللطيف في كتابة السرّ بحلب، وخُلع عليه، واستمر والده نائبًا لكاتب السرّ على عادته.
وفيه توجّه الوزير وناظرُ الجيش، وإينالُ الأجرود (١)، ويشبك الحاجبُ لحفر خليج الإسكندرية (٢)، ثم عادوا وقد قرّروا الأمر، وفوّض السلطان لأسنبغا التمراوي أن يباشر حَفْرَه، فتوجَّه وجهّز معه المال الذي جبوه من البلاد بسبب ذلك، ومائتي قطعة من الجراريف والمقلقلات وستمائة بقرة.
* * *
واستهل شهر رجب ليلة الثلاثاء.
في أواخره - وهو العاشر من أمشير والطالع سعد - هبَّت الريح المريسيّة شديدة البرد اليابس مع شعث، فكان البرد أشد ما وقع في هذا الفصل، ودام ذلك إلى آخر الشهر، ومضى طوبة معتدلا ليس فيه برد شديد أصلًا، وهذا بخلاف العادة المعهودة، ولم يزل البرد شديدًا إلى يوم نَزَلت الشمسُ بالحوت، وهو سابع عشر أمشير، فخفَّ قليلًا، ثم في اليوم الذي يليه كان الطالع سعد السّعود فوقع المطرُ وهبّت الريح الباردة، ودام المطر ليلة الأربعاء وفي يومها إلى ليلة الخميس، ثم صَحَتْ في صبيحته عن أحوال في البلد كثيرة، وصلح الزرع، ولله الحمْد.
* * *
стр. 1701
وفيه استقرّ خليل بن شاهين الذي كان أميرَ الإسكندرية - أمير الحاجّ.
وفي رجب توجّه جانبَك الدويدار، والقاضي عبد الباسط إلى شبرا الخيام (١) فهدما الكنيسة المحدثة.
وفي يوم الجمعة ثاني شعبان توجّه القاضي كمال الدين بن البارزي إلى قضاء دمشق، وسار معه من حاشيته جمع جمُّ، وتأخّر أهلُهُ وصغارُ ولده بمنزلهم بالقاهرة. ونزل عن قضاء دمياط الجوهر الخزندار - وكان ابن قاسم نزل له عنه - وتعوّض عنه في مقابله خمسين ألف درهم فيما قيل، فسأله جوهر أن ينزل عنه فلم يسعْه إلّا الإجابة، ولا وسع القاضي الشافعي إلّا الإغضاء (٢).
وسار جوهر في ذلك سيرة أحسن من سيرة ابن قاسم، وصار يكتب على الكتب التي يحتاج إليها إلى دمياط: "الداعي جوهر الحنفي" (٣)، ولم يَلِ القضاء خصى قبله.
* * *
وفى يوم الأحد - الرابع من شعبان - ابتُدِئ بقراءة البخاري بالقلعة على العادة. وحضر الجماعة كلهم، وكان الأمير قدْ أفرد الأعيان من الجماعة على حدة، ومَن عَدَاهم على حدة، ليخفّ اللغط.
ثم بدا للسلطان أن يحضر الجميع وينصتوا لسماع الحديث، ففعلوا، ولم يتكلم أحد، إلّا أن الشافعي ردّ على القارئ مواضع من الأسانيد (٤) لا أسانيد لها، أو يحرفها من سَبْق
стр. 1702
اللّسان، وحضر في المجلس الثاني القاضي علم الدين البلقيني بسعي شديد منه في ذلك، وكان يظنّ أن الأمر على العادة ليشغب كعادته، فوجدهم لزموا السكوت، فلما كان في المجلس الثالث وقع في الليل مطر غزير، فكثر الوحل في الطرقات.
* * *
وفيه استقرّ إينال الأجرود أمير صفد عوضا عن يونس، وأن يقيم يونس بطالا بالقدس، واستقر قراجَا شاد الشرابخاناه في إمرة إينال، واستقر إينال الخزندار شَاد الشر بخاناه، واستقر علي باي خزندارًا عوضًا عن إينال. وهذان الشابان نشآ عند السلطان نشأة حسنة، فأحبّهما وقَرّبَهُما ومَوَّلهما، فصار لهما الجاه والحرية الوافرة، وكان لهما بعده ما سنذكره في الحوادث.
* * *
وفي شعبان نودي بأن يجتمع الذين قُطِعَتْ أيديهم (١) من الذين كانوا رفقة سليمان ولد ابن عثمان، فاجتمعوا ظنا منهم أنه ينفق فيهم توسعة في رمضان، فجعل كل اثنين في قرمة خشب، (٢)، وأنزلوا في مركب إلى البحر لينفوا إلى بلاد الروم، فكثر ضجيجهم ودعاؤهم، ولله الأمر.
وفي عاشر رمضان جاءت أخبار من جهة ابن عثمان ومن جهة جانبك الصوفي فعزم السلطانُ على السفر.
* * *
واستهل رمضان ليلةَ الجمعة بعد أن تراءوه فلم يتحدّث أحد برؤيته، وأوقد غالب أهل البلد المنائر بغير رؤية، فنودي لهم بإطفائها، فأصبح الناس فأفطر الكثير منهم، ثم أرسل السلطان ثلاث أنفس من المماليك ذكروا أنهم رأوا الهلال، فلما تسامع الناس بذلك بادروا فما تعالى النّهار حتى ثبت عند ثلاثة من الحكام، ونودي بالإمساك.
стр. 1703
واستمرّ البرد.
وفي يوم الاثنين الرابع منه نزلت الشمس الحَمَل، واستمرّت الأيام رطبة، ويأتي الحرّ أحيانا في أثناء النهار وفي أثناء الليل.
* * *
وفي عاشره عقد مجلس بسبب التوجّه إلى البلاد الشمالية من أجل ابن ذلغَادِر وجَاني بك الصوفي، وشاع أن ابن عثمان قصدَ نصْرَتَهُمْ، فاستقر الأمر على أن يتوجّه نواب الشام نجدةً لإبراهيم بن قرمان، ويُطالعوا [السلطان] بما يتجدّد (١).
* * *
وفي يوم الأربعاء العشرين من شهر رمضان خُتِم البخاري على العادة، وكان علاء الدين الرومي سَعَى في مشيخة الشيخونية عوضًا عن باكير (٢)، وأَلَحُّوا على السلطان في أمره، فامتنع وقال: إنه كثير الشرّ ولا يحتمله أهل الشيخونية، وأمر أن يرتب له في الجهات السلطانية مرتبات، وعند القاضي الشافعي في الأوقاف ألف وخمسمائة، وعند الحنفي النصف من ذلك، فلم يقنع بذلك، وشرع في الحطّ على شيخها باكير، فوقع منه قبل مجلس الختم أن بحث في شيء، فتكلّم باكيرُ، فَرَدّ عليه، ثم بالغ إلى أن كفّره، فردّ عليه الشافعي، ووافقته الجماعة، ووافقهم السلطان، فسكت الرومي على مضض، ثم شرع في كتابة أسئلة ودسها إلى السلطان ليجيب عنها الشافعي، فأحضرها بعض الدويدارية وسلّمها للشافعي، فقرأها وقال له: "يطلب الجواب" فذهب ولم يَعُدْ.
فذكر الشافعي (٣) للحاضرين أن أوّل الورقة: "إنَّ أعْلَم أهل هذا المجلس لا يعلم معنى: "قال رسول الله! " وكلاما آخر فيه عجرفة ولحن، فأجمع من سمع ذلك على ذمِّه.
стр. 1704
ثم في يوم الجمعة الثاني والعشرين من شهر رمضان أمر السلطان بعقد مجلسٍ لسبب منازعة إبراهيم السَفَّارِي مع جهة الحرمين في جزيرةٍ من الصعيد وكانت هي بيد مستحقي الحَرَمَين، وشرف الدين السفاري مستأجرها منهم، ثم ادّعى في سنة أربع وثلاثين من أنها وَقْفُ أبِيه، وسأل في كتابة محضر، ثم بطل ذلك فلما كان في سنة ستٍ وثلاثين بعد موت شرف الدين قام إبراهيم هذا - وهو صهره - فأكمل المحضر المذكور عند المالكي قبل السّفر إلى آمد، فلما عاد العسكر قام المستأجر على الأمراء إلى أن استمرّت في يد مستحقي الوقف.
فلما كان في السنة الماضية سأل إبراهيم السفاري في عقد مجلس فرسم له عند كاتب السرّ، فحضر القضاة الأربعة، فحكم الحنفي بإبقاء الوقف في يد مستحقّي الحرمين، وبإلغاء ما يخالف ذلك، فلما كان في شهر رجب هذه السنة أحضر إبراهيم محضرًا من الصعيد فيه حُكْمُ قاضي "هُو" بأنَّ الجزيرة المذكورة اشتراها السّفاري الكبير من بيت المال ووقفها على ذرّيته، فنفذ ذلك الحنفي وضمنه حكمًا بناه على حكم المالكي الأول، فقام في نقض ذلك زمامُ الدور السلطانية جوهرُ نيابةً عن ناظر الحرمين، وأوصل القصة للسلطان وأوضح له تناقض الحنفي في المسألة، فرسم بعقد مجلسٍ عنده فعُقِد، فلمّا تبيّن له الحال قُطِّع المستند الذي بيد إبراهيم بحضرة الحنفي وغيره، وأبقى الجزيرة المذكورة بيد مستحقّي الحرمين، فلما انفضّ المجلس طلب باكير من السلطان الإذن للشافعي أن يأخذ له حقّه من علاء الدين الرومي، فأذِنَ له في ذلك.
وفي يوم السبت طلب شرف الدين أبو بكر (١) بن إسحق بن علي الملطي شيخ الشيخونية علاء الدين علي بن موسى الرومي (٢) لمجلس الحكم وادّعى عليه أنّه كَفّره في مجلس الحديث بحضرة السلطان والعلماء في يوم الاثنين ثامن عشره، ونسبه أنه قال: "الوجوب والإيجاب متحدان بالذات، مختلفان بالاعتبار" فأنكر الرومي ذلك فخرج الملطي على البيان، ثم عُقِد مجلس بحضرة السلطان في القصر يوم الاثنين خامس عشريه فتنازعا قليلا، فقام الحنفيُّ فأصلح بينهما، وذكر أن ذلك بإشارة من السلطان، وانفصل الأمر على ذلك.
стр. 1705
فرفع الرومي إلى السلطان أن الرسل الذين طلبوه إلى الشّرع أنزلوه عن فرسه وجرّوه على الأرض وقطعوا فرجيته، وأحضروه وحوله نحو من مائتي نفرٍ من العامة يصيحون عليه: "يا رافض، كفرت! " فأمر بإحضارهم فأحضر منهم اثنان فضُربا بحضرته ثم أطْلِقا، وانفصل الأمر على ذلك، وذلك في يوم الأربعاء سابع عشريه.
وافتتح القاضي علم الدين البلقيني بالسّعي فدَس للحمصي الذي صرِف عن قضاء الشام وحضر إلى القاهرة يسعى في العود، فكتب قصةً يطلب فيها تولّيه قضاء الشافعية بمصر وكتابة السرّ بها، أو نظر الجيش بالشام، فقال قائل: "لأي معنى عُزِل عن الشام؟ " فقال بعض من رتب في القول أو وُعد بهذا العدل الكبير فغيره ببذل ذلك، واستقر وهو أحقّ منه، وهو كان صاحب الوظيفة، فأصغى السلطان لذلك ثم بدا له فترك القول في ذلك حتى انسلخ شهر رمضان.
وفي أول شوال جدّد الساعي للقاضي علم الدين [البُلقيني] السؤال، فأمر السلطان بعض الخاصكية أن يتكلّم مع كاتبه (١) في بذْل شيءٍ فامتنع، فلما كان في يوم الخميس خامسه صُرِف كاتبُه عن القضاء واستقرّ القاضي علم الدين البلقيني.
وفي يوم السبت السابع منه رُسِم بعقد مجلسٍ بعلماء الحنفيّة بسبب شرط الشّيخونية، وأحضرت أربعةُ كتب وهي: الهداية واليزدوي والمفتاح والكشاف، وذَكَر السلطان للجماعة أن بعض الفقهاء قال له "إنّه لم يبْق أحد يعرف يقرر هذه الكتب" فوقع بينهم الكلام وبادر القاضي الشافعي فقال: "يا مولانا السلطان، هؤلاء الجماعة هم أعيان العلماء، وليس في الدّنيا مثلهم، وما منهم إلّا مَن يقرّر هذه الكتب، فمن ادّعى خلاف ذلك فليحضر حتى نسمع كلامه ونردّه عليه"، فأعجب السلطان ذلك وانفصل المجلس على أن القائل هو الحنفي، فلمّا لم يجب عن ذلك كلّمه وظهر منه الرجوع عن ذلك، فظهر للسلطان أنه تكلّم بغرض لأجل الروميّ، ففصل الأمر وانفضّ المجلس.
стр. 1706
وفي يوم الأربعاء توجّه القاضي المستقر إلى مصر على العادة، وكان الذي استقر في نيابة الحكم شخص يقال له حسن الأمْيوطِي (١) كان رسولًا في الحكم فنقم عليه شيء، وصار يتوكل في المحاكمات، ثم اتّصل بالقاضي المستقر.
فلما كان هذا اليوم طلع القلعة ومعه شيء من الذهب الموعود به، فخلع عليه قباء مطرّز فاستمرّ لابسه وهو راكب قُدَّام القاضي من مصر إلى القاهرة في الشّارع، وتَعجّب الناس من ذلك.
* * *
وفيه نزلت صاعقة بجُدَّة فأتلفت شيئًا كثيرًا، ووقع حريق، وهلك نحو مائة نفس، وتلف لبعض التجار مالُ كثير (٢).
ومن العجائب أن البضاعة المتعلقة بالسلطان ظلت سالمة، ويقال إن غالب الأبنية المتجددة في جدّة احترقت، واحترق أيضًا مركبان بما فيهما من البضاعة، ووقعت وقعة بين القوّاد وجَانبك شادّ جُدَّة، فجرح عدة أشخاص، ثمّ أصلح بينهم مَن كان أمير مكة (٣).
وفي العشر الأخير منه - وكان موافقا لأوائل بَشَنْس من أشهر القبط - زاد النيل زيادة كبيرة، وشاهدْتُ المقياس واعتبرتُه فوجدت الماء في نصف الذراع الثامن، هذا وقد بقى للأمد المعتاد أكثر من أربعين يومًا.
وفي السابع عشر منه طيف بالمحمل وخَرَج الحاج، وفي الظنّ أنهم قليل، فاجتمع في بركة الحبش (٤) خلائق بحيث أنهم صاروا ثلاثة ركوب، وكان أمير الأول ولد الدويدار الكبير، وأمير المحمل غرس الدين خليل الذي كان أمير الإسكندرية، وتوجه جمعٌ كبير من الركبين صحبة جماعةٍ من الخاصكية. وسافر الأول يوم الأحد.
стр. 1707
وفي ثالث عشرى شوال قُتل شخص كان نصرانيا فأسلم ثم ارتد، فعُرض عليه الإسلام فامتنع فقتل.
وفي أواخر شوال أحضر شخص ثلاث شعرات وذكر أن تاجرا أوصى أن يدفع ذلك للسلطان ومات بحلب، فاستدعى النائب القضاة فسلمها لهم، ففرح بها السلطان وأراد أن يبني لها زاوية يتركها فيها لتزار كما تزار الآثار التي بمصر.
* * *
واستهل شهر ذي القعدة بالاثنين، وفيه اصطلح ابن عثمان وابن قرمان، وعاد نائب حلب من مرعش.
ووقع بين حمزة وبين قرايُلُك صاحب ماردين وبين أصبهان بن قرا يوسف حرب وانهزم فيها أصبهان ومن معه، وأقام شخصًا بقلعة فولاد.
* * *
وفي يوم الأربعاء شهد جماعة برؤية الهلال تلك الليلة فلم يقبل القاضي شهادتهم وردّهم بينه وبين القاضي الحنفي، فبلغ السلطان ذلك فذكر أن اثنين من المماليك أخبرا السلطان بذلك، وأنه ارتقب الهلال ليلة الخميس فغاب قبل العشاء، فاستدلوا بذلك على بطلان شهادة من شهد برؤية ليلة الأربعاء، وقوّى ذلك عندهم أن أهل التقويم أطبقوا على أن رؤية الهلال الأربعاء غير ممكنة في العادة لأنه يغيب على نحو ثلث ساعة، واستمر الحال على ذلك إلى أن ضحى جماعة من الناس يوم الجمعة اعتمادا على من رأى ليلة الأربعاء، وانتشر الأمر، وكثر عدد من ينتسب إلى الرؤية، وامتنع جماعة من صيام يوم الجمعة اعتمادا على من شهد ويتهم من اتهم الذين لم يقبلوا الشهادة المذكورة بأنهم فعلوا ذلك محاباة للسلطان علي ما جرت به العادة من تطيرهم بخطبتين فى يوم واحد، فيُنقض عليهم بأن القاضي ولِيّ الدين العراقي خطب فى شوال سنة ٢٨، وهي أول سنة تقرر فيها الأشرف في السلطنة، ولم يزل مقيما في مملكته إلى الآن، وكثرت الشناعة بسبب ذلك، والله المستعان.
стр. 1708
وعيّد جماعة يوم الجمعة وصلّوا في بيوتهم العيد، وأفطر جمهور الناس يوم الجمعة خشية أن يكون هو يوم العيد، واتفق أهل الشام والقدس وما حولهما، على أن أول ذي الحجة يوم الأربعاء (١).
ذكر من مات في سنة أربعين وثمانمائة من الأعيان
١ - إبراهيم بن عبد الكريم الكردي الحلبي (٢)، دخل بلاد العجم وأخذ عن الشريف الجرجاني وغيره، وأقام بمكة، وكان حسنَ الخلق كثيرَ البشر بالطلبة، وانتفعوا به كثيرًا في عدة فنون، وجُلّها المعاني والبيان، وكان يقرّرها تقريرًا واضحًا تامًّا. مات في المحرم.
٢ - أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل بن سَلِيم بن قَايْمَاز بن عمر بن عثمان البوصيري، الشيخ شهاب الدين نزيل القاهرة، وُلد في المحرّم سنة ٧٦٢ واشتغل قليلًا وسكن القاهرة، ولازم شيخنا العراقي على كِبَر فأخذ منه الكثير، ثم لازمني في حياة شيخنا فكتب عنّي "لسان الميزان" و"النكت على الكاشف"، وسمع علَيّ الكثير من التصانيف وغيرها، ثم أكَبّ على نسْخ الكتب الحديثية وفي الآخر أكبّ على نسخ "الفردوسي" و"مسند الفردوس"، وعلق بذهنه من أحاديثهما أشياء كثيرة، وكان يذاكر بها، واشتغل في النحو قليلًا على بدر الدين القدسي ولم يكن يشارك في شيء منه ولا الفقه، وكان كثير السكون والعبادة والتلاوة مع حدة الخلق، وجمع أشياء منها "زوائد سنن ابن ماجه" على كتب الأصول الستة. وعمل "زوائد المسانيد العشرة" و"زوائد المسند الكبرى" للبيهقي، وجمع من مسند الفردوس وغيره أحاديث أراد أن يزيد بها على "الترغيب والترهيب" للمنذري، ولم يبيضه، وسماه: "تحفة الحبيب للحبيب، بالزوائد في الترغيب والترهيب" (٣).
стр. 1709
ولم يزل مُكِبًّا على الاشتغال والنسخ إلى أن مات في ليلة الثامن والعشرين (١) من المحرم بمدرسة السلطان حسن بالرميلة، وله ثمان وسبعون سنة.
٣ - أحمد بن صلاح بن محمد بن محمد بن عثمان بن علي بن السمسار (٢) المعروف بابن المحمرة، شيخ الصلاحية شهاب الدين، ولد في صفر سنة سبع وستين وسبعمائة (٣)، وحفظ القرآن صغيرا، والعمدة والمنهاج.
وكان ذكيًّا، ولازم الشيخ سراج الدين البلقيني، والشيخ زين الدين العراقي، ودار على الشيوخ وقتا، وكتب بعض الطباق ثم تشاغل بالجلوس في رحبة العيد، وتقرّر في المخبز بالخانقاه الصلاحية، ولازم السالمي فقرأ له بنفسه على جمعٍ من الشيوخ عدةً من الكتب، وسمع قديما من عبد الله بن علي الباجي، وتقي الدين بن حاتم ونحوهما، ثم أكثر عن شيوخنا منهم: البرهان الشامي، وابن أبي المجد، ثم استنابه القاضي جلال الدين في الحكم، فأقبل على ذلك بكُليته واقتنى مالًا وعقارًا.
وكان كثير الدّربة في الحكم، حسنَ التجمل جدًّا، فاتفق أن الملك الأشرف قرّر بهاء الدين بن حجي في قضاء الشام بعد قتل أبيه فسار سيرةً سيئة، فاتصل ذلك بالسلطان فعرَض ذلك على القاضي علم الدين البلقيني فاستعفى، فذكر شهاب الدين (٤) للسلطان وعَرَّفه بحسن شَكْله فقرّرَه، وذلك في سنة ٨٣٢، فتوجه وسار سيرة حسنة، فلم يزل على ذلك حتى وقع بينه وبين كاتب السرّ بدمشق القاضي كمال الدين البارزي، فسعى عليه فاستقر في القضاء وعاد إلى القاهرة، ثم لم ينشب القاضي كمال الدين أن نقل إلى كتابة السر
стр. 1710
من دمشق إلى القاهرة، واستمر شهاب الدين بالقاهرة إلى أن شغرت مشيخة الصلاحية فصرف الشيخ عز الدين القدسي عنها فسافر إليها في ذي الحجة سنة ثمان وثلاثين، فباشرها إلى أن مات في يوم السبت ١٦ ربيع الآخر.
قال القاضي تقي الدين الشهبي: "ناب في القضاء مدة ودخل في قضايا كبار ففصلها، وولى بعض البلاد فحصل منها مالًا، وصار يتجر بعد أن كان مقلًّا يتكسب من شهادة المخبز بالخانقاه الصلاحية".
"ولما ولى قضاء دمشق سار سيرة حسنةً مرضية بحسب الوقت ولم يعدم من يفترى عليه، إلّا أنه كان متساهلا لا يتجنب عن القضايا الباطلة، وكان لا يتولّى الحكم بنفسه ولا يفصل في شيء، ولا ينكر على ما يصدر من نوّابه، مع اطلاعه على حالهم" (١).
٤ - أحمد بن (٢) محمد بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي، شهاب الدين، ولد سنة ثمان وسبعين، وسمع من عمه الحافظ نور الدين، والزين العراقي والأبناسي والزين ابن الشيخة، وتكسب بالشهادتين في حانوت برحبة العيد (٣)، وحدّث قليلا.
مات في ليلة الثلاثاء سادس ذي الحجة ودُفن من الغد.
٥ - أحمد (٤) بن محمد بن رمضان المكي، الشاعر المعروف بالحجازي، أو أبو
стр. 1711
العباس، ذكر لي أنه وُلد سنة إحدى وسبعين وسبعمائة تقريبا بجياد (١) من مكة، وتولّع بالأدب، وقدم الديار المصرية في سنة ستٍ وثمانين وسبعمائة صحبة زكيّ الدين الخرّوبي وتردّد إليها، ثم استقر بالقاهرة وتكسب فيها بمدْح الأعيان.
وكان ينشد قصائد جيدةً منسجمة، غالبا في المديح، فما أدري أكان ينظم حقيقة أو كان ظفر بديوان شاعر من الحجازيين وكان يتصرف فيه، وإنما ترددتُ فيه لوقوفي في بعض القصائد على إصلاح في بعض الأبيات عند المخلص أو اسم الممدوح، لكونه فيه زحاف أو كسر، والله يعفو عنه.
وأظنه كان مخطئا في سنة مولده فإنّه كان اشتدّ به الهرم وظهر عليه جدا، والله أعلم.
٦ - أحمد (٢) بن محمد نجم الدين البابي، شهاب الدين، نسبة إلى "باب"، وكان يصحب القاضي صدْرَ الدين المناويّ، وتقدم في ولايته القضاء، ثم ولى تدريس الشريفية بالقرب من الجودريّة، وسكن بها إلى أن مات وقد جاوز الثمانين.
٧ - أرغون شاه النيروزي، وكان ولى أستادارية السلطان بدمشق، وولى الوزارة بمصر ثم الأستادارية ثم عاد إلى دمشق على إمرة.
مات في حادي عشر رجب.
٨ - أقباي اليشبكي، كان من مماليك يشبك، واستقر بعد ذلك دويدارًا صغيرًا وولى نيابة الإسكندرية في العام الماضي (٣)، وكان متواضعًا بشوشا كثير الحرص على التحصيل، ولم يُحْمد في ولايته المذكورة.
مات في يوم السبت ٢١ ذي القعدة (٤)، واستقر زين الدين عبد الرحمن بن علم الدين بن الكويز في نيابة الإسكندرية.
стр. 1712
مات في يوم السبت ٢١ ذي القعدة، واستقر زين الدين عبد الرحمن بن علم الدين بن الكويز في نيابة الإسكندرية.
٩ - أبو بكر (١) بن معتوق بن أبي بكر السوهاجي، زكيّ الدين الشاهد بمصر، سمع في سنة تسع وسبعين على ناصر الدين محمد بن علي بن يوسف بن إدريس الحراوي (٢) الطبردار قطعة من كتاب الخيل للدمياطي بسماعة لجميعه منه، ومات في سنة أربعين.
١٠ - برْدْبَك (٣) الإسماعيلي الظاهري برقوق، أحد أمراء العشرات، مات في جمادى الأولى.
١١ - حمزة بك بن علي بن ناصر الدين بن ذلغادر، مات مسجونًا بقلعة الجبل في ليلة الخميس السابع والعشرين من جمادى الأولى.
١٢ - سَلِيم بن عبد الرحمن الجِنَاني (٤)، الشيخ سليم، أصله من عسقلان، ويقال له الأزهري لسكناه بالجامع الأزهر وهو أحدُ مَن كان يُعتقَد بالقاهرة، وكان شهما جاوز الستين بأربع، وحجَّ مرات، وكانت جنازته مشهورة.
ومات أخوه الشيخ علي الجنَاني قبله بقليل، وكان خيِّرًا ديّنًا، وأظنه جاوز الثمانين (٥)
стр. 1713
١٣ - عائشة (١) ست العين بنت القاضي علاء الدين الحنبلي، ولدت سنة إحدى وستين [بالقاهرة] (٢)، وحضرت في الثانية على جَدها [لأمها] فتح الدين القلانسي أكثر الغَيْلانيَّات (٣) وذلك في خمسة مجالس من ثمانية (٤)، وبقى الثَّاني والثالث والرابع والسادس والسابع في ربيع الأول سنة اثنتين وستين وسبعمائة وغيرها، ومكعب من القاضي عز الدين بن جماعة، والقاضي موفق الدين الحنبلي جزءيْن من حديث أبي الحسين بن بشر، ومن ناصر الدين الحرّاوي المجلس الأول من فضل الخيل للدمياطي.
ولها إجازة من محبّ الدين الخلاطي، وجماعةٍ من الشاميّين والمصريين، وأكثر عنها الطلبة بأخرة.
وكانت خَيرة تكتب خطا جيّدًا، وهي والدة القاضي عز الدين بن قاضي المسلمين برهان الدين إبراهيم بن نصر الله الحنبلي (٥).
١٤ - عبد الرحمن بن محمد بن سليمان (٦) بن عبد الله، المَرْوزي الأصل، زين الدين بن الخراط، نزيل القاهرة، الأديب الشاعر، موقع الدست، اشتغل على أبيه وغيره بحلب، ووُلد بحماة في سنة سبع وسبعين (٧)، وقدم مع والده إلى حلب، فنشأ بها واشتغل بالفقه ثم تولّع بالأدب واشتهر، وأكثر من مدْح الأكابر من أهل حلب، ومدح جكم بقصائد طَنانةٍ،
стр. 1714
فأجازهُ، واختص به ونادمه، ثم بعد إقامته بمصر مدح ملوكها ورؤساءها، وقدم أخوه شمس الدين محمد (١) إلى القاهرة صحبة القاضي ناصر الدين بن البارزي، فسعى لأخيه في كتابة السر بطرابلس، فوليها، ثم قدم الديار المصرية ابن البارزي فقطنها وقرّر في كتابة الإنشاء، ثم ولى وظيفة الإنشاء بعد ابن حجة، وكانت بيده وظائف تلقاها عن أبيه فاستمرت معه.
وولى قضاء الباب بعد والده فاستمر معه إلى أن مات واعتراه في آخر عمره انحراف بعد أن كان في غاية اللطافة والكياسة.
سمعْتُ من نظمه، وطارحني بلغز في النعام نثرًا من إنشائه فأجَبْتُه. وكان كثير النّفور من الناس جدا.
بلغني أنه قارب السبعين، ومات في ليلة الثلاثاء (٢) ثاني المحرم، وقد تقدّم ذكر أبيه (٣).
١٥ - عبد الرحمن، القاضي نور الدين، ابن الشيخ جلال الدين نصر الله البغدادي (٤) أخو قاضي القضاة محب الدين، كان ينوب في الحكم عن أخيه وناب قبل ذلك عن ابن المغلى، وكان في ابتداء أمره حريريا بحانوت على باب النصر (٥)، ثم جلس في الشهود إلى أن ناب عن أخيه فحكم فيه، ثم ولى قضاء صفد استقلالًا، فأقام بها سبع سنين، ثم حجّ في أواخر شعبان سنة سبع وثلاثين وجاور سنة ثمانٍ، ورجع إلى القاهرة في أوائل سنة تسع وثلاثين فأقام بها ينوب عن أخيه إلى أن مات في يوم الجمعة تاسع شعبان، وكان الجمع في جنازته وافرًا، ولم أصَلِّ عليه، لأنه أخْرج وقت صلاة الجمعة، وأنا صليْتُ في جامع القلعة بالسلطان.
ومولده سنة ٧٨٢، وقدم مع أبيه بعد التسعين وهو أصغر الإخوة، وله سماع من بعض شيوخنا، وكان حسنَ المودّة كثير البشاشة، وفي كثير من أحكامه مغال، والله يعفو عنه.
стр. 1715
وأجاز له في استدعاء - بخط أخيه - القاضي محب الدين بن المحب، وجماعة من شيوخ الشام سنة ستٍ وثمانين وسبعمائة، وذكر لي أخوه أنه سمع معه على تقي الدين بن حاتم كتاب "الشفا"، ولم يخلف ولدًا، وقرأتُ بخط أخيه أنه مات له ثلاثة عشر ولدًا.
١٦ - عبد الرحمن الحلبي (١)، القاضي تاج الدين المعروف بابن الكركي، مولده [سنة ٧٧١] (٢)، وسمع من [ابن صدّيق وابن أيْدُغْمُش]، وولى قضاء حلب مدةً ثم ترك ذلك واستمرتْ بيده جهات قليلة ينتفع منها إلى أن مات في ٢٢ من شهر رمضان، وكان يسكن القاهرة مدة، وناب عنّي، ثم حَجّ.
ولقيتُه بحلب لما توجَّهْت إليها صحبة السلطان (٣)، وأجاز لأولادي، رحمه الله تعالى.
١٧ - عبد الوهاب، تاج الدين ابن الحافظ عماد الدين بن عمر بن كثير. مات في ثاني ذي القعدة بدمشق.
١٨ - علي (٤) بن علي بن محمد بن منصور بن حجاج بن يوسف الحسيني العلوي الشريف، صاحب صنعاء، الإمام نجاح الدين، أقام في الإمامة بعد أبيه ستًّا وأربعين سنة وأشهرًا، وأضاف لصنعاء وصَعْدَة عدّة حصون (٥).
ومات في سابع صفر (٦) واستقرّ بعده بعهد أبيه الناصر صلاح الدين، فمات بعد ثمانية وعشرين يوما، فاجتمع الزيديَّة على رجل يقال له صلاح بن علي بن محمد بن أبي القاسم، وبايعوه ولقبوه بالمهدي، والجميع زيدية.
١٩ - عيسى بن قرمان بن قمارى، قتل في محاربته مع أخيه إبراهيم.
٢٠ - قُرْمشُ الأعور، كان من مماليك الظاهر برقوق وتنقّلت به الأحوال وتأمر، كان مع تَنِبَك البجَاسيّ لمَا خامَر على السلطان، ثم ظهر مع جَنبك الصُوفي في السنة الماضية، فلمّا كان العسكر المجرّد بحلب وصل خَجَا سُودُون إلى عينتاب فطرقه قُرْمُش، وكانت بينهما
стр. 1716
وقعة، قبض فيها على قرمش، فقتِل وحُمِلتْ رأسه إلى القاهرة فطيف بها (١) ووصل العسكر المجرّد إلى سيواس فلم يظفروا بجانبك ولا بابن ذلْغَادر بل انهزما أمامهم إلى بلاد الروم.
٢١ - كَمَشْبُغا الظاهري (٢) [برقوق ويسمى] أمير عشرة، كان هو أيضًا ممن قام بنصر جَانِبَك الصّوفي إلى أن أخذ في هذه السنة.
٢٢ - قصْرُوَه (٣) [من تمراز] كان من مماليك الظاهر برقوق، وتنقّلت به الأحوال إلى أن استقر في إمرة آخور الكُبْرَى في أول دولة الأشرف، ثم نقل إلى نيابة طَرَابُلُس في سنة خمس وعشرين (٤)، ثم نُقل إلى نيابة حلب سنة ثلاثين، فلمّا كانت سَفْرةُ آمد، وعاد الأشرف إلى القاهرة ولَّاه نيابة دمشق، ونقل منها جَارْ قُطلى إلى القاهرة، ونُقل قَصْرُوَه إلى حلب في شعبان سنة سبع وثلاثين، فسار فيها سيرة حسنة، وعَمّرَ قبة كبيرة في مقام الأنصاري، ووقف عليها وقفا.
٢٣ - محمد بن أحمد بن محمود، القاضي شمس الدين الحنفي، المعروف بابن الكشك، قاضي دمشق، مات بدمشق، معزولًا عن القضاء في يوم الثلاثاء ١٣ ربيع الأول.
٢٤ - محمد بن إسماعيل بن أحمد الضّبيّ الشافعي، صاحبنا الشيخ شمس الدين، كان خطيبًا بجامع يونس (٥) بالقرب من قنطرة السباع بين مصر والقاهرة، وكان ديّنًا خَيّرًا
стр. 1717
مقبلا على شأنه .. لازمني نحو الثلاثين سنة، وكتب أكثر تصانيفي، منها "أطراف المسند" وما كمل من "شرح البخاري"، وهو أحد عشر سفرا، و"المشتبه" و"لسان الميزان" وكتب "الأمالي" وهي قدْر أربع مجلدات بخطه وتخريج الرافعي وعدّة تصانيف.
وكتب لنفسه من تصانيف غيري.
واشتغل بالعربية، ولم يكن له نهمة في غير الكتابة، وكان متقلّلا من الدنيا، قانعًا باليسير، صابرًا، قانتًا، قليل الكلام. كَثُرَ الثناءُ عليه من جيرانه، مات في يوم الثلاثاء ثاني عشر رمضان (١)، وتأسفوا عليه، ﵀.
٢٥ - محمد بن محمد بن أحمد، المناوي الأصل، الشيخ شمس الدين الجوهري المعروف بابن الريفي (٢). مات في يوم الخميس خامس شوال، وكان قد حصلت له ثروة من قِبل حواشي الناصر فرج من النساء، وأكثَرَ من القراءة على الشيخ برهان الدين البيجوري، فقرأ عليه في "الرّوضة" وفي "الرافعي الكبير" وفي "الرافعي الصغير" وغير ذلك. ولازم دروس القاضي وليّ الدين العراقي، وكان كثير التلاوة والإحسان إلى الطلبة، وكانت جنازته مشهودة.
٢٦ - محمد بن محمد بن علي بن إدريس بن أحمد بن محمد بن عمر بن علي بن أبي بكر بن عبد الرحمن، مجد الدين أبو الطاهر، العلويّ، نسبة إلى بني علي (٣) من بَلى بن وائل، التعزّي الشافعي، ولد في أواخر شوال سنة ست وثمانمائة (٤)، وقرأ القرآن وشدا شيئا من العربيّة ونظم الشعر، وأحبَّ طَلَبَ الحديث، فأخذ عن الجمال بن الخيّاط بتعزّ وحضر عند الشيخ مجد الدين الشيرازي (٥) وأجاز له، وحجّ سنة تسع وثلاثين فسمع بمكة، ثم قدم القاهرة فأكبّ على السماع ليلًا ونهارًا، وكتب بخطه كثيرًا ثم بَغَتَهُ الموتُ فتوعَّك أياما، ومات (٦) يوم الجمعة تاسع عشر جمادى الآخرة، وكان ينظم سريعا.
стр. 1718
٢٧ - محمد بن موسى بن عمر بن عطية، شرف الدين اللَّقّاني الأزهري المالكي، وُلد في شعبان سنة ٧٧٢، (١)، كذا بخطّه، ونشأ مع أبيه وحفظ القرآن وقرأ به في الجوق، وكان حسنَ الصَّوت.
ثم طلب الحديث وقتًا. وكتب أسماء السامعين، واعتمدوا عليه في ذلك، ثم اتصل بشرف الدين الدماميني حين وَلِي نظر الجيش. ثم بفتح الله حين ولى كتابة السّرّ، فلازمه إلى أن استقرّ شاهد ديوانه وغلب عليه. ثم لمّا زالت دولته واستقر ابن البارزي خَدَمَه ولازمه إلى أن غَلب أيضًا عليه، واستقر في ديوانه لا يقطع أمرًا دونه إلى أن مات. فخدم ابنَه ثمّ ابنَ الكَويْز. ثم انفصل عنه وباشر في عدّة جهات.
وكان كثير التودّد والإحسان للفقراء والمحبّة في أهل الخير والصلاح.
مات في يوم الاثنين خامس شعبان بمنزله بجوار الأزهر، ودُفن ثانيَ يوم وكانت جنازته حافلة، وصلوا عليه بالجامع الأزهر، وكان الجمْعُ كثيرًا، ثم مشوا إلى مُصَلّى باب النصر فصلَّيْتُ عليه، وحضر جميعُ مباشرى الدولة وناظر الجيش فمَنْ دونه.
٢٨ - محمد بن يوسف بن أبي بكر بن صلاح، القاضي شمس الدين الحلاوي الدمشقي (٢)، وكان يذكر أنّ أصلهم من حلب وأنهم نُسبُوا إلى المدرسة الحلاوية بها، وكان كثير من الناس يذكرون أن والده كان يبيع الحلوى الناطف في طبق، ووُلد (٣) له هذا في سنة ٧٦٥، وكان للناس فيه اعتقاد (٤) فنشأ ولدُهُ بين الطلبة، وأسمعه من جماعة من الشيوخ، وكان يذكر أنه سمع من الحافظ عماد الدين بن كثير، وابن أميلة ونحوهما من أهل ذاك العصر، فوجد سماعه لبعض الصحيح من ابن الكشك وحدَّث به، ثم قدم القاهرة
стр. 1719
وتوصّل إلى خدمة الأمير يشبك، وصَحب ابن غراب، وعمل التوقيع عند يشبك، وولى نظر الأحباس مدةً، والحسبة غير مرة، ثم ولي وكالة بيت المال سنة سبع وعشرين بعد موت ابن التبَّاني إلى أن مات، وكان قد مرض مرضًا طويلًا نحو خمسة الأشهر يعالج فبطل نصفه، وتنقلت به الأمراض إلى أن مات في ليلة الخميس (١) سادس شوال، وكان كثير المجازفة في القوْل، واستقرّ بعده في وكالة بيت المال القاضي نور الدين بن مُفْلح ناظر المرستان (٢).
٢٩ - محمد شاه، ابن الشيخ شمس الدين الفناري الحنفي الرومي، كان ذكيا وحجّ في سنة بضعٍ وثلاثين، ودخل القاهرة، ثم رجع إلى بلاد ابن قرمان فمات (٣).
٣٠ - محمد المغربي الأندلسي النحوي (٤)، الشيخ شمس الدين الذي ولى قضاءَ حماة، وأقام بها مدّة، ثم توجّه إلى الروم فأقام بها، وأقبل الناس عليه، وكان شعلةَ نارٍ في الذكاء، كثير الاستحضار، عارفًا بعدّة علوم خصوصا العربيّة، وقد قرأ في علوم الحديث عليَّ، وكان حسن الفهم ..
стр. 1720
مات في شعبان ببرصا من بلاد الروم.
٣١ - محمد بن … ... (١) بن الشيخ عبد القادر الكيلاني، الشيخ شمس الدين. مات في رابع عشر.
٣٢ - محمد المعروف بالبلدي (٢)، والشيخ شمس الدين، كان خَيّرًا وبيده نظر المرستان بمكة، وكان يخدم الفقراء ويبالغ في ذلك بنفسه، وكان دأبُه المشي بين الناس للإصلاح بينهم وتأليف قلوبهم فتألموا لفقده، وكانت وفاته في يوم الخميس سلخ ربيع الأول.
٣٣ - موسى بن أحمد (٣) بن موسى بن عبد الله بن سليمان، الشيخ شرف الدين السبكي (٤)، مات في سابع عشر ذي القعدة (٥)، وكان متصديًا لشغل الطلبة بالفقه جميع نهاره، وأقام على ذلك نحو العشرين سنة، ولم يخلف بعده في ذلك نظيره، وأظنّه بلغ