← История

История · id 26317

إنباء الغمر بأبناء العمر - ت حبشي

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (1 903 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

وقعة، قبض فيها على قرمش، فقتِل وحُمِلتْ رأسه إلى القاهرة فطيف بها (١) ووصل العسكر المجرّد إلى سيواس فلم يظفروا بجانبك ولا بابن ذلْغَادر بل انهزما أمامهم إلى بلاد الروم. ٢١ - كَمَشْبُغا الظاهري (٢) [برقوق ويسمى] أمير عشرة، كان هو أيضًا ممن قام بنصر جَانِبَك الصّوفي إلى أن أخذ في هذه السنة. ٢٢ - قصْرُوَه (٣) [من تمراز] كان من مماليك الظاهر برقوق، وتنقّلت به الأحوال إلى أن استقر في إمرة آخور الكُبْرَى في أول دولة الأشرف، ثم نقل إلى نيابة طَرَابُلُس في سنة خمس وعشرين (٤)، ثم نُقل إلى نيابة حلب سنة ثلاثين، فلمّا كانت سَفْرةُ آمد، وعاد الأشرف إلى القاهرة ولَّاه نيابة دمشق، ونقل منها جَارْ قُطلى إلى القاهرة، ونُقل قَصْرُوَه إلى حلب في شعبان سنة سبع وثلاثين، فسار فيها سيرة حسنة، وعَمّرَ قبة كبيرة في مقام الأنصاري، ووقف عليها وقفا. ٢٣ - محمد بن أحمد بن محمود، القاضي شمس الدين الحنفي، المعروف بابن الكشك، قاضي دمشق، مات بدمشق، معزولًا عن القضاء في يوم الثلاثاء ١٣ ربيع الأول. ٢٤ - محمد بن إسماعيل بن أحمد الضّبيّ الشافعي، صاحبنا الشيخ شمس الدين، كان خطيبًا بجامع يونس (٥) بالقرب من قنطرة السباع بين مصر والقاهرة، وكان ديّنًا خَيّرًا

стр. 1717

مقبلا على شأنه .. لازمني نحو الثلاثين سنة، وكتب أكثر تصانيفي، منها "أطراف المسند" وما كمل من "شرح البخاري"، وهو أحد عشر سفرا، و"المشتبه" و"لسان الميزان" وكتب "الأمالي" وهي قدْر أربع مجلدات بخطه وتخريج الرافعي وعدّة تصانيف. وكتب لنفسه من تصانيف غيري. واشتغل بالعربية، ولم يكن له نهمة في غير الكتابة، وكان متقلّلا من الدنيا، قانعًا باليسير، صابرًا، قانتًا، قليل الكلام. كَثُرَ الثناءُ عليه من جيرانه، مات في يوم الثلاثاء ثاني عشر رمضان (١)، وتأسفوا عليه، ﵀. ٢٥ - محمد بن محمد بن أحمد، المناوي الأصل، الشيخ شمس الدين الجوهري المعروف بابن الريفي (٢). مات في يوم الخميس خامس شوال، وكان قد حصلت له ثروة من قِبل حواشي الناصر فرج من النساء، وأكثَرَ من القراءة على الشيخ برهان الدين البيجوري، فقرأ عليه في "الرّوضة" وفي "الرافعي الكبير" وفي "الرافعي الصغير" وغير ذلك. ولازم دروس القاضي وليّ الدين العراقي، وكان كثير التلاوة والإحسان إلى الطلبة، وكانت جنازته مشهودة. ٢٦ - محمد بن محمد بن علي بن إدريس بن أحمد بن محمد بن عمر بن علي بن أبي بكر بن عبد الرحمن، مجد الدين أبو الطاهر، العلويّ، نسبة إلى بني علي (٣) من بَلى بن وائل، التعزّي الشافعي، ولد في أواخر شوال سنة ست وثمانمائة (٤)، وقرأ القرآن وشدا شيئا من العربيّة ونظم الشعر، وأحبَّ طَلَبَ الحديث، فأخذ عن الجمال بن الخيّاط بتعزّ وحضر عند الشيخ مجد الدين الشيرازي (٥) وأجاز له، وحجّ سنة تسع وثلاثين فسمع بمكة، ثم قدم القاهرة فأكبّ على السماع ليلًا ونهارًا، وكتب بخطه كثيرًا ثم بَغَتَهُ الموتُ فتوعَّك أياما، ومات (٦) يوم الجمعة تاسع عشر جمادى الآخرة، وكان ينظم سريعا.

стр. 1718

٢٧ - محمد بن موسى بن عمر بن عطية، شرف الدين اللَّقّاني الأزهري المالكي، وُلد في شعبان سنة ٧٧٢، (١)، كذا بخطّه، ونشأ مع أبيه وحفظ القرآن وقرأ به في الجوق، وكان حسنَ الصَّوت. ثم طلب الحديث وقتًا. وكتب أسماء السامعين، واعتمدوا عليه في ذلك، ثم اتصل بشرف الدين الدماميني حين وَلِي نظر الجيش. ثم بفتح الله حين ولى كتابة السّرّ، فلازمه إلى أن استقرّ شاهد ديوانه وغلب عليه. ثم لمّا زالت دولته واستقر ابن البارزي خَدَمَه ولازمه إلى أن غَلب أيضًا عليه، واستقر في ديوانه لا يقطع أمرًا دونه إلى أن مات. فخدم ابنَه ثمّ ابنَ الكَويْز. ثم انفصل عنه وباشر في عدّة جهات. وكان كثير التودّد والإحسان للفقراء والمحبّة في أهل الخير والصلاح. مات في يوم الاثنين خامس شعبان بمنزله بجوار الأزهر، ودُفن ثانيَ يوم وكانت جنازته حافلة، وصلوا عليه بالجامع الأزهر، وكان الجمْعُ كثيرًا، ثم مشوا إلى مُصَلّى باب النصر فصلَّيْتُ عليه، وحضر جميعُ مباشرى الدولة وناظر الجيش فمَنْ دونه. ٢٨ - محمد بن يوسف بن أبي بكر بن صلاح، القاضي شمس الدين الحلاوي الدمشقي (٢)، وكان يذكر أنّ أصلهم من حلب وأنهم نُسبُوا إلى المدرسة الحلاوية بها، وكان كثير من الناس يذكرون أن والده كان يبيع الحلوى الناطف في طبق، ووُلد (٣) له هذا في سنة ٧٦٥، وكان للناس فيه اعتقاد (٤) فنشأ ولدُهُ بين الطلبة، وأسمعه من جماعة من الشيوخ، وكان يذكر أنه سمع من الحافظ عماد الدين بن كثير، وابن أميلة ونحوهما من أهل ذاك العصر، فوجد سماعه لبعض الصحيح من ابن الكشك وحدَّث به، ثم قدم القاهرة

стр. 1719

وتوصّل إلى خدمة الأمير يشبك، وصَحب ابن غراب، وعمل التوقيع عند يشبك، وولى نظر الأحباس مدةً، والحسبة غير مرة، ثم ولي وكالة بيت المال سنة سبع وعشرين بعد موت ابن التبَّاني إلى أن مات، وكان قد مرض مرضًا طويلًا نحو خمسة الأشهر يعالج فبطل نصفه، وتنقلت به الأمراض إلى أن مات في ليلة الخميس (١) سادس شوال، وكان كثير المجازفة في القوْل، واستقرّ بعده في وكالة بيت المال القاضي نور الدين بن مُفْلح ناظر المرستان (٢). ٢٩ - محمد شاه، ابن الشيخ شمس الدين الفناري الحنفي الرومي، كان ذكيا وحجّ في سنة بضعٍ وثلاثين، ودخل القاهرة، ثم رجع إلى بلاد ابن قرمان فمات (٣). ٣٠ - محمد المغربي الأندلسي النحوي (٤)، الشيخ شمس الدين الذي ولى قضاءَ حماة، وأقام بها مدّة، ثم توجّه إلى الروم فأقام بها، وأقبل الناس عليه، وكان شعلةَ نارٍ في الذكاء، كثير الاستحضار، عارفًا بعدّة علوم خصوصا العربيّة، وقد قرأ في علوم الحديث عليَّ، وكان حسن الفهم ..

стр. 1720

مات في شعبان ببرصا من بلاد الروم. ٣١ - محمد بن … ... (١) بن الشيخ عبد القادر الكيلاني، الشيخ شمس الدين. مات في رابع عشر. ٣٢ - محمد المعروف بالبلدي (٢)، والشيخ شمس الدين، كان خَيّرًا وبيده نظر المرستان بمكة، وكان يخدم الفقراء ويبالغ في ذلك بنفسه، وكان دأبُه المشي بين الناس للإصلاح بينهم وتأليف قلوبهم فتألموا لفقده، وكانت وفاته في يوم الخميس سلخ ربيع الأول. ٣٣ - موسى بن أحمد (٣) بن موسى بن عبد الله بن سليمان، الشيخ شرف الدين السبكي (٤)، مات في سابع عشر ذي القعدة (٥)، وكان متصديًا لشغل الطلبة بالفقه جميع نهاره، وأقام على ذلك نحو العشرين سنة، ولم يخلف بعده في ذلك نظيره، وأظنّه بلغ

стр. 1721

السبعين (١)، وكان سفَّاطا (٢). ٣٤ - نعمة الله بن الشيخ شرف الدين محمد بن عبد الرحيم (٣) الجرهي (٤) - بفتح الجيم والراء الخفيفة - مات وله دون الثلاثين سنة (٥)، وُلد بشيراز (٦) وسمع الكثير وحُبِّبَ إليه الطلب، وسمع من أبيه وجماعة بمكة، ثم قدم القاهرة فأكثرَ عنّي وعن الشيوخ، وفهم وحَصل كثيرًا من تصانيفي ومهر فيها، وكتب الخَط الحسن وعَرف العربية. ثم بلغه أن أباه مات في العام الماضي (٧) فتوجّه في البحر فوصل إلى البلاد ورجع هو وأخوه قاصدين إلى مكة، فغرق نعمةُ الله في نهر الحسا ونجا أخوه، فلما وصل إلى اليمن ركب البحر إلى جدة فاتفق وقوع الحريق بها فاحترق مع من احترق لكنه عاش وفقد رجليه معًا فإنّهما احترقتا، وعاش هو بعده، وذلك في شوال منها. وكانت وفاة نعمة الله في رجب (٨) أو شعبان ظنًّا.

стр. 1722

سنة إحدى وأربعين وثمانمائة قرأت بخط القاضي الحنبلي: "لم يُرَ الهلال ليلة الجمعة (١)، إلّا أن شخصًا يقال له العلائي يقرأ المواعيد ذكر أنه رآه ولم يوجد من يوافقه، وفي يوم الجمعة صُلّى بجامع الحاكم بعد الصلاة على ميت". وفيه فُرِّقت كتب للحجّاج وفيها أن الوقفة يوم الجمعة، وكان قدوم الهجان بذلك بعد العصر يوم الخميس قبل ذلك، ولم يحضر المبشّر على العادة خشيةً من العرب الذين يقطعون الطريق. وفي يوم الاثنين استقر سراج الدين عمر الحمصي في قضاء طرابلس، وخُلع عليه، وركب مع القاضي الشافعي وناظر الحِسْبة. وفي العاشر منه ثار جماعة من المماليك الأشرفية الجلبان وقصدوا نهب بيت ناظر الجيش فأنْذِر بهم، فاحتَرزَ وتحوّل من بركة الرطلى (٢)، ونقل أمتعته فهجموا منزله ببركة الرطلى. ونهبوا ما فيه، وهم دون المائة، ورجعوا، وخشي الوزير من النّهب فاختفى، ثم صارا (٣) يحضران مع المركب، ويرجعان متخفيَيْن، فراسلهم (٤) السلطان بالمنع عَمّا فعلوه فلم يُجيبوا (٥)، وراموا أن تُزاد جوامكهم واللحمُ، ثم سكنت القضية.

стр. 1723

وفيه وصل بدوي فأخبر أنّ الحاجّ حصل لهم في الذهاب عطش، ومات منهم كثير من الجمال، ولم يحضر معه من كتبهم إلّا اليسير، فحصل لجماعة - مِمن له معرفة من الحاج - اضطراب إلى أن وصل في السادس عشر جماعة سبقوا من "العيون" (١)، فذكروا أن بني لام خرجوا على شاهين الذي كان توجّه لعمارة البئر بالعيون فقتلوه، ونهبوا الإقامة المجهزة من القاهرة، و [ذكروا] أن الحُجاج بخير، ثم وصل من سطح العقبة جماعةٌ في يوم العشرين فأخبروا أنّ الركب الأول يدخل يوم السبت، وأن المحمل يتأخر بسبب احترازهم من العرب. * * * وفي سابع عشر صفر وقع لعزّ الدين ابن القاضي جمال الدين البساطي تغيّظُ على بعض العامة فعزّره، فشكاه للسلطان، فتعصب أمير آخور الصغير، فأدّب العامِّيَّ، وضربه ضربًا مبرحًا، فحمله أخوه على حَمّال وزعم أنه أشرف على الموت، فآل الأمر إلى أن أمر السلطان بضرب البساطيّ فضرب ضربا مبرحا، وشقّ ذلك على غالب الناس. وفي يوم الأربعاء - ثالث عشرى ربيع الأوّل - نُودي على النيل بما كان نقص وهو إصبعان، ثم نودي يوم الخميس بإصبع بتكملة أربعة عشر من إحدى وعشرين ذراعًا، وكان ذلك موافقًا لتاسع عشرى (٢) توت من الأشهر القبطية، وانتهت الزيادة في سلخه إلى خمسة عشر إصبعًا من إحدى وعشرين ذراعا، واستمرّ ثابتًا مدة، واشتد الحرّ إلى نحو العشرة أيام إلى أن طلع نجم السماك يوم السبت رابع شهر ربيع الآخر الموافق لِبَابه من الأشهر القبطية فهبَّ الهواء البارد وسكن الحرُ. * * * وفيها غلب على صنعاء اليمن سنقر (٣) مَوْلى علي بن صلاح ملكها الذي انتقل بالوفاة، فعصى سنقر المذكور على الإمام الذي استقر بعد عليّ بن صلاح بصعدة، فسار

стр. 1724

الإمام لمحاربة سُنْقُر المذكور كما سيأتي بيانه في السنة التي بعدها، وآل الأمر إلى أن صارت المملكة لسُنْقُر وصَيَّرها مُلكًا. وفيها ورد كتاب صاحب الحبشة يذكر فيها أن البَطْرَك الذي عندهم من قبل البَطْرَك الساكن بمصر مات، ويلتمس من السلطان أن يأمر البطرك أن يجهّز إليهم من عنده بَدَلَهُ، ويذكر فيه مودّته ومحبته، ويوصيه بمن بمصر وأعمالها من النصارى، فتقدم الأمر إلى البطرك بذلك فعَيَّن نصرانيًّا يسمى ميخائيل، وجهّز معه قاصدًا من جهته كان ينوب عنه يسمى "صدقة" ومعه تقليد ميخائيل. ومن قبل أن يسافر حضر عندهما جماعة من الحبشة النصارى، فشكوا أنهم كانوا في دَيْر وأنّ قطاع الطريق نزلوا عليهم فقتلوا منهم ثلاثةً وهرب من بقى، وسألوا في ترميم كنيسة كانت قديمة ببساتين الوزير (١)، وتركها أهلها من أجل تخريبها، فرفعوا القصّة إلى السلطان، فأذن في ذلك، ورفعوا أمرهم إلى القاضي الحنفي - وهو حينئذ بدر الدين العيني - فكتب لبعض مَن ينوب عنه بالتوجّه لتلك الجهة وإعادة الكنيسة على ما كانت عليه بأنقاضها من غير مزيد على ذلك، ففعل في سنة ٨٤٤ ما سأذكره. * * * وفي شهر ربيع الآخر قُبض على جانى بك الصوفي بعد أن كان تحوّل من عند مِرْزا بك إلى جهة ابن قرايلك، فمازال تغرى بَرْمَش - النائبُ بحلب - يُكاتبهُ في أمره إلى أن اتفقا على خمسة آلاف دينار ليقبض عليه، فبلغ ذلك جَانى بك ففر بمن معه، فتتبعوه فَجُرِح في المعركة فقُبض عليه، فكُوتب النائب فجهّز المال ومعه سرية تحمله إلى حلب، وكاتب السلطانَ في ذلك فاتّفقت وفاته ثاني يوم القبض عليه، فوصلت السرية فقبض المال وحُزَّ رأسه (٢) وجُهّزَت إلى حلب ثم إلى القاهرة.

стр. 1725

ووصلوا بها في أول جمادى الأولى، وطيف بها في القاهرة، فاستقرت (١) النفوس وحصل لمن كان يهوى هواه مالا مزيد عليه من الخوف، وبطلت الملحمة، وتبين كذب من افتراها، والأمر كله بيد الله تعالى. وفي يوم الخميس سابع عشره رفع جماعة أن نور الدين بن سالم - أحد نواب الشافعي - حكم عليه في قضيةٍ فطلبه السلطانُ فحضر، فسأله عن الشهود: "لِمَ لمْ تكْتُبْ أسماءهم في الحكم؟ " فأجاب بأن ذلك ليس شرْطا، فعارض بعضُ مَن حضر، فأمر السلطان بضربه (٢) فضُرب بحضْرته وأخِذَ شاشه (٣)، وأهين إهانة صعبة، فخرج وهو مكسور الخاطر لكونه مظلومًا وكَثُر التأسف عليه، ولم يكن إلّا اليسير حتى وعك السلطانُ وتمادى (٤) أمره إلى أن مات كما سيأتي مفصلًا. * * * وفيها وقع الطاعون في نصف الشتاء في البلاد الشامية، فكثر بحماة وبحلب وبحمص، ثم تَحوّل إلى دمشق في أواخر الشتاء، ودخل الدّيار المصرية في أوائل شهر رمضان، فكان في ابتدائه يموت في اليوم نحو العشرين (٥)، ثم بلغ في أواخره نحو الثمانين. ثم بلغ في أول شوال إلى المائة، ثم إلى المائتين في العشر الأول منه. * * * وفي العشر الأخيرة من شهر رمضان توجّه جَكم - ختن السلطان - بإذْنِه - إلى الوجه

стр. 1726

البحري، فهدم دير المغطس، وهو دير روماني من قَبْل الإسلام، لكنهم يبالغون في تعظيمه، ويخصصون له يومًا معينًا كالعيد، يجتمع فيه من جميع أقطار الإقليم، مشاةً وركبانًا، يتشبّهون بالحاجّ، ويجتمع حوْله من الباعة ما جرت به العادة في المواسم الكبار، ويعلنون فيه سبَّ أكابر المسلمين كالصحابة خصوصًا خالد بن الوليد. وقد تقدّم (١) في حوادث شهر ربيع الأول من السنة الماضية قيام الشيخ ناصر الدين الطنباوي في أمره وسعْيُه في هدْمه فلم يتفق، فقيّضَ الله في هذا الشهر هذا الرجل، وهو جركسي قريب العهد بالإسلام، لكنّ إسلامَه قوي، فعرّفه بعضُ الصلحاء بالقضيّة ففهمها، فقام فيها إلى أن أذن السلطان للقضاة بالحكم في هدمه بعْد أن كان المالكي في تلك المرة قد بالغ في تثبيت مقتضيات هدمه، وأشرف على الحكم، فدسُّوا عليه من أخافه بأن للسلطان غرضًا في ترْكِ هَدْمه وإبقائه مغلقًا فجبن، وركن لمن زعم له أن السلطان حكم بإطلاقه إلى أن يَسّر الله في هذا الوقت بهدمه، ولله الحمد. * * * وفي أواخر شهر رمضان سأل السلطانُ مَن يحضر مجلس الحديث عن سبب الطّاعون، فذكر له بعضهم فشُوَّ الزنى، فأمر بمنع النساء من الخروج من بيوتهنَّ إلا العجائز والجواري لقضاء الحوائج اللائي لا بدّ لهنّ، وشدّد في ذلك (٢). وفي الثاني والعشرين من رمضان صُرِف كاتِب السرّ ابن نصْر الله عن الحسبة واستقرّ دُولَات خَجَا الذي كان وَلى الشرطة في سنة ستٍّ وثلاثين في سفرة آمد. وفيه أخْرِج الشيخ سرور المغربي (٣) من القاهرة بأمْر السلطان إلى الإسكندرية. وفي هذا اليوم ظهر جراد كثير جدًّا بعد العصر جاء من قبل المشرق حتى كاد النهار يظلم، فدامَ ساعةً وسار نحو الغرب فلم يبْق له أثر من قَبْل المغرب، ثم في اليوم الذي يليه وقع نظير ذلك في وقته، ثم انقضى أمره.

стр. 1727

وفي أواخر شهر رمضان كُتِبَ مرسوم بإضافة المواريث الحشريّة من النصارى إلى بيت المال بعد أن كان البطرك يتناولها بمراسيم يقرّرها له الكتابُ من قديم الزمان، وكلما أبطله أعادوه، وتكرر ذلك مرارًا. * * * شهر شوال أوله الخميس (١). في أوله اشتدّ البرد جدًا بحيث إنه كان أشدّ مما كان في فصل الشتاء، وعاد الناس إلى لبس الفراء ونحوه، وفشا الطاعون فزاد على المائة، وصلّينا في الجامع الحاكمي بعد الجمعة على خمسة أنفس جملة، وكان أوّل ما ابتدأ اشتدّ في نواحي الجامع الطولوني ثم في الصليبة، ثم فشا في القاهرة - ولله الأمر. ثم بلغ المائتين في العشر الأول منه كل يوم، ثم في العُشْر الأوسط ثلاثمائة. * * * وفي السادس منه استقرّ كاتبهُ في الحكم بالدّيار المصرية على عادته (٢). وفي النصف منه توجّهت ليلى لزيارة أهلها بحلب فأكْمَلَتْ في عصمتي خمس سنين سواء، ووقعت الفرقة وعادَتْ في رجب، ثم أعيدت إلى العصمة. * * * وفي العاشر منه عاود السلطانَ ضعفهُ بالقولنج وسوء المزاج وفساد المعدة، فانقطع عن الموكب والخدمة. وأدير المحمل في يوم الاثنين تاسع عشره وأميرهم آقبغا [من مامش الناصري التركماني] وبطل جماعة من الناس السفر لاشتغالهم بالطاعون. وكان فطر النصارى في الثامن عشر. وأمطرت السماء في التاسع عشر مطرًا خفيفًا، ثم في اللّيل، وأرعدت وأبرقت، ونزل الماءُ كأفواه القرب. وهو اليوم الثالث من نزول الشمس بالثور، وأصبحت المدينة ملأى بالوحل وبِرَكِ الماء، وقد تقدّم نظير هذا في مثل هذا اليوم من سنةِ ستّ وعشرين وثمانمائة.

стр. 1728

وفيه أمِر بكَسْر أواني الخمر، فأخبرني المحتسب دُولَات خَجَا أنَّهُ كَسرَ في يوم واحد ثلاثة وستين ألف جرّة، وأنَّه سئل بمالٍ جزيل للإعفاء من ذلك فلم يستطع مخالفة الأمر لشدّة فحص السلطان على ذلك. وفي أواخره توجّه العسكرُ من حَلَب إلى جهة الروم. * * * وفي يوم السبت الرابع والعشرين منه غضب السلطان على رئيسَيْ الطب شمس الدين أبي البركات بن عفيف بن وهبة بن يوحنا بن وفا الملكي الأسلمي، وزين الدين خضر الإسرائيلي لاتهامه إياهما أنهما غلطا عليه فيما وصفاه له من الأدوية، فأمر بتوسيطهما فوسِّطا بالحوش (١). وذُكر أن ابن العفيف استسلم (٢) وتشهد، وأن الآخر مانَع عن نفسه وسأل أن يفدي نفسه بخمسة آلاف دينار فلم يُجَبْ وقُتلا. وفي صبيحة يوم الأحد سُلّما لأهلهما فدفنوهما، وعُدّ ذلك من الأعاجيب. وفيه غضب على عمر وَالى الشرطة، وصودر عَلَى مال، ثم أعيد. واشتد على السلطان الضعف لعدم تناول الغذاء، وساءت أخلاقه، وصار يأمر بأشياء فيها ضرر لبعضِ مَن يلوذ به، فيظهر المأمورُ الامتثال ولا يفعل. واتفق أن ناظر الجيش القاضي زين الدين عبد الباسط انقطع يومًا بسبب طلوع في ذراعه ثم عوفي وركب، ففرح به الناس. واستمرّ كاتب السر صلاح الدين ضعيفًا منقطعا من يوم الجمعة، ولم يظهر فيه الطاعون (٣) إلا أن مرضه شديد الحدة، فلما كان يوم الثلاثاء الرابع من ذي القعدة طلب السلطانُ الخليفةَ والقضاةَ والأمراءَ والأجناد، وعهد بالسلطنة لولده، وكَتَب عهده، ولُقّب

стр. 1729

"الملك العزيز جمال الدين" (١)، وأشهد السلطانَ على نفسه بذلك برضاء أهل المملكة وأمضاه الخليفة، ثم أشهد على نفسه أنه جَعَل الأمير الكبير جقمق نظامَ مملكة ولده، وكتب له بذلك ورقةً مفردة، وشهد فيها على السلطان بالتفويض، وعلى الخليفة بالإمضاء. وأنْفِق على المماليك السلطانية، فجُعل لكل شخص ثلاثون دينارًا، وانفضّ المجلس. وخلع (٢) على نور الدين الإمام السويفي بوظيفة الحسبة عوضًا عن دُولَات خجا، فهرع الناس للسّلام عليه. * * * وفي الرابع من ذي القعدة تناقص البرد وتزايد الحرّ، وخفّ الموت عن ضواحي القاهرة إلّا من الجهة البحريّة والشرقية فتزايد فيهما، كما كان في الغربية والقبلية، فيقال جاوز الألف من كل يوم، ومعظمهم أطفال ورقيق من جميع الأجناس. وفي النصف من ذي القعدة بدأ الطاعون في النقص، وصار ينقص في كل يوم نحو الأربعين والخمسين والثلاثين، وتمادى على ذلك إلى أن كان في العشرين منه، فكانت عدة الأموات بمصلى باب النصر مائةً بعد أن كانت بلغت الخمسمائة، ثم تناقص إلى ستين في ثاني عشرى ذي القعدة، وكانت بلغت بمصلى المؤمنى نحو الثلاثمائة، ثم تناقص ذلك إلى ثلاثين. * * * وفي العاشر من ذي القعدة نازل العسكر المصري الأبلستين، ثم توجّهوا إلى مدينة أقْشَهْر فنازلوها وأميرها سالم بن حسن، وكان يقطع الطريق على التجار، فهدموا بعض قلاعها، وكان مُعَدًّا لقطّاع الطريق. وتوجّه العسكر المصري منها (٣) في أواخر الشهر وقرروا بها نائبا. وفي السادس والعشرين من ذي القعدة هبّت ريح شديدة وأثارت ترابًا كثيرًا بحيث ملأت البيوت والشوارع، ودامت من الليل إلى آخر النهار. * * *

стр. 1730

وفي العشر الأخير من ذي الحجة (١) - وكان أوله الاثنين - قصد العسكر المصري أرْزَنْكَان الروم، فأرسل إليهم صاحبُها يعقوب بك بنُ قرايُلُك ولده وزوجته وقضاة بلده ببذل الطاعة، وصُحْبَتُهم دراهم مضروبة باسم الأشرف لكنهم حين مَرُّوا ودخلوا البلد زيّنوها لهم، فنزلوا بالمرج وأتَتْهم الضّيافة، واستقر بها نائبًا من قبل السلطان ابن أخيه جَهَانْكير بن علي باك بن قرايلك، ورحل العسكر عنها في أول يوم من شهر المحرّم. * * * ذكر من مات في سنة إحدى وأربعين وثمانمائة من الأعيان ١ - إبراهيم بن عبد الكريم بن بركة، الكاتب سعد الدين بن كريم الدين بن سعد الدين المعروف بابن كاتب جكم، مات في ليلة الجمعة ثامن عشر شهر ربيع الأول ولم يبلغ الثلاثين (٢) وكان استقر في نظر الخاص السلطاني ووكالة السلطان الخاص عقب موت والده (٣) فباشرها إلى أن مات، وكانت عِلَّتهُ مرض السّل، وعرض له في أثناء ذلك قولنج، وحصل له صرع ولم يكثر، واتهم طبيبه بأنه دسّ عليه سمًّا، وكانت جنازته حافلة، وصُلّيَ عليه بالرّميلة، ونزل السلطان، وكثر الثناء عليه. وكان قليل الأذى، كثير البَذْل، طَلْق الوجه، نادرةً في طائفته، واستقر بعده في وظيفته أخوه جمال الدين يوسف يوم السبت وهرع الناس للسّلام عليه. ٢ - إبراهيم (٤) بن محمد بن خليل، الطرابلسي الأصل، الحلبي، سبط ابن العجمي، الحافظ برهان الدين ويعرف بالقوف (٥) كان مولده في ثاني عشري رجب سنة

стр. 1731

٨٥٣ (١)، واشتغل وحصل وتميز ومهر في فنون كثيرة، وأقبل على الحديث فصرف همته إليه وقرأ بنفسه ورحل، ومات في يوم الاثنين ٢٦ شوال (٢). ٣ - أحمد بن صالح، شهاب الدين الشطنوفي العامل بمودع الحكم بالقاهرة، وكان يجيد الكتابة والضبط، وللجهة (٣)، به جمال، فتلاشى الأمر بعده جدا، ولله الأمر. ذكر لي ولده شمس الدين محمد - وهو من النجباء (٤) - أن مولد والده في … ... … ... (٥) وذكر لي غيره أنه جاوز الثمانين. مات في ليلة الجمعة حادي عشر (٦) الحجة. ٤ - أحمد (٧) بن قرطاي الشهابي، سبط بكتمر الساقي، مات في الطاعون ليلة الاثنين عاشر ذي القعدة، ومولده في شعبان ٧٨٦. وكان ناظما حسن الكتابة، حُلو المحاضرة، جيِّد المذاكرة، سمينا جدًا. ومن شعره: حِبّى المعذّر وافى … من بعد هجر بوصل وقال: صف لي عذاري … فقلت: يا حبّى نملى ٥ - أحمد (٨) بن محمد بن عبد الرحمن، شهاب الدين المادح المعروف بالقُرْدَاح (٩) الواعظ وكان قد انتهت إليه رياسة الفن، ولم يكن في مصر والشام في هذا الوقت مَن يُدانيه، فإنّه كان طيّب النغمة عارفًا بالموسيقى، يجيد الأعمال ويتقنها، ولا ينشد غالبًا إلا معربا.

стр. 1732

ومهر في علم الميقات، وكان ينظم نظمًا وسطًا، سمعْتُ منه ومدَحَني مرارا، وكان يعمل الألحان وينقل كثيرا منها إلى ما ينظمه، فإذا اشتهر وكثر العمل به تحوّل إلى غيره، وهو أحد مفاخر الديار المصرية، ولم يخلف بعده مثله، وذكر لي أن مولده سنة ثمانين. وكان قد أسرع إليه الشيب والهرم، وخلّف كتبا كثيرة تزيد على ألف مجلّد، وخلّف مالًا جزيلا خفى غالبه (١) على ورثته. مات في يوم السبت (٢) ١٥ ذي القعدة. ٦ - أرْكُمَاس، دويدار الأمير الكبير، وكان خَدَم دويدارا عند يَلْبُغَا المظفري قبل أن يلي وظيفة الأمير الكبير، ثم خدم عند يشبك (٣) الأعرج الساقي بعد أن كان أميرًا كبيرًا، وكان حسن السياسة، عارفًا بالأمور، مشكور السيرة، قليلَ الشّر، وولى نظر الأوقاف بعد موت (٤) قَطْلُوبغا حجى، ومات في المحرَم. ٧ - إسكندر (٥) بن قرا يوسف صاحب تبريز. مات مشتتا عن بلاده مذبوحا (٦) - ذبحه الله - في ذي الحجة. ٨ - أبو بكر بن عبد الله بن أيوب بن أحمد الملّوي، ثم المصري الشاذلي، الشيخ زين الدين، ولجَدِّه أيوب زاوية بملّوي، وكان معتقدًا، وأما هذا فوُلِدَ سنة ٧٦٢ وصحب الفقراء وتُلْمِذَ للشيخ حسين الحبار، ثم لازم صاحبه صلاح الدين العلائي، وصار يتكلّم على الناس بزاوية الحبار (٧) بقنطرة الموسكي، ويفسر القرآن برأيه على قاعدة شيخه، فضبطوا عليه أشياء، ورفع للقاضي جلال الدين، فمنعه من الكلام إلّا إن قرأ من تفسير البغوي

стр. 1733

وشبهه، واجتمع بي بسبب ذلك، فوجدته حسنَ السّمت إلّا أنّه عَريٌّ عن العلم، وكان فيما ذكر لي هو أنه رأى أن في قوله تعالى ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ﴾ (١) أن الضمير في قوله "أخوهم" للمرسلين، قلت: بل "لعاد"، قال: "لا يليق بالنبيّ أن يوصف بأنه أخو الكفرة" قلت: قد قال في الآية الأخرى ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ﴾ (٢) فسكت. وله نظائر لذلك إلّا أنه كان كثير الذكر والعبادة، يتكسّب في التجارة في الغزل، ولجماعةٍ من النّاس فيه اعتقادٌ كبير. مات في ليلة الجمعة الخامس من ذي الحجة، وكانت جنازته حافلة، وهو أخو شمس الدين رئيس الأذان بجامع ابن طولون الذي يقال له: المستحل (٣). * * * ٩ - بَرْسْبَاي، السلطان الملك الأشرف، مات في عصر يوم السبت بعد أن قام أكثر من عشرين يومًا ملقًى على قفاه لا حَرَاك به، إلّا في بعض الأحيان يحرّك يدَهُ كالغائب وينطق بما لا يُفْهم، وصار يجرع السويق ونحوه بالمسعط فلا ينزل إلى جوفه من ذلك إلّا اليسير. وكان قبل ذلك قد أفرط به الإسهال حتى انحطّت قواه، ثم عرض له الصرع فأقام في أوّل أمره زمانًا طويلًا بحيث أُرْجِفَ بموته، ثم أفاق منه مختبلًا ثم عاوده بعد سبعة أيام فازداد انحطاطه، واستمرّ يعاوده حتى يئِسَ منه كل مَن حوله من النساء والرجال والولدان والأطباء، وفي كل نوبة من الصرع يرجف بموته ويتهيأ الناس لذلك ثم يتحرّك. وكان في غضون ذلك - في أوائل ذي الحجة - خرج على لسانه مع بعض الحاشية يأمرهم أن يحلفوا لوليّ العهد ولده يوسف الملك العزيز، فكان أوّل من حلف ممَّن حضر تَمُرْ باي الدويدار، ثم إينال المشدّ ثم على باي الخزندار، ثم تواردوا على الأيمان لوليّ العهد ولنظام الملك، فعرضوهم طبقة بعد طبقة إلى أن تعالى النهار جدًّا، ثم انصرفوا وأصبحوا على ذلك، فأرسل كل قاض نائبًا من عنده حَضَر التحليف و [كان] المباشر للتحليف القاضي شرف الدين سبط ابن العجمي نائب كاتب السّر، فاستوعبوا في يومين آخرين من بقى.

стр. 1734

وكان مِنْ تَأخرِ الأمراء عن الصلاة بالجامع ثم اجتماعهم وصلاتهم يوم الجمعة (١) الخامس من هذا الشهر وهم على حذر، ثم اجتمعوا لصلاة العيد، وخَلَع وليّ العهد على الأمير الكبير ومَنْ جرتْ له عادةً بالخلع ثم اجتمعوا لصلاة الجمعة ثاني عشر الشهر وقد اطمأنت نفوسهم. فلما كان يوم السبت الثالث عشر من ذي الحجة مات السلطان قبل العصر، فاجتمعوا بعد العصر بباب السّتارة وجلس وليُّ العهد وطلب القضاةَ والأمراء والجند فاجتمعوا كلهم فعقدوا له البيعة بالسلطنة، ولُقّب "الملك العزيز" كما تقدم، ثم أُلْبس خلعة الخلافة، وأركِب الفَرس، ورُفِعَتْ على رأسه القبّة، ومشى الأمير الكبير بالغاشية (٢) إلى أن أُدْخل القصرَ الكبيرَ، فأجلس على الكرسي، وجلس حوله الخليفة والقضاة، ثم وقف جميع الأمراء وأهل الدولة من المباشرين وغيرهم، وقرأ كاتب السرّ عنوان التقليد، وادَّعى كاتب السرّ عند الشافعي أن الخليفة فوض إليه السلطنة على قاعدة والده، وسأل الحكم في ذلك، فاستوفيت فيه شروط الحكم وحَكَم ونفّذه القضاة، وركب السلطان إلى أن دخل الدور. وخرج الخليفة والقضاة والجند أجمعون إلى باب القلعة، وأخرج الأشرف في التابوت فوضع على المصطبة الكبرى، وتقدم الشافعي للصلاة عليه فلمّا أكملوا الصلاة توجّهوا به إلى تربته التي أنشأها بالصحراء فدُفِن بها قبل أن تغرب الشمس، ولم يتوجّه معه من حاشيته إلّا عددٌ يسير. وكَثُر ترحُّم العامة عليه، وبالغوا في سبّ الخزندار لمَّا رأوه في الجنازة، ورموه بكل سوء فبات [الخزندار] (٣) بالتربة، ورجع إلى القلعة سَحَرًا فدخلها أوّل ما فُتِحت، وحضرنا الصُّبحة فوجدْنا عددًا يسيرًا من الجند وبعض الفقهاء، فلما ختموا وانصرفْنا اجتمع الأمراء ورؤساء الدولة عند السلطان، وقرروا مَنْ يسافر بخلع النواب للبلاد. فلما كان يوم الاثنين النصف من الشهر شرعوا في تجهيز القُصَّاد إلى البلاد لتحليف أمرائها والإذن للأمراء المجرّدين في الرُّجوع.

стр. 1735

وكان بَرْسْبَاي يخدم دقْماق الذي مات أخيرًا بحماة، ودُقماق كان من مماليك الظاهر برقوق، فيقال إنه هو الذي أعتق برْسْبَاي، ثم صار برسباي من أتباع نَوْروز، ومن قبل ذلك كان مع جكم، ثم صار مع شيخ بعد قتل النّاصر، وحضر معه إلى مصر، فولّاه نيابة طَرَابُلُس، ثم غضب منه فاعتقله عند نائب دمشق، فلما دخل ططر الشام بعد المؤيّد استصحبه إلى القاهرة وقرره دويدارًا كبيرا فباشر. وكانت سلطنته في ربيع الآخر سنة خمس وعشرين، وأكرم الصالح وقَرَنَه بولده، فكانا يركبان جميعا إلى أن مات بالطاعون سنة ثلاثين. واتفق في أيام سلطنته من السعد في حركاته مالا يوصف، بحيث إنه لم يقم عليه أحد إلّا وقُتل من غير أن يجهز له عسكرا ويباشر له حربا. وفتحت في أيامه قبرس وأسِرَ ملكها، وقد سُقْتُ خبرها في الحوادث. ١٠ - بلقيس (١) بنت بدر الدّين محمد بن شيخنا سراج الدين البلقيني، ماتت في ذي القعدة، وكانت لها شهرة تُغْنِي عن ذكرها، وهي لسان أهل بيتها، وسلكت من أكثر من عشر سنين طريق التصوف، وليست الخرقةَ من جماعه، وتسمَّت بالشيخة، ووقع في ذلك أضحوكات والله المستعان. وأظنها جاوزت الستين. ١١ - تِمْراز (٢) المؤيدي نائب صفد ثم غزة. مات مخنوقا بسجن إسكندرية في ٢٣ جمادى الآخرة. ١٢ - جانِبك السيفي (٣): أحد أمراء الطبلخاناه والحاجب الثاني ويعرف بالثور، مات بمكة في ١١ شعبان. وكان والي بندر جدة. ١٣ - جانِبك الصوفي (٤) الظاهرى صاحب الوقائع والحروب. مات في يوم الجمعة ١٨ ربيع الآخر، واختُلف في سبب قتله. ١٤ - دَوْلَت (٥) خَجَا [الظاهري] الذي استقر في الحسبة وكان واليَ القاهرة. مات في يوم الأحد ثاني ذي القعدة بالطاعون.

стр. 1736

١٥ - سودون (١) من عبد الرحمن نائب الشام ثم أتابك العساكر، مات بطالا بثغر دمياط في يوم السبت العشرين من المحرم، ولم يخلف مثله. ١٦ - عائشة (٢)، أخت الحافظ جمال الدين، ولدت سنة (٣) … ... … ، وسمعت على ابن أميلة "السنن" لأبي داود، والجامع للترمذي والمشيخة، وعلى الأخوين إبنَيْ الخطيب محمد بن عبد الرحيم بن عبد الوهاب السلمي سنة ٧٦٩ صحيحَ البخاري، أنا الحجار، وعلى أبي العباس بن عبد الكريم بن الحسين البعلي صحيح مسلم، أخبرتنا زينب ابنة كندي، وعلى محمود المنبجي بعض السنة الطاهرة، وأكثَرَتْ عن الحافظ أبي بكر بن المحب، وحدثت. وسمع منها الحُفّاظ كالمؤلف وابن ناصر الدين والرحالة. وكانت خيّرة صالحة. ماتت في الطاعون العام. ١٧ - عائشة (٤)، ويقال لها آى مَلَك ابنة إبراهيم بن خليل بن عبد الله بن محمود بن يوسف البعلية ثم الدمشقية المعروفة بابنة الشرائحي، أخت الحافظ. ١٨ - عبد الله (٥) بن محمد بن أبي بكر بن سليمان بن عمر بن صالح الهيثمي المسند جمال الدين بن أخي الحافظ نصر الدين الهيثمي. ولد سنة ٧٦١ (٦)، وسمع بإفادة عمه وهو في الخامسة على التباني: (٧) الأول من فوائد الصقلي. وأجاز له العز بن جماعة فهرست

стр. 1737

مروياته، كان شيخا حسنا خيرا دينا ساكنا حسن السمت منور الشيبة. وحدّث وسمع منه الفضلاء. مات في يوم الاثنين ١٨ جمادى الآخرة ودفن في الغد (١) وكان أجاز في استدعاء إبْني محمد. ١٩ - عبد الرحيم (٢) بن محمد بن أحمد بن أبي بكر الطرابلسي، القاضي تاج الدين أبو محمد بن قاضي القضاة شمس الدين، وَلِيَ أبوه قضاء الحنفية وناب عن أخيه في الحكم واستمر ينوب عَمن ولى بعده (٣) إلّا ابن العديم وولده فلم ينب عنها رعاية لأخيه. وولى (٤) إفتاء دار العدل، وكان يصمم في الأحكام ولا يتساهل كغيره. وأقعد في أواخر عمره وحصلت له رعشة في يده (٥) ثم فلج فَحُجب فأقام على ذلك نحو سنتين إلى أن مات ليلة الثاني والعشرين من المحرم. وكان قد سمع من ابن مناع (٦) الدمشقي بعض الأجزاء الحديثية بسماعه من عيسى المطعم، وسمع معنا على البرهان الشامي وغيره، وحدث قليلا قبل موته، وكتب في الاستدعاءات. ٢٠ - عبد الملك بن محمد بن عبد الله بن محمد الزنكلوني، الشيخ عبد الملك، الرجل الصالح، وكان يسكن بدار مجاورة لجامع عمرو بن العاص ويؤدب الأطفال ويكثر من تلاوة القرآن والصيام. وتذكر عنه مكاشفات كثيرة. مات في ليلة الرابع والعشرين من جمادى الأولى ولم يجاوز الستين فيما قيل. وهو ابن خال برهان الدين الزنكلوني أحد نواب الحكم ودفن في ذلك اليوم بجوار مشهد الست زينب خارج باب النصر، وكان صالحا وللناس فيه اعتقاد.

стр. 1738

٢١ - علي بن محمد بن عبد الرحمن، نور الدين الصهرجتي (١)، مات في شوال عن نحو السبعين وهو من قدماء الطلبة الشافعية، وكان مشهورا بالخير، ويتكسّب بالشهادة. ٢٢ - علي (٢) بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد البخاري العجمي الحنفي، علامة الوقت علاء الدين. كان مولده في سنة ٧٧٩ ببلاد العجم. ونشأ ببخارى فتفقه بأبيه وبعمه العلاء عبد الرحمن، وأخذ الأدبيات والعقليات عن الشيخ سعد الدين التفتازاني وغيره، ورحل إلى الأقطار، واجتهد في الأخذ عن علماء عصره حتى برع في المعقول والمنقول والمفهوم والمنظوم واللغة العربية وصار إمام عصره، وتوجه إلى الهند فاستوطنه مدة، وعظم أمره عند ملوكه إلى الغاية لما شاهدوه من غزير علمه وزهده وورعه، ثم قدم مكة فأقام بها، ثم دخل مصر فاستوطنها وتصدّر للإقراء بها، فأخذ عنه غالب من أدركناه من كل مذهب، وانتفعوا به علما وجاها ومالا. ونال عظمة بالقاهرة مع عدم تردده إلى أحد من أعيانها حتّى ولا السلطان، وكان الكل يحضر إليه، وكان ملازما للإشغال والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بذكر الله، مع ضعف كان يعتريه. وآل أمره إلى أن توجه إلى الشام فسار إليها (٣) بعد أن سأله السلطان في الإقامة بمصر مرارا فلم يقبل، وسار إليها فأقام بها حتى مات في خامس رمضان ولم يخلف بعده مثله، لما اشتمل عليه من العلم والورع والزهد، والتحرّي في مأكله ومشربه، وعدم قبوله العطاء من السلطان وغيره. ولما سافر السلطان [الأشرف برسباي] إلى آمد سنة ٨٣٦ ركب إليه وزاره أول ما دخل دمشق. ٢٣ - علي بن مفلح الحنفي، نور الدين ناظر المرستان ووكيل بيت المال. مات يوم الجمعة ٢٢ ذي القعدة عن نحو السبعين، وكان عارفا بصحبة الرؤساء كثير الخدمة لهم، كثير التودد لأصحابه، والإعانة لهم، وفيه لبعض الطلبة خير وبر، وكان قد ولى مشيخة الجامع الجديد (٤) بمصر مدة.

стр. 1739

٢٤ - علي (١) بن موسى بن إبراهيم، الشيخ علاء الدين الرومي، صاحب الوقائع المشهورة في هذه السنة. ٢٥ - محمد، ولد شهاب الدين البنهاوي التاجر، مات في ذي القعدة، فاستولى المتحدث عليه على موجود أبيه، ولعله يزيد على عشرين ألف دينار، فقام اثنان فادّعيا أنهما ولد عمه عَصَبِيَّةً فصالحهما على شيء، وصالح ناظر الخواص على شيء آخر ومجموع ذلك لا يجيء على قدر الثلث من الموجود، وكان المخبر بذلك من باشر عرْض الموجود وبيعه وضبطه، ومع ذلك فلم يلتفت المذكور لذلك، وركب طرف الإنكار، وأن الذي خَصَّه هو الذي استولى عليه من غير زيادة. ٢٦ - محمد، صلاح الدين ابن الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله، مات بالطاعون وتمرّض خمسة أيام، وولى أبوه في يوم الخميس وظيفته وهرع الناس للسلام عليه وباشر، واتفق انحطاط السلطان في المرض إلى أن ثقل فيه وكان ما تقدم. وكان صلاح الدين يلقب أوّلًا غرس الدين (٢)، واسمه خليل، ثم غيره أبوه في الدولة المؤيّدية واستمر، ونشأ صلاح الدين فهما يقظا فتعلم الخط المنسوب وولى شادّ المرستان وباشر عن أبيه في وظائفه لنظر الجيش ونظر الخاص والوزارة نيابة، وولى إمرة طبلخاناه، ثم ولى الأستادارية بتقدمة ألف ثم استعفى، ثم نادم السلطانَ بعد ابنِ قاسم فولاه الحسبة ثم كتابة السر فلم يقم بها إلا دون السنة ومات. وكان كثير البشاشة وحلاوة اللّسان، ويُنْسب إلى التزيّد في القول، عفا الله عنه (٣).

стр. 1740

٢٧ - محمد (١) بن الحسن بن مسعد بن محمد بن يوسف الفاقوسي، الرئيس، ناصر الدين كبير الموقعين بديوان الإنشاء، وكان قديم الهجرة فإن (٢) مولده بين العشاءين من ليلة الجمعة سادس (٣) عشري صفر من سنة ٧٦٣ بالقاهرة. وحفظ القرآن وعِدَّة مختصرات، وقرأ على جُويرية (٤) وابن حبّ الله والباجي والنشاوري وابن مغلطاي وابن الكويك وجامعة بمصر، وبالشام من أبي هريرة، ومن الذهبي والسراج بن الملقن. وبحث على الزين العراقي في علوم الحديث لابن الصلاح، وكتب له بخطه أنه سمعه عليه سماع نظر وتأمُّلٍ وتحرير واستيضاح لمُشْكِلِه، وبعضه بقراءته، وأذن له بقَيْده. وقرأ على العماري الفصول لابن معطي في النحو، وكتب له أنه قرأها قراءة شافية سنة ٧٩٧. وتفقه على جماعة من علماء عصره. وكان خيّرا ديّنًا ملازما للعبادة، صبورا على التحديث، محبا في الخير، حدّث بالكثير وباشر الوظائف الكبار، وَوَقَّعَ عن القضاة أوّلًا ثم في الدّرج، ثم في الدّست، ثم ولى نظر الديوان الخاص بخاصّ السلطان، وديوان المستأجرات والذخيرة السلطانية مدّة، وعلت منزلته في الدولة الناصريّة، ثم انحطت في الدولة المؤيّدية ولكنه متماسك، ثم انحطت في الدولة الأشرفية، وانقطع عن الخدمة في أواخر عمره. وكان رئيسا جليلا، سمع الحديث الكثير، وحدث بأخرة، وله حكايات في ضيق العطن، مع سماحة نفس وصدقة، وكان ينظم (٥) نظما وسطا وكذلك إنشاؤه، وخطه أجود من إنشائه. مات في يوم الثلاثاء سابع عشرين شوّال رحمه الله تعالى (٦).

стр. 1741

٢٨ - محمد بن الخضر بن داود بن يعقوب بن يوسف بن أبي شديد (١) الحلبي، شمس الدين بن أخي الرئيس سليمان بن داود الأديب الشهير بابن المصري. ولد (٢) بحلب قبل السبعين، وأسمع على الكمال بن حبيب والظهير بن العجمي وعمر بن أيْدَغْمُش وغيرهم، ونشأ بها، وتكسب بالشهادة ثم بالتوقيع. وكانت له فضيلة، ويرجع إلى ديانة، وقدم القاهرة بعد اللنك فأقام بها دهرًا، وعمل التوقيع عند جمال الدين، ثم في ديوان الإنشاء عند ناظر الجيش، ثم تحوّل إلى بيت المقدس واستقرّ شيخ المدرسة الباسطية به، ومات هناك، وله نيّفُ وسبعون سنة. سمع منّي وكتب في الإملاء من شرح البخاري، وقرأ علَيَّ المقدمة وكثيرا من الشرح، ومن كتابي في الصحابة، وأجاز لي في استدعاء أولادي، وطارحني بأبيات - وهو في بيت المقدس - فأجبتهُ وأنشدني لغزًا لغيره في المسك وسألني جوابه ففعلت، والله يرحمه. ٢٩ - محمد بن عرب (٣) بن محمد ناصر الدين الطبناوي، بفتح المهملة والموحدة وتخفيف النون، نسبة إلى طبنا (٤) من عمل سخا، ذكر لي أنه وُلد سنة ٧٥٤ وكان أبوه مدركا يقال له ركن الدين، فنشأ في محبّة الفقراء وتقدمَ فيهم، وكان مطاعًا (٥) عند الأمراء والأكابر، وقد ذكرت قصته في هدم الدير المعروف بالمغطس وأنه قام في ذلك سنة أربعين فاتفق تخذيل السلطان عند الأمر بهدمه بعْد أن كان انصاع لذلك، لكنه أمر بإغلاقه ثم قُدّر أن أذن بهدمه في هذه السنة فبادر الشيخ وأعوانه إلى ذلك فهدم (٦). وقدم الشيخ مرارًا إلى القاهرة وله أتباع، وهو على طريقة حسنة من العبادة والتوجه والرغبة في الخير، وكان اجتماعي الأخير به في أول ذي الحجة من هذه السنة وذكروا لي أن والدته كانت من الصالحات، ويؤثر عنها كرامات، ولها شهرة في تلك البلاد.

стр. 1742

٣٠ - محمد بن (١) محمد بن محمد، الشيخ علاء الدين البخاري الحنفي، كان من أهل الدين والورع وله قبولٌ عند الدولة، وأقام بمصر مدة طويلة وتُلْمذ له جماعة، وكان يُتْقِنُ فنّ المعاني والبيان، ويذكر أنه أخذه عن الشيخ سعد الدين [الديري] (٢) ويقرّر الفقه على المذهبين، وانتفعوا به كثيرًا، ثم تحوّل إلى دمشق فاغتبطوا به، وكان كثير الأمر بالمعروف. مات بدمشق ﵀ وبلغني أنه قارب السبعين، وقرأتُ بخط الشريف تاج الدين عبد الوهاب الدمشقى: "مات شيخنا علاء الدين البخارى نزيل دمشق صبيحة يوم الخميس ٢٣ رمضان سنة ٨٤١ بالمزة". ٣١ - محمد بن عمر الميموني الشافعي، الشيخ شمس الدين بن الشيخ سراج الدين، ولد في حدود السبعين واشتغل بالفقه، وكان أبوه نقيب الزاوية المعروفة بالخشابية، ومات وهو صغير وتنزّل فى الوظائف ثم ترك وسلك طريق الفقراء وجلس في زاوية، ثم ترك ذلك وأكثر الحج، وكان يديم التلاوة. وقعت له مع القاضي الحنفي كائنة ذكرت فى حوادث سنة تسع وعشرين ونجا منها بعد أن حُكم بإراقة دمه وعاش إلى هذه الغاية فمات بالقولنج بالمرستان. ٣٢ - شمس الدين العَماري، بفتح المهملة وتشديد الميم، أحدُ نوّاب الحكم الحنفي، وكان سار مع نائب الشام سودون من عبد الرحمن إمامًا فناب في الحكم بالشام ورجع بعد أن انفصل المذكور، ولم يكن بالمحمود، عفا الله تعالى عنه. ٣٣ - يحيى بن سعد الله بن عبد الله الكاتب المعروف بابن بنت الملكي، سعد الدين (٣) صاحب ديوان الجيش. مات فى ذى القعدة بالطاعون ولم يكمل الخمسين، واستقر أخوه عبد الغني في وظيفته مشاركًا لأولاده. * * *

стр. 1743

سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة شهر الله المحرم: أرّخوه على عادة العدد يوم الأربعاء، ثم تبين بعد ستة أيام أن أوله الثلاثاء (١). وفى يوم السبت خامسه استقر إينال [الأبوبكرى الأشرفى] الشادّ: دويدارًا عوضًا عن تَمُرْباى [السيفي]، واستمر تمرْباى من الأمراء المقدّمين، واستقر (٢) بعد ذلك على باى [الساقي الأشرفي] شادًا عوضًا عن إينال، واستقر جكم -خال السلطان- خزندارًا عوضًا عن علي باى، واستقر في وكالة بيت المال شهاب الدين بن النسخة شاهد القيمة، وعينت وظيفة نظر المرستان لولي الدين السفطي ثم لمحبّ الدين بن الأشقر ثم لسراج الدين العبادي فقيه الملك العزيز، ثم لم تتم لواحد منهما إلى أن استقرت لابن الأشقر. وفى يوم السبت خامسه استقرّ فى ولاية القاهرة واحد من الخاصكية يقال له دمرداش واستقر علاء الدين بن الطبلاوي في شهر ربيع الأول. * * * وفى يوم الاثنين الرابع عشر من المحرم استقر الشيخ سعد الدين بن الديري شيخ المؤيّدية في قضاء الحنفية عوضًا عن القاضي بدر الدين العيني بحكم عزله، وركب الناس معه، ولم يركب (٣) معه أحد من الأمراء ولا من المباشرين، إلا أنّ ناظر الجيش وكاتب السرّ وناظرَ الخاص الأستادار لحقوه بالمهمازيين (٤) ولم يسيروا معه بل وقفوا عند الصّالحية على العادة، ودخل القضاة، وتوجّه

стр. 1744

ناظر الجيش ومَن معه ورجع المستقرّ إلى منزله (١)، وهرع الناس للسّلام عليه وحصل للمنفصل (٢) قَهْرُ عظيمّ لأنه لم يكن يظن أن ذاك يقع. ووقع لناظر (٣) الجيش فى هذا اليوم إساءة من مملوك من مماليك السلطان، ثم تكرر ذلك وصار لا يركب إلا مع جماعة يحمونه من معرّته، وانخرمت تلك الحرمة، واتضعت تلك الكلمة، وجرى من جوهر الخزندار مع بعض الخاصكية كلام أغلظ له فيه، ونسبَه إلى أنه كان السّبب في تلك المظالم، وانحطّت منزلته جدّا، وعظم قَدْرّ جوهر الزمام، ولم يتأثر الخزندار لما قيل فيه ومشى على طريقته، وتسلّط كثيرٌ من الجند على ناظر الجيش وكرّروا الإساءة عليه بالقول والفعل والتّهديد، وكلما رام تلك الصفة التي كان عليها في زمن الأشرف عورض، والله الأمر. وفي أوّله تصدّى الأمير الكبير نظام الملك للحكم بين الناس في كل يوم، فبسط العدل ولم يمنع أحدًا طَلَب الشَّرع من التوجّه حيث أراد من الحكّام، سواء أكان نائبًا أو مستقلًا، واستقر عنده شهاب الدين بن العطّار دويدارا، وكان عند تمر باى الدويدار - وهو مشكور السيرة كثير التودّد والعقل. * * * وفيها خَرج على الحاج عرب (٤) بلى فأخذوا نحوًا من ألفَى جمل كانت مع العرب من جُهَيْنة وغيرها، منها كثير من الحاج الغزاوي والشامي، ومعهم الكثير من بهار المصريّين وأمتعتهم وهداياهم، وذلك عند الأزلم، فأخذوا الجمال ورموا ركُّابها وأخذوا نفائس ما معهم، فوصل الكثير منهم حفاة عراة إلى بئر بالأزلم فمات الكثير منهم هناك (٥).

стр. 1745

وسئل أمير الركب آقبغا التركماني أن يقيم بالأزلم حتى يتكامل الذين سلموا من الموت فامتنع ورحل من أوّل النهار، فهلك الذين وصلوا بعدهم إذ لم يجدوا من يرفدهم، ومات أكثرهم، فكانت قصّة شنيعة، وتوصّل بعضهم إلى عيون القصب فركب البحر من جزيرة (١) عينون ودخل الحاج أولا فأوّلا. وأول من وصل: الترك الذين كانوا بمكة فى العام الماضى ومعهم جمعٌ كثير في الحادي والعشرين، وكان وَصَل قبلهم طائفة في السابع عشر فقدموا من المويلحة، ووصل جماعة تقدّموا من نخلى (٢) في الثاني والعشرين. ودخل الركب الأول فى الثالث والعشرين والمحمل فى الرابع والعشرين، وانطلقت ألسنتهم بِذمّ أمير (٣) الركب، وأنه كان السبب فيما صنع عرب بَلى، لكونه أرسل أحدَ الرئيسين مبشرا، وزنجر (٤) الآخر، فغضب قومُه وفعلوا مافعلوه، ولم (٥) يعاتَبْ أميرُ الركب فضلًا. عن أن يعاقَبْ، ثم تبينَ أن العرب الذين حملوا البهار سَلِمُوا، ووصل معهم جمْعٌ كثير من الحجاج، وذكروا أن بقيَتهم ركبوا البحر، وأنه لم يمت منهم إلّا القليل. وفيه استقر كل من عبد الرزاق الطرابلسي (٦) وسراج الدين العبادي إمامين للسلطان فصاروا خمسة، وكان عبد الرزاق إمامه قبل السلطنة.

стр. 1746

وفيه توجه جماعة لتقليد أمراء البلاد على ماكانوا عليه. وفيه استقرّ فارسٌ (١) الخادمُ الرومي شيخَ الخدام بالمدينة الشريفة عوضا عن ولي الدين بن قاسم، وتوجّه من جهة البحر إلى الينبع ليسير منها إلى المدينة. * * * وفي آخره وصل الخبر من العسكر المصرى أنهم رجعوا من أرزنكان في أول يوم من المحرم ووصلوا مدينة جريب فى الخامس، وجَهَّزوا القاصد بأخبارهم وتوجّههم إلى جهة حلب بعد أن لم يلقوا في الجهة التي قصدوا إليها أحدًا عاصيا، وكلّ ذلك قبل أن يبلغهم خبر موت السلطان. * * * وفيه وثب نائب حلب تغرى (٢) برمش على ثَقَل بعض الأمراء المجرّدين فنهبه ورجع إلى جهة ملطية خارجا عن الطّاعة، ووصل الخبر من بقية الأمراء بذلك إلى القاهرة في الثالث من صفر، ثم تبين فساد ذلك النّقل المذكور واستمرار المذكور على الطاعة. * * * وفي هذا اليوم نزل ناظر الجيش من القلعة فلاقاه جماعةٌ من الماليك نحو العشرة فأساءوا عليه بالسَب، ثم سلّ أحدهم الدّبوس وقصده ليضربه فلاقاه عنه الأستادار -وهو مملوكه جانى بك-، فأجتمع من المماليك آخرون وتكاثروا، فركس (٣) فرسه لجهة القلعة ونزل عنه ودخل الجامع فتفرّقوا، ثم توجّه إليه الوزير وغيره فأخذوه معهم إلى بيته فأقام به، وحصل بذلك من كَسْر حُرْمَته ماحصل له من القهر العظيم، ولكنه تدارك ذلك وألبس خلعة صبيحة يوم الجمعة، ونزل إلى بيته، وهرع الناس للسلام عليه.

стр. 1747

وفي ليلة الجمعة ثاني صفر (١) أمطرت السماءُ مطرًا غزيرًا فنزل البحر (٢)، وكان له من يوم السبت السّادس والعشرين من المحرّم مازاد شيئًا وإنما ينادَى بإصبع وإصبعين تطمينًا للناس، فلم يناد يوم الجمعة بشيء. فلما كان بعد دخول الشهر زاد قليلًا وتمادى ذلك إلى الرابع عشر من صفر الموافق الثالث عشر من مسرى، وكان في صبيحته في العام الماضى قُطِع البحر وأوفى، وزاد من الذراع السابع عشر، وكان انتهاؤه في مثل هذا اليوم من هذا العام إلى ثلاثة عشر ذراعًا وعشرين إصبعا، فالنقص بينهما ذراعان وربع ذراع. ثم مَنّ الله بالوفاء يوم الاثنين سادس عشري صفر، وقطع البحر في صبيحَتِه على العادة، وكان في العام الماضى فى هذا اليوم ثمانية عشر ذراعا سواء. * * * وفى يوم الخميس نصف الشهر بلغ الأتابك جقمق والأمراء وغيرهم أن المماليك الجلب قصدوا الفتك بهم بغتةً، ونمّ عليهم بعضهم، فلبسوا السّلاح وحذّروا، وراسلَ الأتابكُ السلطانَ فى ذلك والتمس أن تجهز إليه رءوسهم -وهم أربعة- سمّاهم، منهم: جكم خال السلطان. فتردّدت الرسل في ذلك فلم تقع الإجابة، وأرسل إلى القضاة وأشهدهم ومَن حضر أنّه باقٍ على بيعَتِه في طاعة السلطان، ولكنه يلتمس مِمَّنْ كان عند السلطان أن يقفوا عند اليمين التي حلفوها فى حياة الأشرف بأنهم يكونون بعده في طاعة ولده والأتابك نظام الملك. ثم أرسل السلطانُ إلى القضاة في يوم الجمعة، فراسل الأتابك يسأله عن مراده فعادوا له بما ذكر، وتقرّر ذلك فلم تقع الإجابة، ونشبت الحرب بين الطائفتين، فعَمد الأكابرُ إلى الأتابك فتحوّل معهم إلى بيت نوروز، ثم لمّا وقع التّرامى دخل أولئك المدرسة الحسنية بالرميلة، وعلوا على سطحها ونصبوا المجانيق ورموا بالسهام، وحَصَروا المماليك في الإسطبل، وبادروا إلى الماء الذي يصل إلى القلعة فى القناة التى تمتدّ من النيل فقطعوه فباتوا في ضيق.

стр. 1748

فأعاد السلطانُ المراسلة إلى أن حصلت الإجابة إلى ماطلبه الأتابك، وجهزّوا له أربعةً فحبسهم، ونزع الطائفتان السّلاح ورجعوا إلى بيت الأتابك، فأحضر القضاة في يوم الأحد وشرعوا في تحليف الجند أجمع على أنهم في طاعة السلطانُ والأتابك، وجهّز أربعة أنفس كانوا رؤساء في مقابلة أولئك، فخلَع السلطانُ عليهم، واستمرّ الحال على ذلك إلى يوم الخميس فصعد الجميع إلى خدمة السلطان، وسكنَ الأتابك الإسطبل. فلما أصبح يوم الجمعة اجتمع عَدَد من المماليك الجلب ونازعوا الأتابك في ذلك وأنكروا سكناه الاسطبل. ونسبوه إلى أنه السلطنة فتنصَّل من ذلك، واتّفق أنّه لم يُصَلّ الجمعة من السلطان الطائفتين إلّا النادر، ولم يجتمعوا في الخدمة يوم السبت ولا الأحد ولا الاثنين، وكثر تأذّى العامة بالجلب فأمسِكَ منهم اثنان وضُربا وجُرّسا، فسكن شرّهم قليلًا. * * * شهر ربيع الأول أوله السبت. في الرابع منه دخل يشبك [السودونى] الحاجبُ الكبير ضعيفًا في محفَّة، فنزل إلى بيته أوّل النهار، وهرع الناس للسلام عليه، فأقام أيامًا يسيرةً ثم تعافى. وفى خامسه دخل سائرُ الأمراء فبادروا إلى الإصطبل، فخرج إليهم الأمير الكبير فوقفوا جميعًا تحت القلعة، وتقدّم الأمير الكبير فقبَّل الأرض والسلطان في القصر يشاهدهم، وقبَّل بقية الأمراء واحدًا بعْدَ واحد، فأمر للقادمين بالخلع فخلع عليهم ونزلوا إلى بيوتهم، وهرع الناس للسلام عليهم. * * * ويوم الخميس قبض (١) على جماعة من الأمراء القادمين وغيرهم، منهم جَانَم [الأشرفي] أمير أخور، وجَكم [خال العزيز] والثلاثة الذين كانوا معه، وعلي باي ويخشباي (٢) [الأشرفي]، ومقدم المماليك خشْقَدم [الطواشي الرومي] ونائبه [الطواشي

стр. 1749

فَيْرُوز الركني الرومي] وتمام ثمانية عشر (١) نفسا، ومنهم تاني بك الجقمقى نائب القلعة، وسفّروهم إلى الإسكندرية، وأنْزِلوا صبيحة يوم السبت في القيود إلى شاطئ النيل فأنْزلوا في المراكب حيث أمر بهم إلى الاسكندرية. واستقر تُمرْباي نائب الاسكندرية وسافر على البرّ، وتانى بك في نيابة القلعة كما كان أولًا، ووكل بالزمام وبالخزندار ثم أفْرِج عنهما. وفى تاسع (٢) عشرة جمع [جقمق] الخليفة والقضاة والأمراء، فلما اجتمعوا بالقاعة داخل الإسطبل عند الأمير نظام الملك قال (٣) الأمير قرقماس [الشعباني الناصري المعروف بأهرام ضاغ] للجماعة إنّ جماعة الأمراء اجتمع رأيهم على تقرير الأمير النظام في السلطنة لعجْز الملك العزيز عن ترتيب المملكة ويترتب على ذلك الفساد الذي لاخفاء به. فأجابه الخليفة: "إنني أعلم هذا، وأشهدكم أننى خلعْت الملك العزيز من السلطنة وصيَّرْتُ الأمير الكبير جقمق في السلطنة"، وبايعه في الحال واُلبِسَ الخلعة وصعد إلى القصر وجلس على الكرسى وبايعه (٤) الأمراء، وحمل الأمير قرقماس القبة وخلع عليه على العادة. وقدّم للخليفة الفرس والخلعة فلبس وركب ورجع إلى منزله، ثم صعد القضاة فسلّموا على السلطان وقرّرهم في وظائفهم، وتوجّه كل إلى بيته. وكان ما سنذكره. * * * وفي صبيحة يوم الأربعاء (٥) المذكور أمطرت السماء مطرًا خفيفًا، وكان النيل بلغ تسعة عشر إصبعا من تسعة عشر ذراعًا، فلما كان عند الثلث الأخير من ليلة السبت الثاني

стр. 1750

والعشرين من ربيع الأول وهو السادس عشر من توت توقف، ونقص في يوم الجمعة نقصًا فاحشًا وأمطرت السّماء برعْد وبرْق وظهر النقص ظهورًا بينًا. * * * وفي يوم الخميس خُلِع على الدويدار الكبير [أركماس الظاهري] (١) على عادته وكذا إينال الدويدار الثاني وهو الذي يباشر الأمر الكبير. واستقرّ تغرى بردى البكْلمشى فى الحجوبية الكبرى بدل يشبك [السودونى]، واستقرّ يشبك أمير سلاح (٢) بدل أقبغا التمْرَازي، واستقرّ أقبغَا التمرازي أمير مجلسٍ بدل قَرْقمَاس [الشعباني]، واستقرّ قَرْقمَاس أتابك العساكر، وأنْعم على قَرْقمَاس بتقدمة زائدة على التقدمة المتعلقة بالأتابكية، وأذن له فى الحكم بين الناس، وصار على بابه رأس نوبة ونقباء، وتعاظم وتشاهَمَ إلى الغاية القصوى. واستقرّ تمراز [القرمشي] أمير آخور واستقرّ بدله رأسَ نوبة قَراقجا الحسنى، وخلع على الجميع، ووُكِّلَ بالزمام جَوْهَر [الجلباني الحبشي] وسجن بالبرج، واستقرّ عوضه فيروز [الجاركسي الرومي] الذي كان ساقيًا وغضب عليه الأشرف، ثم خُلع على جوهر الخزندار على عادته. * * * وصَعَدتْ ليلة الجمعة مُغْل (٣) بنت البارزي -زوج السلطان- من بيتهم بالخرّاطين إلى القلعة في محفّةٍ عند غروب الشمس، وَحَوْلها المشاعل والشموع، ونحو من خمسين من الطواشية، وجمع كثير من النساء على الحمير، واستقرتْ خوندَ الكبرى. وأسْكِن الملك العزيز بالقاعة البَرْبرِيّة ووكل به نحو خمسين نفسًا، فلما كان بعد أيام فُّرج عنه واستقرّ داخل الأدُر، وقرر له ما يكفيه، ثم أفرج عن جوهر الزمّام ونزل إلى بيْته وهو ضعيف، وشرع في بيع موجوده ليوفي مالَ المصادرة.

стр. 1751

وفي ليلة الجمعة الثامن والعشرين منه عُمل المولد النّبوي، وحضر الأمراء والأعيان والقُراء على العادة. * * * وفيه ثَقُل سمع القاضي موفق الدين الناشري قاضي الأقضية بزبيد من بلاد اليمن، وضعفت قوته، فقرر الظاهرُ صاحبها (١) عوضَه (٢) ولدَ أخيه أبا المظفر محمد ابن الفقيه العالم شهاب الدين أحمد بن محمد الناشري وهو (٣) الآن كبير البيت وعمه فى الأحياء وهو المشار إليه في الفقه، وقد قارب التسعين فإنّ مولده سنة ٧٥٤. * * * شهر ربيع الآخر: استهلّ بيوم الأحد. في يوم الثلاثاء خُلع على القاضي محبّ الدين بن الأشقر الذي ولي كتابة السر بنظر المارستان عوضًا عن ابن مفلح بحكم وفاته. وفي يوم الأربعاء رابعه ثار جماعة من الجند (٤) وطلبوا زيادةً في النفقة الشهرية فلم يُلْتَفت إليهم، فاجتمعوا إلى قرقماس [الشعباني] فمازالوا به حتى ركب معهم، ولم يركب معه من الأمراء إلّا القليل (٥)، وصعد معظم الأمراء والجند إلى القلعة، ووقع بينهم الترامى بالنشاب، وقُتل جماعة من الفريقين. وفي آخر النهار انهزم قرقماس ومَن معه، فنُهب بيته (٦)، ونودى لمن أحضره بإمرة

стр. 1752

وخلعة، ورَجع جماعة (١) ممن كان معه إلى الطّاعة قبل الهزيمة، وكان السلطان عزل والي الشرطة، وولّى علي بن الطبلاوي، فجمع له الزّعر، فبالغوا في القتال جماعةِ السّلطان إلى أن تمت الهزيمة، وفرّق السلطان فيهم جملةً من الذهب والفضة رماها من أعْلَى المكان، فتناهبوها وجَدُّوا في القتال، ولم (٢) يكن في القلعة إلّا اليسير من الجند. ثم بعد مدة جاء الأمراء المقدّمون ومن انضمّ معهم فزحفوا إلى أن وقفوا تحت القلعة فقوي أمر السلطان بهم قليلًا، ثم بعد ذلك تزايدت قوّته وضعف أمر قرقماس وأتباعه إلى أن اضمحلّ وهُزم وسكنت الفتنة. وفي صبيحة يوم الخمس (٣) قُبض علَى قرقماس، وأرسل إلى الإسكندريّة، وتُتُبع جماعةٌ ممْن كانوا معه، فسُجن بعض ونُفُي بعض. وفي التاسع منه قرئ تقليد السلطان بالقصر، وجرى كلام يتعلّق بالقضاة فقال الشافعي: "عزلتُ نفسي"، فقال له السلطان: "أَعَدْتُك! " فقبل، وخُلع عليه وعلى رفقته، ورسم بإعادة الأوقاف التي خرجت عن الشافعي، وهى: وقف قراقوش في ولاية العراقي، ووقف بيبغا التركماني في ولاية البُلْقيني، ووقْفُ الأسْرَى في ولايته، فأُعيدت بتوقيع جديد. * * * وفي السابع عشر منه استقرّ القاضي كمال الدين البارزي في كتابة (٤) السرّ بالقاهرة عوضًا عن الصاحب بدر الدين بن نصر الله، واستقرّ برهان (٥) الدين الباعوني في قضاء الشافعية بدمشق عوضًا عن القاضي كمال الدين، ثم ورد الخبر في أوائل جمادى الأولى بأن

стр. 1753

الباعوني امتنع عن قبول الولاية فقرر القاضي تقي الدين ابن قاضي شهبة، وسار القاضي بخلعته وتقليده (١). * * * وفى يوم السبت الثاني والعشرين منه استقرّ تتم الذى كان خزندارًا صغيرًا في وظيفة الحسْبة عوضا عن نور الدين السويفي.

стр. 1754

وفيه أمر السلطان القضاة بالتوجه إلى الكنيسة (١) المعلّقة والكنيسة المعروفة بشنودة وكُشفَتَا، وهدم من المعلقة أشياء جُدِّدت ما بين شبابيك مخروطة ومكفتة مطعمة ودُفيسيِّات وألزموا بتكملة هدْم البناء المجدّد الزائد عما سبق لهم مِمّا حكم نائب الحنفي بترميمه. * * * وفيه ادّعى على بطرك النصارى أنه يتناول مال الموتى الحشرية من النصارى، فادّعى أن به مرسومًا من السلطان، فاستفتى السلطان القضاة فاتفقوا على أنها أموال بيت المال، فخلع على فتح الدين المحرقي بنظر سعيد السعداء والنظر على التركات الحشرية من أهل الذمة وشرع في استخلاص ذلك، وطَلَبِ ما سبق لاستعادته مِمِّن تناوله، ولحق النصارى من ذلك شدة شديدة. * * * وفيه نازل الإمام صاحبُ صعدة بعساكر صنعاء فقاتل المتغلّبَ عليها وهو سنقر التركي، وكان سنقر قد تحكّم فى البلاد بالشوكة، وأقام هذا الإمام وزوّجه بنتا لعليّ بن صلاح، فبلغ سنقر أنه يريد القبض عليه، وبادر هو فقبض عليه وسجنه، فتَحيَّل إلى أن خلص من محبْسه بصنعاء، وتوجّه إلى صعدة فجمع العسكر ونازل سنقرًا فقوى عليه سنقر بمن أطاعه من أهل الشوكة، فأنكر الإمام وتحصّن بقلعة يقال لها "تلّىٌ"، فلما بلغ ذلك زوجته استولت على صعدة وأطاعها أهلها. ثم كاتب سنقر الملك الظاهر صاحب زبيد يطلب منه عسكرًا ليسلمه صنعاء ويكون هو أحد الأمراء، فبادر الظاهر لذلك وأرسل له أميرين، فلما وصلا بمن معهما إلى ذمار بلغهما موت الملك الظاهر فرجعوا، وذلك في رجب (٢). * * * شهر جمادى الأولى أوله الثلاثاء. حضرت للتهنئة عند السلطان - يوم الاثنين سلخ - الشهر الماضي - فسألت السلطان أن يشهد على نفسه بما فوض (٣) لي من الولاية والأنظار وغيرها، فأشهد على نفسه ذلك بحضرة

стр. 1755

القضاة، وشكوْت له بعد ذلك ما انتزعه مني الملك الأشرف ووهب بعضه أو أكثره للقاضي علم الدين البلقيني، فرسم بعقد مجلس بذلك بحضرته، فتوسط ناظر الجيش بيني وبينه إلى أن أعاد النصف وتركت له النصر. وفى أوائله (١) طلع الشيخ حسن العجمي لتهنئة السلطان بالشهر ومعه جماعته على العادة فأمر بالقبض عليه وضرَبه بِحضرته بالمقارع (٢) ضربًا مبرحا، وأمر بنفيه ونودى عليه: "هذاء جزاء من يقتنى كتب الكفر ويدور بها" وشهر في البلد، وحُبس بحبس الجرائم، ثم ادعى عليه عند المالكي أنه وقع في حق الجناب الرفيع، فشهد عليه إمام التربة الأشرفية الجديدة، فسُجن ليكمل البيِّنَة، وقُرِّر فى زاويته شمس (٣) الدين الكافياجي، وتعجب الناس من كون الذي شهد عليه، والذى أخذ مكانه منسوبان إلى الذي كان يقرّره ويهذى به. * * * وفى أوائل العشر الأوسط منه ضُرب كاتب مِن كُتّاب الوزير بسبب مالٍ صار في جهته، فقُدّر أنه أصبح ميتا بعد الضرب، فاستغاث أهله، فأمر السلطان بإحضار المقدّم فضُرب بحضرته بالمقارع، وأرسله إلى القاضي المالكي، فعفا بعض أولياء الميت عن الدّم وبقى حق البنت، فحبس بسبب ذلك. * * * وفيه قدم شخص من حلب بسبب الحروفية (٤) ونجزت له مراسيم بالقيام عليهم، وقد نَبَّهْتُ على ذلك في حوادث سنة ٢١. وفي الرابع والعشرين منه شكا حسن بن حسين الأميوطي (٥) نقيب ابن البلقيني ونسب إليه أمورًا، وكان الذى قام فى أمره وليّ الدين بن تقي الدين البلقيني وساعده ابن عمّ أبيه
следующие страницы →