← История

История · id 26317

إنباء الغمر بأبناء العمر - ت حبشي

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (1 903 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

وفي ليلة الجمعة الثامن والعشرين منه عُمل المولد النّبوي، وحضر الأمراء والأعيان والقُراء على العادة. * * * وفيه ثَقُل سمع القاضي موفق الدين الناشري قاضي الأقضية بزبيد من بلاد اليمن، وضعفت قوته، فقرر الظاهرُ صاحبها (١) عوضَه (٢) ولدَ أخيه أبا المظفر محمد ابن الفقيه العالم شهاب الدين أحمد بن محمد الناشري وهو (٣) الآن كبير البيت وعمه فى الأحياء وهو المشار إليه في الفقه، وقد قارب التسعين فإنّ مولده سنة ٧٥٤. * * * شهر ربيع الآخر: استهلّ بيوم الأحد. في يوم الثلاثاء خُلع على القاضي محبّ الدين بن الأشقر الذي ولي كتابة السر بنظر المارستان عوضًا عن ابن مفلح بحكم وفاته. وفي يوم الأربعاء رابعه ثار جماعة من الجند (٤) وطلبوا زيادةً في النفقة الشهرية فلم يُلْتَفت إليهم، فاجتمعوا إلى قرقماس [الشعباني] فمازالوا به حتى ركب معهم، ولم يركب معه من الأمراء إلّا القليل (٥)، وصعد معظم الأمراء والجند إلى القلعة، ووقع بينهم الترامى بالنشاب، وقُتل جماعة من الفريقين. وفي آخر النهار انهزم قرقماس ومَن معه، فنُهب بيته (٦)، ونودى لمن أحضره بإمرة

стр. 1752

وخلعة، ورَجع جماعة (١) ممن كان معه إلى الطّاعة قبل الهزيمة، وكان السلطان عزل والي الشرطة، وولّى علي بن الطبلاوي، فجمع له الزّعر، فبالغوا في القتال جماعةِ السّلطان إلى أن تمت الهزيمة، وفرّق السلطان فيهم جملةً من الذهب والفضة رماها من أعْلَى المكان، فتناهبوها وجَدُّوا في القتال، ولم (٢) يكن في القلعة إلّا اليسير من الجند. ثم بعد مدة جاء الأمراء المقدّمون ومن انضمّ معهم فزحفوا إلى أن وقفوا تحت القلعة فقوي أمر السلطان بهم قليلًا، ثم بعد ذلك تزايدت قوّته وضعف أمر قرقماس وأتباعه إلى أن اضمحلّ وهُزم وسكنت الفتنة. وفي صبيحة يوم الخمس (٣) قُبض علَى قرقماس، وأرسل إلى الإسكندريّة، وتُتُبع جماعةٌ ممْن كانوا معه، فسُجن بعض ونُفُي بعض. وفي التاسع منه قرئ تقليد السلطان بالقصر، وجرى كلام يتعلّق بالقضاة فقال الشافعي: "عزلتُ نفسي"، فقال له السلطان: "أَعَدْتُك! " فقبل، وخُلع عليه وعلى رفقته، ورسم بإعادة الأوقاف التي خرجت عن الشافعي، وهى: وقف قراقوش في ولاية العراقي، ووقف بيبغا التركماني في ولاية البُلْقيني، ووقْفُ الأسْرَى في ولايته، فأُعيدت بتوقيع جديد. * * * وفي السابع عشر منه استقرّ القاضي كمال الدين البارزي في كتابة (٤) السرّ بالقاهرة عوضًا عن الصاحب بدر الدين بن نصر الله، واستقرّ برهان (٥) الدين الباعوني في قضاء الشافعية بدمشق عوضًا عن القاضي كمال الدين، ثم ورد الخبر في أوائل جمادى الأولى بأن

стр. 1753

الباعوني امتنع عن قبول الولاية فقرر القاضي تقي الدين ابن قاضي شهبة، وسار القاضي بخلعته وتقليده (١). * * * وفى يوم السبت الثاني والعشرين منه استقرّ تتم الذى كان خزندارًا صغيرًا في وظيفة الحسْبة عوضا عن نور الدين السويفي.

стр. 1754

وفيه أمر السلطان القضاة بالتوجه إلى الكنيسة (١) المعلّقة والكنيسة المعروفة بشنودة وكُشفَتَا، وهدم من المعلقة أشياء جُدِّدت ما بين شبابيك مخروطة ومكفتة مطعمة ودُفيسيِّات وألزموا بتكملة هدْم البناء المجدّد الزائد عما سبق لهم مِمّا حكم نائب الحنفي بترميمه. * * * وفيه ادّعى على بطرك النصارى أنه يتناول مال الموتى الحشرية من النصارى، فادّعى أن به مرسومًا من السلطان، فاستفتى السلطان القضاة فاتفقوا على أنها أموال بيت المال، فخلع على فتح الدين المحرقي بنظر سعيد السعداء والنظر على التركات الحشرية من أهل الذمة وشرع في استخلاص ذلك، وطَلَبِ ما سبق لاستعادته مِمِّن تناوله، ولحق النصارى من ذلك شدة شديدة. * * * وفيه نازل الإمام صاحبُ صعدة بعساكر صنعاء فقاتل المتغلّبَ عليها وهو سنقر التركي، وكان سنقر قد تحكّم فى البلاد بالشوكة، وأقام هذا الإمام وزوّجه بنتا لعليّ بن صلاح، فبلغ سنقر أنه يريد القبض عليه، وبادر هو فقبض عليه وسجنه، فتَحيَّل إلى أن خلص من محبْسه بصنعاء، وتوجّه إلى صعدة فجمع العسكر ونازل سنقرًا فقوى عليه سنقر بمن أطاعه من أهل الشوكة، فأنكر الإمام وتحصّن بقلعة يقال لها "تلّىٌ"، فلما بلغ ذلك زوجته استولت على صعدة وأطاعها أهلها. ثم كاتب سنقر الملك الظاهر صاحب زبيد يطلب منه عسكرًا ليسلمه صنعاء ويكون هو أحد الأمراء، فبادر الظاهر لذلك وأرسل له أميرين، فلما وصلا بمن معهما إلى ذمار بلغهما موت الملك الظاهر فرجعوا، وذلك في رجب (٢). * * * شهر جمادى الأولى أوله الثلاثاء. حضرت للتهنئة عند السلطان - يوم الاثنين سلخ - الشهر الماضي - فسألت السلطان أن يشهد على نفسه بما فوض (٣) لي من الولاية والأنظار وغيرها، فأشهد على نفسه ذلك بحضرة

стр. 1755

القضاة، وشكوْت له بعد ذلك ما انتزعه مني الملك الأشرف ووهب بعضه أو أكثره للقاضي علم الدين البلقيني، فرسم بعقد مجلس بذلك بحضرته، فتوسط ناظر الجيش بيني وبينه إلى أن أعاد النصف وتركت له النصر. وفى أوائله (١) طلع الشيخ حسن العجمي لتهنئة السلطان بالشهر ومعه جماعته على العادة فأمر بالقبض عليه وضرَبه بِحضرته بالمقارع (٢) ضربًا مبرحا، وأمر بنفيه ونودى عليه: "هذاء جزاء من يقتنى كتب الكفر ويدور بها" وشهر في البلد، وحُبس بحبس الجرائم، ثم ادعى عليه عند المالكي أنه وقع في حق الجناب الرفيع، فشهد عليه إمام التربة الأشرفية الجديدة، فسُجن ليكمل البيِّنَة، وقُرِّر فى زاويته شمس (٣) الدين الكافياجي، وتعجب الناس من كون الذي شهد عليه، والذى أخذ مكانه منسوبان إلى الذي كان يقرّره ويهذى به. * * * وفى أوائل العشر الأوسط منه ضُرب كاتب مِن كُتّاب الوزير بسبب مالٍ صار في جهته، فقُدّر أنه أصبح ميتا بعد الضرب، فاستغاث أهله، فأمر السلطان بإحضار المقدّم فضُرب بحضرته بالمقارع، وأرسله إلى القاضي المالكي، فعفا بعض أولياء الميت عن الدّم وبقى حق البنت، فحبس بسبب ذلك. * * * وفيه قدم شخص من حلب بسبب الحروفية (٤) ونجزت له مراسيم بالقيام عليهم، وقد نَبَّهْتُ على ذلك في حوادث سنة ٢١. وفي الرابع والعشرين منه شكا حسن بن حسين الأميوطي (٥) نقيب ابن البلقيني ونسب إليه أمورًا، وكان الذى قام فى أمره وليّ الدين بن تقي الدين البلقيني وساعده ابن عمّ أبيه

стр. 1756

قاسم وتبعهما جماعة، وكتب فيه محضر شهد عليه فيه بأمور معضلة، بعضها يتقضى الزندقة والاستهزاء بالشريعة وأهلها وغير ذلك من ارْتكاب الكبائر من اللواط وشُرْب الخمر، فبلغه ذلك فاستجار بعبد الرحمن بن الكُوَيْز، فسعى له ثم قبض عليه بعضُ الأعوان وجَمْعٌ من الشرطة وذلك في أوّل الليل، ففرّ إلى بيت ابن الكويز. وأصبح القوم فرفعوا أمرهم ثانيًا فأمر السلطانُ الوالي ونقيب الجيش بالجدّ في طلبه، فلم يقدروا عليه، واستمرّ فى تواريه إلى أن كان في يوم الأحد ثاني شعبان فشفع فيه الأمير الكبير تَنَم المحتسب والأمير دَوْلت باي أمير آخور عند ناظر الجيش، فتكلّم معي في سماع الدّعوى عليه، والحكم بحقن دمه، فأجبتهم، فأمن على نفسه وظهر، ولم يقع له ولا عليه حكم إلى أن وقع من البعض علي ناظر الجيش في أواخر السّنة ما وقع، فتحرك حسن المذكور وساعده وليّ الدين السفطي وكيل بيت المال وجليسُ السلطان، فأوقفه للسلطان، وادّعى أنّ وليّ الدين ابن البلقيني تعصبّ عليه بجاهه وماله، وأن الذين كتبوا في حقه رجع أكثرهم، وأظهر خطوط بعضهم بذلك. فأمر السلطانُ أن يُعقَد له مجلس بالقضاة والعلماء، ويفصل الأمر بينهم، فوقع ذلك فى المحرّم كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. * * * شهر جمادى الآخر أوله الاربعاء بالرؤية. في الثالث منه عَزل السلطانُ ابن النَّقَّاش من الخطابة بجامع طولون، وقرَّر فيه برهان الدين بن الميلق، وذكر أنه كان يصلى خلفه أحيانًا وهو أمير فلا يفصح في الخطبة ولا في القراءة في الصلاة. وفيه حكم بهاء الدين الإخنائي بحضرة مستنيبه القاضي المالكي بقتل يَخْشَبَاي الأشرفي حَدًّا، لكونه لعن أجداد حسام الدين بن حريز قاضي منفلوط بعد أن قال له "أنا شريف، وجدّي الحسين بن فاطمة بنت رسول الله ﷺ ! "، وكان سبق له أنّه ادّعى عليه عند بعض الشافعية بأنه شتم ناسًا فيهم أشراف، وحكم النائب الشافعي بقبول توبته وحقن دمه، فلما ادّعى الحسام بذلك عند المالكي طلب صورة الحكم السابقة وذكر أنها لا تمنع من سماع هذه الدعوى، وفوّضها لنائبه المذكور، فسمع البينة على الغائب وحكم، وبقي له الحجة.

стр. 1757

وفيه أشيع مَوتُ الشيخ عز الدين عبد السلام (١) بن داود بن عثمان المقدسي شيخ الصلاحية ببيت المقدس، فَعُيّن شهاب الدين أحمد بن الكوراني (٢) التبريزي عوضه بشرط ثبوت موته. فلمّا كان بعد قليل حضر شرف الدين يحيى بن العطار -الذي كان استقرّ في مشيخة خانقاه ناظر الجيش عوضا عن شهاب الدين بن المصري- إلى القاهرة، فأخبر أن ضعف عز الدين لا يقتضي الموت، وأنه فارقه وهو في قيد الحياة. * * * وفى التاسع من جمادى الآخرة كان أول كيهك (٣) وهو أول الأربعينية عند المصريّين، فوقع فيه مطر يسير وكذلك في الليل، ثم أرعدت (٤) وأبرقت فى يوم الجمعة، ثم وقع المطر الغزير وتواتر، وانتفع به أصحاب الزرع انتفاعا جيدا. * * * وفيه استقرّ فى قضاء الشام القاضى تقي الدين أبو بكر (٥) بن قاضي شهبة، وكان ناظر الجيش عَيّن لوظيفة القضاء برهانَ الدين الباعوني وجُهِّزَت له الخلعة والتوقيع، فجاء كتابُ النائب يذكر أنه امتنع وأصرّ على الامتناع، فجهز توقيع المذكور. * * * وفيه حضرنا عند السلطان بسبب محاكمة، فذَكر أنّه بلغه أن الشيخ زين الدين أبا هريرة بن النقاش بنى بيته الذى بجوار جدار الجامع الطولوني من داخل السور الذي للجامع بغير حق، وأنّهم حكموا قديما بهدْمه. وكان السلطان أمر أوّلًا أن يتوجّه القضاة الأربعة إلى الجامع ويكشفوا حال البيت المذكور، فكشفوه وأعادوا له الجواب بأنه حكم على أولاده بسدّ الباب الذي فتحه في جدار

стр. 1758

الجامع، وكذلك المناور التي فوقه فوجدوها قد سُدَّت ويُيَضَتْ، فقال في هذا اليوم ماذكر، فقلت له: "إن كان ثبت عند مولانا السلطان فليحكم بهدمه ونحن ننفذ حكمه"، فتوقف. فبلغ ذلك علمَ الدين البلقيني، وكان وقع بين أخيه القاضي جلال الدين وبين ابن النقاش منازعة بسبب نظر وقف فى مجلس الأمير الكبير يشبك، فاستطال ابن النقاش على الجلال، فغضب وقال: "حكمت بِفِسْقِك، وعزلتك من وظائفك لكوْنك بنيْتَ بيْتكَ في رحاب الجامع"، فلم يلبث أن أعاده بعد ثلاثة أيام، ولكن سطّر هذا المجلس وبقي عندهم فتوجه البلقيني إلى العيني واجتمعا بالسلطان ونصحا له بذلك فأصغى لهما وأعجبه. فلما كان عند التهنئة برجب أظهر لي المحضر المذكور فعرَّفْتُه أنه لا يفيد، وكان تاريخه سنة خمس وثمانمائة، فسكن إلى أن كان ما سنذكر. رجب: أوله الجمعة، ثم ثبت أنه رئى ليلة الخميس (١) وأدير المحمل في النصف منه وكان حافلًا والجمع وافرا. وفى يوم الاثنين الخامس منه عقد مجلس بالقصر وادّعى فيه نور الدين بن أقْبَرس نائب الحكم -بطريق الوكالة عن السلطان- عند القاضي المالكي عند قرقماس بحكم غيبته بالاسكندرية فى السّجن بأنه بايع السلطان وحلف له ثم خرج عليه وشقّ العصا وشهر السّلاح، وقتل بسببه جماعة، فقامت البينة، وحكم القاضي بموجب ما شهد فيه فسئل عن موجبه فقال: "يجوز للسلطان قتلُه"، فضبطوا عليه هذا الجواب. وجُهّز بريدي إلى الإسكندرية بقتله بعد أن يقرأ عليه المحضر ويقرر له، فَقُرئ عليه، فاعترف بما شهدت به البيّنة فقتل (٢).

стр. 1759

وكان (١) [قرقماس] قدم مع المجهزين إلى قرايلك في سنة ٣٢ إلى البلاد الحلبية، ثم وليّ النيابة سنة سبع وثلاثين، ثم خرج في العسكر لدفْع قرايلك فأقام بألْبيرة، ثم أرسل إليه حمزة باك بن على باك بن دُلْغَادر يطلب منه نجدة على عمه وهو بمرْغشَ، فوصل إليه مع طائفة، فلما وصل إلى مَرْعش جاء فياض بن ناصر الدين بك ومعه أميران من التركمان فَجُهِّزَ إلى القاهرة، ثم خرج بأمر السلطان ليتسلّم: قَيْسَاريّة من ناصر الدين بك بن ذُلْغَادر، ثم وصل الخبر بتأخير ذلك فرجع إلى حلب فى رمضان سنة ٣٨، ثم شاع ظهور جانى بك الصوفي فجاء الأمر بتوجّه قرقماس إلى مصر، فحضر واستقر أمير سلاح، واستقر إينال الجَكَمي في نيابة حلب بعده، وأطلق السلطان فيّاضًا وولّاه إمرة مَرْعَش. وكان قرقماس الشعباني من مماليك الناصر فرج ثم تنقلت به الأحوال واستقرّ دويدارًا صغيرًا في أوائل دولة الأشرف، ثم ولي إمْرةَ مكة شريكًا لحسن بن عَجْلان، ثم عاد إلى القاهرة وولي الحجوبية الكبرى، وباشرها بشهامة وصرامة، وكان مهيبا ويميل إلى الفقهاء ويجالسهم، ويطالع كتب العلم، ثم ولي إمرة حلب بعد رجوع السلطان من آمد ثم صرُف عنها واستقرّ بالقاهرة أمير سلاح. (٢) ثم اتّفق أن الأشرف مات وهو مع المجرّدين في البلاد الشمالية، فلما عادوا كان [هو] القائم في سلطنة الملك الظاهر وخَلع العزيز وحبس الأمراء الذين من جهته، ثم لم يلبث أن ثار على الظاهر ومعه المماليك الأشرفية، فحاربه الأمراء الذين كانوا بدولة الظاهر فانكسر، وجرح جماعة وقتل جماعة، ثم أُحضروا فى اليوم الثالث فأرْسلوا إلى الإسكندرية، وكان ما تقدم. * * * وفى اليوم الرابع من رجب حضر الجماعة لقراءة صحيح البخاري بالقصر، وحضر معهم السلطان ثم انقطع، وصار يحضر أحيانا وشرط عليهم عدم اللّغط. واستقر برهان الدين إبراهيم (٣) بن حسن البقاعي قارئا عوضًا عن نور الدين السُّويفى إمام الملك الأشرف، واستمعوا قراءته وفصاحته.

стр. 1760

شهر شعبان أوله السبت. في الثاني منه عُقد مجلس بسبب بيت (١) الشيخ أبي هريرة بن النقاش المجاور للجامع ابن طولون، فاُحضر ولداه وادّعى عليهما وليّ الدين السفطي -بطريق الوكالة عن السلطان وعن الناظر- فأجاباه بأنّ والدهما استأجر المكان المذكور، وحَكَم بالإجارة القاضي وليُّ الدين العراقي، فأظهر له بذلك مثبوتًا فحضر المجلس المذكور ناصر الدين الشنشي نائب الحكم، وذكروا عنه أنه كان فى سنة ٣٥ حكم بهدمه فسُئل عن ذلك فقال: "الذي ثبت عندي أن الأرض المذكورة من رحاب الجامع وأنّه لا يجوز فيها البناء". فسألتُه في المجلس: "أنت تقدّم لك حكم بَهْدم بناء ابن النّقاش أم لا؟ ". فأعرض السلطان عنه، وانفصل المجلس على أنْ أمَرَ السلطانُ القاضي المالكي أن ينظر في الإجارة التي بيدهما ويعمل فيهما بما يقتضيه مذهبه، فادعى عليهما السفطي صبيحة ذلك اليوم أن الإجارة التي بيدهما انقَضَتْ، وأن الناظر يختار الهدم، فحكم المالكي بهدْم الدار المذكورة. وكان ابن النقاش وَقَف الدارَ المذكورة على صهريج بناه مجاورها، فحكم المالكي ببطلان الوقف بانقضاء الإجارة، ومكِّنهما من نَقْل الأنقاض وتملّكها وتسوية الأرض. ثم توجّه المالكي بأمر السلطان صبيحةَ اليوم المذكور فحضر هدْم الدار المذكورة، وذلك في صبيحة يوم الأربعاء خامس شعبان. وفيه عصى (٢) تغري بَرْمُش التركماني نائبُ حلب وأراد القبض على الأمراء بحلب وأن يملك القلعة. ففطنوا فحاربوه وأغلقوا القلعة فحاصرهم فيها. وجاء الخبر بذلك إلى السلطان في الحادي عشر من رمضان، فأمر بتقليد نائب طرابلس النيابة بحلب، وأرسل إليه تقليده وخلعته مع هجّان وأمره بالمسير مع العسكر إلى حلب، والقبض على تغرى بَرْمُش، وكتب إلى الحاجب (٣) بحلب -وكان قد فرّ من حلب إلى حماة- بنيابة حماة، وأمر نائب حماة أن يتحوّل إلى نيابة طرابلس، واستشعر من نائب (٤) الشام فوافي كتابه في آخر اليوم

стр. 1761

المذكور بما يدلّ على استمراره (١) على الطاعة، فاطمأن لذلك، ثم أظهر العصيان وكاتب النّواب فما أطاعة أحد، وواطأ بعض أهل القلعة ورشاهم بجملة من المال، ففطن بهم نائب القلعة (٢) فقبض عليهم وقتلهم، وهرب واحد منهم فأعلمه، فاستغاث أهل القلعة بالعوامّ وسألوهم النصر فانتحوا واجتمعوا ورجموا (٣) من يحاصر القلعة بالحجارة، وخربوا المكان الذي صعده رماتُه ليرموا على القلعة فهزموهم، وهجموا على دار العدل فهرب (٤) النائب لا يلوى على شيء، ونهبوا ما وجدوا، ولم يَصلْ معه سوي مائة فارس، فخرج من باب أنطاكية ليس معه إلّا ماهو لابسه، وأُخِذ له ولأتباعه من الأموال ما يفوق الوصف، وظهرت له ودائع كثيرة فاستخرجت، واستمر هو في ذهابه، إلى أن وصل إلى شَيْزَر، فنزل علَى عَليِ بن صقلسيز التركماني فآواه، وجمع له جمعا وتوجّهوا إلى طَرابُلس، وكان نائبها جلبان استشعر من تغرى بَرْمُش أنه يشاققه، فأخلى له طرابلس وتوجّه إلى الرّمْلة، فدخل تغرى بَرْمُش طرابلس وأخذ منها أموالًا وخيولًا، وتوجّه قاصدًا إينال الجكمي بدمش فحاصروا حماة، وانضم إليهم جمْع من التركمان [كانوا] مع عَلِي يار، وجَمْع من العرب مع العادية، ثم اجتمع رأيهم على الرجوع إلى حلب، فنازلوها وحاصروها في العشرين من شوال فاستعدّوا للحصار. وجَدَّ تغرى بَرْمُش ومن معه في حصار أهل حلب، وجدّوا هم في مدافعته، وعاث مَنْ معه في القرى فانتهبوها، وفي غالب الأيام يستظهر أهل حلب ويقتلون من عدّوهم جماعة، ثم حاصر المدينة من جهة الميدان سواء، ولكن خربت أماكن وأحرقت بَانْقوسَا (٥)، ولم يزالوا كذلك إلى أن خرج أهل حلب فصدقوهم الحملة فانهزموا واستمرّوا إلى جهة الشمال فنزلوا مَرْج دابق.

стр. 1762

وكان قد استولى على عَينْتاب وأسكن بها جماعةً من مماليكه وأتباعه، ولما بلغ أهلَها هزيمتهُ من الحلبيينَ وثبوا على مَن عندهم فانتزعوا منهم القلعة والمدينة، فلم يفجأهم إلّا الخبر بانهزام إينال الجكميِ ومَن معه، فاجتمعوا على حماة، فلما أصبحوا ليقتتلوا انجفل العرب ورحلوا، واستمر تغرى بَرْمُش ومن معه. فلما تراءى الجمعان انهزم تغرى بَرْمُش ومن معه، فاحتووا على وطاقهم، واستمرّت هزيمتهم إلى صِهْيون ثم إلى الثغر، ولم يَبْقَ منهم سوى مائتين أول أقّل، ثم استمروا إلى أنطاكية فاجتمع عليهم جمع من الفلاحين ورموا عليهم بالسّهام وهجموا عليهم فأسروهم، وصادف ذلك وصول الخبر إلى العسكر السّلطاني وهم على خان طومان خارج حلب، فطلبوا المأسورين فأحضروهم إلى الأمير قطُج فقيّدهم، واجتمع هو وبقية العسكر في حلب في العشر الأخير من ذي القعدة وكاتبوا السّلطان، فوصل الأمر بقتلهم، فقتلوا تغرى بَرْمُش وابن سقلسيز (١) فى سابع عشر ذي الحجة ثم ظهر لتغرى بَرْمُش مال آخر غير ما كان أخِذ لَه لما هرب أولًا، فقيل إن جملة ما أخذ له من العين خاصة أكثر من سبعين ألف دينار. وكان أصل تغرى بَرْمُش من أولاد التركمان ببهَسْنا، وكان أبوه من الأجناد يقال له أحمد بن المصري، فولد له حسن خجا وحسين بك وثالث (٢)، فلما وقعت الفتنة العظمى اللَّنْكية مات أبوهم، وفر حسين فدخل حلب وهو مراهق أو حين بلوغه، فاستخدمه بعض الأمراء. ثم انتقل بعده إلى الأمير طوخ، وكان سَمَّى نفسه لما تقررّ في الخدمة تغرى بَرْمُش، فلما قُتل طوخ في وقعة شيخ مع نوروز بدمشق اتصل تغرى بَرْمُش بخدمة جقمق الدويدار واستمرّ عنده إلى أن رجعوا إلى القاهرة، ثم كان في خدمته لمّا ولي نيابة دمشق وكان دُوُيْدَارًا عنده. فلما أمسك جقمق الأمير برسباى -الذي ولي بعد ذلك السلطنة- قام تغرى بَرْمُش بأمره وخدمته وهو في الاعتقال وواصله بالبرّ، فرعى له ذلك، ولمّا صار سلطانًا استدعى به من الشام فأمّره، ثم نقله فصار أمير آخور كبيرًا وكان جرده إلى حلب سنة ٣٢، ثم قررّه في نيابة حلب لما نُقل إينال الجكمي إلى نيابة الشام فقدمها في سنة تسع وثلاثين فكان من أمره ما كان.

стр. 1763

ولما جهز الأشرف [برسْبَاى] الأمراء وفيهم جقمق -الذي تسلطن بعد ذلك- إلى الأبلُسْتَيْن لإخراج ناصر الدين بن ذلغادر وهو الذي صاهره جقمق بعد السلطنة على ابنته وقدم بها إلى القاهرة، فلما أحسّ بهم نزح عن البلاد وعادوا إلى حلب ثم توجّهوا إلى مصر، ثم راسل نائبُ حلب المذكورُ الأشرفَ بأن يجّهز إليه عسكرًا لأخذْ أرزنكان وما يليها من القلاع، فجهز ثمانية أمراء مع نُوَّاب الشام (١) وطرابلس وصفد وحماة، فاجتمعوا فافتتحوها في السنة المقبلة ورجعوا إلى حلب، فبلغتهم وفاة الأشرف فوقعت الوحشة، وتوجّه الأمراء إلى بلادهم ووصل المصريون إليها. فلما تسلطن الظاهر جَقْمَق وصلت الخلعة من جهته إلى نائب حلب فلبسها وأظهر الطاعة، ثم أخذ في العصيان وطمع في المملكة. * * * وفيه جاء الخبر بقتل ابن جنقر التركماني، وكان فاتكا يقطع الطرقات بين دمشق وحلب، وفرح الناس بذلك. وفيه فتك الأشرفُ إسماعيلُ صاحبُ اليمن بجماعةٍ مِن جنده، وأسرع في سفْك دمائهم، وجرى -في أمر التجار والباعة في البلاد التي تحت نظره- على سيرة الجوْر والظلم الفاحش من قبح المصادرة ونحو ذلك. * * * وتراءى الناس الهلال ليلة الأحد وكانت بالعدد الثلاثين من شعبان فلم يروه، فلما كان بعد صلاة العشاء بثلث ساعة حضر كتاب من نائب الحكم -وهو المحبّ البكري- وفيه أنه ثبت عنده، فنودي بالصّيام. ووصل كتاب من نائب الحكم ببلبيس -في أول النهار- بمثل ذلك، وفى أثناء النهار من نائب الحكم بمنوف (٢) العليا كذلك. وكثر بعد ذلك من يخْبر برؤيته ويعتذر. وحضر السّلطان سماعَ الحديث في أوّل يوم من شهر رمضان. * * *

стр. 1764

وفيه صُرف معين الدين بن شرف الدين -موقّعُ الدست ونائبُ كاتب السرّ- عن كتابة السرّ بحلب وأذن له في الرّجوع إلى القاهرة، واستقرّ فيها زين الدين عمرُ بن السفاح نقْلًا من نظر الجيش، واستقرّ في نظر الجيش سراج الدين عمر الحمصي الذي كان ولي القضاء بدمشق في أيام الاشرف بعد طرابلس، وكان أوّلًا ينوب فى الحكم بأسيوط بالصعيد، وسيرته مشهورة غير مشكورة، ثم صُرف عن ذلك. * * * وفى العشر الأول من رمضان عصى نائب الشام إينال الجكمي، وقَبض على الحاجب الكبير بدمشق، وحَصَر القلعة بمن فيها، وأظهر الإنكار على السّلطان في قتْله قرْقماس القَتْلةَ الشنيعة. وكان قبل ذلك وصله كتاب (١) من تغرى بَرْمُش النائب بحلب أنه عصى وهجم على الحاجب ليقبضه ففرّ منه إلى حماة فحصر القلعة، ورام الاستيلاء عليها، فأظهر النائب بالشام الإنكار على نائب حلب وجهز كتابه إلى السلطان خداعًا، فلما حضر عنده الأمراء ليشاورهم على التوجّه إلى حلب للقبض على النائب بها ظنّوا ذلك على ظاهره، فحضروا بغير أهبة، فقبض عليهم، وبلغ ذلك نائبَ القلعة فرضى عليه. ولمّا قبض على الأمراء أطلق مَن وافقه على مراده وحلّفه، وسجن مَن امتنعَ، وكلّ ذلك في العشر الأول من شهر رمضان، ثم جَمع من أموال المقبوض عليهم جملةً، وقبض على جماعة من التجار الأكابر، وأخذ منهم أموالًا اقترضها وشرع فى استخدام العساكر، وفرّ منه يونس أحد الأمراء وتشاوروا، فاقتضت الآراء التوجه لجهة الأمير الكبير، كما سيأتي ذكره. * * *

стр. 1765

وفى يوم الاثنين ثالث عشري رمضان استقرّ الأمير الكبير آقبغا التمرازي في نيابة الشام، وخُلع عليه بالقصر، وعيّن جماعة من الأمراء والجند للسفر إلى قبالة نائب الشام، ثم وصل الخبر بأنّ الذي كان في إمرة طرابلس تركها لما وصل تَغْرى بَرْمُش نائبُ حلب إليها، وجاء فيمن أطاعه إلى الرِّملة، فكاتب السلطان يستحثه على الوصول بالعساكر لتمهيد البلاد الشامية. * * * وفي ليلة الاثنين الثلاثين من شهر رمضان تراءى الناس الهلال على العادة وحضر القضاة الأربعة بالمدرسة (١) المنصورية فلم يروا شيئًا وأصبحوا صائمين، وشاع أنّ العزيز هرب من قاعة محبسه من القلعة، وهرب معه الطواشي الذي كان يخدمه والجارية (٢)، فقلق السلطان بسبب ذلك واتّهم به جماعةً من مماليك أبيه [الأشرف بَرْسْبَاى]، فبلغ ذلك إينال [الأبوبكري الأشرفي] فخشى على نفسه فوزّع قماشه (٣) وتسحّب في الليل، وبات جماعة من الأمراء لابسين بالرُّمَيْلة، وشاع أن الفتنة تقع يومَ العيد، فصلّى السّلطانُ العيد بالقصر الكبير وحضر الأمراءُ كلّهم فصلّى بعضهم بالجامع ومعظمهم بالقصر. وخَطَبْتُ (٤) بهم بعد الصلاة على منبر لطيف، وخُلع علَى من له عادة من الأمراء والقضاة وانصرفوا إلى منازلهم. * * * شهر شوال أوله الثلاثاء. في يوم الخميس ثالثه استعفى أرْكماس الظاهري الدويدار الكبير من الخدمة، وكرر ذلك فأعفاه السلطان، وطرَد الشرطة من بابه، وأخرج إقطاعه. فلما كان يوم الخميس

стр. 1766

عاشره استقرّ تَغْرِى بَرْدِى [البُكْلَمُشي المعروف بالمؤذي] الحاجب في وظيفته (١). وعُيَن أسَنْبغا الطياري الدويدار الثاني تقدمةً، وقُرِّر فى وظيفته رأسَ نوبة كبيرًا، وأخرج تمْرَاز من الإسطبل على إمْرته وقرّر شاهين كُرْت (٢) في وظيفة دولت باي. وقرّر سيدي (٣) محمد -ولدُ السلطان [جقمق] في إمرة قراجا-[الأشراف] بعد القبض عليه وحبْسه بالإسكندرية وخرَج الأمراء إلى الريدانية وهم: الأمير الكبير نائب الشام أقْبغَا التمرازى وقراخجا الحسني وتُمْرباي ومن انضمّ إليهم من الجند، وبَقِيَتْ وظيفة الأمير الكبير شاغرةً ثم عُيّنَتْ ليشبك أمير سلاح. وجاء الخبر بأن الأمراء بالشّام تسحَّبوا من الشام هربًا من النائب، ووصلوا إلى الرّملة وكاتبوا بذلك، واستحثّوا على حضور العساكر إليهم، وكان السبب في ذلك أنهم ندموا على طواعية نائب الشام، فاجتمعوا وحاربوه، فحاربهم، وكسرهم. وفرّ إينَال الشَّشْمَاني إلى القلعة فتحصّن بها، وخرج الباقون إلى الرملة، واغتنم بهاء الدين بن حجيّ -كاتبُ السرّ إذ ذاك- الفرصةَ فخرج من دمشق مسرعًا على الخيل إلى صفد، ثم إلى الرملة، ثم قدم القاهرة في اليوم العشرين من شوال. وفى هذا اليوم وصل طُوغان [الأشرفى الزرْدَكاش]، وكان قد توجّه إلى الصّعيد لإفساد الجند الأشرفيّة على السلطان. فأعلمهم بأن الملك العزيز خلص، وأن الجند اجتمعوا عليه، ووصلت إليهم (٤) كُتُبُ نائب الشّام بأنّه واصل، وأطمعهم بأنهم إذا توجهوا إلى القاهرة يوافيهم نائب الشام بعساكره، وينضمّ إليهم بقيتهم المقيمون بالقاهرة، فأصغوا إلى ذلك، ثم ظهر لهم بطلان ذلك، وأن الملك العزيز هرب ولم يُعرف له مقر، فرجعوا عما هَمَّوا به. وقبض يشبك على طوغان [الأشرفي] المذكور وجُهّز فى مركب مقيدًا فوصل إلى القلعة في هذا اليوم.

стр. 1767

وكان السلطان -قبل ذلك- قبض على قانباي اليوسفي، لأنه قيل له إنه صديق طُوغان فضربه به فلم يقرّ بكبير أمر، فسجنه حتى وصل طُوغان فعُصِرَا جميعا فأقرُّا بالواقعة، وأنّ قانباي كان رأسا في هذه الفتنة، وهو الذي أطمع السلطان العزيز وأعلمه بخبر النّواب، وأنه لم يصل إلى القاهرة حتى اتفق الجميع على العصيان. وذكر طوغَان أنه فارقَ العزيز بضواحي الشهداء (١) بغَلَس، ثم ظهر كذبه، وأنه أقام في مشهد ذي النون ثلاثةَ أيّام، وبمصر في قاعة بين المطابخ بنواحي سوق شنودة سبعة عشر يومًا، فلما بلغه إمساك طُوغان [الأشر فى الزردكاش] وإحضارُه خرج. * * * وفي يوم الثلاثاء ثانى عشريه رحل [الركب] الأول من بركة الجب. يوم الأربعاء رحل الركب مع أمير المحمل تامى بك أحد الأمراء المقدّمين، وقد استقرّر في الحجوبية الكبرى قبل سفره، وكان الملح كبيرًا جدًا حتى كانوا خمسة رُكُوب: الأول، والمحمل، والتكاررة، والمغاربة، والينابعة. وفي يوم الجمعة خامس عشري شوّال لبس السلطان الأبيض، ووافق ذلك نصف برمودة من الأشهر القبطية (٢)، فسبق العادة قبل شهر، واستمرّ البرد في أول النهار بقوّة، وابتدأ الموت بالطاعون. * * * وفي هذا اليوم (٣) قُبض على إينال الجَكمي نائب الشام، وأصْعِدَ إلى القلعة بدمشق مقيدًّا وكان السبب في ذلك أنّ نائب الشام أقبغا التّمْرازي رحل من غزة في النصف من

стр. 1768

شوال، ثم تلاحق به الأمراء واجتمعوا جميعًا يوم الأربعاء ثالث عشرى شوال بالخربة (١) واجتمعوا بالنّواب الذين كانوا مقيمين بالرّملة. وتقدّم نائب الشام ومَن معه من النواب وتأخّر بقيةُ الأمراء ومَن معهم من المماليك السّلطانية، ولم يكن بينهم إلّا قدْر ميلين، فالتقوا بإينال الجكمي ومن معهم، فحمل عليهم إينال بمن معه فقُتل صَرْغتمْش دويدار جلبان، ووقع طوخ [مازى] نائب غزة عن فرسه، وقتل جماعة، وتمّت عليهم الكسرة حتى وقع سنجق نائب الشام، وكان قاصدا نائب الشام، ثم وصل إلى الأمراء والمماليك السلطانية قبل أن يلحقوا به، فصادف الحوقهم به ما وقع لمن كان معه من الهزيمة، فرجع بهم وحمل على إينال ومن معه، فألفوا كثيًرا من الجند الذين كانوا مع إينال الجكمي، وقبضوا على ولد قَانْصُوه، وانهزم إينال الجكمي وتمزّق جمعه، ونزل العسكر كله في شَقْحبَ. واتّفق أن جَانى بك دويدار بَرْسْبَاى الحاجب أدرك إينال الجكمي وهو منهزم وقد أصابتْهُ في يديْه عدّة جراحات وضعف من كثرة ما سال منه من الدّم، فالتجأ إلى ضيعةٍ فنزل في بستان منها، فهجم عليْه فقبض عليه وأركبه فرسه وهو لا يستطيع الدّفع عن نفسه، وساقه إلى أنْ أدخله قلعةَ دمشق، ورجع العسكر وهم نزول بشَقْحَب يوم الخميس، فأعلمهم بذلك، فطلبوا ودخلوا الشام يوم الجمعة خامس عشري شوال فى أبّهة عظيمة وجُهّزَ المبشر إلى السلطان بالخبر. قرأتُ هذا الفصل في كتابٍ من بعض الماليك السلطانية إلى بعض أصدقائه. ووسِّط طُوغان بعد أن ضُرب، فأقَرَّ أن أركماس الدويدار الكبير كان معه قانباي اليوسفي وقرمان، وضرب قانباي وقَرْمان ضربًا مبرحًا، وذكر لي ولي الدين السفطي أنّ السلطان أرسله إلى ابن الدّيرى يستفتيه فى أمر طوغَان وما صدر منه. من الفساد، فأفتاه بجواز قتله، وأرسل له معه النقل بذلك من عدّةِ مواضع، فأمر بتوسيطه لذلك. ثم اشتدّ الخطبُ على كثيرٍ من الناس ممَّن اتّهمُوا بإخفاء الملك العزيز فكُبسَت بيوتهم ونُهب بعضها، وكان منهم ناظر الدولة أمين الدين بن الهَيْصَم، فلما كان في ليلة الأحد

стр. 1769

الخامس والعشرين من شوال ظُفر بالملك العزيز ومعه جنديٌ واحد ماشِيين قاصدين مكانًا يأويان إليه من شدّة ما وقع من الطلب، وذلك بين العشاءين، فأحْضِرا إلى الإسطبل، وطلع بهما ولدُ السلطان إليه (١) فأكرمه (٢) وبَيَّته عنده (٣) وهرع الناس لتهنئة السلطان بالظفر به، ثم تبيّن أن العزيز كان آوى إلى شخص من مماليك أبيه فعمل عليه الحيلةَ حتى أطلعه للسلطان ليحظى بذلك عنده. وفي التاسع والعشرين من شوّال أحضِر إينال فقُيد وأرسل إلى السّجن بالاسكندرية، وتوجّه شهاب الدين بن العطّار إلى الاسكندرية بسبب ما يتعلّق ببيع البهار السلطاني. * * * وفى سلخ شوّال ورد الخبر بقتل إينال الأجرود نائب صفد فى معركة وقعت لنائب الشام إينال الجكمي، ثم ظهر أن ذلك كَذب من بعض الأشرفية (٤)، وتحقق أن الجكمي خرج من دمشق، وأن العساكر الظّاهرية رحلوا بأمر السلطان من الرّملة في النصف من شوال قاصدين نائب الشامَ، فترك الشام ومضى نحو تَدْمُر. * * * واستهلّ شهر ذي القعدة يوم الخميس، وتحدّث الناس برؤيته ليلة الأربعاء. واستقرّ جوهر الخزندار زماما عوض فيروز.

стр. 1770

وفي أول يوم منه استقرّ بهاء الدين بن حجّي في قضاء الشام مضافًا (١) لكتابة السرّ، ولبس الخلعة بذلك، وسافر يوم الجمعة رابع عشري الشهر المذكور. وفي الثامن منه طُلِب القاضي بهاءُ الدين ابنُ القاضي عز الدين عبد العزيز بن عز الدين محمد بن البُلقيني إلى حضرة السلطان بسبب جاريةٍ أفسدها عَبْدُه، فغابت عن سيدّتها قدر سبعة أيّامٍ ثم وجَدَتْها سيدتها فتسلمتها بشاهدين منه، ثم هرب العبد فاتهم بهاء الدين سيِّدةَ الجارية، فاتّصل الأمر بالدويدار الصغير، فطلبه ليوفقّ بينهما فتعاظم، فأوصل الأمر للسلطان ونسب المذكور إلى أمور معضلة، وأنه هو الذي أفسد الجارية المذكورة، إلى غير ذلك من القبائح المنكرة، فلما وصل أمَرَ بتجريده وضربه بالمقارع فجُرّد، فشفع فيه ناظر الجيش، فبُطح وضُربَ نحوًا من مائة عصًا، وسُلم للدويدار الكبير، وأمر أن يصادره على مال فتسلّمه ونقله إلى منزله وأهانه، واستكتبه خطه بثلاثة آلاف دينار، ثم شُفع فيه إلى أن انحطّت إلى ألف واحدة، وأنعم بها على الدويدار. وكان ممّا أهين به أنه أُرْكِب على حمار، وفى عنقه باشه (٢) وهو مكبوب على وجهه إلى بيت الدويدار، وكانت كائنة شنيعة، وكثرت القالة فيه ذلك. وبلغني أنّه مع هذه الشدّة كان فى بأو عظيم ورقاعة مفرطة، وأصرّ على عدم الإعطاء، وكرّر تهديده، فلما طال عليه ذلك أذعن لبذل الألف دينار فبذلها وبذل معها أشياء أخرى. وخلص بعد سبعة أيام، وعُزل من نيابة الحكم، وكنتُ كلّمتُ السلطانَ في أمره بعد صلاة الجمعة فقال: "والله لولا أنت لكنت حرقْتُه بالنار لما صنع (٣) " وكأنهم قرروا عنده أنه كان

стр. 1771

هو المفسد للجارية، والله يأخذ بحقه ممِّن افترى عليه ورماه بهذا البلاء حتى تمَّتْ عليه هذه المحنة. وبلغنى أنّ قريبه لم ينفعه في هذه الكائنة بشيء، فلا حول ولا قوة إلا بالله. * * * وفي التاسع منه وصلت بطاقة (١) بالوقعة بين إينال الجكمي والعسكر المصري. وأنّه انهزم، فهرع الناس لتهنئة السلطان بذلك وقد شرحتها قبل فى حوادث الشهر الماضي، وحصل عند المتعَصِّبين للأشرفية قَلق كبير وهَمٌّ بهذه النكاية. * * * وفي السابع عشر من ذى القعدة كانت الوقعة يوم الجمعة بين تغرى بَرْمُش -الذي كان نائب حلب- وبين العسكر المصري، وكانوا بعد أن أمسكوا الجكمي توجهوا إلى جهة حماة وبها نائب وقد جمع بها جمعًا جما فكانت الكسرةُ عليه ونُهبَ هو ومن معه. وفَر هو إلى أن التجأ إلى قلعة شَيْزَر، ووصل الخبر بذلك في الخامس والعشرين يوم السبت. * * * وفي العشرين من ذى القعدة -وهو التاسع من بشنس من أشهر القبط والرابع (٢) من أيار من أشهر الروم- فشا الموت بالطاعون بالقاهرة بعد أن كان فشا في قُرَى مصر البحريّة، وكثر بالاسكندرية، وترّوجة، والبحيرة، والغربية، وبمنوف، والمحلة، وعدة قرى، ووصل في اليوم بالقاهرة إلى الثلاثين. ثم وصل في اليوم إلى الخمسين، ثم إلى السّتين، ثم تناقص إلى الأربعين فما دونها، ثم رجع إليها، وأكثره في الرّقيق والأطفال، ثم تناقص إلى العشرين في أوّل ذى الحجة.

стр. 1772

وفي السابع والعشرين من ذى القعدة وصلت رأسُ إينال الجكمي وطيف بها على رمح، واتفّق قبلَ بيسير الوقعة بين العسكر المصري وتغرى بَرْمُش نائب حلب ومن انضم معه بالقرب من حماة، فانكسر النائب وهَرب إلى الجبل الأقرع، فظفر به بعض التركمان فكبسه وأسره هو ومن معه، ووصل الخبر بذلك في أوَّل يوم من ذى الحجة يوم الجمعة، وفرح الناسُ بذلك لحصول الأمن ورفع الحرب والطمأنينة فى الطرقات، وتوجّه العسكر المصري لتمهيد أمور البلاد الشاميّة، وكان من أمره أنه فى شهر رمضان حاصر القلعة، وأظهر العصيان، لكنه لم يقطع الخطبة باسم الظاهر. وبها (١) قَانِباى البهلوان، وبَرْسبَاى الحاجب وفارس نائب القلعة، واختلف عليهم التركمان. ثم استشعر نائب القلعة بأنّ أهل القلعة وافقوا النائب على العصيان، فقبض عليهم وقتل بعضهم، واسترجع منهم المال الذي رشاهم به النائب، ثم جدَّ النائب في الحصار حتى استغاث أهل القلعة بالعوامّ من جيرانهم، فاجتمعوا ورجموا المقاتلة بالحجارة، فتسامع بقية أهل البلد فاجتمعوا وتساعدوا، فانكسرت جماعةُ النّائب وبلغه الخبر فركب جريدة (٢) وخرج من البلد ولم يصحبه أحد بفرس ولا خيمة، وليس معه سوى ثياب بدنه. وقرأتُ كتابًا كتبه إليَّ القاضي علاء الدين بن خطيب الناصريّة من حلب يذكر فيه قصة تغرى بَرْمُش نائب حلب، ملخصه إنّه أظهر العصيان في يوم الجمعة الثامن عشر من شعبان وحاصر القلعة ليملكها، فامتنع عليه نائبها، فألحَّ عليه بالحصار إلى يوم الثلاثاء عاشر شهر رمضان، فركب أهل حلب عليه، ونزل الأمير حطط نائب القلعة ومَن معه وساعدهم من بالبلد. الجنْد والعامّة، ووقع بينهم قتال شديد ساعةً من نهار أفضى فيه الأمرُ إلى خذلان تَغْرِى بَرْمُش، فخرج من حلب على جرائد الخيل في نحو مائة فارس، واستمر هو في هزيمته حتى دخل شَيْزَر، فنزل على طُورْ على بن سَقَلْسِيز، فجمع جمعًا من التركمان والعرب وسار إلى طرابُلُس، ففرَّ منه نائبها، ودخل هو فأقام بها أيامًا، واستخرج من أهلها، مالًا كثيرًا، ثم رجع ومعه ابن سَقَلْسِيز وعَلي يَار التركماني وأمير العرب ونزل بالميدان ظاهر حلب، وأعلن بالدعاء للملك العزيز بن الأشرف، وكاتب أهل حلب بالدّخول معه، فأعلنوا مخالفته، وقفلوا دونه الأبواب، وصمموا على طاعة الملك الظاهر [جقمق] فحاصرهم، واستحضر

стр. 1773

آلات الحصار من مكاحل وسلالم وغيرها، واشتدّ الخطب يوم الثلاثاء ثاني عشرى شوال، فحصل من جماعته من الفساد ما لا يُعَبَّر عنه، فأحرقوا الزروع، وأخربوا القرى من شَيْزر إلى حلب، ونودي بقتاله، ونشبت بينهم الحرب فقُتل من الطائفتين جماعة، وفي جميع ذلك كانوا ظافرين عليه، واستمروا على ذلك إلى يوم الأحد رابع ذى القعدة، فرحل عن حلب بعْد أن أيس من الظفر بها، وخرج أهلها فى إثْره فنهبوا آلات الحصار، وسار هو إلى أن نزل مَرْجَ دابق، وأقام به إلى يوم الجمعة تاسع ذي القعدة، وعاد إلى ناحية حلب، فرمَى شرقيها يوم السبت ولم يقاتل، ونزل من الجهة القبلية. ثم بلغه طروق العسكر المصري فرحل يوم الأحد إلى ناحية حماة، فالتقى العسكران قرب حماة فلم يلبث أن انكسر هو وابن سَقَلْسِيز، ففرَّ إلى الجهة الغربية، وانهزم العربُ إلى الجهة الشرقية، وذلك فى السادس عشر من ذى القعدة، ثم توجه إلى جهة بالس ثم استمر إلى الشغر ثم إلى الجبل الأقرع، فنزل على ابن حيوص التركماني -وكان معه- فأضافه ثم باطن عليه الفلَّاحين بتلك النّواحي فأمسكوه وأمسكوا معه "طرْعَلي" وجماعة، فوصلوا إلى حلب وأدخل طرعلي على جمل، وذلك في يوم الخميس ثاني عشري ذي القعدة، فأودع هو وتغرى بَرْمُش بالقلعة". انتهى ملخصا. * * * وقرأت بخطّه أيضا أن النائب المذكور في هذه الكائنة ظهر منه من سوء الطوية مالا يُعَبر عنه، وأنّه ومَن معه أفسدوا من زروع الناس ودورهم شيئًا كثيرًا بالحريق وغيره بحيث أنه أفحش في غالب ماحولها من القرى، وأنّه لما كُسر الكسرة الأخيرة غنم العسكر المصري من المواشي مالا يدخل تحت الحصر، بحيث بيع الجمل بثلاثين درهمًا، والشاة بخمسة دراهم. وفيه أن المذكور لما نزل بالجبل الأقرع بات ليلته وتوجّه بكرة الأحد تاسع عشر ذي القعدة قاصدًا أنطاكية، فوصل إلى دربند (١) هناك فاجتمع عليه وعلَى مَن معه جماعة من

стр. 1774

الفلاحين فقاتلوهم، فأمسكوا عليهم المضايق إلى أن قبضوا عليهم، فسلبوا جميعَ من معه ورحلوا إلى حلب وتركوهم، وأما النائب وطر على بن سقلسيز فإنهما راسلا أهل حلب فبادر قُطُج الأمير الكبير بحلب والحاجب ونائب حماة فتسلموهما من الذين أسروهما ورحلوا إلى حلب، فوصلوا فى ثالث عشر ذي القعدة، فسجنا إلى أن وصل الأمر من السلطان بقتلهما، فضُربت عنق تَغْرِى بَرْمُش بحضرة نائب القلعة ووُسِّط طرعلى تحت القلعة، وذلك في السابع عشر من ذي الحجة. * * * ومن خَطّه (١) أيضًا: أن الخطبة بحلب استمّرت فى طول هذه الفتنة باسم الملك الظاهر. * * * شهر ذي الحجة أوله الجمعة. في أوائل هذا الشهر شكا القاضي علم الدين البُلقيني إلى السلطان أن الملك الأشرف كان قد أنعم عليه بألفي دينار، وأنّه بعد موت الأشرف استيعدَ منه أحدُ الألفين، فأنعم عليه بإعادتها له، فلما قبضها استأذنه أن يحضر عنده في كلّ أسبوع يوم الأحد، ويعمل بحضرته ميعادًا، فأذن له، فعمل في السابع عشر منه ميعادًا على طريقته في مدرسة والده فلم يعجبه، فلما حضر في الأحد الذي يليه مُنع من ذلك فرجع خَائبًا، وكان في أثناء ذلك أظهر زهوًا عظيما، وهرع النّاس إليه ممن يؤثرون ولايته، وظنّوا أن الإذن في ذلك يوصله إلى الغرض، فانخرم ما أمّلوه وبطل ولله الأمر. * * * وفي (٢) صبيحة يوم الخميس ثامن عشرين ذي الحجة قبض على ناظر الجيش زين الدين عبد الباسط بن خليل بن يعقوب الشّامي، وكان قد عظم قدره في دولة الأشرف جدًّا، بحيث صار هو مدبر المملكة، ثم لما مات الأشرف قام فى سلطنة ولده، ثم صار بعض الخاصكية يذمّه، فقاموا عليه مرارا ليؤذوه وهو ينتصف منهم إلى أن تغيرت الدولة، فحظِىَ عند الملك الظاهر واستمرّ على طريقته في الاستبداد بالأمور، ومخالفة الملك فيما يرومه،

стр. 1775

فلم (١) يحتمل له ذلك، وأحاط به لما طلع إلى الخدمة، وأحاطوا بمنزله فقبضوا على والده وبعض حريمه، وصعدوا إلى القلعة ليقروا على أحواله، وفرّ غالبُ أتباعه، ومنهم: القائم بأموره شرف الدين بن البرهان، وقبض على بعضهم، وبرز فخر الدين التوريزي له ساعة القبض عليه فادّعى عليه أنه يستحق في ذمته ثلاثين ألف دينار فأنكر، فرُسم عليه، ويقال إنه ذكر له أنه كاتب نواب الشام الذين عصوا، فأنكروا ذلك، فعُوّق في قاعة الحوش السلطاني. وفى يوم الجمعة جعل أربعة من أتباعه فى برج وهم: موسى بن البرهان كاتبه، وموفق الدين كاتب الجيش، وإبراهيم كاتب الباب وولد قاضي أذرعات (٢) ويقال له ضفدع (٣). وجعل ولده في طبقة، والأستادار جانبك عند أستاذه، وأرغون دويداره معه، ثم طلب منهم المال، فقرر على موسى عشرة آلاف دينار، وعلَى موفّق الدين خمسة آلاف دينار، وأطلق إبراهيم الكاتب وضفدع بعد أيام، ثم أحضر الشريف حسن الاسكندراني من الاسكندرية بسبب أنه يتاجر لناظر الجيش فعُوّق فى البرج أيضا، ثم أطلق موسى وموفق الدين وسُلِّما لشهاب الدين بن العطار الدويدار، فشرعا في بذل المال، وشرع ناظر الجيش في بيْع موجوده، وباع على السلطان ما فى ملكه من الفلفل، وهو ألف حمل بأربعين ألف دينار، وحمل من النقد قريبا منها، وباع أشياء كثيرة من نفائسه.

стр. 1776

ومن نوادر (١) ما يُحكى أن الحاج لمّا قدموا في العُشْر الأخير من المحّرم أخبر جماعة منهم أنه شاع وهم بالينبع فى يوم الخميس ثامن عشرى ذى الحجة أنّ السلطان قبض على ناظر الجيش وهو اليوم المذكور بعينه. وممن أخبرنى بذلك القاضي ظهير الدين الطرابلسي (٢). ذكر من مات في سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة من الأعيان ١ - أحمد (٣) بن محمد أحمد بن بن علي الدميري المالكي، القاضي شهاب الدين بن تقي الدين المعروف بابن تقيّ، وكانت أمه أخت القاضي تاج الدين بَهْرَام، وكان ينتسب إليها ولا ينتسب لأبيه ويكتب بخطّه في الفتاوي وغيرها: "أحمد ابن أخت بهرام"، وكذلك يسجّل عليه ولا يُذكر أبوه، وسألتُ مرارًا عن ذلك فقيل لي إنه كان لا يُحمد في شهادته. وكان الشهاب المذكور فاضلًا، يستحضر الفقه والأصول والعربية والمعاني والبيان وغيرها مشاركًا في جميع ذلك، فصيحًا عارفًا بالشروط والأحكام، جيّد الخّط، قوي الفهم، ولكنه كان زريَّ الهيئة مع ما يُنسب إليه من كثرة المال.

стр. 1777

وخلف ولدين: عبد القادر (١) وعبد الغني، وأنثى. وقد عُيَّنَ للقضاء مرارًا فلم يتّفق. مات في الثاني عشر من ربيع (٢) الأول وما أظنّه بلغ الستين، ثم قيل لي إنه ولد سنة ٧٨٤ وأوّلَ ما ناب فى الحكم في سنة أربع وثمانمائة، وكان في صباه آية في سرعة الحفظ، بحيث إنه كان يحفظ الورقة الواحدةَ من مختصر ابن الحاحب من مرّتين أو ثلاثٍ بغير درس، واشتهر عنه ذلك. ٢ - أحمد بن محمّد محمّد بن أحمد بن محمد، القاضي تاج الدّين بن القاضي علم الدين بن القاضي كمال الدين بن القاضي برهان الدين الإخنائي القاضي المالكي، مات في ليلة الأربعاء خامس عشرى رمضان مطعونا، وكان من أعيان نواب القاضي المالكي، ورامَ ولايةَ القضاء فلم يتّفق له ذلك، وكان ضعفه عقب وفاة البساطى واستقرّ ابن التنسى، وقد ثقل في الضعف. وكان مولده قبل التسعين فجاوز الخمسين، وكان قد تعانى الآداب، وتوَلَّعَ بالنظم وصحب تقيَّ الدين بن حجة مدة. ٣ - تغري برمش نائب حلب، تقدم ذكرُه في الحوادث (٣). ٤ - جوهر اللّاللا (٤) عتيق أحمد بن جُلبان، وكان قَبَله لعمر بن بَهَادر ثم اّتصل بخدمة الملك الأشرف وهو أمير، فتنقل معه وقرّره (لا لا) ولدِه الأكبر محمد، ثم ولده يوسف، ثم تقرر زمّاما بعد موت خُشقَدم مضافًا للوظيفة الأخرى، فلما تسلطن العزيز فخم أمره، وشمخت نفسه، وظنّ أنّ الأمور تئول إليه، فانعكس عليه الأمر، وقُبض عليه في

стр. 1778

أوّل الدولة الظاهرية، وسُجِن بالبرج، ثم أفرج عنه وهو ضعيف بمرض القولنج، ثم حصل له الصّرع إلى أن مات فى الحادى والعشرين من جمادى الأولى، وعمَّر مدرسة حسنة بالمصنع ودفن بها. ٥ - حسن بن محمد بن أحمد بن علي بن حجر، مات في صبيحة الأحد ثالث عشري شعبان وله دون السنة. ٦ - حسن الكشكي (١) الكركي، بدر الدين، مات في الرابع والعشرين من ذي الحجة بالقاهرة - وقد باشر نظر القدس والخليل مدة في أيام المؤيَّد وغيره. وكان عارفا بالمباشرة مشكورا. ٧ - داود بن علي بن بهاء الكيلاني التاجر بالإسكندرية، شرف الدين، مات في الرابع من ذي القعدة وأوصى عَلَى أولاده ولده الكبير عليًّا، فمات بعد أيّام قلائل، وكان عليٌّ هذا قد وليّ قضاء جدّة، ولم يكن بالمتصّون، وما أظنّه أكمل الثلاثين، وأما أبوه فمن أبناء السبعين، وكان وجيهًا في التجارة. وقد رأيت في بعض السنين أنه وليّ -في سلطنة الأشرف- شَدَّ جُدّة. ٨ - عبدُ الله، الملك الظاهر بن الملك الأشرف إسماعيل صاحب اليمن، مات في سلخ شهر رجب، واستقرّ ولُده إسماعيل بن الظاهر وله حينئذ نحو العشرين سنة. ٩ - علي بن عبد الرحمن [بن محمد] (٢) الشيخ نور الدين الشلقامي (٣)، وهو أسنُّ مَنْ بَقي من الفُقهاء الشَافعية، وذكر لي أنه حضر دروس الشيخ جمال الدين الإسنوي (٤)، وكان من أعيان الشّهود، وله فضيلة ونظم، ومات راجعًا من الحجّ بالقرب من السّويس، وكان خرج مع الحجاج فقوى عليه الضعف فعجز عن ركوب الحمارة فركب البحر من السّويس إلى الينبع، وعجز عن التوجّه صحبة الحاجّ، فأقام به حتى رجعوا فعاد معهم في

стр. 1779

البرّ. فمات قبل دخوله القاهرة، وقد بلغ اثنتين وتسعين سنة، فإنه ذكر لي أن مولده (١) في الطاعون الكبير سنة ٧٤٩ أو في حدودها. ١٠ - علي (٢) بن عبد الكريم، نور الدين الكتبي، مات وقد قارب السبعين أو جاوزها، وكان عارفًا بالكتب وأثمانها، وكان أبوه آخر مَن بقي بسوق الكتب، وما رأْيت أحسن منه فى الإحسان إلى الطلبة، وأما ولده هذا فما سلك طريقة أبيه بل تشاغل غالبًا بغير الكتب، وقد ناب في الحكم مرةً وترك، وتَعَلَّل عدة سنين. ١١ - علي بن محمد بن قُحْر، بضم القاف وسكون المهملة بعدها راء، الزبيدي الفقيه العالم الفاضل موفق الدين، وُلد سنة ٧٥٨ واشتغل بالفقه فمهر فيه وتقدم إلى أن صار مفتي زَبيد وفقيهها والمرجوع إلى في ذلك (٣) مات في الثاني من شوال. ١٢ - فاطمة (٤) بنت أحمد بن عبد الله. أم الخير بنت شهاب الدين بن القمَّاح ناظر الأهراء بمصر، بنت أخت التاجِ الشرابيشي، وُلِدتْ سنة ٧٧٤ تقريبا وسمعت على [الزين] ابن الشيخة والسويداوى بعض "دلائل النبوة" للبيهقي، وأجاز لها الحراوي، وماتت في سنة ٨٤٢ ظنا، قال ابن القلقشندي: "أجازت لي". ١٣ - قُرْقمَاس الشعباني (٥)، تقدَّم ذكره في الحوادث. ١٤ - محمد (٦) بن أحمد بن عثمان بن نَعِيم (٧) بن مُقَدِّم بن محمد بن حسن بن تمّام بن محمد بن على البساطي المالكي، القاضي شمس الدين، وكان يكتب بخطه "الطّائي" وظهر

стр. 1780

أنها نسبة لبعض قرى (١) بساط. مات بعد العصر يوم الخميس الثاني عشر من شهر رمضان، أصابه صرع فغشى عليه، فصرخوا عليه ثم تحرّك، فأمرهم الطبيب أن لا يسرعوا في جهازه ثم أصبح ميتا، فأخرجت جنازته، وكان له مدة طويلةً متمرّضًا بالقولنج يثور به فينقطع أيامًا، ثم يسكن عنه فيفيق، وكان في أوائل رجب قد نصل وركب وتصرّف وحكم وحضر مجلس السلطان، ثم انقطع قليلًا، ثم عوفي وركب أول يوم من رمضان إلى القلعة، وحضر سماع الحديث، وسلم على السلطان مع الجماعة عقب الفراغ من صلاة العصر، وفرح السلطان بعافيته، وحضر معنا مجلسًا بالصالحية بأمْر السلطان يوم الثلاثاء ثالث عشر رمضان، وهو في عافيةٍ تامة وقد صام، واستمرّ متماسكًا يكتب على الفتاوي، ويسمع الدّعاوي، ويعلم على القصص وغيرها للنّواب إلى صبيحة يوم الخميس إلى أن ثار عليه الوجع في آخر النهار فقضى. وكان (٢) مولده في جمادى الأولى سنة ستّين وسبعمائة فأكمل اثنتين وثمانين سنة وأشهرًا وأياما. وكان فى شبيبته نابغًا فى الطلبة، واشتهر أمره وبَعُد صيتهُ، واشتغل في عدّة فنون، الحديث على عبد الرحمن بن البغدادي وغيره ولم يكثر بل لم يطلب أصلا ولا اشتغل به، وكان عارفًا بفنون المعقول والعربيّة والمعاني والبيان والأصلين، وصنّف فيها تصانيف، وفي الفقه أيضا، وولى تدريس الفقه بالشّيخونية، ودام فيه أكثر من ثلاثين سنة، ثم قايض بها التدريس بالظاهرية البرقوقية، وناب فى الحكم عن ابن عمه جمال الدين يوسف البساطي وغيره مدّة. وكان بحالة هيئة من قلة الشيء، ثم نوّه به الأمير ططر فذكره عند الملك المؤيّد فولّاه مشيخه التربة الظّاهرية -عقب موت حاجى فقيه- سنة تسع عشرة، ثم ولّاه القضاء عقب وفاة جمال الدين الأقْفَهْسي (٣) في جمادى الأولى سنة ثلاثٍ وعشرين، فأقام فيه نحو عشرين

стр. 1781

سنة متوالية بقية مدّةِ المؤيّد وولده، والظاهر ططر وولده، والأشرف برسباي وولده، وهذه القطعة من سلطنة الظاهر. ورافقه من القضاة: خمسة من الشافعية وهم البلقيني والعراقي، وصالح، وكاتبه (١) والهروي، ومن الحنفية أربعة وهم: ابنُ الديري (٢) والتفهني، والعيني (٣)، وابن الدميري (٤)، ومن الحنابلة ثلاثة وهم: ابن المغلي، والمحب البغدادي، وعز الدين المقدسي. ومن هؤلاء من صرُف ثم عاد غير مرة. وجاور بمكة سنة كاملة فى دولة الأشرف، وهو على ولايته، وعين ابن تقي مَرّة للولاية في كائنة علاء الدين البخاري المذكورة فى الحوادث، فلم يتم له أمر، واستعفى في السنة الماضية ثم ندم، واستمر به الأشرف بعناية علي باى الخزندار. وكانت وفاته في الليل وصُلّيَ عليه وقت ربع النهار بمصلّى باب النّصر، ودُفن بتربة بني جماعة بالقرب من تربة سعيد السعداء، وأمطرت السماء بعد الفراغ من دَفْنِه مطرًا غزيرًا. وعَيّنَ السلطان للقضاء بعده الشيخ عبادة الزرزاري (٥) و [عيَّن] ولدَ الميّتِ في وظائفه التي كانت معه قبل أن يلي القضاء، فأجيب إلى بعضها، كمشيخة التربة الظاهرية بالصحراء، ودعى الشيخ عبادة إلى تولية الحكم فامتنع وتغيّب، فلما كان يوم السبت الخامس والعشرين من الشهر المذكور خُلع على القاضي بدر الدين بن القاضي ناصر الدين بن التنسي، وركب القضاة معه والمباشرون إلى الصالحية واستقر في الوظيفة. ١٥ - محمد بن أبي بكر المالكي الكُتَامى، بضمّ الكاف وتخفيف المثنّاة، نسبة إلى حارة كتامة من القاهرة، شمس الدين، مات فجأةً على ما قيل في الثاني والعشرين من ذي القعدة، وكان نقيب الحسبة عند القاضي بدر الدين العيني، ثم صار نقيبَ الحكم عنده إلى

стр. 1782

أن عُزِل، فاستمرّ يتردّد إليه وهو معزول إلى أن أدركه الموت، وكان قد شارف الثمانين وهو جلد، وكان يكثر تلاوة القرآن، ويقال خلف مالًا كثيرًا، عفا الله عنه (١). ١٦ - محمد بن زين الدين بن عبد الله، شمس الدين بن زين الدين المرساوي الأصل الجرائحي المعروف بابن الريغي (٢) القبابي (٣) اشتغل في علم الجراحة وتحوّل إلى الديار المصرية قديما فسكن التبَّانة، وتقدم في صناعته واستقَر في الرياسة وطعن في السن، وفي شعر لحيته السواد الكثير، وكان يَدّعى أنه جاوز المائة، وقرائن الحال تُشْعر بأنها دعوى من المحال. ١٧ - محمد (٤) بن سعيد بن كَبَّن، بفتح الكاف وتشديد الموحّدة الثقيلة بعدها نون، جمال الدين، مات بعدن من بلاد اليمن وكان قاضيها. مات في السابع من رمضان، وكان فاضلًا، وولي القضاءَ بعدن نحوًا من أربعين سنة، تخلَّلَتها ولاية القاضي عيسى اليافعي بعدن مُدَدًا مفرقة، وكان جمال الدين فاضلًا مشاركًا في علوم كثيرة، وأسف الناس عليه لما

стр. 1783

كان فيه من المدارة، وخَفْض الجناح ولين الجانب، والإصلاح بين الخصوم، ولعلّه قارب الثمانين. (١) ١٨ - محمد بن القاضي بهاء الدين البرجي، بدر الدين، مات في ذى الحجة في الحمام، وكان أبوه قد ولي الحسبة مرارًا ووكالة بيت المال، والكسوة، وصاهر البلقيني، ثم ولده بدر الدين، وصارت له وجاهة، ثم خمل، ثم نَبُه قليلًا في دولة المؤيد بعناية ططر، فجعله ناظرَ العمارة بالمدرسة المؤيّدية، وعظّمه لما تسلْطن، ثم لم تطل مُدَّته واستمر حتى مات بعد يسير. وكان بدر الدين هذا قد تزوّج ببنت بدر الدين البلقيني ثم فارقها، وكان كثير الصَّلف، وباشر في عدّة جهات، وكان يُلَقب ببعيزق، بمهملة وزاى وقاف، مصغر، لقّبه بذلك ناصر الدين بن كليب، وكان جارهم، وكان قد جاوز الخمسين. ١٩ - موسى بن علي بن جميع الصنعائي الأصل، العدني، شرف الدين بن نور الدين، كان قد استقرّ في وظيفة أبيه بعدن، وهي الرياسة على التجّار والمتجر السلطاني، وكان حاذقا عارفًا بالمباشرة والكتابة، فصيحًا لسنًا، وقد قدم القاهرة في وسط دولة الناصر من نحو ثلاثين سنة أو أكثر، ولم يكن صَيّنا. مات في شعبان. ٢٠ - يحيى، (٢) الملك الظاهر بن الملك الناصر أحمد بن الأشرف إسماعيل صاحب تهامة اليمن، مات في يوم الخميس سلخ رجب، وأقيم بعده ولده الأشرف إسماعيل في يوم الجمعة مستهل شعبان منها ليلًا، فقتل أكابر أهل الدولة، ومنهم برقوق وكان كبير المماليك الأتراك، وعدة من رؤساء الجند، وعدّة من الأجناد يُدْعون "السقاليب" حتى أضعف المملكة، وأثر ذلك حتى خرجت الأعراب العازبة -بالعين المهملة والزاي- من الطاعة وضعف أمر تلك البلاد جدًّا.

стр. 1784

٢١ - يحيى المغربي المالكي، قاضي المالكية بدمشق، محيى الدين، مات وقرر بعده شرف الدين (١) يعقوب بن [يوسف بن علي] المغربي، وكتب توقيعه في أوّل ذي الحجة. ٢٢ - يخش باي [المؤيدي ثم] الأشرفي [بَرْسْبَاي (٢)] ضُرِبت عنقه في الثامن من ذي الحجة وكان أخرج من السجن وادّعى عليه بأنّه سبّ شريفًا من أهل منفلوط وهو حسام الدين محمد بن حريز قاضيها، فثبت ذلك عليه فى القاهرة، واتّصل بقاضي الإسكندرية فأعْذَر إليه، فأنكر ثم حلف أنه لم يفعل، فقيل له: "إن الانكار لايفيد بعد قبول الشهادة"، فاستسلم للقتل فشهدوا عليه بعدم الدافع وضُرِبت عنقه. ٢٣ - يوسف ولد كاتب السرّ القاضي (٣) كمال الدين بن البارزي، مات في الرابع والعشرين من ذى الحجة وقد راهق ولم يكن له للآن ولد ذكر غيره (٤) واشتد أسفه عليه. وكانت جنازته حافلة جدا. ٢٤ - يونس بن حسين بن على بن محمد بن زكريا (٥) الواحي (٦) نزيل القاهرة، الشيخ شرف الدين، سمع من عبد الرحمن بن القاري: مشيخته، وصحيح البخاري مشاركًا الخليل [بن طُرُنْطَاي] ومن ناصر الدين الطبردار، سمع عليه فضل العلم للذهبي، وفضل الخيل للدماطي بتمامه، وقطعةً من مسند الدرامي، وأجزاء حديثية وغيرها، وحدث وسمع أيضا على التقيّ البغدادي الشاطبية، وعلى العز بن الكويك، وجويرية سمع عليها بعض النّسائي، وكان يذكر أنه سمع على البهاء بن خليل مشيخة ابن عبد الدايم، وعلى البلقيني السّنن لابن ماجة، وأجاز له الإسنوى لمّا عَرَض عليه، وكذا عرض على الكلائي الفرضي، وتنزّل صوفيا بالصلاحية سعيد السعداء، وحجّ أكثر من مرة، وزار المدينة والقدس، وقال التقيّ القلقشندي "وأخذ في بعض الأحيان أجرةً على التحدّث"، وقد خَرَّج له رضوان شيخنا مشيخة.

стр. 1785

ومات بعد عصر يوم الأربعاء ثالث عشر ذي الحجة، ودُفن من الغد بالخوخة ظاهر جامع آل ملك بجوار الشيخ إسحاق. وكان يذكر أن مولده سنة ٧٥٥ (١) وعرض العمدة على الشيخ جمال الدين الإسنوي، ولزم درس الشيخ سراج الدين البلقيني، وكان يحبّ الأمر بالمعروف، ويشدّد في ذلك، مع قصوره فى العلم، ويتخيل الشيء أحيانا فيلحّ في كونه لا يجوز. وأنكر قديما كوْن ملك الموت يموت، واستفتى القدماء، وكان سمع في ميعاد الشيخ سراج الدين شيئًا من ذلك فصار الشيخ وآل بيته يمقتونه من ذلك الوقت، وسمع الخطيب يذكر في خطبة الجمعة في ذكر عمر أنه منذ أسلم فرّ الشيطان منه، فأنكر ذلك عليه وقال له: "لاتقل منذ أسلم فيقع في ذهن العامّيّ أن في ذلك نقصا لعمر" واستفتى في ذلك وبالَغ. وسمع مدرّسا يذكر مسألة الصرف وقوْلَ أبي سعيد لابن عبّاس: إلى متى توكل الناس الربا؟ "، فاشتد إنكاره ونَزّه ابن عباس عن ذلك واستفتى فيه أيضا. واجتمع عنده من الفتاوى من هذا الجنس ما لو جُلِّدَ لجاء في خمس مجلدات. وجمع لنفسه مجاميع مفيدة، لكنّه كان عَرِيًّا من العربية، فيقع له اللحن الفاحش، وكان كثير الابتهال والتوجّه ولا يعدم فى طول عمره عامِّيًّا يتسلط عليه وخصوصًا ممن يجاوره، والله يعفو عنه. وقد حدّث فى أواخر عمره. واستحلى ذلك، وأعجِب به، وحرص عليه. يرحمه الله. ٢٥ - خوند بنت الملك المؤيد، زوج قرقماس الشعباني. ماتت في التاسع والعشْرين من جمادى الأولى -وكانت نفساء- عن سقط أسقطته عند كائنة زوجها، فاستمرّت في الضعف إلى أن ماتت، ولم تخلف سوى ولدٍ ذكرٍ له نحو سبع سنين. وأسندَتْ وصيتها لزوجها.

стр. 1786

سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة المحرم (١) أوله الأحد، والعشرون من بئونة. وفي ليلة السبت تراءوا هلال المحرّم فلم يظهر مع الصَّح الشديد، فلما كان صبيحة هذا اليوم استقر القاضي محب الدين بن الأشقر ناظر الجيش، وركب النّاس معه، وكان الجمْعُ وافرًا. * * * واستقر معه محمد بن أبي الفرج بن عبد الرازق -أخو فخر الدين- في الأستادراية، وركب معه فوصَّله إلى منزله برأس حارة زويلة، وتوجّه إلى منزله بقرب قنطرة (٢) سنقر، وتوجّه غالبُ النّاس معه. وفي هذا اليوم وصل رأس تَغْرِى بَرْمُش ورفيقُه، ونوديي عليهما بالقاهرة، ثم عُلّقا بباب زويلة، وقد تقدّم أنه ضرِبَت عنقُه في سابع عشر ذي الحجة بقلعة حلب. * * * وقدم مبشرّ الحاج وأخبر بأنّهم وقفوا يوم السبت، وأن بعض الناس تحدّث برؤية الهلال ليلة الجمعة، ولم يثبُتْ ذلك، لكن سار الركب من مكة فباتوا بعرفات ليلة الجمعة احتياطًا. * * * وفي هذا اليوم [الذي هو أول المحرم] نُقِلت الشمس من بُرْج السَّرَطَان، وهو أوّل يومٍ من الصيف، ومن يومئذ نقص النهارُ وأخذَ اللّيلُ منه. وهذا اليوم هو أطول أيام السنة، وأقصر لياليها.

стр. 1787

وفى يوم الأثنين ثانى المحرّم استقر (١) الشيخ ولي الدين [محمد] السَّفْطي -شيخُ المدرسة الجمالية (٢) - في نظر الكسوة، مضافًا إلى وكالة بيت المال، وركب النّاس معه أيضا. وفي الثالث منه أمر ناظرُ الجيش (٣) دويداره (٤) بإحضار ما في منزله من الذهب، فكان ثلاثين ألف دينار، فاستقلها السلطان، فاستأذنه ناظر الجيش المذكور في بيع موجوده، فأذن له، وشرعوا في بيْع جميع ما عنده فى الحواصل (٥) فوصلت مصادرته في اليوم العاشر إلى مائة ألف دينار وثلاثين ألف دينار، والطلب مستمر. وقيل إنه طُلِبَ منه ألف ألف دينار، وأنّ بعض الوسائط أنزلها إلى خمسمائة ألف دينار، ولم يثبت ذلك، وصودر كاتبه (٦) على عشرة آلاف دينار، ثم خُفِّفَ عنه منها الخمس، و [صودر] الأستادارُ على عشرة آلاف فبَاع دورَه وأثاثه، وشرع في وزنها وضمن عليهم وأطلقوهم. وأُطلق ضفدع، وابراهيم الكاتب بغير شيء. وكُثرَت الأمتعة والملابس الفاخرة بأيدى النّاس من كثرة ما أبيع من حواشي المشار إليه ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (٧). ومن أعجب ما يُذكر أن جميع منادميه صاروا مُلازمين لكاتب السرّ، طمعًا في استمرار جهاتهم وجاههم. والله ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (٨).

стр. 1788

وأحضرَ الشريف بدر الدين حسن الإسكندراني التاجر -وكان يتوكّل عن ناظر الجيش في بيْع البهار من الإسكندرية- فى هيئة شنيعةٍ، فحُبِس بالبرج، وحُوسِبَ إلى أن استقر عليه شيءٌ يسير وأطلق. ثم لمّا كان بعد ذلك تقرّر على عبد الباسط ثلاثمائة ألف دينار، وكان السلطان ألزمه بستمائة، ثم بخمسمائة تم بأربعمائة، فتكلّموا معه في ذلك فأظهر العجز عن ذلك، وقرّروا مع السلطان أن يكون ثلاثمائة، وأعلموه بذلك، ثم شاوروا السلطان فأنكر أن يكون رضى بذلك، وتغّيظ عليهم وأمر بحبْسه فى البرج فحُبس فى برجٍ مظلم، وضيُق عليه، فأقام به إلى أن قلب (١) الله قلبه وأمر بإخراجه منه، وتسلمه نائب القلعة، فأنزله في غرفة عليّة وهي أعلى بناء في القلعة، فأقام بها أكثر من شهر إلى أن أفرج عنه، وتوجّه إلى مكة في أثناء ربيع الآخر، كما سيأتي بيانهُ إن شاء الله تعالى. وفي التاسع عشر منه وصل سابقُ الحاج وذكر أنّه فارقهم من عيون القصب، وأنهم بخير. * * * وفيه ابتدأت الزيادة فى النيل. وفي يوم الجمعة سادسه رَفع أمينُ النيل الخبرَ بأنّه يومئذ كان على أربعة أذرع وعشرة أصابع، فزاد على العام الماضى فى النقص خمسة وأربعين إصبعًا واستمرت الزيادة، فكان في النصف من أبيب (٢) -وهو يوم الجمعة العشرون من المحرّم- أنقص من العام الذي قبلَه بأحدٍ وستين إصبعًا، فلم يزل يزيد حتى كان في العشرين من صفر أزْيد من الذي قبله بأربعةٍ وتسعين إصبعًا، فسبحان القادر. وفي السادس والعشرين منه خُلع على نور الدين بن أقْبرسْ -أحد نوّاب الحكم- بوظيفة نظر البيوتات، عوضًا عن ناظر الجيش، وكانت الخلعة جبة سَمّور.

стр. 1789

وفي يوم السبت الثامن والعشرين منه وصل يشبك الحاجب الكبير، وخُلع عليه واستقرّ أتابك العساكر، وهُرع الناسُ للسلَام عليه، ونزل ببَيْت بركة، وهو الذي كان فيه أركماس الدويدار ودخل العسكر الذين كانوا في الصَّعيد. * * * وفى هذا اليوم عُقد مجلس بسبب حَسَن الأمْيُوطي الذي كان عمل نقابة الحكم في العام الماضى للقاضي علم الدين البُلْقيني، فادُّعِيَ عليه بأمورٍ معضلة، فسمع الدعوى عليه ببعضها القاضي الشافعي، ويبعضها القاضي الحنفي، وأمر الحنفي بحبْسه ليبين ما ادّعاه من الطَّعْن في الشّهود. واجتمع بسبب ذلك من لا يُحْصَى عَددُه من الناس، وحَصل له -لَمَّا أرْسِل إلى السجن- من الإهانة والصفع مالا مزيد عليه، ولولا ذَبُّ نَقِيبِ الجيش عنه لقُتل على ما قيل. * * * شهر صفر أوله الاثنين. وفي صبيحة الثلاثاء عُزر حَسَنُ الأميُوطي نقيب البلقيني في مجلس الحنفي، فضُرِبَ على ظهره مجرّدًا أربعين، وأهين في أثناء ذلك إهانةً عظيمة وأعيد المجلس، واجتمع من الناس مَن لا يُعَدُّ كثرةً، ولولا والي الشرطة لقتلوه، ثم حُبس، ثم أحضر يوم السبت فادُّعِيَ عليه ثانيا، ولم يقع ما كان يُظَن، وأعيد إلى الحبس، ثم أفْرج عنه في الحال، وسكنت القضيّة بعد أن كان يُظَن أنه يُرَاقُ دَمُه لا محالة. * * * وفي آخر يوم الخميس رابعه -الموافق لثاني عشرى أبيب- أمطرت السماءُ مطرًا غزيرًا بعد صلاة العصر، ودامَتْ نحو ساعة، وأوحلت الأرض داخل القاهرة وحولها، وقد وقع نظير ذلك في سنة تسعٍ وأربعين فأمطرت من بعد العصر إلى قُرب العشاء. وكان أكثر من ذلك، فاستغرب الناس، ونسوا وقوعَهُ قبل ذلك بسِتّ سنين. * * * وفي يوم الجمعة وصل العسكر الذي كان جُهّز للشام، ودخل قبلهم قانباي الأبو بكري الناصري] البهلوان، فقرِّرَ فى نيابة صَفَد عوضًا عن إينال الأجْرُود (١) ووصل إينال

стр. 1790

المذكور بعد أسبوع، واستقر مقدّما على عادته، بعد أن خُلع عليه في ثالث عشره، وواجه أمراء العسكر السلطانَ في السبت سادسه، فخلع عليهم وهرع الناسُ للسلام عليهم. وفي يوم الخميس أهين عبد الباسط (١) وحُوِّل من محبسه بالقاعة التي في الإسطبل إلى البرج الذي كان قد حُبس فيه أولًا أتْباعُه، وكان هو فى رفاهية فعاد إلى ضيق وحَصر، وشُدّد عليه في التهديد وطَلَبِ المال، وكان يظن أنه إذا بادر بدفع المال يُفْرج. عنه، فذكر أنّه حمل جميع ما عنده النقد، ثم عرض جميع من أصناف المتاجر للبيع، فاشتريَتْ للسلطان أيضا ثم عرض ما عنده من الثياب الصوف والمخمل والحرير المذهب والمطرز، فاشتُري أيضا للسلطان، ثم عرض جميع ما عنده من الأثاث فبيع بالأثمان الغالية تارة والرخيصة أخرى، وحصل لجماعةٍ فى أثناء ذلك منافع كثيرة، ومع ذلك فلم يجتمع من جميع ذلك إلّا نحو مائتي ألف دينار، وأصرَّ السلطان على طلب خمسمائة ألف دينار بعد أن كان طَلب منه ألف ألف دينار، فلم يزل يحطها إلى أن صارت على النصف (٢)، ولكن المطلوب منه خط على أنه لا يقدر إلا على ما ذُكر، لكن بقي له العقار، فكأنه شرع في الحيلة في حَلِّ الأوقاف ليباع ما يمكن بيعه من العقار، والحكم لله. ثم آل الأمر إلى أن غضب السلطان منه فأمر بسجنه في البرج المظلم، فأقام فيه مدَّةً، ثم أفْرِج عنه. وسُلّمِ لنائب القلعة، فأسكنه عنده في طبقة عليا نَيِّره، وتَقّرر مالُ المصادرة على مائتي ألف وخمسين ألف دينار، فاستوعَب ما يقدر عليه من النقد والبضائع والديون والغلال، وباع ما لم يوقِفْه من العقار، وأجَّر كثيرًا مما أوقفه وباع بعضه أنقاضًا فلم يكمل المائتين، فأخذ في الاستدانة وسؤال المعارف ومَن سبقَتْ إليه يد منه عليه، فكان جهد ذلك أن أكمل المائتين في العاشر من ربيع الأوّل، ثم كان ما سنذكره. * * * وفي يوم الاثنين خامس عشره رسم السلطان أن يُرْسَل الملك العزيز يوسف بن الأشرف إلى الإسكندرية على طريق البرّ، وصحبته أسَنبُغَا (٣) الطياري، أحد الأمراء المقدّمين،
следующие страницы →