← История

История · id 26317

إنباء الغمر بأبناء العمر - ت حبشي

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (1 903 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة المحرم (١) أوله الأحد، والعشرون من بئونة. وفي ليلة السبت تراءوا هلال المحرّم فلم يظهر مع الصَّح الشديد، فلما كان صبيحة هذا اليوم استقر القاضي محب الدين بن الأشقر ناظر الجيش، وركب النّاس معه، وكان الجمْعُ وافرًا. * * * واستقر معه محمد بن أبي الفرج بن عبد الرازق -أخو فخر الدين- في الأستادراية، وركب معه فوصَّله إلى منزله برأس حارة زويلة، وتوجّه إلى منزله بقرب قنطرة (٢) سنقر، وتوجّه غالبُ النّاس معه. وفي هذا اليوم وصل رأس تَغْرِى بَرْمُش ورفيقُه، ونوديي عليهما بالقاهرة، ثم عُلّقا بباب زويلة، وقد تقدّم أنه ضرِبَت عنقُه في سابع عشر ذي الحجة بقلعة حلب. * * * وقدم مبشرّ الحاج وأخبر بأنّهم وقفوا يوم السبت، وأن بعض الناس تحدّث برؤية الهلال ليلة الجمعة، ولم يثبُتْ ذلك، لكن سار الركب من مكة فباتوا بعرفات ليلة الجمعة احتياطًا. * * * وفي هذا اليوم [الذي هو أول المحرم] نُقِلت الشمس من بُرْج السَّرَطَان، وهو أوّل يومٍ من الصيف، ومن يومئذ نقص النهارُ وأخذَ اللّيلُ منه. وهذا اليوم هو أطول أيام السنة، وأقصر لياليها.

стр. 1787

وفى يوم الأثنين ثانى المحرّم استقر (١) الشيخ ولي الدين [محمد] السَّفْطي -شيخُ المدرسة الجمالية (٢) - في نظر الكسوة، مضافًا إلى وكالة بيت المال، وركب النّاس معه أيضا. وفي الثالث منه أمر ناظرُ الجيش (٣) دويداره (٤) بإحضار ما في منزله من الذهب، فكان ثلاثين ألف دينار، فاستقلها السلطان، فاستأذنه ناظر الجيش المذكور في بيع موجوده، فأذن له، وشرعوا في بيْع جميع ما عنده فى الحواصل (٥) فوصلت مصادرته في اليوم العاشر إلى مائة ألف دينار وثلاثين ألف دينار، والطلب مستمر. وقيل إنه طُلِبَ منه ألف ألف دينار، وأنّ بعض الوسائط أنزلها إلى خمسمائة ألف دينار، ولم يثبت ذلك، وصودر كاتبه (٦) على عشرة آلاف دينار، ثم خُفِّفَ عنه منها الخمس، و [صودر] الأستادارُ على عشرة آلاف فبَاع دورَه وأثاثه، وشرع في وزنها وضمن عليهم وأطلقوهم. وأُطلق ضفدع، وابراهيم الكاتب بغير شيء. وكُثرَت الأمتعة والملابس الفاخرة بأيدى النّاس من كثرة ما أبيع من حواشي المشار إليه ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (٧). ومن أعجب ما يُذكر أن جميع منادميه صاروا مُلازمين لكاتب السرّ، طمعًا في استمرار جهاتهم وجاههم. والله ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (٨).

стр. 1788

وأحضرَ الشريف بدر الدين حسن الإسكندراني التاجر -وكان يتوكّل عن ناظر الجيش في بيْع البهار من الإسكندرية- فى هيئة شنيعةٍ، فحُبِس بالبرج، وحُوسِبَ إلى أن استقر عليه شيءٌ يسير وأطلق. ثم لمّا كان بعد ذلك تقرّر على عبد الباسط ثلاثمائة ألف دينار، وكان السلطان ألزمه بستمائة، ثم بخمسمائة تم بأربعمائة، فتكلّموا معه في ذلك فأظهر العجز عن ذلك، وقرّروا مع السلطان أن يكون ثلاثمائة، وأعلموه بذلك، ثم شاوروا السلطان فأنكر أن يكون رضى بذلك، وتغّيظ عليهم وأمر بحبْسه فى البرج فحُبس فى برجٍ مظلم، وضيُق عليه، فأقام به إلى أن قلب (١) الله قلبه وأمر بإخراجه منه، وتسلمه نائب القلعة، فأنزله في غرفة عليّة وهي أعلى بناء في القلعة، فأقام بها أكثر من شهر إلى أن أفرج عنه، وتوجّه إلى مكة في أثناء ربيع الآخر، كما سيأتي بيانهُ إن شاء الله تعالى. وفي التاسع عشر منه وصل سابقُ الحاج وذكر أنّه فارقهم من عيون القصب، وأنهم بخير. * * * وفيه ابتدأت الزيادة فى النيل. وفي يوم الجمعة سادسه رَفع أمينُ النيل الخبرَ بأنّه يومئذ كان على أربعة أذرع وعشرة أصابع، فزاد على العام الماضى فى النقص خمسة وأربعين إصبعًا واستمرت الزيادة، فكان في النصف من أبيب (٢) -وهو يوم الجمعة العشرون من المحرّم- أنقص من العام الذي قبلَه بأحدٍ وستين إصبعًا، فلم يزل يزيد حتى كان في العشرين من صفر أزْيد من الذي قبله بأربعةٍ وتسعين إصبعًا، فسبحان القادر. وفي السادس والعشرين منه خُلع على نور الدين بن أقْبرسْ -أحد نوّاب الحكم- بوظيفة نظر البيوتات، عوضًا عن ناظر الجيش، وكانت الخلعة جبة سَمّور.

стр. 1789

وفي يوم السبت الثامن والعشرين منه وصل يشبك الحاجب الكبير، وخُلع عليه واستقرّ أتابك العساكر، وهُرع الناسُ للسلَام عليه، ونزل ببَيْت بركة، وهو الذي كان فيه أركماس الدويدار ودخل العسكر الذين كانوا في الصَّعيد. * * * وفى هذا اليوم عُقد مجلس بسبب حَسَن الأمْيُوطي الذي كان عمل نقابة الحكم في العام الماضى للقاضي علم الدين البُلْقيني، فادُّعِيَ عليه بأمورٍ معضلة، فسمع الدعوى عليه ببعضها القاضي الشافعي، ويبعضها القاضي الحنفي، وأمر الحنفي بحبْسه ليبين ما ادّعاه من الطَّعْن في الشّهود. واجتمع بسبب ذلك من لا يُحْصَى عَددُه من الناس، وحَصل له -لَمَّا أرْسِل إلى السجن- من الإهانة والصفع مالا مزيد عليه، ولولا ذَبُّ نَقِيبِ الجيش عنه لقُتل على ما قيل. * * * شهر صفر أوله الاثنين. وفي صبيحة الثلاثاء عُزر حَسَنُ الأميُوطي نقيب البلقيني في مجلس الحنفي، فضُرِبَ على ظهره مجرّدًا أربعين، وأهين في أثناء ذلك إهانةً عظيمة وأعيد المجلس، واجتمع من الناس مَن لا يُعَدُّ كثرةً، ولولا والي الشرطة لقتلوه، ثم حُبس، ثم أحضر يوم السبت فادُّعِيَ عليه ثانيا، ولم يقع ما كان يُظَن، وأعيد إلى الحبس، ثم أفْرج عنه في الحال، وسكنت القضيّة بعد أن كان يُظَن أنه يُرَاقُ دَمُه لا محالة. * * * وفي آخر يوم الخميس رابعه -الموافق لثاني عشرى أبيب- أمطرت السماءُ مطرًا غزيرًا بعد صلاة العصر، ودامَتْ نحو ساعة، وأوحلت الأرض داخل القاهرة وحولها، وقد وقع نظير ذلك في سنة تسعٍ وأربعين فأمطرت من بعد العصر إلى قُرب العشاء. وكان أكثر من ذلك، فاستغرب الناس، ونسوا وقوعَهُ قبل ذلك بسِتّ سنين. * * * وفي يوم الجمعة وصل العسكر الذي كان جُهّز للشام، ودخل قبلهم قانباي الأبو بكري الناصري] البهلوان، فقرِّرَ فى نيابة صَفَد عوضًا عن إينال الأجْرُود (١) ووصل إينال

стр. 1790

المذكور بعد أسبوع، واستقر مقدّما على عادته، بعد أن خُلع عليه في ثالث عشره، وواجه أمراء العسكر السلطانَ في السبت سادسه، فخلع عليهم وهرع الناسُ للسلام عليهم. وفي يوم الخميس أهين عبد الباسط (١) وحُوِّل من محبسه بالقاعة التي في الإسطبل إلى البرج الذي كان قد حُبس فيه أولًا أتْباعُه، وكان هو فى رفاهية فعاد إلى ضيق وحَصر، وشُدّد عليه في التهديد وطَلَبِ المال، وكان يظن أنه إذا بادر بدفع المال يُفْرج. عنه، فذكر أنّه حمل جميع ما عنده النقد، ثم عرض جميع من أصناف المتاجر للبيع، فاشتريَتْ للسلطان أيضا ثم عرض ما عنده من الثياب الصوف والمخمل والحرير المذهب والمطرز، فاشتُري أيضا للسلطان، ثم عرض جميع ما عنده من الأثاث فبيع بالأثمان الغالية تارة والرخيصة أخرى، وحصل لجماعةٍ فى أثناء ذلك منافع كثيرة، ومع ذلك فلم يجتمع من جميع ذلك إلّا نحو مائتي ألف دينار، وأصرَّ السلطان على طلب خمسمائة ألف دينار بعد أن كان طَلب منه ألف ألف دينار، فلم يزل يحطها إلى أن صارت على النصف (٢)، ولكن المطلوب منه خط على أنه لا يقدر إلا على ما ذُكر، لكن بقي له العقار، فكأنه شرع في الحيلة في حَلِّ الأوقاف ليباع ما يمكن بيعه من العقار، والحكم لله. ثم آل الأمر إلى أن غضب السلطان منه فأمر بسجنه في البرج المظلم، فأقام فيه مدَّةً، ثم أفْرِج عنه. وسُلّمِ لنائب القلعة، فأسكنه عنده في طبقة عليا نَيِّره، وتَقّرر مالُ المصادرة على مائتي ألف وخمسين ألف دينار، فاستوعَب ما يقدر عليه من النقد والبضائع والديون والغلال، وباع ما لم يوقِفْه من العقار، وأجَّر كثيرًا مما أوقفه وباع بعضه أنقاضًا فلم يكمل المائتين، فأخذ في الاستدانة وسؤال المعارف ومَن سبقَتْ إليه يد منه عليه، فكان جهد ذلك أن أكمل المائتين في العاشر من ربيع الأوّل، ثم كان ما سنذكره. * * * وفي يوم الاثنين خامس عشره رسم السلطان أن يُرْسَل الملك العزيز يوسف بن الأشرف إلى الإسكندرية على طريق البرّ، وصحبته أسَنبُغَا (٣) الطياري، أحد الأمراء المقدّمين،

стр. 1791

ليودعه بالسجن بها، وأمر بتحويل الأمراء المسجونين (١) هناك إلى قلعة صفد وغيرها، ثم بطل العزم عن سجن العزيز، واستمرّ تحويل الأمراء وأقام قانباي البهلوان -الذي تقرر في إمرة صفد- بِسَرْيَاقُوس إلى أن يحضروا ويتوجّه بهم بصحبته إلى أن يسجنهم بقلعة، صفد وبغيرها كقلعة المرْقَب والصُبَيْبَة، ثم وصلوا وسُلّمِوا إلى سُمَام (٢) [الحَسَني الناصري] وغيره، وتوجّه كلٌّ إلى مقصده، وذلك أول ربيع الأول. * * * وفى يوم الخميس ثامن عشر صفر كُسِر الخليجُ الحَاكِمِيُّ على العادة، ونودِي على النّيل بالوفاء ستة عشرَ ذراعًا، بزيادة إصبعين، ثم نودي عليه في صبيحة الجمعة بعشرة، فصار على ستة عشر ذراعًا ونصف ذراع، وكان في مثل هذا اليوم من العام الماضي على ثلاثة عشر ذراعا وربع. وانحلّ سعرُ الغِلال بعد أن كان ارتفع، ولله الحمد. وزاد الماء فى ثلاثة أيام متتالية بعد يوم الوفاء اثنين وثلاثين إصبعًا، وهو شيء لم يُعْهد قبل هذه السنة، ثم زاد سبعةً فى اليوم الثالث من يوم الوفاء، ثمّ ستةً في اليوم الرابع، فبلغت زيادتهُ عن العام الماضي أربعة أذرع وتسعة أصابع، وما سُمِع قط أن النيل في العاشر من مِسْرَى يكمل ثمانية عشر ذراعا، فنقص إصبعًا واحدًا، واستمرت المناداة بالزيادة إلى يوم الخميس الثاني من شهر ربيع الآخر، فزاد أصابع من العشرين، فاستراب أكثرُ الناس بذلك، لأنّ الذين اعتادوا معرفة ذلك مِمّن له دارٌ تَطِلُ على النيل ذكر أنه لم يصل الماء إلى علامة العشرين، فتوجّه جماعة فشاهدوا المقياس وظهر لهم كذب القيّاس، ثم اقتضى الرأيُ عدم التوسع فى ذلك، لئلا تضطرب العامة إذا تبيّن أن الزيادة دون ما ذُكِرَ، فلا يُؤْمَن أن يحدث من ذلك غلاء في السِّعر، فاستشعر القياس بذلك فصار ينادى كل يوم بإصبع مع أن

стр. 1792

الزيادة مستمرة بأكثر من ذلك، وكان آخر يوم من مِسْرَى - يوم الأحد - ثانى عشر ربيع الأول انتهى إلى تسعة عشر ذراعًا وستة عشر إصبعا. * * * وفي ليلة السبت حادى عشر ربيع الأول حُوِّل الملك العزيز من القلعة إلى ساحل بُولَاق، فأنْزل في الحرّاقة الصغرى، ومعه من يَتَوَكَّل به إلى الإسكندرية، فسُجِن بها على عادة مَن تقدّمه (١)، كولد الناصر فرج، ثم ولد الملك المؤيّد. وعمل المولد السلطانى في يوم الأحد الثاني عشر منه، وكان حافلًا وفرغ وقتَ العشاء سواءً، ورجعنا، وخرج الناس والأسواق مفتحة والليلة مقمرة جدًّا، والله الحمد. ونودى بالسفر إلى مكة في الرّجبية، وعُيِن عِدة من المماليك للإقامة بمكة والمدينة، أما مكة فلحفظ البضائع الواردة من الهند من عبيد مكة وسفهائها، وأما المدينة فَلِقمْع الرافضة الذين تسلّطوا على أهل السُّنة بها. * * * وفى هذا الشهر قبض على سراج الدين عمر بن موسى الحمصي الذي كان قاضِيَ طرابُلس ثم دمشق، وكان قد تسحّب من دمشق لكلام بلغه عن السلطان من جهة انتمائه إلى إيِنَال الجَكَمِى، فأقام بقرية من طرابُلُس، فبلغ ذلك النائب فمسكه وقيَّدَه بقيد ثقيل وسجنه، فكوتِب فيه فشفع فيه بعض الأمراء بالقاهرة، فأذن في إطلاقه، وتوجه القاصد بذلك. وكان سفر الرجبية من القاهرة. * * * وكان أول توت أوّل السنة الشمسية (٢) يوم السبت ثامن عشر ربيع الأول، ابتدأ السلطان في الحكم بين الناس بالإسطبل على العادة، ونودِى بذلك، فكان أوّل شيء أمَرَ

стр. 1793

به أن ينفى عز الدين البساطى المالكي، وناصر الدين الشنشي الحنفى وولده إلى قوص، ثم بلغني أنه شفع فيه، ثم لم يتم ذلك للبساطى واستمر للشنشى، وأمرَ السلطان القضاةَ أنْ لا يَحْبِس أحدُ مِن نوّابهم أحدا إلّا بعد مراجعة مستنيبه. * * * وكُسِر سدّ الأميرية وغيرها في هذا اليوم. فنقص البحر نحو نصف ذراع بعدْ أنْ كان نودىَ عليه يوم الجمعة بإكمال العشرين ذراعًا، ثم زاد إلى سلْخ الشهر تسعة أصابع، وانتهت الزيادة يوم الجمعة ثامن شهر ربيع الآخر إلى أحد عشر إصبعًا من أحد وعشرين ذراعًا والحقّ أنه لم يكمل العشرين ذراعًا، وإنما الافتراء من أمين البحر. وفيه وقع بين المطوّعة في البحر مِنْ أهل دمياط وبين الفرنج وقعة بساحل صيدا، قُتِل فيها كبيرهم المجاهد عبد الرحمن (١)، وأسِر المسلمون بعد أن قُتِل منهم جماعة، وأخذت لهم ثلاثة مراكب، وأسف المسلمون على ذلك أسفًا شديدًا. وفي أواخر شهر ربيع الآخر ورَدَت مطالعة نائب الشام يشكو فيها من القاضيين الشافعي والحنفى، فأمر السلطان بعزْلهما معًا، فعُزِل القاضي بهاء الدين بن حجيّ من كتابة السرّ بدمشق ومن قضاء الشافعية. واستقر في قضاء الشافعية شمس الدين الوَنائي. وقُرِّر في يوم الخميس سابع شهر ربيع الآخر، وفى كتابة السرّ شهاب الدين العجلوني، الذي كان يوقِّع عن الأمير الدويدار الكبير، وكان عُيّن لها زين الدين بن السّفّاح (٢) بل قيل له "الْبس الوظيفتين معا"، ثم استقر في نظر الجيش فقط، وصرف جمال الدين الكَرَكِي. وأمر السلطانُ بنقل بهاءالدين مِنْ دمشق إلى القدس يسكنها بطالًا، ثم تكلّم له في تدريس الصَلاحيّة فرسم له بها، وصرف الشيخ عز الدين القدسى وتوجّه القاصدُ بذلك إلى دمشق ثم بطل ذلك. وكتب إلى ابن حجّى بالقدوم إلى القاهرة، واستمرّ القدسي في وظيفته، فقدم ابن حجّى في رجب، ثم خلع عليه بنظر الجيش، وسافر في أول رمضان، وصُرف زين الدين بن السفاح، وأعيد إلى نظر الجيش بحلب، واستقرّ في قضاء الحنفية بدمشق بعضُ المصرييّن.

стр. 1794

وصُرف القاضي شمس الدين محمد بن علي الصفدى، ثم تأخر ذلك واستمرّ الصفدى واستقر في قضاء الحنفية بحلب عزّ الدين عبد العزيز بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن العديم، ثم بطل وأخّر لِبْسُ الخلعة، واستمرّ ابن الشحنة. * * * شهر ربيع الآخر أوله الجمعة بالرؤية، الموافق لثالث عشر توت، وأرخ في بعض البلاد - كدمياط - بيوم الخميس. وفى يوم الاثنين رابع شهر ربيع الآخر وصل القاضي علاءالدين بن خطيب الناصرية الحلبى من حلب إلى القاهرة، لأجل السّعى والعود إلى وظيفة القضاء (١)، فأقام إلى شعبان، ثم خلع عليه وسافر في أثنائه إلى بلاده على وظيفته، فوصل في أواخر رمضان (٢) ثم لم يلبث أن مات. وفي يوم الاثنين حادى عشر أفْرِج عن زين الدين عبد الباسط، وخُلع عليه خلعة رضا، وهي جُبة بسمور، وأذن له في السفر إلى مكة، وتوجَّه بخلعته إلى تربته بالصحراء، بالقرب من تربة قجماس، ليقيم بها إلى أن يرحل بعد أيام، ثم تحوّل إلى طرف المرج من جهة بركة الجب، ليتجهّز منها إلى مكة بأهله وبماله، وانضم إليه جمع كثير من الناس، وتوجّهوا إلى مكة في ليلة الاثنين الثامن عشر في هذا الشهر. وفى يوم السبت تاسعه أذن للشنشى وولده بالعود إلى القاهرة، وتوجّه القاصد إليهما بذلك * * *

стр. 1795

وفى يوم الأربعاء سادس شهر ربيع الآخر ادّعى جماعةٌ من المجاهدين ومَن انضم إليهم على شخص نصراني أنه هو الذي كان السبب في قتل المجاهدين، وأنه كَاتَب الفرنج بقضيتّهم حتى استعدوا لهم، ودلّ على عوراتهم، وأقيمت بذلك البيّنة عند بعض نوّاب الحكم بدمياط - وكان مالكي المذهبٍ - وثبت ذلك عليه فحكم بقتله، وأمر بسجنه ليراجع السلطان فاجتمع عليه جمعٌ لا يحصون كثرةً، فنزعوه من أيدى أعوان الحكم، وحملوه إلى ظاهر البلد فقتلوه بين الناس وحرقوه (١)، ومدوا أيديهم إلى الكنائس فهدموها ونهبوا ما فيها، وكان النائب على الثغر ركب بمن حَضر مِن قضاة وغيرهم لينزعوا النصراني منهم فوجدوا الأمر قد اشتدّ، فكاتب السلطان بذلك فأمر بإحضار القضاة والنائب فسألهم فأخبروه بجلية الحال، وأخرج بعض الناس محضرا بأنّ النصراني المذكور أسلم قبل قتله، فتغيظ على قاتليه، وأمر بحبس كبارهم، ثم أذن في إطلاقهم في اليوم الثاني، وأمر بعزْل النائب والقضاة، واستقرّ في النيابة محمد الصغير، الذي كان وليها في العام الماضي، واستمرّ القاضي (٢) على حاله، وأمر بالاقتصار في النواب على ثلاثة فقط. وفي يوم الاثنين حادى عشره أمر السلطان أن يستقر للقاضي الشافعي من النوّاب أربعة، وللحنفي اثنان، وللمالكي كذلك، والحنبلي كذلك. وعقد في هذا اليوم مجلس بحضرته بسبب الحوانيت التي نازع فيها عتقى تانى بك البجاسي، وحضره قاضي حلب المنفصل علاء الدين بن خطيب الناصرية، وذكر الصورة مفصّلة، ومع ذلك أمرَ السلطان للقاضى الشافعي أن ينشئ الدعوى في ذلك، ويحرر الأمر فيها، ثم أذن السلطان أن يستقر للشافعى ستة أنفس، ولكل من رفقته ثلاثة، فكتب الشافعي أسماء جميع النواب في رقاع وأحضرها لحضرة السلطان، فتناول السلطان منها ستةً فاستقرّ بهم ومنع غيرهم. ثم أذن بعد سبعة أيام في زيادة اثنين، ثم أمر باستبدال ثلاثة في السنة بثلاثة أمْيَزَ منهم لَطْعنِ بعض جلسائه في الثلاثة الأولين، وانتهى أمرهُ في يوم الثلاثاء سادس عشرى شهر ربيع الآخر إلى ثمانية، وللحنفى أربعة، واستمر المالكي على ثلاثة، والحنبليّ كذلك.

стр. 1796

وفى هذا الشهر مات آقبغا التمرازي نائب الشام، ووصل الخبر بذلك في يوم الأحد رابع عشر الشهر المذكور، فقُرِّر في نيابة دمشق جلبان نائب حلب، وقُرر نائب (١) طرابلس في نياب حلب، وقُرّر الحاجب الكبير بَرْسْبَاى [الناصري] الذي كان وقّع بينه وبين النائب ما وقع في نيابة طرابلس، وقرّر في الحجوبية نائب غزة، وتوجَّه دُولات باى الدوادار الثاني في تقليد نائب حلب في يوم الثلاثاء. * * * شهر جمادى الأولى في أول يوم منه نودى بالسّفر في رجب لمن أراد التوجّه إلى الحجاز صحبةَ المماليك المجهزة إلى مكة، وكان الوقت للمناداة الأولى، فتحرّك جماعة لذلك منهم. وتوجّه قبل ذلك الأمير أحمد بن علي بن إينال وصحبته عسكر من الترك والعرب لدفع قبيلة بَلِي المفسدين في طريق الحجاز، فظفروا بطائفةٍ منهم بسطح العقبة، ورجعوا بعد أن امتارُوا، فقبضوا عليهم واستمروا إلى أن دخلوا بلاد بَليّ. وفى يوم الثلاثاء الرابع منه - الموافق الخامس عشر بابه والعاشر من تشرين الأول أمطرت السماء في أول الليل قليلًا، ثم في أول النهار، ثم أرعدت (٢) ولم يكثر المطر إلّا من بعد الظهر فاستمر إلى بعد العصر، وتزلقت الأرض، وأخذ النيل في الانهباط، ثم لم يظهر أثر ذلك بل ثبت إلى أن انقضت بابه، واستمر الحرّ إلى أن نزلت الشمس برج الجوزاء، ولم يتغير مزاج الحرّ، ثم كان ما سنذكره. وفي (٣) الجمعة ثاني عشرين جمادى الأولى لبس السلطان الصوف، ووافق التاسع من هاتور، وهو الخامس من تِشْرِين الثاني، وتأخر عن عادة الأشراف نحوا من عشرين يومًا، وأظنّ

стр. 1797

سبب ذلك استمرار الحرّ، واستهل جمادى الآخر والأمر على ذلك. وفي هذا اليوم أمر السلطان بجمْع الشهود من مراكزهم، فاجتمعوا عنده في الحوش، فشرط عليهم مشافهةً أن لا يُؤَخّروا عندهم صداقَ امرأةٍ ولا طلاقها، بل يُدفع في الحال، وأن لا يشهدوا على يهوديّ ولا نصراني في مرض مخوف بوقف ولا وصيّة إلّا بإذن من القاضي والناظر على المواريث. واستمر الحرّ إلى أن نقلت الشمس إلى برج القوسِ، فتأخّر البرد عن العادة وانهبط النيل، فكان في نصف هاتور في خمسة عشر ذراعًا وافرة. * * * ووصل رسول شاه رخ بن اللنك إلى القاهرة ومعه جماعة، فأقام أكثرهم بالشام، ووصل [الرسول] إلى مصر، ومضمونُ رسالتِه التهنئة بالسلطنة. * * * شهر رجب أوله الثلاثاء في أول يوم منه خرج (١) أميرُ المحمل فَضَربَ خيامه مقابل خليج الزعفران ثم خرج الحاج وهم كثير، ورحلو مِن ثَم في يوم الاثنين فنزلوا مقابل المرج، ثم رحلوا ليلة السبت خامسه، ووصل الخبر بعدهم بقليل بأن العسكر الذين توجهوا إلى العرب بأنهم غلبوا عليهم. وفى اليوم الرابع عشر منه أدِيَر المحمل، وكان حافلًا. وفى يوم الاثنين سابع شهر رجب (٢) دخل فصلُ الشتاء، واشتدّ البرد على العادة، بعد أن كان الحر تمادى إلى يوم الخميس ثالثه، وتأخر المطر بعد نزول المطرة الأولى المنَبه عليها، ثم أمطرت مطرًا يسيرًا مرة بعد مرة.

стр. 1798

وتسلطت الدودة على البرسيم فأكلت منه الأكثر، فغلا - بسبب ذلك - البرسيم؛ حتى كانت قيمته قدْر العام الماضي مرةً ونصف مرة أو أزيد، ثم توالت الأمطار وحصل النفع بها. * * * وفى يوم الاثنين حادي عشريه دخل أحمد بن إينَال وصحبته جماعة من عرب بَليّ قُبض عليهم، فأمر بتسميرهم وتوسيطهم، وهم الذين كانوا في آخر سنة ٤١ قطعوا الطريق على الحاج، ونهبوا منه أموالا عظيمة، وهلك بسبب ذلك خلائق من النساء والأطفال والرجال بالجوع والعطش. * * * شهر شعبان أوله الخميس. شهر رمضان أوله الجمعة. في الثاني والعشرين منه وصلت الحمّالةُ الذين حملوا الحاج الرجبية، وذكروا أنهّم فارقوهم وهم بخير، وقد انحطّ السعر قليلًا، وكان الحمل الدقيق بلغ ثلاثة عشر دينارًا فنقص دينارًا، وكان شاع بالقاهرة أنه بلغ العشرين أو زاد، فظهر كذب تلك الإشاعة. * * * وفى التاسع منه ثار العامة بدمشق على النائب بها، فهجموا عليه في دار السعادة وفتحوا الطبلخاناه فضربوها (١) فتجمعوا، وكان السبب في ذلك أنّ شخصًا يقال له عبد الرزاق، خَدمَ بَرْدَدَارًا عند النائب فاحْتكَر اللحْمَ وصار هو الذي يتولّى الذبيحة، فغلا اللحمُ وصار يَشْتَرى الغنم بالسّعر البَخْسِ ويبيع بالربح المفرط، فقلّ الجالبُ بسبب ذلك، واشتد الخطبُ حتى كان اللحمُ يباع بدرهمين ونصف فبلغ ثمانية، فنادى النّائبُ في الجند فأمسكوا منهم جماعةً وسجنوهم، فهجم الباقون السجنَ وكَسَرُوا بابَه، وأطلقوا أصحابهم وكان النائب قبل ذلك لما تحركت الفتنةُ عَزَل البرددَار، ونادى بإسقاط مكس الغنم، فانحط السّعرُ إلى أربعة أو خمسة، فلم يُقْنِعْهم ذلك، فكاتب في ذلك فوصل الخبر بذلك في الثالث والعشرين من رمضان، فأمر السلطان بجمع الأمراء

стр. 1799

والقضاة يوم الأحد صبيحة الرابع والعشرين، فاشتوروا، فقيل للمالكي إن عندهم قولا بقتل الثلث لاستصلاح الثلثين، فأنكر المالكي ذلك، وقال: "هذا لا يعرف في المذهب"، قال: "فما السبب في تَجَرّى هؤلاء؟ " قال: "كثرة الحلم عنهم". هذا ملخص ما حكاه هو لى، فإنني ركبْتُ فما وصلْتُ حتى انفضّ المجلس، وكذلك الحنبلي ما أدرك المجلس. وسألت الحنفى فقال: "ما أجبْت بشيء لأجل غيبتكم"، ففهمْتُ أن القول كان على المالكي. وذكر لي الحنفى أن بعض الأمراء قال "هؤلاء بُغَاة" فقال "فقلت له: لا، ماهؤلاء بغاة، وإنما أساءوا الأدب، وينبغى أن يُعرف البادؤ منهم بذلك فنعاقبه بما يرتدع به غيره". فلما كان يوم الاثنين كتب مرسوم قُرِئ على المنبر بتهْديد العامّة والإنكار عليهم فيما فعلوه، وكتب توقيع القاضي تقّى الدين بن قاضي شهبة بعودته إلى القضاء، وبعَزْل القاضي شمس الدين الونائى، لأنّ النائب بعث يشكو منه ويقول: "إنما تسلط العامة علينا به" ونحو ذلك. وعُينَ للسفر بذلك الشريفُ الحموي الموقّع بعناية كاتب السرّ، فوصل قبل سفر الحاج بيومين، وكان الونائي قد تجهزّ إلى الحج فاستمروا واستقرّ ابن قاضي شهبة، وهي الولاية الثانية. * * * شهر شوال أوله السبت بالرؤية الصحيحة (١) وصادف تاسع برمهات ورابع آذار. وقع في أول يوم منه ريح باردة. وأثارت غبارًا شديدًا، بحيث كان يتصاعدُ إلى أعلى القلعة، واشتدت الظلمة منه وقت العصر إلى أن أمطرت شيئًا يسيرًا فسكن، واستمر البردُ

стр. 1800

الشديد بحيث إنه كان يضاهي ما كان في أول الشتاء أو أشدّ منه، واستمر إلى أن فرغ برمهات، وعاد مزاج فصل الربيع على العادة. وفي الثاني منه نقلت الشمس إلى برج الحمل. وفى يوم الأحد الثالث والعشرين منه، الموافق لأول يوم من بَرمُودة كان عيد النصارى أخزاهم الله تعالى. وفي النصف منه تنازلت أسعار الغلال وانحطّت إلى قدر النصف، بحيث بيع ما كان بلغ ثلاثمائة بمائة وخمسين، وأقلّ من ذلك. * * * ورحل إلى القاهرة طالبُ الحديث الفاضل البارع: قطب الدين محمد بن محمد بن عبد الله بن خيضر بن سليمان بن داود بن ضُميدَة (١) البلقاوي الدمشقي ويعرف الآن بالخيضرى (٢)، نسبةً لجدّ أبيه، فسمع الكثير وكتب كتبًا كثيرةً وأجزاء، وجدّ (٣) وحصّل في مدةٍ لطيفة شيئًا كثيرًا، وتوجّه صحبة الحاجّ المصري لقضاء الفرض، وكتب عنّي في مدّةٍ يسيرة المجلّد الأولَ من "الإصابة في تمييز الصحابة" وقرأه وعارض به معى وأتقنه، ونسخ أيضًا "تعجيل المنفعة في رجال الأئمة الأربعة"، وقرأه كله وأتقنه، وسمع عدّة أجزاء، وكتب عدة مجالس من الأمالي، وخطّه مليح، وفهمه جيّد، ومحاضراته تدلّ على كثرة استحضاره. * * * وفي يوم الثلاثاء خامس عشرين شوال حضر ناصر الدين بك بن خليل بن قَرَاجَابن ذلْغَادر، وجلس له السلطان في إيوان القصر الكبير جلوسًا عامًا، وأمر الأمراء الكبارَ بتلقيه، فتلقّوه ظاهر القاهرة، ودخلوا به من البلد إلى أن أطلعوه القلعة، فدخل ومعه أولاده، فخدم وخُلع عليه

стр. 1801

وأنْزل في بيْتِ نوروز، وهو شيخٌ كبير يُقال بَلغ الثمانين، ويغلب على لونه السمْرة الشديدة، وتقدّم خبره في حوادث سنة ٣٧. وكان دخل القاهرة في دولة الملك الظاهر مرّة قبلها، ثم صاهره السلطانُ وتزوّج ابنته، وسافَرَ بعده إلى بلاده بعد أن بولغ في إكرامه والإنعامات عليه. * * * وورد الخبر بأنّ أبا الفضل بن شيخنا زين الدين بن حسين قُتِل بغتةً، قتله شريف من الرافضة، وقيل إن سبب ذلك أن الحسين كان له دَيْن على القاتل، فلما مات أوصى أبا الفضْل، فطالب أبو الفضل بمال محاجيره فمطله، فألحّ عليه فاغتاله، وصار أهل المدينة في خوف شديد، ولم يبق أحد يجسر أن يخرج من بيته سحرًا، وكان سليمان أمير المدينة غائبًا، وله نائب اسمه حَيْدَر بن غُرَيْر، فخرج في جماعةٍ لتحصيل القاتل، وكان تسحّب هو وجماعة من عشيرته، فما ظفروا بأحد منهم، وكان ما سنذكره في السنة المقبلة. * * * وفي أواخر شوال مرض صاحبُنا القاضي محبّ الدين بن أبي الحسن البكري المصري نائب الحكم، وكان قد سار مع الرجبيّة إلى مكة، فرأى وهو يطوف بالبيت بعضَ الصّنّاع من المرخمين يحاول خَلعَ لوح رخام من الحجرة وهو في غاية الثبات ليلصقه على كيفية أخرى، فأنكر عليه، فتوجّه المذكورُ إلى شادّ العمارة سُودُون المحمدي، فذكر له ذلك فسأل عنه فقيل إنه نائب الحكم عن الشافعي، فقال: "لعلّ هو الذي كاتب فينا! "، فأمر بإحضاره فأهانه وضربه تحت رجليه عُصَيّات (١)، ثم أراد أن يُركِبه حمارًا ويطوفَ به فقيل له، إنه برئ ممّا اتّهَمْتَه به، وإنه كان حين ورود الكتاب مقيمًا بالقاهرة، فندم على ذلك، ولقيه في الطّواف فاستحله، وكان المحبّ المذكور قد امتلأ غيظًا ممّا أصابه بغير جرْم وكظم غيظه، فما لبث أن حُمّ واستمر موعوكًا إلى أن قدم الحجّ فتوجّه مع الركب المصري فمات بالينبع، بعد أن رجع من زيارة المدينة المنورة. وقد ذكرتُ ذلك في ترجمته فيما سيأتي، وخُتم له بخير، ولعله مات شهيدًا. ورأت امرأة من أهل الصدق ليلة دفنه وهى مستيقظة على سطح كأنّ عمود نور أقبل من نحو المدينة إلى أن غاب في قبر المذكور، فأيقظت زوجها وأخرى من أقاربها فشاهدوا ما شاهدت، وأخبروا به.

стр. 1802

وقد ورد الخبر بأنّه خرج على الحاج بعد أن انفصلوا من المدينة ريح حارة وأعقبها سَمُوم أضعفت الأبدان، وأهلكت الجمال، ومات منها ومن بني آدم عدد كثير منهم القاضي محبّ الدين محمد بن أبي الحسن البكري نائب الحكم، وكان عارفًا بالأحكام متثبتًا في القضايا، وقورًا، عالمًا عاقلًا، كثير الاحتمال، مشاركًا في الفقه، لم يشتغل في غيره، وقد درس في المدرسة الخرّوبية بشاطئ النّيل نحوًا من عشر سنين، وكان قد توجّه إلى الحجاز في الرجبية فجاور ثم رجع، وذكر لي من أثق به أنّه كان كثير الطواف، وأنّه واظب على ذلك خمسين مرة في كل يوم. وهو من قدماء معارفنا، وأهْل الاختصاص بنا، فالله يعظم أجرنا فيه، ويبدلنا به خيرًا منه، وقد غبطْتُه بما اتفق له من حسن الخاتمة بالحج والاعْتمار والمجاورة، وزيارة الحضرة الشريفة النبويّة، والموت عقب ذلك في الغربة، وكانت وفاته بالينبع وصُلّىَ عليه هناك ودُفِن بها، وقد جاوز السبعين بسنين. * * * يوم الثلاثاء مستهل ذى الحجة بالرؤية. فيه استقرّ نورُ الدين على بن أحمد بن أقبرس في نظر الأوقاف عوضًا عن تقى الدين بن تاج الدين بن نصر الله، وكان تقيّ الدين استقر فيها بعد صلاح الدين ابن عمّه، وكان عمّه الصاحب بدر الدين إذ ذاك موعوكًا فبلغه ذلك فشقّ عليه وشغله الضعف، ثم توجّه للعافية واستمر نور الدين في الوظيفة. * * * وفى الثامن من ذى الحجة ورد الخبر بموت أقْبُغَا التركماني في حبْسه بسجن الكَرَك، وكان أحد الأمراء الكبار في الدولة الأشرفية، وولى النظر على الخانقاه الناصرية (١) بسرياقوس، فذكر بعض الكبراء أن السلطان أمر كاتب السرّ أن يكتب إلى نائب الكرَك بأن

стр. 1803

يطلقه ويشترط عليه أنه لا يعود إلى شرب المسكر، وأنه متى عاد نُفى إلى قُبْرص، فشرع كاتب السر في كتابة الكتاب بذلك فوصل الخبر بموته قبْل أنْ يفرغ الكتاب. * * * وفى يوم الثلاثاء التاسع والعشرين منه وصل المبشّر بسلامة الحاج، ومعه من الأخبار، أن الوقفة كانت بمكة يوم الأربعاء، وأن السِّعر في الأقوات كان ارتفع، فكان الحمْل من الدقيق بخمسة عشر مشخصًا (١)، والآردب من الشعير بتسعة، وكان الجمع كثيرًا جدًّا، ولم يدخل مكة من واصل الهدايا إلّا القليل، وكانت الأزُر، والشاشات في رخص بخلاف ما عدا ذلك من الكتان ونحوه، وأن الركب الأوّل وصل في السابع والعشرين من ذي القعدة. وفي هذه السنة ثار توران شاه بن بهمن بن توران شاه على أخيه سيف الدين صاحب هُرْمز وما معها، فانتزع منه المملكة، ففرّ سيف الدين إلى شاه رخ ملك المشرق مستعينا به، فأمده بعسكر، فسار إلى فِرْغْانَة فنازلها فسار إليه أخوه فتحاربا إلى أن تصالحا، على أن يكون ملك القلعة لسيف الدين هي وما حولها، وافترقا. * * * ذكر من مات في سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة من الأعيان ١ - أحمد بن الدميري، أحد نواب الحكم، شهاب الدين، كان فاضلًا يستحضر كثيرًا من المسائل الفقهية، وناب في الحكم في بعض النواحي وفى القاهرة، ومرض مدّةً طويلةً بوجع الظهر ثم بالإسهال، ومات في الحادى والعشرين من صفر، وأظنه جاوز الستين. ٢ - أحمد النفيايي، بكسر النون وسكون الفاء، بعدها تحتانية مثناة، نسبة إلى بليدة [نفيا] (٢) البحري، ويُعرف بالزلباني، الشيخ شهاب الدين، كان من مشاهير الطلبة عند

стр. 1804

قدماء المشايخ ثم نزل في قاعة المؤيدية وتكسب بالشهادة مدة إلى أن مات (١). ٣ - آقبغا التمرازي (٢)، تقدم في الحوادث. ٤ - أقبغا التركماني، كذلك. ٥ - أبو بكر الحلبي نزيل بيت المقدس، الشيخ أبو بكر، تلْمذَ للشيخ عبد الله البسطامي وكان له اشتغال بالفقه والحديث ثم أقبل على العبادة وجاور ببيت المقدس وكف بصره بأخرة. ٦ - سودون، دويدار أرْكماس الدويدار الكبير، كان غشومًا عارفًا بأفانين الظّلم، صُرِف عن وظيفته قبل موت الأشرف وأصيب برمد أفْسَد عينيه، ولما قُبِضَ على أستاذه خدم في المماليك السلطانية وكان بصدد أن يقدم ففجأه الموت، وأحاط ناظر الخاص على موجوده وهو شيء كثير. مات في ذي القعدة. ٧ - عبد اللطيف بن محمد بن الأمانة، تقى الدين بن القاضي بدر الدين، درَّس في الحديث بالمنصورية، وفي الفقه بالمدرسة الهكاريّة مكان أبيه أيّامًا، ومات وهو شاب عن ثلاث وعشرين سنة (٣) تقريبًا في يوم الأحد ثامن عشرين ذي القعدة. وكان مشكور السيرة على صغر سنّه. ٨ - علي بن محمد (٤) بن سعد بن محمد بن علي بن عثمان بن إسماعيل بن إبراهيم بن يوسف

стр. 1805

بن يعقوب بن علي بن هبة الله ابن ناجية الطائي بن خطيب الناصرية. القاضي علاء الدين، كان مولده سنة ٧٧٤، وسمع من أحمد بن عبد العزيز بن المرجل وهو أقْدم شيخ له، ومن عمر بن أبيدغمش خاتمة أصحاب إبراهيم بن خليل ومات (١) في الحادى عشر من شوال (٢). ٩ - قطج الأمير [الناصري (٣) من تمراز الظاهري برقوق] مات في العشر الأوسط من رمضان، وكان قد ولى إمرة بعض البلاد الشامية (٤) وحضر إلى القاهرة مصروفًا فأقام بها دون الشهر. ١٠ - محمد بن أحمد تاج الدين الأنصاري التفهنى، سبط القاضي مجد الدين الحنفي البلبيسي أحد نواب الحكم الشافعي، مات في يوم الأحد تاسع عشرى المحرّم بعد أن مرض مرضًا طويلًا ولم يجاوز الستين. ١١ - محمد بن أبي الحسن على بن أحمد بن عبد المنعم القاضي محب الدين البكري ذُكر في الحوادث (٥). ١٢ - محمد بن عبد الله، الشيخ جمال الدين الكازرون المدني (٦)، جاء الخبر بوفاته وقد انتهت إليه رئاسة العلم بالمدينة النبوية ولم يبْق هناك من يقاربه، وكان وَلِيَ قضاء المدينة والخطابة من مدّة، ثم صُرِف ودخل القاهرة مرارًا ومولده في سنة ٧٨٧ في ذي القعدة (٧)، نقلتهُ من خطّه.

стр. 1806

١٣ - محمد بن يحيى بن عليّ بن محمد بن أبي زكريا المقرئ، الشيخ شمس الدين الصالحي بصالحية مصر بالشرقية (١)، هكذا كنتُ أظنّ، ثم ذكر لي أخوه شهاب الدين أحمد أنهم ينسبون إلى قرية يقال لها منية أم صالح بناحية مليج من الغربية، وإلى حارة الصالحية بالبرقية داخل القاهرة. وُلد قبل الستين، وعنى بالقراءات فأتقن السّبع على جماعة، وذكر لى أنه رَحَل إلى دمشق وقرأ على ابن اللبّان، وطعن في ذلك بأنّ سنه تصغر عن ذلك كما تقدم في تقييد وفاة ابن اللبان، واشتغل بالفقه، وتولى تدريس الفقه بالظاهرية البرقوقية عوضًا عن الشيخ أوحد، بحكم نزوله عنه بمبلغ كبير من الذهب، وكان اتصل بالأمير قطلو بغا الكَرَكي، وقرره إمامًا بالقصر، واشتهر في ذلك مدّةً، وناب بجاهه في الحكم أحيانًا، وأمَّ بقطلوبغا المذكور، ثم ولى مشيخة القراءات بالمدرسة المؤيدية لما فتحت، وما علمته تزوج، وكان مولعًا بالمطالب، ينفق ما يتحصل له فيها مع التقتير على نفسه. وكف بصره في آخر عمره واختل ذهنه، عفا الله عنه. واستقر في تدريس الظاهرية [مكانه] شهاب الدين أحمد الكوراني بعناية كاتب السرّ، وعمل له إجلاسًا حضرناه، وخُلع عليه جُبُّة مستحسنة وكان الميت نزل لأخيه شهاب الدين عن وظائفه، وأمضى ذلك النّظّار، وباشرها في حياته، ثم نوزع في المؤيّدية، وعُقِد له مجلس بسبب أنّ شرط الواقف إذا وقع نزول أن لا يقرّر النازل ولا المنزول له. ١٤ - محمد الدجوى، ناصر الدين الموقّع، ناب في الحكم قليلًا ووقّع عند بعض الأمراء في شهر رجب، وأظنه بلغ الخمسين. * * *

стр. 1807

سنة أربع وأربعين وثمانمائة استهلّت بيوم الخميس الموافق للثامن من بئونة من شهور القبط (١). وفى يوم السبت الثالث منه قُبض على الأسْتادار ناصر الدين محمد بن أبي الفرج، وحُبِس بالبُرْج، ثُم تسلّمه الوزيرُ بعد أيّام على مالٍ صُودِرَ عليه، واستقرّ في وظيفته مملوك يُقال له قيز طُوغان (٢) وخُلع عليه وباشر. وفى يوم الاثنين الثاني عشر منه ووافق التاسع عشر من بئونة - وهو أول يوم من فصل الصيف - كان الهواء باردًا وقت السحَر واستمرّ إلى أن تعالى النهار بحيث وُجد من البرد كأيام أوائل الربيع، فلمّا قرب الظهر اشتد الحرّ جدًّا كما في كل يوم. وخلع على القاضي سراج الدين عمر بن موسى الحمصي واستقرّ في قضاء الشام على عادته بعد أن السعْيَ الحثيث، وأجيب بالمنع مرارًا فلم يزل يتلطّف إلى أن أجيب، وتوجّه في اليوم العشرين من المحرّم. وكذا أعيد قاضى صفد علاء الدين بن حامد، وصُرِف الزّهري وتوجّه في هذا الشهر، وقبض على ابن القف ناظر الجيش بصَفَد، بشكوى نائب صفد منه. * * * وأخبر قايِسُ النيل في اليوم الخامس والعشرين من بئونة - وهو اليوم الثامن عشر من المحرّم - أنّ النيل بلغ في المقياس إلى ستّة أذرع وأربعة أصابع، ونودى عليه في العشرين منه بثلاثة أصابع، واستمرت الزيادة. * * * وفى يوم الثلاثاء سابع عشرين المحرّم رُفع إلى السلطان أن رجلًا مات وأوصى إلى رجل، فضم القاضي الشافعي إليه آخر، وأن التركة وقع فيها تفريط، فطلبهما وطلب نائبَ

стр. 1808

الحكم الذي أثبت أهْلِية الآخر، وحبسهما بالقلعة، ثم سأل الوصيِ فذكر في القصّة أمورًا تَغَير السلطان منها، لظنّه صدْقَ الوصى، والواقع أنه مشهور بالكذب والبهتان، وقد امتلأ غيظًا بضمّ الآخر معه حتى إنه لم يتمكنّ مما كان يروم أن يفعله، ونَسب إلى المذكور أمورًا معضلة، فظنّ أنّ ذلك بعلم القاضي، فتغيظ على القاضي المذكور وأرسل إليه ألّا يخطب به يوم الجمعة. وعَين شخصًا من نوّاب الحكم يقال له بُرْهان الدين بن المَيْلَق، فخطب به يوم الجمعة أوّل صفر، وطَلب من يفوّض له الحكم، فذكر له جماعة، فاختار القاضي شمس الدين الونائي، الذي كان ولى قضاء الشام وانفصل منه في شوال، وحج وعاد إلى القاهرة، فدخلها يوم الجمعة ثالث عشرى المحرّم. ثم كان ما سنذكره. * * * شهر صفر أوله الجمعة. ذكرْنا أن ابن الميلق خطب، وذكروه فيمن يُوَلَّى القضاء، وبلغ ذلك ابنَ البلقيِني فضاقَ صَدْره واشتد سَعْيُه، فلم يُجَبْ .. بشيء، فَعُين الوَنائي وفُصّلت خِلْعَتُه يوم السبت. ثم في أثناء يوم السبت طَلب السلطان شهودَ التركة، وفوّض لنائب القلعة أن يباشر المحاسبة بين الوصيّ ورفيقه بحضرة الشهود، وبحضرة شخصٍ يقال له جمال الدين عبد الله الحلبي التاجر، وكان هو الذي وصَّلَ الوصيَّ حتى ذكر للسلطان ما ذكر، وكُرِّرَتْ المحاسبة ووقعت المحاقة والمشاحة (١) إلى أن ظهر لنائب الغيبة زَغَل الوصيّ وتزيّده في القول، وافتراؤه ما كان افترى، فدخل بالمحاسبة إلى السلطان وظهرت براءة القاضي والذي أقامه وذلك وقت أذان المغرب، فلما كان صبيحة الأحد أمر بإطلاق نائب الحكم والذي أقامه القاضي، واتّفق أنْ كَلَّمَه ولدُهُ الأمير ناصر الدين محمد فيما يتعلّق بالقاضى وجَبْرِ خاطِرِه فيما وقع فيه من الافتراء، فأذن له فبطل أمر الونائي وفُصّلتْ للقاضي جبة بسمور، ولبسها صبيحة يوم الاثنين، وكان يومًا مشهودًا. وفي أوائله وصل عبد الباسط إلى القدس سالمًا، وكان أرجف بأن قد أصيِب جميع من

стр. 1809

ولم يسلم غيره، ولم يكن لذلك صحة. ووصلت هديته بعد أيّام إلى السلطان وفيها مائة شاش وأشياء كثيرة من هذا الجنس، فقبلها وخلع على قاصده. * * * وفى يوم الأربعاء السابع والعشرين منه، وهو الرابع من مِسْرَى أوفى النيل ستة عشر ذراعًا وإصبعين، وكُسِرَ الخليج في صبيحة يوم الخميس، وباشر ذلك الأمير ناصر الدين محمد ولد السلطان، وصُحْبَتُه حاجب الحجاب وجمعٌ يسير، وكان يومًا مشهودًا. وكانت الزيادة في هذه السنة من العجائب فإنّه ابتدأ في العشرين من المحرّم، وكان يزيد قليلًا إلى يوم السبت السادس عشر من صفر فزاد ثمانية، ثم زاد إثنى عشر إصبعًا، ثم زاد في خمسةٍ أيّام ثمانين إصبعًا، وفى يومٍ ثلاثين وفى يومٍ عشرين، وفى ثلاثة أيام كل يومٍ عشرة، وفي يوم: سبعة عشر أيضًا، فنودي يوم الوفاء خمسة عشر تغليق الستة عشر ذراعًا وإصبعين فوقها. * * * وفيها (١) كائنة إبراهيم بن خطيب القدس وقاضيه جمال الدين بن جماعة، رُفِع فيه إلى السلطان أنّه زوّر عليه مرسومًا بمرتب، فأحْضِر إلى القدس (٢) وصُرف أبوه عن القضاء، وحوقق على ذلك، وجرى لصهره قاضى الحنفيّة ابن الديري من البؤس وتَغَيُّرِ الخاطر ما لا يُعَبّر عنه، وبالغ السلطان في الإنكار على كاتب السرّ بسبب ذلك. * * * وفي يوم الأربعاء (٣) تاسعه عُقِد مجلس بالصالحية بسبب شخصٍ قَرْمِيّ اسمه على بن أخي قُطْلُوخَجَا، حَضَرَهُ القضاةُ الثلاثة، وغاب الحنبليُّ لضعفه، وكان المذكور رُفعَ أمره إلى السلطان بأنه وَقَع في حقّ نَبيّنا ﷺ بكلام فاحش، وأنّ بعض العوامّ أنكر عليه فكثُر اللّغَطُ، فخلّصه منهم شهاب الدين بن عبيد الله الحنفي نائب الحكم، فأنكر عليه السلطان ذلك. وفى يوم الأحد أول يومٍ من الشهر عند التهنئة اعتذر [نائب الحكم الحنفي] بأنه خشى عليه من العوام أن يقتلوه، فأكد عليه السلطانُ تحصيله، ثم اتفق أن بعض الحجاب

стр. 1810

قبض عليه وهو ذاهبٌ إلى جهة الشام، فردّه من الخانقاه السرياقوسية، فأُحضِر عند السلطان فأمر بعقد مجلس بالقضاة الأربعة، فشهد ثلاثة عند ابن عبيد الله المذكور عليه بما يقتضى الاستهتار بالدّين والتنقيص للرسول، وشهد أحدهم أنّه قال عن كثرة صلاة المصّلين على النبيّ ﷺ أول النهار: "فلان مغرض"، وشهد آخر أنّه سمعه يقول لمن صلّى عليه: "يا منافق، تصلّوا ومحمد نبيكم كذا" وذكر لفظةً بالتركي فاحشة وشهد آخر أنه سمعه يخاطب جماعةً من المسلمين بما نَصُّه: "يا خنازير، كل دينكم باطل! ". ثم حضر القضاة عند السلطان بسببها فأعادوا له ما جرى، فأمر الحنفيَّ أن يتعاطي الحكم في ذلك بنفسه بعد أن أحضر بعضُ جلساء السلطان النَّقْل من عِدّةِ كتبٍ للحنفية أنّ توبةَ الزنديق لا تُقْبل، وطلب القاضي تكثير الشهود، وكان قد بلغه أن الذين يشهدون عليه بنحو ذلك كثير، فتوجّه إلى منزله وأحضر المذكور فادّعى عليه أن له مدّةً طويلة يمرّ بالشوارع ويصرّح بسبب النبيّ ﷺ ، وبالسّبّ في الصحابة، وينظر إلى السماء ويتكلم بكلمات تؤدى إلى الزندقة، فأنكر، فشهد عليه شاهدان أحدهما أنه قال لفظًا بالتركي يقتضى بسب الباري - سبحانه - السبَّ الفاحش، وزاد أحدهما أنّه سبّ أبا بكر، وشهد آخر أنه سمعه مرارًا يصرّح بسبّ أبي بكر ويقول عنه: "كلب"، وشهد آخر أنه طلب منه شيئًا فقال: "ما معى إلّا أربعة أفلس" فقال: "هاتهم فَهُم عندى خيرُ من أربعين نبيّ أو أربعين ألف نبيّ" بنقل الشاهد. وشهد آخر أنه سمعه يشير إلى السماء ويقول بلفظٍ غير عربيّ مايقتضى السبّ الصريح، ثم أعِيدَت شهادةُ الذين شهدوا أمس، فأعذر إلى المدّعى عليه فقال: "لا أعرف أحدًا منهم ولا بيني وبين أحدٍ منهم عداوة". ثم حضر شاهدٌ آخر شهد عليه أنه سمع منه لفظًا فاحشًا بغير العرب مَدْلُولُه سبُّ الباري بما هو أشنع وأبشع ممّا تقدّم، فعِند ذلك أمر به إلى السجن، فسمعه شاهدان يتلو قوله تعالى (١): "قَالَا رَبُّنَا ظَلَمْنَا أنْفُسَنَا وإن لم تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَن مِنَ الخَاسِرِينَ" نطق بها "لتكوننّ" بالتاء المفتوحة المثناة بدل النون. وشهد آخر في صبيحة يوم الأربعاء حادى عشره فشهد أنه سمعه يسبّ القارئ وغالبَ

стр. 1811

المسلمين سبًّا فاحشًا بغير اللّسان العربي، وأنّه يعرف اللغة التي نطق بها، ومدلول الألفاظ السبّ الفاحش، فسُئَل حينئذ القاضي الحكم فيه، فتأمَّل جميع ما قامَتْ به البيّنة، فرأى أنها لا تصدر من صحيح الإيمان، بل مِن غير متمسّكٍ بملّةٍ من الملل، وأنه بذلك يستحّق إراقة دمه، وعدم قبول توبته، فأمر بإراقة دمه هدرًا عالمًا بالخلاف، فلما تكامل ذلك أركبه جملًا وأمر أن يطوف به الشوارع التي كان يُعلِنُ فيها بما تقدَّم ذكره، فلما وصل الرُّمَيْلة أمر السلطانُ بضرب عنقه هناك فضُرِبَتْ. * * * وفي يوم الثلاثاء ثالث عشرى شهر ربيع الآخر تأخّر القاضي كمال الدين كاتب السرّ عن الخدمة، بسبب تغيظ السلطان عليه في يوم الإثنين من أجل امرأة تَظَلّمت مِن وقفٍ عليها بدمشق استُبْدِل في غيبتها، ثم حضرت إلى دمشق بعد مدّةٍ طويلة، فرَفَعت الأمر لأحد نوّاب الحكم فحكم لها باسترجاعه، فأمر السلطان كاتبَ السِّر أن يكتب لها بتسليم الوقف، فتأمّل ما في يدها فوجده لا ينفذ تسليمها ذلك، فتباطأ في كتابة المرسوم، فلما سُئل عن سبب البطء قال: "ليس معها حَقّ" فغضب عليه وانزعج عليه، فنزل وأرسل يستعفى. ثم في يوم الأربعاء (١) خلع عليه جبة، وركب معه جماعة واستمر، وكان ذلك يوم الأربعاء رابع عشرين شهر ربيع الأول سنة ٨٤٤ فاجتمع فيه خمس (٢) أربعاوات والثمانمائة يشتمل على أربع ومائتين، وهى آخر أربعاء في الشهر. وإنما ذكرت ذلك لما فيه من الردّ على ما يتعاني التشاؤم. * * * شهر ربيع الآخر أوله الثلاثاء. في يوم الاثنين السابع منه أعيد القاضي بدرُ الدين العينتابي إلى وظيفة الحسبة عوضًا عن الأمير تنمْ، وركب في جمع كبير، فأظهر العوامّ الفرح به، ونودى من جهته بإبطال ما أحْدِث على الباعة من الجمع وغيرها، فكثر الدعاء له. * * *

стр. 1812

وفى يوم السبت سادس عشرينه وصل رسول (١) ملك المشرق شاه رخ بن اللنك، وكان الخبر بوصوله وصل قبل ذلك، وأنْزِل في بيت جمال الدين الأستادار بين القصرين، وزُيِّن البلد لذلك زينة عامة في جميع الحارات، وبالغوا في ذلك أعظم من زينة المحمل. ثم أحْضِر الرسولُ يوم الاثنين وقرئ الكتاب الواصل صحبته بالقصر الكبير، بمحضر من الأمراء والقضاة والمباشرين. ومُحَصَّله: الجوابُ عن الكتاب الواصل إليه، والسرور به، وقبول الهدية (٢) وتجهيز هديّة صُحبةَ الرسول المذكور، وعُرضَتْ [الهديّة] في القصر على رءوس أربعين من الحمّالة في الأقفاص، ثم أمرهم السلطانُ بعد ذلك برفع الزّينة بعد أنْ كان أشيع أنّها تقيم شهرًا أو أكثر، والسبب في رفعها ما اشتُهر من المفاسد التي تقع في الحوانيت وغيرها في الليل. * * * وفي هذا الشهر نازل إينال [الحسنى] ومعه جَمْع كثير من العربان المدينة، فخرج إليهم أميرها سليمان الذي كان أمير المدينة ومعه جمع قليل، فحصل النصر للفئة القليلة، وقيل كان قصد إينال [الحسنى] نهب المدينة، فخذل وانهزم ورجع سليمان منصورًا. * * * شهر جمادى الأولى: أوله (٣) الثلاثاء بالرؤية، ووافق الشهْرَ القبطى بابه. وفي الثامن منه مات ولدُ الرسول الذي كان بغزّة، وكانت له جنازة حافلة [حَضرَها] كبار الأمراء والمباشرون. وفى ليلة الجمعة قرئت عند قبره ختمة واحتفل السلطان بسبب ذلك، ثم أحضر الرسول الذي بقى وعمل له ضيافةً حافلَة، وخلع عليه خلعةً هائلة وذلك في الثاني عشر منه، وأمر الأمراء أن يضيفوه [فيضيفه] كل يوم واحد بعد واحد، فبدأ الأمير الكبير، ثم وَلدُ السلطان. * * *

стр. 1813

وفى يوم الثلاثاء الثاني والعشرين منه قدم المجاهدون من بحر الفرنج، وكانوا أرسوا عليّ رودس وراسلوا صاحبها بكتاب من السلطان، فجاءهم من أنذرهم أن الفرنج أرادوا أن يُبَيّتوهم، فخرجوا من الساحل فأحاطوا بهم فقاتلوهم إلى الليل، فهبّت ريح شديدة ومطر، فساروا كما هم إلى أن مرُّوا على بعض السواحل فرؤوا في طرفها معصرةَ قصب سكّر فنهبوا مافيها وأسروا مَنْ وجدوه من المزارعين وغيرهم، ورضوا بهذه الغنيمة التافهة، ونجوا بأنفسهم بعد أن قتل منهم نحو الأربعين، وجُرح جماعة، ولم يظفروا بما خرجوا بسببه، والله الإرادة يفعل ما يشاء وينصر من يشاء. * * * وفى هذا الشهر بطوله كان الحرُّ مستمرًا ووافق شهر بابه من أشهر القبط، ولم يُعهَد ذلك حتى كان الحرّ فيه أشد مما كان في توت، وثبت النيل ثباتًا عظيمًا فلم ينقص في طول هذا الشهر سوى نحو الذراع، ثم أخذ في النقص، واستمر الحر في هاتور فلم يكن فيه من أوَّله إلى آخره البرد المعهود إلّا اليسير في أواخره. ودخل كيهك (١). يوم الأحد ثاني رجب والأمر على حاله، إلّا أنه في صبيحته وقع البرد وليس بالشديد، وظهر الزرع، ثم وقع البرد في أوّل يوم من فصل البرْد، وهو عند نزول الشمس القوس واستمرّ، ثم تزايد هبوب الرّيح المريسية، واشتدَّ التأذّى بها، حتى وقع في أوائل طوبة الصقيع، فأفسد كثيرًا من الزرع كالقصب والفول والبرسيم، فلما كان في الرابع عشر من شعبان وهو الثالث عشر من طُوبَه وقع مطر رقيق من طلوع الفجر إلى آخر النهار، فوقع الوحل والزّلق. شهر جمادى الآخر أوله الجمعة. في أوّله شرع النيل في النقص، وشرع الناس في الزّرع. وفى الثاني منه أحضِر شهاب الدين أحمد بن يوسف الكوراني (٢) بمجلس السلطان بحضرة القاضي الحنفي والمحتسب، فعُزّر بالضّرْب تحت رجليه بعد أن كان السلطان أمر أن

стр. 1814

يُضْرَب (١) عريانا فشفع فيه الحنفي، فضرب خمسًا وسبعين عصًا، وأمر بنَفْيه، فأخْرِج في الحال إلى التربة. وكان السبب في ذلك أن شخصًا يقال له حميد الدين بن تاج الدين [النعماني] الفرغاني قدم من دمشق وطلب وظيفة بدمشق، فكتب له السلطان بها فتوجّه إلى دمشق فوقف في طريقة القاضي الحنفي وهو شمس الدين الصفدى، فرجع ساخطًا، فذكر للسلطان أنَّ الحنفيّ وقع في حقّ أمَهات المؤمنين، وقصّ قصةً شنيعة، فبادر الكوارني بالإنكار عليه. وهذا الكوراني كان قدم علينا (٢) منحو عشر سنين طالبَ علم، وهو في غاية القلة والذلة، فقَرأ عليَّ البخاري، ودار على بعض الشيوخ، وقرأ على علاء الدين القلقشندي في الحاوى الصغير، وتردد على كاتب السرّ البارزى فاتّفق حضوُر كِتَابٍ من بلاد العجم فاستقرأه إياه، فأجاد في تعريبه، فقرَّبه إلى السلطان فقرّر له راتبا، وترقيّ بعد ذلك إلى أنْ صار في هذه الدولة عينًا لكاتب السر عند السلطان وصار يجالس السلطان كل يوم من أوَّل النهار إلى قريب الظهر لا ينقطع، وعظم قدرُه في أعين الناس على العادة بالوهم، وثقل في نفس الأمر على السلطان، وهو مطبوع على الاحتمال. ولما أنكر على حميد الدين اتفق حضورهما عند كاتب السرّ فتقاولا في ذلك، فقال له حميدُ الدين: "أنت حمار ما تفهم" فأجابه بأن "الحمار أنت وأبوك وأجدادك وأسلافك" وكان في المجلس جماعة منهم بدر الدين محمود بن عبيد الله، وكان قد سعي في قضاء دمشق عند إينال الجكمي، وغضب السلطان على القضاة الذين وافقوه على الخلاف ومنهم الصَّفدى، فعزل السلطان الشافعي لذلك وَوَلى بهاء الدين بن حجيّ، فطمع ابن عبيد الله أن يُعزل الصفدى فسَعَى في ذلك فوافقوا في قضيتّه، وبالغ فيها الكُوراني المذكور، فبادر حميدُ الدين المذكور بالشكوى إلى السلطان، واستشهد بابن عبيد الله فشهد له بأن الكُورَانى قال له ولم يذكر مابدأ به حميد الدين. وكان تاج الدين - والد هذا - يَدّعى (٣) أنّه من ذرية الإمام أبي حنيفة، وأمْلى لنفسه نسبًا إلى يوسف بن أبي حنيفة، يَعْرف مَنْ له أدنى ممارسة بالأخبار تلفيقه، فكتبه عنه الشيخ تقيّ الدين المقريزي، فطلب السلطان شاهدًا آخر، فأحضروا آخر فلم يشهد بشيء

стр. 1815

فسكنت القضية، وصعَد الكوُراني على عادته، فبالغ في التنصّل فدَارَ حميدُ الدين على أعيان الحنفية فقال لهم: هذا الرجل قد سبّ أبا حنيفة، لأنّه من أسلافي، وهو يعرف أنني من ذرّيته". وكان مرّة استأذن على السلطان فقال له "إن ابن أبي حنيفة بالباب"، إلى غير ذلك، فتعصبوا له، ودار معه ابن عبيد الله فدبّروا أمرهم إلى أن ظهر لهم أن يكيدوه بقاصد ملك الشرق، فاجتمعوا به فوجدوا فقيهه في غاية الحنق من الكُورَاني، لأنه كان اجتمع به أوّل ما قدموا فحصلت له منه إساءة، ثم لمَا أضافهم عنده بدت مَن الكُورَاني في حقه إساءة أخرى، فانتصف هو منه بحضرة السلطان، إدلالًا عليه لكْونه في ضيافته وما استطاع الكوراني أن ينتصف، فانضاق حِقْدُ هذا الفقيه على الكُورَاني إلى ماعنده من شدّة العصبيّة للحنفية، فطّلع إلى السلطان فشنَع على الكُرَاني، وكان فيما قال له: "إن الخبر إذا وصل إلى ملك المشرق - مع شدّة اعتقاده في أبي حنيفة - يتغير خاطره وينسبكم إلى التعصّب على الإمام"، فحرك عنده ساكنًا كامنًا فأمر بطلبه في الحال، وأمر بسجنه في البرج، وأرسل إلى القضاة أن يعقدوا له مجلسًا، فاجتمعوا في صبيحة الثلاثاء الثامن والعشرين من جمادى الأولى، فآل الأمر إلى أن رفعت الدّعوى عليه عند القاضي الحنفي فأمر بنزوله معه إلى منزله، فنزل ماشيًا، فشهد عليه ابن عبيد الله. وانضاف إليه بدر الدين محمود بن حسن البنبي، وهذا من شهود الزور بالقاهرة، وهو ابن أخت القاضي بدر الدين ابن الأمانة، وهو مشهور بالتجوز في شهادة الزور، ولكن كاتب السرّ قرَّبه وأدناه، وسافر به معه إلى دمشق، فحصل به مقاصد كثيرة، وتموَّل هو بجاه كاتب السّر وعاد، فكانت له به في بابه حركات كثيرة، والناس منه في حنق شديد: القضاة ومَن دونهم، فاتفق أنه كان عنده من الكُورَاني [غضب] كمين، فذهب وشهد عليه، فأرسل كاتب السرّ يُعلم الحنفيَّ أن القضاة لا تقبل البنبي. فاتفق حضور بعض الأطباء وهو ابن أخت شمس الدين بن عفيف الذي قتله الأشرف في أواخر عمره، فذكر أنه دخل لكاتب السرّ في ضرورة فسمع الكائنة فشهد بها، فاجتمعوا في يوم السبت المذكور، وكان ما كان. * * * وفيه قدم نائب الشام جلبان، وقَدَّم تقدمة كبيرة مع ثمانين حمَّالًا، وخُلع عليه مرارًا وأعيد إلى بلده على وظيفته، فسار قبله بأيّام قاضي دمشق الحنفي مطلوبًا بسبب ما نقل عنه

стр. 1816

حميد الدين المذكور في كائنة الكُوْرَاني، فإنه نقل عنه أنه سئل عن الحكمة في طواف النبي ﷺ على النساء في ليلة واحدة فأجاب بأنه فعل ذلك ليعفّهنّ عن الزنى، فاستبشع هذا اللفظ، وغضب السلطانُ وأمرَ بإحضاره، فوصل إليه البريدُ فأغرمه مائتي دينار، وتكلّف شيئًا آخر حتى وصل، وشَفَع له نائب الشام وجماعة أن يسلم على السلطان وأمر أن يكتب إلى الشام بكتابة الواقعة، وأنّ كلّ من سَمِعَها يكتب بخطه بما سمع، فامتنع السلطانُ من الأذن له. وصمّم على أن لا يأذن له إلّا إذا عاد الجواب، وظهرت براءةُ ساحته. * * * شهر رجب أوله السبت. في التاسع منه عُقد مجلس بحضور السلطان وادّعى حميد الدين النعماني عَلَى القاضي شمس الدين الصفدي محمد بن علي بن عمر قاضي الحنفية بدمشق أنه قال في مجلس من المجالس: "أنا ما أتقيد بمذهب أبي حنيفة، بل أحكم تارة بمذهب الشافعي وتارة بمذهب أحمد" وأن علماء مذهبه أفتوا بأنّ هذا تلاعُب، وأن الحكم بذلك لا يصح، وأجاب "بأنّني ما أردت إلّا أنْ أتبع مقالة أبي يوسف تارة ومقالة محمد تارة، وغيرهم من علماء المذهب"، فقال المدّعى: "هذا الجواب لا يطابق الدعوى". وانتصَرتُ للصفديِّ فقلتُ: "بل يطابق إذا أراد أنّ الرواية التي عن أبي يوسف موافقة مذهب الشافعي مثلًا، والرواية عن محمد توافق مذهب مالك مثلًا، فلا يلزم من ذلك أن يخرج عن مذهب الحنفية، والقاضي الذي يوليه السلطان في هذه الأزمان على قاعدة من تقدَّمه، ومن تقدَّم كان منهم العالم المُتأهل للترجيح وهذه طريقته، وغيره المقّلد الصرف، والصفديّ المذكور من أهل العلم، فلا ينكر عليه أن يعمل بما رجح عنده"، وكَثُر اللغط إلى أن قال السلطان على طريق التبرّك: "لو ثبت عليه شيء ما كان يجب عليه أكثر من التعزير، وقد عُزّر بإحضاره من دمشق إلى هنا" وانفصل المجلس على ذلك. * * * وفي العشر الأوسط صرح السلطان بعزْل الحمصي عن قضاء دمشق، وعين الونائي

стр. 1817

فتوقف وذكر أنه شرع في تدريس كتاب (١) وسأله المهلة إلى أن يختمه في آخر رمضان، فأجيب ثم طالب إعادة ماخرج من وظائف القاضي الشافعي فأجيب ثم استشعر بأنّ ذلك لايتم فاستعفى وأقام. * * * وأدير المحمل في الثالث عشر من الشهر، وكان حافلًا، وأبْطِل النفّط الذي كان يُعمل بالرُّمَيْلة. * * * رمضان أوله الثلاثاء برؤية عدد قليل ثم كثر من يقول إنه رآه. * * * شهر شوال أوله الخميس. في الرابع عشر منه توجَّه القاضي الشافعي ونائب القلعة وهو تَغرِى بَرْمُش الفقيه إلى الدّير الذي نبه عليه في حوادث شعبان في ترجمة الأزهر، وهو ببساتين الوزير، لما رُفِعَت إلى السلطان قصَّة بأنه أحْدِثَت فيه أبنية مشيدة، فأمرهما بكشفه، وعمَل ما يقتضيه حُكْمُ الشرع، فتوجَّها في جماعة من الناس فإذا فيه طائفة من الحبوش، ووجدوا النصارى قد بالغوا في تحصينه، وجدّدوا أمام الباب حوشًا كبيرًا، دوره بذراع العمل من ثلاث جوانب نحو الستين ذراعًا بالحجر الأبيض واعتَلّوا بأن اللصوص قد تهجموا عليه، فظهرت معذرتهم في التشييد لا في المحدث، فأمروا بإزالته وإبقاء الترميم. وذكر بعض من جاوَرهم أن جاههم انخفض بموت الخزندار، وأنّ قرينه - بعد وفاته - قد تسَحَّب، فلما كان يوم الثلاثاء سابع عشر الشهر المذكور توجهّ نائب الشافعي ونائب القلعة بأمر السلطان، فُهدم الحوش المذكور بحضرتهم، فحضر جْمع من أهل تلك القرية، وأخبروا أن الجدار المستطيل المسامتِ للكنيسة كان للبستان المجاور للكنيسة، وأنّ البستان لما خرب وسقطت جدرانه وقُطعت أشجاره بقى أثر الجدار المذكور، فادّعى النصارى أنه كان جدارًا لحوش يتعلق بالكنيسة، وأقاموا مَن شهد بذلك، فأذن نائب الحنفي بإعادته بنقْصه.

стр. 1818

فجدّدوه كما تقدَّم. ثم ظهر أنه لا استحقاق لهم فهُدِم، وحصَلَ لأهل تلك النّاحية سرور كبير بذلك، فإنّ مَن كانوا به من الحبوش كانوا يستطيلون على مَن فيه وعلى مَن يمرّ به، فانخفضت دولتهم وانحطّت رتبتهم، ولله الحمد. وفي ذي القعدة قدم نائب حَلَب (١)، ولاقاة السلطان بالمطعم، وخَلع عليه، ثم قَدَّم هديّةً هائلةَ، وقدم كاتب السر بها (٢) وكان قدم صحبته تقدمة أيضًا. وفي أواخر ذى الحجة طرق جمع من الفرنج في عدّة مراكب ساحلَ ألطينة (٣) فأخذوا مركبين للتجار بما فيهما وأسروا مَن فيهما ثم طرقوا السّاحل فأحرقوا ما فيه من المراكب ونهبوا ما قدروا عليه. * * * ذكر من مات في سنة أربع وأربعين وثمانمائة من الأعيان ١ - أحمد بن إسماعيل (٤) بن قطب الدين القلقشندى، مات في الثامن من ذي الحجة وكان أكبر من بقى من شهود مودع الحكم، سمع الحديث [من التقى (٥) الدجوى] واشتغل [في النحو على موسى الدَّلاصى]، وكان حسن الكتابة، يتقن المباشرة، وفيه شهامة، وأنجب عدة أولادٍ منهم ولدُه علاء الدين وهو أمثلهم طريقة. [مات وقد] قارب الثمانين (٦). ٢ - أحمد بن أبي بكر بن رسلان بن نصير بن صالح البلقيني المعروف بالعُجَيْمي، قاضي المحلّة الكبرى بالغربيّة، شهاب الدين، مات في يوم الثلاثاء (٧) رابع عشر جمادى الأولى عن أكثر من ثمانين سنة، ثم ذكر لى ولده أوحد الدين محمد أنه وُلد سنة ٦٧ فأكمل سبعًا وسبعين سنة،

стр. 1819

وهو (١) ابن عم الشيخ سراج الدين، وأحد الإخوة الخمسة وأجلهم بهاؤ الدين أبو الفتح رسلان ومات قبل هذا بأكثر من أربعين سنة، واشتغل هذا في أوّل الأمر ثم تشاغل بنيابة الحكم فناب في عدة قُرًى، ثم استقرَّ في نيابة المحلّة. وتقدَّم في الحوادث ما جرى له في أيّام المؤيّد، وعَزْل ابن عمّه القاضي جلال الدين بسبب قيام الناس عليه فعُزل هو أيضًا ثم استمرّ، ثم عاد بعد ذلك وولى مرارًا إلى أن مات. ٣ - أحمد بن عُبَيْد الله الأردبيلي الحنفي، شهاب الدين أحد نوّاب الحكم، مات في ليلة الأربعاء ثالث عشرى رمضان وكان مولده في صفر سنة إحدى وتسعين، واشتغل قليلًا وتعلّم بالتركي، وكان جميل الصورة فقرَّبه كثير من الأمراء وتنقّلَتْ به الأحوال إلى أنْ ولى (٢) نيابة الحكم بالجامع مع قلّة البضاعَة في الفقْه والمصطلح، وحُفِظَتْ عنه عدّة أحكام كثيرة فاسدة، وكان مع ذلك يلازم الجلوس بمسجد بظاهر الخانقاه الشيخونية إلى أن مات بالإسهال الدموى والقولنج والصرع. ٤ - أحمد بن عيسى، القاضي شهاب الدين المعروف بابن عيسى الحنبلي، اشتغل قليلًا وتعانى الشهادة عند الأمراء، وله شهادة في الأحباس، وكان ساكنًا وقورًا متعفّفا، وناب في الحكم مدّة، ومات في يوم الخميس الثالث والعشرين من جمادى الأولى، وأظنّه قارب السبعين. ٥ - أحمد بن نصر الله [بن أحمد (٣)] بن محمد بن عمر بن أحمد قاضي الحنابلة محبّ الدين، أبو يوسف التُّسْتُرى الأصل ثم البغدادي، نزيل القاهرة، وُلِد في (٤) السابع عشر من رجب سنة ٧٦٨ وقرأ على أبيه وغيره، وأخذ عن الكرماني ببغداد البخاري. ورأيْتُ (٥) إجازة من الشيخ شمس الدين محمد بن يوسف بن علي الكرماني له في استدعاءٍ سئل فيه أن يجيز له ولغيره، وقد وصفه بالفضيلة مع صغر السنّ، وتمثّل فيه بقول الشاعر:

стр. 1820

إن الهلال إذا رأيتَ نموه … أيْقَنتَ أن سيصير بدرًا كاملًا وَلَقَّبَه شهابَ الدين، وأجازَ له أن يروى عنه شرح البخاري، والكتب الخمسة، ومشيخة إجازة مُعَيّنة، وذلك في جمادى الآخرة سنة ٧٨٢. وسمع بدمشق من ابن رجب، وابن المحبّ، وبَحَلب من ابن المرحّل، ثم رحل إلى القاهرة، وذلك في سنة ثمانٍ وثمانين، وسمع بحلب ودمشق، ثم قطن القاهرة وقُرر في درْس الحنابلة بالمدرسة الظاهريّة البرقوقية أوّل ما فُتِحَتْ بعد أنْ كان درّس قبله فيها لأهل الحديث الشيخ زاده العجمي، وكان يحفظ قطعة كبيرة من البخاري ويسردها مع فنون كثيرة. وكان صاهر الأقصرائي، وأنجب ولده الشيخ محب الدين إمام السلطان الان، ولازم الشيخُ محبّ الدين الشيخين سراج الدين بن الملقّن، وسراج الدين البُلقيني، وسمع العزّ أبا اليمن بن الكُوَيك وغيره ولم يمعن، والعجب أنه لم يلازم حافظ الدنيا في وقته شيخنًا العراقي، وهو المشار إليه في علم الحديث، مع دعواه أنه محدّث. وكان يدرس منظومته الألفية. ثم ناب في الحكم مدة، ثم وليه استقلالًا مرّتين: الأولى بعد موت علاء الدين الحموي، وقد تقدَّم بيانُ ذلك في الحوادث مفصّلًا. وكانت وفاته بعلّة القُولَنْج وكان يعتريه به أحيانًا ويرتفع، وفى هذه العلّة استمر أكثر من ستّين يومًا إلى أن مات بعد طلوع الفجر صبيحة يوم الأربعاء النصف من جمادى الأولى (١)، وقد أقام في الولاية الثانية ثلاث عشرة سنة. ومن الاتفاقات أنني كنتُ أنظر في ليلة الأحد - ثاني عشر جمادى الأولى - في دُمْيَةِ القصر للبَاخَرزِي، فمررْت في ترجمة المظفّر بن علي أن له هذه الأبيات يرثى بها:

стр. 1821

بَلَاني الزمَانُ ولا ذَنْبَ لي … بَلَى إنّ بلواهُ للأنْبَل وأعْظمُ ما سَاءني صَرْفُهُ … وَفاةُ أبي يُوسُفَ الحَنْبَليِ سِرَاجُ العُلُومِ ولكْن خبا … وثَوْبُ الجمال ولكِنْ بَلى وقد التزم فيها النّون ثم الباء قبل اللّام، فتعجَّبْتُ من ذلك، ووقع في نفسى أنّه يموت بعد ثلاثة أيَّام بعدد الأبيات، فكان كذلك. ومات بعد أن صلّى الصبح بالإيماء، فأكمل ثمانيًا وسبعين سنة وعشرة أشهر إلّا يومين، واستقر ولدُه (١) يوسف بعده في تدريس المنصورية والظاهريّة (٢). ٦ - أحمد (٣) بن الحسين بن الحسن بن علي بن أرسلان، العلّامة الزاهد شهاب الدين الرَملي، عُرف بابن رسلان الشافعي، نزيل القدس، ولُد سنة ثمان أو سبْع (٤) وسبعين وسبعمائة، كذا كتبه بخطه. وسمع على ابن العلائي واشتغل وحصّل وتميّز ومهر، واجتهد في العبادة حتى صار المشارَ إليه بالزّهد في تلك البلاد، وعادت على الناس بركته. وله مؤلفات منها: شرح السّنن لأبي داود وأحمد، اعتمد فيه على حاشية المنذري وغيرها، وله نظم، وحدّث ودرّس وأفاد، ومات في يوم الاثنين ثانى عشرى شعبان ببيت المقدس، ومن نظْمه في المواطن التي لا يحبّ فيها ردّ السّلام:

стр. 1822

ردّ السَّلام واجب إلّا عَلى … مَنْ في الصلاة أو بِأكْلٍ شُغِلَا أو شربٍ أو قراءةٍ أو أدْعيه … أو ذكر أو في خطبة أو تلبيَه أو في قضاء حاجةٍ الإنْسانِ … أو في إقامةٍ أو الأذانِ أو سلم الطفل أو السكرانْ … أو شابَّة: يُخْشَى بها افتتانْ أو فاسق، ناعس، أو نائم … أو حالة الجماع أو محالم (١) أوْ كان في الحام أو مجنونًا … هي اثنتان بعدها عشرونًا ٧ - أبو بكر بن سليمان بن إسماعيل (٢) سبط ابن العجمي المعروف بابن الأشقر: شرف الدين، مات في يوم الأربعاء التاسع (٣) من رمضان ودُفن من الغد، وكان مولدهُ بحلب سنة ٧٧٧ وتعاني صناعة التوقيع فمهر فيها وقدم القاهرة سنة سبع وثمانمائة فقرّره جمال الدين الأستادار (٤) في توقيع الدست فباشره إلى أن مات، وكان استقرَّ موقّعًا كبيرًا وحصّل عدة جهات في طول المدة منها مشيخاتٌ بعدّة خانكات وتداريس وأنظار، وأنجب ولده معين الدين عبد اللطيف (٥). وقد وَلى شرف الدين نيابةَ كتابة السّر في دولة الأشرف واستمر، ثم ولى كتابة السّر بحلب في حياة الأشرف واستمرّ بعده، ووليها ولده المذكور، وكان شرفُ الدين حسنَ الملتقى، بشوشَ الوجْه، كثير السكون، قليلَ الكلام والشّر، محبّبًا إلى كثير من الناس. وإنّما قيل لهُ ابن العجميٌ لأنّ أمه بنت (٦). ٨ - جوهر القَنْقُبَائي (٧) الطواشي الحبشي الخزندار والزمّام بالباب السلطاني، وكان من عبيد الأمير قنْقُباى الجركسي، ثم تنقلت به الأحوال بعده إلى أن خدم عند علم الدين بن الكُوَيز.

стр. 1823

فسار عنده سيرةً حسنة، لأنّه كان يحبّ أهل القرآن، ويدرس فيه، ويقرّب أهله ويتديّن، ويتعففّ، فعظم قدرُهُ بذلك عند أستاذه إلى أن مات، فلما مات خمل قليلًا. ثم اتّصل بالملك الأشرف بواسطة جَوْهَر اللّالا الذي تقدم (١) ذكر وفاته سنة ٤٢ فاستخدمه في باب السلطان، وقرّبه منه، فأنس به لما فيه من العقل والسّكون والتدبير، فلمّا مات الزمّامٍ قرّر في وظيفة (٢) خشقدم الذي كان خزندارًا وباشر مباشرةً حسنة، وتقرّب من الناس جدًّا وتزاحموا على بابه، وصار يقضى حاجة من ينتمى إليه، فاشتهر بذلك فهرعوا إليه، ثم تقرَب إلى السلطان بتحصيل الأموال من وجوهٍ أكثرها لا يَحِلّ، فكان يغريه ويتبرّأ، عند الناس من ذلك، ويظهر الإنكار سرًّا. وهو السبب الأعظم في إطلاق أموال التجار، ورخص بضائعهم، وغلبة الفرنج لهم، حتّى صار التاجر يغيب السنة فما فوقها ويحضر فلا يستطيع أن يبيع حملًا واحدًا من بضاعته، ولا يجد مَن يشتريه، ويستدين نفقته على نفسه وعياله، وعنده ما يساوى عشرة آلاف دينار، فبقوا على هذا البلاء بقية مدة الأشرف نحو العشر سنين، ثم بتادى الحالُ على ذلك بعده. وأضيفت إليه بعد الأشرف وظيفة الزّمّام (٣) فإن جوهر الزمّام قُبض عليه بعد خلع العزيز قُررّ عوضه فَيْزُور الجركسى، فلما غضب عليه السلطان بسبب هرب العزيز قُرِرّ هذا في وظيفة الزّمام مضافةً إلى الخزندارية فجمع الوظيفتين ولكنه لم يتمكّن مِمَّا كان يفعله أيّام الأشرف، وصار في دولة الظاهر خائفًا يترقّب ويتوقّع الإيقاع لكن زوج (٤) السلطان كانت اتّصلت به بعد ابن الكويز، فلما سكنت القلعة وعزل فيروز ساعدت جوهر هذا ووصفّت للسلطان سيرته فقرّره مع أنّه كان يعرف ما كان يعامل به الناس في أيام الأشرف، وهو أحد من كان ينكر سيرته ومع ذلك أغْضَى عنه إلى أن حصل له في موضع مُبَاله دُمَّل فآلمه وحبس عنه الإراقة، ثم فُتح فتألّم منه شديدًا لكنّه استراح بفتْحه من الألم، ثم دمى في موضع آخر فأقام بذلك نحو الشهرين، واشتدّ به الأمر في العُشْر الأوسط من رجب فأرجف بموته، وكانت وفاته في ليلة الاثنين (٥) أوّل شعبان آخر يوم من كيهك، وقد جاوز السبعين.

стр. 1824

وأنشأ دارًا بدرْب الأتراك بالقرب من جامع الأزهر، وكان في أواخر عُمْرِه أخذ أماكن عند باب السّر من الجهة القبلية - من جامع الأزهر - وعمّرها مدرسة، فلمّا قرب فراغُها مات فدُفِن بها. ويقال إنّه كان له قَريب من الحبوش، فأسكنه في دير عند بساتين الوزير فعمَّره، وصار هو ومن معه يتظاهرون بما لا يتظاهر به غيرهم بجاهه، والله أعلم بسريرته. ومن عجائبه أنّ وليّ الدين بن قاسم كان قد ولى قضاء دمياط في دولة الأشرف بعد موت ابن مكنون، وكان يستنيب فيه من يرتشي منه المال الجزيل ويقرّر عليه كل شهر مقدارًا جيّدًا وكان جوهر يطّلع على ذلك لأنّه كان صديقه، فلما سافر ابن القاسم للمجاورة بمكة نزل عن قضاء دمياط للقاضي كمال الدين البارزي فباشرها إلى أن خرج إلى قضاء دمشق، فسأله جَوْهَرُ أن ينزل له عن قضاء دمياط، فنزل له عنه. فجرى على عادة ابن قاسم وانضاف إلى ذلك أنّه كان يستأجر من الأوقاف بالنزر اليسير ما يحصّل منه في السنة أموالًا كثيرةً، ورأيتْه إذا عَزَل نائبًا وقرّر آخر يكتب بخطّه "الداعى جوهر الحنفي "وكذلك إذا سُئِل في مرسومٍ أو كتاب توصيةٍ بأحَد. وتوسَّع في تحصيل الإقطاعات والإرْصادات إلى أن قيل إنه وُجِد باسمه بعد موته خمسون ما بين رِزق وإقطاع ومستأجراتٍ، وكان يستأجر القرية بخمسين دينارًا، وهي تغلّ قدر المائة أو أزيد، ويصرف أجرتها على حساب صَرْف الدينار بأحد عشر ورُبعٍ درهم وزْنًا، وهو يساوي حينئذ أربعة عشر درهمًا ورُبع درهم، ثم يبيع عليهم بذلك عسلًا يقيِّمه عليهم بثلاثين درهمًا، وهو يساوي عشرين ونحوها، فلا يتحصّل لهم من الجهة نحو العشرين. وقِسْ على ذلك، ومن خافه في شيء ممّا يرومه لا يأمن على نفسه ولا ماله، وفي بعض الأحيان يمتنع من صرْفٍ الأجرة أصلًا ويقول: "إن كانت الأرض مصرية شرقت" مع أنه ربمّا كان استأجرها مقيلًا ومراحًا، "وإن كانت شامية كانت مَحْلًا"، ويواظب مع ذلك على الصّلاة والتلاوة، ويقرّب أهل القرآن، ويتصدّق في فقهاء الحرمين بجُمل مَن المال. ٩ - حسن بن عبد الله بن تَقِى القباني، بدر الدين، كان مشهورًا بِجَدِّه (١) مات في خامس عشري شوال عن سنّ عالية تقْرُب من التسعين، وكان في بدايته قد اشتغل وتعانى

стр. 1825

القراءات فأتقن السّبع، وصاهر الشيخَ شمسَ الدين بنَ الصّائغ على ابنته، وهي خالةُ الشيخ تقى الدين المقريزي. ذكر لنا الشيخ تقيّ الدين أنه كان شابًا وبدر الدين هذا رجلًا، وتعلم الوزن بالقبّان فاستمرّ. وكان خبيرًا كثير التأنّي، وكان يؤمّ بنا في رمضان بالمنكوتمرية (١) وكان إمام التراويح بالمدرسة المذكورة. ١٠ - عبد الله (٢) بن سعد الدين بن التاج موسى القبطي أمين الدين، كان أبوه وَلى نظر الخاصّ في أيام الملك الظاهر برقوق مدة وباشرها، وباشر هذا في غيبته الوظيفية، وكان شابًا جميل الصورة وتولّع بالأدب، ثم امتُحِن في أيام جمال الدين الأستادار فسلك طريق المجون، وصار ينادم الأكابر من الأمراء والمباشرين، وحصّل بسبب ذلك أموالًا، وكثرت مرتّباته وجهاته، وصار يُكثر الحجّ، ثم حصل له في رِجْلَيْه بلغم إلى أن أقْعِد فصار يُحمل على الأيدى، وكان يُتَّهمَ بمحبّة العبيد السّود، وله في ذلك ماجريات وسخف كثير. وكان طلق الوجْه كثير البشاشة والنّوادر. مات في الثاني (٣) من جمادى الآخرة وعاش بضعًا (٤) وستين سنة. ١١ - عبد الرحمن بن حسن بن سويد المصري، وجيه الدين بن بدر الدين، أحُد نوّاب الحكم المالكيّة، وكان أبوه زَوّجه بنت (٥) القاضي فخر الدين القاياتي وهو صغير، وتزوج أبوه أختها، ثم مات القاضي [القاياتي] فاحتاط أبوه [حسنٍ بن سويد] على تركتِه
следующие страницы →