بَلَاني الزمَانُ ولا ذَنْبَ لي … بَلَى إنّ بلواهُ للأنْبَل
وأعْظمُ ما سَاءني صَرْفُهُ … وَفاةُ أبي يُوسُفَ الحَنْبَليِ
سِرَاجُ العُلُومِ ولكْن خبا … وثَوْبُ الجمال ولكِنْ بَلى
وقد التزم فيها النّون ثم الباء قبل اللّام، فتعجَّبْتُ من ذلك، ووقع في نفسى أنّه يموت بعد ثلاثة أيَّام بعدد الأبيات، فكان كذلك.
ومات بعد أن صلّى الصبح بالإيماء، فأكمل ثمانيًا وسبعين سنة وعشرة أشهر إلّا يومين، واستقر ولدُه (١) يوسف بعده في تدريس المنصورية والظاهريّة (٢).
٦ - أحمد (٣) بن الحسين بن الحسن بن علي بن أرسلان، العلّامة الزاهد شهاب الدين الرَملي، عُرف بابن رسلان الشافعي، نزيل القدس، ولُد سنة ثمان أو سبْع (٤) وسبعين وسبعمائة، كذا كتبه بخطه.
وسمع على ابن العلائي واشتغل وحصّل وتميّز ومهر، واجتهد في العبادة حتى صار المشارَ إليه بالزّهد في تلك البلاد، وعادت على الناس بركته.
وله مؤلفات منها: شرح السّنن لأبي داود وأحمد، اعتمد فيه على حاشية المنذري وغيرها، وله نظم، وحدّث ودرّس وأفاد، ومات في يوم الاثنين ثانى عشرى شعبان ببيت المقدس، ومن نظْمه في المواطن التي لا يحبّ فيها ردّ السّلام:
стр. 1822
ردّ السَّلام واجب إلّا عَلى … مَنْ في الصلاة أو بِأكْلٍ شُغِلَا
أو شربٍ أو قراءةٍ أو أدْعيه … أو ذكر أو في خطبة أو تلبيَه
أو في قضاء حاجةٍ الإنْسانِ … أو في إقامةٍ أو الأذانِ
أو سلم الطفل أو السكرانْ … أو شابَّة: يُخْشَى بها افتتانْ
أو فاسق، ناعس، أو نائم … أو حالة الجماع أو محالم (١)
أوْ كان في الحام أو مجنونًا … هي اثنتان بعدها عشرونًا
٧ - أبو بكر بن سليمان بن إسماعيل (٢) سبط ابن العجمي المعروف بابن الأشقر: شرف الدين، مات في يوم الأربعاء التاسع (٣) من رمضان ودُفن من الغد، وكان مولدهُ بحلب سنة ٧٧٧ وتعاني صناعة التوقيع فمهر فيها وقدم القاهرة سنة سبع وثمانمائة فقرّره جمال الدين الأستادار (٤) في توقيع الدست فباشره إلى أن مات، وكان استقرَّ موقّعًا كبيرًا وحصّل عدة جهات في طول المدة منها مشيخاتٌ بعدّة خانكات وتداريس وأنظار، وأنجب ولده معين الدين عبد اللطيف (٥).
وقد وَلى شرف الدين نيابةَ كتابة السّر في دولة الأشرف واستمر، ثم ولى كتابة السّر بحلب في حياة الأشرف واستمرّ بعده، ووليها ولده المذكور، وكان شرفُ الدين حسنَ الملتقى، بشوشَ الوجْه، كثير السكون، قليلَ الكلام والشّر، محبّبًا إلى كثير من الناس. وإنّما قيل لهُ ابن العجميٌ لأنّ أمه بنت (٦).
٨ - جوهر القَنْقُبَائي (٧) الطواشي الحبشي الخزندار والزمّام بالباب السلطاني، وكان من عبيد الأمير قنْقُباى الجركسي، ثم تنقلت به الأحوال بعده إلى أن خدم عند علم الدين بن الكُوَيز.
стр. 1823
فسار عنده سيرةً حسنة، لأنّه كان يحبّ أهل القرآن، ويدرس فيه، ويقرّب أهله ويتديّن، ويتعففّ، فعظم قدرُهُ بذلك عند أستاذه إلى أن مات، فلما مات خمل قليلًا.
ثم اتّصل بالملك الأشرف بواسطة جَوْهَر اللّالا الذي تقدم (١) ذكر وفاته سنة ٤٢ فاستخدمه في باب السلطان، وقرّبه منه، فأنس به لما فيه من العقل والسّكون والتدبير، فلمّا مات الزمّامٍ قرّر في وظيفة (٢) خشقدم الذي كان خزندارًا وباشر مباشرةً حسنة، وتقرّب من الناس جدًّا وتزاحموا على بابه، وصار يقضى حاجة من ينتمى إليه، فاشتهر بذلك فهرعوا إليه، ثم تقرَب إلى السلطان بتحصيل الأموال من وجوهٍ أكثرها لا يَحِلّ، فكان يغريه ويتبرّأ، عند الناس من ذلك، ويظهر الإنكار سرًّا. وهو السبب الأعظم في إطلاق أموال التجار، ورخص بضائعهم، وغلبة الفرنج لهم، حتّى صار التاجر يغيب السنة فما فوقها ويحضر فلا يستطيع أن يبيع حملًا واحدًا من بضاعته، ولا يجد مَن يشتريه، ويستدين نفقته على نفسه وعياله، وعنده ما يساوى عشرة آلاف دينار، فبقوا على هذا البلاء بقية مدة الأشرف نحو العشر سنين، ثم بتادى الحالُ على ذلك بعده.
وأضيفت إليه بعد الأشرف وظيفة الزّمّام (٣) فإن جوهر الزمّام قُبض عليه بعد خلع العزيز قُررّ عوضه فَيْزُور الجركسى، فلما غضب عليه السلطان بسبب هرب العزيز قُرِرّ هذا في وظيفة الزّمام مضافةً إلى الخزندارية فجمع الوظيفتين ولكنه لم يتمكّن مِمَّا كان يفعله أيّام الأشرف، وصار في دولة الظاهر خائفًا يترقّب ويتوقّع الإيقاع لكن زوج (٤) السلطان كانت اتّصلت به بعد ابن الكويز، فلما سكنت القلعة وعزل فيروز ساعدت جوهر هذا ووصفّت للسلطان سيرته فقرّره مع أنّه كان يعرف ما كان يعامل به الناس في أيام الأشرف، وهو أحد من كان ينكر سيرته ومع ذلك أغْضَى عنه إلى أن حصل له في موضع مُبَاله دُمَّل فآلمه وحبس عنه الإراقة، ثم فُتح فتألّم منه شديدًا لكنّه استراح بفتْحه من الألم، ثم دمى في موضع آخر فأقام بذلك نحو الشهرين، واشتدّ به الأمر في العُشْر الأوسط من رجب فأرجف بموته، وكانت وفاته في ليلة الاثنين (٥) أوّل شعبان آخر يوم من كيهك، وقد جاوز السبعين.
стр. 1824
وأنشأ دارًا بدرْب الأتراك بالقرب من جامع الأزهر، وكان في أواخر عُمْرِه أخذ أماكن عند باب السّر من الجهة القبلية - من جامع الأزهر - وعمّرها مدرسة، فلمّا قرب فراغُها مات فدُفِن بها.
ويقال إنّه كان له قَريب من الحبوش، فأسكنه في دير عند بساتين الوزير فعمَّره، وصار هو ومن معه يتظاهرون بما لا يتظاهر به غيرهم بجاهه، والله أعلم بسريرته.
ومن عجائبه أنّ وليّ الدين بن قاسم كان قد ولى قضاء دمياط في دولة الأشرف بعد موت ابن مكنون، وكان يستنيب فيه من يرتشي منه المال الجزيل ويقرّر عليه كل شهر مقدارًا جيّدًا وكان جوهر يطّلع على ذلك لأنّه كان صديقه، فلما سافر ابن القاسم للمجاورة بمكة نزل عن قضاء دمياط للقاضي كمال الدين البارزي فباشرها إلى أن خرج إلى قضاء دمشق، فسأله جَوْهَرُ أن ينزل له عن قضاء دمياط، فنزل له عنه. فجرى على عادة ابن قاسم وانضاف إلى ذلك أنّه كان يستأجر من الأوقاف بالنزر اليسير ما يحصّل منه في السنة أموالًا كثيرةً، ورأيتْه إذا عَزَل نائبًا وقرّر آخر يكتب بخطّه "الداعى جوهر الحنفي "وكذلك إذا سُئِل في مرسومٍ أو كتاب توصيةٍ بأحَد.
وتوسَّع في تحصيل الإقطاعات والإرْصادات إلى أن قيل إنه وُجِد باسمه بعد موته خمسون ما بين رِزق وإقطاع ومستأجراتٍ، وكان يستأجر القرية بخمسين دينارًا، وهي تغلّ قدر المائة أو أزيد، ويصرف أجرتها على حساب صَرْف الدينار بأحد عشر ورُبعٍ درهم وزْنًا، وهو يساوي حينئذ أربعة عشر درهمًا ورُبع درهم، ثم يبيع عليهم بذلك عسلًا يقيِّمه عليهم بثلاثين درهمًا، وهو يساوي عشرين ونحوها، فلا يتحصّل لهم من الجهة نحو العشرين. وقِسْ على ذلك، ومن خافه في شيء ممّا يرومه لا يأمن على نفسه ولا ماله، وفي بعض الأحيان يمتنع من صرْفٍ الأجرة أصلًا ويقول: "إن كانت الأرض مصرية شرقت" مع أنه ربمّا كان استأجرها مقيلًا ومراحًا، "وإن كانت شامية كانت مَحْلًا"، ويواظب مع ذلك على الصّلاة والتلاوة، ويقرّب أهل القرآن، ويتصدّق في فقهاء الحرمين بجُمل مَن المال.
٩ - حسن بن عبد الله بن تَقِى القباني، بدر الدين، كان مشهورًا بِجَدِّه (١) مات في خامس عشري شوال عن سنّ عالية تقْرُب من التسعين، وكان في بدايته قد اشتغل وتعانى
стр. 1825
القراءات فأتقن السّبع، وصاهر الشيخَ شمسَ الدين بنَ الصّائغ على ابنته، وهي خالةُ الشيخ تقى الدين المقريزي.
ذكر لنا الشيخ تقيّ الدين أنه كان شابًا وبدر الدين هذا رجلًا، وتعلم الوزن بالقبّان فاستمرّ.
وكان خبيرًا كثير التأنّي، وكان يؤمّ بنا في رمضان بالمنكوتمرية (١) وكان إمام التراويح بالمدرسة المذكورة.
١٠ - عبد الله (٢) بن سعد الدين بن التاج موسى القبطي أمين الدين، كان أبوه وَلى نظر الخاصّ في أيام الملك الظاهر برقوق مدة وباشرها، وباشر هذا في غيبته الوظيفية، وكان شابًا جميل الصورة وتولّع بالأدب، ثم امتُحِن في أيام جمال الدين الأستادار فسلك طريق المجون، وصار ينادم الأكابر من الأمراء والمباشرين، وحصّل بسبب ذلك أموالًا، وكثرت مرتّباته وجهاته، وصار يُكثر الحجّ، ثم حصل له في رِجْلَيْه بلغم إلى أن أقْعِد فصار يُحمل على الأيدى، وكان يُتَّهمَ بمحبّة العبيد السّود، وله في ذلك ماجريات وسخف كثير.
وكان طلق الوجْه كثير البشاشة والنّوادر. مات في الثاني (٣) من جمادى الآخرة وعاش بضعًا (٤) وستين سنة.
١١ - عبد الرحمن بن حسن بن سويد المصري، وجيه الدين بن بدر الدين، أحُد نوّاب الحكم المالكيّة، وكان أبوه زَوّجه بنت (٥) القاضي فخر الدين القاياتي وهو صغير، وتزوج أبوه أختها، ثم مات القاضي [القاياتي] فاحتاط أبوه [حسنٍ بن سويد] على تركتِه
стр. 1826
بطريقة الإيصاء والتحدّث، وخلص لهم الدار العظمى بشاطئ النيل، وكان هذا حسن الصورة، ودخل مع والده اليمن وهو صغير سنة ثمانمائة، ثم صار يسافر به معه ويقّربه أكثر من أخيه الأكبر محمد الذي تقدم ذِكْرُ موته، واشتغل هذا قليلًا وصار أنْبه مِن أخيه مع بأو زائدٍ فيهما، ليس له سبب الّا دناءة أصل جدّهما [سويد] والد بدر الدين، وكان بدر الدين في غاية الاتضاع، لكنه حصّل له مال طائل، فصار إلى ولديه، فعظمت أنفسهما وانتسبا إلى كنانة، فقال له بعض المصرييّن: لعلّ أصلهما من منية (١) كنانة بالقليوبية، فإن أكثر أهلها نصارى، وكان القائل يعتمد على قول الشيخ شمس الدين الغماري (٢) أنه رآى سويدًا وهو بالعمامة الزرقاء يبيع الفراريج في القفص على رأسه، والعِلم عند الله.
ورَأس وجيه الدين بعْد أبيه، وصار بمصر المشارَ إليه، ولازم يشبك (٣) الأعرج الأميرَ الكبير في دولة الأشرف، فكان يتقوَّى به في أموره، ثم لازم جوهرًا الخزندار الأشرفي، فعَظُم أمرُه وتقوَّى به في أمور كثيرة.
وكان ابتداء ضعفه في الأول ربيع، فانتقل من مرض إلى مرض إلى أنْ غلب عليه الزَحير (٤) ثم حَبْسُ الإراقة، فلما قوى الأمر اشتدَّ به، ثم انحلّت قواه إلى أن مات في ليلة السادس من شعبان، وصُلّى عليه بجامع عمرو، وتقدَّم في الصلاة عليه القاضي المالكي.
وفي ساعة دَفنه حضر مَن خَتَم على حواصله بمنزله وغيره من جهة السّلطان، لأنّ بعض أتباع الخزندار رافَع فيه على ما قيل، ثم أطلق وَلَده، وفُكَّ الختم عن منزله صبيحة ذلك اليوم (٥).
стр. 1827
١٢ - على بن الحسن بن علي بن حسن بن حسين بن صالح، الشيخ نور الدين التلواني، مات في آخر يوم الخميس (١) ثالث عشرين من ذى القعدة، وبيده يومئذ تدريس الصّلاحية بجوار قبّة الشافعي، ومشيخة الربّاط بالبيبرسيّة (٢). وكان أهله من بلاد المغرب، وسكن جَرَوان (٣) من قرى المنوفيّة، فولد له هذا بعد سنة ستّين وسبعمائة فنشأ بها، ثم انتقل إلى تِلْوانة (٤) فعرف بالنسبة إليها، وقدم القاهرة في طلب العلم ولازم البُلقيني حتى أذن له بالتدريس والفتوى وتصدّى لذلك قديمًا في حياة مشايخه فأخذ عنه جماعة.
اشتغل قديمًا ومارس العربية، وكان جهوري الصوت، مشهور الصِّيت، قليل التحقيق، كثير الدّعوى، حسن البشر، صحيح البنية قويًّا، دَيّنًا خيّرًا مُكْرِمًا للطلبة بحيث كان الفيوّمي يسميه وزير الطلبة، وقد سمع الكثير من شيوخنا كابن أبي المجد والشّامى وأنظارهما، وحدّث وأسمع البخاري مدة بالجامع الأزهر، ودرّس بعدّة أماكن. [مات وقد] ناهز الثمانين أو جاوزها.
١٣ - على المالكي، الشيخ نور الدين التفهني، كان حسن السمت، سليم الفطرة، خطب بالجامع الأزهر مدةً نيابةً عنّى واغتبطوا به. مات في سادس عشر من ذي الحجة.
стр. 1828
١٤ - قاسم البشتكي، مات في (١) أول شهر رجب بأرض يُبْنَي من عمل غزة، وكان له فيها أرض خراجية فأقام بها، وكانت له وجاهة، وتزوّج بنت الملك الأشرف شعبان قديمًا، ورأس وكان يحبّ أهْلَ العلم ويقرّبهم، واشتغل، ثم حصلت له حظوة في دولة الملك المؤيد، وولى نظر الجوالى فباشرها بحرمة وشهامة، ثم حطّ عليه كاتب السّر ناصر الدين بن البارزي، وكانت عنده وسوسة وخفّة، ثم غضب عليه المؤيّد وضربه، ثم من بعده تنقلّت به الأحوال، ولم يَحْظَ في دولة الأشرف بطائل، وركبه الدين فتوجّه إلى أرْضه المذكورة، ورافقنا في السفر إلى حلب، ثم إلى ألبيرة، ثم رجع معنا إلى حلب بإذن من الأشرف، وذلك آخر عهدى به إلى أن مات غريبًا وقد جاوز السّتين.
стр. 1829
١٥ - قجق (١) الجركسي، نائب القلعة، وكان من الخيار، مات مبطونًا في يوم السبت سلخ جمادى الآخرة، واستقرَّ بعده صاحبنا تَغْرى بَرْمُش الفقيه المحّدث الفاضل.
١٦ - محمد بن إبراهيم بن عبد الرحيم الحريري، صلاح الدين المشهور بابن مطيع، مولده (٢) سنة ٧٦٢، ومات (٣) في ليلة السبت بعد أذان المغرب ثاني عشر ربيع الآخر، فأكمل الثمانين وزاد عليها وكان أبوه حريريًا فمات وهو صغير فتزوج شهاب الدين بنُ مطيع أمَّه فنُسِبَ [ابنها محمد] إليه واشتهر به (٤) وترك صناعية أبيه (٥) بعد أن كان أتْقَنها، وتنزَّل في المدارس، ولازم حلقات أهل العلم، وسمع من صلاح الدين البلبيسي، ونجم الدين بن رزين، وابن حديدة، وابن الشيخة، وابن الملقّن، والسويدائي، وسمع معنا من بعض شيوخنا، وكان يذكر أنه سمع من (٦) الزيتاوي ببيت المقدس، ولم يكن له ثَبْت بذلك، ولا وُجِد اسمُه في الطّابق التي فيها أسماء مَن أخذ عن الزيْتَاوي، وكان لطيف العشرة وهو أحد الصوفية بخانقاه السلطان صلاح الدين المعروفة بسعيد السّعداء، وقد أصابه (٧) فالج من نحو خمس سنين أو أكثر، ودام به نحو العام ثم عوفى منه، ثم تعاودته الأمراض إلى أن مات بإسهال أصابه في آخر عِلّته.
١٧ - محمد (٨) بن أبي بكر بن أيْدُغْدِي بن عبد الله، الإمام شمس الدين بن الإمام سيف
стр. 1830
الدين الشمسي المصري الشهير بابن الجندى الحنفي، وُلد [تقريبًا (١) سنة خمس وستين وسبعمائة] وحفظ القرآن وسمع على النجم بن رزين صحيح البخاري بتمامه، وكذا المجلس الأوّل على الزين العراقي، وعلى الصلاح البلبيسي صحيح مسلم، وعلى الحلّاوي السّنن لابن ماجة، وحضر مجلس الختم للجوهري، وعلَى السويداوي الشمائل للترمذي، وعلَى الشمس الحريري - إمام الصرغتمشية - السُّنن الصُّغرى للنّسائي، والموطأ برواية محمد بن الحسن، والآثار له، وعلى التقيّ بن حاتم الشفا بفوت، والشرف بن الكويك مسندَ أبي حنيفة للحارثي وغير ذلك.
واشتغل ودأب إلى أن فاق على أقرانه، وصار من أنجب أبناء زمانه، وتفقّه على جماعةٍ من علماء عصره، وتصدّى للإقراء والإفادة، وأخذ عنه الشيخ شرف الدين السبكي علم العربية وجماعة من الفضلاء، وحدّث باليسير. وكان رجلًا خيرًا متعففًا، وحصَل في سمعه ثُقْل، وقرّره الأشرف بَرْسْبَاى خازن الكتب بمدرسته (٢) التي أنشأها بالمصنع بالقرب من قلعة الجبل. ومات يوم الخميس أوّل المحرّم.
١٨ - محمد بن أحمد بن محمد بن التَّنَسى القاضي شمس الدين بن قاضي القضاة ناصر الدين، مولدهُ سنةَ سبع وسبعين أو سنة ثمان، ونشأ في حِجْر السعادة (٣)، واشتغل وتقدّم وكان لطيفَ المزاج مع شراسة خلق، وناب في الحكْم مدةَّ طويلة، وحَكم في بعض المجالس مدّة، وكان قد أتلف ما خلّفه له أبوه وفسدت حاله، ثم صلحت قليلًا، وعُيِّن لقضاء المالكّية بالشام فلم يتم ذلك، ولما استقرّ أخوه في القضاء استنابه، فأظهر بعد قليل عدمَ القبول، وتوجّه مع الرجبية إلى مكّة، فأقام بها إلى أن قدم مع الحاج في أوّل السنة، وقد أصابة ذرب فطالَ به إلى أن مات في يوم السبت ١٢ ربيع الآخر، وكان الجمع في جنازته متوفّرًا.
١٩ - محمد بن عمار بن محمد بن أحمد المالكي، الشيخ الإمام العالم العلّامة شمس الدين،
стр. 1831
وُلد في حدود الستين (١)، واشتغل قديمًا، ولقى المشايخ وسمع من كثير من شيوخنا، وقرأ بنفسه ولم يُكْثِر، وسمع معى بالقاهرة والإسكندرية، وكان صاحب فنون، وقد جمع مجاميع كثيرة، وشرح العمدة، وكتب على التّسهيل، واختصر كثيرًا من الكتب المطوّلة، وسكن مصر بجوار جامع عمرو بن العاص مُدَّة، وانتفع به المصريون، وسكن بتربة الشيخ عبد (٢) الله الجبرتي بالقرافة مدة.
وكان حسن المحاضرة محبًّا في الصالحين، حسن المعتقد، وكان لمّا ولى تدريس المسلمية بمصر في سنة ثلاث وثمانمائة - بعد موت شمس الدين بن مكين - نوزع فيه بأن شرط الواقف أن يكون المدرّس في حدود الأربعين فأثبت محضرًا بأن سِنَّه إذ ذاك خمس وأربعون سنة. فعلى هذا يكون مولده سنة ٧٥٨، ومات ليلة السبت الرابع عشر من ذى الحجة فيكون أكمل ستًا وثمانين سنة، وقد عرض له عرق جذام، ثم استحكم به، واشتدَّ قربَ وفاته.
* * *
стр. 1832
سنة خمس وأربعين وثمانمائة
أولها يوم الاثنين (١).
في الرابع (٢) من بَئوْنَة من أشهر القبط زاد النيل بخلاف ما جرت به العادة بحيث كانت الزّيادة للآن بعد ما تناهى النقص أكثر من ذراعَيْن وانقطع جسر بحر أبي المنجا، واهتم السلطان بأمره وبأمْر بقية الجسور، واستمرّت الزيادة في النّيل إلى الثامن منه فغرق كثير من الأبنية التي في الجزائر، وحصل لأصحابها جوائح.
وفي الثالث منه وُلد ولدُ للأمير الكبير (٣) من بنت الملك الظاهر طَطَر، ولم يولد له ولدٌ قبله، فَسُرَّ به وأفرط هو وأهله فيما صنعوا من الوليمة لأجْله، فلم ينشب أن مات يوم السادس عشر من الشهر، فاشتدّ أسفهم وحزنهم، لكنّه تجلد، وكان السلطانُ - لما بلغه سرورُهم به - أعطاهُ إمْرَةً، وأرسل إليْه خيلًا ورقيقًا.
* * *
وفى (٤) الخامس عشر منه قدم ثلاثة من دمشق وهم: عبد الرحمن بن قريج الطحّان وابن (٥) ناظر الصاحبية، وعلى بن إسماعيل بن بردس، وكان السلطانُ طلبهم (٦) من دمشق
стр. 1833
بعناية (١) تَغْرِى بَرْمُش نائب القلعة، لأنهم كانوا انفردوا برواية المسند الحنبلي بالسّماع العالى من أصحاب الفخر، وعند بعضهم سنن أبي داود والترمذي ومشيخة الفخر، فجُهِّزوا وأخْرجوا في ثالث عشرى ذى الحجة، ووصلوا في تاريخه، فأنزلهم نائب القلعة عنده، وقرئ عليهم عنده في برج القلعة، ثم قرئ عليهم، بالبيبرسيّة، وعند سيدى محمد ولد السلطان بالغور داخل القلعة أيضًا، وهرع الناس إلى السماع عليهم.
* * *
وفي السادس عشر ظُفِر بجماعة من الفرنج من ناحية رشيد، وأحْضرِوا إلى القاهرة.
* * *
شهر صفر
في الثامن منه عُقد مجلس بسبب مدرسة ابن سويد (٢) التي أنشأها بمصر بالقرب من حّمام أمير جندار، بظهر فندق الكارم الصغير، وكان وقَفَها مسجدًا، وجَعَل فيها مدرّسًا فعمد ولده عبد الرحمن إلى المدرّس فأبطله، وادّعى أن أباه أسند إليه النظر، وأنّه اقتضى رأيه أن يجعل فيها خطبة، فاستُؤْذِن الملك الأشرف في إقامة الخطبة فأذن، واتّصل ذلك بالقاضي الحنفي - وهو يومئذ بدر الدين العيني - فأثبت الإذن وحكم بموجبه، فأقيمتْ بها خطبة، واتَّخَذَ بها منبرًا فوضعه بجانب المحراب، ودكَّة (٣) للمؤذنين، واستمر الحال إلى هذه الغاية.
стр. 1834
فلما مَرِضَ مَرَضَ موته أسند النظر لولده، فنازعه الآن أخوه محمد، وادّعى أن أباه شَرَط النظر لأولاده بعده، فأحْضِرَ كتابُ الوقف فوُجد فيه أنّه شَرَطَ النّظر لنفسه، ومِن بعده لولده محمد فعبد الرحمن، ومِن بعدهما لأولادهما، وأولادِ أولادهما إلى آخره، وجعل لنفسه أنْ يوصىَ بذلك من شاء بعد موْته، فأثبت عبد الرحمن فصلًا في هامش كتاب الوقف يتضمن أنّه أسند إليه النّظر، وفيه ملحق من سطرْين، وجعل له أن يُسند لمن شاء، وأوصل الفصل بالقاضي بدر الدّين العينى ضمن كتاب الوقف، فأشهد عليه أنه ثَبَت عنده مضمون كتاب الوقف، ومضمون ما بهامشه من الفصول، وحَكَمَ بصحّة الوقف هذا الذي تضمّنه تسجيله، فروجع في ذلك فذكر أنّه لم يحكم إلّا بصحة الوقف خاصّة دون ما تضمّنه فَضْلُ الإسناد.
ووقع البحث في أنّ الإسناد يساوي الوصيّة أو يزيد عليها، ثمّ ذَكر شهودُ الفصل أنهم لم يتحملوا الشهادة بالملحق، ولا أدّوها عند الحاكم، ووافقهم الحاكم على ذلك مع قوله إنّ حكمه لم يلاقِ الفصل المذكور أصلًا، وكانت الدعوى عند كاتبه فاتّجه له أنّ الإسناد المذكور من الواقف لعبد الرحمن، وإنْ قُلْنَا بصحّته بناءً على أنّ المراد به الوصيّة إليه على وقف ما جعله لنفسه، لكنّ قوله أنه جَعل لعبد الرحمن أن يسند لمْ يدخل في الجعل المذكور، وعلى تقدير دخوله فلم يتصل بحاكم ولا حكم به، فلمّا اتّصل به ذلك قامَتْ عنده البينّة العادلة بأن الواقف المذكور وقف مكانه المذكور مدرسة، وعين لها مدرسًا سماه، وأن ولده هو الذي خالف شرطه، وأبْدل المدرس بالخطبة، فسُئِل الحكم بما ثبت عنده من ذلك، فحكم بتبطيل الخطبة من المكان المذكور، وتقرير المدرّس على وفق شرط الواقف، وأكُدَ ذلك أن الحاكم الذي اتصل به الوقف وحكم به ذكر أنه حكم بصحّة إقامة الخطبة بناءً على أنّ الواقف هو الذي شرط ذلك، فلما وضح له أنه شرَط غير ذلك لم يتناول الحكم، وصرّح برجوعه عنه، فأزيل المنبر، وبطلت الخطبة يوم الجمعة عاشره.
فلمّا كان في الرابع والعشرين من صفر أعيدت الخطبة بعد أن عُقِد مجلس قَبْل ذلك بيوم، وأظهروا حكمًا سابقًا حكم به العينى بإقامة الخطبة بها، فادّعوا أنّه سابق على حكم الشافعي بالإبطال، وأن الحكم السابق يرفع الخلاف، فنازعهم الشافعي في ذلك، فأمر السلطان ابتداء بإقامة الخطبة بها، فأرسل الشافعي إلى الخزانة التي وضع فيها لمّا أزيل ففك ختمه عنها، فأعادوا المنبر وصلّوا بها.
стр. 1835
قرأت في مجموع لطيف بخطّ بعض أصحابنا: "في يوم الاثنين تاسع شهر ربيع الآخر سنة ٤٥ ورد من النائب بثغر دمياط ثلاثة نفر من المسلمين بأنهم كانوا في مركب بالبحر فخرج عليهم الفرنج فقاتلوهم فأجْلوهم وقتلوا من قتلوا وأسروا الثلاثة، وأن النائب اشتراهم بمائة وستين دينارًا، وقال لهم: لِمَ أسلمْتُم أنفسكم؟ ولم لم تقاتلوا حتى تقتلوا؟ "، ثم أسلمهم لوالى الشرطة وقال: "خَلِّصْ منهم القدر الذي وزنّاه عنهم" فردّه إليه، وقال "ما سمع بأعجب من هذا الحكم في هذا اليوم".
* * *
شهر ربيع الأول
أوله يوم الخميس (١) بالرؤية.
وفى يوم الجمعة الثاني من الشهر كُسِرَ الخليج بمصر، وباشر التخليق سيدى محمدُ بنُ السلطان، ومعه الحاجب الكبير وجماعة، وذلك في السابع والعشرين من أبيب، ولم يُعْهَد نظير ذلك فيما مضى، ونودى بالوفاء، وزيادة إصبعين. وكانت العادة المستمرة أنّ النيل إذا احترق كانت علامة لبلوغه الغاية تلك السنة، وبالعكس فإنه لم يحترق في هذه السنة، بل كان قارب الوفاء قبل دخول بئونة، فلما دخل بئونة تناقص، وعند استحقاقه النداء عليه كان بلغ زيادة على عشرة أذرع، وزاد مترسلًا، فأكمل الستة في أحد وثلاثين يومًا، وأسرع ما أدركناه أنه أوفى في التاسع والعشرين من أبيب واستغرب الشيوخ ذلك، والأمور كلها بيد الله يفعل ما يشاء.
* * *
وفى يوم السبت ثالثه استقر في الحسبة الشيخ على الخراساني (٢) بالقاهرة مضافة لمصر، وصُرف بدر الدين العيني، فكانت مدة تكلمه في الحسبة في هذه الولاية دون السنة، لأنه استقر في ربيع الآخر سابع يوم فنقصت السنة شهرًا وعشرة أيام.
стр. 1836
وانتهت الزيادة في النيل إلى تغليق العشرين ذراعًا، وهبط في أواخر توت بسرعة، وبادروا إلى الزرع، وهبت ريح باردة نحو أسبوع، ثم عاد مزاج فصل الخريف على العادة، ولبس السلطان الصوف قبل العادة القديمة وذلك في العشرين من بابه، وصادف تلك الليلة أن أمطرت السماء وهبت الريح الباردة يومين، ثم عاد الحر أثناء الليل.
* * *
شهر جمادى الآخرة
أوله الثلاثاء.
فيه سافر على بن حسن بن عجلان بن رُمَيْثَة المكّي الحسنى أميرًا على مكة، عوضًا عن ابن (١) أخيه أبى البركات، وصحبته يشبك الصوفي أحد الأمراء، ليقيم بمكة عوضًا عن سوُدون المحمدي، وصحبته الأجناد على العادة، وسافر معهم نُوَيْس قليل.
* * *
وفى يوم الخميس تاسع شهر رجب استقر الأمير زين الدين عبد الرحمن (٢) بن القاضي علم الدين بن الكُوَيْز في الأستادارية الكبرى، وصرف طوغان، ثم أفرج عنه سريعًا، واستمر زين الدين يحيى قريب ابن أبي الفرج ناظر الديوان المفرد على حاله، وأُلِزم بالتكفية.
وفى يوم الاثنين سابع عشرينه استقر الأمير شهاب الدين أحمد بن علي بن إينال في إمرة الإسكندرية. وصرف أسنبغا الطياري بحسب سؤاله ولم يسافر [الشهاب أحمد بن عليّ] حتى بلغه خروج الطياري من الاسكندرية، فتوجه في أواخر شعبان، وقدم الطياري في ثامن عشر شهر رمضان واستمر على إمرته بتقدمة ألف.
وحضر من الاسكندرية الرماة في رجب ومعهم صفةُ قلعة من خشبِ فقدموها للسلطان، ورموا عليها بحضرته بقوس الرِّجْل، فخرج منها صورة شخص بسيف وترس،
стр. 1837
فرمى عليه عبد صغير فضرب رقبته بالسهم فأمر السلطان بأن يخلع عليهم، وكتب لهم بجامكية، وصرفهم إلى بلادهم.
وحضر برسباي (١) نائب طرابلس فتلقاه السلطان ونزل بِبيتٍ لزوجته بجوار كاتب السر، وكان قبل ذلك حاجبَ الحجاب بدمشق، وقدم تقدمة للسلطان على مائتين وأربعين حمالًا.
* * *
وفى هذه السنة كانت واقعة شهاب الدين القدسي (٢)، وهو أحمد بن عبد الله بن محمد العسقلاني الأصل، المقدسي، اشتغل بالقدس كثيرًا، وكان فيه فرط ذكاء، وتعانى الكلام على العادة فمهر في ذلك، واجتمع عليه خلق كثير، ثم قدم القاهرة فكان يجتمع في مجلسه جمع كثير خصوصًا النساء، فتعصب عليه قوم، فمنعه القاضي المالكي من اجتماع النساء عنده، وكان اتفق أنه حكى حكاية عن الإمام مالك فنسبه بعض أهل مذهبه إلى تنقيصه، فمنعه المالكي من الكلام جملة، وقد شفعوا فيه فأذن له، ثم اتفق أنه توجه إلى الحج فجاور سنة أربع وأربعين، وعقد المجلس للوعظ كعادته فأحبه العامة (٣)، وحضر مجلسه بعض الخاصة، وألتف عليه جماعة من أهل اليمن، فتعصب عليه القاضيان الشافعي والمالكي بكلام بلغهما عنه.
وقرأت كائنته بخط القاضي الحنفي، وهذا ملخصها فقال في حقه: "وهو من الفضلاء الأذكياء، وانتفع به الناس واشتغل عليه الطلبة، وكتب على الفتوى. ووعظ بالمسجد، فاجتمع عليه العوام. وبعض الخواص، واستمر في العام الماضي، ثم في هذا العام إلى أن تحامل عليه بعض الفقهاء بمكة، فعملوا عليه محضرا ونسبوه إلى أمور، وشهد
стр. 1838
عليه بها بعض، وهو منكر لذلك، ومُحصَّل ما أثبتوه عليه أشياء أتاها توجب التعزير وأعلاها الكفر، وشهدوا عليه بأفعال قلبية كقولهم: قال كذا وقصده كذا ونحو ذلك مما لا يطْلع عليه إلا الله، ثم أمر القاضي المالكي بحبسه فحبس ليلة الجمعة ويوم الجمعة إلى أن فاتته صلاة الجمعة، فعقد له الشريف أبو البركات مجلسًا حضره سودون (١) المحمدي وجماعة، وأحضر فبادر بأن قال: لى دعوى على القاضي المالكي، فأخذه الشافعي وتَلّه بلحيته بحضور الجميع وقال له: يا شيخ نحس (٢)، وأمر بكشف رأسه وتعزيره، وأشهد على نفسه أنه منعه من الجلوس على الكرسي بالمسجد الحرام، وانفض المجلس على ذلك، ولولا أن الشريف لطّف قضيته لكان الأمر أشد من ذلك، ثم إنه جلس للتدريس على عادته، فمنعه الشافعي من التدريس ومن الكتابة على الفتوى، وحكم هو ونفذ المالكي وشهد الحاشية، فحصل له بذلك مشقة زائدة، وعزم على التوجه إلى القاهرة لإنهاء حاله إلى السطان". قلت فاتفق قدوم المذكور يوم الخميس ثانى عشري رمضان. وكان سبقه قاصد صاحب مكة على بن حسن، فنقل عنه أن الشريف المخلوع تعصب له لكونه كان يذكر له أن عليًا مقدم على أبي بكر، وأنه لما قدم عَلي بن حسن واليًا على مكة اجتمع به فظن على أنه يروج عنده بذلك، فجبهه وقال له: "أنا رجل سُنيّ وأبو البركات زَيْدِي" وأنهى ما اتفق له إلى السلطان، وأحضر المحضر الذي كتبه المالكي والشافعى فيه، فتغيظ السلطان منه على ما بلغنى.
فلما كان يوم الجمعة استشار المذكور بعض خواص السلطان، فأشار إليه أن لا يحدث أمرًا، لأن السلطان في أول كل قضية يكون معمور الفكر لما يلقى إليه ابتداءً إلى أن ينجلي له الأمر بعد. فسكت على مضض.
* * *
стр. 1839
شهر رمضان: أوله الأحد (١) وتراءوه ليلة السبت، وكانت رؤيته ممكنة لكن كان الغيم مطبقًا، ومضى أكثر النهار ولم يتحدث أحد برؤيته، وتمادى الأمر على ذلك إلى العشر الثاني، فشاع أن بعض أهل الضواحى صاموا يوم السبت، ثم كثر الخبر عن أهل المحلة فكوتب حاكمها فأجاب بأنه شهد برؤيته شاهدان من العدول، وآخران مستوران، وتحدث برؤيته جماعة كثيرون، وحكم به بعض نواب الحكم، فلما تكامل ذلك اتصل ببعض نواب القاضي الحنبلي فحكم بتحريم صوم يوم الاثنين الذي هو بالعدد يكون الثلاثين من رمضان، وبوجوب قضاء يوم السبت على قاعدتهم في أن الهلال إذا رؤى ببلدٍ وجب على بقية البلاد صومه، وقضاؤه على من كان أفطره، وكانوا هم صاموا يوم السبت على قاعدتهم في صوم اليوم الذي يلى الليلة التي يكون غيمها مطبقًا، ولولا ذلك لأمكنت رؤية الهلال.
فلما كانت ليلة الاثنين تراءى الناس الهلال فرآه جمع جم، فكان العيد يوم الاثنين بغير شك، فلم يمكن الحنابلة صيامه.
* * *
شهر ذو القعدة
أوله الأربعاء (٢).
في يوم السبت رابعه عقد مجلس بحضرة السلطان فادّعى تقى التاجر على برهان الدين بن ظهير (٣) شاهد عثمان ولد السلطان أنه ظلمه فإنه كان اشترى حصة من مطبخ سكر، لتقى [التاجر] فيها الأكثر، فوقع بينهما منازعة بسبب ذلك وأشهد تقى على نفسه أنه مَلَّك ولد السلطان حصته من الجدر والنحاس الذي يطبخ فيه، وكُتِب بينه وبين الظهير براءة وثَبْت واستثنى في البراءة قدرة كبيرة تختص بتقى، فادعى تقى أن ابن الظهير حوّلها في غيبته بغير وجه شرعي، وادعى بذلك بين يدى الحنفي، فقال الحنفي: "لا تسمع دعوى من أبرأ ولو كان وكيلًا" فأمر السلطان لأحد أئمة القصر في الدعوى على تقى عن ولده. فأمر السلطان أن يتوجهوا إلى مجلس القاضي فأعيدت الدعوى، فخشي تقى على نفسه من غيظ السلطان فقال: "كل ما يدعى عَلَيَّ لولد السلطان أنا أُمَلِّكُه لولد السلطان". فبادر من أعلم السلطان أن الحق غلب على تقى فظن صحة ذلك، فأرسل إلى القاضي أن لا يمَكَّن تقّى
стр. 1840
من التصرُف ولا من التوجه من مجلس الحكم حتى يزن المال، فظنَّ القاضي أن السلطان يريد مصادرة تقى فأخبره بالرّسالة فصار يكاتب معارفه بالورق إلى أن حصّل المال في عدة أيام وهو في صورة الترسيم في مجلس القاضي، ثم كتبه عليه.
* * *
وتوجه خلق كثير من الركب إلى الساحل فأحضروا الدقيق والعليق، ولزم من ذلك أن أقاموا بالينبع أربعة أيام، ولما وصلوا إلى منزلة بدر لم يجدوا بها عليقًا فبيع النوى كل ويبة بثلث أفلورى، والبقسماط بسبعين: العشرة، ومع ذلك كان اللحم واللبن والبطيخ كثيرًا.
قرأت بخط من أثق به: لما وصل الحاج إلى مدينة الينبع كان الدقيق في أول النهار كل حمل بسبعة دنانير، فارتفع الظُّهر إلى إثْنى عشر، ثم العَصْرَ إلى ستة عشر، وكان العليق أربع ويبات بدينار فوصل إلى ويبتين، ووصل الحِمْل الفول الصحيح إلى عشرة، وكان البقسماط رخيصًا فوصل إلى ستين درْهما: كل عشرة أرطال، وكاد الجمّالة أن يهربوا، فقدّر وصل الخبر بوصول المراكب إلى الساحل وتراجع السعر إلى أن صار وسطًا وبعد ما كان أولًا وآخرا.
ومات شَعْبَانُ (١) يوّاب دار الضرب قبل رابغ (٢) بيوم، وكان وصول الركب إلى مكّة سَحَر يوم الخميس، ولم يروا الهلال تلك الليلة لكثرة الغيم، وسألوا أهل مكة فلم يخبر أحد منهم برؤيته، وتمادوا على أن الوقفة تكون يوم السبت، وأشار عليهم القاضي الشافعي أن يخرجوا يوم الخميس ويسيروا إلى عرفة ليدركوا الوقوف ليلة السبت احتياطًا، ويقفوا يوم السبت أيضًا، فبينما هم كذلك إذْ دخل الركب الشامي فأخبروا برؤية الهلال ليلة الخميس وأنه ثبت عند قاضيهم، فثبتوا على ذلك، ووقفوا يوم الجمعة، ونفروا ليلة السبت على العادة، وذكر أنه وَجَد بمكة رخاءً عظيمًا، قال: "ووصلَتْ إلى جدّة عدةُ مراكب، وأسرعوا تفريغها، فكان يدخل إلى مكة كل يوم خمسمائة حمل، وبيع الشاش الخمسيني بأفلورين
стр. 1841
ونصف، والأُزُر البَيْرمي من أفلورى إلى ثلاثة، قال: "ووصل إلى مكة من اللؤلؤ والعقيق والسروى شيء كثير إلى الغاية".
قال: "وفى اليوم الثاني من ذى الحجة ازدحم الناس فمات أربعة عشر نفسًا، ثم دخل الركب الغزاوي، ثم الشامي، ثم الحلبي، ثم الكركي، ثم الصفدي، ثم البغدادي، ثم التركماني، إلى أن امتلأت بيوتُ مكة وشعًا بها وجبالها وامتدّوا إلى مِنى"، قال: "ولما وصلوا إلى عرفات أرجف مرجف بأن السيد بركات هاجم جدّة ونهبها، ولم تظهر صحة ذلك، ووصل قاسم أخو بركات حاجًا فأمنّه الشريفُ عَلِي، ولم يحدث منه سوء، مع أنّه أشجعهم وأفرسهم، وندب أخاه الذي يقال له سيف ليأخذ جماعة ويتوجّه إلى حِرَاسة جُدَّة، ثم اتفّق معه على أنه يحفظ الحاج بمنىً وعرفة، وتأخّر عن الخروج مع الحاج ليلة التاسع، فلمّا كان بعد عصر عرفة ثارت غبرة عظيمة، ثم ظهر خلق كثير من فرسان وغيرهم، فظن الناس أنه جاء في جمعه لينهبهم، فانكشف الغبار فإذا هو عَليّ ومن معه، أدركوا الوقوف بعرفة، وصحبته أخوه إبراهيم، وكان قد تغيب عنه بمكة، فلما وجده اعتذر بأنّه قيل له إنه عزم على إمساكه، فتنصل من ذلك واستصحبه معه، فحصلت الطمأنينة للنّاس، ونزلوا من صبيحة اليوم العاشر، وتجهّز المبشّر في ذلك اليوم فدخل القاهرة ليلة الأحد خامس عشرى ذى الحجة.
وفي الثاني عشر من ذى الحجة (١) لبس السلطان البياضَ، لأنّ الحرّ كان اشتد مِن يومين، ووافق السابع عشر من برمودة، فتقدّم قبل عادة القَيظ بعشرين يومًا.
وفي الرابع (٢) من ذى الحجة توجه القاضيان الشافعي والحنفي والمحتسب وجماعة إلى كنيسة اليهود الكائنة بقصر الشمع بمصر، فوجدوا فيها منبرًا له ثلاث عشرة درجة يشبه أن يكون قريب العهد بالتجديد. فتشاوروا في أمره، فبيناهم في أثناء ذلك ظهر في الدرجة التي يقف عليها الخطيب أو يقعد كتابة يلوح أثرها، فقال لهم الشافعي: "تَأملوا هذه الكتابة! ". فتداولها جماعة منهم حتى تبين أنها "محمد" وهي ظاهرة، و "أحمد" وهى خفيّة، فاقتضى الرأى إزالة المنبر المذكور، وصارت دعوى، وحكم نور الدين بن آقْبَرْس نائب الحكم وناظر الأوقاف بإزالته، وتأخّر المحتسب لذلك وافترقوا، ثم قام الشيخ أمين الدين يحيى بن الأقصرائي وكشف على اليهود والنصارى، فأبْطِلتْ عدة كنائس ختم على أبوابها إلى أن يتّضح أمْرُها، فمنها واحدة للَمَلكّيين،
стр. 1842
وُجِد فيها دعائم بالحجر الفصّ النحيت مثل الأعمدة، فادّعوا أنّها كانت ذات أعمدة رخام فاحترقت في سنة ثلاث وسبعمائة، وأخرجوا لها محضرًا أثْبتَ على القاضي جلال الدين القزويني وأذن في مرمَّتها فرمّموها بالحجارة، وهي دون الرّخام.
* * *
وفي التاسع والعشرين منه استقرّ سودون الذي كان دويدارًا عند طوغان الذي كان أمير آخور كبيرًا للمؤيد، واستقر في أواخر دولة الأشرف سودون أمير مشوى، واستقر الآن في نظر أوقاف المساجد والجوامع والزوايا بالوجهين القبلي والبحري، فصار نظّار الأوقاف الأهلية ثلاثة أنفس: نور الدين بن آقْبَرسْ، وشرف الدين أبو بكر المصارع، وسودون أمير مشوى.
* * *
ذكر من مات في سنة خمس وأربعين وثمانمائة من الأعيان
١ - أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن تميم بن عبد الصّمد (١)، الشيخ تقي الدين المقريزي، وأصلهم من بعلبك، ثم تحوّل أبوه إلى القاهرة وولى بها بعض ولايات من متعلقات القضاة، وولى التوقيع في ديوان الإنشاء، وكان مولد تقي الدين في سنة ستٍ وستين وسبعمائة (٢)، ونشأ نشأةً حسنةً، وحفظ كتابًا في مذهب أبي حنيفة، تبعًا لجدّه لأمّه الشيخ شمس الدين بن الصايغ، الأديب المشهور، ثم لما ترعرع وجاوز العشرين ومات أبوه سنة سِت وثمانين تحوّل شافعيًا، وأحبّ اتّباع الحديث، فواظب على ذلك، ونظر في عدة فنون، وأوْلع
стр. 1843
بالتاريخ فجمع منه شيئًا كثيرًا، وصنف فيه كتبًا (١) وسمع من شيوخنا ومِمَّن قَبْلَهم قليلا كالطبردار وحدّث ببعض مسموعاته، وكان لكثرة ولعه بالتاريخ يحفظ كثيرًا منه، وكان حسن الصحبة، حلوَ المحاضرة، وحجّ كثيرًا، وجاور مرّات، وقد رأيت بعض المكيين قرأ عليه شيئًا من تصانيفه، فكتب في أوّله "نسبة إلى تميم بن المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي عبيد الله القائم بالمغرب قبل الثلاثمائة، والمعزّ هو الذي بُنِيَت له القاهرة، وهو أول من ملك من العُبيديين .. والله أعلم".
ثم إنه كشط ما كتبه ذلك المكّي من أوّل المجلّد
وكان في تصانيفه لا يتجاوز في نسبه عبد الصّمد بن تميم.
* * *
ووقفْتُ على ترجمة جدّه عبد القادر - بخط الشيخ تقي الدين بن رافع - وقد نسبه أنصاريا، فذكرتُ ذلك له، فأنكر ذلك عَلَى ابن رافع، وقال: "مِن أيْنَ له ذلك؟ "، وذكر لي ناصر الدين أخوه أنه بحث عن مستند أخيه تقيّ الدين في الانتساب إلى العبيديين، فذكر لي أنّه دخل مع والده جامع الحاكم فقال له وهو معه في وسط الجامع: "يا ولدي هذا جامع جدّك! ".
مات الشيخ تقي الدين في يوم الخميس التاسع عشر من شهر رمضان (٢).
٢ - أحمد (٣) بن يوسف الخطيب الملقب "دُرَّابة" بضم المهملة وتشديد الراء وبعد الألف موحّدة، شهاب الدين، اشتغل قليلا، وجلس مع الشهود دهرًا طويلًا، وعمل توقيع الحكم،
стр. 1844
ثم توقيع الدرج، ثم توقيع الدست، وكان سليم الباطن قليل الشّرّ، وفيه غفلة، مات في رجب وقارب التسعين.
٣ - داود بن محمد أمير المؤمنين المعتضد بالله أبو الفتح، أمير المؤمنين أبي عبد الله المتوكل على الله (١) ابن المعتضد بالله أبي بكر ابن المستكفي بالله أبي الربيع سليمان ابن الحاكم بأمر الله أبي العبّاس أحمد بن حسين بن أبي بكر بن عليّ بن الحسين بن الرّاشد بالله منصور، بن المسترشد بالله، الفضل بن المستظهر بالله أحمد بن المقتدر بالله، محمد بن الرشيد بالله هارون بن المهدي بالله محمد بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن عباس بن عبد الله الهاشمي العباسي المصري، مات في يوم الأحد رابع شهر ربيع الأول وقد قارب التسعين بعد مرض طويل، وصُلي عليه بالسبيل المؤمني (٢) بحضور السلطان فمَنْ دونه ودُفِن بالمشهد النفيسي، وكانت خلافته تسعًا وعشرين سنةً وأيامًا (٣)، وكان خليقا للخلافة، سيّد بني العبّاس، كريمًا عاقلًا حليما متواضعًا ديّنًا خيّرًا حلوَ المحاضرة كثير الصّدقات والبر، محبًّا لمجالسة العلماء والفضلاء، مشاركًا، فهما، ذكيا فطنًا، وعَهدَ بالخلافة لأخيه سليمان ولُقِّب بالمستكفي بالله (٤).
٤ - طَيْبغا (٥) مملوك الصاحب بدر الدّين بن نصر الله، مات في ثاني المحرّم وكان قد أمّر بحماة في الدولة الأشرفية.
٥ - عبد الله بن محمد بن الجلال. نائبُ الحكم جمال الدين الزيتوني (٦) الشافعي، أخذ عن شيخنا برهان الدين الأنباسي وغيره، واشتغل كثيرا وتقدم ومهر ونظم الشعر المقبول الجيّد،
стр. 1845
وأفاد، وناب في الحكم، وتصدّر، وكان قليل الشرّ كثير السكونِ والصّلاح (١)، فاضلًا، أظنه قارب السبعين. مات يوم الخميس سادس عشر رجب.
٦ - عبد الله بن محمد (٢)، جمال الدين البرلُّسي، اشتغل قليلًا، وكان يتعانى زيّ الصوفية، ويصحب الفقراء، ثم دخل مع الفقهاء، وناب في الحكم قليلًا وفي البلاد، ثم مُنع من ذلك لكائنةٍ جَرتْ له، لأنّ الشافعي لمّا منعه ناب عن الحنفي فتعين عليه قضية تتعلّق بكنيسة اليهود فحكم فيها بحُكم يلزم نقض حكم سابق على حُكْمِه من قاضي القضاة علاء الدين بن المغلى الحنبلي، فأنكر عليه وقوبل على ذلك. وصُرف عن نيابة الحُكم واستمرّ إلى أنْ مات في رجب، وأظنّه مات في عَشْر التسعين، بتقديم المثناة.
٧ - عبد الله بن محمد (٣) بن جمال الدين بن الدماميني (٤) المخزومي الإسكندراني قاضي الإسكندرية، وليها أكثر من ثلاثين سنة، وكان قليل البضاعة في العلم، لكنه كثير البذل ضخْم الرياسة، سخى النفس، أفنى مالا كثيرًا في قيام صورته في المنصب، ودفْعِ مَن يعارضه فيه، ويركبه الدين، ثم كان يحصل له إرْثٌ أو أمرُ من الأمور التي تحصل تحت يده بها مالٌ من أيّ جهةٍ كانت، ساغَتْ أو لم تسغ، فيوشك أن يبذرها في ذلك. وآخر ما اتُفق له أن المعروف بسرور المغربي قام في عزله إلى أن عُزِل بشمس الدين بن عامر أحد نوّاب الحكم من القاضي شمس الدين البساطي، وامتنع القاضي بدر الدين بن التَنسى من استنابته، فَحسَّنَ الشيخُ سرور للسلطان توليةَ ابن عامر فولاه، فدخل إلى الإسكندرية وباشر القضاء بها، وخرج منها جمال الدين قبله فقدم القاهرة وهو مَوْعوك، فتوسَّل بكلّ وسيلة إلى أن أعِيدَ إلى منصبه، وصُرف ابن عامر، واستمرّ خاملًا، وأداروا الحيلة في إفساد
стр. 1846
صورة الشيخ سرور إلى أن تمّت ونُفَى إلى المغرب بأمر السلطان، ثم شُفع به فأمر بإعادته، فصادف أنه كان أنزل في مركب افرنجي ليسافر إلى بلاد المغرب، فوصل البريدي مساءً ففهموا أنه جاء في إطلاقه فغالطوه بقراءة الكتاب إلى أن يصبح، ودَسُّوا إلى الفرنجي فأقلع بمركبه ليلًا فلما أصبحوا وقرئَ الكتاب أمر بإصعاده فقيل: "سافرَ في المركب". فرجع البريديّ، واستمر سفر الشيخ سرور فلم ينتفع القاضي بعده بنفسه بل استمرّ متعلّلًا، وأشيع موته مرارًا إلى أن تحقّق ذلك في هذا الشهر: ذي القعدة، وأظنه جاوز الستين (١).
وعُيّن للقضاء بعده الشيخ شهاب الدين التلمساني فوليه، وتوجه فباشره، وتحفّظ في مباشرته إلى أن شاعت سيرته المستحسنة فاستمرّ، وأطفئت تلك الجمرة (٢) كأنها لم تكن. ولم يترك جمال الدين من يخلفه مِن أهْل بيته، وانقطع خبر الشيخ سرور فقيل إن الإفرنجي اغتاله فلحق الظالم بالمظلوم، فكانا كما قال الله تعالى (٣): ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾.
٨ - عبد الرحمن بن علي، الشيخ زين الدين بن الصايغ، كاتب الخطّ المنسوب، تعلم الخط المنسوب من الشيخ نور الدين الوسيمي (٤) فأتقن قلم النسخ حتى فاق فيه على شيخه، وأحبّ طريقة ابن العفيف فسلكها واستفاد فيها من شيخنا محمد بن أحمد بن علي الزفتاوي [المصري] (٥) وصارت له طريقة منتزعة من طريقة ابن العفيف وغازي، وكان الوسيمي كتب على غازي، وغازي كتب أوّلًا على [الشمس محمد بن علي] بن أبي رقيبة، شيخ شيخنا الزفتاوي، وهو تلميذ ابن العفيف، ثم تحوّل غازي عن طريقة ابن العفيف إلى طريقة ولّدَها بينها وبين طريقة الزكي العجمي، ففاق أهل زمانه في حسن الخطّ، ونبغ في عصره شيخنا الزّفتاوي لكنه لم يحصل له نباهة لسكناه بالفسطاط، ومهر عبد الرحمن وشيخنا
стр. 1847
وكذا شيخه، وصرح كثير بتفضيله عليه، ونسخ عدّة مصاحف وكُتُب، وقرّر مُكَتبًا في عدّة مدارس، وانتفع أهل العصر به، وحصل له في آخر عمره انجماعٌ بسبب ضعف، فانقطع إلى أن مات في نصف شوال في عشْر الثمانين.
٩ - عبد الرحمن بن يوسف بن يحمد بن سليمان بن داود بن سليمان، [زين الدين (١)] أبو محمد وأبو الفرج بن قريج - بقاف وجيم تصغير - بن الطحان [الحنبلي الصاحي المسند (٢) كان مولده في سنة ٦٤ واعتنى به أبوه فأسمعه على صلاح الدين بن أبي عمر مسند أحمد، وعلَى عمر بن أميلة جامعَ الترمذي والسننَ لأبي داود، ومشيخة الفخر بن البخاري، وعمل يوم وليلة لابن السني كما ذكر، وعلى زينب (٣) بنت قاسم [بن عبد الحميد] ما في المشيخة من جزء الأنصاري وصحيح مسلم كما ذكر على البدر محمد بن نفيس علي بن عيسى بن قواليح سنة ٧٧٧ ابن نفيس وغيره، وقرأ بنفسه على ابن المحبّ جزءين، أنا المطعم ويحيى بن سعد والحجار سماعا والتقيّ سليمان بن حمزة إجازة، أنا ابن اللّثي، وجميع الفوائد الكنجروذيات تخريج السّكّري، أنا ابن الزراد، وكتاب اليقين لابن أبي الدنيا، أنا أبو بكر بن عبد الدايم، أنا محمد بن إبراهيم بن سليمان الإربيلي سماعًا، ونصر بن عبد الرازق الحنبلي، وخليل بن أحمد الجوسقي إجازةً، قالوا: وكتاب الأربعين الصوفية لأبي نعيم، أنا إسحق الآمدي، وسمع من لفظه كثيرًا، وسمع على أبي الهول وعلى ابن عمر الجزري الذكر لابن أبي الدنيا أنا التقيّ سليمان بن حمزة أنبأنا الشهاب عمر السهروردي، أنا هبة الله الشبلي، وقرأ على أحمد بن العماد، وأبى بكر بن العزّ شيخنا بالإجازة، ومحمد بن الرشيد عبد الرحمن بن السبط كتاب التوكل لابن أبي الدنيا، قالا أنبأنا العماد أبو عبد الله محمد بن يعقوب الجرايدي ويحيى بن سعد، قالا أنبأنا عبد الرحمن بن مكي وعلي بن أبي بكر بن يوسف بن عبد القادر الخليلي جزءًا في فضل ركعتي الفجر وغير ذلك من أمالي القاضي أبي عبد الله محمد المحاملي. أنبأنا محمد بن غازي بن الحجازي، أنبأنا يحيى بن محمد القرشي، أنبأنا عبد الصّمد بن محمد الأنصاري، أنبأنا عبد الكريم بن الخضر السلمي أنبأنا الخطيب بسنده.
стр. 1848
مات بقلعة الجبل في يوم الإثنين بعد العصر السابع والعشرين من صفر بعد أن تمرّض أيّامًا يسيرة، وأسْمع في قدمته سنن أبي داود وقطعة كبيرةً من المسند (١).
١٠ - عبد الرحيم بن محمد بن أبي بكر الرومي الحنفي نائب الحكم (٢)، زين الدين، اشتغل قليلًا وتنزّل في المدارس، وناب في الحكم مدّة، ومات في رجب، وقد قارب السبعين أو أكْمَلها.
١١ - علي بن محمد، نور الدين الويشي وهو بكسر الواو وسكون المثناة من تحت بعدها معجمة، وكان قد طلب العلم فاشتغل كثيرًا ونسخ بخطه الحسن شيئا كثيرًا، ثم تعانى الشهادة في القيمة فدخل في مداخل عجيبة واشتهر بالشهادات الباطلة والله سبحانه عَفُو غفور. مات في ذي القعدة.
١٢ - محمد بن عبد الرحمن بن أبي أمامة، أبو أمامة بن أبي هريرة، الدكالي الأصل، المعروف بابن النقاش، مات في يوم الثلاثاء سادس عشري شعبان وقد قارب السبعين، اشتغل [قليلًا] وهو شاب ثم صار يخالط الأمراء في تلك الفتن التي كانت بعد وفاة برقوق فجرت له خطوب، وقد خطب نيابةً عن أبيه بالجامع الطولوني، وحجّ مرارًا، وجَاور وتمشْيَخَ بعد وفاة أبيه ولم يُنْجِب، وأصابه الفالج في أوائل هذا العام إلى أن مات ودُفن إلى جانب والده.
١٣ - محمد بن علي، شمس الدين أبو شامة الشامي، كان يزعم أنه أنصاريّ، وَلِيَ
стр. 1849
أمانة الحكم، بدمشق ثم ناب في الحكم بالقاهرة، وكان كثير السّكون مع إقدام وجرأةٍ، وقد تَقدَّم في الحوادث، وكان خمل في آخر دولة الأشراف وتغيّب مدّة، ثم ظهر في دولة الظاهر، وولي وكالة بيت المال بدمشق ومات بها.
١٤ - محمد بن عمر، شمس الدين الدنجاوي، مات في أوّل شوال بالقاهرة (١)، وكان تعانى الأدب فمهر واشتغل في الفقه والعربية، وقرره شرف الدين يحيى بن العطار (٢) في خزانة الكتب بالمؤيّدية، وكان خفيف ذات اليد، وجاد شعره، ومات في هذا الشهر (٣) بعد توعّك يسير.
وذكر لأصحابه أنه رأى في المنام أنّه يؤمّ بناسٍ كثيرين، وأنه قرأ سورة نوح فوصل إلى قوله تعالى (٤) ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾، فاستيقظ وَجِلا فقصَّ المنام على بعض أصحابه وقال: "هذا دليلٌ على أنني أموت في هذا الضعف"، فكان كما قال، وما أظنّه بلغ الأربعين.
١٥ - محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرازق بن عيسى بن عبد المنعم بن عمران بن حجاج الأنصاري الصفطي، الشيخ ضياء الدين ابن شيخنا ناصر الدين شيخ الآثار النبوية على شاطئ النيل. مات في ذي القعدة (٥)، وكان خيّرًا فاضلًا، مشهورًا بالخير والدّيانة، وولى المشيخة بعد أبيه فأقام فيها دهرًا وثلاثين سنة.
١٦ - محمد بن محمود بن أحمد بن محمد البالسي (٦) ثم القاهري شمس الدين، مات في
стр. 1850
ليلة الأربعاء الثاني والعشرين من صفر وقد بلغ التسعين وزاد عليها لأن مولده كان سنة ٧٥٤، وكان صاهر شيخنا ابن الملقّن قديمًا على ابنته، وحصَّل وظائف من مباشراتٍ وأطلابٍ وشهادات، وكان أحد الرؤساء بالقاهرة وناب في الحكم في عدّة بلاد، وكان حسن الخطّ قليل العلم، وسمع الكثير من شيخنا وغيره، واستجاز له شيخنا في شوال سنة سبعين وسبعمائة من جماعة من مسندى الشام منهم عمر بن أميلة، وأحمد بن إسماعيل بن السيف، وصلاح الدين بن أبي عمرو، وأحمد بن محمد المهندس، وحسن بن أحمد بن هلال، وزينب بنت قاسم، وهؤلاء من أصحاب الفخر، وآخرون، وحدّث في أواخر عمره لمّا ظهرَتْ هذه الإجازة عنهم وعن غيرهم، وتمرَّض في آخر عمره مدّة، ومات صحيح السمع والبصر والأسنان.
١٧ - محمد البصروي، ناصر الدين، مات بغزة، وولى كتابه السر في إمرة نوروز (١) بالشام، وولى قضاء القدس في دولة الأشرف سنة ٣٥ وعُزِل منها في دولة الظاهر، وكان قليل البضاعة في العلم، وفيه حشمة ورئاسة.
١٨ - محمد البرلسي: موقع الدست، ناصر الدين، مات في جمادى الآخرة، وكان يوقّع عن الخليفة، وعن ناظر الخاصّ، وكان استقراره في الدست سنة خمس [وثمانمائة]، فأقام في ذلك أربعين سنة ..
стр. 1851
سنة ست وأربعين وثمانمائة
شهر الله المحرم
أوله السبت.
في الثاني منه أمر السلطانُ والِيَ الشرطة بإصلاح الطرقات، فأساء التصَرفات في ذلك بأنّه ألزم كلّ من له حانوت أو بيت أن ينظّفَ أمامه، وأوجع كثيرًا منهم بالضرب المؤلم، فبادر إلى ذلك كلّ مَن حضر الوعِيدَ، فشرع في قَطْعِ ما أمام داره أو حانوته، وغاب كثير منهم فصارت الطرقات جميعا موعرة، وقاسى الناس من ذلك شدّة شديدة خصوصًا من يمشي بالليل وهو ضعيف البصر، ثم أبطل ذلك في اليوم الثاني، واستمر بعض الطرق بغير إصلاح.
وفي أول يوم منه خُتِم على كنيسة النصارى الملكيّين، لأنه وُجد داخلها أعمدة كذّان (١) من الحجارة المنحوتة وأكتاف جدد، وزعموا أن معهم مستندًا بذلك، فلما أبطأوا بإحضاره ختموا عليها ومُنعوا من دخولها.
وكُشِفَ في حارة زويلة عن دارٍ كانت لبعض أكابر اليهود وكانوا يجتمعون عنده (٢) للاشتغال بأمور دينهم، فمات فجعلها محبسه لذلك فصارت في حكم الكنيسة، فرُفِع عنهم أنّهم أحدثوا كنيسةً فأكَّدَ عليهم عدم الاجتماع فيها، وأن يُسْكَن بالأجرة أو لمن يستحق سكناها، ثم فُوض الأمر فيها لبعض نُوّاب الحنفي، فحكم بانتزاعها من أيدي اليهود، وأشهد على الكثير منهم بعد أن ثبت عنده أنّها إن أحْدِثت كنيسةً أن لا حقّ لهم في رفعها، فحُكم بها لبيت المال، فنُودي عليها يوم الأربعاء ثاني عشره.
* * *
وفي الخامس منه عَزَّر القاضي الحنفي ثلاثةً من يَهودِ كنيسة مصر (٣) التي ظهر فيها اللّوح المكتوب فيه محمد وأحمد، أثبتوا عنده أنهم كانوا يصعدون من المنبر، فمات واحد منهم وأسلم آخر، وعاش آخر موعوكا ثم مات.
стр. 1852
ثم تتبّعوا سائر الكنائس، وحكم بأنها من الحجارة الجديدة لكونها محدثة وليس لهم الإعادة إلّا بالمثل أو دونه، وفعل ذلك بجميع ما بالبلدين، وحصل على جميع الطوائف من أهل الذّمة من الإهانة والتغريم مالا مزيد عليه، وأظهر الملكية محضرًا يتضمّن الإذن لهم في عمارتها بعد الحريق الكائن في سنة ثلاثين وسبعمائة من القاضي جلال الدين القزويني قاضي الديار المصرية في الدولة النّاصرية، وتاريخ المحضر سنة ٣٤، فوقع في ذلك نزاع كبير، وانفصل الأمر على أنّ كل ما حكم فيه نائب الشافعي يكمله على مقتضى مذهبه، وما عدا ذلك يتولى الحكم فيه القاضي المالكيّ بنفسه.
وفي الخامس من المحرّم أدُّعِيَ عند القاضي صدر الدين بن روق على طائفة من اليهود القرّائين بأنّ بحارة زويلة دارًا تعرف بدار ابن سميح كانت مرصدةً لتعليم أطفال اليهود وسكنًا لهم فأحْدَثوها كنيسة (١) ولها حدود أربعة: القبلي إلى خربة فاصلة بينها وبين دارٍ تعرف بأولاد الجابي، والبحري إلى دارٍ تجرى في ملك بوسعيد النصراني، والشرقي إلى سكن إبراهيم العَلاف، والغربيّ بعضه إلى دار شموال الناقد وفيه الباب، فأشهد عليه أنه ثبت عنده بشهادة من أعْلَم له مضمونه المحضر المذكور وحكم بموجب ما قامت به البينة في تاريخه، وكان نصّ شهادة من أعلم له: "شهد بمضْمُونه عبد الرازق بن محمد بن شعيب الشهير بالجنيدي كتب بخطه، وأعلم أنه، شهد عندي بذلك، ومثله عبد الله بن يوسف بن ناصر الشريف البقلي وكتب عنه وأعلم له، ليشهد بذلك، ومثله جلال الدين محمد بن علي بن عبد الوهاب بن القماط، ومثله دادو بن عبد الله بن عبد الكريم"، وزادوا بأن الدار المذكورة تسمى دار ابن سميح وليست بكنيسة قديمة، وشهد عليُّ بن محمد القوصوني أن الدار المذكورة تعرف بدار ابن سميح وأنها كانت معدّة لتعليم الأطفال وأعلم له، شهد بذلك، ومحمد بن أبي بكر بن محمد بن عضاة وأنها ليست بكنيسة قديمة وأنها كانت معدّةً لتعليم الأطفال اليهود وكتب عنه، وأعلم له، شهد عندي بذلك، وشهد بمثل ذلك نحو عدد المذكورين" ثم اتصل ذلك بأفضل الدين محمود بن سراج الدين القرمي، ونفذ حكم صدر الدين في السّادس من المحرّم.
ثم ادّعى عند نور الدين بن البرقي علَى جماعةٍ من اليهود أن الدارَ المذكورة أعلاه كانت مرصدةً لتعليم الأطفال اليهود القرائين ومسكنًا لهم، ثم اتّخذوها كنيسة عن قريب، وأنها
стр. 1853
مستحقّة لبيت المال المعمور بمقتضى أن ابن سميح هلك ولم يعقب، ولم يترك ولدًا ولا أسفل من ذلك، ولا عاصبا، ولا مَن يحجب بيت المال عن استحقاقها سفلا وعلوا، وأنّ رئيس اليهود القرائين ومشايخهم يتداولون وضع أيديهم على الدار المذكورة خلفًا عن سلف بغير طريق شرعي، وطالبهم برفع أيديهم وتسليمها لمن يستحقّها، فسُئِلُوا فأجابوا بأنّ هذه الدار بأيديهم وأنهم وجدوها على هذا الوجه، وتلقوها عن آبائهم وأجدادهم.
وبيّن المدّعى المذكور ما ادّعاه فذكر المدّعى أن الذي تضمّنه المحضر المذكور ثبت أوّلًا على صدْر الدين. وحكم بموجبه، ونفذه أفضل الدين، وأعذر فيه لجمع كثيرٍ من اليهود القرّائين، فكلّف المدّعى المذكور أن يثبت ذلك فاتصل بنور الدين البرقي ما اتّصل بأفضل الدين من الثبوت والتنفيذ والإعذار والإقرار، وثبت عنده بطريق شرعيّ أن ابن سميح هلَك ولم يترك ولدًا ولا أسفل من ذلك، ولا عاصبا ولا من يحجب بيت المال عن استحقاق هذه الدار سفلًا وعلوًّا، وثبت عنده جميع ذلك ثبوتًا شرعيا، فلمّا تكامل ذلك سأل المدّعى المذكور الحاكم المذكور الإشهاد على نفسه بثبوت ذلك، والحكم باستحقاق بيت المال لهذه الدار سفلًا وعلوًّا، وثبت عنده جميع ذلك ثبوتًا شرعيا، فلمّا تكامل ذلك سأل المدّعى برفع أيديهم عن الدار المذكورة سفلا وعلوا، وتسليمها لبيت المال، فاستخار الله تعالى ونظر في ذلك وتروّى فيه، والتمس من المدعى عليهم حجّة يدفعون بها ما ثبت بأعاليه، أو كتابا قديما يشهد لهم بملك أو وقفٍ، فاعترفوا بأن لا حجّة لهم تدفع ذلك، ولم يكن لهم كتاب بذلك. فأعاد المدّعى المذكور السؤال المذكور، فراجع الحاكم المذكور فيه مستنيبه، ومن حضر من أهل العلم، وأجاب السائل إلى سؤاله وأشهد على نفسه بثبوت ذلك عنده الثبوت الشرعي، وحكم بما سأله الحكم به فيه حكمًا صحيحًا شرعيًا مستوفيا شرائطه الشرعية، وأشهد على نفسه بذلك في يوم الجمعة السابع من المحرم سنة تاريخه.
* * *
وفي يوم الخميس السابع والعشرين من شوّال استقرّ القاضي بدر الدين محمود بن أحمد العينتابي في الحسبة عوضًا عن الشيخ نور الدين الخراساني، وعُزِل أفضلُ الدين الذي كان الخراساني استنابه في غيبته، وكان قبل ذلك خصيصًا عند القاضي بدر الدين العيني، وولّاه الخطابة بمدرسته واستنابه، فنقم عليه الانضمام للشيخ نور الدين.
وفي هذا اليوم بعد استقرار القاضي ناصر الدين بن المخلّطة في تدريس المالكية بالمدرسة
стр. 1854
الأشرفية نازعه ولدا الشيخ عبادة بمساعدة جماعةٍ من الأكابر، وتمسّكوا بقول الواقف بأن من كان له ولدٌ وهو أهلٌ للتدريس بها فلا يُقَدَّم عليه غيره، فاستقرّ الولَدان جميعًا لأنه لم يجد في شرط الواقف ما يمنع التّشريك.
وقبْل ذلك نوزع القاضي شمس الدين بن عامر المالكي في تدريس الشيخونية بعد أن استقرّ فيها وعمل إجلاسًا، فنوزع بأنّ شرط الواقف أنّه لا يقدم على مَن كان مُتأهِّلا للتدريس من طلبة المكان، فإن لم يكن فيهم أهلٌ قُرّرَ مِن غيرهم، فيقدّم الأفضل فالأفضل، والأمثل فالأمثل، وكان أحد النّظّار قرّر ابن عامر، والآخر قرّر الشيخ يحيى العجيسي (١)، فاتفقوا على أن الشيخ يحيى أفضل من ابن عامر، فصُرف ابنُ عامر وقُرّر الشيخ يحيى، وأشار بعض الحاضرين بأن يعوض ابن عامر وظيفة خفيفة من وظائف الشيخ يحيى العجيسي، فتبرّع قاضي المالكية بوظيفته بالجمالية له، ووقع التّرَاضِي، ثم غضب القاضي من ابن عامر من كلامٍ واجهه به، فتعصّب له ناظر الجمالية، فامتنع من إمضاء النزول، ولم يظفر ابن المخلطة ولا ابن عامر بشيء.
* * *
وفي يوم الإثنين الخامس عشر من ذي القعدة صُرِف كاتبه (٢) عن القضاء، بسبب امرأتين من أهْل الشام تنازعتا في نظر وقف والدهما خمس سنين وشهرا وعشرة أيام، فشرك الحمصي - وهو يومئذ قاضي الشافعية بدمشق - بينهما، ثم ولى بعده الونائي بقليل فحكم للكبرى، وألْغَى الحكم للصغرى، فعقد لهما مجلسٌ بحضرة السلطان، وتعصب الأكابر للصغرى، فوجد حكم الونائي لا يلاقى حكم الحمصي، فأمر كاتبه أن يستوعب الصورة ويستمر بهما على الاشتراك، فلمّا تأملْتُ وجدت حكمَ الونائي لا يُنْقَض، فاعتلّ عليه وكيل الصغرى بأنّه أسنده إلى ما ثبت عنده من تبذيرها وسفهها، ولم يفسّر التبذير والسفه، ولا يقدح فيها لاحتمال أن يكون مَن شهد بذلك يعتقد ما ليس بسفه سفها، وما ليس بتبذير تبذيرًا.
стр. 1855
وأخرج فتاوى جماعة عن الشافعية بذلك، فتوقّفْتُ عن مراده لما تأملت في آخر حكم الونائي بعد اعتبار ما يجب اعتباره شرعا، فقلت: "لو جاء فقال: فسر عندي بقادح، وقد دخل في هذا الكلام كان ذلك مقبولًا منه"، فاستشاط الوكيل، وتوسلتْ موكلته إلى جمعٍ. كثير من الأكابر، فأبلغوا السلطان أن هذا الكلام تعصّب للونائي، فصرح بعزل الاثنين، فلما بلغ كاتبه ذلك أقام بمنزله لا يجتمع بأحدٍ.
فلما كان ضحى يوم الخميس حضر إليه الحمصي رسولًا من السلطان على لسان الشيخ شمس الدين الرومي أحد جلساء السلطان يأمره بالاجتماع بالسلطان، فاجتمع به فقصّ عليه القصّة مفصّلة فعذره واعتذر إليه، وقرره في الوظيفة، وكان قد صمم على عدم القبول من أوّل يوم، فاجتمع به القاضي المالكي وبلّغه عن الجماعة ما يقتضي التهديد والتخويف إذا استمرّ على الإعراض، لما يخشى منه على المال والولد والعرض، فقبل على ذلك والله المستعان.
ثم ألَحوا عليه في التّشريك بين المرأتين في النَظر، فتأمّل فوجد حكم الونائي منذ سنين، وجاز أن يصير السّفيه فيها رشيدًا، فالتمس منهم بيّنة تشهد باستواء المرأتين في صفة الرّشد الآن ليقع التشريك بينهما مع بقاء حجة الغائبة، فأقيمت عند بعض النواب وقضى بذلك في ثاني ذي الحجة منها، والله المستعان.
* * *
وفي الثاني والعشرين من ذي القعدة قدم القاضي بهاء الدين بن حجّى من الشام، وهرع الناس للسلام عليه، ثم استقرّ في نظر الجيش صبيحة ذلك اليوم، وهو يوم الاثنين تاسع عشري شهر ذي القعدة، وظهر بعد ذلك أنه كان آخر يوم من الشهر، لأنه اشتهر أنّ جمعًا من الناس رأوا هلال ذي القعدة ليلة الأحد.
واستهلّ ذو الحجة يوم الثلاثاء بالرؤية
وفي الحادي عشر منه لبس السلطان البياض.
* * *
وفي الخامس عشر منه وصل علي بن حسن بن عجلان أمير مكة من الطور، وكان السلطان أرسل بالقبض عليه، فقُبض عليه في ذي القعدة، وجُهِّز في البحر إلى الطور،
стр. 1856
ومعه أخوه إبراهيم، فوصلا مقيَّديْن فسُجِنا ببرج القلعة (١)، وكان أخوهما أبو القاسم قد استقرّ في الإمرة وتوجّه صحبةَ الحاج، وكان شُرِط عليه أن يبطل النزلة إن بقى وعاد، وعادة أكابرهم أن يستجير بهم الغريبُ ويسمّونه "نزيلة"، فغلب ذلك عليهم إلى أن صار مَن له عليه حقٌّ يستنزل ببعضهم، فيمتنع من يطالبه حتى بالحقّ، وكَثُرَ البلاءُ بذلك، وأفرطوا فيه، فرفع ذلك للسلطان فشرط على أن هذا الأمير أن يبطل ذلك جملةً، ويعاقب مَنْ فعله، وكتب عليه بذلك التزامٌ وحُكِم عليه به (٢).
* * *
ذكر من مات في سنة ست وأربعين وثمانمائة من الأعيان
١ - أحمد بن محمد شهاب الدين بن الشيخ شمس الدين بن فُهَيْد المصري المشهور بابن المُغَيْربي - بالتصغير - وُلد من أمَةٍ سوداء بعد السبعين (٣)، ونشأ في حجر أبيه وزوّجه بنت الأمير أبي بكر بن بهادر، وكان بزى الترك ولم يشتغل بعلم ولا تميّز في شيء، إلّا أنه كان كثير المعاشرة للجند وينفق فيهم لمعرفته لسانهم ولانتسابه للفقراء، وولى في سلطنة الظاهر جقمق مشيخة الدسوقية وكثرت فيه الشكوى، وكان ممَّن يأكل الدنيا بالدّين، ولا يتوقّى من يمين يحلفها فيما لا قيمة له، مع إظهار تحرّي التصدق والدّيانة البالغة، وكان يتوسّع في المآكل والملابس في غير مادة فلا يزال عليه الدّين، ويشكو الضيق.
٢ - أيْتَمُش الخضري، كان من مماليك الظاهر [برقوق] وتقرّر خاصكيًّا وتولى إمرة عشرة (٤)، ثم ولى الأستادارية الكبرى في دولة الأشرف وتنقّلت به الأحوال وأصيب في جسده
стр. 1857
ببياض فكان يستره بحمْرة، وكان قارئًا للقرآن محبًّا في حَمَلَتِه، كثير البر لهم، مع شَرِ فيه، وبذاءة لسان وارتكابِ أمورٍ فيما يتعلّق بالمال (١).
سقط عليه جدار فغطاه، فأخْرج منه مغشِيًّا عليه، فعاش بعده قليلًا ومات في آخر ليلة السبت عشرين من شهر رجب.
٣ - تَغْرِي بَرْدِي [بن عبد الله] البُكْلَمُشي، الملقّب بالمؤذى، مات في يوم الثلاثاء ١١ جمادى الآخرة، وهو يؤمئذ الدويدار الكبير، وكان شهما شجاعًا، عارفًا بالأمور، فصيحًا بالعربية، كثير الجمع للدّنيا، وعمر في ولايته الدويداريّة مدرسةً بالصّليبة (٢). وعمل فيها خطبةً، ووقَف عليها أوقافًا غالبها مغتصب، وسُرُّ أكثرُ الناس بموته، لثقل وَطْأتِه عليهم (٣)، وأظنّه قارب السبعين.
٤ - حسن (٤) بن نصر الله بن حسن بن محمد، الأدكوي (٥) الأصل ثم الفوّي، كاتب سرّ مصر، وناظر جيشها وخاصّها، ووزيرها، ثم أستادارها، ثم محتسبها، وُلد في ليلة الثلاثاء ٥ ربيع الأول سنة ٧٦٦ بفوة ونشأ بها، وباشر في جهات، ثم لم يزل يترقّى حتّى ولى نظر الجيش بمصر، ثم وزارتها، ثم الخاصّ بها، كلّ ذلك في دولة الناصر فرج، ثم الوزارة والخاص بها في دولة المؤيّد، ثم صودر مرارًا، ثم ولى الأستاداريّة في دولة الصالح محمد، ثم تحوّل وولى الخاصّ ثانيًا عوضًا عن مَرْجَان الخزندار، ثم ولى الأستادارية ثانيا في دولة الأشراف بَرْسْبَاي، عوضًا عن ولده صلاح الدين محمد، وعُزِل عن نظر الخاصّ بالقاضي كريم الدين بن كاتب جَكَم، أوائل جمادى الأولى سنة ٨٢٨، وعُزِل بعد مدّةٍ، وصودر هو
стр. 1858
وولده صلاح الدين، ثم ولى الأستادارية بعد سنين مرة ثالثة، فلم تطل مدّته فيها، ولزم داره سنين إلى أن ولى كتابة السرّ بعد موت ولده صلاح الدين، فباشرها يسيرًا، وعزله جقمق بصهره الكمال بن البارزي ولزم داره إلى أن مات.
وكان شيخًا طوالًا ضخمًا، حسن الشكالة، مدوّر اللّحية، كريمًا واسع الصرف على الطعام، تأصّل في الرّياسة، وطالت أيامه في السعادة فصار هو وولده من أعيان رؤساء مصر وكان لا يَسْلَم في كلّ قليلٍ من مصادرةٍ - مع إنْعامِه وأفضاله على جماعةٍ - وكان عنده بادرة، وخلق سيء، مع حدّة مزاجٍ، وصياح في كلامه، ولم يشتهر بعلم ولا دين، عفا الله عنه.
٥ - عبادة بن علي الزرزاري المالكي (١)، الشيخ العالم العلامة المفنن زين الدين، سمع الكثير مِن شيوخنا، ورافقنا في السّماع مدّة، ومهر في الفقه وغيره، وصار رأس المالكية بآخره، وعُيِّن للقضاء بعد موت القاضي شمس الدين البساطي، فامتنع، فألحّ عليه فأصرّ، ثم تغيّب إلى أن ولى غيره.
وولّاه الملك الأشرف التدريس بمدرسته التي بجوار الوراقين أوّل ما فُتِحَتْ، فدرّس للمالكية بها إلى أن مات، وولى قبل موته بقليل تدريس الشيخونية بعد ابن تقيّ، وكان قبل موته بمدّة قد انقطع إلى الله تعالى، وأعرض عن الاجتماع بالناس، وأقبل على شأنه منقطعًا إلى العمل والعبادة، وامتنع من الإفتاء إلّا باللفظ أحيانًا.
مات ليلة الجمعة ١١ شوال (٢) على خير كثير وجاوز السبعين.
٦ - عبد الله بن أبي بكر بن حسين (٣) السنباطي الواعظ، جمال الدين، مات في
стр. 1859
رمضان بعد مرضٍ طويل وقد جاوز السبعين (١)، وكان يتكلم على الناس بالجامع الأزهر من نحو سبعين سنة، ولازم مجلس الشيخ سراج الدين البلقيني، فقرأ عليه من كلامه ومن كلام غيره، واشتهر ذكره، وحظى حظوةً عظيمةً، وكان مع ذلك يشتغل بالعلم، ويستحضر في الفقه، وقد ناب في الحكم عن القاضي جلال الدين وغيره.
٧ - عبد الرحمن بن محمد الزركشي (٢)، الشيخ أبو ذرٍّ الحنبلي، سمع من أبي عبد الله البياني صحيح مسلم في سنة ٦٨ وحدّث عنه مرارًا وتفرّد بالرواية عنه بالدّيار المصرية، بل كان في هذا الوقت مسند مصر.
مات في ليلة الأربعاء ثامن عشر صفر فنزل الناس بموته درجةً، ومولده في رجب سنة ثمانٍ وخمسين وسبعمائة، وكان يدرى الفقه على مذهبه، فقُرّر في تدريس الشيخونية بعد موت القاضي محبّ الدين الحنبلي البغدادي، وكان صحيحَ البدن، ضعيف البصر، وقد ناهز السبعين.
٨ - عبد العزيز بن علي بن عبد المحمود البكري المقدسي البغدادي الحنبلي، القاضي عز الدين، ولى قضاء القدس، وحصل بينه وبين الخطيب بالقدس، وهو حينئذ القاضي برهان الدين الباعوني، فقام على الباعوني، فقُدِّر أن الباعوني ولى قضاء الشام، فتوجّه عز الدين إلى بغداد، فأقام بها، وولى القضاء بها، ثم عاد إلى القدس، ثم لما دخل الهرويُّ القدسَ وقع بينهما، فتحوّل عزّ الدين بأهله إلى القاهرة، فاتّفق دخول الهرويّ القاهرة، وولى قضاء الشافعّية بها، فقام عليه عزّ الدين إلى أن عُزِل، ثم ولى تدريس الحنابلة بالمؤيّدية أوّل ما فتحت، ثم ولى قضاء الشام، فأقام مدّة ثم عاد، ثم ولى القضاء بالدّيار المصرية مرّة ثانية، ثم أعيد إلى قضاء دمشق.
стр. 1860
وكان عجبا في بني آدم، كثير الدّهاء والمكر والحيل، ونُقل عنه أشياء مضحكة (١) مات في دمشق في شوال مفصولًا عن الحكم وكان اختصر المُغْنى وضمّ إليه مسائل من المنتقى لابن تيمية من مختصرات الحنابلة.
٩ - علي بن إسماعيل بن محمد بن حسن (٢) بن بردس بن نصر بن بردس بن رسلان البعلي، علاءُ الدين، مولده سنة ٧٦٢ ببعلبك ونشأ بها، وقرأ القرآن، ورحل به والده (٣) إلى دمشق وأسمعه جامع الترمذي، وسنن أبي داود، ومشيخة الفخر على عمر بن أميلة، وأسمعه عَلَى، الصّلاح بن أبي عمر الشمائل للترمذي، ومسند ابن عبّاس من مسند الإمام أحمد، ومسند أهل البيت - فيما أظن، وسمع مسند الإمام الشافعي على يوسف بن عبد الله بن حاتم بن الحبال سنة ٧٧٢، أنا أبو الحسين اليونيني، والتاج عبد الخالق بن علوان، قال اليونيني، أنا ابن الزبيدي، وأخوه أبو علي الحسن، وعبد السلام بن عبد الرحمن بن سكينة، ومحمد بن سعد بن الخازن، وأبو هريرة محمد بن الوسطاني وآخرون إجازة، قال ابن علوان، أخبرنا الموفق بن قدامة - إجازة - أخبرنا أبو زرعة، أخبرنا أبو الحسن الكرخي بسند.
وله مسموعاتٌ أخَر ببعلبك على شيوخها، وفيهم كثرة.
وهو شيخ صالح خَيِّرٌ مؤذّن بجامع بعلبك، مات بعد أن رجع إلى بلاده في أول سنة