ومعه أخوه إبراهيم، فوصلا مقيَّديْن فسُجِنا ببرج القلعة (١)، وكان أخوهما أبو القاسم قد استقرّ في الإمرة وتوجّه صحبةَ الحاج، وكان شُرِط عليه أن يبطل النزلة إن بقى وعاد، وعادة أكابرهم أن يستجير بهم الغريبُ ويسمّونه "نزيلة"، فغلب ذلك عليهم إلى أن صار مَن له عليه حقٌّ يستنزل ببعضهم، فيمتنع من يطالبه حتى بالحقّ، وكَثُرَ البلاءُ بذلك، وأفرطوا فيه، فرفع ذلك للسلطان فشرط على أن هذا الأمير أن يبطل ذلك جملةً، ويعاقب مَنْ فعله، وكتب عليه بذلك التزامٌ وحُكِم عليه به (٢).
* * *
ذكر من مات في سنة ست وأربعين وثمانمائة من الأعيان
١ - أحمد بن محمد شهاب الدين بن الشيخ شمس الدين بن فُهَيْد المصري المشهور بابن المُغَيْربي - بالتصغير - وُلد من أمَةٍ سوداء بعد السبعين (٣)، ونشأ في حجر أبيه وزوّجه بنت الأمير أبي بكر بن بهادر، وكان بزى الترك ولم يشتغل بعلم ولا تميّز في شيء، إلّا أنه كان كثير المعاشرة للجند وينفق فيهم لمعرفته لسانهم ولانتسابه للفقراء، وولى في سلطنة الظاهر جقمق مشيخة الدسوقية وكثرت فيه الشكوى، وكان ممَّن يأكل الدنيا بالدّين، ولا يتوقّى من يمين يحلفها فيما لا قيمة له، مع إظهار تحرّي التصدق والدّيانة البالغة، وكان يتوسّع في المآكل والملابس في غير مادة فلا يزال عليه الدّين، ويشكو الضيق.
٢ - أيْتَمُش الخضري، كان من مماليك الظاهر [برقوق] وتقرّر خاصكيًّا وتولى إمرة عشرة (٤)، ثم ولى الأستادارية الكبرى في دولة الأشرف وتنقّلت به الأحوال وأصيب في جسده
стр. 1857
ببياض فكان يستره بحمْرة، وكان قارئًا للقرآن محبًّا في حَمَلَتِه، كثير البر لهم، مع شَرِ فيه، وبذاءة لسان وارتكابِ أمورٍ فيما يتعلّق بالمال (١).
سقط عليه جدار فغطاه، فأخْرج منه مغشِيًّا عليه، فعاش بعده قليلًا ومات في آخر ليلة السبت عشرين من شهر رجب.
٣ - تَغْرِي بَرْدِي [بن عبد الله] البُكْلَمُشي، الملقّب بالمؤذى، مات في يوم الثلاثاء ١١ جمادى الآخرة، وهو يؤمئذ الدويدار الكبير، وكان شهما شجاعًا، عارفًا بالأمور، فصيحًا بالعربية، كثير الجمع للدّنيا، وعمر في ولايته الدويداريّة مدرسةً بالصّليبة (٢). وعمل فيها خطبةً، ووقَف عليها أوقافًا غالبها مغتصب، وسُرُّ أكثرُ الناس بموته، لثقل وَطْأتِه عليهم (٣)، وأظنّه قارب السبعين.
٤ - حسن (٤) بن نصر الله بن حسن بن محمد، الأدكوي (٥) الأصل ثم الفوّي، كاتب سرّ مصر، وناظر جيشها وخاصّها، ووزيرها، ثم أستادارها، ثم محتسبها، وُلد في ليلة الثلاثاء ٥ ربيع الأول سنة ٧٦٦ بفوة ونشأ بها، وباشر في جهات، ثم لم يزل يترقّى حتّى ولى نظر الجيش بمصر، ثم وزارتها، ثم الخاصّ بها، كلّ ذلك في دولة الناصر فرج، ثم الوزارة والخاص بها في دولة المؤيّد، ثم صودر مرارًا، ثم ولى الأستاداريّة في دولة الصالح محمد، ثم تحوّل وولى الخاصّ ثانيًا عوضًا عن مَرْجَان الخزندار، ثم ولى الأستادارية ثانيا في دولة الأشراف بَرْسْبَاي، عوضًا عن ولده صلاح الدين محمد، وعُزِل عن نظر الخاصّ بالقاضي كريم الدين بن كاتب جَكَم، أوائل جمادى الأولى سنة ٨٢٨، وعُزِل بعد مدّةٍ، وصودر هو
стр. 1858
وولده صلاح الدين، ثم ولى الأستادارية بعد سنين مرة ثالثة، فلم تطل مدّته فيها، ولزم داره سنين إلى أن ولى كتابة السرّ بعد موت ولده صلاح الدين، فباشرها يسيرًا، وعزله جقمق بصهره الكمال بن البارزي ولزم داره إلى أن مات.
وكان شيخًا طوالًا ضخمًا، حسن الشكالة، مدوّر اللّحية، كريمًا واسع الصرف على الطعام، تأصّل في الرّياسة، وطالت أيامه في السعادة فصار هو وولده من أعيان رؤساء مصر وكان لا يَسْلَم في كلّ قليلٍ من مصادرةٍ - مع إنْعامِه وأفضاله على جماعةٍ - وكان عنده بادرة، وخلق سيء، مع حدّة مزاجٍ، وصياح في كلامه، ولم يشتهر بعلم ولا دين، عفا الله عنه.
٥ - عبادة بن علي الزرزاري المالكي (١)، الشيخ العالم العلامة المفنن زين الدين، سمع الكثير مِن شيوخنا، ورافقنا في السّماع مدّة، ومهر في الفقه وغيره، وصار رأس المالكية بآخره، وعُيِّن للقضاء بعد موت القاضي شمس الدين البساطي، فامتنع، فألحّ عليه فأصرّ، ثم تغيّب إلى أن ولى غيره.
وولّاه الملك الأشرف التدريس بمدرسته التي بجوار الوراقين أوّل ما فُتِحَتْ، فدرّس للمالكية بها إلى أن مات، وولى قبل موته بقليل تدريس الشيخونية بعد ابن تقيّ، وكان قبل موته بمدّة قد انقطع إلى الله تعالى، وأعرض عن الاجتماع بالناس، وأقبل على شأنه منقطعًا إلى العمل والعبادة، وامتنع من الإفتاء إلّا باللفظ أحيانًا.
مات ليلة الجمعة ١١ شوال (٢) على خير كثير وجاوز السبعين.
٦ - عبد الله بن أبي بكر بن حسين (٣) السنباطي الواعظ، جمال الدين، مات في
стр. 1859
رمضان بعد مرضٍ طويل وقد جاوز السبعين (١)، وكان يتكلم على الناس بالجامع الأزهر من نحو سبعين سنة، ولازم مجلس الشيخ سراج الدين البلقيني، فقرأ عليه من كلامه ومن كلام غيره، واشتهر ذكره، وحظى حظوةً عظيمةً، وكان مع ذلك يشتغل بالعلم، ويستحضر في الفقه، وقد ناب في الحكم عن القاضي جلال الدين وغيره.
٧ - عبد الرحمن بن محمد الزركشي (٢)، الشيخ أبو ذرٍّ الحنبلي، سمع من أبي عبد الله البياني صحيح مسلم في سنة ٦٨ وحدّث عنه مرارًا وتفرّد بالرواية عنه بالدّيار المصرية، بل كان في هذا الوقت مسند مصر.
مات في ليلة الأربعاء ثامن عشر صفر فنزل الناس بموته درجةً، ومولده في رجب سنة ثمانٍ وخمسين وسبعمائة، وكان يدرى الفقه على مذهبه، فقُرّر في تدريس الشيخونية بعد موت القاضي محبّ الدين الحنبلي البغدادي، وكان صحيحَ البدن، ضعيف البصر، وقد ناهز السبعين.
٨ - عبد العزيز بن علي بن عبد المحمود البكري المقدسي البغدادي الحنبلي، القاضي عز الدين، ولى قضاء القدس، وحصل بينه وبين الخطيب بالقدس، وهو حينئذ القاضي برهان الدين الباعوني، فقام على الباعوني، فقُدِّر أن الباعوني ولى قضاء الشام، فتوجّه عز الدين إلى بغداد، فأقام بها، وولى القضاء بها، ثم عاد إلى القدس، ثم لما دخل الهرويُّ القدسَ وقع بينهما، فتحوّل عزّ الدين بأهله إلى القاهرة، فاتّفق دخول الهرويّ القاهرة، وولى قضاء الشافعّية بها، فقام عليه عزّ الدين إلى أن عُزِل، ثم ولى تدريس الحنابلة بالمؤيّدية أوّل ما فتحت، ثم ولى قضاء الشام، فأقام مدّة ثم عاد، ثم ولى القضاء بالدّيار المصرية مرّة ثانية، ثم أعيد إلى قضاء دمشق.
стр. 1860
وكان عجبا في بني آدم، كثير الدّهاء والمكر والحيل، ونُقل عنه أشياء مضحكة (١) مات في دمشق في شوال مفصولًا عن الحكم وكان اختصر المُغْنى وضمّ إليه مسائل من المنتقى لابن تيمية من مختصرات الحنابلة.
٩ - علي بن إسماعيل بن محمد بن حسن (٢) بن بردس بن نصر بن بردس بن رسلان البعلي، علاءُ الدين، مولده سنة ٧٦٢ ببعلبك ونشأ بها، وقرأ القرآن، ورحل به والده (٣) إلى دمشق وأسمعه جامع الترمذي، وسنن أبي داود، ومشيخة الفخر على عمر بن أميلة، وأسمعه عَلَى، الصّلاح بن أبي عمر الشمائل للترمذي، ومسند ابن عبّاس من مسند الإمام أحمد، ومسند أهل البيت - فيما أظن، وسمع مسند الإمام الشافعي على يوسف بن عبد الله بن حاتم بن الحبال سنة ٧٧٢، أنا أبو الحسين اليونيني، والتاج عبد الخالق بن علوان، قال اليونيني، أنا ابن الزبيدي، وأخوه أبو علي الحسن، وعبد السلام بن عبد الرحمن بن سكينة، ومحمد بن سعد بن الخازن، وأبو هريرة محمد بن الوسطاني وآخرون إجازة، قال ابن علوان، أخبرنا الموفق بن قدامة - إجازة - أخبرنا أبو زرعة، أخبرنا أبو الحسن الكرخي بسند.
وله مسموعاتٌ أخَر ببعلبك على شيوخها، وفيهم كثرة.
وهو شيخ صالح خَيِّرٌ مؤذّن بجامع بعلبك، مات بعد أن رجع إلى بلاده في أول سنة
стр. 1861
ستٍ وأربعين، وكان قدم القاهرة كما تقدّم وأقام بها مدة وأسمع الكثير، ثم رجع فمات (١).
وبقى من الثلاثة واحد وهو ناظر الصاحبيّة.
١٠ - محمد بك بن ذلغادر (٢)، الأمير ناصر الدين صاحب أبُلُسْتَين، وحمو الظاهر جقمق. مات في أوائل جمادى الآخرة، بأبُلُسْتَين، وقيل إنّه قُتِل على فراشه (٣) وكان كثير الشرور والعصيان على الملوك.
١١ - محمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن عثمان (٤)، الشيخ شمس الدين البدرشي، نزيل تربة الجبرتي بالقرافة الصغرى، ولد سنة ثمان وثمانين وسبعمائة بالقاهرة، وحفظ عدّة مختصرات، عَرَض بعضها على الزين العراقي، واشتغل وحصّل وتفقّه على ابن قبيلة الكبرى نزيل المنصورية والشمس السيوطي، ولازم العزّ بن جماعة مدّةً، فسمع دروسه في العلوم التي كان يقرّرها، وأخذ علم الأصول عن العلاء البخاري ويحيى السيرامي، والمعاني والبيان عن يحيى السيرامي، ودأب حتى ولى تدريس الشافعية لخُشْقَدمْ بالجامع الأزهر، وتدريس جامع آقْ سُنْقُر وولى مشيخة التصوّف والتدريس بتربة الشيخ الجبرتي بالقرافة، وحصل بينه وبين الشيخ شمس الدين بن عمار منازعة بسبب ذلك، وكان مقرّبًا عند الأمير جاني بك الصوفي، فلما هرب من السجن حصل لصاحب الترجمة محنة اختفى فيها نحو العشر سنين، ثم ظهر، ثم أمْسِك بغتةً، ثم أفْرِج عنه، ومات في يوم الاثنين سابع عشر شوال من هذه السنة.
стр. 1862
١٢ - محمد بن عمر بن علي الطنبدي، القاضي جمال الدين المعروف بابن عرب، مات ليلة الخميس الثامن من شهر رمضان، وهو في عشر المائة (١).
وُلِد بعد الخمسين بيسير، واشتغل وقرأ القرآن، وحفظ التنبيه، ثم وقع على القضاة وهو في العشرين، رأيْتُ خطه في الشهادة على أبي البقاء السبكي سنة ٧٣، فأدّاها بعد سبعين سنة وزيادة، ثم ولى حسبة القاهرة، ووكالة بيت المال غير مرة، وأذن له في الحكم نيابةً عن القاضي الشافعي، ثم اقتصر على النيابة بعد الثمانمائة واستمرّ، وجرت له خطوب، وانقطع بأخرة في منزله، مع صحة عقله وقوّة جسده، وكانت أكثر إقامته ببستانٍ له بجزيرة الفيل (٢). ثم توالت عليه الأمراض، وفصل إلى أنْ كان في هذه السنة، فأنّه سقط من مكان فانكسرتْ ساقهُ، فحُمل في محفّة من جزيرة الفيل إلى القاهرة، فأقام نحو أربعة أشهر، ومات وهو أقدم مَنْ بقى مِن طلبة العلم ونُوّاب القضاة الشافعية.
١٣ - محمد بن محمد بن محمد بن بدر الدين بن زين الدين بن شمس الدين الدميري المالكي، كان جده ناظرًا للمارستان، وولى الحسبة وكذا والده، واستمرّ هو مشاركًا في البيمارستان، وكان مشكور السيرة كثير الحياء والتودّد للنّاس.
مات في رمضان وكثر الثناء عليه، ولم يبلغ الخمسين.
١٤ - محمد بن محمد بن بُدَيْر - زوج أخت الذي قبله (٣) - بدر الدين العباسي المعروف بالعجمي، وكان رفيق الذي قبله بالمارستان، مشكور السيرة أيضًا، محبّبًا إلى الناس، وكثر التأسّف عليهما.
مات في شوال.
стр. 1863
سنة سبع وأربعين وثمانمائة
شهر المحرم
أوله الأربعاء بالرؤية.
في اليوم التاسع منه استقر سراج الدين عمر بن موسى الحمصي في قضاء الشافعية بطرابلس، وأضيف إليه نظر الجيش بعد أن أقام بالقاهرة ثمانية أشهر أو أزيد، فسعى في قضاء الشافعية بدمشق، فحضر الونائي قاضيها في الثالث والعشرين من ذي الحجة (١) فحصل للحمصي يأس من قضاء دمشق فسعى في طرابُلُس إلى أن خُلع عليه.
* * *
وفي يوم الأحد تاسع شهر ربيع الأول عُمل المولد السلطاني، وكان مختصرًا في كلّ أحواله، بحيث إن عدد القرّاء انحطّ من ثلاثين إلى عشرة، وكذلك الوعّاظ، وفرغ بعد العشاء وتوجّه الناس إلى منازلهم سالمين من عبث المماليك.
* * *
وفي يوم الاثنين سابع عشر شهر ربيع الأول تجهّز العسكر المجهزّ لقتال الفرنج برودس ومقدمهم تَمْربَاي رأس النوبة الكبير، وإينال الدويدار الكبير، ومعهم ألف وخمسمائة مُقاتل، ومعهم جمع كبير من المطوّعة فتوجّهوا إلى دمياط لتجتمع بها المراكب التي جهزت في الشمات وغيرها.
* * *
وفي هذا العُشر من هذا الشهر توقّف النيل بعد أن كانت الزيادة في العُشر الأوّل ظاهرة، ونودي في يوم منه بثلاثين إصبعًا والله المستعان.
وفي ليلة الخميس (٢) … ... … من شهر ربيع الآخر توجهت العساكر إلى دمياط
стр. 1864
للغزو، وكان ركوبهم في البحر (١) … ... وساروا ففرقتهم الريح إلى أن اجتمعوا في طرابلس (٢)، وتوجّهوا منها في … ... (٣) فلما كان في السابع من جمادى الآخرة فتحوا بلدًا في جزيرة في وسط البحر تسمَّى القَشْتِيل (٤) (بفتح القاف وسكون المعجمة وكسر المثنّاة من فوق وسكون المثناة من تحت بعدها لام)، وقد شرح لي صاحبنا العلامة برهان الدين إبراهيم بن عمر بن الحسن البقاعي الوقعة فأثبتُّها في هذا التعليق بخطّه منذ توجَّهُوا من دمياط إلى أن توجهوا إلى جهة الدّيار المصرية لتكون قِصَّتُها متوالية:
"وهذا أول سفر الجيش المنصور (٥) من داخل فم البحر كان يوم الأحد رابع عشر ربيع الآخر قاصدًا اللّمْسون من جزيرة قبرص، جعلها الله دار إسلام إلى يوم الدين، آمين.
وكان في المراكب واحد بطيء السّير فكان النّاس يتقدّمونه بحكم الهواء ثم يرجعون بسببه، فتاهوا عن طريقهم فأشرفوا على جبال صيداء إذْ كان قد قلّ ماء بعضهم فأرسى على ساحل بيروت ليلة الاثنين ثاني عشري الشهر تَمُربَاي في خمسة عشر مركبًا فأرسوا على طرابلس في تلك الليلة ووجدنا العسكر الشامي قد توجّه من بيروت إلى قُبْرص في خمسة عشر مركبا يوم الخميس ثاني عشر الشهر، ثم رحَلنا عن بيروت يوم الأربعاء رابع عشري الشّهر والرّيح قليلٌ
стр. 1865
جدًا، فأرْسيْنا على الملّاحة من أرض قبرص يوم الأحد ثاني عشريه فوافانا بها فيه من كان ذهب إلى طرابلس، فكان ذلك من غرائب الاتفاق.
"ثم رحلنا يوم الثلاثاء مستهل جمادى الأول واستَبطَأنا الشاميون وكانوا على اللمسون، فلاقونا بين الملّاحة واللمسون فأرْسينا هنالك وقد تم عدد المراكب ثمانين ما بين أغربة وحمالات ومربّعات وزوارق وسلالير سوى ما يتبعها من القوارب.
"ثم سرْنا ليلة الأربعاء ثانيه فأرْسيْنا على اللّمسون في آخر نهارها فوجدنا أميرها قدْ رحل بأهلها وأمتعتهم فحكم أصحاب الأغراض الدّنيوية - وهم غالب الناس - عليهم بنقض العهد وأفتاهم بذلك من تسمّى باسم الطلب ممَّن لم ترسخ قدمه في العلوم الدينيّة ولم تَعْلُ ممارسته للسنة النبويّة، ولا اتسَعت معارفه في الأحوال الحربية والسياسات الشرعية وتشبثوا بما لا تمسّك فيه، فاشتدَّ الأذى، وعظم الخطب، فسعوا في تلك الأراضي بالفساد، ونهبوا ما وجدوه في بعض البلاد، وحرقوا وقتلوا، فَنَهَيْت مَنْ قدَرْتُ عليه، وبالغْت في الزّجر، وبحثْتُ مع بعض من أضلهم حتى قطعْتُ حججهم، وذكرْتُ أنّا تحقّقْنا لهم عهدا فلا نزيله إلّا بتحقّق نقْضه، وأنّ عُذْرَهم في الهرب الخوفُ من المفسدين، وما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (١) وتبينوا إشارة إلى التأنّي، وعلى ذلك فهم لعمرى لم يرجعوا بقلوبهم.
"ثم ذكرت قصّة يهود بني النضير في ذهاب النبيّ ﷺ إليهم يستعينهم في دية العامريَّيْن اللذين قتلهما خطأ عمرو بن أمية الضمري ﵁، وجلوسه ﷺ إلى بعض جُدُرهم وعزمهم على أن يطرحوا عليه صخرةٍ ليقتلوه، وإخبار الله تعالى له بذلك، وأنه مع تحققه لنقضهم لم يبادر إليهم بالقتال، بل خيَّرهم بينه وبين المسير من بلاده، إلى آخر القصة.
"فبينما نحن على ذلك إذْ جاءَتْ رسل صاحب قبرص في آخر يوم الخميس تُخْبر بأنّ ضيافته تلاقى العسكر في "ألباف (٢) " وأنهم باقون على عهدهم، سامعون ومطيعون
стр. 1866
مسرورون بمسيرنا إلى رودس لكثرة أذاهم له، واعتذروا عن هرب أهل القرى المجاورة بنحو اعتذاري عنهم، وفي ذلك اليوم رأى بعض المسلمين مركَبينْ أشرفوا علينا من بُعْدٍ بحيث رأوا مراكبنا ثم ذهبوا فقصدوا المسير إليهم فلم يكن في الأغربة مَن يصلح لذلك من النوتية ولا من الجند لتفرّقهم في تلك الأراضي، ثم رحلنا من اللمسون ليلة السبت خامس الشهر فأرسينا على الإسكينيّة عَصْرَ يْومِها.
ثم سرْنا يوم الإثنين بالمقاذيف، وتفرّقت المراكب لعدم الرّيح وعدم المقاذيف في بعضها، فأرْسينا على الرأس الأبيض في ذلك اليوم، ثم سرْنا منه ليلة الثلاثاء خامس عشر الشهر مع معاكسة الهواء، وجرّ أصحاب المقاذيف الغرابين عنها، فأرْسينا قريبا من ذلك المنزل، ثم سِرْنا صبيحة. يوم الأربعاء سادس عشره، فأرسينا على قرية قريبة من ألباف، فجاءت رُسُلُ صاحب قبرص فأخبروا عن مقدار الضيافة، وشكوا مِمّا فُعِل ببلادهم وتوجّعوا، وظهر منهم الخداع، إمّا لِمَا فُعِل ببلادهم أو لغير ذلك، فاستقل أميرُنا هديّتهم، وغضب لعدم مجيء ملكهم، وإحضارهم لما بقى عندهم من المال، واعتذر عمّا فُعِل في بلادهم بأنّه فَعله بعض الأتباع بغير عِلْمه، على أنهم معذورون لعدم المبادرة باللقاء وإحضار الضيافة، والإخبار بالطاعة، فرحل ليلة الخميس سابع عشرة معرجا عن ألباف لئلّا يأخذ هديتهم، فتعديناها وأرسَيْنَا على رأس الصندفاني.
ثم رحلنا صبح الجمعة ثامن عشر الشهر مع عدم الريح، فاستمرّينا ندور في الرّيح والبحر، ونحن بحيث نرى الجبال إلى أن قصدْنا البر فأرْسينا به ليلة الأحد في هذه المنزلة فاستقيْنَا.
ثم رحلنا يوم الأحد العشرين منه فنزلنا على مدينة العلايا من التركية ليلة الخميس رابع عشري (١) الشهر، وحصلت هناك زلزلة عظيمة قبل غروب شمس يوم الجمعة بنحو عشر درجات ورجفَتْ منها الأرض ثلاث رجْفات، ثم سرنا عنها يوم الاثنين ثامن عشري الشهر، فأرسينا على مدينة أنطالية يوم الأربعاء مستهل جمادى الآخرة، ثم سرنا عنها ضحى ذلك اليوم فأرسينا على أغو (٢) ليلة الخميس ثانية لاجتماع النّاس، وكان قد حصل لهم ريحٌ
стр. 1867
وأخبروا بصاحبهم في أنطالية (١) يُصْلِح خَلَلًا حصل في غُرَابِه، فأمر يشبك الفقيه بالرّجوع لمساعدته فرجع ليلة الأحد خامس الشهر، وسار الأمير بالجيش نحو رودس فرجعْنا إلى أنطالية في ذلك اليوم. فلمّا أصْلِح المركب، سرنا ليلة الثلاثاء سابع الشهر فلحقْنا العسكر بعد رأس الشالدون، فأرسينا جميعنا على نزلة فنيكة، ثم سرنا منها تلك الليلة، فلحقنا جميع العسكر في بكرتها عند مجاز القيقبون ومعهم بنخاص، وكان مَرّ على المراكب ليْلًا فلم يرها وظنَّهم تقدموا، فلمّا قرب من القيقبون وجد أربعة من مراكب الفرنج فطلبوه، فرجع ونذر بهم التركمان فاجتمعوا في البرّ فنزلوه ورجعوا، فعلم أنّ الجيش وراءه، فاستمرّ راجعًا حتّى نام في فنيكة، وبلغ الأميرَ خبرُةَ فأرسل في إثره نجدةً فوجدوه في فنيكة وفي هذا اليوم أرْسينا بالقيقبون ووجدوا هنالك امرأة جالسة على الجبل فأحضروها إلى الأمير فقالت إنها كانت تسحر جيش المسلمين ثم هداها الله تعالى للإسلام فأسلمت، وأبطل الله تعالى باطل سحْرهم وأوْقعهم في حبائل كُفْرِهم وشراك كيدهم ومَكْرِهم.
ثم سرنا في أواخر ليلة الجمعة عاشر الشهر فأرْسينا ضُحَى يومها بمنزلة اينوا، ثم سرنا منها في أوائل ليلة السبت حادي عشره فأرسيْنا في أواخرها على قشتيل الروج، وهو حصن منيع على جبل رفيع في طرف جزيرة تقرب مساحتها من مساحة القاهرة من الحسينية إلى القرافة ومن تربة برقوق إلى بولاق فقاربه بعض شبان المسلمين فصعد إليهم بعض الأكابر فتلطّف بهم حتّى ردّهم، فظن الفرنج أنهم خافوا فرموا عليهم بمكحلةٍ وهزءوا بهم، فأثّر الكلام في الناس فكلم بعضهم الأمير في قتالهم فمنعه منه، وأقلع للسفر ثم أكثروا عليه في ذلك فردّه لأمر قدَّره وقضاه، وارتضاه في سالف الأزل فأمضاه، فوثب النّاس إليهم وثوبَ الآساد، وسمحوا بأرواحهم سماح الأجواد، ووقع قائم الزحف، وقام قاعد الحتف، وتقدّمت الأبطال، وتميّزت فحول الرجال، وعملت المعاول في السور، وبَانَ هنالك الرجل الصّبور، وتراشق النّاس بالنّبال، وتراموا بالجنادل الخفاف والثقال، فطارت رسل السهام طَيْر الحمام، ودارت على البرايا كئوس المنايا، واتقوا بالدرق والجنويات، والدروع الداووديات، ولله در المقاليع، فلقد كانت كأنها المنجنيقات، ولله أصحابها فلقد كان الأقوياء يسترون بعض أجسامهم بدروع الحديد، وكانوا هم يعدون جميع أبدانهم حديدًا ويرمون رميًا شديدًا، ثم أحجموا عن مجاوزة السور إلى جدار الحصن، وهبّت ريح الصبا
стр. 1868
العاصف ففرّقهم وضعضع بعضهم، فاجتمعوا إلا اثنين، أحدهما لم يقفوا له على أثر، والثاني من حين قتالهم إلى ظهر يوم الإثنين ثاني عشر الشهر، فكان ذلك من آيات القول المحمدي: "نصرتُ بالصّبا".
وفي ذلك اليوم حطم الناس، واشتدّ الباس، وقامت الحرب على ساق، وكلَّت من النظر الأحداق، واشتكتْ إلى أبدانها الأعناق، واستداروا بالحصن من غالب الجوانب، وكثر في رمينا الصائب، فحمى الوطيس وخُذل إبليس، وأخطأت كثيرًا سهامهم ومكاحلهم، وأصيْبت دروعهم ومقاتلهم، وحينئذٍ استدارت الريح دبورًا فكانت من علامات إهلاكهم، وأهلكت عاد بالدبور، وهَدَّتْ مكحلتنا عند ذلك ناحية من الجدار، وأضرِم بسهم. خطّى مِن تحته نار.
وكان ذلك من بديع الآيات، وعظيم العنايات، ومازالت تقلله تقليلًا، وتهدمه قليلًا قليلًا، إلى أن هدمت منه جانبًا كبيرا، وكان يوما على الكافرين عسيرا.
وكان الأمير سودون قَرْقمَاس المؤيّدي قصّ علَيَّ يوم السبت سادس عشري جمادى الأولى أنه رأى في المنام أن الحصار في مكان له سوران، قال: "فهزَزْت الذي يليني لأرميه، فقال: إرْمِ الذي وراءك فهو الأهم، فقلت: بل أرْميك ثم أرْميه" فكان تأويل ذلك أنه كان منزله وقت حصار هذا الحصن قربَ البرج الأخير الذي فيه الباب، فأشْرَفَ مِن هناك بعض الفرنج ضحى الخميس سادس عشر الشهر (١) وقالوا: "قد كان قصدكم إلى رودس فنريد أن تذهبوا إليها قبل أن تُنْهك أنفسكم وأموالكم، فإن أخذتموها فنحن في قبضتكم، أو أعطونا سلورة حتى نذهب إليهم، فإنْ رضوا بتسليمنا لكم فعلْنا" فلم يردّ الأمير لهم جوابا إلّا رَمْى المكحلة والمنجنيق. وكان تهيّأ في ذلك الوقت ونادى مناديه - وهم يستمعون - بالمنع من كلامهم إلّا بإذنه، وكنا وجدْناهم قد طمُّوا بعض آبارهم ووضعوا في الجميع ترابًا وأغصان الدفلى وورقها، فأنتنَت المياه وقَلّتْ، فذهب جماعة من المسلمين إلى برّ التركية للاستسقاء فوجدوا هناك ثلاثة رجال فأتوا بهم في عصر هذا اليوم، فسألهم الأمير عن أمْرِهم فقالوا إنهم هربوا من بلاد التركمان قاصدين إلى القشتيل فضربهم، فأصرّوا على ذلك وقالوا إنهم مماليكٌ لبعض الروم، وسمَّى كُل مالِكَه.
وكان قد أصيب خَلق - ممن دنا إلى الحصن بالحجارة والنَّبْل وضاع منَّا في أحجارهم سهام كثيرة فَمنَع الأميرُ الدّنُو إليهم وجَعَل جلّ القتال على المدفع والمنجنيق، ثم أمطرت علينا
стр. 1869
السّماء من أوائل يوم الأحد إلى أواخر يوم الاثنين مطرًا متَّصِلًا، ومنه ما هو شديد جدًّا مع برقٍ ساطع، ورعْدِ صادع، ثم استمر الجو في غالب الأوقات مُعبسا، والمطر يتعاهد الأرض والهواء عاصفًا، فشقّ ذلك على النّاس لإتيانه لهم على غفلة، لكن أغناهم عن الاستسقاء من برّ التركية، ثم صحت السماء يوم السبت خامس عشري الشهر وحميت الشمس، فاتفقت فيه كثرة إصابة المكحلة والمنجنيق وتواردهما على مكان واحد من الجدار فأوهناه وهنا شنيعا، وأسرعنا إلى إفساده ذريعا، فخاف الكبار من الدّنوّ إلى ذلك المكان، فاتّفق أنْ قاربه إثنان من المسلمين فعلها ذلك فلاصقا الجدار وتبعهما الناس، وأسرع إليهم النقّابون وستروهم بالأتراس، وجاء الفرنج وأكثروا من رَمْي الحجارة فيسّر الله تعالى عليهم نَقْبه، وتلاحق الناس بالجنويات وجدّوا في الأمر، وكان القتلى مع ذلك قليلين، وجاء الليل فأرْخى ستره، وأسْبَل سرباله، فكانت حجارتهم تنزل على عمية، فغلبت السلامة وضاق النقب على الحجارين فستر لهم بابه بالأخشاب فأوضعوا، وجدّ الجدّ عند الصباح، وعظم الهدّ لما دعا داعي الفلاح، وحمّ الأمر، وجاء النّصر، ودُقَّتْ فينا البشائر، وشُقُتْ منهم بعد الجُدُرِ المرائر، فقذف الله تعالى (١) ﴿فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ فطلبوا الأمان عند الشروق، فكفّوا عنهم النبل، ودَلَّوا كبيرهم إلينا بحبل، فوقع الصلحُ على أن يكفّوا عنهم القتل وعن أهلهم، ويتركوا حصنهم بما فيه، فكان ذلك من الألطاف الخفيّة والآيات النبويّة، وكانت عدّتهم نحو مائة وخمسين، ورجالهم ستين، والله أعلم بعدد قتلاهم، فقد سُئل اثنان بحضور مفتَرِقَين فاختلف كلامهما اختلافًا كبيرًا وقُتِل منّا أكثر من ثلاثين، وجُرح منا كثير. فصعد المسلمون إليه (٢) وعادوا عليه، ونكّستْ تلك الأعلام، وانتصَبَتْ رايات الإسلام، وكُسرت الصلبان، وعلت كلمة الإيمان، وزعق هنالك الزّمر السلطاني، وخَمَدَ - ولله الأمر - الأمر الشيطاني، وكان يومًا علينا مطيرًا، وعلى الكافرين عبوسا قمطريرًا.
ثم شرعنا في هدم المكان صُبْح يوم الاثنين سابع عشري الشهر، فلم يفرغ إلّا وقد ساوت جدرانه الأرض، من طولها والعرض، وسارع إليه الخراب، وصار مأوى الثعالب والذّئاب، ولم يبق في تلك الجزيرة ديار، ولا نافخ نار.
стр. 1870
"ولقد صعدتُ الحصن فرأيت من صعوبته ما يزيد عن الوصف، وكثر حمدي لله تعالى على ما ألقى في قلوبهم من الرّعب، فإنهم لو ثبتوا لزادَ التعب، وربّما لم يُقْدَر عليه بنقب ولا مكحلة، والمرجو ممّن حقّق بعض منام الأمير سودون أن يحقّق بقيّته .
واتّفق رأيُ الأمراء على أن يشتوا في بلاد الروم في بلدةٍ يقال لهما مَكرِي حتى يريد الله ما يريد، فهو المرجوّ فضله في تيسير الأمور، ثم لم يوافقهم الريح الشرقي، واستمر الريح الغربي، وخافوا من هرب مَن في المراكب مِن النواتيّة وغيرهم، فاقتضى رأيهم أن ينزلوا بحزيرة قبرص، فساروا ضحى يوم الأحد ثالث شهر رجب فأصبحوا بمنزلة فنيكة وقد تفرّقت المراكب لظلمة الليل وقلة الرّيح، فأقاموا بها يومين ثم سافروا فقويت الريح فأرسوا بالجانب الغربي من رأس الشالدون في منزلةٍ يقال لها قرابالق، وقد تفرّقت المراكب بحيث لم يعلم أحد خبر أحدٍ، إلى أن هبّت الريح فاجتمعوا إلّا مركب الأمير أينال الدويدار وهو كبيرهم، فأرسلوا مَن يعرف خبرهم في مركب لطيف فلم يَعُد الخبر عنه. ثم ظهر أنه أرسى بمن معه في القيقبون من عدم الرّيح، فتوجَّهَتِ الأغربة بأمر أمير البحر إليه وكان غرابُنا منها، فسرنا بعد أن دفن أمير الشاميين فارس نائب القلعة، وكان جُرح في القشتيل في جبينه جراحةً أزالت عقله، فلمّا كنّا في أثناء الطريق آخر هذا اليوم أرسلَتْ علينا السّماءُ من أفواهها عيون الماء، واجتمعت ظلمة الليل إلى سواد ذلك العمى، فأرْسينا هنالك وقد خفنا أن تحيط بنا المهالك، وأن تحبط أعمالنا بذلك. فلم نصبح يوم الأحد عاشره إلّا وقد شابت رءوس الجبال فاكتست عمائمَ الثلج الأبيض، وعادت وجوه الرجال من ثياب البرد في الطويل العريض، ثم ابيضّ السحاب فشابت منه ناحية البحر، وعاد اسوداده واخضراره فائقًا بياض النّحر، فضربتْنا الأنواءُ من بياض الجبال والبحر بشيبين، وأغرقتنا المياه من ماء الغمام والموج بسببين، وبُلِينا من قَرصْ الذباب ورقص الغراب بأليم العذاب، فعلمت أنه لا يريح من هذه الهموم، ولا يزيح ما توالى من جيوش الغيوم، إلا الأعمال الصالحة، والأقوال الرابحة، ولم أستحضر فيما سلف لي منها ما أرتجيه. فألتجئ إلى ظلّه وأرتجيه، وفهمتُ من حديث كعب بن عُجْرَة وغيره أن أسرع الدعاء في القبول، وأشدّه إنقاذا من شدائد الشدائد الصلاة على الرسول، فلزمْتُها ليلًا ونهارًا، عشيًا وأبكارًا.
وأرسينا ليلة الاثنين على فنيكة، ومنعنا الهواء من جوازها وهو صعب العريكة، فبتنا ليلة رأينا فيها من الأهوال ما رأيْنا، وقاسينا من شدائد الأحوال الذي قاسيْنا: ريح تكاد
стр. 1871
والعياذ بالله - أن تقلب الغراب، وصَيّبٌ لا يُنْجى منه سترٌ ولا ثياب، وبرْق يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار، وأمواجٌ ما يمنعها من الكبر ومثارها البحر الزخار، فضاقت الصدور منا أجمعين، وصارت القلوب من خافضين رافعين، ليلٌ سواده أشدّ من سواد الغراب، وغراب أعظم في تقلّبه من الطائر النعّاب. ثم انجلت الشمس وطاب الوقت، وابتدأنا في احتباء ثمرة الصلاة من الفوز والنجاة، فسرْنا في أواخر ليلة الأربعاء ثالث عشر الشهر نحو القيقبون حتى أدركنا بقية الجيش في المكان الأوّل، واجتمعت الآراء على العود إلى الدّيار المصرية، خوفًا من هيجان البحر وعدم موافقة الرياح، والله المستعان (١).
* * *
واتّفق وصول أولهم إلى ساحل دمياط في يوم الأربعاء (٢) التاسع (٣) عشر من شهر رجب، ووصل الخبر بذلك إلى القاهرة في يوم الجمعة بعد الصلاة (٤).
ثم وصل سودون المحمدي مبشّرًا بقدومهم، فاجتمع بالسلطان يوم الأحد (٥) الثاني والعشرين منه، ثم تلاحق بقية العسكر، فمنهم من جرته الريح إلى ساحل دمياط كما تريد، ومنهم مَن جرَّته إلى الإسكندرية ونزل أكثرهم بساحل رشيد، ثم دخلوا بحر النيل، فاستقبلتهم الريح المريسيَّة فما تكامل مجيئهم إلّا في يوم الأربعاء حادي عشر شعبان. فركبوا جميعا ومعهم الأسرى والغنيمة إلى القلعة، وخلع عليهم واجتمعوا بالسلطان في يوم الخميس [ثامن عشر] (٦).
* * *
ومن الحوادث بعد أن سافر الغزاةُ في أواخر جمادى الأولى، قُدومُ زين الدين عبد الباسط الذي كان ناظر الجيش ومدبّر المملكة في سلطنة الأشرف بعد أن استأذن في القدوم إلى السلطان زائرًا فأذن له، فتقدّم وهرع الناس إلى تلقّيه وبالغوا في ذلك لما ظنّوه من عَوْده لما كان
стр. 1872
عليه، فلما اجتمع بالسلطان خلع عليه وعلى أولاده الثلاثة، فزينت لهم البلد، وأظهروا من الفرح به ما لم يكن في البال، حتى أطبق أكثر الناس على أنهم ما رأوا مثل ذلك اليوم من كثرة استبشار الناس به، وهرع الناس للسلام عليه بعد ذلك، وأرجفوا بولايته وتباينوا في ذلك، فأقام أيامًا ثم استأذن في الزّيارة، فأذن له فحصل له بسْط زائد وابتهاج، وعاد بغير شيء، ثم تكرّر ذلك إلى أن ظهر أنّه لا أرب له في ولاية من الولايات، وإنما يريد أن يشتي بالقاهرة ويصيِّف بالشام فسكت عنه، ثم بَدَى له أن يستأذن في الرجوع فأذِن له، فوُدّع وسار قبل أن يستهلّ رجب، وحصل لأصحاب الوظائف طمأنينة زائدة بعد قلق كبير، لأن كلا منهم ما كان يدري ما يؤول أمره بعد، وأعطى السلطانُ لولده الكبير إمرة (١).
* * *
وفيه رافع ولد (٢) القاضي شهاب الدين بن الرسّام الذي كان قاضيا بحماة ثم بحلب، وكان ولده هذا يتقاضى (٣) الأشغال بباب والده، ثم توصل إلى التعرّف بالسلطان لمّا كان في السفرة الأخيرة في دولة الأشرف بحلب، ثم إنّه حضر ورافع في كاتب السرّ وهو زين الدين عمر بن شهاب الدين بن السفاح، وفي نائب القلعة ووالى القلعة ومباشر القلعة أنهم استولوا على الحواصل السلطانية في إمرة تَغْرِي بَرْمُش الذي كان نائبا بها وخرج لما خُلع الملك العزيز وآل أمره إلى القتل كما تقدم، فأحضر الأربعة من البريدية وحُبسوا بالبرج، ثم أذن لنائب القلعة تغري برمش الفقيه في محاسبتهم، فتقرر عليهم خمسة وعشرون ألف دينار وأطلقوا ليحصلوها، واستقر الذي رافع فيهم في نظر الجيش وكتابة السر جميعا، وسافر ومعه زوجته ألف (٤) بنت القاضي علم الدين صالح بن شيخنا البلقيني، فلما كان بعد سفره بعشرة أيام
стр. 1873
أعيدت كتابة السر لابن السفاح، وأذن له في السفر (١).
* * *
ذكر من مات في سنة سبع وأربعين وثمانمائة من الأعيان
١ - أزْبُك جحا (٢) مات مسجونا بقلعة صفد وكان من خواص الأشرف.
٢ - أبو بكر (٣) بن إسحق بن خالد الكختاوي الحنفي، العلامة زين الدين المعروف بالشيخ باكير، وُلد في حدود السبعين بكختا (٤)، وكان إماما بارعًا في علوم شتّى، وفي لسانه شبه لُكْنَة، مع سكون وعقل زائد، وحُسْن شكالة، وشيبة منورة، وجلالةٍ عند الخاص والعام. ولى قضاء حلب، فحُمدَت سيرته، وأفتى ودرس بها، ثم بمصر باستدعاء السلطان له حين ولاه مشيخة الشيخونية، وانتفع به جماعة.
٣ - تمراز الملقب بتعريص (٥)، أحد الأمراء العشراوت. مات عائدا من رودس في هذه السنة.
стр. 1874
٤ - حسين بن عثمان بن الأشقر بدر الدين، أخو ناظر الجيوش محب الدين [محمد] وكان قد باشر نظر المرستان نيابة (١) عن أخيه (٢) لمّا تولّاه في زمن الملك الظاهر جقمق.
مات في صفر ولم يكمل الستين، وتأسّف عليه أخوه كثيرًا، وكان أخوه قائما بأموره كلها.
٥ - حسين بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن إسماعيل بن النّحال السكندري الأصل، القاهريّ المعروف بالكلابي، بدر الدين، وُلد في صفر سنة ٧٥١ بالقاهرة، وأخبر أنه ليس من بني كلاب وإنّما لقّبه بهذا اللقب بعض النّاس، وسمع علَى النجم بن رزين صحيح البخاري، وعلى الصلاح البلقيني صحيح مسلم وحدث، وابتُلى في جسده ببياض، وتوفي ليلة السبت التاسع عشر من جمادى أولى وأضرَّ (٣) بآخره وكان حفظ القرآن وهو صغير، والوجيز للغزالي، وألفية ابن مالك، والإلمام لابن دقيق العيد، وبحث في الفقه على البدر الطنبدي، والبرهان البيجوري وغيرهما، وكتب الكثير بخطّه.
٦ - خليل (٤) [بن أحمد بن علي] السخاوي، غرس الدين، ناظر الحرمين: القدس والخليل كان عامّيا فرقّاه الظاهرُ جقمق حتى عُدَّ من الأعيان، ولم تطل مدّته حتى مات في العشرين من جمادى الأولى من هذه السنة، وكان يَتديّن مع كونه عاريا.
٧ - صدقة (٥) المحرقي فتح الدين ناظر الجوالي، كان مِمَّن ربّاه جقمق على عاميته. مات في ليلة الخميس سلخ شوال، ودُفن ظاهر باب الجديد.
стр. 1875
٨ - علي بن أحمد بن البصّال (١) الإسكندراني الأصل، نور الدين، كان يتعانى التوقيع في ديوان الإنشاء، واشتغل كثيرًا في عدّة فنون، ولم يكن بالماهر، وسمع من أبي الفرج ابن الشيخة، والشيخ سراج الدين بن الملقّن وغيرهما ومَن قبل ذلك، وكتب بخطّه كثيرًا من تصانيف شيخنا المذكور، وحدّث باليسير، ولازم مجالس الإملاء عندي نحوًا من عشرين سنة، مات في آخر يوم الأربعاء ثالث عشر رجب (٢) وأظنه أكمل السبعين (٣).
٩ - فارس، أمير السرية (٤) التي خرجَتْ من دمشق في الغزاة إلى رودس (٥) فأصابته جراحة فتضعّف منها إلى أن مات في البحر بعد أن رجعوا. وقد ذكر في رسالة برهان الدين.
١٠ - محمد ناصر الدين أبو المعالي ابن السلطان الملك الظاهر جقمق، مات في ليلة السبت سحر الثاني (٦) عشر من ذي الحجة، وكان مولده في شهر رجب سنة ٨١٩، وقرأ القرآن واشتغل بالعلم وحفظ كتبا ومهر في مدّةٍ يسيرة، ونشأ في معاشرة أهل العلم ولازم الشيخ سعد الدين بن الدّيري قبْل أن يلى القضاء، وتردّد إلى كاتبه (٧) بحُسْن ذكائه وصار مشاركًا في علوم، وله محاضرة حسنة بحيث لا يُعلم من أبناء جنسه نظيره، مع التواضع والبشاشة وحسن الشّكل، وأخذ من محيي الدين الكافياجي الرومي وغيره، وكان محبًّا في العلم والعلماء، وولى الإمرة بعد سلطنة أبيه بقليل، وجلس رأس الميسرة، وسكن الغور
стр. 1876
بالقلعة ووعك (١) في أثناء السنة قَدْر شهرٍ، ثم عُوفي ثمّ انتكس في أوائل شوال، وأصابه السّلّ فصار ينقص كلّ يوم، ثم انقطعَتْ عنه شهوةُ الأكل وخرج إلى النزهة في الربيع وهو بتلك الحال، فما رجع إلّا وهو تعب لما به، ثم طرأ عليه الإسهال واستحكم به السّل، وهو مع ذلك يحضر الموكب إلى أن صَلَّى صلاة العيد، ونزل إلى بيته بالرميلة فضَحَّى، ورجع واستمرّ إلى أن مات، ولم يتهيّأ له أنْ يوصى، وخَلَّف بنتين وثلاث نسوة ووالديه، وكان صَيّنا لكثرة من يعاشره، ويلازم الشَافعية، وكان كثير البشر والبر، قليل الأذى، كثير الإنكار على مالا يليق بالشرع، إلا أنه كان منجمعا عن الكلام مع والده، وكان يكظم غيظه إلى أن قدرت وفاته، فمات شهيدًا بالبطن. ويقال إنّه سحر فمرض من ذلك السحر، ووجد السحر والساحر، فمنعهم أبوه من الاعتماد على ذلك، ومنهم من يزعم أن سقى، ولم يثبت شيء من ذلك، ودفن بقرب القلعة بالتربة التي أنشأها قانباي الجركسي لولده محمد، وكان من أقرانه، وكانت سيرة الآخر مشكورة، ومات وله دون الثلاثين (٢).
стр. 1877
١١ - محمد بن حسن بن علي (١) الشيخ الحنفي الصوفي، ولد سنة ٧٦٧ وحفظ القرآن وسمع على الفرسيسي السّيرة النبوية لابن سيّد الناس بسماعه منه، واشتغل قليلًا، وكان له حانوت على رأس حارة بَرْجَوان يبيع فيه الخيط والحرير والورق، ثم ترك ذلك وتزهّد وأقبل على العبادة وصارت له سوق نافقة جدًّا، واتّصل بالأمير ططر، فلمّا تَسلْطَن عظم أمره، واشتهر ذِكره، ومال الناس إليه، وبنى له زاوية بسويقة السباعين وأقام بها، وكان لا يقوم لأحدٍ من الناس كبيرًا أو صغيرًا، ويعمل المواعيد، واستمر على ذلك إلى أن مات في رابع أو خامس ربيع الآخر ﵀، ووهم من أرّخه في ربيع الأوّل. وكان خيّرًا ديّنًا فقيها عالمًا مسلكا، يعظ الناس ويُعلمهم، وعلى وعظه رفق، ولكلامه وقع، وللملوك فيه اعتقادُ، وهو في حدود الثمانين بزاويته خارج قنطرة ظاهر القاهرة، وبها دُفِن.
١٢ - يحيى بن العبّاس بن محمد بن أبي بكر العباسي، وهو ابن الخليفة السلطان المستعين بالله أمير المؤمنين بن المتوكّل بن المعتضد، مات بعد الظهر الثاني عشر من المحرّم وأخْرِجَتْ جنازته صبيحة الثالث عشر، ودُفِن بالصحراء في حوش اتّخذه لنفسه فدُفن فيه أولاده الثلاثة (٢)، ولم يخلف عير بنتين ولم يبلغ الأربعين وكان قد ترشّح للخلافة لمّا مات عمه المعتضد داود وادّعى أنّ والده داود عهد إليه فلم يتم له ذلك.
وكان من خيار الناس، مشكور السيرة، سليما ممَّا يعاب، ﵀، ولم يخلف ذكرًا، وخلف مالًا جزيلًا فيما قيل.
١٣ - جمال (٣) الدين [بوسف بن محمد بن أحمد] المجبّر التزمنتي، الشيخ جمال الدين، مات في ليلة الجمعة خامس عشر شهر رجب وكان فاضلًا، اشتغل كثيرًا ودار على
стр. 1878
الشيوخ ودرّس في أماكن، وناب في الحكم عن القاضي علم الدين بن شيخنا البلقيني، وكان صديقَه، وأظنه جاوز السبعين (١).
١٤ - جلال الدين بن شرف الدين عبد الوهاب، الشريف الجعفري الزينبي الأسيوطي مدرّس المدرسة الشريفية بأسيوط، والمدرسةُ المذكورة إنشاءُ ابنِ عمّ أبيه زين الدين بن الناظر الأسيوطي، وكان قد ولى الحكم بها مرّة.
* * *
стр. 1879
سنة ثمان وأربعين وثمانمائة
المحرّم منها استهلّ بيوم الاثنين (١) وقد تزايد الطّاعون، وبلغ عددُ الأموات في كلّ يوم زيادة على عشرين ومائة ممن يُضبط في المواريث، وقيل إنه يزيد على المائتين، وأكثر مَن يموت من الرقيق والأطفال، ثم تزايد واشتدّ اشتعاله إلى أن دخل الحاجّ فتزايد أيضًا، ومات من أطفالهم ورقيقهم عدد جمّ، ويقال إنّه جاوز الألف (٢) في كل يوم.
وفي يوم الاثنين ثاني عشرين الشهر خرج أمير المجاهدين إينال الدويدار الكبير، وكان خرج قبله - بإثنى عشر يومًا - طائفة كبيرة تقدّموا إلى إحضار المراكب من دمياط إلى الإسكندرية.
وفي يوم الجمعة الثالث من صفر بعد صلاة الجمعة والشمس في الجوزاء أمطرت السماء مطرًا يسيرًا بغير رعد، وتقدَّمته ريح عاصفة بتراب منتشر فسكن في الحال، وأصبح الناس يتحدّثون أن الوباء قد تناقص عما كان.
* * *
وفي ليلة الأحد خامس صفر وجَدْتُ وجعا تحت إبطي الأيمن ونغزة مؤلمة فنِمتُ على ذلك، فلما كان في النهار زاد الألم قليلًا فنمت للقابلة وانتبهت والأمر على حاله. فلما كان بالعاشر برزَتْ تحت إبطي كالخوخة اللطيفة ثم أخَذَتْ في الخفة قليلًا قليلًا إلى العشر الأخير منه فذهَبت كأن لم تكن، والحمد لله.
وتناقص الموت إلى أن انحط ما بين العشرين والثلاثين.
стр. 1880
شهر ربيع الأول
أوله الخميس بالرؤية الواضحة، ووافق الرابع والعشرين من بئونة (١) وفي يوم الجمعة أختبر المقياس مكان الماء.
وفي يوم السبت دار مَنْ يُبَشّر بالنيل.
* * *
وفي يوم الأحد نودِي: وصل هجّان من الحجاز يخبر برخص الأسعار بمكة، ولله الحمد.
وفيه ارتفع الطاعون (٢) إلا نادرا ثم ارتفع جملة.
وفي يوم الثلاثاء أواخر الشهر سقط الجدار على ولد سعد الدين إبراهيم الذي كان أبوه ناظر الخاصّ وكذا جده فمات، وكان قد طُعِن بحبتين ثم خلص وأفاق فبغته الموتُ بالهدم، وكان قارب البلوغ وخرجت له جنازة حافلة.
* * *
شهر ربيع الآخر
أوله (٣) يوم الجمعة بالرؤية.
في يوم الأحد ثالث شهر ربيع الآخر حضر إليَّ بعضُ الدويدارية من عند السلطان يأمرني أن ألزم البيت، وهي كناية عن العزْل، ثم لم يلبث إلّا ساعة أو دونها فحضر الشيخ شمس الدين الرومي جليس السلطان، فذكر أن السلطان ندم على ذلك وقال: "لم أرِدْ بذلك العزل! " وسأل أنْ أُبَكِّر إلى القلعة صبيحة ذلك اليوم لألبس خلعة الرّضا، وكان السبب في ذلك أن بعض نواب الحكم أثبت شيئا فاستراب السلطان به فأحضره وأحضر
стр. 1881
بعض الشهود، فاختلف كلامُ من حَضَر من الشّهود، فتغيظ وبطش بنائب (١) الحكم وأمر بسجنه وعَزْلِ القاضي (٢) الكبير، ثم أعيد القاضي في يومه وأمِر بالإفراج عن النائب (٣)، فحصل لي ضيق (٤) فالتزمتُ أن لا أستنيب إلّا عشرةً ولا أعيد أحدًا من غيرهم إلّا بإذن مشافهة من السلطان، وذلك في يوم الخميس سلخ الشهر، وأوضحتُ للسلطان عُذْرَ النّائب فيما أثبَته، فأظهر القبول بحضرة قاضي القضاة الحنفي والشيخ شمس الدين الونائي، وأخبراه بأنّه لم يخطئ في الحكم، ومع ذلك بقي عنده من ذلك بقايا.
ثم حصل اجتماع آخر وتأكّدَ قبول العذر، ثم حضر عنده النّائب ورضى عليه، وكساه فرجية، وأذن في عَوْده لنيابة الحكم.
* * *
وفي التاسع عشر منه كُسر الخليج في يوم الثلاثاء ونودي فيه بزيادة عشرين إصبعا، ثم نودِيَ في صبيحة الأربعاء بتكملَة سبعة عشر ذراعًا، ولم يُعهَد قطّ أنه نودي يوم الوفاء بزيادة عشرين إصبعا، منها إصبعان تكملة الوفاء، وثمانية عشر زيادة أول يوم فيه.
* * *
وفي رابع عشري شهر ربيع الآخر وصل الغزاة إلى ساحل رودس فتحصّن أهلها في قلعتهم فوجدوها (٥) في غاية الحصانة، فوصل كتاب صاحبنا برهان الدين البقاعي مؤرخا بالسابع من جمادى الأولى فيه شَرحٌ قصَّتهم في الذهاب إلى أن حاصروا القلعة، وقد ضَمَمْتُه (٦) إلى هذا التعليق كما فعلت في غزاة قشْتيل.
ثم وصل كتاب الشريف الكردي مؤرّخا بالتاسع من جمادى الأولى، وفيه أنه أصيب من المسلمين خلق كثير ممّا رماهم [به] الفرنج من أعلا الحصن، وما كُسر من المراكب، وأن أكثرهم حصل له الفشل والخور بسبب مَن أصيب منهم، وأنهم في ضيق، فجهّز السلطان إليهم مددًا. وقد فُتِحَت رودس في خلافة معاوية على يد عبادة بن أمية، وأمر معاوية جماعةً
стр. 1882
من المسلمين بالإقامة فيها، فأقاموا فيها إلى أن ولى يزيد الخلافة فأذن لهم في القفول خشيةً عليهم ففعلوا وتركوها، ثم كانت تُغْزَى بعد ذلك.
وبعد تَوجّه المدد وَصَل الخبر برجوع العسكر كلّه بسبب تخاذلهم، وأصيب … ... … (١) بالرمي عليهم ثم … ... … ... … .. (٢) التركماني ومعه طائفة وخشي من هجوم الشتاء، فاتّفق أكثرهم على الرجوع فلم يسعه إلّا موافقتهم، فتوجهوا ووصلوا أرْسالا، فكان آخر من وصل كبيرهم وهو الدويدار الكبير إينال العلائي، فوصل في آخر جمادى الآخرة منها.
* * *
وفي أوائل رجب سافر الحاجّ الرجبي وصحبتهم صاحبنا الشيخ برهان الدين السوبيني (٣) قاضيا على مكة.
وفي سابع ذي القعدة أمر أمير مكة أبو القاسم بن حسن بن عجلان القاضي جلالَ الدين أبا السعادات أن يخرج من مكة، فَتَوجّه إلى جدّة فأقام بها، إلى أن تكلّم التاجرُ بدر الدين حسن بن الطاهر مع الشريف في أمره فأذِن له في الرجوع، فلم ينشب أن قدم أمير الركب تَمُرْبَاي وصحبته مرسوم سلطاني بأنّ أبا السعادات لا يقيم بمكة بل يخرج إلى المدينة الشريفة فيقيم بها، فتجهّز مع الركب الأوّل.
* * *
وتراءى الناس الهلال ليلة الخميس (٤) فلم يتحدَّث أحد برؤيته، فوقفوا يوم الجمعة وكان الجمع كثيرًا جدًا، وأمطرت السماء ذلك اليوم - من وقت زوال الشمس إلى أن غربت - مطرا غزيرًا جدًا، وتوالى بحيث ابتلّت أمتعتهم حتى أشرف - من لا خيمة له - على الهلاك، وتضاعف الرعد والبرق (٥)، ويقال كانت هناك صواعق أهلكَتْ رجلَين وامرأةً وبعيرين، قرأت ذلك بخطّ القاضي نور الدّين علي بن قاضى المسلمين الخطيب أبي اليمن النويري.
стр. 1883
ذو الحجة
استهلّ بيوم الخميس بعد أن رأى الناس الهلال ليلة الأربعاء على العادة بعدّة أماكن من الجوامع وغيرها فلم يخبر أحد برؤيته إلا شذوذا، يقول الواحد منهم إنه رأى، فإذا حوقق أنكر، فبحث عن السبب في ذلك فاعتذروا بأنّه شاع بينهم أن السلطان قال إذا اتفق العيد يوم الجمعة يلزم أن يخطب له مرتين، وقد جرّب أن ذلك إذا وقع يكون فيه خوف على السلطان، فبلغ السلطان ذلك بعد أيام فأنكره وأظهر الحنق على من ينْسب إليه ذلك، فقيل له إن أحمد بن نيروز - وهو أحد من يلوذ به من خواصه - ذكر أنه رآه ولم يخبر القاضي بذلك، فاستدعاه فاعترف بأنّه رآه ليلة الأربعاء ومعه جماعة، فأرسله مع المحتسب إلى القاضي الشافعي فأدّى عنده شهادته، فلما شاع ذلك نودي في البلد: "من رأى هلال ذي الحجة ليلة الأربعاء فلْيؤدّ شهادته بذلك عند القاضي الشافعي"، فسارع غالب من كان شاع عنه دعواه الرؤية في تلك الليلة إلى الشهادة بذلك، فلما استوفيت شروط ذلك نودي بأنّ العيد يوم الجمعة فاعتمدوا على ذلك وصلوا العيد يوم الجمعة.
فلما كان يوم السبت الخامس والعشرين من ذي الحجة وصل المبشّر بسلامة الحاج في آخر ذلك اليوم، وأخبر أن كلّ من حضر الموقف من الآفاق لم ينقل عن أحد منهم أنه رأى الهلال ليلة الأربعاء، بل استوفوا العدّة، واستهلوا ذا الحجة يوم الخميس ووقفوا بعرفات يوم الجمعة، واستمر الأمر بينهم على ذلك، وأنه فارقهم آخر النهار يوم السبت، فقطع المسافة في أربعة عشر يومًا، ووصف السَّنَةَ بالأمن واليُمن والرّخاء مع كثرة الخلائق، ولله الحمد على ذلك.
* * *
وفي هذه السنة توجّه الشيخ شمس الدين محمد بن أحمد الغرياني المغربي إلى جهة الجبال المقدّسة ويقال لها جبال حميدة (١)، وعندها عرب، فنزل عند بعض العشير ودعا إلى نفسه أنّه المهدي، وقيل ادّعى أنّه القحطاني، فانضمّ إليه جماعة من العرب، فاستغواهم ووعدهم،
стр. 1884
وملأ آذانهم بالمواعيد، فشاع خبره في أواخر السنة، فكوتب نائب القدس بخبره، فبحث عن قضيته إلى أن اطّلع على أن ابن عبد القادر - شيخ العرب - يعرفها فاستدعى به فأنكر أن يكون اطلع على مراده، وإنما وصل إليه شيخ معه عدة أحمال تشبه أن تكون كتبا علمية، وأنه سأل أن يرسل معه من يُجيره إلى أن يصل مقصوده من تلك الجهة لضرورات عرضَتْ له، فأرسل معه ناسًا أوصلوه إلى جهة مقصده وفارقوه، ولم يعرفوا المطلوب عنه، فكاتب نائب القدس بذلك ووصف الرجل بما دلّ على أنّه الغُرِياني المذكور، وهذا الرجل قدم القاهرة قديما وصحب كاتب السرّ ابنَ البارزي في حياة والده، وأكثر التردّد إلى الشيخ تقيّ الدين المقريزي وواظبَ الجوَلانَ في قُرى الرّيف الأدنى: يعمل المواعيد ويذاكر الناس، وكان يستحضر من التّاريخ والأخبار الماضية شيئًا كثيرًا، ولكنه كان يخلط في غالبها ويدّعي بمعرفة الحديث النّبوي ورجال الحديث، ويبالغ في ذلك عند من يستجهله، ويقتصر في المذاكرة عند من يعرف أنه من أهل الفن، وراج أمره في ذلك دهرًا طويلًا، ثم صحب الأمير زين الدين عبد الرحمن بن الكويز وانقطع إليه مدّة ثم فارقه، وكان قبل ذلك تحوّل عن مذهب مالك وادّعى أنّه يقلّد الشافعي، وولى قضاء نابلس بعناية القاضي كمال الدين، ثم صُرِف عنها، فانقطع إلى ابن الكويز وهجر الكمال إلى أن بَدَا منه ما ذُكر، وكُوتب نائب القدس بأن يجهز إليه من يقبض عليه ويرسله إلى القاهرة، وكان بروز الأمر بذلك في العشر الأخير من هذا الشهر (١).
стр. 1885
ذكر من مات في سنة ثمان وأربعين وثمانمائة من الأعيان
١ - أحمد بن [محمد (١) بن إبراهيم الأنصاري الفيشي الأصل] الفاضل شهاب الدين الحسيني سكنًا، الشهير بالحِنَّاوي - بِكسْر المهملة وتشديد النّون مع المدّ - مات في ليلة الجمعة (٢) الثامن والعشرين من جمادى الأولى وكان مالكيَّ المذهب، سمع من جماعةٍ قبْلنا، وسمع معنا من شيوخنا، وقرأ بنفسه وطلب وقتًا، وولى نيابة الحكم، ودَرس في أماكن منها المنكوتمرية، وولى مشيخة خانقاه نور الدين الطنبدي التاجر في تربته بطرف الصحراء، وكان من الصوفية البيبرسية، وكان وقورًا ساكنًا، قليل الكلام، كثير التعقّل والفضل، انتفع به جماعة في العربية وغيرها، وقد جاوز الثمانين (٣) بيقينٍ لكن يشكّ في الزيادة فقيل ست، وقيل أكثر.
٢ - أبو بكر (٤) بن إسحق بن خالد الحلبي الشهير بباكير، الإمام زين الدين الحنفي، ولد سنة سبعين وسبعمائة تقريبًا فيما كتبه بخطه، واشتهر ومهر، وتقدّم وفاق الأقران، ودرّس وأفاد وأفتى، وولى قضاء الحنفية بحلب، ثم طُلب إلى القاهرة، وَقُرِّر في مشيخة الخانقاه الشيخونية، وكان رجلًا خيّرا ساكنا منجمعًا عن الناس، واختلط قبل موته بمدّة لطيفة، واتفق له قضيةً مع العلاء الرومي ذُكِرت في حوادث سنة ٨٢٩، ومات ليلة الأربعاء المسفر صباحها عن ثالث عشرين جمادى الأولى من سنة ٨٤٧ (٥).
стр. 1886
٣ - حمزة بن قرايُلُك واسمه (١) عثمان بن طرعَلى صاحب ماردين وغيرها من ديار بكر، وكان قبيح السيرة.
٤ - طوخ (٢) الأبو بكري الطاغية نائب غزة، قُتِل بيد العربان (٣) في أواخر ذي الحجة، وكان شجاعا مقدامًا كثير الطمع.
٥ - فيروز (٤) بن عبد الله الجركسي الرّومي الساقي الزمّام، مات بطالًا في يوم الأربعاء رابع عشر شعبان، ولم يكن به بأس بالنسبة لرفقائه.
٦ - عبد الرحيم (٥) بن علي الحموي، الواعظ المعروف بابن الآدمي، الشيخ زين الدين، تعانى عمل المواعيد وبرع فيها، واشتهر وأثرى، وقدم إلى القاهرة في الجفل بعد رحيل اللنكيّة فاستوطنها إلى أن مات في الثاني من ذي القعدة، وولى في غضون ذلك خطابة المسجد الأقصى ثم صُرِف عنه، واستمرّ على حاله في قراءة المواعيد، والكلام في المجالس المعدّة لذلك، واشتهر اسمه، وطار صيتُه، وكان غالبًا لا يقرأ إلّا مِن الكتاب، مع نغمة طيبة، وأداء صحيح، فلما أنشأ الأشرف مدرسته قُرر فيها خطيبا، وكان يقرأ صحيح البخاري في شهر رمضان في عدّة أماكن إلى أن مات فجأةً بعد أن عمل في يوم موته الميعاد في موضعين، وقد جاوز الثمانين، وترك أولادًا، أحدهم شيخ يقرب من الستين.
٧ - محمد [بن علي الحموي (٦)] الخطيب الواعظ، (تقدَّم في عبد الرحيم فيحرّر اسمه) حفيد شمس الدين خطيب الأشرفية الجديدة وممن له سَمْت في وعظه، كان مستحضرًا
стр. 1887
للتفسير وحدّث مع فصاحة في خُطَبه ووعْظِه، مات في يوم الأربعاء ٣ ذي القعدة عن نَيّفٍ وستين سنةٍ تخمينا.
٨ - محمد (١) بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الناصر القاضي صدر الدين بن قاضي القضاة تقيّ الدين الزبيري الشافعي، وُلد سنة ٧٨٢ تقريبا، وسمع على الفرسيسي سنة ٩٧ بعض السيرة لابن سيد الناس، وعلى والدته صالحة (٢) ابنة القاضي جمال الدين عبد الله ابن قاضي القضاة علاء الدين التركماني جزءًا من … ... … (٣)، واشتغل كهلًا. وكان رجلًا لطيفا كثير الأدب، حسَن المعاشرة، مات يوم تاسوعاء ودفن بتربة بني جماعة.
٩ - محمد (٤) بن علي بن أبي بكر بن محمد المُزَلّق (٥) الدمشقي، الخواجا شمس الدين، كبير التجار الدمشقيين، مات في يوم الأحد (٦) سلخ جمادى الآخرة بعد أن أوصى بثُلث ماله، ويبدأ منه بتكملة عمارة الخان الكائن … ... (٧)، .... وتنظيف وعره، ثم ما فَضُل منه يقسم أربعة أقسام: لفقراء الحرم المكي الرّبع ولكلّ من فقراء مكة والمدينة وبيت المقدس ودمشق قسم.
١٠ - محمد بن أحمد بن عمر بن كميل المنصوري، الفقيه الفاضل الشاعر شمس الدين، اشتغل كثيرًا، وحفظ الحاوي، وكان يستحضر، ونظم الشعر، وفاق الأقران وأوّل
стр. 1888
ما عرفْتهُ في سنة ٢٤ سنة حججْنا جميعًا، وكنا نجتمع في السير ونتذاكر في الفنون، ثم كان يتناوب نيابة الحكم بالمنصورية هو وابن (١) عمّه شمس الدين محمد (٢) بن خلف بن كميل، ويتعاهد السّفر للقاهرة كل سنةٍ مرةً أو مرّتين، ومَدَح الملك المؤيّد - لما رجع من سَفْرَةِ نوروز - بقصيدةٍ طنّانة، وله مدائح نبوية مفلقة، وقصائد في جماعة من الأعيان، ولم يكن يتكسب بذلك وإنّما يمدح لتحصيل جاه الممدوح في الدّفع عنه أو المساعدة له، ثم استقلّ بقضاء المنصورة، وضمّ إليه سلمون (٣)، ثم زيدَ منية بني سَلسيل فباشر ذلك كلّه، وكان مشكور السيرة، ونشأ له ولدٌ اسمه أحمد (٤) فنبغ واغتبط به.
فلما كان في ليلة الإثنين ثاني عشر شعبان كان قد توجّه إلى سلمون لأمرٍ يتعلّق به فنزل المسجد وله فيه خلوة فوقها طبقة وللطبقة سطح يجاور المئذنة، فاتفق هبوب ريح عاصف في تلك الليلة واشتدّ في آخرها وفي أوّل النهار، فصلّى المذكورُ الصبحَ ودخل خلوته التي كان ينام فيها فقصفت الريح نصفَ المئذنة فوقع على سطح الطبقة فنزل به إلى سطح الخلوة ونزل الجميع على الخلوة وشمسُ الدين قاعد فيها وذلك لمّا تعالى النهار ولم يشعر بشيء من ذلك حتى نزل الجميع عليه فارتدم المكان به فمات غما، وجاء الخبر إلى ولده فتوجّه من المنصورة مسرعًا فوصل إليه فنبش عنه فوجد الخشب مصلّبا عليه ولم يخدش شيء من جسمه، بل تبيَّنَ أنّه مات غمًا لعجزه عن التخلص من الردم المذكور، والله المستعان.
стр. 1889
سنة تسع وأربعين وثمانمائة
استهلّ شهر المحرّم يوم الجمعة، وفي أوّل يوم توجّه مَن يلاقي الحاج إلى عقبة أيلة، وصحبتهم أنواع من المأكولات والعلف على العادة.
وفيه أسلم جميع الأسارى الذين كان ملك الروم جهّزهم إلى سلطان مصر، وذكروا أن ملكهم قُتِل في المعركة، وأن عسكرهم كان أضعافَ عسكر ابن عثمان، وأنّ النصر الذي حصل ما كان على الخاطر، وذلك أن الكفّار كانت لهم مدة في التجهيز لأخذ بلاد السواحل من المسلمين والتوصّل إلى الاستيلاء على بيت المقدس، فاجتمع منهم مِن جميع أمصارهم مَن يستطيع القتال ولم يشكّوا هم ولا مَلِك المسلمين في أخذ السواحل وانكسار عساكر المسلمين، ففتح الله للمسلمين بالنصر، فإن ملك الكفّار لمّا رأى قلة عسكر المسلمين طمع فيهم فحمل بنفسه، وكان شجاعًا بطلًا فقَتل من المسلمين عدّة أنفس ورجع، ثم حمل ثانيا فصنع كذلك، ثم حمل ثالثًا فاستقبلوه بالسهام فأصابه سهم فسقط، فنزل فارس من المسلمين فَحَزّ رأسه، وسار به إلى ملك المسلمين، فنصَب رأسه على رُمح، ونادى في الكفّار بقتل ملكهم، فانهزموا بغير قتال، وتبعهم المسلمون فأبادوهم أسْرًا وقتلًا، وصادفهم في تلك الحال اجتماع عدّة من الوحوش الكاسرة على جماعة من الغزلان اجتمعت في مكان، فثار بين الفريقين غبرة عظيمة، فظنّها الكفارُ نجدةً من بلاد المسلمين من مصر أو غيرها، فاشتد رعبهم وانهزموا لا يلوى أحد على أحد، واشتدَّ الغبار فقتل بعضهم بعضًا، وكفى الله المؤمنين القتل، وجهز ملكهم ثم بعض الأسرى إلى سلطان مصر، فسلّمهم للأمير الزُّرْدَكاش، فحسَّن لهم الإسلام فأسلموا، ففرّقهم السلطان على الأمراء.
* * *
وفي ليلة الجمعة الثامن من المحرم سقطت المنارة التي بالمدرسة الفخرية (١) القديمة في سويقة الصاحب، والمدرسة قديمة جدًّا من إنشاء فخر الدين بن عثمان بعد الستمائة، وكانت مالَتْ قليلًا، فحذر السّكان بالربع الذي يجاورها من سقوطها وهو موقوف عليها، فتهاونوا في ذلك، فسقطت بالعرض على واجهة المدرسة ووجه الرّبع، فنزل بعض على بعض، وهلك في الرّدم
стр. 1890
جماعة، فاجتمع الوالي والحاجب فاستخرجوا كثيرين والقليل أحياء، ولكن كُل مصابٌ بيد أو رِجْل أوْ ظَهْر، والنادر منهم والأكثر مَن مات، فبلغ السلطان ذلك فتغيّظ منه، وطلب النّاظرَ على المدرسة - وهو نور الدين القليوبي - أمين الحكم وأحد نواب الحكم، فتغيّظ عليه وظنّ أنّه ينوب في ذلك عن القاضي الشافعي، فبسط لسانه في القاضي إنكارًا عليه في التفريط في مثل ذلك، ثم انكشف الغطاء أنّ القاضي ليس له في ذلك ولايةٌ ولا نيابة ولا عُرف بشيءٍ من ذلك منذ وَلَى وإلى تاريخه.
ولمّا بلغ ذلك بعْضَ النّاس بسط لسانه. وقال ما شاء الله أن يقول، ثم تبيّن بخلاف ما ظنّوا، وخاب ما أمّلوا، وكفى الله القتال، ثم إن بعضهم أغرى السلطان بأن قال له إن فلانًا (١) يتبجح بكذا، ويَنْسب السلطان إلى الظلم ونحو ذلك، فغضب زيادةً على الغضب الأول، وراسله بأن ينعزل عن الحكم، وأن يغرم دية الموتى، وذلك يوم الاثنين حادي عشره، فلما كان يوم الخميس طَلب الشيْخ شمس الدين محمد بن علي القاياتي إلى القلعة، فاجتمع بالسلطان، وأمره أن يتقلد القضاء فأجاب باشتراط أمور أجابه إليها، وأشار بأن يلبس الخلعة والتشريف فامتنع وتقلّد ورجع، وأركبه كاتبُ السر بغلته وهو بثيابه البيض. ودخل الصالحية وصحبته جماعة المباشرين والدويدار الكبير والثاني ورجعوا، وخرج هو من الصالحية إلى منزله بالجامع الأزهر. وطلب مَنْ له مباشرة في المودع والأوقاف وهرع الناس للسلام عليه وعلى المنفصل، ولله الحمد على ذلك.
* * *
شهر ربيع الأول
أوله الاثنين.
في السابع منه نقلت الشمس للسرطان، ودخل فصل الصيف. وفيه عمل المولد السلطان بالحوش على العادة، وحضر القضاة.
وفي الثالث عشر منه خُلع على كاتب السرّ الكمال البارزي خلعة استمرارٍ وكان وَقَعَ له يوم الأربعاء تغيظ من السلطان فطلب الإعفاء، ثم وَقَع التراضي وخلع عليه وركب النّاس معه، وهرع الباقون للسلام عليه.
стр. 1891
وفي يوم الاثنين ثاني شهر ربيع الآخر استقرّ الشيخ وليّ الدين السفطي في نظر المرستان المنصوري، عوضًا عن القاضي محب الدين بن الأشقر، ولبس خلعة، ونزل وليس معه كبير أحد، واعتذر بأنّه تَعَمَّد ذلك حياءً من ابن الأشقر، ثم أرجف بأن السلطان يريد أن يخرج نظر الجيش أيضًا، فسعى جماعة، فاقتضى الحال استمراره، فخلع عليه يوم الخميس خامس الشهر خلعة استمرار، فركب ومعه الجماعة على العادة، فأظهر الناس السرور به.
* * *
وفي يوم الثلاثاء سافر برهان الدين اليونيني إلى قضاء حلب، عوضًا عن القاضي سراج الدين الحمصي، وكان الحمصي قدم في العام الماضي فاجتمع بالسلطان، فتغيّظ عليه وأهانه بالقول والتهديد، ثم قدّم هدية نفيسة فسكن الحال، ولما استهلّ الشهر طَلع للتهنئة، فأظهر له الإعراض فبادر فحلف أنه لا يسعى في القضاء بوجهٍ من الوجوه، ولزم بَيْتَهُ، لكنه يُكثِر الاجتماع بالأكابر على عادته.
* * *
وفي يوم الأحد العشرين من شهر ربيع الآخر الموافق الثاني من مسرى - آخر الشهور القبطية - أمطرت السّماءُ مطرًا يسيرا بعد العصر، بحيث ابتلّتِ الأرض، ودام ذلك إلى وقْت مغيب الشفق وكانت ظلمة وريح باردة، وهذا من المستغربات، وقد تقدّم قريبٌ من ذلك في حوادث سنة ثلاث وأربعين في رابع ربيع الأول (١).
* * *
وفي هذا الشهر عُزل جُلّبَّان نائب حلب، وقرّر عوضه نائب حماة، وقرّر - عوضًا عن نائب حماة - شادي بك أحد الأمراء المقدّمين بالقاهرة، ويقال: قرر دولات باي الدوادار الثاني في إمرة شادي بك، وقرّر الشهاب أحمد حفيد إينال اليوسفي دويدارًا ثانيا، وخلع على شادي بك، وجُهّز يُونُس البواب مُسَفّرًا لنائب حماة يحمله إلى حلب، ويتوجّه نائب حلب بطالًا إلى [مصر (٢)].
وكان السبب في عَزْل نائب حلب أنّ نائب القلعة شاهين - أحد أتباع السلطان حين كان أميرًا - أرسل يشكو منه أنّه تَعصب عليه مع القاضي الحنبلي علاء الدين بن مفلح، وأن ابن مفلح
стр. 1892
ادّعى أن شاهين امتنع من الشرع، وأنه وقع في أمر يقتضى الكفر، وكَتب عليه بذلك محضرًا، وراسلوه لينزل ويسمع الدّعوى عليه فامتنع، وكاتب وتظلّم، فوصل كتاب نائب حلب قرينُه المحضر المكتتب، فغضب السلطان من نائب حلب وعزله وعزل القاضي، وأشيع أنّه أبطل قاضي الحنابلة من حلب، فإن ثبت ذلك فلعلّه يشيع فى غيرها من البلاد، والله المستعان.
وفي ربيع الأول قدم الأمير تَغْرِى بَرْمُش نائب القلعة ومعه رفيقه القاضي بدر الدين بن عبيد (١) الله.
وفي ليلة الاثنين حادى عشره كان المولد النبوى بالحوش على العادة، وتغيّظ السلطان فيه على القاضى الحنفى بسبب تأخيره الحكم فى الصارم إبراهيم بن رمضان، بسبب ما وقع فيه من الأمور المنكرة، وتوجّه تَغْرِى بَرْمُش وابن عبيد الله إلى بلاده بسببها، فأفضى الحال إلى عَقْد مجلس بسببه، فعُقدِ بعد أيام فلم يثبت عليه ما يتحتمّ به القتل، فأمر بتعزيزه، فأعيد إلى السجن فمات بعد أسبوع.
…
شهر جمادى الأولى
استهل بالثلاثاء بالرؤية الفاشية، وفى صبيحته حضر القضاةُ عند السلطان للتهنئة بالشّهر، فأمر الشافعيّ بأن يتوَجّه مع كاتب السرّ إلى مصر بسبب كنيسةٍ للملكّيين رفع ابنْ أقبرس - ناظرُ الأوقاف - للسلطان أن جدارها عالٍ علَى مسجدٍ يجاورها، وأنه يجب هدْمُه، وكان السبب في ذلك أن بردادار ابن آقْبرس تسلّط على بَطْرك الملكية، وكان [البطرك] قريبَ العهد بالاستقرار فيها عوض الذي مات فى السنة الماضية، وطمع فيه، فرفع البطرك أمرَه للسلطان بقصّةٍ أعطاها لكاتب السرّ، فبادر ابن آقْبَرْس حميةً لمن هو مِن جهته فذكر ذلك، فأمر بالكشف فتوجّهوا، فقيل إنهم رأوا الجدار الذي من جهة المسجد مائلًا، فحكم نائب الشافعي بهدمه خشيةَ أنْ يَسقُط على المسجد، وانفصل المجلسُ على ذلك، وكان السلطان يظن أنّه يجب هَدْمُ الكنيسة أصلا، وكان الحنفى المنفصل حاضرًا فتغيّظ عليه لكوْنه، قال: "ما تُهْدَم إلّا بشرط أن تكون حادثة، فإن كان المسجد قديما وَجب هَدْمُ ما يعلو عليه"، فقال له: "لمّا كنْتَ حاكمًا لمَ لا فعلْتَ ذلك؟ قد كنْتَ تفعل عكسه"، أو نحوًا من هذا القول.
стр. 1893
وفى يوم الجمعة ثاني الشهر كُسِر الخليج الحاكمي، ونزل عثمان ولدُ السلطان على العادة وصُحْبَتُه الأمراء إلى المقياس، فركبوا معه وصحبتهم كاتب السر وبقية المباشرين، ولم تجر العادة بركوبهم، ونزل بعضهم إلى الحرّاقة من شباك المقياس، وامتنع شادّ الشر بخاناه قايِتْباي الجركسى من إنزال ابن السلطان من هناك بل عاد به والجماعة صحبته من البرّ، وأحدرت الحرّاقة إليه فركب إلى الخليج فكسر بحضرته، وركبوا معه إلى القلعة على العادة، وكل ذلك قبل صلاة الجمعة، وزاد أربعةً من سبعة عشر، وكان في العام الماضى فى هذا اليوم وافى تكملة الذراع السابع عشر.
واتّفق أن شعبان كان أوّله الثلاثاء بالعدد، فلمّا كان النصف منه ذكر بعض نوّاب الحكم بالجيزة أن اثنين شهدا عنده برؤيته ليلة الاثنين فثبت، وصام من أراد صيام النصف يوم الاثنين، ويسّر الله أن هلال رمضان رؤى ليلة الثلاثاء، وغاب قبل العشاء بثلث ساعة.
فلما كان أول يومٍ من رمضان شاع بين الناس أن إثنين من أهل قليوب رأيا هلال رمضان ليلة الثلاثاء، فاستنكر كل من سمع ذلك صحة هذا، ثم اجتهد القاضي الشافعي في تحرير هذا الخبر فأرسل عونًا من أعوانه إلى قليوب فأحضر الرجلين.
…
وفى ليلة الأحد رابع شوال - وهى ليلة التاسع من طُوبَة والخامس من كانون الثاني (١) أمطرت السماء مطرًا خفيفا، فدام بحيث أزلق الأرض، ثم عاد فى النهار، ثم عاد في ليلة الإثنين حتى صارت الأرض كالبرك، ثم عاد في صبيحة الاثنين، ثم كان في ليلة الثلاثاء، ثم عاد في صبيحة الثلاثاء، فتعطّلت معايش غالب الناس، وقلّ أن وقع مثل ذلك في هذه البلاد أن تمطر ثلاثة أيّام بلياليها.
…
стр. 1894
ذكر من مات في سنة تسع وأربعين وثمانمائة من الأعيان
١ - أحمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل (١) الذهبي ابن ناظر الصاحبيّة الصالحى الحنبلي العدل، شهاب الدين ابن المسند زين الدين، وُلد سنة ٧٧٦ (٢) وسمع علّى محمد بن الرشيد بن عبد الرحمن المقدسي جزء أبي الجهم، أنا الحجار، وسمع على والده شيخنا من السبعينية البغدادية للسلفى، أنا ابن أبى التّائب، أنا مكي بن علان، أنا السلفى، وسمع على أحمد بن محمد بن محمد بن إبراهيم بن غنايم بن المهندس الحنفى جميع رسالة الحسن البصرى إلى عبد الرحمن. . . . . . (٣) يرغّبه في المقام بمكة، وعلى العماد أبي بكر بن يوسف الخليلي قالا: أنا الحجار، أنا جعفر، أنا السلفى. وسمع على الشهاب أحمد بن العز السادس من حديث أنس من المختارة للضياء بحضوره في الثالثة على التقى سليمان، والجزء الثاني من المختارة، وهو الأوّل من مسند عمر بإجازته من التقىّ وغير ذلك، وذكر لى شيخنا الإمام المحدّث الحافظ أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد الله بن ناصر الدين ﵀ غير مرّة أنه قال: ذكر لي والده -يعني زين الدين بن ناظر الصاحبيّة - أنه قال: ما فرحتُ بشيءٍ أعظم من أنى أحضرتُ ولدى هذا - يعني أحمد المذكور - جميع مسند الإمام أحمد علَى البدر أحمد بن محمد بن محمود بن الرفا بن الجوخى، أنا زينب بنت مكي، أنا حنبل، قال شيخنا ابن ناصر الدين: " وكان شيخنا زين الدين ابن ناظر الصاحبية من الثقات، قدم القاهرة فحدّث بها المسند وغيره، ثم رجع إلى بلده فمات في هذه
السنة".
стр. 1895
٢ - أحمد محمد بن أحمد، المحلّى الأصل ثم القاهرى، شهاب الدين المعروف بابن الشيخة (١)، شاهد القيمة، مات في يوم الأحد ثانى عشرين صفر، وهو من أبناء السّتين أويزيد عليها، وكان غاية (٢) فى إبطال الأوقاف وتصييرها ملكا بضروب من الحيل، وله في ذلك مهارة شهر بها، ومهر فى ذلك بحيث فاق أهل عصره في ذلك، مع أنه كان يتمذهب بمالك، وكانت له مروءة وعصبيّة ومداراة، ولكنه كان تقدّم فى صناعته على أمرٍ عظيم، وحصل له رواج عظيم في دولة الملك الأشرف، وشهد فى القيمة أزيد من ثلاثين سنة، وهى وظيفة والده من قبله.
مات بذات الجنب، وأمْرُه مشهور، وأمره إلى الله . وقد ولى وكالة بيت المال في أول دولة الملك العزيز، ثم أخرجَت عنه في أوّل دولة الملك الظّاهر.
٣ - عبد الرازق (٣) بن عثمان الترجمان التاجر الاسكندرانى، جمال الدين، مات في رمضان، وكان قدم من الإسكندرية وهو موعوك فمرض مدّة ثم نصل ودخل الحمّام ثم انتكس ومات. وكان من العارفين بأمور المتجر، ومات له ابن اسمه محمد، وصاهر في بيت ابن الأشقر.
٤ - فاطمة بنت القاضي كريم الدين عبد الكريم بن أحمد بن عبد العزيز، إحدى الأخوات الخمس، مات أبوهن في ربيع الأول سنة سبع وثمانمائة، وخلّف خديجة وشقيقتها آمنة وشقيقتهما فاطمة، وفرج من غير أمهن، وأنس (٤) أصغرهن، وهي والدة أولاد مسطّرها.
فأوّل من مات منهّن فاطمة، وهي أصغر أولاد أمها، ماتت في الثالث والعشرين من جمادى الآخرة، وقد أكْملَتْ سبعين سنة.