← История

История · id 26317

إنباء الغمر بأبناء العمر - ت حبشي

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (1 903 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

ولما قدم الظاهر سنة ثلاث وتسعين اختفى [ابن بشارة] ثم قُبض عليه في هذه السنة وسجن بالقلعة فمات بها في جمادى الأولى، ومات أبوه في سنة ثلاث وتسعين. ٤٢ - شاه يحيى بن المظفر، تقدم قريبا مع أخيه (١) منصور. ٤٣ - أبو بكر بن عثمان بن العجمي زين الدين الحلبي نزيل القاهرة، سمع الحديث ببلده واشتغل بالآداب فمهر فيها وطارح الصفدى بقصيدةٍ شهيرة أجابه عنها وهى (٢) في "ألحان السواجع" للصفدي. وولى التوقيع بالقاهرة وكان يكتب خطا حسنًا وينظم شعرًا وسطا، ونثره كذلك، مع دين وخير ومحبة في العلم. مات عن سبعين سنة أو أكثر. ٤٤ - أبو الطيب بن علي بن أحمد الفوى، سمع الكثير بعناية أبيه أصحاب الفخر وتفقَّه (٣) قليلا ثم دخل في أمر الدولة فقُطع لسانه ثم بقية أعضائه ثم مات عن أربعين سنة. ٤٥ - أبو تاشفين بن أبي حمو موسى بن يوسف التلمساني من بني عبد الود، خرج على أبيه وحاربه وجرت له معه خطوب وحروب إلى أن قتل أبوه في أول المحرم سنة ٩٣. وأسر أخوه - أبو عمير - فقتله هو وملك تلمسان وصار يخطب لصاحب فاس لكونه نصره على أبيه و [كان] يقوم له كل سنة بمال إلى أن قام أبو زيان بن أبي حمو فجمع جموعًا ونزل على تلمسان وحصرها فكاده أخوه وفرّق جمعه ووفد على صاحب فاس فجهز معه عسكرا في هذه السنة. فمات أبو تاشفين في شهر رمضان (٤) فأقام وزيره أحمد بن العزِّ ولده، فسار إليهم يوسف بن أبي حمو فقتل الصبيَّ والوزير، فخرج صاحب فاس إلى تلمسان فملكها وانقضت دولة بني عبد الود بتلمسان وصارت الصاحب فاس.

стр. 492

٤٦ - أبو يزيد الدويدار، كان خامل الذكر فاتفق أن السلطان استخفى عنده لما نازله الناصري ومنطاش، فلما عاد إلى السلطنة عظمه ثم قرَّبه ثم رتبه في الدويدارية بعد بُطا إلى أن مات في رجب. ٤٧ - أمة الرحيم، ويقال "أمة العزيز" بنت الحافظ صلاح الدين العلائي (١)، أسمعها من الحجار وغيره وحدثت. ماتت في رابع شوال وكذلك أختها أسماءُ (٢) ماتت في العشرين منه. ٤٨ - فاطمة بنت تقى الدين الجعبرى، حضرَت على أسماء بنت صصرى وسمعَتْ من ابن الرضى، وكان المزى جد أمها، وحدثت بدمشق.

стр. 493

سنة ست وتسعين وسبعمائة فيها وصل أحمد بن أُويس إلى القاهرة في ربيع الأول فتلقَّاه الأمراء وخرج له السلطان إلى الريدانية فقعد بالمصطبة (١) المبنية له هناك فترجَّل له أحمد من قدر رمية سهم فأمر السلطان الأمراء بالترجل له ثم لما قرب منه قام له ونزل (٢) من المصطبة فمشى إليه فالتقاه. وأراد أحمد تقبيل يده فامتنع، فطيَّب السلطان خاطره وأجلسه معه على مقعده، ثم خلع (٣) عليه وأركبه صحبته إلى القلعة فأنزله في بيت طقزدمر (٤) على بركة الفيل، ونزل جميع الأمراء في خدمته، ثم أرسل له السلطان مالا (٥) كثيرا وقماشًا (٦) ومماليك للخدمة (٧)، يقال قيمة ذلك نحو عشرة آلاف دينار. ثم حضر الموكب السلطانى فأذن له السلطان (٨) بالجلوس وأركبه معه إلى الجيزة للصيد. ثم تزوّج السلطان بنت أخيه خوند تندي بنت حسين بن أويس وبنى عليها قريب السفر. ثم أمر السلطان بالتجهز إلى الغزاة، وطلب من القاضي الشافعي أن يقرضه ما في المودع من أموال الأيتام فامتنع، فسعى بدر الدين بن أبي البقاء في القضاء وبذل مالًا وما طُلب منه، وذلك في ربيع الآخر فعُزل المناوى بعد (٩) أن خرج السلطان إلى الريدانية، وأُعيد ابن أبي

стр. 494

البقاء في (١) يوم الاثنين الرابع عشر من شهر ربيع الآخر وخلع عليه بالريدانية ودخل القاهرة ومعه قلمطاى الدويدار وغيره من الأمراء، وسافر مع السلطان في رابع عشريه بعد أن بذل ما أرادوا منه، فقيل كان ستمائة ألف، وعَوَّض السلطان أصحابها أرضًا يستغلون خراجها إلى الآن. واقترض السلطان من ثلاثةٍ من التجار ألف ألف درهم فضة، وهم برهان الدين المحلِّي ونور الدين الخروبي وشهاب الدين بن مسلم، وكتب لهم بذلك مسطورًا ضَمِنَه فيه محمود الأستادار، وكان ذلك بتدبيره. واستصحب السلطانُ معه القضاة والخليفة وشيخ الإسلام البلقيني، واستأذن البلقيني بعد وصوله إلى دمشق لولده جلال الدين في الرجوع لأنه كان قاضي العسكر فأذن فرجع، وتوجه الشيخ صحبة الركاب إلى حلب. وخرج إلى السلطان - وهو معسكِرٌ بظاهر القاهرة - شخص يقال أحمد بن عباس الحريري فذكر له أنه رأى النبي ﷺ في المنام، وأنه قال له: "روح إلى برقوق وقل له إنك منصور بأمارة أنك تقرأ سورة الفاتحة على أصابعك العشرة عشر مرات عند الركوب، ثم تقول إن ينصركم الله فلا غالب لكم" فصدَّق البشارة ويكي، وأمر للرائي بمالٍ فلم يَقبل منه إلَّا نزرًا يسيرًا. والذي يظهر لي كذب هذا الرائي وكأنه بُلِّغ الأمارة من بعض خواص السلطان المطلعين على سره (٢)، وإلَّا فلو كان صدقا لكان قد انتصر، والواقع أنه لم يقع له قتال مع أحد. * * * وعُزل موفق الدين عن الوزارة واستقر ناصر الدين بن رجب، فقُدر في نظر الدولة سعد الدين بن البقرى. * * * وفيها كائنة الشريف العُنَّابي - يضم المهملة والنون - وكان السلطان يعتقده فاتفق مع جماعة من مماليك بركة على القيام عليه، فنمَّ عليه موسى بن محمد بن عيسى العائدي - شيخ عرب العائد وكان في الحبس - فأرسل إلى الوالى ورقة بخطِّ. العنابي يقول فيها: "يا موسى

стр. 495

أرسل إلى عربك (١) يجتمعوا ويعسكروا قرب القاهرة، فإذا جاز السلطان قطية أركب أنا ومن معى من المماليك فنملك القاهرة ونخلِّصك من الحبس ونتساعد على ذلك، فإذا غلبنا قررنا سلطانًا نتفق عليه وأَسْتَقِرّ أنا خليفةً وأحمدُ بنُ قايماز أتابكَ العساكر"، فتوجه الوالى بالورقة إلى السلطان. فأرسل يلبغا السالمي إلى الشريف العُنَّابي ليسأله عن ذلك، فأحسّ الشريف بالشر فهرب، ثم أمسك الوالى عبدًا من عبيده فأقرَّ أن سيده في بيت الصارم الحلبي بسويقة السباعين، فبادر الوالى وقبض عليه وعلى أحمد بن قايماز فأحضرهما إلى السلطان - وهو بالريدانية وقد برز بالعسكر للتوجه -، فاعترف العُنَّابي بأن الورقة بخطه وأن ابن قايماز هو الذي رتَّبه فيما يفعل، فأنكر ذلك ابن قايماز وتبرَّأ منه، فأمر السلطان بالتوكيل بهما. فسعى عمر بن قايماز - أخو أحمد - عند أخت السلطان حتى شَفعَتْ في أخيه على مالٍ جزيل بَذَله وأطلقه، وأمر السلطان بتوسيط. الشريف العنابي فوسطه الوالى وكذلك وسَّط موسى بن محمد بن عيسى العائدي وعمه مهنا بن عيسى وجماعةً من نفره كانوا في القبضة، وذلك بعد سفر السلطان. * * * ووصل السلطان إلى دمشق في العشرين من جمادى الأولى فوصل إليه قاصد طقتمش خان ملك القفجاق يتضمن السؤال أن يكونوا يدًا واحدة على الطاغي تمرلنك، فكُتبَتْ أجوبتهم. ثم وصلت إليه رسل أبي يزيد بن عثمان صاحب الروم يتضمن استئذان السلطان على الحضور إلى نصره (٢) على قصد تمرلنك لما بلغهم من سوء سيرته، فكتب أجوبته أيضا. * * * وفى (٣) أول هذه السنة سار تمرلنك بنفسه وعساكره إلى تكريت فحاصرها بقيةَ المحرّم

стр. 496

كله، ودخلها عنوة في آخر هذا الشهر (١) فقَتل صاحبها وبنى من رءُوس القتلى منارتين (٢) وثلاث قباب وخرب البلد حتى صار قفرًا. وكان استولى على قلعة تكريت - وأميرها حسن بن دلتمور (٣) - فنزل بالأمان فأرسله اللنك إلى دارٍ ثم دس (٤) عليه من هدمها فمات تحت الردم، ثم أثخن في قتل الرجال وأَسْرِ النساء والأطفال. ثم نازل الموصل وصاحبها يومئذ على بن بدرخجا فصالحه وسار في خدمته ثم نزل رأس العين فملكها، ونازل الرها فأخذها بغير قتال ووقع النهب والأسر والسبي وذلك في أواخر صفر، واتفق هجوم الثلج والبرد. ولما بلغ ذلك صاحب الحصن جَمع خواصّه وما عنده من التحف والذخائر وقصد تمرلنك ليدخل في طاعته، فقرّر ولده شرف الدين أحمد نائبًا عنه وسار إلى أن اجتمع به بالرّها فقبل هديّته وأكرم ملتقاه ورعى له لكونه راسله قبل (٥) ملوك جميع تلك البلاد، ثم خلع عليه وأذن له في الرجوع إلى بلاده وأصحبه بشحنَةٍ من عنده. ثم (٦) قصده صاحب ماردين فتنكر له لكونه تأخرت عنه رسله وتربّص به حتى قرب منه فوكل به، فصالحه على مال فوعده بإرساله إذا حضر المال، فلما حضر زاد عليه في التوكيل والترسيم، ثم أخذ في نهب تلك البلاد بأسرها، واستولى على الجزيرة والموصل وسار فيهم سيرةً واحدة من القتل والأسر والسبى والنهب والتعذيب، ثم أقام على نصيبين في شدّة الشتاء، فلما أتى الربيع نازل ماردين في جمادى الآخرة فحاصرها وبنى قُدَّامها جواسق يحاصِرُها منها، ففتحها عن قرب، وقتل من الناس من لا يُحصى عددهم، وعصت عليه القلعة فرحل عنها،

стр. 497

ثم رحل إلى آمد فحاصرها إلى أن ملكها وفعل بها نحو ذلك، ثم توجّه إلى خلاط ففعل بها نحو ذلك. وسبب (١)، رجوعه إلى (٢) البلاد الشامية أنه بلغه أن طقتمش خان - صاحب بلاد الدشت والسراى وغيرهما - مشى على بلاده فانثنى رأيه فقصد تبريز، وصنع في بلاد الكرج عادته في غيرها من البلاد، ثم رحل راجعا إلى تبريز فأقام بها قليلا، ثم توجّه قاصدًا إلى طقتمش خان صاحب السراي والقفجاق؛ وكان طقتمش خان قد استعدّ لحربه فالتقيا جميعا ودام القتال، وكانت الهزيمة على القفجاق والسراى فانهزموا وتبعهم الجقطاى في آثارهم إلى أن ألجأُوهم إلى داخل بلادهم، وراسل اللنكُ صاحبَ سيواس القاضي برهان الدين أحمد يستدعى منه طاعته فلم يجبه، وأرسل نسخة كتابه إلى الظاهر صاحب مصر وإلى أبي يزيد ملك الروم. وفى (٣) رجب غلب على سائر القلاع وتوجّه في ذى القعدة إلى جهة بلاده وأمر بسجن الظاهر في مدينة سلطانية، وفى غضون ذلك خرج من حلب أميران مقدّمان ومعهما نحو ألف فارس لحفظ الرّها، فوجدوا اللنكية فتحوها، فوقع بهم جمع كبير من اللنكية فحصل بينهم وقعة انهزم فيها اللنكية وقتل منهم جمع عظيم، وصادف ذلك رحيل اللنكية عن الرها، ورجع عسكر حلب بالأسرى ورءُوس القتلى، ووصل الخبر بذلك إلى الظاهر [برقوق] في ربيع الأول ففرح به وأخذ في التجهيز بالعسكر المصرى، فخرج في ربيع الآخر وصحبته في هذه السفرة الشيخ سراج الدين البلقيني والشيخ شهاب الدين بن الناصح وأبو عبد الله الكركي والشيخ محمد المغربي والشيخ إبراهيم بن زقاعة وغيرهم. * * * وفيها وصلت رسل تمرلنك إلى الظاهر تتضمّن الإنكار على إيواء أحمد بن أُويس والتهديد إن لم يُرسَل إليه، فجهز السلطان إليهم مَن أهلكهم قبل أن يصلوا إليه، وأُحْضِر إليه ما معهم من الهدايا، وكان فيها أُناسٌ بزيّ المماليك فسألهم السلطان عن أحوالهم فقالوا له إنهم من

стр. 498

أَهل بغداد؛ ومن جملتهم ابن قاضي بغداد، وأَن تمرلنك أَسرَهم واسترقَّهم، فسلَّمهم السلطان لجمال الدين ناظر الجيش، فأَلبس ابن قاضي بغداد بزًى الفقهاء. وكان في كتاب تمرلنك إيعادٌ وإرعاد وأَوله: "قل اللهم مالك الملك فاطر السموات والأَرض عالم الغيب والشهادة، أَنت تحكم بين عبادك فيا كانوا فيه يختلفون، اعلموا أَنَّا جندُ الله، خَلقنا من سخطه، وسلَّطنا على مَن حَلَّ عليه غضبه، لا نرقُّ لشاك، ولا نرحم عبرة باكٍ"، وهو كتاب طويل، وفيه: "ودعاؤكم علينا لا يستجاب فينا ولا يُسمع، وكيف يَسمع الله دعاءُكم وقد أَكلتم الحرام، وأَكلتم أَموال الأَيتام، وقبلتم الرشوة من الحكام؟ ". قلت: وأَكثر هذا الكتاب منتزع من كتاب هولاكو إلى الخليفة ببغداد وإلى الناصر ابن العزيز بدمشق وهو مِن إنشاءِ النصير الطّيبرسي. وكَتب جوابَ اللنك كاتبُ السرّ ابنُ فضل الله، وهو كلام ركيك ملفق غالبه غير منتظم، لكن راج على أَهل الدولة، وقرئ بحضرة السلطان والأُمراء فكان له عندهم وقع عظيم وعظموه جدا، وأَعادوه (١). وكان النائب بحلب أَرسل رجلًا بعث به سالم الدوكارى، فلما وصل إلى القاهرة أَخبر السلطانَ بأَنَّ المقاتلة اللنك عشرون أَلفًا، وأَن له أُختًا معه تضرب بالرمل، ثم حضر شخص آخر كان من مماليك الأَشرف وخدم شَكر أَحمد التركمانى وأَنَّه توجّه معه إلى اللنك وهرب منه، فأَخبر بمثل ما أَخبر به التترى المذكور. . . . وفى (٢) رابع عشرى ربيع الأَول قُبض على شخص من الططر، فعُرض على السلطان فضربه فأَقرّ على عدّة جواسيس، فقبض منهم على سبعة أَنفس ما بين تجار وغيرهم. وتجهَّز السلطان إلى السفر وأَنفق في المماليك في ثالث ربيع الآخر لكل واحدٍ أَلفا درهم، فبلغه أَنهم تمنَّعوا فجلس بنفسه وأَمر بالنفقة فأَخذوا، ولم يتكلم أَحد منهم، وأَعطى كلَّ مقدّمِ أَلفٍ ستين أَلفًا وللخليفة عشرةَ آلاف، ويقال كانت جملة النفقة تسعة آلاف أَلف، كان عنها من الذهب الهرجة ثلاثمائة أَلف وستون دينارًا.

стр. 499

وكان اقترض من التجار أَلف أَلف، ومِن موجود جركس الخليلي ثمانمائة أَلف، ومِن موجود أَرغون شاه نحو النصف من ذلك. ومن موجود إينال اليوسفى نحو ذلك أَو أَكثر. فبرز [السلطان] في سابع الشهر وخرج من القلعة في عاشره وسافر من الريدانية في ثاني عشرى الشهر وترك في الاصطبل بيبرس أَمير آخور وبالقاهرة سودون النائب ونائباه، وبالقلعة قلمطاى ومعه ثلاثمائة ملوك، ودخل [برقوق] دمشق ثانى عشرى جمادى الأُولى فأَقام بدمشق خمسة أَشهر وعشرة أَيام، واسنترَّ الأَخبار فتحقق رجوع اللنك فجهّز أحمد بن أويس إلى بغداد ودفع له حين السفر خمسمائة أَلف درهم قيمتها عشرون أَلف دينار وخمسمائة فرس وستمائة جمل، وجهَّزه أَحسن جهاز. فخرج في مستهلَّ شعبان وسافر في ثالث عشره وسار معه عدّة من الأُمراء الكبار إلى أطراف البلاد، ثم صحبه سالم الدوكارى، ثم جهَّز السلطان: كمشبغا وجماعةً من الأُمراء إلى حلب فتوجّهوا قبله، ثم توجّه [هو] بعدهم في أَول ذي القعدة فدخلها في العاشر وأَقام إلى عيد الأَضحى ورجع إلى الديار المصرية في الثاني عشر منه، وكان أَمَر بعرض أجناد المحلقة و [أَن] يجهّز مَن له خُبز ثقيل بعبرة ثقيلة إلى السفر. وأُلزم مباشرو الخاص أَن يؤخذ من كل واحدٍ بغلةً أَو قيمتها، ثم اختار من أَجناد الحلقة أَربعمائة فارس انتقاهم، ثم نادى للأَجناد البطالين بالحضور لينفق فيهم ليسافروا، فحضر منهم نحو الخمسمائة، فقبض قلمطاي منهم بأَمر السلطان على ثلاثمائة وسبعين فسجنهم وهرب الباقون، ثم عرضهم ابن الطبلاوى عند محمود، وأَفرج عن مائتين منهم. ولما دخل الشام شكوا من الباعونى فَعَزَله ونكَّل به وخلع على علاء الدين بن أَبي البقاء، وأَقام الظاهرُ بدمشق خمسة أَشهر، وعَزل ابن المنجا الحنبلي وولَّى عوضه شمس الدين النابلسي، وعزل ابنَ الكشك وولي عوضه ابن الكفرى. * * * ثم وصل السلطان إلى حلب فوصل إليه ابن نعير وأَخبر أَن أَباه غلب على بغداد بعد رحيل تمرلنك منها، وخَطب فيها باسم الملك الظاهر فجهّز أَحمد بن أويس بجماعته إلى بغداد بعد أَن جهّزه جهازا حسنا، وأَرسل عسكرا كبيرًا فيهم كمشبغا الأَنابكي وأَحمد بن يلبغا وبكلمش وغيرهم إلى أَطْراف المملكة، وأَقام السلطان نازلًا على الفرات إلى أَن وصل قاصد أَحمد

стр. 500

ابن أويس يخبره بأَنه دخل بغداد وجلس على تخت ملكه وخطب باسم السلطان بها، فرجع السلطان إلى حلب وحضر إليه - وهو بها - سالم الدوكاري التركماني طائعًا فخَلع عليه وعظَّمه، وأَلبسه بزى الترك، ووَصل إليه كتابُ القاضى برهان الدين أَحمد صاحب سيواس يبذل له الطاعة. وذكر أَحمد بن أويس في كتابه أَنه لما وصل إلى ظاهر بغداد خرج إليه نائب تمر فقاتله فانكسر فأَطلق المياه على عسكر ابن أويس، فأَعانه الله وتخلَّص. * * * وفى هذه السفرة استقر بدر الدين محمود بن عبد الله الكلستانى العجمي في كتابة السرّ بعد موت بدر الدين بن فضل الله، وكان السلطان استدعى به من القاهرة بعد أَن سافر ليقرأَ كتابًا ورد عليه من بلاد العجم بالعجمي وذلك بإشارة جمال الدين ناظر الجيش، فتوجه وهو في غاية الخوف ظنا منه أَنْ قد وَشى به بعض أَعدائه وما درى أَنه نُقل أَمره إلى العز الزائد بعد الذل المفرط. واستقر في نيابة حلب - بعد رحيل السلطان - بإمرة تغرى بردى، وفى نيابة طرابلس أَرغون شاه، وفى نيابة صفد أقبغا الجمالي. * * * وفى هذه السنة كان بالقاهرة من الرخص ما ضُرب به المثل، حتى إن عنوانه أَن البطيخ العبدلاوي أُبيع كل قنطار بدرهم، وقِسَّ على ذلك. * * * ثم في آخرها توقَّف النيل حتى مضى نصف أَبيب الثاني، ثم مضى نصف مسرى الأَول ثم فتح الله فزاد في أَسبوعٍ واحد نحو عشرة أَذرع، وتزايد بسبب التوقف سعرُ القمح إلى أَن بلغ أَربعين درهمًا كل إردب، ثم زاد ضعفها. * * * وفيها (١) أَرسل أَبو فارس بن أَبي العباس المرينى بعد موت أَبيه إلى تلمسان أَبا زيَّان بن

стр. 501

أَبي حمو بعد أَن أَخرجه من محبسه بفاس وصار أَميرًا على تلمسان من قِبله، وأَرسل ابن عامر مالًا، فغدروا بيوسف بن أَبي حمو وأَرسلوه إلى أَبي فارس فقتله وبعث برأْسه إلى أَخيه أَبي زيان، واستمر أَبو زيان في إمرة تلمسان عن أَبي فارس. * * * وفى رجب أَخذت الفرنج (١) عدة مراكب تحمل الغلال إلى الشام. * * * وفى هذه السنة أُشيع أَن امرأَة طال رمدها فرأَت النبي ﷺ تسليما فأَمرها أَن تأْخذ من حصًا أَبيض في سفح المقطم أَشيافًا وتكتحل به بعد سحقه ففعلَتْ فعوفيت، فتكاثر الناس على استعماله وشاع ذلك ثم بطل. وأَوفى النيل ثامن عشرى مسرى وانتهت الزيادة في ذى القعدة (٢) إلى الحادي عشر من الثاني عشر، فارتفعت الأَسعار، فأَمر سودون النائب أَن يتحدّث ابن الطبلاوي في الأَسعار ففعل، ولم يزدد الأَمر إلَّا شدة. * * * ذكر من مات في سنة ست وتسعين وسبعمائة من الأعيان ١ - إبراهيم بن خليفة بن خلف خطيب برزة، كان خيّرا معتقدًا. مات في شعبان. ٢ - إبراهيم بن خليل بن خلف بن عمر الصنهاجي المالكي، برهان الدين القاضي، ولد سنة سبع عشرة وسبعمائة، وسمع من الوادي آشي وغيره، وتفقه بدمشق على القاضي صدر الدين الغماري المالكي وتزوّج بنته بعده؛ وكان يحفظ. "الموطأَ". ولى قضاءَ دمشق غير مرة، أَولها سنة ثلاث وثمانين، فلما جاءَه التوقيع لم يقبل وصمّم على عدم المباشرة وامتنع من لبس الخلعة فولى غيره، ثم ولى في ربيع الأَول سنة ثمان وثمانين فامتنع أَيضا فلم يزالوا به حتى قبل فباشر ثلاث سنين ثم صُرف.

стр. 502

ومات في ربيع الآخر فجأَةً بعد أَن خرج من الحمام وقد ناهز الثمانين، وهو صحيح البنية (١) حسن الوجه واللحية. قال ابن حجى: "كان فاضلًا في عدة (٢) علوم، وكان يخالط الشافعية أَكثر من المالكية، ويعاشر الأَكابر بِحُسْنِ محاضرته وحلو عبارته". ٣ - أَحمد بن إبراهيم بن على بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحقِّ المريني، السلطان أَبو العباس بن أَبي سالم بن أَبي الحسن صاحب فاس، ولقبه المستنصر بالله أَمير المؤمنين ثم اعتقل بطنجة فلم يزل حتى بعث ابن الأَحمر صاحب غرناطة إلى محمد بن عثمان أَمير سبتة أَن يخرجه ويساعده، فركب إلى طنجة فأَخرجه وبايع له وحمل الناس على طاعته، وبايعه أَهل جبل الفتح وأَمدّه ابن الأَحمر بعساكر، وكتب ابن الأَحمر إلى الأَمير عبد الرحمن بن أَبي يعمر يوافقه (٣) ويعاضده، وكان بينهما بون فتصافيا، ونازلوا فاس فخرج السعيد محمد ابن عبد العزيز بن أَبي الحسن سلطانها فاختلّ أَمره وانهزم، وركب أَبو العباس وحصر البلد في سنة خمس وسبعين إلى أَن دخل سنة ست وسبعين، واستقل السلطان أَبو الحسن ملك فاس والمغرب وأَمر عبد الرحمن على مراكش. واستوزر أَبو العباس محمد بن عثمان بن العباس وأَلقى إليه المقاليد، ثم غدر عبد الرحمن فأَخذ من بلاد أَبي العباس أَربو، فتردّدت الحرب بينهما إلى أَن قُتل عبد الرحمن في آخر جمادى الآخرة سنة أَربع وثمانين، ثم ملك تلمسان وهرب منها صاحبها أَبو حمو، ثم قام موسى بن أَبي عنان (٤) على أَبي العباس ونزل دار المُلك بفاس، فرجع أَبو العباس فنزل تارى فتركه أَهل عسكره وتوجهوا إلى موسى قآل الحال إلى أَن غلب موسى وقيّده وحُمل إلى الأَندلس فأَكرمه ابن الأَحمر، ولم ينشب موسى أَن مات فأُقيم المنتصر بن أَبي العباس في الملك، فبلغ

стр. 503

ذلك ابنَ الأَحمر فأَخرج أَبا العباس ليرسله إلى فاس، ثم بدا له فردّه إلى الاعتقال، فأَرسل الواثق محمد بن أَبي الفضل ابن السلطان أَبى الحسن فتوجّه إلى فاس فملكها في شوال سنة ثمانٍ وثمانين وقبض على المنتصر وبعثه إلى ابن الأَحمر؛ ثم أَرسل عسكرا فأَخذوا سبتة فبلغ ابن الأَحمر فغضب، وطلب أَبا العباس فأُركب البحر من ما لقة إلى سبتة فوصلها في صفر سنة تسع وثمانين فاضطرب من فيها فاستولى على سبتة. ثم سار إلى طنجة فملكها ثم نازل فاس فملكها، وكان القائم في تلك الأُمور كلها الوزير مسعود فقبض عليه وعذَّبه ثم قطَّعه قطعا، ولم يزل السلطان أَبو العباس تتقلَّب به الأُمور إلى أَن مات في المحرّم سنة ست وتسعين، فقام بعده ابنه أَبو فارس فلم تطل مدّته ومات سنة ثمان وتسعين فقام أَخوه ومات يوم الفطر سنة: تسع وتسعين، ثم قام أَخوهما أَبو سعيد عثمان (١). ٤ - أحمد بن محمد بن أَبي بكر بن يحيى بن إبراهيم بن يحيى بن عبد الواحد بن أَبي جعفر الحفصى الهَنتاتى صاحب بلاد تونس وإفريقية وغير ذلك من بلاد المغرب، والهنتاتي - بفتح وسكون النون بعدها مثناة وبعد الأَلف مثناة أُخرى - يكنى أَبا العباس، وكان يقال له "أَبو السباع". ولى المملكة سنة اثنتين وسبعين في ربيع الأَول، وكل من ذُكر في محمود نسبه وَلِيَ السلطنة إلَّا أَبوه وجد أَبيه، مات في شعبان واستقر ولده أَبو فارس عبد العزيز. ٥ - أحمد بن يعقوب الغماري المالكي، كان فاضلًا في مذهبه، درّس وأَفتى وولى قضاءَ حماة ثم صرف فأَقام بدمشق إلى أَن مات في ذى القعدة عن نحو من ستين سنة. ٦ - أبو بكر بن محمد بن الزكى عبد الرحمن المزى، تقى الدين بن أَخى الحافظ جمال الدين، سمع الحجار والمزِّى وغيرهما وحدّث. مات في المحرم عن خمس وسبعين سنة.

стр. 504

٧ - راشد بن عبد الله التكرورى أَحد المشايخ المجذوبين الذين يعتقدهم العامة، كان مقيما بجامع راشدة الذي عند بركة الحبش، رأَيته هناك وعنده سكون ويصيح أَحيانا. مات بالمرستان. ٨ - رسلان بن أَحمد بن إسماعيل الصالحي الذهبي، سمع من محمد بن يعقوب الجرائدي (١) وأبي العباس الحجار، وحدّث بدمشق. ٩ - زكريا بن أَحمد بن أَبي بكر الأَمير أَبو يحيى، لما مات أَخوه السلطان أَبو العباس أَحمد واستقر في السلطنة بعده ولده أَبو فارس عبد العزيز كان يخشى من عمه فاستدعاه في مرض أَبيه (٢) فدخل عليه فخشي عليه أَخوه وأَمره بالانصراف فعاقه أَبو فارس حتى مات أَبوه وبويع بالسلطنة، فقَتل عمه في نصف ذي القعدة. ١٠ - زينب بنت القاضي زين الدين البسطامي، والدة القاضي صدر الدين المناوى، كانت مقيمةً بجامع الحاكم، ماتت في المحرم ومشى الناس في جنازتها من هناك إلى المصلَّى بالقرب من جامع الماردانى لأَجل ولدها. ١١ - زينب بنت أَبي البركات البغدادية، كانت صالحة فبُنَى لها رباط بجوار خانقاه بيبرس، بنته لها [الست] (٣) تذكار بنت الملك الظاهر بيبرس وصار كالمودع للنساء الأَرامل وهو المعروف برواق البغدادية. ١٢ - سلام (٤) بن محمد بن سليمان بن فايد (٥) الخفاجي أَمير العرب، وهو المعروف بابن التركية، كان شجاعًا بطلا (٦) وقد ذكر في الحوادث. مات في ربيع الآخر.

стр. 505

١٣ - عامر بن ظالم (١) بن حيار بن مهنا، مات غريقا بالفرات ومعه سبعة عشر نفسًا من آل مهنا في وقعة بينه وبين عرب زبيد وقُتل معه خلق كثير جدا. ١٤ - عبد الله العمرى كاتب السمسرة، والد صاحبنا شمس الدين العمرى موقع الدست. ١٥ - عبد الرحمن المناوى خادم الشيخ صالح بمنية السيرج، كان ممَّن يعتقده المصريون. مات في جمادى الأُولى. ١٦ - عبد الرزاق (٢) بن عبد الله بن عبد الرزاق المصرى، كمال الدين بن المطوّع الشاهد، ولد سنة عشر أَو بعدها، وسمع من أَبي الفتح الميدومى وغيره، واعتنى بالشروط وكتب الخط. الحسن ونظم ونثر وأرّخ الوقائع التي شاهدها، مات ثالث رجب [و] سمعْتُ من فوائده. ١٧ - على بن عبد الواحد (٣) بن محمد بن صغير، علاء الدين بن نجم الدين بن شرف الدين رئيس الأَطباء بالديار المصرية، وكان فاضلًا مفننًا (٤) انتهت إليه المعرفة، وكان ذا حدس صائب جدا يحفظ عنه المصريون من ذلك أَشياء، وكان حسن الصورة بهي الشكل جميل الشيبة. مات بحلب في ذى الحجة ثم نقلتْه ابنته إلى مصر فدفنته بتربتهم. أَخذ عنه شيخنا ابن جماعة وكان يثني على فضائله، [و] اجتمعتُ به مرارًا وسمعتُ فوائده، وكان له مالٌ قدرَ خمسةِ آلاف دينار وقد أَفرده للقرض فكان يقرض من يحتاج إلى ذلك برهْنٍ من غير استفضال بل ابتغاءَ الثواب. قرأْتُ بخط. الشيخ تقي الدين المقريزي: وكان يصف الدواء للموسر بأَربعين أَلفا، ويصف الدواءَ في ذلك الداء بعينه للمعسر بفلس" قال: "وكنا عنده فدخل عليه رجل شيخ فشكى شدّة

стр. 506

ما به من السعال فقال له: أَراك (١) تنام بغير سراويل"، قال: "أَى والله، قال: فلا تفعل، نم بسراويلك" فمضى، قال (٢) فعدْت ذلك الشيخ بعد أَيام فسأَلته عن سعاله (٣) فقال: عملت ما قال فبرئت"، قال: "وكان لنا جار حدث لابنه حدث رعاف حتى أَفرط فانحلت توى الصغير فقال له: شرّط آذانه، فتعجّب وتوقف فقال: توكل على الله وافعل، قال تفعل ذلك فبرأَ" قال: "وله من هذا النمط. أشياء عجيبة". ١٨ - محمد (٤) بن أَحمد بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أَحمد بن على الحسني الفاسي، أَبو الفتح المالكي سبط. الخطيب بهاء الدين محمد بن التقى عبد الله بن المحب الطبرى، سمع على عثمان بن الصفىّ أحمد بن محمد الطبري وغيره. وبالمدينة على الزين بن على الأسوانى والجمال الطبرى وخالص البهائي وغيرهم. وأَجاز له جماعةٌ من مصر والشام وحدّث. وكان مولده في ذى القعدة سنة ٧٣٢ بمكة، ومات بها في خامس صفر. ١٩ - محمد بن أَبي بكر الدمشقي، بدر الدين بن المصرى. اشتغل بالعلم، وأَخذ عن التاج المراكشي، وكان أَكبر الشهود بمجلس القاضي المالكي. ٢٠ - محمد بن عرب (٥) شاه الخادم بالسميساطية بدمشق. كانت له وجاهة وكان حسن الخط. وولى مشيخة خانقاه الطواويس ومات في جمادى الأُولى. ٢١ - محمد بن على بن سالم الفرغانى (٦) أحد شهود الحكم بدمشق. اشتغل بالقراءات وتلى بالسبع على اللبان وأَقرأَ. مات في ذى الحجة. ٢٢ - محمد بن على بن يحيى بن فضل الله بن مجلى العدوى المصرى، بدر الدين بن علاء الدين كاتب السر، ولى كتابة السرّ وهو شاب بعد والده (٧) وباشرها وأَبوه في مرض

стр. 507

موته وذلك في سنة تسع وستين ولم يكمل حينئذ عشرين (١) عامًا، واستمر إلى أَن عُزل في أَول الدولة الظاهرية بأَوحد الدين ثم أُعيد بعد (٢) سنتين ثم عزل بعلاء الدين البيرى (٣) ثم أُعيد، ثم مات في هذه السنة في شوال فباشر الوظيفة نيفا وعشرين سنة. وكان مهيبا ساكنًا قليل الكلام جدا قليل الاجتماع بالناس: قصير البضاعة في البلاغة جدا، إلَّا أَن خطه حسن، وكان يستر نفسه بقلة الكلام وقلة الاجتماع ويدّعى أَن ذلك من شأْن وظيفته، وكانت له محاسن عديدة، وأَقام في مواطن محمودة، ونصيحته (٤) لمن يخدمه مشهورة. وعنوان شعره ما كتبه للملك الظاهر بدمشق لما تخلَّف مع منطاش: يقبّل الأَرضَ عبدٌ بعد خدمتكم … قد مَسَّه ضررٌ ما مثله ضررُ الشغل يُقضى لأَن الناس قد قدموا … إذْ عاينوا الجور من منطاش ينتشر والله إن جاءَه من عندكم أَحدٌ … قاموا لكم معه بالروح وانتصروا وقرأْت بخط. ابن القطان وأَجازنيه أَنه: "قرأَ على الشيخ بهاءِ الدين بن عقيل وعَلىَّ (٥) "الحاوى" وفى "أَلفية ابن مالك" حتى صار يعرب في القرآن وأَنا حاضرٌ والشيخ فخر الدين الضرير فيجيد ذلك، وكان والده قد حرص على أَن يكون عالمًا فشغلته الخدمة عن التمهّر في ذلك: وكان واسع الجاد لكنه لا يملك نفسه عند الغضب وتصدر منه أُمور صعبة". رحمه الله تعالى. ٢٣ - محمد بن محمد بن داود بن حمزة، ناصر الدين، ولد سنة ثمان وسبعمائة، وسمع على عم أَبيه التقى سليمانُ وغيره (٦)، وأَجاز له الكمال إسحاق (٧) النحاس وأَولاد ابن العجمى الثلاثة، وتفرّد بالرواية عنهم. مات في رجب (٨).

стр. 508

٢٤ - محمد بن محمد المليجى تاج الدين، يعرف بصائم الدهر، ولى نظر الأَحباس والجوالى والحسبة، وخطب بمدرسة السلطان حسن. مات في صفر وكان ساكنا قليل الكلام، جميل السيرة. ٢٥ - محمد بن مقبل التركي، تفقه في صباه وأَحبّ مذهب الظاهرية فتظاهر (١) به، وكان يحفى شاربه ويرفع يديه في كل خفض ورفع؛ وكتب بخطه كثيرًا جدا. ٢٦ - محمد بن موسى بن أَقطاى (٢) الناصري، ناصر الدين، أَحد الأُمراء العشراوات، كان أَبوه نائب السلطنة وكان الولد نجيبًا سريًّا جميل الصورة ضخما جدًا (٣)، يحب سماع الحديث ويحضر عنده المشايخ في (٤) داره، فيجتمع الطلبة عنده ويحسن إلى الشيخ عند ختم الكتاب وللقارئ. سمعْتُ بمنزله على بعض شيوخنا، ومات في ذى القعدة منها. ٢٧ - مراد (٥) بن أَردخان بن أَردن (٦) على بن عثمان بن سلمان بن عثمان التركماني صاحب الروم، يقال إن أَصلهم من عرب الحجاز، وكان أَول مَن نبه منهم سليمان فكان يغزو ومعه نفر من المطوّعة، وكان شجاعًا بطلًا فاشتهر بذلك وكثر أَتباعه، ثم مات فقام ابنه عثمان مقامه وفتح برصا واستوطنها في حدود الثلاثين، ثم قام ابنه أَردن على مقامه فأَربي على أَبيه في الجهاد وقرّب العلماء والصلحاء وعمّر الخوانك والزوايا، ثم مات فقام ابنه أَردخان مقامه

стр. 509

ثم مات فقام ابنه مراد فركب البحر ونازل ما وراءَ خليج القسطنطينية وأَذلهم حتى بذلوا له الجزية، ونشر العدل في بلاده، ولم يزل مجاهدًا في الكفرة حتى اتسعت مملكته ومات في حربٍ بينه وبين الكفَّار وعهدَ لابنه أَبي يزيد. وكانت مدة مملكته عشرين سنة. ٢٨ - يحيى بن محمد بن على الكناني العسقلاني، أَمين الدين الحنبلي، عم شيخنا عبد الله بن علاء الدين، سمع الميدومى وغيره وحدّث. رأيته ولم يتفق لي أَن أسمع منه. ٢٩ - يوسف بن أَبي عبد الله محمد بن يوسف بن إسماعيل، أَبو الحجاجْ بن الأحمر، صاحب غرناطة، وليها في سنة ...... (١). ٣٠ - أَبو الفرج القبطى، موفق الدين، ولى نظر الخاص وأُضيف إليه نظر الجيش فباشره أَحسن مباشرة ثم ولى الوزارة فلم يُحْمد فيها، وكان يسكن مصر. * * *

стр. 510

سنة سبع وتسعين وسبعمائة استهلَّت السنة والغلاءُ موجود وبلغ سعر القمح إلى سبعين ثم انحطَّ في ربيع الآخر إلى ستّة وستين درهمًا. * * * وفي المحرّم توجه غلمان أَحمد بن أُويس وحريمه إلى بغداد. * * * وفى السابع (١) منه دخل السلطان إلى دمشق فأَقام بها عشرة أَيام بعد أَن قبض على عدة من الأُمراء بحلب، وهرب آل مهنا في البرية. * * * وشكى بعض العامة من القاضي الشافعي شهاب الدين الباعوني فعزله السلطان وقرّر علاء الدين بن أَبي البقاءِ. * * * ودخل الحاج في الثالث والعشرين من شهر المحرّم وأَميرهم قديد. * * * ودخل حريم السلطان في خامس صفر وفيهن عدّة من بنات الأُمراءِ والناس، بعضهن أَبكار وبعضهن ثيبات ليختار السلطان منهن من يتزوّج بها؛ وكان خروجه من دمشق في سابع عشر المحرم وزار القدس في طريقه وتصدّق به وبالخليل بمال كبير، ودخل غزة في ثالث عشرى المحرم فأَقام بها إلى ثالث صفر. ودخل (٢) جمال الدين الأُستادار في سابعه. ودخل السلطان في ثالث عشره وكان يوما مشهودًا ورخص السعر بعد دخوله قليلا ثم رجع بسبب الرمايات وتزايد الظلم من المباشرين. ووقع بعض وباء.

стр. 511

ودخل السلطان القاهرة وزار والده في مدرسته (١) في خامس عشر صفر. * * * ثم جاءَ النيل الجديد وبلغ في أَواخر السنة إلى عشرين ذراعًا وبعض ذراع ومع ذلك فالأَسعار في ازديادٍ إلى أن بلغ القمح ثمانين درهما كل إِردب، والحمص والشعير بخمسين، والقول أَربعة وخمسين، والتبنُ كل حمل بعشرة. * * * وفيه (٢) استقر فارس في الحجوبية عوضا عن بنخاص لاستقراره في نيابة الكرك لكنه استعفى. * * * وفيه استعفى سودون النائب من النيابة لمرض تغيّر منه حاله ولكبره فأُعْفِي وأُعطى خبرد لبعض الأُمراء، ورُتب له رواتب وأَقام بداره. وفيه أُمِّر علاءُ الدين الوالى طبلخاناه، ورتب حاجبًا واستقر أخود محمد نائبًا عنه في الولاية. * * * وفيه أُمِّر شيخ المحمودي - الذي صار بعد ذلك (٣) سلطانا -[أَمير] أربعين: وأُمِّر نوروز تقدمةَ أَلف. * * * وعمل السلطان المولد في ليلة الجمعة ثامن شهر ربيع الأول. * * * وفيه بدأَ [السلطان] الظاهر بشرب الشراب التمربغاوى. وصفته أن يعمل لكل رطل (٤) زبيب أَربعون رطَل ماء، ويدفن في زبل الخيل إلى أَن يشتد. ولم يكن الظاهر - قبل ذلك - يتظاهر بشرب المسكر.

стр. 512

وفيها وقع بين الشيخ شرف الدين يعقوب بن الشيخ جلال الدين التبّانى وبين الشيخ مصطفى القرماني شيخ المدرسة القمارية، بحيث وقع من الشيخ مصطفى في حق إبراهيم الخليل ﵇ شيءٌ أَنكره الشيخ شرف الدين. وتفصيل (١) ذلك أَن الشيخ جلال الدين لما مات رام الشيخ شرف الدين أَن يستقر مكان أَبيه فغَلب عليه مصطفى واستقر فيها، فبقى في نفسه منه، فاتفق أَنه ظفر "بشرح مقدمة أَبي الليث" جَمْع مصطفي المذكور، فوجده ذكر في دليل كراهية التوجه عند البول إلى الشمس والقمر لأَنهما معظمان ولذلك قال إبراهيم الخليل لما رَأْى الشمس بازغة "قال هذا ربى" فقال شرف الدين: "هذا كفر". وبالغ في التشنيع على مصطفى. فشكى مصطفى أَمره إلى قديد الحاجب، فأَهان الشيخ شرف الدين، فلما وصل السلطان وقف إليه الشيخ شرف الدين وطلب منه أَن يعقد لهما مجلسًا فأَجابه وأَحضر القضاة والعلماء وشيخَ الإسلام سراج الدين البلقيني، فادّعى شرف الدين على مصطفى أَنه وقع في حق الخليل ﵇ فقال في كلام له فيما ادّعاه عليه أَنه قال: "لا يبول أَحد في الشمس والقمر لأَنهما عُبدا من دون الله" وذكر إبراهيم في قوله (فلما رأى القمر بازغا). ووقع اللغط. فالتفت السلطان إلى القضاة يستفهمهم (٢) فقال له ابن التنسى القاضي المالكي: "إن حكَّمتني فيه ضربت عنقه"، فبادر أَكثر الأُمراء وسأَلوا السلطان أَن يحكِّم فيه القاضى الحنفى فأَجابِهم، فكشف الحنفى رأْسه وأَرسله إلى الحبس ثم أَحضره بعد ثلاثة أَيام فضربه وحبسه ثانيا، ثم أَفرج عنه بعد أَن حكم بإسلامه، وذلك في ربيع الأَول. * * * وفيها وقع الوباءُ ببغداد فجلا عنها أَكثر أَهلها فدخل سلطانها إلى الحلة فأَقام بِها، وأَعقب (٣) الوباءَ غلاءٌ فلذلك تَحَوَّل. * * *

стр. 513

وفيها وقع بين طقتمش خان وبين تمرلنك وقائع كان النصر فيها لتمرلنك وجهَّز ولده لقمان إلى كيلان فَملكها، وفرّ طقتمش خان إلى بلاد الروس، ثم توجّه (١) إلى القرم فملكها ثم إلى كافا فملكها أَيضا وخرّبها، ووصلت رسل الملك الظاهر إليه المجهزون إلى طقتمش خان في آخر هذه السنة بهذه الأَخبار في ذى الحجة ورئيسهم طولو، فذكر أَن اللنك طرقه بعد قدومهم بيسير، فخامر جماعة من أصحاب طقتمش خان فانكسر وهرب طولو إلى [بلاد] السراى، ثم توجه إلى القرم ثم توجه إلى الكفا ثم توجّه منها إلى .... (٢) فبلغهم أَن اللنك غلب على القرم ونزل على الكفا فحاصرها وفتحها، وتوصل طولو حتى دخل القاهرة. * * * وفى شهر ربيع الأَول منها ابتدأَ جمال الدين محمود الأستادار في الخمول، فإنه شكي إلى السلطان قلة المتحصَّل وكثرة المصروف، فرافع فيه بعض المباشرين، فأَمر السلطان بمصادرته على خمسمائة أَلف دينار، ثم استشفع فيه إلى أَن قُررت مائةً وخمسين ألف دينار بعد أَن ضربه، ثم خلع عليه. * * * وفيه شكى شخص نصراني بعض نواب المالكي (٣)، وهو شمس الدين محمد بن شهاب الدين أَحمد لديرى للسلطان فضربه بحضرته بَطْحًا ورسم عليه، وتأَلم الناس له. * * * وفي رابع شعبان حضر الظاهر مجلس دار العدل بعد تعطيلها سنة ونصفًا. * * * وفى شوال غيّر السلطان الظاهر الحكمَ بين الناس من يومى الأَحد والأَربعاءِ إلى يومى السبت والثلاثاء، وخصّ الأَحد والأَربعاءَ بالشرب. * * *

стр. 514

وفيها اعتنى السلطان بأَمر البريد فجهّز الخيول اللائقة لذلك وفرضها (١) على الأُمراءِ، فعلى كل مقدّم: عشرة أَكاديش. وعلى (٢) الطبلخاناه: كل واحد اثنان، وعلى العشراوات: كل واحد واحد، فجهزت على ذلك الحكم. * * * وفيها كانت الوقعة بين الفرنج وصاحب غرناطة فقتل من الفرنج مقتلةٌ عظيمة، ونصر الله المسلمين، وذلك (٣) أَن الفرنج نازلت غرناطة، فاستعان ابن الأَحمر بصاحب فاس المريني فسار إليه في عساكره إلى جبل الفتح، فتقهقر الفرنج لمجيئه ووقعت الحرب. * * * وفيها كانت الوقعة بين نعير والتركمان، فقُتل تنعير جماعة من أَصحابه ومات كثير من جماله، فرحل نعير إلى القاهرة ودخل إلى السلطان وفي رقبته منديلٌ فعنى عنه السلطان وخلع عليه، ثم قدم ولده عمر (٤) إلى السلطان فعنى عنه، ثم قبض عليه وسجنه بالاسكندرية. * * * وفيها حضر قاصد الملك الصالح صاحب ماردين يبذل الطاعة للملك الظاهر فأَرسل إليه تقليدًا وخلعة. * * * وفيها ترافع شهاب الدين المالقي ترجمان الإسكندرية وزين الدين الموازيني بدولب دار الضرب بها إلى السلطان فصادرهما على أَلف أَلف درهم فضة. * * *

стр. 515

وفيها ضُرب يلبغا الزيني - والى الأَشمونين - بالمقارع بحضرة السلطان لكثرة ما شكاه أَهل البلاد التي كان كاشِفها. * * * وفيها في ربيع الآخر قدم سلطان (١) تبريز جلال الدين حسن بن أويس إلى القاهرة، وهو ابن أَخي أَحمد الذي قدم قبل ذلك بمدّة فأَكرمه [السلطان] الظاهر، ثم طلق بنت عمه وأَمره أن يتزوّجها فتزوجها، وكان أَبوه صاحب تبريز، وكان فدومه هو بأَمر عمْه لأَنه بلغه أَنه قبض على جماعةٍ من أَقاربه وأصحابه فأَقام بالقاهرة. وقدم مسعود بن محمد الكججاني من تبريز هاربًا من تمر - فيما زعم - ثم ظهر بعد مدّة أَنَّه جاسوس من قبل اللنك، ولم يفطن له حينئذ (٢). * * * وفيها حضر طولو الذي كان توجَه رسولًا إلى طقتمش خان، وذلك أَن اللنك وصل إليهم بعد قدومه بيسير فذكر ما تقدم، وهرب طولو إِلى السراى. * * * وفيها وقع الخلف بين ملوك الروم وذلك أَن مراد بن عثمان لما قُتل في السنة الماضية عهد إلى ابنه أبي يزيد بالمملكة وأَمر بقتل ابنه الآخر صوجي لأَن أُمه نصرانية فقُتل، فبلغ ذلك ملوكَ الروم - وكانت منقسمة بين ست ملوك منهم: ابن قرمان وعيسى بك وغيرهما -، فاجتمعوا وحاربوه فكانت النصرة له وأَسر الجميع فأَوقفهم بين يديه فلم يعاقب (٣) منهم سوى عيسى بك - وكان عريقا في المملكة ولديه علم - ثم أَفرج عنهم جميعا وأَمرهم أَن يتوجهوا بأَحمالهم وأَموالهم وأَهاليهم إلى أَن أنزلهم بمدينة إربل (٤). ولم يتعرّض لشيءٍ مما معهم، وولَّي في ممالكهم أناسا من جهته إلا ابن قرمان فإِن أخته كانت تحته فشفعت فيه.

стр. 516

ثم لما استقرت قدمه في المملكة عمّر جامع برصة ورخَّمه من ظاهره وباطنه، وجعل الماءَ في سطحه ينزل منه فيجرى في عدة أَماكن، وعمّر المارستان؛ وأَنشأَ نحو ثلاثمائة غراب وملأَها بالأَسلحة والأَزودة، فصارت - بحيث إذا أَراد أَن يركبها - خرجت في يومها. ورتب بالساحل من يعمل الأَزودة دائما بحيث لا يتعذَّر عليه - إذا أَراد الغزو - شيء. واشتهر بالجهاد في الكفار حتى بَعُد صيته، وكاتبه الظاهر وهادئه وأَرسل إليه أَميرًا بعد أمير، ولم يبقَ أَحد من الملوك حتى كاتبه وهاداه، حتى كان الظاهر يخاف من عائلته ويقول: "لا أَخاف من اللنك فإِن كل أَحد يساعدنى عليه وإنما أَخاف من ابن عثمان"، وسمعت ابن خلدون مرارًا يقول: "ما يُخشى على مُلك مصر إلَّا من ابن عثمان". ولما مات الملك الظاهر كثرت الأَراجيف بأَنه سيقدم لأَخذ مصر، ثم قدِّر أَن اللنك لما دخل الشام ورجع تعرّض لمملكة ابن عثمان فلم يزل يكايده حتى طرقه وأَسَره، ومات في أَسْره. قاتله الله. وسأَذكر شيئًا من أخباره وسيرته في سنة وفاته إن شاءَ الله تعالى. * * * وفيها استقر يلبغا السالمي ناظرًا على سعيد السعداء فقطع منها جماعةً من الأَغنياء، وعمل فيها بشرط الواقف وشدّد في ذلك حتى قال فيه الشاعر: يا أَهل خانقة الصلاح أَراكمو (١) … ما بين شاكٍ للزمان وسالم يكفيكموا ما قد أَكلْتُم باطلًا … أَوقافها وخرجتموا "بالسالمي" ثم جمع السالمي القضاةَ والمشايخ وقرأَ عليهم شرط الواقف وسأَلهم عن الحكم الشرعي في ذلك فطال بينهم النزاع، فتكلَّم زين الدين القمنى - وكان ممن أُخرج منها - بكلامٍ كثير، ثم تكلم شهاب الدين العبادى - موقع الحكم وأَحد فضلاء الحنفية - فبسط لسانه في السالمي، وافترق المجلس. فأَشاع العبادي أَن السالميّ قال لمن شفع عنده في بعض من أَخرجه: "لو جاءَ جبريل وميكائيل فشفعا عندي في العبادي ما قبلتهما"، وأَكثر من الشناعة عليه.

стр. 517

فاتفق أَن السالمي لقى العبادي ماشيا عند الركن المخلَّق فنزل عن فرسه وأَمسك كمه وقال له: "طلبتك إلى الشرع" فقال له العبادي: "بل أَتوجه معك إلى السلطان" فجرّه بكمه (١) فقال له: "كفرت"، ثم دخلا المدرسة الحجارية وحضرهما ابن الطبلاوى وغيره، فكثر بينهما [الكلام ففضَّ ابن الطبلاوى المجلس وقال للسالمي: "متى طلبتَ الشيخ شهاب الدين أَحضرْتُه لك" وطلع يلبغا إلى السلطان وسأَله في عقد مجلسٍ فعُقِد له في ثامن رجب، فادّعى السالمي على العبادي أنَّه كفَّره فأَنكر فأَقام عليه البيّنة، فحكم المالكي بتعزيره وعَزَله الحنفى من نيابته، ثم اختلفوا في صورة تعزيره فقال علاءُ الدين بن الدماصي قاضي القدس الحنفى: "التعزير للسلطان" فانفض المجلس. ثم أَرسله إلى الحنفى فكشف رأْسه قُدَّام السلطان وأَمر بإخراجه كذلك إلى حبس الديلم ثم إلى حبس الرحبة، ثم ضُرب بحضرة ابن الطبلاوى تسعةً وثلاثين ضربة تحت رجليه وهما في القلعة، ثم شَفع الشيخ سراج الدين البلقيني فيه عند السالمي فأَفرج عنه. * * * وفى رجب استقر تاج الدين الميمونى شيخ القوصونية عوضا عن الشيخ نور الدين الهوريني. وفى (٢) شعبان عمل السلطان الوقت بدار العدل وكان قد عطل منذ مدة. وفى شعبان أَعاد السلطان على مودع الأَيتام ما كان اقترضه منهم عند توجهه إلى السفرة المقدم ذكرها. * * * وفى حادي عشر شعبان أَعيد القاضي صدر الدين المناوى إلى القضاء وصُرف بدرُ الدين ابن أَبي البقاء ونزل الصدر في موكبٍ حافل ومعه أكثر الأُمراء، وكان برهان الدين المحلِّى - كبير التجار - قد تعصّب له وسعى له إلى أن التزم عنه بمالٍ جزيل. * * * وفيه أُحضر من دمياط قطعة من مخ سمكة يدخل في كل عين منها رجل ضخم. * * *

стр. 518

وفيه توجّه جماعة من الأمراء الكبار إلى الصعيد لتمهيد العربان فكبسوا على جماعةٍ ما بين النويرة إلى ببا، وأَمسكوا نحو خمسمائة نفس وخمسين فرسا أَو أَكثر ورجعوا (١)، فأَمر السلطان بحبس المأْسورين في الخزانة وذلك في رمضان. * * * وفيه توجّه تاج الدين بن أبي شاكر الذى ولى الوزارة إلى الشام وزيرًا، وصُرف بدر الدين الطوخي. * * * وفى رمضان استقرَّ شرف الدين الدماميني في الحسبة بالقاهرة عوضًا عن ابن البرجي. * * * وفيه حجّ بعض ملوك البربر فعظَّمه السلطان وكان (٢) يلازم اللثام، ومعه ترجمان مغربي، وقدّم للسلطان هجينين أَبيضين عجيبين. * * * وفى تاسع شوال أَوفى النيل موافقا لثالث (٣) مسرى، واتفق أنه زاد في ثمانية أيام قريبا من ثمانية أذرع، منها في بعض الأَيام اثنان وستون إصبعًا، ولم يُعهد مثل ذلك منذ دهر. * * * وفيها وصلت طائفة من التتر إلى بلاد التركمان من جهة اللنك فوقع بينهم وبين قرا يوسف ابن قرا محمد التركماني وقعةٌ انتصر عليهم فيها، وكانوا نحو العشرين أَلفا. وحجّ بالناس فيها محمد بن الأَمير أَيتمش: ويقال له جمق، ووضع المنبر الذي جهّزه السلطان برقوق، وأَرسل المنبر الذي وضعه الظاهر بيبرس فجعله في حاصل الحرم بعد أَن أَقام

стр. 519

مائة سنة واثنتين وثلاثين سنة، وكان السبب في ذلك أَن الأَرضة كانت قد أَثَّرت فيه كثيرًا. فنُقل ذلك للسلطان فأَمر بعمل منبرٍ جديد وجهّزه في هذه السنة. * * * وفيها كانت الوقعة بين تمرلنك وبين طقتمش خان، فدام القتال ثلاثة أَيام ثم انكسر طقتمش خان ودخل بلاد الروس (١)، واستولى تمرلنك على القرم وحاصر بلد كافها ثمانية عشر يوما ثم استباحها وخرّبها. * * * وفيها وقع بين بني حسن وقواد مكة وقعة في الوادى بممر (٢) فقُتل على بن عجلان أَمير مكة في المعركة. فأَفرج السلطان عن حسن بن عجلان في ذي القعدة وقرّره في سلطنة مكة وخلع عليه وأَذن له في لحاق الحجاج وأرسل صحبته يلبغا السالمي، فسافرا في السابع من ذي القعدة. * * * وفي أَواخر ذي القعدة عاد السلطانُ أُستادارَه جمال الدين محمود في بيته بالموازنين، فقدّم له تقادم كثيرة فأَخذ بعضها وترك (٣) الباقي. * * * وفى آخر هذه السنة رحلْتُ إلى ثغر الإسكندرية فسمعتُ بها من تقى الدين بن موسى آخر منْ كان يروى بها حديث السلفى بالسماع المفصَّل، وسمعْتُ من جماعةٍ من أَصحاب الصفيّ وطبقته، وأَقمْتُ بها إلى أَن رحَلَتْ هذه السنة ودَخل في السنة التي تليها عدةُ أَشهر. * * * وانتهت زيادة النيل إلى أَصلع من عشرين ولم يزدد الأَمر إلَّا شدَّةً ولا السّعر إِلَّا غلوا، فبيع القمح ثمانين درهمًا قيمتها من الذهب أَكثر من ثلاثة مثاقيل، والفول والشعير بأربعة وخمسين، والتبن كل حمل بعشرة دراهم، والأُرز كل قدح بدرهمين، والخبز كل رطل بدرهمين.

стр. 520

ذكر من مات في سنة سبع وتسعين وسبعمائة من الأعيان: ١ - إبراهيم بن داود الآمدي ثم الدمشقى أبو محمد نزيل القاهرة، أَسلم (١) على يد الشيخ تقيّ الدين بن تيمية - وهو دون البلوغ - وصحِبه إلى أن مات وأَخذ عن أَصحابه، ثم قدم القاهرة فسمع بطلبه بنفسه من أحمد بن كشتغدى والحسن الإربلى وابن السراج الكاتب وإبراهيم الخيمي وأَبي الفتح الميدومى ونحوهم، وكان شافعىَّ الفروع حنبلىَّ الأُصول، ديّنا خيّرًا متأَلِّها. قرأْتُ عليه عدة أَجزاء وأَجازني قبل ذلك؛ قلت له يوما حال القراءة: "رضى الله عنكم وعن والديكم"، فنظر إلىّ منكِرا ثم قال: "ما كانا على الإسلام". ٢ - إبراهيم بن عدنان بن جعفر بن محمد بن عدنان الحسيني برهان الدين، نقيب الأَشراف بدمشق؛ مات في ذى الحجة وقد جاوز الستين لأَنه ولد في ليلة الثاني من ربيع الأَول (٢) سنة تسع عشرة، وكان رئيسا نبيلًا ولى حسبة دمشق فحُمدت سيرته، وهو والد السيد علاء الدين كاتب سرّ دمشق، وقد ولى الحسبة بها مرة وله سماع من أَبي بكر بن عنتر (٣). ٣ - إبراهيم بن على بن منصور الحنفى، أَخو القاضي صدر الدين، كان يتعانى الشهادة وولى قضاءَ بعض البلاد الشمالية ثم ولى الحسبة مدة وكان لا بأْسَ به، قاله ابن حجّى؛ قال: "ومات في ربيع الأَول". ٤ - إبراهيم بن محمد القلقشندى، جمال الدين أَخو بدر الدين أَمين الحكم، وكان جمال الدين موقع الحكم ومباشر أَوقاف الحرمين وغيرها. مات في شعبان عن ستين سنة. ٥ - أحمد بن الحسن بن الزين محمد بن محمد بن القطب القسطلاني ثم المكي، سمع من عيسى الحجّى والنجم الطبرى وغيرهما، وحدّث وتكسّب بكتب الوثائق. مات في رجب بطريق مكة عن نحو سبع (٤) وسبعين سنة.

стр. 521

٦ - أحمد بن على بن عثمان الفيشي (١) المصرى، شهاب الدين الضرير المقرئ، أَخذ (٢) القراءَات على الشيخ تقي الدين البغدادى (٣) وغيره. مات في صفر. ٧ - أحمد بن عمر بن يحيى الكرخي، شهاب الدين الدمشقى، ولد في صفر سنة ثمانٍ وعشرين وسبعمائة وأُحضر على الحجار وحدّث عنه. مات في المحرّم. ٨ - أحمد بن ..... (٤) البشبيشى والد صاحبنا جمال الدين عبد الله، قرأْتُ بخطه أَن مولده سنة (٥) ست وعشرين سبعمائة؛ قال: "ومات في سابع عشر ذي الحجة سنة ٧٩٧". ٩ - إسماعيل بن شعبان بن حسين بن محمد بن قلاون زين الدين بن الملك الأَشرف. مات في رمضان. ١٠ - الطنبغا بن عبد الله الأَشرفى أحد الأَبطال المشهورين. مات مسجونا (٦) بحلب. ١١ - بديع بن نفيس التبريزي صدر الدين الطبيب، قدم القاهرة وخدم الظاهر فرتَّبه في رياسة الطب شريكا لعلاء الدين بن صغير، ومات في ربيع الأَول. ١٢ - أبو بكر بن عبد الله البجائى ثم المصرى، قدم من بلاده واشتغل بالعلم وقرأَ "المدوّنة"، ثم حصلت له جذبة فانقطع (٧) بقرب الجامع الأَزهر بالأَبّارين، وكان للناس فيه اعتقادٌ يفوق الوصف. مات في سادس جمادى الآخرة ودُفن بتربة الظاهر بجانب الشيخ طلحة. قرأْتُ (٨) بخط. القاضي تقى الدين الزبيري: "كانت له جنازة عظيمة يوم العيد والاستسقاء أَو أَكثر". ١٣ - أبو بكر بن عبد الله الموصلى نزيل دمشق، اشتغل بالفقه والحديث ونَظَرَ في كلام الصوفية، مات بالقدس في شوال وقد جاوز الستين.

стр. 522

قال ابن حجى: "قدم من الموصل وهو شاب، فكان يتكسّب من الحياكة (١) ويشتغل في أَثناء ذلك بالعلم ويعاشر الصوفية، ولازم الشيخ قطب الدين مدّةً وأَدمن النظر في الحديث فعلق بذهنه شيءٌ كثير منه، ثم اشتهر أَمره وصار له أَتباع، وعلا ذكره وبَعُد صيته وتردّد إليه الأَكابر وحجَّ مرارًا، ثم اتصل أَمره بالسلطان فبالغ في تعظيمه وزاره في داره بالقدس وصعد إليه إلى العليّة وأَمر له بمالٍ فأَبى أَن يقبله، وكان يكاتب السلطان بالشفاعات الحسنة فلا يردّه، وكان الشهابُ الزهرى ممَّن يلازم حضور مجلسه ويبالغ في تعظيمه وكذلك الشيخ شمس الدين الصرخدى؛ ومن طريقته أَلَّا يعامل أَحدًا من أَصحابه ولا يأْكل بعضهم لبعضٍ شيئا ولا لغيرهم؛ وكان يتكلم على الناس فيبدى الفوائد العجيبة والنكت الغريبة". وكان يشتغل في "التنبيه" و "منازل السائرين"، وكان (٢) ولده عبد الملك يذكر عنه أنه قال: "كنت في المكتب ابن سبع سنين فربما لقيتٌ فلسًا أَو درهما في الطريق فأَنظر أَقرب دارٍ فأُعطيهم إياه وأَقول: لقيته قرب داركم"؛ وله نظم ونثر. ١٤ - أبو بكر (٣) بن محمد بن عيسى بن أبي المجد البعلى الأَنصاري قاضي بعلبك. مات في المحرّم. ١٥ - بلاط (٤) بن عبد الله المنجكي أَحد الأُمراء بالقاهرة. مات في شوال في هذه السنة. ١٦ - حمزة بن على بن يحيى بن فضل الله العدوى، عز الدين ابن كاتب السر، كان في حياة أبيه يلبس بالجندية ثم ناب عن أبيه في كتابة السر ثم عن أخيه وكان أكبر موقعى الدست ومات بعده بدمشق يوم تاسوعاء. أَنشدني عيسى بن حجاج لنفسه لما بلغه موت حمزة بعد موت أَخيه بدر الدين: قضى البدْرُ بنُ فضل الله نحبًا … ومات أَخوه حمزةُ بعد شهرٍ فلا تعجب لذا الأَجلين يومًا … فحمزةُ كان (٥) حقًّا بعدَ بدْر

стр. 523

وكان حسن الوجه كثير التجمّل، وكان بعد موت أخيه قد عُيّن لكتابة السر، وقرأ على الظاهر الكتب والقصص فبغته الموت وانقضى به بيتهم (١). ١٧ - خليل بن محمود بن عبد الله الأَقباعى الحلبي عتيق شهاب الدين بن العجمي، سمع من إبراهيم (٢) بن العجمي ومات في شوال. ١٨ - رشيد بن عبد الله الهُبّى - بضم الهاء وتشديد الموحّدة - كان من أَكابر الكارم ثم رقَّ حاله ومات في جمادى الأُولى، وكان محبا في الصالحين. ١٩ - سعيد بن عمر بن (٣) على الشريف البعلى الحنبلي، كان من قدماء الفقهاء بدمشق؛ أَفاد ودرّس وأَفتى وحدث، [و] مات في المحرم عن نيف وستين سنة. ٢٠ - عبد الله بن فرج بن كمال الدين النويرى المصرى، جمال الدين أحد نواب المالكي. مات في ربيع الآخر. ٢١ - عبد الرحمن بن عبد الله بن أسعد بن اليافعي، ولد الشيخ عفيف (٤) الدين اشتغل يفنون من العلم وحفظ. "الحاوى"، وكانت تعتريه حدّة وفيه صلاح، وله شعرٌ، فمنه: أَلَا إنَّ مرآةَ الشُّهُودِ إِذا انْجَلَتْ … أَرَبِّكَ تلاشِي الصَّدِّ والبُعْدِ والقُرْبِ وصانَتْ فؤادَ الصَّبِّ عَنْ أَلمِ الأَسَى … وعَنْ ذِلَّةِ الشَّكْوَى، وَعَنْ مِنَّةِ الكَسْبِ وله سماعٌ من أَبيه وبالشام من ابن أَميلة و [من] مصر من البهاء بن خليل، مات غريقا بالرحبة بين الشام والعراق وله ستٌ وأربعون سنة لأَنه كان لزم السياحة والتجريد. ٢٢ - عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي الخير السُّمَّاخي (٥) الزبيدي محدّث زبيد، مات في شعبان [و] أَخذ عنه نفيس الدين العلوى وغيره. ٢٣ - عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد الإسفراييني الصوفي، نور الدين

стр. 524

ابن أفضل الدين، ولد سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة، وكان عارفا بالفقه والتصوّف وله أَتباع ومريدون، وقد حدّث "بالمشارق" عن عمر بن على القزويني (١) عن أحمد (٢) بن غزال الواسطي عن الصَّغَّاني بالسماع، وعن صالح (٣) بن الصباغ (٤) الأَسدى (٥) إجازة عن الصغاني، وهو القائل: زَعَمَ الذين تَشَرَّقوا وتغرّبوا … أَنَّ الغرِيبَ - وإنْ أُعِزَّ - ذليلُ فأَجَبْتُهُمْ: إن الغريبَ إذا اتَّقَى … - حيث استقلّ به الرِّكابُ - جَلِيلُ مات وله خمس وسبعون سنة. ٢٤ - عبد الواحد بن ذي النون بن عبد الغفَّار بن موسى بن إبراهيم بن تاج الدين الصُّرَدى (٦)، سمع من على بن عمر الوانى (٧) "جزءَ سفيان بن عيينة" و "صحيح مسلم" بفوت، وولى القضاءَ ببعض بلاد الريف. مات في جمادى الآخرة. سمعتْ منه، جزء سفيان، وقليلا من "الصحيح". ٢٥ - على بن عبد الله البندقداري الشافعي، مات في رجب. ٢٦ - على بن عبد الرحمن بن عبد المؤمن الهوريني، نور الدين، سمع من الزين بن علىّ الأسوانى "الشفاء" للقاضي عياض وحدّث عنه وعن الوادي آشي، وقد ولى أَبوه (٨) قضاءَ المدينة، وولى هو مشية خانقاه قوصون. وكان مشكورا، وتزوّج بنت القاضي فخر الدين القاياتي وعاش بعده مدةً، ولم أَجدْ لي عنه سماعًا وما أَستبعد أَن يكون أَجازلي، وناب في الحكم وولى أَمانة الحكم.

стр. 525

مات في رجب واستقر عوضه في مشيخة القوصونية تاجُ الدين عبد الله بن الميموني وكان قد حفظ. كتبا منها: "الشفاء" و "المقامات" و "الإلمام": وعرَضها. ٢٧ - على (١) بن عبد الرحمن الخراساني أحد العُبَّاد، أقام ببغداد مدّةٌ وللناس فيه اعتقادٌ كبير، ثم وصل إلى القاهرة في ربيع الآخر فمات بها في هذه السنة. ٢٨ - علي بن عجلان بن رميثة بن أَبي نمىّ بن أَبي سعد بن الحسن بن قتادة بن إدريس، الشريف أبو الحسن الحسنى، أَمير مكة وابن أَميرها. ولى في أَول شعبان سنة تسعٍ وثمانين فامتنع عن تسليم الأَمر إليه وتقاتلوا في سلخ شعبان فقُتل كبيش بن عجلان وجماعة ومضى إلى مصر فاستقر شريكًا لعنان، ففر عنان إلى نخلة فتبعه علىّ فتقاتلوا فقتل مبارك بن عبد الكريم واستمر عنان بوادى مرّ، وتوجّه حسن ابن عجلان إلى مصر فأَخذ عسكرًا من الترك ورجع إلى أَخيه، ثم وقع بينه وبين أَخيه وشاركه محمد. ثم استقر عنان في نصف الإِمرة وأَن يكون القوّاد عنان والأَشرافُ مع على ابن عجلان، وأَن يقيم كل منهما بمكة ما شاءَ ولا يدخلها إلا لضرورة ولم يمش لهم حال. ونهب ركب اليمن وبعض المصريين ثم آل الأَمر إلى أَن اجتمعا بمصر وأُجلس علىَّ فوق عنان، وأَعطى الظاهرُ عليا مالًا وخيلا ومن الفول والشعير شيئًا كثيرًا فرجع إلى مكة وسار سيرة حسنة، ولكن أَفسد الأَشرافُ عنده فسادًا كبيرًا. ثم نازعه أَخوه حسن وتوجّه إلى مصر ليلى أَمر مكة فقبض عليه وعلَى علِي بن مبارك فلم ينشب علىَّ أن قتله كردى بن عبد الدائم (٢) بن محيط. وجماعة من آل بيتهم وهربوا فخرجوا إليه ودفنوه بالمعلَّى وذلك في شوال، واستقر بعده أَخوه حسن. وكان على شابا جميل الصورة كريما عاقلًا رزين العقل، واستقرّ في إمرة مكة بعده أَخوه حسن بن عجلان فطالت مدته كما سنذكره. ٢٩ - على بن محمد الركاب الحنفى، ناب في الحكم [و] مات في رجب.

стр. 526

٣٠ - علي (١) محمد القليوبي ثم المصرى، أَحدُ المهرة في مذهب الشافعي، كان في بن الشيخونية ومات في رجب أَيضا. ٣١ - عمر بن محمد بن أبي بكر الكومى، سراج الدين، سمع من أحمد بن على الجزري وعلى بن عبد المؤمن بن عيد (٢) وغيرهما وحدّث، ومات بمصر وقد جاوز الثمانين؛ لم (٣) يتهيَّأْ لي السماع منه مع حرصى على ذلك. ٣٢ - عيسى بن غانم المقدسي، مات بها (٤) في شوال. ٣٣ - محمد بن أحمد بن سلامة المصرى المعروف بابن الفقيه أَحد فضلاء المالكية. مات في ربيع الأَول. ٣٤ - محمد بن أحمد بن على بن عبد العزيز الهروى (٥) ثم البزاز بسوق الفاضل، أَبو على المعروف بابن المطرّز (٦)، سمع من الوانى والختنى والدبوسي وحدّث بالكثير، وأَجازَ له إسماعيل بن مكتوم والمطعم ووزيرة وأَبو بكر بن عبد الدائم وغيرهم من دمشق. قرأْتُ عليه كثيرًا ومات في جمادى الأُولى. ٣٥ - محمد بن أحمد بن عيسى بن عبد الكريم بن عساكر بن سعد بن أحمد بن محمد ابن سليم بن مكتوم السويدى الأَصل القيسي (٧) الدمشقى بن بدر الدين. ولد سنة بضعٍ وأَربعين، وعنى بالفقه والعربية، وتصدّى للتدريس والإفتاء، وحدّث عن عبد الرحمن بن أَبي اليسر بالحضور. قال ابن حجى: "رأيتُ له سماعًا في سنة خمس وخمسين وسبعمائة على أحمد وعلىٍّ ابنى إبراهيم بن على الصهيونى". وكان يقرأُ "البخارى" في رمضان بعد الظهر [بالجامع (٨)] وكان

стр. 527

يفتي في الآخر، ودرّس بأَماكن، وكان خيّرًا ديِّنًا له عبادة، وكان يستحضر الحاوى إلى آخر وقت مع الإحسانَ إلى الطلبة والبر للفقراء والصلة لأَقاربه والتقلُّل في خاصة نفسه والانجماع عن الناس، وجرى على طريقة السلف في شراء الحوائج بنفسه وحمْلها. مات في جمادى الآخرة (١) عن خمس وخمسين سنة. ٣٦ - محمد بن برقوق بن أَنس، الأَمير ناصر الدين بن الملك الظاهر، وُلد وأَبوه أَميرٌ فأَعطاه أَبوه إقطاعَ بركة بعد مسك بركة وهو ابن شهر واحد، ثم حصل له في رجله داءُ الخنزير فأَعيا الأَطباءَ إلى أَن مات في ذى الحجة هذه السنة، وأَسف عليه أَبوه كثيرًا. ٣٧ - محمد بن عبد الدائم بن محمد بن سلامة الشاذلي، ناصر الدين ابن بنت الميلق، سمع من ابن كشتغدى وأحمد بن محمد الحلبي وغيرهما من أَصحاب النجيب وغيره، واعتنى بالعلم وعالي طريق التصوّف وفاق أَهل زمانه في حسن الأَداء في المواعيد وإنشاء الخطب البليغة، وقال الشعر الرائق، والتفَّتْ عليه جماعةٌ من الأُمراء والعامة إلى أَن ولي القضاءَ فباشره بمهابةٍ وصرامةٍ ولم يُحمد مع ذلك في ولايته، وأُهين بعد عزله بمدة. رأَيْتُه وسمعتُ كلامه ولم أسمع عليه شيئًا، ومات في آخر جمادى الآخرة (٢) وقد جاوز الستين. قرأْتُ بخط ابن القطان: "كان شديد البخل بالوظائف، وكان أَيام هو واعظًا خيرًا منه أَيام هو قاضيا"، كذا قال. ٣٨ - محمد بن عبد القادر بن عثمان بن عبد الرحمن بن أحمد الجعفري النابلسى شمس الدين عالم أَهل نابلس، كان حنبليا وقد سمع الحديث من شمس الدين بن يوسف بإجازته من السبط، وسمع من ابن الخباز وغيره، وحدّث وأَفتى، وانتفع به الناس وكانت له عنايةٌ بالحديث وفيه يقظة. مات في شوال وقد اختلط. عقله عقب وفاة ولده شرف الدين.

стр. 528

٣٩ - محمد بن علي بن صلاح (١) الحريرى الحنفى إمام الصرغتمشية، سمع من الوادي آشي ومحمد بن غالى [بن الشماع (٢)] وآخرين، واعتنى بالقراءات والفقه، وأَخذ عن عن قوام الدين الأَنقاني وغيره، وله إلمامٌ بالحديث وناب في الحكم. سمعْتُ عنه ومات في رجب. ٤٠ - محمد (٣) بن عمر القليجى الحنفى، شمس الدين موقع الحكم، كان مزجىَّ البضاعة في العلم إلَّا أَنه داخل أَهل الدولة وباشر الوظائف الجليلة مثل إفتاء دار العدل، وكان حسن الخط. عارفًا بالوثائق. ناب في الحكم ومات في رجب. ٤١ - محمد بن محمد بن أحمد بن شقري (٤) الحلبي شمس الدين، أَصله من قريةٍ من قرى عزاز (٥) ثم قدم حلب فسكن ببانقوسا، واشتغل بحلب على ابن الأَقرب وأَفتى ودرّس، وكان دينا عاقلا، ولما وقعت الفتنة بين كمشبغا الحموى وأَهل بانقوسا وظفر بهم كمشيغا أَراد أَذية شمس الدين بن شقرى هذا فمنعه منه القاضي جمال الدين بن العديم وأَنزله بالمدرسة الجاولية فصار مدرّسا بها إلى أَن مات. ونشأَ له ابنه شهاب الدين صاحبنا فقام مع جكم لما تسلطن وولَّاه نظر الجيش، فلما قُتل حكم قَبض عليه الملك الناصر وأَقدمه مصر فأَقام بها مدة، ثم نفاه الملك المؤيد بعد قتل نوروز إلى القدس فأَقام هناك إلى أَن مات، وسيأْتي ذكره في سنة وفاته (٦). ٤٢ - محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن على بن حماد بن ثابت الواسطى ثم البغدادي، غياث الدين بن صدر العراق (٧) بن محيى الدين أَبي الفضل المعروف بابن العاقولي الشافعى مدرّس المستنصرية ببغداد. ولد في رجب سنة ٧٣٢ واشتغل حتى انتهت إليه رياسة

стр. 529

المذهب هناك، مع التوسّع من الدنيا: ودرّس وأَفتى وبرع في الفقه والآداب والعربية وشارك في الفنون، وشرح "المصابيح" وخرّج لنفسه جزءًا حديثيًّا وأَربعين حديثيًّا عن أَربعين شخصا، وشرح أَيضا "منهاج البيضاوى" و "الغاية القصوى" له، وحدّث بمكة وبيت المقدس، وأَنشد لنفسه بالمدينة: يا دَارَ خيْرِ المرسلين وَمَنْ بها … شَغفي وسالِفُ صبوتى وَغَرَامِي نَذْرٌ علىَّ اثن رأَيْتُكَ ثانيًا … مِنْ قبل أَن أُسْقَى كؤوس حمامى لأُغَفِّرَنَّ على ثراكِ محاجرِي … وأَقولُ هذا غايةُ الإنْعَام فلم (١) يُقَدَّر له الرجوع بعد ذلك، بل قال ابن حجى: "كان بارعًا في علمي المعاني والبيان، وفى أَربعينيته أَوهامٌ وإسقاطُ رجالٍ من الإسناد ومع ذلك فكان عند أَهل بلده أَنه شيخ الحديث في الدنيا، وكان فهمه جيدا ونفسه قوية ويقال إنه كان مفرط الكرم". ولما نازل اللنك بغداد نهبت أَمواله وسبيت حريمه دخل الشام وحدّث بها، وكتبوا عنه من نظمه، فلما رجع أحمد بن أويس إلى بغداد رجع معه فمات (٢) بعد دخوله بخمسة أَشهر في صفر عن أَربع وستين سنة. وكان عالما فاضلا دينا، حسن الشكل والأَخلاق، جوادًا ممدّحًا، وكان دخله في كل عام نحو خمسة آلاف دينار ينفقها في وجوه الخير، [وقد] ذكر الإسنوى جدّد في طبقات الفقهاء، وحدّث الغياث بمكة والمدينة ودمشق وحلب وأَقام بها قبل الحج مدّة أَشهر؛ وكان وقع بينه وبين أحمد بن أويس وحشة ففارقه إلى تكريت ثم توجّه إلى حلب، وكان إسماعيل ورير بغداد بني له مدرسة فأَراد أَن يأْخذ الآجُرّ من إيوان كسرى فشقّ على الغياث ذلك وقال: "وهذا من بقايا المعجزات النبوية"، ودفع له ثمن الآجرّ من ماله. ومن شعره: لا تَقْدَحُ الوَحْدَةُ في عَازِبٍ (٣) … صَانَ بها في مَوْطِنٍ نَفْسَا

стр. 530

فاللَّيْثُ يستأَنِسُ في غابِهِ … بنفسْه، أَصبحَ أُمْ أَمْسَى أَنِسْتُ بالوَحدة في منزلِي … فصارت الوَحشةُ لي أُنْسًا سيّان عندى بعد تَرْكِ الورى … وذِكْرِهم، أُذكر أَم أُنْسَى. ٤٣ - محمد بن محمد بن إبراهيم الأَقصرائى (١) نزيل القاهرة، درّس بمدرسة أَيتمش للحنفية ومات في جمادى الأُولى، وهو والد صاحبنا بدر الدين محمود (٢) وأَخيه أَمين الدين يحيى (٣). ٤٤ - محمد بن أبي يعقوب المقدسي، شمس الدين، نزيل جامع المقسى بالقاهرة، كان ظاهر الصلاح من طلبة العلم، واختصر "الاستيعاب" وسماه "الإصابة"، وجمع مجاميع، وكان يُنسب إلى غفلة وللناس فيه اعتقاد. مات في رمضان. ٤٥ - محمد بن أبي محمد السملُوطى - بفتح المهملة وتخفيفها وتخفيف الميم وتخفيف اللام المضمومة - كان (٤) يتعانى الصلاح ويتنطَّع في التنظيف، وكان لسودون النائب فيه اعقاد بالغ (٥)، وكان يسكن مصر ولبعض الناس فيه اعتقاد ولبعضهم عليه انتقاد. مات في شهر رمضان أيضا ٤٦ - محمد بن القيسرائي، أمين الدين وكيل بيت المال بدمشق. مات في ذي القعدة. ٤٧ - معروف بن الشيخ إسماعيل بن إبراهيم الجبرتى ثم الزبيدي. مات في ربيع الآخر وفُجع به أَبره. ٤٨ - موسى بن أبى بكر سلَّار، شرف الدين، أَحد الأُمراء بالقاهرة، مات في ذي الحجة. ٤٩ - يوسف بن عبد الله النحريري، جمال الدين المالكي، أَحد الشهود المعروفين. مات في ذى الحجة.
следующие страницы →