← История

История · id 26317

إنباء الغمر بأبناء العمر - ت حبشي

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (1 903 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

٥٠ - جانى بك، كان من خواص الملك الظاهر فغرق فى رجب من هذه السنة في بحر النيل، قال العيني في تاريخه: "مرّ بي وأنا عند مدرسة أم السلطان فدخل إصطبله عند جامع المارداني وتوجّه إلى جزيرة مبارك وكان إقطاعه فيها، فضيّفه الفلاح، ثم همّ بأن يغتسل في البحر فحذَّره صاحبٌ له من البحر وقال: إحذر أن تغرق، فقال: أنا صغير؟ ودخل الماء فغطس فلم يطلع، فغطسوا عليه فلم يوجد إلَّا بعد أيام بشطنوف وقد انتفخ، فنقل ودفن". ووُجد له من الذهب نحو عشرة آلاف دينار، ومن الفضة ألف درهم. ٥١ - طَيْبُغا السُّودُوني، كان أمير طبلخاناه. ٥٢ - بلاط، كان أمير عشرة. ٥٣ - عمر بن أخت قرط الكاشف، قُتل هو وابن سعيد الدولة - ناظر منفلوط - بيد العرب العصاة. ٥٤ - سُولي (١) بن قُرَاجَا بن ذُلْغَادر التركماني، قتله رجل يقال له على خان بسكين في خاصرته وهو نائم قرب مرعش وهرب، وكان الملك الظاهر دسّه عليه، وكان عليّ هذا في خدمة صدقة بن سولى وكان سولى يثق به. وكان لسولى صيت عظيم، حتى كان يسمى "هيكل التركمان"، وكان يتحرّى العدل في أحكامه، وبيده من البلاد مرعش (٢) وأُبْلُسْتين

стр. 597

وغير ذلك، وهو الذي اعتمد عليه منطاش أيام فراره من الملك الظاهر، وهو الذى طرق عينتاب فنهب أموال أهلها، وجرى من التركمان الذين معه من الفسق والفجور وقتل الأنفس ما لم يسمع به قبل ذلك. قال العينتابي في تاريخه: "إجتمعتُ به ووعظته، فكان يظهر القبول ويضمر خلافه، وكان يدمن على شرب الخمر واللواط". ولما قُتل حضر ولده بهدية إلى الملك الظاهر فقرّره في إمرة أبيه، وكان ناصر الدين محمد بن خليل بن ذلغادر قد استقر عوض عمه قبل أن يقتل، فوقع بين ناصر الدين وبين ابن عمه مقتلة عظيمة، قُتل فيها خلق كثير من تركمان الطائفتين. ٥٥ - طوغان، أحد الأمراء، كان يصحب الفقراء الأحمدية (١). * * * الثاني (٢) من إنباء الغمر بأنباء العمر للفقير، إلى عفو ربه القدير، أحمد بن على بن حجر العسقلاني الأصل المصرى فيه من أول سنة إحدى وثمانى مائة. * * *

стр. 598

بسم الله الرحمن الرحيم (١) الحمد لله كثيرًا أول القرن التاسع من الهجرة دخلت سنة إحدى وثمانى مائة وسلطان مصر والشام والحجاز الملك الظاهر أبو سعيد برقوق، وسلطان الروم أبو يزيد بن عثمان وسلطان اليمن من نواحى تهامة الملك الأشرف إسماعيل بن الأفضل بن المجاهد. وسلطان اليمن من نواحى الجبال الإمام الزيدى الحسني على بن صلاح. وسلطان المغرب الأدنى أبو فارس (٢) عبد العزيز بن أحمد بن محمد الحفصي. وسلطان المغرب الأوسط أبو سعيد عثمان المريني. وسلطان المغرب الأقصى [ابن الأحمر (٣)]. وصاحب البلاد الشرقية تيمور كركان المعروف باللنك. وصاحب بغداد أحمد بن أويس. وصاحب تبريز. . . . . (٣). وأمير مكة حسن بن عجلان بن رميثة الحسنى، وبالمدينة ثابت بن نعير. والخليفة العباسي أبو عبد الله محمد المتوكل على الله بن المعتضد بالله أبي بكر، ويدعى أمير المؤمنين، وينازعه في هذا الاسم (٤) الإمام الزيدى وبعض ملوك المغرب وصاحب اليمن، ولكن خطيبها يدعو في خطبته للمستعصم العباسي أحد الخلفاء ببغداد.

стр. 599

وكان نائب دمشق يومئذ تنم الحسنى، وبحلب أرغون شاه، وبطرابلس آقبغا الجمالي، وبحماة يونس القلمطاوى، وبصفد شهاب الدين بن الشيخ على، وبغزّة طيفور. * * * ذكر الحوادث فيها كان (١) أولها يوم الجمعة، وكان أهل الهيئة ذكروا أنه يقع في أول يوم منها زلزلة وشاع ذلك في الناس فلم يقع شيء من ذلك وكذَّبهم الله ، وكان (٢) البلد مزينا لعافية السلطان ولأنه كان حضر الموكب فى يوم الاثنين الماضي وحلَّف الأمراء والمماليك وغيرهم على العادة، ونودى بالزينة فزين البلد عشرة أيام. وفى سادس عشر المحرم قُبض على آقبغا الفيل - وكان من أتباع على باى - فامر بتسميره فسمّر هو وخمسة معه ممن كانوا على رأيه وجماعة (٣) من العرب المفسدين، وقبض على ثلاثة من الجند ومعهم جماعة نسوة يَنُحْنَ عليهم فأُنزلوا في مركب ليغرقوا. وفى الرابع والعشرين من المحرم دخل المحمل السلطاني فتأخر عن العادة يومين. وفى هذه السنة ارتفع سعر الذهب بالإسكندرية إلى أن صار مائتين وثلاثين، وأما بالقاهرة فكان من ثلاث إلى واحد وثلاثين. وفى هذه السنة غزا اللنك بلاد الهند واستولى على دلي، وسبي منها خلقا كثيرًا، ولما رجع إلى سمرقند بيع السبى الهندى برخص عظيم لكثرته. وفيها ارتد ابراهيم بن بَرْنيَه (٤) - وكان نصرانيا ثم أسلم - فقُبض عليه وعُرض عليه الإسلام فأصرّ فضُربت عنقُه بباب القلعة.

стр. 600

وفى أوائل صفر وعك السلطان الظاهر فأفرط عليه الإسهال والقيئ من ليلة الثالث من صفر إلى العاشر منه فقوى الإرجاف بموته، فتجلَّد ولازم القصر إلى أن توجه للعافية بعد أن كان غضب على جمال الدين بن صغير وأمر بحبسه، فأمر بأن يُتصدق بمال، فجمع الفقراء بالاصطبل، فمات منهم فى الزحمة نحو الخمسين نفساً، وقيل أكثر من ذلك من الرجال والنساء. وفى الثامن عشر من صفر مات بكلمش بالقدس بطالاً. وفيها أُعيد شمس الدين البجانسي إلى الحسبة بالقاهرة، وصُرف بهاء الدين بن البرجي في التاسع من المحرم. وفى التاسع (١) من المحرم استقر ناصر الدين بن أبي الطيب في كتابة السر بدمشق وباشرها قبل وصول التوقيع له وذلك بعد موت أمين الدين الحِمصي، وكان بيد أمين الدين نظر النورية ببعلبك فأخذها بدر الدين الكلستاني - كاتب السر - لنفسه. * * * وفى صفر وقع بظاهر المدرسة الصلاحية (٢) حريق عظيم فبادر الأُمراء إلى طفيه بعد أن أحرق أماكن كثيرة. وفيه كائنة نوروز الحافظى، وكان السلطان أمّره وكبّره وجعله أمير آخور، فأراد الوثوب على السلطان، فاتفق مع جماعة، فنمّ عليهم قانباي الكركي لأنه كان مؤاخياً للجمدار الذي كان من مماليك تانى بك أمير آخور، وكان السلطان قد اتخذه جمداراً بعد القبض على تانى بك، فكانت له نوبة يبيت فيها عند السلطان، فوافقه نوروز على أنه يفتك بالسلطان، وإذا تمكن من ذلك أطفأ الثريا التي بالمقعد، وتلك علامة بينهما لركوب نوروز ومن وافقه.

стр. 601

فذكر ذلك المملوك هذا لقانباى فذكره قانباي للسلطان، فبادر السلطان وأرسل إلى نوروز بعد العصر فقبض عليه، وذلك (١) فى يوم الجمعة ثالث عشر صفر بعد أن فرغ من الحكم وقام من المقعد يمشى في الاصطبل، وبين يديه الأمراء. فثارت هجة بالقاهرة وأُرسل نوروز إلى الاسكندرية فسُجن بها في الحال. وكان شاع في البلد أن الترك ركبوا على السلطان فنُهبت المأكولات من الحوانيت، ثم صفي الوقت لما رأوا نوروز في الحراقة مقبوضا عليه، ونودى بالأمان وفُتحت أبواب البلد بعد أن أُغلقت. واستقر تمراز الناصرى على إقطاع نوروز، و [استقر] سودون قريب السلطان في وظيفته أمير آخور. وفيها استقر آقبغا اللكاش فى نيابة الكرك ثم صُرف عنها لما وصل إلى غزة وسُجن بالصبية، وقُرّر في وظيفته وعلى إقطاعه سودون المارداني. وفى الثاني من شهر ربيع الأول استقر أمين الدين عبد الوهاب بن القاضي شمس الدين بن أبي بكر الطرابلسى فى وظيفة قضاء العسكر الحنفي. وفى حادى عشره استقر دمرداش المحمدى في نيابة حماة. وفى الثامن والعشرين من صفر كُسفت الشمس في أول طلوعها ولم يشعر بها أكثر الناس، لأن الكسوف كان في نحو نصفها وانجلى بسرعة، فكانت مدّة لبثه - على مازعم أهل الفلك - ساعة واحدة، ولم تُصَلّ من أجل ذلك صلاة الكسوف. * * *

стр. 602

وفيها قُتل القاضى برهان الدين أحمد السيواسي أمير سيواس (١)، وكان قرايلك التركماني عثمان بن قطلبك أغار على سيواس فقتل وسبا وغنم ورجع، فتقدمه برهان الدين فأحرز قرايلك الغنيمة، ووقع بينهما مناوشات كثيرة إلى أن حُصر قرايلك في كهف قديم مدة أربعين يومًا، وله في أثناء ذلك عيون (٢) تعرّفه أحوال برهان الدين، فاغتنم غفلة برهان الدين يومًا - وقد اشتغل بالشرب - فخرج ومعه طائفة فكبسوا عليه فقُتل (٣) هو ومن كان بحضرته، ثم أوقع بالعسكر فقاتلوه، فلما تحققوا قتل صاحبهم انهزموا فسار في آثارهم حتى ملك سيواس. ومضى ولد برهان الدين إلى ملك الروم فأمدّه بنجدة فحاصر قرايلك بسيواس (٤)، فلما طال عليه الحصار هرب منها، واستقر (٥) ولد برهان الدين - واسمه أحمد الحنفي - في إمرتها، وكان برهان الدين - واسمه أحمد الحنفى - اشتغل ببلاده، ثم (٦) قدم حلب فلازم الاشتغال، ودخل القاهرة فأخذ عن فضلائها. ثم رجع إلى بلده فصاهر صاحبها، ثم عمل عليه حتى قتله واستقل بالحكم، وتزيّا بزىّ الأُمراء، ووقع له مع العسكر المصرى وقعة عظيمة سنة تسع وثمانين، ثم نازله عسكر الظاهر لما دخل حلب سنة سبع وتسعين، ثم نزل بالأمان واستمر في بلاده، ثم نازله جماعة من الططر النازلين (٧) بأذربيجان في سنة ثماني مائة، فاستنجد بالظاهر فأرسل إليه جريدة من عسكر حلب فانهزم الططر عنه.

стр. 603

وفى ثالث عشر شهر ربيع الآخر أمر السلطان بالتجهيز إلى مكة في رجب، ونودى لمن أراد أن يتوجه من الناس، فشرع جماعةٌ في التجهيز. وكان لهم من سنة ثلاث وثمانين ما توجّهوا في رجب، وكان السبب في ذلك ماوقع في المسجد الحرام من الاستهدام، فجهَّز السلطان أميرا من عنده اسمه (١) بَيْسَق وهو حينئذ أمير آخور ومعه مال بسبب العمارة. وفى هذا الشهر أُمِّر بُكْتَمِر جلق أمير أربعين. وفيه عاود السلطان الحكم بين الناس في يومى السبت والثلاثاء بعد أن كان ترك ذلك لما وعك. وفي خامس عشرى هذا الشهر حضر عند السلطان - وهو في الإصطبل - شخص عجمي، فقعد معه في المقعد، فاغتنم غفلة من الحاضرين فأمسك هو بلحية السلطان وسبّه، فبادر بعض المماليك فأقامه واستمر هو على شتْم السلطان، فتسلَّمه أحمد بن الزين الوالي فأنزله إلى بيته فضربه ضربا وجيعا (٢) فمات بعد أيام، ولم يطلع على حقيقة أمره. وفيها (٣) استقر تاج الدين بن عبد الرزاق بن أبي الفرج الأرمني في الوزارة، وكان أبوه نصرانيا صيرفيا بمنية عقبة من جيزة مصر، ثم أسلم واستقر صيرفيا بقطية، فلما مات استقر ولده هذا في وظيفته ثم ترقَّى إلى أن صار عامل البلد، ثم صار مستوفيا، ثم ولى نظرها ثم أُمِّر (٤) بها، وجمع له بين الولاية والنظر، ولبس بزىّ الجند.

стр. 604

فاتفق أن الوزير بدر الدين الطوخى غضب منه مرة فأرسل إليه أحمد بن الزين - والى القاهرة - فصادره وضرب ولده عبد الغنى بحضرته، وأخذ منهما مالًا كبيرا يقال إنه ألف ألف درهم، فأرسل تاج الدين بعد ذلك مَن سعى له في الدخول إلى القاهرة فأُذن له، وساعده عبد الرحمن المِهْتار أيضًا عند السلطان إلى أن جمع بينهما، فوعده بأشياء كثيرة إلى أن قرره في الوزارة وذلك في سلخ ربيع الآخر، وعُزل الطوخي واستقر عبد الغنى في ولاية قطيا عِوض والده، وسُلم الطوخى لشاد الدواوين فصادره، فيقال إنه أخذ منه عشرة آلاف دينار وُجدت مدفونة. ثم تسلَّمه سعد الدين بن غراب ناظر الخاص على سبعمائة ألف درهم فضة فشرع في حملها. ولما وَلى تاج الدين الوزارة قَبض على برهان الدين الدمياطي ناظر المواريث والأهراء وضربه وصادره. وفي جمادى الأُولى - بعد موت بدر الدين الكُلُسْتَانى - استقر في كتابة السر فتح الدين ابن فتح الله بن مستعصم بن نفيس التبريزي ثم البغدادي، نقلًا من رياسة الطب، واستقر بعده في رياسة الطب جمال الدين بن عبد الرحمن بن ناصر بن صُغَيَّر بن عبد الحق: شريكين. وفيها جُرِّدَت الأمراء إلى الصعيد بسبب الفتنة الواقعة بين الهوارة من عرب محمد ابن عمر وبين عرب على بن غريب (١). ثم ورد أبو بكر الأحدب وأخبر باتفاق العرب وبطلت التجريدة.

стр. 605

وفى حادي عشر شهر رجب استقر في الحسبة بالقاهرة الشيخ تقي الدين أحمد بن علاء الدين على المقريزي، وصُرف البَجَانسي، وسافر البَجَانِسي مع الحاج في رجب. وفى يوم الاثنين خامس عشر شهر رجب استقر فى قضاء الشافعية القاضي صدر الدين محمد بن إبراهيم المناوى - وهي الولاية الثالثة -، وصُرف القاضي تقى الدين عبد الرحمن ابن محمد الزُّبَيْرى ولم يعد الزُّبَيْرى إلى المنصب بعدها، وكان محمود السيرة في ولايته. وكان السبب في ولايته أن أصيل الدين محمد بن عثمان الإشْلِيمي (١) كان ولى قضاء الشام وصُرف شمس الدين الإخنائى، واستناب أصيلُ الدين شهابَ الدين بن حجي في الحكم والخطابة ومشيخة الشيوخ فباشر عنه (٢). ثم حضر أصيل الدين وباشر بنفسه ثم صُرف، فسعى في هذه الأيام في قضاء الشافعية بالقاهرة، وقيل إن ذلك كان بمواطأة صدر الدين لينفتح له باب السعى في العود، فلما كاد أمْر أصيل الدين يتم قيل للملك الظاهر: "إن كان ولابد من عزل الزبيرى فأعِدْ صدر الدين"، فوقع ذلك، واجتمع من لا يحصى فرحًا به بحيث امتلأت القلعة والقصبة من الفقهاء والجند وغيرهم، وأظهروا من الفرح به ما لا يُعَبّر عنه. قرأتُ بخط القاضي تقى الدين الزبيري: "لم يزل فتح الدين من حين ولى كتابة السر يعمل على عزلى، وأعانه على ذلك ابن غراب بعناية المحلى التاجر إلى أن أجابهم السلطان وكان يقول: أنا أعرف أن الزبيرى رجل جيد ولكني أريد أخْذ مال المناوى. ولما استقر شرع في التنقيب علىَّ في أيام مباشرتى وحصل منه الضرر لكثيرٍ من الناس لاسيما من يلوذ بى، وفاوض السلطان بشيء من ذلك فلم يأذن له".

стр. 606

وفى الثانى (١) والعشرين من شهر رجب قُرر أمير فرج بن الخَطِيري في نيابة الإسكندرية عوضا عن قطلوبُغا (٢) الخليلي نقلا من أُستادارية الأملاك السلطانية، وقُرّر فيها عوضه ناصر الدين بن سُنْقُر نقلًا من الأسْتادَارية الكبرى، وقُرّر فى الأستادارية الكبرى يَلْبُغا المجنون على قاعدته. وفى رجب استقر بدر الدين القدسى قاضى الحنفية بدمشق عوضا عن محيى (٣) الدين ابن الكشك، وتقى الدين إبراهيم بن الشيخ شمس الدين بن مفلح (٤) قاضي الحنابلة بها عوضا عن شمس (٥) الدين النابلسي. وفى شعبان - ليلة الاثنين رابع عشره - خُسف القمر جميعه واستمر من بعد العشاء إلى نصف الليل، وصلَّى الناس صلاة الخسوف (٦) بدمشق. وفيه أمر الملك الظاهر القضاة أن يعرضوا الشهود، فعرض كل قاضٍ شهود الحوانيت التي تنسب إليه، فمن كان معروفا أقرّه ومَن لم يكن له به معرفة سأل عنه إلى أن يقف على أمره على أحد وجهين: إما الإذن وإما المنع. وفي العاشر منه أعيد القاضي ولي الدين عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي المالكي إلى قضاء المالكية بعد موت القاضى ناصر الدين بن التَّنَسِي، وكان القاضي شرف الدين بن الدَّمَاميني قد تعيّن لذلك، فيقال إن القاضى نور الدين بن الجلال - نائب الحكم - سعى في تبطيل ذلك، وأعانه سعد الدين بن غراب فبطل واستقر ابن خلدون.

стр. 607

وفي السابع والعشرين من رمضان أفرج عن الأمير علاء الدين بن الطبلاوى ونُقل من الحبس إلى بيت يلبغا المجنون الأُستادار، ثم أُمر بنفيه إلى الكرك فأخرج إليها، فتوجّه (١) إلى القدس، فلما بلغه وفاة السلطان شفع فيه فأقام بالقدس. وفيه نمَّ بعض الناس على الشريف محمد الَّلْحْجي (٢) أنه يضرب الزغل، فكُبس منزله بدمشق فوُجدت فيه الآلات، فطيف به. وفيه سعى المهتار عبد الرحمن لصهره ابن السنجارى فى وكالة بيت المال بدمشق، فأذن السلطان له فى ذلك فليس الخلعة وحضر ليقبّل يد السلطان فاحتقر السلطان شكله، وكان صغير السن خفيف اللحية فأمر بنزع الخلعة عنه فنُزعت، وتغيظ [برقوق] على عبد الرحمن بسبب ذلك. وكان اللحجى المقدم ذكره لما بلغه ذلك سعى فيها فاتفق ماجرى له من قصة الزغل فبطل سعيه. * * * وفى (٣) هذه السنة صُرف تغرى بردى من ولاية حلب ونُقل إلى القدس بطالاً، واستقر في نيابتها (٤) أرغون الإبراهيمي (٥) وكان أكبر الأُمراء، وكان قد ناب في طرابلس قبلها، ولم تطل مدّته بحلب بل مات فيها في صفر من هذه السنة. قال القاضي علاء الدين: "كان شابا حسن الصورة كثير الحشمة مع العقل والعدل والشجاعة والكرم بحيث أنه تحاكم (٦) إليه شخصان في جملٍ قبل صلاة الجمعة فأمر بتأخيرهما إلى ما بعد الصلاة، فمات الجمل فأمر للذين ثبت لهم بقيمته من عنده وقال: نحن فرطنا فيه". * * *

стр. 608

ذكر من عزل من الأمراء وفى ثالث عشر صفر قُبض على نوروز أمير آخور الكبير ومعه جَرْبَاش الرَّماح أمير آخور، وقبض على آقبغا اللكاش وكان قد قُرر فى نيابة الكرك، وقُرر عوضه أميرَ مجلس أرغونُ شاه البَيْدُمُرى. واستقر سودون قريبُ السلطان عوض نوروز، واستقر فى تقدمة اللكاش تِمْرَازُ (١) الناصري، واستقر في تقدمة نوروز: سودون الماردانى، وكان حينئذ شاد الشُّرْبخاناه. ونقل آقْبُغَا الجمالي من نيابة طرابلس إلى نيابة حلب لما مات أرغون شاه الخزندار الإبراهيمي نائب حلب. وقُرّر سودون بُلْطا في نيابة طرابلس نقلًا من نيابة حماة، واستقر في نيابة حماة دمرداش نقلًا من أتابكية حلب، واستقر فى نيابة الكرك سودون الظريف عوضا عن اللكاش، واعتُقل اللكاش بقلعة الصبيبة (٢)، ونُقل صَرَىْ نَمِر إلى الأتابكية بحلب، واستقر فرج الحلبي (٣) في نيابة الإسكندرية عوضا عن صُرْغُتمُش بحكم وفاته. واستقر في تقدمة حسن الكَجْكَلي بعد موت يلبغا المجنون. واستقر فارس الحاجب الكبير في نيابة صفد بعد القبض على أحمد بن الشيخ على. * * *

стр. 609

وفيها مات تقى الدين بن وهبة وكان يباشر قبض لحم الدور، فوُجد له أكثر من عشرين ألف دينار، وخلَّف أربع بنات فقام الوزير تاج الدين حتى أثبت أنهن نصرانيات فمنعهن الميراث، وحمَل المال كله إلى الملك الظاهر فوقع منه موقعا وخَلع عليه خلعة هائلة. وفى النصف من ربيع الأوّل تولى برهان الدين العَذْرَاوى قضاء صفد ولبس الخلعة عند السلطان. وفى تاسع ربيع الآخر صُرف شهاب الدين رَسْلان الصَّفدى عن ولاية القاهرة واستقر شهاب الدين أحمد بن الزين عمر الحلبي. وفيها أرسل صاحب إرْبل (١) يخبر أن اللنك توجّه إلى جهة هذه البلاد، ثم توجّه إلى بغداد. وفيها مات أحمد بن الشيخ على الذي كان نائبَ صفد، وحُمل موجوده إلى السلطان وقيمته نحو عشرة آلاف دينار أكثرها مماليك وخيل وجمال وسلاح. وفى رمضان إستقر يلبغا السالمي في نظر الشيخونية عوضا عن الأمير فارس، وكان [بعض الصوفية] كرروا الشكوى بسبب انقطاع جوامكهم، كما صنع في خانقاه سعيد السعداء قبل ذلك بمدة، وقطع جمعًا كثيرًا منهم لاتصافهم بغير شرط الواقف، وضيّق على المباشرين وألزمهم بحمل الحساب وصرف المعاليم بنفسه، وفرح به أهلها. وفى أواخر رمضان قَبض على أوصياء الكُلُسْتَانى وذكر أن الوصية التي أخرجوها زوّروها، فحضروا عند السلطان فضرب بعضهم ثم ردّهم إلى القاضي المالكي فحبسهم، ثم أحضر

стр. 610

الشهود، فكشف رأس زين الدين عبد الرحمن بن على التَّفَهْنى، وكان ملازماً للكلستاني، فشهد في وصيته، فوجد ابن خلدون فيها ما أنكره السلطان ملحقا فتغيّظ على الشهود لأنه رأى الملحق بخطِّه ولم يصدر (١) عنه. ثم حكم ابن خلدون بإبطال الوصية وأطلق الشهود من الحبس بعد ذلك. * * * وفيها كان الرخص المفرط بالبلاد الشامية، فذكر العينتابي أن القمح بيع بدون العشرة كل مدّ (٢)، وهو إردب وسدس مصرى، والشعير بثلاثة دراهم. وفي آخر جمادى الأولى استقر بيبرس - ابن أخت السلطان - دويدارًا عوضا عن قلمطاى ونوروزُ (٣) أمير آخور عوضا عن تانى بك، وعلى باى رأس نوبة عوضا عن نوروز، ويشبك خزنداراً عوضا عن على باى، واللكاشُ أميرَ مجلس عوض بيبرس، وتغرى بردى أمير سلاح (٤). * * * وفي جمادى الآخرة انتزع السلطان الاسكندرية من ابن الطبلاوى وأعادها لناظر الخاص، واستقر أخو فخر الدين بن غراب في نظرها واسمه ماجد، وكان ذلك بعناية يشبك الخزندار، واشترط على فخر الدين أن يشاوره في الأمور. وأرسل أمير فرج الخطيرى بالكشف على ابن الطبلاوى وعلى تاج الدين قاضي الإسكندرية، ثم رُسم بإحضاره، فلما قدم بين يدى السلطان قام الشكاة في حقه وبالغوا في الشكوى، فأمر السلطان بضربه فضُرب بالعصىّ على رجليه بعد العصر يوم الجمعة ووُكِّلَ به.

стр. 611

واتفق أن أول شوال يوم الجمعة، [فاتفق (١)] الذين ينظرون في النجوم [أنه (٢) تحدث نكبة] عظيمة في غضون هذا الشهر فإن نجا نجا إلى آخر السنة، وإن نجا منها طال عمره جدا، وبلغه شئ من ذلك، وكان كثير التنقيب عن ذلك فقلق وتوهم وصلى العيد وهو في غاية الوهم، فلما فرغ سالماً تصدق بأشياء. ثم في الخامس من شوال ابتدأ بالسلطان الضعف، وكان قد لعب بالرمح في ذلك اليوم - يوم الثلاثاء - ورجع، فقُدّم له عسل نحل كَخْتاوي (٣)، فأمعن في الأكل منه فأصابته حمى حادة فانغمر، وواظبه الأطباء فأرجف بموته يوم السبت تاسعه، وتصدق في مدة ضعفه بصدقات كثيرة جدا. ووقعت (٤) بالقاهرة هجة (٥) عظيمة، وقفلت الحوانيت، وأشيع (٦) أن الأمراء ركبوا ثم ظهر فساد ذلك، ثم في يوم الأربعاء وقعت هجة عظيمة أعظم من تلك وأرجفوا بموته ثم ظهر أنه أصابه الفواق وظهر عليه الورشكين (٧) وأحس بالموت، فطلب الخليفة والقضاة والأمراء، وعَهد بالسلطنة لولده فرج يوم الخميس، ثم من بعده لولده الآخر عبد العزيز، ثم من بعده لولده الثالث إبراهيم، وكتب العهد وأوصى بعطايا كثيرة، وقرر أيتمش أتابك العساكر القائم بالأمر ويربي السلطان الجديد (٨) إلى أن يكبر. وكان أصحاب الوظائف يومئذ من نذكر

стр. 612

فالدويدار الكبير بيبرس ابن أخت السلطان، وأمير آخور سودون قريبه، ويشبك خزندار، وتغرى بردى أمير سلاح. * * * فلما دخلت ليلة الجمعة دخل في النزع إلى أن مات وقت التسبيح، فأصبح الأمراء والخليفةُ والقضاةُ مجتمعين في القصر، فأُحضر ولى العهد وأُقْعد على الكرسى، وخُلعت عليه خلع السلطنة، وبايعه الخليفة والقضاة والأمراء (١). ولُقِّب "الناصر"، وكنى "أبا السعادات". ثم شرعوا في تجهيز الملك الظاهر، [برقوق]، وتقدّم في الصلاة عليه - خارج (٢) باب القلعة قبل الزوال - قاضي القضاة الشافعي صدر الدين المناوى، وأخرج بجنازته إلى الصحراء فدُفن بتربته التي أنشأها، وكان في جملة وصيّته أنها تكمّل، وعين القدر الذي يُصرف عليها، ففُعل ذلك بعده. وكان من جملة أوصيائه يَلْبُغا السَّالِمي والقاضي الشافعى وسعد الدين بن غراب ناظر الخاص. وكانت (٣) جنازةً مشهودةً لم يُر بعدَ جنازة الناصر محمد بن قلاون جنازةُ سلطانٍ مثلها. وخُطب للناصر [فرج] على المنابر بمصر والقاهرة في هذا اليوم. * * * وفي صبيحة هذا اليوم بَشَّر أمينُ النيل ابنُ أبي الرداد بزيادة النيل. واستمر أيْتَمش بالولاة في البلاد. فكان تَنَم بدمشق، ودمرداش المحمدى بحماة، وآقبغا الجمالي بحلب، وألْطَنْبُغُا العثماني يصفد، ويونس الظاهري بطرابلس، وسودون الظريف بالكرك.

стр. 613

وكان أول ما تغير (١) من الأحوال أن الأُستادار يلبغا المجنون قُبض عليه ونُهِبتَ داره، واستقر عوضه مبارك شاه ثم صُرف، واستقر عوضه في الأُستادارية تاجُ الدين بن أبي الفرج مضافًا إلى الوزارة. * * * وأول (٢) مابدا من الفساد في النقود أن الدينار الهرجة كان بثلاثين، والبندقى بأربعة وعشرين، فنودى أن تقع المعاملة في الأفْلورى بثلاثين والهرجة بستة وثلاثين، وأُنفق على المماليك كل واحد، ألف درهم وهؤلاء الخواص (٣)، وأما مَن دونهم فكل واحد: خمسمائة. ثم قُبض على جماعة من الأُمراء منهم رَسْطَاى وتَمْراز وتَمِرْبغَا وبَلاط وطولو. وحضر القضاة للبس الخلع بسبب السلطنة فخُلع على بعض الأمراء، فقامت هجة فنزل القضاة ومن معهم هاربين، وظهر أنهم أمسكوا أربعة أمراء مقدّمين، وهم: رَسْطاي وتمراز وتمريغا المنجكي ويلبغا المجنون وجماعة دونهم. وخُلع على الأمير الكبير وأمير سلاح والدويدار. ثم في الخامس والعشرين من شوّال جدّدوا الأيمان للسلطان [الناصر فرج] والأمير الكبير، وتولى يلبغا السالمي تحليف المماليك مع بعض الموفِّقين حتى استوفاهم في عدّة أيام، وكان عدة من أُنفق عليهم من المماليك المشتروات ومماليك الخدمة المختصة بالسلطان أربعة آلاف إلا مائة وثلاثين، وكان قَدْر ما أُعطى كل واحد منهم بوصية الظاهر [برقوق] ألف درهم وذلك في حادى عشري شوال. وفى أواخر شوال أشار يلبغا السالمي على الأمير أيْتَمُش أن يقرّر ما يُرْتَجع من مالِ من يُقبض عليه مِن الأُمراء على شيءٍ معين، لأن الأمير كان إذا قُبض عليه يقاسِي من كان يباشر

стр. 614

عنه - بسبب المرتجع من تركته - البلاء المبرم، فاستقر الحال أن يكون على الأمير المقدم خمسون ألف درهم، وعلى الأمير الطبلخاناه عشرون ألف درهم، وعلى من معه إمرة عشرين عشرة، آلاف درهم، وعلى أمير عشرة: خمسة آلاف درهم، وكتبت بذلك مراسيم وخُلدت في الدواوين، واستقر الحال على ذلك. وفيه صرف الشهاب أحمد بن الزين الشامى من ولاية القاهرة واستقر عيسى الشامي، وكان ابن الزين هرب ثم ظُفر به فضرب بالمقارع وصودر. وفيها ثار تنم - نائب الشام - فأظهر الخلاف وملك القلعة وطرد النائب بها واستمر على الخطبة للناصر فرج، وكان المتكلم في الدولة الناصرية بالقاهرة أرسل نائبًا لحفظ القلعة، فاتفق وصوله بعد أن ملك تنم القلعة فلم يُمكنه من دخولها، ثم أظهر أن رجلًا فداويا أراد الفتك به فقُبض عليه ومعه سكين، وقرّر بحضرة الناس فأقر أن كبير الأمراء المصريين أرسله لذلك فتنمر وأظهر ما كان يُبطن، وكاتب نوّاب البلاد فأطاعوه، ووثب نائب حماة فملك القلعة، وكذلك نائب صفد وأما نائب قلعة حلب فأخذ حذره ولم يُمكن نائب حلب من قلعتها ولما (١) قبض المماليك النفقة تصرّفوا فيها، وكان أكثرها دنانير، فرخص سعر الذهب لكثرة وجوده في أيدى الناس إلى أن صار الهرجة بخمسة وعشرين والإفرنجي بعشرين، ثم نودي في ثامن ذي القعدة أن سعر الإفرنجي ثمانية وعشرون والهرجة بثلاثين. وتوجه علاء الدين الطبلاوى من القدس إلى دمشق، فاستقر به الأمير تنم في خدمته وكان استدعاه إليه. وفى رابع عشر ذي القعدة سعى الشيخ أصلم في وظيفة مشيخة الخانقاه بسرياقوس

стр. 615

وكان الذي قْرّر عوضه فيها - وهو الشريف فخر الدين - قد مات، فأجيب (١) إلى سؤاله واستقر. وفي ذي القعدة صرف يلبغا السالمي عن النظر على المدرسة الشيخونية وما معها وقرّر مكانه أرغون شاه البيدمري، وكان السالمي قد شدّد على أهل الشيخونية ومدرسيها خصوصا مدرس الشافعية وهو قاضي القضاة صدر الدين المناوى، وأشاع السالمي عنه أنه فرح بموت الملك الظاهر وأنه لما سمع بموته سجد شكرًا الله تعالى. فلما بلغه ذلك تأذى به وخشي ما يترتب عليه، فركب إلى شيخ الإسلام سراج الدين البلقينى فخضع له وشكى إليه حاله مع السالمي، وكان السالمي قد تسلط على الشيخ بأمر آخر، فركب الشيخ معه وطافا على الأمراء إلى أن عُزل السالمي واصطلح الشيخ والقاضى وكان ما بينهما متباعدا قبل ذلك. وفى (٢) سابع عشر ذي القعدة عُقد مجلس بشيخ الإسلام والقضاة عند الأمير الكبير وسئلوا عن المال الذى خلفه الملك الظاهر بالخزانة: هل يورث عنه أوهو لبيت المال؟ فقال البلقينى: "ما كان متحصلاً له من إقطاعه ومن تجارته فهو لورثته، وما عدا ذلك فهو في بيت المال"، فقيل له: "إنه مختلط"، فقال: "يُجعل لورثته منه جزء"، فاختلفوا من الثلث إلى السدس، وقيل إن الشيخ قال: "يُجعل له الخمس، ولم يثبت ذلك. وفى ثالث عشرى ذي القعدة ولي السالمي الأستادارية الكبرى، وصرف تاج الدين ابن أبي الفرج، فكان منذ وفاة الظاهر - قد وليها أربعة أنفس في مدة شهر وثمانية أيام، وكانت مباشرة أبي الفرج فيها دون الشهر.

стр. 616

وفيه قُبض على سودون قريب السلطان، بسبب (١) أنه امتنع من تسليم الإصطبل ليسكنه الأمير الكبير، واستقر عوضه أمير آخور سودون الطيار. وفيها في الثالث عشر منه صُرف تاج الدين بن أبي الفرج من الوزارة، واستقر عوضه شهاب الدين بن قُطَيْنَة، وتسلَّم تاج الدين المذكور، وكانت مدة ولايته الوزارة دون شهر (٢). وفي سلخ ذي القعدة صُرف شمس الدين الشاذلى عن حسبة مصر وأُعيد الشيخ نور الدين على (٣) بن عبد الوارث إليها. وفي مستهل ذي القعدة صُرف الشيخ تقى الدين أحمد بن على بن عبد القادر المقريزي عن وظيفة الحسبة بالقاهرة، واستقر عوضه الشيخ بدر الدين محمود بن أحمد العينتابي الحنفى، وهي (٤) أول ولاياته لها، وكان قبْل ذلك طالبا بالظاهرية فأُخرج منها فتوجّه إلى بلاده، ثم عاد وهو في غاية القلة فتردّد إلى الأمراء فسعى له بعضهم - وهو جَكم - في حسبة القاهرة فوليها في هذا التاريخ سابع ذى الحجة فلم تقم معه سوى بقية الشهر، فلما استهل المحرم استقر جمال الدين محمد بن عمر الطنبدى، وصُرف العينتابي، وكان القائم في ذلك كزل دويدار أيتمش. قرأت ذلك في تاريخ العينتابي، ثم أعيد العينتابي في رابع عشر ربيع الآخر سنة اثنتين ثم عُزل منها بعد شهر وأُعيد المقريزى.

стр. 617

وفي الرابع من ذى الحجة صُرف ابن قُطْينة عن الوزارة واستقر عوضه فخر الدين بن غراب، وكان يباشر نظر الاسكندرية. وفيها (١) وصل قاصد نائب (٢) الشام، فذكر أنه (٣) طائع وسأل استمراره على نيابة الشام وتحليف الأُمراء له ففعلوا ذلك، وحلف الأمير الكبير ومن معه بحضرة القضاة وشيخ الإسلام ووضعوا خطوطهم بذلك، ووجه قاصده إليه بذلك. وفى ذى الحجة وصل أسَنْبُغا الدويدار إلى سَلمية (٤) فليس نُعَيْرٌ أميرُ العرب خلعة السلطان وأظهر الطاعة وجَهَّز التقدمة، وكان قبْل ذلك قد اتفق مع قَرَا يوسف أمير التركمان وحاصرا الأمير دمشق (٥) بن سالم الدوكاري التركماني مدة طويلة ثم اصطلحوا. وفي هذه السنة حاصر أبويزيد بن عثمان مَلَطْيَة (٦) والأبلستين (٧) فتسلمها وحاصر درندة (٨) * * *

стр. 618

وورد الخبر بذلك في هذا الشهر فجهزوا سودون الطيار لكشف (١) هذه الأخبار. وفى ذى الحجة أبطل السالمي مكس العرصة والأخصاص بمنية ابن خصيب (٢)، ثم أبطل وفر الشّون السلطانية وكُتب به مرسوم، وأبطل كان على البرددار ومقدم المستخرج من المشاهرة التي تحصل من المصادرة، وألزمهما (٣) بترك ذلك ورفع الظلم عن الناس أجمعين، وأحضر السماسرة فقرر لهم عن كل إردب نصف درهم من غير زيادة على ذلك عن السمسرة والكيالة والأمانة، وشدّد عليهم في ذلك، فكثر دعاء أهل الخير له بذلك. * * * ذكر من مات في هذه السنة من الاكابر ١ - أحمد (٤) بن إبراهيم بن عبد العزيز بن على الموصلى الأصل الدمشقي، شهاب الدين ابن الخباز نزيل الصالحية، سمع من أبي بكر بن الرضى وزينب بنت الكمال وغيرهما وحدّث.

стр. 619

سمع منه صاحبنا الحافظ غرس الدين وأظنه استجازه لى، ومات في شهر ربيع الأول عن بضع وثمانين سنة. ٢ - أحمد (١) بن أحمد بن عبد الله الزهوري العجمي نزيل دمشق ثم القاهرة، كان بزى الفقراء وحصلت له جذبة فصار يهذى في كلامه ويخلط وتقع له مكاشفات، منها أنه لما كان بدمشق - وكان الملك الظاهر حينئذ بها جنديا - رأى في منامه أنه ابتلع القمر بعد أن رآه قد صار في صورة رغيف خبز، فلما أصبح اجتاز بالشيخ أحمد فصاح به "يا برقوق أكلت الرغيف! " فاعتقده، فلما ولى السلطنة أحضره وعظّمه وصار يشفع عنده فلا يردّه، ثم أفرط حتى كان يحضر مجلسه العام فيجلس معه على المقعد الذي هو عليه ويسبُّه بحضرة الأمراء، وربما بصق في وجهه ولا يتأثر لذلك، وكان يدخل على حريمه فلا يحتجبن منه، وحُفِظت عنه كلمات كان يلقيها فيقع الأمر كما يقول، فكان للناس فيه اعتقاد كبير. ٣ - أحمد (٢) بن أحمد بن محمد بن [على (٣)] الطولونى شهاب الدين كبير المهندسين كان عارفًا بصناعته فيها قديما، وكان شكلا حسنا طويل القامة وعظمت منزلته عند الملك

стр. 620

الظاهر فقرّره من الخاصكية ولبس بزى الجند، ثم أمّره عشرة وتزوّج بابنته، وكانت له ابنة أخرى تحت جمال الدين القَيْصَرى ناظر الجيش، ثم طلق الظاهر البنت المذكورة وتزوجها نوروز بأمْر السلطان وتزوج السلطان بنت أخيها (١). ومات شهاب الدين المذكور في شهر رجب من هذه السنة. ٤ - أحمد بن إسماعيل بن عمر بن كثير البصروي ثم الدمشقي، شهاب الدين بن الحافظ عماد الدين، وُلد سنة خمس وستين، وأحضر على ابن الشيرجي أحد الرواة عن الفخر ابن البخارى، وتزيا بزى الجند وحصل له إقطاع. قال القاضي شهاب الدين بن حجى فى تاريخه: "كان أحسن إخوته سمتا، وكان عارفًا بالأمور". مات في شهر ربيع الأول. ٥ - أحمد (٢) بن أبي بكر بن محمد العبادي، شهاب الدين الحنفي، تفقَّه على السراج الهندى، وحصل ودرس وشغل ثم صاهر القليجي وناب في الحكم ووقع على القضاة، ودرس بمدرسة الناصر حسن، وكان يجمع الطلبة ويُحسن إليهم، وحصلت له محنة مع السالمي ثم أخرى مع الملك الظاهر. تقدم ذكره في الحوادث. مات في تاسع (٣) عشر ربيع الآخر.

стр. 621

٦ - أحمد (١) بن سليمان بن محمد بن سليمان بن مروان الشيباني البعلبكي ثم الصالحي، أحد رواة "الصحيح" عن الحجار وسمع أيضا (٢) من غيره، وله إجازة من أبي (٣) بكر بن عبد السلام، وحدّث. مات في ذى الحجة. ٧ - أحمد بن شعيب خطيب بيت لِهْيا (٤)، كان عابدًا قانتا كثير التهجد والذكر. قال الشهاب ابن حجى: "قَلَّ من كان يلحقه في ذلك"، مات في شهر المحرم. ٨ - أحمد بن عبد الله السيواسي، برهان الدين قاضي سيواس الحنفى، قدم حلب واشتغل بها ودخل القاهرة ثم رجع إلى سيواس فصاهر صاحبها ثم عمل عليه حتى قتله وصار حاكما بها، وقد تقدّم ما اتفق له مع عسكر الظاهر سنة تسع وثمانين، فلما كانت سنة تسع وثمانين نازله التتار الذين كانوا بأذربيجان فاستنجد بالظاهر فأرسل إليه جريدة من عسكر الشام. فلما أشرفوا على سيواس انهزم التتار منهم. فقصده قرايلك (٥) بن طورغلى التركماني في أواخر سنة ثمانى مائة فتقاتلا. فانكسر عسكر سيواس وقتل برهان الدين في المعركة. وكان جوادًا فاضلًا وله نظم. ٩ - أحمد بن على بن محمد الحسيني، شهاب الدين المصرى، ويعرف بابن شقائق، كان شريفا معروفًا يتعانى الشهادة. مات في جمادى الأولى (٦).

стр. 622

١٠ - أحمد (١) بن عيسى بن موسى بن سليم بن جميل المُقيرى (٢) الكركي العامري الأزرقى أبو عيسى القاضي عماد الدين الشافعي (٣)، ولد في شعبان سنة إحدى وأربعين ويقال سنة اثنتين وأربعين، وحفظ "المنهاج"، واشتغل بالفقه وغيره، وسمع الحديث من التباني وغيره. وممن سمع منهم بالقاهرة أبو نعيم بن الحافظ تقى الدين بن عبيد الأسعردي ويوسف بن محمد الدّلاصي وغيرهما، وحدّث ببلده قديما سنة ثمان وثمانين. ولما قدم القاهرة قاضيا خرج له الحافظ أبو زرعة مشيخة سمعتها عليه، وكان أبوه قاضى الكرك فلما مات استقر مكانه. وقدم القاهرة سنة اثنتين وسبعين ثم قدمها سنة اثنتين وثمانين.

стр. 623

وكان كبير القدر في بلده محبّبا إليهم بحيث أنهم كانوا لا يصدرون إلا عن رأيه، فاتفق أن الظاهر لما سُجن بالكرك قام هو وأخوه علاء الدين على في خدمته فحفظ لهما ذلك، فلما تمكَّن أحضرهما إلى القاهرة وولى عماد الدين قضاء الشافعية وعلاء الدين كتابة السر وذلك في شهر رجب سنة اثنتين وتسعين، فباشر بحرمة ونزاهة، واستكثر من النواب وشدّد في ردّ رسائل الكبار وتصلب فى الأحكام، فتمالئوا عليه فعزل في أواخر سنة أربع وتسعين، واستقر صدر الدين المناوى في رابع المحرم سنة خمس. وبقى السلطان القاضي عماد الدين من وظائف القضاء تدريس المدرسة الصلاحية المجاورة للشافعي، ودرس الحديث بالجامع الطولوني، ونظر وقف الصالح بين القصرين، فاستمر فى ذلك إلى أن شعرت الخطابة بالمسجد الأقصى وتدريس الصلاحية، فقرّرها السلطان لعماد الدين وذلك في سنة تسع وتسعين، فتوجه إلى القدس وباشرهما وانجمع عن الناس وأقبل على العبادة والتلاوة إلى أن مات في سابع عشر شهر ربيع الأول من هذه السنة ونزل (١) عن خطابة القدس في مرضه لولده شرف الدين عيسى فلم يمض النزول، واستقر خطيب نابلس في الوظيفة بعناية نائب الشام، وحضر ولد القاضي عماد الدين إلى القاهرة في طلب الخطابة فمُنع ولا (٢) زال نائب الكرك يكاتب فيه ويشكو منه،، فرسم عليه ثم أفرج عنه وأعيد إلى الكرك قاضيا. وهو أول من كتب له من القضاة عن السلطان و الجناب (٣) العالى، وذلك بعناية أخيه لما ولى كتابة السر، فاستأذن السلطان في ذلك فأذن له، واستمر ذلك للقضاة وكانوا يكاتبون (بالمجلس) وهي كانت في غاية الرفعة للمخاطب بها في الدولة الفاطمية"، ثم انعكس ذلك في الدولة التركية وصار "الجناب" أرفع مرتبة من المجلس.

стр. 624

وذكر لى الشيخ تقي الدين المقريزى أنه حَلَف له أنه فى طول ولايته القضاء بالكرك وبالديار المصرية ما تناول رشوةً ولا تعمّد حكمًا بباطل. - رحمه الله تعالى -. ١١ - أحمد بن محمد بن إسماعيل المجدلى (١) الحنفى، لقبه "بيُّوص (٢) " لشدة شقرة شعره. وكان يباشر أوقاف الحنفية، وكان حسن المباشرة. مات في ربيع الأول. ١٢ - أحمد (٣) بن محمد بن أبي بكر بن السلار الصالحي، شهاب الدين بن أخي الشيخ ناصر الدين إبراهيم، وُلد سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة وأحضر على أبي العباس ابن الشحنة، وأجاز له أيوب بن نعمة الكحال (٤) والشرف ابن الحافظ وعبد الله بن أبي التائب وآخرون، وحدّث، سمع منا منه الحافظ غرس (٥) الدين، وأجاز لى. مات في أواخر ذى الحجة. ١٣ - أحمد بن محمد بن عبد الرحمن البلبيسي الخطيب، تاج الدين أبو العباس، وُلد سنة ثمانى (٦) عشرة وسبعمائة، واشتغل وتفقَّه ولم يحصل له من سماع الحديث ما يناسب سنَّه، لكنه لما جاور بمكة سمع من الكمال بن حبيب عدة كتب وحدّث بها عنه "كمعجم ابن قانع" و "أسباب النزول" و "سنن ابن ماجة". وولى أمانة الحكم بالقاهرة، ودرس بالجامع الخطيري ببولاق وخطب به، وناب في الحكم، ومات في شهر ربيع الأول وله (٧) ثلاث وثمانون.

стр. 625

١٤ - أحمد (١) بن محمد بن محمد بن محمد بن عطاء الله بن عواض بن نجا بن حمزة ابن نهار بن يونس بن حازم المالكي الإسكندرانى الزبيري، القاضي ناصر الدين بن جمال الدين ابن شمس الدين بن رشيد الدين سبط ابن التَنَسى - بفتح المثناة والنون بعدها مهملة -، كان ينتسب إلى الزبير بن العوام وفيه يقول ابن الدماميني في أبيات يخاطبه: وأجَادَ فكْرُكَ في بِحَارِ عُلُومِهِ … سَبْحاً لأنَّكَ مِن بنِي العَوَّامِ وكانوا (٢) يزعمون أن جابرا المذكور في نسبه وَلدُ هشام بن عروة بن الزبير، وفي ذلك نظر لا يُخْفى فليس في ولد هشام المذكور عند أهل الأنساب مَن اسمه جابر، وبُبْلى - بضم الموحدة وسكون مثلها ثم لام - إسم بربرى، ولد سنة [أربعين (٣) وسبعمائة]، وتفقه ببلده واشتغل ومهر وفاق الأقران فى العربية، وشرع في شرح "التسهيل"، وولى قضاء بلده في سنة إحدى وثمانين وسبعمائة، ثم صُرِف بابن الرَّيْغي ثم عاد وتناوبا ذلك مرارًا. ثم قدم القاهرة وظهرت فضائله إلى أن ولى قضاء المالكية في رابع عشرى ذي القعدة سنة أربعٍ وتسعين، ونقل أهله وأولاده، وناب عنه القاضي بدر الدين بن الدماميني. وباشر للقاضي ناصر الدين بعفَّةٍ ونزاهة.

стр. 626

وكان عاقلاً متودّدًا موسَّعا عليه في المال، وله تعليقٌ على "مختصر ابن الحاجب"، وكان ممن يتعانى التجارة وعاشر الناس بجميل فأحبوه، وكان سليمَ الصدر طاهر الذيل قليل الكلام، لم يُعرف أنه آذى أحدًا بقول ولا فعل. مات في أول رمضان واستقر (١) عوضه ابن خلدون، وكان (٢) حين مات ابن التنسي بالفيوم فأُرسل إليه البريدي فأحضره فباشر في نصف رمضان. وقُدر أن ولده (٣) بدر الدين (٤) ولى القضاء بعده في رمضان سنة إحدى وأربعين فكان بين موته (٥) وولاية ولده أربعون سنة سواء، كما سيأتي بيانه. ١٥ - أحمد بن محمد الدمشقى، شهاب الدين بن العطار مستوفى الجامع الأموى، كان أَجَلَّ مَن بقى من مباشرى الجامع، وقد طلب الحديث في وقتٍ، ورافق شمسَ الدين ابن سند وابنَ إمام المشهد. مات في شوال. ١٦ - أحمد (٦) بن موسى الحلبي، شهاب الدين الحنفى، قدم من بلده وتنزَّل في الصرغتمشية (٧) وشارك في مذهبه وفى الفضائل، وناب في الحكم مات في ربيع الأول. ١٧ - أحمد (٨) بن أبي العز بن أحمد بن أبي العز بن صالح بن وهب الأذرعى الحنفى،

стр. 627

يعرف بابن الثور، سمع من الحجار وإسحق الآمدى (١) وعبد القادر الأيوبى (٢) وغيرهم. مات في صفر وله ثمانون سنة. ١٨ - أرغون شاه الإبراهيمي المَنْجَكى نائب السلطنة بحلب، كان أصله لإبراهيم ابن منجك فتقدّم إلى أن صار (٣) جمدارًا عند السلطان، ثم ولى نيابة صفد ثم طرابلس ثم حلب، وكان حسن السيرة، مات بحلب في العشر الأخير منه، وكان خزندار السلطان فأرسله أيام يلبغا الناصرى إلى حلب حاجباً فلم يمكِّنْه الناصري وكاتب في الإعفاءِ فأجيب. فلما قُتل الناصرى ولاَّه الظاهر [برقوق] نيابة صفد ثم طرابلس ثم حلب في العام الماضي فسار أحسن سيرة، ويقال إن بعض الأكابر سقاه، ويقال إن بعض العرب أغار على جمالٍ له فتوجه في طلبهم ففرّوا منه فلج في إثرهم فغُرَّ بنفسه فأصابه عطش ومات بعضُ مَن معه وشئ من الخيول، وضعف هو من ذلك واستمرَّ إلى أن مات. وكان شابا حسنًا عاقلاً عادلًا شجاعًا كريماً، ومِن عَدْله أن غلمانه (٤) توجهوا لتحويل الملح الذي في إقطاع النيابة فاستكروا جمالاً فنهبهم العرب فغرم لأصحابها الثمن، وأن شخصا ادّعى عنده فى جملٍ عند صلاة الجمعة فاستمهله إلى بعد الصلاة فمات الجمل فغرم لصاحبه (٥). ١٩ - إسماعيل بن عمر بن إسماعيل بن جعفر الدمشقى [بن السيد (٦)] العاملي الصفَّار، روى عن الحجار وغيره وحدّث. مات في جمادى الأُولى وقد جاوز الثمانين.

стр. 628

٢٠ - أمير حاج بن مَغْلَطاى، ناب في الاسكندرية مدة ثم ولى الأستادارية في سلطنة المنصور أمير حاجي بن الأشرف شعبان، ثم نفاه برقوق إلى دمياط فمات بها بطالاً في ربيع الأول. ٢١ - أبو بكر بن أحمد بن عمر العَجْلُوني نزيل مكة المشرفة، كان فاضلا. يأتي فيمن اسمه محمد (١). ٢٢ - برقوق بن أنَسْ بن عبد الله الجركسي العثماني، ذكر الخواجا عثمان الذي أحضره من بلاد الجركس أنه اشتراه منه يلبغا الكبير واسمه حينئذ "ألطَنْبُغا" فسمّاه "برقوق" لنتوءٍ في عينيه، فكان في خدمة يلبغا من جملة المماليك الكتَّابية، ثم كان فيمن نُفى إلى الكرك بعد قتل يلبغا، ثم اتصل بخدمة منجك نائب الشام، ثم حضر معه إلى مصر، ثم اتصل بخدمة الأشرف شعبان، فلما قُتل الأشرف ترقَّى برقوق إلى أن أعطى إمرة أربعين وكان هو وجماعة من إخوته في خدمة أينبك. ثم لما قام طُلُقْتَمِر على أينبك وقبض عليه ركب بركة وبرقوق ومَن تابَعهما على المذكور، وأقام طُشْتَمِر العلائي - مدير المملكة - أتابكا واستمروا في خدمته إلى أن قام عليه مماليكه في أواخر سنة تسع وسبعين، فآل الأمر إلى استقرار بركة وبرقوق في تدبير المملكة بعد القبض على طشتمر فلم تَطُل الأيام حتى اختلفا وتباينت أغراضهما. وقد سكن برقوق في الإصطبل السلطاني، وأول شيءٍ صنعه أن قبض على ثلاثةٍ من أكابر الأمراء وكانوا من أتباع بركة، فبلغه (٢) ذلك فركب على برقوق فدامت الحرب بينهما أياما إلى أن قُبض على بركة وسُجن بالإسكندرية، وانفرد برقوق بتدبير المملكة إلى أن دخل شهر رمضان سنة أربع وثمانين، وهو في غضون ذلك يدبر أمر الاستقلال بالسلطنة إلى أن تم له ذلك، فجلس على تخت الملك في ثامن عشر الشهر المذكور، ولُقِب: "الملك الظاهر"،

стр. 629

وبايعه الخليفة - وهو المتوكل محمد بن المعتضد - والقضاة والأمراء ومن معهم وخلعوا الصالح حاجي بن الأشرف وأُدخل به إلى دور أهله بالقلعة. فلما كان بعد ذلك بمدة خرج عليه يلبغا الناصري واجتمع إليه نواب البلاد كلها، وانضم إليه منطاش وكاتب أمير ملطية ومعه جمع كبير من التركمان، فجهز إليهم الظاهر عسكراً بعد عسكرٍ فانكسروا؛ فلما قرب الناصري من القاهرة تسلل الأمراءُ المصرية إليه إلى أن لم يبق عند الظاهر إلَّا القليل، فتغيب واختفى فى دار بقرب المدرسة الشيخونية ظاهر القاهرة، فاستولى الناصري ومن معه على المملكة واستقر الناصري أتابكاً بمصر، وأُعيد حاجي إلى السلطنة ولقب: "المنصور". وأراد منطاش قتْل برقوق فسبقه الناصرى إلى الكرك فسجنه، ثم لم يلبث منطاش أن ثار على الناصري فحاربه إلى أن قبض عليه وسجنه بالإسكندرية واستقل بتدبير المملكة، وكان [منطاش] أهوج فلم ينتظم له أمر، وانتقضت عليه الأطراف فجمع العساكر وخرج إلى جهة الشام، فاتفق خروج الظاهر من الكرك وانضم إليه جمعٌ قليل، فالتقوا بمنطاش فاتفق أنه انكسر وانهزم إلى جهة الشام، واستولى الظاهر على جميع الأثقال وفيهم الخليفة والقضاة وأتباعهم، فساقهم إلى القاهرة. واتفق خروج المسجونين من مماليكه بقلعة الجبل، فغلبوا على نائب القلعة (١)، فدخل الظاهر واستقرت قدمه بقلعة الجبل، وأعاد ابن الأشرف إلى مكانه من دور أهله وذلك في أوائل سنة اثنتين وتسعين. ثم جمع العساكر وتوجّه إلى الشام فحصرها وذلك في شعبان من السنة المقبلة، وهرع إليه الأُمراءُ، وتعصّب أهل الشام لمنطاش فما أفاد، ودامت الحرب بينهما مدة إلى أَن هُزِم منطاش - وقد تقدّم بيان ذلك في الحوادث مفصلا - ووصل في تلك السنة إلى حلب، وقرّر أمْرَ البلاد ونُوابَها، ورجع إلى القاهرة في المحرم سنة أربع وتسعين،

стр. 630

واستقرت قدمه في المملكة إلى أن مات على فراشه في ليلة النصف من شوال سنة إحدى وثماني مائة. وعهد بالسلطنة إلى ولده فرج - وله يومئذ عشر سنين - لأنه وُلد عند خروجه من الكرك، ولذلك سماه ذا الاسم، ويقال إنه (١) بلغ ستين سنة. * * * ومن آثاره المدرسة القائمة (٢) بين القصرين لم يتقدم بناء مثلها في القاهرة، وسلك في ترتيب من قرره بها مسلك شيخون في مدرسته، فرتب فيها أربعة من المذاهب وشيخَ تفسير وشيخ إقراءِ وشيخ حديث وشيخ ميعاد بعد صلاة الجمعة، إلى غير ذلك. ومن آثاره عمل جسر الشريعة وانتفع به المسافرون كثيرًا. وأبطل ضمان المغاني بعدّة بلاد، وكان الأشرف أبطله من الديار المصرية، وأبطل مكس القمح بعدّة بلاد. وكانت مدةُ استقلاله بأمور المملكة - من غير مشارك - تسعَ عشرةً سنة وأشهرًا، ومدةُ سلطنته ستَّ عشرة سنة ونحو نصف سنة. * * * وكان شهما شجاعًا ذكيا خبيرًا بالأمور إلَّا أنه كان طماعاً جدا بحيث لا يُقَدِّم على جمع المال شيئًا، ولقد أفسد أحوال المملكة بأخذ البَدَل على الولايات في وظيفة القضاء والأمور الدينية. وكان جهوري الصوت، كبير اللحية، واسع العينين، عارفًا بالفروسية خصوصا اللعب بالرمح، وكان يحب الفقراء ويتواضع لهم، ويتصدق كثيرًا لا سيما إذا مرض، وأبطل في ولايته كثيرا من المكوس، منها: ما كان يؤخذ من أهل البرلس (٣) وما حولها - وهو في

стр. 631

السنة ستون ألفًا -، وعلى القمح بدمياط، وعلى الفراريج بالغربية، وعلى الملح بعينتاب، وعلى الدقيق بألبيرة، وعلى الدريس والحلفاء بباب النصر، وضمان المغاني بمنية بني خصيب وبالكرك والشوبك. ولما عهد لولده استحلف القاضي الشافعىُّ جميع الأمراء، فبدأ بالخليفة ثم بأيْتُمُش ثم ببقيتهم، فحلف من حضر، ثم أرسلوا إلى من غاب فلم يتأخر أحد، وخُلع على الخليفة على العادة ونودى في البلد بالأمان. ٢٣ - بَكْلَمُش العلائي أحد الأُمراء الكبار بالديار المصرية، تقدم ذكره في الحوادث. مات بالقدس بطالا في صفر وكان من قدماء جماعة الظاهر وتقدّم في الدول كثيرًا. قال العينتابي: "كان عتيق بعض الجند ثم نسب (١) إلى طَيْبُغَا الطويل فقيل له العلائي"، قال: "وكان مقداماً جسوراً، عنده نوع كبر وعسف مع أنه كان شجاعًا شهما مهيبا، وعقيدته صحيحة، ويحب العلماء ويجلس إليهم ويذاكر بمسائل، ويتعصب للحنفية جدا". ٢٤ - حسن بن عبد الولى الأسعردى (٢) الصالحي من كبار التجار بدمشق، مات في المحرم. ٢٥ - حسن بن على بن أحمد الكجكلي (٣)، حسام الدين نائب السلطنة بالكرك، ترقى فى الخدم إلى أن أمِّر بطرابلس، وقدم مع يلبغا الناصري لما لمنتزع المُلك من برقوق فأمّره بالكرك، وتقدّم عند الملك الظاهر لكونه خدمه بالكرك ثم قرّبه وأمَّره بمصر وبعثه رسولًا إلى الروم، ومات في رجب عن ستين سنة بدمشق، قال (٤) الشيخ تقي الدين المقريزي: "كان تام المعرفة بالخيل وجوارح الطير، محبًّا لأهل السنة، عاقلاً مزَّاحاً".

стр. 632

٢٦ - حسن (١) بن محمد العَيْثَاوى أحد الطلبة المهرة، ذكر ابن حجىّ أنه كان أفضل أهل طبقته، جاوز الثلاثين ومات في أول السنة. ٢٧ - حسين بن على الفارق ثم الزبيدي، شرف الدين وزير الأشرف، وليها (٢) سنة سبعٍ وثمانين ثم عُزل (٣) بعد أربع سنين بالشهاب أحمد بن عمر بن معيبد (٤)، وكان يدرى الطب. رأيْته بزبيد فى الرحلة الأولى ومات بعدها في ليلة النصف من شعبان. ٢٨ - حيدر بن يونس المعروف بابن العسكري أحد الشجعان الفرسان. مات في شوال بدمشق بطالاً وقد شاخ، وولى إمرة سنجار للأشرف. ٢٩ - خديجة بنت أبي بكر بن يوسف بن عبد القادر بن يوسف، الحلبية (٥) الأصل، الدمشقية. ماتت في أواخر سنة إحدى وثمانى مائة. ٣٠ - خلف بن حسن بن عبد الله الطوخى أخد المعتقدين بمصر. مات في تاسع عشر (٦) ربيع الآخر وكان كثير التلاوة ملازماً لداره، والخلق يهرعون إليه، وشفاعاته مقبولة عند السلطان ومَن دُونه. ٣١ - خلف بن عبد المعطى المصرى (٧)، صلاح الدين ناظر المواريث والحسبة. مات في ربيع الأول. ٣٢ - خليل (٨) بن حسن بن حرز الله قاضى الفلاحين، كانوا يرجعون إليه في أمور

стр. 633

الفلاحة، وكان شاهدًا ببعض المراكز، وقد حضر على الحجار وغيره، مات في جمادي الآخرة. ٣٣ - خليل بن عثمان بن عبد الرحمن بن عبد الجليل المصرى المقرئ (١) المعروف بالمشبب، سمع من البدر بن جماعة على ما قيل، وأقرأ الناس بالقرافة دهرًا طويلًا، وكان منقطعا بسفح الجبل، وللملك الظاهر [برقوق] وغيره فيه اعتقادٌ كبير. مات في ربيع الأول، واجتمعتُ به مرارا وسمعت قراءته وصلَّيت خلفه، وما سمعت أشجى من صوته في المحراب. ٣٤ - زكريا بن إبراهيم بن محمد بن أحمد بن الحسن، أبو يحيى المستعصم بالله العباسي، ولى الخلافة في أيام تنبك بعد قتل الأشرف عوضا عن المتوكل ثم خلع، ثم أعاده الظاهر بعد القبض على المتوكل في سنة ثمانٍ وثمانين وسبعمائة، ثم صُرف عنها في جمادى الأولى سنة إحدى (٢) وتسعين فلزم داره إلى أن مات في جمادى الأولى، وكان عاميا صرفاً بحيث يبدل الكاف همزة. ٣٥ - زينب بنت عمر بن سعد الله بن النَّحْنح (٣) بنونين [مفتوحتين (٤)] ومهملتين ساكنتين - الحرانية، سمعت من … (٥) … ، وماتت في ربيع الأول. ٣٦ - ست القضاة بنت عبد الوهاب بن عمر بن كثير ابنة أخى الحافظ عماد الدين، حدثت بالإجازة عن القاسم بن عساكر وغيره من شيوخ الشام، وعن على الوانى وغيره من شيوخ مصر، وخرّج لها صلاح الدين الأبشيهى (٦) أربعين حديثا عن شيوخها.

стр. 634

ماتت في جمادى الآخرة وقد جاوزت الثمانين. ٣٧ - شيخ الخاسْكِي، كان أجمل مماليك الظاهر وأقربهم إلى خدمته وأخصّهم به، وكان القاضى فتح الدين فتح الله زوج والدته. رأيْتُ بخط المقريزي: "كان بارع الجمال فائق الحسن، لديه معرفة وفيه حشمة ومحبة للعلماء وفهم جيد، وكان نابها صلفا معجبا منهمكا في الملذات"، توجه إلى الكرك فمات بها في أوائل السنة. ٣٨ - شيخ الصفوى أحد الأُمراء الكبار، تنقلت به الأحوال إلى أن نُفى إلى القدس في سنة ثمانى مائة، ثم حُبس بقلعة المرقب فمات بها في هذه السنة في شهر ربيع الآخر. ٣٩ - صَرْغُتمُش المحمدى، ولى نيابة الإسكندرية سنة تسع وتسعين وسبعمائة ومات في جمادى الأولى. ٤٠ - صفية بنت القاضي عماد الدين إسماعيل بن محمد بن العز الصالحية، ولى أبوها القضاء وحدّثت هي بالإجازة عن الحجار وأيوب الكحال وغيرهما، وسمعت من عبد القادر الأيوبى (١)، [و] ماتت في المحرم. ٤١ - صندل بن عبد الله المَنْجَكى الطواشي الخزندار، كان من أخص الناس عند الظَّاهر، وكان الظاهر يعتقد فيه الجودة والأمانة، وكانت أكثر الصدقة تجرى على يده مع كثرتها. مات في رمضان. ٤٢ - عبد الله بن أحمد بن صالح بن أحمد بن خطاب الزهري، جمال الدين بن القاضي شهاب الدين، وُلد في جمادى الآخرة سنة تسع وستين، وحفظ "التمييز"، وأذن له أبوه في الإفتاء سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، ودرّس بالقليجية (٢) وغيرها، وناب في الحكم، وكان عالى الهمة ومات في المحرم.

стр. 635

٤٣ - عبد الله بن سعد بن عبد الكافى المصرى ثم المكى المعروف بالحرفوش (١) وبعبيد، جاور بمكة أكثر من ثلاثين سنة، وكان للناس فيه اعتقادٌ زائد، واشتهر عنه أنه أخْبر بواقعة (٢) الإسكندرية قبل وقوعها ومات في أوائل هذه السنة. رأيتُه بمكة وثيابه كثياب الحرافيش وكلامه كذلك. جاوز الستين. ٤٤ - عبد الله بن أبي عبد الله السَّكُونى (٣) المالكي جمال الدين، أحد المدرسين في مذهبهم (٤)، مات في ربيع الآخر. كان بارعًا في العلم مع الدين والخير، أخبر أنه رأى النبي ﷺ لمَّا تجهز الأشرف للحج في المنام وعمر يقول له: "يا رسول الله، شعبان بن حسين يريد أن يجئ إلينا"، فقال: "لا ما يأتينا أبدًا"، قال: "فلم يلبث الأشرف أن رجع من العقبة". ودرّس جمال الدين بالأشرفية (٥) بتدبير بهادر المنجكي إلى أن مات. ٤٥ - عبد الله بن محمد الساعاتي المؤذن بالجامع الأموى، انتهت إليه الرئاسة في فنه ومات في ذى الحجة وقد قارب الثمانين. ٤٦ - عبد الرحمن بن أحمد بن الموفق بن إسماعيل بن أحمد الصالحي الذهبي الحنبلي
следующие страницы →