← История

История · id 26317

إنباء الغمر بأبناء العمر - ت حبشي

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (1 903 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

السنة ستون ألفًا -، وعلى القمح بدمياط، وعلى الفراريج بالغربية، وعلى الملح بعينتاب، وعلى الدقيق بألبيرة، وعلى الدريس والحلفاء بباب النصر، وضمان المغاني بمنية بني خصيب وبالكرك والشوبك. ولما عهد لولده استحلف القاضي الشافعىُّ جميع الأمراء، فبدأ بالخليفة ثم بأيْتُمُش ثم ببقيتهم، فحلف من حضر، ثم أرسلوا إلى من غاب فلم يتأخر أحد، وخُلع على الخليفة على العادة ونودى في البلد بالأمان. ٢٣ - بَكْلَمُش العلائي أحد الأُمراء الكبار بالديار المصرية، تقدم ذكره في الحوادث. مات بالقدس بطالا في صفر وكان من قدماء جماعة الظاهر وتقدّم في الدول كثيرًا. قال العينتابي: "كان عتيق بعض الجند ثم نسب (١) إلى طَيْبُغَا الطويل فقيل له العلائي"، قال: "وكان مقداماً جسوراً، عنده نوع كبر وعسف مع أنه كان شجاعًا شهما مهيبا، وعقيدته صحيحة، ويحب العلماء ويجلس إليهم ويذاكر بمسائل، ويتعصب للحنفية جدا". ٢٤ - حسن بن عبد الولى الأسعردى (٢) الصالحي من كبار التجار بدمشق، مات في المحرم. ٢٥ - حسن بن على بن أحمد الكجكلي (٣)، حسام الدين نائب السلطنة بالكرك، ترقى فى الخدم إلى أن أمِّر بطرابلس، وقدم مع يلبغا الناصري لما لمنتزع المُلك من برقوق فأمّره بالكرك، وتقدّم عند الملك الظاهر لكونه خدمه بالكرك ثم قرّبه وأمَّره بمصر وبعثه رسولًا إلى الروم، ومات في رجب عن ستين سنة بدمشق، قال (٤) الشيخ تقي الدين المقريزي: "كان تام المعرفة بالخيل وجوارح الطير، محبًّا لأهل السنة، عاقلاً مزَّاحاً".

стр. 632

٢٦ - حسن (١) بن محمد العَيْثَاوى أحد الطلبة المهرة، ذكر ابن حجىّ أنه كان أفضل أهل طبقته، جاوز الثلاثين ومات في أول السنة. ٢٧ - حسين بن على الفارق ثم الزبيدي، شرف الدين وزير الأشرف، وليها (٢) سنة سبعٍ وثمانين ثم عُزل (٣) بعد أربع سنين بالشهاب أحمد بن عمر بن معيبد (٤)، وكان يدرى الطب. رأيْته بزبيد فى الرحلة الأولى ومات بعدها في ليلة النصف من شعبان. ٢٨ - حيدر بن يونس المعروف بابن العسكري أحد الشجعان الفرسان. مات في شوال بدمشق بطالاً وقد شاخ، وولى إمرة سنجار للأشرف. ٢٩ - خديجة بنت أبي بكر بن يوسف بن عبد القادر بن يوسف، الحلبية (٥) الأصل، الدمشقية. ماتت في أواخر سنة إحدى وثمانى مائة. ٣٠ - خلف بن حسن بن عبد الله الطوخى أخد المعتقدين بمصر. مات في تاسع عشر (٦) ربيع الآخر وكان كثير التلاوة ملازماً لداره، والخلق يهرعون إليه، وشفاعاته مقبولة عند السلطان ومَن دُونه. ٣١ - خلف بن عبد المعطى المصرى (٧)، صلاح الدين ناظر المواريث والحسبة. مات في ربيع الأول. ٣٢ - خليل (٨) بن حسن بن حرز الله قاضى الفلاحين، كانوا يرجعون إليه في أمور

стр. 633

الفلاحة، وكان شاهدًا ببعض المراكز، وقد حضر على الحجار وغيره، مات في جمادي الآخرة. ٣٣ - خليل بن عثمان بن عبد الرحمن بن عبد الجليل المصرى المقرئ (١) المعروف بالمشبب، سمع من البدر بن جماعة على ما قيل، وأقرأ الناس بالقرافة دهرًا طويلًا، وكان منقطعا بسفح الجبل، وللملك الظاهر [برقوق] وغيره فيه اعتقادٌ كبير. مات في ربيع الأول، واجتمعتُ به مرارا وسمعت قراءته وصلَّيت خلفه، وما سمعت أشجى من صوته في المحراب. ٣٤ - زكريا بن إبراهيم بن محمد بن أحمد بن الحسن، أبو يحيى المستعصم بالله العباسي، ولى الخلافة في أيام تنبك بعد قتل الأشرف عوضا عن المتوكل ثم خلع، ثم أعاده الظاهر بعد القبض على المتوكل في سنة ثمانٍ وثمانين وسبعمائة، ثم صُرف عنها في جمادى الأولى سنة إحدى (٢) وتسعين فلزم داره إلى أن مات في جمادى الأولى، وكان عاميا صرفاً بحيث يبدل الكاف همزة. ٣٥ - زينب بنت عمر بن سعد الله بن النَّحْنح (٣) بنونين [مفتوحتين (٤)] ومهملتين ساكنتين - الحرانية، سمعت من … (٥) … ، وماتت في ربيع الأول. ٣٦ - ست القضاة بنت عبد الوهاب بن عمر بن كثير ابنة أخى الحافظ عماد الدين، حدثت بالإجازة عن القاسم بن عساكر وغيره من شيوخ الشام، وعن على الوانى وغيره من شيوخ مصر، وخرّج لها صلاح الدين الأبشيهى (٦) أربعين حديثا عن شيوخها.

стр. 634

ماتت في جمادى الآخرة وقد جاوزت الثمانين. ٣٧ - شيخ الخاسْكِي، كان أجمل مماليك الظاهر وأقربهم إلى خدمته وأخصّهم به، وكان القاضى فتح الدين فتح الله زوج والدته. رأيْتُ بخط المقريزي: "كان بارع الجمال فائق الحسن، لديه معرفة وفيه حشمة ومحبة للعلماء وفهم جيد، وكان نابها صلفا معجبا منهمكا في الملذات"، توجه إلى الكرك فمات بها في أوائل السنة. ٣٨ - شيخ الصفوى أحد الأُمراء الكبار، تنقلت به الأحوال إلى أن نُفى إلى القدس في سنة ثمانى مائة، ثم حُبس بقلعة المرقب فمات بها في هذه السنة في شهر ربيع الآخر. ٣٩ - صَرْغُتمُش المحمدى، ولى نيابة الإسكندرية سنة تسع وتسعين وسبعمائة ومات في جمادى الأولى. ٤٠ - صفية بنت القاضي عماد الدين إسماعيل بن محمد بن العز الصالحية، ولى أبوها القضاء وحدّثت هي بالإجازة عن الحجار وأيوب الكحال وغيرهما، وسمعت من عبد القادر الأيوبى (١)، [و] ماتت في المحرم. ٤١ - صندل بن عبد الله المَنْجَكى الطواشي الخزندار، كان من أخص الناس عند الظَّاهر، وكان الظاهر يعتقد فيه الجودة والأمانة، وكانت أكثر الصدقة تجرى على يده مع كثرتها. مات في رمضان. ٤٢ - عبد الله بن أحمد بن صالح بن أحمد بن خطاب الزهري، جمال الدين بن القاضي شهاب الدين، وُلد في جمادى الآخرة سنة تسع وستين، وحفظ "التمييز"، وأذن له أبوه في الإفتاء سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، ودرّس بالقليجية (٢) وغيرها، وناب في الحكم، وكان عالى الهمة ومات في المحرم.

стр. 635

٤٣ - عبد الله بن سعد بن عبد الكافى المصرى ثم المكى المعروف بالحرفوش (١) وبعبيد، جاور بمكة أكثر من ثلاثين سنة، وكان للناس فيه اعتقادٌ زائد، واشتهر عنه أنه أخْبر بواقعة (٢) الإسكندرية قبل وقوعها ومات في أوائل هذه السنة. رأيتُه بمكة وثيابه كثياب الحرافيش وكلامه كذلك. جاوز الستين. ٤٤ - عبد الله بن أبي عبد الله السَّكُونى (٣) المالكي جمال الدين، أحد المدرسين في مذهبهم (٤)، مات في ربيع الآخر. كان بارعًا في العلم مع الدين والخير، أخبر أنه رأى النبي ﷺ لمَّا تجهز الأشرف للحج في المنام وعمر يقول له: "يا رسول الله، شعبان بن حسين يريد أن يجئ إلينا"، فقال: "لا ما يأتينا أبدًا"، قال: "فلم يلبث الأشرف أن رجع من العقبة". ودرّس جمال الدين بالأشرفية (٥) بتدبير بهادر المنجكي إلى أن مات. ٤٥ - عبد الله بن محمد الساعاتي المؤذن بالجامع الأموى، انتهت إليه الرئاسة في فنه ومات في ذى الحجة وقد قارب الثمانين. ٤٦ - عبد الرحمن بن أحمد بن الموفق بن إسماعيل بن أحمد الصالحي الذهبي الحنبلي

стр. 636

ناظر المدرسة الصاحبية (١) بالصالحية، حدّث عن ابن أبي التائب ومحمد بن أيوب بن حازم وزينب بنت الكمال وغيرهم، وأجاز له ابن الشحنة. مات في جمادى الأولى وقد جاوز السبعين. قال ابن حجى: "بلغني أنه تغير بأخرة ولم يحدّث في حال تغيره". ٤٧ - عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن داود الكفيري (٢) صدر الدين الشافعي، عنى بالفقه وناب في الحكم بدمشق ومات بها في المحرم عن أربعين سنة، "وكانت له همة في طلب الرياسة". قاله ابن حجى. ٤٨ - عبد الرحمن بن عبد الكافي بن على بن عبد الله بن عبد الكافي بن قريش ابن طاهر بن موسى الشريف الطباطبي الحسني، زين الدين مؤذن الركاب السلطاني، وبقية نسبه في ترجمة الشريف الطباطبي، كان يجالس الملك الظاهر فاتفق أن جمال الدين (٣) - لما كان ناظر الجيش - أنف أن يجلس دونه، فذكر أنه رآى النبي ﷺ فعتبه على ذلك فأصبح فركب إلى بيت الشريف واستحلَّه وأخبره بالمنام المذكور، قرأتُ بخط الشيخ تقي الدين المقريزى أنه سمعه من صاحبنا شمس الدين العمرى الموقع وذكر أنه حضر ذلك. ٤٩ - عبد الرحمن بن محمد بن أبي عبد الله بن سلامة الماكسيني الدمشقي المؤذن بجامع دمشق، روى عن الزين عبد (٤) الغالب بن محمد الماكسيني وابن أبي التائب وغيرهما ومات في جمادى الأولى، وكان رئيس الجامع كأبيه.

стр. 637

٥٠ - عبد الرحمن بن موسى بن راشد بن طرخان الملكاوى بن أخي شيخنا شهاب الدين، اشتغل بالفقه، وحفظ "المنهاج" ونظر في الفرائض، واعترته في آخر عمره غفلة، وكان مع ذلك ضابطًا (١) لأمره. مات في المحرم ولم يكمل الخمسين. ٥١ - على بن أحمد بن الأمير بيبرس الحاجب المعروف بأمير على بن الحاجب المقرئ، تلى بالسبع وكان حسن الأداء، مشهورًا بالمهارة في العلاج، ويقال عالج ثمانى مائة وعشرة أرطال. مات في ربيع الآخر وقد شاخ. ٥٢ - على بن أيْبَك (٢) بن عبد الله الدمشقى الشاعر، اشتهر بالنظم قديمًا، وطبقته متوسطة، وله مدائح نبوية وغيرها، وقد يقع له المقطوع النادر كقوله مضمنا: مَليحٌ قام يجذب غُصْنُ بانٍ … فمال الغُصْنُ منعطفا عليه وميْلُ الغصن نحو أخيه طَبْعٌ … وشبه الشئ منجذبٌ إلَيْه وُلد سنة ثمان (٣) وعشرين ومات في ثاني عشرى ربيع الأول. كتب لي بالإجازة، وعلَّق تاريخاً لحوادث زمانه. ٥٣ - على بن (٤) أبي بكر بن يوسف بن الخصيب الداراني - خادم (٥) الشيخ أبي سليمان الداراني - روى عن شاكر بن التقى بن أبي النشو (٦) وغيره.

стр. 638

مات في المحرم بداريا (١) وكان معمرا، تغير قليلا بآخره. ٥٤ - علي بن سالم الرمثاوى البهنسي، مات بدمشق في ذي الحجة. ٥٥ - على بن سنقر العينتابي، نقيب الجيش. مات في ربيع الآخر. ٥٦ - على بن عثمان بن محمد بن الشمس (٢) لؤلؤ الحلبي ثم الدمشقى - حدّث عن الحجار وغيره ومات في المحرم عن خمس وسبعين سنة ببيت لِهْيَا. ٥٧ - على بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد المنعم بن عمر بن غدير القواس، علاء الدين بن شرف الدين بن بدر الدين الطائي (٣)، وعَمُّ جدّه عمر بن القواس، وهو آخر من حدّث عن الكندى (٤) بالإجازة. مات في المحرم .. ٥٨ - علي بن محمد بن محمد بن النعمان الأنصارى الهُوِّى، نور الدين بن كريم الدين ابن زين الدين، وُلد في حدود الأربعين، واشتغل بالفقه ثم تعانى التجارة ثم انقطع، وكان كثير المحبة في أهل الصلاح يحفظ كثيرًا من مناقبهم لا سيما أهل الصعيد، وكان يكثر التردد للقاهرة. اجتمعتُ به بمصر وفي مدينته التي يقال لها "هو (٥) " وهي بالقرب من قوص بالصعيد الأعلي، وكان يذكر عن ابن السراج قاضي قوص، وكان وجيها في زمانه ومكانه، ويحكى عنه أنه كان في منزله فخرج عليه ثعبان مهول المنظر ففزع منه فضربه فقتله فاحتُمل في الحال من مكانه ففُقد من أهله، فأقام مع الجنّ إلى أن حملوه إلى قاضيهم، فادّعى عليه ولىُّ المقتول فأنكر فقال له القاضي: "على أى صورة كان المقتول؟ "، فقال: "في صورة ثعبان".

стр. 639

فالتفت (١) القاضى إلى مَن بجانبه فقال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول من تزيا لكم فاقتلوه"، فأمر القاضي بإطلاق المذكور فرجعوا به إلى منزله. ذكر لي بعض أقاربه أنه مات في هذه السنة ببلده، وهو عم كريم الدين محتسب القاهرة في سلطنة الناصر فرج. ٥٩ - على بن محمد الميقاتي، نور الدين بن الشاهد المنجم، انتهت إليه الرئاسة في حلّ الزيج وكتابة التقاويم، وقد راج بآخره على الملك الظاهر وقربه وصار شيخ الطريقة. وكانت له معرفة بالرمل وغيره. مات في المحرم. ٦٠ - على بن محمد بن الناصح، نور الدين المقرئ، قرأ على المجد الكفتى ونظم قصيدةً فى القراءات، وكان يقرئ بجامع المارداني. مات في ذي الحجة. ٦١ - على بن إبراهيم بن القواس الدمشقى السكرى العابر، كان يجيد تعبير المنامات ويجلس على كرسى بالجامع، وقد طلب الحديث كبيرًا وقرأ وسمع. مات فجأة وهو في الخلاء ولم يشعروا به إلى ثاني يومٍ وذلك في ذي القعدة. ٦٢ - على بن أبي بكر بن سليمان بن أبي بكر بن عمر بن صالح الهيثمي، الشيخ نور الدين أبو الحسن. ولد سنة اثنتين وثلاثين، وصحب الشيخ زين الدين العراقي وهو صغير فسمع معه من ابتداء طلبه بنفسه على أبي الفتح الميدومى وابن الملوك وابن القطرواني وغيرهم من المصريين، ومن ابن الخباز وابن الحموى وابن قيّم الصاحبية وغيرهم من الشاميين، ثم رحل معه (٢) جميع رحلاته وحجّ معه جميع حجّاته ولم يكن يفارقه حضرا ولا سفرًا، وتزوّج ابنته، وتخرّج به في الحديث، وقرأ عليه أكثر تصانيفه، وكتب عنه جميع مجالس إملائه، وخرّج زوائد الكتب الستة: مسند أحمد والبزاز وابن يعلي ومعاجم الطبراني الثلاثة مفردات،

стр. 640

ثم جمعها في كتاب واحد محذوف الأسانيد، وجمع "معانى ابن حبان" فرتَّبها على حروف المعجم، وكذلك "معانى العجلى"، ورتب "الحلية" على الأبواب، وصار كثير الاستحضار للمتون جدا لكثرة الممارسة. وكان هيّنا ليناً ديّنًا خيّرا محبا في أهل الخير، لا يسأم ولا يضجر من خدمة الشيخ وكتابة الحديث. وكان سليم الفطرة كثير الخير كبير الاحتمال للأذى خصوصا من جماعة الشيخ. قرأتُ عليه الكثير للشيخ (١)، ومما قرأتُ عليه نحو النصف من "مجمع الزوائد" له، وقرأتُ عليه بمفرده نحو الربع من "زوائد مسند أحمد" و "مسند جابر" عن "مسند أحمد" وغير ذلك، وكان يودّني كثيرًا ويشهد لى بالتقدّم فى الفنِّ، وكنتُ قد تتبعت أوهامه في كتابه "مجمع الزوائد"، فبلغنى (٢) أن ذلك شقّ عليه فتركته رعايةً له. مات في شهر رمضان (٣). ٦٣ - عمر بن أيَدُغْمُش الحلبي، عتيق ابن النصيبي المسند المعروف بالكبير، وُلد سنة تسع عشرة، وسمع من العزّ إبراهيم (٤) بن صالح العجمى فكان خاتمة أصحابه بالسماع، كما أنه خاتمة أصحاب مشيخة يوسف بن خليل بالسماع. مات في تاسع عشر المحرم. وكنتُ لما رحلتُ إلى دمشق سنة اثنتين وثمانى مائة - عزمت على الرحلة إلى حلب لأجله وأنا أظن أنه حىّ فبلغتنى وفاته فتأخَّرْت عنها فإنه كان مسندها، ودهم الناس اللنك فرجعتُ إلى القاهرة، ولم يحصل لى منه إجازة فيما أعلم.

стр. 641

وقد أجاز ابن صالح المذكور لشيخنا برهان الدين التنوخي، وقرأتُ عليه بها من مسموعات ابن صالح، وسمعْتُ "عشرة الحداد" على الحافظ برهان الدين الطرابلسي بسماعه من عمر المذكور وغيره. وكان جنديا عارفًا بالصيد ثم ترك ذلك واستمر في صناعة الفراء المصيص حتى مات، وقد سمع "الشمائل"، وأكثر عنه الحلبيون والرحالة. ٦٤ - عمر بن محمد البعلى المعروف بابن التركماني أحد الشهود ببعلبك، وله نظم نازل، وكان لا يشاقق رفقته ولا يشط في الأجرة. مات في ثامن عشر من المحرم وقد جاوز الثمانين. ٦٥ - عمر بن يوسف البالسى المؤذن، اشتغل بالحديث ومهر فيه وسمع الكثير وقرأ مع الخير والدين. مات بوادى الصفراء وهو متوجه إلى مكة في آخر ذي القعدة. ٦٦ - عمر (١) بن سراج الدين عبد اللطيف الفوّى، وُلد سنة أربعين وسبعمائة (٢)، وأخذ بالقاهرة عن جمال الدين الإسنائى وشمس الدين الكلائى وغيرهما، ثم دخل دمشق فأقام بها مدّة، وصحب القاضى ولى الدين بن أبي البقاء وفتح الدين بن الشهيد، ثم ارتحل إلى حلب فأقام بها واستمر يشتغل بالجامع الكبير، وولى قضاء العسكر وتدريس الظاهرية. قال الشيخ شهاب الدين بن حجى: "كان فاضلًا وله معرفة بالأدب وصار من علماء الحلبيين". وذكر لى جمال الدين بن العراقي أنه كان يعتنى في دروسه بشئ خفىّ، وهو أن الدرس مثلا إذا كان في بابٍ من أبواب الفقه يعتنى بما يتعلَّق بنظير تلك المسألة من باب

стр. 642

آخر فيصرف وجه مطالعته إليه حتى يتقنه إتقانا بالغًا، فإذا شرع في درس ذلك الباب وشورك فيه انتقل إلى النظير،، فأبهت الحاضرين من قوة استحضاره ما يتعلق بذلك النظير". وكان ماهرا في الفرائض مشاركًا في غيرها، سريع الإدراك، كثير الاشتغال، واتفق أنه خرج من حلب إلى دمشق في أواخر المحرم وخرج منها (١) قاصدًا القاهرة فاغتيل في خان غياغب (٢) ولم يُعرف قاتله وذهب دمه هدرًا، ويقال إنه تُتُبّع من حلب. مات في ربيع الأول وقد جاوز الستين. ٦٧ - عمر القِرْمى ثم الحلبي، كان ماهرا في العلم عارفًا بالأدب والنظم، قدم من بلاده فأقام بحلب ثم تحوّل إلى دمشق فأقام بها مدة، ثم توجه منها إلى مصر ومات في الطريق. ٦٨ - فاطمة بنت محمد بن أحمد بن السيف محمد بن أحمد بن عمر بن أبي عمر المقدسية ثم الصالحية، سمعَتْ من جدها "أربعين أبي الأسعد"، وأجاز لها ابن الشحنة وأيوب الكحال وغيرهما، وماتت في شهر رمضان. ٦٩ - قديد (٣) القلمطاوى أحد الأمراء الكبار بالقاهرة. مات بالقدس بطالاً أوائل هذه السنة. ٧٠ - قنبر بن عبد الله العجمي السبزواتى (٤) الأزهرى، كان (٥) شافعى المذهب. اشتغل في بلده وقدم الديار المصرية قبل التسعين فأقام بالجامع الأزهر، وكان مُعْرِضًا عن الدنيا

стр. 643

قانعاً باليسير، وكان ملبوسه فى الصيف والشتاء واحدا سواء: قَميص ولباد، وعلى رأسه كوفية لبد، وكان لا يتردّد إلى أحد ولا يسأل من أحد شيئًا، وإذا فُتح عليه بشئ أنفقه على من حضر. وكان يحب السماع والرقص ويتنزه فى أماكن النزهة على هيئة، ومهر في الفنون العقلية وتصدر بجامع الأزهر وشغل الطلبة، وكان حسن التقرير مذكوراً بالتشيع، وشوهد مرارًا يمسح على رجليه من غير خف (١). مات في شعبان. اجتمعتُ به مرارًا وسمعتُ درسه. ٧١ - كَمَشْبُغا بن عبد الله الحموى، اشتراه ابن صاحب حماة وهو صغير ورباه ثم قدّمه للناصر حسن ثم أخذه يلبغا بعد قتل حسن وصيّره رأس نوبة عنده، وسُجن بعد مسك يلبغا ثم أُفرج عنه في دولة الأشرف وخدم في بيت السلطان، فلما قُتل الأشرف أمِّر بحلب نائبًا، ثم عمل بدمشق تقدمة ثم نيابة حماة ثم عمل نيابة الشام سنة ثمانين، ثم ناب في صفد ثم طرابلس، وتنقلت به الأحوال (٢) وعمل نيابة طرابلس مدة ثم قُبض عليه وسجن بها، ثم أفرج عنه يلبغا الناصرى وتوجّه معه لمصر وولاه نيابة حلب، فلما خرج منطاش إلى برقوق قام كمشبغا بنصر برقوق وقدم إليه من حلب وقاتل معه ورجع إلى حلب، فلما استقر الظاهر في السلطنة الثانية أحضره إلى القاهرة وقدّمه واستقر أتابك العساكر، ثم غضب عليه في أول سنة ثمانى مائة واعتقله بالاسكندرية إلى أن مات في رمضان. ولم يعش الظاهر بعده إلا أياما يسيرة دون العشرين. وكان [كمشبغا] شكلا حسنا مهابا عالي الهمة، وهو الذي جدّد سور حلب وأبوابها وكانت خرابا من وقعة هولاكو، ولما قام عليه أهل حلب فتك في أهل بانقوسا (٣)، ثم

стр. 644

لما انتصر الظاهر على منطاش قبض على القاضي شهاب الدين بن أبي الرضى واستصحبه معه كالأسير إلى أن هلك معه من غير سبب ظاهر، فاتُّهم بأنه دّس عليه من خنقه، وذلك أنه كان أشدّ من ألَّب عليه في تلك الفتنة فانتقم منه لمَّا قوى عليه. ﵀. قال العينتابي: "كان مشتغلا بنفسه، أفنى أكثر عمره في ملاذ الدنيا ولم يشتهر عنه من الخير إلَّا القليل مع العسف والظلم وسفك الدماء". انتهى ملخصا. ٧٢ - محمد بن أحمد بن عبد الحميد بن محمد بن غَشْم - بفتح الغين وسكون الشين المعجمتين - المقدسي ثم الصالحي شمس الدين، روى عن زينب بنت الكمال بالحضور، ومات في رابع شوال وهو في عشر السبعين (١). ٧٣ - محمد بن أحمد بن عمر العجلوني، شرف الدين أبو بكر نزيل حلب، المعروف بخطيب سَرْمِين (٢)، وكان (٣) أصله من عجلون ثم سكن أبوه عَزاز (٤)، وولى أبو بكر خطابة سرمين وقرأ بحلب على الباريني، وسمع من ظهير الدين بن العجمي وغيره، وحج وجاور ووعظ على الكرسى بحلب، ثم في آخر عمره جاور حتى مات بمكة. وكان يُنسب جعفريا ويقول إنه من ذرية جعفر بن أبي طالب، وكانت له عناية بقراءة "الصحيحين"، ويحفظ أشياء تتعلق بذلك ويضبطها، وكتب عن أبي عبد الله بن جابر الأعمى المغربي قصيدته "البديعية" وحدّث بها عنه، سمعتها منه لما اجتمعت به بمكة في أول هذه السنة.

стр. 645

جاور بمكة مرارًا حتى مات بها في سادس عشرى صفر، وقد تقدّم في أَبي بكر (١) وكأنها كانت كنيةً ولكنه كان بها أشهر. ٧٤ - محمد بن أَحمد بن محمد بن على المصري، شمس الدين المعروف بابن نجم الصوفي نزيل مكة، سلك على يد الشيخ يوسف العجمي وتجرّد وجاور بمكة ثم بالمدينة تسع عشرة سنة فمات بها في ربيع الأَول، وكان كثير العبادة، قال ابن حجي: "كان على طريقة ابن العربي وجاوز السبعين". ٧٥ - محمد بن أَحمد بن مسلَّم الناهي الحنبلي، شمس الدين. ٧٦ - محمد بن أَحمد بن موسى الدمشقي الفقيه الشافعي بدر الدين الرّمثاوي (٢). اشتغل كثيرًا ونسخ بخطه الكثير ودرّس بالعصرونية (٣). مات في ربيع الأَول وكان أَفتى ودرس، وكان منجمعا قليل الشر. جاوز الأَربعين. ٧٧ - محمد بن حاجي بن محمد بن قلاون الصالحي، الملك المنصور بن الملك المظفر ابن الناصر، ولد سنة ثمان وأَربعين وولى السلطنة بعد عمّه الناصر حسن في جمادى الأولى سنة اثنتين وستين ومدبرُ المملكة يومئذ يلبغا، وسافر معه إلى الشام وكان عمره إِذ ذاك نحو خمس عشرة سنة فترعرع بعد أَن رجع من السفر وكبر أَمره ونهيه، فخشي يلبغا منه فأَشاع أَنه مجنون وخلعه من السلطنة في شعبان سنة أَربع وستين، وكانت مدة سلطنته سنتين وشهرين وخمسة أَيام، واعتُقل بالحوش فى المكان الذي به ذرية الملك الناصر إلى الآن. مات في المحرم في تاسعه، وحضر الصلاةَ عليه الملكُ الظاهرُ وقَرّر مرتبا لأَولاده وعدتهم عشرة أَنفس.

стр. 646

٧٨ - محمد (١) بن سعيد بن مسعود بن محمد بن مسعود بن محمد بن على بن أَحمد ابن عمر بن إسماعيل بن الحسن بن على بن محمد بن إسحاق بن عبد الرحيم بن أَحمد، أبو عبد الله قسيم الدين بن سعد الدين النيسابوري ثم الكازروني الفقيه الشافعي، نشأَ بكازرون (٢) وكان يذكر أَنه من ذرية أَبي على الدقاق، وأَنه وُلد سنة خمس وثلاثين، وأَن المزى أَجاز له. واشتغل بكازرون على أَبيه، وبرع فى العربية وشارك في الفقه وغيره مشاركة حسنة، مع عبادة ونسك وخلق رضى، وأَقام بمكة مدة طويلة، وحج سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة فجاور بها إِلى أَن رجع في سنة ثمان وتسعين، وكان جيد التعليم غايةً في الورع في عصرنا، وانتفع به أَهل مكة (٣)، مات ببلده باللار في هذه السنة وله خمس وستون سنة. ٧٩ - محمد (٤) بن عبد الرحمن بن أَحمد بن إبراهيم بن حَجْلة بن مسلم الجمحي الأَصل الدمشقي، كمال الدين، كان رئيسًا محتشمًا متموّلا باشر نظر ديوان البيع ثم تركه ومات في المحرم. ٨٠ - محمد بن على بن عثمان بن التركماني، بهاء الدين بن المصري، خازن كتب النورية (٥) وغيرها بدمشق، أحضر على أَصحاب الفخر وغيرهم، ولم يكن مرضيًا. مات في صفر. ٨١ - محمد بن على بن عطاء الدمشقي، أَمين الدين، كان فاضلًا بارعًا عارفًا

стр. 647

بالتصوّف والعقليات، درّس بالأَسدية (١) وكان يسجّل على القضاة وإليه النظر على وقف جَدّه الصاحب شهاب الدين بن تقى الدين. مات في ذى الحجة. ٨٢ - محمد بن على بن محمد بن على بن ضِرْغام بن عبد الكافي البكري، شمس الدين أَبو عبد الله ابن سُكَّر - بضم المهملة وتشديد الكاف - الحنفي المصري نزيل مكة، ولد سنة ثماني عشرة وسبعمائة، وقال مرة: في ربيع الأَول سنة تسع عشرة، وطلب الحديث والقراءَات فسمع من ابن المصري وصالح بن مختار وعبد القادر الأَيوبى وجمْعٍ جمٍّ من أَصحاب النجيب وابن عبد الدائم ثم من أَصحاب الفخر ونحوه، ثم من أَصحاب الأَبرقوهي ونحوه، ثم من أَصحاب الحجار وهلم جرا إِلى أَن سمع من أَصاغر تلامذته، وجمع شيئًا كثيرًا بحيث كان لا يُذكر له جزءٌ حديثى إلَّا ويُخرج سنده من ثبته عاليًا أَو نازلًا، وذكر أَن سبب كثرة مروياته وشيوخِه أَنه كان إذا قدم الركب مكة طاف على الناس في رحالهم ومنازلهم يسأَل عمن له روايةٌ أو له حظٌ من علم فيأْخذ عنه مهما استطاع. وكتب بخطه ما لا يُحصى من كتب الحديث والفقه والأصول والنحو وغيرها، وخطه ردئ وفهمه بطئ وأَوهامه كثيرة، سمعت منه بمكة وقد أَقرأَ القراءَات بها، وكان كثير التخيّل جدًا وتغيَّرَ بآخره تغيرًا يسيرًا، وكان ضابطًا للوفيات محبًا للمذاكرة. مات في صفر. ٨٣ - محمد (٢) بن على بن يعقوب النابلسي الأَصل، شمس الدين نزيل حلب، وُلد سنة بضع وخمسين وكان فقيهًا مشاركًا في العربية والأُصول والميقات، وكان قد حفظ أَكثر "المنهاج" و "التمييز" للبارزي وأَكثر "الحاوي" و "العمدة" و "الشاطبية" و "التسهيل" و "مختصر ابن الحاجب" و "منهاج البيضاوي" وغيرها وكان يكرّر عليها. قال البرهان المحدِّث بحلب: "كان سريع الإِدراك وكان محافظًا على الطهارة سليم اللسان

стр. 648

صحيح العقيدة، لا أَعلم بحلب أَحدا من الفقهاء على طريقته"، مات في تاسع شهر ربيع الآخر. ٨٤ - محمد بن محمد بن أَحمد بن طَوْق، بدر الدّين بن جمال الدين الكاتب الطواويسي، سمع بعناية زوج أخته الحافظ شمس الدين الحسيني من أَصحاب الفخر ونحوهم، وحدّث عن زينب بنت الخبّاز وغيرها، وأَجاز له جماعة. مات في أَواخر ذى الحجة وكان يباشر ديوان الأَسرى والأَسوار (١) مع الشهرة بالكفاءَة (٢)، قارب السبعين (٣). ٨٥ - محمد بن محمد بن محمد الحسيني الشريف، إمام مسجد العقيبة (٤) وناظر الجامع بها، وحصلَتْ له إهانة في أَيام حصار الظاهر لدمشق -بعد خروجه من الكرك- من أَيدى المنطاشية، فلما ظهر الظاهر رحل هو إِلى القاهرة وادّعى على الذي أَهانه ولم يزل به حتى ضُربت عنقه لأَمرٍ أَوجب ذلك، وولاه السلطان نظر الجامع، ومات يوم تاسوعاء وله نحو الخمسين. ٨٦ - محمد بن محمد الرملي، ناصر الدين المجوّد (٥) صاحب الخط المنسوب، مات وله بضع وثمانون سنة، وكان كتب على القلندري (٦) وكتّب الناس دهرًا طويلًا، وكتَب عليه بدر الدين بن قليج العلائي وابن عمه أَبو الخير بالقدس، ثم انتقل إِلى الشام فأقام به دهرًا ثم تحوّل إِلى القدس فأقام به، وكتب بخطه شيئًا كثيرًا من المصاحف وغيرها؛ مات فى ذى الحجة.

стр. 649

٨٧ - محمد بن محمد بن ميمون الجزائري المعروف بابن الفخار - بالخاء المعجمة - المالكي أَبو عبد الله. شارك في الفنون وتقدم في الفقه مع الدين والصلاح، وذُكرت عنه كرامات ومات في تاسع عشرى (١) رمضان بمكة وقد بلغ السبعين (٢)، وكان ابن عرفة يعظِّمه، وأَظن (٣) أَني اجتمعت به في أَول السنة. ٨٨ - محمد بن محمد الحديدي القيرواني، عبد الله، تقدّم (٤) في محمد بن سعيد. ٨٩ - محمد بن يحيى الخراساني إمام القليجية (٥) بدمشق، كان يفهم جيدًا، وقال ابن حجي: "كان من خيار الناس"، مات في صفر. ٩٠ - محمد بن يلبغا اليحياوي ناصر الدين، أَحد الأُمراء الصغار بدمشق، وكان ينظر أحيانًا في أَمر الجامع الأُموي. مات في المحرم. ٩١ - محمد الكلائي، صلاح الدين، أَحد المُذْكرِين على طريقة الشاذلية، كان شاهدًا بحانوتٍ خارج باب زويلة ثم صحب الشيخ حسينًا الحبار (٦) وخلفه في مكانه فصار يذاكر (٧) الناس وبدت منه أَلفاظ منكرة وفيها جرأَة عظيمة على كتاب الله، وضُبطت عليه أَشياء مستقبحة فامتُحن مرة ومنع (٨).

стр. 650

ذكر (١) لى الحافظ صلاح الدين الأَقفهسي أَنه سمعه يقول في تفسير قول الله تعالى "مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَع عنده" "من ذَل (٢): ذَلٍّ نفسه"؛ "ذى: إشارة للنفس"؛ "يَشْفَ": من يحصل له الشفاعة"، "عُ، أَي: "افهموا،" قال فذكرت ذلك للشيخ زين الدين الفارسكوري فمشى معى إِلى الشيخ سراج الدين البلقيني فأَرسل إليه وعزَّره ومنعه من الكلام على الناس، فأَقام بعدها قليلًا، ومات في مستهل ربيع الأَول. ٩٢ - محمود بن عبد الله الكُلُسْتَاني السرائي الحنفي بدر الدين، اشتغل ببلاده (٣) ثم ببغداد، وقدم دمشق خاملًا فسكن باليعقوبية (٤) ثم قدم مصر فتقرّب عند الجوباني، فلما ولى نيابة الشام قدم معه وولى تدريس الظاهرية ثم ولى مشيخة الأسدية بعد الياسوفي وأَعطى تصديرًا بالجامع الأُموى، ثم رجع إِلى مصر فأَعطاه الظاهر وظائف كانت لجمال الدين محمود [القيسري]، فلما رضى عن جمال الدين استعاد بعضها، منها (٥) تدريس الشيخونية، واستمر بدر الدين في تدريس الصرغتمشية وغيرها. ثم لما سار السلطان إِلى حلب احتاج إِلى من يقرأُ له كتابًا بالتركي ورد عليه من اللنك فلم يجد من يقرؤه، فاستدعى به (٦) - وكان قد صحبهم في الطريق- فقرأَه وكتب (٧) الجواب فأَجاد، فأَمره السلطان أَن يكون صحبة قلَمْطَاى. فلما اتفقت وفاة بدر الدين بن فضل الله ولَّاه مكانه فباشر الوظيفة (٨) بحشمة ورياسة. وكان يحكى عن نفسه أَنه

стр. 651

أَصبح في ذلك اليوم لايملك الدرهم الفرد فما أَمسى ذلك اليوم إِلَّا وعنده من الخيل والبغال والجمال والمال (١) والمماليك والملابس والآلات مالايوصف كثرة. وكانت ولايته فى ثانى عشرى شوال، وكان حسن الخط جدًا مشاركًا في النظم والنثر والفنون مع طيش وخفة. مات في عاشر جمادى الأُولى وخلف أَموالًا جمة يقال إنها وُجدت مدفونة في كرمي المستراح. وكانت (٢) مدة ضعفه ستة وأَربعين يومًا، فاستقر في كتابة السر القاضي فتح الدين بن مستعصم نقلًا من رياسة الطب، ويقال إن السلطان اختاره لذلك فقرّره فيها بغير سَعْيٍ منه. وقال العينتابي: "كان الكلستاني فاضلًا ذكيًا فصيحًا بالعربي والفارسي والتركي، ونظم "السراجية" في الفرائض وغيرها، وكان في رأْسه خفة وطيش وعجلة وعجب"، ثم وصفه بخفة العقل والبخل المفرط وأَنه قاسي فى أَول أَمره من الفقر شدائد، ولما رأَس وأَثرى أَساءَ لكل من أَحسن إليه، وجمع مالًا كثيرًا لم ينتفع منه بشئ. [لكن] انتفع به من استولى عليه. وكانت ولايته لكتابة السر بعد موت البدر بن فضل الله فى شوال سنة ست وتسعين، وجرى بعده في وصيته كائنة لشهودها، منهم القاضي زين الدين التفهني الذى ولى القضاء بعده. قرأتُ بخط القاضي تقى الدين الزبيري: "إن السلطان أَمر ابن خلدون أَن يفصل المنازعة التي وقعت بين الأَوصياء والحاشية، فعزل الأُمراء أَنفسهم فعزَّر ابنُ خلدون التفهني ورفيقه بالحبس، وأَبطل الوصية بطريق باطل لظنه أَن ذلك يرضى السلطان، فلما بلغ السلطانَ ذلك أَنكره وأَمر بإِبقاء الوصية على حالها".

стр. 652

ووصفه العيني كما تقدم "بالطيش والبخل والعجب" وبالغ في ذمه، وليس كما قال فقد أَثنى عليه طاهر بن حبيب في ذيل تاريخ والده ووصفه بالبراعة في الفنون العلمية. وقد قرأت بخطه لغزًا في العلم (١) في غاية الجودة خطا ونظمًا. وكان كثير الوقيعة في كتاب السرّ لاقتصارهم على مارسمه لهم شهاب الدين بن فضل الله وتسميتهم ذلك "بالمصطلح" وغضِّهم ممن لا يعرف ذلك. وحاول مرارًا أَن يغير "المصطلح" على طريقة أَهل البلاغة ويعتني بمراعاة المناسبة.

стр. 653

سنة اثنتين وثماني مائة في ثاني المحرم صُرف بدر الدين العيني عن الحسبة واستقرّ (١) جمال الدين محمد ابن عمر الطَّنْبَدي الشهير بابن عرب فباشرها إِلى نصف ربيع الآخر، ثم صُرف وأُعيد العيني ثم ناب (٢) في أَواخر ربيع الأُول عن الملطي. وفيه بدأَ تنم نائبُ الشام بالعصيان، وكاتَبَ الأُمراء فأَطاعه نائبُ (٣) صفد ونائب طرابلس كما تقدّم، وتأَخر عنه نائب حلب، وأَطلَق جماعةً من الأُمراء المحبوسين وتقوّى بهم. وفيه وقع بين العشير -وهم عربان الشام- اختلاف، فقُتل منهم في المعركة نحو عشرة آلاف نفسٍ على ماقيل. * * * وفى الحادي والعشرين من المحرم وصل الحاجُ وأَميرُهم شيخ المحمودي الذي ولى السلطنة بعد (٤)، وكانت السنةُ شديدةَ المشقة للحرّ وموت الجمال وكثرِة الفقراء في الركب، فتحيّل عليهم المذكور بأَن نادى بَيْنبع (٥): "من كان فقيرًا فليحضر خيمةَ أَميرِ الركب ليأْخذ عشرة دراهم وقميصًا"، فلما حضروا أَعطاهم مارُسم عليهم من جهة صاحب ينبع وألزمه بإقامتهم عنده إِلى أَن يجهزهم في المراكب.

стр. 654

ووقع في الركب الشامي من الموت فجأَة أَمر عجيب، حتى كان الرجل يمشى بعد ما أَكل وشرب واستراح فيرتعد ميتًا، فمات منهم (١) خلق كثير. وفي المحرم استقرَّ ابن السائِح الرملي في خطابة القدس، بذل فيها ثمانين أَلف [درهم] فصُرِف ابن غانم النابلسي. وفي ليلة السابع عشر من المحرم زُلزلت دمشق، وكانت [زلزلة] لطيفة. وفى الثامن من صفر قَبض الأمير تنم علَى أَحمد بنِ خاص ترك شادّ الدواوين بالقاهرة، وكان الملك الظاهر جهّزه لتحصيل الأَموال المتعلقة بالسلطنة في البلاد الشامية، فتسلَّمه علاء الدين ابن الطبلاوي واستصفى جميع ما معه من مالٍ وغَنمٍ وغير ذلك، ثم بسط [تنم] يده (٢) في الظلم والمصادرة ورمْيِ السكر (٣) وغيره على التجار وذوى الأَموال حتى من الفقهاء والأَيتام، فكثُرَ الدعاء على الأَمير تنم بهذا السبب وأَبغضه عوام الناس وأَكثرُ خواصِّهم. وفى الثامن عشر من صفر حَلَّف الأَمير تنم الأُمراء، وكان أَطلق جلبان وآقبغا اللكاش وعدةً من المحبوسين، وأَرسل إِلى نائب (٤) طرابلس بأَن بحهّز مركبًا إِلى دمياط لإحضار من كان بها محبوسًا (٥). وفي صفر قُبض على بدر الدين الطوخي وأُلزم بمائة أَلف درهم ثمنَ لحم تأَخَّر عنده في أَيام وزراته للأَمير أَيْتُمشْ، فتسلمه مشدّ الدواوين وعصره، فباع واقترض إِلى

стр. 655

أَن حصل الأَكثر، وضَمنه (١) المهتار عبد الرحمن بالباقي فأُطلق فهَرب فوزن عبدُ الرحمن عنه المتأخر. وفى نصف صفر صُرف (٢) الشيخ نور الدين البكري عن الحسبة وأُعيد محمد الشاذلي. وفى الثامن والعشرين منه كُسفت الشمس وصلى بدمشق صلاة الكسوف بعد العصر وخطب. وفى العشر الأَخير من صفر انحَلَّ (٣) سعر الحبوب وكان قد ارتفع بسبب نقص النيل قبل عادته (٤). وفيه توجّه آقبغا اللكاش ومعه جماعة إِلى غزة من جهة نائب الشام فملكها في ربيع الأَول، وتوجّه جُلْبَان ومعه جماعة إِلى حلب ليحاربوا نائبها (٥)، ثم تبعهم الأَمير تنم بمن تأَخَّر معه فلما وصل إِلى حمص تسلَّمها وتسلَّم القلعة، ولم يشوِّش على النائب بل قرّر غيره في النيابة، ثم وصل إِلى حماة فحاصرها فاتصل به وصولُ أَيتمش ومَن معه فرجع عنها إِلى دمشق. ووصل إليه نائب طرابلس فبلغه - بعد أَن خرج من طرابلس - أَن أَهلها وثبوا على نائبه [وقتلوه (٦)]، وقفلوا أَبواب البلد الجدد، فرجع عليهم ودخلها عنوة وقتل من أَهلها مقتلةً عظيمة، حتى قيل إِن أَقل من قتل منهم أَلف نفس منهم مفتى البلد وقاضيها (٧) ومحدّثها، وهرب أَكثر أَهلها، ومن تأَخر إِما قُتل وإما صودر.

стр. 656

وممن هرب إِلى الديار المصرية قاضي طرابلس الشافعي مسعود، ونقيب الأشراف بدر الدين بن جمال الدين البلدي، وأَخبر أَن يونسًا الرماح - نائب طرابلس - أَراد إِحراق البلد فاشتُرِيَت منه بثلاثمائة وخمسين أَلف درهم جُبِيَتْ ممن بقى من أَهلها. وكان اسم نائب النائب المقتول قُجْقَار، والسبب في قتله وصول مركب من جهة مصر وفيها أَميران أَحدهما قُرّر نائبًا والآخر حاجبًا، فدخلوا في الليل إِلى الميناء، فظُنوا أَنهم فرنج، فخرج أَهل البلد مستعدّين للقتال فوجدوهم مسلمين فانحلَّت عزائمهم، ولما علم قُخْقَار أَنهم مخالفون لما هو عليه قاتلهم فقَتل منهم جماعة، ثم ثار العوام فنهبوا بيتَ نائب الغيبة، فهرب إِلى جهة حمص، وكسَرَ العوامُّ أَبوابَ القلعة وغلب الذين جاءوا من مصر وولّوا وعزلوا وأَخذوا مُغْل الأُمراء الغائبين؛ فلما بلغ النائبَ أَرسل ناسًا في الصلح فتهيأوا لقتالهم. ثم قدم نائبُ الغيبة قجقار ومعه صُرُق (١) وجماعة، فدام القتال أَيامًا (٢) إِلى أَن جاءَ النائب. ولما هرب القاضي الشافعي استقر فى القضاء صلاح الدين بن العفيف وكان يلبس بالجندية ثم باشر في الدَّيْوَنَة وافتقر جدًا، فتوجّه إِلى قاضي طرابلس يستمنحه فولى مكانه. وقَبض نائب الشام على بِتْخَاص (٣) قبل توجّهه إِلى حلب، فلما رجع أَطلقه بعد شهر. وفى سادس ربيع الأَول ظهر الاختلاف بين الأُمراء الخاصكية (٤) والأُمراء الظاهرية القُدم، وذلك أَن أَيتمش الأَتابك كان معه أَكابر الأُمراء وعندهم التثبّت في الأُمور وترْكُ العجلة وكراهةُ الظلم وغير ذلك، وكان الأُمراءُ الجدد بخلاف ذلك فلم يتوافقوا ودبَّتْ

стр. 657

عقارب التشاحن بينهم إِلى أَن دبّر الأُمراء الجددُ الأَمر، فكادوا أَيتمش ومَن معه بأَن علَّموا أَن السلطان أَن يدّعى أَنه بَلَغَ [الرشد]، فطلب (١) الخليفةَ في هذا اليوم وقال له بحضرة أَيتمش (٢): "إنِّي قد بلغت، وأُريد أَن ترشّدوني"، فأَحضر القضاةَ وأَهلَ الفتوى، وادّعى (٣) ابنُ غراب على أَيْتُمشُ، وشهد جماعة من الأُمراء وأُعْذِر أَيتمش فحكموا برشده (٤)، وخُلع على الجماعة، فتحوّل أَيتمش حينئذ من الإِسطبل الكبير إِلى بيته (٥)، وافترق العسكر، فرقتين: إحداهما جراكسة وهم الأُمراء الجدد ومَن معهم، والأُخرى تُرْك وروم وبعض جراكسة مع الأَتابك، فأَظهر يَشْبَكُ الخزندار - رأسُ الأُمراءِ الجديد - أَنه ضعيف وعَزَم على مسك أَيتمش إذا عاده، فبلغ ذلك أَيْتُمُش فحذر منه وأَلْبَسَ مماليكه ومن أَطاعه، وملَكوا الأَشرفية التى على باب القلعة، ووقف أَيْتُمُش بالقرب من منزله، ووقف تَغْرِى بَرْدِى برأْس الرميلة من جهة الشيخونية، وفارسُ [الحاجب] من جهة مدرسة حسن. فلما بلغ ذلك يَشْبَك ركب فيمن أَطاعه (٦) ودقَّ الكوسات تحت القلعة، ووقف بيبرس قريب السلطان عند حدرة (٧) البقر، وطلع إِلى القلعة سُودُون طازوسودون الماردانى ويَلْبُغا

стр. 658

الناصري وإيْنال بك (١) بن قَجْمَاس وغيرهم من الأُمراء الجدد وحصّنوا القلعة، ووقع القتال بين الطائفتين من ليلة عاشر ربيع الأَول، فلم يلبث أَيتمش أَن انهزم هو ومن كان معه وتمّتْ الهزيمة على الباقين فتوجهوا من يومهم، فأَخذوا خيولًا خواصًا من سرياقوس للسلطان وتوجّهوا إِلى بلبيس فباتوا بها. وأَفسد المماليك السلطانية بعد هرب أَيتمش، وتبعهم الزعر والعوام فنهبوا مدرسة (٢) أَيتمش ووكالته (٣)، ورموا النار فى الرَّبْع الذى بجوارها حتى [قام] أَبو بكر الحاجب إِلى طفْيها فهُدم من الربع جانب، ونهبوا جامع (٤) آق سنقر المجاور لبيته، ونهبوا تربة خوند زهرا بنت الناصر، وسرى النهب في بيوت الأُمراء الهاربين حتى كادوا أَن ينهبوا الدهيشة التي عُمِّرت في أَيام أَيْتُمش للمارستان، وكَسَر الزعرُ حبسَ القضاة وأَخرجوا من كان فيها. واستمر مع أَيتمش في الهزيمة تغرى بردى [الكَمَشْيَغاوي] (٥) وأَرغون شاه وفارس [الحاجب] ويعقوب شاه، ودونهم مِن الطبلخانات: شادي خجا وآقبغا المحمودي وغيرهما، ودونهم من العشراوات. وكثر النهب من الزعر وأَوباش الترك في بيوت الناس بعلَّة الهاربين، ونهبوا بعض زرائب الفلاحين بصنافير، ونهبوا جِمالَ جماعة. * * * وفى يوم الثلاثاء حادى عشر ربيع الأَول صُرف أَحمد بن الزين من ولاية القاهرة واستقر قرابغا مَفْرَق فمات ثاني يوم (٦) فاستقر بَلْبَان الجركسي ثم صُرف في يومه

стр. 659

وأُعيد ابن الزين؛ ثم كثر النهب داخل القاهرة فنزلت جماعة من الأُمراء وحاربوهم، فعمد ابن الزين إِلى جماعة من المحبوسين في خزانة شمائل فقطع أَيدى بعضٍ وضَرب جماعةً بالمقارع وأَشهَرَهم، ونادى عليهم: " [هذا] جزاء من ينهب بيوت الناس"، فسكن الحال قليلًا، ثم فُتحت أَبواب القاهرة ونزعوا السلاح، واستمر هرب أَيْتُمُش ومن معه إِلى الشام فوصلوا غزة، فوجدوا آقبغا اللِّكاش قد ملكها فأَكرَمهم وأَنزل أَيْتُمُش بدار النيابة. وتوجّه فارس الحاجب إِلى الشام تقدمة لهم يخبر نائب الشام بأَخبارهم، فرجع نائب الشام إِلى دمشق، ثم دخل أَيتمش ومن معه في خامس ربيع الآخر فتلقَّاهم النائب وبالغ في إِكرامهم. وبلغ ذلك نائب حماة ونائبَ حلب فراسلا أَيتمش بالطاعة، وعَرَضَ النائب على أَيْتُمُش الحكم (١) وبذل له الطاعة فامتنع وقال: "كلنا لك تحت الطاعة"؛ ثم وصل دمرداش نائب حماة في نصف ربيع الآخر إِلى دمشق فبالغ تنم في إكرامه، فأَقام خمسة أَيام ثم رجع إِلى حماة فتجهَّز ورَجع إليهم. وبرز نائب حلب إِلى جهة الشام فخالفه الحاجب وركب عليه في جماعة، فكسرهُ النائب وقبض عليه وتوجّه بالعسكر إِلى دمشق فوصل في نصف جمادى الآخرة؛ وكان الأُمراء بمصر قد ظنُّوا أَن نائب حلب معهم فأَرسلوا مددًا من إليه المال صحبةَ قاصد في مركب، فأَلقتها الريح بعكا، فبلغهم مخامرة النائب، فراسلوا نائب الشام فأَرسل إليهم مَن تسلَّم المال منهم. وقُبض بعد هروب أَيتمش على جمع كبير ممن كان يُنسب إِلى هواه فحُبِسوا بالقلعة وبالإِسكندرية وغيرهما، وأُطلق سودون قريبُ السلطان من الإِسكندرية، وأُحضِر تمراز ونوروز من دمياط، واستقر بيبرس قريبُ السلطان أَتابكًا، وسودون طاز أَمير آخور،

стр. 660

ونَوْروز رأسَ نوبة، وسودون دويدارًا، وتَمْرَاز [الناصري] أَميرَ مجلس؛ ثم اتفق رأْيهم على غزو الشام وخالفهم في ذلك بعض المماليك. * * * وفى تاسع عشر ربيع الآخر (١) قُبض على سعد الدين بن غراب ناظرِ الخاص وأَخيه الوزير (٢) وابن قُطَيْنة وعلاءِ الدين شاد الدواوين وقطلبك الأَستادار، وكان ابن غراب زوجَ ابنته. واستمر بدر الدين الطوخي فى الوزارة، وشرفُ الدين الدّماميني في نظر الخاص والجيشِ ثم صُرف بعد سبعة أَيام، وأُعيد ابن غراب وأَخوه إِلى وظائفهما، وتسلم (٣) الطوخيَّ وابنَ الدماميني. ثم استقر ابن الدماميني في قضاءِ الإسكندرية، واستمر أَخوه محتسبًا، ثم أُفرِج عن قطلبك وابن قطينة وشادِّ الدواوين: على مال. وفى أَواخر ربيع الآخر استقر الشيخ أَبينا (٤) التركماني في مشيخة سرياقوس عوضًا عن أَصلم بن نظام الأَصفهاني، واستقر الشيخ شرفُ الدين التبّاني في مشيخة القوصونية عوضًا عن أَبينا. * * * وفي ليلة الخميس العاشر من جمادى الأُولى حصل بمكة مطر عظيم انصبّ كأَفواه القرب، ثم هجم السيل فامتلأَ المسجد حتى بلغ إِلى القناديل وامتلأَت، ودخل الكعبة من شقّ الباب، وكان في جهة الصفا مقدارَ قامة وبسطة، فهُدم من الرواق الذي يلى دار (٥) .... عدة أَساطين، وخربت منازل كثيرة، ومات في السّيل جماعة. وفى هذا الشهر تجهَّز تُنُم ومن معه للسفر إِلى جهة الديار المصرية، فبلغ ذلك أَهل مصر فحصّنوا القاهرة بالدروب، وتوجّه عسكر الشام في العُشر الأَوسط من جمادى الأُولى إِلى غزة.

стр. 661

وفى ثامن عشر جمادى الأَول صُرف (١) بدر الدين العيني عن الحسبة واستقر تقى الدين المقريزي. وفى ثامن جمادى الآخرة استقر نور الدين الحكْري في قضاءِ الحنابلة،، وصُرف موفق الدين بن نصر الله. وفيها أَرسل الأُمراءُ من مصر المهتارَ عبدَ الرحمن للكرك نائبا بها، وأُمِر بالقبض على سودون (٢) الظريف من غير أَن يعلم، فأَظهر أَنه حضر بسببٍ اخترعه، فلما وصل إليها استشعر النائبُ بذلك فركب عليه فهرب فكبس منزله فوجد فيه التقليد، فوقعت فتنة كبيرة قُتل فيها قاضي الكرك وموسى بك والقاضى علاء الدين وجماعة من أَكابر البلد. وفى صفر وقع الوباء بالباردة والسعال ومات منه جماعة واستمر إِلى نصف السنة. وفى رابع رجب خرج الملك الناصر فرج ومَن معه (٣) من عساكر مصر إِلى جهة الشام لمحاربة المخالفين (٤)، وسار السلطان في ثامن الشهر المذكور، واتفق خروج تنم نائب الشام من دمشق بعد مَنْ تَقَدَّمه من العساكر فى تاسع رجب، وسار من قبة يلبغا يوم الحادي عشر منه فوصل إِلى غزة في ثامن عشره، فالتقى جاليش السلطان بجاليش

стр. 662

نائب الشام، وجُرح آقْبُغا اللكاش، وخامر دمرداشُ المحمّدي نائبُ حلب فدخل في طاعة السلطان، وكذلك [دخل] أَلطنبغا العثماني نائب صفد وغيرهما لتمام ثمانية عشر أميرًا وجمعٌ جم من المماليك، فتمت الكسرة على الباقين وكان ذلك بتلّ العجول (١). فلما وصلت المنهزمة إِلى نائب الشام تغيظ عليهم وأَراد مسك بعض أكابرهم فهربوا منه إِلى السلطان، منهم بتخاص والمنقار وفرج بن منجك، ودخل العسكر المصري إِلى غزة منتصرًا وكانوا في قلة من العليق، فوجدوا فيها ما يفوق الوصف فاطمأَنوا وطابت أَنفسهم، واستمرت هزيمة من انهزم من الشاميين إِلى الرملة، فوجدوا نائب الشام قد نزل بها فأَخبروه بما اتّفق لهم فعنَّفهم، فاعتذروا بأَن سبب ذلك مخامرةُ مَن خامر من الأُمراء فعذرهم. ثم لم يلبث أَن وافاه قاضي القضاة الشافعي صدر الدين المناوي رسولًا من السلطان في الصلح، وعَرض عليه نيابة الشام على ما كان عليه في الأَيام الظاهرية وما ينبغى من زيادة على ذلك، أَو الوصول إِلى باب السلطان ويكون أَكبرَ الأُمراء بمصر، فأَظهر [تنم] الإِجابة، ووعظه القاضي وخوّفه وحذَّره من التعرّض لفساد الأَحوال والشقاق، فأَنظَره الجواب أَيامًا وصرفه بجميل، وبالغ في إِكرامه، وكان ذلك يوم الثلاثاء تاسع عشر رجب، فرجع القاضي يوم الخميس فوصل يوم الجمعة وأَخبر العسكر بما اتفق. ثم وصل كتاب نائب الشام يقول: "أَنا مستمر على طاعة السلطان، وما أُريد إلَّا أَن أَكون نائب الشام لكن بشرطين: أَن يعود أَيتمش إِلى ما كان عليه بالقاهرة، وأَن يسلم السلطان لى يَشْبَك وجَرْكَس المصارع وسودون طاز ونحوهم من المماليك الذين على رأيهم، وأن يُعاد جميع الأُمراء الذين مات عنهم الملك الظاهر على ما كانوا عليه". فلما تحقق السلطان ذلك أَرسل الجوابَ بالاستعداد للقتال، فركب نائبُ الشام من

стр. 663

الرملة إِلى جهة غزّة، وركب السلطان من غزَّة إِلى جهة الرّملة، فالتقى العسكران بالجيتين (١) من بريد واحد على غزة، فلم يلبث العسكر الشامى أَن انهزم، ومن أَعظم أَسباب ذلك مخامرة (٢) مَن خامر من الأَجناد؛ فأُمسك نائبُ الشام وأَكثرُ الأُمراء، وهرب أَيْتُمش وتغرى بردى ويعقوب شاه وأُرغون شاه [أَمير مجلس، وبى خجا] طيفور إِلى الشام، فلما حصلوا بها وانضم إِليهم عدد كبير ممن انهزم أولًا وثانيًا وأَرادوا التحصّن بالقلعة وافى كتاب تنم نائب الشام إِلى نائب غيبته بأَن لا يمكنهم من ذلك. وكان السلطان لما أَمسك نائبَ الشام في الوقعة أَمرُه بكتابة هذا الكتاب بتدبير يَشْبك وطائفته، فوصل الكتاب إِلى نائب الغيبة فقبض على الأُمراء المذكورين وقيّدهم، وكان ذلك في سادس عشرى رجب، ونودى فى البلد بالأَمان، وأَن "السلطان انتصر وهو واصلٌ إليكم". ثم توجّه السلطان من الرملة بعد أَن حصل بها قليل أَذى لبعض أَهلها بسبب ودائع كانت عندهم، وحصل للمصريين من أثقال المنهزمة مالًا يحيط به الوصف، واستغنى (٣) الكثير منهم خصوصًا الأَتباع والغلمان، [وكان] أَول من دخل دمشق من العسكر ناظرُ الخاص ابنُ غراب: دخلها في سلخ رمضان، ثم دخل جَكَم - وهو رأس نوبة - أَولَ يوم من شعبان، فنقَل الأُمراءَ المقيّدين إِلى القلعة، وأَنصف الناسَ من المماليك ومنعهم من التعرُّض والنهب ومن النزول داخل البلد.

стр. 664

ودخل في هذا اليوم سودون (١) قريب السلطان نائبًا على الشام ونادى بالأَمان، ثم وصل تنم ومَن معه في القيود في ليلة ثانى شعبان فحُبسوا بالقلعة أَيضًا، ثم في ضحى النهار دَخَل السلطان ومَن معه فأُمسك ابن الطبلاوي وصودر مَن كان من جهة تنم، وهَرب صلاح الدين بن تنكز. وفى خامس شعبان خُلع على سودون المذكور بنيابة الشام (٢) وعلى دمرداش [المحمدي] بنيابة حلب وعلى دقماق بنيابة حماة، وعلى أَلطَنْبُغَا العثماني بنيابة صفد، وعلى شيخ المحمودي بنيابة طرابلس وهو الذي تسلطن بعد ذلك وتلقَّب بالمؤيد. واستقر شرف الدين مسعود في قضاءِ الشام عوضًا عن ابن الإِخنائي، وكان قد استقر وكُتب توقيعه في جمادى الأُولى لما هرب من طرابلس إِلى مصر فلم يُقدر أَنه يباشر ذلك، بل سعى الإِخنائي إِلى أَن أُعيد إِلى وظيفته في يوم الخميس خامس شعبان،، وأُعيد مسعود إِلى قضاء طرابلس، واستقر تقى الدين عبد الملك بن الكفرى فى قضاء الحنفية عوضًا عن بدر الدين المقدسي، وشمسُ الدين النابلسي فى قضاءِ الحنابلة عوضًا عن شمس الدين بن مفلح، وعلاءُ الدين بن إِبراهيم بن عدنان نقيبُ الأَشراف في كتابة السرّ عوضًا عن ناصر الدين بن أَبي الطيب، واستقر يشبك دويدارًا كبيرًا. وفى ليلة السبت رابع شعبان ذُبح أَيتمش (٣) وأَتباعه ومنهم: آقبغا اللكاش وجلبان الكمشبغاوي وأَرغون شاه ويعقوب شاه وفارس [الحاجب] وطيفور وأَحمد بن يلبغا وبيغوت (٤) [البجاوي الظاهري]، وأُرْسِلت رأس أَيتمش وفارس خاصة إِلى القاهرة

стр. 665

فعُلقتا بباب زويلة في تاسع عشر شعبان أَو في العشرين منه ثلاثة أَيام، ثم سُلِّمتا لأَهلهما، ثم قُتل تنم نائبُ الشام ويونُس الرماحُ نائبُ طرابلس بعد ذلك في رابع رمضان خنقًا بالقلعة (١) وتسلمهما أَهلهما ودفنوهما. واستمر في الحبس تغرى بردى وآقبغا الجمالي ثم أُفرج عنهما (٢) في آخر السنة. ووصل قاصد نُعَيْر يبذل الطاعة، وأَرسل القدْرَ الذى جرت عادته بإِرساله، ووصل قصَّادُ نواب البلاد كلها بالطاعة في سادس عشرى شعبان. وفي صبيحة الرابع من رمضان رجع السلطان من دمشق، فلما وصل إِلى غزة قَتل علاءَ الدين بنَ الطبلاوي فى ثانى عشر شهر رمضان، ووصل السلطانُ إِلى القاهرة في الثالث والعشرين منه. وفي جمادى (٣) الآخرة وُسِّط شعبانُ بنُ شيخ الخانقاه البكتمرية بسبب أَنه خدع امرأَة فخنقها ودفنها في تربةٍ وأَخذ ثيابها وكانت له قيمة، فظهر أَمرُه بعد أَن أُخِذ أَبوه وحُبس بالخزانة، فلما قُبض على شعبان ضُرب فاعتَرَف فقُتل بعد أَن سُمِّر ثم وُسِّط. وفيها في هذه الأَشهر غلت (٤) الأَسعار في الأَشياء المجلوبة من بلاد الشام فبلغ سعر اللوز القلب خُمسَ مثقال، وثمنُ الفستق خُمْسَىْ مثقال. وفي رابع عشر رجب أُمسِك شرفُ الدين بنُ الدماميني وحُبس بالقلعة بسبب أَنه افتُعِل عليه أَنه كان سبب مخامرة يَلْبُغا المجنون، وكانت فتنةً (٥) من مكائد ابن غراب.

стр. 666

وفيها كائنة عمر الدمياطي، قَبض عليه يَلْبُغَا السالمي وضربه مقترحًا وطَوّف به على حمار مقلوب، وسُجن بالخزانة أَيامًا ثم أُطلِق بسبب أَنه كان بالشيخونية، فلما ورد كتاب السلطان بما وقع له من النصر بغزة حلف (١) بالطلاق الثلاث أَن ذلك لاصحة له، ففُعِل به ذلك. * * * وفى شعبان جُرّس بدمشق شخص يقال له إسحق، كان ينجّم لنائب الشام ويعده أَنه يتسلطن، ونُقِل عن الباعوني وابن أَبي مدين نحو ذلك، وناصر الدين بن أَبي الطيب كاتب السرّ قولًا وفعلًا، وسُلّم لناظر الخاص فصادره على مال، وسعى صدرُ الدين بن الأَدمي في الوظيفة بمالٍ كبيرٍ فكاد أَمره أَن يتم، ثم عُدل عنه إِلى علاء الدين نقيب الأَشراف وأُطلق ابنُ أَبي الطيب بعد مدة ثم أُعيد إِلى الترسيم، وأُخرج يوم الخميس ثالث رمضان من دمشق على حمارٍ مُوَكَّلًا به. * * * وفى رجب بعد خروج العساكر ثار يلبغا المجنون الأُستادارُ بالوجه البحري، فأَطلق الأُمراءَ المحبوسين بدمياط وكان السلطان أَمر بنقلهم إِلى الإسكندرية فالتقاهم يلبغا بالعطف فأَطلقهم، وقَبض على الأَمير الذى كان موكلا بهم وهو سُودُون المَامُورى. ثم وصل في تلك الحالة إِلى ديروط: سودون البيدمري (٢) ومعه كَمَشْبُغا الحضري وأياس الكَمَشْبُغاوي وآخران معه، فأَطلقهم سودون أيضًا. وعمد يلبغا إِلى خيل الطواحين بديروط فأَخذها، وتوجّه هو ومن معه إِلى دمنهور فقَبض على نائبها، والتف عليه (٣) جمع كثير من المفسدين، فنادى في إِقليم البحيرة بحطِّ الخراج عنهم واحتاط على ما للسلطان هناك من خراج وغيره، فلما بلغ ذلك نائبَ

стр. 667

الغيبة بيبرس قريبَ السلطان جرّد إليهم - بأَمر السلطان - جماعة، منهم: أَقباى حاجب الحجاب وتمام أَربعمائة من مماليك السلطان، فلما خشي يلبغا أَن يدركوه فرَّ إِلى الغربية ثم إِلى المحلة، فنَهب بيت الوالى، ثم توجّه إِلى الشرقية ثم إلِى العباسية. وخشى الأَمير بيبرس على خيل السلطان وخيول الناس فأَمر بطلوعها من الربيع بالجيزة، وسُدّت غالب أَبواب القاهرة خشية من هجوم يلبغا. ثم بلغ بيبرس النائب في الغيبة أَن يلبغا توجّه إِلى جهة قطيا فأَرسل إِليه أَمانا صحبة يونس البريدي، فلما قرأَه أَمر بتقييد البريديّ، ثم توجّه إِلى جهة القاهرة، فبرز لملتقاه الأُمراءُ الذين بالقاهرة فالتقوا بالمطرية، فحمل عليهم فتكاثروا عليه وكاد أَن يؤخذ، فاتفق أَنه خرق القلب وتوجّه نحو الجبل الأَحمر وتمَّتْ الهزيمة على أَصحابه واتبعوهم، فأمسك بعضهم وفر بعضهم، واستمّر يلبغا وراء القلعة ساعة ينتظر أَصحابه فلم يتبعه منهم إلا عشرون نفسًا، فعلم أَنْ لا طاقة له بالحرب فاستمرّ هاربًا، وتبعه بعض العساكر إِلى بركة الحبش فلم يُلحق. وفي ربيع الآخر درّس الباعوني فى وظائف ابن سريّ الدين بحكم عدم أَهليته. * * * وفى هذه السنة زاد احتراق بحر النيل إِلى أَن صار الخوضُ من بولاق إِلى إِمبابة، واشتدّ الحرّ والعطش، وتزاحم الناس على السقائين، وصار أَكثر الناس يستسقى لنفسه على الحمير بالجرار، ولم يكن لهم بذلك عهد. وفى أَول شوال قُبض على أَلْطَنْبُغا والى العرب وكان نائبَ الوجه القبلي لكونه من جهة يلبغا المجنون. و [فيه] (١) أُفرج عن ناصر الدين بن أَبي الطيب كاتب سرّ الشام. * * *

стр. 668

وفى ثالث عشر شوال جُرّدت (١) الأُمراء إِلى الصعيد بسبب يلبغا المجنون، وكان مملوكه وصل منه بكتاب يسأَل فيه أَن يكون نائبَ الوجه القبلي ويتدارك (٢) بجميع الأُمور فلم يُجب سؤاله، ثم ورد كتاب والى الأَشمونين يخبر فيه أَن محمدًا بنَ عمر [الهواري] حارب يلبغا المجنون وكسره واستمرّ في هزيمتِه إِلى أَن اقتحم فرسه البحر فغرق (٣)، فطلعوا به ميتا وقد أَكل السمك وجهه، ثم أُشيع أَنه لما انهزم من المعركة لم يُعرف له خبر. وفي رابع عشري شوال استقر شمس الدين البَجَانِسى فى الحسبة عوضًا عن جمال الدين بن عرب، وكان جمال الدين استقرّ في غيبة السلطان في عاشر شعبان عوضًا عن تقي الدين المقريزي. وفى يوم الجمعة رابع عشري شوال وقعت بالقاهرة ضجة عظيمة وقت صلاة الجمعة بسبب مملوكين تضاربًا فشَهرا السيوف، فشاع بين الناس أَن الأُمراءَ اختلفوا وركبوا، فهرب الناس من الجوامع، ومنهم من خفَّف الصلاة جدًا، وراح لهم في الزحمة عدة عمائم وغيرها، وخطفوا الخبز من الحوانيت والأَفران، فبادر ابنُ الزين الوالى وأَمسك جماعةً من المفسدين فشهّرهم بعد الضرب، ونادى عليهم: "هذا جزاءُ من يسكر ويكثرُ فضوله". وسكنت القضية ثم نودي بالأَمان. وقيل إن أَصل ذلك أَن رجلًا ربط حماره إِلى دكة خشب بجوار جامع شيخون، فجذب الحمار الدكة فنفرت خيول الأُمراء الذين يصلّون بالجامع، وأَقبل ناسٌ من جهة الرميلة فرأوا شدة الحركة فظنّوا أَنها وقعة فرجعوا هاربين (٤)، فتركَّبَت الإِشاعة من ثم إِلى أَن طارت في جميع البلد، ثم خمدت.

стр. 669

وفى هذا القُرْبِ دّبت العداوة بين يَشْبَك الدُّوَيْدار وبين سودون طاز أَمير آخور. وفى شوال استقر ناصر الدين بن السفاح في نظر الأَحباس ونظر الجوالي وتوقيع الدست والدويدارية، وكان قد صودر بالشام. وفى آخره (١) أَخرَق بالحرم الشريف المكيّ حريق عظيم أَتَى على نحو ثلث الحرم، ولولا العمود -الذي سقط من السيل الآتي فى أَول السنة -لاحترق جميعه؛ واحترق من العُمد مائة وثلاثون عمودًا صارت كلسا. * * * وفى (٢) شوال بلغ أَهلَ بغداد عزمُ تمرلنك على التوجّه إليهم، ففرّ أَحمدُ سلطانُها واستنجد بقرًا يوسف وأَخذه ورجع إِلى بغداد وتحالفًا على القتال وأَعطاه مالًا كثيرًا وأَقام عنده إِلى آخر السنة، ثم توجّه هو وقرا يوسف إِلى بلاد الروم قاصدَيْن لأَبي يزيد بن عثمان، وكان أَبو يزيد المذكور قد حاصر في هذه السنة ملطية بعد أَن ملك سيواس وولَّى بها ولده محمد جلبي، ورتب فى خدمته الطواشي ياقوت، ثم غلب على ملطية ثم رجع إِلى برصة، فوصل (٣) اللنك إِلى قراباغ في شهر ربيع الأَول وقصد بلاد الكرج فغلب على تفليس، ثم قصد بغداد فبلغه توجّهُ أَحمد بن أويس إِلى جهة الشام قصْدَ بلاد قرا يوسف فعاث فيها

стр. 670

فيها وأَفسد، وبلغ قرايلك حال اللنك وذلك بعد أَن غلب على صاحب سيواس كما تقدم، وغلبه عليها سلمان ولد أَبي يزيد ملك الروم فسار إِلى اللنك فخدمه ودلَّه على مقاصِدِه وعرّفه الطرقات، واستقرّ من أَعوانه. فدخل اللنك سيواس عنوةً فأَفسد فيها عسكره على العادة وخرّبوا، فَرُدَّ آخر السنة وقد كثر أَتباعه من المفسدين، فنازل بهسنا في السنة المقبلة. وفى ثامن (١) ذى الحجة أَوفى النيل وكَسر الخليجَ الأَميرُ يشبك، وكان السلطان أَراد أَن يباشر ذلك بنفسه ثم خشى وقوع فتنة فرجع. وفى السابع والعشرين من ذى الحجة استقرّ موفق الدين بن نصر الدين في قضاء الحنابلة عوضًا عن نور الدين الحكري بحكم عزله. * * * وفى (٢) هذه السنة كان ابتداء حركة تمرلنك إِلى البلاد الشامية، وأَصل ذلك أَن أَحمد ابن أويس صاحب بغداد ساءَت سيرته وقَتل جماعةً من الأُمراءِ وعسف على الباقين، فوثب عليه الباقون فأَخرجوه منها وكاتبوا نائبَ تمرلنك بشيراز ليتسلمها فتسلمها، وهرب أَحمد إِلى قرا يوسف التركماني بالموصل فسار معه إِلى بغداد، فالتقى به أَهل بغداد فكسروه واستمر هو وقرا يوسف منهزِمَين إِلى قرب حلب، وقيل بل غلب على بغداد وجلس على تخت الملك؛ ثم سار صحبة قرا يوسف أَو بعده زائرًا له، فوصلا جميعًا إِلى أَطراف حلب فكاتبا نائب (٣) حلب وسأَلاه أَن يطالع السلطان بأَمرهما، فكاتب أَحمد بن أويس يستأذنه في زيارته بمصر فأُجيب بتفويض الأَمر إِلى حُسْن رأيه، فخشي دمرداش نائب حلب أَن يقصد هو وقرا
следующие страницы →