وفيها كائنة عمر الدمياطي، قَبض عليه يَلْبُغَا السالمي وضربه مقترحًا وطَوّف به على حمار مقلوب، وسُجن بالخزانة أَيامًا ثم أُطلِق بسبب أَنه كان بالشيخونية، فلما ورد كتاب السلطان بما وقع له من النصر بغزة حلف (١) بالطلاق الثلاث أَن ذلك لاصحة له، ففُعِل به ذلك.
* * *
وفى شعبان جُرّس بدمشق شخص يقال له إسحق، كان ينجّم لنائب الشام ويعده أَنه يتسلطن، ونُقِل عن الباعوني وابن أَبي مدين نحو ذلك، وناصر الدين بن أَبي الطيب كاتب السرّ قولًا وفعلًا، وسُلّم لناظر الخاص فصادره على مال، وسعى صدرُ الدين بن الأَدمي في الوظيفة بمالٍ كبيرٍ فكاد أَمره أَن يتم، ثم عُدل عنه إِلى علاء الدين نقيب الأَشراف وأُطلق ابنُ أَبي الطيب بعد مدة ثم أُعيد إِلى الترسيم، وأُخرج يوم الخميس ثالث رمضان من دمشق على حمارٍ مُوَكَّلًا به.
* * *
وفى رجب بعد خروج العساكر ثار يلبغا المجنون الأُستادارُ بالوجه البحري، فأَطلق الأُمراءَ المحبوسين بدمياط وكان السلطان أَمر بنقلهم إِلى الإسكندرية فالتقاهم يلبغا بالعطف فأَطلقهم، وقَبض على الأَمير الذى كان موكلا بهم وهو سُودُون المَامُورى. ثم وصل في تلك الحالة إِلى ديروط: سودون البيدمري (٢) ومعه كَمَشْبُغا الحضري وأياس الكَمَشْبُغاوي وآخران معه، فأَطلقهم سودون أيضًا.
وعمد يلبغا إِلى خيل الطواحين بديروط فأَخذها، وتوجّه هو ومن معه إِلى دمنهور فقَبض على نائبها، والتف عليه (٣) جمع كثير من المفسدين، فنادى في إِقليم البحيرة بحطِّ الخراج عنهم واحتاط على ما للسلطان هناك من خراج وغيره، فلما بلغ ذلك نائبَ
стр. 667
الغيبة بيبرس قريبَ السلطان جرّد إليهم - بأَمر السلطان - جماعة، منهم: أَقباى حاجب الحجاب وتمام أَربعمائة من مماليك السلطان، فلما خشي يلبغا أَن يدركوه فرَّ إِلى الغربية ثم إِلى المحلة، فنَهب بيت الوالى، ثم توجّه إِلى الشرقية ثم إلِى العباسية. وخشى الأَمير بيبرس على خيل السلطان وخيول الناس فأَمر بطلوعها من الربيع بالجيزة، وسُدّت غالب أَبواب القاهرة خشية من هجوم يلبغا.
ثم بلغ بيبرس النائب في الغيبة أَن يلبغا توجّه إِلى جهة قطيا فأَرسل إِليه أَمانا صحبة يونس البريدي، فلما قرأَه أَمر بتقييد البريديّ، ثم توجّه إِلى جهة القاهرة، فبرز لملتقاه الأُمراءُ الذين بالقاهرة فالتقوا بالمطرية، فحمل عليهم فتكاثروا عليه وكاد أَن يؤخذ، فاتفق أَنه خرق القلب وتوجّه نحو الجبل الأَحمر وتمَّتْ الهزيمة على أَصحابه واتبعوهم، فأمسك بعضهم وفر بعضهم، واستمّر يلبغا وراء القلعة ساعة ينتظر أَصحابه فلم يتبعه منهم إلا عشرون نفسًا، فعلم أَنْ لا طاقة له بالحرب فاستمرّ هاربًا، وتبعه بعض العساكر إِلى بركة الحبش فلم يُلحق.
وفي ربيع الآخر درّس الباعوني فى وظائف ابن سريّ الدين بحكم عدم أَهليته.
* * *
وفى هذه السنة زاد احتراق بحر النيل إِلى أَن صار الخوضُ من بولاق إِلى إِمبابة، واشتدّ الحرّ والعطش، وتزاحم الناس على السقائين، وصار أَكثر الناس يستسقى لنفسه على الحمير بالجرار، ولم يكن لهم بذلك عهد.
وفى أَول شوال قُبض على أَلْطَنْبُغا والى العرب وكان نائبَ الوجه القبلي لكونه من جهة يلبغا المجنون.
و [فيه] (١) أُفرج عن ناصر الدين بن أَبي الطيب كاتب سرّ الشام.
* * *
стр. 668
وفى ثالث عشر شوال جُرّدت (١) الأُمراء إِلى الصعيد بسبب يلبغا المجنون، وكان مملوكه وصل منه بكتاب يسأَل فيه أَن يكون نائبَ الوجه القبلي ويتدارك (٢) بجميع الأُمور فلم يُجب سؤاله، ثم ورد كتاب والى الأَشمونين يخبر فيه أَن محمدًا بنَ عمر [الهواري] حارب يلبغا المجنون وكسره واستمرّ في هزيمتِه إِلى أَن اقتحم فرسه البحر فغرق (٣)، فطلعوا به ميتا وقد أَكل السمك وجهه، ثم أُشيع أَنه لما انهزم من المعركة لم يُعرف له خبر.
وفي رابع عشري شوال استقر شمس الدين البَجَانِسى فى الحسبة عوضًا عن جمال الدين بن عرب، وكان جمال الدين استقرّ في غيبة السلطان في عاشر شعبان عوضًا عن تقي الدين المقريزي.
وفى يوم الجمعة رابع عشري شوال وقعت بالقاهرة ضجة عظيمة وقت صلاة الجمعة بسبب مملوكين تضاربًا فشَهرا السيوف، فشاع بين الناس أَن الأُمراءَ اختلفوا وركبوا، فهرب الناس من الجوامع، ومنهم من خفَّف الصلاة جدًا، وراح لهم في الزحمة عدة عمائم وغيرها، وخطفوا الخبز من الحوانيت والأَفران، فبادر ابنُ الزين الوالى وأَمسك جماعةً من المفسدين فشهّرهم بعد الضرب، ونادى عليهم: "هذا جزاءُ من يسكر ويكثرُ فضوله". وسكنت القضية ثم نودي بالأَمان.
وقيل إن أَصل ذلك أَن رجلًا ربط حماره إِلى دكة خشب بجوار جامع شيخون، فجذب الحمار الدكة فنفرت خيول الأُمراء الذين يصلّون بالجامع، وأَقبل ناسٌ من جهة الرميلة فرأوا شدة الحركة فظنّوا أَنها وقعة فرجعوا هاربين (٤)، فتركَّبَت الإِشاعة من ثم إِلى أَن طارت في جميع البلد، ثم خمدت.
стр. 669
وفى هذا القُرْبِ دّبت العداوة بين يَشْبَك الدُّوَيْدار وبين سودون طاز أَمير آخور.
وفى شوال استقر ناصر الدين بن السفاح في نظر الأَحباس ونظر الجوالي وتوقيع الدست والدويدارية، وكان قد صودر بالشام.
وفى آخره (١) أَخرَق بالحرم الشريف المكيّ حريق عظيم أَتَى على نحو ثلث الحرم، ولولا العمود -الذي سقط من السيل الآتي فى أَول السنة -لاحترق جميعه؛ واحترق من العُمد مائة وثلاثون عمودًا صارت كلسا.
* * *
وفى (٢) شوال بلغ أَهلَ بغداد عزمُ تمرلنك على التوجّه إليهم، ففرّ أَحمدُ سلطانُها واستنجد بقرًا يوسف وأَخذه ورجع إِلى بغداد وتحالفًا على القتال وأَعطاه مالًا كثيرًا وأَقام عنده إِلى آخر السنة، ثم توجّه هو وقرا يوسف إِلى بلاد الروم قاصدَيْن لأَبي يزيد بن عثمان، وكان أَبو يزيد المذكور قد حاصر في هذه السنة ملطية بعد أَن ملك سيواس وولَّى بها ولده محمد جلبي، ورتب فى خدمته الطواشي ياقوت، ثم غلب على ملطية ثم رجع إِلى برصة، فوصل (٣) اللنك إِلى قراباغ في شهر ربيع الأَول وقصد بلاد الكرج فغلب على تفليس، ثم قصد بغداد فبلغه توجّهُ أَحمد بن أويس إِلى جهة الشام قصْدَ بلاد قرا يوسف فعاث فيها
стр. 670
فيها وأَفسد، وبلغ قرايلك حال اللنك وذلك بعد أَن غلب على صاحب سيواس كما تقدم، وغلبه عليها سلمان ولد أَبي يزيد ملك الروم فسار إِلى اللنك فخدمه ودلَّه على مقاصِدِه وعرّفه الطرقات، واستقرّ من أَعوانه. فدخل اللنك سيواس عنوةً فأَفسد فيها عسكره على العادة وخرّبوا، فَرُدَّ آخر السنة وقد كثر أَتباعه من المفسدين، فنازل بهسنا في السنة المقبلة.
وفى ثامن (١) ذى الحجة أَوفى النيل وكَسر الخليجَ الأَميرُ يشبك، وكان السلطان أَراد أَن يباشر ذلك بنفسه ثم خشى وقوع فتنة فرجع.
وفى السابع والعشرين من ذى الحجة استقرّ موفق الدين بن نصر الدين في قضاء الحنابلة عوضًا عن نور الدين الحكري بحكم عزله.
* * *
وفى (٢) هذه السنة كان ابتداء حركة تمرلنك إِلى البلاد الشامية، وأَصل ذلك أَن أَحمد ابن أويس صاحب بغداد ساءَت سيرته وقَتل جماعةً من الأُمراءِ وعسف على الباقين، فوثب عليه الباقون فأَخرجوه منها وكاتبوا نائبَ تمرلنك بشيراز ليتسلمها فتسلمها، وهرب أَحمد إِلى قرا يوسف التركماني بالموصل فسار معه إِلى بغداد، فالتقى به أَهل بغداد فكسروه واستمر هو وقرا يوسف منهزِمَين إِلى قرب حلب، وقيل بل غلب على بغداد وجلس على تخت الملك؛ ثم سار صحبة قرا يوسف أَو بعده زائرًا له، فوصلا جميعًا إِلى أَطراف حلب فكاتبا نائب (٣) حلب وسأَلاه أَن يطالع السلطان بأَمرهما، فكاتب أَحمد بن أويس يستأذنه في زيارته بمصر فأُجيب بتفويض الأَمر إِلى حُسْن رأيه، فخشي دمرداش نائب حلب أَن يقصد هو وقرا
стр. 671
يوسف حلب، فسار (١) دمرداش نائب حلب ومعه طائفة قليلة، منهم نائب حماة ليكبس أَحمد بن أويس بزعمه، فكانت الغلبة لأَحمد فانكسر دمرداش وقُتل من عسكره جماعة ورجع منهزمًا وأُسِر نائِب (٢) حماه، ثم فدّى نفسه بمائة أَلف.
ثم جمع نُعَيْر ونائب بهسْنا جماعةً والتقوا مع أَحمد بن أويس فكسروه واستلبوا منه سيفًا يقال له سيف الخلافة وصحفًا (٣) وأَثاثًا كثيرًا، فوصلت الأَخبار بذلك إِلى القاهرة فسكن الحال بعد أَن كان السلطان أَمر بتجريد (٤) العساكر لما بلغه هزيمة دمرداش نائب حلب، وأَرسل بريديا إِلى الشام بالتجهيز إِلى جهة حلب، فراجع النائب في ذلك حتى سكن الحال.
* * *
وفى خامس عشرى ذى الحجة أَعلم نوروزَ بعضُ مماليكه أَن جماعةً منهم اتفقوا على قتله فى الليل، فحذر منهم فلم يخرج تلك الليلة من قصره، فلما طال عليهم السهر ولم يخرج فى الوقت الذي جرت عادته بالخروج فيه أَتوا إِلى باب القصر ونادوا زمام الدار وقالوا له: "أَعلِم الأَمير أَن العسكر ركب"، فبلغ ذلك نوروز فأَمره أَلَّا يجيبهم وتحقَّق ما أَخبروه به عنهم، فلما أَصبح افتقد منهم جماعةً هربوا فقبضوا على آخرين وقررهم فأَقرّوا على بعضهم، فغرَّق بعضًا ونفى بعضًا.
وفى آخر ذى القعدة وصل كتاب نائب الرحبة يخبر فيه أَنه صادف ناسًا عند خان لاجين يقطعون الطريق فقبض منهم جماعة وسأَل نجدةً ليسلمهم لهم إِلى دمشق، فقام النائب في ذلك وقعد، وانزعج الناس لذلك وظنّوه أَمرًا عظيمًا وصاروا فى هرج ومرج وأَشاعوا أَن تمرلنك قصد البلاد؛ وكنتُ يومئذ بصالحية دمشق.
стр. 672
ثم انجلت القصة آخر النهار عن هذه القضية. فكان ذلك فألا جرى على الأَلسنة بذكر تمرلنك، فإن الأَيام لم تمض إِلا قليلًا حتى طرق البلاد، فلا قوة إلَّا بالله.
* * *
وفى ثالث عشر شعبان نَزل شهاب الدين بن الحسباني لولده تاج الدين عن درس الإِقبالية (١) وعمرُه يومئذ خمس عشرة سنة، وحضر قضاة مصر والشام إِلَّا حنبلي مصر، وحفظ (٢) الخطبة جيدًا وأَدَّاها أداءً حسنًا، وشرع في تفسير سورة الكهف فأَعجبهم (٣) وأَثنوا عليه.
* * *
وفى هذه السنة أُثبت هلال شوال ليلةَ السبت بحلب اتفاق أَهل العلم بالنجوم أَنه لا يمكن رؤيته، فلما كانت ليلة الأَحد شهد اثنان برؤية هلال رمضان وهو أيضًا لا يمكن، وأَصبحوا ليلة الاثنين فلم يروا شيئًا فأَفطروا يوم الثلاثاء وهو سلخ رمضان في الحقيقة، فأَفطروا يومًا من آخر رمضان بمقتضى ذلك.
وفى شوال ضُرب صدر الدين بن الأَدمي في محاكمةٍ بينه وبين بعض الناس بسبب إِجارة لوقف الخاتونية (٤) فخرج ليحلف ثم اختلف كلامه، وفهم منه الحاجب الاختلاف فغضب منه وكلَّمه بكلام غليظ، ثم أَمر بضربه فضُرب على مقعدته بضعة عشر عصًا وكان قد سعي في كتابة السرّ، وكاد أَمره أَن يتم وجُهّزت خلعته ثم بطل ذلك، فسعى في النيابة عن القاضي الحنفي فاستنابه، فعَنْ قريبٍ وقع له ما وقع.
وفيها سعى القاضي بدر الدين بن أَبي البقاء في قضاء الشام وكتب توقيعه بذلك بشرط أَن يستقر تدريس الشافعي لولده فلم يُجَبْ إِلى ذلك، فسعى في إبطال ولايته لقضاء الشام، واستقر فيها أَخوه علاء الدين.
* * *
стр. 673
دكزى من مات
في سنة اثنتين وثمانى مائة من الأَعيان
١ - إبراهيم (١) بن أَبي بكر بن محمد الفرضي (٢) صاحب الكلائى، أَصله من البرلس وسكن القاهرة ثم مكة فانتفع به المكيون فى فنّ الفرائض. مات في المحرم.
٢ - إبراهيم بن عبد الله المغربي المعروف بالحطاب - بالمهملة - سكن المدينة طويلًا على خير واستقامة، وللناس فيه اعتقاد.
٣ - إبراهيم بن عبد الرحمن بن سليمان السرائي (٣) الشافعي، قدم القاهرة وولى مشيخة الرباط بالبيبرسية، وكان يُعرف بإِبراهيم شيخ، واعتنى بالحديث ولازم الشيخ زينَ الدين العراقي، وحصّل النسخ المليحة فاعتنى بضبطها وتحسينها، وكان يحفظ "الحاوى" ويدرّس عليه مع الخير والدين.
ومن لطائفه قوله: "كان أَول خروج تمرلنك فى سنة عذاب" يشير إِلى أَن أَول ظهوره سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة، لأَن العين بسبعين، والذال المعجمة بسبعمائة، والأَلف والباء بثلاثة.
سمعتُ من فوائده ومن نظمه؛ وكان (٤) يُحْسن عملَ صنائعَ عديدة مع الدين والصيانة. مات في ربيع الأَول.
٤ - إبراهيم بن محمد بن عثمان بن إسحق الدجوي ثم المصري، أَخذ عن الشهاب ابن المرحّل وجمال الدين بن هشام وغيرهما فى العربية (٥) فمهر وشغل فيها، وكان جل
стр. 674
ما عنده حلّ "الأَلفية" و "الخلاصة"، وكان يتكسَّب بالشهادة والعقود، وفيه دعابة وفطنة، وأَظنه قد بلغ الثمانين. مات في ربيع الأَول.
٥ - إبراهيم (١) بن موسى بن أَيوب الأَبْناسي (٢) الشافعي، برهان الدين أَبو محمد نزيل القاهرة، وُلد في أَول سنة خمس وعشرين وسبعمائة، وسمع من الوادي آشي وأَبي الفتح الميدومي، وأَخذ عن اليافعي والشيخ خليل بمكة، وعن عمر (٣) بن أَميلة وغيره بدمشق، واشتغل في الفقه والعربية والأصول والحديث، وتخرّج بمَغْلَطَاى، وتفقَّه على الإِسنوي والمنفلوطي وغيرهما، ودرّس بمدرسة السلطان حسن وبالآثار [النَّبوية (٤)] وغير ذلك، واتَّخَّذ بظاهر القاهرة [في المقس] زاوية أَقام بها يُحْسِن إِلى الطلبة ويجمعهم على التفقّه (٥) ويرتبّ لهم ما يأكلون ويسعى لهم في الأَرزاق، حتى صار أَكثرُ الطبة بالقاهرة من تلامذته.
سمعتُ منه كثيرًا وقرأتُ عليه في الفقه، وكان يتقشَّف ويتعبّد ويطرح التكلّف، وعُيّن مرة للقضاء، فلما بلغه ذلك توارى وذكر أَنه فتح المصحف في تلك الحالة فخرج له ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ (٦). الآية.
وولى مشيخة سعيد السعداءِ مدة، ولم يزل مستمرًا على طريقته في الإِفادة بنفسه وعلمه إِلى أَن حجّ في سنة إِحدى وثمانمائة فمات راجعًا في المحرّم سنة اثنتين، ودُفن بعيون القصب، ورثاه الشيخ زين الدين العراقي بأَبيات على قافية الدال.
стр. 675
٦ - إبراهيم بن نصر الله بن أَحمد بن أَبي الفتح الكناني العسقلاني ثم القاهري، سبط علاء الدين الحراني، وُلد في رجب (١) أَو شعبان سنة ثمان وستين، وولى القضاءَ بعد والده وعمره سبع (٢) وعشرون سنة، وسلك طريق أَبيه في الفقه والتثبت في الأَحكام مع بشاشةٍ ولينِ جانب، وكان الظاهر [برقوق] يعظمه ويرى له؛ مات في ربيع الأَول.
٧ - أحمد بن إسحق بن مجد الدين بن عاصم بن سعد الدين محمد بن عبد الله الأَصبهاني، جلال الدين بن نظام الدين المعروف بالشيخ "أَصلم (٣) "، شيخ خانقاه سرياقوس وابن شيخها. مات في ربيع الأَول (٤)، وكان مذكورًا بمعرفة علم الحرف (٥)، وقد تقدّم في الحوادث شئ من ذلك، وتقدّمت وفاة أَبيه (٦) سنة [ثلاث و] ثمانين.
٨ - أحمد بن أويس [بن عبد (٧) الله] الجبرتي المصري الشافعي مدرّس تربة الست بالصحراء. مات في ربيع الأَول.
٩ - أحمد (٨) بن خلف المصري شهاب الدين ناظر المواريث، كان أَبوه مهتارًا عند ابن فضل الله. مات في جمادى الآخرة.
стр. 676
١٠ - أَحمد بن خليل بن كَيْكَلْدِي (١) العلائي المقدسي، أَبو الخير، سمع بإفادة أَبيه (٢) من الكبار كالحجّار وغيره من المسندين والمزى وغيره من الحفاظ بدمشق، ورحل به إِلى القاهرة فأَسمعه من أَبي حيان ومن عدةٍ من أَصحاب النجيب، وسكن بيت المقدس إِلى أَن صار من أَعيانه، وكانت الرحلةُ فى سماع الحديث بالقدس إليه فحدّث (٣) بالكثير، وظهر له في أَواخر عمره سماع في "سنن ابن ماجة" من الحجار (٤) ورحَلْتُ إليه من القاهرة بسببها فى هذه السنة فبلغتني وفاته وأَنا بالرحلة فعرجْتُ عن القدس إِلى دمشق؛ وكان موته في ربيع الأَول وله ست وسبعون سنة، وقد أَجاز لي غير مرة.
١١ - أَحمد بن داود بن محمد الدّلاصي (٥) شهاب الدين شاهد الطرحاء، كان من الأَعيان المعتبرين بالقاهرة، مات في ربيع الأَول.
١٢ - أَحمد بن شاور العاملي (٦)، كان عالمًا بالفرائض مشاركًا في غيرها. مات في صفر.
١٣ - أَحمد بن عبد الله التركماني أَحد مَن كان يُعتقد بمصر. مات في ربيع الأَول.
١٤ - أَحمد بن عبد الخالق بن محمد بن خلف الله المَجَامي - بفتح الميم والجيم مخففًا وهي إحدى قرى المغرب - كان شاعرًا ماهرًا (٧)، طاف البلاد وتكسّب بالشعر، وله مدائح وأَهاجي كثيرة، مات بالقاهرة في ربيع الآخر وقد ناهز الثمانين، وكان حينئذ صوفيا بسعيد السعداء.
стр. 677
١٥ - أَحمد بن على بن أَيوب المنوفي، شهاب الدين، إِمام الصالحية بالقاهرة، اشتغل كثيرًا، وكان كثير المزاح حتى رماه بعضهم بالزندقة. مات في صفر وله ستون سنة.
١٦ - أَحمد بن على بن محمد بن على بن يوسف الدمشقي الحنفي، كمال الدين المعروف بابن عبد الحق، ويعرف قديمًا بابن قاضي الحصن، وعبدُ الحق هو جدّه (١) لأُمه وهو ابن خلف (٢) الحنبلي، سمع الكثير بإفادة جدّه لأمه شمس الدين الرقي (٣) من على بن محمد البندنيجي (٤) وأَبي محمد بن أبي التائب وغيرهما حضورًا، ومن عائشة بنت المسلم الحرانية والمزى وخلقٍ كثير من أَصحاب ابن عبد الدائم.
سمعت عليه كثيرًا وكان قد تفرّد بكثير من الروايات، وكان عسرًا في التحديث؛ مات في ثامن ذي الحجة وأَنا بدمشق وقد جاوز السبعين.
١٧ - أَحمد بن محمد بن أَحمد بن السيف شهاب الدين الحنبلي، سمع من على بن العز وفاطمة بنت العز وغيرهما وحدّث. مات في جمادى الآخرة، ولى منه إجازة.
١٨ - أَحمد بن محمد بن أَحمد بن سليمان بن حمزة المقدسي الحنبلي، شهاب الدين ابن عز الدين، سمع من العز محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن أَبي عمر (٥) وغيره؛ مات فى المحرم وله إحدى وستون سنة، ولى منه إجازة.
стр. 678
١٩ - أَحمد بن محمد بن بن عبد البّر [بن (١) يحيى بن على] السبكي، شهاب الدين ابن قاضي القضاة بهاء الدين بن أَبي البقاء، ناظر بيت المال بالقاهرة؛ ناب في الحكم عن أَخيه بدر الدين، ومات في ربيع الآخر.
٢٠ - أَحمد بن محمد الأَخوي (٢) الخُجَنْدي أَبو طاهر الحنفي، نزيل المدينة، حدّث بجزء عن عز الدين بن جماعة، وشّغل الناس بالمدينة أّربعين سنة وانتفع الناس به لدينه وعلمه. مات وقد جاوز الثمانين.
٢١ - أَحمد بن محمد الطولوني المهندس، كان كبير الصناع في العمائر ما بين بنَّاءٍ ونجارٍ وحجّارٍ ونحوهم ويقال له "المِعَلم"، وكان من أَعيان القاهرة حتى تزوّج الملك الظاهر ابنته فعظُم قدره، وكان قد حجّ بسبب عمارة المسجد الحرام فمات (٣) راجعًا بين مرو وعسفان (٤).
٢٢ - أَحمد بن محمد الطوخي (٥) الناسخ، شهاب الدين، كان جيد الخَطِّ حسن الضبط، سريع الكتابة جدًا، يقال إِنه كان يكتب بالمدة الواحدة عشرين سطرًا.
وأَنجب عدة أَولاد (٦) منهم: محب الدين [محمد] الذي اشتغل كثيرًا ومهر ثم ترك وتشاغل بالمباشرة عند كبير النجار برهان الدين المحلّى ثم انكسر [للبرهان] عليه مال
стр. 679
فضيّق عليه فأَظهر الجنون وتمادى به الحال إِلى أَن صار جدًا فانخبل عقله، وصار يمشى في الأَسواق وبيده هرّاوة ويقف فيذكر جهرًا، وتمادى على ذلك مدّةً بحيث كثر مَن يعتقده، واستمر على ذلك نحوًا من أَربعين سنة، وفى بعض الأَحيان يتراجع وينقطع وينسخ بالأجرة ثم يرجع لتلك الحال، وهو (١) في حال تسطير هذه الأَسطر في قيد الحياة سنة تسع وأَربعين (٢) وذكر لي أَن مولده سنة أَربع وسبعين.
٢٣ - إسماعيل بن إِبراهيم بن محمد بن على بن موسى الكناني (٣) البلبيسي ثم المصري القاضي مجد الدين، وُلد سنة ثمان أَو تسع وعشرين وسبعمائة،، وسمع من أصحاب النجيب والعزّ الحرانيّين، ولازم الزَّيْلعى فى الطلب فأَكثر من سماع الكتب والأَجزاء، وتخرّج بمَغْلَطَاى والتركماني، واشتغل بالفقه والفرائض فمهر فيها، ونظم الشعر وشارك في الأَدب، وباشر توقيع الحكم وناب في القضاء، وشجر بينه وبين شمس الدين الطرابلسي شيء فلم يَنُبْ له بل صبر حتَّى اشتغل بالقضاء ثم عزل. وله تأليف في الفرائض. سمعتُ تاج الدين بن الظريف يطريه، واختصر "الأَنساب" للرشاطي، و [تذكرة] فيها فنون كثيرة.
ولما ولى القضاءَ كان منعكفًا في جوارِ الجامع الأَزهر في رمضان فباشره فلم يُرزق فيه السعد، ثم أَشاع عنه جمال الدين العجمي أَنه يتبرّم بالسفر مع السلطان ويدّعى العجز عن الحركة، واتفق أَنه كان ثقيل البدن، فكان إذا حضر الموكبَ وأَراد القيامَ اعتمد على الأَرض وقام بمشقة، فكان السلطان يعاين منه ذلك فصدّق ما قيل عنه فعزله ولم يتم سنة، واستمر إِلى أَن مات أَن بعد ازداد ضعفه وانهزَم وساءَت حاله جدًا. مات في أَوّل (٤) ربيع الأَول، ومن شعْره:
стр. 680
لا تحسَبَنَّ الشِعْرَ فَضْلًا بارعًا … ما الشِعّر إِلَّا مِحْنَةٌ وخَبَالُ
فالهَجْوُ قَذْف، والّرِثَاءُ نِياحةٌ … والعَتْبُ صعْبٌ، والمَديحُ سُؤالُ (١)
٢٤ - أَيتمش (٢) البجاسي الجركسي، كان ممّن قام مع برقوق في ابتداء إمرته فأبلى في كائنته بلاءً حسنًا فحفظ له ذلك وصار عنده مقربًا، ثم كان هو مقدّم العساكر التي جهّزها الظَّاهر لقتال يلبغا الناصري لما خرج عليه، فكسَرهُ الناصري وحبسه بدمشق، فلما خرج الظاهر من الكرك خلص، واجتمع بالظاهر لما توجّه لمصر فقرّره أَميرًا كبيرًا، ثم لما حضر الظاهرَ الموتُ أَوصاه على ولده [فرج] وجعله المتكلم في الدولة فآل أمره إِلى أَن قُتل كما تقدّم.
٢٥ - أَبو (٣) بكر بن عثمان بن الناصح الكفرسوسي (٤) المؤدب، صحب الشيخ عليا البنا وأَخذ طريقته، وكان قدْ تصدّى للعمل فى البساتين مع النصيحة في عمله، ثم حفظ القرآن على كبر وتصدّى لتعليمه فكان يعلِّم الصبيان ويتورّع، وكانت عنده وسوسة في الطهارة، وسكَن - لما كبر - المِزَّة (٥). مات في جمادى الأولى وقد جاوز الستين.
٢٦ - أَبو بكر بن يحيى بن محمد بن بلول (٦) (بلامين) أَمير توزر، حاصره صاحب إفريقية أَبو فارس حتى قبض عليه فصلبه حتى مات في هذه السنة.
стр. 681
٢٧ - برَكة بنت سليمان بن جعفر الإِسنائي، زوج القاضي تقي الدين الإِسنائي، سمعتْ على عبد الرحمن بن عبد الهادي وحدّثت. ماتت في سلخ المحرّم.
٢٨ - بهادر بن عبد الله [الشهابي (١) الطواشي] مقدّم المماليك كان ليلبغا، وولى التقدمة من قَبْل سلطنة الظاهر إِلى أَن مات، وخرج من تحت يده خلق كثير من أَكابر الأُمراء، من آخرهم شيخ المحمودي الذى ولى السلطنة، وكان بهادر المذكور محترمًا كثير المال محبًّا في جمعه. مات في رجب بالقاهرة وقد هرم.
٢٩ - تَنَم (٢) الظاهري، تنقَّل فى خدمة برقوق إِلى أَن ولَّاه نيابة دمشق، وفى سنة سبع وسبعين قاد الجيوش الإِسلامية إِلى سيواس نجدةً لصاحبها برهان الدين بأَمر [أستاذه] الظاهر، ولما مات الظاهر أَظهر لهم المخامرة وطلب السلطنة فأَطاعه نواب الممالك، ثم وصل (٣) إِليه العسكر المصري مع أَيتمش ومن معه فتقوّى بهم، ثم كان من محاربة الناصر ومن معه لهم ما تقدم، وكانت الكسرة على تَنَم ومَن معه فأُسِروا ثم قتلوا. وكان شجاعًا مهيبًا جوادًا حسن التدبير، وله خان وسبيل بالقرب من القُطَيْفَة (٤) وتربةٌ بدمشق (٥).
٣٠ - جُلبان (٦)، تنقْل في خدمة الظاهر إِلى أَن ولَّاه نيابة حلب عوضًا عن قرا دمرداش سنة ثلاث وتسعين، وجرت له مع التركمان وقعة بالباب (٧) فانتصر عليهم، ثم جرت أخرى مع نُعَيْر فانتصر عليه أيضًا، ثم قَبض عليه الظاهر سنة ستٍ وحبسه مدةً بالقاهره ثم أَطلقه واستقر أَميرًا كبيرًا بدمشق، ثم كان ممَّنْ قام مع تَنَم فقُتل.
стр. 682
٣١ - خديجة بنت العماد أَبي بكر بن يوسف بن عبد القادر الخليلية (١) ثم الصالحية، روت عن عبد الله بن قيمّ الضيائية وماتت فى أَواخر (٢) السنة، ولى منها إجازة.
٣٢ - سليمان بن أَحمد بن عبد العزيز الهلالي المغربي ثم المدني المعروف بالسقا (٣)، سمع من أَحمد بن على الجزري وفاطمة بنت العز إبراهيم وابن الخباز وغيرهم وحدّث؛ سمعْتُ منه بالمدينة الشريفة وكان يباشر الصدقات بالمدينة، وسيرته مشكورة، ثم أَضرَّ بأخرة، ومات في أَواخر هذه السنة وقد ناهز الثمانين.
٣٣ - سليمان (٤) القرافي المجذوب، كان للناس فيه اعتقاد زائد، [وله (٥) مكاشفات عديدة]. مات في ربيع الأَول.
٣٤ - شيرين الرومية خوند والدة الملك الناصر فرج، كانت كثيرةَ المعروف والبرّ في سيرتها بعد سلطنة ولدها. ماتت في ذى الحجة (٦).
٣٥ - صدقة بن عبد الله [بن على بن] المغربي. مات بدمشق في جمادى الأولى.
٣٦ - عبد (٧) الله بن أَحمد بن محمد بن على بن محمد بن محمد بن هاشم بن عبد الواحد بن عبد الله بن عشائر، تاج الدين الحلبي، ولد [بحلب (٨)] سنة ثمانٍ وعشرين وسَمع على التقىّ إبراهيم بنِ عبد الله [بن (٨)] العجميّ وغيرِه، وأَجازَ له جماعةٌ بدمشق
стр. 683
منهم: زينب بنت الكمال، وحدّث. سمع منه البرهان المحدّث، وذكره القاضي علاء الدين في تاريخه وقال: "كان عاقلًا دينًا يُعَدّ من أَعيان الحلبيّين ومات في سادس عشري شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وثماني مائة".
٣٧ - عبد اللطيف (١) بن أَحمد الفوّى نزيل حلب، سراج الدين، وُلد سنة أربعين تقريبًا وقدم القاهرة فاشتغل بالفقه على الإِسْنوى (٢) وغيره، وأَخذَ الفرائضَ عن صلاح الدين العلالي فَمهر فيها، ثم دخل حلب فولى بها قضاءَ العسكر ثم عُزل، ثم ولى تدريس الظاهرية [خارج (٣) باب المقام] ثم نُوزع فى نصفها، وكان يقرئ في محراب الجامع الكبير ويذكر الميعادَ بعد صلاة الصبح بمحراب الحنابلة، وكان عالمًا في علم الفرائض ومشاركًا في غيرها، وله نظمٌ ونثرٌ ومجاميع، وطارح الشيخَ زاده لما قدم عليهم بنظمٍ ونثرٍ فأَجابه، ولم يزل مقيمًا بحلب إِلى أَن خرج منها طالبًا للقاهرة، فلما وصل إِلى خان غباغب (٤) أَصبح مقتولًا وذهب دمه هدرًا ولم يُعرف قاتله.
٣٨ - عبد اللطيف بن أَبي بكر بن أَحمد بن عمر الشَّرجي (٥) - بفتح المعجمة وسكون الراء بعدها جيم -نزيل زبيد، كان بارعًا فى العربية مشاركًا في الفقه، ونظمَ "مقدمة ابن بابشاد" في أَلف بيت، وشرح "ملحة الأَعراب"، وله تصنيف في "النجوم".
اجتمْتُ به بزبيد، وسمع علىّ شيئًا من الحديث، وكان السلطان الأَشرف يشتغل عليه
стр. 684
وأَنجب ولدَه "أَحمدَ (١)، وكان حنفيًا (٢).
٣٩ - عبد (٣) المنعم بن عبد الله المصري الحنفي، اشتغل بالقاهرة ثم قدم حلب فقطنها وعمل المواعيد، وكان آيةً فى الحفظ: يحفظ ما يلقيه في الميعاد دائمًا من مرة أَو مرّتين، شهد له بذلك البرهان المحدّث وقال: "كان يجلس (٤) مع الشهود، ثم دخل بغداد فأَقام بها ثم عاد إِلى حلب فمات بها في ثالث صفر".
٤٠ - عثمان بن إدريس بن إبراهيم بن عمر التكروري صاحب "بَرْنو" و "زغاي (٥) " مَلَك بعد أَخيه إِدريس بن إِدريس، وكان أَخوه مَلك بعد أَخيه داود، وداود بعد والدهم إِبراهيم، وهو أَول مَن مَلك مِن آل بيتهم.
وجدّهم الأَعلى كان ينتمى إِلى الملثمين، وهم (٦) إِلى الآن على تلك الطريقة في ملازمة اللثام، ويقال إنه جمعَ من العسكر مائةً أَلفِ فارسٍ ورجل يقاتل بهم من يليه من الكفار، والإسلامُ غالبٌ في بلادهم. مات في هذه السنة.
стр. 685
٤١ - على (١) بن أَحمد بن عبد الله الإسكندراني الحاسب، كان يتعالى علمّ الميقات فبرع فى معرفة حلّ الزيج وكتابةِ التقاويم، وأَقبل على الكيمياء فأَفنى عمرَه في أَعمالها ما بين تصعيدٍ وتقطيرٍ وغيرِ ذلك، ولم يعد يصعد معه شي؛ ومات في آخر السنة عن نحو خمسين سنة (٢).
٤٢ - على بن عبد الرحمن الدماصي (٣) الكاتب المجوّد، جاور ممكة كثيرًا وكتَّب الناس وكان يشهد ببعض الحوانيت ظاهرَ القاهرة (٤).
٤٣ - على (٥) بن عبد العزيز بن أَحمد [بن محمد] الخرّوبي، نور الدين بن عز الدين ابن صلاح الدين، من أَعيان التجار بمصر، حجَّ مرارًا، وكان ذا مروءةٍ وخير، عفيفًا عن الفواحش ديِّنًا متصوِّنًا، أَوصى بمائة أَلف [درهم] فضة لعمارة الحرم الشريف المكي فعُمر بها بعد الاحتراق، وكان والدى قد تزوّج أَخته وماتت قبله، وكان عمى زوجّ عمته، وعمّهُ زوجَ عمّتى، فكانت بيننا مودّة أَكيدة، وكان بي برًّا محسنًا شفوقًا، جزاه الله خيرًا. مات في رجب وقد أَكمل الستين.
٤٤ - على بن محمد بن على بن عرب، علاء الدين سبط القاضي كمال الدين التركماني، ناب في الحكم ببعض البلاد، وولى قضاء العسكر. مات في صفر.
٤٥ - على بن محمود بن أَبي بكر بن إسحق بن أَبي بكر بن سعد الله بن جماعة الكناني، علاء الدين الحموي بن القبّاني، اشتغل بحماة ثم قدم دمشق في حدود الثمانين،
стр. 686
وولى إعادة البادرائية (١) ثم تدريسها عوضًا عن شرف الدين الشريشي (٢)، وكان ربما أَمّ وخطب بالجامع الأَموى، وكان يُفتِي ويدرّس ويحسن المعاشَرة، وكان طويلًا بعيد ما بين المنكبين، حجَّ مرارًا وجاور، وكان قليلَ الشر كثيرَ البِشر، مات في ذي القعدة وقد شارك علاءَ الدين بن المُغْلى (٣) في اسمه واسم أَبيه وجدّه، ونَسَبَه حَمَوِيا، وسَمع صاحبُ الترجمة مع الشيخ برهان الدين المحدث بحلب وبدمشق سنة ثمانين، وليْس هو ابن مغلي فليُعلم، فإنه لا تمَيُّزَ في ثبت الشيخ برهان الدين.
٤٦ - عيسى بن عبد الله المَهْجَمى (٤)، المعروف بابن الهَلُيس، كان من أَعيان التجار وولَّاه الأَشرفُ (٥) نظرَ عدن، وجاور بمكة عدّة سنين. ومات في رجب.
٤٧ - محمد بن أَحمد بن أَبي الفتح بن إدريس الدمشقي، شمس الدين بن السراج، أَخو المحدّث عماد الدين، سمع من الحجار "الصحيح"، ومن محمد بن حازم والمزى والبرزالي وغيرهم. مات في رجب وقد قارب الثمانين.
٤٨ - محمد بن أَحمد بن محمد المصري السعودي، شمس الدين، يعرف بابن شيخ البير، برع في مذهب الحنفية ودرَّس وأَفتى وناب في الحكم، وأَحسَنَ في إيراد مواعيده بمجامع الحاكم، وكتب الخطَ الحسن، وخرّج "الأَربعين النووية"، وجمع مجاميع مفيدة مات في سلخ صفر في الأَربعين، وتأَسّف الناس عليه.
стр. 687
٤٩ - محمد (١) بن أَحمد بن محمد الطوخي.
٥٠ - محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الحنفي ولدُ (٢) شيخنا القاضي مجد الدين، مات قبل أَبيه (٣) بشهرين، وكان قد اشتغل وتمهَّر.
٥١ - محمد بن حسب الله كمال (٤) الدين الزَّعيم التاجر المكي. مات في ثالث جمادى الأولى، وكان واسعَ المال جدًا معروفًا بالمعاملات، وضُبط من ماله بعده أَكثرُ من عشرين أَلف دينارٍ سوى ما يُخْفى.
٥٢ - محمد بن حسين بن على بن أَحمد بن عطية بن ظهِيرَة المخزومي المكي الشافعي أَبو السعود، سمع من العزّ بن جماعة، واشتغل بالفقه والفرائض ومهر فيها، وناب في الحكم عن صهره القاضي شهاب الدين، وهو والد أَبي البركات (٥) الذى ولى الحكم في زماننا. مات في صفر عن نيف وستين سنة، وكان مولده سنة خمس وأَربعين.
٥٣ - محمد بن عبد الله بن بَكْتَمِر، ناصرُ الدين بنُ جمال الدين بن الحاجب، تقدّم في ولاية صهره بطا الدويدار. مات في ربيع الآخر.
٥٤ - محمد بن عبد الله بن نشابة (٦) الحرضي - بفتح المهملتين ومعجمة - ثم العرشي (٧) - بعين مهملة وراء وشين معجمة - نسبةً إِلى قريةٍ يُقال لها "عريش" من عمل حرض (٨)، وحرض آخر بلاد اليمن من جهة الحجاز الشريف، وبينها وبين حلى (٩) مفازةٌ.
стр. 688
وكان محمدٌ المذكور فقيهًا شافعيًا ذكره ابن الأَهدل في "ذيل تاريخ الجندي"، وقيّد وفاته فيها أَو فى التي بعدها، قال: "وخلفه ولدهُ عبدُ الرحمن" (١)، وكان مولدُه سنةَ أَربعٍ وسبعين، وتفقَّه بأَبيه وبأَحمد مفتى مُور (٢)، وذكر (٣) أَنه اجتمع به بعد الثلاثين بأَبيات حسين، وهو مفتي بلده ومدرِّسها وينوب في الحكم بها.
٥٥ - محمد بن عبد الرحيم بن الحسين محب الدين بن شيخنا (٤)، يُكنى "أَبا حاتم"، أَسمعه أَبوه الكثيرَ واشتغل ودرّس ثم ترك، وكان فاضلًا شكلًا حسنًا قليلَ الاشتغال، وكان قد توجّه إلى مكَّة فى رجب ثم رجع قبل الحج لمرضٍ أَصابه فاستمرّ به إِلى أَن مات في صفر.
٥٦ - محمد (٥) بن عبيدان الدمشقي بدر الدين، وُلد قبل الخمسين وتفقه وشهد عند الحكام وتميّز فيهم، وأَجازه الشيخ سراج الدين البلقيني بالإِفتاء قديمًا، وولى قضاءَ بعلبك عن البرهان بن جماعة، ثم ولى قضاءَ حمص. مات في ربيع الأَول.
٥٧ - محمد بن عجلان بن رُمَيْثَةَ بن أَبي نُمِّىّ الحسني المكي، ناب في إمرة مكة بعد كُحِّل بعد موت أَخيه واستمرَ حاملًا، وقد دخل اليمن مسترفدًا صاحبَها، ثم جَهَّزَ معه المحمل في سنة ثمانى مائة فرافقْتهُ وسلمنا من العطش الذي أَصاب أَكثرَ الحاجِّ تلك السنة بمرافقة محمد هذا لأَنه سار بنا من جهةٍ، وخالفه أَمير الركب فسار من الجهة المعْتادة فلم يجدوا ماء فهلك الكثير منهم (٦).
стр. 689
٥٨ - محمد بن عمر (١) بن إبراهيم بن العجمي، شمس الدين بن جمال الدين الحلبي، سمع "المسلسل" بالأَولية من الشيخ تقى الدين السبكي ومن محمد (٢) بن يحيى بن سعد وحدّث عنهما - بسماع الأَول - الموازيني؛ أَخبرنا البهاء عبد الرحمن، أَنا محمد بن الجوزي والثاني على ابن دؤاله، أَنا النجيب، أَنا ابن الجوزي قال أَنا اسماعيل. أَنا صالح بسنده، وكان مولد شمس الدين هذا في سنة أَربع وثلاثين واشتغل في شبيبته، وحفظ "الحاوى" ونزل في المدارس وجلس مع الشهود، ثم ولى تدريس بعض المدارس بعد والده، ونازعه الأَذرعي ثم الفُوّى، ثم استقر بعد ذلك فيما بيده، وكان سليمَ الفطرة نظيف اللسان خيّرًا لا يغتاب أَحدا. وله إجازة جعلها له أَبوه، فيها المزّى وتلك الطبقة ولم يُحدث بشئ منها، والله أعلم.
مات فى رمضان، وذكره القاضي علاء الدين.
٥٩ - محمد بن عمر بن على بن إبراهيم الجمّال المعابدي (٣) الوكيل، كان من كبار التَّجار كثيرَ المال جدًّا كثيرَ القِرى والمعروف. مات في ربيع الآخر.
٦٠ - محمد بن محمد بن أَحمد المقدشي - بالشين المعجمة - سمع أَكثر"صحيح مسلم" على ابن عبد الهادي وحدّث، وكان ذاخير وعبادةٍ وفيه سلامة، فكان صحبه يقولون له: "ادع لفلان" فيقول: "ولَّيْتُه قضَاء (٤) القضاة" وكثر ذلك منه فلقَّبوه "قاضي القضاة". سمعتُ منه. مات سادس عشري شهر رجب وقد قارب التسعين (٥).
٦١ - محمد بن محمد بن عبد العزيز بن عبد الله، ناصرُ الدين، وُلد سنة ستين أَو نحوها وتعالى الكتابةَ وولى التوقيعَ وباشرَ فى الجيش وصحب حمزة أَخا كاتب السرّ، وكان جميلَ الوجه وسيمًا محبًّا في الرئاسة فلم يُرزق من الحظ إلَّا بالصورة. ومات قتلًا في صفر.
стр. 690
٦٢ - محمد بن محمد بن على بن عبد الرزاق الغِماري (١) ثم المصري المالكي، شمس الدين، أَخذ العربية عن أَبي حيان وغيره، وسمع الكثيرَ من مشايخ مكَّة كالبافعي والفقيه خليل [بن عبد الرحمن المالكي]، وسمع بالإسكندرية من [الجمال بن] البوري عن ابن طرخان وحدّث بالكثير.
وكان عارفًا باللغة العربية كثير المحفوظ للشعر لاسيما الشواهد، قوىَّ المشاركة في فنون الأَدب، تخرّج به الفضلاء، وقد حدَّثنا "بالبردة" سماعَهُ من أَبي حيان عن ناظمها، وأَجاز لي غير مرة.
عاش اثنتين وثمانين سنة.
٦٣ - محمد (٢) بن محمد بن محمد بن عبد الدائم الباهي، نجم الدين الحنبلي، اشتغل كثيرًا وسمع من شيوخنا ونحوهم، وعنى بالتحصيلِ، ودرّس وأَفتى، وكان له نظرٌ في كلام ابن العربي فيما قيل. مات في شعبان عن ستين سنة.
قال ابن حجي: "كان أَفضلَ الحنابلة بالدّيار المصرية، وأَحقَّهم بولاية القضاء".
٦٤ - محمد بن محمد بن محمد بن عثمان الغُلْفى - بضم المعجمة وسكون اللام ثم الفاء- شيخ (٣) المعظَّمِيَّة، سمع من الحجار وحضر على إسحق (٤) الآمدى، وأَجاز له أَبوب الكحّال وعلى بن محمد البندنيجي. مات في جمادى الآخرة وأَجاز لي غير مرة.
стр. 691
٦٥ - محمد بن محمد الحديدي القيرواني، تفقَّه ثم تزهَّد وانقطع، وظهرت له كرامات، وكان يقضي حوائج الناس، وحجَّ سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة فجاور بمكة إِلى أَن مات، وكان وَرعه مشهورًا، وقيل مات سنة إحدى (١) وثمانمائة.
٦٦ - محمد الكردي الصوفي الزاهد المعمّر كان بخانقاه عمر (٢) شاه بالقنوات بدمشق، وكان ورعًا جدًا لايردّ لأَحد شيئًا ويؤثر ما عنده، وتؤثر عنه كرامات وكَشْف، وكان لا يخالط أَحدًا ويخضع لكل أَحد. جاوز الثمانين ومات في شوال.
٦٧ - مفتاح بن عبد الله، عتيقُ المِهْتار نعمان، كان مهتار الطشتخاناه. مات في هذه السنة.
٦٨ - مُقْبل بن عبد الله الرومي، عتيقُ الناصر حسن، طلب العلم واشتغل في الفقه على مذهب الشافعي ثم تعمّق فى مقالة الصوفية الاتحادية، وكتب الخط الحسنَ إِلى الغاية وأَتقن الحساب وغيره. مات في أَوائل السنة. رأَيْتُه مرارًا وقد قارب الستين.
٦٩ - مليكة (٣) بنت الشرف عبد الله بن العزِّ إبراهيم بن عبد الله بن أَبي عمر المقدسي ثم الصالحي، أُحضِرت عند الحجّار وعلَى محمد بن الفخر بن البخاري، وأُسمعت على أَبي بكر بن الرضى وزينب بنت الكمال وغيرهم، وأَجاز لها ابن الشيرازي وابن عساكر وابن سعد وإسحق الآمدى وغيرهم، وحدّثت بالكثير. ماتت في تاسع عشر جمادى الأُولى وقد جاوزت الثمانين. أَجازَتْ لى.
стр. 692
٧٠ - يوسف بن أَحمد بن غانم المقدسي النابلسي، ولى قضاءَ نابلس زمانا ثم قضاءَ صفر ثم خطابة القدس لما مات عماد الدين الكركي، ثم سعى عليه ابن السائح قاضي رملة بمالٍ كبيرٍ فعزله، فقدم دمشق متمرّضا ومات بدمشق في جمادى الأُولى، وهو سبط الشيخ تقي الدين القلقشندي.
٧١ - يوسف (١) بن الحسن بن محمود السرائي ثم التبريزي، عز الدين الحَلْوَائي (٢)، قرأْت في تاريخ حلب لابن خطيب الناصرية أَنه نقل ترجمة يوسف هذا عن ولده بدر (٣) الدين لما قدم عليهم في سنة تسع وعشرين فقال: "ولد سنة ثلاثين وسبعمائة".
وأَخذ عن جلال الدين القزويني وبهاء الدين الخَوْنَجى والعضد، ورحل إِلى بغداد فقرأَ على الكرماني، ثم رجع إِلى تبريز فأَقام بها ينشر العلم ويُصَنّف، إِلى أَن بلغه أَنَّ ملك الدعدع [وهو طقتمش خان] قصد تبريز لكون صاحبها أَساءَ السيرة مع رسولٍ أَرسله إليه في أَمرٍ طلبه منه.
وكان الرسول جميل الصورة إِلى الغاية فتولَّع به صاحب تبريز، فلما رجع إِلى صاحبه أَعلمه بما صنع معه وأَنه اغتصبه نفسه أَيامًا وهو لا يستطيع إِلا الطواعية، وتفلَّت منه، فغضب أُستاذُه وجمع عساكره وأَوقع بأَهل تبريز فأَخْرَبها. وكان أَول ما نازلها سأل عن علمائها فجُمِعُوا له فآواهم في مكان وأَكرمهم، فسلم معهم ناس كثير ممن اتَّبعهم، ثم لَمَّا نزح عنهم تحوّل عن عز الدين إِلى ماردين فأَكرمه صاحبها وعقد له مجلسًا حضره فيه علماؤها مثل سريجًا والهمام والصدر فأَقرُّوا له بالفضل.
ثم لمّا ولى إمرةَ تبريز أَمير (٤) زاه بن اللنك طلب عزّ الدين المذكور وبالغ في إكرامه
стр. 693
وأَمره بالاستقرار بها وتكملة ما كان شرع في تصنيفه، ثم انتقل بآخره إِلى الجزيرة (١) فقطنها إِلى أَن مات في هذه السنة.
ومن سيرته أَنه لم تقع منه كبيرة، ولالمس بيده دينارًا ولا درهمًا، وكان لايُرى إِلَّا مشغولًا بالعلم أَو التصنيف، وشرح "منهاج البيضاوي"، وعمل حواشي على "الكشاف"، وشرح "الأَسماء الحسنى"؛ وكان يذكر أَنه لما حجَّ ثم أَتى المدينة جلس عند المنبر فرآى وهو جالس بجانب المنبر بالروضة الشريفة - أَن المنبر على أرض من الزعفران، قال (٢): ففتحت عينى فرأَيت المنبر على ما عهدت أَولًا، فأَغفيت عيني فرأَيته على الزعفران" وتكرّر ذلك. قال القاضي علاءُ الدين: "قدم علينا ولده الآخر جمال الدين فذكر أَن والده مات سنة أَربع وثمانمائة" فالله (٣) أَعلم.
٧٢ - يوسف بن عثمان بن عمر بن مُسلَّم (٤) بن عمر الكتَّاني - بالمثناة الثقيلة- الصالحي، سمع من الحجار حضورًا ومن الشرف ابن الحافظ وأَحمد بن عبد الرحمن الصرخدي (٥) وعائشة بنت المسلم الحرانية (٦) وغيرهم، وأَجاز له الطَّبرى وهو خاتمةُ أَصحابه، وأَجاز له أيضًا ابنُ سعدُ وابنُ عساكر وآخرون، وحدّث بالكثير؛ وكان خيرًا. مات في نصف صفر عن ثلاث وثمانين سنة وأَجاز لي غير مرة.
٧٣ - يوسف بن مبارك بن أَحمد، جمال الدين الصالحي بواب المجاهدية (٧)،
стр. 694
كان يقرأ بالأَلحان في صباه هو وعلاء الدين عصفور الموقِّع وذلك قبل الطاعون الكبير، ولكلٍّ منهما طائفةٌ تتعصّب له، ثم انتقل يوسف إِلى الصالحية وعصفور إِلى القاهرة، ومات يوسف في ربيع الأَول وله ثلاث وسبعون سنة.
٧٤ - يوسف (١) الهدباني الكردي من قدماء الأُمراءِ، تأَمّر في حدود الناصر محمد [ابن قلاون]، وكان مولده تقريبًا سنةَ أَربع وسبعمائة، وتنقَّل في الولايات وولى تقدمة أَلف، وصودر غير مرة، وفى الأَخير كان نائب القلعة عند موت الظاهر فتخيّل النائب تنم وأَخذها منه، فلما غلب الناصرُ فرجُ صودر، وكان يكثر شتم الأَكابر على سبيل المزاح ويحتملون ذلك له. مات في ذى الحجة.
٧٥ - … (٢) بنت الشيخ تقي الدين اليونيني، ماتت في شعبان.
* * *
стр. 695
سنة ثلاث وثمانمائة
خرجْتُ من دمشق أَول يوم منها.
وفى الثاني منه وصل توقيعُ القاضي علاء الدين بن أَبي البقاء (١) فقُرئ وباشر قضاءَ دمشق.
ودخلت هذه السنة والناس في أَمر مريع من اضطراب البلاد الشمالية بطروق تمرلنك، وفى كل وقتٍ ترد أَخبارٌ مغايرة لما قبلها، وكان وصوله إلى سيواس في السنة الماضية كما تقدّم فحاصرها مدةً، ونقب سورها وقتل جمعًا ونهب الأَموال، وذلك في أَول يوم من السنة، حتى قيل إنه دفن من أَهل سيواس ثلاثة آلاف نفس وهُمْ بالحياة.
ثم نازل بهسنا في صفر، ثم توجه إلى ملطية فأَباد من فيها، ثم وصل إلى قلعة الروم فقوى عليه (٢) صاحبها فتركها وتوجّه إلى جهة حلب، فوصل عينتاب في أَواخره، وراسل نائبَ حلب يستحثّه على القدوم بعساكر الشام لدفع تمرلنك، ثم وصل كتابه إلى نائب حلب يقول فيه: "إنَّا لما وصلنا في العام الماضي إِلى البلاد الحلبية لأَخْذِ القصاص من قَتْل رسلنا بالرحبة بلغنا موته [يعنى الملك الظاهر] وبلَغنا أَمرُ الهند وما هم عليه من الفساد، فتوجّهنا إِليهم، فأَظفَرَنا اللهُ تعالى بهم، ثم (٣) رجعنا إِلى الكرج فأَظفرنا الله بهم، ثم بلغّنا قلة أَدب هذا الصبيّ ابن عثمان فأَردْنا عرْك أذنه، ففعلنا بسيواس وغيرها من بلاده ما بلغكم أَمرهُ، ونحن نرسل الكتب إلى مصر فلا يعود جوابُها، فنعلمهم أَن يرسلوا قريبنا أَطلمش، وإن لم يفعلوا فدماء المسلمين في أَعناقهم والسلام".
стр. 696
وفى أَواخر المحرّم عُقد مجلسُ القضاة والخليفة والأُمراء فيما بلغهم من أَمر العدوّ وهل يجوز أَن يأخذوا من التجار نصفَ أَموالهم أَو ثلثها للإِعانة على تجهيز الجيوش لملتقاه، فتكلم القاضي الحنفي جمال الدين المالطي وقال: "إن فعلتم بأَيديكم فالشَّوْكة لكم، وإِن أَردتم ذلك بفتْوَانا فهذا لا يجوز لأَحدٍ أَن يفتى به، والعسكرُ يحتاج لمن يدعو له، فلا ينبغي أَن يعمل [السلطان] شيئًا يستجلب الدعاءَ عليه".
ثم اشتوروا في ارْتجاع الأَوقاف وإقطاعها لمن يُستخدم، فغاضبهم المالطي أيضًا وقال: "القدر الذي يُتَحَصّل منها قليل جدًّا، والأَجنادُ البطالة لايُستنفَر بهم لأَنهم مع مَن غَلب، ووظيفتهم النهب"، فانفصل المجلس على ذلك، فكانت هذه من حسنات المالطي.
ودعى هذا المجلس يلبغا السالمي فلم يرجع عنه حتى عمل ما منعهم منه الملطي بعد ذلك، وجرى له عقب ذلك ما لا خير فيه.
* * *
ثم تواردت الأَخبار بأَن تمرلنك غَالَبَ البلاد الشمالية، فاضطرب أَهلُ حلب ونقلوا أَموالهم إِلى القلعة، ومنهم من فرّ إِلى البلاد القريبة، وغلت أَسعار الجمال والحمير، وتجهز نائب حلب بعسكرها ومَن انضاف إليهم من العرب والتركمان، ولما بلغت هذه الأَخبارُ أَهلَ الدولة بمصر أَرسلوا إِلى النُّوّاب بالبلاد بجمْع العساكر والتوجّه إِلى حلب، فاجتمعوا كلهم بحلب، وهم: نائب صفد ونائبُ حماة ونائبُ دمشق ونائبُ طرابلس ونائب غزة، ومعهم من العساكر تقدير ثلاثةِ آلاف فارس، ثم شرع السلطانُ في التجهيز، فأَرسل تمرلنك إِلى دمرداش نائبِ حلب يَعِدُه بأَن يبقيه على نيابته بشرط أَن يمسك سودون نائب الشام، فأَطلع دمرداشُ على ذلك سودون، فوَثب على الرسول فضرب عنقه.
فلما بلغ ذلك تمرلنك نازل حلب وذلك في العُشر الأَول من ربيع الأَول، واشْتَوَر الأُمراء، فأَشار بعضهم بالبروز إِلى ظاهر البلد والقتال هناك، وأَشار بعضهم بالإِقامة والقتال على الأَسوار إِلى أَن يحضر العسكر المِصري، وأَشار دمرداش لأَهل البلد بإِخلائه والتوجّه حيث شاءوا. فغلب أَهلُ الرأْى الأَول وضربوا الخيام ظاهرَ البلد.
стр. 697
والتقى الجمعان يوم السبت حادي عشر شهر الأَول ربيع، فزحف اللنك بجنوده ومعهم الفيلة، وصاحوا صيحة واحدة، فولَّى أَكثر الناس فزعًا فأَبلى نائبُ طرابلس في الحرب وأَزدمر ويشبك بن أَزدمر وغيرهم من الفرسان حتى كوثر أَزدمر، ففُقد، ووقع يشبك بن أزدمر بين القتلى فسلم بعد ذلك وتمَّت الهزيمة على العسكر الإِسلامي ورجعوا طالبين أَبواب حلب فوُجد فقتل في الزحام من لا يُحصى واللنكية في آثارهم بالسيوف، وانحشر الأُمراء في القلعة.
وهجم عسكر تمرلنك البلد فأَضرموا فيها النار وأَسروا النِّساءَ والصبيان، وبذلوا السيوف في الرجال والأَطفال حتى صار المسجد الجامع كالمجزرة، ورُبطت الخيول في المساجد، وافتُضَّت الأَبكار فيها بمحضرٍ من أَهلها، وكان من شأْن عسكر تمرلنك عدم الاحتشام من الوطء بمحضرٍ من الناس ولو زنوا.
ثم حوصرت القلعة ورُدِم خندقها، فلم يصبروا إلَّا يومين والثالث، فطَلب دمرداش ومَن معه الأَمان فأُجيبوا إِلى ذلك، ثم استنزلوهم من القلعة ونظموا كل نائب وطائِفَته في قيودٍ، ثم استحضرهم تمرلنك بعد أَن طلع إِلى القلعة في ناسٍ قليل بين يديه وعنَّفهم، وامتدّت الأَيدى لنهب أَموال الناس التي حصلت بالقلعة لظنِّ أَصحابها أَنها تَسْلَم، فكأَنهم جمعوا ذلك للعدوّ حتى لا يتعب في تحصيلها، وعُرِضَت عليه الأَموال ومَن أُسِر من الأَبكار والشباب، ففرّق ذلك على أُمرائه.
وكان (١) بالقلعة من الأَموال والذخائر والحلي والسلاح ماتعجّب اللنك من كثرته، حتى أَخبرَ بعضُ أَخصّائه أَنه قال: "ما كنت أَظن أَن في الدنيا قلعةً فيها هذه الذخائر".
ثم تعدّى أَصحابه إِلى نهب القرى المجاورة والمتقاربة والإِفساد فيها بقَطْع الأشجار وتخريب الديار، وجافت النواحي من كثرة القتلى منه، وكادت الأَرجل أَلَّا تطأَ إلَّا على
стр. 698
جثة إنسان، وبُنى من رءُوس القتلى عدة مآذن منها ثلاثة في رابية ابن خاجا، وهَلك من الأَطفال الذين أُسِرَت أُمهاتهم ومن الجوع أَكثر ممَّنْ قُتِل.
وذكر القاضي محب الدين بن الشحنة عن حافظ الخوارزمي أَنه أَخبره أَن ديوان اللنك اشتمل على ثمانمائة أَلف مقاتل، وذكر أَيضًا أَن اللنك لمّا جلس في القلعة وطلبَ علماء البلد ليسأَلهم عن عليّ ومعاوية قال له القاضي القفصى المالكي: "كلهم مجتهدون" فقال: "أَنتم تبع لأَهل الشام وكلهم يزيديون ويحبّون قتلةَ الحسين".
وذكر [ابن الشحنة] أَنه قرّر في نيابة حلب - لما توجّه لدمشق - الأَمير موسى بن حاجي طغاى، وكان رحيله عنها في أَول يوم شهر ربيع الآخر، ويقال إِن أَعظم الأَسباب في خذلان العسكر الإسلامي ما كان دمرداش نائبُ حلب اعتمده من إلقاء الفتنة بين التركمان والعرب، حتى أَغار بعض التركمان على أَموال نعير فنهبها، فغضب من ذلك وثار قبل حضور تمرلنك، فلم يحضر الوقعة أَحدٌ من العرب، وقال بعضهم إن دمرداش كان بَاطَن تمرلنك لكثرة ما كان تمرلنك خدعه ومنَّاه.
* * *
وفى أَواخر ربيع الأَول عرض يشبك الدويدار أَجناد الحلقة، فقرّر بعضَهم وقطع بعضَهم، وسافر سودون من زادة في سلخه على هجينٍ لكشف الأَخبار، ثم تحققت أَخبار حلب بوصول قاصد أَسنبغا الذي توجّه قبل ذلك لكشف الأَخبار، فخرج السلطان في ثالث ربيع الآخر، واستقر تمرازُ نائبَ الغيبة، ورحل السلطانُ من الريدانية عاشر ربيع الآخر فوصل غزة في العشرين منه، وتوجّه منها في السادس والعشرين منه بعد أَن قرّر نوابَ البلاد عوضًا عن المأسورين، فولَّى تغرى بردى نيابةَ دمشق، وآقبغا الجمالي نائبَ طرابلس، وتمربغا المنجكي نائبَ صفد، وطولو نائبَ غزة، ووصل السلطانُ دمشق في سادس جمادى الأُولى فوافاهم جاليش تمرلنك في نحو أَلف فارس، فالتقى ببعض العسكر فكسروه في ثامن الشهر المذكور.
стр. 699
ثم نازل تمرلنك الشامَ وراسل السلطانَ أَن يُطلق له أَطلمش قريبه على أَن يطلق جميع من عنده من الأَسارى ويرحلَ من البلاد، فامتنعوا من ذلك وظنُّوا أَن ذلك لعجزه عنهم، فكرر [تمرلنك] الطلب مرارًا فأَصَرُّوا، ثم وقعت الحرب بينهم واقتتلوا مرارًا لكن لم تقع بينهم وقعةٌ جامعةٌ بل مناوشة.
فلما كان في الثاني عشر من الشهر المذكور وقع الاختلاف بين أُمراء العسكر المصري فخاف بعضهم من بعض فاختفى، فظنَ (١) من لم يختف أَن الذي اختفى توجّه إِلى القاهرة ليملكها، فأَخذوا السلطان وتوجّهوا به إِلى نحو صفد ثم إِلى غزة وتركوا الناس فوضى، ووصل السلطانُ إِلى مصر في خامس جمادى الآخرة وصُحْبَتهُ الخليفة وأَكثرُ الأُمراء وهم في غايةٍ من الذل، ليس معهم خيلٌ ولا جمالٌ ولا قماشٌ ولاعُدة، وصار الجيش - بعد هرب السلطان من دمشق - يخرجون من دمشق إِلى جهة مصر، فيسلبهم العشير أَثوابهم، وربما قتلوا بعضهم، ومنهم من ركب البحرَ الملح حتى وصل إِلى القاهرة في أَسوأ حال.
ولما تحققّ تمرلنك فرارَ العسكر أَمَر عسكره باتِّباعهم، فصاروا يلتقطون منهم مَن تخلَّف، فأَغْلق أَهل دمشق أَبوابها وركبوا أَسوارها وتراموا مع اللنكية، فقُتل منهم جماعة، فأَرسل تمرلنك يطلب من أَهل البلد رجلا عاقلًا يتكلم معه في أَمر الصلح، فأَرسلوا إليه القاضي برهان (٢) الدين بن الشيخ شمس الدين بن مفلح، فرجع وأَخبر أَنَّه تلطَّف معه في القول وسأَله في الصلح فأَجابه، فأَطاعه كثيرٌ من الناس وأَبَي كثير منهم، فأَصبحوا في يوم السبت نصف جمادى الآخر وقد غَلب رأْىَ من أَراد الصلح، وأَخرجوا إِلى تمرلنك الضيافة، جبوها من مياسير الناس، فكتب لهم أَمانا قرئ على المنبر (٣)، يتضمنّ أَنهم آمنون على أَنفسهم وأَهاليهم وفتح الباب الصغير، واستحفظ عليه بعض أُمراء تمولنك لئلَّا ينهب التتارُ البلد.
стр. 700
واستقر الصلح على أَلف دينار، فوُزِّعت على أَهل البلد، ثم رجع تمرلنك فتسخطها وقال إنه طلب أَلف تُومان، والتومان عشرة آلاف دينار، فتزايد البلاءُ على أَهل البلد وندموا حيث لا ينفع الندم.
وأَول شيء فعله اللنكية من القبائح تعطيل الجمعة من الجامع الأُموي، فإنه نزل فيه شاه ملك وزعم أَنه نائب تمرلنك على دمشق، وسكنه بأَهله وخيوله وأَسبابه ومنع الناس من دخوله، وتعطلت المساجد من الصلوات، والأَسواقُ من المعاش؛ ثم شرع اللنكية في حصار القلعة، واستكتب تمرلنك من بعض أَهل دمشق أَسماء الحارات وقسَّمَها في أَصحابه وأَقطعها، لهم، فنزل كل أَمير حيث أُقطع وطلبَ سكان ذلك الخُط، فكان الرجل يُقام في أَسوأ هيئةٍ على باب داره ويُطْلَب منه المال الجزيل، فإِن امتنع عوقب إِلى أَن يُخْرِج جميع ما عنده، فإِذا لم يبق له شيء أُحيط على نسائه وبناته وبنيه ففُجِر بهم في حضرته، حتى قيل إنهم يفعلون بهم ذلك في حضرته مبالغةً في الإِهانة، ثم بعد وطْئهم يبالغون في عقوبتهم لإِحضار المال، فأَقاموا على ذلك سبعة عشر يومًا، فهلك تحت الضرب والعقوبة من لا يُحصى.
* * *
ثم خرج منها الأُمراء المذكورون، وصبّح البلدَ في سلخ رجب المشاةُ والرجالة في أَيديهم السيوف المصلتة، فانتهبوا ما بقى من المتاع، وأَلقوا الأَطفال - من عُمر يومٍ إِلى خمس - تحت الأَرجل، وأَسروا أُمهاتهم وآباءَهم، وفسقوا بمن تحمّل الفسق منهم باللواط والزنا وغير ذلك جهارًا، ثم أُطلقت النار في البيوت إِلى أَن احترق أَكثر البلد وخصوصًا الجامع وما حواليه.
* * *
ثم رحل تمرلنك بعساكره في ثالث شعبان، فأَعقب رحيلَه جرادٌ كثيرٌ إِلى الغاية ودام أَيامًا.
стр. 701
ومات في هذا الشهر من أَهل الشام مَن لا يُحصِى عددَه إِلا الله تعالى، فمنهم من مات حريقًا (١)، ومنهم من عجز عن الهرب فمات جوعًا، ومنهم من توجّه هاربًا فمات إعياء، ومنهم من كان ضعيفًا فاستمر إِلى أَن مات.
وبلغ الأَمرُ بأَهل دمشق قبل رحيل العسكر عنهم أَن الواحد من التمرية كان يدخل إِلى البيت وفيه العدد الكثير فيصنع بهم ما أَراد من نهب وقتلٍ وإِحراق وإفسادٍ وفسق ولا تمتدّ إِليه يد ولا يخاطبه لسان لِمَا غلب على القلوب من الخوف منهم، وبِيع القمح بعد رحيلهم كلُّ مَنٍّ بأَربعين درهمًا، وأَخذ الناس في ضمّ الجراد وبيعه وصار [هو] غالب القوت بالبلد، وبيع الرطل منه بأَربعة ونصف، وصار من بقوا حفاةً عراةً وأَعيانهم عليهم العبي والجلود وهم يبيعون الجراد ويُنادون عليه، ويتتبعون ما بقى من خلق المتاع ويبيعونه ليشتروا به الجراد، واستمر الحريق في البلد لعجز مَن بقي عن طَفْيه حتى عم جميعها (٢).
ومن بعد رحيل تمرلنك عن الشام قصد ماردين فنازلها، ووصل إليه في تلك الأَيام العادل صاحب كيفا فأَكرمه، وكان وصوله إِلى حلب راجعًا في سابع عشر شعبان ولم يدخلها بل أَمر المقيمين بها من جهته بتخريبها وتحريقها ففعلوا ثم (٣) لحقوا به؛ وحدث كثير ممن كان أَسر معهم، وسار هو قاصدا البلاد الشمالية.
وذكر (٤) بعض من يوثق به أَنه قرأَ في الحائط القبلي بالجامع النوري بحماة منقوشًا على رخامته بالفارسية ما نصه: "إن الله يسّر لنا فتح البلاد والممالك حتى انتهى استخلاصنا إِلى بغداد فجاورْنا سلطان مصر والشام، فراسلناه لتتم بيننا المودّة فقتلوا رسلمنا، وظفرت طائفة من التركمان بجماعة من أهلنا فسجنوهم لاستخلاص متغلبينا من أَيدى مخاليفنا،
стр. 702
واتفق في ذلك نزولنا بحماة في العشرين من شهر ربيع الآخر"، وكان لما وصل إِلى حمص لم يتعرّض لها إِكرامًا لخالد بن الوليد (١).
ولما تكامل الجند بمصر قام بأَمرهم يلبغا السالمي، فصار يكسو العرايا منهم ويحمل إليهم الأَموال والأمتعة (٢) والسلاح، وقام في تحصيل الأَموال ليجهز العساكر إِلى الشام لدفع تمرلنك - بزعْمه - عن دمشق، فبسط يده في أَخذ أَموال الناس بغير رضاهم، فمن حضر قاسمه ماله قسمةً صحيحة، ومن غاب أَخذ نصف ما يجده له ويترك له النصف، وعمَّ ذلك حتى في أَموال الأَيتام والأَوقاف، وفرَض على البيوت كل بيت: كراءَ شهر؛ وعلى كل فدان حبوب: عشرة دراهم؛ وعلى كل فدان قلقاس أَو قصب: مائة درهم؛ وعلى البساتين كل فدان: مائة درهم؛ وفرض على الإِقطاع عن عبرة كل أَلف دينار: ثمن فرس: خمسمائة درهم.
* * *
وفى ذى الحجة منها حاصر نعير أَميرُ العرب حلبَ، وأَميرها إذ ذاك دِمِرْدَاش، والعساكر بها قليلة جدًّا، فغَلا السعر عندهم واشتدّ عليهم الخطب، فاستنجد دمرداش بابن رمضان فحضر إليه بخيله ورجاله ووقع القتال، فرآى نعير الغلبة وقد أَشرف دمرداش وابن رمضان على كسرهم، ففرّ ليلا بمن معه فساروا في إثرهم فلم يدركوهم، ورجع ابن رمضان إِلى بلده، وقد فرّج الله عن الحلبيّين.
وفي ليلة الاثنين (٣) النصف من صفر طلع القمر خاسفًا، فصلَّى ابن أَبي البقاء بدمشق صلاة الخسوف، وخطب وفرغ عند وقت العشاءِ وانجلى القمر عند غياب الشفق.
стр. 703
ومن الحوادث غير قصة تمرلنك:
في أَول (١) يوم منها ولى تغرى برمش ولاية القاهرة عوضًا عن أَحمد بن الزين.
وفى تاسعه استقر نور الدين بن الجلال في قضاء المالكية عوضًا عن ابن خلدون.
وفى أَواخره صُرف تقى الدين الكفري (٢) من قضاءِ الحنفية بدمشق وأُعيد بدر الدين المقدسي.
وفى خامس عشرى المحرّم قرئ على المحدّث جمال الدين عبد الله بن الشرائحي (٣) بالجامع كتاب "الردّ على الجهمية" لعثمان الدارمي، فحضر عندهم زين الدين عمر الكفيري وأَنكر عليهم وشنَّع، وأَخذ نسخة من الكتاب وذهب بها إِلى القاضي المالكي (٤)، فطلب القارئ - وهو إبراهيم الملكاوي (٥) - فأَغلظ له، ثم طلب (٦) ابن الشرائحي فآذاه بالقول. أَمر به إِلى السجن، وطلع بنسخة ابن الشرائحي.
ثم طلب القارئَ ثانيًا فتغيّب، ثم أَحضره وسأَله عن عقيدته فقال: "الإِيمان بما جاءَ عن رسول الله ﷺ "، فانزعج القاضي لذلك وأَمر بتعزيره فعُزِّر وطيف به، ثم طلبه بعد جمعة، وكان قد بلغه كلام أَغضبه، فضربه ثانيًا ونادى عليه وحكم بسجنه (٧) شهرًا.
стр. 704
وفي (١) ثاني عشر المحرم عُزل ابن خلدون عن قضاءِ المالكية وأُهين، وطُلب بالنقباءِ من عند أَقباى الحاجب ماشيًا من القاهرة إِلى بيت الحاجب وأُوقف بين يديه ورسم عليه، وحصل له إِخراق زائد وأَطلق بعض مَن سجنه؛ ثم بعد مدة مِنْ عَزْله أُعطى تدريس المالكية بوقف الصالح.
وفي الرابع والعشرين منه كسر يلبغا السالمي من شبرا نحو خمسين أَلف جرّة خمر.
وفي عاشر ربيع الآخر استقر بدر الدين العينتابي في الحسبة عوضًا عن ابن البجانسي، ثم عُزل بعد رجوع السلطان من دمشق وأُعيد البجانسي في سابع جمادى الآخرة.
وفى أَواخر ربيع الآخر خلع تمراز نائب الغيبة على منكلي بغا الزَّيْني بكشف البهنسا، فنزل إِلى يلبغا السالمي الأُستادار فعرّاه الخلعة وضربه بالمقارع، فبلغ ذلك نائب الغيبة فغضب، فدخل الناس بينهما إِلى أَن أعاد السالمي على المذكور خلعته واستمر.
وفى نصف جمادى الأُولى منع يلبغا السالمي اليهود والنصارى من دخول الحمامات إلَّا بشعار يُعرفون به: نساء ورجالًا وشدّد في ذلك، فبلغ ذلك نائب الغيبة فنادى بإبطاله، ثم وصل كتاب السلطان في أَوائل جمادى الأُولى وفيه أَن يلبغا السالمي لا يحكم إِلَّا فيما يتعلَّق بالديوان المفرد خاصة.
وكان السالمي عند سفر السلطان استنجز مرسومًا بأَن يحكم في الأَحكام الشرعية، وكتب له عليه قضاة القضاة، فلما وقع الخلاف بينه وبين نائب الغيبة سعى عليه في إبطال ذلك فتمّ له ما أَراد وأَمر أَن ينادى في البلد: "من وقف ليلبغا السالمي في شكوى وعوقب، ومَن له على السالمى ظلامة يرفعها لنائب الغيبة"، ثم أَمر بكتابة محضر بأَحوال السالمي وما هو فيه من الهوج، وكان السالمي يومئذ غائبًا، فلما رجع وبلغه ذلك أَهان الذي كتب
стр. 705
المحضر وأَحضر دويدار الوالى فضربه بسبب (١) إِشهاره النداءَ، فبلغ ذلك الوالى فهرب إِلى بيت نائب الغيبة، ثم وصل السلطان فتمكَّن يلبغا السالمي من التحكم في البلد ونودى له بذلك، فصنع ما تقدم شرحه قريبًا.
وفى ثانى عشر جمادى الآخرة استقر القاضي أَمين الدين عبد الوهاب بن القاضي شمس الدين الطرابلسي في قضاء الحنفية عوضًا عن القاضي جمال الدين الملطي وكان قد تعوّق عن السفر إِلى الشام لضعفه فمات في غيبتهم وتعطَّل المنصب بعده إِلى هذه الغاية، واستقر القاضي جمال الدين عبد الله بن مقداد الأَقفهسي (٢) في قضاءِ الممالكية عوضًا عن نور الدين بن الجلال لأَنه كان مات في غزة لمّا توجّه العسكر إِلى الشام، ثم عُزل بعد يسير واستقر القاضي وليّ الدين بن خلدون في رمضان.
وفى ثالث رجب استقر علم الدين أَبو كمّ في الوزارة عوضًا عن فخر الدين بن غراب.
وفى رجب وقع بحسبان في الشام برد كبار مثل الكف، ومنه مثل الخيار، وزن الواحدة سبعة وعشرون درهمًا، ولم يعهدوا مثل ذلك قبل.
وفى رجب حضر رسول تمرلنك يطلب أَطلمش ويعدهم أَنهم إذا أَرسلوه يرسل من عنده من الأَسرى: أَميرًا كان أَوْ فقيهًا، وكانوا قد أَرسلوا قاضي القضاة صدر الدين المناوي، وشغر المنصب عنه من ابتداءِ هرب السلطان من دمشق، فلما ورد الكتاب لم تسعهم المخالفة وأَخرجوا أَطلمش وأَعطوه مالًا وأَرسلوا يخبرون تمرلنك بإِكرامه وإعزازه.
وفى ثامن (٣) عشر رجب استقر سعد الدين بن غراب أُستادارًا مضافًا إِلى ما بيده من نظر