Полный текст (16 344 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
من مآسي المسلمين في الدول الغربية
[السُّؤَالُ]
ـ[لا يخفى على فضيلتكم انتشار الصحوة الإسلامية المباركة وبالأخص في صفوف الفتيات المسلمات، وحيثُ إننا نعيش في بلد غير إسلامي (أوروبي) لذلك نجد صعوبة في تطبيق أحكام الإسلام، فمِن حينٍ لآخر نجد بعض الصعوبات، فمرة بالاستهزاء بالقرآن، ومرة بإلصاق الإعلانات في الأماكن العامة وقد صوروا عليها فتاة مسلمة وكتبوا تحتها عبارة (هل تريدين غطاء الرأس؟ نحن نظن أنك لا تريدين) ، وآخرها: القرار الصادر من الحكومة بمنع ارتداء النقاب كليّاً، ودفع مبلغ ١٥٠ يورو لمن ترتديه، وفي الآونة الأخيرة أصبح في الأمر صعوبة كبيرة على الأخوات؛ لأن الأمر قد تعدى العقوبة المالية إلى ممارسة بعض التصرفات العنصرية من قبل رجال الشرطة، وذلك مثل الاستهزاء والسخرية، وأحياناً يتم إجبارهن على رفع النقاب أمام الرجال، ولا ننسى الموقف المُشين والصورة الغير لائقة للفتاة المُتنقبة أمام أعين الناس ورجال الشرطة يلتفون من حولها وكأنها ارتكبت جريمة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أما بالنسبة لموقف الأخوات من هذا القرار فبعضهن انهمكت في الاتصال بالمشايخ لعلها تظفر بفتوى تُبيح لها كشف وجهها، وبالفعل وجدن من أفتى لهن بأن في الأمر خلافاً بين العلماء وأنتن في ضرورة ولا بأس بنزعه، والبعض الآخر لازلن محاصرات في بيوتهن ينتظرن رحمة رب العالمين.
فضيلة الشيخ
وحيثُ إنني ولدتُ وقضيتُ كل عمري في هذا البلد لذلك معذرة دعني أصارحك القول أن الإقامة في بلد الكفر تحمل في طياتها أسراراً لا يعلمها إلا من عاشها واقعيّاً.
فضيلة الشيخ
والله الذي لا إله غيره إن المسلمين في بلاد الكفر يعيشون في ذُل ومهانة وضياع لا يعلمه إلا الله وحده، فكم من البيوت انهارت، وكم من الأبناء لا يعرفون من الدين إلا اسمه، بل وصل الأمر إلى بيع بناتنا المسلمات إلى تجار الرقيق وإرسالهن إلى بعض دول أوروبا الشرقية، وذلك ليتم استعمالهن في ممارسة البغاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولقد استمعتُ يوماً من الأيام إلى رئيس قسم الأمراض المعدية - وهو عربي الجنسية - حيثُ صرح بأنه يوجد عدد ٤٠٠٠ أربعة آلاف من الفتيات المسلمات وبأعمار مختلفة يشتغلن في ممارسة الزنا وبأوراق رسمية، وهذا الإحصاء في مدينة واحده فقط!! وللأسف الشديد حتى ممن يوصفون بالتدين وجدوا أنفسهم بين فكي الأسد، فالأموال اختلطت بالربا، والأبناء لا يتكلمون اللغة العربية، وصلاة الجمعة تصلى ظهراً في المصانع الخ! ، ولا أقول هذا عن طريق سماع الأخبار، بل ما نراه بأعيننا، وهذا قليل من كثير، والله إن القلب ليتفطر من شدة ما نسمع ونرى وما وصلنا إلى هذا المستوى الذي نراه اليوم إلا عندما خالفنا شرع ربنا ورضينا بالعيش معهم من أجل دراهم معدودة إلا من رحم الله من الذين لهم العذر في البقاء، وفي المقابل هناك عدد من العائلات اجتهدوا في الهجرة إلى بلاد الإسلام وهم الآن يعيشون في رغد من العيش والله خير الرازقين.
فضيلة الشيخ
جزاك الله خيراً يوم علمتنا أن نكون مُتفائلين لا متشائمين، ولكن هذه هي الحقيقة المرة التي لا مفر منها، وحتى نكون منصفين فالحمد لله الإقبال على الإسلام كثير وبالأخص في صفوف المسلمين الجدد، فالحمد لله على نعمته وفضله.
فضيلة الشيخ
ما نريده من فضيلتكم ولكم الأجر من الله :
١. تقديم النصيحة للفتيات المسلمات بالتمسك بحجابهن، وعدم تعلقهن بالفتاوى الواهية التي تفتح لهن أبواب الشر.
٢. تشجيع الشباب على الهجرة وعدم الركون إلى الدنيا؛ لأن كثيراً منهم - أو أغلبهم - كان سبباً في بقاء زوجته وأبنائه وتعرضهما إلى هذه المصائب، علماً بأن كثيراً من الإخوة لم يهاجروا بعد وذلك بحجة جمع المال الكافي الذي يمكنهم من القيام بمشروع تجاري في البلد الذي سيهاجرون إليه، فكم المبلغ المطلوب جمعه؟ ومتى سيُجمع؟ .
٣. تقديم النصيحة للأخوات اللواتي يُكثرن الخروج من البيت لغير ضرورة، وبالأخص في مثل هذه الظروف الحرجة.
٤. تقديم النصيحة للإخوة الذين يطلبون من زوجاتهم كشف الوجه بالقوة أمام بعض الإدارات بحجة أن الأمر فيه ضرورة، فما هو الحكم الشرعي في طاعة الزوج في هذا الأمر؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا شك أن مآسي المسلمين والمسلمات في كثير من دول الكفر كثيرة، وحالهم في تلك الدول يُفطِّر القلب، ويُدمع العين.
وكلنا نسمع ونقرأ ما يتعرضون له من مضايقات، وبخاصة النساء، وقد بان زيف هذه الدول التي تدَّعي الحضارة والحرية، فراحوا يضيقون على المسلمين في وظائفهم وبيوتهم، وعلى النساء في حجابهن وعملهن، فأطلقوا الحريات في زواج المثليين، والشذوذ الجنسي، وحرية الإساءة للإسلام وأهله، وضيَّقوا على المسلمين في شعائرهم وشرائعهم.
والواجب على كل من قدر على الخروج من تلك الديار أن لا يقصِّر في ذلك، قبل أن يأتي يوم يندم فيه على تفويت الفرصة، ولا يملك حتى نفسه ليخرج بها، وذلك بعد أن يضِيع أولاده في خضم تلك الحضارة الزائفة الخارجة عن كل خلق وفضيلة، فيعيش سنين حياته يعمل ويكد ويجتهد، ثم يسلِّم أولاده للشارع والكنيسة، خسر الدنيا والآخرة.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
الإقامة في بلاد الكفار خطر عظيم على دين المسلم، وأخلاقه، وسلوكه، وآدابه، وقد شاهدنا وغيرنا انحراف كثير ممن أقاموا هناك فرجعوا بغير ما ذهبوا به، رجعوا فُسّاقًا، وبعضهم رجع مرتدًا عن دينه وكافرًا به وبسائر الأديان - والعياذ بالله - حتى صاروا إلى الجحود المطلق والاستهزاء بالدين وأهله السابقين منهم واللاحقين، ولهذا كان ينبغي بل يتعين
التحفظ من ذلك ووضع الشروط التي تمنع من الهويّ في تلك المهالك ... .
وكيف تطيب نفس مؤمن أن يسكن في بلاد كفار تعلن فيها شعائر الكفر ويكون الحكم فيها لغير الله ورسوله، وهو يشاهد ذلك بعينه ويسمعه بأذنيه ويرضى به، بل ينتسب إلى تلك البلاد ويسكن فيها بأهله وأولاده ويطمئن إليها كما يطمئن إلى بلاد المسلمين مع ما في ذلك من الخطر العظيم عليه وعلى أهله وأولاده في دينهم وأخلاقهم؟! انتهى.
وانظر تتمة هذا الكلام للشيخ – ﵀ – في جواب السؤال رقم (٢٧٢١١) ففيه تفصيل مسألة الإقامة في دول الكفر.
ثانياً:
لا يجوز للمرأة المسلمة التنازل عن عفافها وحجابها أمام تلك المغريات الفاسدة الزائلة، ولا يزال شياطين الإنس والجن يزينون للمرأة الانخراط في سلك الغاوين، فمن تبعهم زينوا الدنيا في ناظريه، وأبعدوه عن التفكير في القبر والآخرة ولقاء الله تعالى.
وللأسف أن يساهم بعض مفتي الفضائيات في نزع المرأة حجابها بحجة الدراسة أو العمل، ولا خير في دراسة وعمل يسبب غضب الرب ﵎ وسخطه، وأي متاع دنيوي ستحوزه المرأة بشهادتها أو راتبها، وهي تعلم أنه على حساب ثواب الآخرة ورضا الله تعالى، فلا يرضى بهذا إلا مَنْ زُيِّن له سوء عمله فرآه حسناً.
ولا يجوز للمسلمة أن تكشف عن وجهها فضلاً أن تكشف عن شعرها، ولو بحجة الدراسة أو العمل، وما عند الله خيرٌ وأبقى، ويجب على كل مسلم أن يسارع في الخروج من تلك الظلمات، وعلى العلماء أن يعينوا الأسر المسلمة على دينها وطاعة ربها بدلاً من إعانتهم على تكوين ثرواتهم وعبادة الدرهم والدولار!
قال الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀:
لا يجوز لكِ ولا لغيركِ من النساء السفور في بلاد الكفار، كما لا يجوز ذلك في بلاد المسلمين، بل يجب الحجاب عن الرجال الأجانب سواء كانوا مسلمين أو كفاراً، بل وجوبه عن الكفار أشد؛ لأنه لا إيمان لهم يحجزهم عما حرم الله.
ولا يجوز لكِ ولا لغيركِ طاعة الوالدين ولا غيرهما في فعل ما حرم الله ورسوله، والله سبحانه يقول في كتابه المبين: (وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن) الأحزاب/٥٣.
فبيَّن في هذه الآية الكريمة أن تحجَّب النساء عن الرجال غير المحارم أطهر لقلوب الجميع، وقال سبحانه: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن) إلى أن قال سبحانه: ( ... ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ... ) النور/٣١.
" فتاوى علماء البلد الحرام " (ص ٥٢٩) .
ثالثاً:
ينبغي للأزواج أن يكونوا عوناً لزوجاتهم على العفاف والستر والحياء، ولا يحل لهم أن يأمروهن بخلع حجابهن من أجل الدنيا كدراسة أو عمل، فإن تحتم عليهم ذلك ولم يتيسر لهم إبقاء حجاب نسائهم فيجوز كشف الوجه لتلك الضرورة، كالمطارات والجوازات، على أن يحرصوا أن يكون الناظر لها امرأة.
وأما الذين يريدون من نسائهم خلع حجابهن بالكلية، أو من غير ضرورة: فلا يحل لهم هذا، والواجب عليهم أن يفخروا بانتسابهم لهذا الدين، وأن يفخروا بستر نسائهم وبناتهم، خاصة وأنهم يرون لباس الكافرات من حيث العري والشذوذ في الألوان والتفصيل!
ولا يحل للمرأة طاعة زوجها إذا كان يأمرها بخلاف الستر والحجاب، وقد قال النبي ﷺ : (لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف) .
رواه البخاري (٤٠٨٥) ومسلم - واللفظ له - (١٨٤٠) .
وسئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
رجل متزوج وله أبناء، زوجته تريد أن ترتدي الزي الشرعي وهو يعارض ذلك، فبماذا تنصحونه بارك الله فيكم؟ .
فأجاب:
إننا ننصحه أن يتقي الله في أهله، وأن يحمد الله الذي يسَّر له مثل هذه الزوجة التي تريد أن تنفذ ما أمر الله به من اللباس الشرعي الكفيل بسلامتها من الفتن، وإذا كان الله قد أمر عباده المؤمنين أن يقوا أنفسهم وأهليهم النار في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) التحريم/٦، وإذا كان النبي ﷺ قد حمَّل الرجل المسؤولية في أهله فقال: (الرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته) ، فكيف يليق بهذا الرجل أن يحاول إجبار زوجته على أن تدع الزي الشرعي في اللباس إلى زي محرم، يكون سبباً للفتنة بها ومنها، فليتق الله تعالى في نفسه، وليتق الله في أهله، وليحمد الله على نعمته أن يسَّر له مثل هذه المرأة الصالحة.
وأما بالنسبة لزوجته: فإنه لا يحل لها أن تطيعه في معصية الله أبداً؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
" فتاوى المرأة المسلمة " (١ / ٤٤٢، ٤٤٣) .
ولينظر جواب السؤال رقم: (٤٥٦٧٢) ففيه تفصيل لحكم إجبار الدول للمسلمات على نزع الحجاب.
رابعاً:
وأما خروج المرأة من بيتها: فلتعلم أخواتنا أن الأصل في المرأة أنها مكرَّمة، ومن تكريمها أن سخر لها زوجها وأولادها لخدمتها، وأوجب على الزوج النفقة عليها، وبقاؤها في بيتها ليس إلا لأنها تقوم بعمل جليل لا يمكن لمجموعة من الرجال أن يقوموا به، وهو تربية أولادها، وخدمة زوجها وبيتها، وهي أعمال جليلة عظيمة، ولذا فإنها لا تخرج إلا من ضرورة أو حاجة ماسة، وخاصة إن كانت في بلاد كافرة أو غير آمنة.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
لا شك أن بقاء المرأة في بيتها أفضل وأبعد عن الفتنة والشر, ولا يخفى علينا جميعاً ما يحصل من خروج النساء إلى الأسواق من الفتنة لهن وبهن , فإذا أمكن ألا تخرج: فهذا هو المطلوب , وإذا اضطرت للخروج: فلتخرج كما قال النبي ﵊: (وليخرجن تفِلات) أي: غير متبرجات بزينة ولا متطيبات , ولكن لا تخرج إلا لحاجة , ... فالذي أرى في هذه المسألة أن تلزم المرأة بيتها بكل حال، ولا تخرج إلا للضرورة , وإذا خرجت للضرورة فلتكن غير متطيبة ولا متبرجة بزينة.
أما اصطحاب محرَم لها: فلا شك أنه أفضل وأولى , لكنه ليس بلازم ما دام أن المسألة لا تحتاج إلى سفر، ولكن من المؤسف أنك تجد بعض الناس يأتي إلى الخياط أو إلى التاجر ومعه أهله ثم يبقى في السيارة والمرأة هي التي تذهب وتخاطب الرجال وربما يحصل فتنة بأهله , فعلى الإنسان أن يكون رجلاً حازماً غيوراً على أهله , فلا يفعل هذا الفعل , إذا كان ولا بد فلينزل معها وليكن واقفاً عندها وهي تكلم الرجل أو يكلمها ثم هو يكلم الرجل.
" لقاءات الباب المفتوح " (١١٧ / السؤال ٢) .
وانظري جوابي السؤالين: (٦٧٤٢) و (٩٩٣٧) .
خامساً:
ولمن يريد النصح الصادق، والتوجيه الشرعي إذا أبى إلا البقاء في دول الكفر: فلينظر جوابي السؤالين: (٧٠٢٥٦) و (٤٢٣٧) ففيهما خير كثير إن شاء الله من التوجيه والنصح.
والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1017
أهله يقعون في عرض النبي ﷺ ويسبون أصحابه
[السُّؤَالُ]
ـ[أوصى الله ورسوله والأمة الإسلامية بصلة الأرحام؛ فوالله اليوم لا نشعر بها , لسوء الناس الذين نعيش معهم، ولسوء فهمهم وغفلتهم عن الله . الأهل آذوني، يشتمون ويسبون أمي إذا كنت موجودا!! الأهل في بيتهم إذا كنت جالسا يسبون ويشتمون في عرض الرسول ﷺ -يسبون أصحابه؟!! فهل علي ذنب إن قاطعتهم؟ وأسال الله العافية وأن يوفقكم فيما تعملون.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
مثل هؤلاء الذي يعتادون شتم الأمهات، لا ينبغي للإنسان أن يجلس معهم إلا أن يضطر إلى ذلك، ويجب عليه أن يظهر لهم كراهية أفعالهم وأخلاقهم، وأن يبذل الوسائل لدعوتهم ونصحهم، حتى يقلعوا عن هذه الرذائل.
وإن كان هؤلاء من القرابة والأرحام، فالأولى بالمرء أن يجاهد نفسه على صلتهم ودعوتهم إلى الله تعالى، وبذل الجهد في ذلك، فلأن يهدي الله على يديك رجلا خير لك من حمر النعم، ولا ينبغي أن يهجرهم لحق نفسه.
ثانيا:
كل شيء قد يُحتمل، إلا الطعن في رسولنا وحبيبنا ﷺ ، والطعن في أصحابه وحملة دينه، وهذا مستلزم للطعن في رب العالمين سبحانه، الذي زكى نبيه ﷺ واختاره واصطفاه، وزكى أصحابه واختارهم وشرفهم بصحبة نبيه ﷺ .
والطعن في عرض النبي ﷺ ، أي في زوجاته أو إحداهن، طعن فيه ﷺ ؛ لأنه اختارها، وأمسكها، وظل مصاحبا لها حتى فارق الدنيا، وهو طعن في الله تعالى الذي اختارها لنبيه، ورضيها له، ولم يأمره بفراقها.
ومثل هذا الطعن لا يصدر إلا ممن طمس الله تعالى بصيرته عن الهدى ودين الحق، من الرافضة وأشباههم من أهل الضلال، أو من تأثر بهم، وانخدع بضلالتهم، نسأل الله السلامة.
ولهذا فالواجب عليك أن تنكر هذا المنكر العظيم، وأن تبين لأهلك أن هذا ردة عن الدين، وسلوك لسبيل المجرمين الضالين، وأن تحذرهم من سوء العاقبة في الدنيا قبل الآخرة.
فإن استجابوا فالحمد لله، وإن أصروا فابذل كل وسيلة متاحة لإقناعهم، ومن ذلك استضافة أحد العلماء لنصحهم، ولو بطريق غير مباشر، أو إحضار بعض الكتب أو الأشرطة في هذا الموضوع، فإن لم يُجد ذلك معهم، وأمكنك مقاطعتهم أو مفارقتهم، فافعل ذلك غيرة على حبيبك ﷺ ، وأقل الأحوال أن تعلن إنكارك كلما فعلوا ذلك وأن تفارق المجلس حينئذ.
قال البغوي ﵀ في تعليقه على حديث كعب بن مالك وأصحابه ـ:
" وفيه دليل على أن هجران أهل البدع على التأبيد ... ، وقد مضت الصحابة والتابعون وأتباعهم على ذلك، وعلماء السنة على هذا مجمعين متفقين على معاداة أهل البدع ومهاجرتهم. " انتهى من شرح السنة (١/٢٢٧) .
وقال ابن مفلح ﵀: " قال أحمد..: ويجب هجر من كفر , أو فسق ببدعة , أو دعا إلى بدعة مضلة , أو مفسقة على من عجز عن الرد عليه , أو خاف الاغترار به , والتأذي دون غيره وقيل: يجب هجره مطلقا وهو ظاهر كلام الإمام أحمد السابق , وقطع ابن عقيل به في معتقده قال ليكون ذلك كسرا له واستصلاحا واستدل عليه.
وقال أيضا [يعني: ابن عقيل] : إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع , ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك , وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة , عاش ابن الراوندي والمعري عليهما لعائن الله ينظمون وينثرون , هذا يقول: حديث خرافة والمعري يقول: تلوا باطلا وجلوا صارما وقالوا صدقنا فقلنا نعم يعني بالباطل كتاب الله . وعاشوا سنين وعظمت قبورهم واشتريت تصانيفهم , وهذا يدل على برودة الدين في القلب. وهذا المعنى قاله الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله تعالى.
وقال الخلال: حدثنا إسماعيل بن إسحاق الثقفي النيسابوري أن أبا عبد الله سئل عن رجل له جار رافضي يسلم عليه. قال: لا وإذا سلم عليه لا يرد عليه ...
وقال القاضي أبو الحسين في التمام: لا تختلف الرواية وفي وجوب هجر أهل البدع وفساق الملة أطلق كما ترى , وظاهره أنه لا فرق بين المجاهر , وغيره في المبتدع والفاسق.
قال: ولا فرق في ذلك بين ذي الرحم , والأجنبي إذا كان الحق لله تعالى , فأما إذا كان الحق لآدمي كالقذف والسب والغيبة وأخذ ماله غصبا ونحو ذلك نظرت , فإن كان المهاجر والفاعل لذلك من أقاربه وأرحامه لم تجز هجرته , وإن كان غيره , فهل تجوز هجرته أم لا؟ على روايتين ...
قال القاضي: وإنما كره أحمد هجرة الأقارب لحق نفسه للأخبار في صلة الرحم , وإنما أجازها في حق الله تعالى , ومنعها في حق الغير على رواية المروذي في حق الأجنبي ; لأن حق الله أضيق لأنه لا يدخله العفو وحق الآدمي أخف لأنه يدخله العفو , ويبين هذا قول النبي: ﷺ فدين الله أحق أن يقضى.
وكلام أكثر الأصحاب يقتضي أنه لا فرق , وهو ظاهر كلام الإمام أحمد في مواضع , وهو الأولى والأخبار في صلة الرحم تخص بأدلة الهجر , وحق الآدمي فيه حق الله تعالى , وهو مبني على المساهلة والمسامحة بخلاف حق الآدمي."
انتهى من الآداب الشرعية (١/٢٣٧-٢٣٨) .
نسأل الله لك التوفيق والثبات.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1018
مسافرة بعيداً عن أهلها وتخشى على نفسها الفتنة
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا فتاة مسلمة أعيش وحيدة في بلاد كافرة، بعد أن رفض أهلي كل من تقدم لي للزواج، وقد عانيت كثيراً وأنا أحاول الهروب من الفتن وأحافظ على ديني، لكن ٤ سنوات من الغربة جعلتني أمرض وأعاني من آلام نفسية حادة، لكثرة ندمي على سفري بلا محرم، ولا أستطيع العودة إلى بلدي، ولا أهلي تركوني أحصن نفسي، وبالرغم من أنني حافظت على حجابي وساهمت في الدعوة إلى الله إلا أنني ضعفت وكدت أقع في الزنا، ومن ثم ساءت حالتي أكثر وأكثر. فكرت في الانتحار لكن علمي بعظم هذا الجرم منعني.
سافرت في إطار عملي فالتقيت بشاب من بلدي الأصلي تظهر عليه علامات الطهر والالتزام يعيش في نفس البلد الذي أدرس فيه.
كنت أبكي طيلة السفر، وأدعو الله أن أموت في تلك الرحلة، لأنني أشعر أني ضعفت وفقدت القدرة على المقاومة.
عندما عدت من السفر أحسست أن شيئاً ما تغير في نفسي، وأني استعدت ثقتي بالله، وقطعت صلتي بكل من أفسدني، وأعلنتها توبة عجزت عنها منذ مدة طويلة، صليت لله واستخرت أن يكون هذا الشاب زوجي، فوالله ما فتئ يتصل بي طالباً مني الزواج على أن ألتزم بالشرع، أخبرت أهلي لكنهم رفضوا مرة أخرى وآذوني لأنهم ما فكروا فيما أعاني، فوالله لا أريد عقوقهم، لكنهم يحملوني ما لا طاقة لي به، فقد فكرت طلب ولاية الإمام، لأن الشاب من أحسن ما رأيت دينا وخلقا، ووالله لا أريد إلا تحصين نفسي لوجه الله فما أفعل؟
وسؤالي الثاني: إنني أحس بالذنب مع هذا الشاب لما أذنبته، فهل أخبره بما فعلته في الماضي برغم توبتي الصادقة! أنا على اتصال هاتفي بهذا الشاب للتفاهم، ويشهد الله أنه ما تجاوز حدوده أبدا! أفيدوني بإجابتكم فوالله إن قلبي لممزق.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نسأل الله تعالى أن يفرج همك، ويزيل غمك، ويحميك من الانزلاق في مهاوي الردى والمعصية إنه على ما يشاء قدير.
اسمعي معي إلى هذا النداء الإلهي العظيم: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) الزمر/٥٣.
واسمعي إلى قوله تعالى وهو ينادي عباده المؤمنين: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) التحريم/٨.
والله يقبل التوبة عن عباده، كما قال جل شأنه: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) الشورى/٢٥.
أختي السائلة:
ما الذي دعاك لترك أهلك؛ والسفر إلى بلاد الكفر والعيش معهم؟! والإنسان لم يعد يأمن على نفسه حتى في بلاد الإسلام! وذلك لكثرة الشبهات والشهوات!
فكيف ببلاد استبيح فيها كل شيء، وفتحت فيها أبواب المعاصي على مصراعيها!
من أجل هذا – ومن حرصه ﷺ على أمته, وحماية لهم من الوقوع في مثل ما وقعت به – أسأل الله أن يعافيك-، حرّم السكن والعيش بين الكفار, والإقامة في بلادهم. فقال: (أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (٢٦٥٤) والترمذي (١٦٠٤) وصححه الألباني في إرواء الغليل (١٢٠٧) .
والإقامة في بلاد الكفر مرتع وخيم، وعيش نكد، وحياة قلق واضطراب، وهم – أعني أصحاب تلك البلاد – حياتهم جهنم لا تطاق – باعترافهم – لأنهم فقدوا تربية الروح، والصلة مع الله، وصارت حياتهم مادية بحتة، فكثرت فيهم الأمراض النفسية، ولجأوا في كثير من الأحيان – للتخلص من هذه الحياة – إلى الانتحار.
ثانياً:
النصيحة لك أن تبحثي عن الأسباب التي جعلت أهلك يقفون منك هذا الموقف، فيرفضون كل من تقدم للزواج منك , وجدي في معرفتها والعمل على إزالتها، حتى تستطيعي معالجة الأمر، وإيجاد الحلول المناسبة؛ حتى يلتم الشمل وتجتمعي مع أهلك.
وإذا تعثر ذلك، وبقيت الأمور على ما هي وتبيّن أن الأسباب الحائلة بينك وبين أهلك أسباب غير شرعية. عند ذلك تنتقل ولايتك للسلطان أو القاضي الشرعي، وحيث إنك توجدين في بلاد ليس فيها قضاء شرعي وليست بلاد إسلام، فلا حرج عليك أن يكون وليك هو مدير أحد المراكز الإسلامية أو إمام المسجد، وانظري جواب السؤال (٧٩٨٩) .
ثالثاً:
إن إحساسك بالذنب على ما قد فعلته سابقاً , ورجوعك إلى الله، والتوبة الصادقة النصوح، التي يندم فيها الإنسان على ما فعل , ويعزم على أن لا يعود، ويقلع عن الذنب , ويستغفر, ويكثر من الأعمال الصالحة , إن ذلك يجبر ما فات ويطهره، قال تعالى: (فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) المائدة/٣٩.
وقال جل شأنه: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى) طه/٨٢.
وقال تعالى: (وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً) الفرقان/٧١.
فمن رجع عن المعاصي، وأناب إلى ربه، وأسلم له؛ فإن الله يقبل توبته ويحسن عاقبته، ويجعله من ورثة جنة النعيم، قال الله تعالى: (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً * إِلا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً) مريم/٥٩-٦٠.
والتوبة تفتح على صاحبها باباً جديداً, ينطلق منه إلى حياة جديدة؛ ملؤها الإيمان , والإحسان , والأمل.
قال ﷺ : (التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لا ذَنْبَ لَهُ) رواه ابن ماجة (٤٢٥٠) وحسنه الألباني.
فأنصحك بعدم ذكر ذلك له، لأن ذلك صار كأنه لم يكن – بعد التوبة – وابدئي معه حياة جديدة, ملؤها الأمل , والحب , والسعادة , وكلليها بالطاعة , والتقوى، والاستقامة على الهدى.
ونصيحتنا لك أن تعجلي بأمر الزواج من هذا الشاب، لأن اتصاله بك وإقامة علاقة معه قبل الزواج أمر محرم، وقد يكون ذلك باباً من أبواب الفتنة، نسأل الله تعالى أن يحفظنا من الزلل.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1019
قوله للكافر في عيده: أتمنى لك الخير أو الأفضل هل يعد تهنئة
[السُّؤَالُ]
ـ[أعلم أن تهنئة الكتابيين بأعيادهم حرام، لما فيها من إقرار لعقائد باطلة, ولكن هل يجوز لي أن أرسل لمن أعرفه منهم في أعيادهم رسائل لا تحتوى على تهنئة, كأن أرسل لهم "أتمنى لك الخير", "أتمنى لك الأفضل" بنية تمنى لهم الهدى؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
تهنئة الكفار في أعيادهم، أمر محرم، كما ذكرت. وراجع السؤال رقم (٩٤٧) ، ورقم (٨١٩٧٧)
والذي يظهر أن إرسال رسالة إلى من تعرفه منهم، في أيام أعيادهم، مضمونها: أتمنى لك الخير أو الأفضل، أن ذلك من التهنئة.
لكن لو أرسلت هذه الرسالة في غير أيام الأعياد الخاصة بهم، بنية دعوتهم والرغبة في هدايتهم، فلا حرج.
عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ كَانَ الْيَهُودُ يَتَعَاطَسُونَ [يعني: يفتعلون العطاس من عندهم] عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ يَرْجُونَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ يَرْحَمُكُمْ اللَّهُ فَيَقُولُ يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ.
رواه الإمام أحمد (١٩٠٨٩) أبو داود (٥٠٣٨) والترمذي (٢٧٣٩) وصححه الألباني في الإرواء (١٢٧٧) .
قال في عون المعبود: " أَيْ وَلَا يَقُول لَهُمْ يَرْحَمكُمْ اللَّه , لِأَنَّ الرَّحْمَة مُخْتَصَّة بِالْمُؤْمِنِينَ بَلْ يَدْعُو لَهُمْ بِمَا يُصْلِح بَالَهُمْ مِنْ الْهِدَايَة وَالتَّوْفِيق لِلْإِيمَانِ.
فالدعاء للكافر بالهداية، أو بصلاح البال: يعني: بالإيمان والهدى، لا بأس به، بل هو ثابت بسنة النبي ﷺ .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1020
حكم التحدث باللغة الانجليزية دون الحاجة لذلك
[السُّؤَالُ]
ـ[ماحكم التحدث باللغة (الانجليزية) دون الحاجة لذلك؟ وأرجو كتابة المرجع لكي أستند عليه.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لِلَّه
أولا:
يقرر علماء اللسانيات والأصوات أن اللغات في العالم بلغت ما يقرب من ثلاثة آلاف لغة، وأنها تختلف في مستوياتها، فمنها اللغة الراقية والمتصرفة والثرية ومنها دون ذلك.
واللغة العربية تتربع في قمة هرم اللغات، لما لها من خصائص ذاتية في حروفها وكلماتها التي تقوم على أصول ثلاثية في الغالب، وتناوبِ الصيغ في أداء المعنى، وتقارُبِ معاني ألفاظها مع الأصوات، وكذلك للخصائص التي تحملها معاني التراكيب اللغوية، فيما يسمى بـ " علم البلاغة ".
ولذلك كانت اللغة العربية لغة كتاب الله الخالد، القرآن الكريم، وقد اختارها الله سبحانه لتكون اللسان الذي أنزل به كتابه، قال الله تعالى: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) الشعراء /١٩٢-١٩٥
الإمام الشافعي ﵀:
" ولسان العرب أوسع الألسنة مذهباً، وأكثرها ألفاظاً، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غيرُ نبي " انتهى. الرسالة (٣٤)
وقد شهد أهل العلم باللغات بأفضلية اللغة العربية على غيرها من اللغات.
يقول ابن جني في "الخصائص" (١/٢٤٣) :
" إنا نسأل علماء العربية، ممن أصله أعجمي، وقد تدرب قبل استعرابه عن حال اللغتين، فلا يجمع بينهما، بل لا يكاد يَقبل السؤال عن ذلك لبعده في نفسه، وتقدُّمِ لطف العربية في رأيه وحسه، سألت غير مرة أبا علي (يعني الفارسي إمام اللغة المعروف) عن ذلك، فكان جوابه عنه نحو ما حكيته " انتهى.
ويقول ابن سنان الخفاجي في "سر الفصاحة" (٤٥) :
" لا خفاء بميزاتها على سائر اللغات وفضلها " انتهى. ثم توسع في شرح ذلك.
وانظر كتاب "البلاغة المفترى عليها" لفضل حسن عباس (١٩-٧٨) .
ثانيا:
ومن عرف للغة العربية فضلها وأهميتها أدرك ما ينبغي عليه من شديد العناية بها، خاصة وأن الصلاة وهي أهم عبادات المسلم لا تصح إلا بتلاوة كتاب الله العربي، لذلك كان المسلمون في شرق الأرض وغربها يتعلمون العربية على اختلاف أجناسهم وأعراقهم، حفاظا على وحي الله تعالى الذي أنزله بهذه اللغة، فإنَّ حفظَ القوالب حفظٌ للمعاني.
اللهم إلا أننا أصبحنا نجد في عصرنا هذا من يزهد في لغة القرآن، فينسبها تارة للعجز، وأخرى للصعوبة، لم يغادر شبهة أو تهمة إلا وحاول إلصاقها بها، ولكن الله قيض له من يبين فساد مقالته، وبطلان دعواه.
كما أننا نجد في زماننا من يزهد بلغته العربية، تبعية للغرب الذي سلب لُبَّه بمدنيته الزائفة، وحضارتِه الموهومة، فأصبح يستبدل العبارات العربية بالكلمات (الانجليزية) تارة، أو بـ (الفرنسية) تارة أخرى، حتى انحرف لسانه عن لغته الأصيلة، وانحرفت أخلاقه وأطباعه تبعا لذلك.
فلهؤلاء وأولئك أنقل لهم كلمة ضافية لشيخ الإسلام ابن تيمية، أوفى فيها على المقصود، وجمع فيها من المنقول والمعقول في هذا الموضوع، فقال رحمه الله تعالى في "اقتضاء الصراط المستقيم" (١/٢٠٤- ٢٠٨) :
" اللسان العربي شعار الإسلام وأهله، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون، ولهذا كان كثير من الفقهاء، أو أكثرهم، يكرهون في الأدعية التي في الصلاة والذكر، أن يدعى الله أو يذكر بغير العربية..
وأما الخطاب بها (يعني الأعجمية) من غير حاجة في أسماء الناس والشهور، كالتواريخ ونحو ذلك، منهي عنه مع الجهل بالمعنى بلا ريب.
وأما مع العلم به، فكلام أحمد بَيِّنٌ في كراهته أيضا، فإنه كره "آذرماه" ونحوه، ومعناه: ليس محرما، وأظنه سئل عن الدعاء في الصلاة بالفارسية فكرهه وقال: لسان سوء. وهو أيضا قد أخذ بحديث عمر ﵁ الذي فيه النهي عن رطانتهم، وعن شهود أعيادهم.
وهذا قول مالك أيضا، فإنه قال: لا يُحرِم بالعجمية ولا يدعو بها، ولا يحلف بها. وقال: نهى عمر عن رطانة الأعاجم وقال: " إنها خِبَّ " (المكر والغش، المدونة ١/٦٢-٦٣) ، فقد استدل بنهي عمر عن الرطانة مطلقا.
وقال الشافعي فيما رواه السلفي بإسناد معروف إلى محمد بن عبد الله بن الحكم قال: سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول:
" لا نحب ألا ينطق بالعربية فيسمي شيئا بالعجمية، وذلك أن اللسان الذي اختاره الله لسان العرب، فأنزل به كتابه العزيز، وجعله لسان خاتم أنبيائه محمد ﷺ ، ولهذا نقول: ينبغي لكل أحد يَقدِرُ على تعلم العربية أن يتعلمها؛ لأنها اللسان الأَوْلَى بأن يكون مرغوبا فيه، من غير أن يحرم على أحد أن ينطق بالعجمية "
فقد كره الشافعي لمن يعرف العربية أن يسمي بغيرها، وأن يتكلم بها خالطا لها بالعجمية، وهذا الذي قاله الأئمة مأثور عن الصحابة والتابعين.
روى أبو بكر بن أبي شيبة في "المصنف" (٩/١١) حدثنا وكيع عن أبي هلال عن أبي بريدة قال: قال عمر: ما تعلم الرجل الفارسية إلا خَبَّ (صار خَدَّاعًا) ، ولا خَبَّ رجل إلا نقصت مروءته.
وقال حدثنا وكيع عن ثور عن عطاء قال: لا تعلموا رطانة الأعاجم، ولا تدخلوا عليهم كنائسهم، فإن السخط ينزل عليهم.
وهذا الذي رويناه فيما تقدم عن عمر ﵁. (انظر مصنف عبد الرزاق ١/٤١١)
وقال حدثنا إسماعيل بن علية عن داود بن أبي هند أن محمد بن سعد بن أبي وقاص سمع قوما يتكلمون بالفارسية فقال: ما بال المجوسية بعد الحنيفية.
ونقل عن طائفة منهم أنهم كانوا يتكلمون بالكلمة بعد الكلمة من العجمية:
قال أبو خلدة: كلمني أبو العالية بالفارسية.
وقال منذر الثوري: سأل رجل محمد بن الحنفية عن الجبن، فقال: يا جارية اذهبي بهذا الدرهم فاشتري به نبيزا، فاشترت به نبيزا، ثم جاءت به، يعني الجبن.
وفي الجملة: فالكلمة بعد الكلمة من العجمية أمرها قريب، وأكثر ما كانوا يفعلون إما لكون المخاطب أعجميا، أو قد اعتاد العجمية، يريدون تقريب الأفهام عليه، كما قال النبي ﷺ لأم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص - وكانت صغيرة قد ولدت بأرض الحبشة لما هاجر أبوها - فكساها النبي ﷺ خميصة وقال: (يا أم خالد هذا سنا) والسنا: بلغة الحبشة الحسن. البخاري (٥٨٤٥)
ورُوي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال لمن أوجعه بطنه: أشكم بدرد.
وأما اعتياد الخطاب بغير العربية التي هي شعار الإسلام ولغة القرآن، حتى يصير ذلك عادة للمصر وأهله، ولأهل الدار، وللرجل مع صاحبه، ولأهل السوق، أو للأمراء، أو لأهل الديوان، أو لأهل الفقه، فلا ريب أن هذا مكروه، فإنه من التشبه بالأعاجم، وهو مكروه، ولهذا كان المسلمون المتقدمون لما سكنوا أرض الشام ومصر ولغة أهلهما رومية، وأرض العراق وخراسان ولغة أهلهما فارسية، وأهل المغرب ولغة أهلها بربرية، عودوا أهل هذه البلادِ العربيةَ، حتى غلبت على أهل هذه الأمصار مسلمهم وكافرهم، وهكذا كانت خراسان قديما.
ثم إنهم تساهلوا في أمر اللغة، واعتادوا الخطاب بالفارسية حتى غلبت عليهم، وصارت العربية مهجورة عند كثير منهم، ولا ريب أن هذا مكروه.
وإنما الطريق الحسن اعتياد الخطاب بالعربية حتى يتلقنها الصغار في الدور والمكاتب، فيظهر شعار الإسلام وأهله، ويكون ذلك أسهل على أهل الإسلام في فقه معاني الكتاب والسنة وكلام السلف، بخلاف من اعتاد لغة ثم أراد أن ينتقل إلى أخرى، فإنه يصعب عليه. واعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيرا قويا بينا، ويؤثر أيضا في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق.
وأيضا فإن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإنَّ فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ثم منها ما هو واجب على الأعيان، ومنها ما هو واجب على الكفاية.
وهذا معنى ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عيسى بن يونس عن ثور عن عمر بن يزيد قال: (كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري ﵁: أما بعد، فتفقهوا في السنة، وتفقهوا في العربية، وأعربوا القرآن فإنه عربي)
وفي حديث آخر عن عمر ﵁ أنه قال: (تعلموا العربية فإنها من دينكم، وتعلموا الفرائض فإنها من دينكم)
وهذا الذي أمر به عمر ﵁ من فقه العربية وفقه الشريعة يجمع ما يحتاج إليه؛ لأن الدين فيه فقه أقوال وأعمال، ففقه العربية هو الطريق إلى فقه أقواله، وفقه السنة هو الطريق إلى فقه أعماله " انتهى.
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ في "اللقاء الشهري" (لقاء رقم ٣/سؤال رقم ١٢) :
" السؤال: نجد أن بعض الناس ربما يتخاطب مع غيره من الشباب وغيرهم باللغة الإنجليزية أو ببعض مفرداتها، هل يفرق هذا بين من كان في مجال عمل، كما أننا نحن مثلاً في المستشفى نتخاطب مع زملائنا باللغة الإنجليزية غالباً، ولو كان الأمر لا يحتاج للكلام، ولكننا تعودنا ذلك بمقتضى مخالطتنا لهم، فهل في هذا بأس، وإذا تكلم الإنسان بكلمة من غير العربية فهل يأثم بذلك؟
الجواب:
الكلام باللغة غير العربية أحياناً لا بأس به، فإن النبي ﵊ قال لطفلة صغيرة جارية قدمت من الحبشة فرآها وعليها ثوب جميل، فقال: (هذا سنا، هذا سنا) أي: هذا حسن، كلمها باللغة الحبشية؛ لأنها جاءت قريبة من الحبشة، فخطاب من لا يعرف العربية أحياناً باللغة التي يفهمها هو لا بأس به، وليس فيه إشكال، لكن كوننا يأتينا هؤلاء القوم لا يعلمون اللغة العربية، ثم نتعجم نحن قبل أن يتعربوا هم، مثل أن تجد بعض الناس إذا خاطب إنساناً غير عربي بدل ما يقول: لا أعرف، يقول: " ما في معلوم ". لماذا يقول: " ما في معلوم "؟ لأجل أن يعرف ما يقول له، والصحيح أن يقول له: لا أعرف، حتى يعرف هو اللغة الصحيحة، لكن مع الأسف الآن نخشى على أنفسنا أن نكون أعاجم " انتهى.
ويقول الشيخ ابن عثيمين أيضا ﵀ "لقاء الباب المفتوح" (لقاء رقم ١٤٢/سؤال رقم ٣) :
" الذي ينطق بالعربية لا ينطق بغير العربية، ولهذا كان عمر بن الخطاب يضرب الناس إذا تكلموا برطانة الأعاجم، والعلماء كرهوا أن يكون التخاطب بلغة غير العربية لمن يعرف اللغة العربية، ولذلك - مع الأسف الشديد - الآن عندنا هنا في السعودية التي هي أم العربية نجد بعضهم يتكلم باللغة غير العربية مع أخيه العربي، بل بعضهم يعلم صبيانه اللغة غير العربية، بل بعضهم يعلمهم التحية الإسلامية باللغة غير العربية، سمعنا من يقول لصبيه إذا أراد مغادرته أو أتى إليه، يقول: " باي باي "..؟!! ثم نرى الآن مع الأسف الشديد أنه يوجد لافتات على بعض المتاجر باللغة غير العربية، يعني: في بلادنا العربية يأتي العربي من البلد يقف على هذا الدكان لا يدري ما معناه، وما الذي فيه؟ ولا يدري ما هذا المتجر؟ ويأتي إنسان أوروبي لا يعرف البلد، ويقف ويعرف ما في الدكان، لماذا؟ لأن المكتوب باللافتة بلغته، أما نحن فلا، وهذا لا شك أنه من نقص التصور في شأننا في الواقع، من عندك ممن يفهم من اللغة الإنجليزية، أي: ولا (١%) من السكان، ثم تجعل اللافتة على دكانك بهذه اللغة! هذا أقل ما يكون حياءً من أهل البلد، لكن الحقيقة أن القلوب ميتة، وإلا كان يُهْجَر هذا الذي جعل دكانه باللغة غير العربية!! كان الذي ينبغي لنا نحن ونحن عرب، والله أنت ما فتحت دكانك لنا، إنما فتحته لأهل هذه اللغة ونقاطعه، ولو أننا قاطعناه لكان غداً يكتبها بالحرف الكبير باللغة العربية ... " انتهى.
ويقول أيضا ﵀ "لقاء الباب المفتوح" (لقاء رقم/١٨٦/ سؤال رقم/١٥) :
" إذا خاطبك الإنسان بلغته أجب عليه بلغته، لكن الأفضل أن تبقى الألفاظ الشرعية على ما كانت عليه، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا يغلبنكم الأعراب على صلاتكم العشاء فإنهم يدعونها العتمة) ؛ لأن الأعراب يعتمون بالإبل، وهي في كتاب الله العشاء، فنهى الرسول ﵊ أن يغلبنا الأعراب على لغتنا مع أنهم عرب، لكن مع الأسف الآن أن المسلمين غلبتهم البربر والعجم على لغتهم، فصاروا الآن يتعاملون باللغة الإنجليزية عندنا، حتى بلغني أن بعض الناس من جهلهم في مجالسهم العادية يتكلمون باللغة الإنجليزية وهم عرب، وهذا يدل على الضعف الشخصي إلى أبعد الحدود، وعلى عدم الفقه في دين الله، وكان عمر ﵁ من حرصه على اللغة العربية التي هي لغة القرآن والحديث يضرب من يتكلم بالفارسية أو بالأعجمية " انتهى.
وانظر "الآداب الشرعية" لابن مفلح (٣/٤٣٢-٤٣٣)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1021
هل يطرد خاله مدمن الخمر من السكن معه ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[يعيش معنا -أنا واثنان من الإخوة أصغر مني- في بلاد الكفر في نفس البيت الصغير -غرفتين- خال لي مدمن خمر , لكن في بداية سكناه معنا لم يكن يشرب بهذا القدر , أضف إلى ذلك أنه لا يصلي , ويسب الدين والرب في بعض الأوقات , وهو هنا في بلاد الكفر منذ ما يقارب ٣٠ سنة لم يذهب خلالها قط إلى البلاد.. ولقد كان صديقاً لأبي قبل أن يتزوج أبي بأمي.. ونحن ولله الحمد والمنة نصلي ونحاول اتقاء الله قدر المستطاع , ولقد تكلمنا معه بالتي هي أحسن ونصحناه بأن يتوب إلى الله , فيقول لنا؛ معكم الحق.. ادعوا الله أن يتوب عليّ.. ثم بعد يوم أو اثنين يعود لما كان عليه! ونحن إن قمنا بطرده من البيت فلا يوجد من يستضيفه في بيته مما سيؤدي به إلى النوم في الشارع ككثير من المدمنين العرب الذين يعيشون في الشوارع , نسأل الله لنا ولهم الهداية.. السؤال؛ ماذا يتوجب علي فعله مع العلم بأن أمي وأبي لا يعيشون معنا في نفس البيت فهما في بلدنا الأصلي , لكن في حالة طرد خالي أو التكلم معه بقسوة فقد تنزعج أمي لأنها رغم ذلك تحب أخاها لأنها لم تره منذ ٣٠ سنة؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
مآسي المسلمين في بلاد الكفر كثيرة , لا تعد ولا تحصى , تدمي القلب , وتفطر الكبد , وتحزن النفس , ذلك أن هذه المجتمعات؛ وتلك البيئات ليست للمسلمين , فمقوماتها لا تتناسب ودينهم , وما جاء به من مبادئ سامية , وأخلاق رفيعة , وأدب جم.
لقد حذرنا الرسول ﷺ من العيش في تلك البيئات والمجتمعات أشد تحذير، لما يعلم ما لهذه الإقامة من الأثر السيء على المسلمين؛ في دينهم؛ وأخلاقهم , وسلوكهم. فقال: (أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (٢٦٥٤) والترمذي (١٦٠٤) وصححه الألباني في إرواء الغليل (١٢٠٧) .
وما حال خالكم المذكور ـ وغيره كثير- إلا نتيجة لتلك الإقامة التي نهانا ديننا عنها.
إنه الضياع الكبير , والخسران المبين للدنيا والآخرة , إن لم يتداركه الله برحمته.
أخي السائل:
ليس لكم إلا الصبر على خالكم , فإنه يظهر من نصيحتكم له وجوابه لكم أن بذرة الإيمان لا زالت حية , تنبض في قلبه , فتحتاج منكم الرعاية , والسقاية , والاهتمام دون كلل , ولا ملل , واضعين نصب أعينكم قوله ﷺ لعلي ﵁: (فَوَاللَّهِ لأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ) أخرجه البخاري (٢٩٤٢) .
فبقاؤه معكم في البيت – مع بذل النصيحة له والعناية به – خير له من التسكع في الشوارع , وعيشة المشرد , والتي قد تؤدي به إلى سوء الخاتمة , بسبب بعده عنكم. وارتكاب أخف المفسدتين ودفع إحداهما بالأخرى , هو الأصل المطلوب.
مع ما في الإحسان إليه من بر الوالدة ورضاها بذلك، فاجتهدوا في دعوته إلى الخير، وحاولوا إشغاله عما هو فيه، وخذوه معكم إلى المسجد شيئاً فشيئاً، نسأل الله أن يهدي ضال المسلمين, وينير بصائرهم ,إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1022
التبسم في وجه الكافر لغرض تأليفه ودعوته
[السُّؤَالُ]
ـ[بالنظر إلى أحاديث الرسول ﷺ في معاملة الكفار.. من عدم جواز بدئهم بالسلام.. ومن عدم إفساح الطريق لهم كما في حديث (اضطروهم إلى أضيقه) فهل يمكن أن نقيس على ذلك أيضاً عدم جواز التبسم في وجوههم؟ بمعنى آخر.. هل يجوز الابتسام في وجوه الكفار؟ فإن كان لا يجوز.. فكيف نرد على من يقول إن ذلك من باب الدعوة إلى الله وترغيبهم في الإسلام؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
دلت نصوص الشريعة المستفيضة على تحريم موالاة الكافر ومودته واتخاذه صديقا وخليلا، وإكرامه وإظهار الحفاوة والبشر له، وابتدائه بالسلام والتحية، ويستثنى من ذلك بعض هذه الأمور إذا دعت مصلحة أو حاجة، كتحيته بغير السلام عند الحاجة، والتلطف واللين معه عند دعوته للإسلام، ويدخل في ذلك التبسم في وجهه.
سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: " ما حكم مخالطة الكفار ومعاملتهم بالرفق واللين طمعاً في إسلامهم؟
فأجاب: لا شك أن المسلم يجب عليه أن يبغض أعداء الله ويتبرأ منهم لأن هذه هي طريقة الرسل وأتباعهم قال الله تعالى: (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده) الممتحنة / ٤، وقال تعالى: (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادُّون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه) المجادلة / ٢٢.
وعلى هذا لا يحل لمسلم أن يقع في قلبه محبة ومودة لأعداء الله الذين هم أعداء له في الواقع. قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق) الممتحنة / ١.
أما كون المسلم يعاملهم بالرفق واللين طمعاً في إسلامهم وإيمانهم فهذا لا بأس به، لأنه من باب التأليف على الإسلام ولكن إذا يئس منهم عاملهم بما يستحقون أن يعاملهم به. وهذا مفصل في كتب أهل العلم ولاسيما كتاب " أحكام أهل الذمة " لابن القيم ﵀ " انتهى من "مجموع فتاوى ابن عثيمين" ﵀ (٣/٣١) .
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في "زاد المعاد" (٢/٤٢٤) في ابتداء الكفار بالتحية:
" وقالت طائفة - أي من العلماء -: يجوز الابتداء لمصلحة راجحة من حاجة تكون إليه، أو خوف من أذاه، أو لقرابة بينهما، أو لسبب يقتضي ذلك " اهـ.
وجاء في "الموسوعة الفقهية" (٢٥/١٦٨) : " ذهب الحنفية إلى أن السلام على أهل الذمة مكروه لما فيه من تعظيمهم , ولا بأس أن يسلم على الذمي إن كانت له عنده حاجة ; لأن السلام حينئذ لأجل. الحاجة لا لتعظيمه , ويجوز أن يقول: السلام على من اتبع الهدى ... ويحرم عند الشافعية بداءة الذمي بالسلام , وله أن يحييه بغير السلام بأن يقول: هداك الله أو أنعم الله صباحك إن كانت له عنده حاجة , وإلا فلا يبتدئه بشيء من الإكرام أصلا ; لأن ذلك بسط له وإيناس وإظهار ود. وقد قال الله تعالى: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله﴾ " انتهى.
والحاصل أن التبسط للكافر، والتبسم له، يجوز لغرض دعوته للإسلام.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1023
هل يشارك في حفل زواج أخيه النصراني
[السُّؤَالُ]
ـ[أسلمت ولله الحمد، لكن عائلتي لا تزال على النصرانية. وسيتزوج أخي قريبا، مما يترتب عليه الاحتفال بخدمات دينية في الكنيسة يتبعها مأدبة طعام. وقد أخبرت عائلتي أني لن أشارك في الاحتفال الديني. وأود أن أعرف إذا كان الإسلام يجيز لي ولزوجتي وطفلي حضور مأدبة الطعام حيث قد يقدم الخمر لبعض النصارى أثناء تناولهم الطعام.
إذا كان ذلك لا يجوز، فبماذا تنصحني إذن؟ أرجو أن تجيبني مع الدليل.
إن هذا الموضوع مهم جدا بالنسبة لي حيث أن والدي أبعدني عنه منذ ٧ سنوات (بمحض إرادته) وأنا أحاول دعوتهم للإسلام.
وجزاك الله خيرا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
١. نحمد الله تعالى أن هداك للإسلام ونسأله تعالى أن يتم عليك النعمة بالثبات عليه، وهداية أهلك ودخولهم في الإسلام.
٢. وقد أحسنتَ بموقفك من عدم حضور الخدمات الدينية في الكنيسة، إذ المشاركة في مثل هذه الأمور الدينية عند غير المسلمين أقل أحوالها أنها من الكبائر، وقد تصل إلى الكفر.
٣. وأما المشاركة في حفل زفاف أخيك والذي يكون فيه الخمر مع الطعام، فإننا ننصحك أن تمتنع عن المشاركة كما فعلت أولا، والمشاركة في مثل هذا الاحتفال من المحرمات وكبائر الذنوب، وقد قال الله تعالى ﴿فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين﴾ ، وقال النبي ﷺ " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فقلبه وذلك أضعف الإيمان ".
رواه مسلم (٤٩) .
والمشاركة في مثل هذه الأمور لن تستطيع أن تغير المنكر بيدك ولا بلسانك - في الغالب -، فلم يبق إلا التغيير بالقلب، وهو يتنافى مع المشاركة.
وقال النبي ﷺ " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدة يشرب عليها الخمر ". رواه أحمد (١٤٢٤١) ، وقد صححه العلامة الألباني في " إرواء الغليل " (٧ / ٦) .
وسبب التحريم - كما هو ظاهر - هو أن الجلوس يعني إقرار المنكر.
٤. إن تقديم مثل هذه التنازلات من قبل الأخ السائل بالإضافة إلى أنه لا يجوز لها شرعاً: فإنه يضعف موقفه في محاولات دعوة أهلها إلى الإسلام، وكلما كان الداعية صادقاً في نفسه ومع ربه كلما كان تأثيره أقوى في دعوة الآخرين، وأما تمييع المسائل وتذبذب المواقف فإنه يفقد الثقة فيه من قِبَل الآخرين.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1024
هل يسمح المسلم لضيفه الكافر بأداء شعائر الكفر في بيته
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا زارك شخص كافر ليبقى في بيتك لعدة أيام فهل يجوز للمسلم المستضيف أن يسمح له بأن يؤدي صلاته وشعائر دينه التعبدية؟
هل يعتبر المسلم المستضيف مذنباً؟ لأن بعض الصلوات والشعائر التعبدية لدين آخر لا تتوافق مع الإسلام.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
عرضنا هذا السؤال على الشيخ محمد صالح العثيمين فأجاب بقوله: الحمد لله، لا يجوز أن توافقه على ذلك لأن هذا كفر فإنه لا دين له كما قال الله " ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه " وقال تعالى " وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره " ولأن هذا الزائر امتهن كرامتك لأنه يعلم أنك لا ترضى بهذا فلا تدعه يمتهن كرامتك. أهـ والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح العثيمين
стр. 1025
معاشرة غير المسلمين
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا طالب مسلم، وأنا أعيش حالة ضياع بين مصاحبة المسلمين وغير المسلمين. ففي أيام الجمع عادة، فأنا أبقى مع المسلمين، أما في باقي أيام الأسبوع، فأبقى مع غير المسلمين في الجامعة. ومشكلتي هي أني أميل إلى قضاء جزء كبير من وقتي مع غير المسلمين. ومع وجود الإغراءات من حولي، فأنا لا أعرف كيف أفعل مع النساء. أنا لا أشرب الخمر، ولا أدخن، لكن عندما يتعلق الأمر بالنساء، فإني أصبح ضعيفا. وبسبب مواقفي الإسلامية، فإن الفتيات يجدنني لطيفا بالمقارنة مع أصدقائي الآخرين. وأنا أتمنى لو أني أعرف بعض الأخوات المسلمات، اللآتي أحترمهن حقا، لأتمكن من التحدث إليهن (من منظور إسلامي) ولا أضطر عندها لأن أقضي وقتي مع الفتيات غير المسلمات. كنت أحاول منذ وقت طويل، لكن أحيانا يكون مجرد المحاولة لا يكفي. فبماذا تنصحني؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سؤالك يدل على وجود الخير في قلبك ومحبتك له وحرصك ورغبتك في الالتزام الكامل بما أمر الله به.
وقد ذكرت في سؤالك عدة قضايا:
الأولى:
أنك تخالط المسلمين وغير المسلمين , فاعلم يا أخي أن علاقة المسلم مع المسلمين تختلف عن علاقته مع غيرهم , وذلك أن المسلم يجب عليه أن يوالي أخاه المسلم , بأن يكن له المحبة القلبية والتقدير والاحترام , كما قال الله : (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) التوبة / ٧١ ولإخوانك المسلمين عليك حقوق يجب أن تؤديها إليهم , وليس هذا المقام مقام بيانها وبإمكانك الإطلاع على بعضها في إجابة السؤال رقم: ١١٤١٣.
أما غير المسلم فالواجب على المسلم أن يتبرأ منه , ولا يُكِن له أي مودة قلبية , كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) الممتحنة / ١. وقال تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) الممتحنة / ٤.
ولكن هذا لا يمنعه من التعامل معه بأسلوب حسن ترغيبا له في الإسلام , على أن يكون ذلك وفق الضوابط الشرعية , كما قال تعالى: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) الممتحنة / ٨.
وعلى المسلم أن يحرص كل الحرص على دعوة غير المسلمين إلى الإسلام بكل الوسائل الشرعية الممكنة , والتي يرجى معها النفع والاستجابة , كما قال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) النحل / ١٢٥.
وقال تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) فصلت /٣٣.
وروى مسلم في "صحيحه" (٢٦٧٤) من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا ".
الثانية:
أنك تميل إلى قضاء جزء كبير من وقتك مع غير المسلمين , وقد عبرت عن ذلك بأنه مشكلة , وهو كذلك بالفعل , لأن مخالطة المسلم لغير المسلمين وفي مجتمع غير إسلامي مع الميل إليهم , هذا مما يؤثر على الإنسان في عقيدته ودينه وخلقه (لا سيما وقد ذكرت في سؤالك بأنك لا تشرب الخمر ولا تدخن _ وهذا من فضل الله عليك _ مما يفهم منه وقوع مثل هذه الأشياء من أولئك القوم) ولهذا جاءت النصوص الشرعية بالتحذير من مخالطة ومعاشرة غير المسلمين , فقد أمر الله بالهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام , كما قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً.إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً) النساء /٩٧_ ٩٨.
وروى أبو داود في "سننه" (٢٦٤٥) والترمذي في "جامعه" (١٦٤٠) من حديث جرير بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: " أنا برئ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين ". قالوا: يا رسول الله، ولم؟ قال: " لا ترايا ناراهما ". والحديث صححه الألباني في "الإرواء" (١٢٠٧) .
قال ابن القيم في "تهذيب السنن" (عون _ ٧/٣٠٤) : (والذي يظهر من معنى الحديث: أن النار هي شعار القوم عند النزول وعلامتهم , وهي تدعو إليهم , والطارق يأنس بها , فإذا ألم بها جاور أهلها وسالمهم , فنار المشركين تدعو إلى الشيطان وإلى نار الآخرة , فإنها إنما توقد في معصية الله , ونار المؤمنين تدعو إلى الله وإلى طاعته وإعزاز دينه , فكيف تتفق الناران , وهذا شأنهما؟! وهذا من أفصح الكلام وأجزله , المشتمل على المعنى الكثير الجليل بأوجز عبارة) ا. هـ.
وروى أبو داود (٢٧٨٧) من حديث سمرة بن جندب أن النبي ﷺ قال: " من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله ". ورواه الحاكم (٢/١٤١) بإسناد آخر عن سمرة ولفظه: " لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم فمن ساكنهم أو جامعهم فليس منا ". والحديث حسنه الألباني في "الصحيحة" (٢٣٣٠) بمجموع طريقيه.
وروى الإمام أحمد (٤/٣٦٥) والنسائي (٤١٧٧) من حيث جرير قال: أتيت النبي ﷺ وهو يبايع , فقلت: يا رسول الله ابسط يدك حتى أبايعك , واشترط علي , فأنت أعلم. قال: " أبايعك على أن تعبد الله , وتقيم الصلاة , وتؤتي الزكاة , وتناصح المسلمين , وتفارق المشرك ". والحديث صححه الألباني في "الصحيحة" (٦٣٦) .
فهذه النصوص تدل على أن الأصل في المسلم أن لا يقيم مع الكفار في بلادهم , وأن الواجب عليه الانتقال منها إلى بلاد الإسلام , ويستثنى من ذلك من كانت إقامته لضرورة , ولكن الضرورة تقدر بقدرها , فعلى المسلم أن يكون مع أولئك بقالبه لا بقلبه، وعليه أن يجتنب مخالطتهم بدون حاجة.
فالواجب عليك يا أخي أن تبحث عن رفقة صالحة من المسلمين يعنونك على تعلم دينك والاستقامة عليه , وعليك أن تستغل أوقات فراغك بقراءة القرآن , وقراءة الكتب النافعة في سيرة الرسول ﷺ وأصحابه , وفي أحكام الدين وآدابه وأخلاقه , وبذكر الله , قال ابن القيم في "الوابل الصيب" (٨٦) وهو يعدد فوائد الذكر: (أنه أيسر العبادات , وهو من أجلها وأفضلها , فإن حركة اللسان أخف حركات الجوارح وأيسرها , ولو تحرك عضو من الإنسان في اليوم والليلة بقدر حركة لسانه لشق عليه غاية المشقة , بل لا يمكنه ذلك) ا. هـ.
ويمكنك أيضا أن تشغل وقتك بالاستماع إلى الأشرطة النافعة , وبتصفح المواقع المفيدة على شبكة "الانترنت".
وإن مما يعينك على الانصراف عن مخالطة غير المسلمين: تذكر أن هؤلاء الكفار _ وإن كانت معاملتهم حسنة ولهم حسنات _ إلا أنهم قد جمعوا جملة من المنكرات العظيمة واحد منها كفيل بأن يحبط كل عمل عملوه , ومن تلك المنكرات ما يعتقده النصارى _ مثلا _ من أن الله ثالث ثلاثة، كما قال تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) المائدة / ٧٣.
وبقية الملل الكفرية كلها تجعل لله شريكا , أو لا تؤمن بوجود الإله أصلا.
والكفار عموما لا يؤمنون بالقرآن ولا برسالة نبينا محمد ﷺ , بل يكذبون بالقرآن ويكذبون بنبينا ﷺ , فكيف يميل إليهم المسلم مع كفرهم وضلالهم.
فهم وإن أعطوك شيئا من حقك بمعاملتك بالحسنى فقد سلبوا الله حقه وسلبوا القرآن حقه وسلبوا نبينا ﷺ حقه , وحق الله وحق كتابه وحق نبيه أعظم من حقنا الشخصي , فتذكر هذا، فإنه ممن يعينك على بغضهم وعداوتهم حتى يؤمنوا بالله وحده , كما سبق في الآية الكريمة: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) الممتحنة / ٤.
ولكن نؤكد على أنه لا مانع من أن يحسن المسلم إليهم وفق الضوابط الشرعية , لا سيما إذا كانوا ممن يحسنون إلينا , فقد قال تعالى: (هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ) الرحمن / ٦٠.
الثالثة:
مخالطتك للفتيات غير المسلمات , ورغبتك في التعرف على فتيات مسلمات , اعلم يا أخي أن من مقاصد الشريعة الإسلامية الأساسية حفظ الأعراض , وقد فرضت شريعتنا الغراء تدابير كثيرة لتحقيق هذا المقصد السامي , ومن ذلك المنع من اختلاط الرجال بالنساء حتى في أشرف المواضع وعند طلب أسمى المقاصد , فمن هدي الإسلام فصل الرجال عن النساء في المساجد , روى مسلم في "صحيحه" (٤٤٠) من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها , وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها ".
قال النووي في شرح صحيح مسلم (٤/١٥٩) : (والمراد بشر الصفوف في الرجال والنساء أقلها ثوابا وفضلا وأبعدها من مطلوب الشرع وخيرها بعكسه وإنما فضل آخر صفوف النساء الحاضرات مع الرجال لبعدهن من مخالطة الرجال ورؤيتهم وتعلق القلب بهم عند رؤية حركاتهم وسماع كلامهم ونحو ذلك وذم أول صفوفهن لعكس ذلك والله أعلم) ا. هـ
وروى البخاري في "صحيحه" (٨٣٧) من حديث أم سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا سلم قام النساء حين يقضي تسليمه , ومكث يسيرا قبل أن يقوم. قال الزهري: فأرى _ والله أعلم _ أن مكثه لكي ينفذ النساء قبل أن يدركهن من انصرف من القوم.
فإذا كانت المساجد التي هي أشرف المواضع قد جاءت الشريعة بفصل الرجال عن النساء فيها فغيرها من باب أولى.
وأيضا التعليم الذي هو أسمى المقاصد , ومع هذا فقد راعت الشريعة فيه فصل النساء عن الرجال، روى البخاري (١٠١) ومسلم (٢٦٣٣) من حديث أبي سعيد الخدري قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، ذهب الرجال بحديثك فاجعل لنا من نفسك يوما نأتيك فيه، تعلمنا مما علمك الله، قال: " اجتمعن يوم كذا وكذا " فاجتمعن، فأتاهن رسول الله ﷺ فعلمهن مما علمه الله ... الحديث , واللفظ لمسلم.
وروى مسلم (٨٨٥) من حديث جابر بن عبد الله قال: شهدت مع رسول الله ﷺ الصلاة يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئا على بلال فأمر بتقوى الله وحث على طاعته، ووعظ الناس وذكرهم، ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن.
ومن الأحكام الشرعية المتعلقة بهذا الباب أن الله أمر الرجال والنساء بغض البصر , فالمسلم لا يجوز له أن ينظر إلى امرأة أجنبية عنه , وكذلك المرأة لا يجوز لها أن تنظر إلى أجنبي عنها , قال الله تعالى:) قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ. وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) الآية النور / ٣٠ _ ٣١.
وروى مسلم في "صحيحه" (٢١٥٩) من حديث جرير بن عبد الله قال: سألت النبي ﷺ عن نظر الفجأة؟ فأمرني ﷺ أن أصرف بصري.
وروى أبو داود (٢١٤٩) والترمذي (٢٧٧٧) من حديث بريدة بن الحصيب أن النبي ﷺ قال لعلي: " يا علي، لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى، وليست لك الآخرة ". والحديث حسنه الألباني في "جلباب المرأة المسلمة" (ص:٧٧) .
وأيضا جاءت الشريعة بالنهي عن خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية , وجاءت بالمنع من مصافحة الرجل للمرأة الأجنبية، وغير ذلك من الأحكام التي لا يتسع المقام لبسطها [للاستزادة بإمكانك مراجعة أجوبة الأسئلة التالية: ٢٤٥٩، ٢٩٨٦، ٩٩٨٩] .
وهذه الأحكام تنطبق على المرأة المسلمة وغير المسلمة ما لم تكن من محارم الرجل.
وعليه يا أخي فالواجب عليك أن تبتعد عن مخالطة النساء الأجنبيات وإن كن مسلمات , وأن لا تستجيب إلى ما يوقعه الشيطان في قلبك من نزغات , من إعجاب بعض الفتيات بك ونحو ذلك , واجعل تحقيق رضى الله هو غايتك , روى الترمذي (٢٤١٤) من حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: " من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس ". والحديث صححه الألباني في "الصحيحة" (٢٣١١) .
أخي اعلم أنك قد تجد صعوبة في تطبيق ذلك في بادئ الأمر , ولكن عليك أن تجاهد نفسك , فقد قال تعالى:) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) العنكبوت / ٦٩.
وعليك أن تصبر وتصابر وتحتسب , كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) آل عمران / ٢٠٠.
واعلم أنك إذا حرصت على تقوى الله فإنك في النهاية سوف تجد لك مخرجا من كل ضيق , كما قال تعالى: (ِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً) الطلاق / ٢.
وسوف يسهل عليك كل ما كنت تجده صعبا , فالله وجل يجعل الحَزْن إذا شاء سهلا.
وأيضا سوف يعرف عنك الآخرون التزامك بما أمرك به دينك , مما يجعلهم يحترمون ذلك منك ويقدرونه لك.
وفي الختام أوصيك بالإكثار من دعاء الله , لاسيما في أوقات الإجابة ومواضعها , كالسجود وقبل السلام من الصلاة وفي الثلث الأخير من الليل , وبين الأذان والإقامة , فأدعو الله بأن يثبتك على الإسلام , واستعن بالله على التمسك بأوامره والبعد عن معاصيه , واسأل الله أن يجعل لك من كل ضيق مخرج ومن كل هم فرجا , والله معك.
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1026
قبول هدية الكافر في يوم عيده
[السُّؤَالُ]
ـ[جارتي أمريكية مسيحية....، هي وعائلتها قدموا لي هدايا بمناسبة الكريسمس، وأنا لا أستطيع رده هذه الهدايا، حتى لا تغضب مني!!
فهل لي أن أقبل هذه الهدايا، كما قبل الرسول ﵊ هدايا الكفار؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
الأصل هو جواز قبول الهدية من الكافر، تأليفا لقلبه وترغيبا له في الإسلام، كما قبل النبي ﷺ هدايا بعض الكفار، كهدية المقوقس وغيره.
وبوب البخاري في صحيحه: باب قبول الهدية من المشركين، قال ﵀: " وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ بِسَارَةَ فَدَخَلَ قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ أَوْ جَبَّارٌ فَقَالَ أَعْطُوهَا آجَرَ، وَأُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ، وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: أَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَغْلَةً بَيْضَاءَ وَكَسَاهُ بُرْدًا وَكَتَبَ لَهُ بِبَحْرِهِمْ " وذكر قصة اليهودية وإهداءها الشاة المسمومة للنبي ﷺ .
ثانيا:
يجوز للمسلم أن يهدي للكافر والمشرك، بقصد تأليفه، وترغيبه في الإسلام، لاسيما إذا كان قريبا أو جارا، وقد أهدى عمر ﵁ لأخيه المشرك في مكة حلة (ثوبا) . رواه البخاري (٢٦١٩) .
لكن لا يجوز أن يهدي للكافر في يوم عيد من أعياده، لأن ذلك يعد إقرارا ومشاركة في الاحتفال بالعيد الباطل.
وإذا كانت الهدية مما يستعان به على الاحتفال كالطعام والشموع ونحو ذلك، كان الأمر أعظم تحريما، حتى ذهب بعض أهل العلم إلى أن ذلك كفر.
قال الزيلعي في "تبيين الحقائق" (حنفي) (٦/٢٢٨) : " (والإعطاء باسم النيروز والمهرجان لا يجوز) أي الهدايا باسم هذين اليومين حرام بل كفر , وقال أبو حفص الكبير ﵀ لو أن رجلا عبد الله خمسين سنة ثم جاء يوم النيروز , وأهدى لبعض المشركين بيضة، يريد به تعظيم ذلك اليوم، فقد كفر , وحبط عمله. وقال صاحب الجامع الأصغر: إذا أهدى يوم النيروز إلى مسلم آخر , ولم يرد به التعظيم لذلك اليوم , ولكن ما اعتاده بعض الناس لا يكفر , ولكن ينبغي له أن لا يفعل ذلك في ذلك اليوم خاصة , ويفعله قبله أو بعده، كي لا يكون تشبها بأولئك القوم , وقد قال رسول الله ﷺ ﴿من تشبه بقوم فهو منهم﴾ . وقال في الجامع الأصغر رجل اشترى يوم النيروز شيئا، لم يكن يشتريه قبل ذلك، إن أراد به تعظيم ذلك اليوم كما يعظمه المشركون كفر , وإن أراد الأكل والشرب والتنعم لا يكفر " انتهى.
وقال في "التاج والإكليل" (مالكي) (٤/٣١٩) : " وكره ابن القاسم أن يهدي للنصراني في عيده مكافأة له، ونحوه إعطاء اليهودي ورق النخيل لعيده " انتهى.
وقال في "الإقناع" من كتب الحنابلة: " ويحرم شهود عيد اليهود والنصارى وبيعه لهم فيه، ومهاداتهم لعيدهم " انتهى.
بل ولا يجوز للمسلم أن يهدي للمسلم هدية لأجل هذا العيد، كما سبق في كلام الحنفية، وقال شيخ الإسلام ﵀: " ومن أهدى للمسلمين هدية في هذه الأعياد مخالِفة للعادة في سائر الأوقات غير هذا العيد: لم تقبل هديته، خصوصا إن كانت الهدية مما يستعان بها على التشبه بهم، مثل إهداء الشمع ونحوه في الميلاد، أو إهداء البيض واللبن والغنم في الخميس الصغير الذي في آخر صومهم، وكذلك أيضا لا يهدى لأحد من المسلمين في هذه الأعياد هدية لأجل العيد، لا سيما إذا كان مما يستعان بها على التشبه بهم كما ذكرناه " انتهى من "اقتضاء الصراط المستقيم" (١/٢٢٧) .
ثالثا:
أما قبول الهدية من الكافر في يوم عيده، فلا حرج فيه، ولا يعد ذلك مشاركة ولا إقرارا للاحتفال، بل تؤخذ على سبيل البر، وقصد التأليف والدعوة إلى الإسلام، وقد أباح الله تعالى البر والقسط مع الكافر الذي لم يقاتل المسلمين، فقال: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) الممتحنة/٨.
لكن البر والقسط لا يعني المودة والمحبة؛ إذ لا تجوز محبة الكافر ولا مودته، ولا اتخاذه صديقا أو صاحبا، لقوله تعالى: (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) المجادلة/٢٢، وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقّ) الممتحنة/١، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) آل عمران/١١٨
وقال : (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ) هود/١١٣
وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) المائدة/٥١، إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على تحريم مصادقة الكافر أو مودته.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وأما قبول الهدية منهم يوم عيدهم فقد قدمنا عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه أتي بهدية النيروز فقبلها.
وروى ابن أبي شيبة.. أن امرأة سألت عائشة قالت إن لنا أظآرا [جمع ظئر، وهي المرضع] من المجوس، وإنه يكون لهم العيد فيهدون لنا فقالت: أما ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا، ولكن كلوا من أشجارهم.
و.. عن أبي برزة أنه كان له سكان مجوس فكانوا يهدون له في النيروز والمهرجان، فكان يقول لأهله: ما كان من فاكهة فكلوه، وما كان من غير ذلك فردوه.
فهذا كله يدل على أنه لا تأثير للعيد في المنع من قبول هديتهم، بل حكمها في العيد وغيره سواء؛ لأنه ليس في ذلك إعانة لهم على شعائر كفرهم ... ".
ثم نبه ﵀ على أن ذبيحة الكتابي وإن كانت حلالا إلا أن ما ذبحه لأجل عيده: لا يجوز أكله. قال ﵀: " وإنما يجوز أن يؤكل من طعام أهل الكتاب في عيدهم، بابتياعٍ أو هديةٍ أو غير ذلك مما لم يذبحوه للعيد. فأما ذبائح المجوس فالحكم فيها معلوم فإنها حرام عند العامة، وأما ما ذبحه أهل الكتاب لأعيادهم وما يتقربون بذبحه إلى غير الله نظير ما يذبح المسلمون هداياهم وضحاياهم متقربين بها إلى الله تعالى، وذلك مثل ما يذبحون للمسيح والزهرة، فعن أحمد فيها روايتان أشهرهما في نصوصه أنه لا يباح أكله وإن لم يسم عليه غير الله تعالى، ونقل النهي عن ذلك عن عائشة وعبد الله بن عمر ... " انتهى من "اقتضاء الصراط المستقيم" (١/٢٥١) .
والحاصل أنه يجوز لك قبول الهدية من جارتك النصرانية، في يوم عيدهم، بشروط:
الأول: ألا تكون هذه الهدية من ذبيحةٍ ذبحت لأجل العيد.
الثاني: ألا تكون مما يستعان به على التشبه بهم في يوم عيدهم، كالشمع، والبيض، والجريد، ونحو ذلك.
الثالث: أن يصحب ذلك شرح وتوضيح لعقيدة الولاء والبراء لأبنائك، حتى لا ينغرس في قلوبهم حب هذا العيد، أو التعلق بالمُهدي.
الرابع: أن يكون قبول الهدية بقصد تأليفها ودعوتها للإسلام، لا مجاملة أو محبة ومودة.
وفي حال كون الهدية مما لا يجوز قبولها، فإنه ينبغي أن يصحب رفضها توضيح وبيان لسبب الرفض، كأن يقال: إنما رفضنا هديتك لأنها ذبيحة ذبحت لأجل العيد، وهذا لا يحل لنا أكله، أو أن هذه الأمور إنما يقبلها من يشارك في الاحتفال، ونحن لا نحتفل بهذا العيد؛ لأنه غير مشروع في ديننا، ويتضمن اعتقادا لا يصح عندنا، ونحو ذلك، مما هو مدخل لدعوتهم إلى الإسلام، وبيان خطر الكفر الذي هم عليه.
والمسلم يجب أن يكون معتزا بدينه، مطبقا لأحكامه، لا يتنازل عنها حياء أو مجاملة لأحد، فإن الله أحق أن يُستحيى منه.
وراجعي السؤال رقم (٩٤٧) ورقم (١٣٦٤٢) لمزيد الفائدة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1027
السفر للعمل في بلاد الكفار
[السُّؤَالُ]
ـ[بعض الناس يريد أن يسافر إلى بلاد الكفار للعمل وبدعوى أن لديهم نظاما ومعاملة راقية إلخ من مزايا. فهل هذا يجوز؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
ينبغي أن تعلم أولا أن السفر والإقامة في بلاد الكفار لا تجوز إلا بشروط بينها أهل العلم، وملخصها:
١- أن يأمن الإنسان على دينه، بحيث يكون عنده من العلم والإيمان ما يبعده عن الانحراف.
٢- أن يكون مضمرا لعداوة الكافرين وبغضهم، مبتعدا عن موالاتهم ومحبتهم.
٣- أن يتمكن من إظهار دينه، من الصلاة وغيرها.
٤- أن يكون بقاؤه هناك لضرورة أو مصلحة كالدعوة إلى الله تعالى، أو تعلم علم لا يوجد في بلده.
انظر: "فتاوى علماء البلد الحرام" (ص ٩٢-٩٥) .
هذا على سبيل الإجمال، وأما على سبيل التفصيل فيقال:
الإقامة في بلاد الكفر، تارة تكون جائزة، وتارة تكون مستحبة، وتارة تكون محرمة، وذلك بحسب حال المقيم، وغرض إقامته، ومدى قدرته على إظهار دينه. وقد أجبنا على ذلك مرات، لكن سنضع هنا بين يديك كلاما دقيقا للشيخ محمد بن عثيمين ﵀، يجمع شتات هذه المسألة:
قال الشيخ ﵀:
" وأما الإقامة في بلاد الكفار فإن خطرها عظيم على دين المسلم، وأخلاقه، وسلوكه، وآدابه وقد شاهدنا وغيرنا انحراف كثير ممن أقاموا هناك فرجعوا بغير ما ذهبوا به، رجعوا فساقا، وبعضهم رجع مرتدا عن دينه وكافرا به وبسائر الأديان والعياذ بالله حتى صاروا إلى الجحود المطلق والاستهزاء بالدين وأهله السابقين منهم واللاحقين، ولهذا كان ينبغي بل يتعين التحفظ من ذلك ووضع الشروط التي تمنع من الهوي في تلك المهالك.
فالإقامة في بلاد الكفر لا بد فيها من شرطين أساسين:
الأول: أمنُ المقيم على دينه، بحيث يكون عنده من العلم والإيمان وقوة العزيمة ما يطمئنه على الثبات على دينه والحذر من الانحراف والزيغ، وأن يكون مضمرا لعداوة الكافرين وبغضهم، مبتعدا عن موالاتهم ومحبتهم، فإن موالاتهم ومحبتهم مما ينافي الإيمان، قال الله تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) الآية المجادلة/٢٢. وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) المائدة/ ٥١، ٥٢، وثبت في الصحيح عن النبي ﷺ : (أن من أحب قوما فهو منهم) ، (وأن المرء مع من أحب) .
ومحبة أعداء الله من أعظم ما يكون خطرا على المسلم، لأن محبتهم تستلزم موافقتهم واتباعهم، أو على الأقل عدم الإنكار عليهم، ولذلك قال النبي ﷺ : (من أحب قوما فهو منهم) .
الشرط الثاني: أن يتمكن من إظهار دينه، بحيث يقوم بشعائر الإسلام بدون ممانع، فلا يمنع من إقامة الصلاة والجمعة والجماعات إن كان معه من يصلي جماعة ومن يقيم الجمعة، ولا يمنع من الزكاة والصيام والحج وغيرها من شعائر الدين، فإن كان لا يتمكن من ذلك لم تجز الإقامة لوجوب الهجرة حينئذ.
قال في المغني (٨/٤٥٧) في الكلام على أقسام الناس في الهجرة: أحدها من تجب عليه وهو من يقدر عليها ولا يمكنه إظهار دينه، ولا تمكنه إقامة واجبات دينه مع المقام بين الكفار فهذا تجب عليه الهجرة، لقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) النساء /٩٧. وهذا وعيد شديد يدل على الوجوب، ولأن القيام بواجب دينه واجب على من قدر عليه، والهجرة من ضرورة الواجب وتتمته، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. انتهى.
وبعد تمام هذين الشرطين الأساسيين تنقسم الإقامة في دار الكفر إلى أقسام:
القسم الأول: أن يقيم للدعوة إلى الإسلام والترغيب فيه، فهذا نوع من الجهاد، فهي فرض كفاية على من قدر عليها، بشرط أن تتحقق الدعوة، وأن لا يوجد من يمنع منها، أو من الاستجابة إليها؛ لأن الدعوة إلى الإسلام من واجبات الدين، وهي طريقة المرسلين، وقد أمر النبي ﷺ ، بالتبليغ عنه في كل زمان ومكان، فقال ﷺ : (بلغوا عني ولو آية) .
القسم الثاني: أن يقيم لدراسة أحوال الكافرين والتعرف على ما هم عليه من فساد العقيدة، وبطلان التعبد، وانحلال الأخلاق، وفوضوية السلوك؛ ليحذر الناس من الاغترار بهم، ويبين للمعجبين بهم حقيقة حالهم، وهذه الإقامة نوع من الجهاد أيضا لما يترتب عليها من التحذير من الكفر وأهله المتضمن للترغيب في الإسلام وهديه، لأن فساد الكفر دليل على صلاح الإسلام، كما قيل: وبضدها تتبين الأشياء. لكن لا بد من شرط أن يتحقق مراده بدون مفسدة أعظم منه، فإن لم يتحقق مراده بأن منع من نشر ما هم عليه والتحذير منه فلا فائدة من إقامته، وإن تحقق مراده مع مفسدة أعظم مثل أن يقابلوا فعله بسب الإسلام ورسول الإسلام وأئمة الإسلام وجب الكف، لقوله تعالى: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) الأنعام/ ١٠٨.
ويشبه هذا أن يقيم في بلاد الكفر ليكون عينا للمسلمين؛ ليعرف ما يدبرونه للمسلمين من المكايد فيحذرهم المسلمون، كما أرسل النبي ﷺ حذيفة بن اليمان إلى المشركين في غزوة الخندق ليعرف خبرهم.
القسم الثالث: أن يقيم لحاجة الدولة المسلمة وتنظيم علاقاتها مع دولة الكفر كموظفي السفارات فحكمها حكم ما أقام من أجله. فالملحق الثقافي مثلا يقيم ليرعى شؤون الطلبة ويراقبهم ويحملهم على التزام دين الإسلام وأخلاقه وآدابه، فيحصل بإقامته مصلحة كبيرة، ويندرئ بها شر كبير.
القسم الرابع: أن يقيم لحاجة خاصة مباحة كالتجارة والعلاج فتباح الإقامة بقدر الحاجة، وقد نص أهل العلم ﵏ على جواز دخول بلاد الكفار للتجارة، وأثروا ذلك عن بعض الصحابة ﵃.
القسم الخامس: أن يقيم للدراسة وهي من جنس ما قبلها إقامة لحاجة، لكنها أخطر منها وأشد فتكا بدين المقيم وأخلاقه، فإن الطالب يشعر بدنو مرتبته وعلو مرتبة معلميه، فيحصل من ذلك تعظيمهم والاقتناع بآرائهم وأفكارهم وسلوكهم فيقلدهم إلا من شاء الله عصمته وهم قليل، ثم إن الطالب يشعر بحاجته إلى معلمه فيؤدي ذلك إلى التودد إليه ومداهنته فيما هو عليه من الانحراف والضلال. والطالب في مقر تعلمه له زملاء يتخذ منهم أصدقاء يحبهم ويتولاهم ويكتسب منهم، ومن أجل خطر هذا القسم وجب التحفظ فيه أكثر مما قبله فيشترط فيه بالإضافة إلى الشرطين الأساسيين شروط:
الشرط الأول: أن يكون الطالب على مستوى كبير من النضوج العقلي الذي يميز به بين النافع والضار وينظر به إلى المستقبل البعيد، فأما بعث الأحداث " الصغار السن " وذوي العقول الصغيرة فهو خطر عظيم على دينهم، وخلقهم، وسلوكهم، ثم هو خطر على أمتهم التي سيرجعون إليها وينفثون فيها من السموم التي نهلوها من أولئك الكفار كما شهد ويشهد به الواقع، فإن كثيرا من أولئكم المبعوثين رجعوا بغير ما ذهبوا به، رجعوا منحرفين في دياناتهم، وأخلاقهم، وسلوكهم، وحصل عليهم وعلى مجتمعهم من الضرر في هذه الأمور ما هو معلوم مشاهد، وما مثل بعث هؤلاء إلا كمثل تقديم النعاج للكلاب الضارية.
الشرط الثاني: أن يكون عند الطالب من علم الشريعة ما يتمكن به من التمييز بين الحق والباطل، ومقارعة الباطل بالحق لئلا ينخدع بما هم عليه من الباطل فيظنه حقا أو يلتبس عليه أو يعجز عن دفعه فيبقى حيران أو يتبع الباطل. وفي الدعاء المأثور: (اللهم أرني الحق حقا وارزقني اتباعه، وأرني الباطل باطلا وارزقني اجتنابه، ولا تجعله ملتبسا علي فأضل) .
الشرط الثالث: أن يكون عند الطالب دين يحميه ويتحصن به من الكفر والفسوق، فضعيف الدين لا يسلم مع الإقامة هناك إلا أن يشاء الله وذلك لقوة المهاجم وضعف المقاوم، فأسباب الكفر والفسوق هناك قوية وكثيرة متنوعة فإذا صادفت محلا ضعيف المقاومة عملت عملها.
الشرط الرابع: أن تدعو الحاجة إلى العلم الذي أقام من أجله بأن يكون في تعلمه مصلحة للمسلمين ولا يوجد له نظير في المدارس في بلادهم، فإن كان من فضول العلم الذي لا مصلحة فيه للمسلمين أو كان في البلاد الإسلامية من المدارس نظيره لم يجز أن يقيم في بلاد الكفر من أجله، لما في الإقامة من الخطر على الدين والأخلاق، وإضاعة الأموال الكثيرة بدون فائدة.
القسم السادس: أن يقيم للسكن وهذا أخطر مما قبله وأعظم، لما يترتب عليه من المفاسد بالاختلاط التام بأهل الكفر وشعوره بأنه مواطن ملتزم بما تقتضيه الوطنية من مودة، وموالاة، وتكثير لسواد الكفار، ويتربى أهله بين أهل الكفر فيأخذون من أخلاقهم وعاداتهم، وربما قلدوهم في العقيدة والتعبد، ولذلك جاء في الحديث عن النبي ﷺ : (من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله) . وهذا الحديث وإن كان ضعيف السند لكن له وجهة من النظر، فإن المساكنة تدعو إلى المشاكلة، وعن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، قالوا: يا رسول الله ولم؟ قال: لا تراءى نارهما) . رواه أبو داود والترمذي، وأكثر الرواة رووه مرسلا عن قيس بن أبي حازم عن النبي ﷺ . قال الترمذي: سمعت محمدا - يعني البخاري - يقول: الصحيح حديث قيس عن النبي ﷺ ، مرسل. اهـ.
وكيف تطيب نفس مؤمن أن يسكن في بلاد كفار تعلن فيها شعائر الكفر، ويكون الحكم فيها لغير الله ورسوله، وهو يشاهد ذلك بعينه، ويسمعه بأذنيه، ويرضى به، بل ينتسب إلى تلك البلاد ويسكن فيها بأهله وأولاده، ويطمئن إليها كما يطمئن إلى بلاد المسلمين، مع م في ذلك من الخطر العظيم عليه وعلى أهله وأولاده في دينهم وأخلاقهم.
هذا ما توصلنا إليه في حكم الإقامة في بلاد الكفر نسأل الله أن يكون موافقا للحق والصواب " انتهى من "شرح الأصول الثلاثة" للشيخ ابن عثيمين ﵀، ضمن مجموع الفتاوى له (٦/١٣٢) .
ثانيا:
بناء على ما سبق، فالذي يظهر أن السفر لأجل العمل في بلاد الكفار، يلحق بما ذكره الشيخ ﵀ في القسم الخامس والسادس، وهو السفر للدراسة، وللسكن والإقامة؛ ففي هذه الحالات، تطول المدة، ويعظم الخطر، لا سيما إذا كان الإنسان محتاجا إليهم، وقد ذهب منبهرا بما عندهم من حضارة ورقي، فإن كان العامل هناك: يتمكن من إظهار دينه، ولديه نضج يميز به بين النافع والضار والصالح والطالح، وعلم يدفع به الشبهات، وإيمان يقف في وجه الشهوات، ولم يجد فرصة للعمل في بلاد المسلمين، واقتصر بقاؤه هناك على قدر حاجته، فهذا يجوز له السفر. والسلامة في ترك ذلك؛ لأنه إن أمن على نفسه، فلا يكاد يأمن على أولاده، وقد تلهيه الحياة وتطغيه، ويركن إلى البقاء هناك، فيضيع دينه، أو ينحرف أبناؤه، نسأل الله العافية.
وعلى من ابتلي بالسفر إلى هذه البلاد أن يظهر ولاءه لأهل الإسلام هناك، وأن يعتصم بالأخوة الإيمانية، وأن يكون عضوا فاعلا في المراكز الإسلامية، لأن الذئب إنما يأكل من الغنم القاصية، والشيطان من الفرد قريب، ومن الاثنين أبعد.
وفق الله الجميع لما يحب ويرضى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1028
أُهدي لهم طعام في "الكريسماس" فكيف يتصرفون ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف نتصرف إذا كان جارنا يقدم لنا طعام الكريسمس في ٢٥ من ديسمبر؟ هل نتخلص من الطعام، أم نرفضه، حتى ولو كان رفضنا قد يؤدي لشيء من إساءة فهمهم لنا؟ . وجزاكم الله خيرا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
يجوز للإنسان المسلم أن يقبل الهدايا من الكفار أو يعطيهم الهدايا، وخاصة إذا كانوا من الأقرباء، والدليل على ذلك:
أ. عن أبي حميد الساعدي قال: غزونا مع النبي ﷺ تبوك وأهدى ملك أيلة للنبي ﷺ بغلة بيضاء وكساه بُرداً وكتب له ببحرهم. رواه البخاري (٢٩٩٠) .
ب. عن كثير بن عباس بن عبد المطلب قال: قال عباس شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسولَ الله ﷺ فلم نفارقه، ورسول الله ﷺ على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نُفاثة الجذامي. رواه مسلم (١٧٧٥) .
وقد ثبت هذا عن الصحابة بإذن النبي ﷺ وفي عهده، فقد زارت أم أسماء بنت أبي بكر – وهي مشركة - ابنتها وأذِن النبي ﷺ لأسماء ﵂ أن تصِلها، وقد ثبت أن عمر بن الخطاب أهدى حلة لأخيه وكان مشركاً، وكلا الحديثين في الصحيحين.
والخلاصة: أنه يجوز للمسلم أن يهدي الكافر وأن يقبل الهدية منه.
ثانياً:
أما بالنسبة لهدايا أعيادهم فلا يجوز بذلها لهم ولا قبولها منهم؛ لأن في ذلك تعظيماً لأعيادهم، وإقراراً لهم عليها، وعوناً لهم على كفرهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
ومَن أهدى للمسلمين هدية في هذه الأعياد مخالفة للعادة في سائر الأوقات غير هذا العيد: لم تُقبل هديته، خصوصاً إن كانت الهدية مما يستعان بها على التشبه بهم، مثل إهداء الشمع ونحوه في الميلاد، أو إهداء البيض، واللبن، والغنم في " الخميس الصغير " الذي في آخر صومهم.
وكذلك أيضاً لا يُهدى لأحدٍ من المسلمين في هذه الأعياد هدية لأجل العيد، لا سيما إذا كان مما يستعان بها على التشبه بهم كما ذكرناه.
ولا يبيع المسلم ما يستعين المسلمون به على مشابهتهم في العيد، من الطعام، واللباس، ونحو ذلك؛ لأن في ذلك إعانة على المنكرات.
" اقتضاء الصراط المستقيم " (ص ٢٢٧) .
وقال – ﵀:
فأما بيع المسلم لهم في أعيادهم ما يستعينون به على عيدهم من الطعام واللباس والريحان ونحو ذلك أو إهداء ذلك لهم: فهذا فيه نوع إعانة على إقامة عيدهم المحرم، وهو مبني على أصل وهو أنه لا يجوز أن يبيع الكفار عنباً أو عصيراً يتخذونه خمراً، وكذلك لا يجوز بيعهم سلاحاً يقاتلون به مسلماً.
" اقتضاء الصراط المستقيم " (ص ٢٢٩) .
وقال ابن القيم ﵀ – بخصوص أعياد أهل الكتاب -:
وكما أنهم لا يجوز لهم إظهاره، فلا يجوز للمسلمين ممالأتهم عليه، ولا مساعدتهم، ولا الحضور معهم باتفاق أهل العلم الذين هم أهله، وقد صرح به الفقهاء من أتباع الأئمة الأربعة في كتبهم.
- ثم ساق – ﵀ – كلام أئمة المذاهب وأعلامها في المنع من ذلك -.
" أحكام أهل الذمة " (٣ / ١٢٤٥ – ١٢٥٠) .
وينظر جواب السؤال رقم (١٢٦٦٦) .
ثالثاً:
ولا يجوز للمسلم أن يتهاون في أمر دينه، ويجب عليه أن يكون مظهراً لأحكامه، وها هم قد أعلنوا دينهم وأظهروا شعائرهم بمثل هذه الأعياد، ونحن علينا أن نظهر ونعلن رفضنا لهداياهم، والمنع من مشاركتهم وإعانتهم عليها، وهذا من شعائر ديننا.
ونسأل الله تعالى أن يبصرنا بأحكام دينه، وأن يرزقنا العمل بها والثبات عليها.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1029
هل تجوز الشفاعة لزميله إذا غش في الامتحان وألغيت المادة له ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[زميل لنا في الدفعة غير مسلم، وغش في أحد الامتحانات، وعاقبه الدكتور بإلغاء المادة.. هل يجوز لنا مساعدته في ذلك الموقف واسترحام الدكتور؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
الغش في الامتحانات محرم كغيره من أنواع الغش.
سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء: ما حكم غش الطلبة في اختبارات المدارس؟
فأجابت: " حديث: (من غشنا فليس منا) صحيح، وهو عام يشمل الغش في البيع والشراء، وفي النصيحة وفي العهود والمواثيق، وفي الأمانة وفي اختبار المدارس والمعاهد، ونحوها، سواء كان نقلاً من الكتب أم أخذاً عن التلاميذ أم إعطاء لهم كلاماً أم عن طريق الكتابة وتناقلها بينهم " انتهى من "فتاوى اللجنة الدائمة" (١٢/٢٠٠) .
ثانيا:
يشرع معاقبة الغاش وتأديبه وتعزيره بما تراه الجامعة مناسبا، كحرمانه من إكمال الامتحان أو إلغاء المادة؛ سدا لهذا الباب المحرم الذي ينشأ عنه الضعف والتخلف وتقديم من لا يستحق التقديم وإسناد الأمر لغير أهله، وأقل عقاب يستحقه الطالب إذا غش في الاختبار أن تلغى له هذه المادة التي غشّ فيها، إذ كيف يعطى درجات لا يستحقها، وكيف يقدم على غيره من الطلبة، وقد كان راسباً؟!
وعلى هذا لا ينبغي لكم أن تشفعوا لهذا الطالب عند الدكتور، بل لعله يستفيد من هذا العقاب ولا يعود لمثل ذلك مرة أخرى، ويستفيد غيره أيضاً. ولكن إذا كان هذا الطالب لم يغش شيئاً، وإنما كانت مجرد محاولة، ولم يكن ذلك من عادته، وظهرت عليه أمارات الندم والعزم على عدم العودة لمثل ذلك في المستقبل، فلا حرج من شفاعتكم له عند الدكتور ليرفع عنه العقاب.
ثالثاً:
وأما كون هذا الطالب غير مسلم فلا يمنع الشفاعة له في الأصل، فد ثبت أن أم هانئ بنت أبي طالب أجارت: (أي: جعلته في أمانها وحماها) رجلاً كافراً يوم فتح مكة حتى لا يقتل، فقال لها النبي ﷺ : (قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ) رواه البخاري (٣١٧١) ومسلم (٣٣٦) .
وهذا شفاعة لها في هذا الرجل الكافر حتى لا يقتل، وأقرها النبي ﷺ .
وكذلك أجار عثمان بن عفان ﵁ رجلاً كان قد ارتد ثم جاء تائباً مسلماً فأجاره الرسول ﷺ . رواه أبو داود (٤٣٥٨) وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
وهذا مما يبين سماحة الإسلام، وحرص أهله على الخير والنفع لعامة الناس، مما يحرك قلوبهم للتفكر في هذا الدين الحق، ويرغبهم فيه، وهذا هو الهدف الذي ينطلق منه المسلم في إحسانه للكافر وصلته له، أن يشرح الله صدره للإسلام، وأن ينقذه من ظلمات الكفر والشرك.
ولا يخفى أن هذا الإحسان لا يقتضي المودة والمحبة والولاء، فإن ذلك لا يجوز مع الكافر، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) المائدة/٥١، وقال: (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) المجادلة/٢٢.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1030
لا يجوز تهنئة الكفار بأعيادهم بأي صيغة كانت
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو حكم تناول الطعام (رز أو لحم أو دجاج أو كيك) الذي يهدى إلينا من صديق نصراني والذي صنعه من أجل عيد ميلاده الشخصي أو عيد الميلاد (كريسماس) أو عيد رأس السنة الميلادية؟ وما رأي فضيلتكم في تهنئته بكلام مثل إن شاء الله تستمر في النجاح في هذه السنة لتفادي قول كل عام وأنت بخير أو عام سعيد.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يجوز للمسلم أن يأكل ما يصنعه اليهود والنصارى في أعيادهم، أو ما يهدونه إليه من أجل عيدهم، لأن ذلك من التعاون والمشاركة معهم في هذا المنكر كما هو مبين في السؤال رقم (١٢٦٦٦)
كما لا يجوز له أن يهنئهم بعيدهم، بأي صيغة من صيغ التهنئة؛ لما في ذلك من الإقرار بعيدهم وعدم الإنكار عليهم، ومعاونتهم في إظهار شعائرهم وترويج بدعهم ومشاركتهم السرور في أعيادهم، وهي أعياد مبتدعة، تتصل بعقائد فاسدة لا يقرها الإسلام، وانظر السؤال رقم (٤٧٣٢٢)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1031
حكم إدخال الخادمات غير المسلمات لمكة في موسم الحج
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز إدخال غير المسلمين إلى مكة المكرمة كالخادمات لفترة الحج أو العمرة، بحجة أن الشخص لا يجد لها مكاناً يبقيها فيه خلال فترة غيابه عن بلده؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
اتخاذ خادمات في البيوت له مفاسد لم تعد تخفى على أحد، وكم تسبب وجود الخادمات في كثير من المشكلات في بيوت المسلمين، ووقع كثيرون في المعاصي الصغيرة والكبيرة بسبب ذلك، فمنهن من يستعملن السحر لتثبيت وجودها في المنزل، أو لكف الأذى عنها، ومنهن من توقع صاحب المنزل أو أبناءه في غرامها، وتُفعل الفواحش في تلك البيوت، ومنهن من تتسبب بالأذى والضرر للأطفال الصغار سواء في بدنه أو في دينه، وهكذا في مفاسد يصعب حصرها.
ويرجى النظر في جواب السؤال رقم (٢٦٢٨٢) ففيه زيادة بيان حول مفاسد إحضار الخادمات، وشروط جواز ذلك.
ثانياً:
إذا كانت الأسرة مضطرة لوجود خادمة في البيت، بسبب كثرة الأعمال البيتية، وبشرط الالتزام بالشروط الشرعية: فإنه يجوز لصاحب البيت إحضار خادمة للعمل، ويُفضَّل أن تكون مسلمة؛ لما في اتخاذها كافرة من مخاطر كبيرة على الأسرة.
ولينظر جواب السؤال رقم (٣١٢٤٢) ففيه شروط استخدام خادم غير مسلم.
وأما إن كانت الأسرة تعيش في " الجزيرة العربية " فإنه لا يجوز لهم إحضار الخادمات الكافرات للعمل؛ لأن النبي ﷺ أمر بإخراج المشركين من جزيرة العرب.
فعن عُمَر بْن الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، حَتَّى لَا أَدَعَ فِيهَا إِلَّا مُسْلِماً) رواه مسلم (١٧٦٧) .
وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَوْصَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ منها: (أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ) رواه البخاري (٢٨٨٨) ومسلم (١٦٣٧) .
وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال رقم (١ ٠٤٨٠٦) .
ثالثاً:
أما جلب الخادمات الكافرات وغيرهن من الكفار إلى الحرم: فلا يجوز سواء للعمرة أو للحج أو لغيرهما، وهذا وجه آخر في المنع من دخولهم الحرم، فهو من جهة داخل قطعاً في " جزيرة العرب " التي نص النبي ﷺ على تحريم دخولهم فيها، وكذلك من وجه آخر أنه قد وردت النصوص بتخصيص الحرم من منع دخولهم فيه، وهو المعمول به منذ أزمان بعيدة بفضل الله تعالى وتوفيقه.
ومعنى هذا أنه من كان لوجوده في جزيرة العرب من الكفار مصلحة للمسلمين، أو كان أحدٌ قد تساهل في جلب الكفار لها: فإنه لا يجوز التعدي على الشرع من الجهة الأخرى بإدخالهم إلى حدود الحرم.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) التوبة/٢٨.
والمسجد الحرام هنا هو: الحرم كله.
قال النووي ﵀:
والمراد بالمسجد الحرام ها هنا: الحرم كله، فلا يمكَّن مشرك من دخول الحرم بحال، حتى لو جاء في رسالة أو أمر مهم لا يمكَّن من الدخول، بل يُخرج إليه من يقضى الأمر المتعلق به، ولو دخل خفية ومرض ومات: نبش وأخرج من الحرم.
" شرح مسلم " (٩ / ١١٦) .
وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: بالنسبة لحكم استصحاب الخادمة الكافرة وإدخالها إلى الحرم؟ .
فأجاب:
أجبني: كيف يذهب بامرأة كافرة إلى المسجد الحرام والله يقول: (فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) التوبة/٢٨؟ لا، هذا حرام عليه، وإذا قدِّر أنه اضطر إلى هذا يقول لها: أسلمي، فإن أسلمت: فهذا المطلوب، وإن لم تسلم: إما أن يبقى معها، وإما أن يرسلها إلى أهلها، وأما أن يأتي بها إلى مكة: فهذا لا يجوز، أولاً: معصية لله ، ثانياً: امتهان للحرم.
السائل:
هو يا شيخ من غير هذه البلاد، وجاء بها، وعندما سأل عن الحكم وقيل له: لا يجوز، هل يرجع هو وإياها؟ .
الشيخ:
نعم، يرجع هو وإياها، أو يردها إلى بلدها.
" لقاءات الباب المفتوح " (١٩٦ / السؤال رقم ١٨) .
والخلاصة:
أن جلب الخادمات وعملهن في بيوت المسلمين فيه محاذير ومخالفات شرعية كثيرة، وتزداد هذه المحاذير إذا كانت الخادمة غير مسلمة، وأنه لا يجوز جلب الخادمات الكافرات إلى جزيرة العرب، ولا دخولهن حدود الحرم.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1032
قبول الهدية المشروطة من غير المسلم
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا طالب مسلم أدرس في أمريكا، ونحن بصدد بناء مركز إسلامي في المدينة التي أقيم فيها، وقد تبرعت الجامعة بالأرض المراد إنشاء المركز عليها، وقد اشترطوا عدة شروط حيت يتم العقد الذي بموجبه نستلم الأرض ونبني عليها المركز، مما جعل بعض الأخوة يعارض قبول هذه الأرض
ومن هذه الشروط:
١- أن إدارة المركز تخضع لقوانين الولاية، ولقوانين الجامعة
٢- أن الجامعة لها حق الرجوع في الهبة ونقل الملكية إلى الجامعة.
٣- أن المركز لا يكون خاصاً بالمسلمين، بل يكون للمسلمين وغيرهم.
فهل يجوز قبول هذه الأرض الموافقة على هذه الشروط؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" إذا كان الأمر كما ذكر فلا يجوز قبول هذه الهبة، لما يترتب على تطبيق شروط العقد من المفاسد، من ذلك: خضوع إدارة المركز لضوابط وقوانين الجامعة، وهي مجهولة لمن قبل الهدية، وقد يكون منها ما يخالف الإسلام، وكذلك ما ذكر من خضوع المركز لقوانين الولاية ومعلوم أن قوانينهم منها ما يخالف الإسلام، وما جاء فيه أيضاً من أن المراكز للمسلمين وغيرهم كاليهود، وهذا يعني: أن المسلمين يقيمون مركزاً تقام فيه شعائر الدين النصراني واليهودي، وهذا سيحدث مشاكل كثيرة، وقد شرط فيه أيضاً: أن المانح له حق الرجوع في الهبة، ونقل الملكية إلى الجامعة ... إلى غير ذلك من الأمور التي اشتمل عليها العقد، وهي مخالفة للشريعة الإسلامية ". ا. هـ
وبالله التوفيق.
[الْمَصْدَرُ]
فتاوى اللجنة الدائمة (١٦/١٧٨-١٧٩) .
стр. 1033
هل تجوز له الهجرة إلى أوربا إذا لم يستطع إظهار دينه في بلده ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[في بلدنا تمنع السلفية ويمنع التمسك بالأحكام الشرعية كاللحية وتقصير الثياب والصلاة في المسجد وخاصة الفجر والكلام بما يخالف المذهب المعمول به هنا وغير ذلك أريد أن أسأل عن الهجرة شروطها ومتى تجب؟ وما هي الأماكن التي يهاجر إليها والتي لا يهاجر إليها؟ وهل تجوز الهجرة إلى أوروبا وأمريكا؟ كما أن البلدان العربية والإسلامية لا تسمح بالهجرة إليها.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
ذكر أهل العلم أن من أقسام الهجرة المشروعة: الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، ومن دار البدعة إلى دار السنة، ومن الأرض التي يغلب عليها الحرام، والهجرة فرارا من الأذى في البدن أو المال أو الأهل.
قال ابن العربي المالكي ﵀: " الهجرة وهي تنقسم إلى ستة أقسام:
الأول: الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، وكانت فرضا في أيام النبي ﷺ مع غيرها من أنواعها، وهذه الهجرة باقية مفروضة إلى يوم القيامة، والتي انقطعت بالفتح هي القصد إلى النبي ﷺ حيث كان.
الثاني: الخروج من أرض البدعة، قال ابن القاسم: سمعت مالكا يقول: لا يحل لأحد أن يقيم ببلد يسب فيها السلف.
وهذا صحيح، فإن المنكر إذا لم يقدر على تغييره نزل عنه، قال الله تعالى: (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين) الأنعام/٦٨.
وقد كنت قلت لشيخنا الإمام الزاهد أبي بكر الفهري: ارحل عن أرض مصر إلى بلادك فيقول: لا أحب أن أدخل بلادا غلب عليها كثرة الجهل وقلة العقل، فأقول له: فارتحل إلى مكة أقم في جوار الله وجوار رسوله، فقد علمت أن الخروج عن هذه الأرض فرض لما فيها من البدعة والحرام، فيقول: وعلى يدي فيها هُدَى كثير وإرشاد للخلق وتوحيد وصد عن العقائد السيئة ودعاء إلى الله .
الثالث: الخروج عن أرض غلب عليها الحرام؛ فإن طلب الحلال فرض على كل مسلم.
الرابع: الفرار من الإذاية في البدن، وذلك فضل من الله أرخص فيه، فإذا خشي المرء على نفسه في موضع فقد أذن الله سبحانه له في الخروج عنه والفرار بنفسه ليخلصها من ذلك المحذور، وأول من حفظناه فيه الخليل إبراهيم ﵇ لما خاف من قومه قال: (إني مهاجر إلى ربي) العنكبوت/٢٦، وقال: (إني ذاهب إلى ربي سيهدين) الصافات/٩٩ وموسى قال الله سبحانه فيه: (فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين) القصص/٢١.
الخامس: خوف المرض في البلاد الوخمة والخروج منها إلى الأرض النزهة، وقد أذن النبي ﷺ للرعاء حين استوخموا المدينة أن يتنزهوا إلى المسرح فيكونوا فيه حتى يصحوا، وقد استثني من ذلك الخروج من الطاعون فمنع الله سبحانه منه بالحديث الصحيح عن النبي ﷺ .
السادس: الفرار خوف الأذية في المال، فإن حرمة مال المسلم كحرمة دمه، والأهل مثله أو آكد " انتهى من "أحكام القرآن" (١/٦١١) باختصار. ولا شك أن هذه المقاصد متفاوتة في الحكم بحسب حال الشخص، فقد تجب وقد تستحب.
والمتحصل من كلام أهل العلم أن الهجرة تجب على من عجز عن إظهار دينه، واستطاع الهجرة. وأما من قدر على إظهار دينه، فلا تجب عليه الهجرة، وكذلك من عجز عن إظهار دينه وعجز عن الهجرة، فقد عذره الله تعالى.
قال ابن قدامة ﵀ مبينا أصناف الناس في حكم الهجرة: " فالناس في الهجرة على ثلاثة أضرب:
أحدها: من تجب عليه , وهو من يقدر عليها , ولا يمكنه إظهار دينه , ولا تمكنه إقامة واجبات دينه مع المقام بين الكفار , فهذا تجب عليه الهجرة ; لقول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً) . وهذا وعيد شديد يدل على الوجوب. ولأن القيام بواجب دينه واجب على من قدر عليه , والهجرة من ضرورة الواجب وتتمته , وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
الثاني: من لا هجرة عليه. وهو من يعجز عنها , إما لمرض , أو إكراه على الإقامة , أو ضعف ; من النساء والولدان وشبههم , فهذا لا هجرة عليه ; لقول الله تعالى: (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً) . ولا توصف باستحباب ; لأنها غير مقدور عليها.
والثالث: من تستحب له , ولا تجب عليه. وهو من يقدر عليها , لكنه يتمكن من إظهار دينه , وإقامته في دار الكفر , فتستحب له , ليتمكن من جهادهم , وتكثير المسلمين , ومعونتهم , ويتخلص من تكثير الكفار , ومخالطتهم , ورؤية المنكر بينهم. ولا تجب عليه ; لإمكان إقامة واجب دينه بدون الهجرة. وقد كان العباس عم النبي ﷺ مقيما بمكة مع إسلامه ". انتهى من "المغني" (٩/٢٣٦) .
ثانيا:
علم مما تقدم أنه إذا لم يستطع المسلم إظهار دينه، فإنه تجب عليه الهجرة عند القدرة، فإن لم يستطع لعجزه أو مرضه أو عدم وجود جهة تسمح بانتقاله إليها، فهو معذور، وفرضه أن يتقي الله ما استطاع، ويجتهد في أداء ما يستطيعه من أمور دينه؛ قال الله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) البقرة/٢٨٦، وقال: (لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) الأنعام/١٥٢.
وإذا لم توجد بلد يمكن فيها إظهار الدين كاملا – ممن تسمح بالهجرة إليها -، فإنه يُبحث عن الأمثل فالأمثل، وهذا من تقوى الله تعالى، وامتثالِ أوامره، وفعلِ الممكن المستطاع.
ثالثا:
إذا لم توجد دولة إسلامية يمكن الانتقال إليها، وكان العيش في أوروبا أو أمريكا، مما يمكّن المسلم من إظهار دينه، أو ينجو فيه من الأذى المتوقع على بدنه أو أهله أو ماله، بحيث يكون العيش فيها آمن من العيش في بلده الأصلي، فلا حرج في ذلك، على أن يقتصر على الإقامة دون أخذ الجنسية، لما يترتب على أخذها من محظورات كبار، وقد سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء سؤالا نصه:
كثير من المسلمين الذين يقدمون إلى هذه الديار ينوون الإقامة وكذلك يحصلون على الجنسية الأمريكية فهل يجوز لهم ذلك علما بأنها ديار كفر وشرك وانحلال فكيف يعطون ولاءهم لحكومتها بالتنازل عن جنسية بلادهم الإسلامية وقبول جنسية هذه البلاد فما حكم الإسلام في ذلك علما بأنهم يبررون ذلك بنشر الإسلام؟
فأجابت: "لا يجوز لمسلم أن يتجنس بجنسية بلاد حكومتها كافرة، لأن ذلك وسيلة إلى موالاتهم والموافقة على ما هم عليه من الباطل.
أما الإقامة بدون أخذ الجنسية فالأصل فيها المنع لقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرا. إلا المستضعفين ... ) النساء/٩٧، ٩٨.
ولقول النبي ﷺ : (أنا برئ من كل مسلم يقيم بين المشركين) ولأحاديث أخرى في ذلك، ولإجماع المسلمين على وجوب الهجرة من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام مع الاستطاعة. لكن من أقام من أهل العلم والبصيرة في الدين بين المشركين لإبلاغهم دين الإسلام ودعوتهم إليه، فلا حرج عليه إذا لم يخش الفتنة في دينه، وكان يرجو التأثير فيهم وهدايتهم "انتهى".
عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... عبد الرزاق عفيفي..... عبد الله بن قعود
"فتاوى اللجنة الدائمة" (٢/٦٩) .
وجوَّزَ بعض أهل العلم أخذ الجنسية في حالة الاضطرار، كالمطارد الذي لا يجد مأوى إلا في هذه البلاد، قال الشيخ ابن جبرين حفظه الله: " من اضطر إلى طلب جنسية دولة كافرة كمطارد من بلده ولم يجد مأوى فيجوز له ذلك بشرط أن يظهر دينه ويكون متمكنا من أداء الشعائر الدينية، وأما الحصول على الجنسية من أجل مصلحة دنيوية محضة فلا أرى جوازه.
والله أعلم" وللأهمية يراجع جواب السؤال رقم (١٣٣٦٣)
نسأل الله تعالى أن يظهر دينه، ويعلي كلمته، ويحفظنا وإياكم والمسلمين بحفظه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1034
حكم الاحتفال بعيد الحب
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم عيد الحب؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
عيد الحب عيد روماني جاهلي، استمر الاحتفال به حتى بعد دخول الرومان في النصرانية، وارتبط العيد بالقس المعروف باسم فالنتاين الذي حكم عليه بالإعدام في ١٤ فبراير عام ٢٧٠ ميلادي، ولا زال هذا العيد يحتفل به الكفار، ويشيعون فيه الفاحشة والمنكر. وانظر تفصيل الكلام على هذا العيد في ملف بعنوان: (الاحتفال بعيد الحب)
ثانيا:
لا يجوز للمسلم الاحتفال بشيء من أعياد الكفار؛ لأن العيد من جملة الشرع الذي يجب التقيد فيه بالنص.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " الأعياد من جملة الشرع والمنهاج والمناسك التي قال الله سبحانه (عنها) : (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) وقال: (لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه) كالقبلة والصلاة والصيام، فلا فرق بين مشاركتهم في العيد، وبين مشاركتهم في سائر المناهج؛ فإن الموافقة في جميع العيد موافقة في الكفر، والموافقة في بعض فروعه موافقة في بعض شعب الكفر، بل الأعياد هي من أخص ما تتميز به الشرائع، ومن أظهر ما لها من الشعائر، فالموافقة فيها موافقة في أخص شرائع الكفر وأظهر شعائره، ولا ريب أن الموافقة في هذا قد تنتهي إلى الكفر في الجملة.
وأما مبدؤها فأقل أحواله أن تكون معصية، وإلى هذا الاختصاص أشار النبي ﷺ بقوله: (إن لكل قوم عيدا وإن هذا عيدنا) وهذا أقبح من مشاركتهم في لبس الزنار (لباس كان خاصاً بأهل الذمة) ونحوه من علاماتهم؛ فإن تلك علامة وضعية ليست من الدين، وإنما الغرض منها مجرد التمييز بين المسلم والكافر، وأما العيد وتوابعه فإنه من الدين الملعون هو وأهله، فالموافقة فيه موافقة فيما يتميزون به من أسباب سخط الله وعقابه " انتهى من "اقتضاء الصراط المستقيم" (١/٢٠٧) .
وقال ﵀ أيضاً: " لا يحل للمسلمين أن يتشبهوا بهم في شيء مما يختص بأعيادهم، لا من طعام ولا لباس ولا اغتسال ولا إيقاد نيران، ولا تبطيل عادة من معيشة أو عبادة أو غير ذلك. ولا يحل فعل وليمة ولا الإهداء ولا البيع بما يستعان به على ذلك لأجل ذلك، ولا تمكين الصبيان ونحوهم من اللعب الذي في الأعياد ولا إظهار الزينة.
وبالجملة: ليس لهم أن يخصوا أعيادهم بشيء من شعائرهم، بل يكون يوم عيدهم عند المسلمين كسائر الأيام، لا يخصه المسلمون بشيء من خصائصهم" انتهى من "مجموع الفتاوى" (٢٥/٣٢٩) .
وقال الحافظ الذهبي ﵀ " فإذا كان للنصارى عيد، ولليهود عيد، كانوا مختصين به، فلا يشركهم فيه مسلم، كما لا يشاركهم في شرعتهم ولا قبلتهم " انتهى من "تشبه الخسيس بأهل الخميس" منشورة في مجلة الحكمة (٤/١٩٣)
والحديث الذي أشار إليه شيخ الإسلام رواه البخاري (٩٥٢) ومسلم (٨٩٢) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الأَنْصَارِ تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتْ الأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ، قَالَتْ: وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ، فَقَالَ أَبُو: بَكْرٍ أَمَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ! وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا) .
وروى أبو داود (١١٣٤) عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَقَالَ: مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟ قَالُوا كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ) والحديث صححه الألباني في صحيح أبي داود.
وهذا يدل على أن العيد من الخصائص التي تتميز بها الأمم، وأنه لا يجوز الاحتفال بأعياد الجاهليين والمشركين.
وقد أفتى أهل العلم بتحريم الاحتفال بعيد الحب:
١- سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ ما نصه:
" انتشر في الآونة الأخيرة الاحتفال بعيد الحب خاصة بين الطالبات وهو عيد من أعياد النصارى، ويكون الزي كاملا باللون الأحمر، الملبس والحذاء، ويتبادلن الزهور الحمراء، نأمل من فضيلتكم بيان حكم الاحتفال بمثل هذا العيد، وما توجيهكم للمسلمين في مثل هذه الأمور والله يحفظكم ويرعاكم؟
فأجاب: الاحتفال بعيد الحب لا يجوز لوجوه:
الأول: أنه عيد بدعي لا أساس له في الشريعة.
الثاني: أنه يدعو إلى العشق والغرام.
الثالث: أنه يدعو إلى اشتغال القلب بمثل هذه الأمور التافهة المخالفة لهدي السلف الصالح ﵃.
فلا يحل أن يحدث في هذا اليوم شيء من شعائر العيد سواء كان في المآكل، أو المشارب، أو الملابس، أو التهادي، أو غير ذلك.
وعلى المسلم أن يكون عزيزا بدينه وأن لا يكون إمعة يتبع كل ناعق. أسأل الله تعالى أن يعيذ المسلمين من كل الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يتولانا بتوليه وتوفيقه " انتهى من "مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين" (١٦/١٩٩) .
٢- وسئلت الجنة الدائمة: يحتفل بعض الناس في اليوم الرابع عشر من شهر فبراير ١٤/٢ من كل سنة ميلادية بيوم الحب ((فالنتين داي)) . ((day valentine)) . ويتهادون الورود الحمراء ويلبسون اللون الأحمر ويهنئون بعضهم وتقوم بعض محلات الحلويات بصنع حلويات باللون الأحمر ويرسم عليها قلوب وتعمل بعض المحلات إعلانات على بضائعها التي تخص هذا اليوم فما هو رأيكم:
أولاً: الاحتفال بهذا اليوم؟
ثانياً: الشراء من المحلات في هذا اليوم؟
ثالثاً: بيع أصحاب المحلات (غير المحتفلة) لمن يحتفل ببعض ما يهدى في هذا اليوم؟
فأجابت: " دلت الأدلة الصريحة من الكتاب والسنة – وعلى ذلك أجمع سلف الأمة – أن الأعياد في الإسلام اثنان فقط هما: عيد الفطر وعيد الأضحى وما عداهما من الأعياد سواء كانت متعلقة بشخصٍ أو جماعة أو حَدَثٍ أو أي معنى من المعاني فهي أعياد مبتدعة لا يجوز لأهل الإسلام فعلها ولا إقرارها ولا إظهار الفرح بها ولا الإعانة عليها بشيء لأن ذلك من تعدي حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه، وإذا انضاف إلى العيد المخترع كونه من أعياد الكفار فهذا إثم إلى إثم لأن في ذلك تشبهاً بهم ونوع موالاة لهم وقد نهى الله سبحانه المؤمنين عن التشبه بهم وعن موالاتهم في كتابه العزيز وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (من تشبه بقوم فهو منهم) . وعيد الحب هو من جنس ما ذكر لأنه من الأعياد الوثنية النصرانية فلا يحل لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يفعله أو أن يقره أو أن يهنئ بل الواجب تركه واجتنابه استجابة لله ورسوله وبعداً عن أسباب سخط الله وعقوبته، كما يحرم على المسلم الإعانة على هذا العيد أو غيره من الأعياد المحرمة بأي شيء من أكلٍ أو شرب أو بيع أو شراء أو صناعة أو هدية أو مراسلة أو إعلان أو غير ذلك لأن ذلك كله من التعاون على الإثم والعدوان ومعصية الله والرسول والله جل وعلا يقول: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب) .
ويجب على المسلم الاعتصام بالكتاب والسنة في جميع أحواله لاسيما في أوقات الفتن وكثرة الفساد، وعليه أن يكون فطناً حذراً من الوقوع في ضلالات المغضوب عليهم والضالين والفاسقين الذين لا يرجون لله وقاراً ولا يرفعون بالإسلام رأساً، وعلى المسلم أن يلجأ إلى الله تعالى بطلب هدايته والثبات عليها فإنه لا هادي إلا الله ولا مثبت إلا هو سبحانه وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم " انتهى.
٣- وسئل الشيخ ابن جبرين حفظه الله:
" انتشر بين فتياننا وفتياتنا الاحتفال بما يسمى عيد الحب (يوم فالنتاين) وهو اسم قسيس يعظمه النصارى يحتفلون به كل عام في ١٤ فبراير، ويتبادلون فيه الهدايا والورود الحمراء، ويرتدون الملابس الحمراء، فما حكم الاحتفال به أو تبادل الهدايا في ذلك اليوم وإظهار ذلك العيد؟
فأجاب:
أولاً: لا يجوز الاحتفال بمثل هذه الأعياد المبتدعة؛ لأنه بدعة محدثة لا أصل لها في الشرع فتدخل في حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) أي مردود على من أحدثه.
ثانياً: أن فيها مشابهة للكفار وتقليدًا لهم في تعظيم ما يعظمونه واحترام أعيادهم ومناسباتهم وتشبهًا بهم فيما هو من ديانتهم وفي الحديث: (من تشبه بقوم فهو منهم) .
ثالثا: ما يترتب على ذلك من المفاسد والمحاذير كاللهو واللعب والغناء والزمر والأشر والبطر والسفور والتبرج واختلاط الرجال بالنساء أو بروز النساء أمام غير المحارم ونحو ذلك من المحرمات، أو ما هو وسيلة إلى الفواحش ومقدماتها، ولا يبرر ذلك ما يعلل به من التسلية والترفيه وما يزعمونه من التحفظ فإن ذلك غير صحيح، فعلى من نصح نفسه أن يبتعد عن الآثام ووسائلها.
وقال حفظه الله:
وعلى هذا لا يجوز بيع هذه الهدايا والورود إذا عرف أن المشتري يحتفل بتلك الأعياد أو يهديها أو يعظم بها تلك الأيام حتى لا يكون البائع مشاركًا لمن يعمل بهذه البدعة والله أعلم " انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1035
هل من الكفار من يحب المسلمين ويريد لهم الخير ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هناك من يدعي أن بعض الكفار يحبون المسلمين وأن بعضهم يريد لنا الخير، وقد يتحجج بعلاقات واقعية مع بعضهم حيث لم ير منهم إلا الخير (وهذا شيء مشاهد) ، آمل من فضيلتكم تفنيد هذه الشبهة، وهل يختلف في ذلك عامة الكفار عن علمائهم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قد بين الله تعالى في كتابه أن الكفار يضمرون لنا العداوة، ولا يقصّرون في إلحاق الضرر بنا، ويودّون لنا العنت والمشقة، وأنهم لن يرضوا عنا حتى نتبع ملتهم، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ. هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ. إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) آل عمران/١١٨- ١٢٠.
وقال تعالى: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) البقرة/١٢٠.
قال ابن كثير ﵀: " وقوله تعالى: (لا تتخذوا بطانة من دونكم) أي من غيركم من أهل الأديان، وبطانة الرجل هم خاصة أهله الذين يطلعون على داخلة أمره " ثم أورد ما رواه ابن أبي حاتم بسنده عن ابن أبي الدهقانة، قال: قيل لعمر بن الخطاب ﵁: إن ههنا غلاماً من أهل الحيرة حافظ كاتب، فلو اتخذته كاتباً، فقال: قد اتخذت إذاً بطانة من دون المؤمنين. قال ابن كثير: " ففي هذا الأثر مع هذه الآية دليل على أن أهل الذمة لا يجوز استعمالهم في الكتابة التي فيها استطالة على المسلمين وإطلاع على دواخل أمورهم التي يخشى أن يفشوها إلى الأعداء من أهل الحرب، ولهذا قال تعالى: (لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم) " انتهى من تفسير ابن كثير (١/٥٢٨) .
وقال القرطبي ﵀: " نهى الله المؤمنين بهذه الآية أن يتخذوا من الكفار واليهود وأهل الأهواء دخلاء وولجاء، يفاوضونهم في الآراء، ويسندون إليهم أمورهم ... ثم بين تعالى المعنى الذي لأجله نهى عن المواصلة فقال: (لا يألونكم خبالاً) يقول: فساداً، يعني لا يتركون الجهد في فسادكم، يعني أنهم وإن لم يقاتلوكم في الظاهر فإنهم لا يتركون الجهد في المكر والخديعة ".
ثم قال ﵀: " قوله تعالى: (ها أنتم أولاء تحبونهم) يعني المنافقين، دليله قوله تعالى: (وإذا لقوكم قالوا آمنا) قاله أبو العالية ومقاتل. والمحبة هنا بمعنى المصافاة، أي أنتم أيها المسلمون تصافونهم ولا يصافونكم لنفاقهم. وقيل: المعنى تريدون لهم الإسلام وهم يريدون لكم الكفر. وقيل: المراد اليهود، قاله الأكثر. والكتاب اسم جنس، قال ابن عباس: يعني: بالكتب. واليهود يؤمنون بالبعض، كما قال تعالى: (وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه) البقرة/٩١.
(وإذا لقوكم قالوا آمنا) أي بمحمد ﷺ ، وأنه رسول الله ﷺ . وإذا خلوا فيما بينهم عضوا عليكم الأنامل يعني أطراف الأصابع من الغيظ والحنق عليكم، فيقول بعضهم لبعض: ألا ترون إلى هؤلاء ظهروا وكثروا " انتهى من تفسير القرطبي (٤/١٧٧) .
وقال الطبري ﵀: " يعني بقوله جل ثناؤه: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) : وليست اليهود يا محمد، ولا النصارى براضية عنك أبدًا، فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم، وأقبل على طلب رضا الله في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق " انتهى من "تفسير الطبري" (١/٥٦٥) .
وبين ربنا أن كثيرا من أهل الكتاب يودون لنا الكفر، حسدا وبغيا منهم، فقال: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) البقرة/١٠٩.
قال ابن كثير ﵀: " يحذر تعالى عباده المؤمنين عن سلوك طريق الكفار من أهل الكتاب، ويعلمهم بعداوتهم لهم في الباطن والظاهر، وما هم مشتملون عليه من الحسد للمؤمنين، مع علمهم بفضلهم وفضل نبيهم " انتهى.
وقال تعالى في شأن أهل الكفر: (كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ) التوبة/٨.
فهذا هو حالهم، يرضون المسلمين بأفواههم، وأما قلوبهم فإنها تضمر العداوة والشر.
والحاصل أنه إن وجد من الكفار من يظهر المحبة لأهل الإيمان، فذلك لا يخرج عن ثلاثة أمور:
الأول: أن يكون ذلك تصنّعا وتظاهرا بما لا حقيقة له، كما أخبرنا ربنا ، وهو الأعلم بنياتهم وقلوبهم.
الثاني: أن يكون ذلك مع من انسلخ من الإسلام، ووقع في موالاة الكفار ومودتهم، فصار منهم، كما قال الله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) المائدة/٥١، ولهذا رضوا عنه وأحبوه.
الثالث: أن يندرج ذلك تحت النادر والقليل، والنادر لا حكم له، وقد يكون مرجعه إلى عدم تمسك الكافر بكفره، أو عدم مبالاته بالأديان، كما هو حال جماعات منهم اليوم.
والذي يجب على كل مسلم أن يحذره، هو ما حذر منه الله تعالى، من موالاة الكافرين ومودتهم، واتخاذهم بطانة والركون إليهم، سواء أظهر الكافر المحبة أو العداوة، وسواء كان صادقا في محبته أو مخادعا، فهذا هو الأمر المحكم الذي لا نقاش فيه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1036
هل يذهب مع أهله إلى أماكن ترفيهية فيها سفور وغناء ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[تشيع بصورة ملفتة جدّاً هذه الأيام ظاهرة السفور والتبرج في الأسواق والملاهي والموسيقى العالية في كل مكان منها.
وسؤالي هو:
هل الذهاب للملاهي بقصد الترفيه عن أبنائي الذكور يعتبر حراماً؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إن من واجب الدولة أن توفر الأماكن الترفيهية المباحة، وفي ذلك فوائد متعددة لجميع الأطراف، فقد ذكرت إحصائية جديدة أنه من المحتمل أن يصل عدد الذين سيغادرون للسياحة خارج المملكة حوالي ٥ مليون سائح! ولا شك أن كثيراً منهم سيتعرض للمحرمات وقد يفعل الموبقات في سفره ذاك، فضلاً عن الأموال التي ستنفق في الخارج في بلاد الكفر وأماكن اللهو المحرم، وكثير من هؤلاء سيرجع بأخلاق منحرفة، وأمراض مزمنة معدية، وهو ما يسبب خسارة في الدين والنفس والمال والعرض والعقل، وهي الضرورات التي جاءت الشرائع بحمايتها والعناية بها.
وينبغي الاعتناء بهذه الأماكن الترفيهية المباحة من حيث توفير الأمن فيها، والاعتناء بنظافتها وخدماتها، وتخصيص أماكن للنساء والأسر، وأخرى للشباب، وينبغي منع المحرمات فيها مثل تشغيل الأغاني أو وجود التبرج والسفور، أو وجود الشباب الطائش، وبذلك تكون الدولة قد قطعت السبيل على من أراد إفساد الشباب والنساء في الخارج، وأعانت على توفير أموالهم، وكذا في الحد من استفادة أهل الكفر والضلال والانحراف منها، واستفادت توفير فرص عمل لكثير من الشباب.
وقد سبق في جواب السؤال رقم (٤٧٣٩٦) أنه لا يجوز للمسلم أن يوجد في مكان به منكرات وهو عاجز عن تغييرها، بل الواجب عليه أن يسعى في تغييرها باليد واللسان فإن عجز فما بقي إلا إنكارها بالقلب، ومن لوازم هذا الإنكار القلبي أن يترك المكان.
وعليه: فلا يجوز لكم ولا لغيركم الذهاب إلى أماكن ترفيهية مع وجود المعاصي فيها، مثل التبرج والسفور، أو الأغاني والمعازف، وقد جعل الله لكم بديلاً في الأماكن التي لا يوجد فيها شيء من هذه المعاصي، ولا ينبغي لكم نسيان العمرة في هذه الأيام، والمسلم العاقل يغتنم حياته قبل موته، وصحته قبل سقمه، وفراغه قبل شغله، وغناه قبل فقره، ولا نحرِّم ما أحل الله من الذهاب إلى الأماكن الترفيهية المباحة، لكن نصحناكم بالانتقاء، ونصحناكم بما هو خير لآخرتكم.
والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1037
شراء منتجات الدول الكافرة
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم بيع وشراء المنتجات الأمريكية وخصوصاً ذات التقنية مثل IBM, DELL, Microsoft جزاك الله خيرا.]ـ
[الْجَوَابُ]
المنتجات الأمريكية كغيرها مما يرد على بلاد المسلمين من بلاد الكفر والتعامل مع الكفار في التجارات لا مانع منه إذا لم يكن منه ما يتعارض مع الشرع وإذا لم يكن في صناعات المسلمين ما يغني عن صناعات الكفار ومنتجاتهم وما لم يؤد شراء منتجاتهم على التقوي على المسلمين، والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
كتبه: الخضير.
стр. 1038
مقاطعة بضائع الكفار المحاربين
[السُّؤَالُ]
ـ[هل من العادة إباحة التعامل مع اليهود، أو شركات يملكها اليهود أو مساهمين يهود، أو شركات لها فروع في إسرائيل، إلخ.؟
مؤخرا ً كثير من المسلمين يقولون إنه حرام التعامل مع اليهود على الإطلاق. لحسب معلوماتي المحدودة، حتى عندما قاتل المسلمون اليهود في عهد النبيّ ﷺ ، لم يمنع التعامل معهم، وعندما توفي كان درعه مرهوناً عند يهودي على دَيْن. الرجاء إعلامنا بالموقف الصحيح لهذه القضية.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً: الأصل هو جواز التعامل بالبيع والشراء مع اليهود وغيرهم، لما ثبت من تعامل النبي ﷺ وأصحابه مع يهود المدينة بالبيع والشراء والقرض والرهن وغير ذلك من المعاملات المباحة في ديننا.
وهؤلاء اليهود الذين تعامل معهم النبي ﷺ كانوا من أهل العهد، ومن نقض العهد منهم فقد قُتِلَ أو أُخرِجَ، أو تُرِكَ لمصلحة.
على أنه قد ثبت ما يدل على جواز البيع والشراء مع الكفار المحاربين.
قال الإمام البخاري ﵀:
بَاب الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْحَرْبِ.
ثم روى (٢٢١٦) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ بِغَنَمٍ يَسُوقُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : بَيْعًا أَمْ عَطِيَّةً أَوْ قَالَ أَمْ هِبَةً؟ قَالَ: لا، بَلْ بَيْعٌ، فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةً.
وقال النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم (١١/٤١) :
وقد أجمع المسلمون على جواز معاملة أهل الذِّمَّة، وغيرهم من الكفَّار إذا لم يتحقَّق تحريم ما معه، لكن لا يجوز للمسلم أن يبيع أهل الحرب سلاحاً وآلة حرب، ولا ما يستعينون به في إقامة دينهم. . . اهـ.
وقَالَ اِبْنُ بَطَّالٍ: مُعَامَلَةُ الْكُفَّارِ جَائِزَةٌ , إِلا بَيْعَ مَا يَسْتَعِينُ بِهِ أَهْلُ الْحَرْبِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ اهـ.
ونقل في " المجموع" (٩/٤٣٢) الإجماع على تحريم بيع السلاح لأهل الحرب.
والحكمة من ذلك واضحة، وهي أن هذا السلاح يقاتلون به المسلمين.
ثانياً: لا شك في مشروعية جهاد أعداء الله المحاربين من اليهود وغيرهم، بالنفس والمال، ويدخل في ذلك كل وسيلة تضعف اقتصادهم وتلحق الضرر بهم، فإن المال هو عصب الحروب في القديم والحديث.
وينبغي على المسلمين عموما التعاون على البر والتقوى ومساعدة المسلمين في كل مكان بما يكفل لهم ظهورهم وتمكينهم في البلاد وإظهارهم شعائر الدين، وعملهم بتعاليم الإسلام وتطبيقهم للأحكام الشرعية وإقامة الحدود، وبما يكون سببا في نصرهم على القوم الكافرين من اليهود والنصارى وغيرهم، فيبذل جهده في جهاد أعداء الله بكل ما يستطيعه، وقد قال النبي ﷺ : (جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ) . رواه أبو داود (٢٥٠٤) صححه الألباني في صحيح أبي داود.
فعلى المسلمين أن يساعدوا المجاهدين بكل ما يستطيعونه، وبذل كل الإمكانيات التي يكون فيها تقوية للإسلام والمسلمين، وعليهم أيضاً جهاد الكفار بما يستطيعونه من القدرة، وعمل كل ما فيه إضعاف للكفار أعداء الدين، فلا يستعملونهم كعمال بالأجرة كُتَّاباً أو محاسبين أو مهندسين أو خُداما بأي نوع من الخدمة التي فيها إقرار لهم وتمكين لهم بحيث يجمعون أموال المسلمين ويحاربونهم بها.
والحاصل:
أن من قاطع بضائع الكفار المحاربين وقصد بذلك إظهار عدم موالاتهم، وإضعاف اقتصادهم، فهو مثاب مأجور إن شاء الله تعالى على هذا القصد الحسن.
ومن تعامل معهم متمسكاً بالأصل وهو جواز التعامل مع الكفار – لاسيما بشراء ما يحتاج إليه – فلا حرج عليه إن شاء الله تعالى، ولا يكون ذلك قدحاً في أصل الولاء والبراء في الإسلام.
وقد سئلت اللجنة الدائمة: ما حكم ترك المسلمين التعاون بينهم بأن لا يرضى ولا يحب أن يشتري من المسلمين، ويرغب في الشراء من الكفار، هل هذا حلال أم حرام؟
فأجابت:
الأصل جواز شراء المسلم ما يحتاجه مما أحل الله له من المسلم أو من الكافر، وقد اشترى النبي ﷺ من اليهود، لكن إذا كان عدول المسلم عن الشراء من أخيه المسلم من غير سبب من غش ورفع أسعار ورداءة سلعة إلى محبة الشراء من كافر والرغبة في ذلك وإيثاره على المسلم دون مبرر فهذا حرام لما فيه من موالاة الكفار ورضاء عنهم ومحبة لهم، ولما فيه من النقص على تجار المسلمين وكساد سلعهم، وعدم رواجها إذا اتخذ المسلم ذلك عادة له، وأما إن كانت هناك دواع للعدول من نحو ما تقدم فعليه أن ينصح لأخيه المسلم بترك ما يصرفه عنه من العيوب، فإن انتصح فالحمد لله، وإلا عدل إلى غيره، ولو إلى كافر يحسن تبادل المنافع ويصدق في معاملته " اهـ. "فتاوى اللجنة الدائمة" (١٣/١٨) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1039
هل يرد على الكفار إذا هنؤوه بالعام الجديد ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز لي أن أقول لغير المسلمين (ولكم بالمثل) عندما يهنئونني بالعام الجديد بعبارة عام سعيد أو أحلى التهاني؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يجوز تهنئة الكفار بعيد الكريسماس (رأس السنة الميلادية) أو غير ذلك من أعيادهم، كما لا يجوز إجابتهم في حال تهنئتهم لنا بهذه الأعياد، لأنها ليست أعيادا مشروعة في ديننا، وفي إجابة التهنئة بها إقرار واعتراف بها، وعلى المسلم أن يكون معتزا بدينه، فخورا بأحكامه، حريصا على دعوة الآخرين وتبليغهم دين الله .
وقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: عن حكم تهنئة الكفار بعيد الكريسماس؟ وكيف نرد عليهم إذا هنئونا به؟ وهل يجوز الذهاب إلى أماكن الحفلات التي يقيمونها بهذه المناسبة؟ وهل يأثم الإنسان إذا فعل شيئا مما ذكر بغير قصد؟ وإنما فعله إما مجاملة أو حياء أو إحراجا أو غير ذلك من الأسباب؟ وهل يجوز التشبه بهم في ذلك؟
فأجاب: " تهنئة الكفار بعيد الكريسماس أو غيره من أعيادهم الدينية حرام بالاتفاق، كما نقل ذلك ابن القيم ﵀ في كتابه " أحكام أهل الذمة "، حيث قال: " وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم، فيقول: عيد مبارك عليك، أو تهنأ بهذا العيد ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن تهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثما عند الله، وأشد مقتا من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس، وارتكاب الفرج الحرام ونحوه. وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك، ولا يدري قبح ما فعل، فمن هنأ عبدا بمعصية أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه ". انتهى كلامه ﵀.
وإنما كانت تهنئة الكفار بأعيادهم الدينية حراما وبهذه المثابة التي ذكرها ابن القيم لأن فيها إقرارا لما هم عليه من شعائر الكفر، ورضا به لهم، وإن كان هو لا يرضى بهذا الكفر لنفسه، لكن يحرم على المسلم أن يرضى بشعائر الكفر أو يهنئ بها غيره، لأن الله تعالى لا يرضى بذلك، كما قال الله تعالى: (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) الزمر/٧. وقال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا) المائدة/٣. وتهنئتهم بذلك حرام، سواء كانوا مشاركين للشخص في العمل أم لا.
وإذا هنئونا بأعيادهم فإننا لا نجيبهم على ذلك؛ لأنها ليست بأعياد لنا، ولأنها أعياد لا يرضاها الله تعالى، لأنها إما مبتدعة في دينهم، وإما مشروعة، لكن نسخت بدين الإسلام الذي بعث الله به محمداً ﷺ ، إلى جميع الخلق، وقال فيه: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ) آل عمران/٨٥.
وإجابة المسلم دعوتهم بهذه المناسبة حرام، لأن هذا أعظم من تهنئتهم بها، لما في ذلك من مشاركتهم فيها.
وكذلك يحرم على المسلمين التشبه بالكفار بإقامة الحفلات بهذه المناسبة، أو تبادل الهدايا أو توزيع الحلوى، أو أطباق الطعام، أو تعطيل الأعمال ونحو ذلك؛ لقول النبي ﷺ : (من تشبه بقوم فهو منهم) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه: "اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم": " مشابهتهم في بعض أعيادهم توجب سرور قلوبهم بما هم عليه من الباطل، وربما أطمعهم ذلك في انتهاز الفرص واستذلال الضعفاء ". انتهى كلامه ﵀.
ومن فعل شيئا من ذلك فهو آثم، سواء فعله مجاملة، أو توددا، أو حياء، أو لغير ذلك من الأسباب، لأنه من المداهنة في دين الله، ومن أسباب تقوية نفوس الكفار وفخرهم بدينهم.
والله المسئول أن يعز المسلمين بدينهم، ويرزقهم الثبات عليه، وينصرهم على أعدائهم، إنه قوي عزيز ". انتهى من مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين" (٣/٤٤) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1040
هل تقطع علاقتها مع بعض الكافرات أم تستغلها في الدعوة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا امرأة لي مراسلات مع أوربيات وأمريكيات عن طريق الإنترنت نقوم بتبادل الهدايا وأمور الخياطة وذلك منذ سنتين. حاولت مناقشتهن في الإسلام لكن توقفت خوفا من عدم تمكني من الدعوة وبالتالي الوقوع في الخطأ. ماذا تنصحني هل أقطع علاقتي بهن نهائيا أم أستمر بقصد دعوتهن للإسلام رغم الصعوبات وكيف أبدأ؟ وهل تعتبر هذه العلاقة صداقة وما حكمها شرعا؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
لا يجوز للمسلم أو المسلمة اتخاذ صديق أو صديقة من غير المسلمين؛ لنهي الله تعالى عن مودة الكافرين وموالاتهم واتخاذهم بطانة، كما في قوله تعالى: (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) المجادلة/٢٢، وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) المائدة/٥١، وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) آل عمران/١١٨.
ثانيا:
يجوز للمسلم مراسلة هؤلاء، وتقديم الهدايا لهم، بغرض دعوتهم للإسلام، وترغيبهم فيه، بشرط أن يكون متحصنا بالعلم والإيمان، متمكنا من الدعوة، مطلعا على شبهات القوم وأساليبهم. أما غير المتمكن فليس له أن يزج بنفسه في هذا المجال؛ لما قد يعترضه من الفتن، أو يأتيه من الشبهات التي لا يقدر على ردها، فيكون هذا سبب انحرافه وهلاكه، عياذا بالله من ذلك.
ثالثا:
إذا كانت مراسلة هؤلاء تقتصر على تبادل أمور الخياطة، والاستفادة منهم في ذلك من غير أن يصل الأمر إلى محبتهم ومودتهم وتهنئتهم بأعيادهم – مثلاً – فلا حرج في ذلك إن شاء الله تعالى، فقد كان النبي ﷺ يتعامل مع اليهود بيعاً وشراء.
بل لا حرج من تقديم بعض الهدايا لهم بشرط أن يكونوا غير محاربين للإسلام والمسلمين، فإن الله تعالى قال: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) الممتحنة/٨.
قال السعدي ﵀ (ص ١٠١٦) :
" أي لا ينهاكم الله عن البر والصلة والمكافأة بالمعروف والقسط للمشركين من أقاربكم وغيرهم، حيث كانوا بحال لم ينتصبوا لقتالكم في الدين والإخراج من دياركم، فليس عليكم جناح أن تصلوهم، فإن صلتهم في هذه الحالة لا محذور فيها " انتهى.
رابعاً:
وسائل الدعوة كثيرة ومتنوعة، منها:
١- الحوار المباشر، وينبغي أن يرتكز على بيان محاسن الإسلام، وحقيقة التوحيد، وأهمية الإيمان، وصدق رسالة محمد ﷺ ، ثم بيان بطلان ما سواه من الأديان الأخرى، وما أصابها من التحريف والتغيير والتبديل.
٢- إهداء الكتب والنشرات التي تتحدث عن الإسلام وترغب في الدخول فيه.
٣- دلالة الآخرين على المواقع المختصة بتوضيح الإسلام، والدعوة إليه، والإجابة على شبهات المخالفين، ومجادلتهم بالتي هي أحسن.
ولا بد أن يكون الداعي إلى الإسلام متحصنا بالعلم الشرعي والإيمان القوي الذي يقف في وجه الشبهات والشهوات، وإلا فليدع المجال لغيره، وليتق الله في نفسه ولا يوردها المهالك، وليحذر المسلم أن يتسرب إلى قلبه شيء من مودة الكافر ومحبته.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1041
حكم فتح المحلات التجارية في يوم عيدٍ للكفار
[السُّؤَالُ]
ـ[هل هناك أي محظور إذا فتح الفرد متجره أيام العيد؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
لا حرج على المسلم في فتح متجره أيام أعياد المسلمين (عيدي الفطر والأضحى) ، بشرط أن لا يبيع ما يستعين به بعض الناس على معصية الله تعالى.
ثانيا:
أما فتح المتجر في الأيام التي يتخذها غير المسلمين أعيادا، كيوم الكريسمس، ونحوه من أعياد اليهود أو البوذيين أو الهندوس، فلا حرج في ذلك أيضا، بشرط ألا يبيع لهم ما يستعينون به على معاصيهم، كالأعلام والرايات، والصور، وبطاقات التهنئة، والفوانيس، والزهور، والبيض الملوّن، وكل ما يستعملونه لإقامة العيد.
وكذلك لا يبيع للمسلمين ما يستعينون به على التشبه بالكفار في أعيادهم.
والأصل في ذلك أن المسلم منهي عن فعل المعصية، وعن الإعانة عليها؛ لقوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) المائدة/٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " ولا يبيع المسلم ما يستعين به المسلمون على مشابهتهم في العيد، من الطعام واللباس ونحو ذلك؛ لأن في ذلك إعانة على المنكر " انتهى من "اقتضاء الصراط المستقيم" (٢/٥٢٠) .
وقال: " فأما بيع المسلمين لهم [أي للكفار] في أعيادهم ما يستعينون به على عيدهم من الطعام واللباس والريحان ونحو ذلك، أو إهداء ذلك لهم، فهذا فيه نوع إعانة على إقامة عيدهم المحرم ".
ونقل عن ابن حبيب المالكي قوله: " ألا ترى أنه لا يحل للمسلمين أن يبيعوا من النصارى شيئا من مصلحة عيدهم، لا لحما، ولا إداما، ولا ثوبا، ولا يُعارون دابة، ولا يعاونون على شيء من عيدهم؛ لأن ذلك من تعظيم شركهم، ومن عونهم على كفرهم، وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك. وهو قول مالك وغيره، لم أعلمه اختلف فيه ". "اقتضاء الصراط المستقيم" (٢/٥٢٦) ، "الفتاوى الكبرى" (٢/٤٨٩) ، "أحكام أهل الذمة" (٣/١٢٥٠) .
وقال شيخ الإسلام أيضاً: " فإن كان ما يبتاعونه [يشترونه] يفعلون به نفس المحرم، مثل صليب أو شعانين أو معمودية أو تبخير أو ذبح لغير الله أو صورة ونحو ذلك، فهذا لا ريب في تحريمه، كبيعهم العصير ليتخذوه خمرا، وبناء الكنيسة لهم.
وأما ما ينتفعون به في أعيادهم للأكل والشرب واللباس، فأصول أحمد وغيره تقتضي كراهته، لكن: كراهة تحريم كمذهب مالك أو كراهة تنزيه؟ والأشبه أنه كراهة تحريم، كسائر النظائر عنده، فإنه لا يُجوّز بيع الخبز واللحم والرياحين للفساق الذين يشربون عليها الخمر، ولأن هذه الإعانة تفضي إلى إظهار الدين [الباطل] وكثرة اجتماع الناس لعيدهم وظهوره، وهذا أعظم من إعانة شخص معين ". "الاقتضاء" (٢/٢/٥٥٢) .
وسئل ابن حجر المكي ﵀ عن بيع المِسك لكافر يعلم منه أنه يشتريه ليطيّب به صنمه، وبيع حيوان لكافر يعلم منه أنه يقتله بلا ذبحٍ ليأكله؟
فأجاب بقوله: " يحرم البيع في الصورتين، كما شمله قولهم (يعني العلماء) : كل ما يَعلم البائع أن المشتري يعصي به يحرم عليه بيعه له. وتطييب الصنم وقتل الحيوان المأكول بغير ذبح معصيتان عظيمتان ولو بالنسبة إليهم، لأن الأصح أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة كالمسلمين، فلا تجوز الإعانة عليهما ببيع ما يكون سببا لفعلهما. وكالعلم هنا غلبة الظن , والله أعلم " انتهى من "الفتاوى الفقهية الكبرى" (٢/٢٧٠) .
والحاصل أنه يجوز للمسلم فتح متجره في أيام أعياد الكفار، بشرطين:
الأول: ألا يبيع لهم ما يستعملونه في المعصية أو يستعينون به على إقامة عيدهم.
والثاني: ألا يبيع للمسلمين ما يستعينون به على التشبه بالكفار في هذه الأعياد.
ولا شك أن هناك سلعا معلومة، تتخذ لهذه الأعياد، كالبطاقات والصور والتماثيل والصلبان وبعض الأشجار، فهذه لا يجوز بيعها، ولا إدخالها في المحل أصلا.
وما عدا ذلك مما قد يُستعمل في العيد وغيره، فيجتهد صاحب المتجر، فلا يبيعه لمن علم من حاله أو غلب على ظنه أنه يستعمله في الحرام أو يستعين به على إقامة العيد، كالملابس، والطيب، والأطعمة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1042
هل تفضيله للعمل مع غير المسلمين يعتبر من موالاتهم ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل العمل في شركة يملكها رجل كافر يعتبر من موالاة الكفار؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
العمل عند الكفار ومشاركتهم في التجارة لا يعد من موالاتهم، وعلى المسلم أن يحسن اختياره للأشخاص، ولطبيعة العمل ونوعية التجارة، ولا يجوز أن تكون أعماله أو تجاراته في المحرمات، ولا يحل له أن يوادهم في قلبه، ولا أن يثني عليهم ثناء مطلقاً، ويجب عليه أن يتحلى بالصدق والإتقان في عمله ليكون أنموذجاً طيباً لأخلاق المسلمين.
قال الشيخ صالح الفوزان:
ومن الموالاة المحرمة: مناصرتهم على المسلمين ومظاهرتهم أو الدفاع عنهم بالقول بتبرير ما هم عليه والاعتزاز بما هم عليه، كل هذا من أنواع الموالاة المحرمة والتي تصل إلى الردة عن الإسلام - والعياذ بالله - قال الله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) المائدة/٥١.
أما ما يجوز لنا من التعامل مع الكفار فهو التعامل المباح، نتعامل معهم بالتجارة، ونستورد منهم البضائع، ونتبادل معهم المنافع، ونستفيد من خبراتهم، نستقدم منهم من نستأجره على أداء عمل كهندسة أو غير ذلك من الخبرات المباحة، هذا حدود ما يجوز لنا معهم ولابد من أخذ الحذر، وأن لا يكون له سلطة في بلاد المسلمين إلا في حدود عمله، ولا يكون له سلطة على المسلمين، أو على أحد من المسلمين، وإنما تكون السلطة للمسلمين عليهم.
"المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان" (٢/٢٥٢) .
وعلى أصحاب الأعمال من المسلمين أن يتقوا الله في أعمالهم وموظفيهم، وأن يقيموا الأعمال المباحة، وأن يعطوا موظفيهم وعمالهم حقوقهم كاملة غير منقوصة، وأن لا يتسببوا في انتقال العمال والموظفين المسلمين إلى غيرهم من الكفار.
فالكثير من المسلمين يرى أن ما يحصل عليه من راتب وامتيازات عند الكافر هي التي تدفعه إلى العمل عنده؛ لأنه يرى أنه يأخذ ما يستحقه، وفي هذا من المفاسد ما فيه من مدح هؤلاء الكفار والثناء عليهم في خلقهم ومعاملاتهم، وقد يؤدي ذلك إلى الوقوع في موالاتهم، وهو ما سبب فتنة لكثيرين في دينهم بعد ذلك.
وانظر جواب السؤال رقم (٥٩٨٧٩) ففيه تفصيل مهم في موالاة الكفار وأنواعها.
وانظر جواب السؤال رقم (٢٨٧٥) ففيه حكم العمل عند الكفار، وجواب السؤال رقم (٢٣٧١) ففيه بيان جواز مشاركة المسلم للكافر بشروط.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1043
هل يجوز له أخذ الجنسية الكندية لأجل المضايقات في بلده ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[شاب مسلم قدمت إلى كندا من حوالي ٤ سنوات بقصد الدراسة، حصلت على الإقامة الدائمة في هذا البلد وأيضا تحصلت على شهادة جامعية. في فترة إقامتي تعلمت الكثير من الأشياء عن الإسلام ومن جملة ما تعلمت عدم جواز الإقامة في بلاد الكفر. قررت عدم البقاء. هنا يشير علي بعض الإخوان وأبي الذي يعيش في بلدنا الأصلي إلى أخذ الجنسية الكندية وذلك لما نلقاه في بلادنا من مضايقات وتنكيل بالملتزمين وأصحاب اللحى وهو بزعمهم أخذ بالأسباب حتى نتقي شر هؤلاء. فهل يجوز لي في هذه الحالة أخد الجنسية؟ وفي حالة الجواز فهل ينافي هذا التوكل على الله؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
لا تجوز الإقامة في بلاد الكفر إلا لمن قدر على إظهار دينه، فإن لم يقدر على إظهار دينه وجبت عليه الهجرة إن قدر على ذلك، وتطبيق هذا الحكم على الواقع يختلف من شخص لآخر، ومن بلد لآخر.
وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال (١٣٣٦٣) .
ثانيا:
أما الحصول على الجنسية لدولة كافرة، فلا تجوز إلا في حال الاضطرار، لما يترتب عليها من مفاسد عظيمة، كالخضوع لأحكام الكفار، وغير ذلك.
وقد سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء:
كثير من المسلمين الذين يقدمون إلى هذه الديار ينوون الإقامة وكذلك يحصلون على الجنسية الأمريكية فهل يجوز لهم ذلك؟ علماً بأنها ديار كفر وشرك وانحلال فكيف يعطون ولاءهم لحكومتها بالتنازل عن جنسية بلادهم الإسلامية وقبول جنسية هذه البلاد. فما حكم الإسلام في ذلك علما بأنهم يبررون ذلك بنشر الإسلام؟
فأجابت: " لا يجوز لمسلم أن يتجنس بجنسية بلاد حكومتها كافرة، لأن ذلك وسيلة إلى موالاتهم، والموافقة على ما هم عليه من الباطل.
أما الإقامة بدون أخذ الجنسية فالأصل فيها المنع، لقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرا. إلا المستضعفين ... ) النساء/٩٧، ٩٨.
ولقول النبي ﷺ : (أنا برئ من كل مسلم يقيم بين المشركين) ولأحاديث أخرى في ذلك، ولإجماع المسلمين على وجوب الهجرة من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام مع الاستطاعة. لكن من أقام من أهل العلم والبصيرة في الدين بين المشركين لإبلاغهم دين الإسلام ودعوتهم إليه، فلا حرج عليه إذا لم يخش الفتنة في دينه، وكان يرجو التأثير فيهم وهدايتهم" انتهى.
عبد العزيز بن عبد الله بن باز.. عبد الرزاق عفيفي.. عبد الله بن قعود.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (٢/٦٩) .
وقال الشيخ ابن جبرين حفظه الله: " من اضطر إلى طلب جنسية دولة كافرة كمطارَد من بلده ولم يجد مأوى، فيجوز له ذلك بشرط أن يظهر دينه، ويكون متمكنا من أداء الشعائر الدينية، وأما الحصول على الجنسية من أجل مصلحة دنيوية محضة فلا أرى جوازه " انتهى.
وينظر جواب السؤال رقم (٦٢٤٧) .
وعليه؛ فإذا لم تكن مضطهدا في بلدك، وكان بإمكانك العيش فيها ولو مع نوع من التضييق، فلا يجوز لك أخذ هذه الجنسية.
ومن اضطر وأخذ الجنسية، لم يكن هذا قدحا في توكله؛ لأن ذلك –حينئذ- من جملة الأسباب التي يستعان بها على رفع الضرر.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1044
ما معنى اتخاذ الكفار أولياء؟ وحكم مخالطة الكفار
[السُّؤَالُ]
ـ[ورد في القرآن أنه لا يجوز لنا اتخاذ الكفار أولياء، لكن ماذا يعني ذلك؟ أقصد إلى أي حدٍّ؟ هل يجوز لنا التعامل معهم؟ أنا أدرس، فهل يجوز لنا لعب كرة السلة معهم؟ هل يجوز أن نتحدث معهم فيما يتعلق بالسلة وما إلى ذلك؟ هل يجوز أن نصاحبهم طالما أنهم أبقوا أمور اعتقاداتهم لأنفسهم؟ .
أسأل عن ذلك لأني أعرف شخصاً يصاحبهم بمثل هذه الطريقة وتواجده معهم لا يؤثر على اعتقاده، لكني مع ذلك أقول له: " لماذا لا تبقى مع المسلمين بدلا من هؤلاء؟ " وهو يرد قائلا: إن أغلب - أو العديد - من المسلمين يشربون الخمر ويتناولون المخدرات في أماكن تجمعهم، كما أن لهم صديقات، وهو يخاف من أن معاصي هؤلاء المسلمين قد تغويه، لكنه متأكد تماما أن كفر الكفار لن يغريه لأنه شيء لا يُعتبر مغريا بالنسبة له، فهل تواجده ولعبه وحديثه حول أمور الرياضة مع الكفار يعتبر " من اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين "؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
حرم الله تعالى على المؤمنين اتخاذ الكافرين أولياء، وتوعد على ذلك وعيداً شديداً.
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) المائدة/٥١.
قال الشيخ الشنقيطي ﵀:
" ذكر في هذه الآية الكريمة أن من تولى اليهود والنصارى مِن المسلمين فإنه يكون منهم بتوليه إياهم، وبيَّن في موضع آخر أن توَلِّيهم موجب لسخط الله، والخلود في عذابه، وأن متوليهم لو كان مؤمناً ما تولاهم، وهو قوله تعالى: (تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) المائدة/٨٠، ٨١.
ونهى في موضِع آخر عن تَوليهم مبيناً سبب التنفير منه، وهو قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنْ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ) الممتحنة/١٣.
وبيَّن في موضع آخر أن محل ذلك فيما إذا لم تكن الموالاة بسبب خوف، وتقية، وإن كانت بسبب ذلك فصاحبها معذور، وهو قوله تعالى: (لا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) آل عمران/٢٨. فهذه الآية الكريمة فيها بيانٌ لكل الآيات القاضية بمنع موالاة الكفار مطلقاً وإيضاحٌ؛ أن محل ذلك في حالة الاختيار، وأما عند الخوف والتقية فيرخص في موالاتهم، بقدر المداراة التي يكتفي بها شرهم، ويشترط في ذلك سلامة الباطن من تلك الموالاة، ومن يأتي الأمور على اضطرار فليس كمثل آتيها اختياراً.
ويفهم من ظواهر هذه الآيات أن من تولى الكفار عمداً اختياراً رغبة فيهم أنه كافر مثلهم " انتهى.
"أضواء البيان" (٢ / ٩٨، ٩٩) .
ومن صور مولاة الكفار المحرمة: اتخاذهم أصدقاء وأصحاباً، ومخالطتهم في الطعام واللعب معهم.
وفي جواب السؤال رقم (١٠٣٤٢) نقلنا عن الشيخ ابن باز قوله:
" ليس الأكل مع الكافر حراماً إذا دعت الحاجة إلى ذلك أو المصلحة الشرعية، لكن لا تتخذوهم أصحاباً فتأكل معهم من غير سبب شرعي أو مصلحة شرعية ولا تؤانسهم، وتضحك معهم، ولكن إذا دعت إلى ذلك حاجة كالأكل مع الضيف أو ليدعوهم إلى الله ويرشدهم إلى الحق أو لأسباب أخرى شرعية فلا بأس.
وإباحة طعام أهل الكتاب لنا لا يقتضي اتخاذهم أصحاباً وجلساء ولا تقتضي مشاركتهم في الأكل والشرب من دون حاجة ولا مصلحة شرعية ". انتهى.
وسئل الشيخ محمد الصالح العثيمين ﵀:
عن حكم مخالطة الكفار ومعاملتهم بالرفق واللين طمعاً في إسلامهم؟
فأجاب:
لا شك أن المسلم يجب عليه أن يبغض أعداء الله ويتبرأ منهم؛ لأن هذه هي طريقة الرسل وأتباعهم، قال الله تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) الممتحنة/٤. وقال تعالى: (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الأِيمَانَ وَأَيََّهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ) المجادلة/٢٢.
وعلى هذا لا يحل لمسلم أن يقع في قلبه محبة ومودة لأعداء الله الذين هم أعداء له في الواقع، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ) الممتحنة/١.
أما كون المسلم يعاملهم بالرفق واللين طمعاً في إسلامهم وإيمانهم: فهذا لا بأس به؛ لأنه من باب التأليف على الإسلام، ولكن إذا يئس منهم عاملهم بما يستحقون أن يعاملهم به، وهذا مفصل في كتب أهل العلم ولاسيما كتاب " أحكام أهل الذمة " لابن القيم ﵀ ". انتهى.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (٣ / السؤال رقم ٣٨٩) .
ثانياً:
وأما قول هذا القائل: إنه لا يخالط العصاة من المسلمين خوفا من أن تغويه معاصيهم، وأما الكفار فإن كفرهم لن يغريه.
فجوابه أن يقال:
أما عدم مخالطته لأهل المعاصي من المسلمين فَلَنِعْمَ ما فَعَلَ، إذا لم يكن قادراً على نصيحتهم، ونهيهم عن المنكر، وخاف على نفسه من الوقوع في معاصيهم واستحسانها.
وأما مخالطته للكفار، فليست العلة في منع مخالطة الكفار هي الخوف من الوقوع في الكفر فقط، بل مِنْ أظهرِ عِلَلِ هذا الحكم: عداوتُهم لله ورسوله والمؤمنين، وقد أشار الله تعالى إلى هذه العلة بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ) الممتحنة/١.
فكيف يليق بمسلم أن يصاحب عدو الله وعدوه ويصادقه؟!
ثم مِنْ أين يأمَنُ هذا مِنِ استحسانِ طريقتهم ومذهبهم؟ وقد وقع كثير من المسلمين في الكفر والإلحاد وارتدوا عن الإسلام بسبب مصاحبتهم للكفار، وإقامتهم في بلدانهم. فبعضهم تَهَوَّدَ، وبعضهم تَنَصَّر، وبعضهم اعتنق مذاهب فلسفية ملحدة.
نسأل الله أن يثبتنا على دينه.
وانظر جواب السؤال رقم (٢١٧٩) ففيه إيضاح القاعدة العظيمة: " تحريم موالاة الكفّار " وفيه ذِكر صور كثيرة من تلك الموالاة المحرَّمة.
وفي جواب السؤال رقم (٤٣٢٧٠) تجد حكم القول بأن أخلاق الكفّار أفضل من أخلاق المسلمين، وفيه النقل عن الشيخ ابن باز بتحريم هذا القول.
وفي جواب السؤال رقم (٢٦١١٨) ، (٢٣٣٢٥) بيان تحريم مصاحبة الكافر ومصادقته.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1045
الفرق بين الرسول والنبي
[السُّؤَالُ]
ـ[إشارة إلى سورة الأحزاب، الآية رقم ٤٠، قال تعالى: " ... ولكن رسول الله وخاتم النبيين."
ما هو الفرق بين الرسول والنبي؟
لماذا قال رسول، ولم يقل الرسول الأخير؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الفرق المشهور بين النبي والرسول، أن الرسول من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، والنبي من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، ولكن هذا الفرق لا يسلم من إشكال، فإن النبي مأمور بالدعوة والتبليغ والحكم ولهذا قال شيخ الإسلام بن تيمية: الصواب أن الرسول هو من أرسل إلى قوم كفار مكذبين، والنبي من أرسل إلى قوم مؤمنين بشريعة رسول قبله يعلمهم ويحكم بينهم كما قال تعالى: (إنا أرسلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا) فأنبياء بني اسرائيل يحكمون بالتوراة التي أنزل الله على موسى، وأما قوله تعالى: (وخاتم النبيين) ولم يقل خاتم المرسلين؟ فلأن ختم الرسالة لا يستلزم ختم النبوة، واما ختم النبوة فيستلزم ختم الرسالة ولهذا قال ﵊: " انه لا نبي بعدي "، ولم يقل لا رسول بعدي.
فعُلم أنه ﷺ لا رسول بعده ولا نبي بل هو خاتم النبيين والمرسلين عليهم الصلاة والسلام.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ عبد الرحمن البراك.
стр. 1046
حكم السفر للسياحة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل أنال الأجر إذا أخذت أهلي إلى إحدى الدول الإسلامية للترفيه عن النفس؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
البلاد الإسلامية التي تُحكم بالشريعة الإسلامية يجوز السفر إليها إن خلت من المنكرات والفواحش، والبلاد التي أهلها مسلمون ولا تُحكم بالشريعة الإسلامية فهذه لا يسافر إليها من أجل السياحة، وأولى بالتحريم البلاد التي أهلها كافرون، ولا يجوز السفر إلى هذه البلاد إلا لمضطر كمريض مسافر للعلاج، أو صاحب غرض صحيح كذاهب لتجارة أو دعوة.
سئل الشيخ صالح الفوزان حفظه الله:
عن حكم السفر إلى البلاد التي لا تدين بالإسلام سواء كانت نصرانية أو لا دينية؟ وهل هناك فرق بين السفر للسياحة والسفر للعلاج والدراسة ونحو ذلك؟
فأجاب:
السفر إلى بلاد الكفر لا يجوز؛ لأن فيه مخاطر على العقيدة والأخلاق ومخالطة للكفار وإقامة بين أظهرهم، لكن إذا دعت حاجة ضرورية وغرض صحيح للسفر لبلادهم كالسفر لعلاج مرض لا يتوفر إلا ببلادهم، أو السفر لدراسة لا يمكن الحصول عليها في بلاد المسلمين، أو السفر لتجارة، فهذه أغراض صحيحة يجوز السفر من أجلها لبلاد الكفار بشرط المحافظة على شعائر الإسلام، والتمكن من إقامة الدين في بلادهم، وأن يكون ذلك بقدر الحاجة فقط ثم يعود إلى بلاد المسلمين.
أما السفر للسياحة فإنه لا يجوز؛ لأن المسلم ليس بحاجة إلى ذلك، ولا يعود عليه منه مصلحة تعادل أو ترجح على ما فيه من مضرة وخطر على الدين والعقيدة.
وسئل حفظه الله:
ما حكم السفر إلى البلاد الإسلامية التي تكثر فيها المنكرات والكبائر، كالزنا والخمر، ونحوهما؟
فأجاب:
المراد بالبلاد الإسلامية هي التي تتولاها حكومة تحكم بالشريعة الإسلامية، لا البلاد التي فيها مسلمون وتتولاها حكومة تحكم بغير الشريعة فهذه ليست إسلامية، والبلاد الإسلامية بالمعنى الأول إذا كان فيها فساد ومنكرات لا ينبغي السفر إليها خشية من التأثر بما فيها من فساد، أما البلاد التي هي بالمعنى الثاني - أي: غير الإسلامية - فقد بيَّنا حكم السفر إليها في الجواب الأول.
وسئل حفظه الله:
ما هي نصيحتكم للآباء الذين يرسلون أبناءهم للخارج في الصيف بحجة دراسة اللغة الإنجليزية أو السياحة؟ وما هي نصيحتكم لمن يسافرون للخارج؟
فأجاب:
نصيحتي لهؤلاء الآباء أن يتقوا الله في أبنائهم، فإنهم أمانة في أعناقهم يُسألون عنها يوم القيامة، فلا يجوز لهم المغامرة بهؤلاء الأبناء بإرسالهم إلى بلاد الكفر والفساد خشية عليهم من الانحراف، وتعلم اللغة الإنجليزية - إن كانوا بحاجة إليها - أمكنهم تعليمهم إياها في بلادهم بدون سفر إلى بلاد الكفار، وأعظم من هذا خطراً: إرسالهم للسياحة، والسفر لهذا الغرض محرم كما سبق في الجواب الأول.
ونصيحتي لمن يسافرون للخارج ممن يجوز لهم السفر شرعًا أن يتقوا الله ويحافظوا على دينهم ويظهروه ويعتزوا به ويدعوا إليه ويبلغوه للناس، وأن يكونوا قدوة صالحة يمثلون المسلمين تمثيلاً صحيحاً، وأن لا يبقوا في بلاد الكفار أكثر من الحاجة الضرورية، والله أعلم.
" المنتقى " (٢ / ٢٥٣ – ٢٥٥) .
وسُئل الشيخ محمد بن عثيمين ﵀:
عن سفر العوائل إلى خارج البلاد يعني إلى البلاد الإسلامية مع العلم بأن هناك جوازات للسفر، وينظرون إلى صورة المرأة، وقد يطلب الرجل من المرأة كشف وجهها حتى يتثبت من شخصيتها، فهل هذا يجوز من غير ضرورة؟
فأجاب:
أولاً: لا نرى أن الإنسان يسافر إلى بلاد خارج بلاده إلا لحاجة أو مصلحة راجحة؛ وذلك لأن السفر إلى البلاد الخارجية يتكلف نفقات كبيرة لا داعي لها فتكون من إضاعة المال وقد نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال.
ثانياً: إن هذا السفر ربما يشغلهم عن أشياء ربما يفعلونها في بلدهم من صلة الرحم وطلب العلم إذا كانوا يطلبون العلم وغير ذلك، ولا شك أن الاشتغال عن الشيء النافع يعتبر خسارة من عمر الإنسان.
ثالثاً: أن البلاد التي يسافرون إليها قد تكون بلاداً أثر فيها الاستعمار من جهة الأخلاق والأفكار فيحصل بذلك ضرر على الإنسان في أخلاقه وأفكاره، وهذا هو أشد الأمور التي يخشى منها في السفر إلى الخارج.
ولهذا أقول لهذا السائل ولغيره: عندنا - ولله الحمد - من المصايف في بلادنا ما يغني عن الخارج مع قلة النفقة ونفع المواطنين.
" لقاء الباب المفتوح (السؤال رقم ٨١٠) .
وانظر جواب السؤال رقم (١٣٣٤٢) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1047
ابنها يقع في الفاحشة، فهل تحاسب على أفعاله ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[يبلغ ابني من العمر ١٥ عاما، وقد ولد في أمريكا ونشأ فيها. ابني له صديقات، وقد اكتشفت مؤخرا أنه يمارس الجنس مع إحداهن. وأنا أشعر بالذنب، لكني لا أعرف كيف أتصرف. هل سيعاقبني الله جراء تصرفاته؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ليس أعظم من المصيبة في الدين؛ فهي المصيبة حقا، نسأل الله السلامة منها، وليس أكرم على الإنسان ـ بعد نفسه ـ من ولده؛ فبهم سرور القلب وقرة العين، قال الله تعالى:
(وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً) الفرقان/٧٤، لكن القلب لا يُسَرُّ، والعين لا تَقَرّ إلا بذرية صالحة، طائعة لله؛ قال الحسن البصري: (هي والله أن يُري الله ُ العبدَ من زوجته، من أخيه، من حميمه طاعة الله، لا والله ما شيء أحب من أن يرى ولدا، أو والدا، أو حميما، أو أخا مطيعا لله تحفة المودود لابن القيم ص ٤٢٤
ولا شك أن أعظم ما يُسْأَل عنه الوالدان من حفظ أبنائهما ورعايتهم، تربيتهم على طاعة الله تعالى، وطردهم عن معصيته؛ قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً) التحريم/٦، َقَالَ مُجَاهِد وغيره من السلف: أَوْصُوا أَهْلِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّه وَأَدِّبُوهُمْ، وقال قتادة: مُرُوهُمْ بِطَاعَةِ اللَّه وَانْهَوْهُمْ عَنْ مَعْصِيَته.
وفي الصحيحين من حديث عَبْدِ اللَّهِ بن عمر ﵄،ُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (كُلُّكُمْ رَاعٍ فَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) البخاري ٢٥٥٤ ومسلم ١٨٢٩.
فقد دل هذا الحديث على أَنَّ الْمُكَلَّف يُؤَاخَذ بِالتَّقْصِيرِ فِي أَمْر مَنْ هُوَ فِي حُكْمه، وتحت رعايته.
وقد نص الحديث على دخول الوالدين في هذا الأصل العام: (وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ)
فالوالدان مسئولان عن أبنائهما، لأَنَّهُا أُمِرَا أَنْ يَحْرِصا عَلَى وِقَايَتهمْ مِنْ النَّار , وَامْتِثَال أَوَامِر اللَّه، وَاجْتِنَاب مَنَاهِيه. فإذا قام الوالدان بما يجب عليهما من تربية أولادهما التربية الصحيحة ولم يقصرا في ذلك، فإنه لا إثم عليهما في هذه الحال إذا انحرف أولادهما. قال الله تعالى: (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) الأنعام/١٦٤
وإذا كان كل أحد يفهم من الشرع، وببديهة عقله، أنه إن فرط في واجب الأدب والتربية نحو أولاده، فإنه مسئول عما وقعوا فيه من انحراف، فإن مسئولية الأسرة التي تعيش في الغرب نحو أبنائها مسئولية من لون آخر، هي أعظم من ذلك كله؛ إنها مسئولية من ألقى ثمرة فؤاده في اليم، مكتوفا!! بل هي والله أعظم؛ إنها نار الله وعذابه، نسأل الله السلامة.
وفي حالة ولدكما، ومثلها كثير، كان ينبغي سد أبواب الفتنة قبل أن تستفحل وتشتعل نارها؛ فليس في الإسلام علاقة صداقة بين رجل وامرأة أجنبية عنه، لاسيما في هذه المرحلة الخطيرة من عمر ابنكما.
لكن السؤال الأهم، الآن، فعلا هو: كيف نتصرف؟
إن عليكما، أنت وأبوه، أن تتحيلا بكل حيلة سريعة لإبعاد ولدكما عن هذه العلاقات الآثمة، وقطع علاقاته بالنساء الأجنبيات، حتى ولو تحققتما من أن هذه العلاقة لم تصل إلى أوحال الزنا؛ فقد ذكرنا أن أصل هذه العلاقة مرفوض في الشرع.
وقد يكون من أهم الوسائل لإبعاده عن تلك العلاقات المحرّمة التعجيل في تحصينه بالزواج، ولذلك قال النبي ﷺ : (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاء ٌ) متفق عليه
الباءة أي: تكاليف الزواج.
ومعنى وجاء أي: وقاية من الوقوع في الإثم.
لكنكما تعلمان أن إبعاد الشاب عن تلك العلاقات المحرمة ليس بالأمر السهل، بل تكاد هذه المهمة تكون مستحيلة في البلاد التي تعيشون فيها؛ فإن المحضن الغربي الذي تنمو فيه قلوب هذه الذرية وعقولها، ملوث بكل لون من فتن الشبهات والشهوات، تلك الفتن التي أحالت، الجيل الثاني والثالث من أبناء المسلمين هناك، إلى أجيال تتفلت يوما بعد يوم من شعائر الإسلام وشرائعه، وتتشرب بدلا منها قِيَم الغرب وأخلاقه، حتى لا يكاد يبقى لها في نهاية الأمر إلا " بركة " النسب!!
فيعود السؤال إليكما مرة ثانية: هل عندكما ن القوة في أمر الله، والخوف من إضاعة الأمانة نحو نفسيكما أولا، ثم نحو ذريتكما ثانيا، والرغبة في إصلاح ما فات، هل عندكما من ذلك كله ما يدفعكما للتضحية بمتاع الدنيا وزينتها في بلاد الغرب، والعودة بأبنائكما إلى بلدكم، أو إلى حيث تكونون أكثر أمنا على دينكم، قبل أن يفوت الأوان، ويأتي الموت على هذه الحال؛ فيقول قائل: (رَبِّ ارْجِعُونِي لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) المؤمنون/٩٩-١٠٠، وقبل أن نرى تأويل ما فعلنا؛ أي: عاقبته: (يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) الأعراف/٩٩؟
أم إن المسؤولية لا تستحق هذه التضحية؟!
وقد تقولون: إن أكثر بلاد المسلمين اليوم يعج بالفتن والمنكرات، فلن تتوفر لنا البيئة الصالحة لتنشئة الذرية على الشرع النقي، فما الفائدة من هذه النقلة؟ !
فيقال: نعم، وأنتم محقون إلى حد كبير، لكن إذا لم نستطع جلب الخير كله، فلنكسب أقصى ما نستطيع منه، وإذا لم يمكن دفع الشر كله، فلندفع أقصى ما يمكننا منه، وبعض الشر أهون من بعض!!
والأمر فقط يحتاج إلى صدق مع النفس، وصدق الله العظيم: (بَلْ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) القيامة/١٤-١٥
والله يوفقنا وإياكم إلى ما يحب ويرضى.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1048
مسلم يقوم بجمع التبرعات للكنيسة فهل يقبل صومه ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[لي صديق مسلم مشارك في النادي الدولي في المدرسة. وقد استفسر المعلم من جميع المشتركين في النادي إن كانوا يريدون جمع التبرعات للكنيسة. وتطوع المذكور لذلك. وسيقوم بجمع التبرعات في رمضان. فهل يقبل صيامه؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الكنيسة: هي البناء الذي يمارس فيه النصارى شعائرهم وطقوسهم، بما تشتمل عليه من الكفر والتثليث وعبادة غير الله.
وعليه فبناء الكنائس، أو جمع التبرعات لإنشائها أو إصلاحها أو دعمها، منكر عظيم، لما فيه من الإعانة على نشر الكفر وتقريره.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
" من اعتقد أن الكنائس بيوت الله , أو أنه يعبد فيها، أو أن ما يفعل اليهود والنصارى عبادة لله وطاعة له ولرسوله , أو أنه يحب ذلك , أو يرضاه فهو كافر ; لأنه يتضمن اعتقاده صحة دينهم , وذلك كفر، أو أعانهم على فتحها ; أي: الكنائس، وإقامة دينهم ; واعتقد أن ذلك قربة أو طاعة فهو كافر، لتضمنه اعتقاد صحة دينهم ".
وقال: الشيخ في موضع آخر:
" من اعتقد أن زيارة أهل الذمة كنائسهم قربة إلى الله ; فهو مرتد , وإن جهل أن ذلك محرم عُرِّف ذلك , فإن أصر صار مرتدا ; لتضمنه تكذيب قوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ) آل عمران/٩١ " انتهى من " مطالب أولي النهى" (٦/٢٨١) بتصرف.
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة (١٤/٤٨٢) :
" لا يحل لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبني كنيسة أو محلا للعبادة ليس مؤسسا على الإسلام الذي بعث الله به محمداً ﷺ ؛ لأن ذلك من أعظم الإعانة على الكفر وإظهار شعائره، والله يقول: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) المائدة/٢.
فعليك تذكيره بالله ونصحه أن يتوب إلى الله تعالى، ويقلع عن العمل المذكور حذراً من وقوعه هو في الكفر والردة، فيحبط عمله وهو لا يشعر.
وعلى هذا، فإنه يُخشى على صاحبك ما هو أعظم من عدم قبول صيامه، ألا وهو الكفر.
نسأل الله أن يهديه، ويوفقه لكل خير.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1049
هل يجوز له العمل في بيع تحف تتعلق بأعياد الكفار ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[يوجد مصنع لصنع التحف الزجاجية كحوامل العطور والشمعدانات وتصديرها للخارج، وعرض عليَّ بأن أكون مسؤولاً عن التصدير، ولكن المصنع يطلب مني في أعياد النصارى (الكريسماس) عمل بعض التحف الزجاجية الخاصة بعيدهم كالصلبان والتماثيل. فهل هذا العمل يجوز حيث إنني أخشى من الله بعد أن منَّ عليَّ ببعض العلم وبحفظ كتابه؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يجوز لأحدٍ من المسلمين أن يشارك في أعياد الكفَّار، سواء بحضور أو تمكين لهم بإقامته أو ببيع مواد وسلع تتعلق بتلك الأعياد.
كتب الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ إلى وزير التجارة قائلاً: من محمد إبراهيم إلى معالي وزير التجارة سلمه الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
ذُكر لنا أن بعض التجار في العام الماضي استوردوا هدايا خاصة بمناسبة العيد المسيحي لرأس السنة الميلادية، من ضمن هذه الهدايا شجرة الميلاد المسيحي، وأن بعض المواطنين كانوا يشترونها ويقدمونها للأجانب المسيحيين في بلادنا مشاركة منهم في هذا العيد.
وهذا أمر منكر ما كان ينبغي لهم فعله، ولا نشك في أنكم تعرفون عدم جواز ذلك، وما ذكره أهل العلم من الاتفاق على حظر مشاركة الكفار من مشركين وأهل كتاب في أعيادهم.
فنأمل منكم ملاحظة منع ما يرد بالبلاد من هذه الهدايا وما في حكمها مما هو خصائص عيدهم.
فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم " (٣ / ١٠٥) .
وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀:
بعض المسلمين يشاركون النصارى في أعيادهم، فما توجيهكم؟ .
فأجاب:
لا يجوز للمسلم ولا المسلمة مشاركة النصارى أو اليهود أو غيرهم من الكفرة في أعيادهم، بل يجب ترك ذلك؛ لأن " مَن تشبَّه بقوم فهو منهم "، والرسول ﵊ حذرنا من مشابهتهم والتخلق بأخلاقهم، فعلى المؤمن وعلى المؤمنة الحذر من ذلك، ولا تجوز لهما المساعدة في ذلك بأي شيء لأنها أعياد مخالفة للشرع، فلا يجوز الاشتراك فيها، ولا التعاون مع أهلها، ولا مساعدتهم بأي شيء لا بالشاي ولا بالقهوة ولا بغير ذلك كالأواني وغيرها؛ ولأن الله سبحانه يقول: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب) فالمشاركة مع الكفرة في أعيادهم نوع من التعاون على الإثم والعدوان.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٦ / ٤٠٥) .
وفي بيان لعلماء اللجنة الدائمة حول المشاركة باحتفالات الألفية قالوا:
سادساً: لا يجوز لمسلم التعاون مع الكفار بأي وجه من وجوه التعاون في أعيادهم ومن ذلك: إشهار أعيادهم وإعلانها، ومنها الألفية المذكورة، ولا الدعوة إليها بأية وسيلة سواء كانت الدعوة عن طريق وسائل الإعلام، أو نصب الساعات واللوحات الرقمية، أو صناعة الملابس والأغراض التذكارية، أو طبع البطاقات أو الكراسات المدرسية، أو عمل التخفيضات التجارية والجوائز المادية من أجلها، أو الأنشطة الرياضية، أو نشر شعار خاص بها. اهـ.
وعليه: فلا يجوز لك – أخي – المشاركة في صنع شيء يتعلق بأعياد الكفار، واترك هذه الوظيفة لله تعالى، وسيبدلك الله خيراً منها إن شاء.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1050
بدء إلقاء التحيّة على الكافر
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز للمسلم أن يحي غير المسلم أولاً؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن حكم السلام على غير المسلمين، فأجاب بقوله:
البدء بالسلام على غير المسلمين محرّم ولا يجوز، لأن النبي ﷺ قال: (لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه) ، ولكنهم إذا سلموا وجب علينا أن نردّ عليهم، لعموم قوله تعالى: (وإذا حيّيتم بتحيّة فحيّوا بأحسن منها أو ردّوها) ، وكان اليهود يسلّمون على النبي ﷺ ، فيقولون: السام عليك يا محمد، والسام بمعنى الموت. يدعون على رسول الله ﷺ بالموت، فقال النبي ﷺ : (إن اليهود يقولون: السام عليكم فإذا سلموا عليكم فقولوا: وعليكم "
فإذا سلّم غير المسلم على المسلم وقال: " السام عليكم " فإننا نقول: وعليكم ". وفي قوله ﷺ " وعليكم " دليل على أنهم إذا كانوا قد قالوا: السلام عليكم فإن ﵈ فكما قالوا نقول لهم، ولهذا قال بعض أهل العلم: إن اليهودي أو النصراني أو غيرهم من غير المسلمين إذا قالوا بلفظ صريح: " السلام عليكم " جاز أن نقول: عليكم السلام.
ولا يجوز كذلك أن يبدؤوا بالتحية كأهلاً وسهلاً وما أشبهها لأن في ذلك إكراماً لهم وتعظيماً لهم، ولكن إذا قالوا لنا مثل هذا فإننا نقول لهم مثل ما يقولون، لأن السلام جاء بالعدل وإعطاء كل ذي حق حقه، ومن المعلوم أن المسلمين أعلى مكانة ومرتبة عند الله فلا ينبغي أن يذلوا أنفسهم لغير المسلمين فيبدؤوهم بالسلام.
إذا فنقول في خلاصة الجواب: لا يجوز أن يبدأ غير المسلمين بالسلام لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك، ولأن في هذا إذلالاً للمسلم حيث يبدأ بتعظيم غير المسلم، والمسلم أعلى مرتبة عند الله فلا ينبغي أن يذلّ نفسه في هذا. أما إذا سلّموا علينا فإننا نرد عليهم مثل ما سلّموا.
وكذلك أيضاً لا يجوز أن نبدأهم بالتحيّة مثل أهلاً وسهلاً ومرحباً وما أشبه ذلك لما في ذلك من تعظيهم فهو كابتداء السلام عليهم "
(مجموع الفتاوى ٣/٣٣)
وإذا كانت هناك حاجة داعية إلى بدء الكافر بالتحية فلا حرج فيها حينئذٍِ، ولتكن بغير السلام، كما لو قال له: أهلاً وسهلاً أو كيف حالك ونحو ذلك. لأن التحية حينئذ لأجل الحاجة لا لتعظيمه.
انظر: "الموسوعة الفقهية" (٢٥/١٦٨) .
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في "زاد المعاد" (٢/٤٢٤) في ابتداء الكفار بالتحية:
(وقالت طائفة - أي من العلماء -: يجوز الابتداء لمصلحة راجحة من حاجة تكون إليه، أو خوف من أذاه، أو لقرابة بينهما، أو لسبب يقتضي ذلك) اهـ.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1051
هل يدعو لصديقه النصراني بالشفاء
[السُّؤَالُ]
ـ[لدي صديق نصراني أحبه جدا وهو من النصارى الذين مدحهم القرآن، وهو الآن مريض جدا فهل يسمح لي الإسلام أن أدعو الله له بالشفاء؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
عقيدة الولاء والبراء من آكد أصول الدين، وأوثق عرى الإيمان، وكما أن الإيمان يزيد وينقص فكذلك تحقيق الناس لهذا الأصل العظيم يزيد وينقص، وأما هدم هذا الأصل في قلب العبد وترك ما يوجبه على المؤمن من الأعمال فهو هدم للإيمان كله الذي هو مبني على محبة أولياء الله تعالى، ومعاداة أعدائه، وقد دل على هذا الأصل عدة آيات من كتاب الله، وأحاديث من سنة النبي ﷺ ، فمن ذلك:
قوله تعالى: (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) المجادلة/٢٢ وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً) النساء/١٤٤ وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) المائدة/٥١ وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) آل عمران/١١٨ وعن عائشة ﵂ قالت: " خرج رسول الله ﷺ قبل بدر فلما كان بِحَرَّة الوبرة أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة ففرح أصحاب رسول الله ﷺ حين رأوه فلما أدركه قال لرسول الله ﷺ جئت لأتبعك وأصيب معك، قال له رسول الله ﷺ : تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا، قال فارجع فلن أستعين بمشرك " رواه مسلم (١٨١٧)
بل اتهم الصحابة ﵃ – مالك بن الدخشن بالنفاق، بسبب كثرة صحبته لبعض المنافقين، ولقائه بهم، كما ثبت في الصحيحين (البخاري برقم ٤١٥، ومسلم ٣٣)
كل ما سبق وغيره كثير، يدل على تحريم موالاة الكافرين، أو محبتهم وتوليهم، وهذه الموالاة لها صور عدة، فمنها: الرضا بكفرهم، أو مخالطتهم مع الأنس بهم أو السكن معهم واتخاذهم أصدقاء وخلان، أو محبتهم، أو تقديمهم على المؤمنين أو مودتهم، أو تحكيم قوانينهم وغير ذلك، وانظر السؤال رقم (٢١٧٩)
ومما سبق تعلم أن محبة الكافر أمرها خطير جدا، لأنها تناقض باباً عظيما من أبواب التوحيد، ألا وهو الولاء للمؤمنين، والبراء من المشركين.
وقولك إن هذا الكافر من النصارى الذي مدحهم الله في كتابه، جوابه أن الذين مدحهم الله في كتابه هم صنف معين لهم أوصاف محددة، وقد بين الله تعالى هذه الأوصاف بعد آية مدحهم مباشرة، قال تعالى: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى) ثم قال: (ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ* وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ * فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) المائدة/٨٦ فتمام الآيات يبين أن المراد بهؤلاء من آمن بمحمد ﷺ وتأثر بسماع القرآن ودعوته.
قال العلامة عبد الرحمن السعدي في تفسير هذه الآية: " يقول تعالى في بيان أقرب الطائفتين إلى المسلمين وإلى ولايتهم ومحبتهم وأبعدهم من ذلك: لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا.
فهؤلاء الطائفتان على الإطلاق أعظم الناس معاداة للإسلام والمسلمين، وأكثرهم سعيا في إيصال الضرر إليهم، وذلك لدة بغضهم لهم بغيا وحسدا وعنادا وكفرا.
(وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى)
وذكر تعالى لذلك عدة أسباب: منها: أن منهم قسيسين ورهبانا، أي علماء متزهدين وعبادا في الصوامع متعبدين. والعلم مع الزهد وكذلك العبادة مما يلطف القلب ويرققه ويزيل عنه ما فيه من الجفاء والغلظة، فلذلك لا يوجد فيهم غلظة اليهود وشدة المشركين.
ومنها: أنهم لا يستكبرون أي ليس فيهم تكبر ولا عتو عن الانقياد للحق، وذلك موجب لقربهم من المسلمين ومن محبتهم، فإن المتواضع أقرب إلى الخير من المستكبر.
ومنها: أنهم إذا سمعوا ما أنزل إلى رسول الله ﷺ أثر ذلك في قلوبهم وخشعوا للذي تيقنوه، فلذلك آمنوا وأقروا به فقالوا: ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين، وهم أمة محمد ﷺ يشهدون لله بالتوحيد ولرسله بالرسالة وصحة ما جاءوا به، ويشهدون على الأمم السابقة بالتصديق والتكذيب.... وهذه الآيات نزلت في النصارى الذين آمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسم - كالنجاشي وغيره، ممن آمن منهم، وكذلك لا يزال يوجد فيهم من يختار دين الإسلام، ويتبين له بطلان ما كانوا عليه، وهم أقرب من اليهود والمشركين إلى دين الإسلام " [تفسير السعدي ١ / ٥١١]
أما الدعاء للكافرين فينقسم إلى قسمين:
الأول: أن تدعو له بالهداية إلى الإسلام ونحو ذلك، فهذا جائز، وقد ثبت عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب) رواه الترمذي (٣٦٨١) ، وصححه الألباني، وهذا دعاء لأحدهما بالهداية
الثاني: أن تدعو له بالمغفرة ونحو ذلك، فهو حرام بالإجماع.
قال النووي: " وأما الصلاة على الكافر والدعاء له بالمغفرة فحرام بنص القرآن والإجماع " [المجموع ٥ / ١٢٠]
وقال في تحفة المحتاج:" ويحرم الدعاء بأخروي لكافر وكذا من شك في إسلامه ولو من والديه " [٣ / ١٤١]
أما الدعاء له بالشفاء من مرض والعافية منه، فهو جائز للمصلحة، كرجاء إسلامه وتأليف قلبه، ونحو ذلك، ويدل لهذا حديث الصحابي الذي رقى سيد القوم من لدغة العقرب، وقد سبق بيانه في السؤال رقم (٦٧١٤) ، والدعاء بالشفاء من جنس الرقية.
بل يجوز لك أن تزوره في مرضه هذا، والإنسان في مرضه يرقُّ قلبه ويضْعُف، ويقرب قبوله للحق، وقد كان للنبي ﷺ غلام يهودي يخدمه، فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ أَسْلِمْ فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ فَأَسْلَمَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ) رواه البخاري (١٣٥٦)
قال ابن حجر: " وفي الحديث جواز استخدام المشرك وعيادته إذا مرض، وفيه حسن العهد "
لكن الدعاء للكافر بالشفاء لا يعني موالاته أو محبته أو تقديمه أو مودته كما سبق ذلك، والله أعلم.
وللمزيد راجع الأسئلة رقم (٢٣٣٢٥، ٢٠٤٧١، ٣٢٥٦٠، ٤١٦٣١، ٦٥١٧، ٢٦٧٢١، ١٣٩٨، ٣٤٨٥)
وقد سئل الشيخ ابن عثيمين: عن حكم موالاة الكفار؟
فأجاب بقوله: موالاة الكفار بالموادة والمناصرة واتخاذهم بطانة حرام منهي عنها بنص القرآن الكريم قال الله تعالى: (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) ، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)
وأخبر أنه إذا لم يكن المؤمنون بعضهم أولياء بعض والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ويتميز هؤلاء عن هؤلاء، فإنها تكون فتنة في الأرض وفساد كبير.
ولا ينبغي أبدا أن يثق المؤمن بغير المؤمن مهما أظهر من المودة وأبدى من النصح فإن الله تعالى يقول عنهم (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً) . ويقول سبحانه لنبيه (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) والواجب على المؤمن أن يعتمد على الله في تنفيذ شرعه، وألا تأخذه فيه لومة لائم، وألا يخاف من أعدائه فقد قال الله تعالى: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) وقال تعالى: (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)
(انظر مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ٣ / ٣١ - ٤٦، الولاء والبراء في الإسلام ص ٣٥٢) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1052
هل يقبل المسلم الهدية من أخيه الكافر .
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم أخوين أحدهما مسلم والآخر مشرك وغني هل يجوز للأخ المسلم قبول هدية أخيه الكافر والمشرك هذا أم لا؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قبول المسلم هدية أخيه إذا كان كافراً أو مشركاً جائزة لما في ذلك من تأليفه، لعل الله أن يهديه للإسلام.
وبالله التوفيق.
[الْمَصْدَرُ]
فتاوى اللجنة الدائمة (١٦/١٨٣) .
стр. 1053
يعاني من كسل زملائه المسلمين في الدراسة فهل يعمل مع غير المسلمين ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا طالب بإحدى المدارس في الغرب، والحمد لله أقضي جل وقتي مع المسلمين، لكن أعاني من كسلي وكسل زملائي المسلمين هنا، ولذلك بدأت بتفضيل العمل مع غير المسلمين هنا في مجال الدراسة فقط، فهل هذا يعتبر موالاة للكفار؟ وماهي شروط العمل معهم في هذه الحالة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إن من أهم ما يؤثر في أخلاق الإنسان وطبائعه، بل ودينه أيضاً: بيئته المحيطة به، من أشخاص يتعاملون معه ويتعامل معهم، ومكان يعيش فيه ويتردد عليه، وتتردد معالمه على حسه، بحيث يتأثر شعور الإنسان، وتتكون قِيَمُه التي يؤمن بها، وتتلون أخلاقه التي يتخلق بها بهذه المؤثرات المختلفة من حوله، وأخطر ما في ذلك أن هذه العملية تتم من حيث لا يدري، ولا يلقي لها بالاً، ولأجل ذلك قالوا: الطبع لص، يعني أنه ينقل مما حوله خفية، من حيث لا يشعر به الإنسان.
ولأجل ما ذكرنا حدد الشرع للإنسان بيئته التي ينبغي أن يحرص على الحياة فيها، من حيث اختيار الصديق الصالح، والبيئة المسلمة التي يعيش فيها، وحذره من الإقامة بين أظهر المشركين، أومصادقتهم. [راجع أسئلة الولاء والبراء في قسم العقيدة] ، وانظر الأسئلة رقم (٣٨٢٨٤) ، (٢٦١١٨) ، (٢٣٣٢٥) .
وهذا إنما يمكن للمرء أن يتحراها ويتحكم فيها في حال السعة، وأما حين يكون الإنسان في حال الضرورة، أو ما يشبهها، وليس في يده أمر الاختيار، فهنا يكون الكلام عن تحصيل أقصى ما يستطيع من المصالح، ودفع أقصى ما يمكنه من المفاسد. انظر للأهمية السؤال (١٣٣٦٣)
وفيما يتعلق بسؤالك، قبل أن تفكر في العمل مع غير المسلمين، لِمَ لا تحاول أن تدفع الكسل عنك وعن إخوانك المسلمين؟!
لِمَ لا تحاول أن تقدم ـ مع إخوانك ـ صورة طيبة لما ينبغي أن يكون عليه المسلم من جد واجتهاد؟!
إن أخشى ما أخشاه أن تؤكد بذلك السلوك صورة الكسل والتهاون والضعف التي تُنْقل عن المسلمين، ولعمر الله إنها شكوى قديمة، اشتكاها عمر ﵁ من قبل: اللهم أشكو إليك جلد الفاجر، وعجز الثقة!! راجع السؤال رقم (٤٣٢٧٠)
أما إن دار الأمر بين أن تعمل وتجد مع الكفار، أو تنام وادعاً بين المسلمين، فلتعمل ولتجتهد، واحرص على دينك وأخلاقك التي تعلمتها من دينك، وكن شحيحاً بدينك أشد من شحك بمالك ودمك، وانتبه إلى:
١- لا تجعل أصدقاء عملك من النساء، فأنت خبير بأحوالهن، تعرف ما يترتب على صحبتهن والاختلاط بهن، ثم فوق ذلك تعرف أن مثل هذه العلاقات مرفوضة في الشرع.
٢- حاول أن تقلل من الأوقات التي تقضيها بينهم، قدر المستطاع.
٣- اقتصر في حدود هذه العلاقة على ما يتطلبه العمل والدراسة منك.
٤- حاول أن تكون صورة صحيحة للمسلمين: في دينهم وأخلاقهم، واربط كل خير عندك بما يأمرك به دينك.
٥- اعلم أن استقامتك وحرصك على دينك من أسباب احترام الآخرين لك، ومن يدري لعل منهم من يتأثر بك، ولأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من الدنيا وما فيها.
والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1054
حكم طلب المساعدة من الكفار وقبولها
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم طلب المساعدة من الكفار وقبولها؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا فيه تفصيل؛ فإن كان طلبها منهم وقبولها لا يخشى منه ضرر في الدين على من طلبها أو قبلها فلا حرج في ذلك، وإن كان في ذلك خطر لم يجز له طلبها ولا قبولها؛ عملاً بالأدلة الشرعية الدالة على وجوب الحذر مما حرم الله، والبعد عن مساخط الله، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قبل بعض الهدايا من المشركين ولم يقبلها من آخرين، والحكمة في ذلك: هو ما ذكرنا: كما نص على ذلك أهل العلم.
والله ولي التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[الْمَصْدَرُ]
كتاب مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀. م/٨ ص/٤٣٢.
стр. 1055
وجد كافراً على الطريق فهل يوصله
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا وجد الإنسان شخصاً غير مسلم في الطريق وطلب إيصاله فما الحكم؟ وهل يجوز الأكل مما مسته أيدي الكفار؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀:
" إذا وجدت شخصاً غير مسلم في الطريق فلا حرج عليك أن توصله معك في سيارتك لأن الله يقول: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) الممتحنة / ٨.
أما الأكل مما مسته أيدي الكفار فجائز، لأن نجاسة الكافر نجاسة معنوية لا حسية."
[الْمَصْدَرُ]
انتهى من مجموع فتاوى ابن عثيمين ﵀ ٣/٤٤.
следующие страницы →