Полный текст (16 344 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
زيادة العبادة في أيام تنتشر فيها المعصية
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم عمل عبادة في وقت هرج الناس (مثل رأس السنة الميلادية) ، عملا بقوله ﷺ : (عبادة في الهرج كهجرة إلي) ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
المسلم المتمسك بدينه هو الذي يذكر الله في السر والعلن، وفي السراء والضراء، لا يغيب ربه عن ذكره ولا عن قلبه، ولا تشغله عن عبادته الشواغل، ولا تصرفه عن حبه الصوارف، فتراه في جميع شأنه حريصا على عبادة الله، حريصا على شغل عمره بطاعة ربه ومولاه، إذا خالط العابدين نافسهم وسابقهم إلى رضوان الله، وإذا رأى الغافلين استشعر نعمة الله عليه بما حباه، فهؤلاء هم الشهداء الغرباء القابضون على الجمر، الذين وردت الأحاديث في فضل عملهم، وتمسكهم بالسنة في زمان الفتنة والمحنة والغربة.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
(بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ) رواه مسلم (١٤٥)
فالفضل حاصل لمن يحافظ على السنة والطاعة والعبادة في أيام الفتنة والغفلة كما يحافظ عليها في أزمان الصلاح والتقوى، فهو عامل عابد على كل حال.
هذا هو الذي جاءت الأحاديث في مدحه والثناء عليه.
أما ما قد يفهمه بعض الناس، أن يترقب أحدهم أيام انتشار المعاصي والمنكرات، ليبادر إلى تخصيص ذلك اليوم بصيام أو قيام، ولا يكون ذلك من هديه وعادته في غالب أيامه وأحواله، فليس هذا من الفهم الصحيح للحديث، وليس مقصودا للشارع الحكيم، وإنما المقصود الحث على التمسك الدائم بالسنة، والقيام الكامل بأوامر الله تعالى، ليبقى المسلم منارة في الأرض في أزمنة الظلام، ويلقى الله تعالى وما استقال من بيعته التي بايع عليها حين أعلن استسلامه إليه .
وهذا هو حال النبي ﷺ ، فقد كانت أيامه وساعاته خالصة لوجه الله تعالى، فلم يكن يدع فرصة لعبادة الله تفوته، حتى سأله أسامة بن زيد ﵁: قال: يا رسول الله، لم أرك تصوم شهرا من الشهور ما تصوم من شعبان؟ فقال: ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ. رواه النسائي في "السنن" (رقم/٢٣٥٧) وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (رقم/١٨٩٨)
وهذا هو أيضا معنى الحديث الذي يرويه مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ﵁، أن النَّبِيّ ﷺ قَالَ: (الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ) رواه مسلم (٢٩٤٨)
قال النووي ﵀:
" المراد بالهرج هنا الفتنة واختلاط أمور الناس، وسبب كثرة فضل العبادة فيه أن الناس يغفلون عنها، ويشتغلون عنها، ولا يتفرغ لها إلا أفراد " انتهى.
"شرح مسلم" (١٨/٨٨)
فلا نرى للأخت السائلة ولا لغيرها من المسلمين تخصيص ليالي رأس السنة الميلادية بعبادة، على وجه المقابلة للكفار الذين يملؤونها بالمعاصي، إلا إذا كان القيام أو الصيام من عادة المسلم في باقي أيامه، فلا بأس حينئذ من العبادة تلك الليالي، والله يجزيه خيرا على عمله ونيته.
وقد سبق التحذير من تخصيص ليالي أعياد الكفار بعبادات معينة في جواب السؤال رقم: (١١٣٠٦٤)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 982
جمع التبرعات لشراء هدايا للعوائل الفقيرة في الكريسمس
[السُّؤَالُ]
ـ[مدرستي فيها تقاليد في أعياد الميلاد فكل عام يقوم أحد الفصول بتولي أمر أسرة فقيرة يجمع لها التبرعات لشراء هدايا أعياد الميلاد ولكني رفضت ذلك لأن الأسرة حينما تتلقى هذه الهدايا تدعو "بارك الله في النصارى" فهل فعلي صحيح؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يظهر أنك تعني ميلاد المسيح ﵇ الذي تعظمه النّصارى وتتخذه عيداً. وأعياد النصارى من دينهم، وتعظيم المسلمين لأعياد الكفّار بإظهار الفرح والسرور وتقديم الهدايا هو من التشبُّه بهم، وقد قال ﷺ (من تشبّه بقوم فهو منهم) . فيجب على المسلمين أن يحذروا من التشبه بالنصارى في أعيادهم، وفي العادات المختصة بهم، وقد أحسنت وأصبت حيث لم توافق على جمع التبرعات للأسر الفقيرة بمناسبة أعياد الميلاد، فاستقم على طريقك، وناصح إخوانك وبيِّن لهم أن هذا العمل لا يجوز فنحن المسلمين ليس لنا سوى عيد الفطر، وعيد الأضحى وقد أغنانا الله عن أعياد الكافرين بهذين العيدين. انتهى.
كتبه: الشيخ عبد الرحمن البراك
ونحن المسلمين إذا أردنا الصّدقة فإننا نبذلها للمستحقّين الحقيقيين ولا نتعمد جعْل ذلك في أيام أعياد الكفار بل نقوم به كلما دعت الحاجة وننتهز مواسم الخير العظيمة كرمضان والعشر الأوائل من ذي الحجّة وغيرها من المواسم الفاضلة التي تُضاعف فيها الأجور، وكذلك في أوقات العسرة كما قال الله تعالى: فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَءَامَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) سورة البلد
وصلى الله على نبينا محمد.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 983
هل تحضر الكريسمس لتسلم على أقاربها
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد أن أسلم وعائلتي تجتمع في عيد الكريسمس، وأريد أن أحضر وأسلم عليهم، ليس بنية الاحتفال ولا المشاركة، لكن فقط لا نتهاز فرصة اجتماع أقاربي، هل هذا مسموح؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
وجهت هذا السؤال لشيخنا محمد بن صالح العثيمين ﵀ فأجاب:
لا، لا يجوز، إذا من الله عليها بالإسلام أول ما تفعله التبرؤ من (دينها الأول وأعياده) . والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد بن صالح العثيمين
стр. 984
حجاب المرأة المسلمة أمام الكافرة
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي الأشياء التي تستطيع المرأة المسلمة كشفها أمام المرأة الكافرة كالبوذية مثلاً وهل صحيح أنه لا يجوز لها إلا كشف وجهها؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الصحيح أن المرأة تكشف للمرأة سواء كانت مسلمة أو كافرة ما فوق السرة وتحت الركبة أما ما بين السرة والركبة فهو عورة في حق الجميع لا تراه المرأة من المرأة سواء كانت مسلمة أو غير مسلمة قريبة أو بعيدة كالعورة للرجل مع الرجل فللمرأة أن ترى من المرأة صدرها ورأسها وساقها ونحو ذلك كالرجل يرى من الرجل صدره وساقه ورأسه وأما قول بعض أهل العلم أن المرأة الكافرة لا تكشف لها المؤمنة فهو قول مرجوح في أصح قولي العلماء لأن اليهوديات كن في عهد النبي ﷺ وهكذا الوثنيات يدخلن على أزواج النبي ﷺ لحاجتهن ولم يُحفظ أنهن كن يتحجبن منهن وهن أتقى النساء وأفضلهن.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ ابن باز في الفتاوى الجامعة للمرأة المسلمة ج/٣ ص ٨٣٠
стр. 985
حكم تهنئة الكفار بأعيادهم
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم تهنئة الكفار بأعيادهم؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
تهنئة الكفار بعيد الكريسمس أو غيره من أعيادهم الدينية حرام بالاتفاق، كما نقل ذلك ابن القيم - يرحمه الله - في كتاب (أحكام أهل الذمة) حيث قال: " وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم، فيقول: عيد مبارك عليك، أو تهْنأ بهذا العيد ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب بل ذلك أعظم إثماً عند الله، وأشد مقتاً من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس، وارتكاب الفرج الحرام ونحوه، وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك، ولا يدري قبح ما فعل، فمن هنّأ عبداً بمعصية أو بدعة، أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه." انتهى كلامه - يرحمه الله -.
وإنما كانت تهنئة الكفار بأعيادهم الدينية حراماً وبهذه المثابة التي ذكرها ابن القيم لأن فيها إقراراً لما هم عليه من شعائر الكفر، ورضى به لهم، وإن كان هو لا يرضى بهذا الكفر لنفسه، لكن يحرم على المسلم أن يرضى بشعائر الكفر أو يهنّئ بها غيره، لأن الله تعالى لا يرضى بذلك كما قال الله تعالى: ﴿إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم﴾ وقال تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾ ، وتهنئتهم بذلك حرام سواء كانوا مشاركين للشخص في العمل أم لا.
وإذا هنؤنا بأعيادهم فإننا لا نجيبهم على ذلك لأنها ليست بأعياد لنا، ولأنها أعياد لا يرضاها الله تعالى، لأنها إما مبتدعة في دينهم وإما مشروعة لكن نسخت بدين الإسلام الذي بعث الله به محمداً إلى جميع الخلق، وقال فيه: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾ . وإجابة المسلم دعوتهم بهذه المناسبة حرام، لأن هذا أعظم من تهنئتهم بها لما في ذلك من مشاركتهم فيها.
وكذلك يحرم على المسلمين التشبه بالكفار بإقامة الحفلات بهذه المناسبة، أو تبادل الهدايا أو توزيع الحلوى، أو أطباق الطعام،أو تعطيل الأعمال ونحو ذلك لقول النبي ﷺ : ﴿من تشبّه بقوم فهو منهم﴾ . قال شيخ الإسلام ابن تيميه في كتابه: (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم) : " مشابهتهم في بعض أعيادهم توجب سرور قلوبهم بما هم عليه من الباطل، وربما أطمعهم ذلك في انتهاز الفرص واستذلال الضعفاء ". انتهي كلامه يرحمه الله.
ومن فعل شيئاً من ذلك فهو آثم سواء فعله مجاملة أو توددا أو حياء أو لغير ذلك من الأسباب لأنه من المداهنة في دين الله، ومن أسباب تقوية نفوس الكفار وفخرهم بدينهم.
والله المسئول أن يعز المسلمين بدينهم، ويرزقهم الثبات عليه، وينصرهم على أعدائهم، إنه قوي عزيز. (مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين ٣/٣٦٩) .
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 986
السفر إلى البلاد الأجنبية من أجل النزهة والسياحة
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم السفر إلى البلاد الأجنبية الغربية لمدة أسبوعين أو ثلاثة من أجل النزهة والسياحة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
السفر إلى بلاد الكفار لمجرد النزهة لا يجوز عند جمع من أهل العلم؛ لما فيه من التعرض للمنكرات والفتن، مع عدم وجود الضرورة أو الحاجة لذلك.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " السفر إلى بلاد الكفار محرم إلا بثلاثة شروط:
الأول: أن يكون عند الإنسان علمٌ يدفع به الشبهات.
والثاني: أن يكون عنده دين يحميه من الشهوات.
والثالث: أن يكون محتاجاً إلى ذلك ... أن يحتاج إلى ذلك، إما لعلم لا يوجد له نظير في المملكة، أو ذهب لمرضٍ يتداوى، أو لتجارة لا بد منها، وأما إذا لم يكن له حاجة فلا يذهب، وكم من أناسٍ يذهبون إلى الخارج باسم التمشي والنزهة فتفسد أخلاقهم وتنحل عقائدهم -والعياذ بالله- ويرجعون ممسوخين، ولا شك أن هذا لا يحل للمسلم أن يتعرض له لما فيه من الشر والفساد " انتهى من "اللقاء الشهري" رقم ٦.
وقال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله: "وأما السفر إلى بلاد الكفر والبلاد الإباحية فلا يجوز لما فيه من الفتن والشرور ومخالطة الكفار ومشاهدة المنكرات وتأثر القلب بذلك، إلا في حدود ضيقة حددها أهل العلم وهي:
١- العلاج الذي يضطر إليه ولا يجده في بلاد المسلمين.
٢- التجارة التي تستدعي سفره.
٣- تعلم العلوم التي يحتاج إليها المسلمون ولا توجد في بلادهم.
٤- القيام بالدعوة إلى الله ونشر الإسلام.
ويشترط في كل الأحوال أن يكون قادراً على إظهار دينه، ومعتزاً بعقيدته، مبتعداً عن مواطن الفتن.
وأما السفر لمجرد النزهة، أو الاستجمام فهو محرم شديد التحريم " انتهى.
وقال أيضا: " ومن مظاهر موالاة الكفار: السفر إلى بلادهم لغرض النزهة ومتعة النفس. والسفر إلى بلاد الكفار محرم إلا عند الضرورة، كالعلاج والتجارة والتعليم للتخصصات النافعة التي لا يمكن الحصول عليها إلا بالسفر إليهم، فيجوز بقدر الحاجة، وإذا انتهت الحاجة وجب الرجوع إلى بلاد المسلمين. ويشترط كذلك لجواز هذا السفر أن يكون مظهراً لدينه، معتزاً بإسلامه، مبتعداً عن مواطن الشر؛ حذِراً من دسائس الأعداء ومكائدهم، وكذلك يجوز السفر أو يجب إلى بلادهم إذا كان لأجل الدعوة إلى الله ونشر الإسلام " انتهى من "مجلة البحوث الإسلامية" (٢٥/١١٨) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 987
كيف يعامل المسلم أهله الكفار ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[امرأة أسلمت وتعيش مع أهلها غير المسلمين، وهم الآن لا يعترضون على إسلامها، قد حاولت دعوتهم بطرق شتى، ولكن لا جدوى، فكيف تتعامل معهم وهم على ضلالتهم؟ هل تصلهم أم تحد علاقتها بهم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الواجب على من هداه الله تعالى للإسلام أن يبادر بهذا النور ليضيء به حياة أهله وعشيرته، فهم أولى الناس بدعوته، وبنور الإسلام، وإذا وُجد من أولئك من كان غير معترض على الإسلام فهو نعمة عظيمة على المسلم استثمارها لتقديم الإسلام لهم بطريقة حسنة، وليسلك في دعوته لهم كل سبيل مباح، من تقديم الأشرطة المرئية والمسموعة، والكتب، والمواقع، واستضافة الشخصيات الإسلامية المؤثرة، وليتقرب لهم بالهدايا، والمعاملة الحسنة، والأخلاق الفاضلة، وليبتعد عن التعنيف، وليداوم على دعاء الله أن يهديهم ويوفقهم.
وإذا كان الله تعالى قد أمر بالإحسان للوالدين اللذين يدعوان ولدهما للكفر ويبذلان في ذلك جهوداً عظيمة: فأولى أن تكون تلك المعاملة لمن رضي لك إسلامك، ولم يعترض عليه.
قال الله ﵎: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ. وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ) لقمان/ ١٤، ١٥.
قال ابن جرير الطبري ﵀:
"وإن جاهدك أيها الإنسان، والداك على أن تشرك بي في عبادتك إياي معي غيري، مما لا تعلم أنه لي شريك - ولا شريك له تعالى ذكره علوّاً كبيراً: فلا تطعهما فيما أراداك عليه من الشرك بي، (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيا مَعْرُوفًا) يقول: وصاحبهما في الدنيا بالطاعة لهما فيما لا تبعة عليك فيه فيما بينك وبين ربك، ولا إثم".
" تفسير الطبري " (٢٠ / ١٣٩) .
وقال ابن كثير ﵀:
"أي: إن حَرَصَا عليك كل الحرص، على أن تتابعهما على دينهما: فلا تقبل منهما ذلك، ولا يمنعنَّك ذلك من أن تصاحبهما في الدنيا معروفاً، أي: محسنًا إليهما، (وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ) يعني: المؤمنين" انتهى.
" تفسير ابن كثير " (٦ / ٣٣٧) .
وسئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:
لي أهل مشركون إلا أختاً لي مسلمة، فهل يجوز لي الإقامة والأكل والشرب معهم، وإن كان يجوز مع أن ذلك ليس على حساب ديني: فهل يجوز لي التصريح لهم بأنهم كفار خارجون عن دين الله؟ مع أني دعوتهم فهم مترددون، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، ولكنهم أقرب للشرك، مع أني لا أجد سكناً إلا معهم.
فأجابوا:
"الواجب عليك الاستمرار في نصحهم، وتذكيرهم، ومصاحبتهم بالمعروف، ولين القول لهم، وإن كنتَ ذا مال: فأنفق عليهم؛ لعل الله أن يفتح قلوبهم، وينير بصائرهم، قال تعالى: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ) لقمان / ١٥.
وابحث عن شتى السبل لإيصال الحق لهم بالرسائل، والكتب، والأشرطة ... " انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٢ / ٢٥٥، ٢٥٦) .
وقال الشيخ صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله:
"فالله أوجب بر الوالدين بالمعروف والإحسان ولو كانا كافرين، وقال تعالى: (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ. وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ) لقمان / ١٤، ١٥.
فيجب عليك أن تُحسن إلى والديك الإحسان الدنيوي، وأما في الدين: فأنت تتبع الدين الحق ولو خالف دين آبائك، مع الإحسان للوالدين من باب المكافأة، فأنت تحسن إليهما وتكافئهما على معروفهما، ولو كانا كافرين، فلا مانع أن تواصل والدك، وأن تبر به، وأن تكافئه؛ ولكن لا تطيعه في معصية الله " انتهى.
" المنتقى من فتاوى الفوزان " (٢ / ٢٥٧، السؤال رقم ٢٢٦) .
وانظري – لمزيد فائدة - أجوبة الأسئلة: (٢٠٩٦١) و (٢٧١٩٦) و (٢٧١٠٥) و (٦٤٠١) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 988
الإقامة في بلاد الكفر مع عدم وجود جالية أو جامع
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا أمكن المسلم إظهار دينه في بلاد الكفر وهو مقيم للعمل ولكن لا يوجد جامع ولا جالية هل يأثم بهذا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
دلت الأدلة على تحريم المقام بين ظهراني المشركين، ووجوب الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام لمن قدر على ذلك. قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا
فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) النساء/٩٧.
وقال النبي ﷺ : (أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ) . رواه أبو داود (٢٦٤٥) وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
هذا هو الأصل العام، إلا أنه يجوز الذهاب إلى تلك البلاد للمصلحة والحاجة، كالتجارة والدراسة ونحوها بشرط التمكن من إظهار الدين وشعائره.
وأما من لم يمكنه إظهار الدين فإنه يحرم عليه البقاء، وتلزمه الهجرة مع القدرة.
وينظر جواب السؤال رقم ١٣٣٦٣.
ثانيا:
المقصود بإظهار الدين هو إعلان التوحيد، والبراءة من الشرك، وإقامة الشعائر دون خوف.
فقد سئل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀: أَفتنا عن معنى حديث: (مَن سَاكَن الْمشرك وَجَامَعَه فهوَ مِثله) . وحديث: (أَنا بَرِيءٌ مِن مَسلِم بَات بَين ظهرَاني الْمشرِكِين) .
فأجاب: "حديث: (مَن جَامَعَ الْمشرِك أَو سَكن مَعَه فهوَ مِثله) وحديث: (أَنا بَرِيءٌ مِن مسلِم بَات بَين ظهرَاني الْمشرِكِين) هذان الحديثان هما من الوعيد الشديد المفيد غلظ تحريم مساكنة المشركين ومجامعتهم، كما هما من أَدلة وجوب الهجرة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، وهذا في حق من لم يقدر على إظهار دينه. وأَما من قدر على إظهار دينه فلا تجب عليه الهجرة، بل هي مستحبة في حقه. وقد لا تستحب إذا كان في بقائه بين أَظهرهم مصلحة دينية من دعوة إلى التوحيد والسنة وتحذير من الشرك والبدعة علاوة على إظهاره دينه.
وإظهاره دينه ليس هو مجرد فعل الصلاة وسائر فروع الدين واجتناب محرماته من الربا والزنا وغير ذلك. إنما إظهار الدين مجاهرته بالتوحيد والبراءة مما عليه المشركون من الشرك بالله في العبادة وغير ذلك من أَنواع الكفر والضلال " انتهى من "فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم" (١/٧٧) .
وسئل الشيخ صالح الفوزان حفظه الله: ما حكم من خاف من اعتداء الكفار والمشركين وجاملهم في بعض أفعالهم المنكرات؛ خوفًا منهم، وليس إقرارًا أو رضاء بما يفعلون؟
فأجاب: "لا يجوز للمسلم أن يجامل الكفار على حساب دينه، أو أن يوافقهم في أفعالهم؛ لأن أفعالهم ربما تكون كفرًا وشركًا وكبائر من كبائر الذنوب؛ فلا يجوز للمسلم أن يوافقهم على ذلك، أو أن يشاركهم في ذلك باختياره، بل الواجب عليه أن يُظهِرَ دينه.
ولا يجوز له الإقامة مع الكفار والبقاء في بلادهم إلا إذا كان يقدر على إظهار دينه؛ بأن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويدعو إلى الله ، هذا هو إظهار الدين؛ فإذا كان لا يستطيع ذلك؛ وجب عليه أن يُهاجِر إلى بلاد المسلمين من بلاد الكفار، ولا يبقى فيها على حساب دينه وعقيدته " انتهى من "المنتقى" (١/٢٥٤) .
وإظهار الدين على هذا الوجه يتعذر غالبا على من يعيش بمفرده في هذه البلاد، أو مع جماعة قليلة من المسلمين.
وعلى فرض تمكنك من إظهار دينك، فإن البقاء بمعزل عن المسلمين، له آثاره السيئة التي لا تخفى على النفس والأهل والذرية، ومعلوم أنه توجد أجيال من المسلمين قد انسلخت عن دينها ولغتها وقيمها بسبب البقاء في هذه البلدان، لا تسمع الأذان، ولا تشهد الجماعة، ولا ترى المؤمنين، والكفر يحيط بها من كل جانب، والمنكرات تغزوها من كل صوب.
فلهذا ننصحك بالفرار بدينك، والمحافظة على نفسك ومن معك، والانتقال إلى بلاد الإسلام، أو إلى محل يكثر فيه تجمع المسلمين، وتتمكن معهم من إقامة الجمعة والجماعة، وإظهار الأذان، وإعلان الشعائر.
ونضع بين يديك نصيحة كتبها الشيخ ابن باز ﵀ تناسب المقام:
قال ﵀ في رسالة وجهها لمسلم يقيم في إيطاليا: " فإشارة إلى رسالتك التي تذكر فيها أنك شاب مسلم تقيم في إيطاليا، وأن بها شبابا من المسلمين كثيرين، وأن أغلبهم استجاب لرغبة الصليبيين في إبعادهم عن دين الإسلام وتعاليمه السامية، فأصبح أغلبهم لا يصلي، وتخلق بأخلاق سيئة، ويعمل المنكرات ويستبيحها. . إلى غير ذلك مما ذكرته في رسالتك.
وأفيدك بأن الإقامة في بلد يظهر فيها الشرك والكفر، ودين النصارى وغيرهم من الكفرة لا تجوز، سواء كانت الإقامة بينهم للعمل أو للتجارة أو للدراسة، أو غير ذلك؛ لقول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهََّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا) .
ولقول النبي ﷺ : (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين) .
وهذه الإقامة لا تصدر عن قلب عرف حقيقة الإسلام والإيمان، وعرف ما يجب من حق الله في الإسلام على المسلمين، ورضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا.
فإن الرضا بذلك يتضمن من محبة الله، وإيثار مرضاته، والغيرة لدينه، والانحياز إلى أوليائه ما يوجب البراءة التامة والتباعد كل التباعد من الكفرة وبلادهم، بل نفس الإيمان المطلق في الكتاب والسنة، لا يجتمع مع هذه المنكرات، وصح عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ أنه قال: يا رسول الله بايعني واشترط، فقال رسول الله ﷺ : (تعبد الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتناصح المسلمين وتفارق المشركين) أخرجه أبو عبد الرحمن النسائي، وصح عن رسول الله ﷺ قوله: (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين) وقال ﵊: (لا يقبل الله من مشرك عملا بعد ما أسلم؛ أو يفارق المشركين) والمعنى حتى يفارق المشركين.
وقد صرح أهل العلم بالنهي عن ذلك، والتحذير منه، ووجوب الهجرة مع القدرة، اللهم إلا رجل عنده علم وبصيرة، فيذهب إلى هناك للدعوة إلى الله، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وشرح محاسن الإسلام لهم، وقد دلت آية سورة براءة: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) على أن قصد أحد الأغراض الدنيوية ليس بعذر شرعي، بل فاعله فاسق متوعد بعدم الهداية إذا كانت هذه الأمور أو بعضها أحب إليه من الله ورسوله، ومن الجهاد في سبيل الله. وأي خير يبقى مع مشاهدة الشرك وغيره من المنكرات والسكوت عليها، بل وفعلها، كما حصل ذلك من بعض من ذكرت من المنتسبين للإسلام.
وإن زعم المقيم من المسلمين بينهم أن له أغراضا من الأغراض الدنيوية، كالدراسة، أو التجارة، أو التكسب، فذلك لا يزيده إلا مقتا.
وقد جاء في كتاب الله الوعيد الشديد والتهديد الأكيد على مجرد ترك الهجرة، كما في آيات سورة النساء المتقدم ذكرها، وهي قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ) الآيات وما بعدها. فكيف بمن يسافر إلى بلاد الكفرة، ويرضى الإقامة في بلادهم، وكما سبق أن ذكرت أن العلماء رحمهم الله تعالى حرموا الإقامة والقدوم إلى بلاد يعجز فيها المسلم عن إظهار دينه، والمقيم للدراسة أو للتجارة أو للتكسب، والمستوطن،
حكمهم وما يقال فيهم حكم المستوطن لا فرق، إذا كانوا لا يستطيعون إظهار دينهم، وهم يقدرون على الهجرة.
وأما دعوى بغضهم وكراهتهم مع الإقامة في ديارهم فذلك لا يكفي، وإنما حرم السفر والإقامة فيها لوجوه، منها:
١ - أن إظهار الدين على الوجه الذي تبرأ به الذمة متعذر وغير حاصل.
٢ - نصوص العلماء رحمهم الله تعالى، وظاهر كلامهم وصريح إشاراتهم أن من لم يعرف دينه بأدلته وبراهينه، ويستطيع المدافعة عنه، ويدفع شبه الكافرين، لا يباح له السفر إليهم.
٣ - من شروط السفر إلى بلادهم: أمن الفتنة بقهرهم وسلطانهم وشبهاتهم وزخرفتهم، وأمن التشبه بهم والتأثر بفعلهم.
٤ - أن سد الذرائع وقطع الوسائل الموصلة إلى الشرك من أكبر أصول الدين وقواعده؛ ولا شك أن ما ذكرته في رسالتك مما يصدر عن الشباب المسلمين الذين استوطنوا هذه البلاد هو من ثمرات بقائهم في بلاد الكفر، والواجب عليهم الثبات على دينهم والعمل به، وإظهاره، واتباع أوامره، والبعد عن نواهيه، والدعوة إليه، حتى يستطيعوا الهجرة من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام.
والله المسؤول أن يصلح أحوالكم جميعا، وأن يمنحكم الفقه في دينه والثبات عليه، وأن يعينكم على الهجرة من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام، وأن يوفقنا وإياكم وجميع المسلمين لكل ما يحبه ويرضاه، وأن يعيذنا وإياكم وسائر المسلمين من مضلات الفتن ومن نزغات الشيطان، وأن يعيننا جميعا على كل خير، وأن ينصر دينه، ويعلي كلمته، وأن يصلح ولاة أمور المسلمين ويمنحهم الفقه في دينه، وأن يوفقهم لتحكيم شريعة الله في بلادهم، والتحاكم إليها، والرضا بها، والحذر مما يخالفها، إنه ولي ذلك والقادر عليه" انتهى من "مجموع فتاوى الشيخ ابن باز" (٩/٤٠٣) .
نسأل الله تعالى أن يلهمك رشدك، وأن ييسر أمرك، وأن يوفقك للخير والبر حيث كان.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 989
هل يُهدي للكافر لتأليف قلبه على الإسلام ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما الحكم إذا أعطى الكافر أموالاً أو أهدى إليه هدايا بقصد تأليف قلبه إلى الإسلام؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" لا بأس بهذا – أي لا بأس أن يهدى إليه هدية أو يُعطى دراهم أو يُسكن بيتاً من أجل تأليفه على الإسلام، ولكن يجب أن تلاحظ أن التأليف لابد أن يكون له محل، بأن يكون هذا المؤلَّف ممن يُرجى إسلامه، أما إذا كان من أئمة الكفر الذين لا يُرجى إسلامهم فإنهم لا يُعطون إلا إذا كانوا يُعطون من أجل دفع ضررهم " انتهى.
فضيلة الشيخ ابن عثيمين ﵀.
"الإجابات على أسئلة الجاليات" (١/٢٥، ٢٦) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 990
هل يقضي حاجة جاره الكافر ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا كان جاري كافراً فهل يجوز لي أن أقضي حاجته التي يطلبها مني؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" هذا يعود إلى ما جرى به العرف، فإذا كان من عادات الجيران أن بعضهم يقضي حاجة الآخر، كما لو نزل الجار إلى السوق وقال له جاره: اشتر لي معك كذا وكذا من فاكهة أو طعام أو نحوها، فلا بأس أن يفعل ذلك مع جاره الكافر، لأن ذلك من إكرام الجار، وقد قال النبي ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره) .
وأما ما لم تجر به العادة والعرف فيه فهذا ينظر فيه إلى المصلحة " انتهى.
فضيلة الشيخ ابن عثيمين ﵀.
"الإجابات على أسئلة الجاليات" (١/١٥، ١٦) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 991
هل يبتسم في وجه الكافر ويلين له ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا التقيت بالكافر في طريق ضيق فجرى بيني وبينه حديث وابتسام ولين في الكلام مع بغضي له فهل في هذا شيء؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" الكافر لا ينبغي أن تريه ما يشعر بالمودة له والمحبة له؛ لأن هذا من المودة التي قال فيها الله: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ) المجادلة/٢٢، ولكن قابله بما تقتضيه حاله، فإن كان ممن عرف بالإساءة إلى المسلمين فقابله بوجه عابس غاضب كاره، وإن كان هادئاً مسالماً وبيننا وبينه عهد فقابله بوجه لين، ولا تظهر أنك عدو له " انتهى.
فضيلة الشيخ ابن عثيمين ﵀.
"الإجابات على أسئلة الجاليات" (١/١٦، ١٧) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 992
أجبرها أهلها على زواج صوري ليحصل الزوج على إقامة وجنسية !
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا فتاة أبلغ من العمر ٢٣ سنة، أعيش في ألمانيا منذ ١٥ سنة مع والدتي وأخي، وذلك أثر طلاق والداي، قبل سنة أرغمتني والدتي على الزواج برجل ادَّعت أنه في حاجة ماسة للإعانة، وأمام غطرستها، وتهديدها الدائم لي بالغضب عليَّ، وانعدام المسؤولية عند أخي: لم يكن لي أي خيار، منذ قليل اكتشفت حماقتي، وجهلي , إذ إن أمي تبرر كل أوامرها بحجج تدَّعي أنها من الدين، وتم الزواج لدى المحاكم الألمانية , زواج صوري، يمكِّن هذا الرجل الذي لم أره سوى عند كتابة العقد من البقاء في ألمانيا والحصول على الجنسية الألمانية بعد سنتين، بعد محاولات عديدة أمكن لي الحصول على موافقة والدتي للبداية في إجراءات الطلاق، الرجل الذي أصبح اليوم قادراً على البقاء في ألمانيا موافق على طلاق التراضي، كما كان اتفاقه مع والدتي منذ البداية. سؤالي هو الآتي: كيف أكفِّر عن ذنبي؟ هل عليَّ عدة المطلقات؟ لقد تقدم شاب لي، ويود الزواج بي، وأنا حائرة، إن أعلمته أخشى أن يتركني، وإن لم أفعل أكون خدعته، ثم متى أحل له، أبعد الطلاق من الزواج الباطل أم قبل ذلك؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا يجوز لأحدٍ أن يُكره موليته على النكاح ممن لا ترغب، والعقد الذي يثبت أن المرأة البالغ زُوِّجت فيه بغير إرادتها: باطل عند بعض العلماء، ومتوقف عليها لإمضائه عند آخرين، وفي كل الأحوال لا يجوز أن تُجبر البالغ على الزواج.
وتفصيل ذلك في جواب السؤال رقم: (٤٧٤٣٩) .
ولا نرى أنك صغيرة بحيث يتحكم في تزويجك والدتك وأخوك، فكان الأجدر بك الوقوف في وجوههم، والاعتراض على مثل هذا الزوج والزواج، وبخاصة أنكم في بلد يدَّعي أهله أنهم ينصرون النساء! .
ثانياً:
العقود التي تُجرى في محاكم الدول الكافرة: قد تكون عقوداً باطلة، وقد تكون صحيحة، فإن كان سبقها عقد شرعي، اشتمل على إيجاب، وقبول، وموافقة ولي، وشهود أو إعلان: كانت العقود أمام تلك المحاكم للتوثيق، والتثبيت، لا للإنشاء، وإن لم يسبقها عقود شرعية: فلا قيمة لها، ولا يُبنى عليها أحكام؛ لأنها باطلة أصلاً.
وينظر جواب السؤال رقم: (٤٤٥٨) .
ثالثاً:
ثمة عقود زواج تُبرم في دول الكفر لا لأجل العفاف والستر وإنشاء أسرة، بل لغايات الإقامة والجنسية! وليُعلم أن الزواج هو " كلمة الله " وهو " الميثاق الغليظ "، وأنه لا يجوز الاستهانة بهذه العقود، وجعلها مجالاً للعبث.
وليُعلم أن هذه العقود " الصُّورية " أو " الشكلية " إذا تمَّت وفق الشرع فإنه تترتب عليها آثارها الشرعية، من المهر، والعدَّة، وغير ذلك، وأما إذا لم تتم وفق الأحكام الشروط الشرعية: فإنه لا تترتب عليها آثارها الشرعية، مع وجود الإثم.
سئل علماء اللجنة الدائمة:
نحن شباب مسلم - والحمد لله -، من مصر، ولكننا نقيم في هولندا، ونسأل عن حكم الإسلام في بعض الشباب المسلم الذي يلجأ للزواج من الأوربية، أو بعض النسوة الأجنبيات اللاتي معهن أوراق الإقامة، وذلك للحصول على الإقامة في هولندا، مع العلم أن هذا الزواج صوري، أي: حبر على ورق - كما يقولون – أي: أنه لا يعيش معها، ولا يعاشرها كزوجة، هو فقط يذهب معها إلى مبنى الحكومة، ومعه شاهدان، ويتم توثيق العقد، وبعد ذلك كل ينصرف لطريقه؟ .
فأجابوا:
عقد النكاح من العقود التي أكد الله عِظم شأنها، وسمَّاه " ميثاقاً غليظاً "، فلا يجوز إبرام عقد النكاح على غير الحقيقة من أجل الحصول على الإقامة.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ بكر أبو زيد.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٨ / ٩٨، ٩٩) .
وفي جواب السؤال رقم: (٢٨٨٦) فتوى أخرى بالتحريم والمنع، فلتنظر.
فالذي يظهر لنا أن والدك موجود وعلى قيد الحياة، وهو في هذه الحال وليك في الزواج، ولو كان مطلِّقاً لأمك، وأخوك ليس وليّاً لك مع وجود والدكِ، فإذا تمَّ الزواج بموافقة والدك، وحضور شهود، مع رضاكِ به: فهو عقد شرعي تترتب عليه آثاره، ولو لم يكن من أجل العيش معه؛ لأن واقعه – والحالة هذه – أنه عقد شرعي مكتمل الأركان، فلا يحل لك الزواج بغيره إلا بعد أن تحصلي على الطلاق، وتنتهي عدتك.
وأما إن تمَّ العقد في الدوائر الرسمية فقط، ودون موافقتك أو موافقة والدك: فهو عقد غير شرعي، ولا تترتب عليه آثاره، ولا حاجة للحصول على الطلاق، إلا من أجل أنك زوجة في الأوراق الرسمية، لا من أجل أنك زوجة شرعاً، مع استحقاق من ساهم في وجوده للإثم؛ لاستهانته بالعقد الشرعي، وجعله مجالاً للعبث.
والخلاصة: أن الواجب عليك الاحتياط في أمر زواجك الجديد، على الأقل، وألا تقدمي على إتمام الخطبة الجديدة، إلا بعد طلاقك من الأول، وبإمكانك إتمام الخطبة والزواج الجديد بمجرد إنهاء الطلاق من الأول، وليس عليك عدة تنتظرينها، ولا فاصل زمني بين الزواجين.
وأما بخصوص إعلام الخاطب الجديد، فإن كان يغلب على ظنك أنه لن يعلم بما حدث، فلا ننصحك بإخباره، وأتمي زواجك به، كأن شيئاً لم يكن.
وإن كنت تظنين أنه سوف يعلم ذلك، فليعلمه منك أفضل وأكرم، والقلوب بيد الرحمن يقلبها كيف شاء، فاستعين بربك سبحانه، على صرف قلبه إليك، إن كان في زواجك منه خير لك.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 993
إيضاح القاعدة العظيمة: " تحريم موالاة الكفّار "
[السُّؤَالُ]
ـ[نرجو التوضيح بالأمثلة ما المقصود من العبارة التالية: " موالاة الكفّار حرام ".]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نعم الأمثلة توضّح المقصود وتجلّيه ولذلك ننتقل إليها مباشرة وننقل بعضا من أهمّ ما ذكره أهل العلم وأئمة الدّعوة من صور الموالاة الكفار:
ـ الرضا بكفرهم أو الشك فيه أو الامتناع عن تكفيرهم أو الإقدام على مدح دينهم قال الله تعالى عن كفر الراضي: (ولكن من شرح بالكفر صدرا) . وقال تعالى موجبا ومشترطا الكفر بالطاغوت: (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى) . وقال عن اليهود في تفضيلهم المشركين على المسلمين: (ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا) .
ـ التحاكم إليهم: كما في قوله تعالى: (يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أُمروا أن يكفروا به)
ـ مودتهم ومحبتهم، قال تعالى: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادُّون من حاد الله ورسوله.. الآية)
ـ الركون إليهم والاعتماد عليهم وجعلهم سندا وظهيرا، قال تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) .
ـ إعانتهم ومناصرتهم على المسلمين. قال الله تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) وقال عن الكفار: (بعضهم أولياء بعض) . وقال: (ومن يتولّهم منكم فإنه منهم) .
ـ الانخراط في مجتمعاتهم والانضمام إلى أحزابهم وتكثير سوادهم والتجنُّس بجنسياتهم (لغير ضرورة) والخدمة في جيوشهم والعمل على تطوير أسلحتهم.
ـ نقل قوانينهم وتحكيمها في بلاد المسلمين، قال تعالى: (أَفَحُكم الجاهلية يبغون)
ـ التولي العام لهم واتخاذهم أعوانا وأنصارا وربط المصير بهم، قال الله تعالى ناهيا عن ذلك (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء. بعضهم أولياء بعض) .
ـ مداهنتهم ومجاملتهم على حساب الدين، قال تعالى: (ودوا لو تدهن فيدهنون) . ويدخل في ذلك مجالستهم والدخول عليهم وقت استهزائهم بآيات الله، قال الله تعالى: (وقد نزّل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يُكفر بها ويُسْتهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم) .
ـ الثقة بهم واتخاذهم بطانة من دون المؤمنين وجعلهم مستشارين. قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ودُّوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفى صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون. ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضُّوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور. إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها﴾
وعَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قِبَلَ بَدْرٍ فَلَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الْوَبَرَةِ أَدْرَكَهُ رَجُلٌ قَدْ كَانَ يُذْكَرُ مِنْهُ جُرْأَةٌ وَنَجْدَةٌ فَفَرِحَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَأَوْهُ فَلَمَّا أَدْرَكَهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ جِئْتُ لأَتَّبِعَكَ وَأُصِيبَ مَعَكَ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قَالَ لا قَالَ فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ قَالَتْ ثُمَّ مَضَى حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالشَّجَرَةِ أَدْرَكَهُ الرَّجُلُ فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ قَالَ فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ قَالَ ثُمَّ رَجَعَ فَأَدْرَكَهُ بِالْبَيْدَاءِ فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قَالَ نَعَمْ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَانْطَلِقْ. " رواه مسلم ٣٣٨٨.
ومن هذه النصوص يتبين لنا تحريم تولية الكفار الأعمال التي يتمكنون بواسطتها من الاطلاع على أحوال المسلمين وأسرارهم ويكيدون لهم بإلحاق الضرر بهم.
ـ توليتهم المناصب الإدارية التي يرأسون بها المسلمين ويذلونهم ويتحكمون في رقاب الموحدين ويحولون بينهم وبين أدائهم عباداتهم. قال الله تعالى (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) ، وروى الإمام أحمد عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قلت لعمر ﵁: لي كاتب نصراني، قال: مالك قاتلك الله، أما سمعت قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض﴾ (المائدة:٥١) ألا اتخذت حنيفاً، قلت يا أمير المؤمنين لي كتابته وله دينه، قال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله.
وكذلك جعلهم في بيوت المسلمين يطلعون على العورات ويربون أبناء المسلمين على الكفر ومن هذا ما وقع في هذا الزمان من استقدام الكفار إلى بلاد المسلمين وجعله عمالاً وسائقين ومستخدمين، ومربين في البيوت وخلطهم مع العوائل والأسر المسلمة.
وكذلك ضمّ الأولاد إلى المدارس الكفرية والمعاهد التبشيرية والكليات والجامعات الخبيثة وجعلهم يسكنون مع عوائل الكفار.
ـ التشبه بالكافرين في الملبس والهيئة والكلام وغيرها وذلك يدل على محبة المتشبه به، وقال النبي ﷺ (من تشبه بقوم فهو منهم) .
فيحرم التشبه بالكفار فيما هو من خصائصهم من عاداتهم، وعباداتهم، وسمتهم وأخلاقهم، كحلق اللحى، وإطالة الشوارب، والرطانة بلغتهم إلا عند الحاجة، وفي هيئة اللباس، والأكل والشرب وغير ذلك.
ـ الإقامة في بلادهم بغير حاجة ولا ضرورة، ولهذا فإن المسلم المستضعف الذي لا يستطيع إظهار شعائر دينه تحرم عليه الإقامة بين الكفار إذا كان يقدر على الهجرة، قال تعالى: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً. إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً. فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفواً غفوراً﴾ .
فلم يعذر الله في الإقامة في بلاد الكفار إلا المستضعفين الذين لا يستطيعون الهجرة. وكذلك من كان في إقامته مصلحة دينية كالدعوة إلى الله ونشر الإسلام في بلادهم.
فالإقامة بين ظهرانيهم محرمة لغير ضرورة، قال النبي ﷺ : (أنا بريء ممن أقام بين ظهراني المشركين) .
ـ السفر إلى بلادهم لغرض النزهة ومتعة النفس: أمّا الذّهاب لحاجة شرعية - كالعلاج والتجارة وتعلّم التخصصات النافعة التي لا يمكن الحصول عليها إلا بالسفر إليهم - فيجوز بقدر الحاجة، وإذا انتهت الحاجة وجب الرجوع إلى بلاد المسلمين.
ويشترط للذّاهب في هذه الحالة أن يكون معه علم يدفع به الشبهات وإيمان يدفع به الشهوات وأن يكون مُظهِراً لدينه معتزاً بإسلامه مبتعداً عن مواطن الشر، حذِراً من دسائس الأعداء ومكائدهم، وكذلك يجوز السفر أو يجب إلى بلادهم إذا كان لأجل الدعوة إلى الله ونشر الإسلام.
ـ مدحهم والذبّ عنهم والإشادة بما هم عليه من المدنية والحضارة والإعجاب بأخلاقهم ومهاراتهم دون نظر إلى عقائدهم الباطلة ودينهم الفاسد. قال تعالى: ﴿ولا تمدن عينيك إلى ما متَّعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربِّك خيرٌ وأبقى﴾ .
وكذلك تعظيمهم وإطلاق ألقاب التفخيم عليهم والبدء بتحيتهم وتقديمهم في المجالس وفي المرور في الطرقات، قال النبي ﷺ : " لا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَلا النَّصَارَى بِالسَّلامِ فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ ". رواه مسلم ٤٠٣٠
ـ ترك تاريخ المسلمين والتأريخ بتأريخهم واعتماده خصوصاً التاريخ الذي يعبر عن طقوسهم وأعيادهم كالتاريخ الميلادي، وهو عبارة عن ذكرى مولد المسيح ﵇، والذي ابتدعوه من أنفسهم وليس هو من دين المسيح ﵇، فاستعمال هذا التاريخ فيه مشاركة في إحياء شعارهم وعيدهم.
ولتجنب هذا لما أراد الصحابة ﵃ وضْع تاريخ للمسلمين في عهد الخليفة عمر ﵁ عدلوا عن تواريخ الكفار وأرخوا بهجرة النبي ﷺ مما يدل على وجوب مخالفة الكفار في هذا وفي غيره مما هو من خصائصهم ـ والله المستعان.
ـ مشاركتهم في أعيادهم أو مساعدتهم في إقامتها أوتهنئتهم بمناسبتها أو حضور أماكنها.
وقد فُسَّر الزور في قوله تعالى: ﴿والذين لا يشهدون الزور﴾ بأعياد الكفار.
ـ التسمي بأسمائهم المُنكَرة، وقد غيّر النبي ﷺ الأسماء الشركية كعبد العزّى وعبد الكعبة.
ـ الاستغفار لهم والترحم عليهم: قال الله تعالى: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم) .
فهذه طائفة من الأمثلة التي توضّح قاعدة تحريم موالاة الكفّار، نسأل الله سلامة العقيدة وقوّة الإيمان والله المستعان.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 994
مضطر للسكن مع زملاء غير مسلمين
[السُّؤَالُ]
ـ[أسكن مع عشرة زملاء آخرين من دول مختلفة: تسعة منهم مسيحيون، والعاشر لا يعتنق أي دين، نتناول الوجبة الرئيسية سوياً على مائدة واحدة، يقوم بإعدادها اثنان من الطلبة كل يوم بالتناوب، فهل يصح شرعاً أن أتناول طعاماً مع هؤلاء؟ علماً بأن ظروفي المالية والدراسية لا تمكن من العيش بمفردي أبداً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"شريعة الإسلام مبنية على اليسر والسهولة، ورفع الحرج، ولك أن تستمر معهم ما دمت لا تتمكن من العيش وحدك، ولكن عليك أن تدعوهم إلى الله بأقوالك وأفعالك ومعاملتك لهم؛ لعل الله أن يجعل فيك بركة.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... الشيخ عبد الرزاق عفيفي ... الشيخ عبد الله بن غديان ... الشيخ عبد الله بن قعود.
"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" (٢٦/٨٧) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 995
ما هو الفرق بين عرش الربّ وكرسيه
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو الفرق بين الكرسي والعرش؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الكرسي هو موضع قدمي الرحمن على أصح الأقوال فيه، والعرش أكبر من الكرسي.
والعرش هو أعظم المخلوقات، وعليه استوى ربنا استواءً يليق بجلاله، وله قوائم، ويحمله حملة من الملائكة عظام الخلق.
وقد أخطأ من جعلهما شيئاً واحداً.
وهذه أدلة ما سبق مع طائفة من أقوال العلم:
عن ابن مسعود قال: بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام وبين كل سماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش لا يخفى عليه شيء من أعمالكم. رواه ابن خزيمة في " التوحيد " (ص ١٠٥) ، والبيهقي في " الأسماء والصفات " (ص ٤٠١) .
والأثر: صححه ابن القيم في " اجتماع الجيوش الإسلامية " (ص ١٠٠) ، والذهبي في " العلو " (ص ٦٤) .
قال الشيخ ابن عثيمين:
هذا الحديث موقوف على ابن مسعود، لكنه من الأشياء التي لا مجال للرأي فيها، فيكون لها حكم الرفع، لأن ابن مسعود لم يُعرف بالأخذ من الإسرائيليات.
" القول المفيد شرح كتاب التوحيد " (٣ / ٣٧٩) .
وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب في مسائل هذا الحديث:
... التاسعة: عِظَم الكرسي بالنسبة إلى السماء.
العاشرة: عظم العرش بالنسبة إلى الكرسي.
الحادية عشرة: أن العرش غير الكرسي والماء.
" شرح كتاب التوحيد " (ص ٦٦٧، ٦٦٨) .
وعرش الرحمن هو أعظم المخلوقات، وأوسعها.
قال تعالى: ﴿فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش العظيم﴾ [المؤمنون / ١١٦] ، وقال تعالى ﴿وهو رب العرش العظيم﴾ [التوبة / ١٢٩] ، وقال تعالى ﴿ذو العرش المجيد﴾ [البروج / ١٥] .
قال القرطبي:
خصَّ العرش لأنه أعظم المخلوقات فيدخل فيه ما دونه.
" تفسير القرطبي " (٨ / ٣٠٢، ٣٠٣) .
وقال ابن كثير:
﴿وهو رب العرش العظيم﴾ أي: هو مالك كل شيء وخالقه؛ لأنه رب العرش العظيم الذي هو سقف المخلوقات، وجميع الخلائق من السموات والأرضين وما فيهما وما بينهما تحت العرش مقهورين بقدرة الله تعالى، وعلمه محيط بكل شيء، وقدره نافذ في كل شيء، وهو على كل شيء وكيل.
" تفسير ابن كثير " (٢ / ٤٠٥) .
وقال ﵀:
﴿ذو العرش﴾ أي: صاحب العرش العظيم العالي على جميع الخلائق، و ﴿المجيد﴾ : فيه قراءتان: الرفع على أنه صفة للرب ، والجر على أنه صفة للعرش، وكلاهما معنى صحيح.
" تفسير ابن كثير " (٤ / ٤٧٤) .
والمجيد: المتسع عظيم القدر.
عن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: " الناس يُصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور ". رواه البخاري (٣٢١٧) .
وللعرش حملة يحملونه.
قال تعالى: (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم) [غافر / ٧] .
وهم على خِلقة عظيمة.
عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: " أُذِن لي أن أحدِّث عن ملَك من ملائكة الله من حملة العرش، إنَّ ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام ".
رواه أبو داود (٤٧٢٧) .
والحديث: قال عنه الحافظ ابن حجر: وإسناده على شرط الصحيح.
" فتح الباري " (٨ / ٦٦٥) .
والعرش فوق الكرسي بل فوق كل المخلوقات.
قال ابن القيم:
إنه إذا كان سبحانه مبايناً للعالَم فإما أن يكون محيطا به أو لا يكون محيطا به، فإن كان محيطاً به لزِم علوّه عليه قطعاً ضرورة علو المحيط على المحاط به، ولهذا لما كانت السماء محيطة بالأرض كانت عالية عليها، ولما كان الكرسي محيطاً بالسماوات كان عالياً عليها، ولما كان العرش محيطاً بالكرسي كان عالياً فما كان محيطاً بجميع ذلك كان عالياً عليه ضرورة ولا يستلزم ذلك محايثته لشيء مما هو محيط به ولا مماثلته ومشابهته له.
" الصواعق المرسلة " (٤ / ١٣٠٨) .
٧. والعرش ليس هو المُلْك وليس هو الكرسي.
قال ابن أبي العز الحنفي:
وأما من حرَّف كلام الله وجعل العرش عبارة عن الملك، كيف يصنع بقوله تعالى: ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثانية﴾ [الحاقة / ١٧] ، وقوله ﴿وكان عرشه على الماء﴾ [هود / ٧] ؟ أيقول: ويحمل ملكه يومئذ ثمانية، وكان ملكه على الماء ويكون موسى ﵇ آخذا بقائمة من قوائم المُلْك؟ هل يقول هذا عاقل يدري ما يقول.
وأما الكرسي فقال تعالى: ﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾ [البقرة / ٢٥٥] ، وقد قيل: هو العرش، والصحيح: أنه غيره، نُقل ذلك عن ابن عباس ﵄ وغيره روى ابن أبي شيبة في كتاب " صفة العرش " والحاكم في " مستدركه " وقال: إنه على شرط الشيخين ولم يخرجاه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾ أنه قال: " الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر قدره إلا الله تعالى ".
وقد روي مرفوعاً، والصواب: أنه موقوف على ابن عباس ...
قال أبو ذر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما الكرسي في العرش إلا كحلْقة من حديد أُلقيت بين ظهري فلاة من الأرض ".
.. وهو كما قال غير واحدٍ من السلف: بين يدي العرش كالمرقاة إليه.
" شرح العقيدة الطحاوية " (ص ٣١٢، ٣١٣) .
وقال الشيخ ابن عثيمين:
هناك من قال: إن العرش هو الكرسي لحديث " إن الله يضع كرسيَّه يوم القيامة "، وظنوا أن الكرسي هو العرش.
وكذلك زعم بعض الناس أن الكرسي هو العلم، فقالوا في قوله تعالى: ﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾ أي: علمه.
والصواب: أن الكرسي موضع القدمين، والعرش هو الذي استوى عليه الرحمن سبحانه.
والعلم: صفة في العالِم يُدرك فيها المعلوم. والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
القول المفيد شرح كتاب التوحيد " (٣ / ٣٩٣، ٣٩٤) .
стр. 996
هل النصارى الموجودون الآن أقرب الناس إلينا مودة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[إن الله تعالى يقول في كتابه عن النصارى: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى..) المائدة / ٨٢
ومعلوم لدينا في الوقت الحاضر عداوتهم الشديدة للإسلام والمسلمين فما موقفنا منهم؟ وهل تجوز اللعنة عليهم كما جازت على اليهود؟ هذا السؤال يحيرني كثيراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ليس في الثناء المذكور في هذه الآيات ما يوجب الحيرة في شأن النصارى والتوقف في لعنتهم فإن الموصوفين بتلك الصفات ليس المقصود بهم جميع النصارى، بل طائفة منهم استجابت للحق ولم تستكبر عن اتباعه، وهذا هو الذي يقتضيه سياق الآيات المسؤول عنها (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴿٨٢﴾ وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) المائدة / ٨٢ – ٨٣، فالآيات تتحدث عن قوم من النصارى لما عرفوا الحق أسلموا وأعلنوا إيمانهم.
قال العلامة ابن القيم في هذه الآيات:
والمقصود أن هؤلاء أي الموصفين بهذه الصفات الذين عرفوا أنه رسول الله بالنعت الذي عندهم فلم يملكوا أعينهم من البكاء وقلوبهم من المبادرة إلى الإيمان.
أما لعنة من لم يؤمن بمحمد ﷺ من النصارى فلا يحصى ما جاء من الأدلة القطعية الدالة على ذلك، ومنها ما روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال في مرضه الذي لم يقم منه: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) وكيف لا يلعن من وصف الله قوله في كتابه إذ يقول: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) المائدة / ٧٢، وإذ يقول: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ) المائدة / ٧٣
إلى غير ذلك من النصوص المتضمنة لكفرياتهم وضلالاتهم.
ومن الآيات المصرحة بمصيرهم قوله تعالى في آخر تلك الآيات التي ذكرها السائل: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) المائدة / ٨٦
فتوى الشيخ ابن إبراهيم بتصرف. مجلة البحوث الإسلامية (٥٨/٣٦-٣٩) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 997
حكم عيادة المريض الكافر
[السُّؤَالُ]
ـ[يحدث أن يمرض أحد النصارى معنا في العمل أو الدراسة فهل تجوز زيارته وما حكم عيادة المريض الكافر؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
تجوز العيادة بقصد دعوته وعرض الإسلام عليه.
وهذا توسط في المسألة فلا يصح المنع مطلقاً لأنه لم يرد في ذلك دليل بل هو خلاف الأدلة الصحيحة.
والقول بالجواز مطلقاً فيه شيء من النظر فلم يبق إلا جواز عيادته إذا كان يعرض عليه الإسلام أو يرتجيه.
وقد جاء في صحيح البخاري من طريق حماد بن زيد عن ثابت عن أنس ﵁ قال. كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ فمَرض فأتاه النبي ﷺ يعوده فقعد عند رأسه فقال له. أسلم. فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له أطع أبا القاسم ﷺ . فأسلم فخرج النبي ﷺ وهو يقول. الحمد لله الذي أنقذه من النار.
وهذا الحديث فيه فوائد.
الأولى: حُسنُ خُلقه ﷺ .
الثانية: حرصه ﷺ على هداية الخلق.
الثالثة: أن اليهود إذا مات على يهوديته كافر مخلد في النار وهذا لا خلاف فيه بين أحد من أهل العلم قال النبي ﷺ . والذي نفسي بيده لَا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار. رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة.
الرابعة: عيادة اليهودي إذا رجيت المصلحة. قال أبو داود ﵀ سمعت الإمام أحمد سئل عن عيادة اليهودي والنصراني؟ قال إن كان يريد أن يدعوه إلى الإسلام فنعم.
وقد جاء في الصحيحين وغيرهما من طريق ابن شهاب قال أخبرني سعيد بن المسيب عن أبيه أنه أخبره أنه لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءَه رسول الله ﷺ فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة قال رسول الله صلى لله عليه وسلم لأبي طالب ياعم قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه ويعودان بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله إلا الله فقال رسول الله ﷺ . أما والله لأستغفرنّ لك مالم أُنه عنك فأنزل الله تعالى فيه ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى..﴾ .
والحديث فيه دليل على عيادة القريب المشرك إذا رُجي إسلامه قال الفضل بن زياد سمعت أحمد بن حنبل سئل عن الرجل المسلم يعود أحداً من المشركين، قال: إن كان يرى أنه إذا عاده يعرض عليه الإسلام يقبل منه فليعده كما عاد النبي ﷺ الغلام اليهودي فعرض عليه الإسلام.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ سليمان العلوان
стр. 998
قطع النافلة والطواف لأجل صلاة الجنازة
[السُّؤَالُ]
ـ[سؤال: هل تُقْطَعُ صلاة النافلة أو طواف التطوع للصلاة على الجنازة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" قال النبي ﷺ : (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) ، وظاهره أن النافلة لا تُقطع إلا للفريضة، فلا تقطع لصلاة الجنازة، ولو قطعها المصلي فلا بأس؛ لأنه يجوز قطع النفل لغرض صحيح.
وكذلك من يطوف تطوعاً يقطع طوافه لصلاة الجنازة، لكن الأفضل أن لا يقطع " انتهى.
"مجموع فتاوى ابن عثيمين" (١٧/١٥٨) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 999
هل يساعد شقيقه الهندوسي بالمال ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف أقف وأساند شقيقي الهندوسي وهو مقبل على الزواج؟ علماً أن له مواقف معي كثيرة، وقف معي عند قضاء ديني، ومرة عندما طعن الهندوس في ديني كان له مواقف ضدهم ودافع عني. هل يمكن لي أن أسانده مادياً وأقف معه حتى يتم مراسم زواجه؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"لا مانع من صلة أخيك الكافر بالمال والهدية، خصوصاً إذا كان له معك مواقف جيدة، فإنك تكافؤه عليها، قال الله تعالى: (لَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) الممتحنة/٨.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز.. الشيخ عبد العزيز آل الشيخ.. الشيخ عبد الله بن غديان.. الشيخ صالح الفوزان.. الشيخ بكر أبو زيد.
"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" (٢٥/٣٧٩) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1000
هل يعتبر التأريخ بالتاريخ الميلادي موالاة للكفار
[السُّؤَالُ]
ـ[هل التأريخ بالتاريخ الميلادي يعتبر من موالاة الكفار؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يعتبر موالاة، لكن يعتبر تشبهاً بهم.
والصحابة ﵃ كان التاريخ الميلادي موجوداً في عصرهم، ولم يستعملوه، بل عدلوا عنه إلى التاريخ الهجري.
وضعوا التاريخ الهجري ولم يستعملوا التاريخ الميلادي مع أنه كان موجوداً في عهدهم، هذا دليل على أن المسلمين يجب أن يستقلوا عن عادات الكفار وتقاليد الكفار، لاسيما وأن التاريخ الميلادي رمز على دينهم، لأنه يرمز إلى تعظيم ميلاد المسيح والاحتفال به على رأس السنة، وهذه بدعة ابتدعها النصارى، فنحن لا نشاركهم ولا نشجهم على هذا الشيء. وإذا أرّخنا بتاريخهم فمعناه أننا نتشبه بهم.
وعندنا والحمد لله التاريخ الهجري الذي وضعه لنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ الخليفة الراشد بحضرة المهاجرين والأنصار، هذا يغنينا. انتهى
[الْمَصْدَرُ]
فضيلة الشيخ صالح الفوزان في كتاب المنتقى ١/٢٥٧.
стр. 1001
هل يدعو لوالديه ولا يعلم على أي شيء ماتا
[السُّؤَالُ]
ـ[مَن ترك والديه كفاراً ولم يعلم هل أسلموا أو لا، هل يجوز أن يدعو لهم؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية السؤال السابق:
فأجاب:
متى كان من أمَّةٍ أصلها كفار: لم يجز أن يستغفر لأبويه، إلا أن يكونا قد أسلما، كما قال تعالى: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى مِن بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم﴾ .
[الْمَصْدَرُ]
" الفتاوى الكبرى " (٢ / ٤٢٣) .
стр. 1002
حكم إقامة الطلبة المبتعثين في بلاد الكفار
[السُّؤَالُ]
ـ[نحن طلبة مسلمون ندرس في أمريكا لفترات تتراوح ما بين ستة أشهر وأربع سنوات وجئنا للدراسة هنا بمحض إرادتنا - أي لسنا مبتعثين من أي جهة - والدراسة هنا في أمريكا لا تختلف عن الدراسة في بلادنا سوى بالحصول على اللغة الإنجليزية، فما حكم جلوسنا في هذه البلاد للدراسة؟ جزاكم الله خيراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
من كان منكم لديه علم وبصيرة بدين الله يمكنه أن يدعو إلى الله ويعلم الناس الخير ويدفع الشبهة عن نفسه ويظهر دينه بين من لديه من الكفار فلا حرج عليه؛ لأن إقامته والحال ما ذكر وتزوده من العلم الذي يحتاج إليه ينفعه وينفع غيره، وقد يهدي الله على يديه جمعاً غفيراً إذا اجتهد في الدعوة وصبر وأخلص النية لله ، أما من ليس عنده علم وبصيرة، أو ليس عنده صبر على الدعوة، أو يخاف على نفسه الوقوع فيما حرم الله، أو لا يستطيع إظهار دينه بالدعوة إلى توحيد الله والتحذير من الشرك به وبيان ذلك لمن حوله فلا تجوز له الإقامة بين أظهر المشركين؛ لقول النبي ﷺ : (أنا برئ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين) ولما عليه من الخطر في هذه الإقامة، والله ولي التوفيق.
[الْمَصْدَرُ]
كتاب مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀. م/٩ ص/٤٠١.
стр. 1003
حكم قبول هدايا المشركين
[السُّؤَالُ]
ـ[عندنا مسجد يبنى وبجواره نصارى، والنصارى إذا أرادوا التبرع في بناء المسجد بالمال هل على المسلمين أن يأخذوا المال منهم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"إذا كان فيه شرط يخالف الشرع فلا، أما التبرع المجرد فإنه ليس فيه شيء، والنبي ﷺ قبل كثيراً من هدايا المشركين" انتهى.
"مجموع فتاوى الشيخ ابن باز" (٢٨/٢٣٧) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1004
حكم مصادقة العصاة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز للرجل المتمسك بالإسلام أن يتحدث إلى شخص مسلم بالاسم يشرب الكحول ولا يصلي، وأن تنشأ بينهما مودة وصداقة ويتخذه مساعدا له؟ ما هو الحكم في اتخاذ أمثال هؤلاء (الذين لا يمارسون شعائر الدين وهم يخالفون أوامر الله) أصدقاء ومساعدين؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
المعاصي على نوعين:
النوع الأول: معاص مكفرة، وهي التي تؤدي بالإنسان إلى الخروج من الملة والعياذ بالله، وصاحب هذه المعاصي كافر خارج من الملة متى توفرت فيه الشروط وانتفت الموانع، كمن يشرك بالله، أو يترك الصلاة تركاً كاملاً، ونحو ذلك.
النوع الثاني: معاص غير مكفرة، وهي التي لا تخرج الإنسان من الملة، لكن يوصف فاعلها بأنه فاسق، ومؤمن ناقص الإيمان، كالزنا وشرب الخمر ونحو ذلك، ما لم يستحلها، فإن استحل الحرام خرج من الملة، إذا انطبقت عليه شروط التكفير وانتفت موانعه، فعقيدة أهل السنة والجماعة وإجماع السلف على عدم تكفير صاحب الكبيرة ما لم يستحلها، وراجع لذلك إجابة السؤال رقم (٩٩٢٤) .
إذا علم هذا، فمصاحبة الناس ينبني حكمها على ما سبق.
فلا يجوز اتخاذ الكافرين أولياء، أو مخالطتهم مع الأنس بهم أو السكن معهم واتخاذهم أصدقاء وخلان، أو محبتهم، أو تقديمهم على المؤمنين أو مودتهم ونحو ذلك، وقد قال الله تعالى: (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) المجادلة/٢٢، لكن يجب العدل معهم وعدم ظلمهم والاعتداء عليهم بغير وجه شرعي، ويجوز التعامل معهم بالبيع والشراء والقرض ونحو ذلك، فقد صح أنه ﷺ استعار من صفوان بن أمية سلاحاً، وصح أنه اشترى من اليهود طعاماً.
أما عصاة المؤمنين، فتجب محبتهم بقدر ما معهم من إيمان، ويجب بغضهم بقدر ما معهم من فسق ومعصية، أما اتخاذهم أصدقاء، فهذا مما يخالف قول النبي ﷺ (إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَة ً) رواه مسلم برقم (٢٦٢٨) ، فصديق السوء يورد الإنسان المهالك، ويضره أكثر مما ينفعه، وفرق بين أن أوالي ذلك الشخص، وأحبه لأن معه وصف الإيمان، وبين أن أصاحبه فآخذ منه ويأخذ مني.
لكن إن كان القصد من الجلوس مع ذلك الشخص تأليف قلبه بغرض الدعوة إلى الله تعالى، وإرشاده إلى طريق الهداية، فهذا من الأعمال الفاضلة، كما قال تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً) فصلت/٣٣، لكن بشرط ألا يؤثر ذلك عليك، فتضر نفسك من حيث تريد أن تنفعها.
وبناء على ما سبق، فإن الشخص المسؤول عنه، إن كان تاركا للصلاة بالكلّية، فهو كافر، لأن القول الراجح من أقوال أهل العلم، وهو قول السلف، أن تارك الصلاة كافر كفرا أكبر، مخرجا من الملة، وراجع لأدلة ذلك، الأسئلة التالية (٢١٨٢، ٥٢٠٨، ٦٠٣٥، ٣٣٠٠٧، ١٠٠٩٤) ، وعليه فلا تجوز مودته، ولا موالاته، بل يدعى إلى التوبة إلى الله ، والالتزام بالصلاة، وقد قال تعالى: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين) التوبة/١١
واعلم أن مصاحبة الأخيار مما أوصى به ربنا جل وعلا، ونبينا ﷺ ، كما سبق في الحديث المتقدم، وكما قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) التوبة /١١٩، وقال تعالى (واصبر نفسك مع الذي يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) الكهف/٢٨، والله أعلم
للمزيد راجع فتاوى الشيخ ابن عثيمين (٣ / ٣١) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1005
هل يدعو للكافرة بالهداية للإسلام ليتزوجها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[على فرض أنك رأيت امرأة جميلة بالطريق وتريد أن تتزوجها لكنها كافرة ولذلك فلا يجوز لك ذلك. سؤالي هو: هل يجوز أن أسأل الله أن يهديها للإسلام ثم أتزوجها بعد ذلك؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قبل الجواب عن السؤال نقول: إن المسلم مأمور بغض بصره عما حرَّم الله عليه، قال الله تعالى: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) النور/٣٠، ولله من وراء هذا التوجيه الحكمة البالغة، فإنه سبحانه رحيم بعباده روؤف بهم، فجاء شرعه بما يرفع عنهم العنت والمشقة وأسباب العذاب النفسي والبدني، ومن المعلوم أن العَين رسول القلب وبريده، فإذا ما أرسلها صاحبها وقلّبها في الصور الجملية تعلق قلبه بتلك الصور، وانطبعت فيه، ثم في أكثر الأحوال لا يستطيع الوصول إلى ما أحبه فيشقى ويتعب وصدق الشاعر حين قال:
وكنت متى أرسلت طرفك رائداً ... * لقلبك يوماً أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كله أنت قادر ... * عليه ولا عن بعضه أنت صابر
فجاء الشرع الحنيف بقطع أسباب هذا العناء، فأمر بغض الأبصار، فعلى المسلم امتثال هذا الأمر ليرضي ربه وليريح نفسه.
والصواب ما أشرت إليه في سؤالك من أن من اشتهى شيئاً وأحبه فإن عليه أن يمنع نفسه من الوصول إليه إلا من الطريق التي أباحها الله ، وأن يجعل هواه تبعاً لما جاء به رسول الله ﷺ ، وتلك من خصال المؤمن.
أما عن خصوص السؤال فالجواب: أنه يجوز الدعاء للكافر بالهداية، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة، فقد ثبت أن النبي ﷺ (دعا لقبيلة دوس بالهداية فقال: (اللهم اهد دوساً) رواه البخاري (٢٩٣٧) ومسلم (٢٥٢٤)
وروى الترمذي (٥/٨٢) عن أبي موسى ﵁ قال: (كان اليهود يتعاطسون عند النبي ﷺ يرجون أن يقول لهم: يرحمكم الله، فيقول: يهديكم الله ويصلح بالكم) وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀ في "فتح الباري" (١٠/٦٠٤) : " حديث أبي موسى دال على أنهم يدخلون في مطلق الأمر بالتشميت، لكن لهم تشميت مخصوص وهو الدعاء لهم بالهداية وإصلاح البال وهو الشأن، ولا مانع من ذلك " انتهى.
وقال العلامة ابن مفلح الحنبلي ﵀ في "الآداب الشرعية" (١/٣٦٨) ، وهو يتكلم عما يجوز وما لا يجوز الدعاء به للكافر قال: " وأما الدعاء بالهداية ونحوها فهذا جوازه واضح " انتهى.
وينبغي للداعي أن يحسن نيته بهذا الدعاء بأن يقصد تحقيق مرضاة الله بإسلام هذه المرأة ونجاتها من عذاب الله ونحو ذلك من المقاصد الحسنة، ولا بأس أن ينوي مع ذلك الزواج بها.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1006
حكم الاحتفال بعيد النيروز
[السُّؤَالُ]
ـ[بارك الله فيكم جميعا فهذا الموقع موقع رائع! كنت أتساءل ما إذا كان الاحتفال بالنيروز حراما أم لا؟ لأنني كفارسي أحتفل به. ونحن نقوم أيضا في النيروز بإقامة مأدبة ونضع قرآنا على تلك المائدة.... فهل الاحتفال بالنيروز حرام أم لا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
النَّيْروز: كلمة فارسيهَ معَربة، وأصلها في الفارسية "نوروز" ومعناها: اليوم الجديد.
وهو عيد من أعياد الفرس، ويُعد أعْظم أعيادهم، ويقال: إنّ أول من اتخذه "جمشيد" أحد ملوك الفرس الأُول، ويقال فيهْ "جمشاد ".
والنيروز: أول أيام السنة الفارسية، ويستمر خمسة أيام بعده.
ويحتفل أقباط مصر بالنيروز، وهو أول سنتهم، وهو المعروف بعيد شم النسيم.
قال الذهبي ﵀ في رسالة "تشبه الخسيس بأهل الخميس"ص ٤٦: " فأما النيروز، فإن أهل مصر يبالغون في عمله، ويحتفلون به، وهو أول يوم من سنة القبط، ويتخذون ذلك عيداً، يتشبه بهم المسلمون " انتهى نقلا عن "مجلة الجامعة الإسلامية" عدد ١٠٣- ١٠٤.
ثانيا:
ليس للمسلمين عيد يحتفلون به إلا عيد الفطر وعيد الأضحى، وما سوى ذلك فهو أعيادة محدثة، لا يجوز الاحتفال بها.
وقد روى أبو داود (١١٣٤) والنسائي (١٥٥٦) عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَقَالَ: مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟ قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الْأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٠٢١) .
ويدخل في الأعياد المحدثة: عيد النيروز، وعيد الأم، وعيد الميلاد، وعيد الاستقلال، وما شابه ذلك، وإذا كان العيد في الأصل عيدا للكفار كعيد النيروز كان الأمر أشد وأعظم.
وعيد النيروز عيد جاهلي، كان يحتفل به الفرس قبل الإسلام، ويحتفل به النصارى أيضا، فيتأكد المنع من الاحتفال به لما في ذلك من المشابهة لهم.
قال الذهبي ﵀ في رسالة "التمسك بالسنن والتحذير من البدع":
" أما مشابهة الذِّمة في الميلاد، والخميس، والنيروز، فبدعة وحشة.
فإن فَعلها المسلم تديُّناً فجاهل، يزجر وُيعَلَّم، وإن فعلها حُبّاً [لأهل الذِّمة] وابتهاجاً بأعيادهم فمذموم أيضاً، وإنْ فعلها عادةً ولعباً، وإرضاءً لعياله، وجبراً لأطفاله فهذا محل نظر، وإنما الأعمال بالنيَّات، والجاهل يُعذر ويبين له برفق، والله أعلم " انتهى نقلا عن "مجلة الجامعة الإسلامية" عدد ١٠٣، ١٠٤.
والخميس: عيد من أعياد النصارى، ويسمونه الخميس الكبير.
وفي "الموسوعة الفقهية" (١٢/٧) : التشبه بالكفار في أعيادهم: لا يجوز التشبه بالكفار في أعيادهم , لما ورد في الحديث: (من تشبه بقوم فهو منهم) , ومعنى ذلك تنفير المسلمين عن موافقة الكفار في كل ما اختصوا به ...
وروي عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: من مر ببلاد الأعاجم فصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك , حشر معهم يوم القيامة. ولأن الأعياد من جملة الشرع والمناهج والمناسك التي قال الله : (لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه) كالقبلة والصلاة والصيام، فلا فرق بين مشاركتهم في العيد وبين مشاركتهم في سائر المناهج , فإن الموافقة في جميع العيد موافقة في الكفر , والموافقة في بعض فروعه موافقة في بعض شعب الكفر , بل الأعياد من أخص ما تتميز به الشرائع ومن أظهر ما لها من الشعائر , فالموافقة فيها موافقة في أخص شرائع الكفر وأظهر شعائره.
قال قاضي خان: رجل اشترى يوم النيروز شيئا لم يشتره في غير ذلك اليوم: إن أراد به تعظيم ذلك اليوم كما يعظمه الكفرة يكون كفرا , وإن فعل ذلك لأجل السرف والتنعم لا لتعظيم اليوم لا يكون كفرا. وإن أهدى يوم النيروز إلى إنسان شيئا ولم يرد به تعظيم اليوم , إنما فعل ذلك على عادة الناس لا يكون كفرا. وينبغي أن لا يفعل في هذا اليوم ما لا يفعله قبل ذلك اليوم ولا بعده , وأن يحترز عن التشبه بالكفرة.
وكره ابن القاسم (من المالكية) للمسلم أن يهدي إلى النصراني في عيده مكافأة , ورآه من تعظيم عيده وعونا له على كفره.
وكما لا يجوز التشبه بالكفار في الأعياد لا يعان المسلم المتشبه بهم في ذلك بل ينهى عن ذلك , فمن صنع دعوة مخالفة للعادة في أعيادهم لم تجب دعوته , ومن أهدى من المسلمين هدية في هذه الأعياد , مخالفة للعادة في سائر الأوقات غير هذا العيد لم تقبل هديته , خصوصا إن كانت الهدية مما يستعان بها على التشبه بهم , مثل إهداء الشمع ونحوه في عيد الميلاد.
وتجب عقوبة من يتشبه بالكفار في أعيادهم " انتهى.
وقال الشيخ ابن جبرين حفظه الله: " لا يجوز الاحتفال بالأعياد المبتدعة كعيد الميلاد للنصارى، وعيد النيروز والمهرجان، وكذا ما أحدثه المسلمون كالميلاد في ربيع الأول، وعيد الإسراء في رجب ونحو ذلك، ولا يجوز الأكل من ذلك الطعام الذي عده النصارى أو المشركون في موسم أعيادهم، ولا تجوز إجابة دعوتهم عند الاحتفال بتلك الأعياد، وذلك لأن إجابتهم تشجيع لهم، وإقرار لهم على تلك البدع، ويكون هذا سبباً في انخداع الجهلة بذلك، واعتقادهم أنه لا بأس به، والله أعلم " انتهى من كتاب "اللؤلؤ المكين من فتاوى ابن جبرين" ص ٢٧.
والحاصل: أنه لا يجوز للمسلمين الاحتفال بعيد النيروز، ولا تخصيصه باحتفال أو طعام أو هدايا.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1007
حكم حضور الاحتفالات بعيد الفصح
[السُّؤَالُ]
ـ[أود معرفة ما إذا كان يحرم الذهاب لعرض سيدنى الملكي الخاص بعيد الفصح فبالرغم من تسميته بعرض عيد الفصح فإنه ليس له علاقة بعيد الفصح وأنا أود الذهاب لمشاهدة عروض الحيل والفواكه والحيوانات وجميع تلك العروض ليس لها دخل بعيد الفصح.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يجوز للمسلم المشاركة في أعياد الكفار واحتفالاتهم المبتدعة، كعيد الفصح والكريسمس وغيرهما، لما في المشاركة والحضور من الإعانة على هذا المنكر، والتكثير لأهله، والتشبه بهم، وكل ذلك ممنوع، قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) المائدة/٢.
وقال النبي ﷺ : (من تشبّه بقوم فهو منهم) رواه أبو داود (٤٠٣١) وصححه الألباني في "إرواء الغليل" (٥/١٠٩) .
قال ابن القيم ﵀: ولا يجوز للمسلمين حضور أعياد المشركين باتفاق أهل العلم الذين هم أهله. وقد صرح به الفقهاء من أتباع المذاهب الأربعة في كتبهم. . . وروى البيهقي بإسناد صحيح عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: (لا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم فإن السخطة تنزل عليهم) . وقال عمر أيضاً: (اجتنبوا أعداء الله في أعيادهم) . وروى البيهقي بإسناد جيد عن عبد الله بن عمرو أنه قال: (من مَرَّ ببلاد الأعاجم فصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة) انتهى من "أحكام أهل الذمة" (١ /٧٢٣) .
وسئلت اللجنة الدائمة للإفتاء عن الاحتفالات الوطنية الأرجنتينية والتي تقام في كنائسهم كعيد الاستقلال - والاحتفالات النصرانية العربية كعيد الفصح -
فأجابت: " لا تجوز إقامتها من المسلمين ولا حضورها ولا المشاركة فيها مع النصارى؛ لما في ذلك من الإعانة على الإثم والعدوان، وقد نهى الله عن ذلك.
وبالله التوفيق " انتهى من "فتاوى اللجنة الدائمة" (٢/٧٦) .
والحاصل: أن أعياد الكفار لا يجوز الاحتفال بها، ولا مشاركة أهلها، سواء مارسوا فيها شيئا من دينهم، أم اكتفوا باللهو واللعب؛ لأن نفس الاحتفال بدعة محرمة، وإن كان حضور طقوسهم الدينية أشد تحريما.
وعلى المسلم أن يقضي هذا اليوم كغيره من الأيام، لا يخصه بطعام ولا شراب، ولا غيره من مظاهر السرور، التي يفعلها المحتفلون بهذا العيد، كالخروج للحدائق والمتنزهات والألعاب وما شابه ذلك؛ ليبرأ من إثم الإقرار والمشاركة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1008
الاحتفال ببلوغ الفتاة سن المراهقة
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا شابة مسلمة وكنت أتساءل عما إذا كان هناك ضير فى إقامة إحتفال ستة عشر الجميل لفتاتك الصغيرة. واحتفال ستة عشر الجميل هو احتفال كبير تقيمه من أجل فتاتك عندما يصل عمرها ستة عشر عاما أى عندما تصبح مراهقة. برجاء الرد على هذا التساؤل.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يشرع الاحتفال بهذه المناسبة وهي بلوغ الفتاة ست عشرة سنة؛ لما فيه من التشبه بالكفار الذين وضعوا هذه الاحتفالات وانشغلوا بها، وقد قال النبي ﷺ : (مَنْ تشبَّهَ بقوْمٍ فهُو مِنهُم) رواه أبو داود (٣٥١٢) وصححه الألباني.
وهذا السنّ لا يمثل شيئا في ديننا، فإن الفتاة تبلغ وتصير مكلفة بعلامات ليس منها بلوغها ست عشرة سنة.
فعلامات البلوغ: إما الحيض، أو الاحتلام، أو نبات الشعر الخشن حول العانة، أو بلوغ خمس عشرة سنة.
ولم يشرع النبي ﷺ للذكر أو للأنثى الاحتفال ببلوغه أو دخوله في سن معين، لا سن البلوغ، ولا سن الشباب، ولا غير ذلك.
وبعض الناس اليوم يحتفل بمرور سنة على ولادة الطفل، ثم يحتفل به إذا مشى، وإذا تكلم، وكل هذا لا أصل له في الإسلام، بل هو من العادات المأخوذة عن غير المسلمين.
فالواجب الحذر من مشابهة الكفار، والحفاظ على الهوية الإسلامية، والبعد عن التقليد الأعمى.
على أنه لا مانع، عند بلوغ الطفل بالعلامات الشرعية المعتبرة، من تنبيهه إلى أهمية ذلك في حياته بصفة عامة، وإلى أن أمر آخرته مرتبط ببلوغه ذلك أشد الارتباط؛ فقد صار مسئولا عن تصرفاته، محاسبا على أقواله وأعماله: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ) (الزلزلة ٨-٩)
وفق الله الجميع لما يحب ويرضى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1009
هل يجوز دخول الكنائس لأجل الدعوة، أو لأجل الفرجة
[السُّؤَالُ]
ـ[توجد هنا كنائس كثيرة، فهل يجوز الدخول فيها ومناقشة القساوسة الذين فيها؟ هل يجوز دخولها للنظر فيها ومعرفة ما يفعل هؤلاء؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
يجوز دخول الكنائس لأهل العلم لدعوة أهلها إلى الإسلام، أما دخولها لأجل الفرجة فقط فلا ينبغي؛ لأنه لا فائدة من ورائه، ولأنه يُخشى على المسلم أن يتأثر بهم، لا سيما إذا كان جاهلاً بأمور دينه، ولا يستطيع رد الشبهة التي يوجهونها إليه.
[الْمَصْدَرُ]
من فتاوى اللجنة الدائمة ١٣/٢٥٧.
стр. 1010
الرد على من قال إن صوم يوم عرفة ليس من السنة
[السُّؤَالُ]
ـ[عندنا شيخ يقول: إن صيام يوم عرفة ليس بسنة، ولا يجوز صيامه، أرجو الرد من سماحتكم على هذا السؤال، لأن هذا الشيخ يوزع منشورات تنهي عن صيام يوم عرفة. أرجو الرد من سماحتكم]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
صوم يوم عرفة سنة مؤكدة لغير الحاج، فقد ورد عن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل عن صوم يوم عرفة فقال: (يكفر السنة الماضية والباقية) رواه مسلم (١١٦٢) وفي رواية له: (أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده) .
قال النووي ﵀ في "المجموع" (٦/٤٢٨) ـ من كتب الشافعية ـ:
" أما حكم المسألة فقال الشافعي والأصحاب: يستحب صوم يوم عرفة لغير من هو بعرفة.
وأما الحاج الحاضر في عرفة فقال الشافعي في المختصر والأصحاب: يستحب له فطره لحديث أم الفضل. وقال جماعة من أصحابنا: يكره له صومه , وممن صرح بكراهته الدارمي والبندنيجي والمحاملي في المجموع والمصنف في التنبيه وآخرون " انتهى.
وقال ابن قدامة ﵀ في المغني (٤/٤٤٣) ـ من كتب الحنابلة ـ:
" وهو يوم شريف عظيم، وعيد كريم، وفضله كبير، وقد صح عن النبي ﷺ أن صيامه يكفر سنتين." انتهى.
وقال ابن مفلح ﵀ في الفروع (٣/١٠٨) ـ من كتب الحنابلة أيضا ـ:
" ويستحب صوم عشر ذي الحجة، وآكده التاسع، وهو يوم عرفة، إجماعا. " انتهى.
وقال الكاساني ﵀ في بدائع الصنائع (٢/٧٦) ـ من كتب الأحناف ـ:
" وَأَمَّا صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ: فَفِي حَقِّ غَيْرِ الْحَاجِّ مُسْتَحَبٌّ، لِكَثْرَةِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِالنَّدْبِ إلَى صَوْمِهِ، وَلِأَنَّ لَهُ فَضِيلَةً عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْأَيَّامِ، وَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الْحَاجِّ إنْ كَانَ لَا يُضْعِفُهُ عَنْ الْوُقُوفِ، وَالدُّعَاءِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْقُرْبَتَيْنِ وَإِنْ كَانَ يُضْعِفُهُ عَنْ ذَلِكَ يُكْرَهُ لِأَنَّ فَضِيلَةَ صَوْمِ هَذَا الْيَوْمِ مِمَّا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهَا فِي غَيْرِ هَذِهِ السَّنَةِ، وَيُسْتَدْرَكُ عَادَةً، فَأَمَّا فَضِيلَةُ الْوُقُوفِ، وَالدُّعَاءِ فِيهِ لَا يُسْتَدْرَكُ فِي حَقِّ عَامَّةِ النَّاسِ عَادَةً إلَّا فِي الْعُمُرِ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَكَانَ إحْرَازُهَا أَوْلَى ".
وفي شرح مختصر خليل، للخرشي (٦/٤٨٨) ـ من كتب المالكية ـ "
" وَصَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ إنْ لَمْ يَحُجَّ وَعَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ (ش) يُرِيدُ أَنَّ صَوْمَ يَوْمِ عَرَفَةَ مُسْتَحَبٌّ فِي حَقِّ غَيْرِ الْحَاجِّ، وَأَمَّا هُوَ فَيُسْتَحَبُّ فِطْرُهُ لِيَتَقَوَّى عَلَى الدُّعَاءِ وَقَدْ ﴿أَفْطَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَجِّ﴾ " انتهى.
وفي حاشية الدسوقي (٥/٨٠) :
"ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ وَنُدِبَ صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ إلَخْ الْمُرَادُ تَأَكُّدُ النَّدْبِ وَإِلَّا فَالصَّوْمُ مُطْلَقًا مَنْدُوبٌ ".
وسئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: " ما حكم صيام يوم عرفة لغير الحاج والحاج؟
فأجاب: صيام يوم عرفة لغير الحاج سنة مؤكدة، فقد سئل رسول الله ﷺ عن صوم يوم عرفة فقال: (أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده) وفي رواية: (يكفر السنة الماضية والباقية) .
وأما الحاج فإنه لا يسن له صوم يوم عرفة، لأن النبي ﷺ كان مفطراً يوم عرفة في حجة الوداع، ففي صحيح البخاري عن ميمونة ﵂ أن الناس شكوا في صيام النبي ﷺ يوم عرفة فأرسلت إليه بحلاب وهو واقف في الموقف فشرب منه والناس ينظرون " انتهى
"مجموع فتاوى ابن عثيمين" ج ٢٠ سؤال رقم ٤٠٤
فصيام عرفة للحاج مكروه، لا يستحب، فإن كان هذا مقصود المتكلم، فقد أصاب، وأما إن كان مراده عدم مشروعية صيام يوم عرفة لغير الحاج، فهذا خطأ بين مخالف لما دلت عليه السنة الصحيحة كما سبق.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1011
تريد السفر إلى كندا لإكمال دراستها
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا شاب ولي خمسة إخوان ذكور ولي أخت تريد إكمال دراستها في كندا وإنني رافض هذه الفكرة وإخواني يريدون أن تذهب أختي بمفردها فأنا رفضت بشدة وقالوا لي إن كنت تقصد المحرم فاذهب أنت معها وإنني الآن في حيرة من أمري هل أذهب معها أم ماذا؟ وإن لم أذهب تركوها تذهب بمفردها علما أنني حاولت إقناع أختي فرفضت وقالت لي أريدك أن تذهب معي أفيدوني جزاكم الله كل خير.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
سفر المرأة بلا محرم، لا يجوز، سواء كان للدراسة أو لغيرها. وقد سبق بيان هذا في جواب السؤال رقم (٨٢٣٩٢)
ثانيا:
الإقامة في بلاد الغرب، الأصل فيها المنع، ولا تباح إلا في حالات ضيقة. وإذا كانت المقيمة والدارسة امرأة، فالأمر أشد. وراجع في ذلك جواب السؤال رقم (٢٩٥٦)
قال الشيخ ابن باز ﵀ في رسالة وجهها لمسلم يقيم في إيطاليا: " فإشارة إلى رسالتك التي تذكر فيها أنك شاب مسلم تقيم في إيطاليا , وأن بها شبابا من المسلمين كثيرين , وأن أغلبهم استجاب لرغبة الصليبيين في إبعادهم عن دين الإسلام وتعاليمه السامية , فأصبح أغلبهم لا يصلي , وتخلق بأخلاق سيئة , ويعمل المنكرات ويستبيحها. . إلى غير ذلك مما ذكرته في رسالتك.
وأفيدك بأن الإقامة في بلد يظهر فيها الشرك والكفر , ودين النصارى وغيرهم من الكفرة لا تجوز , سواء كانت الإقامة بينهم للعمل أو للتجارة أو للدراسة , أو غير ذلك ; لقول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا) .
ولقول النبي ﷺ : (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين) .
وهذه الإقامة لا تصدر عن قلب عرف حقيقة الإسلام والإيمان , وعرف ما يجب من حق الله في الإسلام على المسلمين , ورضي بالله ربا , وبالإسلام دينا , وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا.
فإن الرضا بذلك يتضمن من محبة الله , وإيثار مرضاته , والغيرة لدينه , والانحياز إلى أوليائه ما يوجب البراءة التامة والتباعد كل التباعد من الكفرة وبلادهم , بل نفس الإيمان المطلق في الكتاب والسنة , لا يجتمع مع هذه المنكرات , وصح عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ أنه قال: يا رسول الله بايعني واشترط، فقال رسول الله ﷺ : (تعبد الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتناصح المسلمين وتفارق المشركين) أخرجه أبو عبد الرحمن النسائي، وصح عن رسول الله ﷺ الحديث السابق , وهو قوله ﵊: (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين) وقال ﵊: (لا يقبل الله من مشرك عملا بعد ما أسلم; أو يفارق المشركين) والمعنى حتى يفارق المشركين.
وقد صرح أهل العلم بالنهي عن ذلك , والتحذير منه , ووجوب الهجرة مع القدرة , اللهم إلا رجل عنده علم وبصيرة , فيذهب إلى هناك للدعوة إلى الله , وإخراج الناس من الظلمات إلى النور , وشرح محاسن الإسلام لهم , وقد دلت آية سورة براءة: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) على أن قصد أحد الأغراض الدنيوية ليس بعذر شرعي , بل فاعله فاسق متوعد بعدم الهداية إذا كانت هذه الأمور أو بعضها أحب إليه من الله ورسوله , ومن الجهاد في سبيل الله. وأي خير يبقى مع مشاهدة الشرك وغيره من المنكرات والسكوت عليها , بل وفعلها , كما حصل ذلك من بعض من ذكرت من المنتسبين للإسلام.
وإن زعم المقيم من المسلمين بينهم أن له أغراضا من الأغراض الدنيوية , كالدراسة , أو التجارة , أو التكسب , فذلك لا يزيده إلا مقتا.
وقد جاء في كتاب الله الوعيد الشديد والتهديد الأكيد على مجرد ترك الهجرة , كما في آيات سورة النساء المتقدم ذكرها , وهي قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ) الآيات وما بعدها. فكيف بمن يسافر إلى بلاد الكفرة , ويرضى الإقامة في بلادهم , وكما سبق أن ذكرت أن العلماء رحمهم الله تعالى حرموا الإقامة والقدوم إلى بلاد يعجز فيها المسلم عن إظهار دينه , والمقيم للدراسة أو للتجارة أو للتكسب , والمستوطن ,
حكمهم وما يقال فيهم حكم المستوطن لا فرق , إذا كانوا لا يستطيعون إظهار دينهم , وهم يقدرون على الهجرة.
وأما دعوى بغضهم وكراهتهم مع الإقامة في ديارهم فذلك لا يكفي , وإنما حرم السفر والإقامة فيها لوجوه , منها:
١ - أن إظهار الدين على الوجه الذي تبرأ به الذمة متعذر وغير حاصل.
٢ - نصوص العلماء رحمهم الله تعالى , وظاهر كلامهم وصريح إشاراتهم أن من لم يعرف دينه بأدلته وبراهينه , ويستطيع المدافعة عنه , ويدفع شبه الكافرين , لا يباح له السفر إليهم.
٣ - من شروط السفر إلى بلادهم: أمن الفتنة بقهرهم وسلطانهم وشبهاتهم وزخرفتهم , وأمن التشبه بهم والتأثر بفعلهم.
٤ - أن سد الذرائع وقطع الوسائل الموصلة إلى الشرك من أكبر أصول الدين وقواعده; ولا شك أن ما ذكرته في رسالتك مما يصدر عن الشباب المسلمين الذين استوطنوا هذه البلاد هو من ثمرات بقائهم في بلاد الكفر , والواجب عليهم الثبات على دينهم والعمل به , وإظهاره , واتباع أوامره , والبعد عن نواهيه , والدعوة إليه , حتى يستطيعوا الهجرة من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام.
والله المسئول أن يصلح أحوالكم جميعا , وأن يمنحكم الفقه في دينه والثبات عليه , وأن يعينكم على الهجرة من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام , وأن يوفقنا وإياكم وجميع المسلمين لكل ما يحبه ويرضاه , وأن يعيذنا وإياكم وسائر المسلمين من مضلات الفتن ومن نزغات الشيطان , وأن يعيننا جميعا على كل خير , وأن ينصر دينه , ويعلي كلمته , وأن يصلح ولاة أمور المسلمين ويمنحهم الفقه في دينه , وأن يوفقهم لتحكيم شريعة الله في بلادهم , والتحاكم إليها , والرضا بها , والحذر مما يخالفها , إنه ولي ذلك والقادر عليه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته " انتهى من "مجموع فتاوى الشيخ ابن باز" (٩/٤٠٣) .
وبهذا يتبين أنه ليس لك ولا لأختك السفر إلى هذه البلاد، والواجب عليك أن تنصحها وتنصح والدك بمنعها من هذا السفر، فإن حفظ الدين مقدم على المال والجاه والشهادة وغيرها.
نسأل الله لك التوفيق والثبات.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1012
هل يضع في شركته هدايا تعبيرا عن عيد الميلاد
[السُّؤَالُ]
ـ[أعمل في دولة غير مسلمة ولى شركة يعمل بها أناس غير مسلمين فهل يحق لي أن أشترى بعض الهدايا لأضعها في الشركة تعبيرا عن عيد الميلاد ومشاركة منى لهم أم أن هذا حرام؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يجوز المشاركة في أعياد الميلاد، بتقديم الهدايا، أو تعطيل الأعمال، أو وضع الزينات ونحو ذلك، كما لا يجوز التهنئة بهذه الأعياد، لأنها أعياد مبتدعة محرمة، ومرتبطة بعقائد فاسدة، مع ما في الاحتفال بها من المشابهة للنصارى، وذلك محرم تحريما شديدا؛ لقوله ﷺ : (من تشبه بقوم فهو منهم) رواه أبو داود (٤٠٣١) وصححه الألباني في " إرواء الغليل " (٥/١٠٩) .
وراجع السؤال رقم (٩٤٧) ورقم (١٢٨٦٦)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1013
والدها يريد الإقامة معها وهي وزوجها يريدان الهجرة من بلاد الكفر
[السُّؤَالُ]
ـ[يتعلق سؤالي بكوني اضطررت للسفر لبلد غير مسلم بسبب زواجى من رجل كان يعيش ويعمل هناك، حدث ذلك منذ فترة من الزمن، ولكن يريد كلٌّ منَّا الآن الرحيل والذهاب إلى بلد مسلم، في الوقت الذي تقدم فيه أبي بطلب للمجيء إلى هنا حتى يكون قريباً مني، فهو يبلغ من العمر ٧٠ عاماً، وليست لديه زوجة ترعاه، والآن فإن والدي يرجوني ألا أتركه وحيداً؛ لأنه تقدم في العمر للحد الذي لا يمكنه فيه الاعتناء بنفسه، وحتى لو حصل زوجي على وظيفة فى بلد مسلم فإننا لانستطيع أن نصطحب معنا والدي بسبب مشاكل فى الحصول على تأشيرة، رجاء قدموا لي يد العون.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قد أحسنتما في التخلص من الإقامة في بلاد الكفر، فلا يجوز للمسلم أن يقيم في تلك الديار ويستقر بينهم؛ لقول النبي ﷺ : (أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُر المُشْرِكِينَ) رواه أبو داود (٢٦٤٥) وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ".
وقد ذكرنا في جواب السؤال رقم (٢٧٢١١) تحريم الإقامة في بلاد الكفر ووجوب الهجرة إلى بلاد المسلمين، فلينظر.
وبخصوص والدك: فيجب عليكِ إبلاغه بهذا الحكم، وعدم التنازل عن ترك البلد من أجله، وذهابه معكم إلى بلدٍ مسلم هو الأليق به، وهو واجب عليكِ أن تسعي فيه، ولا نظن أنه أمرٌ يستحيل حدوثه، فرجل في مثل سنِّه نظن أنه من السهل الحصول على تأشيرة له، وبخاصة أنه والدك، فدرجة القرابة القوية بينكما تؤهله في كل البلدان – في الغالب - للحصول على تأشيرة.
وإذا فُرض أنه صعُب ذلك عليكِ، أو أن الأمر سيتأخر بعض الوقت: فالذي ننصح به هو بقاؤه مع أسرة مستقيمة، أو مع أشخاص موثوقين لحين الحصول على تأشيرة ليلتحق بكم
وإذا لم يتيسر هذا الأمر: فيمكنكِ التأخر من أجله زمناً يسيراً لحين الحصول على تأشيرة، فيسافر معك للبلد المسلم، ويكون زوجك قد سبقك وهيأ لكما أمور السكن والإقامة.
وأخيراً: إذا لم يتيسر أمر تأشيرته، وليس له مكان يقيم فيه في بلده، ولم يوجد إلا أنتِ ترعينه وتقومين على خدمته: فالذي نراه هو اختيار تأخير خروجك من بلد الكفر حتى ييسر الله أمره، ولعلَّ احتسابك هذا الأمر لله تعالى أن ييسر الله لك أمرك، ويفرج عنك كربك، فاقنعي زوجك بتأخير الخروج من أجل والدك، ولعله أن يأخذ سنَّه في الحسبان، وأن يحتسب أمره عند الله تعالى.
وننبه الزوجة إلى أن اختيارها التأخر، أو إلغاء الخروج من أجل والدها لا يكون دون موافقة زوجها، فزوجها له عليها طاعة، فإذا أمرها بالخروج معه، وعدم الانتظار، أو عدم الإلغاء: فليس لها أن تخالفه، وطاعته تقدَّم على طاعة والديها، لذا فليكن الأمر بينها وبين زوجها بالتفاهم والإقناع، فلعلَّه أن يرضى بحلٍّ تبر فيه والدها حتى يقضي الله أمر والدها.
وهذا كله على فرض أنه لا يوجد لوالدك أبناء آخرين يقومون بشأنه غيرك، كما هو ظاهر من سؤالك؛ وإلا لو كان له أحد سواك، ولو أخ أو أخت له، لكان ذلك أعون على تخطي المشكلة، ولو إلى أن يتم لك ولزوجك الاستقرار في مكان يمكنكما اصطحابه إليه.
والله الموفق
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1014
أمه نصرانية وأبوه مسلم سيء فهل يهاجر من بلده دون إذنهما ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أمي مسيحية، وأبي مسلم سيئ، وأريد - إن شاء الله - أن أهاجر - فقط – إن شاء الله ـ لبلد مسلم، فهل من الجائز، أو من الواجب عليَّ تركهما حتى أقوم بواجباتى تجاه الله؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
كل من يعيش في بلاد لا يستطيع فيها القيام بشعائر الإسلام، وبما أوجبه الله عليه: فلا يحل له البقاء فيها، مع توفر بلاد أخرى يستطيع فيها القيام بذلك، ويتحتم ذلك إن كان البدل الذي يعيش فيه من بلاد الكفر، ورأس مال المسلم هو دينه، فيجب الحفاظ عليه، وعدم التفريط فيه، وإذا اختار البقاء في البلاد التي لا يستطيع إظهار دينه والقيام بما أوجبه الله عليه، مع استطاعته الخروج منها إلى بلاد المسلمين: فهو آثم على بقائه، وعلى تفريطه في الواجبات الشرعية، ولن يكون من المعذورين يوم الحساب فيما فرط فيه من دينه.
قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً) النساء/٩٧.
قال القرطبي – ﵀:
والمراد بقوله (ألم تكن أرض الله واسعة) : المدينة، أي: ألم تكونوا متمكنين قادرين على الهجرة والتباعد ممن كان يستضعفكم؟ وفي هذه الآية دليل على هجران الأرض التي يُعمل فيها بالمعاصي.
" تفسير القرطبي " (٥ / ٣٤٦) .
وقال ابن كثير – ﵀:
وقال الضحاك: نزلت في ناس من المنافقين، تخلفوا عن رسول الله ﷺ بمكة، وخرجوا مع المشركين يوم بدر، فأصيبوا فيمن أصيب، فنزلت هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنا من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه مرتكب حراماً بالإجماع، وبنص هذه الآية، حيث يقول تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ) أي: بترك الهجرة، (قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ) أي: لم مكثتم هاهنا وتركتم الهجرة؟ (قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ) أي: لا نقدر على الخروج من البلد، ولا الذهاب في الأرض (قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً [فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً) .
" تفسير ابن كثير " (٢ / ٣٨٩) .
وقال علماء اللجنة الدائمة:
إذا كنتَ تستطيع الانتقال إلى بلاد المسلمين: فإنه يجب عليك ذلك؛ فراراً بدينك؛ لأن الله سبحانه قد أوجب على المسلم الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، وتوعد من لم يفعل ذلك، وهو قادر عليه، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) النساء/٩٧.
وأما إذا كنت لا تستطيع الهجرة: فإنك معذور، بشرط التمسك بدين الإسلام، والثبات عليه؛ لقوله تعالى بعد الآية السابقة: (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا. فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً) النساء/ ٩٨، ٩٩.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٢ / ٥٧، ٥٨) .
وقالوا – أيضاً -:
لا تجوز الإقامة في بلد يحال فيه بين المسلم وإظهاره شعائر الإسلام وإعلانها، فعلى من يستطيع الهجرة أن يهاجر منه إلى بلد يتمكن فيها من إقامة شعائر دين الإسلام وإعلانها، ويتم له التعاون مع المسلمين على البر والتقوى، ويكثر به سواد المسلمين، وسوف لا يعدم رزقاً؛ فإنه من يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدراً، ومن بقي في تلك الأماكن وأمثالها مما فيه حجر على المسلمين في إعلان شعائر دينه، بعد قدرته على الهجرة منه: فهو آثم، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) النساء/٩٧.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٢ / ٥٤، ٥٥) .
ومن هاجر في سبيل الله تعالى فراراً من الفتن، وإقامة لشعائر الدين: فإن الله قد وعده بالهداية والتوفيق والرزق.
قال تعالى: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) النساء/١٠٠.
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) الأنفال/٧٤.
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) النحل/٤١.
وقال تعالى: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) النحل/١١٠.
وانظر جواب السؤال رقم: (٣٢٢٥) ففيه بيان المواصفات الواجب توافرها في البلاد المهاجر إليها.
ثانياً:
بالنسبة لوالديك: فإنه إن كان وجودك عندهما يمنعك من إقامة شعائر دينك، والقيام بما أوجبه الله تعالى عليك: فإنه لا يجب عليه الاستئذان منهما، وبخاصة أن والدتك كافرة، ووالدك إن كان لا يصلي ـ البتة ـ فهو يلحق بها في الحكم؛ لأنه يكون بتركه للصلاة مرتداً، وقد نصَّ العلماء أن الذي يُستأذن هما الأبوان المسلمان، وحتى لو كانا مسلميْن: فإنه لا ينبغي اختيار البقاء معهما على حساب القيام بالواجبات الشرعية؛ لأن الهجرة تصير في حقك واجبة.
عَن عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: أَقْبَلَ رَجُلٌ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ أَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنْ اللَّهِ، قَالَ: فَهَلْ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ، بَلْ كِلَاهُمَا، قَالَ: فَتَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنْ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا.
رواه البخاري (١٦٧١) ومسلم (٢٥٤٩) .
قال الخطابي – ﵀:
إن كان الخارج فيه متطوعاً: فإن ذلك لا يجوز إلا بإذن الوالدين، فأما إذا تعيَّن عليه فرض الجهاد: فلا حاجة إلى إذنهما، هذا إذا كانا مسلميْن، فإن كانا كافريْن: يخرج بدون إذنهما، فرضاً كان الجهاد، أو تطوعا.
انظر " عون المعبود " (٥ / ٤٢٤) .
وفي " دليل الفالحين لطرُق رياض الصالحين " (٢ / ٤٦٣) لمحمد بن علان الصديقي – ﵀:
أسقط الشارع عنه وجوب الهجرة تقديماً لحق أبويه، فإن الهجرة إن كانت واجبة عليه: فقد عارضها ما هو أوجب منها، وهو حق الوالدين، وإن لم تكن واجبة: فالواجب أولى، لكن هذا إنما يصح ممن يسلم له دينه في موضعهما، أما لو خاف على دينه: وجب عليه الفرار به، وترك آبائه، وأبنائه، كما فعل المهاجرون الذين هم صفوة الله من العباد.
انتهى.
ولا ننسى في النهاية أن نذكرك بدعوة والديك للحق، فهما أحوج ما يكون لذلك؛ إنقاذاً لهما من الكفر والإثم، وعليك سلوك الطرق الحكيمة في دعوتهما، وبما أنك تحتاج للهجرة من أجل دينك، ولا يظهر أن والديك يحتاجانك، وهما على ما هما عليه من الكفر والضلال: فلا تتحرج من الهجرة لبلاد تنقذ بها نفسك، مع ضرورة التنبه لدعوة أهلك، والإحسان إليهم، وحتى لو سافرت وهاجرت فلا تقطع الصلة بهما، وداوم على دعوتهما، فلعل الله أن ينقذهما بك.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1015
هل تجالس مسلمة لا تصلي وتأكل معها
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز للمسلمة أن تجالس وتسامر مسلمة لا تصلي إطلاقاً في مناسبات إسلامية أو حفل زواج تمت دعوتها إليه؟
هل يجوز أن نأكل ونشرب من نفس الكأس أو الطبق الذي استعملته؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
من كان تاركا للصلاة بالكلية فهو كافر وليس بمسلم كما بسط ذلك في إجابة السؤال رقم (٥٢٠٨) .
وعليه فهذه المرأة المذكورة في السؤال ليست بمسلمة , وعليه فالواجب هجرها وعدم مجالستها , إلا إذا كان ذلك لأجل حثها على التوبة والإنابة إلى الله بأداء الصلوات والمحافظة عليها.
وفي فتوى للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: (من ترك الصلاة متعمدا جاحدا لوجوبها فهو كافر باتفاق العلماء , وإن تركها تهاونا وكسلا فهو كافر على الصحيح من أقوال أهل العلم , وبناء على ذلك لا تجوز مجالسة هؤلاء بل يجب هجرهم ومقاطعتهم وذلك بعد البيان لهم أن تركها كفر إذا كان مثلهم يجهل ذلك , وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر ". وهذا يعم الجاحد لوجوبها والتارك لها كسلا , وبالله التوفيق , وصلى الله على نبينا محمد وآله) ا. هـ
من " فتاوى إسلامية " للمسند (١/٣٧٣) .
وأما الأكل والشرب من نفس الإناء الذي استعملته فحكمه حكم أواني الكفار , وأواني الكفار يجوز للمسلم استعمالها إذا علم أنهم لا يضعون فيها شيئا من المحرمات كالخمر والخنزير , فقد ثبت في الصحيحين البخاري برقم (٣٤٤) ، ومسلم برقم (٦٨٢) من حديث عمران بن حصين أن النبي ﷺ وأصحابه استعملوا ماء من مزادة امرأة مشركة.
وأما إذا تقين أو غلب على ظنه استخدامهم لها في شيء من المحرمات فالواجب عليه أن يغسلها قبل استعمالها , لما ثبت في الصحيحين البخاري (٥٤٩٦) ، ومسلم (١٩٣٠) من حديث أبي ثعلبة الخشني قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله , إنا بأرض قوم من أهل الكتاب , نأكل في آنيتهم؟ .... إلى أن قال: فقال النبي ﷺ : " أما ما ذكرت أنكم بأرض قوم من أهل الكتاب , تأكلون في آنيتهم , فإن وجدتم غير آنيتهم فلا تأكلوا فيها , وإن لم تجدوا فاغسلوها ثم كلوا فيها ". واللفظ لمسلم.
للمزيد يراجع فتح الباري لابن حجر: (١/٤٥٣) , والشرح الممتع لابن عثيمين (١/٦٧_٦٩) .
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1016
من مآسي المسلمين في الدول الغربية
[السُّؤَالُ]
ـ[لا يخفى على فضيلتكم انتشار الصحوة الإسلامية المباركة وبالأخص في صفوف الفتيات المسلمات، وحيثُ إننا نعيش في بلد غير إسلامي (أوروبي) لذلك نجد صعوبة في تطبيق أحكام الإسلام، فمِن حينٍ لآخر نجد بعض الصعوبات، فمرة بالاستهزاء بالقرآن، ومرة بإلصاق الإعلانات في الأماكن العامة وقد صوروا عليها فتاة مسلمة وكتبوا تحتها عبارة (هل تريدين غطاء الرأس؟ نحن نظن أنك لا تريدين) ، وآخرها: القرار الصادر من الحكومة بمنع ارتداء النقاب كليّاً، ودفع مبلغ ١٥٠ يورو لمن ترتديه، وفي الآونة الأخيرة أصبح في الأمر صعوبة كبيرة على الأخوات؛ لأن الأمر قد تعدى العقوبة المالية إلى ممارسة بعض التصرفات العنصرية من قبل رجال الشرطة، وذلك مثل الاستهزاء والسخرية، وأحياناً يتم إجبارهن على رفع النقاب أمام الرجال، ولا ننسى الموقف المُشين والصورة الغير لائقة للفتاة المُتنقبة أمام أعين الناس ورجال الشرطة يلتفون من حولها وكأنها ارتكبت جريمة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أما بالنسبة لموقف الأخوات من هذا القرار فبعضهن انهمكت في الاتصال بالمشايخ لعلها تظفر بفتوى تُبيح لها كشف وجهها، وبالفعل وجدن من أفتى لهن بأن في الأمر خلافاً بين العلماء وأنتن في ضرورة ولا بأس بنزعه، والبعض الآخر لازلن محاصرات في بيوتهن ينتظرن رحمة رب العالمين.
فضيلة الشيخ
وحيثُ إنني ولدتُ وقضيتُ كل عمري في هذا البلد لذلك معذرة دعني أصارحك القول أن الإقامة في بلد الكفر تحمل في طياتها أسراراً لا يعلمها إلا من عاشها واقعيّاً.
فضيلة الشيخ
والله الذي لا إله غيره إن المسلمين في بلاد الكفر يعيشون في ذُل ومهانة وضياع لا يعلمه إلا الله وحده، فكم من البيوت انهارت، وكم من الأبناء لا يعرفون من الدين إلا اسمه، بل وصل الأمر إلى بيع بناتنا المسلمات إلى تجار الرقيق وإرسالهن إلى بعض دول أوروبا الشرقية، وذلك ليتم استعمالهن في ممارسة البغاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولقد استمعتُ يوماً من الأيام إلى رئيس قسم الأمراض المعدية - وهو عربي الجنسية - حيثُ صرح بأنه يوجد عدد ٤٠٠٠ أربعة آلاف من الفتيات المسلمات وبأعمار مختلفة يشتغلن في ممارسة الزنا وبأوراق رسمية، وهذا الإحصاء في مدينة واحده فقط!! وللأسف الشديد حتى ممن يوصفون بالتدين وجدوا أنفسهم بين فكي الأسد، فالأموال اختلطت بالربا، والأبناء لا يتكلمون اللغة العربية، وصلاة الجمعة تصلى ظهراً في المصانع الخ! ، ولا أقول هذا عن طريق سماع الأخبار، بل ما نراه بأعيننا، وهذا قليل من كثير، والله إن القلب ليتفطر من شدة ما نسمع ونرى وما وصلنا إلى هذا المستوى الذي نراه اليوم إلا عندما خالفنا شرع ربنا ورضينا بالعيش معهم من أجل دراهم معدودة إلا من رحم الله من الذين لهم العذر في البقاء، وفي المقابل هناك عدد من العائلات اجتهدوا في الهجرة إلى بلاد الإسلام وهم الآن يعيشون في رغد من العيش والله خير الرازقين.
فضيلة الشيخ
جزاك الله خيراً يوم علمتنا أن نكون مُتفائلين لا متشائمين، ولكن هذه هي الحقيقة المرة التي لا مفر منها، وحتى نكون منصفين فالحمد لله الإقبال على الإسلام كثير وبالأخص في صفوف المسلمين الجدد، فالحمد لله على نعمته وفضله.
فضيلة الشيخ
ما نريده من فضيلتكم ولكم الأجر من الله :
١. تقديم النصيحة للفتيات المسلمات بالتمسك بحجابهن، وعدم تعلقهن بالفتاوى الواهية التي تفتح لهن أبواب الشر.
٢. تشجيع الشباب على الهجرة وعدم الركون إلى الدنيا؛ لأن كثيراً منهم - أو أغلبهم - كان سبباً في بقاء زوجته وأبنائه وتعرضهما إلى هذه المصائب، علماً بأن كثيراً من الإخوة لم يهاجروا بعد وذلك بحجة جمع المال الكافي الذي يمكنهم من القيام بمشروع تجاري في البلد الذي سيهاجرون إليه، فكم المبلغ المطلوب جمعه؟ ومتى سيُجمع؟ .
٣. تقديم النصيحة للأخوات اللواتي يُكثرن الخروج من البيت لغير ضرورة، وبالأخص في مثل هذه الظروف الحرجة.
٤. تقديم النصيحة للإخوة الذين يطلبون من زوجاتهم كشف الوجه بالقوة أمام بعض الإدارات بحجة أن الأمر فيه ضرورة، فما هو الحكم الشرعي في طاعة الزوج في هذا الأمر؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا شك أن مآسي المسلمين والمسلمات في كثير من دول الكفر كثيرة، وحالهم في تلك الدول يُفطِّر القلب، ويُدمع العين.
وكلنا نسمع ونقرأ ما يتعرضون له من مضايقات، وبخاصة النساء، وقد بان زيف هذه الدول التي تدَّعي الحضارة والحرية، فراحوا يضيقون على المسلمين في وظائفهم وبيوتهم، وعلى النساء في حجابهن وعملهن، فأطلقوا الحريات في زواج المثليين، والشذوذ الجنسي، وحرية الإساءة للإسلام وأهله، وضيَّقوا على المسلمين في شعائرهم وشرائعهم.
والواجب على كل من قدر على الخروج من تلك الديار أن لا يقصِّر في ذلك، قبل أن يأتي يوم يندم فيه على تفويت الفرصة، ولا يملك حتى نفسه ليخرج بها، وذلك بعد أن يضِيع أولاده في خضم تلك الحضارة الزائفة الخارجة عن كل خلق وفضيلة، فيعيش سنين حياته يعمل ويكد ويجتهد، ثم يسلِّم أولاده للشارع والكنيسة، خسر الدنيا والآخرة.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
الإقامة في بلاد الكفار خطر عظيم على دين المسلم، وأخلاقه، وسلوكه، وآدابه، وقد شاهدنا وغيرنا انحراف كثير ممن أقاموا هناك فرجعوا بغير ما ذهبوا به، رجعوا فُسّاقًا، وبعضهم رجع مرتدًا عن دينه وكافرًا به وبسائر الأديان - والعياذ بالله - حتى صاروا إلى الجحود المطلق والاستهزاء بالدين وأهله السابقين منهم واللاحقين، ولهذا كان ينبغي بل يتعين
التحفظ من ذلك ووضع الشروط التي تمنع من الهويّ في تلك المهالك ... .
وكيف تطيب نفس مؤمن أن يسكن في بلاد كفار تعلن فيها شعائر الكفر ويكون الحكم فيها لغير الله ورسوله، وهو يشاهد ذلك بعينه ويسمعه بأذنيه ويرضى به، بل ينتسب إلى تلك البلاد ويسكن فيها بأهله وأولاده ويطمئن إليها كما يطمئن إلى بلاد المسلمين مع ما في ذلك من الخطر العظيم عليه وعلى أهله وأولاده في دينهم وأخلاقهم؟! انتهى.
وانظر تتمة هذا الكلام للشيخ – ﵀ – في جواب السؤال رقم (٢٧٢١١) ففيه تفصيل مسألة الإقامة في دول الكفر.
ثانياً:
لا يجوز للمرأة المسلمة التنازل عن عفافها وحجابها أمام تلك المغريات الفاسدة الزائلة، ولا يزال شياطين الإنس والجن يزينون للمرأة الانخراط في سلك الغاوين، فمن تبعهم زينوا الدنيا في ناظريه، وأبعدوه عن التفكير في القبر والآخرة ولقاء الله تعالى.
وللأسف أن يساهم بعض مفتي الفضائيات في نزع المرأة حجابها بحجة الدراسة أو العمل، ولا خير في دراسة وعمل يسبب غضب الرب ﵎ وسخطه، وأي متاع دنيوي ستحوزه المرأة بشهادتها أو راتبها، وهي تعلم أنه على حساب ثواب الآخرة ورضا الله تعالى، فلا يرضى بهذا إلا مَنْ زُيِّن له سوء عمله فرآه حسناً.
ولا يجوز للمسلمة أن تكشف عن وجهها فضلاً أن تكشف عن شعرها، ولو بحجة الدراسة أو العمل، وما عند الله خيرٌ وأبقى، ويجب على كل مسلم أن يسارع في الخروج من تلك الظلمات، وعلى العلماء أن يعينوا الأسر المسلمة على دينها وطاعة ربها بدلاً من إعانتهم على تكوين ثرواتهم وعبادة الدرهم والدولار!
قال الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀:
لا يجوز لكِ ولا لغيركِ من النساء السفور في بلاد الكفار، كما لا يجوز ذلك في بلاد المسلمين، بل يجب الحجاب عن الرجال الأجانب سواء كانوا مسلمين أو كفاراً، بل وجوبه عن الكفار أشد؛ لأنه لا إيمان لهم يحجزهم عما حرم الله.
ولا يجوز لكِ ولا لغيركِ طاعة الوالدين ولا غيرهما في فعل ما حرم الله ورسوله، والله سبحانه يقول في كتابه المبين: (وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن) الأحزاب/٥٣.
فبيَّن في هذه الآية الكريمة أن تحجَّب النساء عن الرجال غير المحارم أطهر لقلوب الجميع، وقال سبحانه: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن) إلى أن قال سبحانه: ( ... ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ... ) النور/٣١.
" فتاوى علماء البلد الحرام " (ص ٥٢٩) .
ثالثاً:
ينبغي للأزواج أن يكونوا عوناً لزوجاتهم على العفاف والستر والحياء، ولا يحل لهم أن يأمروهن بخلع حجابهن من أجل الدنيا كدراسة أو عمل، فإن تحتم عليهم ذلك ولم يتيسر لهم إبقاء حجاب نسائهم فيجوز كشف الوجه لتلك الضرورة، كالمطارات والجوازات، على أن يحرصوا أن يكون الناظر لها امرأة.
وأما الذين يريدون من نسائهم خلع حجابهن بالكلية، أو من غير ضرورة: فلا يحل لهم هذا، والواجب عليهم أن يفخروا بانتسابهم لهذا الدين، وأن يفخروا بستر نسائهم وبناتهم، خاصة وأنهم يرون لباس الكافرات من حيث العري والشذوذ في الألوان والتفصيل!
ولا يحل للمرأة طاعة زوجها إذا كان يأمرها بخلاف الستر والحجاب، وقد قال النبي ﷺ : (لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف) .
رواه البخاري (٤٠٨٥) ومسلم - واللفظ له - (١٨٤٠) .
وسئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
رجل متزوج وله أبناء، زوجته تريد أن ترتدي الزي الشرعي وهو يعارض ذلك، فبماذا تنصحونه بارك الله فيكم؟ .
فأجاب:
إننا ننصحه أن يتقي الله في أهله، وأن يحمد الله الذي يسَّر له مثل هذه الزوجة التي تريد أن تنفذ ما أمر الله به من اللباس الشرعي الكفيل بسلامتها من الفتن، وإذا كان الله قد أمر عباده المؤمنين أن يقوا أنفسهم وأهليهم النار في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) التحريم/٦، وإذا كان النبي ﷺ قد حمَّل الرجل المسؤولية في أهله فقال: (الرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته) ، فكيف يليق بهذا الرجل أن يحاول إجبار زوجته على أن تدع الزي الشرعي في اللباس إلى زي محرم، يكون سبباً للفتنة بها ومنها، فليتق الله تعالى في نفسه، وليتق الله في أهله، وليحمد الله على نعمته أن يسَّر له مثل هذه المرأة الصالحة.
وأما بالنسبة لزوجته: فإنه لا يحل لها أن تطيعه في معصية الله أبداً؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
" فتاوى المرأة المسلمة " (١ / ٤٤٢، ٤٤٣) .
ولينظر جواب السؤال رقم: (٤٥٦٧٢) ففيه تفصيل لحكم إجبار الدول للمسلمات على نزع الحجاب.
رابعاً:
وأما خروج المرأة من بيتها: فلتعلم أخواتنا أن الأصل في المرأة أنها مكرَّمة، ومن تكريمها أن سخر لها زوجها وأولادها لخدمتها، وأوجب على الزوج النفقة عليها، وبقاؤها في بيتها ليس إلا لأنها تقوم بعمل جليل لا يمكن لمجموعة من الرجال أن يقوموا به، وهو تربية أولادها، وخدمة زوجها وبيتها، وهي أعمال جليلة عظيمة، ولذا فإنها لا تخرج إلا من ضرورة أو حاجة ماسة، وخاصة إن كانت في بلاد كافرة أو غير آمنة.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
لا شك أن بقاء المرأة في بيتها أفضل وأبعد عن الفتنة والشر, ولا يخفى علينا جميعاً ما يحصل من خروج النساء إلى الأسواق من الفتنة لهن وبهن , فإذا أمكن ألا تخرج: فهذا هو المطلوب , وإذا اضطرت للخروج: فلتخرج كما قال النبي ﵊: (وليخرجن تفِلات) أي: غير متبرجات بزينة ولا متطيبات , ولكن لا تخرج إلا لحاجة , ... فالذي أرى في هذه المسألة أن تلزم المرأة بيتها بكل حال، ولا تخرج إلا للضرورة , وإذا خرجت للضرورة فلتكن غير متطيبة ولا متبرجة بزينة.
أما اصطحاب محرَم لها: فلا شك أنه أفضل وأولى , لكنه ليس بلازم ما دام أن المسألة لا تحتاج إلى سفر، ولكن من المؤسف أنك تجد بعض الناس يأتي إلى الخياط أو إلى التاجر ومعه أهله ثم يبقى في السيارة والمرأة هي التي تذهب وتخاطب الرجال وربما يحصل فتنة بأهله , فعلى الإنسان أن يكون رجلاً حازماً غيوراً على أهله , فلا يفعل هذا الفعل , إذا كان ولا بد فلينزل معها وليكن واقفاً عندها وهي تكلم الرجل أو يكلمها ثم هو يكلم الرجل.
" لقاءات الباب المفتوح " (١١٧ / السؤال ٢) .
وانظري جوابي السؤالين: (٦٧٤٢) و (٩٩٣٧) .
خامساً:
ولمن يريد النصح الصادق، والتوجيه الشرعي إذا أبى إلا البقاء في دول الكفر: فلينظر جوابي السؤالين: (٧٠٢٥٦) و (٤٢٣٧) ففيهما خير كثير إن شاء الله من التوجيه والنصح.
والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1017
أهله يقعون في عرض النبي ﷺ ويسبون أصحابه
[السُّؤَالُ]
ـ[أوصى الله ورسوله والأمة الإسلامية بصلة الأرحام؛ فوالله اليوم لا نشعر بها , لسوء الناس الذين نعيش معهم، ولسوء فهمهم وغفلتهم عن الله . الأهل آذوني، يشتمون ويسبون أمي إذا كنت موجودا!! الأهل في بيتهم إذا كنت جالسا يسبون ويشتمون في عرض الرسول ﷺ -يسبون أصحابه؟!! فهل علي ذنب إن قاطعتهم؟ وأسال الله العافية وأن يوفقكم فيما تعملون.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
مثل هؤلاء الذي يعتادون شتم الأمهات، لا ينبغي للإنسان أن يجلس معهم إلا أن يضطر إلى ذلك، ويجب عليه أن يظهر لهم كراهية أفعالهم وأخلاقهم، وأن يبذل الوسائل لدعوتهم ونصحهم، حتى يقلعوا عن هذه الرذائل.
وإن كان هؤلاء من القرابة والأرحام، فالأولى بالمرء أن يجاهد نفسه على صلتهم ودعوتهم إلى الله تعالى، وبذل الجهد في ذلك، فلأن يهدي الله على يديك رجلا خير لك من حمر النعم، ولا ينبغي أن يهجرهم لحق نفسه.
ثانيا:
كل شيء قد يُحتمل، إلا الطعن في رسولنا وحبيبنا ﷺ ، والطعن في أصحابه وحملة دينه، وهذا مستلزم للطعن في رب العالمين سبحانه، الذي زكى نبيه ﷺ واختاره واصطفاه، وزكى أصحابه واختارهم وشرفهم بصحبة نبيه ﷺ .
والطعن في عرض النبي ﷺ ، أي في زوجاته أو إحداهن، طعن فيه ﷺ ؛ لأنه اختارها، وأمسكها، وظل مصاحبا لها حتى فارق الدنيا، وهو طعن في الله تعالى الذي اختارها لنبيه، ورضيها له، ولم يأمره بفراقها.
ومثل هذا الطعن لا يصدر إلا ممن طمس الله تعالى بصيرته عن الهدى ودين الحق، من الرافضة وأشباههم من أهل الضلال، أو من تأثر بهم، وانخدع بضلالتهم، نسأل الله السلامة.
ولهذا فالواجب عليك أن تنكر هذا المنكر العظيم، وأن تبين لأهلك أن هذا ردة عن الدين، وسلوك لسبيل المجرمين الضالين، وأن تحذرهم من سوء العاقبة في الدنيا قبل الآخرة.
فإن استجابوا فالحمد لله، وإن أصروا فابذل كل وسيلة متاحة لإقناعهم، ومن ذلك استضافة أحد العلماء لنصحهم، ولو بطريق غير مباشر، أو إحضار بعض الكتب أو الأشرطة في هذا الموضوع، فإن لم يُجد ذلك معهم، وأمكنك مقاطعتهم أو مفارقتهم، فافعل ذلك غيرة على حبيبك ﷺ ، وأقل الأحوال أن تعلن إنكارك كلما فعلوا ذلك وأن تفارق المجلس حينئذ.
قال البغوي ﵀ في تعليقه على حديث كعب بن مالك وأصحابه ـ:
" وفيه دليل على أن هجران أهل البدع على التأبيد ... ، وقد مضت الصحابة والتابعون وأتباعهم على ذلك، وعلماء السنة على هذا مجمعين متفقين على معاداة أهل البدع ومهاجرتهم. " انتهى من شرح السنة (١/٢٢٧) .
وقال ابن مفلح ﵀: " قال أحمد..: ويجب هجر من كفر , أو فسق ببدعة , أو دعا إلى بدعة مضلة , أو مفسقة على من عجز عن الرد عليه , أو خاف الاغترار به , والتأذي دون غيره وقيل: يجب هجره مطلقا وهو ظاهر كلام الإمام أحمد السابق , وقطع ابن عقيل به في معتقده قال ليكون ذلك كسرا له واستصلاحا واستدل عليه.
وقال أيضا [يعني: ابن عقيل] : إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع , ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك , وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة , عاش ابن الراوندي والمعري عليهما لعائن الله ينظمون وينثرون , هذا يقول: حديث خرافة والمعري يقول: تلوا باطلا وجلوا صارما وقالوا صدقنا فقلنا نعم يعني بالباطل كتاب الله . وعاشوا سنين وعظمت قبورهم واشتريت تصانيفهم , وهذا يدل على برودة الدين في القلب. وهذا المعنى قاله الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله تعالى.
وقال الخلال: حدثنا إسماعيل بن إسحاق الثقفي النيسابوري أن أبا عبد الله سئل عن رجل له جار رافضي يسلم عليه. قال: لا وإذا سلم عليه لا يرد عليه ...
وقال القاضي أبو الحسين في التمام: لا تختلف الرواية وفي وجوب هجر أهل البدع وفساق الملة أطلق كما ترى , وظاهره أنه لا فرق بين المجاهر , وغيره في المبتدع والفاسق.
قال: ولا فرق في ذلك بين ذي الرحم , والأجنبي إذا كان الحق لله تعالى , فأما إذا كان الحق لآدمي كالقذف والسب والغيبة وأخذ ماله غصبا ونحو ذلك نظرت , فإن كان المهاجر والفاعل لذلك من أقاربه وأرحامه لم تجز هجرته , وإن كان غيره , فهل تجوز هجرته أم لا؟ على روايتين ...
قال القاضي: وإنما كره أحمد هجرة الأقارب لحق نفسه للأخبار في صلة الرحم , وإنما أجازها في حق الله تعالى , ومنعها في حق الغير على رواية المروذي في حق الأجنبي ; لأن حق الله أضيق لأنه لا يدخله العفو وحق الآدمي أخف لأنه يدخله العفو , ويبين هذا قول النبي: ﷺ فدين الله أحق أن يقضى.
وكلام أكثر الأصحاب يقتضي أنه لا فرق , وهو ظاهر كلام الإمام أحمد في مواضع , وهو الأولى والأخبار في صلة الرحم تخص بأدلة الهجر , وحق الآدمي فيه حق الله تعالى , وهو مبني على المساهلة والمسامحة بخلاف حق الآدمي."
انتهى من الآداب الشرعية (١/٢٣٧-٢٣٨) .
نسأل الله لك التوفيق والثبات.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1018
مسافرة بعيداً عن أهلها وتخشى على نفسها الفتنة
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا فتاة مسلمة أعيش وحيدة في بلاد كافرة، بعد أن رفض أهلي كل من تقدم لي للزواج، وقد عانيت كثيراً وأنا أحاول الهروب من الفتن وأحافظ على ديني، لكن ٤ سنوات من الغربة جعلتني أمرض وأعاني من آلام نفسية حادة، لكثرة ندمي على سفري بلا محرم، ولا أستطيع العودة إلى بلدي، ولا أهلي تركوني أحصن نفسي، وبالرغم من أنني حافظت على حجابي وساهمت في الدعوة إلى الله إلا أنني ضعفت وكدت أقع في الزنا، ومن ثم ساءت حالتي أكثر وأكثر. فكرت في الانتحار لكن علمي بعظم هذا الجرم منعني.
سافرت في إطار عملي فالتقيت بشاب من بلدي الأصلي تظهر عليه علامات الطهر والالتزام يعيش في نفس البلد الذي أدرس فيه.
كنت أبكي طيلة السفر، وأدعو الله أن أموت في تلك الرحلة، لأنني أشعر أني ضعفت وفقدت القدرة على المقاومة.
عندما عدت من السفر أحسست أن شيئاً ما تغير في نفسي، وأني استعدت ثقتي بالله، وقطعت صلتي بكل من أفسدني، وأعلنتها توبة عجزت عنها منذ مدة طويلة، صليت لله واستخرت أن يكون هذا الشاب زوجي، فوالله ما فتئ يتصل بي طالباً مني الزواج على أن ألتزم بالشرع، أخبرت أهلي لكنهم رفضوا مرة أخرى وآذوني لأنهم ما فكروا فيما أعاني، فوالله لا أريد عقوقهم، لكنهم يحملوني ما لا طاقة لي به، فقد فكرت طلب ولاية الإمام، لأن الشاب من أحسن ما رأيت دينا وخلقا، ووالله لا أريد إلا تحصين نفسي لوجه الله فما أفعل؟
وسؤالي الثاني: إنني أحس بالذنب مع هذا الشاب لما أذنبته، فهل أخبره بما فعلته في الماضي برغم توبتي الصادقة! أنا على اتصال هاتفي بهذا الشاب للتفاهم، ويشهد الله أنه ما تجاوز حدوده أبدا! أفيدوني بإجابتكم فوالله إن قلبي لممزق.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نسأل الله تعالى أن يفرج همك، ويزيل غمك، ويحميك من الانزلاق في مهاوي الردى والمعصية إنه على ما يشاء قدير.
اسمعي معي إلى هذا النداء الإلهي العظيم: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) الزمر/٥٣.
واسمعي إلى قوله تعالى وهو ينادي عباده المؤمنين: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) التحريم/٨.
والله يقبل التوبة عن عباده، كما قال جل شأنه: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) الشورى/٢٥.
أختي السائلة:
ما الذي دعاك لترك أهلك؛ والسفر إلى بلاد الكفر والعيش معهم؟! والإنسان لم يعد يأمن على نفسه حتى في بلاد الإسلام! وذلك لكثرة الشبهات والشهوات!
فكيف ببلاد استبيح فيها كل شيء، وفتحت فيها أبواب المعاصي على مصراعيها!
من أجل هذا – ومن حرصه ﷺ على أمته, وحماية لهم من الوقوع في مثل ما وقعت به – أسأل الله أن يعافيك-، حرّم السكن والعيش بين الكفار, والإقامة في بلادهم. فقال: (أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (٢٦٥٤) والترمذي (١٦٠٤) وصححه الألباني في إرواء الغليل (١٢٠٧) .
والإقامة في بلاد الكفر مرتع وخيم، وعيش نكد، وحياة قلق واضطراب، وهم – أعني أصحاب تلك البلاد – حياتهم جهنم لا تطاق – باعترافهم – لأنهم فقدوا تربية الروح، والصلة مع الله، وصارت حياتهم مادية بحتة، فكثرت فيهم الأمراض النفسية، ولجأوا في كثير من الأحيان – للتخلص من هذه الحياة – إلى الانتحار.
ثانياً:
النصيحة لك أن تبحثي عن الأسباب التي جعلت أهلك يقفون منك هذا الموقف، فيرفضون كل من تقدم للزواج منك , وجدي في معرفتها والعمل على إزالتها، حتى تستطيعي معالجة الأمر، وإيجاد الحلول المناسبة؛ حتى يلتم الشمل وتجتمعي مع أهلك.
وإذا تعثر ذلك، وبقيت الأمور على ما هي وتبيّن أن الأسباب الحائلة بينك وبين أهلك أسباب غير شرعية. عند ذلك تنتقل ولايتك للسلطان أو القاضي الشرعي، وحيث إنك توجدين في بلاد ليس فيها قضاء شرعي وليست بلاد إسلام، فلا حرج عليك أن يكون وليك هو مدير أحد المراكز الإسلامية أو إمام المسجد، وانظري جواب السؤال (٧٩٨٩) .
ثالثاً:
إن إحساسك بالذنب على ما قد فعلته سابقاً , ورجوعك إلى الله، والتوبة الصادقة النصوح، التي يندم فيها الإنسان على ما فعل , ويعزم على أن لا يعود، ويقلع عن الذنب , ويستغفر, ويكثر من الأعمال الصالحة , إن ذلك يجبر ما فات ويطهره، قال تعالى: (فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) المائدة/٣٩.
وقال جل شأنه: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى) طه/٨٢.
وقال تعالى: (وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً) الفرقان/٧١.
فمن رجع عن المعاصي، وأناب إلى ربه، وأسلم له؛ فإن الله يقبل توبته ويحسن عاقبته، ويجعله من ورثة جنة النعيم، قال الله تعالى: (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً * إِلا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً) مريم/٥٩-٦٠.
والتوبة تفتح على صاحبها باباً جديداً, ينطلق منه إلى حياة جديدة؛ ملؤها الإيمان , والإحسان , والأمل.
قال ﷺ : (التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لا ذَنْبَ لَهُ) رواه ابن ماجة (٤٢٥٠) وحسنه الألباني.
فأنصحك بعدم ذكر ذلك له، لأن ذلك صار كأنه لم يكن – بعد التوبة – وابدئي معه حياة جديدة, ملؤها الأمل , والحب , والسعادة , وكلليها بالطاعة , والتقوى، والاستقامة على الهدى.
ونصيحتنا لك أن تعجلي بأمر الزواج من هذا الشاب، لأن اتصاله بك وإقامة علاقة معه قبل الزواج أمر محرم، وقد يكون ذلك باباً من أبواب الفتنة، نسأل الله تعالى أن يحفظنا من الزلل.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1019
قوله للكافر في عيده: أتمنى لك الخير أو الأفضل هل يعد تهنئة
[السُّؤَالُ]
ـ[أعلم أن تهنئة الكتابيين بأعيادهم حرام، لما فيها من إقرار لعقائد باطلة, ولكن هل يجوز لي أن أرسل لمن أعرفه منهم في أعيادهم رسائل لا تحتوى على تهنئة, كأن أرسل لهم "أتمنى لك الخير", "أتمنى لك الأفضل" بنية تمنى لهم الهدى؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
تهنئة الكفار في أعيادهم، أمر محرم، كما ذكرت. وراجع السؤال رقم (٩٤٧) ، ورقم (٨١٩٧٧)
والذي يظهر أن إرسال رسالة إلى من تعرفه منهم، في أيام أعيادهم، مضمونها: أتمنى لك الخير أو الأفضل، أن ذلك من التهنئة.
لكن لو أرسلت هذه الرسالة في غير أيام الأعياد الخاصة بهم، بنية دعوتهم والرغبة في هدايتهم، فلا حرج.
عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ كَانَ الْيَهُودُ يَتَعَاطَسُونَ [يعني: يفتعلون العطاس من عندهم] عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ يَرْجُونَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ يَرْحَمُكُمْ اللَّهُ فَيَقُولُ يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ.
رواه الإمام أحمد (١٩٠٨٩) أبو داود (٥٠٣٨) والترمذي (٢٧٣٩) وصححه الألباني في الإرواء (١٢٧٧) .
قال في عون المعبود: " أَيْ وَلَا يَقُول لَهُمْ يَرْحَمكُمْ اللَّه , لِأَنَّ الرَّحْمَة مُخْتَصَّة بِالْمُؤْمِنِينَ بَلْ يَدْعُو لَهُمْ بِمَا يُصْلِح بَالَهُمْ مِنْ الْهِدَايَة وَالتَّوْفِيق لِلْإِيمَانِ.
فالدعاء للكافر بالهداية، أو بصلاح البال: يعني: بالإيمان والهدى، لا بأس به، بل هو ثابت بسنة النبي ﷺ .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1020
حكم التحدث باللغة الانجليزية دون الحاجة لذلك
[السُّؤَالُ]
ـ[ماحكم التحدث باللغة (الانجليزية) دون الحاجة لذلك؟ وأرجو كتابة المرجع لكي أستند عليه.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لِلَّه
أولا:
يقرر علماء اللسانيات والأصوات أن اللغات في العالم بلغت ما يقرب من ثلاثة آلاف لغة، وأنها تختلف في مستوياتها، فمنها اللغة الراقية والمتصرفة والثرية ومنها دون ذلك.
واللغة العربية تتربع في قمة هرم اللغات، لما لها من خصائص ذاتية في حروفها وكلماتها التي تقوم على أصول ثلاثية في الغالب، وتناوبِ الصيغ في أداء المعنى، وتقارُبِ معاني ألفاظها مع الأصوات، وكذلك للخصائص التي تحملها معاني التراكيب اللغوية، فيما يسمى بـ " علم البلاغة ".
ولذلك كانت اللغة العربية لغة كتاب الله الخالد، القرآن الكريم، وقد اختارها الله سبحانه لتكون اللسان الذي أنزل به كتابه، قال الله تعالى: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) الشعراء /١٩٢-١٩٥
الإمام الشافعي ﵀:
" ولسان العرب أوسع الألسنة مذهباً، وأكثرها ألفاظاً، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غيرُ نبي " انتهى. الرسالة (٣٤)
وقد شهد أهل العلم باللغات بأفضلية اللغة العربية على غيرها من اللغات.
يقول ابن جني في "الخصائص" (١/٢٤٣) :
" إنا نسأل علماء العربية، ممن أصله أعجمي، وقد تدرب قبل استعرابه عن حال اللغتين، فلا يجمع بينهما، بل لا يكاد يَقبل السؤال عن ذلك لبعده في نفسه، وتقدُّمِ لطف العربية في رأيه وحسه، سألت غير مرة أبا علي (يعني الفارسي إمام اللغة المعروف) عن ذلك، فكان جوابه عنه نحو ما حكيته " انتهى.
ويقول ابن سنان الخفاجي في "سر الفصاحة" (٤٥) :
" لا خفاء بميزاتها على سائر اللغات وفضلها " انتهى. ثم توسع في شرح ذلك.
وانظر كتاب "البلاغة المفترى عليها" لفضل حسن عباس (١٩-٧٨) .
ثانيا:
ومن عرف للغة العربية فضلها وأهميتها أدرك ما ينبغي عليه من شديد العناية بها، خاصة وأن الصلاة وهي أهم عبادات المسلم لا تصح إلا بتلاوة كتاب الله العربي، لذلك كان المسلمون في شرق الأرض وغربها يتعلمون العربية على اختلاف أجناسهم وأعراقهم، حفاظا على وحي الله تعالى الذي أنزله بهذه اللغة، فإنَّ حفظَ القوالب حفظٌ للمعاني.
اللهم إلا أننا أصبحنا نجد في عصرنا هذا من يزهد في لغة القرآن، فينسبها تارة للعجز، وأخرى للصعوبة، لم يغادر شبهة أو تهمة إلا وحاول إلصاقها بها، ولكن الله قيض له من يبين فساد مقالته، وبطلان دعواه.
كما أننا نجد في زماننا من يزهد بلغته العربية، تبعية للغرب الذي سلب لُبَّه بمدنيته الزائفة، وحضارتِه الموهومة، فأصبح يستبدل العبارات العربية بالكلمات (الانجليزية) تارة، أو بـ (الفرنسية) تارة أخرى، حتى انحرف لسانه عن لغته الأصيلة، وانحرفت أخلاقه وأطباعه تبعا لذلك.
فلهؤلاء وأولئك أنقل لهم كلمة ضافية لشيخ الإسلام ابن تيمية، أوفى فيها على المقصود، وجمع فيها من المنقول والمعقول في هذا الموضوع، فقال رحمه الله تعالى في "اقتضاء الصراط المستقيم" (١/٢٠٤- ٢٠٨) :
" اللسان العربي شعار الإسلام وأهله، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون، ولهذا كان كثير من الفقهاء، أو أكثرهم، يكرهون في الأدعية التي في الصلاة والذكر، أن يدعى الله أو يذكر بغير العربية..
وأما الخطاب بها (يعني الأعجمية) من غير حاجة في أسماء الناس والشهور، كالتواريخ ونحو ذلك، منهي عنه مع الجهل بالمعنى بلا ريب.
وأما مع العلم به، فكلام أحمد بَيِّنٌ في كراهته أيضا، فإنه كره "آذرماه" ونحوه، ومعناه: ليس محرما، وأظنه سئل عن الدعاء في الصلاة بالفارسية فكرهه وقال: لسان سوء. وهو أيضا قد أخذ بحديث عمر ﵁ الذي فيه النهي عن رطانتهم، وعن شهود أعيادهم.
وهذا قول مالك أيضا، فإنه قال: لا يُحرِم بالعجمية ولا يدعو بها، ولا يحلف بها. وقال: نهى عمر عن رطانة الأعاجم وقال: " إنها خِبَّ " (المكر والغش، المدونة ١/٦٢-٦٣) ، فقد استدل بنهي عمر عن الرطانة مطلقا.
وقال الشافعي فيما رواه السلفي بإسناد معروف إلى محمد بن عبد الله بن الحكم قال: سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول:
" لا نحب ألا ينطق بالعربية فيسمي شيئا بالعجمية، وذلك أن اللسان الذي اختاره الله لسان العرب، فأنزل به كتابه العزيز، وجعله لسان خاتم أنبيائه محمد ﷺ ، ولهذا نقول: ينبغي لكل أحد يَقدِرُ على تعلم العربية أن يتعلمها؛ لأنها اللسان الأَوْلَى بأن يكون مرغوبا فيه، من غير أن يحرم على أحد أن ينطق بالعجمية "
فقد كره الشافعي لمن يعرف العربية أن يسمي بغيرها، وأن يتكلم بها خالطا لها بالعجمية، وهذا الذي قاله الأئمة مأثور عن الصحابة والتابعين.
روى أبو بكر بن أبي شيبة في "المصنف" (٩/١١) حدثنا وكيع عن أبي هلال عن أبي بريدة قال: قال عمر: ما تعلم الرجل الفارسية إلا خَبَّ (صار خَدَّاعًا) ، ولا خَبَّ رجل إلا نقصت مروءته.
وقال حدثنا وكيع عن ثور عن عطاء قال: لا تعلموا رطانة الأعاجم، ولا تدخلوا عليهم كنائسهم، فإن السخط ينزل عليهم.
وهذا الذي رويناه فيما تقدم عن عمر ﵁. (انظر مصنف عبد الرزاق ١/٤١١)
وقال حدثنا إسماعيل بن علية عن داود بن أبي هند أن محمد بن سعد بن أبي وقاص سمع قوما يتكلمون بالفارسية فقال: ما بال المجوسية بعد الحنيفية.
ونقل عن طائفة منهم أنهم كانوا يتكلمون بالكلمة بعد الكلمة من العجمية:
قال أبو خلدة: كلمني أبو العالية بالفارسية.
وقال منذر الثوري: سأل رجل محمد بن الحنفية عن الجبن، فقال: يا جارية اذهبي بهذا الدرهم فاشتري به نبيزا، فاشترت به نبيزا، ثم جاءت به، يعني الجبن.
وفي الجملة: فالكلمة بعد الكلمة من العجمية أمرها قريب، وأكثر ما كانوا يفعلون إما لكون المخاطب أعجميا، أو قد اعتاد العجمية، يريدون تقريب الأفهام عليه، كما قال النبي ﷺ لأم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص - وكانت صغيرة قد ولدت بأرض الحبشة لما هاجر أبوها - فكساها النبي ﷺ خميصة وقال: (يا أم خالد هذا سنا) والسنا: بلغة الحبشة الحسن. البخاري (٥٨٤٥)
ورُوي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال لمن أوجعه بطنه: أشكم بدرد.
وأما اعتياد الخطاب بغير العربية التي هي شعار الإسلام ولغة القرآن، حتى يصير ذلك عادة للمصر وأهله، ولأهل الدار، وللرجل مع صاحبه، ولأهل السوق، أو للأمراء، أو لأهل الديوان، أو لأهل الفقه، فلا ريب أن هذا مكروه، فإنه من التشبه بالأعاجم، وهو مكروه، ولهذا كان المسلمون المتقدمون لما سكنوا أرض الشام ومصر ولغة أهلهما رومية، وأرض العراق وخراسان ولغة أهلهما فارسية، وأهل المغرب ولغة أهلها بربرية، عودوا أهل هذه البلادِ العربيةَ، حتى غلبت على أهل هذه الأمصار مسلمهم وكافرهم، وهكذا كانت خراسان قديما.
ثم إنهم تساهلوا في أمر اللغة، واعتادوا الخطاب بالفارسية حتى غلبت عليهم، وصارت العربية مهجورة عند كثير منهم، ولا ريب أن هذا مكروه.
وإنما الطريق الحسن اعتياد الخطاب بالعربية حتى يتلقنها الصغار في الدور والمكاتب، فيظهر شعار الإسلام وأهله، ويكون ذلك أسهل على أهل الإسلام في فقه معاني الكتاب والسنة وكلام السلف، بخلاف من اعتاد لغة ثم أراد أن ينتقل إلى أخرى، فإنه يصعب عليه. واعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيرا قويا بينا، ويؤثر أيضا في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق.
وأيضا فإن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإنَّ فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ثم منها ما هو واجب على الأعيان، ومنها ما هو واجب على الكفاية.
وهذا معنى ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عيسى بن يونس عن ثور عن عمر بن يزيد قال: (كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري ﵁: أما بعد، فتفقهوا في السنة، وتفقهوا في العربية، وأعربوا القرآن فإنه عربي)
وفي حديث آخر عن عمر ﵁ أنه قال: (تعلموا العربية فإنها من دينكم، وتعلموا الفرائض فإنها من دينكم)
وهذا الذي أمر به عمر ﵁ من فقه العربية وفقه الشريعة يجمع ما يحتاج إليه؛ لأن الدين فيه فقه أقوال وأعمال، ففقه العربية هو الطريق إلى فقه أقواله، وفقه السنة هو الطريق إلى فقه أعماله " انتهى.
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ في "اللقاء الشهري" (لقاء رقم ٣/سؤال رقم ١٢) :
" السؤال: نجد أن بعض الناس ربما يتخاطب مع غيره من الشباب وغيرهم باللغة الإنجليزية أو ببعض مفرداتها، هل يفرق هذا بين من كان في مجال عمل، كما أننا نحن مثلاً في المستشفى نتخاطب مع زملائنا باللغة الإنجليزية غالباً، ولو كان الأمر لا يحتاج للكلام، ولكننا تعودنا ذلك بمقتضى مخالطتنا لهم، فهل في هذا بأس، وإذا تكلم الإنسان بكلمة من غير العربية فهل يأثم بذلك؟
الجواب:
الكلام باللغة غير العربية أحياناً لا بأس به، فإن النبي ﵊ قال لطفلة صغيرة جارية قدمت من الحبشة فرآها وعليها ثوب جميل، فقال: (هذا سنا، هذا سنا) أي: هذا حسن، كلمها باللغة الحبشية؛ لأنها جاءت قريبة من الحبشة، فخطاب من لا يعرف العربية أحياناً باللغة التي يفهمها هو لا بأس به، وليس فيه إشكال، لكن كوننا يأتينا هؤلاء القوم لا يعلمون اللغة العربية، ثم نتعجم نحن قبل أن يتعربوا هم، مثل أن تجد بعض الناس إذا خاطب إنساناً غير عربي بدل ما يقول: لا أعرف، يقول: " ما في معلوم ". لماذا يقول: " ما في معلوم "؟ لأجل أن يعرف ما يقول له، والصحيح أن يقول له: لا أعرف، حتى يعرف هو اللغة الصحيحة، لكن مع الأسف الآن نخشى على أنفسنا أن نكون أعاجم " انتهى.
ويقول الشيخ ابن عثيمين أيضا ﵀ "لقاء الباب المفتوح" (لقاء رقم ١٤٢/سؤال رقم ٣) :
" الذي ينطق بالعربية لا ينطق بغير العربية، ولهذا كان عمر بن الخطاب يضرب الناس إذا تكلموا برطانة الأعاجم، والعلماء كرهوا أن يكون التخاطب بلغة غير العربية لمن يعرف اللغة العربية، ولذلك - مع الأسف الشديد - الآن عندنا هنا في السعودية التي هي أم العربية نجد بعضهم يتكلم باللغة غير العربية مع أخيه العربي، بل بعضهم يعلم صبيانه اللغة غير العربية، بل بعضهم يعلمهم التحية الإسلامية باللغة غير العربية، سمعنا من يقول لصبيه إذا أراد مغادرته أو أتى إليه، يقول: " باي باي "..؟!! ثم نرى الآن مع الأسف الشديد أنه يوجد لافتات على بعض المتاجر باللغة غير العربية، يعني: في بلادنا العربية يأتي العربي من البلد يقف على هذا الدكان لا يدري ما معناه، وما الذي فيه؟ ولا يدري ما هذا المتجر؟ ويأتي إنسان أوروبي لا يعرف البلد، ويقف ويعرف ما في الدكان، لماذا؟ لأن المكتوب باللافتة بلغته، أما نحن فلا، وهذا لا شك أنه من نقص التصور في شأننا في الواقع، من عندك ممن يفهم من اللغة الإنجليزية، أي: ولا (١%) من السكان، ثم تجعل اللافتة على دكانك بهذه اللغة! هذا أقل ما يكون حياءً من أهل البلد، لكن الحقيقة أن القلوب ميتة، وإلا كان يُهْجَر هذا الذي جعل دكانه باللغة غير العربية!! كان الذي ينبغي لنا نحن ونحن عرب، والله أنت ما فتحت دكانك لنا، إنما فتحته لأهل هذه اللغة ونقاطعه، ولو أننا قاطعناه لكان غداً يكتبها بالحرف الكبير باللغة العربية ... " انتهى.
ويقول أيضا ﵀ "لقاء الباب المفتوح" (لقاء رقم/١٨٦/ سؤال رقم/١٥) :
" إذا خاطبك الإنسان بلغته أجب عليه بلغته، لكن الأفضل أن تبقى الألفاظ الشرعية على ما كانت عليه، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا يغلبنكم الأعراب على صلاتكم العشاء فإنهم يدعونها العتمة) ؛ لأن الأعراب يعتمون بالإبل، وهي في كتاب الله العشاء، فنهى الرسول ﵊ أن يغلبنا الأعراب على لغتنا مع أنهم عرب، لكن مع الأسف الآن أن المسلمين غلبتهم البربر والعجم على لغتهم، فصاروا الآن يتعاملون باللغة الإنجليزية عندنا، حتى بلغني أن بعض الناس من جهلهم في مجالسهم العادية يتكلمون باللغة الإنجليزية وهم عرب، وهذا يدل على الضعف الشخصي إلى أبعد الحدود، وعلى عدم الفقه في دين الله، وكان عمر ﵁ من حرصه على اللغة العربية التي هي لغة القرآن والحديث يضرب من يتكلم بالفارسية أو بالأعجمية " انتهى.
وانظر "الآداب الشرعية" لابن مفلح (٣/٤٣٢-٤٣٣)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →