Полный текст (16 344 стр.). Показаны 10466–10505 · переход к 10471.
стр. 10466
يتوارث الزوجان بمجرد العقد ولا يشترط الدخول
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا عقد نكاح رجل على فتاة ولم يدخل بها ومات أحدهما عن الآخر فهل يرث أحدهما الآخر أم لا؟ وما الحكم من ناحية العدة لو مات الرجل قبل الدخول بالزوجة فهل عليها عدة أم لا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا تم عقد الزواج مستوفيًا لشروطه وأركانه ثم مات أحد الزوجين قبل الدخول فإن عقد الزواج يكون باقيًا، ويقع به التوارث بين الزوجين لعموم قوله تعالى: (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ) سورة النساء /١٢.
الآية عامة فيمن توفي عنها قبل الدخول أو بعد الدخول، فإذا تم عقد الزواج ومات أحد الزوجين قبل الدخول فإن الزوجية باقية، والتوارث بينهما مشروع لعموم الآية الكريمة.
وأما من ناحية العدة فكذلك تلزمها عدة الوفاة لو توفي زوجها الذي عقد عليها قبل الدخول فإنها تلزمها عدة الوفاة لعموم قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) سورة البقرة /٢٣٤، هذه تعم من توفي عنها قبل الدخول أو بعد الدخول ولها الميراث كما ذكرنا.
" المنتقى من فتاوى الشيخ صالح الفوزان " (٣ / ١٣٥)
وقد روى أبو داود (٢١١٤) أن ابن مسعود ﵁ سئل عن امْرَأَةٍ َمَاتَ زوجها قبل أن يدخل بها وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا الصَّدَاقَ. فَقَالَ: (لَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا، كصداق نسائها، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَلَهَا الْمِيرَاثُ) فَقَالَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ ﵁ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ، امرأةٍ منا، كما قضيت.
صححه الألباني في " إرواء الغليل" (١٩٣٩)
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10467
هل للأحفاد حق في ميراث جدهم ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا ماتت الابنة قبل أبيها فهل يكون لأولادها الحق في الميراث الشرعي بدلا منها من أبيها؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأحفاد إما أن يكونوا أولاداً لذكور أو يكونوا أولاداً لإناث.
أما أولاد الإناث فلا يرثون من جدهم، سواء كانت أمهم حية أم ميتة.
وأما أولاد الذكور فإنهم يرثون من جدهم بشرط عدم وجود أحد من أبناء الجد، سواء كان هذا الابن الموجود أباهم أو أحد أعمامهم، فإن وجد من أبنائه الذكور أحد فإنهم لا يرثون، سواء كان أبوهم حيا أم ميتاً.
انظر: "التحقيقات المرضية في المباحث الفرضية" لفضيلة الشيخ صالح الفوزان (ص ٦٥، ١٢٥) .
ولا يعلم في الشرع أبداً أن يأخذ الحفيد من جده نصيب أبيه الميت، الذي لو فرض أنه كان حيا لأخذه!!!!
بل التركة توزع على الورثة الأحياء عند موت مورثهم، فكيف نورث هذا الأب الذي مات قبل الجد، ثم نأخذ هذا النصيب ونعطيه أولاده؟! سبحانك هذا بهتان عظيم.
ويمكن لهؤلاء الأحفاد الذين لا يرثون لوجود أحد من أبناء جدهم أن يحصلوا على شيء من تركة جدهم بطريقين:
الطريق الأول: أن يوصي لهم الجد قبل وفاته بالثلث من تركته أو أقل، وهذا في حال أن يكون له مال كثير، وهذه الوصية أوجبها بعض العلماء واستحبها كثيرون.
ودليل هذا قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) البقرة/١٨٠.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
من فوائد الآية: وجوب الوصية للوالدين والأقربين لمن ترك مالاً كثيراً؛ لقوله تعالى: (كتب عليكم) ؛ واختلف العلماء ﵏ هل هذا منسوخ بآيات المواريث أم هو محكم، وآيات المواريث خَصَّصَتْ؟ على قولين؛ فأكثر العلماء على أنه منسوخ؛ ولكن القول الراجح أنه ليس بمنسوخ؛ لإمكان التخصيص؛ فيقال: إن قوله تعالى: (للوالدين والأقربين) مخصوص بما إذا كانوا وارثين؛ بمعنى أنهم إذا كانوا وارثين فلا وصية لهم اكتفاءً بما فرضه الله لهم من المواريث؛ وتبقى الآية على عمومها فيمن سوى الوارث ...
ومنها: جواز الوصية بما شاء من المال؛ لكن هذا مقيد بحديث سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال للنبي ﷺ : (أتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا؛ قال: فالشطر؟ قال: لا؛ قال: فالثلث؟ قال: الثلث؛ والثلث كثير) متفق عليه؛ وعلى هذا فلا يزاد في الوصية على ثلث المال؛ فتكون الآية مقيدة بالحديث.
ومنها: أن الوصية الواجبة إنما تكون فيمن خلّف مالاً كثيراً؛ لقوله تعالى: (إن ترك خيراً) ، فأما من ترك مالاً قليلاً: فالأفضل أن لا يوصي إذا كان له ورثة؛ لقول النبي ﷺ لسعد بن أبي وقاص ﵁: (إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس) متفق عليه.
" تفسير سورة البقرة " (٢ / ٣٠٦، ٣٠٧) .
الطريق الثاني: أن يهب أعمامهم لهم من نصيبهم شيئاً يوزعونه عليهم.
أما أن يحسب نصيب والدهم ويُعطى لهم وهو ليس على قيد الحياة: فهذا لا يُعرف له أصل في الشرع، ويسمى هذا في بعض الدول بـ " الوصية الواجبة "، فيُعطون أولاد الابن المتوفى في حياة أبيه – أي: جدهم - نصيب أبيهم بشرط ألا يزيد عن الثلث، ويُعطون أولاد البنت نصيب أمهم بشرط ألا يزيد عن الثلث، ولو لم يوص الجد لهم بشيء!!
وهذا مخالف للشرع، وغير موجب للطاعة؛ لأن فيه مشاركة لله تعالى في التشريع، وتعديّاً على حقوق الورثة، وقد نسبوا هذا القول لابن حزم ﵀، وهو محض تقول عليه؛ لأن ابن حزم قد أوجب الوصية للأقارب الذين لا يرثون، وهذا يشمل العم والخال وجميع الأقارب، وهم لا يجعلون لهؤلاء نصيباً في التركة، وأيضاً: لم يوجب ابن حزم نسبة معينة أو نصيباً مفروضاً، وهم قد فعلوا ذلك بإعطائهم نصيب أمهم أو أبيهم، وأيضاً: فإن ابن حزم يرى أنهم يُعطوْن في حال أن يوصي الجد، وهم يجعلون لهؤلاء الأحفاد نصيباً ولو لم يوص الجد، فاختلف ما قاله ابن حزم عما نسبوه إليه، فالواجب على القضاة أن لا يحكموا بمثل هذا، وليعلموا أنهم بحكمهم هذا يخالفون شرع الله تعالى، ويأخذون المال ممن جعله الله تعالى حقا له، ويعطونه لمن لا يستحقه.
وفي هذا مضادة لحكم الله وشرعه، وقد اعترض كثير من علماء الأزهر على " قانون " الوصية الواجبة، وأفتوا بخلافه، ونشرت أبحاث في مجلة الأزهر وغيرها في الرد على هذا القانون، وبيان مخالفته للشرع.
وقد سئل الشيخ عبد الله بن جبرين حفظه الله:
هل يرث الأحفاد جدهم إذا كان والدهم قد توفي قبل الجد؟ وإذا كانت الإجابة بالنفي فلماذا؟
فأجاب:
الأحفاد هم أولاد البنين دون أولاد البنات، فإذا مات أبوهم قبل أبيه لم يرثوا من الجد إن كان له ابن لصلبه أو بنون؛ فإن الابن أقرب من ابن الابن، فإن كان الجد ليس له بنون ولو واحداً وإنما له بنات: فللأحفاد ما بقي بعد ميراث البنات، وكذا يرثون جدهم إن لم يكن له بنون ولا بنات فيقومون مقام أولاده للذكر مثل حظ الأنثيين.
" مجلة الحرس الوطني " (العدد ٢٦٤، تاريخ ١ / ٦ / ٢٠٠٤) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10468
هل ترث الأم من الرضاعة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل للأم من الرضاعة أن ترث ابنها من الرضاعة إذا مات وله أولاد وزوجة، وكم ترث؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا تستحق الأم من الرضاع الإرث ممن أرضعته بسبب أنها أرضعته، سواءً كان له ورثة أم لا.
وقد تستحق الإرث بسبب آخر (غير الرضاعة) كأن تكون المرضعة جدة للرضيع، أو أختاً له من النسب، فتستحق الإرث لقرابة النسب.
وبالله التوفيق.
[الْمَصْدَرُ]
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (١٦/٤٨٣)
стр. 10469
هل الحديث ينسخ أو يخصص القرآن الكريم
[السُّؤَالُ]
ـ[هل الحديث له سلطة على القرآن بنسخ أو بتخصيص؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
القرآن والسنة في منزلة واحدة باعتبارهما مصادر مِن مصادر التشريع الإسلامي، والله يقول: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) النجم/٣-٤.
وقد بوب الخطيب البغدادي ﵀ في كتابه القيم " الكفاية في علم الرواية " (ص/٢٣) بقوله: " باب ما جاء في التسوية بين حكم كتاب الله تعالى، وحكم سنة رسول الله ﷺ ، في وجوب العمل، ولزوم التكليف " انتهى.
وأورد تحته حديث المقدام بن معد يكرب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
(أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ القُرآنَ وَمِثلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبعَان عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيكُم بِهَذَا القُرآنِ، فَمَا وَجَدتُم فِيهِ مِن حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدتُم فِيهِ مِن حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ، أَلَا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ)
رواه الترمذي (٢٦٦٤) وقال: حسن غريب من هذا الوجه. وحسنه الألباني في " السلسلة الصحيحة " (٢٨٧٠)
والسنة مبينة لما أجمل في كتاب الله، تخصص عمومه، وتقيِّدُ مطلقه، وتبين الناسخ من المنسوخ فيه، حتى قال إمام التابعين مكحول ﵀: " القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن " انتهى. " الكفاية " (ص/٣٠)
ثانيا:
أما تخصيص عمومات القرآن الكريم بالسنة النبوية فقد ذهب إلى جوازه جماهير الأصوليين.
يقول ابن النجار الفتوحي ﵀:
" يخصَّصُ الكتابُ ببعضه، وبالسنة مطلقا، سواء كانت متواترة أو آحاد:
مثال تخصيص الكتاب بالسنة - حتى مع كونها آحادا، عند أحمد ومالك والشافعي ﵃: قوله : (وأحل لكم ما وراء ذلكم) ، فإنه مخصوص بقوله ﷺ : (لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها) متفق عليه، ونحوه تخصيص آية السرقة بما دون النصاب، وقتل المشركين بإخراج المجوس، وغير ذلك.
قال ابن مفلح: وعند الحنفية إن كان خص بدليل مجمع عليه جاز، وإلا فلا. وقيل: بالوقف. وقيل: يجوز ولم يقع " انتهى باختصار.
" شرح الكوكب المنير " (٣/٣٥٩-٣٦٣)
ويقول الشوكاني ﵀:
" اختلفوا في جواز تخصيص الكتاب العزيز بخبر الواحد:
فذهب الجمهور إلى جوازه مطلقا.
وذهب بعض الحنابلة إلى المنع مطلقا، وحكاه الغزالي في " المنخول " عن المعتزلة، ونقله ابن برهان عن طائفة من المتكلمين والفقهاء، ونقله أبو الحسين بن القطان عن طائفة من أهل العراق.
وذهب الكرخي إلى الجواز إذا كان العام قد خص من قبل بدليل منفصل، سواء كان قطعيا أو ظنيا، وإن خص بدليل متصل أو لم يخص أصلا لم يجز.
وذهب القاضي أبو بكر إلى الوقف.
واستدل في المحصول على ما ذهب إليه الجمهور بأن العموم وخبر الواحد دليلان متعارضان، وخبر الواحد أخص من العموم، فوجب تقديمه على العموم.
واحتج ابن السمعاني على الجواز بإجماع الصحابة، فإنهم خصوا قوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم) بقوله ﷺ : (إنا معشر الأنبياء لا نورث) ، وخصوا التوارث بالمسلمين عملا بقوله ﷺ : (لا يرث المسلم الكافر) ، وخصوا قوله: (فاقتلوا المشركين) بخبر عبد الرحمن بن عوف في المجوس، وغير ذلك كثير.
وأيضا يدل على جواز التخصيص دلالة بينه واضحة ما وقع من أوامر الله عز وج باتباع نبيه ﷺ من غير تقييد، فإذا جاء عنه الدليل كان اتباعه واجبا، وإذا عارضه عموم قرآني كان سلوك طريقة الجمع ببناء العام على الخاص متحتما، ودلالة العام على أفراده ظنية لا قطعية، فلا وجه لمنع تخصيصه بالأخبار الصحيحة الآحادية " انتهى.
" إرشاد الفحول " (ص/٢٦٧-٢٨٦)
ويقول العلامة الأمين الشنقيطي ﵀:
" اعلم أن التحقيق أنه يجوز تخصيص المتواتر بأخبار الآحاد؛ لأن التخصيص بيان، وقد قدمنا أن المتواتر يبيَّن بالآحاد، قرآنًا أو سنة " انتهى.
" مذكرة أصول الفقه " (ص/٢٢٢)
ثالثا:
وأما مسألة نسخ السنة لنصوص القرآن الكريم، فقد اختلف فيها العلماء على قولين:
القول الأول: لا يجوز نسخ السنة الآحادية لنصوص القرآن الكريم: وهو قول جماهير الأصوليين.
بل إن الشافعي في " الرسالة " (ص/١٠٦-١٠٩) وأحمد رحمهما الله اختارا عدم جواز نسخ السنة المتواترة للقرآن الكريم، واختاره أيضا ابن قدامة، وابن تيمية.
يمكن مراجعة المسألة بتوسع في: " البحر المحيط " للزركشي الشافعي (٥/٢٦٢-٢٧٢)
القول الثاني: يجوز نسخ السنة الآحادية لنصوص القرآن الكريم، وإليه ذهب بعض الأصوليين من الحنفية كما في " (٣/٦٢) ، وهو اختيار السبكي في " جمع الجوامع " (ص/٥٧) حيث قال: " والنسخ بالقرآن لقرآن وسنة، وبالسنة للقرآن، وقيل يمتنع بالآحاد، والحق لم يقع إلا بالمتواترة " انتهى.
وهو اختيار العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀، حيث يقول:
" الذي يظهر لنا أنه الصواب: هو أن أخبار الآحاد الصحيحة يجوز نسخ المتواتر بها إذا ثبت تأخرها عنه، وأنه لا معارضة بينهما ; لأن المتواتر حق، والسنة الواردة بعده إنما بينت شيئا جديدا لم يكن موجودا قبل، فلا معارضة بينهما البتة لاختلاف زمنهما.
فقوله تعالى: (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم)
يدل بدلالة المطابقة دلالة صريحة على إباحة لحوم الحمر الأهلية ; لصراحة الحصر بالنفي والإثبات في الآية في ذلك.
فإذا صرح النبي ﷺ بعد ذلك يوم خيبر في حديث صحيح بأن لحوم الحمر الأهلية غير مباحة، فلا معارضة البتة بين ذلك الحديث الصحيح، وبين تلك الآية النازلة قبله بسنين ; لأن الحديث دل على تحريم جديد، والآية ما نفت تجدد شيء في المستقبل كما هو واضح.
فالتحقيق - إن شاء الله - هو جواز نسخ المتواتر بالآحاد الصحيحة الثابت تأخرها عنه، وإن خالف فيه جمهور الأصوليين " انتهى.
" أضواء البيان " (٢/٤٥١-٤٥٢)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10470
وقفات مع جملة: " فقه الواقع "
[السُّؤَالُ]
ـ[هل هناك ما يعرف بـ " فقه الواقع "، و " اختلاف الفتوى باختلاف الزمان والمكان " , فهل هناك ما يثبت ذلك من الكتاب والسنَّة النبوية؟ . أفيدونا، أفادكم الله , وجزاكم الله خيراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
كلمة " فقه الواقع " تُطلق ويراد به أمران اثنان:
الأول: معرفة واقع المستفتي، وحاله، وواقع بلده، فلا يُفتى في مسائل الجهاد لبلد حتى يكون عند المفتي تصور للحال في تلك البلاد، كما لا يفتي في مسائل تتعلق بالكمبيوتر، والإنترنت، حتى يكون على علم بواقع تلك الأشياء، وما يحدث فيها.
الثاني: معرفة ما يجري في العالَم من أحداث، وقراء التحليلات السياسية لها، والاطلاع على مذكرات الأعداء، وقراءة كتبهم، وصحفهم، وتتبع خططهم في غزو البلاد، أو نشر الفساد.
أما الكلمة بالمعنى الأول فنقول:
لا شك أن الفتوى تحتاج من المفتي إلى: فقه بالكتاب والسنَّة والإجماع، وإلى فقه بواقع الناس، والحال، والزمان، والمكان، وإلا كانت فتواه لا تفي بالحاجة، أو لا يمكن تطبيقها؛ لبعدها عن الواقع الذي يجهله ذلك المفتي.
قال ابن القيم ﵀:
ولا يتمكن المفتي، ولا الحاكم، من الفتوى، والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم:
أحدهما: فهْم الواقع والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع، بالقرائن، والأمارات، والعلامات، حتى يحيط به علماً.
والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع , وهو فهم حكم الله الذي حكم به، في كتابه، أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر.
" إعلام الموقعين " (١ / ٨٧) .
وقد طبَّق العلماء الأجلاء ذلك في فتاوى كثيرة متعددة، ومن ذلك ما أفتى به شيخ الإسلام ابن تيمية حين سئل عن قتال التتار مع أنهم يشهدون أن لا إله إلا الله، فقال:
نعم، يجب قتال هؤلاء، بكتاب الله، وسنَّة رسوله، واتفاق أئمة المسلمين، وهذا مبني على أصلين: أحدهما: المعرفة بحالهم، والثاني: معرفة حكم الله في مثلهم.
فأما الأول: فكل مَن باشر القوم يعلم حالهم، ومَن لم يباشرهم يعلم ذلك بما بلغه من الأخبار المتواترة، وأخبار الصادقين، ونحن نذكر جلَّ أمورهم بعد أن نبيِّن الأصل الآخر الذي يختص بمعرفته أهل العلم بالشريعة الإسلامية فنقول:
كل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة: فإنه يجب قتالها باتفاق أئمة المسلمين ... .
" مجموع الفتاوى " (٢٨ / ٥١٠) .
ثانياً:
أما " فقه الواقع " على المعنى الثاني: فثمة إفراط فيه، وتفريط، وعليه فنقول:
إنه قد غلا بعض المشتغلين بهذا الفقه حتى طغى على جانب الفقه الشرعي لديهم، بل وغلا بعضهم حتى أوجب هذا الفقه على علماء الشريعة والفقه، ورمى بعضُهم كثيراً من المشايخَ والعلماء بعدم فهم الواقع، وبقلة فقه الواقع لديهم , وقابلهم طائفة أخرى في مقابلهم منعت من الاشتغال بما يدور بالعالم من أحداث وواقع , وخير الأمور أوسطها.
قال الشيخ الألباني ﵀:
ولقد أثيرَت أثناءَ تلك الفتنةِ ما اصْطَلحَ (البَعضُ) على تَسميِتِه بـ " فقه الواقع "، وأنا لا أخاِلفُ في صورَةِ هذا العلم الذي ابتَدعوا لهُ هذا الاسمَ، ألا وهو " فقه الواقع "؛ لأنَّ كثيراً مِن العُلَماءِ قَد نَصُّوا على أنَّه يَنَبغي على مَن يَتَوَلونَ تَوجيهَ الأمَّةِ وَوضعَ الأجوبَةِ لِحَلِّ مشاكلهم: أن يَكونوا عالِمينَ، وعارفينَ، بِواقِعِهِم؛ لذلك كان مِن مَشهورِ كلماِتهِم: " الحُكمُ على الشيءِ فَرعٌ عَن تَصَوُّرهِ "، ولا يَتَحقَّق ذلك إلا بمَعرفَةِ (الواقِع) المُحطِ بالمسألَةِ المُرادِ بَحثُها، وهذا مِن قَواعدِ الفُتيا بِخاصَّةٍ، وأصول ِ العلم ِ بعامَّةٍ، فَفِقهُ الواقع - إذاً - هو الوقوفُ على ما يَهُمُّ المُسلمين مِمَّا يَتَعلَّقُ بشؤوِنهِم، أو كيدِ أعدائِهم؛ لتحذيرِهم والنُّهوض ِ بهم واقعيَّاً، لا كلاماً نَظَريَّاً، أو انشغالاً بأخبارِ الكُفَّارِ وأنبائهم، أو إغراقاً بِتحليلاِتهِم وأفكارِهم ِ، فمَعرفةُ الواقع ِ للوُصول به إلى حُكم ِ الشرع ِ: واجبٌ مهم مِن الواجباتِ التي يَجبُ أن يَقومَ بها طائفة مُختصَّة مِن طلَاّب ِ العلمِ المُسلمينَ النُّبَهاءِ، كأيِّ علم مِن العلوم الشرعيَّةِ أو الاجتماعيَّةِ أو الاقتصاديَّةِ أو العَسكريَّةِ، أو أيِّ علم ٍ يَنفعُ الأمَّة الإسلاميَّة َ ويُدنيها مِن مَدارج العَودَةِ إلى عِزِّها ومَجدِها وَسُؤْدُدِها، وَبِخاصَّةٍ إذا ما تَطَوَّرَت هذه العلومُ بتَطوُّرِ الأزِمنَةِ والأمكنَةِ ... .
ولكَّننا سمِعنا، ولاحَظنا: أنَّهُ قَد وَقَعَ كثيرٌ مِن الشبابِ المُسلِم في " حَيْصَ بيْصَ " نَحو هذا النَّوع من العلم الذي سَبَقت الإشارَةُ إلى تَسمِيَتهم له بِ " فقه الواقع "، فانقَسموا قسمين، وصاروا - للأسَفِ - فَريقيَن، حيثُ إنَّه قَد غَلا البَعضُ بهذا الأمر، وَقَصَّرَ البَعضُ الآخَرُ فيهِ، إذ إنكَ تَرى وتَسمَعُ - مِمَّن يُفَخِّمونَ شأنَ " فقه الواقع "، وَيَضعونَهُ في مرتبةٍ عَليَّةٍ فوقَ مَرتبتهِ العلميَّةِ الصَّحيحةِ - أنهم يُريدونَ مِن كُلِّ عالم ٍ بالشرع ِأن يَكونَ عالماً بما سَمَّوهُ " فقه الواقع "، كما أَنَّ العَكسَ - أيضاً - حاصلٌ فيهم، فَقَد أوْهموا السَّامعينَ لهم، والمُلتفَّينَ حَولَهُم، أنَّ كلَّ مَن كان عارفاً بواقع العالم ِالإسلاميِّ هو فقيهٌ في الكتابِ والسُّنَّةِ، وعلى منهج السَّلف الصَّالح! وهذا ليسَ بلازِم ٍ، كما هو ظاهرٌ، وَنَحنُ لا نَتَصوَّرُ وجودَ إنسانٍ كاملٍ بكُلِّ مَعنى هذه الكلمةِ، أي: أن يَكونَ عالماً بكُلِّ هذه العلوم التي أشرتُ إليها، وَسَبَقَ الكلامُ عليها.
فالواجبُ إذاً: تعاوُنُ هؤلاء الذين تَفَرَّغوا لِمَعرفةِ واقع الأُمةِ الإسلامَّيةِ، وما يُحاكُ ضِدَّها، مَعَ عُلماء الكتابِ والسُّنَّةِ وعلى نَهج ِ سَلفِ الأُمَّةِ، فأولئكَ يُقدَّمونَ تَصوُّراتِهم وأفكارَهم، وهؤلاء يُبيِّنونَ فيها حُكمَ اللهِ سبحانَهُ، القائمَ على الدِّليل الصَّحيح، والحُجَّةِ النيِّرَةِ، أمَّا أن يُصبحَ المُتَكلِّمُ في " فقه الواقع " في أذهان ِ سامعيهِ واحداً من العُلماء والمُفتينَ، لا لِشيءٍ إلا لأنَّه تكلَّمَ بهذا " الفقهِ " المشار إليه: فهذا ما لا يُحكَمُ له بوجهٍ من الصَّواب؛ إذ يُتَّخَذُ كلامُهُ تُكَأة تُرَدُّ بها فتاوى العُلماء، وتُنْقَضُ فيه اجتهاداتهُم، وأحكامُهُم.
" سؤال وجواب حول فقه الواقع " (ص ١٤ – ١٦) باختصار يسير.
وقال ﵀:
فالأمرُ إذاً كما قال الله تعالى: (وَكَذلكَ جَعَلناكُم أمَّة وَسَطاً) ، ففقهُ الواقع بمَعناهُ الشرعيِّ الصَّحيح هو واجبٌ بلا شكّ، ولكنْ وجوباً كِفائيّاً، إذا قامَ به بَعضُ العُلماء سَقطَ عَن سائرِ العُلماء، فضلاً عن طلاّبِ العلم، فضلاً عَن عامَّةِ المُسلمين.
فلذلك يَجبُ الاعتدالُ بدعوة المُسلمين إلى مَعرفِة " فقه الواقع "، وَعَدمُ إغراقهم بأخبارِ السِّياسة، وَتَحليلاتِ مُفكِّري الغَرب، وإنَّما الواجبُ - دائماً وأبَداً - الدَّندَنَة حولَ تَصفية الإسلام مِمَّا عَلَقَ به مِن شوائبَ، ثم تربَية المُسلمين - جماعاتٍ وأفراداً - على هذا الإسلام المُصَفَّى، وَرَبطُهُم بِمَنهَجِ الدَّعوةِ الأصيل:الكتاب والسُّنَّة، بفهم سَلَف الأمَّة.
" سؤال وجواب حول فقه الواقع " (ص ٢٥) .
وقال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله:
وأما الاشتغال بواقع العصر - كما يقولون -، أو " فقه الواقع ": فهذا إنما يكون بعد الفقه الشرعيِّ؛ إذ الإنسان بالفقه الشرعيِّ ينظر إلى واقع الناس، وما يدور في العالم، وما يأتي من أفكار، ومن آراء، ويعرضها على العلم الشرعيِّ الصَّحيح؛ ليميز خيرها من شرِّها، وبدون العلم الشرعيِّ: فإنه لا يُميِّزُ بين الحقِّ والباطل، والهُدى والضَّلال، فالذي يشتغل بادئ ذي بدء بالأمور الثقافية، والأمور الصَّحافيّة، والأمور السياسيّة، وليس عنده بصيرة من دينه: فإنّه يَضِلُّ بهذه الأمور؛ لأنَّ أكثر ما يدور فيها ضلالة، ودعاية للباطل، وزُخرُفٌ من القول وغرور، نسأل الله العافية والسَّلامة.
" المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان " (١ / ٢٩٧) .
وانظر تعليق الشيخ العثمين على هذا الأمر في جواب السؤال رقم: (٧٦٠١٠) .
ثالثاً:
لمعرفة المقصود بـ " تغيّر الفتوى باختلاف الزمان والمكان " فقد تقدم الكلام عنها مفصلاً في إجابة السؤال رقم (١٣٠٦٨٩) فانظره فهو مهم.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10471
هل يجتهد النبي ﷺ ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا مهتم جدا بتعلم الإسلام، لذلك قمت مؤخرا بالبدء في قراءة صحيح البخاري للحديث، وقد لاحظت أن النبي ﷺ في بعض الأحاديث قد شرع لنا أن نفعل بعض الأشياء الصادرة عن حكمه هو، وليست وحيا من الله تعالى. على سبيل المثال: أذكر الحديث الذي يقول فيه النبي ﷺ : (لولا أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) (رواه البخاري، ٨٨٧ ومسلم ٢٥٢) . أرجو أن تشرحوا لي إمكانية ذلك، ونحن نعلم أن كل شيء يصدر عن رسول الله صلى الله علي وسلم (أمر، أو إجازة، أو تحريم) إنما يكون وحيا من الله.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
بداية نشكر لك حرصك على تعلم الإسلام والتفقه فيه، فالعلم نور يضيء للعقل الطريق، ويفتح للقلب آفاقا من المعرفة بالله ، يهتدي بها إلى الحق الذي ينجيه بين يديه .
ونحن نرجو أن يسلك كل الناس هذا المسلك الذي أنت عليه، مسلك التدبر والتفكر، ثم السؤال عما يرد على أذهانهم من مسائل وإشكالات، ولو تثبت كل عاقل مما يقرأ أو يسمع دفع عن نفسه وعن الناس الجهالة والغواية.
ثانيا:
بخصوص ما سألت عنه، نقول:
يقسم العلماء ما يصدر عن النبي ﷺ من أقوال وأفعال إلى قسمين:
القسم الأول: أقوال وأفعال صادرة بتوقيف من الوحي، وَبِأَمْرٍ من الرب ، يكون النبي ﷺ فيها مبلغا ناقلا أمينا، يأمر بما أمر الله به، ويمتثل ما أوحي إليه من ربه . وهذا القسم هو الغالب على أقوال وأفعال النبي ﷺ .
القسم الثاني: أقوال وأفعال صادرة عن رأي النبي ﷺ واجتهاده، لم يكن النبي ﷺ فيها مبلغا ولا ناقلا، وإنما مشرِّعًا مجتهدا، بناء على ما خوله الله من التشريع والحكم بين الناس، والله يقره على ذلك، إلا في بعض الحالات التي كان في اجتهاده ﷺ شيء من الخطأ، فحينئذ ينزل الوحي من عند الله بتصويب ذلك، وبهذا تبقى العصمة التامة لجميع ما يصدر عن النبي ﷺ :
إذا كان مبلغا لما أوحى الله إليه: فالعصمة حاصلة ابتداء.
وإذا كان مجتهدا في حكمه ﷺ : فالعصمة حاصلة انتهاء.
قال الشاطبي ﵀:
" الحديث إما وحي من الله صرف، وإما اجتهاد من الرسول ﵊ معتبر بوحي صحيح من كتاب أو سنة.
وعلى كلا التقديرين لا يمكن فيه التناقض مع كتاب الله؛ لأنه ﵊ ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وإذا فُرِّعَ على القول بجواز الخطأ في حقه، فلا يُقَرُّ عليه البتة، فلا بد من الرجوع إلى الصواب، والتفريع على القول بنفي الخطأ أولى أن لا يحكم باجتهاده حكما يعارض كتاب الله تعالى ويخالفه " انتهى.
" الموافقات " (٤/٣٣٥)
وقال الشوكاني ﵀:
" يجوز – الاجتهاد - لنبينا ﷺ ولغيره من الأنبياء، وإليه ذهب الجمهور، واحتجوا:
١- بأن الله سبحانه خاطب نبيه ﷺ كما خاطب عباده، وضرب له الأمثال، وأمره بالتدبر والاعتبار، وهو أجل المتفكرين في آيات الله، وأعظم المعتبرين.
وأما قوله: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) فالمراد به القرآن؛ لأنهم قالوا إنما يعلمه بشر، ولو سلم لم يدل على نفي اجتهاده؛ لأنه ﷺ إذا كان متعبدا بالاجتهاد وبالوحي لم يكن نطقا عن الهوى، بل عن الوحي.
٢- وإذا جاز لغيره من الأمة أن يجتهد بالإجماع مع كونه معرضا للخطأ، فلأن يجوز لمن هو معصوم عن الخطأ بالأولى.
٣- ويدل على ذلك دلالة واضحة ظاهرة قول الله : (عفا الله عنك لم أذنت لهم) ، فعاتبه على ما وقع منه، ولو كان بالوحي لم يعاتبه.
٤- ومن ذلك ما صح عنه ﷺ من قوله: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي) أي: لو علمت أولا ما علمت آخرا ما فعلت ذلك، ومثل ذلك لا يكون فيما عمله ﷺ بالوحي.
٦- وأمثال ذلك كثيرة: كمعاتبته ﷺ على أخذ الفداء من أسرى بدر بقوله تعالى: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرض) الأنفال/٦٧، وكما في معاتبته ﷺ بقوله تعالى: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ) الأحزاب/٣٧.
إلى آخر ما قصه الله في ذلك في كتابه العزيز.
والاستيفاء لمثل هذا يفضي إلى بسط طويل، وفيما ذكرناه ما يغني عن ذلك، ولم يأت المانعون بحجة تستحق المنع أو التوقف لأجلها " انتهى، مختصرا.
" إرشاد الفحول " (٤٢٧-٤٢٩)
وقال العلامة الأمين الشنقيطي ﵀:
" الذي يظهر أن التحقيق في هذه المسألة أنه ﷺ ربما فعل بعض المسائل من غير وحي في خصوصه، كإذنه للمتخلفين عن غزوة تبوك قبل أن يتبين صادقهم من كاذبهم، وكأسره لأسارى بدر [وأخذ الفداء منهم] ، وكأمره بترك تأبير النخل، وكقوله: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ... ) الحديث. .إلى غير ذلك.
وأن معنى قوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) لا إشكال فيه؛ لأن النبي ﷺ لا ينطق بشيء من أجل الهوى، ولا يتكلم بالهوى، وقوله تعالى: (إِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْيٌ يُوحَى) يعني أن كل ما يبلغه عن الله فهو وحي من الله، لا بهوى، ولا بكذب، ولا افتراء، والعلم عند الله تعالى " انتهى.
" دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب " (ص/٢٢٤) ، وانظر: " مذكرة أصول الفقه " (ص/٦٠)
ثالثا:
فإذا تبين أن النبي ﷺ كان ربما صدر عنه القول أو الفعل عن رأي منه واجتهاد، ثم يقره الوحي عليه فيسكت عنه أو يؤيده، ونادرا ما كان الوحي يأتي بتصويبه – إذا تبين ذلك فهمنا وجه قوله ﷺ في كثير من الأحاديث: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم ... ) ، ومنها حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي ـ أَوْ عَلَى النَّاسِ ـ لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ) رواه البخاري (٨٨٧) ، ومسلم (٢٥٢)
قال الإمام النووي ﵀:
" فيه دليل على جواز الاجتهاد للنبي ﷺ فيما لم يرد فيه نص من الله تعالى، وهذا مذهب أكثر الفقهاء، وأصحاب الأصول، وهو الصحيح المختار " انتهى.
" شرح مسلم " (٣/١٤٤)
وقال أبو الوليد الباجي ﵀:
" امتناعه ﷺ من الأمر لهم لمعنى المشقة، أي لولا المشقة لأمرهم به، هذا يقتضي أن النبي ﷺ الآمر بالأحكام وإيجابها، وأن ذلك مصروف إلى اجتهاده، ولولا ذلك لم يمنعه الإشفاق على أمته من أن يوجب عليهم السواك لأجل المشقة " انتهى.
" المنتقى شرح الموطأ " (١/١٣٠)
على أن ثمة توجيها آخر لهذا الحديث لا نحتاج معه تقرير جواز اجتهاد النبي ﷺ .
قال الحافظ ابن حجر ﵀ – في معرض ذكر فوائد هذا الحديث -:
" فيه جواز الاجتهاد منه ﷺ فيما لم ينزل عليه فيه نص، لكونه جعل المشقة سببا لعدم أمره، فلو كان الحكم متوقفا على النص، لكان سبب انتفاء الوجوب عدم ورود النص، لا وجود المشقة.
قال ابن دقيق العيد: وفيه بحث.
وهو كما قال، ووجهه أنه يجوز أن يكون إخبارا منه ﷺ بأن سبب عدم ورود النص وجود المشقة، فيكون معنى قوله: (لأمرتهم) أي: عن الله بأنه واجب " انتهى.
" فتح الباري " (٢/٣٧٦)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10472
ما حكم التهنئة بيوم الجمعة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم التهنئة بيوم الجمعة؟ حيث إن العادة عندنا الآن في يوم الجمعة ترسل الرسائل بالجوال , ويهنئ الناس بعضهم بعضاً بالجمعة بقولهم " جمعة مباركة "، أو " جمعة طيبة ".]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا شك أن يوم الجمعة يوم عيد للمسلمين، كما جاء في الحديث عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ هَذَا يَوْمُ عِيدٍ جَعَلَهُ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَمَنْ جَاءَ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ، وَإِنْ كَانَ طِيبٌ فَلْيَمَسَّ مِنْهُ، وَعَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ) رواه ابن ماجه (١٠٩٨) وحسَّنه الألباني في "صحيح ابن ماجه".
قال ابن القيم ﵀ في بيان خصائص يوم الجمعة:
الثالثة عشرة: أنه يوم عيد متكرر في الأسبوع.
"زاد المعاد" (١/٣٦٩) .
وبذلك يكون للمسلمين أعياد ثلاثة، عيد الفطر، والأضحى، وهما متكرران في كل عام مرة، والجمعة، وهو متكرر في كل أسبوع مرة.
ثانياً:
أما تهنئة المسلمين بعضهم بعضاً بعيد الفطر والأضحى: فهي مشروعة، وقد وردت عن الصحابة ﵃، وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال رقم (٤٩٠٢١) و (٣٦٤٤٢) .
وأما التهنئة بيوم الجمعة: فالذي يظهر لنا أنها غير مشروعة، لأن كون الجمعة عيداً كان معلوماً للصحابة ﵃، وهم أعلم منا بفضيلته، وكانوا أحرص على تعظيمه والقيام بحقه، ولم يرد عنهم أنهم كانوا يهنئ بعضهم بعضاً بيوم الجمعة، والخير كل الخير في اتباعهم ﵃.
وقد سئل الشيخ صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله: ما حكم إرسال رسائل الجوال كل يوم جمعة، وتختم بكلمة " جمعة مباركة "؟ .
فأجاب:
"ما كان السلف يهنئ بعضهم بعضاً يوم الجمعة، فلا نحدث شيئاً لم يفعلوه" انتهى من أجوبة أسئلة " مجلة الدعوة الإسلامية ".
http://www.alfawzan.ws/AlFawzan/MyNews/tabid/٨٧/Default.aspx?more=٤٥٤&new_id=٩٤
وبمثل ذلك أفتى الشيخ سليمان الماجد حفظه الله، حيث قال:
"لا نرى مشروعية التهنئة بيوم الجمعة، كقول بعضهم: " جمعة مباركة "، ونحو ذلك؛ لأنه يدخل في باب الأدعية، والأذكار، التي يوقف فيها عند الوارد، وهذا مجال تعبدي محض، ولو كان خيراً لسبقنا إليه النبي ﷺ ، وأصحابه ﵃، ولو أجازه أحد للزم من ذلك مشروعية الأدعية، والمباركة عند قضاء الصلوات الخمس، وغيرها من العبادات، والدعاء في هذه المواضع لم يفعله السلف" انتهى من موقع الشيخ حفظه الله.
http://www.salmajed.com/ar/node/٢٦٠١
ولو دعا المسلم لأخيه في يوم الجمعة , قاصداً تأليف قلبه، وإدخال السرور عليه، وتحرياً لساعة الإجابة، فلا بأس بذلك.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10473
إذا انعقد الإجماع فلا يجوز لأحد مخالفته
[السُّؤَالُ]
ـ[هل اجتهاد علماء هذا العصر ينقض إجماع الصحابة؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا انعقد الإجماع، فهو حجة شرعية، فالواجب اتباعه، ولا يجوز الخروج عنه.
قال الإمام الشافعي: "وأمرُ رسول الله ﷺ بلزوم جماعة المسلمين مما يحتج به من أن إجماع المسلمين - إن شاء الله - لازم" انتهى.
"الرسالة" (ص٤٠٣) .
وقال السرخسي ﵀:
"الإجماع موجب للعلم قطعاً بمنزلة النص، فكما لا يجوز ترك العمل بالنص باعتبار رأي يعترض له: لا يجوز مخالفة الإجماع برأي يعترض له بعدما انعقد الإجماع بدليله" انتهى.
" أصول السرخسي " (١ / ٣٠٨) .
وقال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ في شرح كتابه "الأصول من علم الأصول" (صـ٤٩٨) :
"لو أجمع الصحابة على قول، فهذا الإجماع يمنع من حدوث خلاف، فلا يمكن لمن بعدهم أن يخاف إجماعهم، لأن الإجماع يمنع من حدوث الخلاف، لأنه حجة" انتهى.
وقد تصل مخالفة الإجماع إلى الكفر، وهذا إذا كان الإجماع قطعياً لا شبهة فيه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
"كل ما أجمعوا عليه فلا بدَّ أن يكون فيه نصٌّ عن الرسول، فكل مسألة يُقطع فيها بالإجماع وبانتفاء المنازع من المؤمنين: فإنها مما بيَّن الله فيه الهدى، ومخالف مثل هذا الإجماع يكفر، كما يكفر مخالف النص البيِّن، وأما إذا كان يظن الإجماع، ولا يقطع به: فهنا قد لا يقطع أيضاً بأنها مما تبين فيه الهدى من جهة الرسول، ومخالف مثل هذا الإجماع قد لا يكفر؛ بل قد يكون ظن الإجماع خطأ، والصواب في خلاف هذا القول، وهذا هو فصل الخطاب فيما يكفر به من مخالفة الإجماع، وما لا يكفر" انتهى.
" مجموع الفتاوى " (٧ / ٣٩) .
وبهذا يتبين أنه متى ثبت الإجماع فهو حجة شرعية، ملزمة لجميع المسلمين، ولا يجوز لأحد الخروج عنه بدعوى الاجتهاد أو بغير ذلك من الدعاوى.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10474
ليس كل حرام يباح للحاجة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أعرف أن من الأمور ما تكون حراماً ثم لظروف معينة تصير حلالاً بدافع الضرورة، وقد وجدتُ رجلاً واسع العلم يقول لي: إن الحرام ينقلب حلالاً بدافع الحاجة أيضاً، فهل هذا حقيقي؟ وإلى أي مدى؟ وما هي شروط تحقيق ذلك؟ وأنا أسأل ذلك لما نواجهه في البلدان غير الإسلامية.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سبق الكلام على قاعدة "إباحة المحرم للضرورة" وبيان شروط ذلك في جواب السؤال رقم (١٣٠٨١٥) .
أما إباحة المحرم للحاجة، فهذا صحيح، وله أمثلة جاء بها الشرع، وسيأتي ذكر بعضها إن شاء الله.
والفرق بين الحاجة والضرورة: أن الضرورة ما يلحق الإنسان ضرر بعدمه، ولا يوجد غيره يقوم مقامه. وأما الحاجة فهي ما يلحق الإنسان بتركه مشقة، وقد يقوم غيره مقامه.
وقد ذكر العلماء شرطاً لإباحة المحرم للحاجة، وهو:
أن يكون هذا المحرم محرماً تحريم الوسائل، لا المقاصد.
وذلك أن المحرمات نوعان:
الأول: محرم تحريم مقاصد، كأكل الميتة، وشرب الخمر، فهذا لا يباح للحاجة، وإنما يباح للضرورة.
النوع الثاني: محرم تحريم وسائل، كلبس الحرير، وربا الفضل ... فهذا يباح للحاجة.
قال أبو عبد الله الزركشي ﵀:
فالضرورة: بلوغه حدّاً إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب كالمضطر للأكل، واللبس بحيث لو بقي جائعاً أو عرياناً لمات، أو تلف منه عضو، وهذا يبيح تناول المحرم.
والحاجة: كالجائع الذي لو لم يجد ما يأكل لم يهلك، غير أنه يكون في جهد ومشقة، وهذا لا يبيح المحرَّم.
"المنثور في القواعد" (٢/٣١٩) .
ومثال ذلك: جواز لبس الرجل لثوب حرير من أجل حكة به. وقد جاءت السنة بذلك.
مثال آخر: إباحة ربا الفضل للحاجة، فقد رخص الرسول ﷺ في بيع الرطب على رؤوس النخل بتمر كيلاً، مع أن الأصل تحريم هذه المعاملة، لأنه لا يمكن حصول التساوي بين الرطب والتمر، لأن الرطب ينقص إذا جف، فتكون هذه الصورة داخلة في ربا الفضل، إلا أن الرسول ﷺ رخص فيها للحاجة.
انظر: "إعلام الموقعين" (٢/١٣٧) .
وقد نظم ذلك القول والمثال: الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ في منظومته في أصول الفقه وقواعده، فقال:
لكنَّ ما حُرِّمَ للذَّرِيعَةِ ... يَجُوزُ للحَاجَةِ كَالعَريَّةِ
وقد شرح ذلك بقوله:
"هذا مستثنى من قوله: (وكل ممنوع فللضرورة يباح) لأن ظاهره أنه لا يباح المحرم إلا عند الضرورة، فاستثنى من ذلك ما كان محرماً للذريعة، فإن حكمه حكم المكروه، يجوز عند الحاجة.
مثاله: العَرِيَّة وهي: عبارة عن بيع الرطب على رؤوس النخل بالتمر، وأصل بيع الرطب بالتمر حرام، لأن النبي ﷺ سئل عن بيع التمر بالرطب فقال: (أينقص إذا جف؟) قالوا: نعم، فنهى عن ذلك.
ووجهه: أن بيع التمر بالتمر لابد فيه من التساوي، ومعلوم أن الرطب مع التمر لا يتساويان، فإذا كان هذا الفلاح عنده الرطب على رؤوس النخل، وجاء شخص فقير ليس عنده دراهم يشتري رطباً يتفكه به مع الناس، لكن عنده تمر من العام الماضي، فلا حرج أن يشتري الرطب بالتمر للحاجة لأنه ليس عنده دراهم، ولو باع التمر أولاً ثم اشترى رطباً ففيه تعب عليه، وربما ينقص ثمن التمر، فيجوز له أن يشتري الرطب بالتمر للحاجة بشروط:
١- أن لا يتجاوز خمسة أوق.
٢- وأن لا يدع الرطب حتى يتمر.
٣- وأن يكون الرطب مخروصاً بما يؤول إليه تمراً، مثل أن يقال: هذا الرطب إذا صار تمراً صار مماثلاً للتمر الذي بذله للمشتري.
٤- وأن لا يجد ما يشتري به سوى هذا التمر.
٥- وأن يكون الرطب على رؤوس النخل، لئلا يفوته التفكه شيئاً فشيئاً.
فإذا قال قائل: ألا يمكن أن يبيع التمر ويشتري الرطب كما أرشد النبي ﷺ إلى ذلك فيما إذا كان عند الإنسان تمر رديء، وأراد تمراً جيداً أنه لا يبيع التمر الرديء بتمر جيد أقل منه، بل أمر أن يباع الرديء بالدراهم، ثم يشتري بالدراهم تمراً جيداً، فلماذا نقول بالعَرِيَّة، ولا نقول: بع التمر ثم اشتر بالدراهم رطباً؟
فالجواب على هذا: أولاً: أن السنة فرقت بينهما، وكل شيء فرق الشرع فيه فإن الحكمة بما جاء به الشرع، لأننا نعلم أن الشرع لا يفرق بين متماثلين، ولا يجمع بين متفرقين، وما فرق الشرع بينهما وظننا أنهما متماثلان، فإن الخطأ في فهمنا، فيكفي أن نقول: جاء الشرع بحل هذا ومنع هذا، لكن مع ذلك يمكن أن نجيب عقلاً عن هذا، فيقال: إن الصحابة ﵁ كانوا يبيعون التمر الرديء بالتمر الجيد مع التفاضل، وهذا ربا صريح لا يحل.
أما في مسألة العَرِيَّة فيجب أن يخرص الرطب بحيث يساوي التمر لو أتمر، بمعنى: أننا نخرص الرطب بحيث يكون هذا الرطب إذا يبس وصار تمراً على مقدار التمر الذي اشترى الرطب به.
ثانيا: أن نقول: إن ربا الفضل إنما حُرم لكونه ذريعة إلى ربا النسيئة، وذلك لأن ربا الفضل لا يمكن أن يقع بين متماثلين جنساً ووصفاً، بل لابد أن يكون هناك فرق بينهما في الوصف من أجل زيادة الفضل، وتتشوف النفوس إلى زيادة الدين إذا تأجل، وتقول النفس: إذا كانت الزيادة تجوز لطيب الصفة، والنقص يجوز لرداءة الصفة، فلتجز الزيادة لزيادة المدة بتأخير الوفاء، فترتقي النفس من هذا إلى هذا، والنفس طماعة لا سيما في البيع والشراء، ولا سيما مع قلة الورع كما في الأزمنة المتأخرة، لذلك سُدَّ الباب، وقيل: لا يجوز ربا الفضل، ولو مع التقابض في المجلس.
والذي يمكن أن يقع في العرية هو ربا الفضل، وتحريم ربا الفضل علمنا من التقرير الذي ذكرناه أنه إنما يحرم لئلا يكون ذريعة إلى ربا النسيئة، والذي حرم لكونه ذريعة فإنه يباح عند الحاجة.
فإن قال قائل: الفقير الذي لا دراهم عنده ما ضرورته إلى أن يشتري الرطب بالتمر؟
الجواب: ليس هناك ضرورة، لأنه يمكن أن يعيش على التمر، لكن هناك حاجة، يريد أن يتفكه كما يتفكه الناس، فلهذا رخِّص له في العرية.
مثال آخر: النظر إلى وجه المرأة الأجنبية حرام، لأنه وسيلة إلى الفاحشة، ولهذا جاز للحاجة، فالخاطب يجوز أن يرى وجه مخطوبته، والشاهد إذا أراد أن يعرف عين المرأة المشهود عليها، يجوز أن يرى وجهها ليشهد على المرأة بعينها، لأن التحريم هنا تحريم وسيلة، وما كان تحريمه تحريم وسيلة فإنه يجوز عند الحاجة.
مثال آخر: الحرير على الرجال حرام، لأنه وسيلة إلى أن يتخلق الرجل بأخلاق النساء من الليونة والرقة، والتشبه بالنساء حرام، فلما كان تحريمه تحريم وسيلة جاز عند الحاجة، فإذا كان الإنسان فيه حكة يجوز أن يلبس الحرير من أجل أن تبرد الحكة، لأن تحريمه تحريم وسائل" انتهى.
"شرح منظومة أصول الفقه وقواعده" (ص ٦٤ – ٦٧) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10475
كيف يكون إعفاء اللحية واجباً مع أن الله لم يأمر به في القرآن ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[فيما يتعلق بالسؤال رقم ٣٤٣١ (الشرك) ، إذا أمر الوالدان ابنهما بحلق لحيته، فكيف يكون ذلك شركا؟ لأنه لم يرد في القرآن (أمر بوجوب) أن يربي المسلم لحيته، بل وردت التوصية بذلك كي يظهر المسلم في صورة التقى والصلاح، ومن الممكن تحقق ذلك المقصد بطرق مختلفة، وليس بالضرورة بتربية اللحية. وعليه، فكيف يمكن أن يكون في حلق اللحية مخالفة لأوامر الله ؟ إن تربية اللحية ليس مما أمر الله به. وعليه، فإذا أمرني شخص بحلق لحيتي وأطعته في ذلك، فأنا لا أقترف الشرك بفعلي ذاك، لأني لا أخالف أوامر الله . أرجو التوضيح.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
معلوم أن أوامر النبي ﵊ هي من أوامر الله تعالى، وأن الله تعالى أمرنا أن نطيع رسوله، وقد جاءت الأحاديث عنه في الأمر بتربية اللحى والنهي عن حلقها، كقول رسول الله ﷺ : (عشر من الفطرة قص الشارب وإعفاء اللحية ... الحديث) وإعفاؤها: تركها، وهي من الفطرة أي من السنة، وهي سنة الرسول ﵊، فمن حلقها فقد خالف السنة، ويكون بذلك قد عصى، وقد أمرنا الله بطاعة رسوله بقوله تعالى: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا) ، ونهانا عن معصيته بقوله تعالى: (ومن يعص الله ورسوله يدخله نارا خالدا فيها) ، وتوعّد من يخالف أمره بقوله تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) . ونعلم أن رسول الله قدوتنا وأسوتنا لقوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) أي قدوة حسنة فنتبعه في أفعاله، وقد كان ﵊ يُعفي لحيته ولا يأخذ منها، وما روي أنه كان يأخذ من طولها وعرضها فلم يثبت شيء من ذلك. وقد ذكر الله في كتابه أن نبيه هارون كان معفيا لحيته وذلك لمّا قال لأخيه: (لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي) فدلّ على أنهم كانوا يعفون اللحى.
ولا يجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق، لقوله ﷺ : (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) . فمن أطاع إنسانا وعصى الله تعالى فقد أطاع في معصية، وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: (إنما الطاعة في المعروف) . فولاة الأمر إذا أمروا بمعصية فلا يطاعون في ذلك، وإذا أمروا بمعروف فطاعتهم من طاعة الله، وكذلك الوالدين.
والله أعلم
سماحة الشيخ عبد الله بن جبرين ﵀.
[الْمَصْدَرُ]
سماحة الشيخ عبد الله بن جبرين رحمه الله
стр. 10476
المقصود بجملة " اختلاف الفتوى باختلاف الزمان والمكان "
[السُّؤَالُ]
ـ[هل هناك ما يعرف بـ " اختلاف الفتوى باختلاف الزمان والمكان " , فهل هناك ما يثبت ذلك من الكتاب والسنَّة النبوية؟ . أفيدونا، أفادكم الله , وجزاكم الله خيراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
مسألة " اختلاف – أو تغيُّر - الفتوى باختلاف الزمان والمكان ": لنا معها وقفات:
١. يجب أن يُعلم أن الأحكام الشرعية المبنية على الكتاب والسنَّة: غير قابلة للتغيير، مهما اختلف الزمان، والمكان، فتحريم الخمر، والزنا، والربا، وعقوق الوالدين، وما يشبه ذلك من الأحكام: لن يكون حلالاً في زمان، أو في مكان؛ لثبوت تلك الأحكام الشرعية بنصوص الوحي، ولاكتمال التشريع بها.
٢. اتخذ بعض أهل الأهواء من تلك الجملة مطية لهم للعبث بالأحكام الشرعية الثابتة بنصوص الوحي المطهَّر، ولتمييع الدين من خلال تطبيقها على أحكام قد أجمع أهل العلم على حكمها منذ الصدر الأول، ولا يسلم لهم الاستدلال بها، فهي لا تخدم أغراضهم، وإنما نص الجملة في " الفتوى "، لا في " الأحكام الشرعية "، وبينهما فرق كبير، فالأول في مسائل الاجتهاد، وما كان بحسب الواقع، فاختلاف الواقع والزمان له تأثير في الفتوى باحتمال تغيرها.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀:
وحكم الله ورسوله لا يختلف في ذاته باختلاف الأزمان، وتطور الأحوال، وتجدد الحوادث؛ فإنه ما من قضية، كائنة ما كانت، إلا وحكمها في كتاب الله تعالى، وسنَّة رسوله ﷺ ، نصّاً أو ظاهراً أو استنباطاً أو غير ذلك، علِم ذلك مَن علمهُ، وجهله من جهله، وليس معنى ما ذكره العلماء من " تغير الفتوى بتغير الأحوال ": ما ظنه من قَلَّ نصيبهم - أو عُدم - من معرفة مدارك الأحكام وعِلَلها، حيث ظنوا أن معنى ذلك بحسب ما يلائم إراداتهم الشهوانية البهيمية، وأغراضهم الدنيوية، وتصوراتهم الخاطئة الوبية، ولهذا تجدهم يحامون عليها، ويجعلون النصوص تابعة لها، منقادة إليها، مهما أمكنهم، فيحرفون لذلك الكلِم عن مواضعه، وحينئذ معنى " تغير الفتوى بتغير الأحوال والأزمان ": مراد العلماء منه: ما كان مستصْحَبة فيه الأصول الشرعية، والعلل المرعية، والمصالح التي جنسها مراد لله تعالى، ورسوله ﷺ .
" فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم " (١٢ / ٢٨٨، ٢٨٩) .
٣. القول بتغير الأحكام الشرعية الثابتة بالوحي يعني تجويز تحريف الدِّين، وتبديل أحكامه، والقول بذلك يعني تجويز النسخ بعد كمال التشريع، ووفاة النبي ﷺ ، وليُعلم أن الإجماع نفسه لا يمكن أن ينسخ حكماً ثابتاً في الشرع إلا أن يكون مستنده النص، فإن لم يكن كذلك – وهو غير واقع في حقيقة الأمر -: كان القول به تجويزا لتبديل الشريعة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
وكنا نتأول كلام هؤلاء على أن مرادهم أن " الإجماع " يدل على نص ناسخ، فوجدنا من ذُكر عنهم: أنهم يجعلون الإجماع نفسه ناسخاً! فإن كانوا أرادوا ذلك: فهذا قول يجوِّز تبديل المسلمين دينَهم بعد نبيِّهم، كما تقول النصارى مِن: أن المسيح سوَّغ لعلمائهم أن يحرِّموا ما رأوا تحريمه مصلحة، ويحلوا ما رأوا تحليله مصلحة، وليس هذا دين المسلمين، ولا كان الصحابة يسوِّغون ذلك لأنفسهم، ومَن اعتقد في الصحابة أنهم كانوا يستحلون ذلك: فإنه يستتاب، كما يستتاب أمثاله، ولكن يجوز أن يجتهد الحاكم، والمفتي، فيصيب، فيكون له أجران، ويخطئ، فيكون له أجر واحد.
" مجموع الفتاوى " (٣٣ / ٩٤) .
وهذا من أعظم خصائص الشريعة وأحكامها القطعية.
قال الإمام الشاطبي ﵀ في بيان ميزات أحكام التشريع القطعية -:
الثبوت من غير زوال، فلذلك لا تجد فيها بعد كمالها نسخاً، ولا تخصيصاً لعمومها، ولا تقييداً لإطلاقها، ولا رفعاً لحكم من أحكامها، لا بحسب عموم المكلفين، ولا بحسب خصوص بعضهم، ولا بحسب زمان دون زمان، ولا حال دون حال، بل ما أثبت سبباً: فهو سبب أبداً لا يرتفع، وما كان شرطاً: فهو أبداً شرط، وما كان واجباً: فهو واجب أبداً، أو مندوباً: فمندوب، وهكذا جميع الأحكام، فلا زوال لها، ولا تبدل، ولو فُرض بقاء التكليف إلى غير نهاية: لكانت أحكامها كذلك.
" الموافقات " (١ / ١٠٩، ١١٠) .
٤. ضابط فهم هذه العبارة في أمرين:
أ. التغير في الفتوى، لا في الحكم الشرعي الثابت بدليله.
ب. التغير سببه اختلاف الزمان، والمكان، والعادات، من بلد لآخر.
وقد جمعهما الإمام ابن القيم ﵀ في قوله:
" فصل، في تغير الفتوى، واختلافها، بحسب تغير الأزمنة، والأمكنة، والأحوال، والنيات، والعوائد "، والعوائد: جمع عادة، وهو فصل نفيس، ذكر فيه – ﵀ – أمثلة كثيرة، فلتنظر في " إعلام الموقعين " (٣ / ٣ فما بعدها) .
ونضرب على ذلك أمثلة، منها:
١. اللُّقَطة، فإنها تختلف من بلد لآخر، ومن زمان لآخر، في تحديد قيمة ما يجوز التقاطه، وتملكه من غير تعريف، فيختلف الأمر في البلد نفسه، فالمدينة غير القرية، ويختلف باختلاف البلدان، والأزمنة.
٢. زكاة الفطر، ومن المعلوم أن النبي ﷺ قد شرعها طعاماً، بمقدار صاع، وقد نص الحديث على " الشعير "، و " التمر "، و " الإقط "، وهي الآن ليست أطعمة في كثير من البلدان، فالشعير صار طعاماً للبهائم، والتمر صار من الكماليات، والإقط لا يكاد يأكله إلا القليل، وعليه: فيفتي العلماء في كل بلد بحسب طعامهم الدارج عندهم، فبعضهم يفتي بإخراج الأرز، وآخر يفتي بإخراجها ذرة، وهكذا.
فالحكم الشرعي ثابت ولا شك، وهو وجوب زكاة الفطر، وثابت من حيث المقدار، ويبقى الاختلاف والتغير في نوع الطعام المُخرَج.
والأمثلة كثيرة جدّاً، في الطلاق، والنكاح، والأيمان، وغيرها من أبواب الشرع.
وانظر مثالاً صالحاً لهذا في جوابنا على السؤال رقم (١٢٥٨٥٣) .
قال القرافي ﵀:
فمهما تجدد في العُرف: اعتبره، ومهما سقط: أسقطه، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك: لا تُجْرِه على عرف بلدك، واسأله عن عرف بلده، وأَجْرِه عليه، وأفته به دون عرف بلدك، ودون المقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح.
والجمود على المنقولات أبداً: ضلال في الدِّين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين، والسلف الماضين، وعلى هذه القاعدة تتخرج أيمان الطلاق، والعتاق، وجميع الصرائح والكنايات، فقد يصير الصريح كناية فيفتقر إلى النية، وقد تصير الكناية صريحا فتستغني عن النية.
" الفروق " (١ / ٣٢١) .
وقد أثنى ابن القيم ﵀ على هذا الفقه الدقيق فقال – بعد أن نقل ما سبق -:
وهذا محض الفقه، ومَن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عُرفهم، وعوائدهم، وأزمنتهم، وأحوالهم، وقرائن أحوالهم: فقد ضلَّ، وأضل، وكانت جنايته على الدِّين أعظم من جناية مَن طبَّب الناس كلهم على اختلاف بلادهم، وعوائدهم، وأزمنتهم، وطبائعهم، بما في كتابٍ من كتب الطب على أبدانهم، بل هذا الطبيب الجاهل، وهذا المفتي الجاهل: أضر ما يكونان على أديان الناس، وأبدانهم، والله المستعان.
" إعلام الموقعين " (٣ / ٧٨) .
ولينظر جواب السؤال رقم: (٣٩٢٨٦) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10477
يريد أن يقصر من لحيته لشغل منصب كبير يخدم به المسلمين
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يمكن أن أقصر لحيتي من أجل الحصول على وظيفة رفيعة في الحكومة أستطيع من خلالها مساعدة إخواني المسلمين في بلدي. فالوظيفة تتمثل في منصب رفيع جدا وسلطة في سياسات البلد وخلال المقابلة ربما لا يقبلون بمسلم ذي لحية طويلة مثل لحيتي. أما إذا تم اختياري في هذا المنصب فإنه يمكنني مساعدة غيري من المسلمين في بلدي بشتى الطرق ويمكنني كذلك أن يكون لي سيطرة على صناع القرار. كما أنه في بلدي لا يوجد إلا القليل من المسلمين في هذه المناصب ولذلك فإن هذا المنصب سوف يمنحني الفرصة لمساعدة الدول الإسلامية النامية الاقتصادية الأخرى.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أمر النبي ﷺ بإعفاء اللحية وتوفيرها في عدة أحاديث، ومنها أخذ العلماء وجوب ترك اللحية على حالها وحرمة حلقها أو قصها وتقصيرها.
وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال رقم (٧٥٥٢٥) .
لكن إذا كان الأمر كما ذكرت من أن تقصير اللحية سيساعدك على تقلد منصب رفيع، تستطيع به أن تعين إخوانك المسلمين، وتؤثر على صناع القرار في بلدك، بما لا تستطيع فعله بغير تقصيرها، فإننا نرجو أن يجوز لك تقصيرها لهذا المقصد، ويقتصر في ذلك على قدر الحاجة.
سُئِلَ شَّيْخُ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن رجل متول ولاية ومطلوب منه أن يجمع أموالاً من الناس بالقهر والظلم وهو يستطيع تخفيض تلك الأموال إلى النصف، ولو ترك العمل، لجاء غيره وألزم الناس بالمال كله، بل ربما زاد عليهم الظلم، فهل يجوز له الاستمرار في عمله وولايته؟
فأجاب ﵀: " الحمد لله، نعم إذا كان مجتهدا في العدل ورفع الظلم بحسب إمكانه وولايتُه خير وأصلح للمسلمين من ولاية غيره واستيلاؤه على الإقطاع خير من استيلاء غيره كما قد ذكر، فإنه يجوز له البقاء على الولاية والإقطاع ولا إثم عليه في ذلك؛ بل بقاؤه على ذلك أفضل من تركه إذا لم يشتغل إذا تركه بما هو أفضل منه. وقد يكون ذلك عليه واجبا إذا لم يقم به غيره قادرا عليه. فنشر العدل بحسب الإمكان ورفع الظلم بحسب الإمكان فرض على الكفاية يقوم كل إنسان بما يقدر عليه من ذلك إذا لم يقم غيره في ذلك مقامه " انتهى من "مجموع الفتاوى" (٣٠ / ٣٥٦-٣٥٧) .
وقد أجاز علماؤنا أشياء مثل هذا نظراً لما يترتب على ذلك من مصالح عظيمة، وقد ذكرنا فتويين للشيخين عبد العزيز بن باز ومحمد بن عثيمين رحمهما الله في ذلك في جواب السؤال رقم (٣٤٧١٨) فراجعه فإنه مهم.
ومتى تمكنت من إعفائها وجب عليك إعفاؤها.
ونسأل الله تعالى أن يوفقك لكل خير.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10478
لماذا حصل الاختلاف في مسائل الفقه بين الأئمة؟ وهل يجب تقليد أحد المذاهب ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[مع بالغ احترامي للأئمَّة الفضلاء، إلا أنني أستغرب لماذا قضية " التمذهب " الموجودة في هذه الأيام، ألم تكن سنَّة رسول الله ﷺ واحدة، فلماذا الاختلاف إذاً؟ هذا حنفي، وهذا شافعي ... إلخ، ألم يكن يتبع هؤلاء الأئمة سنَّة النبي ﷺ ، فمِن أين نشأ الخلاف؟ وهل يجب على المسلم أن يتبع مذهباً محدَّداً، أم أنه يكفيه أن يتبع الكتاب، والسنَّة، وكفى؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
بُعث النبي ﷺ برسالة الإسلام الخالدة، وقد أُمر المسلمون باتباع ما جاء في كتاب ربهم تعالى، وما جاء في سنته ﷺ ، وكان الصحابة ﵃ يرتوون من هذين المصدرين، ثم إنهم ﵃ قاموا بعد موت النبي ﷺ بمهة تعليم الناس دينهم، وقد تفرقوا في الأمصار، ولا شك أنهم لم يكونوا سواء في حفظ سنة النبي ﷺ ، فمن كان منهم أحفظ كانت فتياه مطابقة للسنَّة، ومن لم يكن حافظاً فإنه يجتهد لمعرفة الصواب، وهكذا كان اختلافهم في الحفظ سبباً لاختلافهم في الفتيا.
ثم إن النص الواحد قد يكون محفوظاً لكلا الصحابيين، لكنَّ كل واحدٍ منهما يفهم منه غير ما فهم الآخر، ويكون النص محتملاً لهذا، وذاك، وكل واحد منهما يجتهد في فهم النص وفق مراد الشرع، والمصيب منهما واحد، وهكذا كان الاختلاف في فهم النص من أسباب اختلافهم.
ثم انتشر العلم في الآفاق، وصار في هذا الدين أئمة علم وهدى، ومنهم الأئمة الأربعة (أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ﵏ ، فظهرت أسباب أخرى لاختلافهم غير ما سبق، وهو اختلافهم في صحة الحديث وضعفه، واختلافهم في بعض قواعد فهم النصوص، وهو ما اصطلح على تسميته " أصول الفقه ".
قال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:
"أما أسباب اختلاف العلماء فكثيرة، منها: أن كل واحد منهم لا يحيط بالعلم كله فقد يخفى عليه ما علم غيره، وقد يفهم من النصوص ما لا يفهمه غيره عندما يختفي عليه الدليل الواضح" انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٢ / ١٧٨) .
وبهذا يتبين ما يلي:
١. الواجب على المسلم أن يتبع ما جاء في القرآن الكريم، وما ثبت في السنَّة النبوية، ولا يجب عليه التمذهب بمذهب فقهي معين.
٢. أن الاختلاف بين العلماء له أسبابه الكثيرة، وقد جُمعت هذه الأسباب في كتاب " رفْع الملام عن الأئمة الأعلام " لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وكتاب " أسباب اختلاف العلماء وموقفنا من ذلك " للشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀.
٣. أن أئمة الدين ليسوا أربعة فقط، بل هم كُثر، لكن الله تعالى جعل الشهرة للأئمة الأربعة ﵏.
٤. هؤلاء الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين مذهبهم هو اتباع النصوص، وتعظيمها، وقد أمرونا بذلك، ونهونا عن تقليدهم، فمن رضيهم له أئمة: فليرض مذهبهم.
فلم يدعُ واحد من أئمة الدين الناس لتبني أقواله وتقديمها على أقوال غيره، وقد نزههم الله تعالى عن هذا، بل قد ثبت عنهم جميعاً التحذير من هذا الفعل، والوصية بالأخذ من الكتاب والسنَّة.
٥. أن هذه المذاهب هي بمثابة مدارس لفهم الكتاب والسنة، وأئمتها اجتهدوا للوصول إلى الأحكام التي يرون أنها أقرب إلى الكتاب والسنة، ولا حرج على المسلم أن يتمذهب بمذهب من هذه المذاهب، ولكن بشروط أنه من ظهرت له السنة النبوية في خلاف ما علمه من مذهبه، فالواجب عليه ترك المذهب واتباع السنة، وهذه هي وصية هؤلاء الأئمة، كما قال الإمام الشافعي ﵀ وغيره: "إذا صح الحديث فهو مذهبي".
٦. الناس ليسوا سواء ف الاطلاع على نصوص الوحي، ولا سواء في إمكانية فهم النصوص، لذا، فقد ارتضت طائفة كبيرة من المسلمين بتقليد هؤلاء الأئمة، وبما أن الشهرة كانت لأولئك الأئمة الأربعة، وكان لهم تلاميذ نشروا أقوالهم: صرت ترى ذلك المقلد "حنفيّاً" أو "مالكياً" أو "شافعيّاً" أو "حنبلياً"، وغالباً ما يكون مذهب أولئك العوام مذهب شيخهم في مدينتهم، أو قريتهم، وهذا العامي لا حرج عليه في فعله؛ لأنه مأمور بسؤال أهل العلم، لكن ليس له أن يُنكر على غيره تبني قولاً آخر، وليس له أن يفتي، ولا أن يتعصب لقول شيخه، بل متى ظهر له الحق فيجب عليه العمل به، ولا يسعه غير ذلك.
وللوقوف على طائفة من أقوال العلماء قديماً وحديثاً في هذه المسألة: انظر أجوبة الأسئلة: (٢١٤٢٠) و (١٠٣٣٣٩) و (٢١٤٢٠) و (٩٩٨٨٤) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10479
تحريم حلق اللحية والفرق بين الفرض والواجب عند الحنفية
[السُّؤَالُ]
ـ[كنت في نقاش مع أحد الأشخاص عن حكم حلق اللحية, فقال لي: إن حكم اللحية واجب وليس بفرض, فتارك الفرض يأثم أما تارك الواجب فلا يأثم, فقلت: إن الفرض والواجب عند أهل العلم نفس المعنى فقال: إن أبا حنيفة يفرق بين الفرض والواجب.. فأرجو التفصيل في المسألة في الفرق بين الواجب والفرض، وذكر أقوال العلماء مع الترجيح.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
اختلف الأصوليون في الفرض والواجب هل هما مترادفان أو لا؟ على قولين: فذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنهما مترادفان، وذهب الحنفية إلى التفريق بينهما، فالفرض عندهم: ما ثبت بدليل قطعي لا شبهة فيه، والواجب ما ثبت بدليل ظني أو فيه شبهة، ورتبوا على ذلك أن منكر الفرض يكفر، بخلاف منكر الواجب، لكن تارك الفرض والواجب آثم معرض للعقاب عندهم.
قال في "كشف الأسرار شرح أصول البزدوي" (٢/٣٠٣) : " قوله: (وأما الفرض فحكمه اللزوم عِلما وتصديقا بالقلب) أي: يجب الاعتقاد بحقيته قطعا ويقينا، لكونه ثابتا بدليل مقطوع به. وهو الإسلام، أي: الاعتقاد بهذه الصفة يكون إسلاما، حتى لو تبدل بضده يكون كفرا. (وعملا بالبدن) أي: يجب إقامته بالبدن، حتى لو ترك العمل به غير مستخِفٍّ به يكون عاصيا , وفاسقا إذا كان بغير عذر , ولكنه لا يكون كافرا إلا أنه ترك ما هو من أركان الشرائع...... ويكفر جاحده ...
وأما حكم الوجوب، أي: الواجب، فلزومه عملا لا علما، أي: يجب إقامته بالبدن , ولكن لا يجب اعتقاد لزومه ; لأن دليله لا يوجب اليقين.
إذا ترك العمل به فهو على ثلاثة أوجه: أما إن تركه مستخِفًّا بأخبار الآحاد بأن لا يرى العمل بها واجبا، أو تركه متأولا لها، أو تركه غير مستخِفٍّ , ولا متأول. ففي القسم الأول: يجب تضليله , وإن لم يكفر ; لأنه راد لخبر الواحد وذلك بدعة.
وفي القسم الثاني: لا يجب التضليل , ولا التفسيق....
وفي القسم الأخير: يفسق , ولا يضلل ; لأن العمل به لمَّا وجب كان الأداء طاعة والترك من غير تأويل عصيانا وفسقا، هذا هو المذكور في عامة الكتب، وعليه يدل كلام شمس الأئمة ﵀ أيضا , وهو الصحيح " انتهى باختصار.
فتبين بهذا أن الواجب عند الأحناف يلزم العمل به، وأن تاركه من غير تأويل ولا استخفاف: فاسق عاص، فليس الأمر كما زعم صاحبك من أن تارك الواجب لا يأثم عند الحنفية.
ثانيا:
يجب إعفاء اللحية ويحرم حلقها للأدلة الصريحة الآمرة بإعفائها وتوفيرها.
وينظر جواب السؤال رقم (٨٢٧٢٠) .
وقد صرح الحنفية بتحريم حلق اللحية.
قال في "الدر المختار مع حاشية ابن عابدين" (٦/٤٠٧) : " يحرم على الرجل قطع لحيته " انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10480
هل هناك تعارض بين قول الله تعالى وأن تصوموا خير لكم وحديث إن الله يحب أن تؤتى رخصه ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف يمكن محو التعارض الظاهر بين قول الله تعالى: (وأن تصوموا خير لكم) ، وبين قول الرسول ﷺ : (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه) ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
باب الرخصة والعزيمة من الأبواب التي تدرس في علم أصول الفقه، وقد عرف الأصوليون الرخصة بأنها الأحكام التي شرعها الله تعالى بناء على أعذار العباد، رعاية لحاجاتهم، مع بقاء السبب الموجب للحكم الأصلي.
قال الزركشي:
" هي الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر " انتهى.
" البحر المحيط " (١/٢٦٢) .
وعرفها الشاطبي بقوله:
" هي ما شرع لعذر شاق، استثناء من أصل كلي يقتضي المنع، مع الاقتصار على مواضع الحاجة فيه " انتهى.
" الموافقات " (١/٤٦٦)
وأمثلتها: التلفظ بالكفر عند الإكراه، والأكل من الميتة عند الضرورة، وغير ذلك.
ثانيا:
بين العلماء أن الرخص ليست على حكم شرعي واحد، وإنما تعتريها الأحكام الشرعية المختلفة:
١- الوجوب: كالأكل من الميتة عند الضرورة، فهذه رخصة واجبة: مَن تَرَكَها أَثِم، لقوله تعالى: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) البقرة/١٩٥.
٢- الاستحباب والندب: مثاله قصر الصلاة في السفر، فقد قال رسول الله ﷺ : (صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ) رواه مسلم (رقم/٦٨٦)
٣- الإباحة: مثاله عقد السلم، والعرايا، وهي: بيع الرطب على رؤوس الأشجار خرصا بالتمر كيلا، وشبه ذلك من العقود. عن سهل بن أبي حثمة قال: (نهى رسول الله ﷺ عن بيع التمر بالتمر، ورخص في العرايا، أن يشتري بخرصها، يأكلها أهلها رطبا) رواه أبو داود (رقم/٣٣٦٣) وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
٤- خلاف الأولى: كفطر المسافر الذي لا يتضرر بالصوم، قالوا: وإنما كانت هذه الرخصة خلاف الأولى أخذا من قوله تعالى: (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) البقرة/١٨٤، فالصوم مأمور به في السفر أمرا غير جازم، وهو يتضمن النهي عن تركه، وما نهي عنه نهيا غير صريح فهو خلاف الأولى، وقد سبق بيان هذا الحكم في جواب السؤال رقم: (٢٠١٦٥)
ثالثا:
بناء على ما سبق يتبين أن الرخصة الشرعية تعتريها عدة أحكام، وليس حكم الندب فقط كما هو المشهور. وعلى ذلك، فقوله ﵊، في حديث ابن عباس ﵄: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ) رواه ابن حبان في " صحيحه " (رقم/٣٥٤) ، قال المنذري في " الترغيب والترهيب " (١/! ٤٧) : إسناده حسن. وصححه الألباني في " إرواء الغليل " (٣/١٠) .
لا يعني استحباب كل رخصة على كل عزيمة مطلقا، بل وجهه العلماء بتوجيهات عدة منها:
١- أنه خاص في الرخص التي طلبتها الشريعة وحثت عليها ورغبت فيها، أو في حال ما إذا كانت العزيمة تسبب مشقة فادحة لا تأتي بمثلها الشريعة، وليس في كل رخصة يثبت الاستحباب:
يقول العلامة الشاطبي ﵀:
" قوله ﵊: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه) ؛ فالرخص الي هي محبوبة ما ثبت الطلب فيها، فإنا إذا حملناها على المشقة الفادحة التي قال في مثلها رسول الله, ﷺ : (ليس من البر الصيام في السفر) ، كان موافقا لقوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) البقرة/١٨٥، وقوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ) النساء/٢٨، بعدما قال في الأولى: (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) البقرة/١٨٤، وفي الثانية: (وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ) النساء/٢٥. فليتفطن الناظر في الشريعة إلى هذه الدقائق ليكون على بينة في المجاري الشرعيات " انتهى.
" الموافقات " (١/٥١٧)
ويقول الشيخ أبو القاسم الأنصاري المعروف بابن الشاط:
" يمكن أن يحمل – يعني حديث ابن عباس السابق - على أن الرخص التي هي محبوبة ما ثبت الطلب فيه، أو ما أدى تركه إلى المشقة الفادحة التي قال في مثلها رسول الله ﷺ : (ليس من البر الصيام في السفر) ، فيوافق قوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) ، وقوله تعالى: (يريد الله أن يخفف عنكم) ، بعد ما قال في الأولى: (وأن تصوموا خير لكم) ، وفي الثانية: (وأن تصبروا خير) " انتهى.
حاشية " الفروق " للقرافي (٢/١٣٩)
٢- وقال بعض أهل العلم: المقصود من الحديث دفع التكبر والترفع عن استباحة ما أباحته الشريعة، فهذا هو المذموم، أن يترفع المسلم عن الترخص بالرخص تنطعا، ففي هذه الحالة يحب الله من العبد أن يأتي بالرخص، كسرا لهذا الكبر، واعترافا بنعمة الله تعالى علينا بالتخفيف، وليس المقصود استحباب الترخص بكل رخصة.
يقول المناوي ﵀:
" لما فيه من دفع التكبر والترفع من استباحة ما أباحته الشريعة، ومَن أَنِفَ ما أباحه الشرع، وترفَّعَ عنه: فَسَدَ دينه؛ فأمر بفعل الرخصة ليدفع عن نفسه تكبرها، ويقتل بذلك كبرها، ويقهر النفس الأمارة بالسوء على قبول ما جاء به الشرع " انتهى.
" فيض القدير " (٢/٣٧٦)
٣- وذهب بعض أهل العلم إلى أن المقصود من الحديث تطييب قلوب الضعفاء الذين لا يقدرون على العزائم، فواساهم بأنهم يترخصون في الجملة بما يحب الله، وليس المقصود بيان أن كل رخصة حكمها الاستحباب.
يقول الإمام الغزالي ﵀:
" – جاء الحديث - تطييبا لقلوب الضعفاء حتى لا ينتهي بهم الضعف إلى اليأس والقنوط فيتركون الميسور من الخير عليهم بعجزهم عن منتهى الدرجات، فما أرسل رسول الله ﷺ إلا رحمة للعالمين كلهم عليه اختلاف أصنافهم ودرجاتهم " انتهى.
" إحياء علوم الدين " (٤/٢٧٨)
فالحاصل أنه لا تعارض بين الآية والحديث، لأن كلا منهما يتنزل على حال مختلفة عن الأخرى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10481
دراسة المنطق
[السُّؤَالُ]
ـ[لماذا لا يدرس المنطق مع كتب أهل العلم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
علم المنطق من العلوم التي أثارت جدلا واسعا بين العلماء عبر العصور السابقة، ما بين مؤيد له ومعارض، ولهذا الجدل أسباب موضوعية وأخرى تاريخية، فمن ذلك:
١- أن واضع هذا العلم هو أرسطو اليوناني قبل ولادة المسيح بنحو ثلاثمائة سنة، ثم ترجم إلى العربية في عهد الدولة العباسية بحدود سنة (١٨٠هـ) ، فكانت نشأة هذا العلم، عند اليونان، في عهود الظلام سبب تشكك وتردد الكثير من المسلمين في أخذه والثقة به.
٢- اشتماله على شيء من الحق في طرائق الإثبات، وعلى كثير من الباطل في مبادئه وقواعده أيضا، وخاصة في جانب النفي، فكان الحق الذي فيه باعثا لبعض أهل العلم على قبول هذا العلم مع الدعوة إلى تصفيته، وباعثا لآخرين على إنكاره ورده جملة وتفصيلا.
٣- استعمال الفلاسفة المفرط لهذا العلم في كتبهم ومخاطباتهم، واختلاطه بعلومهم اختلاطا فاحشا حتى غدا ركنا من أركانهم، وهذا ما حدا بكثير من أهل العلم إلى رده وإنكاره وتحريم تعلمه.
والنظرة التاريخية المنصفة تدل على أن الاتجاه الغالب لدى علماء الإسلام، في أول الأمر، كان نحو نبذ هذا العلم بجميع ما فيه: فالحق الذي فيه مستقر في العقول السليمة، ولا حاجة إلى قواعد أرسطو لضبطها، والباطل يجب نفيه ورده.
حتى جاء أبو حامد الغزالي فكان أول من أدخل المنطق في علم أصول الفقه، وشرحه في مقدمة مطولة لكتاب " المستصفى في أصول الفقه "، وشكك في علوم من لم يتعلم هذا العلم، - وإن كان قد ذم المنطق في آخر كتبه - وبعده انتشر وذاع في الآفاق بين المتكلمين والأصوليين.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" ما زال علماء المسلمين وأئمة الدين يذمونه ويذمون أهله، وينهون عنه وعن أهله، حتى رأيت للمتأخرين فتيا فيها خطوط جماعة من أعيان زمانهم من أئمة الشافعية والحنفية وغيرهم، فيها كلام عظيم في تحريمه وعقوبة أهله، حتى إن من الحكايات المشهورة التي بلغتنا أن الشيخ أبا عمرو بن الصلاح أمر بانتزاع مدرسة معروفة من أبي الحسن الآمدي، وقال: أخذها منه أفضل من أخذ عكا. مع أن الآمدي لم يكن أحد في وقته أكثر تبحرا في العلوم الكلامية والفلسفية منه، وكان من أحسنهم إسلاما، وأمثلهم اعتقادا " انتهى.
"مجموع الفتاوى" (٩/٨)
ويقول السيوطي ﵀:
" فن المنطق فن خبيث مذموم، يحرم الاشتغال به، مبني بعض ما فيه على القول بالهيولى الذي هو كفر يجر إلى الفلسفة والزندقة، وليس له ثمرة دينية أصلا بل ولا دنيوية، نص على مجموع ما ذكرته أئمة الدين وعلماء الشريعة:
فأول من نص على ذلك الإمام الشافعي ﵁، ونص عليه من أصحابه إمام الحرمين، والغزالي في آخر أمره، وابن الصباغ صاحب " الشامل "، وابن القشيري، ونصر المقدسي، والعماد بن يونس، وحفده، والسِّلَفي، وابن بندار، وابن عساكر، وابن الأثير، وابن الصلاح، وابن عبد السلام، وأبو شامة، والنووي، وابن دقيق العيد، والبرهان الجعبري، وأبو حيان، والشرف الدمياطي، والذهبي، والطيبي، والملوى، والأسنوي، والأذرعي، والولي العراقي، والشرف بن المقري، وأفتى به شيخنا قاضي القضاة شرف الدين المناوي، ونص عليه من أئمة المالكية ابن أبي زيد صاحب " الرسالة "، والقاضي أبو بكر بن العربي، وأبو بكر الطرطوشي، وأبو الوليد الباجي، وأبو طالب المكي صاحب قوت القلوب، وأبو الحسن بن الحصار، وأبو عامر بن الربيع، وأبو الحسن بن حبيب، وأبو حبيب المالقي، وابن المنير، وابن رشد، وابن أبي جمرة، وعامة أهل المغرب، ونص عليه من أئمة الحنفية أبو سعيد السيرافي، والسراج القزويني، وألف في ذمه كتابا سماه "نصيحة المسلم المشفق لمن ابتلى بحب علم المنطق"، ونص عليه من أئمة الحنابلة ابن الجوزي، وسعد الدين الحارثي، والتقي ابن تيمية، وألف في ذمه ونقضِ قواعده مجلدا كبيرا سماه " نصيحة ذوي الإيمان في الرد على منطق اليونان " وقد اختصرته في نحو ثلث حجمه وألفت في ذم المنطق مجلدا سقت فيه نصوص الأئمة في ذلك.
وقول هذا الجاهل – كما جاء في السؤال الموجه إليه -: " إن المنطق فرض عين على كل مسلم "
يقال له: إن علم التفسير والحديث والفقه التي هي أشرف العلوم ليست فرض عين بالإجماع، بل هي فرض كفاية، فكيف يزيد المنطق عليها؟!
فقائل هذا الكلام إما كافر أو مبتدع أو معتوه لا يعقل.
وقوله: " إن توحيد الله متوقف على معرفته ": من أكذب الكذب، وأبلغ الافتراء، ويلزم عليه تكفير غالب المسلمين المقطوع بإسلامهم.
ولو قدر أن المنطق في نفسه حق لا ضرر فيه لم ينفع في التوحيد أصلا، ولا يظن أنه ينفع فيه إلا من هو جاهل بالمنطق لا يعرفه؛ لأن المنطق إنما براهينه على الكليات، والكليات لا وجود لها في الخارج، ولا تدل على جزء أصلا.
هكذا قرره المحققون العارفون بالمنطق " انتهى باختصار.
"الحاوي للفتاوي" (١/٢٥٥-٢٥٦)
ولكن ذلك كله لا يمنع أن يدرس طالب العلم المتخصص قواعد المنطق من كتب أهله، كي يطلع على طرائق هذا العلم ويتعرف إلى مناهج أهله، فيكون على بصيرة من اصطلاحات القوم وأساليبهم، فلا يقع في مغالطات بعضهم، وينتبه إلى ما عندهم من الحق فيعرضه بطريقته المعتدلة، فيجمع بين العلوم النافعة، وينتبه إلى العلوم الضارة، ويستعين على ذلك بالله تعالى أولا، ثم بأهل العلم الراسخين الذين مارسوا هذا العلم وخبروا ما فيه من حق وباطل، كشيخ الإسلام ابن تيمية، والعلامة محمد الأمين الشنقيطي، حيث ألف الأخير كتابا في قواعد هذا العلم، صفاه من الدخل والغلط الذي راج على الكثيرين.
يقول العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀:
" ولما كان من المتوقع أن يواجه الدعاة إلى الحق دعاةً إلى الباطل مضللين، يجادلون لشبه فلسفية، ومقدمات سوفسطائية، وكانوا لشدة تمرنهم على تلك الحجج الباطلة كثيرا ما يظهرون الحق في صورة الباطل، والباطل في صورة الحق، ويفحمون كثيرا من طلبة العلم الذين لم يكن معهم سلاح من العلم يدفع باطلهم بالحق، وكان من الواجب على المسلمين أن يتعلموا من العلم ما يتسنى لهم به إبطال الباطل وإحقاق الحق على الطرق المتعارفة عند عامة الناس، حمل ذلك الجامعة – يعني الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة – على إنشاء كلية الدعوة وأصول الدين، ومهمتها تخريج دعاة قادرين على تبليغ الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وعلى إقحام وإلزام الدعاة المضللين ببيان ما يصحح أدلتهم ويظهر بطلان حجج خصومهم.
ومن أجل ذلك قررت في منهج هذه الكلية تدريس مادة (آداب البحث والمناظرة) لأنه هو العلم الذي يقدر به من تعلمه على بيان مواضع الغلط في حجة خصمه، وعلى تصحيح مذهبه بإقامة الدليل المقنع على صحته أو صحة ملزومه أو بطلان نقيضه ونحو ذلك.
ومن المعلوم أن المقدمات التي تتركب منها الأدلة التي يحتج بها كل واحد من المتناظرين إنما توجه الحجة بها منتظمة على صورة القياس المنطقي.
ومن أجل ذلك كان فن آداب البحث والمناظرة يتوقف فهمه - كما ينبغي - على فهم ما لا بد منه من فن المنطق؛ لأن توجيه السائل المنع على المقدمة الصغرى أو الكبرى مثلا، أو القدح في الدليل بعدم تكرار الحد الوسط، أو باختلال شرط من شروط الإنتاج ونحو ذلك لا يفهمه من لا إلمام له بفن المنطق.
وكانت الجامعة قد أسندت إلينا تدريس فن آداب البحث والمناظرة، وكان لا بد من وضع مذكرة تمكن طلاب الفن من مقصودهم، فوضعنا هذه المذكرة، وبدأناها بإيضاح القواعد التي لا بد منها من فن المنطق لآداب البحث والمناظرة، واقتصرنا فيها على المهم الذي لا بد منه للمناظرة، وجئنا بتلك الأصول المنطقية خالصة من شوائب الشبه الفلسفية، فيها النفع الذي لا يخالطه ضرر ألبتة؛ لأنها من الذي خلصه علماء الإسلام من شوائب الفلسفة، كما قال العلامة شيخ مشايخنا، وابن عمنا، المختار بن بونة، شارح الألفية، والجامع معها ألفية أخرى من نظمة تكميلا للفائدة، في نظمه في فن المنطق:
فإن تَقُل حَرّمَه النواوي ... وابن الصلاح والسيوطي الراوي
قلنا: ترى الأقوال ذي المخالِفة ... محلُّها ما صنفَ الفلاسفة
أما الذي خَلَّصَه مَن أسلما ... لا بد أن يُعلَمَ عند العلما
وأما قول الأخضري في سلمه:
فابن الصلاح والنواوي حرَّما ... وقال قوم ينبغي أن يُعلَما
والقولة المشهورة الصحيحة ... جوازُه لكامل القريحة
ممارسُ السنةِ والكتابِ ... ليهتدي به إلى الصواب
فمحله المنطق المشوب بكلام الفلاسفة الباطل.
ومن المعلوم أنَّ فنَّ المنطق منذ ترجم من اللغة اليونانية إلى اللغة العربية في أيام المأمون كانت جميع المؤلفات توجد فيها عبارات واصطلاحات منطقية لا يفهمها إلا مَن له إلمامٌ به، ولا يفهم الرد على المنطقيين في ما جاؤوا به من الباطل إلا مَن له إلمام بفن المنطق.
وقد يعين على رد الشبه التي جاء بها المتكلمون في أقيسة منطقية، فزعموا أن العقل يمنع بسببها كثيرا من صفات الله الثابتة في الكتاب والسنة؛ لأن أكبر سبب لإفحام المبطِل أن تكون الحجة عليه من جنس ما يحتج به، وأن تكون مركبة مِن مقدمات على الهيئة التي يعترف الخصم المبطل بصحة إنتاجها.
ولا شك أن المنطق لو لم يترجم إلى العربية، ولم يتعلمه المسلمون لكان دينهم وعقيدتهم في غنى عنه، كما استغنى عنه سلفهم الصالح، ولكنه لما ترجم وتعلم وصارت أقيسته هي الطريق الوحيدة لنفي صفات الله الثابتة في الوحيين، كان ينبغي لعلماء المسلمين أن يتعلموه وينظروا فيه ليردوا حجج المبطلين بجنس ما استدلوا به على نفيهم لبعض الصفات؛ لأن إفحامهم بنفس أدلتهم أدعى لانقطاعهم وإلزامهم الحق.
واعلم أن نفس القياس المنطقي في حد ذاته صحيح النتائج إن ركبت مقدماته على الوجه الصحيح صورة ومادة، ومع شروط إنتاجه، فهو قطعي الصحة، وإنما يعتريه الخلل من جهة الناظر فيه فيغلط، فيظن هذا الأمر لازما لهذا مثلا، فيستدل بنفي ذلك اللازم في زعمه على نفي ذلك الملزوم، مع أنه لا ملازمة بينهما في نفس الأمر ألبتة " انتهى.
"آداب البحث والمناظرة" (ص/٣-٥)
وانظر جواب السؤال رقم: (٨٨١٨٤)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10482
معنى قوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)
[السُّؤَالُ]
ـ[هل بوسعكم رجاء توضيح معنى الآية (١٩٥:٢) : (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين) وأنا في حيرة، حيث قرأت في الفتوى رقم (٤٦٨٠٧) إلى أن المقصود من إلقاء النفس في التهلكة هو عدم الإنفاق في سبيل الله. ثم قرأت فتوى أخرى برقم (٢١٥٨٩) تقول بأن المقصود هو قتل النفس، وهذا إذا كنت قد أحسنت فهمها، أرجو الرد.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يتفق أهل العلم من المفسرين والفقهاء وغيرهم على أن قول الله تعالى: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) البقرة/١٩٥
أنه وارد في سياق الأمر بالنفقة، وأنه قد ورد في سبب نزول الآية أن بعضَ الصحابة أرادوا أن يركنوا إلى ضيعاتهم وتجاراتهم ليصلحوها ويتركوا الجهاد في سبيل الله، فحذرهم الله من ذلك في هذه الآية.
فقد روى الإمام البخاري ﵀ (٤٥١٦) عن حذيفة بن اليمان ﵁ أنه قال في هذه الآية: " نزلت في النفقة " انتهى.
وروى الترمذي (٢٩٧٢) عَنْ أَسْلَمَ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ: (كُنَّا بِمَدِينَةِ الرُّومِ فَأَخْرَجُوا إِلَيْنَا صَفًّا عَظِيمًا مِنْ الرُّومِ، فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ، فَصَاحَ النَّاسُ وَقَالُوا: سُبْحَانَ اللَّهِ! يُلْقِي بِيَدَيْهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ! فَقَامَ أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الآيَةَ هَذَا التَّأْوِيلَ، وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةَ فِينَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، لَمَّا أَعَزَّ اللَّهُ الإِسْلامَ، وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ، فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ سِرًّا دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ أَمْوَالَنَا قَدْ ضَاعَتْ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعَزَّ الإِسْلامَ، وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ، فَلَوْ أَقَمْنَا فِي أَمْوَالِنَا فَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ يَرُدُّ عَلَيْنَا مَا قُلْنَا (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) فَكَانَتْ التَّهْلُكَةُ الإِقَامَةَ عَلَى الأَمْوَالِ وَإِصْلاحِهَا، وَتَرْكَنَا الْغَزْوَ. فَلَمْ يَزَلْ أَبُو أَيُّوبَ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى دُفِنَ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّة)
وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (١٣)
ومع ذلك، فإن العلماء - من المتقدمين والمتأخرين - يستدلون بهذه الآية أيضا على النهي عن قتل النفس وإيذائها وإلقائها إلى التهلكة بأي طريقة من طرق التهلكة، آخذين بعموم لفظ الآية، وبالقياس الجلي، مقررين بذلك القاعدة الأصولية القائلة: " العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب "
يقول الحافظ ابن حجر ﵀:
" وأما قصرها عليه – يعني قصر الآية على موضوع ترك النفقة في سبيل الله - ففيه نظر، لأن العبرة بعموم اللفظ " انتهى.
"فتح الباري" (٨/١٨٥)
ويقول الشوكاني ﵀:
" أي: لا تأخذوا فيما يهلككم. وللسلف في معنى الآية أقوال. والحق أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل ما صدق عليه أنه تهلكة في الدين أو الدنيا فهو داخل في هذا، وبه قال ابن جرير الطبري " انتهى.
"فتح القدير" (١/١٩٣)
ويدل على ذلك أيضا تنوع تفسيرات السلف لهذه الآية، فقد ورد عن البراء بن عازب ﵁ أنه اعتبر من يذنب الذنب ثم ييأس من رحمة الله: أنه ألقى بيده إلى التهلكة.
قال ابن حجر في "فتح الباري" (٨/٣٣) : أخرجه ابن جرير وابن المنذر بإسناد صحيح.
وبهذا يتبين أنه ليس بين الجوابين السابقين في موقعنا تناقض، فالذي جاء في جواب السؤال رقم: (٤٦٨٠٧) ، بيان لسبب نزول هذه الآية وسياقها.
والذي جاء في جواب السؤال رقم: (٢١٥٨٩) هو الاستدلال بعموم لفظ الآية، وبيان أنه لا يجوز الإلقاء باليد إلى التهلكة مطلقا، مهما كان شكل وطريقة هذه التهلكة أو الأذى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10483
كيف ينوي المسلم حياته كلها لله
[السُّؤَالُ]
ـ[لدي صعوبة في فهم قضية، أننا يجب أن نعمل كل شيء لله، وله وحده فقط، مثلا إذا أردت أن أقلل من وزني أو أي شيء آخر، فإذا فعلته لكي أبدو أحسن، هل هذه نية خاطئة؟ وإذا كانت خاطئة، فما هي النية الصحيحة التي أنوي بها إذا أردت عمل شيء كهذا؟ عندما يقول الناس ينبغي أن تتزوج لله فقط، وتعمل أي عمل آخر فلله فقط، فما معنى ذلك عملياً؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
المسلم هو المستسلم لله ، المنقاد لشرعه وأمره ونهيه، الذي يعبد الله لأنه ربه وخالقه المستحق للعبادة، آمن بعظمة الله وقيوميته ووحدانيته، فملك عليه قلبه ونفسه، وجعل حبه لربه مقصد معاشه ومعاده، ورجا أن يتقبله في عباده الصالحين.
قال تعالى: (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) الأنعام/١٦١-١٦٣.
فمن استشعر هذه المعاني سعى في استحضار نية التقرب لله في جميع شؤون حياته، فإذا نام احتسب نومه لله كي يستعين براحة جسمه على العبادة حين يستيقظ، وإذا أكل أو شرب قصد بذلك التقوي للقيام بحقوق الله، وإذا تزوج أراد إعفاف نفسه والاشتغال بالحلال عن الحرام، وإذا طلب الذرية قصد الذرية الصالحة التي تعمر الأرض بمنهج الله، إذا تكلم فبالخير، وإذا سكت فإمساكاً عن الشر، يرجو بنفقته على نفسه وأهله الأجر والثواب أيضاً، وإذا تعلم وقرأ ودرس احتسب ذلك أيضاً ... ، وهكذا تكون مقاصده في أعماله كلها.
قال ابن تيمية ﵀: " ينبغي ألا يفعل من المباحات إلا ما يستعين به على الطاعة، ويقصد الاستعانة بها على الطاعة " انتهى.
"مجموع الفتاوى" (١٠/٤٦٠-٤٦١) .
هذا هو باختصار بيان كيف يمكن أن ينوي المسلم حياته وأعماله كلها لله، ويمكن أن نُجمِلَ ذلك بأمرين اثنين:
١- أن يلتزم في أعماله الشريعة، فلا يترك واجباً، ولا يقع في محذور.
٢- أن يلحظ في قلبه كيف يمكن أن يوصله هذا العمل – ولو كان في أصله دنيوياً – إلى الأجر والثواب والقربة من الله تعالى.
ويمكن تطبيق ذلك على سؤالك خاصة عن تقليل الوزن، فمن أراد باجتهاده لتقليل وزنه المحافظة على صحته ليقوم بواجباته وحقوق الله عليه أكمل قيام، أو أراد بذلك التجمل لزوجته لتحقيق السعادة والمودة بينهما، أو أراد بذلك التجمل للخلق ليكون أكثر قبولاً بينهم فيحسن التواصل معهم، فهذا القصد قصد حسن مأجور عليه إن شاء الله تعالى.
كما أن هذا الفعل المباح إذا أراد به صاحبه التشبه ببعض الكفار، أو التجمل لفتنة الفتيات، ونحو ذلك من المقاصد الشيطانية فهذا يستحق الإثم والعقوبة.
وهكذا سائر الأمور المباحة، لا يؤجر عليها صاحبها إلا إذا احتسبها لتحقيق مقصد من مقاصد الخير والفضل والأجر.
قال ابن الحاج ﵀: " المباح ينتقل بالنية إلى الندب " انتهى.
"المدخل" (١/٢١) .
وذكر ابن القيم أن خواص المقربين هم الذين انقلبت المباحات في حقهم إلى طاعات وقربات بالنية، فليس في حقهم مباح متساوي الطرفين، بل أعمالهم راجحة " انتهى.
"مدارج السالكين" (١/١٠٧) .
وقد صح عن الرسول ﷺ أنه قال لسعد بن أبي وقاص ﵁: (إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في فيِّ امرأتك) رواه البخاري (٥٦) ، ومسلم (١٦٢٨) .
قال الإمام النووي ﵀ معلقاً على الحديث:
" وفيه أن المباح إذا قصد به وجه الله تعالى صار طاعة ويثاب عليه، وقد نبه ﷺ على هذا بقوله ﷺ : (حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك) ؛ لأن زوجة الإنسان هي من أخص حظوظه الدنيوية وشهواته وملاذه المباحة، وإذا وضع اللقمة في فيها فإنما يكون ذلك في العادة عند الملاعبة والملاطفة والتلذذ بالمباح، فهذه الحالة أبعد الأشياء عن الطاعة وأمور الآخرة، ومع هذا فأخبر ﷺ أنه إذا قصد بهذه اللقمة وجه الله تعالى حصل له الأجر بذلك، فغير هذه الحالة أولى بحصول الأجر إذا أراد وجه الله تعالى.
ويتضمن ذلك أن الإنسان إذا فعل شيئا أصله على الإباحة وقصد به وجه الله تعالى يثاب عليه، وذلك كالأكل بنية التقوي على طاعة الله تعالى، والنوم للاستراحة ليقوم إلى العبادة نشيطاً، والاستمتاع بزوجته وجاريته ليكف نفسه وبصره ونحوهما عن الحرام، وليقضي حقها، وليحصل ولداً صالحاً، وهذا معنى قوله ﷺ : (وفي بُضعِ أحدِكم صدقة) والله أعلم " انتهى.
"شرح مسلم" (١١/٧٧) .
وقال السيوطي ﵀:
" ومن أحسن ما استدلوا به على أن العبد ينال أجرًا بالنية الصالحة في المباحات والعادات قوله ﷺ : (ولكل امرئ ما نوى) ، فهذه يثاب فاعلها إذا قصد بها التقرب إلى الله، فإن لم يقصد ذلك فلا ثواب له " انتهى.
"شرح السيوطي على النسائي" (١/١٩) .
والنقول عن أهل العلم في هذا الشأن كثيرة.
وانظر جواب السؤال رقم: (٦٩٩٦٠) .
لكن ينبغي أن تعلم ـ أخانا السائل ـ أن ما ذكرناه لك من نية التقرب إلى الله تعالى بما تعمله من المباحات: ليس هو على وجه الوجوب والإلزام؛ فإنه لو كان واجباً لازماً: لم يكن مباحاً، وإنما كان واجباً، يأثم الإنسان بتركه.
وأما من لم يقصد شيئاً إلا تحقيق رغبته النفسية، أو قضاء شهوته، أو حاجته، أو التمتع بالمباح: فهذا لا حرج عليه فيما فعل، ما دام قد علم أن هذا الأمر مما رخص فيه الشرع وأذن فيه؛ لكن ليس له أجر بمجرد ذلك الفعل، كما أنه لا إثم عليه بمجرد فعله.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10484
حكم الاجتهاد في الإسلام وشروط المجتهد
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم الاجتهاد في الإسلام؟ وما شروط المجتهد؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"الاجتهاد في الإسلام هو بذل الجهد لإدراك حكم شرعي من أدلته الشرعية، وهو واجب على من كان قادراً عليه؛ لأن الله يقول: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) النحل/٤٣، الأنبياء/٧، والقادر على الاجتهاد يمكنه معرفة الحق بنفسه، ولكن لابد أن يكون ذا سعة في العلم واطلاع على النصوص الشرعية، وعلى الأصول المرعية، وعلى أقوال أهل العلم؛ لئلا يقع فيما يخالف ذلك، فإن من الناس طلبة علم، الذين لم يدركوا من العلوم إلا الشيء اليسير من ينصب نفسه مجتهداً، فتجده يعمل بأحاديث عامة لها ما يخصصها، أو يعمل بأحاديث منسوخة لا يعلم ناسخها، أو يعمل بأحاديث أجمع العلماء على أنها على خلاف ظاهرها، ولا يدري عن إجماع العلماء.
ومثل هذا على خطر عظيم، فالمجتهد لابد أن يكون عنده علم بالأدلة الشرعية، وعنده علم بالأصول التي إذا عرفها استطاع أن يستنبط الأحكام من أدلتها، وعلم بما عليه العلماء، بأن لا يخالف الإجماع وهو لا يدري؛ فإذا كانت هذه الشروط في حقه موجودة متوافرة فإنه يجتهد.
ويمكن أن يتجزأ الاجتهاد بأن يجتهد الإنسان في مسألة من مسائل العلم فيبحثها ويحققها ويكون مجتهداً فيها، أو في باب من أبواب العلم كأبواب الطهارة مثلاً يبحثه ويحققه ويكون مجتهداً فيه" انتهى.
فتوى للشيخ ابن عثيمين عليها توقيعه.
"فتاوى علماء البلد الحرام" (ص ٥٠٨) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10485
ليس على المقلد إثم
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا طالب مبتعث للدراسة في دولة غير مسلمة، وسؤالي هو: هل علي إثم إذا أخذت برأي أحد العلماء المشهود لهم بالعلم والورع في مسألة تخص العبادات - مع ظني أن معه دليلا ملحوظة: الموضوع يتعلق أساسا بمسألة القصر والجمع في الصلاة لمن هو في مثل حالتي، صحيحا -؟ فهل علي إثم إذا أخذت برأيه، والذي قد يكون أيسر لظروفي، حتى وإن خالف رأي غيره؟ وهل ذلك من السعة في الدين؟ مع الاستشهاد أيضا بما روي عن الرسول ﵊ من أنه كان يختار أيسر الأمرين ما لم يكن إثما. وأنا أواجه صعوبات كثيرة قد لا يدركها إلا من يجربها، ولكن - والله أعلم - ليست الرخصة هنا بسبب المشقة فقط، ولكن إن الله يحب أن تؤتى رخصه. الرجاء إجابة سؤالي، وأسأل الله أن يجعل ذلك في ميزان حسناتكم.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
ليس على مَن قلَّد واحدا مِن أهل العلم، المعروفين بالعلم والأمانة، إثم، إذ هو ممتثل بتقليده قول الله : (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) النحل/٤٣، والعالم بالنسبة للعامي كالدليل، يجب عليه أن يبحث عنه ويتبع فتواه.
يقول الشاطبي في "الموافقات" (٤/٢٩٢) :
" فتاوى المجتهدين بالنسبة إلى العوام كالأدلة الشرعية بالنسبة إلى المجتهدين، والدليل عليه أن وجود الأدلة بالنسبة إلى المقلدين وعدمها سواء، إذ كانوا لا يستفيدون منها شيئا، فليس النظر في الأدلة والاستنباط من شأنهم، ولا يجوز ذلك لهم ألبتة، وقد قال تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) ، والمقلد غير عالم، فلا يصح له إلا سؤال أهل الذكر، وإليهم مرجعه في أحكام الدين على الإطلاق، فهم إذًا القائمون له مقام الشارع، وأقوالهم قائمة مقام الشارع " انتهى.
وجاء في "الموسوعة الفقهية" (٣٢/٤٧-٤٩) :
" يجب على المستفتي إن وقعت له حادثة أن يسأل متّصفاً بالعلم والعدالة.
قال ابن عابدين نقلاً عن الكمال بن الهمام: الاتّفاق على ِحلّ استفتاء من عرف من أهل العلم بالاجتهاد والعدالة، أو رآه منتصباً والنّاس يستفتونه معظّمين له، وعلى امتناعه من الاستفتاء إن ظنّ عدم أحدهما - أي: عدم الاجتهاد أو العدالة -.
- إن وجد المستفتي أكثر من عالم، وكلّهم عدل وأهل للفتيا:
فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ المستفتي بالخيار بينهم، يسأل منهم من يشاء ويعمل بقوله، ولا يجب عليه أن يجتهد في أعيانهم ليعلم أفضلهم علماً فيسأله، بل له أن يسأل الأفضل إن شاء، وإن شاء سأل المفضول مع وجود الفاضل، واحتجّوا لذلك بعموم قول الله تعالى:
(فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) ، وبأنّ الأوّلين كانوا يسألون الصّحابة مع وجود أفاضلهم وأكابرهم وتمكّنهم من سؤالهم.
- إن سأل المستفتي أكثر من مفت فاتّفقت أجوبتهم، فعليه العمل بذلك إن اطمأنّ إلى فتواهم.
وإن اختلفوا، فللفقهاء في ذلك طريقان:
فذهب جمهور الفقهاء - الحنفيّة والمالكيّة وبعض الحنابلة وابن سريج والسّمعانيّ والغزاليّ من الشّافعيّة - إلى أنّ العامّيّ ليس مخيّراً بين أقوالهم يأخذ بما شاء ويترك ما شاء، بل عليه العمل بنوع من التّرجيح.
والأصحّ والأظهر عند الشّافعيّة وبعض الحنابلة: أنّ تخيّر العامّيّ بين الأقوال المختلفة للمفتين جائز، لأنّ فرض العامّيّ التّقليد، وهو حاصل بتقليده لأيّ المفتيين شاء " انتهى باختصار.
ثانيا:
الواجب عليك – أخي السائل – أن تعرض مسألتك على العالم الذي اشتهر علمه وأمانته وثقته، ثم تأخذ بفتواه وتلتزمها، ولا يجوز أن تقصِدَ تتبعَ الرخص والأسهل من الفتاوى، إلا في حالة واحدة: وهي أن يكون الخلاف بين المفتين في مسألة فرعية اجتهادية، ليس فيها نصوص من الكتاب أو السنة ترجح أحد الأقوال، وإنما مرجع الترجيح فيها الرأي والاجتهاد المحض، فلا حرج حينئذ من الأخذ بالرخصة من هذه الأقوال إذا احتاج المسلم لها، فالقاعدة الشرعية تقول: " المشقة تجلب التيسير ".
جاء في "لقاءات الباب المفتوح" للشيخ ابن عثيمين (لقاء رقم/٤٦، سؤال رقم/٢) :
" السؤال: هل يجوز استفتاء أكثر من عالم؟ وفي حالة اختلاف الفتيا، هل يأخذ المستفتي بالأيسر أم بالأحوط؟ وجزاكم الله خيراً.
الجواب:
لا يجوز للإنسان إذا استفتى عالماً واثقاً بقوله أن يستفتي غيره؛ لأن هذا يؤدي إلى التلاعب بدين الله وتتبع الرخص؛ بحيث يسأل فلاناً، فإن لم يناسبه سأل الثاني، وإن لم يناسبه سأل الثالث وهكذا. وقد قال العلماء في تتبع الرخص: فِسق.
لكن أحياناً يكون الإنسان ليس عنده من العلماء إلا فلان مثلاً، فيسأله من باب الضرورة، وفي نيته أنه إذا التقى بعالم أوثق منه في علمه ودينه سأله، فهذا لا بأس به أن يسأل الأول للضرورة، ثم إذا وجد من هو أفضل سأله.
وإذا اختلف العلماء عليه في الفتيا، أو فيما يسمع من مواعظهم ونصائحهم – مثلاً -، فإنه يتبع مَن يراه إلى الحق أقرب في علمه ودينه.
فإن تساوى عنده الرجلان في العلم والدين:
فقال بعض العلماء: يتبع الأحوط وهو الأشد.
وقيل: يتبع الأيسر.
وهذا هو الصحيح؛ أنه إذا تعدلت الفتيا عندك فإنك تتبع الأيسر؛ لأن دين الله مبني على اليسر والسهولة، لا على الشدة، وقد قالت عائشة ﵂ في وصف النبي ﷺ : (إنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً) " انتهى.
وعليه: فلا يجوز لك الأخذ بقول من يقول بالرخصة إلا بشرطين اثنين:
١- ألا يكون قد خالف جماهير أهل العلم من السلف والخلف، فهو – ولا شك – الأعلم والأورع الذين ينبغي على الناس اتباع مذهبهم.
٢- وأن تتكافأ الأدلة التي يذكرها أصحاب القولين في المسألة، فلك ـ حينئذ ـ أن تأخذ بالأيسر من القولين.
والله أعلم.
ويمكنك مراجعة ما سبق في موقعنا في هذا الباب في الأرقام الآتية: (٩٥١٦) ، (٢٢٦٥٢) ، (٣٠٨٤٢)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10486
هل يلزم أهل كل بلد بمذهب فقهي معين؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل ملزم كل بلد بتتبع مذهب خاص به، ومحاولة تعليمه للآخرين دون ذكر جميع المذاهب، مثلا ذكر حكم خاص بأمر شرعي قاله أحده المذاهب دون الآخرين. وجزاكم الله خيرا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الناس في البلاد – من حيث الاجتهاد والتقليد - على قسمين اثنين:
الأول: علماء مجتهدون في الشريعة، بلغوا من العلم والمعرفة حدًّا ملكوا به أدوات الاجتهاد والاستنباط، فهؤلاء فرضهم اتباع الحق الذي يرونه بدليله.
والقسم الثاني - وهو السواد الأعظم من الناس -: من لم يتخصص بدراسة العلوم الشرعية أو لم يبلغ فيها درجة الاجتهاد وأهلية الفتوى: من عامة الناس أو المثقفين والمتخصصين في العلوم الأخرى.
فهؤلاء فرضهم – الشرعي والطبيعي – سؤال أهل العلم، والأخذ عنهم، نجد ذلك في قول الله : (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) النحل/٤٣
إذا فأهل كل بلد ملزمون بسؤال أهل العلم واتباع فتاواهم، ولكنها ليست تبعية مطلقة تضفي على المتبوع صفة العصمة والقداسة وحق التشريع والتصرف في دين الله – كما وقع في ذلك اليهود والنصارى والرافضة وغلاة الصوفية والباطنية – فإن ذلك خروج عن الدين، واتخاذ للأنداد والشركاء والأرباب من دون الله، والله يقول: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) التوبة/٣١
وإنما المقصود من لزوم اتباع فتاوى العلماء هو الوصول إلى تعلم الحكم الشرعي من طريق المتخصصين الذين درسوا قواعد الشريعة وأصولها وبلغوا الأهلية فيها بالعلم المبني على الدليل، وليس بالقداسة الممنوحة باسم الرب أو باسم الولاية ونحو ذلك من الأباطيل.
يقول ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٢٠/٢١١) :
" الله فرض على الخلق طاعته وطاعة رسوله ﷺ ، ولم يوجب على هذه الأمة طاعة أحد بعينه في كل ما يأمر به وينهى عنه إلا رسول الله ﷺ ، حتى كان صِدِّيق الأمة وأفضلها بعد نبيها يقول: أطيعوني ما أطعت الله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم. واتفقوا كلهم على أنه ليس أحد معصوما في كل ما يأمر به وينهى عنه إلا رسول الله ﷺ ، ولهذا قال غير واحد من الأئمة: كل أحدٍ مِن الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ " انتهى.
ثانيا:
يبقى السؤال في تعيين أهل العلم أو المرجعية العلمية التي ينبغي الاعتماد عليها:
فيمكن القول بأن هناك مرجعيتين ينبغي الرجوع إليهما على مستوى الأمة والأفراد، وهي:
١- المرجعية المعاصرة: المتمثلة في المجامع الفقهية واللجان الشرعية التي يقوم عليها أهل العلم والديانة والأمانة، وكذلك أفراد العلماء وأصحاب الكفاءات من المتخصصين في العلوم الشرعية: فهؤلاء لهم حظ وافر من لزوم أخذ الناس عنهم والاستفادة من توجيهاتهم، خاصة في أمور الناس الحياتية اليومية، وفي النوازل الفقهية والقضايا المعاصرة، وأيضا في المسائل التي تحتاج إلى إعادة النظر والاجتهاد فيها في ضوء الأدلة الشرعية والعقلية التي تراعي المصالح وتدرء المفاسد، وترفع الحرج وتجتنب المشقة والضرر، إذا كان تقليد أحد المذاهب الأربعة فيها يسبب الحرج والضيق، فالشريعة مبنية على التيسير، وليس فيها عنت ولا حرج.
٢- المرجعية التراثية: المتمثلة في المذاهب الأربعة المشهورة: الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، وهذه المرجعية لها الحظ الأكبر والنصيب الأوفر من لزوم اتباع الناس لها والأخذ بما فيها: فإن القوانين التي يتواضع الناس في الرجوع إليها وتحكيمها، ومناهج التعليم التي تقرر على طلبة العلم في حلق المساجد والمدارس، ومراتب التنشئة العلمية التي يتدرج فيها المتخصصون في علوم الفقه والشريعة، والتراث الذي ينبغي أن يستقر في أذهان العوام ويشكل ثقافتهم الفقهية، والمنهل الذي يؤوب إليه كل من لا يجد الفرصة من المجتهدين لدراسة المسائل الكثيرة والوصول إلى نتيجة فيها، والانضباط الذي يحسم الشقاق والنزاع في المجتمع، ويسد على الأهواء والآراء الشاذة الأبواب، كل ذلك يمنح هذه المرجعية المتمثلة في المذاهب الأربعة المساحة الأرحب في لزوم التقليد وضرورة الاتباع.
يقول الحافظ ابن رجب في رسالة له اسمها "الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة" (٢/٦٢٤) – مطبوعة ضمن مجموع رسائله -:
" فاقتضت حكمة الله سبحانه أن ضبط الدين وحفظه: بأن نصب للناس أئمة مجتمعاً على علمهم ودرايتهم وبلوغهم الغاية المقصودة في مرتبة العلم بالأحكام والفتوى، من أهل الرأي والحديث، فصار الناس كلهم يعولون في الفتاوى عليهم، ويرجعون في معرفة الأحكام إليهم، وأقام الله من يضبط مذاهبهم ويحرر قواعدهم، حتى ضبط مذهب كل إمام منهم وأصوله وقواعده وفصوله، حتى ترد إلى ذلك الأحكام ويضبط الكلام في مسائل الحلال والحرام.
وكان ذلك من لطف الله بعباد المؤمنين، ومن جملة عوائده الحسنة في حفظ هذا الدين.
ولولا ذلك لرأى الناس العجاب مِن كل أحمق متكلف معجبٍ برأيه جريء على الناس وثَّاب.
فيدعي هذا أنه إمام الأئمة، ويدعي هذا أنه هادي الأمة، وأنه هو الذي ينبغي الرجوع دون الناس إليه، والتعويل دون الخلق عليه.
ولكن بحمد الله ومنته انسد هذا الباب الذي خطره عظيم وأمره جسيم، وانحسرت هذه المفاسد العظيمة، وكان ذلك من لطف الله تعالى لعباده، وجميل عوائده وعواطفه الحميمة.
ومع هذا فلم يزل يظهر من يدعي بلوغ درجة الاجتهاد، ويتكلم في العلم من غير تقليدٍ لأحد من هؤلاء الأئمة ولا انقياد.
فمنهم من يسوغ له ذلك لظهور صدقه فيما ادعاه، ومنهم من رد عليه قوله وكذب في دعواه، وأما سائر الناس ممن لم يصل إلى هذه الدرجة، فلا يسعه إلا تقليد أولئك الأئمة، والدخول فيما دخل فيه سائر الأمة " انتهى.
ويقول أيضا (٢/٦٢٨) :
" فإن قيل: فما تقولون في نهي الإمام أحمد وغيره من الأئمة عن تقليدهم وكتابة كلامهم، وقول الإمام أحمد: لا تكتب كلامي ولا كلام فلان وفلان، وتعلم كما تعلمنا. وهذا كثير موجود في كلامهم؟
قيل: لا ريب أن الإمام أحمد ﵁ كان ينهى عن آراء الفقهاء والاشتغال بها حفظاً وكتابة، ويأمر بالاشتغال بالكتاب والسنة حفظاً وفهماً وكتابة ودراسة، وبكتابة آثار الصحابة والتابعين دون كلام مَن بعدهم، ومعرفة صحة ذلك من سقمه، والمأخوذ منه والقول الشاذ المطرح منه، ولا ريب أن هذا مما يتعين الاهتمام به والاشتغال بتعلمه أولاً قبل غيره.
فمن عرف ذلك وبلغ النهاية من معرفته - كما أشار إليه الإمام أحمد - فقد صار علمه قريباً من علم أحمد، فهذا لا حجر عليه ولا يتوجه الكلام فيه، إنما الكلام في منع من لم يبلغ هذه الغاية، ولا ارتقى إلى هذه النهاية، ولا فهم من هذا إلا النزر اليسير، كما هو حال أهل هذا الزمان، بل هو حال أكثر الناس منذ أزمان، مع دعوى كثير منهم الوصول إلى الغايات والانتهاء إلى النهايات، وأكثرهم لم يرتقوا عن درجة البدايات " انتهى.
والناظر في تاريخ الفقه والتشريع يجد أنه قد بني في جميع مراحله على مجموعة من أهل العلم الذين اشتهر في الناس علمهم، وذاع في الآفاق فضلهم وورعهم، يأخذون عنهم أحكام الدين، ويرجعون في الغالب إلى تقريرهم وفتاواهم.
يقول ابن القيم في "إعلام الموقعين" (١/١٧) :
" والدين والفقه والعلم انتشر في الأمة عن أصحاب ابن مسعود، وأصحاب زيد بن ثابت، وأصحاب عبد الله بن عمر، وأصحاب عبد الله بن عباس، فعلم الناس عامته عن أصحاب هؤلاء الأربعة، فأما أهل المدينة فعلمهم عن أصحاب زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر، وأما أهل مكة فعلمهم عن أصحاب عبد الله بن عباس، وأما أهل العراق فعلمهم عن أصحاب عبد الله بن مسعود " انتهى.
وقال العلامة المحقق أحمد باشا تيمور ﵀ في " المذاهب الفقهية الأربعة " (١٦-١٧) :
" وكانت الفتيا ـ قبل حدوث هذه المذاهب تؤخذ في عصر الصحابة والتابعين عن القراء منهم، وهم الحاملون لكتاب الله العارفون بدلائله؛ فلما انقضى عصرهم، وخلف من بعدهم التابعون، اتبع أهل كل مصرٍ فتيا من كان عندهم من الصحابة، لا يعتدونها إلا في اليسير مما بلغهم عن غيرهم؛ فاتبع أهل المدينة في الأكثر فتاوى عبد الله بن عمر، وأهل الكوفة فتاوى عبد الله بن مسعود، وأهل مكة فتاوى عبد الله بن عباس، وأهل مصر فتاوى عبد الله بن عمرو بن العاص.
وأتى بعد التابعين فقهاء الأمصار، كأبي حنيفة ومالك وغيرهما ممن ذكرناهم، وممن لم نذكرهم، فاتبع أهل كل مصر مذهب فقيه في الأكثر، ثم قضت أسباب بانتشار بعض هذه المذاهب في غير أمصارها، وبانقراض بعضها.. " انتهى.
ولا يعني ذلك التعصب إلى واحد من المذاهب والأقوال، بحيث نوجب على الناس اتباعه حرفيا دون اجتهاد ولا تصويب ولا تعديل، بل المقصود أن المدرسة الفقهية التي ينبغي أن يتخرج الناس وطلبة العلم والعلماء عليها ينبغي أن تكون مأخوذة عن واحد من المذاهب الأربعة، ثم إن تبين – لمن لديه أهلية الاجتهاد – خطأ المذهب في مسألة معينة ترك تلك الفتوى، وأخذ بما يراه صوابا من المذاهب الأخرى.
وبهذا يحتفظ الناس بالسبيل العلمي الذي سار عليه السلف والأئمة، ويتخلصوا من بعض السلبيات التي أنتجها الجهل والتعصب.
جاء في "فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم" (٢/١٠ ش٢) :
" التمذهب بمذهب من المذاهب الأَربعة سائغ، بل هو كالإجماع، ولا محذور فيه، كالانتساب إِلى أَحد الأَربعة، فإِنهم أَئمة بالإِجماع.
والناس في هذا طرفان ووسط:
قوم لا يرون التمذهب بمذهب مطلقًا: وهذا غلط.
وقوم جمدوا على المذاهب ولا التفتوا إلى بحث.
وقوم رأَوا أَن التمذهب سائغ لا محذور فيه، فما رجح الدليل مع أَي أَحد من الأَربعة أَو غيرهم أَخذوا به، فالذي فيه نص أَو ظاهر لا يلتفت فيه إِلى مذهب، والذي لا من هذا ولا من هذا وكان لهم فيه كلام ورأَى الدليل مع مخالفهم أَخذ به " انتهى بتصرف يسير.
وجاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (٥/٢٨) :
" ما حكم التقيد بالمذاهب الأربعة، واتباع أقوالهم على كل الأحوال والزمان؟
الجواب:..
- القادر على الاستنباط من الكتاب والسنة يأخذ منهما كما أخذ من قبله، ولا يسوغ له التقليد فيما يعتقد أن الحق بخلافه، بل يأخذ بما يعتقد أنه حق، ويجوز له التقليد فيما عجز عنه واحتاج إليه..
- من لا قدرة له على الاستنباط يجوز له أيقلد من تطمئن نفسه إلى تقليده، وإذا حصل في نفسه عدم اطمئنان سأل حتى يحصل عنده اطمئنان ...
- يتبين مما تقدم أنه لا تتبع أقوالهم على كل الأحوال والأزمان؛ لأئهم قد يخطئون، بل يتبع الحق من أقوالهم الذي قام عليه الدليل " انتهى باختصار، وتصرف يسير.
وجاء فيها أيضا (٥/٥٤-٥٥) :
" وكل هؤلاء كانوا بعد رسول الله ﷺ ، وكانوا من أفضل أهل زمانهم ﵃، وقد اجتهدوا في أخذ الأحكام من القرآن وأحاديث الرسول ﵊ وما أجمعت عليه الصحابة رضوان الله عليهم، وبينوا للناس الحق، ونقلت إلينا أقوالهم، وانتشرت بين المسلمين في جميع بلادهم، وتبعهم كثير ممن جاء بعدهم من العلماء لثقتهم بهم، وائتمانهم إياهم على دينهم، وموافقتهم لهم في الأصول التي اعتمدوها، ونشروا أقوالهم بين الناس، ومن قلدهم من الأميين وعمل بما عرفه من أقوالهم نسب لمن قلده، وعليه مع ذلك أن يسأل من يثق به من علماء عصره، ويتعاون معه على فهم الحق من دليله.
ومما تقدم يتبين أنهم أتباع للرسول ﷺ ، وليس الرسول تابعا لهم، بل ما جاء به عن الله من شريعة الإسلام هو الأصل الذي يرجع إليه هؤلاء الأئمة وغيرهم من العلماء ﵃، وكل مسلم يسمى حنيفيا لاتباعه الحنيفية السمحة التي هي ملة إبراهيم وملة نبينا محمد ﷺ " انتهى.
وانظر في موقعنا: (٥٥٢٣) ، (٥٤٥٩) ، (٢٣٢٨٠) ، (٢٦٢٦٩) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10487
جواب من قال إنه يأخذ بإجماع الفقهاء ولا يسير على مذهب
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو الجواب لشخص لا يسير على مذهب، ويسير على إجماع الفقهاء، وهل عليه أن يتبع مذهبا أو يسير على مذهب فرضه ولي أمره عليه أو يتخذ شيخا وعالما يرتاح له ويقتدي به.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الناس متفاوتون في المدارك والفهوم والقدرة على استنباط الأحكام من أدلتها، فمنهم من يجوز في حقه التقليد، بل قد يجب عليه، ومنهم من لا يسعه إلا الأخذ بالدليل.
١- فطالب العلم الذي يمكنه التمييز بين الأقوال، ومعرفة الراجح من المرجوح، يلزمه العمل بالراجح حسبما يظهر له.
٢- وأما غير المؤهل لذلك، ففرضه التقليد، لقوله تعالى: (فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) النحل/٤٣.
ويقلد أفضل من يجده علما وورعا، ولا يلزمه اتباع مذهب بعينه، سواء كان مذهب الدولة أو لم يكن.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " مثاله: عامي سمع شخصا يقرر ويقول: إن في الحلي زكاة، وسمع آخر يقرر ويقول: إن الحلي ليس فيه زكاة، فهنا صار عنده رأيان، فمن يقلد؟
نقول: يُخير، لكن ينبغي أن يقلد من كان أقرب إلى الصواب لعلمه وورعه " انتهى من "شرح الأصول من علم الأصول" ص ٦٣٧.
فالعامي لا يجتهد في الأدلة، ولكن يجتهد ويتحرى في الأخذ عن الأعلم والأورع.
قال الشاطبي ﵀: " فكما أن المجتهد لا يجوز في حقه اتباع الدليلين معا ولا اتباع أحدهما من غير اجتهاد ولا ترجيح، كذلك لا يجوز للعامي اتباع المفتيين معا ولا أحدهما من غير اجتهاد ولا ترجيح ... ومتى خيرنا المقلدين في مذاهب الأئمة لينتقوا منها أطيبها عندهم لم يبق لهم مرجع إلا اتباع الشهوات في الاختيار، وهذا مناقض لمقصد وضع الشريعة " انتهى من الموافقات ٤/١٣١.
وقال الخطيب البغدادي ﵀ في الفقيه والمتفقه: " فإن قال قائل: فكيف في المستفتي من العامة إذا أفتاه الرجلان واختلفا، فهل له التقليد؟ قيل: إن كان العامي يتسع عقله، ويكمل فهمه إذا عقل أن يعقل، وإذا فهم أن يفهم، فعليه أن يسأل المختلفين عن مذاهبهم، وعن حججهم فيأخذ بأرجحها عنده، فإن كان له عقل يقصر عن هذا، وفهمه لا يكمل له، وسعه التقليد لأفضلهما عنده " انتهى.
وسئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: ما حكم التقيّد بالمذاهب الأربعة واتباع أقوالهم على كل الأحوال والزمان؟
فأجابوا:
أولا: المذاهب الأربعة منسوبة إلى الأئمة الأربعة الإمام أبي حنيفة والإمام مالك والإمام الشافعي والإمام أحمد، فمذهب الحنفية منسوب إلى أبي حنيفة وهكذا بقية المذاهب.
ثانيا: هؤلاء الأئمة أخذوا الفقه من الكتاب والسنة وهم مجتهدون في ذلك، والمجتهد إما مصيب فله أجران، أجر اجتهاده وأجر إصابته، وإما مخطئ فيؤجر على اجتهاده ويعذر في خطئه.
ثالثا: القادر على الاستنباط من الكتاب والسنة يأخذ منهما كما أخذ من قبله ولا يسوغ له التقليد فيما يعتقد الحق بخلافه، بل يأخذ بما يعتقد أنه حق، ويجوز له التقليد فيما عجز عنه واحتاج إليه.
رابعا: من لا قدرة له على الاستنباط يجوز له أن يقلد من تطمئن نفسه إلى تقليده، وإذا حصل في نفسه عدم الاطمئنان سأل حتى يحصل عنده اطمئنان.
خامسا: يتبين مما تقدم أنه لا تُتَّبع أقوالهم على كل الأحوال والأزمان؛ لأنهم قد يخطئون، بل يتبع الحق من أقوالهم الذي قام عليه الدليل " انتهى.
فتاوى اللجنة الدائمة (٥/٢٨) .
وجاء فيها أيضا (٥/٤١) : " من كان أهلا لاستنباط الأحكام من الكتاب والسنة، ويقوى على ذلك ولو بمعونة الثروة الفقهية التي ورثناها عن السابقين من علماء الإسلام كان له ذلك؛ ليعمل به في نفسه، وليفصل به في الخصومات وليفتي به من يستفتيه. ومن لم يكن أهلا لذلك فعليه أن يسأل الأمناء الموثوق بهم ليتعرف الحكم من كتبهم ويعمل به من غير أن يتقيد في سؤاله أو قراءته بعالم من علماء المذاهب الأربعة، وإنما رجع الناس للأربعة لشهرتهم وضبط كتبهم وانتشارها وتيسرها لهم.
ومن قال بوجوب التقليد على المتعلمين مطلقا فهو مخطئ جامد سيئ الظن بالمتعلمين عموما، وقد ضيق واسعا.
ومن قال بحصر التقليد في المذاهب الأربعة المشهورة فهو مخطئ أيضا قد ضيق واسعا بغير دليل. ولا فرق بالنسبة للأمي بين فقيه من الأئمة الأربعة وغيرهم كالليث بن سعد والأوزاعي ونحوهما من الفقهاء " انتهى.
ودعوى الإنسان أنه يأخذ بما أجمع عليه الفقهاء فقط، يُنظر فيها، فإن كان يأخذ بالإجماع، ويجتهد في مسائل الخلاف، لأهليته وقدرته على الاستنباط، فهذا ممكن، أما إذا لم يكن مؤهلا، ولن يأخذ بمذهب أو يقلد عالما، فهذا يعني أن سيجهل أكثر المسائل؛ لأن مسائل الإجماع قليلة جدا بالنسبة إلى مسائل الخلاف.
والخلاصة أن هناك طريقين لمعرفة الأحكام الشرعية:
الأول: استنباط هذه الأحكام من أدلتها، لمن لديه القدرة على ذلك.
الثاني: سؤال أهل العلم، والأخذ بأقوالهم، للعاجز عن الاستنباط بنفسه، ويقلد حينئذ الأعلم والأورع، ولا يلزمه اتباع مذهب معين أو شخص معين في جميع المسائل.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10488
هل هناك فرق بين السنَّة والمسْتَحبِّ والنَّفل
[السُّؤَالُ]
ـ[ما الفرق بين السنة والنفل وبين السنة والمستحب؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
جمهور علماء أصول الفقه على أنه لا خلاف بين السنة والمستحب والتطوع والنفل ولكن ذهب الحنفية إلى خلاف ذلك، فجعلوا المندوب مرادفاً للنفل وفرّقوا بين السنَّة والنَّفل فجعلوها أعلى منه مرتبة.
[الْمَصْدَرُ]
شرح الورقات في أصول الفقه للشيخ عبد الله الفوزان /٢٦.
стр. 10489
ما هو الوسط في الدين ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما المراد بالوسط في الدين؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الوسط في الدين أن لا يغلو الإنسان فيه فيتجاوز ما حد الله ولا يقصر فيه فينقص مما حد الله .
الوسط في الدين أن يتمسك بسيرة النبي ﷺ , والغلو في الدين أن يتجاوزها , والتقصير أن لا يبلغها.
مثل ذلك , رجل قال أنا أريد أن أقوم الليل ولا أنام كل الدهر, لأن الصلاة من أفضل العبادات فأحب أن أحيي الليل كله صلاة فنقول: هذا غالٍ في دين الله وليس على حق , وقد وقع في عهد النبي ﷺ مثل هذا، اجتمع نفر فقال بعضهم: أنا أقوم ولا أنام , وقال: الآخر أنا أصوم ولا أفطر, وقال الثالث أنا لا أتزوج النساء , فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال ﵊: (ما بال أقوام يقولون كذا وكذا أنا أصوم وأفطر , وأنام وأتزوج النساء , فمن رغب عن سنتي فليس مني) فهؤلاء غلو في الدين فتبرأ منهم الرسول ﷺ لأنهم رغبوا عن سنته ﷺ التي فيها صوم وإفطار , وقيام ونوم , وتزوج نساء.
أما المقصر: فهو الذي يقول لا حاجة لي بالتطوع فأنا لا أتطوع وآتي بالفريضة فقط , وربما أيضاً يقصر في الفرائض فهذا مقصرّ.
والمعتدل: هو الذي يتمشى على ما كان عليه الرسول ﷺ , وخلفاؤه الراشدون.
مثال آخر: ثلاثة رجال أمامهم رجل فاسق , أحدهم قال: أنا لا أسلم على هذا الفاسق وأهجره وابتعد عنه ولا أكلمه.
والثاني يقول: أنا أمشي مع هذا الفاسق وأسلم عليه وأبش في وجهه وأدعوه عندي وأجيب دعوته وليس عندي إلا كرجل صالح.
والثالث يقول: هذا الفاسق أكرهه لفسقه وأحبه لإيمانه ولا أهجره إلا حيث يكون الهجر سبباً لإصلاحه , فإن لم يكن الهجر سبباً لإصلاحه بل كان سبباً لازدياده في فسقه فأنا لا أهجره.
فنقول الأول مُفرط غالٍٍ - من الغلو - والثاني مفرّط مقصّر , والثالث متوسط.
وهكذا نقول في سائر العبادات ومعاملات الخلق، الناس فيها بين مقصر وغال ومتوسط.
ومثال ثالث: رجل كان أسيرا لامرأته توجهه حيث شاءت لا يردها عن إثم ولا يحثها على فضيلة , قد ملكت عقله وصارت هي القوامة عليه.
ورجل آخر عنده تعسف وتكبر وترفع على امرأته لا يبالي بها وكأنها عنده أقل من الخادم.
ورجل ثالث وسط يعاملها كما أمر الله ورسوله: (وَلَهُنَّ مثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) البقرة/ ٢٢٨. (لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كان كره منها خلقا رضي منها خلقا آخر) . فهذا الأخير متوسط والأول غالٍ في معاملة زوجته, والثاني مقصر. وقس على هذه بقية الأعمال والعبادات.
[الْمَصْدَرُ]
مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ج/١ ص ٤٢.
стр. 10490
تعريف الحلال والحرام
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو تعريف الحرام والحلال؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الحرام ما يعاقب فاعله ويثاب تاركه إذا امتثل في تركه نهي الله ، وأما الحلال فلا إثم في فعله كما أنه لا إثم في تركه إلا إذا قصد في فعله التقوّي به على طاعة الله فهو مثاب بهذه النية.
والتحليل والتحريم من حقّ الله تعالى " فإن أقواما استحلوا بعض ما حرمه الله، وأقواماً حرموا بعض ما احل الله تعالى، وكذلك أقواماً أحدثوا عبادات لم يشرعها الله بل نهى عنها.
و" أصل الدين " أن الحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله، ليس لأحد أن يخرج عن الصراط المستقيم الذي بعث الله به رسوله، قال الله تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون) ...
وقد ذكر الله تعالى في سورة الأنعام والأعراف وغيرهما ما ذم الله به المشركين حيث حرموا ما لم يحرمه الله تعالى، كالبحيرة والسائبة، واستحلوا ما حرمه الله كقتل أولادهم، وشرعوا ديناً لم يأذن به الله، فقال تعالى: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) ومنه أشياء هي محرمة جعلوها عبادات كالشرك والفواحش، مثل الطواف بالبيت عراة وغير ذلك.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 10491
كتاب الأصول للشاشي وشروحاته، ومعنى كلمة " الحكميات "
[السُّؤَالُ]
ـ[في كتاب " أصول الفقه " للشاشي في بحث " المشترك والمؤول " يوجد كلمة " الحكميات ". ما معناها؟ وأرجو إعلامي إن كان هناك شروح لهذا الكتاب.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
كتاب " أصول الشاشي " من كتب الحنفية المشهورة، ومؤلفه هو: أبو علي الشاشي: أحمد بن محمد بن إسحاق، نظام الدين، الفقيه الحنفي، المتوفي سنة ٣٤٤هـ.
وهو من تلاميذ أبي الحسن الكرخي، أثنى عليه، وقال: ما جاءنا أحد أحفظ من أبي علي، سكن الشاشي بغداد، ودرس بها.
طبع كتاب الشاشي بكانبور في الهند، مطبعة مجيدي، سنة ١٣٨٨هـ، وطبع بدار الكتاب العربي ببيروت ١٤٠٢ هـ، وبهامشه: " عمدة الحواشي شرح أصول الشاشي " لمحمد فيض الحسن الكنكوهي، وطبع في دار الكتب العلمية ببيروت سنة ١٤٢٣ هـ، ترجمة وتحقيق: عبد الله محمد الخليلي، وطبع الكتاب – أيضاً - من قبل دار الغَرْب الإسلامي، سنة ١٤٢٢ هـ، وحققه محمد أكرم الندوي.
من شروح الكتاب:
١. شرح المولى محمد بن الحسن الخوارزمي المتوفى سنة ٧٨١هـ.
٢. " حصول الحواشي على أصول الشاشي "، لمحمد حسن المكنى بأبي الحسن بن محمد السنبهلي الهندي، طبع بنمبشي نولكشور ١٣٠٢ هـ.
٣. " عمدة الحواشي "، للمولى محمد فيض الحسن الكنكوهي
طبع مع " أصول الشاشي ".
٤. " تسهيل أصول الشاشي "، للشيخ محمد أنور البدخشاني.
طبع بإدارة القرآن والعلوم الإسلامية، كراتشي، الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ، كما صور هذا التسهيل في إسطنبول بتركيا
انظر مقدمة الشيخ خليل الميس لأصول الشاشي
ثانياً:
وأما معنى كلمة " حُكميات " الواردة في البحث المشار إليه في الكتاب – وفي غيره من كتب الحنفية - فهو:
العقود، كالزواج، والطلاق، والبيوع، وهي ما كان إنشاؤه بالقول باللسان، وهي أشياء معنوية تقابل الحسيَّة عندهم، والحسيَّة ما كان بالأفعال بالجوارح كالضرب والذبح..
وهذه طائفة من عباراتهم في كتبهم تبين مقصود اللفظة بكلامهم وشروحاتهم:
١. قال عثمان بن علي الزيلعي الحنفي – ﵀
ولو قال الحالف في الطلاق والتزوج - ونحوهما من الحكميات -: نويت أن لا أتكلم به، ولا ألي بنفسي: صدِّق ديانة، لا قضاء، بخلاف ما إذا قال في ذبح الشاة وضرب العبد: نويت أن لا ألي بنفسي حيث يصدق ديانة وقضاء.
" تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق " (٣ / ١٤٨) ..
٢. وقال – ﵀:
ثم هذه الأشياء توجب الحَجر في الأقوال دون الأفعال؛ لأن الحجر في الحكميات دون الحسيات، ونفوذ القول حكمي، ألا ترى أنه يُردُّ ويُقبل، والفعل حسي لا يمكن رده إذا وقع، فلا يتصور الحجر عنه.
" تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق " (٥ / ١٩١) ..
٣. وقال محمد بن فرموزا (منلا خسرو) الحنفي – ﵀:
الثالث: ما هو من الأفعال الحسية، ذكره في " البحر "، ولو نوى المباشرة بنفسه فقط: صدَِّق قضاء وديانة، فيما كان من الحسيات: كالضرب، والذبح، وصدِّق ديانة فقط فيما كان من الحكميات: كالتزوج، والطلاق، كما في " الفتح "..
" درر الحكام شرح غرر الأحكام " (٢ / ٥٧) .
وكتاب " البحر " المنقول منه هو من كتب الحنفية هو: " البحر الرائق شرح كنز الدقائق "، وموضع العبارة فيه: (٤ / ٣٧٨) .
وبه يتبين معنى عبارة الشاشي ﵀، وهو أنه أراد " البيوع " من الحكميات، إذ قال:
ومثاله في " الحكميات ": ما قلنا: إذا أطلق في البيع كان على غالب نقد البلد، وذلك بطريق التأويل، ولو كانت النقود مختلفة فَسدَ البيع؛ لما ذكرنا، وحمل الإقراء على الحيض.
انتهى
فقد مثَّل من الحكميات على البيوع، وهو واضح إذا علم تمثيلهم السابق على الزواج والطلاق، وهو أن المراد بهذه اللفظة العقود القولية المعنوية.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10492
تحريم الزنا والميسر والخنزير
[السُّؤَالُ]
ـ[لماذا حُرم الزنا والقمار وأكل لحم الخنزير في الإسلام؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
مع استغرابنا أن يصدر من شخص مسلم هذا السؤال في أمور من المسلّمات والبدهيات ولكن الجواب ببساطة أنّ هذه الأشياء محرّمة لأنّ الله الذي تجب علينا طاعته قد قال لنا في القرآن الكريم:
(وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا) سورة الإسراء/٣٢
وقال لنا:
(إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ) سورة البقرة/١٧٣
وقال لنا:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ (٩١) سورة المائدة
فيجب علينا اجتناب كل ما حرم الله علينا إيمانا بشريعة الله واحتسابا لثوابه وخوفا من عقابه مع إيماننا أن الله لم يحرم علينا في شريعة الإسلام إلا ما هو ضرر وفساد، أدركنا ذلك بعقولنا أو لم ندركه عملا بقوله تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 10493
هل يختلف حكم قيادة السيارة من بلد إلى آخر ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[مساحة الدول الإسلامية شاسعة، ونجد أن هناك فرقاً بين دولة وأخرى، في اللباس والعادات والتقاليد، فمثلا نجد أنه في بعض الدول تلتزم فيها أخواتنا بالنقاب، حيث إنهم يتبعون الفتوى القائلة إن النقاب واجب، ولكن ذلك ليس منتشراً في دول أخرى، والرأي الذي يأخذونه هناك أن النقاب ليس واجباً بل مستحب، كذلك قيادة المرأة للسيارة ففي بعض الدول حرَّمها المشايخ لما لها من أضرار لو سمح بها، بينما في دول أخرى- قيادة المرأة للسيارة أمر عادي جدّاً، وله عشرات السنين.
فإلى أي مدى تكون هناك مرونة في الأحكام؟ وهل ما يحدث صحيح أقصد أن الشيء يصبح واجباً في مناطق ومستحبّاً في مناطق أخرى؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأحكام الشرعية نوعان:
الأول: ما دلت الأدلة الصحيحة على حكمه، بقطع النظر عن العادات المختلفة أو ما يترتب عليه من مصالح أو مفاسد.
فهذا حكمه ثابت ولا يختلف من مكان إلى آخر ولا من شخص لآخر إلا إذا كان الإنسان مضطراً أو مريضاً أو معذوراً فإنه يسهل له الحكم حسب حاله على ما جاء به الشرع.
ومن هذا النوع: وجوب الصلوات الخمس، وصيام رمضان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطلب العلم،..إلخ.
ومنه أيضاً: سترة المرأة المسلمة جميع بدنها بما فيه الوجه والكفان، فإن هذا الحكم واجب ولا يختلف من مكان إلى آخر.
وقد سبق في إجابة السؤال: (٢١١٣٤) و (١٣٦٤٧) بيان الأدلة على هذا.
النوع الثاني: أحكام بنيت على أسباب معيّنة أو كان حكمها التحريم أو الإباحة أو الوجوب ـ مثلاً ـ بناء على ما يترتب عليها من مصالح أو مفاسد، ولم ترد الأدلة الشرعية بحكم ثابت لها لا يختلف، وقد يكون من هذا النوع قيادة المرأة للسيارة.
وقد أفتى العلماء بتحريمه لما يترتب عليه من مفاسد.
وهذا إنما ينطبق تمام الانطباق على بلاد الحرمين، وأما ما عداها من البلاد فإنه يرجع إلى علمائها الثقات الأثبات فإنهم أعلم بأحوال بلادهم.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀:
فقد كثر حديث الناس في صحيفة " الجزيرة " عن قيادة المرأة للسيارة، ومعلوم أنها تؤدي إلى مفاسد لا تخفى على الداعين إليها، منها الخلوة المحرمة بالمرأة، ومنها السفور، ومنها الاختلاط بالرجال بدون حذر، ومنها ارتكاب المحظور الذي من أجله حرمت هذه الأمور، والشرع المطهر مَنَع الوسائل المؤدية إلى المحرم واعتبرها محرمة، وقد أمر الله جل وعلا نساء النبي ونساء المؤمنين بالاستقرار في البيوت، والحجاب، وتجَنُّب إظهار الزينة لغير محارمهن لما يؤدي إليه ذلك كله من الإباحية التي تقضي على المجتمع قال تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) الأحزاب/٣٣ الآية، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ) الأحزاب/٥٩، وقال تعالى: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) النور/٣١، وقال النبي ﷺ : " ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما "، فالشرع المطهر منع جميع الأسباب المؤدية إلى الرذيلة بما في ذلك رمي المحصنات الغافلات بالفاحشة وجعل عقوبته من أشد العقوبات؛ صيانة للمجتمع من نشر أسباب الرذيلة.
وقيادة المرأة من الأسباب المؤدية إلى ذلك وهذا لا يخفى ولكن الجهل بالأحكام الشرعية وبالعواقب السيئة التي يفضي إليها التساهل بالوسائل المفضية إلى المنكرات - مع ما يبتلى به الكثير من مرضى القلوب - ومحبة الإباحية والتمتع بالنظر إلى الأجنبيات كل هذا يسبب الخوض في هذا الأمر وأشباهه بغير علم وبغير مبالاة بما وراء ذلك من الأخطار، وقد قال الله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) الأعراف/٣٣، وقال سبحانه: (وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) البقرة/١٦٨، وقال ﷺ : " ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ".
وعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم دعاة إلى أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله صفهم لنا؟ فقال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام، قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك " متفق عليه.
وإنني أدعو كل مسلم أن يتقي الله في قوله وفي عمله وأن يحذر الفتن والداعين إليها وأن يبتعد عن كل ما يسخط الله جل وعلا أو يفضي إلى ذلك وأن يحذر كل الحذر أن يكون من هؤلاء الدعاة الذين أخبر عنهم النبي ﷺ في هذا الحديث الشريف.
وقانا الله شر الفتن وأهلها وحفظ لهذه الأمة دينها وكفاها شر دعاة السوء ووفق كُتَّاب صحفنا وسائر المسلمين لما فيه رضاه وصلاح أمر المسلمين ونجاتهم في الدنيا والآخرة إنه ولي ذلك والقادر عليه.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٣ / ٣٥١ – ٣٥٣) .
وسئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين: أرجو توضيح حكم قيادة المرأة للسيارة، وما رأيكم بالقول:
(إن قيادة المرأة للسيارة أخف ضررا من ركوبها مع السائق الأجنبي؟)
الجواب على هذا السؤال ينبني على قاعدتين مشهورتين بين علماء المسلمين:
القاعدة الأولى: أن ما أفضى إلى محرم فهو محرم. والدليل قوله تعالى: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ) الأنعام/١٠٨، فنهى الله عن سب آلهة المشركين – مع أنه مصلحة – لأنه يفضي إلى سب الله تعالى.
القاعدة الثانية: أن درء المفاسد – إذا كانت مكافئة للمصالح أو أعظم – مقدم على جلب المصالح. والدليل قوله تعالى: (يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) البقرة/٢١٩، وقد حرم الله الخمر والميسر مع ما فيهما من المنافع درءاً للمفسدة الحاصلة بتناولهما.
وبناء على هاتين القاعدتين يتبين حكم قيادة المرأة للسيارة. فإن قيادة المرأة للسيارة تتضمن مفاسد كثيرة، فمن مفاسدها:
١- نزع الحجاب: لأن قيادة السيارة سيكون بها كشف الوجه الذي هو محل الفتنة ومحط أنظار الرجال، ولا تعتبر المرأة جميلة أو قبيحة على الإطلاق إلا بوجهها، أي أنه إذا قيل جميلة أو قبيحة، لم ينصرف الذهن إلا إلى الوجه، وإذا قصد غيره فلا بد من التقييد، فيقال جميلة اليدين، أو جميلة الشعر، أو جميلة القدمين. وبهذا عرف أن الوجه مدار القاصدين.
وقد يقول قائل: إنه يمكن أن تقود المرأة السيارة بدون نزع الحجاب، بأن تتلثم المرأة وتلبس في عينيها نظارتين سوداوين.
والجواب على ذلك أن يقال: هذا خلاف الواقع من عاشقات قيادة السيارة، واسأل من شاهدهن في البلاد الأخرى، وعلى فرض أنه يمكن تطبيقه في ابتداء الأمر فإن الأمر لن يدوم طويلا، بل سيتحول – في المدى القريب – إلى ما عليه النساء في البلاد الأخرى، كما هي سنة التطور المتدهور في أمور بدأت هينة مقبولة بعض الشيء ثم تدهورت منحدرة إلى محاذير مرفوضة.
٢- من مفاسد قيادة المرأة للسيارة: نزع الحياء منها، والحياء من الإيمان – كما صح ذلك عن النبي ﷺ – والحياء هو الخلق الكريم الذي تقتضيه طبيعة المرأة وتحتمي به من التعرض للفتنة، ولهذا كانت مضرب المثل فيه فيقال (أحيا من العذراء في خدرها) ، وإذا نزع الحياء من المرأة فلا تسأل عنها.
٣- ومن المفاسد: أنها سبب لكثرة خروج المرأة من البيت والبيت خير لها – كما أخبر بذلك النبي المعصوم ﷺ – لأن عاشقي القيادة يرون فيها متعة، ولهذا تجدهم يتجولون في سياراتهم هنا وهناك بدون حاجة لما يحصل لهم من المتعة بالقيادة.
٤- ومن مفاسدها أن المرأة تكون طليقة تذهب إلى ما شاءت ومتى شاءت وحيث شاءت إلى ما شاءت من أي غرض تريده، لأنها وحدها في سيارتها، متى شاءت في أي ساعة من ليل أو نهار، وربما تبقى إلى ساعة متأخرة من الليل. وإذا كان الناس يعانون من هذا في بعض الشباب، فما بالك بالشابات؟؟! وحيث شاءت يمينا وشمالا في عرض البلد وطوله، وربما خارجه أيضاً.
٥- ومن المفاسد: أنها سبب لتمرد المرأة على أهلها وزوجها، فلأدنى سبب يثيرها في البيت تخرج منه وتذهب في سيارتها إلى حيث ترى أنها تروح عن نفسها فيه، كما يحصل ذلك من بعض الشباب وهم أقوى تحملا من المرأة.
٦- ومن مفاسدها: أنها سبب للفتنة في مواقف عديدة: في الوقوف عند إشارات الطريق – في الوقوف عند محطات البنزين – في الوقوف عند نقطة التفتيش – في الوقوف عند رجال المرور عند التحقيق ي مخالفة أو حادث – في الوقوف لملء إطار السيارة بالهواء– في الوقوف عند خلل يقع في السيارة في أثناء الطريق، فتحتاج المرأة إلى إسعافها، فماذا تكون حالتها حينئذ؟ ربما تصادف رجلا سافلا يساومها على عرضها في تخليصها من محنتها، لاسيما إذا عظمت حاجتها حتى بلغت حد الضرورة.
٧- من مفاسد قيادة المرأة للسيارة: كثرة ازدحام الشوارع، أو حرمان بعض الشباب من قيادة السيارات وهم أحق بذلك وأجدر.
٨- من مفاسدها أنها سبب للإرهاق في النفقة، فإن المرأة – بطبيعتها – تحب أن تكمل نفسها مما يتعلق بها من لباس وغيره، ألا ترى إلى تعلقها بالأزياء، كلما ظهر زِيٌّ رمت بما عندها وبادرت إلى الجديد، وإن كان أسوأ مما عندها. ألا ترى ماذا تعلق على جدرانها من الزخرفة. وعلى قياس ذلك – بل لعله أولى منه – السيارة التي تقودها، فكلما ظهر موديل جديد فسوف تترك الأول إلى هذا الجديد.
أما قول السائل: وما رأيكم بالقول: (إن قيادة المرأة للسيارة أخف ضررا من ركوبها مع السائق الأجنبي؟) .
فالذي أراه أن كل واحد منهما فيه ضرر، وأحدهما أضر من الثاني من وجه، ولكن ليس هناك ضرورة توجب ارتكاب أحدهما.
واعلم أنني بسطت القول في هذا الجواب لما حصل من المعمعة والضجة حول قيادة المرأة للسيارة، والضغط المكثف على المجتمع السعودي المحافظ على دينه وأخلاقه ليستمرئ قيادة المرأة للسيارة ويستسيغها.
وهذا ليس بعجيب لو وقع من عدو متربص بهذا البلد الذي هو آخر معقل للإسلام يريد أعداء الإسلام أن يقضوا عليه، ولكن هذا من أعجب العجب إذا وقع من قوم من مواطنينا ومن أبناء جلدتنا يتكلمون بألسنتنا، ويستظلون برايتنا. قوم انبهروا بما عليه دول الكفر من تقدم مادي دنيوي فأعجبوا بما هم عليه من أخلاق، تحرروا بها من قيود الفضيلة إلى قيود الرذيلة.
ا. هـ كلام الشيخ ابن عثيمين
(وأما في البلاد التي يُسمح فيها بقيادة المرأة للسيارة فعلى المرأة المسلمة تجنّب ذلك ما أمكنها للأسباب السابق ذكرها.
وأما في حالات الضرورة كإسعاف مصاب أو فرار من مجرم فإنه لا حرج على المرأة المسلمة أن تستخدم السيارة في مثل هذه الحالات إذا لم تجد رجلاً تستنجد به.
وتبقى حالات أخرى مثل النساء اللاتي لا بد لهن من الخروج إلى العمل فليس لها زوج أو أب أو وليّ يكفيها ولا من المرتبات الحكومية ما يقوم بحاجتها، ولم تجد عملاً يكفيها تقوم به في منزلها كبعض وظائف الإنترنت، واضطرت إلى الخروج فإنها تستخدم أقل وسائل المواصلات خطراً عليها.
وقد تكون هناك مواصلات عامة خاصة بالنساء أو سائق يُستأجر لعدة نساء يوصلهن إلى العمل أو الجامعة، وقد تكون سيارات الأجرة الخاصة ـ لمن قدرت عليها ماليا ـ أرحم لها من الحافلات العامة التي قد تتعرض فيها للإهانة والاعتداء فتستعمل سيارات الأجرة دون خلوة مع السائق.
وإذا اضطرت في النهاية إلى قيادة السيارة في حالات الحاجة الشديدة الماسة التي لا غنى عنها فإنها تسوقها بجلبابها الشرعي الكامل مع تقوى الله.
وقد تقدم ذكر حال الاضطرار
وتستعين بفتوى علماء بلدها الثقات ـ من غير المتساهلين ـ الذين يفقهون الشريعة ويعرفون وضع البلد.
وقد قال الله تعالى: (فاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) التغابن/٦
نسأل الله السلامة والعافية وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10494
تعريف الحرام والمكروه
[السُّؤَالُ]
ـ[ما المقصود بلفظ (مكروه) ؟ وما الفرق بينه وبين الحرام؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
المكروه في اللغة: ضد المحبوب.
واصطلاحاً: ما طلب الشَّارِعُ تركه طلباً غيرَ جَازِمٍ , ويمكن أن يقال هو ما يثاب تاركه امتثالا ولا يعاقب فاعله.
أما الحرام فهو لغة: الممنوع.
واصطلاحاً: ماطلب الشَّارِعُ تركه طلباً جازماً، والحرام ضِدَّ الحلال وإنما يُؤْجَرُ العبد على اجتنابِهِ للحرام إذا تركه امتثالا (أيْ لنَهْيِ الشَّرْعِ عنه) ليس لخوفٍ أو حياءٍ أو عجزٍ عن المحرم فلا يثاب على هذا الترك.
[الْمَصْدَرُ]
شرح الورقات في أصول الفقه لعبد الله الفوزان ٢٩-٣٠.
стр. 10495
هل الأصل في التصرّفات الإباحة أو الحرمة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل الأصل في التصرّفات الإباحة أو الحرمة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
تُعد قاعدة (الأصل في الأشياء الإباحة) من القواعد الكبرى الشهيرة في الفقه الإسلامي، ومما يتفرع على هذه القاعدة: أن الأصل في التصرفات الإباحة إلا ما دل الدليل على تحريمه، ومن مستثنيات ذلك ما دلت عليه قاعدة: (الأصل في الأبضاع التحريم) وقاعدة (الأصل في العبادات المنع) وقاعدة: (الأصل في الذبائح التحريم) وقاعدة: (لا يصح التصرف في ملك الغير إلا بإذنه) . وعليه فالعقود الجديدة وغيرها من ألوان العقود الحادثة مباحة إذا خلت من محظور كالجهالة والغرر والربا والتدليس والغش وغير ذلك مما حرمه الشارع. والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ خالد السبت.
стр. 10496
نظام الادخار في أرامكوا والموقف من اختلاف الفتوى فيه
[السُّؤَالُ]
ـ[نحن مجموعة من موظفي أرامكو السعودية، يهمنا كما يهم أي فرد مسلم شرعية الأموال التي يحصل عليها، وإننا في الآونة الأخيرة وقعنا في حيرة عظيمة لا يعلم بها إلا الله ، لعل عندكم شيئاً من علم عن نظام الادخار في أرامكو السعودية، (فالشركة تحفزني بأن أدخر عندهم بإعطائي مكافئة عند التقاعد أو عند ترك العمل في الشركة.
المساهمة هي نسبة مئوية من مساهمتي حسب بقائي في الخدمة، مثلاً
إذا كانت مساهمتي الكلية ١٠٠٠٠٠ ريال وخدمتي في الشركة ١٠ سنوات فتكون مكافئتي من الشركة هي ١٠٠٠٠٠ ريال.
وإذا كانت مدة خدمتي ٧ سنوات فتكون مكافئتي ٧٠% فقط من ١٠٠٠٠٠ ريال وهي ٧٠٠٠٠ ريال.
وإننا كما نعلم مسبقا أن هذا النظام محرم شرعا بحكم فتوى اللجنة الدائمة الصادر في ذلك، ولكننا في الآونة الأخيرة جاءتنا فتوى من الشيخ عبد الله بن منيع حفظه الله بجواز هذا النظام الادخاري، فوقعنا بذلك في حيرة، فلا نعلم هل نتبع اللجنة أم نتبع الشيخ المنيع بحكم تخصصه في المجالات الاقتصادية.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نظام الادخار المعمول به في شركة أرامكوا نظام محرم، وهو ربا صريح؛ لكونه قرضاً جر نفعاً، فإن من دفع ١٠٠,٠٠٠ ليأخذها بعد مدة عشر سنوات، أو سبع، أو غير ذلك، مضافا إليها مكافأة قدرها ١٠٠,٠٠٠ أو ٧٠,٠٠٠، أو ريالا واحدا، فقد وقع في الربا الصريح، المحرم بإجماع العلماء.
قال الإمام ابن قدامة ﵀: (وكل قرض شرط فيه أن يزيده فهو حرام بغير خلاف. قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المُسلف إذا شرط على المستلف زيادة أو هدية، فأسلف على ذلك، أَنَّ أخذ الزيادة على ذلك ربا. وقد روي عن أبي بن كعب وابن عباس وابن مسعود أنهم نهوا عن قرضٍ جرَّ منفعة.) المغني ٦/٤٣٦
ولا عبرة بتسمية الشركة لهذه المعاملة ادخارا أو استثمارا أو مضاربة، فإن كل استثمار ضُمن فيه رأس المال لصاحبه، فهو عقد قرض، وإن سماه الناس غير ذلك، فالعبرة بحقائق الأشياء لا بمسمياتها.
أما الاستثمار، أو التوفير، أو الادخار المشروع فيقوم على أسس أهمها:
١- أن يكون المال منك، والعمل من الطرف الآخر، ولا مانع أن يدخل بحصة من المال مع العمل.
٢- أن يكون مجال الاستثمار مباحا، معلوما لك، فإن غالب هذه الشركات تستثمر المال بوضعه في بنوك الربا، أو إقامة مشاريع غير مباحة.
٣- أن تتفقا على نسبة محددة من الربح، لا من رأس المال، فيكون لك ٥٠ % أو ١٠ % من الربح مثلا.
٤- أن لا يضمن المضارب لك رأس المال، بل متى وقعت الخسارة - بلا تفريط منها - فالخسارة في مالك، ويخسر هو عمله.
وحيث كان رأس المال مضمونا فالمعاملة قرض يلزم سداده دون زيادة، فإن اشتُرطت فيه الزيادة فهو ربا.
نسأل الله أن يصرف عنا الربا وشره وخطره، وأن يغنينا بحلاله عن حرامه.
والحاصل أن نظام الادخار في شركة أرامكو محرم؛ لضمان رأس المال فيه، ولكون الربح نسبة محددة من رأس المال، فهو حينئذ قرض بفائدة، ولجهالة الجهة التي تستثمر فيها الأموال.
وقد أشارت اللجنة الدائمة إلى بطلان الدعوى بأن ما يعطاه الموظف مكافأة من الشركة؛ لأنها لا تعطي هذا إلا لمن يدخر، ولو كانت مكافأة محضة لشملت جميع الموظفين.
- وكما ذكر السائل فقد سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء برئاسة الشيخ عبد العزيز ابن باز ﵀ ومعه الشيخ عبد الرزاق عفيفي والشيخ عبد الله بن غديان والشيخ عبد الله بن قعود – وهم من كبار العلماء – عن نظام الإدخار في شركة أرامكوا فأجابوا بما نصه: " الاشتراك في نظام الادخار بشركة أرامكوا حرام؛ لما فيه من ربا الفضل وربا النسأ، وذلك لما فيه من تحديد نسبة ربوية تتراوح ما بين خمسة بالمائة ومائة بالمائة من المال المدخر للموظف السعودي، وكذا ما يُعطاه الموظف المُدَخِر من المكافأة دون من لم يدخر من موظفيها، كما هو منصوص في نظام ادخارها. "
فتاوى اللجنة الدائمة ١٣/٥١٠-٥١٥
وكذا أفتى الشيخ محمد بن صالح العثيمين وغيره من أهل العلم بتحريم نظام الإدخار في شركة أرامكوا.
ثانياً:
إذا اختلف العلماء في الحكم الشرعي في مسألة شرعية فعلى المستفتي أن يجتهد في معرفة الحق بالنظر في أدلة كلا الفريقين فيعمل بما ترجح له. هذا فيما لو كان المستفتي طالب عالم له القدرة على الترجيح.
أما إن لم يتمكن من الترجيح نظراً لعدم تخصصه في العلم الشرعي فالواجب عليه أن يأخذ بقول الأعلم والأوثق عنده، وليس له أن يتخير من الأقوال ما يشاء.
وفي مسألتنا هذه تبين أن كبار العلماء أفتوا بالتحريم، وهم أعلم وأوثق ممن خالفهم – وليس هذا قدحاً في الطرف الثاني -، لذا فالواجب عليك الابتعاد عن هذا النظام لما تقدم.
وقد سئل الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ عن موقف المسلم من اختلاف العلماء فأجاب: " إذا كان المسلم عنده من العلم ما يستطيع به أن يقارن بين أقوال العلماء بالأدلة، والترجيح بينها، ومعرفة الأصح والأرجح وجب عليه ذلك، لأن الله تعالى أمر برد المسائل المتنازع فيها إلى الكتاب والسنة، فقال: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) النساء/٥٩. فيرد المسائل المختلف فيها للكتاب والسنة، فما ظهر له رجحانه بالدليل أخذ به، لأن الواجب هو اتباع الدليل، وأقوال العلماء يستعان بها على فهم الأدلة.
وأما إذا كان المسلم ليس عنده من العلم ما يستطيع به الترجيح بين أقوال العلماء، فهذا عليه أن يسأل أهل العلم الذين يوثق بعلمهم ودينهم ويعمل بما يفتونه به، قال الله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) الأنبياء/٤٣. وقد نص العلماء على أن مذهب العامي مذهب مفتيه.
فإذا اختلفت أقوالهم فإنه يتبع منهم الأوثق والأعلم، وهذا كما أن الإنسان إذا أصيب بمرض فإنه يبحث عن أوثق الأطباء وأعلمهم ويذهب إليه لأنه يكون أقرب إلى الصواب من غيره، فأمور الدين أولى بالاحتياط من أمور الدنيا.
ولا يجوز للمسلم أن يأخذ من أقوال العلماء ما يوافق هواه ولو خالف الدليل، ولا أن يستفتي من يرى أنهم يتساهلون في الفتوى.
بل عليه أن يحتاط لدينه فيسأل من أهل العلم من هو أكثر علماً، وأشد خشية لله تعالى " انتهى من كتاب اختلاف العلماء أسبابه وموقفنا منه ص٢٣، أنظر السؤال (٢٢٦٥٢) .
وعلى المسلم أن يحذر من استفتاء من عُرف بالتساهل ومخالفة من هو أعلم منه من العلماء الثقات، وليحذر المسلم من اتباع الهوى والأخذ بالفتاوى التي توافق ما تريده نفسه وتهواه فإن المسلم مطالب بمخالفة هوى النفس، قال تعالى: (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى)
والله اعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10497
تحديد الكبائر
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي كبائر الذنوب؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
تستطيع مراجعة ذلك مفصّلا في كتاب " محرمات استهان بها كثير من الناس " في ركن الكتب من هذا الموقع.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10498
حكم قراءة آيات الحرس
[السُّؤَالُ]
ـ[ثبت في ترجمة الإمام ابن قدامة المقدسي - عليه رحمة الله - أنه كان يقرأ بعد كلّ صلاة صبح آيات الحرس وسوراً أخرى، نرجو أن تتكرموا علينا بأن تبينوا لنا الحديث الذي يشير إلى تلك الآيات الكريمات مع ذكر ما تيسر من طرق وألفاظ الحديث إن وُجدَتْ، وإن كان الحديث ضعيفاً هل يدخل في استحباب العمل بالحديث الضعيف حيث إن العلماء اتفقوا على استحباب العمل بالحديث الضعيف؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
تعتمد كثير من الأوراد المصنفة على جمع آيات من القرآن، أو سور مخصوصة، بحسب اجتهاد المصنف.
وقد ذكر السيوطي في "الإتقان" (٢ / ٤٣٤) : أن أغلب ما يذكره المصنفون في خواص القرآن، إنما مستنده تجارب الصالحين.
والتجربة وحدها لا تكفي في إثبات حكم شرعي، وجوبا أو استحبابا، بل لا بد لذلك من مستند شرعي، من الكتاب والسنة؛ لقوله ﷺ : (مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) . رواه مسلم (١٧١٨) .
قال الشيخ أبو شامة ﵀ في "الباعث على إنكار البدع والحوادث" (ص ٨٦-٨٧) :
" ابتدع بعضهم جمع آيات السجدات يقرأ بها في ليلة ختم القرآن وصلاة التراويح، ويسبح بالمأمومين في جميعها، وابتدع آخرون سرد جميع ما في القرآن من آيات الدعاء في آخر ركعة من التراويح بعد قراءة سورة الناس، فيطول الركعة الثانية على الأولى، نحوا من تطويله بقراءة الأنعام، مع اختراعه لهذه البدعة، وكذلك الذين يجمعون آيات يخصونها بالقراءة ويسمونها آيات الحرس، ولا أصل لشيء من ذلك فليعلم أن جميع ذلك بدعة، وليس شيء منها من الشريعة، بل هو مما يوهم أنه من الشرع وليس منه " انتهى.
وينظر: "فتاوى اللجنة الدائمة" (٢/٤٨٦) .
ثانيا:
أما ما ورد في ترجمة ابن قدامة من أنه كان إذا صلى الفجر تلا آيات الحرس ويس والواقعة وتبارك، ويقرأ بعد العشاء آيات الحرس.
فليعلم ـ أولا ـ أن ابن قدامة المذكور - في السؤال - ليس هو الفقيه أبا محمد، صاحب المغني، بل هو أخوه أبو عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي.
ينظر: سير أعلام النبلاء (٢٢/٧) ، ذيل طبقات الحنابلة (ص ٢٠٤) .
وهذا الذي كان يفعله أبو عمر ﵀، اجتهاد منه، لا تثبت به سنة، ولا يدل على مشروعية شيء، بل هو فعل يحتاج أن يحتج له، ولا يحتج به، كما يقول أهل العلم، وكل أحد يؤخذ منه ويرد عليه إلا رسول الله ﷺ .
ومع ما هو معروف عن أبي عمر من فضله وعلمه وتقواه وصلاحه، فليس هو بمعصوم، ولعله ظن ذلك سنة ثابتة عن النبي ﷺ ، أو أحد من أصحابه، أو أن له اجتهادا في ذلك لا نعلمه.
ورحم الله أبا سليمان الداراني حيث قال: " ربما يقع في قلبي النكتة من نكت القوم أياما فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين: الكتاب والسنة " انتهى.
"سير أعلام النبلاء" (١٠ / ١٨٣) .
والخلاصة: أن الحجة في ذلك هو ما ثبت عن النبي ﷺ ، من غير أن يكون ذلك سببا في الوقيعة فيمن فعل ذلك من أهل العلم والدين، أو انتقاص أقدارهم.
ولمعرفة حكم تخصيص قراءة آيات معينة لغرض معين: ينظر إجابة السؤال رقم: (١١٥٨٤١) .
ثالثا:
لم يتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف، كما ذكر السائل، بل ذهبت طائفة منهم إلى عدم العمل به مطلقا، حيث إنه لم يصح عن رسول الله ﷺ ، وقد قال النبي ﷺ : (ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بين لكم) رواه الطبراني في "الكبير" (١٦٤٧) ، وصححه الألباني في "الصحيحة" (١٨٠٣) .
وليس من بيان رسول الله ﷺ الحديث الضعيف الذي لم يثبت عنه ولا يصح، وهو من قسم المردود غير المقبول في اصطلاح أهل الشأن، وفيما صح من الحديث الغنية عما لم يصح.
ثم إن الذين قالوا بالعمل بالضعيف في فضائل الأعمال اشترطوا أن لا يكون شديد الضعف، وأن يندرج تحت أصل معمول به، وألا يعتقد ثبوته عن النبي ﷺ .
ولمعرفة حكم العمل بالضعيف في فضئل الأعمال: ينظر إجابة السؤال رقم: (٤٤٨٧٧) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10499
المقصود بجملة " اختلاف الفتوى باختلاف الزمان والمكان "
[السُّؤَالُ]
ـ[هل هناك ما يعرف بـ " اختلاف الفتوى باختلاف الزمان والمكان " , فهل هناك ما يثبت ذلك من الكتاب والسنَّة النبوية؟ . أفيدونا، أفادكم الله , وجزاكم الله خيراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
مسألة " اختلاف – أو تغيُّر - الفتوى باختلاف الزمان والمكان ": لنا معها وقفات:
١. يجب أن يُعلم أن الأحكام الشرعية المبنية على الكتاب والسنَّة: غير قابلة للتغيير، مهما اختلف الزمان، والمكان، فتحريم الخمر، والزنا، والربا، وعقوق الوالدين، وما يشبه ذلك من الأحكام: لن يكون حلالاً في زمان، أو في مكان؛ لثبوت تلك الأحكام الشرعية بنصوص الوحي، ولاكتمال التشريع بها.
٢. اتخذ بعض أهل الأهواء من تلك الجملة مطية لهم للعبث بالأحكام الشرعية الثابتة بنصوص الوحي المطهَّر، ولتمييع الدين من خلال تطبيقها على أحكام قد أجمع أهل العلم على حكمها منذ الصدر الأول، ولا يسلم لهم الاستدلال بها، فهي لا تخدم أغراضهم، وإنما نص الجملة في " الفتوى "، لا في " الأحكام الشرعية "، وبينهما فرق كبير، فالأول في مسائل الاجتهاد، وما كان بحسب الواقع، فاختلاف الواقع والزمان له تأثير في الفتوى باحتمال تغيرها.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀:
وحكم الله ورسوله لا يختلف في ذاته باختلاف الأزمان، وتطور الأحوال، وتجدد الحوادث؛ فإنه ما من قضية، كائنة ما كانت، إلا وحكمها في كتاب الله تعالى، وسنَّة رسوله ﷺ ، نصّاً أو ظاهراً أو استنباطاً أو غير ذلك، علِم ذلك مَن علمهُ، وجهله من جهله، وليس معنى ما ذكره العلماء من " تغير الفتوى بتغير الأحوال ": ما ظنه من قَلَّ نصيبهم - أو عُدم - من معرفة مدارك الأحكام وعِلَلها، حيث ظنوا أن معنى ذلك بحسب ما يلائم إراداتهم الشهوانية البهيمية، وأغراضهم الدنيوية، وتصوراتهم الخاطئة الوبية، ولهذا تجدهم يحامون عليها، ويجعلون النصوص تابعة لها، منقادة إليها، مهما أمكنهم، فيحرفون لذلك الكلِم عن مواضعه، وحينئذ معنى " تغير الفتوى بتغير الأحوال والأزمان ": مراد العلماء منه: ما كان مستصْحَبة فيه الأصول الشرعية، والعلل المرعية، والمصالح التي جنسها مراد لله تعالى، ورسوله ﷺ .
" فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم " (١٢ / ٢٨٨، ٢٨٩) .
٣. القول بتغير الأحكام الشرعية الثابتة بالوحي يعني تجويز تحريف الدِّين، وتبديل أحكامه، والقول بذلك يعني تجويز النسخ بعد كمال التشريع، ووفاة النبي ﷺ ، وليُعلم أن الإجماع نفسه لا يمكن أن ينسخ حكماً ثابتاً في الشرع إلا أن يكون مستنده النص، فإن لم يكن كذلك – وهو غير واقع في حقيقة الأمر -: كان القول به تجويزا لتبديل الشريعة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
وكنا نتأول كلام هؤلاء على أن مرادهم أن " الإجماع " يدل على نص ناسخ، فوجدنا من ذُكر عنهم: أنهم يجعلون الإجماع نفسه ناسخاً! فإن كانوا أرادوا ذلك: فهذا قول يجوِّز تبديل المسلمين دينَهم بعد نبيِّهم، كما تقول النصارى مِن: أن المسيح سوَّغ لعلمائهم أن يحرِّموا ما رأوا تحريمه مصلحة، ويحلوا ما رأوا تحليله مصلحة، وليس هذا دين المسلمين، ولا كان الصحابة يسوِّغون ذلك لأنفسهم، ومَن اعتقد في الصحابة أنهم كانوا يستحلون ذلك: فإنه يستتاب، كما يستتاب أمثاله، ولكن يجوز أن يجتهد الحاكم، والمفتي، فيصيب، فيكون له أجران، ويخطئ، فيكون له أجر واحد.
" مجموع الفتاوى " (٣٣ / ٩٤) .
وهذا من أعظم خصائص الشريعة وأحكامها القطعية.
قال الإمام الشاطبي ﵀ في بيان ميزات أحكام التشريع القطعية -:
الثبوت من غير زوال، فلذلك لا تجد فيها بعد كمالها نسخاً، ولا تخصيصاً لعمومها، ولا تقييداً لإطلاقها، ولا رفعاً لحكم من أحكامها، لا بحسب عموم المكلفين، ولا بحسب خصوص بعضهم، ولا بحسب زمان دون زمان، ولا حال دون حال، بل ما أثبت سبباً: فهو سبب أبداً لا يرتفع، وما كان شرطاً: فهو أبداً شرط، وما كان واجباً: فهو واجب أبداً، أو مندوباً: فمندوب، وهكذا جميع الأحكام، فلا زوال لها، ولا تبدل، ولو فُرض بقاء التكليف إلى غير نهاية: لكانت أحكامها كذلك.
" الموافقات " (١ / ١٠٩، ١١٠) .
٤. ضابط فهم هذه العبارة في أمرين:
أ. التغير في الفتوى، لا في الحكم الشرعي الثابت بدليله.
ب. التغير سببه اختلاف الزمان، والمكان، والعادات، من بلد لآخر.
وقد جمعهما الإمام ابن القيم ﵀ في قوله:
" فصل، في تغير الفتوى، واختلافها، بحسب تغير الأزمنة، والأمكنة، والأحوال، والنيات، والعوائد "، والعوائد: جمع عادة، وهو فصل نفيس، ذكر فيه – ﵀ – أمثلة كثيرة، فلتنظر في " إعلام الموقعين " (٣ / ٣ فما بعدها) .
ونضرب على ذلك أمثلة، منها:
١. اللُّقَطة، فإنها تختلف من بلد لآخر، ومن زمان لآخر، في تحديد قيمة ما يجوز التقاطه، وتملكه من غير تعريف، فيختلف الأمر في البلد نفسه، فالمدينة غير القرية، ويختلف باختلاف البلدان، والأزمنة.
٢. زكاة الفطر، ومن المعلوم أن النبي ﷺ قد شرعها طعاماً، بمقدار صاع، وقد نص الحديث على " الشعير "، و " التمر "، و " الإقط "، وهي الآن ليست أطعمة في كثير من البلدان، فالشعير صار طعاماً للبهائم، والتمر صار من الكماليات، والإقط لا يكاد يأكله إلا القليل، وعليه: فيفتي العلماء في كل بلد بحسب طعامهم الدارج عندهم، فبعضهم يفتي بإخراج الأرز، وآخر يفتي بإخراجها ذرة، وهكذا.
فالحكم الشرعي ثابت ولا شك، وهو وجوب زكاة الفطر، وثابت من حيث المقدار، ويبقى الاختلاف والتغير في نوع الطعام المُخرَج.
والأمثلة كثيرة جدّاً، في الطلاق، والنكاح، والأيمان، وغيرها من أبواب الشرع.
وانظر مثالاً صالحاً لهذا في جوابنا على السؤال رقم (١٢٥٨٥٣) .
قال القرافي ﵀:
فمهما تجدد في العُرف: اعتبره، ومهما سقط: أسقطه، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك: لا تُجْرِه على عرف بلدك، واسأله عن عرف بلده، وأَجْرِه عليه، وأفته به دون عرف بلدك، ودون المقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح.
والجمود على المنقولات أبداً: ضلال في الدِّين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين، والسلف الماضين، وعلى هذه القاعدة تتخرج أيمان الطلاق، والعتاق، وجميع الصرائح والكنايات، فقد يصير الصريح كناية فيفتقر إلى النية، وقد تصير الكناية صريحا فتستغني عن النية.
" الفروق " (١ / ٣٢١) .
وقد أثنى ابن القيم ﵀ على هذا الفقه الدقيق فقال – بعد أن نقل ما سبق -:
وهذا محض الفقه، ومَن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عُرفهم، وعوائدهم، وأزمنتهم، وأحوالهم، وقرائن أحوالهم: فقد ضلَّ، وأضل، وكانت جنايته على الدِّين أعظم من جناية مَن طبَّب الناس كلهم على اختلاف بلادهم، وعوائدهم، وأزمنتهم، وطبائعهم، بما في كتابٍ من كتب الطب على أبدانهم، بل هذا الطبيب الجاهل، وهذا المفتي الجاهل: أضر ما يكونان على أديان الناس، وأبدانهم، والله المستعان.
" إعلام الموقعين " (٣ / ٧٨) .
ولينظر جواب السؤال رقم: (٣٩٢٨٦) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10500
نبذة عن " القياس "، والرد على منكريه من الظاهرية
[السُّؤَالُ]
ـ[يقول بعض الإخوة إن القياس ليس من الدين، وإن أي حكم شرعي بني علي القياس فهو باطل، هل هناك أي دليل من السنة أو السلف على شرعية القياس؟ مع التفصيل، وجزاكم الله عنا خيراً إن شاء الله.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
ليس في شرع الله تعالى من مصادر للوحي غير القرآن والسنَّة، فهما مرجع المسلمين في اعتقادهم، وأحكامهم، وقد أمرنا الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله ﷺ في تلقي الأحكام، لا غير، وأمرنا عند التنازع والاختلاف أن نرجع إلى الكتاب والسنَّة ليكونا حكماً بين المختلفين.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) النساء/ ٥٩، وقال تعالى: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) الشورى/ ١٠.
وإذا علمنا أن القياس ليس من مصادر التشريع: فهو لا يناقض أنه وسيلة لإثبات الأحكام الشرعية التي تشترك مع المنصوص عليه بجامع العلة بينهما، وهذا لا يتناقض مع الآيات المذكورة؛ لأن القياس كان على وارد في نصوص الوحي، والشريعة لا تفرِّق بين متماثليْن، ومثله يقال في الإجماع، حيث لا إجماع إلا على نص من الوحي، فصارت مصادر التشريع: الكتاب والسنَّة، وأما الإجماع والقياس فمرجعهما إلى نصوص الوحي، فتسميتهما " مصادر تشريع " هي مسألة اصطلاحية، فيها نوع من التسامح في العبارة، والمراد بها: أنه من المصادر المعرفة بتشريع الله، والموصلة إليه.
وانظر جواب السؤال رقم: (١١٢٢٦٨) .
ثانياً:
أما نفاة القياس مطلقاً فهم الظاهرية، وعلى رأسهم: أبو محمد ابن حزم، وقد ساق الأدلة والأقوال الكثيرة على نفي القياس في الشرع مطلقاً، وقد ردَّ عليه أئمة التحقيق، وتتبعوا أدلته وأقواله بالرد والنقض، وبينوا أنه ليس كل قياس معتبر، كما لا يمكن رد القياس الصحيح المنضبط ونفيه من الشرع.
ومن الأئمة الذين تتبعوا أقوال الظاهرية بنفي القياس وردوا عليهم: الإمام ابن القيم ﵀ في كتابه " إعلام الموقعين "، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي في كتابه " أضواء البيان ".
وبعد أن ساق الشنقيطي ﵀ مجمل أدلة الظاهرية في نفي القياس ختم ذلك بقوله:
اعلم أن تحقيق المقام في هذه المسألة التي وقع فيها من الاختلاف ما رأيت: أن القياس قسمان: قياس صحيح، وقياس فاسد.
أما القياس الفاسد: فهو الذي ترِدُ عليه الأدلة التي ذكرها الظاهرية، وتدل على بطلانه، ولا شك أنه باطل، وأنه ليس من الدِّين كما قالوا، وكما هو الحق.
وأما القياس الصحيح: فلا يرِد عليه شيء من تلك الأدلة، ولا يناقض بعضه بعضاً، ولا يناقض البتة نصّاً صحيحاً من كتاب، أو سنَّة، فكما لا تتناقض دلالة النصوص الصحيحة: فإنه لا تتناقض دلالة الأقيسة الصحيحة، ولا دلالة النص الصريح والقياس الصحيح، بل كلها متصادقة، متعاضدة، متناصرة، يصدق بعضها بعضاً، ويشهد بعضها لبعض، فلا يناقض القياس الصحيح النصَّ الصحيح أبداً.
وضابط القياس الصحيح هو: أن تكون العلة التي علق الشارع بها الحكم وشرعه من أجلها موجودة بتمامها في الفرع، من غير معارض في الفرع يمنع حكمها فيه، وكذلك القياس المعروف بـ " القياس في معنى الأصل " الذي هو الإلحاق بنفي الفارق المؤثر في الحكم. فمثل ذلك لا تأتي الشريعة بخلافه، وا يعارض نصّاً، ولا يتعارض هو في نفسه. وسنضرب لك أمثلة من ذلك تستدل بها على جهل الظاهرية القادح، الفاضح، وقولهم على الله، وعلى رسوله، وعلى دينه أبطل الباطل، الذي لا يشك عاقل في بطلانه، وعظم ضرره على الدين، بدعوى أنهم واقفون مع النصوص، وأن كل ما لم يصرح بلفظه في كتاب، أو سنَّة فهو معفو عنه، ولو صرح بعلة الحكم المشتملة على مقصود الشارع من حكمة التشريع، فأهدروا المصالح المقصودة من التشريع، وقالوا على الله ما يقتضي أنه يشرع المضار الظاهرة لخلقه.
فمن ذلك: ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي بكرة ﵁: من أن النَّبي ﷺ قال: (لَا يَقْضِينَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَين وَهُوَ غَضْبان) ، فالنَّبي ﷺ في هذا الحديث الصحيح نهى عن الحُكم في وقت الغضب، ولا يشك عاقل أنه خص وقت الغضب بالنهي دون وقت الرضا؛ لأن الغضب يشوِّش الفكر، فيمنع من استيفاء النظر في الحكم، فيكون ذلك سبباً لضياع حقوق المسلمين، فيلزم على قول الظاهرية - كما قدمنا إيضاحه -: أن النهي يختص بحالة الغضب، ولا يتعداها إلى غيرها من حالات تشويش الفكر المانعة من استيفاء النظر في الحكم، فلو كان القاضي في حزن مفرط يؤثر عليه تأثيراً أشد من تأثير الغضب بأضعاف، أو كان في جوع، أو عطش مفرط يؤثر عليه أعظم من تأثير الغضب: فعلى قول الظاهرية: فحُكمُه بين الناس في تلك الحالات المانعة من استيفاء النظر في الحكم: عفو، جائز؛ لأن الله سكت عنه في زعمهم، فيكون الله قد عفا للقاضي عن التسبب في إضاعة حقوق المسلمين التي نصبه الإمام من أجل صيانتها وحفظها من الضياع، مع أن تنصيص النَّبي ﷺ على النهي عن الحكم في حالة الغضب دليل واضح على المنع من الحكم في حالة تشويش الفكر تشويشاً كتشويش الغضب أو أشد منه، كما لا يخفى على عاقل، فانظر عقول الظاهرية، وقولهم على الله ما يقتضي أنه أباح للقضاة الحكم في حقوق المسلمين في الأحوال المانعة من القدرة على استيفاء النظر في الأحكام، مع نهي النَّبي ﷺ الصريح عن ذلك في صورة من صوره، وهي الغضب، بزعمهم أنهم واقفون مع النصوص.
ومن ذلك: قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَاّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) ، فالله جل وعلا في هذه الآية الكريمة نص على أن الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء يجلدون ثمانين جلدة، وترد شهادتهم، ويحكم بفسقهم، ثم استثنى من ذلك من تاب من القاذفين من بعد ذلك، وأصلح، ولم يتعرض في هذا النص لحكم الذين يرمون المحصنين الذكور.
فيلزم على قول الظاهرية: أن من قذف محصناً ذكراً ليس على أئمة المسلمين جلدَه، ولا رد شهادته، ولا الحكم بفسقه؛ لأن الله سكت عن ذلك في زعمهم، وما سكت عنه فهو عفو! .
فانظر عقول الظاهرية، وما يقولون على الله ورسوله من عظائم الأمور، بدعوى الوقوف مع النص.
ودعوى بعض الظاهرية: أن آية (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) شاملة للذكور بلفظها، بدعوى أن المعنى: يرمون الفروج المحصنات من فروج الإناث، والذكور: من تلاعبهم، وجهلهم بنصوص الشرع، وهل تمكن تلك الدعوى في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ) ؟! ، فهل يمكنهم أن يقولوا: إن الفروج هي الغافلات المؤمنات، وكذلك قوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَآءِ) ، وقوله تعالى: (مُحْصَنَات غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ) كما هو واضح.
ومن ذلك نهيه ﷺ عن البول في الماء الراكد: فإنه لا يشك عاقل أن علة نهيه عنه أن البول يستقر فيه لركوده فيقذره، فيلزم على قول الظاهرية: أنه لو ملأ آنية كثيرة من البول، ثم صبها في الماء الراكد، أو تغوط فيه: أن كل ذلك عفو؛ لأنه مسكوت عنه، فيكون الله - على قولهم - ينهى عن جعل قليل من البول فيه إذا باشر البول فيه، ويأذن في جعل أضعاف ذلك من البول فيه، بصبه فيه من الآنية، وكذلك يأذن في التغوط فيها.
وهذا لو صدر من أدنى عاقل: لكان تناقضاً معيباً عند جميع العقلاء، فكيف بمن ينسب ذلك إلى الله ورسوله عياذاً بالله تعالى بدعوى الوقوف مع النصوص، وربما ظن الإنسان الأجر، والقربة فيما هو إلى الإثم والمعصية أقرب،.....
ومن ذلك: نهيه ﷺ عن التضحية بالعوراء، مع سكوته عن حكم التضحية بالعمياء، فإنه يلزم على قول الظاهرية: أن يناط ذلك الحم بخصوص لفظ العوَر خاصة. فتكون العمياء مما سكت الله عن حكم التضحية به، فيكون ذلك عفواً، وإدخال العمياء في اسم العوراء لغة غير صحيح؛ لأن المفهوم من العوَر غير المفهوم من العمَى؛ لأن العور لا يطلق إلا في صورة فيها عين تبصر، بخلاف العمَى فلا يطلق في ذلك، وتفسير العور: بأنه عمى إحدى العينين لا ينافي المغايرة؛ لأن العمى المقيد بإحدى العينين غير العمى الشامل للعينين معاً، وبالجملة: فالمعنى المفهوم من لفظ العور غير المعنى المفهوم من لفظ العمى. فوقوف الظاهرية مع لفظ النص يلزمه جواز التضحية بالعمياء؛ لأنها مسكوت عنها.
وأمثال هذا منهم كثيرة جدّاً.
وقصدنا: التنبيه على بطلان أساس دعواهم، وهو الوقوف مع اللفظ من غير نظر إلى معاني التشريع، والحكم، والمصالح التي هي مناط الأحكام، وإلحاق النظير بنظيره الذي لا فرق بينه وبينه يؤثر في الحكم.
" أضواء البيان " (٤ / ٢١١ – ٢١٤) .
وننبه إلى أن مبحث الشيخ الشنقيطي ﵀ في الرد على نفاس القياس من الظاهرية استغرق عشرات الصفحات، ولا نستطيع نقل كلامه كله، فمن أراد زيادة الفائدة فيرجع إلى كتابه " أضواء البيان " (٤ / ١٧٥ – ٢٢٨) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10501
اتباع العلماء والأمراء
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم اتباع العلماء أو الحكام في تحليل ما حرم الله أو العكس؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" اتباع العلماء أو الحكام في تحليل ما حرم الله أو العكس ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يتابعهم في ذلك راضياً بقولهم، مقدماً له، ساخطاً لحكم الله، فهو كافر؛ لأنه كره ما أنزل الله، وكراهة ما أنزل الله كفر؛ لقوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) محمد/٩، ولا تحبط الأعمال إلا بالكفر، فكل من كره ما أنزل الله فهو كافر.
القسم الثاني: أن يتابعهم في ذلك راضياً بحكم الله، وعالماً بأنه أمثل وأصلح للعباد والبلاد، ولكن لهوى في نفسه تابعهم في ذلك، فهذا لا يكفر، ولكنه فاسق.
فإن قيل: لماذا لا يكفر؟
أجيب: بأنه لم يرفض حكم الله، ولكنه رضى به وخالفه لهوى في نفسه، فهو كسائر أهل المعاصي.
القسم الثالث: أن يتابعهم جاهلاً، يظن أن ذلك حكم الله فينقسم قسمين:
الأول: أن يمكنه معرفة الحق بنفسه فهو مفرط أو مقصر فهو آثم، لأن الله أمر بسؤال أهل العلم عند عدم العلم.
الثاني: أن يكون جاهلاً ولا يمكنه معرفة الحق بنفسه فيتابعهم بغرض التقليد يظن أن هذا هو الحق فلا شيء عليه؛ لأنه فعل ما أُمر به وكان معذوراً بذلك، ولذلك ورد عن رسول الله ﷺ : (من أُفتي بغير علم كان إثمه على من أفتاه) ، ولو قلنا بإثمه بخطأ غيره للزم من ذلك الحرج والمشقة ولم يثق الناس بأحدٍ لاحتمال خطئه " انتهى.
فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀.
"فتاوى علماء البلد الحرام" (ص ٤٧٥، ٤٧٦) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10502
هل يجوز للحاكم أن يعطل بعض الحدود في بعض الأوقات ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز للحاكم المسلم تعطيل بعض الحدود في أوقات كما فعل عمر ﵁ عندما أسقط حد السرقة عام الرمادة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" الواجب على المسلمين أن يقيموا فرائض الله في حدوده، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، وهو يخطب على منبر النبي ﷺ حين ذكر رجم الزاني المحصن قال: (وإني أخاف إن طال بالناس زمان أن يقولوا: لا نجد الرجم في كتاب الله؛ فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله فبين أن هذا فريضة، ولا شك أنه فريضة، لأن الله أمر به فقال: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) المائدة/٣٨، وقال: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) النور/٢، وقال: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا) المائدة/٣٣، وقال النبي ﷺ : (إنما أهلك من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) .
ولا يجوز أن تعطل هذه الحدود بأي حال من الأحوال، وما روي عن عمر ﵁ أنه أسقط الحد عام المجاعة فإن هذا يحتاج إلى شيئين:
الشيء الأول: صحة النقل، فإننا نطالب من ادعى ذلك بصحة النقل إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁.
الأمر الثاني: أن عمر ﵁ إنما رفع الحد من أجل الشبهة القائمة، فإن الناس في مجاعة، والإنسان قد يأخذ الشيء للضرورة إليه لا لتشبعٍ به، ومعلوم أن المضطر إلى الطعام يجب على المسلمين إطعامه؛ فخشي عمر ﵁ أن يكون هذا السارق مضطراً إلى الطعام ومُنع منه، فتحين الفرصة فسرق، هذا هو اللائق بعمر ﵁ إن صح الأثر المنسوب إليه في أنه أسقط أو رفع الحد: حد السارق عام المجاعة.
أما حكامنا اليوم فلا يوثق بدينهم، يعني أكثرهم لا يوثق بدينه، ولا يوثق بنصحه للأمة، ولو فتح الباب لقال هؤلاء الحكام – وأعني بذلك بعضهم – لقالوا: إقامة الحد في هذا العصر لا يناسب؛ لأن أعداءنا من الكفار يتهموننا بأننا همج، وأننا وحوش، وأننا نخالف ما يجب من مراعاة حقوق الإنسان؛ ثم يرفع الحدود كلياً كما هو الواقع الآن في أكثر بلاد المسلمين مع الأسف؛ حيث عطلت الحدود من أجل مراعاة أعداء الله.
ولهذا لما عطلت الحدود كثرت الجرائم وصار الناس – حتى الحكام الذين تابعوا الكفار في هذا الأمر – في حيرة ماذا يفعلون في هذه الجرائم " انتهى.
فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀.
"فتاوى علماء البلد الحرام" (ص ٤٨٣، ٤٨٤) .
وبيان هذا: أن من شروط وجوب إقامة الحد على السارق: ألا يكون له شبهة في المال المسروق، فعمر ﵁ لم يقم الحد لأنه لم تتوفر فيه شروط وجوبه، والذي يسرق في زمن المجاعة له شبهة في هذا المال، فلم يسقط عمر ﵁ الحد أو عطله بعد وجوبه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10503
متى يكون الفعل خاصّاً بالنبي ﷺ دون أمَّته ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[في بعض الأحيان يقول العلماء عن فعل فعَله الرسول ﵊ إنه خاص بالنبي ﵊، مثل استماعه للجارية وهي تضرب على الدف، فما الدليل والضابط في هذا الموضوع؟ لأنه عندما نقول للمخالِف إن هذا خاص بالنبي ﵊ يقول: فما الدليل إذاً؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
ينبغي أن يُعلم أن الأصل فيما فعله النبي ﷺ أنه تشريع للأمة، ولا يجوز القول بأنه خاص بالنبي ﷺ إلا بدليل صحيح يدل على ذلك؛ لقوله تعالى: (لقَدْ كاَنَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أسْوَةٌ حَسَنَةٌ) الأحزاب/ ١٦، وعملاً بهذا الأصل، كان الصحابة ﵃ يقتدون بالنبي ﷺ فيما فعله، ولم يكونوا يسألونه هل هذا الفعل خاص به أم لا؟ ومما يدل على ذلك:
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَخَلَعَ النَّاسُ نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: (لِمَ خَلَعْتُمْ نِعَالَكُمْ؟) فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْنَاكَ خَلَعْتَ فَخَلَعْنَا، قَالَ: (إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ بِهِمَا خَبَثًا، فَإِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَقْلِبْ نَعْلَهُ فَلْيَنْظُرْ فِيهَا، فَإِنْ رَأَى بِهَا خَبَثًا فَلْيُمِسَّهُ بِالْأَرْضِ، ثُمَّ لِيُصَلِّ فِيهِمَا) .
رواه أحمد (١٧ / ٢٤٢، ٢٤٣) وصححه محققو المسند.
بل إن النبي ﷺ غضب من بعض أصحابه لمَّا نسبوا فعلاً فعله ﷺ للخصوصية.
فعَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُصْبِحُ جُنُبًا، وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وَأَنَا أُصْبِحُ جُنُبًا وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ فَأَغْتَسِلُ وَأَصُومُ) ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ لَسْتَ مِثْلَنَا! قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: (وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّبِعُ) .
رواه أبو داود (٢٣٨٩) وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ".
قال ابن حزم ﵀:
"ولا يجوز أن يقال في شيء فعله ﵇ أنه خصوص له إلا بنص في ذلك؛ لأنه ﵇ قد غضب على من قال ذلك، وكل شيء أغضب رسول الله ﷺ فهو حرام" انتهى.
" الإحكام في أصول الأحكام " (٤ / ٤٣٣) .
وقال ابن القيم ﵀:
"الأصل: مشاركة أمته له في الأحكام، إلا ما خصه الدليل، ولذلك قالت أُمُّ سلمة ﵂: (اخرُجْ ولا تُكَلِّمْ أحدَاً حتى تَحْلِقَ رأسك وتنحر هَدْيك) ، وعلمت أن الناس سيتابعونه" انتهى.
" زاد المعاد " (٣ / ٣٠٧) .
وسئل الشيخ صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله:
ما الذي يبيِّن أو يثبت أن هذا الشيء خاص بالنبي ﷺ ؟ .
فأجاب:
"الأصل: أن ما جاء به الرسول ﷺ عام، له، وللأمة، إلا ما دل الدليل على اختصاصه به ﷺ ، فالخصوصية لا بد لها من دليل؛ لقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) الأحزاب/ ٢١" انتهى.
" المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان " (٥ / ٣٦٩، السؤال رقم ٤٨٨) .
ثانياً:
من الأحكام الخاصة به ﷺ : التزوج من غير مهر ولا ولي، والتزوج بأكثر من أربع، ووصال الصوم لأكثر من يوم.
قال ابن حزم ﵀:
"فلا يحل لأحد بعد هذا أن يقول في شيء فعله ﵇ إنه خصوص له، إلا بنص، مثل: النص الوارد في الواهبة بقوله تعالى: (خالصةً لك من دون المؤمنين) ، ومثل: وصاله ﵇ في الصوم، وقوله ناهياً لهم: (إني لست كهيئتكم) ، ومثل نومه ﵇ وصلاته دون تجديد وضوء، فسُئِل ﵇ عن ذلك، فقال: (عيناي تنامان، ولا ينام قلبي) .
فما جاء فيه بيان كما ذكرنا: فهو خصوص، وما لم يأت فيه نص كما قلنا: فلنا أن نتأسى به ﵇، ولنا في ذلك الأجر الجزيل، ولنا أن نترك غير راغبين عن ذلك، فلا نأثم، ولا نؤجر" انتهى.
" الإحكام في أصول الأحكام " (٤ / ٤٣٣) .
وأما حديث ضرب الجارية بالدف بين يدي النبي ﷺ : فليس خاصّاً بالنبي ﷺ ، وليس في الحديث ما يدل على الخصوصية.
عن بُرَيْدَةَ بْنِ الْحَصِيبِ ﵁ قال: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ جَاءَتْ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ إِنْ رَدَّكَ اللَّهُ سَالِمًا أَنْ أَضْرِبَ بَيْنَ يَدَيْكَ بِالدُّفِّ وَأَتَغَنَّى، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : (إِنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَاضْرِبِي، وَإِلَاّ فَلَا) فَجَعَلَتْ تَضْرِبُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ، فَأَلْقَتِ الدُّفَّ تَحْتَ اسْتِهَا، ثُمَّ قَعَدَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَخَافُ مِنْكَ يَا عُمَرُ، إِنِّي كُنْتُ جَالِسًا وَهِيَ تَضْرِبُ فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ وَهِيَ تَضْرِبُ، فَلَمَّا دَخَلْتَ أَنْتَ يَا عُمَرُ أَلْقَتِ الدُّفَّ) .
رواه الترمذي (٣٦٩٠) وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ".
وقال ابن القيم ﵀:
"حديث صحيح، وله وجهان:
أحدها: أن يكون أباح لها الوفاء بالنذر المباح؛ تطيباً لقلبها؛ وجبراً، وتأليفاً لها على زيادة الإيمان، وقوته، وفرحها بسلامة رسول الله ﷺ .
والثاني: أن يكون هذا النذر قربة لما تضمنه من السرور والفرح بقدوم رسول الله ﷺ سالماً، مؤيداً، منصوراً على أعدائه، قد أظهره الله، وأظهر دينه، وهذا من أفضل القُرَب، فأُمرت بالوفاء به" انتهى.
" إعلام الموقعين عن رب العالمين " (٤ / ٣٢٠) .
وقال العراقي في "طرح التثريب" (٦/٥٦) :
"وقد يقترن بالضرب بالدف قصد جميل كجبر يتيمة في عرسها، وإظهار السرور بسلامة من قد يعود نفعه على المسلمين، ومن ذلك: ضرب هذه المرأة بالدف، فهو مباح بلا شك" انتهى.
وقال زكريا الأنصاري في "أسنى المطالب" (٤/٣٤٤) :
"وضرب الدف مباح في العرس والختان وغيرهما مما هو سبب لإظهار السرور كعيد وقدوم غائب.... وذكر حديث الجارية المتقدم" انتهى.
وجاء في "الموسوعة الفقهية" (٤/٩٣) تعقيباً على حديث الجارية: "وهذا نص في إباحة الغناء عند قدوم غائب تأكيداً للسرور" انتهى.
فأنت ترى هؤلاء العلماء أباحوا الضرب بالدف لقدوم غائب، لا سيما إذا كان هذا الغائب كثير النفع للمسلمين.
ولكن تبقى هذه الإباحة مقيدة بالضرب بالدف فقط، ولا تشمل غيره من الآلات الموسيقية، ومقيدة بالأحوال التي وردت فيها فقط. وينظر في ذلك جواب السؤال رقم (٢٠٤٠٦) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10504
حكم من يرد الحديث الصحيح
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يكفر من يرد الحديث الصحيح؟ أحد الإخوة يرد بعض الأحاديث الصحيحة الواردة في الصحيح: البخاري ومسلم وغيرها ... بحجة أنها تعارض القرآن، فما حکم من يرد الحديث الصحيح، هل يکفر؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
السنة النبوية هي المصدر الثاني للتشريع، فقد كان الوحي ينزل على النبي ﷺ بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن، ومصداق ذلك قول الله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) النجم/٣-٤.
وقد أوجب الله تعالى على المؤمنين التسليم التام لكلام النبي ﷺ وحديثه وحكمه، حتى لقد أقسم بنفسه سبحانه أن من سمع كلام النبي ﷺ ثم رده ولم يقبل به: أنه ليس من الإيمان في شيء، فقال : (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) النساء/٦٥.
ولذلك وقع الاتفاق بين أهل العلم على أنَّ مَن أنكر حجية السنة بشكل عام، أو كذَّبَ حديث النبي ﷺ وهو يعلم أنه من كلامه ﷺ – فهو كافر، لم يحقق أدنى درجات الإسلام والاستسلام لله ورسوله.
قال الإمام إسحاق بن راهويه ﵀:
" من بلغه عن رسول الله ﷺ خبرٌ يُقرُّ بصحته ثم رده بغير تقية فهو كافر" انتهى.
وقال السيوطي ﵀:
" اعلموا رحمكم الله أنَّ مَن أنكر كون حديث النبي ﷺ قولا كان أو فعلا بشرطه المعروف في الأصول - حجة كفر، وخرج عن دائرة الإسلام، وحشر مع اليهود والنصارى أو من شاء من فرق الكفرة " انتهى.
"مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة" (ص/١٤)
وقال العلامة ابن الوزير ﵀:
" التكذيب لحديث رسول الله ﷺ مع العلم أنه حديثه كفر صريح " انتهى.
"العواصم والقواصم" (٢/٢٧٤)
جاء في "فتاوى اللجنة الدائمة":
" الذي ينكر العمل بالسنة يكون كافرا؛ لأنه مكذب لله ولرسوله ولإجماع المسلمين " انتهى.
"المجموعة الثانية" (٣/١٩٤)
وانظر جواب السؤال رقم: (٦٠٤) ، (١٣٢٠٦) ، (٧٧٢٤٣)
ثانيا:
أما مَن رَدَّ الحديث ولم يقبله، مُنكِرًا أن يكون من كلام النبي ﷺ ، فهذا ليس كالقسم الأول، ونحن ندرك أن أكثر أصحاب التيار " التنويري " الجديد، هم الذين تصدوا للحكم على السنة النبوية من خلال آرائهم وتوجهاتهم، وهؤلاء ـ في واقع الأمر ـ لم يأتوا بجديد، وإنما هم امتداد لأهل البدع من قبلهم، الذين حكى أهل العمل شبهاتهم، وتولوا الردع عليها.
ولهؤلاء، وأمثالهم نقول:
المنهجية العلمية تقتضي النظر في أمور مهمة قبل رد الحديث وإنكار أن يكون من كلام النبي ﷺ ، وهذه الشروط هي:
الشرط الأول:
المناقضة التامة بين ما ورد في الحديث وما ورد في القرآن الكريم من نص واضح الدلالة غير منسوخ، ونحن نؤكد هنا على قيد " المناقضة التامة "، وليس مجرد تعارض ظاهري يبدو في ذهن الناظر العجل، ولعل أولئك الذين يخوضون في إنكار الأحاديث يوافقوننا على هذا التقييد؛ لأن غالب التعارض الظاهري الذي يعرض في أذهان كثير من الناس لا حقيقة له، وإنما هو ظنٌّ قائمٌ في ذهن المعترض، يمكن بالتأمل وتلمس أوجه اللغة والمعاني الجواب عليه، وبيان موافقته لأصول الشريعة ومقاصدها، ومن تأمل كتاب العلامة ابن قتيبة الدينوري، المسمى " مختلف الحديث "، عرف قدر المجازفة التي جازفها كثيرون في إنكارهم الأحاديث بدعوى عدم موافقتها للقرآن، أو عدم تصديق العقل بما فيها، ثم إذا ذكر ابن قتيبة تفسير العلماء الصحيح لهذه الأحاديث تبين أن لها أوجها صحيحة موافقة للشريعة، وأن توهم المعارضة للقرآن إنما هو ظنون فاسدة.
إننا نسأل هؤلاء وأمثالهم ممن يتجرأ على رد السنة، والطعن في أحاديث النبي ﷺ ، من غير منهجية علمية، أو أصول نقدية مقبولة، ومن غير أن يحكموا أصول العلم الذي يتحدثون فيه:
هل ترون أن مِن الممكن أن يناقض الحديثُ القرآن الكريم مناقضة تامة بحيث يجزم الناقد بأن هذا الحديث ليس من كلام النبي ﷺ ، ونرى مع ذلك جميع علماء الإسلام، من لدن صحابة رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا، متوافقين على قبول هذا الحديث وشرحه وتفسيره والاستدلال به والعمل بما جاء فيه؟!
ألا يقضي العقل السليم – الذي يزعمون التحاكم إليه – باحترام اتفاق أهل التخصص على أمر هو في صلب تخصصهم؟!
هل يجرؤ أحد على تخطئة علماء الفيزياء أو الكيمياء أو الرياضيات أو علوم التربية أو الاقتصاد مثلا إذا اتفقوا وتواردوا على أمر معين، خاصة إذا لم يكن المعترض عليهم من أهل العلم بذلك التخصص، وإنما غاية أمره أن يكون قد قرأ بعض المقالات حوله، أو شيئا من كتب: تبسيط العلوم، أو: العلم لكل الناس؟!
الشرط الثان:
وجود حلقة من حلقات الضعف الإسنادي، التي تتحمل الخطأ الوارد في المتن:
ونظن – كذلك – أن هذا الشرط منهجي قويم، لا ينبغي أن يخالف فيه من يفهم شيئا في أصول النقد العلمي، وذلك أن إنكار المتن أن يكون من كلام النبي ﷺ ، يعني وجود حلقة ضعيفة في السند هي التي أوهمتنا أن هذا الحديث من كلام النبي ﷺ ، وهو ـ فعليا ـ ليس كذلك.
يقول الإمام الشافعي ﵀، وهو من هو في منازل العلم والإيمان، وهو أول من صنف في علم أصول الفقه:
" الحديث إذا رواه الثقات عن رسول الله ﷺ ، فذلك ثبوته "
"اختلاف الحديث ـ ضمن الأم ـ (١٠/١٠٧) ".
ويقول:
" لا يُستدل على أكثر صدق الحديث وكذبه، إلا بصدق المُخْبِر، إلا في الخاص القليل من الحديث ".
"الرسالة": فقرة (١٠٩٩) .
ويقول أيضا:
" المسلمون العدولُ: عدولٌ أصحاء الأمر فى أنفسهم ... ، وقولُهم عن خبر أنفسهم، وتسميتُهم: على الصحة والسلامة، حتى نستدل من فعلهم بما يخالف ذلك، فنحترسَ منهم في الموضع الذي خالف فعلُهم فيه ما يجب عليهم ".
"الرسالة": فـ (١٠٢٩-١٠٣٠) ، وانظر: الأم (٨/٥١٨-٥١٩) .
وبعد أن يحكي الإمام الشافعي ﵀ بعض الأصول العلمية في هذا الباب، وهو أمر تعرض له كثيرا في كتبه المختلفة، يذكر لنا أن ما قرره، مما نلقلنا بعضه هنا، ليس اجتهادا فرديا، أو مذهبا شخصيا له، وإنما هي أصول أجمع عليها أهل العلم من قبله. يقول:
" فحكيت عامة معاني ما كتبت في صدر كتابي هذا، لعدد من المتقدمين في العلم بالكتاب والسنة، واختلاف الناس، والقياس، والمعقول، فما خالف منهم واحدٌ واحدا، وقالوا: هذا مذهبُ أهل العلم من أصحاب رسول الله، والتابعين، وتابعي التابعين، ومذهبُنا؛ فمن فارق هذا المذهب: كان عندنا مفارقَ سبيلِ أصحاب رسول الله ﷺ ، وأهلِ العلم بعدَهم إلى اليوم، وكان من أهل الجهالة، وقالوا معا: لا نرى إلا إجماع أهل العلم في البلدان على تجهيل من خالف هذا السبيل، وجاوزوا، أو أكثرهم، فيمن يخالف هذا السبيل، إلى ما لا أبالي أن لا أحكيه "!!
" اختلاف الحديث" ـ الأم ـ (١٠/٢١) ، وانظر نحوا من ذلك في: الرسالة: فـ (١٢٣٦-١٢٤٩) .
إن أول ما يجب على من رد حديثا مسندا إلى النبي ﷺ ، أن يبحث ويفسر من هو الراوي الذي أخطأ في نقله هذا الحديث، فإذا لم يجد المُنكِرُ سببا إسناديا مقبولا لإنكاره الحديث فذلك علامة على خطأ منهجيٍّ، وهو علامة أيضا على ضرورة مراجعة فهم الحديث والقرآن والمقاصد الشرعية.
فكيف إذا كان الحديث واردا بأصح الأسانيد على وجه الأرض، بل كيف لو كان الحديث قد ورد بطرق كثيرة جدا – كما هو حال أكثر الأحاديث التي يردها " التنويريون " -، وعن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم؟!
الشرط الثالث:
نسبة الأمر كله إلى الاجتهاد المحتمل، ونبذ أساليب الجزم والحسم واتهام المخالف والطعن في عقول المسلمين، وهذا فيما إذا كان هناك وجه لهذا الاحتمال، وكان من يتكلم في هذا مؤهلا ـ بأدوات البحث اللازمة ـ لإدراك ذلك والبحث فيه. فقد يبدو لأحد العلماء ضعف حديث معين لعلة معينة، ولكنه لا يستعمل لغة الاتهام لكل من قبل الحديث.
فمن خالف هذه الشروط الثلاثة، وأصر على إنكار الحديث وتكذيبه، فهذا على خطر عظيم، إذ لا يجوز للمسلم أن يتأول متهجما من غير شروط ولا ضوابط، وإلا أثم ووقع في الحرج.
يقول الإمام أحمد ﵀:
" من رد حديث رسول الله ﷺ فهو على شفا هلكة " انتهى.
ويقول الحسن بن علي البربهاري:
" وإذا سمعت الرجل يطعن على الأثر، أو يرد الآثار، أو يريد غير الآثار: فاتّهمه على الإسلام، ولا تشك أنه صاحب هوى مبتدع.
وإذا سمعت الرجل تأتيه بالأثر فلا يريده ويريد القرآن، فلا تشك أنه رجل قد احتوى على الزندقة، فقمْ من عنده وودّعه " انتهى.
"شرح السنة" (١١٣-١١٩) باختصار.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" إن ما أخبر به الرسول ﷺ عن ربه، فإنه يجب الإيمان به، سواء عرفنا معناه أو لم نعرف؛ لأنه الصادق المصدوق. فما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن الإيمان به، وإن لم يفهم معناه " انتهى.
"مجموع الفتاوى" (٣/٤١)
وانظر جواب السؤال رقم: (٢٤٥) ، (٩٠٦٧) ، (٢٠١٥٣)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10505
مصادر التشريع الإسلامي
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي مصادر التشريع الإسلامي؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
مصادر الدين الأصلية التي ترجع إليها جميع العقائد والمقاصد والأحكام تتمثل في الوحيين: الكتاب والسنة. وذلك مقتضى ربانية الدين الإسلامي، أن أركانه مبنية على نصوص معصومة منزلة من السماء، تتمثل في آيات القرآن الكريم، ونصوص السنة النبوية الصحيحة.
قال الإمام الشافعي ﵀:
" ولا يلزم قول بكل حال إلا بكتاب الله، أو سنة رسوله ﷺ ، وما سواهما تبع لهما " انتهى.
"جماع العلم" (١١) .
ثم استنبط العلماء من هذين المصدرين أصولا أخرى يمكن بناء الأحكام عليها، أطلق عليها بعض العلماء - تجوزا - اسم " مصادر الشريعة " أو " مصادر التشريع الإسلامي"، وهي: الإجماع والقياس.
قال الإمام الشافعي ﵀:
" وليس لأحد أبداً أن يقول في شيء: حَلَّ ولا حَرُم إلا من جهة العلم، وجهة العلم: الخبر في الكتاب أو السنة، أو الإجماع، أو القياس " انتهى.
"الرسالة" (٣٩) .
وقال ابن تيمية ﵀:
"إذا قلنا الكتاب والسنة والإجماع، فمدلول الثلاثة واحد، فإن كل ما في الكتاب فالرسول موافق له، والأمة مجمعة عليه من حيث الجملة، فليس في المؤمنين إلا من يوجب اتباع الكتاب، وكذلك كل ما سنَّه الرسول ﷺ فالقرآن يأمر باتباعه فيه، والمؤمنون مجمعون على ذلك، وكذلك كل ما أجمع عليه المسلمون، فإنه لا يكون إلا حقا موافقا لما في الكتاب والسنة" انتهى.
"مجموع الفتاوى" (٧/٤٠) .
وقال الدكتور عبد الكريم زيدان:
"المقصود بمصادر الفقه: أدلته التي يستند إليها ويقوم عليها، وإن شئت قلت: المنابع التي يستقي منها، ويسمي البعض هذه المصادر بـ " مصادر الشريعة " أو " مصادر التشريع الإسلامي "، ومهما كانت التسمية فإن مصادر الفقه ترجع كلها إلى وحي الله، قرآناً كان الوحي أو سنة، ولهذا فإننا نرجح تقسيم هذه المصادر إلى: مصادر أصلية، وهي: الكتاب والسنة. ومصادر تبعية أرشدت إليها نصوص الكتاب والسنة، كالإجماع والقياس " انتهى.
"المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية" (ص/١٥٣) .
أما غير هذه المصادر الأربعة: كقول الصحابي، والاستحسان، وسد الذرائع، والاستصحاب، والعرف، وشرع من قبلنا، والمصالح المرسلة، وغيرها، فقد اختلف العلماء في حجيتها وصحة الاستدلال بها، وعلى القول بحجيتها – كلها أو بعضها – فهي تابعة للكتاب والسنة وراجعة إليهما.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →