← Фатава

Фатава · id 26332

موقع الإسلام سؤال وجواب

محمد صالح المنجد

Полный текст (16 344 стр.). Показаны 10501–10540 · переход к 10506.

стр. 10501

اتباع العلماء والأمراء [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم اتباع العلماء أو الحكام في تحليل ما حرم الله أو العكس؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله " اتباع العلماء أو الحكام في تحليل ما حرم الله أو العكس ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يتابعهم في ذلك راضياً بقولهم، مقدماً له، ساخطاً لحكم الله، فهو كافر؛ لأنه كره ما أنزل الله، وكراهة ما أنزل الله كفر؛ لقوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) محمد/٩، ولا تحبط الأعمال إلا بالكفر، فكل من كره ما أنزل الله فهو كافر. القسم الثاني: أن يتابعهم في ذلك راضياً بحكم الله، وعالماً بأنه أمثل وأصلح للعباد والبلاد، ولكن لهوى في نفسه تابعهم في ذلك، فهذا لا يكفر، ولكنه فاسق. فإن قيل: لماذا لا يكفر؟ أجيب: بأنه لم يرفض حكم الله، ولكنه رضى به وخالفه لهوى في نفسه، فهو كسائر أهل المعاصي. القسم الثالث: أن يتابعهم جاهلاً، يظن أن ذلك حكم الله فينقسم قسمين: الأول: أن يمكنه معرفة الحق بنفسه فهو مفرط أو مقصر فهو آثم، لأن الله أمر بسؤال أهل العلم عند عدم العلم. الثاني: أن يكون جاهلاً ولا يمكنه معرفة الحق بنفسه فيتابعهم بغرض التقليد يظن أن هذا هو الحق فلا شيء عليه؛ لأنه فعل ما أُمر به وكان معذوراً بذلك، ولذلك ورد عن رسول الله ﷺ : (من أُفتي بغير علم كان إثمه على من أفتاه) ، ولو قلنا بإثمه بخطأ غيره للزم من ذلك الحرج والمشقة ولم يثق الناس بأحدٍ لاحتمال خطئه " انتهى. فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀. "فتاوى علماء البلد الحرام" (ص ٤٧٥، ٤٧٦) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 10502

هل يجوز للحاكم أن يعطل بعض الحدود في بعض الأوقات ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز للحاكم المسلم تعطيل بعض الحدود في أوقات كما فعل عمر ﵁ عندما أسقط حد السرقة عام الرمادة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله " الواجب على المسلمين أن يقيموا فرائض الله في حدوده، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، وهو يخطب على منبر النبي ﷺ حين ذكر رجم الزاني المحصن قال: (وإني أخاف إن طال بالناس زمان أن يقولوا: لا نجد الرجم في كتاب الله؛ فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله فبين أن هذا فريضة، ولا شك أنه فريضة، لأن الله أمر به فقال: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) المائدة/٣٨، وقال: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) النور/٢، وقال: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا) المائدة/٣٣، وقال النبي ﷺ : (إنما أهلك من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) . ولا يجوز أن تعطل هذه الحدود بأي حال من الأحوال، وما روي عن عمر ﵁ أنه أسقط الحد عام المجاعة فإن هذا يحتاج إلى شيئين: الشيء الأول: صحة النقل، فإننا نطالب من ادعى ذلك بصحة النقل إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁. الأمر الثاني: أن عمر ﵁ إنما رفع الحد من أجل الشبهة القائمة، فإن الناس في مجاعة، والإنسان قد يأخذ الشيء للضرورة إليه لا لتشبعٍ به، ومعلوم أن المضطر إلى الطعام يجب على المسلمين إطعامه؛ فخشي عمر ﵁ أن يكون هذا السارق مضطراً إلى الطعام ومُنع منه، فتحين الفرصة فسرق، هذا هو اللائق بعمر ﵁ إن صح الأثر المنسوب إليه في أنه أسقط أو رفع الحد: حد السارق عام المجاعة. أما حكامنا اليوم فلا يوثق بدينهم، يعني أكثرهم لا يوثق بدينه، ولا يوثق بنصحه للأمة، ولو فتح الباب لقال هؤلاء الحكام – وأعني بذلك بعضهم – لقالوا: إقامة الحد في هذا العصر لا يناسب؛ لأن أعداءنا من الكفار يتهموننا بأننا همج، وأننا وحوش، وأننا نخالف ما يجب من مراعاة حقوق الإنسان؛ ثم يرفع الحدود كلياً كما هو الواقع الآن في أكثر بلاد المسلمين مع الأسف؛ حيث عطلت الحدود من أجل مراعاة أعداء الله. ولهذا لما عطلت الحدود كثرت الجرائم وصار الناس – حتى الحكام الذين تابعوا الكفار في هذا الأمر – في حيرة ماذا يفعلون في هذه الجرائم " انتهى. فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀. "فتاوى علماء البلد الحرام" (ص ٤٨٣، ٤٨٤) . وبيان هذا: أن من شروط وجوب إقامة الحد على السارق: ألا يكون له شبهة في المال المسروق، فعمر ﵁ لم يقم الحد لأنه لم تتوفر فيه شروط وجوبه، والذي يسرق في زمن المجاعة له شبهة في هذا المال، فلم يسقط عمر ﵁ الحد أو عطله بعد وجوبه. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 10503

متى يكون الفعل خاصّاً بالنبي ﷺ دون أمَّته ؟ [السُّؤَالُ] ـ[في بعض الأحيان يقول العلماء عن فعل فعَله الرسول ﵊ إنه خاص بالنبي ﵊، مثل استماعه للجارية وهي تضرب على الدف، فما الدليل والضابط في هذا الموضوع؟ لأنه عندما نقول للمخالِف إن هذا خاص بالنبي ﵊ يقول: فما الدليل إذاً؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: ينبغي أن يُعلم أن الأصل فيما فعله النبي ﷺ أنه تشريع للأمة، ولا يجوز القول بأنه خاص بالنبي ﷺ إلا بدليل صحيح يدل على ذلك؛ لقوله تعالى: (لقَدْ كاَنَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أسْوَةٌ حَسَنَةٌ) الأحزاب/ ١٦، وعملاً بهذا الأصل، كان الصحابة ﵃ يقتدون بالنبي ﷺ فيما فعله، ولم يكونوا يسألونه هل هذا الفعل خاص به أم لا؟ ومما يدل على ذلك: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَخَلَعَ النَّاسُ نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: (لِمَ خَلَعْتُمْ نِعَالَكُمْ؟) فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْنَاكَ خَلَعْتَ فَخَلَعْنَا، قَالَ: (إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ بِهِمَا خَبَثًا، فَإِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَقْلِبْ نَعْلَهُ فَلْيَنْظُرْ فِيهَا، فَإِنْ رَأَى بِهَا خَبَثًا فَلْيُمِسَّهُ بِالْأَرْضِ، ثُمَّ لِيُصَلِّ فِيهِمَا) . رواه أحمد (١٧ / ٢٤٢، ٢٤٣) وصححه محققو المسند. بل إن النبي ﷺ غضب من بعض أصحابه لمَّا نسبوا فعلاً فعله ﷺ للخصوصية. فعَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُصْبِحُ جُنُبًا، وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وَأَنَا أُصْبِحُ جُنُبًا وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ فَأَغْتَسِلُ وَأَصُومُ) ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ لَسْتَ مِثْلَنَا! قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: (وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّبِعُ) . رواه أبو داود (٢٣٨٩) وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ". قال ابن حزم ﵀: "ولا يجوز أن يقال في شيء فعله ﵇ أنه خصوص له إلا بنص في ذلك؛ لأنه ﵇ قد غضب على من قال ذلك، وكل شيء أغضب رسول الله ﷺ فهو حرام" انتهى. " الإحكام في أصول الأحكام " (٤ / ٤٣٣) . وقال ابن القيم ﵀: "الأصل: مشاركة أمته له في الأحكام، إلا ما خصه الدليل، ولذلك قالت أُمُّ سلمة ﵂: (اخرُجْ ولا تُكَلِّمْ أحدَاً حتى تَحْلِقَ رأسك وتنحر هَدْيك) ، وعلمت أن الناس سيتابعونه" انتهى. " زاد المعاد " (٣ / ٣٠٧) . وسئل الشيخ صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله: ما الذي يبيِّن أو يثبت أن هذا الشيء خاص بالنبي ﷺ ؟ . فأجاب: "الأصل: أن ما جاء به الرسول ﷺ عام، له، وللأمة، إلا ما دل الدليل على اختصاصه به ﷺ ، فالخصوصية لا بد لها من دليل؛ لقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) الأحزاب/ ٢١" انتهى. " المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان " (٥ / ٣٦٩، السؤال رقم ٤٨٨) . ثانياً: من الأحكام الخاصة به ﷺ : التزوج من غير مهر ولا ولي، والتزوج بأكثر من أربع، ووصال الصوم لأكثر من يوم. قال ابن حزم ﵀: "فلا يحل لأحد بعد هذا أن يقول في شيء فعله ﵇ إنه خصوص له، إلا بنص، مثل: النص الوارد في الواهبة بقوله تعالى: (خالصةً لك من دون المؤمنين) ، ومثل: وصاله ﵇ في الصوم، وقوله ناهياً لهم: (إني لست كهيئتكم) ، ومثل نومه ﵇ وصلاته دون تجديد وضوء، فسُئِل ﵇ عن ذلك، فقال: (عيناي تنامان، ولا ينام قلبي) . فما جاء فيه بيان كما ذكرنا: فهو خصوص، وما لم يأت فيه نص كما قلنا: فلنا أن نتأسى به ﵇، ولنا في ذلك الأجر الجزيل، ولنا أن نترك غير راغبين عن ذلك، فلا نأثم، ولا نؤجر" انتهى. " الإحكام في أصول الأحكام " (٤ / ٤٣٣) . وأما حديث ضرب الجارية بالدف بين يدي النبي ﷺ : فليس خاصّاً بالنبي ﷺ ، وليس في الحديث ما يدل على الخصوصية. عن بُرَيْدَةَ بْنِ الْحَصِيبِ ﵁ قال: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ جَاءَتْ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ إِنْ رَدَّكَ اللَّهُ سَالِمًا أَنْ أَضْرِبَ بَيْنَ يَدَيْكَ بِالدُّفِّ وَأَتَغَنَّى، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : (إِنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَاضْرِبِي، وَإِلَاّ فَلَا) فَجَعَلَتْ تَضْرِبُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ، فَأَلْقَتِ الدُّفَّ تَحْتَ اسْتِهَا، ثُمَّ قَعَدَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَخَافُ مِنْكَ يَا عُمَرُ، إِنِّي كُنْتُ جَالِسًا وَهِيَ تَضْرِبُ فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ وَهِيَ تَضْرِبُ، فَلَمَّا دَخَلْتَ أَنْتَ يَا عُمَرُ أَلْقَتِ الدُّفَّ) . رواه الترمذي (٣٦٩٠) وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ". وقال ابن القيم ﵀: "حديث صحيح، وله وجهان: أحدها: أن يكون أباح لها الوفاء بالنذر المباح؛ تطيباً لقلبها؛ وجبراً، وتأليفاً لها على زيادة الإيمان، وقوته، وفرحها بسلامة رسول الله ﷺ . والثاني: أن يكون هذا النذر قربة لما تضمنه من السرور والفرح بقدوم رسول الله ﷺ سالماً، مؤيداً، منصوراً على أعدائه، قد أظهره الله، وأظهر دينه، وهذا من أفضل القُرَب، فأُمرت بالوفاء به" انتهى. " إعلام الموقعين عن رب العالمين " (٤ / ٣٢٠) . وقال العراقي في "طرح التثريب" (٦/٥٦) : "وقد يقترن بالضرب بالدف قصد جميل كجبر يتيمة في عرسها، وإظهار السرور بسلامة من قد يعود نفعه على المسلمين، ومن ذلك: ضرب هذه المرأة بالدف، فهو مباح بلا شك" انتهى. وقال زكريا الأنصاري في "أسنى المطالب" (٤/٣٤٤) : "وضرب الدف مباح في العرس والختان وغيرهما مما هو سبب لإظهار السرور كعيد وقدوم غائب.... وذكر حديث الجارية المتقدم" انتهى. وجاء في "الموسوعة الفقهية" (٤/٩٣) تعقيباً على حديث الجارية: "وهذا نص في إباحة الغناء عند قدوم غائب تأكيداً للسرور" انتهى. فأنت ترى هؤلاء العلماء أباحوا الضرب بالدف لقدوم غائب، لا سيما إذا كان هذا الغائب كثير النفع للمسلمين. ولكن تبقى هذه الإباحة مقيدة بالضرب بالدف فقط، ولا تشمل غيره من الآلات الموسيقية، ومقيدة بالأحوال التي وردت فيها فقط. وينظر في ذلك جواب السؤال رقم (٢٠٤٠٦) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 10504

حكم من يرد الحديث الصحيح [السُّؤَالُ] ـ[هل يكفر من يرد الحديث الصحيح؟ أحد الإخوة يرد بعض الأحاديث الصحيحة الواردة في الصحيح: البخاري ومسلم وغيرها ... بحجة أنها تعارض القرآن، فما حکم من يرد الحديث الصحيح، هل يکفر؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: السنة النبوية هي المصدر الثاني للتشريع، فقد كان الوحي ينزل على النبي ﷺ بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن، ومصداق ذلك قول الله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) النجم/٣-٤. وقد أوجب الله تعالى على المؤمنين التسليم التام لكلام النبي ﷺ وحديثه وحكمه، حتى لقد أقسم بنفسه سبحانه أن من سمع كلام النبي ﷺ ثم رده ولم يقبل به: أنه ليس من الإيمان في شيء، فقال : (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) النساء/٦٥. ولذلك وقع الاتفاق بين أهل العلم على أنَّ مَن أنكر حجية السنة بشكل عام، أو كذَّبَ حديث النبي ﷺ وهو يعلم أنه من كلامه ﷺ – فهو كافر، لم يحقق أدنى درجات الإسلام والاستسلام لله ورسوله. قال الإمام إسحاق بن راهويه ﵀: " من بلغه عن رسول الله ﷺ خبرٌ يُقرُّ بصحته ثم رده بغير تقية فهو كافر" انتهى. وقال السيوطي ﵀: " اعلموا رحمكم الله أنَّ مَن أنكر كون حديث النبي ﷺ قولا كان أو فعلا بشرطه المعروف في الأصول - حجة كفر، وخرج عن دائرة الإسلام، وحشر مع اليهود والنصارى أو من شاء من فرق الكفرة " انتهى. "مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة" (ص/١٤) وقال العلامة ابن الوزير ﵀: " التكذيب لحديث رسول الله ﷺ مع العلم أنه حديثه كفر صريح " انتهى. "العواصم والقواصم" (٢/٢٧٤) جاء في "فتاوى اللجنة الدائمة": " الذي ينكر العمل بالسنة يكون كافرا؛ لأنه مكذب لله ولرسوله ولإجماع المسلمين " انتهى. "المجموعة الثانية" (٣/١٩٤) وانظر جواب السؤال رقم: (٦٠٤) ، (١٣٢٠٦) ، (٧٧٢٤٣) ثانيا: أما مَن رَدَّ الحديث ولم يقبله، مُنكِرًا أن يكون من كلام النبي ﷺ ، فهذا ليس كالقسم الأول، ونحن ندرك أن أكثر أصحاب التيار " التنويري " الجديد، هم الذين تصدوا للحكم على السنة النبوية من خلال آرائهم وتوجهاتهم، وهؤلاء ـ في واقع الأمر ـ لم يأتوا بجديد، وإنما هم امتداد لأهل البدع من قبلهم، الذين حكى أهل العمل شبهاتهم، وتولوا الردع عليها. ولهؤلاء، وأمثالهم نقول: المنهجية العلمية تقتضي النظر في أمور مهمة قبل رد الحديث وإنكار أن يكون من كلام النبي ﷺ ، وهذه الشروط هي: الشرط الأول: المناقضة التامة بين ما ورد في الحديث وما ورد في القرآن الكريم من نص واضح الدلالة غير منسوخ، ونحن نؤكد هنا على قيد " المناقضة التامة "، وليس مجرد تعارض ظاهري يبدو في ذهن الناظر العجل، ولعل أولئك الذين يخوضون في إنكار الأحاديث يوافقوننا على هذا التقييد؛ لأن غالب التعارض الظاهري الذي يعرض في أذهان كثير من الناس لا حقيقة له، وإنما هو ظنٌّ قائمٌ في ذهن المعترض، يمكن بالتأمل وتلمس أوجه اللغة والمعاني الجواب عليه، وبيان موافقته لأصول الشريعة ومقاصدها، ومن تأمل كتاب العلامة ابن قتيبة الدينوري، المسمى " مختلف الحديث "، عرف قدر المجازفة التي جازفها كثيرون في إنكارهم الأحاديث بدعوى عدم موافقتها للقرآن، أو عدم تصديق العقل بما فيها، ثم إذا ذكر ابن قتيبة تفسير العلماء الصحيح لهذه الأحاديث تبين أن لها أوجها صحيحة موافقة للشريعة، وأن توهم المعارضة للقرآن إنما هو ظنون فاسدة. إننا نسأل هؤلاء وأمثالهم ممن يتجرأ على رد السنة، والطعن في أحاديث النبي ﷺ ، من غير منهجية علمية، أو أصول نقدية مقبولة، ومن غير أن يحكموا أصول العلم الذي يتحدثون فيه: هل ترون أن مِن الممكن أن يناقض الحديثُ القرآن الكريم مناقضة تامة بحيث يجزم الناقد بأن هذا الحديث ليس من كلام النبي ﷺ ، ونرى مع ذلك جميع علماء الإسلام، من لدن صحابة رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا، متوافقين على قبول هذا الحديث وشرحه وتفسيره والاستدلال به والعمل بما جاء فيه؟! ألا يقضي العقل السليم – الذي يزعمون التحاكم إليه – باحترام اتفاق أهل التخصص على أمر هو في صلب تخصصهم؟! هل يجرؤ أحد على تخطئة علماء الفيزياء أو الكيمياء أو الرياضيات أو علوم التربية أو الاقتصاد مثلا إذا اتفقوا وتواردوا على أمر معين، خاصة إذا لم يكن المعترض عليهم من أهل العلم بذلك التخصص، وإنما غاية أمره أن يكون قد قرأ بعض المقالات حوله، أو شيئا من كتب: تبسيط العلوم، أو: العلم لكل الناس؟! الشرط الثان: وجود حلقة من حلقات الضعف الإسنادي، التي تتحمل الخطأ الوارد في المتن: ونظن – كذلك – أن هذا الشرط منهجي قويم، لا ينبغي أن يخالف فيه من يفهم شيئا في أصول النقد العلمي، وذلك أن إنكار المتن أن يكون من كلام النبي ﷺ ، يعني وجود حلقة ضعيفة في السند هي التي أوهمتنا أن هذا الحديث من كلام النبي ﷺ ، وهو ـ فعليا ـ ليس كذلك. يقول الإمام الشافعي ﵀، وهو من هو في منازل العلم والإيمان، وهو أول من صنف في علم أصول الفقه: " الحديث إذا رواه الثقات عن رسول الله ﷺ ، فذلك ثبوته " "اختلاف الحديث ـ ضمن الأم ـ (١٠/١٠٧) ". ويقول: " لا يُستدل على أكثر صدق الحديث وكذبه، إلا بصدق المُخْبِر، إلا في الخاص القليل من الحديث ". "الرسالة": فقرة (١٠٩٩) . ويقول أيضا: " المسلمون العدولُ: عدولٌ أصحاء الأمر فى أنفسهم ... ، وقولُهم عن خبر أنفسهم، وتسميتُهم: على الصحة والسلامة، حتى نستدل من فعلهم بما يخالف ذلك، فنحترسَ منهم في الموضع الذي خالف فعلُهم فيه ما يجب عليهم ". "الرسالة": فـ (١٠٢٩-١٠٣٠) ، وانظر: الأم (٨/٥١٨-٥١٩) . وبعد أن يحكي الإمام الشافعي ﵀ بعض الأصول العلمية في هذا الباب، وهو أمر تعرض له كثيرا في كتبه المختلفة، يذكر لنا أن ما قرره، مما نلقلنا بعضه هنا، ليس اجتهادا فرديا، أو مذهبا شخصيا له، وإنما هي أصول أجمع عليها أهل العلم من قبله. يقول: " فحكيت عامة معاني ما كتبت في صدر كتابي هذا، لعدد من المتقدمين في العلم بالكتاب والسنة، واختلاف الناس، والقياس، والمعقول، فما خالف منهم واحدٌ واحدا، وقالوا: هذا مذهبُ أهل العلم من أصحاب رسول الله، والتابعين، وتابعي التابعين، ومذهبُنا؛ فمن فارق هذا المذهب: كان عندنا مفارقَ سبيلِ أصحاب رسول الله ﷺ ، وأهلِ العلم بعدَهم إلى اليوم، وكان من أهل الجهالة، وقالوا معا: لا نرى إلا إجماع أهل العلم في البلدان على تجهيل من خالف هذا السبيل، وجاوزوا، أو أكثرهم، فيمن يخالف هذا السبيل، إلى ما لا أبالي أن لا أحكيه "!! " اختلاف الحديث" ـ الأم ـ (١٠/٢١) ، وانظر نحوا من ذلك في: الرسالة: فـ (١٢٣٦-١٢٤٩) . إن أول ما يجب على من رد حديثا مسندا إلى النبي ﷺ ، أن يبحث ويفسر من هو الراوي الذي أخطأ في نقله هذا الحديث، فإذا لم يجد المُنكِرُ سببا إسناديا مقبولا لإنكاره الحديث فذلك علامة على خطأ منهجيٍّ، وهو علامة أيضا على ضرورة مراجعة فهم الحديث والقرآن والمقاصد الشرعية. فكيف إذا كان الحديث واردا بأصح الأسانيد على وجه الأرض، بل كيف لو كان الحديث قد ورد بطرق كثيرة جدا – كما هو حال أكثر الأحاديث التي يردها " التنويريون " -، وعن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم؟! الشرط الثالث: نسبة الأمر كله إلى الاجتهاد المحتمل، ونبذ أساليب الجزم والحسم واتهام المخالف والطعن في عقول المسلمين، وهذا فيما إذا كان هناك وجه لهذا الاحتمال، وكان من يتكلم في هذا مؤهلا ـ بأدوات البحث اللازمة ـ لإدراك ذلك والبحث فيه. فقد يبدو لأحد العلماء ضعف حديث معين لعلة معينة، ولكنه لا يستعمل لغة الاتهام لكل من قبل الحديث. فمن خالف هذه الشروط الثلاثة، وأصر على إنكار الحديث وتكذيبه، فهذا على خطر عظيم، إذ لا يجوز للمسلم أن يتأول متهجما من غير شروط ولا ضوابط، وإلا أثم ووقع في الحرج. يقول الإمام أحمد ﵀: " من رد حديث رسول الله ﷺ فهو على شفا هلكة " انتهى. ويقول الحسن بن علي البربهاري: " وإذا سمعت الرجل يطعن على الأثر، أو يرد الآثار، أو يريد غير الآثار: فاتّهمه على الإسلام، ولا تشك أنه صاحب هوى مبتدع. وإذا سمعت الرجل تأتيه بالأثر فلا يريده ويريد القرآن، فلا تشك أنه رجل قد احتوى على الزندقة، فقمْ من عنده وودّعه " انتهى. "شرح السنة" (١١٣-١١٩) باختصار. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " إن ما أخبر به الرسول ﷺ عن ربه، فإنه يجب الإيمان به، سواء عرفنا معناه أو لم نعرف؛ لأنه الصادق المصدوق. فما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن الإيمان به، وإن لم يفهم معناه " انتهى. "مجموع الفتاوى" (٣/٤١) وانظر جواب السؤال رقم: (٢٤٥) ، (٩٠٦٧) ، (٢٠١٥٣) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 10505

مصادر التشريع الإسلامي [السُّؤَالُ] ـ[ما هي مصادر التشريع الإسلامي؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله مصادر الدين الأصلية التي ترجع إليها جميع العقائد والمقاصد والأحكام تتمثل في الوحيين: الكتاب والسنة. وذلك مقتضى ربانية الدين الإسلامي، أن أركانه مبنية على نصوص معصومة منزلة من السماء، تتمثل في آيات القرآن الكريم، ونصوص السنة النبوية الصحيحة. قال الإمام الشافعي ﵀: " ولا يلزم قول بكل حال إلا بكتاب الله، أو سنة رسوله ﷺ ، وما سواهما تبع لهما " انتهى. "جماع العلم" (١١) . ثم استنبط العلماء من هذين المصدرين أصولا أخرى يمكن بناء الأحكام عليها، أطلق عليها بعض العلماء - تجوزا - اسم " مصادر الشريعة " أو " مصادر التشريع الإسلامي"، وهي: الإجماع والقياس. قال الإمام الشافعي ﵀: " وليس لأحد أبداً أن يقول في شيء: حَلَّ ولا حَرُم إلا من جهة العلم، وجهة العلم: الخبر في الكتاب أو السنة، أو الإجماع، أو القياس " انتهى. "الرسالة" (٣٩) . وقال ابن تيمية ﵀: "إذا قلنا الكتاب والسنة والإجماع، فمدلول الثلاثة واحد، فإن كل ما في الكتاب فالرسول موافق له، والأمة مجمعة عليه من حيث الجملة، فليس في المؤمنين إلا من يوجب اتباع الكتاب، وكذلك كل ما سنَّه الرسول ﷺ فالقرآن يأمر باتباعه فيه، والمؤمنون مجمعون على ذلك، وكذلك كل ما أجمع عليه المسلمون، فإنه لا يكون إلا حقا موافقا لما في الكتاب والسنة" انتهى. "مجموع الفتاوى" (٧/٤٠) . وقال الدكتور عبد الكريم زيدان: "المقصود بمصادر الفقه: أدلته التي يستند إليها ويقوم عليها، وإن شئت قلت: المنابع التي يستقي منها، ويسمي البعض هذه المصادر بـ " مصادر الشريعة " أو " مصادر التشريع الإسلامي "، ومهما كانت التسمية فإن مصادر الفقه ترجع كلها إلى وحي الله، قرآناً كان الوحي أو سنة، ولهذا فإننا نرجح تقسيم هذه المصادر إلى: مصادر أصلية، وهي: الكتاب والسنة. ومصادر تبعية أرشدت إليها نصوص الكتاب والسنة، كالإجماع والقياس " انتهى. "المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية" (ص/١٥٣) . أما غير هذه المصادر الأربعة: كقول الصحابي، والاستحسان، وسد الذرائع، والاستصحاب، والعرف، وشرع من قبلنا، والمصالح المرسلة، وغيرها، فقد اختلف العلماء في حجيتها وصحة الاستدلال بها، وعلى القول بحجيتها – كلها أو بعضها – فهي تابعة للكتاب والسنة وراجعة إليهما. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 10506

الأدلة الشّرعية على حجيّة السنّة النبوية [السُّؤَالُ] ـ[هل يجب علينا اتباع السنة أم القرآن فقط؟ وهل المسلم ملزم باتّباع مذهب معيّن؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله السؤال الأول يبدو للمسلم الجادّ سؤالا عجيبا ومثيرا للدهشة فكيف يتحوّل الشيء البدهي المسلّم به والذي هو من أساسيات الدين، كيف يتحوّل مجالا للتساؤل؟ ولكن حيث أنّ التساؤل قد حصل فنقدّم مستعينين بالله هذا التأصيل العلمي الشرعي لمسألة حجية السنة ووجوب اتّباعها وأهميتها وحكم من رفضها وفي ذلك ردّ على المتشككين وعلى أتباع الطائفة الضّالة المتسمين بالقرآنيين - والقرآن منهم بريء- وهذا التأصيل نافع أيضا -إن شاء الله - لكل من يريد معرفة الحقّ في هذه القضية: أدلة حجية السنّة: أولا: دلالة القرآن الكريم على حجية السنة: وذلك من وجوه: الأول - قال الله تعالى: (من يطع الرّسول فقد أطاع الله) ، فجعل الله تعالى طاعة رسوله ﷺ من طاعته. ثم قرن طاعته بطاعة رسوله، قال تعالى: (يا أيّها الّذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرّسول) . الثاني - حذر الله من مخالفة رسوله ﷺ ، وتوعد من عصاه بالخلود في النار، قال تعالى: (فليحذر الّذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبُهم عذاب أليم) . الثالث - جعل الله تعالى طاعة رسوله ﷺ من لوازم الإيمان، ومخالفته من علامات النفاق، قال تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتّى يحكمُّوك فيما شجر بينهم ثمّ لا يجدوا في أنفسهم حرجاً ممّا قضيت ويسلموا تسليماً) . الرابع:- أمر عباده بالاستجابة لله والرسول، قال تعالى: (يا أيُّها الّذين أمنوا استجيبوا لله وللرّسول إذا دعاكم لما يُحييكم..) . الخامس: - ثم أمرهم سبحانه برد ما تنازعوا فيه إليه، وذلك عند الاختلاف، قال تعالى: (فإن تنازعتم في شيء فردّوُه إلى الله والرّسول) . ثانياً: دلالة السنة النبوية على حجية السنة: وذلك من وجوه: أحدها: ما رواه الترمذي عن أبي رافع وغيره رفعه (أي: إلى النبي ﷺ قال لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه أمر مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح سنن الترمذي ط. شاكر رقم ٢٦٦٣ وعن العرباض بن سارية ﵁ عن النبي ﷺ قال: أيحسب أحدكم متكئا على أريكته قد يظن أن الله لم يحرم شيئا إلا ما في هذا القرآن ألا وإني والله قد وعظت وأمرت ونهيت عن أشياء إنها لمثل القرآن أو أكثر.. الحديث رواه أبو داود كتاب الخراج والإمارة والفيء الثاني: ما رواه أبو داود أيضا في سننه عن العرباض بن سارية ﵁، أنه قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة) وفيها: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ..) في كتاب السنّة من صحيح أي داود ثالثاً: دلالة الإجماع على حجية السنة: قال الشافعي ﵀: ولا أعلم من الصحابة ولا من التابعين أحدا أُخبر عن رسول الله ﷺ إلا قبل خبره، وانتهى إليه، وأثبت ذلك سنة.. وصنع ذلك الذين بعد التابعين، والذين لقيناهم، كلهم يثبت الأخبار ويجعلها سنة، يحمد من تبعها، ويعاب من خالفها، فمن فارق هذا المذهب كان عندنا مفارق سبيل أصحاب رسول الله ﷺ وأهل العلم بعدهم إلى اليوم، وكان من أهل الجهالة. رابعا: دلالة النظر الصحيح على حجية السنة: كون النبي ﷺ رسول الله، يقتضي تصديقه في كل ما يخبر به، وطاعته في كل ما يأمر به، ومن المُسلَّم به أنه قد أخبر وحكم بأمور زائدة على ما في القرآن الكريم، فالتفريق بينها وبين القرآن، في وجوب الالتزام بها، والاستجابة لها، تفريق بما لا دليل عليه، بل هو تفريق باطل، فلزم أن يكون خبره ﷺ واجب التصديق، وكذا أمره واجب الطاعة. حكم من أنكر حجية السنة أنه كافر لإنكاره ما هو معلوم من الدين بالضرورة. أما السؤال الثاني وهو هل المسلم ملزم باتّباع مذهب معيّن فالجواب: لا يلزم ذلك، وكل عامي من المسلمين مذهبه مذهب مفتيه، وعليه أن يسأل من يثق به من أهل العلم والفتوى وإذا كان الشّخص طالب علم يميّز بين الأدلة والأقوال فعليه أن يتبّع القول الراجح من أقوال أهل العلم بدليله الصحيح من الكتاب والسنّة. هذا ويجوز للمسلم أن يتبع مذهبا معينا من المذاهب الفقهية الأربعة المشهورة بشرط أنّه إذا عرف أنّ الحقّ في المسألة المعيّنة خلاف المذهب وجب عليه أن يخالف المذهب ويتّبع الحقّ ولو كان في مذهب آخر لأنّ المقصود هو اتّباع الحقّ الذي يُعرف بالكتاب والسنة، والمذاهب الفقهية ما هي إلا طرق لمعرفة الأحكام الشرعية دالّة على أحكام الكتاب والسنّة وليست هي الكتاب والسنّة. نسأل الله أن يرينا الحقّ حقّا ويرزقنا اتّباعه ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه وصلى الله على نبينا محمد. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 10507

إذا كان القرآن كاملا مكتملا وافيا للشريعة فما الحاجة إلى السنة ؟! [السُّؤَالُ] ـ[إذا كان القرآن كاملا مكتملا وافيا للشريعة فما الحاجة إلى السنة؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: لا يزال أعداء الدِّين يحرصون على النيل من دين الله تعالى بشتى الصور والأساليب، وينشرون شبهاتهم وضلالاتهم بين عامة المسلمين، فينساق وراءهم بعض ضعاف الإيمان، والجهلة من المسلمين، ولو أن واحداً من هؤلاء العامة فكَّر قليلاً لعلم أن شبههم خاوية، وأن حجتهم داحضة. ومن أيسر ما يمكن أن يرد به العامي على هذه الشبهة المتهافتة أن يسأل نفسه: كم ركعة أصلي الظهر؟ وكم هو نصاب الزكاة؟ وهذا سؤالان يسيران، ولا غنى بمسلم عنهما، ولن يجد إجابتهما في كتاب الله تعالى، وسيجد أن الله تعالى أمره بالصلاة، وأمره بالزكاة، فكيف سيطبق هذه الأوامر من غير أن ينظر في السنَّة النبوية؟ إن هذا من المحال، ولذا كانت حاجة القرآن للسنَّة أكثر من حاجة السنَّة للقرآن! كما قال الإمام الأوزاعي ﵀: " الكتاب أحوج إلى السنَّة من السنَّة إلى الكتاب "، كما في " البحر المحيط " للزركشي (٦ / ١١) ، ونقله ابن مفلح الحنبلي في " الآداب الشرعية " (٢ / ٣٠٧) عن التابعي مكحول. ولا نظن بالأخ السائل إلا خيراً، ونظن أنه سأل مستفهماً عن أوجه الرد على من يقول بمثل هذه الأقاويل زاعماً تعظيمه للقرآن الكريم. ثانياً: من أوجه الرد على من يزعم أنه لا حاجة للمسلمين للسنَّة المشرفة، وأنه يُكتفى بالقرآن الكريم: أنه بهذا القول يرد كلام الله تعالى في كتابه الكريم، حيث أمر في آيات كثيرة بالأخذ بما جاء به النبي ﷺ ، وبالانتهاء عما نهى عنه، وبطاعته، وقبول حكمه، ومن ذلك: قال تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) الحشر: من الآية٧. وقال تعالى: (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) النور/٥٤. وقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ) النساء/من الآية٦٤. وقال تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) النساء/٦٥. فماذا يصنع هذا الزاعم المدعي أنه يُكتفى بالقرآن ويُستغنى به عن السنَّة في هذه الآيات؟ وكيف سيستجيب لأمر الله تعالى فيها؟ . وهذا بالإضافة إلى ما قلناه أولاً باختصار، وهو أنه كيف سيقيم الصلاة التي أمره الله تعالى بها في كتابه الكريم؟ وما عددها؟ وما أوقاتها؟ وما شوطها؟ وما مبطلاتها؟ وقل مثل ذلك في الزكاة، والصيام، والحج، وباقي شعائر الدين وشرائعه. وكيف سيطبق قول الله تعالى (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) المائدة/٣٨؟ فكم هو نصاب السرقة؟ ومن أين تُقطع اليد؟ وهل هي اليمين أم الشمال؟ وما هي الشروط في الشيء المسروق؟ ، وقل مثل ذلك في حد الزنا والقذف واللعان وغيرها من الحدود. قال بدر الدين الزركشي – ﵀: وقال الشافعي في " الرسالة " - في باب فرض طاعة الرسول ﷺ : قال تعالى: (من يطع الرسول فقد أطاع الله) وكل فريضة فرضها الله تعالى في كتابه: كالحج، والصلاة، والزكاة: لولا بيان الرسول ما كنا نعرف كيف نأتيها , ولا كان يمكننا أداء شيء من العبادات , وإذا كان الرسول من الشريعة بهذه المنزلة: كانت طاعته على الحقيقة طاعة لله. " البحر المحيط " (٦ / ٧، ٨) . وكما يرى المسلم العاقل أن الزاعم أنه معظم لكتاب الله تعالى هو من أعظم المخالفين للقرآن، ومن أعظم المنسلخين عن الدين؛ حيث جعل القرآن كافيا لإقامة الدين والأحكام، وهو بالضرورة إما أنه لا يفعل ما جاء بالسنة فيكفر، أو أنه يفعلها فيتناقض! ثالثاً: والله تعالى بعث نبيه ﷺ بالإسلام، وهذه النعمة العظيمة ليست القرآن وحده، بل هي القرآن والسنَّة، ولما امتنَّ الله على الأمة بإتمام الدين وإكمال النعمة لم يكن المقصود منه إنزال القرآن، بل إتمام الأحكام في القرآن والسنَّة، بدليل نزول آيات من القرآن الكريم بعد إخبار الله تعالى بمنته على عباده بإكمال الدين وإتمام النعمة. قال الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً) المائدة/من الآية٣. قال بدر الدين الزركشي – ﵀: قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم) أي: أكملت لكم الأحكام، لا القرآن؛ فإنه نزل بعد ذلك منه آيات غير متعلقة بالأحكام. " المنثور في القواعد " (١ / ١٤٢) . وقال ابن القيم – ﵀: فقد بيَّن الله - سبحانه - على لسان رسوله بكلامه وكلام رسوله جميع ما أمره به، وجميع ما نهى عنه، وجميع ما أحله، وجميع ما حرمه، وجميع ما عفا عنه , وبهذا يكون دينُه كاملا كما قال تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) . " إعلام الموقعين " (١ / ٢٥٠) . رابعاً: وقد بيَّن النبي ﷺ أن السنَّة التي جاء بها هي مثل القرآن في كونها من الله تعالى، وفي كونها حجة، وفي كونها ملزمة للعباد، وحذَّر من الاكتفاء بما في القرآن وحده للأخذ به والانتهاء عن نهيه، وبيَّن مثالاً لحرامٍ ثبت في السنَّة ولم يأت له ذِكر في القرآن، بل في القرآن إشارة لحلِّه، وكل ذلك في حديث واحدٍ صحيح. عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ أَلَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ لَحْمُ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ وَلَا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السَّبُعِ) . رواه أبو داود (٤٦٠٤) ، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود. وهذا الذي فهمه الصحابة رضي الله من دين الله تعالى: عن عبد الله قال: " لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب فجاءت فقالت: إنه بلغني أنك لعنت كيت وكيت، فقال: ومالي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ ومن هو في كتاب الله؟ فقالت: لقد قرأتُ ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول، قال: لئن كنتِ قرأتيه لقد وجدتيه؛ أما قرأت: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) الحشر/٧؟ ، قالت: بلى، قال: فإنه قد نهى عنه، قالت: فإني أرى أهلك يفعلونه، قال: فاذهبي فانظري، فذهبت فنظرت فلم تر من حاجتها شيئاً، فقال: لو كانتْ كذلك ما جامعَتنا. رواه البخاري (٤٦٠٤) ، ومسلم (٢١٢٥) . وهو الذي فهمه التابعون وأئمة الإسلام من دين الله تعالى، ولا يعرفون غيره، أنه لا فرق بين الكتاب والسنَّة في الاستدلال والإلزام، وأن السنَّة مبينة ومفسرة لما في القرآن. قال الأوزاعي عن حسان بن عطية: كان جبريل ينزل على رسول الله ﷺ ، والسنَّة تفسر القرآن. وقال أيوب السختياني: إذا حدَّث الرجل بالسنَّة فقال: دعنا من هذا، حدِّثنا من القرآن: فاعلم أنه ضال مضل. وقال الأوزاعي: قال الله تعالى (من يطع الرسول فقد أطاع الله) ، وقال (وما آتاكم الرسول فخذوه) .... . وقال الأوزاعي: قال القاسم بن مخيمرة: ما توفي عنه رسول الله ﷺ وهو حرام: فهو حرام إلى يوم القيامة , وما توفي عنه وهو حلال: فهو حلال إلى يوم القيامة. انظر: " الآداب الشرعية " (٢ / ٣٠٧) . قال بدر الدين الزركشي – ﵀: قال الحافظ الدارمي: يقول: (أوتيت القرآن , وأوتيت مثله) : من السنن التي لم ينطق بها القرآن بنصه , وما هي إلا مفسرة لإرادة الله به , كتحريم لحم الحمار الأهلي , وكل ذي ناب من السباع , وليسا بمنصوصين في الكتاب. وأما الحديث المروي من طريق ثوبان في الأمر بعرض الأحاديث على القرآن , فقال الشافعي في " الرسالة ": " ما رواه أحد ثبت حديثه في شيء صغير ولا كبير " , وقد حكم إمام الحديث يحيى بن معين بأنه موضوع , وضعته الزنادقة، قال ابن عبد البر في كتاب " جامع بيان العلم ": قال عبد الرحمن بن مهدي: الزنادقة والخوارج وضعوا حديث: (ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله , فإن وافق كتاب الله فأنا قلته , وإن خالف فلم أقله) ، قال الحافظ: وهذا لا يصح , وقد عارضه قوم , وقالوا: نحن نعرضه على كتاب الله فوجدناه مخالفا للكتاب ; لأنا لم نجد فيه: لا يقبل من الحديث إلا ما وافق الكتاب , بل وجدنا فيه الأمر بطاعته , وتحذير المخالفة عن أمره حكم على كل حال. انتهى. وقال ابن حبان في " صحيحه " في قوله ﷺ : (بلغوا عني ولو آية) : فيه دلالة على أن السنَّة يقال فيها: آي. " البحر المحيط " (٦ / ٧، ٨) . خامساً: قد ذكر العلماء أوجهاً لبيان السنة للقرآن، ومنها: أنها تأتي موافقة لما في القرآن، وتأتي مقيدة لمطلقه، ومخصصة لعمومه، ومفسرة لمجمله، وناسخة لحكمه، ومنشئة لحكم جديد، وبعض العلماء يجمع ذلك في ثلاث منازل. قال ابن القيم ﵀: والذي يجب على كل مسلم اعتقاده: أنه ليس في سنن رسول الله ﷺ الصحيحة سنَّة واحدة تخالف كتاب الله، بل السنن مع كتاب الله على ثلاث منازل: المنزلة الأولى: سنَّة موافقة شاهدة بنفس ما شهد به الكتاب المنزل. المنزلة الثانية: سنَّة تفسر الكتاب، وتبين مراد الله منه، وتقيد مطلقه. المنزلة الثالثة: سنَّة متضمنة لحكم سكت عنه الكتاب، فتبيِّنه بياناً مبتدأً. ولا يجوز رد واحدة من هذه الأقسام الثلاثة، وليس للسنة مع كتاب الله منزلة رابعة. وقد أنكر الإمام أحمد على من قال " السنة تقضي على الكتاب " فقال: بل السنَّة تفسر الكتاب وتبينه. والذي يشهد الله ورسوله به أنه لم تأت سنَّة صحيحة واحدة عن رسول الله ﷺ تناقض كتاب الله وتخالفه ألبتة، كيف ورسول الله ﷺ هو المبين لكتاب الله، وعليه أنزل، وبه هداه الله، وهو مأمور باتباعه، وهو أعلم الخلق بتأويله ومراده؟! . ولو ساغ رد سنن رسول الله ﷺ لما فهمه الرجل من ظاهر الكتاب لردت بذلك أكثر السنن، وبطلت بالكلية. وما من أحد يُحتج عليه بسنَّة صحيحة تخالف مذهبه ونحلته إلا ويمكنه أن يتشبث بعموم آية، أو إطلاقها، ويقول: هذه السنة مخالفة لهذا العموم والإطلاق فلا تقبل. حتى إن الرافضة قبحهم الله سلكوا هذا المسلك بعينه في رد السنن الثابتة المتواترة، فردوا قوله ﷺ (لا نُورث ما تركنا صدقة) وقالوا: هذا حديث يخالف كتاب الله، قال تعالى (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) . وردت الجهمية ما شاء الله من الأحاديث الصحيحة في إثبات الصفات بظاهر قوله (ليس كمثله شيء) . وردت الخوارج من الأحاديث الدالة على الشفاعة، وخروج أهل الكبائر من الموحدين من النار بما فهموه من ظاهر القرآن. وردت الجهمية أحاديث الرؤية مع كثرتها وصحتها بما فهموه من ظاهر القرآن في قوله تعالى (لا تدركه الأبصار) . وردت القدرية أحاديث القدر الثابتة بما فهموه من ظاهر القرآن. وردت كل طائفة ما ردته من السنة بما فهموه من ظاهر القرآن. فإما أن يطرد الباب في رد هذه السنن كلها، وإما أن يطرد الباب في قبولها، ولا يرد شيء منها لما يفهم من ظاهر القرآن، أما أن يرد بعضها ويقبل بعضها - ونسبة المقبول إلى ظاهر القرآن كنسبة المردود -: فتناقض ظاهر. وما مِن أحد رد سنَّة بما فهمه من ظاهر القرآن إلا وقد قبل أضعافها مع كونها كذلك. وقد أنكر الإمام أحمد والشافعي وغيرهما على من ردَّ أحاديث تحريم كل ذي ناب من السباع بظاهر قوله تعالى (قل لا أجد في ما أوحى إليَّ محرماً) الآية. وقد أنكر النبي ﷺ على من رد سنَّته التي لم تذكر في القرآن، ولم يدَّعِ معارضة القرآن لها: فكيف يكون إنكاره على من ادعى أن سنَّته تخالف القرآن وتعارضه؟ . " الطرق الحكمية " (٦٥ – ٦٧) . وللشيخ الألباني – ﵀ رسالة بعنوان " منزلة السنة في الإسلام، وبيان أنه لا يستغنى عنها بالقرآن "، وفيها: تعلمون جميعاً أن الله ﵎ اصطفى محمداً ﷺ بنبوته، واختصه برسالته، فأنزل عليه كتابه القرآن الكريم، وأمره فيه - في جملة ما أمره به - أن يبينه للناس، فقال تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزِّل إليهم) النحل/٤٤، والذي أراه أن هذا البيان المذكور في هذه الآية الكريمة يشتمل على نوعين من البيان: الأول: بيان اللفظ ونظمه، وهو تبليغ القرآن، وعدم كتمانه، وأداؤه إلى الأمة، كما أنزله الله ﵎ على قلبه ﷺ ، وهو المراد بقوله تعالى: (يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك من ربك) المائدة/٦٧، وقد قالت السيدة عائشة ﵂ في حديث لها " ومن حدثك أن محمداً كتم شيئاً أُمر بتبليغه: فقد أعظم على الله الفرية "، ثم تلت الآية المذكورة " - أخرجه الشيخان -، وفي رواية لمسلم: " لو كان رسول الله ﷺ كاتماً شيئاً أُمر بتبليغه لكتم قوله تعالى: (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمتَ عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه) الأحزاب/٣٧. والآخر: بيان معنى اللفظ، أو الجملة، أو الآية الذي تحتاج الأمة إلى بيانه، وأكثر ما يكون ذلك في الآيات المجملة، أو العامة، أو المطلقة، فتأتي السنَّة، فتوضح المجمل، وتُخصِّص العام، وتقيِّد المطلق، وذلك يكون بقوله ﷺ ، كما يكون بفعله وإقراره. وقوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) المائدة/٣٨، مثال صالح لذلك، فإن السارق فيه مطلقٌ كاليد، فبينتِ السنَّة القوليَّة الأول منهما، وقيدته بالسارق الذي يسرق ربع دينارٍ بقوله ﷺ : (لا قطع إلا في ربع دينار فصاعداً) - أخرجه الشيخان - كما بينتِ الآخَرَ بفعله ﷺ أو فعل أصحابه وإقراره، فإنهم كانوا يقطعون يد السارق من عند المفصل، كما هو معروف في كتب الحديث، وبينت السنة القوليَّة اليد المذكورة في آية التيمم: (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) النساء/٤٣ والمائدة /٦ بأنها الكف أيضاً بقوله ﷺ : (التيمم ضربة للوجه والكفين) أخرجه أحمد والشيخان وغيرهم من حديث عمار بن ياسر ﵄. وإليكم بعض الآيات الأخرى التي لم يمكن فهمها فهماً صحيحاً على مراد الله تعالى إلا من طريق السنة: ١. قوله تعالى: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون) الأنعام /٨٢، فقد فهم أصحاب النبي ﷺ قوله (بظلم) على عمومه الذي يشمل كل ظلم ولو كان صغيراً، ولذلك استشكلوا الآية فقالوا: يا رسول الله أيُّنا لم يلبس أيمانه بظلم؟ فقال ﷺ : (ليس بذلك، إنما هو الشرك؛ ألا تسمعوا إلى قول لقمان: (إن الشرك لظلم عظيم) لقمان/١٣؟) أخرجه الشيخان وغيرهما. ٢. قوله تعالى: (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) النساء/١٠١، فظاهر هذه الآية يقتضي أن قصر الصلاة في السفر مشروط له الخوف، ولذلك سأل بعض الصحابة رسول الله ﷺ فقالوا: ما بالنا نقصر وقد أَمِنَّا؟ قال: (صدقة تصدَّق الله بها عليكم فقبلوا صدقته) - رواه مسلم -. ٣. قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة والدم) المائدة/٣، فبينت السنة القولية أن ميتة الجراد والسمك، والكبد والطحال، من الدم حلال، فقال ﷺ : (أحلت لنا ميتتان ودمان: الجراد والحوت - أي: السمك بجميع أنواعه -، والكبد والطحال) - أخرجه البيهقي وغيره مرفوعاً وموقوفاً، وإسناد الموقوف صحيح، وهو في حكم المرفوع؛ لأنه لا يقال من قِبَلِ الرأي -. ٤. قوله تعالى: (قل لا أجد في ما أوحي إلي مُحرَّماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً، أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقاً أهل لغير الله به) الأنعام/١٤٥، ثم جاءت السنَّة فحرمت أشياء لم تُذكر في هذه الآية، كقوله ﷺ : (كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير حرام) ، وفي الباب أحاديث أخرى في النهي عن ذلك، كقوله ﷺ يوم خيبر: (إن الله ورسوله ينهيانكم عن الحمر الإنسية؛ فإنها رجس) - أخرجه الشيخان -. ٥. قوله تعالى: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) الأعراف/٣٢، فبينت السنة أيضاً أن من الزينة ما هو محرم، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه خرج يوماً على أصحابه وفي إحدى يديه حرير، وفي الأخرى ذهب، فقال: (هذان حرام على ذكور أمتي، حلٌّ لإناثهم) - أخرجه الحاكم وصححه -. والأحاديث في معناه كثيرة معروفة في " الصحيحين " وغيرهما، إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة المعروفة لدى أهل العلم بالحديث والفقه. ومما تقدم يتبين لنا - أيها الإخوة - أهمية السنَّة في التشريع الإسلامي، فإننا إذا أعدنا النظر في الأمثلة المذكورة - فضلا عن غيرها مما لم نذكر - نتيقن أنه لا سبيل إلى فهم القرآن الكريم فهماً إلا مقروناً بالسنَّة. " منزلة السنة في الإسلام " (ص ٤ – ١٢) . وننصح بالرجوع إلى رسالة الشيخ الألباني – ﵀ – فهي في صلب موضوع السؤال. وبه يتبين: أنه لا يحل لأحدٍ أن يفصل القرآن عن السنَّة في إثبات الأحكام ولزومها للمكلَّف، وأن من فعل ذلك فهو من أعظم المخالفين لما في القرآن من أوامر بطاعة الرسول ﷺ والأخذ بسنَّته والانتهاء عن نهيه، وأن السنَّة النبوية جاءت مؤيدة لما في القرآن وموضحة له ومقيدة لمطلقه ومخصصة لعمومه، وجاءت كذلك مستقلة في إنشاء الأحكام، وكل ذلك لازم للمسلم الأخذ به. وأمر أخير: هب أننا نعدُّ هذا تنازعاً بيننا وبين خصومنا الذين يرون الاكتفاء بالقرآن: فإننا نقول: إننا أُمرنا في القرآن الكريم عند التنازع أن نرجع إلى القرآن والسنَّة! فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) النساء/٥٩، فماذا هو صانعٌ خصمنا بهذه الحجة القرآنية؟ إن قبلها: رجع إلى السنَّة فبطل قوله، وإن لم يرجع: فقد خالف القرآن الذي يزعم أنه كافٍ عن السنَّة. والحمد لله رب العالمين [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 10508

السنة النبوية الصحيحة وحي من الله [السُّؤَالُ] ـ[أولا: أعتذر عن إثارة مثل هذا السؤال، ولكي لا أترك مجالا للشك في نيتي، أقول: إنني أشهد أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله، وإنني راض تمام الرضى بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ رسولا. أسأل عن السنة، لأنه توجد روايات كثيرة لحديث واحد، فمثلا نجد في صحيح البخاري حديثا ما بأسلوب مخالف لما هو عليه في صحيح مسلم، فلماذا لا تكون السنة مثل القرآن العظيم؟ ما الفرق بين السنة المطهرة والقرآن العظيم؟ هل السنة النبوية الشريفة هي من الوحي الذي يتنزل على الرسول ﷺ ، أم هي من أقواله وأفعاله ﷺ ؟ هل هي من خصائص النبوة أم ماذا؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: لا بد أن يستقر في عقل وقلب كل مسلم أن السنة - وهي ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير - هي أحد قسمي الوحي الإلهي الذي أُنزِل على رسول الله ﷺ ، والقسم الآخر من الوحي هو القرآن الكريم. قال تعالى (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِن هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىْ) النجم/٣-٤ وعن المقدام بن معد يكرب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ القُرآنَ وَمِثلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبعَان عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيكُم بِهَذَا القُرآنِ، فَمَا وَجَدتُم فِيهِ مِن حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدتُم فِيهِ مِن حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ، أَلَا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ) رواه الترمذي (٢٦٦٤) وقال: حسن غريب من هذا الوجه، وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٢٨٧٠) وهذا ما فهمه السلف الصالح رضوان الله عليهم من ديننا الحنيف: يقول حسان بن عطية "الكفاية" للخطيب (١٢) : " كان جبريل ينزل على النبي ﷺ بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن " انتهى. رواه الدامي في سننه (٥٨٨) والخطيب في الكفاية (١٢) ، وعزاه الحافظ في الفتح (١٣/٢٩١) إلى البيهقي، قال: " بسند صحيح ". وأهمية السنة في كونها مبيِّنةً لكتاب الله وشارحةً له أوَّلًا، ثم من كونها تزيد على ما في كتاب الله بعض الأحكام. يقول الله تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) النحل/٤٤ يقول ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (٢/١٩٠) : " البيان منه ﷺ على ضربين: الأول: بيان المجمل في الكتاب العزيز، كالصلوات الخمس في مواقيتها وسجودها وركوعها وسائر الأحكام. الثاني: زيادة حكم على حكم الكتاب، كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها " انتهى. ثانيا: لما كانت السنة القسمَ الثانيَ من أقسام الوحي، كان لا بد من حفظ الله تعالى لها، ليحفظَ بها الدين من التحريف أو النقص أو الضياع. يقول ابن حزم ﵀ "الإحكام" (١/٩٥) : " قال تعالى (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) الحجر/٩ وقال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاء إِذَا مَا يُنذَرُونَ) الأنبياء/٤٥ فأخبر تعالى أن كلام نبيه ﷺ كله وحي، والوحي بلا خلاف ذِكْرٌ، والذكر محفوظ بنصِّ القرآن، فصح بذلك أن كلامه ﷺ كله محفوظ بحفظ الله ، مضمون لنا أنه لا يضيع منه شيء، إذ ما حَفِظَ الله تعالى فهو باليقين لا سبيل إلى أن يضيع منه شيء، فهو منقول إلينا كله، فلله الحجة علينا أبدا " انتهى. ثالثا: وإذا ثبت أن السنة من الوحي الإلهي، لا بد من التنبه إلى أن الفرق بينها وبين القرآن يكمن في أمر واحد فقط، وهو أن القرآن كلام الله تعالى، نزل بلفظه إلى النبي ﷺ ، أما السنة فقد لا تكون من كلامه تعالى، بل من وحيه فقط، ثم لا يلزم أن تأتي بلفظها، بل بالمعنى والمضمون. ومِن فَهْمِ هذا الفرق، يظهر أن العبرة في نقل السنة هو المعنى والمضمون، وليس ذات الألفاظ التي نطق بها النبي ﷺ ، والشريعة الإسلامية إنما حُفظت بحفظ الله تعالى للقرآن الكريم كاملا، وبحفظه سبحانه للسنة النبوية في مُجمَلِها، ومعناها، وما بيَّنَتهُ من كتاب الله، وليس في ألفاظها وحروفها. ومع ذلك فإن علماء هذه الأمة على مدى القرون السالفة، قد قاموا بحفظ الشريعة والسنة، ونقلوا لنا ألفاظ النبي ﷺ كما قالها، وميزوا ما فيها من الصواب والخطأ، والحق والباطل. وما يراه السائل الكريم من تعدد الروايات للحديث الواحد لا يعني أبدا التقصير في حفظ السنة ونقلها، وإنما اختلفت الروايات لأسباب عديدة، إذا تبينت ظهر الجواب واضحا، فيقال: رابعا: أسباب تعدد الروايات: ١- تعدد الحادثة: يقول ابن حزم ﵀ في "الإحكام" (١/١٣٤) : " وليس اختلاف الروايات عيبا في الحديث إذا كان المعنى واحدا، لأن النبي صلى اله عليه وسلم صحَّ عنه أنه إذا كان يُحَدِّث بحديثٍ كَرَّرَه ثلاث مرات، فينقل كل إنسان بحسب ما سمع، فليس هذا الاختلاف في الروايات مما يوهن الحديث إذا كان المعنى واحدا " انتهى. ٢- الرواية بالمعنى: وهو أكثر ما يسبب تعدد الروايات للحديث الواحد، فإن المهم في نقل الحديث أداء مضمونه ومحتواه، أما ألفاظه فليست تعبديةً كالقرآن. مثاله: حديث (إنما الأعمال بالنيات) : فقد روي بلفظ (العمل بالنية) ولفظ (إنما الأعمال بالنية) وآخر (الأعمال بالنية) ، وهذا التعدد سببه الرواية بالمعنى، فإن مخرج الحديث واحد، وهو يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة عن عمر ﵁، والملاحظ أن المعنى الذي يفهم من هذه الجمل واحد، فأي ضرر في تعدد الروايات حينئذ؟! ولكي يطمئن العلماء أكثر إلى أن الراوي نقل المعنى الصحيح للحديث، كانوا لا يقبلون الرواية بالمعنى إلا من عالم باللغة العربية، ثم يقارنون رواية الراوي برواية غيره من الثقات، فيتبين لهم الخطأ في النقل إن وقع، والأمثلة على ذلك كثيرة، ليس هذا محلها. ٣- اختصار الراوي للحديث: أي أن يكون الراوي حافظا للحديث كله، ولكن يكتفي بذكر جزء منه في حال، ويذكره كاملا في حال أخرى. مثاله: روايات حديث أبي هريرة في قصة نسيان النبي ﷺ ركعتين من صلاة الظهر، فكلها جاءت عن أبي هريرة، وهي قصة واحدة، وذلك يدل على أن اختلاف الروايات سببه اختصار بعض الرواة. انظر صحيح البخاري (٧١٤) (٧١٥) (١٢٢٩) ٤- الخطأ: فقد يقع من أحد الرواة الخطأ، فيروي الحديث على غير وجهه الذي يرويه الآخرون، ويمكن معرفة الخطأ بمقارنة الروايات بعضها ببعض، وهو ما قام به أهل العلم في كتب السنة والتخريج. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "الجواب الصحيح" (٣/٣٩) : " ولكن هذه الأمة حفظ الله تعالى لها ما أنزله، قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) الحجر/٩، فما في تفسير القرآن أو نقل الحديث أو تفسيره من غلط، فإن الله يقيم له من الأمة من يبيِّنُه، ويذكر الدليل على غلط الغالط وكذب الكاذب، فإن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولا يزال فيها طائفة ظاهرة على الحق حتى تقوم الساعة، إذ كانوا آخر الأمم، فلا نبي بعد نبيهم، ولا كتاب بعد كتابهم، وكانت الأمم قبلهم إذا بدَّلوا وغيَّروا بعث الله نبيا يبين لهم ويأمرهم وينهاهم، ولم يكن بعد محمد ﷺ نبي، وقد ضمن الله أن يحفظ ما أنزله من الذكر " انتهى. والسنة، على الوجه الذي ذكرناه أولا، من كونها وحيا من عند الله تعالى: يبين للناس ما نُزِّل إليهم في كتاب الله تعالى، ويعلمهم من الأحكام ما يحتاجونه في دينهم، ولو يأت تفصيله، أو أصله في كتاب الله تعالى، نقول: السنة على هذا الوجه هي من خصائص النبوة؛ فهذه الوظيفة هي من أجل وظائف النبوة، وما زال الناس يرون السنة على هذا الوجه، بما تحمله الكتب، أو الروايات الشفهية من اختلاف في بعض الألفاظ، أو تعدد لسياقات الحديث، ولم يكن في ذلك ما يدعو للتشكك في منزلتها، أو القلق من حفظها، أو التردد والخلاف في حجيتها وحاجة الناس إليها، على كثرة ما اختلف الناس وتنازعوا في المسائل العلمية والعملية. يقول العلامة الشيخ عبد الغني عبد الخالق ﵀: " لا نجد في كتب الغزالي والآمدي والبزدوي، وجميع من اتبع طرقهم في التأليف من الأصوليين، تصريحا ولا تلويحا بأن في هذه المسألة خلافا، وهم الذين استقصوا كتب السابقين ومذاهبهم، وتتبعوا الاختلافات، حتى الشاذة منها، واعتنوا بالرد عليها أشد الاعتناء" ثم نقل عن صاحب المُسَلَّم، وشارحه: " أن حجية الكتاب والسنة والإجماع والقياس: من علم الكلام، لكن تعرض الأصولي لحجية الإجماع والقياس، لأنهما كثر التشغيب فيهما من الحمقى، من الخوارج والروافض (خذلهم الله تعالى) ، وأما حجية الكتاب والسنة: فمتفق عليها عند الأمة، ممن يدعي التدين كافة، فلا حاجة إلى الذكر " انتهى. انظر: حجية السنة (٢٤٨-٢٤٩) . وانظر: إجابة السؤال (٩٣١١١) [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 10509

أمر النبي ﷺ هل يفيد الوجوب ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل كل ما يأمرنا به رسول الله ﷺ فرض؟ إن كان نعم، فكيف نوفق بين ذلك وبين الحديث الذي معناه: (ما نهيتكم عنه فانتهوا، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) ؟ وإن كان لا، فلماذا مثلا إطلاق اللحية فرض وليس سنة؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: الأوامر الواردة في الشرع على ثلاثة أنواع: الأول: أن يقترن بالأمر قرائن تدل على أن المراد به الوجوب والفرضية , كقوله تعالى:) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ َ) البقرة/٤٣ فقد دلت الأدلة القطعية من الكتاب والسنة وإجماع المسلمين على أن الأمر بإقامة الصلوات الخمس للوجوب. الثاني: أن يقترن بالأمر ما يدل على أنه ليس للوجوب , كقول الرسول ﷺ في صحيح البخاري (١١٨٣) : (صَلُّوا قَبْلَ صَلاةِ الْمَغْرِبِ , قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: لِمَنْ شَاءَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً) . فقوله: (لمن شاء) دليل على أن الأمر في قوله: (صلوا قبل المغرب) ليس للوجوب. الثالث: أن يرد الأمر مجرداً عن القرائن , وهو ما يسميه العلماء بالأمر المطلق , فلم يقترن به ما يدل على أنه للوجوب أو غيره , وحكم هذا الأمر أنه يكون للوجوب. ولذلك يقول العلماء: " الأمر المجرد عن القرائن يفيد الوجوب ". وإلى هذا ذهب جمهور العلماء من المذاهب الأربعة. انظر: "شرح الكوكب المنير" (٣/٣٩) . واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة، من الكتاب والسنة. أما أدلة القرآن فمنها: ١. قول الله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا) الأحزاب/٣٦. فجعل الله جل وعلا أمرَه وأمرَ رسوله مانعاً من الاختيار، وذلك دليل الوجوب اهـ "المذكرة" للشنقيطي (ص ١٩١) . ٢. وقوله : (فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) النور/٦٣. فتوعد الله تعالى المخالفين لأمر الرسول ﷺ بالفتنة وهي الزيغ، أو بالعذاب الأليم، ولا يتوعد بذلك إلا على ترك واجب، فدل على أن أمر الرسول ﷺ المطلق يقتضي الوجوب اهـ "شرح الورقات" للفوزان (ص ٥٩) . وقال القرطبي (١٢/٣٢٢) : بهذه الآية استدل الفقهاء على أن الأمر للوجوب اهـ. ٣. ومن الأدلة على ذلك أيضا: قول الله منكراً على إبليس عدم سجوده بعد أمره بالسجود لآدم: (مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ) الأعراف/١٢. فَقَرَّعَ إبليسَ ووَبَّخَهُ على مخالفة الأمر اهـ "الشنقيطي" (ص ١٩٢) بمعناه. ٤. وقوله سبحانه: (أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي) طه/٩٣. وقال عن الملائكة: (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ) التحريم/٦. فهو دليل على أن مخالفة الأمر معصية اهـ "الشنقيطي" (ص ١٩٢) . ٥. وقوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ) المرسلات /٤٨. وهذا ذمٌّ لهم على ترك امتثال الأمر بالركوع، وهو دليل الوجوب اهـ "الشنقيطي" (ص ١٩١) . وأما أدلة السنة على أن الأمر المطلق للوجوب، فكثيرة: منها: ١. قصة بريرة لما عتقت واختارت فسخ النكاح من زوجها وكان عبدا، وكان زوجها يحبها، وكان يمشي خلفها في طرق المدينة ودموعه تسيل على خده يترضاها لترجع إليه فلم تفعل، فشفع له النبي ﷺ حتى قال لها: كما رواه أبو داود (٢٢٣١) يَا بَرِيرَةُ، اتَّقِي اللَّهَ، فَإِنَّهُ زَوْجُكِ، وَأَبُو وَلَدِكِ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَأْمُرُنِي بِذَلِكَ؟ قَالَ: لا، إِنَّمَا أَنَا شَافِعٌ. قَالَتْ: لا حَاجَةَ لِي فِيهِ. صححه الألباني في صحيح أبي داود (١٩٥٢) . ورواه البخاري (٥٢٨٣) بلفظ آخر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وإنما قالت: (أتأمرني؟) لما استقر عند المسلمين أن طاعة أمره واجبة اهـ الفتاوى (١/٣١٧) . ٢. ومن أدلة السنة أيضاً: قول النبي ﷺ : (لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي أَوْ عَلَى النَّاسِ لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلاةٍ) رواه البخاري (٨٨٧) ومسلم (٢٥٢) . قال الحافظ في الفتح: فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الأَمْر لِلْوُجُوبِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدهمَا: أَنَّهُ نَفَى الأَمْر مَعَ ثُبُوت النَّدْبِيَّة , وَلَوْ كَانَ لِلنَّدْبِ لَمَا جَازَ النَّفْي. ثَانِيهمَا: أَنَّهُ جَعَلَ الأَمْر مَشَقَّة عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَتَحَقَّق إِذَا كَانَ الأَمْر لِلْوُجُوبِ , إِذْ النَّدْب لا مَشَقَّة فِيهِ، لأَنَّهُ جَائِز التَّرْك اهـ. وقال شيخ الإسلام ﵀: وأمر الله ورسوله إذا أطلق كان مقتضاه الوجوب اهـ. الفتاوى (٢٢/٢٩) . ثانياً: لا تعارض بين هذه القاعدة: (الأصل في الأمر أنه للوجوب) وبين قوله ﷺ : (إِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ) رواه البخاري (٧٢٨٨) ومسلم (١٣٣٧) إذ غاية ما فيه أنه قيد امتثال الأمر بالاستطاعة، وهذا من رحمة الشريعة وكمالها، وليس هذا خاصا بأمر الرسول ﷺ ، بل أمر الله تعالى مقيد بالاستطاعة كذلك، كما قال سبحانه: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) التغابن/١٦، وقال: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا) البقرة/٢٨٦. قال النووي ﵀ في شرح مسلم: " قوله ﷺ : (فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم) : هذا من قواعد الإسلام المهمة ومن جوامع الكلم التي أعطيها ﷺ ، ويدخل فيها ما لا يحصى من الأحكام، كالصلاة بأنواعها، فإذا عجز عن بعض أركانها أو بعض شروطها، أتى بالباقي، وإذا عجز عن بعض أعضاء الوضوء أو الغسل، غسل الممكن، وإذا وجد بعض ما يكفيه من الماء لطهارته أو لغسل النجاسة، فعل الممكن، وإذا وجد ما يستر بعض عورته، أو حفظ بعض الفاتحة، أتى بالممكن، وأشباه هذا غير منحصرة، وهي مشهورة في كتب الفقه، والمقصود التنبيه على أصل ذلك " انتهى باختصار. وقد قال الله تعالى في الحج الذي هو ركن من أركان الإسلام، ومن أعظم فرائضه: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) آل عمران/٩٧. وبناء على ما سبق فإن أمر النبي ﷺ بإعفاء اللحية وتوفيرها، يدل على الوجوب والفرضية، لأن الأصل في الأمر أنه يفيد الوجوب، ولم توجد قرينة تصرفه عن ذلك، وانظر تفصيل الكلام على مسألة إعفاء اللحية، في جواب الأسئلة (١١٨٩) ، (٨١٩٦) ، (٤٨٩٦٠) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 10510

نبذة عن مذهب الإمام أبي حنيفة [السُّؤَالُ] ـ[نرجو من فضيلتكم إعطاء نبذة عن الإمام أبي حنيفة وعن مذهبه حيث أنني أسمع البعض ينتقصون من مذهب الإمام وذلك لاعتماده في كثير من الأحيان على القياس والرأي.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الإمام أبو حنيفة هو فقيه الملة عالم العراق أبو حنيفة النعمان بن ثابت التيمي الكوفي، ولد سنة ثمانين في حياة صغار الصحابة ورأى أنس بن مالك لما قدم عليهم الكوفة، وروى عن عطاء بن أبي رباح وهو أكبر شيخ له، وعن الشعبي وغيرهم كثير. وقد عني ﵀ بطلب الآثار وارتحل في ذلك، وأما الفقه والتدقيق في الرأي وغوامضه فإليه المنتهى والناس عليه عيال في ذلك كما يقول الإمام الذهبي، حتى قال:" وسيرته تحتمل أن تفرد في مجلدين ﵁ ورحمه " وكان الإمام فصيح اللسان عذب المنطق، حتى وصفه تلميذه أبو يوسف بقوله:" كان أحسن الناس منطقا وأحلاهم نغمة، وأنبههم على ما يريد "، وكان ورعا تقيا، شديد الذب عن محارم الله أن تؤتى، عرضت عليه الدنيا والأموال العظيمة فنبذها وراء ظهره، حتى ضُرب بالسياط ليقبل تولي القضاء أو بيت المال فأبى. حدث عنه خلق كثير، وتوفي شهيدا مسقيا في سنة خمسين ومائة وله سبعون سنة. [سير أعلام النبلاء ٦ \ ٣٩٠ – ٤٠٣، أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة ص ٦٣] أما المذهب الحنفي فهو أحد المذاهب الأربعة المشهورة المتبوعة، وهو أول المذاهب الفقهية، حتى قيل:" الناس عالة في الفقه على أبي حنيفة "، وأصل المذهب الحنفي وباقي المذاهب أن هؤلاء الأئمة - أعني أبا حنيفة ومالك والشافعي وأحمد - كانوا يجتهدون في فهم أدلة القرآن والسنة، ويفتون الناس بحسب الدليل الذي وصل إليهم، ثم أخذ أتباع أولئك الأئمة فتاوى الأئمة ونشروها وقاسوا عليها، وقعدوا لها القواعد، ووضعوا لها الضوابط والأصول، حتى تكوَّن المذهب الفقهي، فتكوَّن المذهب الحنفي والشافعي والمالكي والحنبلي وتكوّنت مذاهب أخرى كمذهب الأوزاعي وسفيان لكنه لم يُكتب لها الاستمرار. وكما ترى فإن أساس تلك المذاهب الفقهية كان قائما على اتباع الكتاب والسنة. أما الرأي والقياس الذي أخذ به الإمام أبو حنيفة، فليس المراد به الهوى والتشهي، وإنما هو الرأي المبني على الدليل أو القرائن أو متابعة الأصول العامة للشريعة، وقد كان السلف يطلقون على الاجتهاد في المسائل المشكلة " رأيا " كما قال كثير منهم في تفسير آيات من كتاب الله: أقول فيها برأيي، أي باجتهادي، وليس المراد التشهي والهوى كما سبق. وقد توسع الإمام أبو حنيفة في الأخذ بالرأي والقياس في غير الحدود والكفارات والتقديرات الشرعية، والسبب في ذلك أنه أقل من غيره من الأئمة في رواية الحديث لتقدم عهده على عهد بقية الأئمة، ولتشدده في رواية الحديث بسبب فشو الكذب في العراق في زمانه وكثرة الفتن. ويجب ملاحظة أن المذهب الحنفي المنسوب إلى الإمام أبي حنيفة، ليس كل الأقوال والآراء التي فيه هي من كلام أبي حنيفة، أو تصح أن تنسب إليه، فعدد غير قليل من تلك الأقوال مخالف لنص الإمام أبي حنيفة نفسه، وإنما جعل من مذهبه بناء على تقعيدات المذهب المستنبطة من نصوص أخرى للإمام، كما أن المذهب الحنفي قد يعتمد رأي التلميذ كأبي يوسف ومحمد، إضافة إلى أن المذهب يضم اجتهادات لتلاميذ الإمام، قد تصبح فيما بعد هي المذهب، وليس هذا خاصا بمذهب أبي حنيفة، بل قل مثل ذلك في سائر المذاهب المشهورة. فإن قيل: إذا كان مستند المذاهب الأربعة في الأصل الكتاب والسنة، فلماذا وجدنا اختلافا في الآراء الفقهية بينها؟ فالجواب: أن كل إمام كان يفتي بحسب ما وصل إليه من دليل، فقد يصل إلى الإمام مالك حديث فيفتي به، ولا يصل إلى الإمام أبي حنيفة، فيفتي بخلافه، والعكس صحيح، كما إنه قد يصل إلى أبي حنيفة حديث ما بسند صحيح فيفتي به، ويصل إلى الإمام الشافعي نفس الحديث لكن بسند آخر ضعيف فلا يفتي به، ويفتي بأمر آخر مخالف للحديث بناء على ما أداه إليه اجتهاده، ولأجل هذا حصل الخلاف بين الأئمة - وهذا باختصار -، لكن المعول والمرجع في النهاية لهم جميعا إلى الكتاب والسنة. ثم إن الإمام أبا حنيفة وغيره من الأئمة في حقيقة أمرهم وسيرتهم قد أخذوا بنصوص الكتاب والسنة، وإن لم يفتوا بها، وبيان ذلك أن كل الأئمة الأربعة قد نصوا على أنه إن صح حديث ما فهو مذهبهم، وبه يأخذون، وبه يفتون، وعليه يستندون. قال الإمام أبو حنيفة:" إذا صح الحديث فهو مذهبي "، وقال ﵀:" لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه "، وفي رواية عنه:" حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي "، زاد في رواية أخرى:" فإننا بشر، نقول القول اليوم ونرجع عنه غدا "، وقال ﵀:" إذا قلت قولا يخالف كتاب الله تعالى، وخبر الرسول ﷺ فاتركوا قولي " وقال الإمام مالك ﵀:" إنما أنا بشر أخطيء وأصيب، فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه "، وقال ﵀:" ليس أحد بعد النبي ﷺ إلا ويؤخذ من قوله ويترك، إلا النبي ﷺ " وقال الإمام الشافعي ﵀:" ما من أخذ إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله ﷺ ، وتعزب عنه - أي تغيب -، فمهما قلت من قول، أو أصَّلت من أصل، فيه عن رسول الله ﷺ خلاف ما قلت، فالقول ما قال رسول الله ﷺ ، وهو قولي " وقال الإمام أحمد:" لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا "، وقال ﵀:" رأي الأوزاعي ورأي مالك ورأي أبي حنيفة كله رأي، وهو عندي سواء، وإنما الحجة في الآثار - أي الأدلة الشرعية " هذه نبذه يسيرة عن الإمام أبي حنيفة ﵀، ومذهبه، وختاما: لا يسع المسلم إلا أن يعرف لهؤلاء فضلهم، ومكانتهم، على أن ذلك لا يدعوه إلى تقديم أقوالهم على كتاب الله، وما صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسم -، فإن الأصل اتباع الكتاب والسنة لا أقوال الرجال، فكل يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله - صلى الله عليه وسم - كما قال الإمام مالك ﵀. ولمزيد من الفائدة انظر (٥٥٢٣، ١٣١٨٩، ٢٣٢٨٠، ٢١٤٢٠) وانظر المدخل إلى دراسة المدارس والمذاهب الفقهية لعمر الأشقر. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 10511

حول طائفة القرآنيين الضالة [السُّؤَالُ] ـ[هناك جماعة تطلق على نفسها (القرآنيين) وتدعي أنها لن تتبع إلا القرآن، فما رأيك بقولهم؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لقد أثار بعض الناس أن السنة ليست مصدراً للتشريع، وسموا أنفسهم بالقرآنيين، وقالوا: إن أمامنا القرآن، نحل حلاله، ونحرم حرامه، والسنة كما يزعمون قد دس فيها أحاديث مكذوبة على رسول الله ﷺ ، وهؤلاء امتداد لقوم آخرين نبأنا عنهم رسول الله ﷺ ، فقد روى أحمد وأبو داود والحاكم بسند صحيح عن المقدام أن رسول الله ﷺ قال: (يوشك أن يقعد الرجل متكئاً على أريكته يحدث بحديث من حديثي فيقول بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله) الفتح الكبير ٣/٤٣٨ ورواه الترمذي باختلاف في اللفظ، وقال: حسن صحيح (سنن الترمذي بشرح ابن العربي ط الصاوي ١٠/١٣٢) وهؤلاء ليسوا بقرآنيين، لأن القرآن أوجب طاعة الرسول ﷺ فيما يقرب من مائة آية، واعتبر طاعة الرسول ﷺ من طاعة الله (من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً) سورة النساء/٨٠، بل إن القرآن الكريم الذي تدعون التمسك به نفى الإيمان عمن رفض طاعة الرسول ﷺ ولم يقبل حكمه: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً) سورة النساء /٦٥. وقولهم: إن السنة قد دست فيها أحاديث موضوعة مردود بأن علماء هذه الأمة قد عنوا أشد العناية بتنقية السنة من كل دخيل، واعتبروا الشك في صدق راو من الرواة أو احتمال سهوه رداً للحديث. وقد شهد أعداء هذه الأمة بأنه ليست هناك أمة عنيت بالسند وبتنقيح الأخبار ولا سيما المروية عن رسول الله ﷺ كهذه الأمة. ويكفي لوجوب العمل بالحديث معرفة صحّته عن رسول الله ﷺ ، فقد كان ﷺ يكتفي بإبلاغ دعوته بإرسال واحد من الصحابة مما يدل على أن خبر الواحد الثقة يجب العمل به. ثم نسأل هؤلاء أين هي الآيات التي تدل على كيفية الصلاة، وعلى أن الصلوات المفروضة خمس، وعلى أنصبة الزكاة، وعلى تفاصيل أعمال الحج، وغير ذلك من الأحكام التي لا يمكن معرفتها إلا بالسنة. الموسوعة الفقهية ١/٤٤ ولمزيد من معرفة الأدلة الشرعية على حجية السنة النبوية يُنظر السؤال رقم ٦٠٤. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 10512

هل يهجر أهله الذين ينكرون السنة [السُّؤَالُ] ـ[إذا كانت الأسرة تقول للإنسان أن يتبع القرآن فقط ولا يتبع الحديث هل يلقي ﵈ ويهنئهم بالعيد ليقلل الفتنة ولا يضايقهم.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: يجب على كل مسلم أن يؤمن بأحاديث الرسول ﷺ كلها - إن صحت عنه - وألا يرد شيئاً منها؛ لأن أحاديثه وسنته ﷺ وحي من الله، والذي يرد حديث رسول الله ﷺ فقد رد الوحي من الله. قال تعالى: ﴿والنجم إذا هوى. ما ضل صاحبكم وما غوى. وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى. علمه شديد القوى. ذو مرة فاستوى﴾ النجم / ١ - ٦. وقد أوجب الله تعالى على الناس طاعة نبيه ﷺ وأمر بذلك في آيات كثيرة من القرآن نذكر منها: قال الله تعالى: ﴿قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين﴾ آل عمران / ٣٢. وقال: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا﴾ النساء / ٨٠. وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ النساء / ٥٩. وقال: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون﴾ النور / ٥٦. وغير ذلك من الآيات الكثيرة. ومنكر السنة كافر مرتد. قال السيوطي ﵀ في رسالته "مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة": اعلموا رحمكم الله أن من أنكر أن كون حديث النبي ﷺ قولاً كان أو فعلاً بشرطه المعروف في الأصول حجة كفر وخرج عن دائرة الإسلام، وحشر مع اليهود والنصارى أو مع من شاء الله من فرق الكفرة اهـ وهؤلاء الذين يريدون الإكتفاء بالقرآن يسمون القرآنيين، ومذهبهم هذا قديم حذر الرسول ﷺ منه في أكثر من حديث كما سيأتي ضمن كلام شيخ الإسلام. ومن أوضح الأدلة على بطلان هذا المذهب أن القائلين به لا يعلمون به!!! إذ كيف يصلي هؤلاء؟ وكم صلاة يصلون في اليوم والليلة؟ وما هي الأحوال التي تجب فيها الزكاة؟ وما هو نصابها؟ وما القدر الواجب إخراجها منها؟ وكيف يحجون ويعتمرون؟ وكم مرة يطوفون بالكعبة؟ وكم مرة يسعون بين الصفا والمروة؟ ... وأحكام أخرى كثيرة لم يرد تفصيلها في القرآن، وإنما ذكرها القرآن مجملة، وبينها الرسول ﷺ بسنته. فهل يترك هؤلاء العمل بهذه الأحكام بحجة أنها لم ترد في القرآن؟ إن كان جوابهم نعم فقد حكموا على أنفسهم بالكفر لإنكارهم ما هو معلوم من الدين بالضرورة وأجمع المسلمون عليه إجماعاً قطعياً. وإن كان جوابهم أنهم لا يتركون العمل بهذه الأحكام فقد حكموا ببطلان مذهبهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية - بعد ذكره للآيات التي تحث على اتباع الرسول ﷺ ، قال: فهذه النصوص توجب اتباع الرسول وإن لم نجد ما قاله منصوصا بعينه في الكتاب، كما أن تلك الآيات توجب اتباع الكتاب وإن لم نجد ما في الكتاب منصوصاً بعينه في حديث الرسول غير الكتاب. فعلينا أن نتبع الكتاب وعلينا أن نتبع الرسول، واتباع أحدهما هو اتباع الآخر؛ فإن الرسول بلَّغ الكتاب، والكتاب أمر بطاعة الرسول، ولا يختلف الكتاب والرسول ألبتة كما لا يخالف الكتاب بعضه بعضاً قال تعالى: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً﴾ ، والأحاديث كثيرة عن النبي ﷺ في وجوب اتباع الكتاب، وفى وجوب اتباع سنته كقوله: " لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أَمرت به أو نَهيت عنه، فيقول: بيننا وبينكم هذا القرآن، فما وجدنا فيه من حلال حلّلناه، وما وجدنا فيه من حرام حرَّمناه، ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا وإنه مثل القرآن أو أعظم "، هذا الحديث في السنن والمسانيد مأثور عن النبي ﷺ من عدة جهات من حديث أبي ثعلبة وأبى رافع وأبي هريرة وغيرهم. وفى صحيح مسلم عنه من حديث جابر أنه قال في خطبة الوداع: " وقد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده كتاب الله تعالى " (وللحاكم: " كتاب الله وسنتي " صححه الألباني في صحيح الجامع ٢٩٣٧) ، وفى الصحيح عن عبد الله بن أبي أوفى أنه قيل له: هل أوصى رسول الله؟ قال: لا. قيل: فكيف كُتب على الناس الوصية؟ قال: أوصى بكتاب الله ". رواه مسلم (١٦٣٤) وسنة رسول الله تفسر القرآن كما فسرت أعداد الصلوات وقدر القراءة فيها والجهر والمخافتة وكما فسرت فرائض الزكاة ونصبها وكما فسرت المناسك وقدر الطواف بالبيت والسعي ورمي الجمار ونحو ذلك. وهذه السنة إذا ثبتت فإن المسلمين كلهم متفقون على وجوب اتباعها وقد يكون من سنته ما يظن أنه مخالف لظاهر القرآن وزيادة عليه كالسنة المفسرة لنصاب السرقة والموجبة لرجم الزاني المحصن فهذه السنة أيضا مما يجب اتباعه عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر طائف المسلمين. " مجموع الفتاوى " (١٩ / ٨٤ – ٨٦) بتصرف يسير فيما بين القوسين. فالذي جاء به الرسول ﷺ حق كما أن القرآن حق. ثانياً: وأنت – يا أخي – ينبغي عليك ألا تهجر أهلك، وعليك أن تعاملهم بالحسنى، وأن تجتهد معهم بالدعوة إلى اتباع السنة والرضى بها. قال تعالى: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين﴾ النحل /١٢٥. وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴿١٤﴾ وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ لقمان / ١٤ - ١٥. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 10513

هل الإسلام يساوي بين الرجل والمرأة [السُّؤَالُ] ـ[هل هناك ذكر لمساواة المرأة بالرجل في القرآن الكريم؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: مصطلح - المساواة – الذي ينادي به كثير من المفكرين في الشرق والغرب في مجالات الحياة المتعددة مصطلح يقوم على اعوجاج وقلة إدراك لا سيما إن تحدث المتحدث ونسب المساواة للقرآن الكريم أو للدين الحنيف. ومما يخطئ الناس في فهمه قولهم: الإسلام دين المساواة، والصحيح أن يقولوا: الإسلام دين العدل. قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله تعالى -: وهنا يجب أن نعرف أن من الناس من يستعمل بدل العدل المساواة وهذا خطأ، لا يقال: مساواة؛ لأن المساواة تقتضي عدم التفريق بينهما، ومن أجل هذه الدعوة الجائرة إلى التسوية صاروا يقولون: أي فرق بين الذكر والأنثى؟ سووا بين الذكور والإناث، حتى إن الشيوعية قالت: أي فرق بين الحاكم والمحكوم؟ لا يمكن أن يكون لأحد سلطة على أحد حتى بين الوالد والولد ليس للوالد سلطة على الولد، وهلمَّ جرّاً. لكن إذا قلنا بالعدل وهو إعطاء كل أحدٍ ما يستحقه: زال هذا المحذور، وصارت العبارة سليمة، ولهذا لم يأت في القران أبداً: " إن الله يأمر بالتسوية " لكن جاء: ﴿إن الله يأمر بالعدل﴾ النحل/٩٠، ﴿وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾ النساء/٥٨، وكذب على الإسلام مَن قال: إن دين الإسلام دين المساواة، بل دين الإسلام دين العدل وهو الجمع بين المتساوين والتفريق بين المفترقين. أما أنه دين مساواة فهذه لا يقولها مَن يعرف دين الإسلام، بل الذي يدلك على بطلان هذه القاعدة أن أكثر ما جاء في القرآن هو نفي المساواة: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ الزمر/٩، ﴿قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور﴾ الرعد/١٦، ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا﴾ الحديد/١٠، ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم﴾ النساء/٩٥، ولم يأت حرف واحد في القرآن يأمر بالمساواة أبداً إنما يأمر بالعدل، وكلمة العدل أيضا تجدونها مقبولة لدى النفوس فأنا أشعر أن لي فضلاً على هذا الرجل بالعلم، أو بالمال، أو بالورع، أو ببذل المعروف، ثم لا أرضى بأن يكون مساوياً لي أبداً. كل إنسان يعرف أن فيه غضاضة إذا قلنا بمساواة ذكر بأنثى. " شرح العقيدة الواسطية " (١ / ١٨٠-١٨١) . وعليه: فالإسلام لم يساو بين الرجل والمرأة في الأمور التي لو ساوى بينهما لظلم أحدهما؛ لأن المساواة في غير مكانها ظلم شديد. فالقرآن أمر المرأة أن تلبس غير الذي أمر به الرجل، للفارق في فتنة كل من الجنسين بالآخر فالفتنة بالرجل أقل من الفتنة بالمرأة فكان لباسها غير لباسه، إذ ليس من الحكمة أن يأمر المرأة أن تكشف من بدنها ما يكشف الرجل لاختلاف الفتنة في بدنها وبدنه – كما سنبينه -. ثانياً: هناك أمورٌ تختلف فيها المرأة عن الرجل في الشريعة الإسلامية ومنها: ١- القوامة: قال الله تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم﴾ النساء/٣٤. قال ابن كثير – رحمه الله تعالى -: يقول تعالى ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ أي: الرجل قيِّم على المرأة، أي: هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إذا اعوجت. ﴿بما فضل الله بعضهم على بعض﴾ أي: لأن الرجال أفضل من النساء، والرجل خير من المرأة، ولهذا كانت النبوة مختصة بالرجال، وكذلك المُلك الأعظم، لقوله ﷺ " لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة " رواه البخاري من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه، وكذا منصب القضاء، وغير ذلك. ﴿وبما أنفقوا من أموالهم﴾ أي: من المهور والنفقات والكلف التي أوجبها الله عليهم لهن في كتابه وسنة نبيه ﷺ ، فالرجل أفضل من المرأة في نفسه وله الفضل عليها والإفضال فناسب أن يكون قيِّماً عليها كما قال الله تعالى ﴿وللرجال عليهن درجة﴾ الآية. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ يعنى أمراء عليهن أي: تطيعه فيما أمرها الله به من طاعته، وطاعته أن تكون محسنة لأهله حافظة لماله. . " تفسير ابن كثير " (١ / ٤٩٠) . ٢- الشهادة: إذ جعل القرءان شهادة الرجل بشهادة امرأتين. قال الله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾ البقرة/٢٨٢. قال ابن كثير: وإنما أقيمت المرأتان مقام الرجل لنقصان عقل المرأة كما قال مسلم في صحيحه ....عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: " يا معشر النساء تصدقن، وأكثِرن الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقالت امرأة منهن جزلة: وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ قال: تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن، قالت يا رسول الله: ما نقصان العقل والدين؟ قال: أما نقصان عقلها فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل فهذا نقصان العقل وتمكث الليالي لا تصلي وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين ". " تفسير ابن كثير " (١ / ٣٣٦) . وقد يوجد بعض النساء أعقل من بعض الرجال ولكن ليس هذا هو الأصل ولا الأكثر والشريعة مبناها على الأعم الأغلب. وليس نقص عقل المرأة يعني أنها مجنونة ولكن تغلب عاطفتها عقلها في كثير من الأحيان، وتحدث لها هذه الحالة أكثر مما يحدث عند الرجل ولا يُنكر هذا إلا مكابر. ٣- المرأة ترث نصف الرجل: قال الله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ النساء/١١. قال القرطبي: ولأن الله تعالى أعلم بمصالحهم منهم فوضع القسمة بينهم على التفاوت على ما علم من مصالحهم. " تفسير القرطبي " (٥ / ١٦٤) . ومن ذلك أن الرجل عليه نفقات أكثر مما على المرأة فيناسب أن يكون له من الميراث أكثر مما للمرأة. ٤- اللباس: فعورة المرأة تكون في بدنها كله وأقل ما قيل في عورتها أنها لا تكشف إلا الكفين والوجه. وقيل لا تكشف شيئا من ذلك. قال تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيماً﴾ الأحزاب/٥٩. والرجل عورته من السرة إلى الركبة قيل لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب حدثنا ما سمعت من رسول الله ﷺ وما رأيت منه ولا تحدثنا عن غيره وإن كان ثقة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما بين السرة إلى الركبة عورة ". رواه الحاكم في المستدرك (٦٤١٨) . وحسَّنه الألباني في " صحيح الجامع " (٥٥٨٣) . والأمثلة على سبيل التوضيح لا الحصر , وهناك فوارق أخرى بين الجنسين منها: أن الرجل يتزوج أربع نسوة، والمرأة ليس لها إلا زوج واحد. ومن ذلك: أن الرجل يملك الطلاق ويصح منه، ولا يصح منها الطلاق ولا تملكه. ومن ذلك: أن الرجل يتزوج من الكتابية، والمرأة المسلمة لا تتزوج إلا مسلماً. ومن ذلك: أن الرجل يسافر بلا زوجة أو أحد من محارمه،، والمرأة لا تسافر إلا مع محرم. ومن ذلك: أن الصلاة في المسجد حتم على الرجال، وهي على النساء على خلاف ذلك، وصلاتها في بيتها أحب إلى الله. وهي تلبس الحرير والذهب، ولا يلبسه الرجل. وكل ما ذُكر قائمٌ على اختلاف الرجل عن المرأة؛ لأن الذكر ليس كالأنثى، فقد قال الله تعالى: ﴿وليس الذكر كالأنثى﴾ آل عمران/٣٦، فالذكر يفارق الأنثى في أمور كثيرة في قوته، وي بدنه، وصلابته، وخشونته، والمرأة ناعمة لينة رقيقة. ويختلف عنها في العقل إذ عُرف الرجل بقوة إدراكه، وذاكرته بالنسبة إليها، وهي أضعف منه ذاكرة وتنسى أكثر منه،وهذا مشاهد في أغلب العلماء والمخترعين في العالم هم من الرجال، ويوجد بعض النساء أذكى من بعض الرجال وأقوى منهم ذاكرة ولكن هذا لا يُلغي الأصل والأكثر كما تقدم. وفي العواطف فهو يتملكها عند غضبه وفرحه، وهي تتأثر بأقل المؤثرات العاطفية، فدموعها لا تلبث أن تستجيب لأقل حادثة عاطفية. ومن ذلك أن الجهاد على الرجال، والنساء ليس عليهن جهاد القتال، وهذا من رحمة الله بهن ومن المراعاة لحالهن. فحتم أن نقول: وليست أحكام الرجل كأحكام الأنثى. ثالثاً: سوّى الشرع بين المرأة والرجل في كثير من العبادات والمعاملات: فمن ذلك أنها تتوضأ كوضوء الرجل، وتغتسل كغسله، وتصلي كصلاته، وتصوم كصيامه إلا أن تكون في حال حيض أو نفاس، وتزكي كما أنه يزكي، وتحج كحجه – وتخالفه في يسير من الأحكام - ويجوز البيع منها ويقبل، وكذا لو تصدقت جاز منها، ويجوز لها أن تعتق من عبيدها ما ملكت يمينها، وغير ذلك كثير لأن النساء شقائق الرجال كما في الحديث: عن عائشة قالت: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاما، قال: يغتسل، وعن الرجل يرى أنه قد احتلم ولم يجد بللاً، قال: لا غسل عليه، قالت أم سلمة: يا رسول الله هل على المرأة ترى ذلك غسل؟ قال: نعم، إن النساء شقائق الرجال. رواه الترمذي (١١٣) وأحمد (٢٥٦٦٣) وصححه الألباني في " صحيح الترمذي " (٩٨) . فالخلاصة: أن المرأة تماثل الرجل في أمور وتفارقه في أخرى وأكثر أحكام الشريعة الإسلامية تنطبق على الرجال والنساء سواء، وما جاء من التفريق بين الجنسين ينظر إليه المسلم على أنه من رحمة الله وعلمه بخلقه، وينظر إليه الكافر المكابر على أنه ظلم، ويركب رأسه ليزعم المساواة بين الجنسين فليخبرنا كيف يحمل الرجل جنيناً ويرضعه ويركب رأسه وهو يرى ضعف المرأة وما ينزل عليها من الدم حال الدورة الشهرية، وهكذا يظل راكباً رأسه حتى يتحطم على صخرة الواقع، ويظلّ المسلم مطمئناً بالإيمان مستسلماً لأمر الله (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) الملك/١٤ والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 10514

حكم تقليد الكفار ومعنى " ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن " [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم الإسلام في مسألة تقليد الكفار في عاداتهم وتصرفاتهم؟ وما ضوابط ذلك في الشريعة الإسلامية؟ وهل كل تقليد لعمل من أعمال الكفار يعد تقليدا محرماً - علماً بأن هناك كثيرا من أعمال الكفار لا حرمة ولا ذم للشرع فيها، ولا يقصد فاعلها مجرد التقليد للكفار، وإنما وجدها حسنة، وكما قال ابن مسعود ﵁: " ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن " -؟ . أفيدونا أكرمكم الله، مع تركيزي على أن تفصلوا لي في الإجابة، وذكر الضوابط لهذه المسألة.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: ليس المسلمون بحاجة لتقليد أحدٍ من الأمم في شعائر الدين والعبادات، فقد أكمل الله تعالى دينه، وأتمَّ نعمته، ورضي لنا الإسلام ديناً، قال الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً) المائدة/٣ وقد نهى الشرعُ المسلمين عن تقليد الكفار وبخاصة اليهود والنصارى، وهذا النهي ليس عامّاً في كل أمورهم، بل هو فيما كان من أمور دينهم وشعائرهم وخصائصهم التي يتميزون بها. عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْراً بِشِبْرٍ وَذِرَاعاً بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ اليَهُودَ والنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ؟) رواه البخاري (١٣٩٧) ومسلم (٤٨٢٢) . ففي هذا الحديث نهيٌ عن تقليد اليهود والنصارى، وذم من اتبعهم وسلك مسلكهم، وقد أكد الشرع هذا النهي؛ وذلك بوصف من يتشبه بالكفار بأنه منهم. عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ : (من تشبّه بقوم فهو منهم) رواه أبو داود (٣٥١٢) وصححه الشيخ الألباني في " إرواء الغليل " (٢٦٩١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ –: وهذا أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبِّه بهم. " اقتضاء الصراط المستقيم " (٢٣٧) . والمقلِّد للكفار يشعر بعقدة النقص، ويتحلى بالانهزامية والتردي، لذا يسارع إلى سد نقصه بتقليد من يعظمه، ولو وقف هؤلاء على عظمة تشريعات الإسلام، وعرفوا فساد تلك الحضارة التي يركضون خلفها لعلموا أنهم على خطأ، وأنهم تركوا ما هو كمال وحق إلى ما هو نقص وفساد. ثانياً: وأوجه تقليدهم التي نهينا عنها كثيرة: قال الشيخ صالح الفوزان: ومن الأمور التي يجري تقليد الكفار فيها: تقليدهم في أمور العبادات، كتقليدهم في الأمور الشركية من البناء على القبور، وتشييد المشاهد عليها والغلو فيها. وقد قال ﷺ " لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " - البخاري (٤٢٥) ، ومسلم (٥٣١) -، وأخبر أنهم إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه الصور، وأنهم شرار الخلق - البخاري (٤١٧) ، ومسلم (٥٢٨) -، وقد وقع في هذه الأيام من الشرك الأكبر بسبب الغلو في القبور ما هو معلوم لدى الخاص والعام؛ وسبب ذلك: تقليد اليهود والنصارى. ومن ذلك: تقليدهم في الأعياد الشركية والبدعية كأعياد الموالد - كمولد الرسول ﷺ وأعياد موالد الرؤساء والملوك. وقد تسمى هذه الأعياد البدعية أو الشركية بالأيام أو الأسابيع – كاليوم الوطني للبلاد، ويوم الأم وأسبوع النظافة – وغير ذلك من الأعياد اليومية والأسبوعية، وكلها وافدة على المسلمين من الكفار؛ وإلا فليس في الإسلام إلا عيدان: عيد الفطر وعيد الأضحى. وما عداهما فهو بدعة وتقليد للكفار. من خطبة " الحث على مخالفة الكفار " وقد سبق في جواب السؤال رقم: (٤٧٠٦٠) النهي عن التشبه بالكفار في لباسهم الخاص بهم، وفي ما اختصوا به من العادات كمشابهتهم في حلق اللحية. ثالثاً: وتحريم التشبه بالكفار إنما هو في عباداتهم وعاداتهم الخاصة بهم التي يتميزون بها، دون ما يصنعونه ويخترعونه مما يمكن أن يُستفاد منه، فلا حرج على المسلمين من مشاركتهم في هذا، بل ينبغي للمسلمين أن يكونوا السباقين إليه والمبدعين فيه. قال الشيخ ابن عثيمين: وإذا قيل " تَشَبُّهٌ بالكفار " فلا يعني ذلك أن لا نستعمل شيئاً من صنائعهم: فإن ذلك لا يقوله أحد، وقد كان الناس في عهد النبي صلي الله عليه وسلم وبعده يلبسون ما يصنعه الكفار من اللباس، ويستعملون ما يصنعونه من الأواني. والتشبه بالكفار: هو التشبه بلباسهم، وحلاهم، وعاداتهم الخاصة، وليس معناه أن لا نركب ما يركبون، أو لا نلبس ما يلبسون، لكن إذا كانوا يركبون على صفة معينة خاصة بهم فلا نركب على هذه الصفة، وإذا كانوا يفصلون الثياب على صفة معينة خاصة بهم فلا نفصل على هذا التفصيل، وإن كنا نركب مثل السيارة التي يركبونها، ونفصل من نوع النسيج الذي يفصلون منه. " مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (١٢ / السؤال ١٧٧) . وقال: مقياس التشبه أن يفعل امتشبِّه ما يختص به المتشبَّه به، فالتشبه بالكفار أن يفعل المسلم شيئاً من خصائصهم، أما ما انتشر بين المسلمين وصار لا يتميز به الكفار فإنه لا يكون تشبهاً، فلا يكون حراماً من أجل أنه تشبه إلا أن يكون محرماً من جهة أخرى، وهذا الذي قلناه هو مقتضى مدلول هذه الكلمة. " مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (١٢ / السؤال ١٩٨) . وفي جواب على السؤال (٢١٦٩٤) تجد تفصيلاً لحكم التشبه بالكفار وضوابطه، وانظر تفصيلا – كذلك – في جواب السؤال رقم: (٤٣١٦٠) . رابعاً: في حضارة غير المسلمين النافع والضار، فلا نترك النافع منها ونأخذ الضار، وقد لخَّص هذا الموقف الشيخ الشنقيطي – ﵀ – فقال: إن الموقف من الحضارة الغربية ينحصر في أربعة أقسام لا خامس لها: الأول: ترك الحضارة نافعها وضارها. الثاني: أخذها كلها ضارها ونافعها. الثالث: أخذ ضارها دون نافعها. الرابع: أخذ نافعها وترك ضارها. فنجد الثلاثة الأولى باطلة بلا شك، وواحداً فيها صحيحاً بلا شك وهو الأخير. " أضواء البيان " (٤ / ٣٨٢) . خامساً: وأما قول عبد الله بن مسعود ﵁: " ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن "، فليس المراد منه التحسين العقلي المخالف للشرع، فقد قال الإمام الشافعي ﵀: " من استحسن فقد شرع "، وليس المراد منه التحسين الذي يراه واحد من الناس دون عامتهم،، بل هذا الكلام يمكن حمله على أحد معنين، كلاهما صحيح: ١- أن المراد بذلك العمل بالعرف الذي لا يخالف الشرع. ٢- أن المراد بذلك حجية الإجماع، فإذا أجمع المسلمون على استحسان شيء فهذا الإجماع حجة، فيكون هذا الشيء حسناً في حكم الله تعالى، وهذا قد يدل عليه قوله: " ما رآه المسلمون حسناً " انظر المبسوط للسرخسي (١٢/١٣٨) ، الفروسية لابن القيم (ص٢٩٨) هذا إذا اعتبرنا كلام ابن مسعود ﵁ عاماً في جميع المسلمين، مع أنه قد يظهر من سياق كلامه أنه يعني بذلك أصحاب النبي ﷺ دون غيرهم. ونص كلامه: (إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ ﷺ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ فَابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ، يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ، فَمَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ، وَمَا رَأَوْا سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ سَيِّئٌ) رواه أحمد (٣٤١٨) وحسّنه الشيخ الألباني في " تخريج الطحاوية " (٥٣٠) . وعلى أي حال لا يصح الاستدلال بكلام ابن مسعود ﵁ على استحسان ما حرمه الشرع كالتشبه بالمشركين. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 10515

موقفنا من أحاديث فضائل الأعمال الضعيفة [السُّؤَالُ] ـ[ما موقف العلماء من الحديث الضعيف سنده، ولكن متن الحديث فيه حث على فضيلة أو دعاء. نريد إجابة على ذلك.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله اختلف العلماء في العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال فذهب بعضهم إلى جواز العمل به ولكن بشروط، وذهب آخرون إلى منع العمل به. ولخص الحافظ ابن حجر ﵀ شروط جواز العمل بالحديث الضعيف، وهي: ١- أن يكون الضعف غير شديد، فلا يعمل بحديث انفرد به أحدٌ من الكذابين أو المتهمين بالكذب أو من فحش غلطه. ٢- أن يندرج تحت أصل معمول به. ٣- ألا يعتقد عند العمل به ثبوته، بل يعتقد الاحتياط. وليس معنى العمل بالحديث الضعيف أننا نستحب عبادة لمجرد ورود حديث ضعيف بها، فإن هذا لم يقل به أحد من العلماء –كما سيأتي في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية- بل المعنى أنه إذا ثبت استحباب عبادة معينة بدليل شرعي صحيح كقيام الليل مثلا، ثم جاء حديث ضعيف في فضل قيام الليل فإنه لا بأس من العمل بهذا الحديث الضعيف حينئذ، ومعنى العمل به روايته لترغيب الناس في هذه العبادة مع رجاء الفاعل لها أن ينال هذا الثواب الوارد في الحديث الضعيف، لأن العمل بالحديث الضعيف في هذه الحال لا يترتب عليه محظور شرعي كالقول باستحباب عبادة لم تثبت في الشرع، بل إن حصل له هذا الثواب وإلا فلا ضرر عليه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في " مجموع الفتاوى" (١ / ٢٥٠) : ولا يجوز أن يعتمد في الشريعة على الأحاديث الضعيفة التي ليست صحيحة ولا حسنة، لكن أحمد بن حنبل وغيره من العلماء جوزوا أن يروى في فضائل الأعمال ما لم يعلم أنه ثابت إذا لم يعلم أنه كذب، وذلك أن العمل إذا علم أنه مشروع بدليل شرعي وروى حديث لا يعلم أنه كذب جاز أن يكون الثواب حقاً، ولم يقل أحد من الأئمة أنه يجوز أن يجعل الشيء واجباً أو مستحباً بحديث ضعيف، ومن قال هذا فقد خالف الإجماع.. فيجوز أن يروى في الترغيب والترهيب ما لم يعلم أنه كذب، ولكن فيما علم أن الله رغب فيه أو رهب منه بدليل آخر غير هذا المجهول حاله اهـ. وقال أبو بكر بن العربي بعدم جواز العمل بالحديث الضعيف مطلقاً لا في فضائل الأعمال ولا في غيرها.. انظر في ذلك تدريب الراوي (١/٢٥٢) . وهذا القول هو الذي اختاره العلامة الألباني ﵀، وانظر مقدمة كتاب "صحيح الترغيب والترهيب" (١/٤٧-٦٧) . وفيما صح عن النبي ﷺ وثبت عنه من الأحاديث في فضائل الأعمال وغيرها غُنية عن العمل بالحديث الضعيف. فعلى المسلم أن يحرص على معرفة الحديث الصحيح من الضعيف ويكتفي بالعمل بالصحيح. والله تعالى أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 10516

التقليد واتباع الدليل، وهل كان ابن حزم حنبليّاً ؟ [السُّؤَالُ] ـ[كيف يمكن للشخص أن لا يكون مقلداً وفي نفس الوقت يتبع أحد الأئمة الأربعة؟ أسأل هذا السؤال لأنني في سيرة ابن حزم قرأت أنه يتبع مذهب الإمام أحمد ولم يكن مقلداً. أرجو أن توضح هذا لي.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: المتبعون للمذاهب ليسوا على درجة واحدة، بل منهم المجتهد في المذهب، ومنهم المقلد الذي لا يخالف مذهبه في شيء. فالبويطي والمزني والنووي وابن حجر من أتباع الإمام الشافعي لكنهم مجتهدون ويخالفون إمامهم إذا تبين لهم الدليل وكذلك ابن عبد البر من المالكية لكنه يخالف مالكاً إذا كان الصواب مع غيره، ومثل هذا يقال في كبار أئمة الحنفية كأبي يوسف ومحمد الشيباني، وكذا أئمة الحنابلة كابن قدامة وابن مفلح وغيرهم. فتتلمذ الطالب على مذهب لا يعني أنه لا يخرج عنه إذا تبين له الدليل، بل لا يفعل هذا إلا من رق دينه وقلَّ عقله من المتعصبة. ووصية الأئمة الكبار هي أن يأخذ طلاب العلم من حيث أخذوا، وأن يضربوا قول أئمتهم عرض الحائط إذا خالف حديث النبي ﷺ . قال أبو حنيفة: هذا رأيي فمن جاء برأي خير منه قبلناه، وقال مالك: إنما أنا بشر أصيب وأخطئ , فاعرضوا قولي على الكتاب والسنة، وقال الشافعي: إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط , وإذا رأيت الحجة موضوعة على الطريق فهي قولي، وقال الإمام أحمد: لا تقلدني ولا تقلد مالكاً , ولا الشافعي , ولا الثوري , وتعلم كما تعلمنا , وقال: لا تقلد في دينك الرجال , فإنهم لن يسلموا من أن يغلطوا. فليس لأحدٍ أن يقلِّد إماماً بعينه لا يخرج عن أقواله، بل الواجب عليه أن يأخذ بما وافق الحق سواء كان من إمامه أم من غيره. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وليس على أحدٍ من الناس أن يقلِّد رجلاً بعينه في كل ما يأمر به وينهى عنه ويستحبه إلا رسول الله ﷺ ، وما زال المسلمون يستفتون علماء المسلمين فيقلدون تارة هذا وتارة هذا، فإذا كان المقلِّد يقلد في مسألة يراها أصلح في دينه أو القول بها أرجح أو نحو ذلك: جاز هذا باتفاق جماهير علماء المسلمين لم يحرم ذلك لا أبو حنيفة ولا مالك ولا الشافعي ولا أحمد. " مجموع الفتاوى " (٢٣ / ٣٨٢) . وقال الشيخ العلامة سليمان بن عبد الله ﵀: بل الفرض والحتم على المؤمن إذا بلغه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وعلم معنى ذلك، في أي شيء كان، أن يعمل به، ولو خالفه من خالفه، فبذلك أمرنا ربنا ﵎، ونبينا ﷺ ، وأجمع على ذلك العلماء قاطبة، إلا جهال المقلدين وجفاتهم، ومثل هؤلاء ليسوا من أهل العلم كما حكى الإجماع على أنهم ليسوا من أهل العلم أبو عمر ابن عبد البر وغيره. " تيسير العزيز الحميد " (ص ٥٤٦) . وعلى هذا لا بأس أن يكون المسلم تابعاً لمذهب معين، ولكن إذا تبين له الحق في خلاف مذهبه، وجب عليه اتباع الحق. ثانياً: أما ابن حزم فقد كان إماماً مجتهداً، وهو يحرِّم التقليد، ولم يكن تابعاً لأحد من الأئمة، لا الإمام أحمد ولا غيره، بل كان هو إمام أهل الظاهر في زمانه وإلى الآن، ولعل انتسابه للإمام أحمد (إن صح هذا النقل) كان في مسائل العقيدة والتوحيد، على أن عنده مخالفات ومجازفات كثيرة في مسائل الأسماء والصفات. وانظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٨ / ١٨٤- ٢١٢) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 10517

هل تجوز الفتوى بالتقليد ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل تجوز الفتوى بالتقليد؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله فيه أقوال: قال ابن القيم: أحدها: أنه لا يجوز الفتوى بالتقليد؛ لأنه ليس بعلم، والفتوى بغير علم حرام، ولا خلاف بين الناس أن التقليد ليس بعلم، وأن المقلد لا يطلق عليه اسم عالم، وهذا قول أكثر الأصحاب وقول جمهور الشافعية. والثاني: أن ذلك يجوز فيما يتعلق بنفسه، فيجوز له أن يقلد غيره من العلماء إذا كانت الفتوى لنفسه، ولا يجوز أن يقلد العالم فيما يفتي به غيره، وهذا قول ابن بطة وغيره من أصحابنا؛ قال القاضي: ذكر ابن بطة في مكاتباته إلى البرمكي: لا يجوز له أن يفتي بما سمع من يفتي، وإنما يجوز أن يقلد لنفسه، فأما أن يتقلد لغيره ويفتي به فلا. والقول الثالث: أنه يجوز ذلك عند الحاجة وعدم العالم المجتهد، وهو أصح الأقوال، وعليه العمل، قال القاضي: ذكر أبو حفص في تعاليقه قال: سمعت أبا علي الحسن بن عبد الله النجاد يقول: سمعت أبا الحسين بن بشران يقول: ما أعيب على رجل يحفظ عن أحمد خمس مسائل استند إلى بعض سواري المسجد يفتي بها. [الْمَصْدَرُ] " إعلام الموقعين " (١ / ٣٧، ٣٨) .

стр. 10518

هل نأخذ بالتدرج في تطبيق الأحكام [السُّؤَالُ] ـ[ما الفرق بين التدرج في تحريم الخمر، والأمر بالجهاد، حيث إننا مطالبون بآخر نهي في الخمر، ومطالبون بالاستطاعة في الجهاد؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله بعد اكتمال الدين واستقرار أحكام الشريعة بوفاة النبي محمد ﷺ ، فإن أحكام الإسلام تؤخذ بجملتها، ولا يجوز التدرج في الانقياد لأحكامها، كما كان ذلك في أول الإسلام، فالخمر مثلاً يجب على كل مسلم أن يعتقد تحريم شربها ابتداءً، ومن اعتقد غير ذلك - وهو عالم بتحريمها - فهو مرتد؛ لجحده ما هو معلوم تحريمه بالضرورة من دين الإسلام، وبالأدلة الشرعية، وإجماع أهل العلم. وأما الأوامر الشرعية فإن التكليف بها في الإسلام منوط باستطاعة المكلف، فلا يجب على المكلف من الأعمال ما لا يقدر عليه، أو يسبب له مشقة وحرجاً، وكل مسألة بحسبها، فالجهاد مثلاً وجوبه على الشخص، وكذلك وجوبه في الأحوال العامة، كل ذلك على درجات حسب البواعث والأحوال، ولا يقال إن هذا من باب التدرج في التشريع، وقد قال تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) ، وصح عن النبي ﷺ أنه قال: " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ". [الْمَصْدَرُ] من فتاوى اللجنة الدائمة ١٢ / ٢٣٨ - ٢٣٩.

стр. 10519

هل يجوز للمسلم اختيار القول الأسهل من أقوال العلماء [السُّؤَالُ] ـ[عندما يكون هناك خلاف بين العلماء حول مسألة ما, أسمع الكثيرين من الناس يقولون: "حسنا, بما أن في المسألة خلاف, فسأختار أسهل الآراء بالنسبة لي". فهل هذا الفهم صحيح؟ إذا كان الجواب بلا, فكيف يمكن للشخص أن يختار رأيا ليأخذ به في الأمور الخلافية؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ليس بصحيح أن يختار المسلم أسهل الأقوال، لأنه بهذه الطريقة يتنصَّل من التكاليف الشرعية أو جُلِّها، لأنَّ أغلب المسائل العلمية مختلفٌ فيها سوى الأركان، وقديماً قالوا _ من تتبع الرخص فقد تزندق _ وعلى الشخص أن يختار من أقوال العلماء أرجحها من حيث الدليل إن كان أهلاً للنظر والموازنة، وإن لم يكن فعليه أن يُقلِّد أوثق العلماء في نفسه علماً، وديناً، وورعاً. [الْمَصْدَرُ] الشيخ عبد الكريم الخضير

стр. 10520

إدعاء ضعف الثقة بالسنة [السُّؤَالُ] ـ[بعض الناس يرفضون السنة بحجة أن هناك أحاديث ضعيفة وموضوعة كثيرة وأن الوضع وكثرة الوضاعين للحديث أضعف الثقة بالسنة الشريفة. فما رأيكم بهذه الحجة؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذه مقولة عدد من الزنادقة والمنحرفين في القديم والحديث وممن قال بهذا في العصر الحديث صالح أبو بكر في كتاب الأضواء القرآنية وحسين أحمد أمين في كتاب دليل المسلم الحزين وأحمد أمين في كتاب فجر الإسلام وعبد الله النعيم في كتاب نحو تطوير التشريع الإسلامي، وسعيد العشماوي في كتاب حقيقة الحجاب، وصالح الورداني في كتاب الخدعة رحلتي من السنة إلى الشيعة، وعبد الجواد ياسين في كتاب السلطة في الإسلام، ونصر أبو زيد في كتاب الإمام الشافعي، وزكريا عباس داود في كتاب تأملات في الحديث، وحولة نهر في كتاب دراسات محمدية، وموريس بوكاي في كتاب دراسة الكتب المقدسة، ومرتضى العسكر في كتاب خمسون ومائة صحابي مختلق، والدكتور مصطفى محمود في مقالاته عن الشفاعة. ونقول صحيح أنه كان هناك وضاعون وكذابون لفّقوا أقوالاً، ونسبوها إلى رسول الله ﷺ ، ولكن الأمر لم يكن بهذه البساطة التي تخيلها أصحاب هذه الشبهة، وأثاروا بها الوساوس في النفوس، وقد جهلوا الحقائق التي سادت الحياة الإسلامية فيما يتعلق بالسنة النبوية، فقد كان إلى جانب ذلك عدد وفير من الرواة الثقات المتقنين العدول، وعدد وفير من العلماء الذين أحاطوا حديث رسول الله ﷺ بسياج قوي يعسر على الأفاكين اختراقه، واستطاع هؤلاء المحدثون بسعة اطلاعهم، ونفاذ بصيرتهم أن يعرفوا الوضاعين، وأن يقفوا على نواياهم ودافعهم، وأن يضعوا أيديهم على كل ما نُسب إلى رسول الله ﷺ على سبيل الوضع والكذب فهؤلاء الوضاعون لم يُترك لهم الحبل على الغارب يعبثون في الحديث النبوي كما يشاؤون، ولم يترك لهم المجال لأن يندسوا بين رواة الأحاديث النبوية الثقات العدول دون أن يُعرفوا. وإلا فمن إذن الذي كشف كذب الكفرة والزنادقة وغلاة المبتدعين؟. ومَن الذي عرّف بالموضوع، وبأسبابه، وبأصنافه، وبعلاماته، وصنف فيه المصنقات المتعدة؟. إنهم حراس الدين خلفاء الله وجنوده في أرضه، إنهم الجهابذة الذين قال فيهم هارون الرشيد لما أخذ زنديقاً فأمر بضرب عنقه فقال له الزنديق: لَم تضرب عنقي؟ قال: لأريح العباد منك، فقال: يا أمير المؤمنين أين أنت من ألف حديث - وفي رواية أربعة آلاف حديث - وضعتها فيكم، أحرم فيها الحلال، وأحلل فيها الحرام، ما قال النبي منها حرفاً؟ فقال له هارون الرشيد: أين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري وعبد الله بن المبارك؟ فإنهما ينخلانها نخلاً فيخرجانها حرفاً حرفاً. تذكرة الحفاظ للذهبي ١/٢٧٣، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص ١٧٤ يقول الأستاذ محمد أسد: (فوجود الأحاديث الموضوعة إذن لا يمكن أن يكون دليلاً على ضعف نظام الحديث في مجموعه، لأن تلك الأحاديث الموضوعة لم تَخْفَ قط على المحدثين كما يزعم بعض النقاد الأوروبيين عن سذاجة، وتابعهم على ذلك بعض أدعياء من أبناء أمتنا الإسلامية) . الإسلام على مفترق الطريق ص ٩٦ ونختم هذه الشبهة بما ذكره الإمام ابن القيم الجوزية: قال الإمام أبو المظفر السمعاني: (فإن قالوا: قد كثرت الآثار في أيدي الناس واختلطت عليهم، قلنا: ما اختلطت إلا على الجاهلين بها، فأما العلماء بها فإنهم ينتقدونها انتقاد الجهابذة الدراهم والدنانير، فيميزون زيوفها ويأخذون خيارها، ولئن دخل في أغمار الرواة من وسم بالغلط في الأحاديث فلا يروج ذلك على جهابذة أصحاب الحديث، ورواته العلماء حتى إنهم عدّوا أغاليط من غلط في الإسناد والمتون، بل تراهم يعدون على كل واحد منهم كم في حديث غلط، وفي كل حرف حرّف، وماذا صحّف، فإن لم تَرُج عليهم أغاليط الرواة في الأسانيد والمتون، فكيف يروج عليهم وضع الزنادقة، وتوليهم الأحاديث التي يرويها الناس حتى خفيت على أهلها؟ وهو قول بعض الملاحدة، وما يقول هذا إلا جاهل ضال مبتدع كذاب يريد أن يهجّن بهذه الدعوة الكاذبة صحاح أحاديث النبي ﷺ ، وآثاره الصادقة، فيغالط جهال الناس بهذه الدعوى، وما احتج مبتدع في رد آثار رسول الله صلى الله وسلم بحجة أوهن ولا أشد استحالة من هذه الحجة، فصاحب هذه الدعوى يستحق أن يُسف في فِيهِ، ويُنفى من بلد الإسلام. مختصر الصواعق المرسلة ٢/٥٦١ [الْمَصْدَرُ] مجلة البيان عدد١٥٣ ص٢٦.

стр. 10521

هل يُنكر تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان [السُّؤَالُ] ـ[قرأت هذا الكلام (العلماء أجمعوا على أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعرف والحال لذلك يجب الاستفادة من المتغيرات) لكني غير مقتنع به فهل هذا الكلام صحيح؟. أرجو الإجابة مع الاستدلال بالأدلة الشرعية والسنة؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذه القاعدة يعبر عنها بعض العلماء بقولهم: (لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان) ، كما في مجلة الأحكام العدلية المادة ٣٩، وشرح القواعد الفقهية للزرقا ص ٢٢٧ وغير ذلك. وهذه القاعدة إحدى القواعد المتفرعة عن قاعدة " العادة محكمة ". وكلمة " الأحكام " الواردة في القاعدة، مخصوصة بالأحكام المبنية على العرف والعادة، فهذه هي التي تتغير بتغير الزمان والمكان والحال. قال في درر الحكام شرح مجلة الأحكام: (إن الأحكام التي تتغير بتغير الأزمان هي الأحكام المستندة على العرف والعادة ; لأنه بتغير الأزمان تتغير احتياجات الناس , وبناء على هذا التغير يتبدل أيضا العرف والعادة وبتغير العرف والعادة تتغير الأحكام حسبما أوضحنا آنفا , بخلاف الأحكام المستندة على الأدلة الشرعية التي لم تبن على العرف والعادة فإنها لا تتغير. مثال ذلك: جزاء القاتل العمد القتل. فهذا الحكم الشرعي الذي لم يستند على العرف والعادة لا يتغير بتغير الأزمان , أما الذي يتغير بتغير الأزمان من الأحكام , فإنما هي المبنية على العرف والعادة , كما قلنا , وإليك الأمثلة: كان عند الفقهاء المتقدمين أنه إذا اشترى أحد دارا اكتفى برؤية بعض بيوتها [غرفها] , وعند المتأخرين لا بد من رؤية كل بيت منها على حدته , وهذا الاختلاف ليس مستندا إلى دليل , بل هو ناشئ عن اختلاف العرف والعادة - في أمر الإنشاء والبناء , وذلك أن العادة قديما في إنشاء الدور وبنائها أن تكون جميع بيوتها متساوية وعلى طراز واحد , فكانت على هذا رؤية بعض البيوت تغني عن رؤية سائرها , وأما في هذا العصر فإذ جرت العادة بأن الدار الواحدة تكون بيوتها مختلفة في الشكل والحجم لزم عند البيع رؤية كل منها على الانفراد) انتهى من درر الحكام ١/٤٧ لمؤلفه الشيخ علي حيدر، وقريب منه ما في شرح المجلة لسليم رستم ١/٣٦ ومثل الزرقا لهذه القاعدة بقوله: (لما ندرت العدالة وعزت في هذه الأزمان قالوا بقبول شهادة الأمثل فالأمثل والأقل فجورا فالأقل ... وجوزوا تحليف الشهود عند إلحاح الخصم، وإذا رأى الحاكم ذلك؛ لفساد الزمان) شرح القواعد الفقهية ص ٢٢٩ ونبه الدكتور محمد الزحيلي على أن الأصل في الشريعة هو ثبات الأحكام، وأن لفظ الأحكام في القاعدة ليس عاما، وقال: (ولذلك تعتبر القاعدة خاصة واستثناء، مع التذكير بما يلي: ١- إن الأحكام الأساسية الثابتة في القرآن والسنة والتي جاءت الشريعة لتأسيسها بنصوصها الأصلية: الآمرة والناهية، كحرمة الظلم، وحرمة الزنى والربا، وشرب الخمر والسرقة، وكوجوب التراضي في العقد، ووجوب قمع الجرائم وحماية الحقوق، فهذه لا تتبدل بتبدل الزمان، بل هي أصول جاءت بها الشريعة لإصلاح الزمان والأجيال، وتتغير وسائلها فقط. ٢- إن أركان الإسلام وما علم من الدين بالضرورة لا يتغير ولا يتبدل، ويبقى ثابتا كما ورد، وكما كان في العصر الأول لأنها لا تقبل التبديل والتغيير. ٣- إن جميع الأحكام التعبدية التي لا مجال للرأي فيها، ولا للاجتهاد، لا تقبل التغيير ولا التبديل بتبدل الأزمان والأماكن والبلدان والأشخاص. ٤- إن أمور العقيدة أيضا ثابتة لا تتغير ولا تتبدل ولا تقبل الاجتهاد، وهي ثابتة منذ نزولها ومن عهد الأنبياء والرسل السابقين، حتى تقوم الساعة، ولا تتغير بتغير الأزمان) انتهى من: القواعد الفقهية على المذهب الحنفي والشافعي للدكتور محمد الزحيلي ص ٣١٩ وبهذا يتضح أنه لا إشكال في هذه القاعدة، وأنه لا حجة فيها لمن يريد إباحة الربا أو الاختلاط مثلا أو يريد إلغاء الحدود والعقوبات، لتغير الزمان! فإن هذه الأمور المذكورة ثابتة بالنصوص الواضحة من الكتاب والسنة، فلا مجال لتغييرها أو تبديلها، إلا أن ينخلع الإنسان من دينه رأسا. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 10522

هل يتبع المفتي الأسهل ؟. [السُّؤَالُ] ـ[أعرف أنه يجب على الأشخاص العاديين أن يسألوا أهل الذكر إذا كانوا لا يعرفون شيئاً لكن كيف يفرق الإنسان بين الفتاوى التي يطلقها علماء أفاضل ثقات؟ هل يحل لنا اختيار الفتوى الأسهل؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا يحلّ لك اختيار الفتوى الأسهل، وإنما يجب عليك أن تتقي الله سبحانه، ولا تلتفت لهوى النفس، واعقد العزم على أنك ستتبع الحقّ وإن كان مُراً على نفسك، ثم انظر في حال المُفتين وِفق أمرين مهمين: ١) التقى والورع والصلاح. ٢) العلم. فهذان الأمران لا غنى للمفتي عنهما وهما كالجناحين للطائر لا ينفع أحدهما دون الآخر. فإذا رأيت المفتي عليه آثار الصلاح ظاهرة، وبدا لك من ورعه وتقواه ما يجعلك تطمئن إلى أن الهوى لن يقوده للقول على الله بغير علم أو بخلاف الدليل فهذه واحدة. فإذا أضفنا إلى ذلك ما يبدو لك من معرفته بالدليل الشرعي وفقهه فهذا الذي تطمئن النفس إلى فتواه. فإن وجدتّ آخر مثله أو قريبا منه في العلم والتقوى وخالفه في فتواه، فلا بد أن يكون هناك قرينة تجعل قلبك يميل إلى أن الحق مع أحدهما كأن يذكر أدلة العالم الآخر ويردّ عليها. والمفتي كالطبيب، أو لست ترى بعض الأطباء أعلم من غيره؟ وألست ترى أن بعضهم تطمئن له نفسك دون الآخر مما تراه من اهتمامه بمعرفة حقيقة مرضك، وإصغائه لشكواك بكل دقة، وإكثاره من السؤال عن الأمور التي تتعلق بالمرض. بينما ترى الآخر فيه من العجلة في اتخاذ القرار ما يجعلك تتذمر منه وربما أعطاك أدوية لا علاقة لها بالمرض؟ وهكذا فكما تسعى لاختيار الطبيب المناسب لجسدك فلا بد أن تسعى لتجد المفتي كذلك وهو من ترى فيه أنه سيفتيك بما يصحّ معه دينك وإن كان مرّاً على نفسك. [الْمَصْدَرُ] الشيخ سعد الحميد.

стр. 10523

الموقف من خلاف الفقهاء [السُّؤَالُ] ـ[ما معنى هذه العبارة: (هذه مسألة خلافية، هذه مسألة اختلف فيها الفقهاء ... ) ، وما الموقف الصحيح منها؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا نزاع في أن هناك من المسائل ما هي مسائل خلاف واجتهاد بين أهل العلم، وكلام أهل العلم حول مسائل الخلاف والاجتهاد معروف قديماً وحديثاً لكنها تثار اليوم بصورة تخرجها من إطار البحث في مسائل الاجتهاد والخلاف: * فهي في الأغلب تثار حول قضايا لها بُعدٌ اجتماعي أو فكري، وليس المقصود الخلاف الفقهي البحت فكثير من المستغربين على سبيل المثال يثيرون مسائل تتعلق بالمرأة مما نقل فيها خلاف بين أهل العلم، والدافع لذلك أبعد من مجرد الخلاف الفقهي، بل هو تكأة للتغريب سرعان ما يتجاوزون المسألة محل الخلاف إلى ما لا خلاف في تحريمه ومنعه. * أنها تثار من قِبل فئام من الناس ليسوا من أهل العلم والفقه، ولا ممن يفقهون البحث في المسائل الشرعية، إنما يتصدون من أقوال الفقهاء ما يتسق مع أهوائهم. * أنها في الأغلب لا تقتصر على مناطها، فالخلاف الفقهي يُتخذ ذريعة لتنزيله على دائرة أوسع. ومما ينبغي تقريره في هذه العجالة: - أن هناك فرقاً بين مسائل الخلاف ومسائل الاجتهاد، فليست كل مسألة نُقِل فيها خلاف بين أهل العلم تُعَد من المسائل التي لا إنكار فيها، بل ذلك في مسائل الاجتهاد. قال ابن القيم ﵀: (وقولهم: إن مسائل الخلاف لا إنكار فيها ليس بصحيح، فإن الإنكار إما أن يتم توجيه إلى القول والفتوى أو العمل، أما الأول: فإذا كان القول يخالف سنة أو إجماعاً شائعاً وجب إنكاره اتفاقاً، وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد كما اعتقد ذلك طوائف من الناس ممن ليس لهم تحقيق في العلم، والصواب ما عليه الأئمة أن مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوباً ظاهراً مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه، والمسائل التي اختلف فيها السلف والخلف وقد تيقنا صحة أحد القولين فيها كثيرة) إعلام الموقعين ج٣/٢٨٨ - أن المرجع في ذلك كله إلى نصوص الكتاب والسنة فمتى صح الدليل وجب الرجوع إليه والأخذ به، ولم يَسُغ اتباع القول الآخر بحجة الخلاف في المسألة، وحين تُردُّ السنة الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ لأجل أن هناك من خالف في هذه المسألة فهذا يلزم منه أن أقوال النبي ﷺ وأوامره لا تكتسب شرعيتها إلا حين يتفق عليها الناس فمخالفة أحد لها أياً كان سبب ذلك ينزع عنها هذه الشرعية ويجعل الأمر واسعاً، وهذا مسلك خطير يحتاج صاحبه إلى أن يراجع إيمانه. - لابد من الاعتناء بتربية الناس على التسليم لله ﵎ وتعظيم نصوص الشرع، وأخذ الدين بقوة، والبعد عن تتبع الرخص وزلات العلماء. - الحذر من الدخول في جدل فقهي مع أمثال هؤلاء حول هذه المسائل محل النقاش فهذا الذي يسعون إليه ويريدونه، فمن الممكن والمقبول أن يبحث المرء المسألة ويناقشها مع طلبة للعلم يدركون اللغة العلمية الفقهية، ويريدون الحق ويسعون إليه، أما أولئك الذين يثيرون هذه المسائل فليسوا يجيدون فهم اللغة العلمية، ولا يعون مقاصد الشريعة، إنما هم رعاع متطفلون، قادهم الهوى إلى الخوض في دين الله . بقلم محمد بن عبد الله الدويش [الْمَصْدَرُ] مجلة البيان العدد ١٥٣ ص٢٨.

стр. 10524

متى يحق للشاب أن يجتهد ويفتي [السُّؤَالُ] ـ[متى يحق للشاب أن يجتهد ويفتي؟ حيث أن عددا من الشباب إذا تدينوا، قد يخوضون في الأدلة، ويتكلمون في أحكام الحوادث والمسائل التي تقع تحليلا وتحريما، ويقولون بآرائهم في الأحكام الفقهية لبعض المستجدات في الأمور.]ـ [الْجَوَابُ] إن الاجتهاد في المسائل له شروط، وليس يحق لكل فرد أن يفتي ويقول في المسائل إلا بعلم وأهلية، وقدرة على معرفة الأدلة، وما يكون منها نصا أو ظاهرا، والصحيح والضعيف، والناسخ والمنسوخ، والمنطوق والمفهوم، والخاص والعام، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، ولا بد من طول ممارسة، ومعرفة بأقسام الفقه وأماكن البحث، وآراء العلماء والفقهاء، وحفظ النصوص أو فهمها، ولا شك أن التصدي للفتوى من غير أهلية ذنب كبير، وقول بلا علم، وقد توعد الله على ذلك بقوله تعالى: " ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون " سورة النحل ١١٦، وفي الحديث: " من أفتى بغير ثبت فإنا إثمه على من أفتاه " صحيح رواه الإمام أحمد (٢/ ٣٢١) ، وعلى طالب العلم أن لا يتسرع في الفتوى، ولا يقول في المسألة إلا بعد أن يعرف مصدر ما يقوله ودليله ومن قال به قبله، فإن لم يكن أهلا لذلك فليعط القول باريها، وليقتصر على ما يعرف، ويعمل بما حصل عليه، ويواصل التعلم والتفقه حتى يحصل على حاله يكون فيها أهلا للإجتهاد، والله الهادي إلى الصواب. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 10525

الحكمة من التوجه للكعبة [السُّؤَالُ] ـ[أرجو أن تتمكن من مساعدتي، لقد أسلمت منذ عامين، وعائلتي تجد أنه من الصعب عليها أن تقبل بالعبادات التي أمارسها، وقد أثرت مشكلة مؤخراً بسبب الصلاة، وأصررت على تأديتها، وقد قبلتْ عائلتي أن أصلِّي، والحمد لله، بعد أن شاهد أفرادها أني أصبحت منزعجة وأصبت بالأرق لأني أعيش في بيت لا يُسمح أفراده لي بتأدية أركان الإسلام الأساسية، وهم - ولله الحمد - يسألونني أسئلة، منها: " لماذا نتوجه – نحن المسلمين - إلى الكعبة، إن كنا لا نعبدها، حيث أننا نسجد في اتجاهها؟ "، وقد حاولت أن أشرح لهم أننا نسجد لله وليس للكعبة، وأن الكعبة هي لأسباب التوحد، ولأن (الحرم) هو أول بيت لله. وسأكون مقدرة إذا ساعدتني في شرح المسألة بشكل مفصَّل، حتى أحيط بها أنا شخصيّاً، وأشرح ذلك لأفراد عائلتي ولغيرهم من الكفار، كما أرجو منك أن تدعو بأن يهديهم الله الصراط المستقيم.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله وبعد: فالحمد لله الذي هدانا للإسلام، ونسأله أن يثبتنا عليه حتى نلقاه إنه سميع مجيب، والحمد لله الذي وفقك أيتها الأخت المسلمة على الحرص على صلاتك، وإظهار شعائر دينك، ونسأل الله أن يهدي أهلك ويقر عينك بإسلامهم..آمين أما بالنسبة لتوجهنا ـ نحن المسلمين للكعبة ـ؛ فاعلمي وفقك الله لهداه: أن هذا الكون ليس فيه إلا خالق ومخلوق، وعابد ومعبود، فالخالق والمعبود بحقٍّ هو الله وحده، وما سواه فهو مخلوق عابدٌ إما طوعاً واختياراً - وهو حال أهل الإيمان - أو قهراً وهو حال أهل الكفر والعصيان، وعبوديتهم لله هي خضوعهم لتصرفه بهم، ولا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، فالله هو الذي أحياهم ومتى شاء أماتهم، وإن شاء الله أمرضهم، وإن شاء شفاهم، ويُغنيهم سبحانه متى شاء، ويفقرهم متى شاء، فسبحانه وبحمده لا رب سواه ولا معبود إلا إيَّاه. أما عباده المؤمنون فهم مختَبرون ممتحنون في هذه الدنيا القصيرة الفانية، فإن نجحوا وأفلحوا في إثبات عبوديتهم لربهم وإظهار أعلى درجات الخضوع له سبحانه: عوَّضهم عن ذلك ـ بكرمه وفضله ـ جنات عظيمة، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ومن أنواع هذه الامتحانات: أن يأمرهم بأشياء لا تستطيع عقولهم معرفة الحكمة منها إلا التسليم والطاعة وهذا ليتبين الصادق في دعوى الإيمان من الكاذب، فهو سبحانه خالق العقل، وهو الذي أمر بالأمر، فمن استجاب وخضع وقال: سمعت وأطعت وإن لم أفهم الحكمة والعلة؛ لأني مقر ببشريتي وضعفي وعبوديتي لله؛ والله سبحانه لا يُسأل عما يفعل: فهو المؤمن الذي يرجى له الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة. وهذا هو حال أصحاب النبي ﷺ كما روى البخاري (١٥٩٧) ومسلم (١٢٧٠) في " صحيحيهما " عن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه أنه قال عن الحجر الأسود وهو يقبِّله: " والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبّلتك "، فنحن المسلمين حين نصلِّي لجهة الكعبة نصلي إليها لأن الله أمرنا بذلك، ولو أمرنا بالصلاة إلى غيرها لفعلْنا ولا بد، وهكذا في كثير من العبادات فنصلي الظهر أربعاً والمغرب ثلاثاً والفجر ركعتين؛ لأن الله أمرنا بذلك، ونحن نطوف بالبيت سبعاً، ونرمي الجمار سبعاً ولا يجوز لنا أن نزيد على ذلك بحال، كل هذا لأن الله أمرنا بذلك. وهكذا فمن كان يستشعر هذه المعاني وهو يؤدِّي مثل هذه العبادات فستزداد عبوديته لله ولا بد، وهذا يزيده إيماناً وقرباً من ربِّه فيجد في قلبه لذةً عظيمةً وسعادةً غامرةً وراحةً بالغةً تجعله يشتاق إلى العبادة ويحبُّها؛ لأنه يستشعر حين يؤدِّي العبادة أنَّه يؤدِّيها لله ولولا الله ما أداها، فتصبح كلُّ عبادةٍ تقربه من ربه وتزيد في إيمانه حتى يلقى الله فيكرمه بما يُكرم به عباده الصالحين. وأما مَن عاند واستكبر وقال لا أفعل حتى أفهم: فهذا فيه شبه من إبليس حين اعترض على الله فقال كما حكى الله عنه في القرآن ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً﴾ الإسراء/٦١، وهذا يكفي في بيان خطورة معاندة الشرع بالعقل، بل إنَّ الله سبحانه جعل مِن أخصِّ صفات المؤمنين المتقين الإيمان بالغيب، فقال سبحانه ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ البقرة /٢، ٣، فجعل أول صفةٍ تميِّز المؤمنين عن غيرهم أنهم يؤمنون بما يغيب عن إدراكهم سواء كان هذا الإدراك بالحس أو بالعقل. ومما ينبغي الإشارة إليه هنا أن صلاتنا تجاه الكعبة لا علاقة لها ببناء الكعبة، إنما بمكانه، وعليه: فلو فُرضَ هدمُها فإن الصلاة باقية لاتجاهها لا لبنائها. ولذلك نجد المسلمين يصلون الآن في الطابق الثاني وفي السطح في حرم الله إلى جهة الكعبة ولو لم يكن البنيان أمامهم في المستوى وهكذا يفعل الملايين من المسلمين في العالم يصلُّون لاتجاه الكعبة وهم لا يرونها وهنا يتبين فارقٌ كبيرٌ بين تشريع الإسلام وبين فِعل المشركين الذين تزول عباداتهم لأصنامهم وأحجارهم وأشجارهم بزوالها، فالمشرك إذا لم يَر معبوده وصنمه لم يتوجه إليه. نسأل الله أن يرزقنا الإيمان الصادق، وأن يثبتنا عليه حتى نلقاه.. آمين. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 10526

تطبيق قانون غير مذكور في القرآن والسنة [السُّؤَالُ] ـ[هل كل قانون ليس مذكوراً في القرآن والسنة يكون تطبيقه كفر؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قال الشيخ الشنقيطي: اعلم أنه يجب التفصيل بين النظام الوضعي الذي يقتضي تحكيمه الكفر بخالق السموات والأرض وبين النظام الذي لا يقتضي ذلك، وإيضاح ذلك أن النظام قسمان: إداري وشرعي، أما الإداري الذي يراد به ضبط الأمور وإتقانها على وجه غير مخالف للشرع: فهذا لا مانع منه ولا مخالف فيه من الصحابة فمَن بعدهم، وقد عمل عمر – ﵁ – من ذلك أشياء كثيرة ما كانت في زمن الرسول ﵌ ككتابته أسماء الجند في ديوان من أجل الضبط ومعرفة من غاب ومن حضر كما قدمنا إيضاح المقصود منه في سورة " بني إسرائيل " في الكلام على العاقلة التي تحمل دية الخطأ مع أن النبي ﵊ لم يفعل ذلك ولم يعلم بتخلف كعب بن مالك عن غزوة تبوك إلا بعد أن وصل تبوك ﵌ وكشرائه – أعني عمر ﵁ – دار صفوان بن أمية وجعله إياها سجناً في مكة المكرمة مع أنه ﵌ لم يتخذ سجناًلا هو ولا أبو بكر، فمثل هذا من الأمور الإدارية التي تفعل لإتقان الأمور، كتنظيم شؤون الموظفين وتنظيم إدارة الأعمال على وجه لا يخالف الشرع، فهذا النوع من الأنظمة الوضعية لا بأس به ولا يخرج عن قواعد الشرع من مراعاة المصالح العامة. وأما النظام الشرعي المخالف لتشريع خالق السموات والأرض فتحكيمه كفر بخالق السموات والأرض كدعوى أن تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ليس بإنصاف وأنهما يلزم استوائهما في الميراث وكدعوى أن تعدد الزوجات ظلم وأن الطلاق ظلم للمرأة وأن الرجم والقطع ونحوهما أعمال وحشية لا يسوغ فعلها بالإنسان ونحو ذلك. فتحكيم هذا النوع من النظام في أنفس المجتمع وأموالهم وأعراضهم وأنسابهم وعقولهم وأديانهم: كفرٌ بخالق السموات والأرض، وتمرد على نظام السماء الذي وضعه مَن خلق الخلائق كلها وهو أعلم بمصالحها عن أن يكون معه مشرِّع آخر علوّاً كبيراً (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) الشورى/٢١، (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) يونس/٥٩، وقد قدمنا جملة وافية من هذا النوع في سورة " بني إسرائيل " في الكلام على قوله تعالى: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ...) الآية. [الْمَصْدَرُ] " أضواء البيان " (٤ / ٩٣) .

стр. 10527

لا يوجد في الإسلام علوم شرعية سرية خاصة بالأولياء [السُّؤَالُ] ـ[ما هو حكم من يدعي أن أحكام القرآن للأنبياء والعامة وأن العلم اللدني الباطني الذي تلقاه الأولياء هو للخاصة من الأولياء؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قال الشنقيطي: قال القرطبي – ﵀ في تفسيره – ما نصه: " قال شيخنا أبو العباس: " ذهب قوم من زنادقة الباطنية إلى سلوك طريق لا تلزم هذه الأحكام الشرعية فقالوا: هذه الأحكام الشرعية العامة إنما يحكم بها على الأنبياء والعامة وأما الأولياء وأهل الخصوص فلا يحتاجون إلى تلك النصوص بل إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم ويحكم عليهم بما يغلب عليهم من خواطرهم وقالوا: وذلك لصفاء قلوبهم عن الأكدار وخلوها عن الأغيار فتتجلى لهم العلوم الإلهية والحقائق الربانية فيقفون على أسرار الكائنات ويعلمون أحكام الجزيئات فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات كما اتفق للخضر فإنه استغنى بما تجلى له من العلوم عما كان عند موسى من تلك الفهوم وقد جاء فيما ينقلون: " استفت قلبك وإن أفتاك المفتون. " قال شيخنا ﵁: " وهذا القول زندقة وكفر يقتل قائله ولا يستتاب لأنه إنكار ما علم من الشرائع فإن الله تعالى قد أجرى سنته وأنفذ حكمته بأن أحكامه لا تعلم إلا بواسطة رسله السفراء بينه وبين خلقه وهم المبلغون عنه رسالته وكلامه المبينون شرائعه وأحكامه اختارهم لذلك وخصهم بما هنالك كما قال تعالى: (الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير) الحج/٧٥. قال شيخنا أبو العباس: ذهب قوم من زنادقة الباطنية إلى سلوك طريق تلزم هذه الأحكام الشرعية فقالوا هذه الأحكام الشرعية العامَّة إنما يحكم بها على الأنبياء والعامة وأما الأولياء وأهل الخصوص فلا يحتاجون إلى تلك النصوص بل إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم ويحكم عليهم بما يغلب عليهم من خواطرهم وقالوا وذلك لصفاء قلوبهم عن الأكدار وخلوها عن الأغيار فتتجلى لهم العلوم الإلهية والحقائق الربانية فيقفون على أسرار الكائنات ويعلمون أحكام الجزيئات فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات كما اتفق للخضر فإنه استغنى بما تجلى له من العلوم عما كان عند موسى من تلك الفهم وقد جاء فيما ينقلون " استفت قلبك وإن أفتاك المفتون ". قال شيخنا ﵁: وهذا القول زندقة وكفر يقتل قائله ولا يستتاب لأنه إنكار ما علم من الشرائع فإن الله تعالى قد أجرى سنته وأنفذ حكمته بأن أحكامه لا تعلم إلا بواسطة رسله السفراء بينه وبين خلقه وهم المبلغون عنه رسالته وكلامه المبينون شرائعه وأحكامه اختارهم لذلك وخصهم بما هنالك كما قال تعالى: (الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس إن الله سميع بصير) ، وقال تعالى: (الله أعلم حيث يجعل رسالته) الأنعام/١٢٤ وقال تعالى: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين) البقرة/ ٢١٣ إلى غير ذلك من الآيات، وعلى الجملة فقد حصل العلم القطعي واليقين الضروري واجتماع السلف والخلف على أن لا طريق لمعرفة أحكام الله تعالى التي هي راجعة إلى أمره ونهيه ولا يعرف شيء منها إلا من جهة الرسل فمن قال: إن هناك طريقا أخرى يعرف بها أمره ونهيه غير الرسل بحيث يستغنى عن الرسل فهو كافر يقتل ولا يستتاب ولا يحتاج معه إلى سؤال ولا جواب ثم هو قول بإثبات أنبياء بعد نبينا ﵊ الذي قد جعله الله خاتم أنبيائه ورسله فلا نبي بعده ولا رسول. وبيان ذلك أن من قال يأخذ عن قلبه وأن ما يقع فيه حكم الله تعالى وأنه يعمل بمقتضاه وأنه لا يحتاج مع ذلك إلى كتاب ولا سنة فقد أثبت لنفسه خاصة النبوة فإن هذا نحو ما قاله ﵊: " إن روح القدس نفث في روعي. " الحديث، انتهى من تفسير القرطبي. وما ذكره في كلام شيخه المذكور من أن الزنديق لا يستتاب هو مذهب مالك ومن وافقه وقد بينا أقوال العلماء في ذلك وأدلتهم وما يرجحه الدليل في كتابنا " دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب " في سورة " آل عمران ". [الْمَصْدَرُ] " أضواء البيان " (٤ / ١٧٤، ١٧٥) .

стр. 10528

الموقف من الإسرائيليات [السُّؤَالُ] ـ[ما موقفنا من الإسرائيليات؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قال الشيخ الشنقيطي: ومن المعلوم أن ما يروى عن بني إسرائيل من الأخبار المعروفة بالإسرائيليات له ثلاث حالات في واحدة منها يجب تصديقه وهي ما إذا دل الكتاب أو السنة الثابتة على صدقه، وفي واحدة يجب تكذيبه وهي إذا ما دل القرآن والسنة على كذبه، وفي الثالثة لا يجوز التكذيب ولا التصديق ... وهي ما إذا لم يثبت في كتابٍ ولا سنَّة صدقه ولا كذبه. وبهذا التحقيق تعلم أن القصص المخالفة للقرآن والسنة الصحيحة التي توجه بأيدي بعضهم زاعمين أنها في الكتب المنزلة يجب تكذيبهم فيها لمخالفتها نصوص الوحي الصحيح التي لم تحرف ولم تبدل والعلم عند الله تعالى. [الْمَصْدَرُ] " أضواء البيان " (٤ / ٢٠٣، ٢٠٤) .

стр. 10529

هل السنّة تحكم في أمور الناس الدنيوية [السُّؤَالُ] ـ[هناك فرقة لا تقل خطراً عن الفرقة التي ترفض السنة تقول: إننا نقبل السنة كمصدر تشريعي فيما يتصل بالعبادات، أما فيما يتصل بأمور الدنيا من تشريعات أو سلوك فلسنا ملزمين بشيء من السنّة فيها، ويتعلقون بشبهة واهية، وهي حادثة تأبير النخل. فما هو الردّ عليهم؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قصة تأبير النخل حاصلها أن رسول الله ﷺ حينما هاجر إلى المدينة رأى أهلها يؤبّرون النخل (أي يلقحون إناث النخل بطلع ذكورها) فقال لهم: " لو لم تفعلوا لصلح " فتركوه فشاص (أي فسد وصار حمله شيصاً وهو رديء التمر) فمرّ بهم فقال: " ما لنخلكم؟ " قالوا: قلتَ كذا وكذا قال: " أنتم أعلم بأمر دنياكم ". رواه مسلم ٤٣٥٨ هذا الخبر إن دل على شيء فإنما يدل على أن الأمور الدنيوية التي لا صلة لها بالتشريع تحليلاً أو تحريماً أو صحة أو فساداً، بل هي من الأمور التجريبية، لا تدخل تحت مهمة الرسول ﷺ كمبلّغ عن ربه، بل هذا الحديث يدل على أن مثل هذه الأمور خاضعة للتجربة، والرسول ﷺ بهذا كان قدوة عملية لحثنا على أن الأمور الدنيوية البحتة التي لا علاقة لها بالتشريع ينبغي علينا أن نبذل الجهد في معرفة ما هو الأصلح من غيره، وأن نبحث ونستكشف بإجراء التجارب وتحليل المشاهدات وغيرها سائر ما ينفعنا في مجالات التطوير والتحسين في أمور الزراعة والصناعة والبناء وغيرها وأنّ الأمر الذي سكتت فيه الشّريعة فلم تأت فيه بحكم معيّن فالعمل فيه مباح لنا بحسب الضوابط الشّرعية العامة كقاعدة لا ضرر ولا ضرار وهكذا. وشتان بين هذه الحادثة ومدلولاتها وبين أن يرد عن الرسول ﷺ أن هذا حلال أو حرام، أو أن هذا الأمر موجب للعقوبة أو غير موجب، أو أن هذا البيع صحيح أو غير صحيح، إلى آخر ذلك في أمور الدنيا والدين لأن هذه الصور من صلب وظيفة الرسول ﷺ الذي أوجب الله علينا طاعته في كل ما يبلغ عن ربه. الموسوعة الفقهية ١/٤٥ والذين يحاولون حصر الدّين في الشّعائر التّعبدية فقط كالصلاة والصيام والحجّ ويريدون عزل الدّين عن التحكّم في مجالات الحياة المختلفة كالمجال الاجتماعي والاقتصادي والسّياسي ويقولون إنّ هذا من شأن البشر يفعلون فيه ما يريدون ويحكمون ويشرّعون ما يشتهون ويشاؤون هم كفرة مجرمون لا يريدون أن يجعلوا لشريعة الله سلطانا على حياة النّاس ولا يريدون أن يضبط الإسلام شؤون البشر مع أنّ الله أنزله حاكما ومنظّما وضابطا لا تصلح الحياة إلا به ولا تحصل السّعادة إلا بحكمه، والنّاس بدونه في تخبّط وضياع وظلم كما نشاهد اليوم في جميع المجتمعات التي لا تحكمها شريعة الله. نسأل أن يهدينا للحقّ ويفتح أبصارنا لمعرفته ويرزقنا قبوله واتّباعه، وصلى الله على نبينا محمد. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 10530

كيف تطور الفقه الإسلامي ؟ [السُّؤَالُ] ـ[كيف تطور علم الفقه؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله كان المسلمون يتلقون الأحكام الشرعية في حياة النبي ﷺ منه مباشرة، وكان القرآن ينزل مرشدا وموجها ومفتيا كما قال تعالى: (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ...) ، وموضحا لما أشكل على النبي ﷺ والصحابة، كما في قصة المرأة التي استفتت النبي ﷺ في ظهار زوجها لها فنزل بسبب ذلك صدر سورة المجادلة وهكذا. وكان النبي ﷺ يبعث من أصحابه من يعلم المسلمين الجدد أحكام عباداتهم ويفتيهم، وكان النبي ﷺ يفسح لهم المجال للاجتهاد في فهم النصوص الشرعية؛ فربما أقرهم وربما صوَّبَهُم. وكان يفتي في عهد النبي ﷺ عدد من الصحابة ذكر بعض أهل العلم أنهم ١٤ نفساً، والحق أنهم أكثر من ذلك. فكان النبي صلى الله ﵇ أمام الناس ومعلمهم، وكان اللسان العربي إذ ذاك مستقيما فلم يكن في ذلك العهد المبارك اختلافات متباينة، وبالتالي كان موت النبي ﷺ يُعَدُّ خسارةً كبيرة للأمة بفقدها لقائدها وموجهها والقدوة الكاملة لها. فعَنْ أَنَس ابن مالك قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعُمَرَ انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ نَزُورُهَا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزُورُهَا فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ فَقَالا لَهَا مَا يُبْكِيكِ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ ﷺ فَقَالَتْ مَا أَبْكِي أَنْ لا أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ ﷺ وَلَكِنْ أَبْكِي أَنَّ الْوَحْيَ قَدْ انْقَطَعَ مِنْ السَّمَاءِ فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ فَجَعَلا يَبْكِيَانِ مَعَهَا." رواه مسلم (٢٤٥٤) . لكنه ﷺ لم يمت إلا وقد اكتمل الدين. ومن خصائص هذا الدين - الذي اكتمل بنيانه في عهد النبي ﷺ أنه يحوي الخصائص التي تؤهله للبقاء والاستمرار مدى الدهر. وبالتالي فقد بقي الدين والفقه بعد وفاة النبي ﷺ وإلى اليوم، فاقتدى الناس بعد وفاته ﷺ بهديه وهدي الخلفاء الراشدين من بعده، وكان أبو بكر ﵁ يقضي بينهم ويفتيهم بما وجده في القرآن والحديث،" فإن أعياه خرج فسأل المسلمين فقال: أتاني كذا وكذا فهل علمتم أن رسول الله ﷺ قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكر من رسول الله فيه قضاء. فيقول أبوبكر: الحمدلله الذي جعل فينا من يحفظ على نبينا. فإن أعياه أن يجد فيه سنة من رسول الله ﷺ جمع رؤوس الناس وخيارهم فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به " وهكذا فعل عمر ﵁ من بعده. ثم إن الصحابة ﵃ تفرقوا في الأمصار معلمين ومجاهدين بعد أن اتسعت رقعة البلاد الإسلامية، وكان كل منهم يفتي بما بلغه من القرآن أو السنة أو بعملٍ رأى أبابكر أو عمر يفعلانه أو بما أداه إليه اجتهاده. والمفتون من الصحابة أكثر من المائة، المكثرون منهم -كما يقول ابن القيم - سبعة، وهم: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر ﵃ جميعا. وكان عمر ﵁، وابنه، وزيد بن ثابت ﵃ بالمدينة، وتخرج بهم عدة تلاميذ من أمثال: سالم بن عبد الله بن عمر، ونافع وغيرهما وانتهى علمهم إلى الفقهاء السبعة ثم إلى الإمام مالك بن أنس الأصبحي. وكان ابن مسعود ثم علي ﵄ بالكوفة وقد استفاد منهما عدة من التابعين، أمثال: علقمة والأسود ومسروق وشريح القاضي وصلة بن زفر وأمم غيرهم حتى انتهى ذلك إلى الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت. وقد انتشر الفقه والعلم في الأمة عن أصحاب ابن مسعود، وأصحاب زيد بن ثابت، وأصحاب عبد الله بن عمر، وأصحاب عبد الله بن عباس. وكان ذلك في الكوفة والمدينة ومكة على التوالي. وكان هؤلاء التابعون يُسْتَفْتَون وأكابر الصحابة حاضرون يُجَوِّزُون لهم ذلك. فمثلا كان ابن عمر يقول عن سعيد ابن المسيب: إنه أحد المفتين أو المقتدى بهم. وقال فيه: لو رآه النبي ﷺ لَسُرَّ بِه. ثم عن طريق هؤلاء انتشر العلم في الآفاق، ثم دُوِّنت الأحاديث وكثر طلابها المشتغلون بحفظها وكتابتها وانتشر العلم في الأرض وكان الغالب على الناس الدين واورع، وكان هذا يمنع من أن يتكلم أحدهم بغير علم أو أن ينصب نفسه لذلك وهو ليس له بأهل، ثم كثر الخلاف ودخل في العلم من لو أمسك عنه لكان خيرا له فكان من حكمة الله تعالى أن يُضْبَطَ الدِّين ويُحْفَظ بأئمة مجمع على إمامتهم ودرايتهم وبلوغهم الغاية القصوى في مرتبة العلم بالأحكام والفتوى، وأظهر الله ذكرهم، ونشر في العالمين فضلهم، وانثال عليهم الطلاب متعلمين متفهمين ودونت آراؤهم وكانت المذاهب الإسلامية السنية المتبعة للحق من الكتاب والسنة والنابذة للابتداع في الدين، بحسب ما نقله التلاميذ من الأئمة الكبار، فصارت مسائلُ وأحوالُ كلِ إمامٍ مذهباً متبعا. والمشهور من هذه المذاهب اليوم إلا أربعة مذاهب منتشرة وهي: المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي. وهي مذاهب يتفق أصحابها في أكثر الأمور وأهمها من الدين، والخلافات حصلت في فهمهم وما وصل إليهم من الأدلة في بعض فرعيات المسائل وكلهم على خير رحمهم الله تعالى. ثم تطور كل مذهب منها بما يطول ذكره حتى وصل الأمر إلى ما الناس عليه اليوم من وجود كتب لكل مذهب يحوي مسائله وطرائق الاستنباط والاستدلال، ووجد في الأئمة بحمد الله مجتهدون يستخرجون الأحكام في النوازل والمسائل العصرية والمستجدة بما آتاهم الله من الفقه والفهم مستعملين الاجتهاد والقياس وقواعد المصالح الشرعية وكلام العلماء السابقين وأصول الفقه الإسلامي. فبقي الفقه غنياً بحمد الله، مستوعباً لجميع مسائل الحياة التي يحتاجها المسلمون. ولا يمكن أن يخلو عصر من العصور من قائم لله بالحجة يعرف الحق ويستنبطه، وبعموم هؤلاء لا يمكن أن تجتمع الأمة على ضلاله. فنسأل الله أن يفقهنا في دينه ويرزقنا العلم والعمل الصالح. والله تعالى أعلم. للاستزادة: يُراجع كتاب / الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي وتاريخ الفقه الإسلامي لعمر بن سليمان الأشقر. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 10531

حكم ما فعل في وقته ﷺ ولم يطلع عليه [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم ما فُعل في وقت النبي ﷺ ولم يطلع عليه؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لعل الجزئيات إذا فُعلت ولا اطلع عليه لا تدخل في هذا، أما الشيء الذي فشى فأصل حديث جابر: (كنا نعزل والقرآن ينزل) . [الْمَصْدَرُ] من فتاوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀.

стр. 10532

الحكم بما أنزل الله [السُّؤَالُ] ـ[هل يعتبر عادلاً من حكم بغير ما أنزل الله بدون أن يظلم الناس؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الأمة الإسلامية أمة واحدة ذات عقيدة واحدة وشريعة واحدة , ولما كان لا بد لكل رعية من راع ولكل أمة إمام يقودها إلى الخير ويدفع عنها الشر , لذا أوجب الإسلام نصب حاكم على الأمة يختاره المسلمون يحكمهم بكتاب الله , وسنة رسول الله صلى الله عله وسلم. وقد بعث الله رسله لإقامة شرع الله والحكم بالحق والعدل. كما قال سبحانه: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب) ص/٢٦. ومهمة الحاكم حكم المسلمين بالكتاب والسنة وتطبيق العدل على الأمة كافة وإقامة الحدود ونشر الإسلام وحماية الأمة والجهاد في سبيل الله قال تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به) النساء/٥٨. والعدل أصل عظيم من أصول الإسلام , يتسع للمسلم وغيره: (ولا يجرمنكم شنئان قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) المائدة/٨. وحاكم المسلمين مسؤول عن رعيته يحكمهم بشرع الله ويتفقد أحوالهم ويأخذ بأيديهم إلى ما يسعدهم في الدنيا والآخرة قال ﵊ (ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته , فالأمير الذي على الناس راع ومسؤول عن رعيته ... الحديث) رواه مسلم برقم ١٨٢٩. والله خلق الناس وأنزل الوحي وبعث إليهم الرسل ليحكموهم بما أنزل الله ومن لم يحكم بما أنزل الله فقد كفر كما قال سبحانه: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) المائدة/٤٤. والحاكم إذا حكم بكتاب الله , وسنة رسوله ﷺ , وجبت طاعته وحرمت مخالفته , أو الخروج عليه قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً) النساء/٥٩. وإذا حكم الحاكم بغير ما أنزل الله أو أمر بمعصية الله , فلا سمع ولا طاعة.. قال ﵊: (على المرء المسلم السمع والطاعة , فيما أحب وكره , إلا أن يأمر بمعصية , فلا سمع ولا طاعة) رواه مسلم/١٨٣٩. والحاكم أمين على الأمة يجب عليه أن يحكمهم بشرع الله ويرفق بهم وينصح لهم , فإن لم يفعل وجب نصحه فإن لم يستجب اختار المسلمون حاكماً غيره من الأتقياء الأقوياء. وللحاكم المسلم العادل فضل عظيم ومقام كريم يوم القيامة قال ﵊: (إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين , الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا) رواه مسلم/١٨٢٧. والحاكم إذا ظلم رعيته أو غشها ولم ينصح لها حرم الله عليه الجنة قال ﵊: (ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة) رواه مسلم/١٤٢. وقال ﵊: (ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة) رواه مسلم/ (كتاب الإمارة/٢٢) . والإسلام منهج عام لجميع الأمة فينبغي بل يجب أن يستوي جميع الأفراد في التلقي منه والعمل به والدعوة إليه والجهاد من أجله. وقد توعد الله كل من حارب دين الله أو وقف لمن يجهر بكلمة الحق في بيوت الله أن يخزيه في الدنيا ويعذبه في الآخرة كما قال سبحانه: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم) البقرة/١١٤. وكل من فتن المسلمين في دينهم , أو آذاهم , أو خذلهم فهو في النار إن مات ولم يتب كما قال سبحانه: (إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق) البروج/١٠. والصدع بكلمة الحق واجب على كل مسلم في كل زمان ومكان وقد أمر الله رسوله ببيان الحق وتكفل بحفظه من عدوه فقال سبحانه: (فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين، إنا كفيناك المستهزئين) الحجر/٩٤-٩٥. وأعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر. والحاكم في الولايات العامة أو الخاصة مأجور إذا كان عالماً مجتهداً فإذا حكم فإن أصاب الحق فله أجران أجر الاجتهاد وأجر الإصابة وإن أخطأ فله أجر واحد , أجر الاجتهاد كما قال عليه الصلاة السلام: (إذا حكم الحاكم فاجتهد , ثم أصاب فله أجران , وإذا حكم فاجتهد , ثم أخطأ فله أجر) أخرجه مسلم/١٧١٦. [الْمَصْدَرُ] من كتاب أصول الدين الإسلامي تأليف الشيخ محمد بن إبراهيم التويجري.

стр. 10533

إطلاق الأحكام من حل وحرمة [السُّؤَالُ] ـ[كيف نجعل الأشياء حرام وحلال مثل (التدخين والتأمين والضرائب) مع أن الله وحده له الحق في أن يحلل ويحرم؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قال الله تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ.. الآية) ٤٠ سورة يوسف، وقال تعالى: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (١١٦) سورة النحل، وقال تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) سورة يونس.فالتحليل والتحريم لله وحده، لأنه هو المشرع، ولا مشرع سواه، وحين نقول أن الشيء الفلاني، وغيرها، حرام، أو حلال، فإنما نرجع في ذلك إلى الأدلة، من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، فما وجدنا فيهما حراماً حرمناه، وما وجدناه حلالاً حللناه، ونستعين بأقوال الصحابة والتابعين ﵃ وتفسير السلف لنصوص القرآن والسنة، وننظر في أقوال العلماء واجتهاداتهم. ولا يحل لنا، أن نحل ونحرم كما نشاء، وحين تستجدّ أمور، لا نجد عليها نصا من القرآن أو السنة ولا كلام علماء السلف ومن سبق من علماء أهل السنة والجماعة فإنّه لابدّ لنا من اللجوء إلى أهل العلم والذّكر الثقات الذين أمرنا الله بالرجوع إليهم كما في قوله تعالى: (فاسألوا أهل الذّكر إن كنتم لا تعلمون) ، وهؤلاء العلماء يقومون بالاجتهاد، والنظر، والقياس على النصوص الشرعية الموجودة، آخذين بعين الاعتبار قواعد الضرورة والضرر والمصلحة الشرعية، ومعتمدين على القواعد والأصول الشرعية العامة، كقوله تعالى: (يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث) سورة الأعراف ١٥٧، وكقوله ﵊ (لا ضرر ولا ضرار) رواه ابن ماجة ٢٣٣١، مجتنبين الهوى والشهوة، وكل خبيث ثبت ضرره، فهو حرام، وكل طيب نافع حلال. وإن لم يعلم ضرره ولا نفعه، فهو على الأصل في الإباحة. والله تعالى أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 10534

هل يُعاقب تارك السنّة [السُّؤَالُ] ـ[قال تعالى فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون: هل يعاقبنا الله إذا تركنا سنة النبي ﷺ ؟ ملاحظة: أي نوع من أنواع السنة سواء حلق اللحية أو عدم صلاة سنة الفجر.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ١. لفظ "السنة" يراد به أمران: أ. الطريقة والهدي، وهو المراد بالأحاديث الكثيرة، ومنها قوله ﷺ : " فمن رغب عن سنتي فليس مني ". ب. ما يقصده الأصوليون والفقهاء بالمستحبّ، وهو ما يثاب فاعله، ولا يستحق العقاب تاركه، وذلك مثل السنن الرواتب، وصلاة الضحى، وما أشبههما. ٢. وعليه فلا عقوبة على تارك السنَّة بالمعنى الثاني، وأما على المعنى الأول: فلا، لأنها تنقسم إلى واجبات ونوافل. ٣. وأما سنَّة الفجر والوتر فهما من السنن المؤكدة، والتي لم يتركهما النبي ﷺ في السفر ولا في الحضر. ٤. وأما إطلاق اللحية فهو من الواجبات لا من السنن التي اصطلح عليها الفقهاء، ومن حلق لحيته فقد تشبه بالمجوس، وخالف الفطرة، وغيَّر خلق الله. فتارك السنن الواجبة يُعاقب والذي يترك سنّة مستحبة لا يُعاقب لكن يفوته الأجر العظيم ويفوته تعويض واجباته الناقصة لأنّها تكمّل يوم القيامة من أجور السنن إن وجدت، كما أنّ القيام بالسنن وسيلة لحفظ الواجبات من التضييع. ويُطلق العلماء أيضا السنّة في مقابل البدعة ويقولون أهل السنّة في مقابل أصحاب الفرق الضالّة الكفار منهم كالجهمية , والمبتدعة غير الكفار كالأشاعرة وغيرهم، والسنّة بهذا الاعتبار واجبة الاتّباع، واقتفاء طريق أهل السنّة والسير في ركابهم واجب ومن فارقهم هلك، قال الإمام مالك ﵀: السنة كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق. وللمزيد يُراجع السؤال رقم ١١٨٩، وعن حكم حلق اللحية أنظر السؤال ٣٤٤٠ و ٦٠٤. والله تعالى أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 10535

وقع في حب فتاة وله علاقة معها ويريد الاحتفال بذلك [السُّؤَالُ] ـ[لي علاقة رومانسية مع فتاة أُحبها كثيراً، وكذلك أرجو من الله أن نتزوج قريباً إن شآء الله. وسؤالي هو: لنا في التاريخ يوم محدد ويوافق هذااليوم ١٥من شهر رمضان المبارك في كل سنة، نسميه (يوم فرحنا وحبّنا) ، فهل لنا أن نحتفل بهذا اليوم كيوم فرح، اعتباراً ليوم البركة..!!؟ وهل لنا أن نطلب من المد عوين بالحفلة أن يدعو الله لنا ليجمعنا بالخير والسعادة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إنك تسأل عن حكم احتفالكم بذلك العيد؛ ألا سألت يا عبد الله عن حكم علاقتك (الرومانسية) بفتاة أجنبية عنك؟! فهذا هو المنكر الأساس في أمرك يا عبد الله؛ تلك العلاقة المحرمة بقتاة أجنبية عنك، وسوف تبقى أجنية عنك، وسوف يبقى تعلقك بها محرما: حتى تكون زوجا لك؛ فلا يحل لك الخلوة بها، ولا مخالطتها، ولا النظر إليها، أو التمتع بحديثها، فهي أجنبية عنك، أيها الرجل. فاتق الله في نفسك ودينك، ولا تخدعن نفسك بأوهام الفرح والبركة..!! أي فرح، وأية بركة، وأنت متلبس بمعصية الله، أنت وفتاتك. وينظر: جواب السؤال رقم (٤٧٤٠٥) ، ورقم (٥٩٩٠٧) ، وفي قسم "العلاقة بين الجنسين" من الموقع أجوبة كثيرة حول ذلك. فإذا عرفت أن هذه العلاقة الرومانسية، بفتاة أجنبية عنك: هي علاقة محرمة من الأصل، فكل ما بني على باطل فهو باطل مثله!! بل نزيدك ونقول: لو كانت علاقة الحب التي تتحدث عنها بزوجتك الحلال: لكان الاحتفال بهذا اليوم الذي تسأل عنه: بدعة منكرة؛ فليس لنا عيد إلا: عيد الفطر وعيد الأضحى، وعيدنا الأسبوعي: يوم الجمعة. اشغل نفسك بدلا من عيد الحب، بالتعجيل بزواجك، إن كنت قد تعلقت نفسك بها، وكانت تصلح لك زوجة مسلمة، تقيم معك أمر الله. نسأل الله أن يجنبنا وإياكم الفتن، ما ظهر منها وما بطن. وانظر حول الاحتفال بعيد الحب جواب السؤال رقم (٧٣٠٠٧) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 10536

حكم ما يسمى بـ " الختمة الرمضانية المشتركة " [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم مثل هذا الموضوع المنتشر في بعض المنتديات وهو كالتالي: بعنوان الختمة الرمضانية المشتركة ... وذلك بأن يشترك الأعضاء بختم القران، حيث يقرأ كل عضو جزءا أو جزأين وبنيه خالصة لوجه الله، ونص الموضوع كالتالي: الختمة الرمضانية المشتركة، كل عضو سيشارك معنا في الختمة الرمضانية يقوم بكتابه اسمه في هذي الصفحة.. يكون مسؤؤل عن قراءة جزء واحد من القرآن الكريم ... فالقرآن الكريم يحتوي على ٣٠ جزء.. كل عضو يحدد الجزء الذي سيقرؤه.. وبكل أمانة ونية صادقة يقرأ هذا الجزء.. وعندما ينتهي من قراءته يقوم بكتابة: "لقد أتممت قراءة الجزء المخصص لي بنية خالصة لوجه لله تعالى".. وهكذا سنكون قد اشتركنا جميعا أعضاء (.....) بختمة قرآنية لوجه الله.. لعلها تغفر لنا يوم القيامة ... الختمة الأولى " ستكون في الفترة من ١- ١٠ رمضان" الختمة الثانية "ستكون في الفترة من ١١-٢٠ رمضان" الختمة الثالثة " ستكون في الفترة من ٢١- ٢٩ رمضان" أتمنى من كل عضو راغب في المشاركة كتابته اسمه والجزء الذي سيقوم بقراءته، وأن يلتزم بالقراءة.. ودعاء ختم القرآن سيكون باسم منتدى (.........) وكل أعضائه!!]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: ليعلم أن قراءة القرآن عبادة من أجل العبادات لله تعالى، فالقرآن كلام الله تعالى أشرف الكلام، وهو أفضل الذكر، وأعظم ما يقرؤه العبد أو يسمعه. عن فروة بن نوفل قال: كنت جارا لخباب ﵁، فخرجنا معه يوما إلى الجمعة فأخذ بيدي فقال: (يا هناه؛ تقرب إلى الله ما استطعت، فإنك لن تقرب إلى الله بشيء أحب إليه من كلامه) . رواه الدارمي في الرد على الجهمية (رقم/٣١٠) ، وعبد الله بن أحمد في السنة (رقم/٩٦) ، والحاكم في المستدرك (رقم/٣٦٥٢) وصحح إسناده، وأقره الذهبي. قال الإمام النووي ﵀: " واعلم أن المذهب المختار الذي عليه من يعتمد عليه من العلماء: أن قراءة القرآن أفضل من التسبيح والتهليل وغيرهما من الأذكار، وقد تظاهرت الأدلة على ذلك " انتهى. "التبيان في آداب حملة القرآن" (٤٥) . وتتأكد فضيلة هذه العبادة في شهر رمضان، فهو الشهر الذي أنزل فيه القرآن، ولذا أطبق السلف على العناية بالقرآن في هذا الشهر أزيد من باقي الشهور. ينظر: "لطائف المعارف"، لابن رجب ﵀ (٣١٥-٣٢٤) . ثانيا: تلاوة القرآن عبادة، كغيرها من العبادات، يرد الأمر فيها إلى ما ورد عن النبي ﷺ في شأنها، وما مضى عليه أصحابه والتابعون لهم بإحسان. وقد قال النبي ﷺ : (مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) رواه مسلم (١٧١٨) . قال الإمام النووي ﵀: " وَهَذَا الْحَدِيث قَاعِدَة عَظِيمَة مِنْ قَوَاعِد الْإِسْلَام , وَهُوَ مِنْ جَوَامِع كَلِمه ﷺ فَإِنَّهُ صَرِيح فِي رَدّ كُلّ الْبِدَع وَالْمُخْتَرَعَات ... وَهَذَا الْحَدِيث مِمَّا يَنْبَغِي حِفْظه وَاسْتِعْمَاله فِي إِبْطَال الْمُنْكَرَات , وَإِشَاعَة الِاسْتِدْلَال بِهِ ". "شرح صحيح مسلم" (١٢/٦) مختصرا. ثالثا: الصورة الواردة في السؤال في تلاوة القرآن: لا شك أنها صورة مبتدة، فلم يرد مثل ذلك عن النبي ﷺ ، ولا أصحابه، ولا عن السلف الصالح بعدهم. وليست هذه من المستجدات، التي ينظر إليها في ضوء أصول الشرع، لأن مثل هذه الصورة كانت ممكنة في أيامهم: أن يتواصى بعضهم بنفس الطريقة، إما مباشرة، وإما عن طريق المراسلة، أو نحو ذلك، ولو كان مثل ذلك خيرا لسبقونا إليه. وليعلم أن الصورة المشروعة في القراءة الجماعية: أن يجتمع القارئون في مكان واحد، وأفضله المسجد، فربما قرأ كل منهم لنفسه، أو يقرأ أحدهم ويستمع الآخرون، أو يقرأ كل منهم ما تيسر له، ثم يكمل الثاني من حيث انتهى الأول، وهو المعروف عند العلماء: بالإدارة؛ يعني: أن تدور النوبة على كل منهم بالقراءة، فتحصل القراءة من القارئ، وأما من لم يقرأ فإنه يشاركه باستماع قراءته، وكل من القراءة والسماع: عبادة مطلوبة، دلت النصوص على مشروعيتها. ينظر: "التبيان في آداب حملة القرآن"، للإمام النووي ﵀ (١١٩-١٢٢) . وأما العمل الوارد في السؤال: فما علاقة باقي المجموعة بما يقرؤه أو يفعله أحدهم، إذا كان غائبا عنهم، فلا يرونه، ولا يشاركونه قراءته، ولا يستمعون منه؟!! وهل من المقبول أن يتفق جماعة على أن يصلي كل واحد ركعتين من التراويح ـ مثلا ـ، فيكونوا قد صلوا التراويح. أو يصوم كل واحد يوما، فيكونوا قد صاموا الشهر؟! وقد قال الله تعالى: (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) النجم/٣٦-٣٩. قال الشيخ السعدي ﵀: " أي: كل عامل له عمله الحسن والسيئ، فليس له من عمل غيره وسعيهم شيء، ولا يتحمل أحد عن أحد ذنبا ". انتهى. "تفسير السعدي" (٨٢١) . ولا شك أن هذه الصورة المبتدعة للقراءة الجماعية: سوف يكون لها تأثيرها السلبي على قيام الأعضاء بهذه العبادة على وجهها، فمن يشارك في ذلك سوف ينصرف عن تلاوة القرآن، والإكثار من ختمه بنفسه، توهما منه أن هذه الختمة تغنيه، فإن لم ينصرف بالكلية: سوف تضعف همته، وتقل رغبته في ذلك. ثم من أين لهؤلاء الأعضاء أن يتموا ختمتهم "لوجه الله تعالى"، كما زعموا، بل من يقدر أن يحكي ذلك عن نفسه، ويشهد به؟! والخلاصة: أن هذه الصورة مبتدعة، غير مشروعة، تصرف القارئ عن الوارد المشروع في قراءة القرآن، وتضعفه همته في التلاوة والختم بنفسه. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 10537

هل تصح هذه الأحاديث التي تدل على جواز استعمال المسبحة ؟ [السُّؤَالُ] ـ[في أحد المنتديات وضعت إحداهن موضوعا عن البدع، ولكن كان فيه أحاديث ضعيفة وصحيحة الإسناد، وهي عن المسبحة، وكانت كالآتي: لم يثبت عن النبيّ ﷺ أنّه استخدمها، ولم يستخدم الحجر، ولم يستخدم النّوى كما يُدّعى في الحديث الضّعيف أنّه أقرّ جويرية على ذلك، هذا غير صحيح، لم يقرّها على استخدام النّوى. التسبيح بالمسبحة جائز، وما ورد فيها من أحاديث العدّ بالنوى والحصى كاف في الدلالة على أصل مشروعيتها، لصلاحية تلك الأحاديث من حيث الصنعة الحديثية للاستدلال، منها حديث سعد بن أبي وقاص أنه دخل مع رسول الله ﷺ على امرأة وبين يديها نوى أو حصى تسبح به، فقال: أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا وأفضل، فقال: سبحان الله عدد ما خلق في السماء ... ، والحديث صححه ابن حبان والحاكم في المستدرك ووافقه الذهبي، وخرجه أبو داود رقم ١٥٠٠، والترمذي حديث رقم ٣٥٦٨، وقال: حديث حسن. السؤال هنا: كيف نفهم التناقض هنا؟ وهل الحديث حسن أم ضعيف؟ وكيف يكون حديث حسن ويقابله حديث ضعيف؟ وجزاكم الله خير.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الأحاديث الوارد فيها إقرار النبي ﷺ بعض أمهات المؤمنين على عد التسبيح على النوى حديثان: الحديث الأول: عن أم المؤمنين صفية ﵂ قالت: (دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ يَدَيَّ أَرْبَعَةُ آلَافِ نَوَاةٍ أُسَبِّحُ بِهَا، فَقَالَ: لَقَدْ سَبَّحْتِ بِهَذِهِ، أَلَا أُعَلِّمُكِ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَبَّحْتِ بِهِ، فَقُلْتُ: بَلَى عَلِّمْنِي. فَقَالَ: قُولِي: سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ) رواه الترمذي (٣٥٥٤) بسند ضعيف، فيه: هاشم بن سعيد الكوفي، قال عنه ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث. "تهذيب التهذيب" (١١/١٧) . ولذلك قال الترمذي بعد روايته له: "هذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث صفية إلا من هذا الوجه من حديث هاشم بن سعيد الكوفي، وليس إسناده بمعروف" انتهى. وقد ضعفه الألباني في ضعيف الترمذي وقال عنه: منكر. ورواه الطبراني في "الدعاء" (ص/٤٩٤) وفي سنده: يزيد بن متعب مولى صفية. قال الشيخ بكر أبو زيد ﵀: "يزيد لم يوجد له ترجمة" انتهى. "السبحة" (ص/١٨) . ومع ذلك فقد صحح هذا الحديث علي القاري في "مرقاة المصابيح" فقال: "وهذا أصل صحيح لتجويز السبحة، بتقريره ﷺ فإنه في معناها، إذ لا فرق بين المنظومة والمنثورة فيما يعد به، ولا يعتد بقول من عدها بدعة" انتهى. نقله عنه في "تحفة الأحوذي". وقد حسنه الحافظ ابن حجر أيضاً، وذكر طريقاً أخرى عند الطبراني في "الدعاء"، والظاهر من صنيعه أنه حسنه بمجموع طرقه. نقله عنه ابن علان في "الفتوحات الربانية على الأذكار النووية" (١/٢٤٥) . الحديث الثاني: عن سعد بن أبي وقاص ﵁: (أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ وَبَيْنَ يَدَيْهَا نَوًى - أَوْ قَالَ حَصًى - تُسَبِّحُ بِهِ، فَقَالَ: أَلَا أُخْبِرُكِ بِمَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكِ مِنْ هَذَا أَوْ أَفْضَلُ؟ سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي السَّمَاءِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي الْأَرْضِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا هُوَ خَالِقٌ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ مِثْلَ ذَلِكَ) . قوله: (دَخَلَ عَلَى امْرَأَةٍ وَبَيْنَ يَدَيْهَا نَوًى) لم يبين في شيء من طرق الحديث من هي؟ فيحتمل أنها صفية ﵂ كما في الحديث الأول، ويحتمل أنها جويرية ﵂، وحديثها في صحيح مسلم، ولكن ليس فيه ذكر للنوى أو الحصى. انظر: "الفتوحات الربانية" (١/٢٤٤) . وهذا الحديث رواه الترمذي (٣٥٦٨) وأبو داود (١٥٠٠) من طريق سعيد بن أبي هلال، عن خزيمة، عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص، عن أبيها. وروي أيضا بإسقاط خزيمة. قال الشيخ الألباني ﵀: " خزيمة هذا مجهول، قال الذهبي نفسه في " الميزان ": خزيمة، لا يعرف، تفرد عنه سعيد بن أبي هلال، وكذا قال الحافظ في " التقريب ": إنه لا يعرف، وسعيد بن أبي هلال مع ثقته حكى الساجي عن أحمد أنه اختلط، وكذلك وصفه بالاختلاط يحيى كما في " الفصل " لابن حزم (٢ / ٩٥) ، ولعله مما يؤيد ذلك روايته لهذا الحديث، فإن بعض الرواة الثقات عنه لم يذكروا في إسناده خزيمة فصار الإسناد منقطعا، ولذلك لم يذكر الحافظ المزي عائشة بنت سعد في شيوخ ابن أبي هلال، فلا يخلو هذا الإسناد من علة الجهالة أو الانقطاع، فأنَّى للحديث الصحة أو الحسن؟! " انتهى. "السلسلة الضعيفة" (٨٣) . ومع هذا، فقد صححه الحافظ ابن حجر، فقال: "حديث صحيح، ورجاله رجال الصحيح، إلا خزيمة فلا يعرف نسبه ولا حاله، ولا روى عنه إلا سعيد بن أبي هلال، وذكره ابن حبان في الثقات كعادته فيمن لم يجرح ولم يأت بمنكر، وصححه الحاكم" انتهى. "الفتوحات الربانية" (١/٢٤٤) . وقال عنه المنذري في "الترغيب والترهيب" (٢/٣٦٠) : "إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما" انتهى. وقد ضعف هذين الحديثين الشيخ بكر أبو زيد ﵀، فقال: "وحديثا صفية وسعد بن أبي وقاص ﵄، في ثبوت كل منهما نظر" انتهى. "السبحة تاريخها وحكمها" ص ١٦. ثانيا: قد يختلف العلماء في حكم حديث معين، هل هو صحيح أم حسن أم ضعيف؟ كما قد يختلفون في فهم الحديث والاستنباط منه، فتتنوع المذاهب الفقهية بحسب تنوع الاجتهادات. قال المعلمي ﵀: "يختلفون في صحة بعض الأحاديث، وذلك قليل بالنسبة إلى ما اتفقوا عليه" انتهى. "الأنوار الكاشفة" (ص/٥٢) . وعلى المسلم في هذه الحالة ـ إن كان أهلاً للبحث والتحقيق ـ أن يفعل ذلك، حتى يصل إلى الحكم على الحديث بنفسه. فإن كان لا يستطيع ذلك، فإنه يسأل من يثق بعلمه ودينه عن حكم الحديث، ثم يفعل ما يفتيه به. وإذا ظهر أن المسألة من المسائل الاجتهادية، فإنه لا ينبغي أن يكون ذلك سبباً للاضطراب أو التنازع، فإن الله تعالى قضى أن يخلق الناس متفاوتين في العلوم والأفهام، وما دام الاختلاف لا يتعلق بثوابت الدين ومحكماته فالأمر يسير إن شاء الله تعالى. ولمعرفة موقف المسلم من اختلاف العلماء في تصحيح بعض الأحاديث أو تضعيفها. راجع جواب السؤال رقم (٧٠٤٥٥) . ثالثا: أما حكم استعمال السبحة؛ فقد سبق بيان اختلاف العلماء في حكمها في جواب السؤال رقم (٣٠٠٩) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 10538

التعليق على نشرة " ثلاثون دعاء لثلاثين يوماً في رمضان " [السُّؤَالُ] ـ[ظهر في بعض المواقع الإكترونية نشرة مشتهرة بعنوان " ثلاثون دعاء لثلاثين يوماً في رمضان " دعاء اليوم الأول: اَللهُمَّ اجْعَلْ صِيامي فيهِ صِيامَ الصّائِمينَ وَقِيامي فيِهِ قِيامَ القائِمينَ، وَنَبِّهْني فيهِ عَن نَوْمَةِالغافِلينَ، وَهَبْ لي جُرمي فيهِ يا اِلهَ العالمينَ، وَاعْفُ عَنّي يا عافِياً عَنِ المُجرِمينَ. دعاء اليوم الثاني: اَللهُمَّ قَرِّبْني فيهِ اِلى مَرضاتِكَ، وَجَنِّبْني فيهِ مِن سَخَطِكَ وَنَقِماتِكَ، وَوَفِّقني فيهِ لِقِراءةِ آياتِِكَ، بِرَحمَتِكَ يا أرحَمَ الرّاحمينَ. دعاءاليوم الثالث: اَللهُمَّ ارْزُقني فيهِ الذِّهنَ وَالتَّنْبيهِ، وَباعِدْني فيهِ مِنَ السَّفاهَةِ وَالتَّمْويهِ، وَاجْعَل لي نَصيباً مِن كُلِّ خَيْرٍ تُنْزِلُ فيهِ، بِجودِكَ يا أجوَدَ الأجْوَدينَ. دعاء اليوم الثلاثين: أللهُمَّ اجْعَلْ صِيامي فيهِ بالشُّكرِ وَالقَبولِ عَلى ماتَرضاهُ وَيَرضاهُ الرَّسولُ مُحكَمَةً فُرُوعُهُ بِالأُصُولِ، بِحَقِّ سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ، وَآلهِ الطّاهِرينَ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العالمين ". فما حكم اعتماد هذه النشرة لتوزيعها، ونشرها، وحكم الدعاء بها في رمضان؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله (الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَة) كما قال النبي ﷺ ، رواه الترمذي وغيره بإسناد صحيح، والأصل في العبادات التوقيف، والمنع، فلا يجوز إحداث عبادة، أو تقييدها بوقت أو مناسبة إلا إذا كان الشرع قد دل على ذلك. فلا يجوز لأحدٍ أن يشرع للناس أدعية يقولونها في أوقات مخصوصة. وانظر – في ذلك – جوابي السؤالين: (٢١٩٠٢) و (٢٧٢٣٧) . والدعاء في رمضان مرَّغب فيه، إلا أن هذا الترغيب لا يُجوَّز لأحد من الناس أن يخترع أدعية من عنده، ويخصها بأوقات معينة، كأنها أدعية نبوية، بل يدعو المسلم بما شاء من خيري الدنيا والآخرة، بما تيسر له من كلمات، وفي أي الأوقات. ومثل ذلك: ما حذَّر العلماء من فعله، مما اشتهر عند العامَّة، من تخصيص دعاء معيَّن لكل شوط طواف، أو شوط سعي، في الحج، والعمرة. قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: ولا يجب في هذا الطواف، ولا غيره من الأطوفة، ولا في السعي: ذِكر مخصوص، ولا دعاء مخصوص، وأما ما أحدثه بعض الناس من تخصيص كلِّ شوطٍ من الطواف، أو السعي، بأذكار مخصوصة، أو أدعية مخصوصة: فلا أصل له، بل مهما تيسر من الذكر والدعاء كفى. "فتاوى الشيخ ابن باز" (١٦/٦١، ٦٢) . وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: ليس هناك دعاء معين لكل شوط، بل تخصيص كل شوط بدعاء معيَّن: من البدع؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي ﷺ ، وغاية ما ورد: التكبير عند استلامِ الحجر الأسود، وقول: (رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخرة حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) البقرة/٢٠١ بين الركن اليماني والحجر الأسود، وأما الباقي: فهو ذِكر مطلق، وقرآن، ودعاء، لا يخصص به شوط دون آخر. "مجموع فتاوى الشيخ العثيمين" (٢٢/٣٣٦) . وأمر آخر: أنه قد جاء في دعاء اليوم الأخير ما هو منكر، ومخالف للشرع، من التوسل في الدعاء بحق النبي ﷺ ، وحق آل بيته. وقد سبق بيان بدعة هذا التوسل في الدعاء، وكلام أهل العلم فيه: في جواب السؤال رقم: (١٢٥٣٣٩) ، فلينظر. فعلى المسلم ألا يشارك في نشر تلك النشرة، بل عليه أن يحذر منها بقدر استطاعته. وليعلم المسلم أنه لا خير في بدعة يتقرب بها المسلم إلى ربِّه، فقد قال النبي ﷺ : (كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) رواه مسلم (٨٦٧) . وانظر الأحاديث التي ثبتت في النهي عن الابتداع في الدين، وأقوال العلماء في التحذير من البدعة: في جوابي السؤالين: (١١٨٢٢٥) و (٨٦٤) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 10539

هل يجوز أن يقال: " يا بسم الله "؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز قول: يا بسم الله، أم نقول: يا الله.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: الدعاء عبادة لها أهمية في الشرع المطهر، كما ثبت عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ) ، ثم قرأ: ﴿وقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ . رواه الإمام أحمد (٣٠/٢٩٨) ، وأصحاب السنن، وصححه الألباني. ولذلك كان الواجب علينا أن نتعلم أحكام الدعاء وفضائله وآدابه، كما نتعلم سائر أحكام العبادات وآدابها. قال علماء اللجنة الدائمة: " الأصل في الأذكار وسائر العبادات الوقوف عند ما ورد من عباراتها وكيفياتها في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ " انتهى. "فتاوى اللجنة الدائمة" (٦ / ٨٧) وينظر في ذلك: "تصحيح الدعاء"، للشيخ بكر أبو زيد ﵀. ثانيا: الصيغة الواردة في الدعاء، والتي عليها عمل المسلمين قاطبة، هي أن يقال في الدعاء: (يا الله) أو نحو ذلك من أسمائه الحسنى (يا رحمن، يا رحيم ... ) ونحو ذلك، والأمر فيه واسع مشروع، كما قال الله تعالى: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) الإسراء/١١٠. وأما قول القائل: (يا بسم الله) ، فهذا أولا دعاء بصيغة لا تعرف في الدعاء عن النبي ﷺ ، ولا عليها عمل أحد من أهل العلم، وقد قال ﷺ : (مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) رواه مسلم. ثم هو ـ أيضا ـ خطأ من حيث لغة العرب، فإن قول القائل (بسم الله) هذا جملة متعلقها محذوف، والتقدير: بسم الله أبتدئ، أو: ابتدائي، أو نحو ذلك. والجملة لا تدعى ولا تنادى، وإنما النداء خاص بالأسماء. فالصيغة المذكورة خطأ في اللغة، مردودة في الشرع. ثالثا: الغالب في صيغة النداء أن يقال: " اللهم "، بدلا من: " يا الله "، وإن كانت هي الأصل، إلا أنهم استعاضوا بذلك تخفيفا، وإن كان استعمال الصيغة الأصلية جائزا. قال الأستاذ عباس حسن ﵀: " والأكثر في الأساليب العالية عند نداء لفظ الجلالة أن يقال: "اللهم"، وهو من الألفاظ الملازمة للنداء، نحو قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ ... ". "النحو الوافي " (٤/٣٨) . والله تعالى أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 10540

هل يجوز الاجتماع للفرح بدخول رجل أو امرأة الإسلام ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز الاحتفاء بشهادة مسلمة ودخولها في الإسلام وذلك بالاجتماع في بيت إحدى الأخوات المسلمات والترحيب بها في الإسلام وإهداءها بعض الهدايا وما إلى ذلك؟ أم أن هذا يدخل ضمن البدعة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إن مؤازرة المسلم - أو المسلمة - حديث العهد بالإسلام، وتهنئته على الهداية، وإظهار الفرح والبشر والسرور بذلك، ووفود الناس عليه بالتهنئة والدعاء، وإهداءه الهدايا، كل ذلك من أمارات الأخوة الإسلامية، وعلامات المحبة في الله. وهو مما يقوي قلبه، ويستشعر به حب الناس له، والتفافهم حوله، ويؤنسه في عهده الجديد ويذهب وحشته. ولا بأس أن يجتمع إخوانه لذلك، وأن يهدوا له الهدايا، ويحسنوا الثناء عليه، ويكثروا من الدعاء له، فهي نعمة، وأي نعمة، تستحق الشكر لله، وتهنئة من وُفِّق إليها. وفي حديث كعب بن مالك ﵁ لما كان من أمره ما كان في التخلف عن النبي ﷺ في الغزو، وحصل لهم من الغم والكرب العظيم ما حصل، ثم تاب الله عليه وعلى صاحبيه. قال: " فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحَالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ، قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي، وَضَاقَتْ عَلَيَّ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أَوْفَى عَلَى جَبَلِ سَلْعٍ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ!! قَالَ: فَخَرَرْتُ سَاجِدًا، وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ، وَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا وَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ، وَرَكَضَ إِلَيَّ رَجُلٌ فَرَسًا، وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ، فَأَوْفَى عَلَى الْجَبَلِ، وَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنْ الْفَرَسِ، فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُ إِيَّاهُمَا بِبُشْرَاهُ، وَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ، وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا، وَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَيَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا يُهَنُّونِي بِالتَّوْبَةِ يَقُولُونَ لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ. قَالَ كَعْبٌ: حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ إِلَيَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّانِي، وَاللَّهِ مَا قَامَ إِلَيَّ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرَهُ، وَلَا أَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ. قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنْ السُّرُورِ: أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ!! ". متفق عليه. فتأمل ما وقع في هذه القصة العظيمة، من فرح الصحابة رضوان الله عليهم بتوبة الله على كعب بن مالك وصاحبيه، وإسراع من أسرع منهم إلى إبلاغه بالبشرى، وتهنئته على ذلك، وكيف أنه جعل ذلك جميلا، وأحسانا عظيما، لا ينساه لمن سارع إليه، وكيف أن الناس تلقوه أفواجا، يهنئونه بذلك، ولا ريب أن التوبة من الكفر، والدخول في الإسلام هو من أجل النعم التي يهنئ الرجل أخاه عليها. قال الحافظ ابن حجر ﵀ في ذكره لفوائد هذا الحديث: " ... وتهنئة من تجددت له نعمة ". "فتح الباري" (٨/١٢٤) . وقال ابن مفلح ﵀: " فَأَمَّا التَّهْنِئَةُ بِنِعَمٍ دِينِيَّةٍ تَجَدَّدَتْ: فَتُسْتَحَبُّ، لِقِصَّةِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ لَمَّا أُنْزِلَ ﴿إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ قَالَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ هَنِيئًا مَرِيئًا " انتهى. "الآداب الشرعية" (٣/٣٨٠) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →