Полный текст (16 344 стр.). Показаны 10641–10680 · переход к 10646.
стр. 10641
لا يجوز أخذ الأجرة على قراءة القرآن
[السُّؤَالُ]
ـ[كنت أقرأ القرآن بأجرة على أرواح الأموات، فهل يحل لي هذا المال وأن أذهب به لأداء فريضة الحج؟ مع أنه لا يوجد لديَّ نقود إلا ما أخذته مقابل قراءة القرآن.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" تلاوة القرآن من أفضل الأعمال قال الله : (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ) فاطر / ٢٩. وقال ﷺ : (من قرأ حرفًا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) رواه الترمذي (٢٩١٠) وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
فتلاوة القرآن عمل صالح وعبادة عظيمة، مع التدبر والتفكر بآياته، والعمل بما فيه من الأحكام، وأخذ الأجرة على تلاوة القرآن لا تجوز، لأن تلاوة القرآن قربة وعبادة، وأخذ الأجرة على القرب والعبادات لا يجوز، وقراءة القرآن على أرواح الأموات بدعة لا دليل عليها، فلا يجوز أن تتخذ قراءة القرآن حرفة يتكسب بها؛ لأنه إذا قرأ القرآن لأجل الأجرة فإنه ليس له أجر عند الله ، قال تعالى: (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ. أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَاّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) هود / ١٥، ١٦؛ والذي يريد عمل الدنيا بعمل الآخرة، ويريد الدنيا بالعبادة عليه وعيد عظيم وعمله باطل، فلا يجوز للسائل الاستمرار على مثل هذا، ويجب عليه التوبة إلى الله مما حصل، ولا يجوز له أن يحج من هذا المال الذي جمعه من هذا الكسب.
ومع الأسف قد اتخذت تلاوة القرآن حرفة ليتكسب بها كثير من المقرئين في عصرنا الحاضر، يقرءونه في المآتم، ويقرءونه على القبور، ويقرءونه على الأموات، نظير أجور يتقاضونها أو مطامع يحصلون عليها، وهذا عمل باطل، ومكسب لا يحل، فقراءة القرآن للأموات في مقابل أجرة.
أولاً: لا دليل عليها حتى ولو كان بدون أجرة.
وثانيًا: أخذ الأجرة على ذلك أخذ لا يجوز، وأكل للمال بالباطل.
والذي ننصح به إخواننا المسلمين وحملة القرآن أن يبتعدوا عن مثل هذه الأمور، وأن يطلبوا الرزق من الوجوه المباحة والمكاسب الطيبة، وأن يتخذوا كتاب الله دليلاً لهم ويتلونه بنية خالصة لله ، لا يريدون من ذلك طمعًا من مطامع الدنيا. والله الموفق ".
" المنتقى من فتاوى الشيخ صالح الفوزان " (٣ / ٩٠)
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10642
الصلاة خلف من يلحن القراءة ويبتدع بعد الصلاة
[السُّؤَالُ]
ـ[في مقر عملنا يؤمنا في الصلاة إمام من دولة أخرى، أثناء قراءته يمد كل كلمة تقريباً ويرتل بطريقة تشبه الغناء، يقول بأن أستاذه علَّمه هذا، بعض الأحيان لا نستطيع الصلاة خلفه لأن صوته بالقراءة يرتفع بألحان مختلفة.
هل تجوز القراءة بهذه الطريقة بحيث يكون مرتفعاً جدّاً وبألحان مختلفة؟ ما هو الحكم في تلاوة القرآن في الصلوات الجهرية؟
بعد كل صلاة يضع كفيه على جبينه ويقول يا حي يا قيوم سبع مرات، فسألناه لماذا يفعل هذا فقال بأن العلماء قالوا بأن العقل يستنير بهذا الفعل بعد كل صلاة وأن هذا موجود في صحيح مسلم ولكننا لم نجد هذا.
أرجو أن تجيب على أسئلتنا وتخبرنا بما يجب أن نفعله إن كان ما يفعله غير صحيح وكيف نصححه؟ لا يوافق على أي شيء نقوله ويقول بأنه تعلم هذا حسب تعاليم الإسلام وأن كل ما يفعله صحيح، فلا نستطيع أن نفعل شيء.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
تحسين الصوت بالقراءة أمرٌ جيد وطيب ولا حرج فيه بل هو هدي النبي ﷺ .
فعن البراء ﵁ قال: سمعت النَّبي ﷺ يقرأ ﴿والتين والزيتون﴾ في العشاء، وما سمعتُ أحداً أحسن صوتاً منه - أو قراءة -.
رواه البخاري (٧٣٥) ومسلم (٤٦٤) .
وقد أثنى النبي ﷺ على قراءة أبي موسى الأشعري وهو صاحب الصوت الندي الشجي، لكن هذا التحسين المرغب به للصوت ينبغي أن لا يُخرج الكلام عن موضعه، وينبغي أن لا يشابه بقراءته ألحان الفسقة من المغنين.
عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ لأبي موسى " لو رأيتَني وأنا أستمع لقراءتك البارحة لقد أوتيتَ مزماراً من مزامير آل داود ".
رواه البخاري (٤٧٦١) ومسلم – واللفظ له - (٧٩٣) .
قال النووي:
قال القاضي: أجمع العلماء على استحباب تحسين الصوت بالقراءة وترتيلها، قال أبو عبيد: والأحاديث الواردة في ذلك محمولة على التحزين والتشويق، قال: واختلفوا في القراءة بالألحان فكرهها مالك والجمهور لخروجها عما جاء القرآن له من الخشوع والتفهم، وأباحهما أبو حنيفة وجماعة من السلف للأحاديث؛ ولأن ذلك سبب للرقة وإثارة الخشية وإقبال النفوس على استماعه.
قلت: قال الشافعي في موضع: أكره القراءة بالألحان، وقال في موضع: لا أكرهها، قال أصحابنا: ليس له فيها خلاف، وإنما هو اختلاف حالين، فحيث كرهها أراد إذا مطط وأخرج الكلام عن موضعه بزيادة أو نقص أو مد غير ممدود وإدغام ما لا يجوز ونحو ذلك، وحيث أباحها أراد إذا لم يكن فيها تغير لموضوع الكلام، والله أعلم.
" شرح مسلم " (٦ / ٨٠) .
ثانياً:
أما فعل إمامكم بعد الصلاة من " وضع كفيه على جبينه ويقول: يا حي يا قيوم سبع مرات ": فهذا ليس له أصل من الشرع وليس هو في " صحيح مسلم " ولا في غيره من كتب السنَّة الصحيحة، وهي بدعة منكرة عليكم مناصحته بتركها وتبيين حكم الشرع في الذِّكر البدعي.
أما الصلاة خلف هذا الإمام: فجائزة، لكن من الأفضل أن تبحثوا لكم عن إمامٍ يقيم السنَّة ويعلمكم إياها؛ لأنه يُخشى أن يغترَّ به بعض المصلِّين فيقلده وينشر بدعته، وقبل هذا لا تتركوا نصيحته وإرشاده للسنَّة الصحيحة في الذِّكر خاصَّة وفي العبادة عامة، فإن أصرَّ على بدعته فلا مانع من العمل على منعه من إمامة الصلاة.
وقد قال علماء اللجنة الدائمة:
وأما الصلاة خلف المبتدعة: فإن كانت بدعتهم شركية كدعائهم غير الله ونذرهم لغير الله واعتقادهم في مشايخهم ما لا يكون إلا لله من كمال العلم أو العلم بالمغيبات أو التأثير في الكونيات: فلا تصح الصلاة خلفهم، وإن كانت بدعتهم غير شركية؛ كالذكر بما أثر عن النبي ﷺ ، ولكن مع الاجتماع والترنحات: فالصلاة وراءهم صحيحة، إلا أنه ينبغي للمسلم أن يتحرى لصلاته إماماً غير مبتدع؛ ليكون ذلك أعظم لأجره وأبعد عن المنكر.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٧ / ٣٥٣) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10643
لا أصل لما يسمى بالسبع المنجيات
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي السبع المنجيات؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
تطلق السبع المنجيات على سبع سور أو سبع آيات من القرآن الكريم، اختارها بعض الجهلة، ووضعوا لها هذا الاسم، ولا أصل لذلك من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ ، بل القرآن كله شفاء وهداية ونجاة لمن تمسك به.
وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: جاء بعض طلبة دار الحديث بالمدينة المنورة بنسخة تسمى السور المنجيات فيها سورة الكهف والسجدة ويس وفصلت والدخان والواقعة والحشر والملك، ولقد وزع منها الكثير، فهل هناك دليل على تخصيصها بهذا الوصف وتسميتها بهذا الاسم؟
فأجابوا:
"كل سور القرآن وآياته شفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين، ونجاة لمن اعتصم به، واهتدى بهداه من الكفر والضلال والعذاب الأليم، وبيّن رسول الله ﷺ بقوله وعمله وتقريره جواز الرقية، ولم يثبت عنه أنه خص هذه السور الثمان بأنها توصف أو تسمى المنجيات، بل ثبت أنه كان يعوذ نفسه بالمعوذات الثلاث (قل هو الله أحد) و (قل أعوذ برب الفلق) و (قل أعوذ برب الناس) يقرؤهن ثلاث مرات وينفث في كفيه عقب كل مرة عند النوم، ويمسح بهما وجهه وما استطاع من جسده، ورقى أبو سعيد بفاتحة الكتاب سيدَ حيٍّ من الكفار قد لدغ فبرأ بإذن الله، وأقره النبي ﷺ على ذلك، وقرر قراءة آية الكرسي عند النوم، وأن من قرأها لم يقربه شيطان تلك الليلة، فمن خص السور المذكورة في السؤال بالمنجيات فهو جاهل مبتدع، ومن جمعها على هذا الترتيب مستقلة عما سواها من سور القرآن رجاء النجاة أو الحفظ أو التبرك بها فقد أساء في ذلك وعصى؛ لمخالفته لترتيب المصحف العثماني الذي أجمع عليه الصحابة ﵃، ولهجرة أكثر القرآن وتخصيصه بعضه بما لم يخصه به رسول الله ﷺ ولا أحد من أصحابه، وعلى هذا فيجب منع توزيعها والقضاء على ما طبع من هذه النسخ إنكاراً للمنكر، وإزالة له " انتهى.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (٢/٤٧٨) .
وقَالَ الشَّيْخُ بَكْرُ بنُ عَبْدِ اللهِ أبُو زَيْدٍ حفظه الله فِي "تَصَحِيْحِ الدُّعَاءِ" (ص ٢٨٧) : " الْمُنْجِيَاتُ: وَهِي ثَمَانُ سُوَرٍ: " الكَهْفُ، وَالسَّجْدَةُ، وَيس، وَفُصِّلَت، وَالدُّخَانُ، وَالحَشْرُ، وَالمُلْكُ.
أَوَلَا: وَصْفُ أَوْ تَسْمِيَةُ هَذِهِ السُّوَرِ جَمِيْعِهَا بِلَفْظِ: " الْمُنْجِيَاتِ " لا أَصْلَ لَهُ.
وَثَانِياً: تَخْصِيصُهَا بِالقِرَاءةِ فِي حَالٍ أَوْ زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ، لا أَصْلَ لَهُ. لِهَذَا لَا يَجُوْزُ التَّعَبُّدُ بِهَا، لِعَدَمِ الدَّلِيْلِ عَلَى خُصُوصِيَتِهَا بِهَذَا الوَصفِ بِشَيْءٍ " انتهى.
وهذه ينطبق على هذه السور، وعلى الآيات التي يُزعم أنها منجيات.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10644
تأتيه رسائل بالجوال ويطلب منه إعادة نشرها بأعداد معينة
[السُّؤَالُ]
ـ[أتوصل برسائل sms تقول قل سبحان الله والحمد ... وعاود بعثه لزميل لك، هل هذه بدعة؟ توصلت بريد إلكتروني" رجل اسمه مصطفي قال إنه شاهد الرسول صلي اله عليه وسلم وأوصاه سلام علي الناس فيجب على من قرأ هذه الرسالة أن يوزعها علي الناس وينتظر ٤ أيام فسوف يفرح فرح شديدا وإلا سيحزن حزنا شديدا" ما قولكم في هذا جزاكم الله خيرا]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله:
تذكير المسلم لإخوانه بأمور الخير والبر من التسبيح والتهليل والتكبير، أمر مشروع مرغب فيه، لأن الدال على الخير كفاعله، وسواء كان ذلك التذكير مشافهة، أو عبر رسالة بالبريد أو الجوال، وإن أوصاه أن يبعث بالرسالة إلى غيره، فهذا حسن أيضا؛ ليعم الخير، وينتشر المعروف.
والمحذور هو ربط ذلك بعدد معين، أو ترتيب الإثم على عدم الإرسال، كأن يقال: أرسلها إلى عشرة أشخاص مثلا، وإذا لم تفعل سيحصل لك كذا وكذا، فهذا من الافتراء والباطل، وإلزام الناس بما لم يلزمهم به الشرع، ويخشى على قائل ذلك أن تحل به عقوبة من يتألى على الله تعالى، ويفتري عليه الكذب، ويبتدع في الدين ما لم يأذن به الله سبحانه.
ومثل هذا ما جاء في سؤالك من قول المرسل: " فيجب على من قرأ هذه الرسالة أن يوزعها علي الناس وينتظر ٤ أيام فسوف يفرح فرح شديدا وإلا سيحزن حزنا شديدا " فهذا من الدجل والكذب، والابتداع في الدين. وانظر السؤال رقم (٣١٨٣٣)
ولهذا لا يجوز نشر هذه الرسائل، ولا التصديق بما فيها من الوعد أو الوعيد، بل تتلف، ويحذّر منها ومن مرسليها.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10645
أهدي لها أوانٍ فيها ذهب فماذا تصنع بها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[جاءتني مؤخرا هدايا لزفافي لكن بعضها لا أعرف حكمها شرعا وهي أوعية مطلي أطرافها بالذهب وليس كل جسم الوعاء، فهل يجوز لي استخدامها أو الاحتفاظ بها فقط؟ أم يجب عليّ التخلص منها؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الإناء المصنوع من الذهب أو المطلي به، لا يجوز الاحتفاظ به، ولا استعماله في الأكل أو الشرب أو غيره، ولو كان الذهب على أطرافه فقط؛ لما روى البخاري (٥٦٣٣) ومسلم (٢٠٦٧) عن حُذَيْفَةَ ﵁ أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ) .
ولما روى البخاري (٥٦٣٤) ومسلم (٢٠٦٥) عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (الَّذِي يَشْرَبُ فِي إِنَاءِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ) .
وسئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: ما حكم بيع الساعات والنظارات الرجالية إذا كانت مطلية بالذهب الحقيقي، وكذلك الأواني المنزلية والأدوات الصحية المطلية بالذهب للرجال أو النساء؟
فأجابوا: "إذا كان الأمر كما ذَكرت فلا يجوز بيع الأواني والأدوات الصحية إذا كانت مطلية بالذهب أو الفضة على الرجال والنساء، لقول النبي ﷺ : (لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافهما فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة) متفق على صحته، وقوله ﷺ : (الذي يأكل في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم) متفق على صحته واللفظ لمسلم، وبقية الاستعمالات ملحقة بالأكل والشرب، لعموم العلة والمعنى وسداً للذريعة.
وهكذا الساعات المطلية والنظارات المطلية بالذهب أو الفضة لا يجوز يبعهما على الرجال
وفقنا الله وإياك وأعان الجميع على كل خير " انتهى.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (٢٢/١٥٦) .
وسئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء أيضاً (٢٢/١٥٨) : ما حكم استخدام الأكواب التي تكون مطلية بالذهب عند حواف الشرب؟ حيث إننا اشترينا صندوقا منها وعندما فتحنا الصندوق وجدنا مكتوبا عليه: (مطلي بالذهب عند حوافه) والجزء المطلي سطر بسيط يكاد لا يرى وهي رخيصة الثمن جدا.
فأجابوا: "لا يجوز اتخاذ الأواني المصنوعة من الذهب أو الفضة أو الأواني المطلية أو المطلي بعضها بالذهب أو الفضة؛ لقول النبي ﷺ : (الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم) رواه مسلم، وقال ﵊: (لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافهما، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة) رواه البخاري ومسلم، والمموه (المطلي) بالذهب والفضة يدخل في ذلك؛ لأن فيه استعمالا للذهب والفضة في الأكل والشرب، فإذا ثبت أن الأكواب المذكورة مذهبة فلا يجوز استعمالها" انتهى.
وراجعي السؤال رقم (١٣٧٣٣) لمزيد الفائدة.
وبناء على هذا فهذه الأوعية التي جاءتك، لا يجوز لك الاحتفاظ بها ولا استعمالها، وسبيل التخلص منها أمران: ردها على بائعها، إن أمكن ذلك. أو نزع ما فيها من الذهب، ولو بكسر الإناء، واستعمال هذا الذهب في حلي الزينة، أو بيعه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10646
لا ننصحك باستمرار الاطلاع على كتب أهل الضلال
[السُّؤَالُ]
ـ[أحب الاطلاع على كتب ومؤلفات وكتابات الرافضة والصوفية، وبضاعتي في العلم قليلة، والحمد لله أقف من الشبهات موقف المنكر، لسبب بسيط، هو أني أعلم أن دينهم باطل، والكثير منهم غال أو عامي جاهل مسكين مستحق الشفقة لخداع أسيادهم وضلالاهم. فهل ترى أن أستمر بالاطلاع أم أترك ذلك؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يجب على المسلم أن يحافظ على عقيدته وإيمانه، ويهتم بسلامة فطرته وفكره، ويهرب بدينه وقلبه من الشبهات والفتن، فإن القلوبَ ضعيفةٌ والشبهَ خطَّافة، تخطف بشيء من البريق الذي يزينها به أهل البدع والضلالات، ولكنها في الحقيقة شبه واهية ضعيفة.
والنظر في كتب البدع والضلالة أو كتب الشرك والخرافة أو كتب الأديان الأخرى التي طالها التحريف أو كتب الإلحاد والنفاق لا يجوز إلا لمتأهِّل في العلم الشرعي، يريد بقراءته لها الرد عليها وبيان فسادها، أما أن ينظر ويقرأ فيها من لم يتحقق بالعلم الشرعي فغالبا يناله من هذه المطالعة شيء من الحيرة والغواية، وقد وقع ذلك لكثير من الناس وحتى من طلبة العلم، حتى انتهى بهم الأمر إلى الكفر والعياذ بالله، وغالبا ما يغتر الناظر في هذه الكتب بأن قلبه أقوى من الشبهات المعروضة، إلا أنه يفاجأ – مع كثرة قراءته – بأن قلبه قد تشرَّب من الشبهات ما لم يخطر له على بال.
ولذلك كانت كلمة العلماء والسلف الصالحين على تحريم النظر والمطالعة في هذه الكتب، حتى ألف ابن قدامة المقدسي رسالة بعنوان " تحريم النظر في كتب الكلام ".
وننقل هنا العديد من نصوص العلماء في تحريم قراءة هذه الكتب لغير العالم:
جاء في "الموسوعة الفقهية" (٣٤/١٨٥) :
" قال الحنابلة: ولا يجوز النظر في كتب أهل البدع، ولا في الكتب المشتملة على الحقّ والباطل، ولا روايتها؛ لما في ذلك من ضرر إفساد العقائد.
وقال القليوبيّ: تحرم قراءة كتب الرقائق والمغازي الموضوعة " انتهى.
كما أفتى الشاطبي في "الإفادات والإنشادات" (٤٤) أن العوام لا يحل لهم مطالعة كتاب أبي طالب المكي المسمى بـ (قوت القلوب) لما فيه من الشطحات الصوفية.
وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (١٣/٥٢٥) :
" والأولى في هذه المسألة التفرقة بين من لم يتمكن ويصير من الراسخين في الإيمان، فلا يجوز له النظر في شيء من ذلك، بخلاف الراسخ، فيجوز له، ولا سيما عند الاحتياج إلى الرد على المخالف " انتهى.
وقال محمد رشيد رضا في "الفتاوى" (١/١٣٧) :
" ينبغي منع التلامذة والعوام من قراءة هذه الكتب لئلا تشوش عليهم عقائدهم وأحكام دينهم، فيكونوا كالغراب الذي حاول أن يتعلم مِشية الطاووس فنسي مشيته ولم يتعلم مشية الحجل " انتهى.
وجاء في "فتاوى نور على الدرب" (التوحيد والعقيدة/٢٦٧) من كلام الشيخ ابن عثيمين ﵀:
" وأما كتب الصوفية فإنه لا يجوز اقتناؤها ولا مراجعتها إلا لشخص يريد أن يعرف ما فيها من البدع من أجل أن يرد عليها، فيكون في نظره إليها فائدة عظيمة وهي معالجة هذه البدعة حتى يسلم الناس منها " انتهى.
وقد قالت اللجنة الدائمة كما في "مجلة البحوث الإسلامية" (١٩/١٣٨) :
" يحرم على كل مكلف ذكرا أو أنثى أن يقرأ في كتب البدع والضلال , والمجلات التي تنشر الخرافات وتقوم بالدعايات الكاذبة وتدعو إلى الانحراف عن الأخلاق الفاضلة، إلا إذا كان من يقرؤها يقوم بالرد على ما فيها من إلحاد وانحراف، وينصح أهلها بالاستقامة وينكر عليهم صنيعهم ويحذر الناس من شرهم " انتهى.
فلماذا تعرِّض نفسك – أخي الكريم – للشر والشبهات، فأنت في مأمن وغنى عن ذلك، واحمد الله تعالى على السلامة والعافية، واشكره على نعمة الهداية والثبات بأن تحافظ عليها فلا تعرضها لما قد يصيبها في مقتلها.
ثم إن العمر أقصر من قضائه في مطالعة الباطل، فالحق والخير والعلم النافع كثير، وإذا أنفق المرء عمره كله في مطالعة كتب العلم النافعة كالتفاسير وكتب الحديث والفقه والرقائق والزهد والأدب والفكر والتربية لما كاد يقضي منها وطره، فكيف إذا انشغل بكتب الخرافة والضلالة التي يكتبها الرافضة وبعض المتصوفة؟!!
واستمع أخي الكريم إلى نصيحة العلامة ابن الجوزي في الاهتمام بالنافع من العلوم حيث يقول في "صيد الخاطر" (٥٤-٥٥) :
" أما العالم فلا أقول له اشبع من العلم، ولا اقتصر على بعضه.
بل أقول له: قدم المهم؛ فإن العاقل من قدَّر عمره وعمل بمقتضاه، وإن كان لا سبيل إلى العلم بمقدار العمر، غير أنه يبني على الأغلب.
فإن وصل فقد أعد لكل مرحلة زاداً، وإن مات قبل الوصول فنيته تسلك به......
والمقصود أن ينتهي بالنفس إلى كمالها الممكن لها في العلم والعمل " انتهى باختصار.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10647
الصلاة خلف أصحاب البدع الكفرية وغير الكفرية
[السُّؤَالُ]
ـ[هل تجوز الصلاة خلف إمام يفعل البدع ولديه أفكار ومفاهيم شركية؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
البدعة إما أن تكون مكفرة كبدعة الجهمية والرافضة والحلول والاتحاد، فهؤلاء لا تصح صلاتهم، ولا يحل لأحدٍ أن يصليَ وراءهم.
وإما أن تكون البدعة غير مكفرة كالتلفظ بالنية والاجتماع على الذكر على نحو ما تفعله الصوفية فهؤلاء تصح صلاتهم، والصلاة خلفهم، ويجب على المسلم أن ينصحهم بترك تلك البدع فإن امتثلوا فهذا هو المطلوب، وإلا فقد أدى ما عليه، والأفضل في هذه الحال أن يبحث عن إمام حريص على إتباع السنة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
والبدعة التي يُعدُّ بها الرجل من أهل الأهواء ما اشتهر عند أهل العلم بالسنَّة مخالفتها للكتاب والسنَّة كبدعة الخوارج، والروافض، والقدرية، والمرجئة، فإن عبد الله بن المبارك ويوسف بن أسباط وغيرهما قالوا: " أصول اثنتين وسبعين فرقة هي أربع: الخوارج، والروافض، والقدرية، والمرجئة "، قيل لابن المبارك: فالجهمية؟ قال: ليست الجهميَّة من أمَّة محمَّد ﷺ .
و" الجهمية " نفاة الصفات، الذين يقولون: القرآن مخلوق، وأن الله لا يُرى في الآخرة، وأن محمَّداً لم يعرج به إلى الله، وأن الله لا علم له، ولا قدرة، ولا حياة، ونحو ذلك، كما يقوله المعتزلة، والمتفلسفة، ومن اتبعهم، وقد قال عبد الرحمن بن مهدي: هما صنفان فاحذروهما: الجهمية، والرافضة.
فهذان الصنفان شرار أهل البدع، ومنهم دخلت القرامطة الباطنية كالنصيرية، والإسماعيلية، ومنهم اتصلت الاتحادية، فإنهم من جنس الطائفة الفرعونية ".
و" الرافضة " في هذه الأزمان [هم] مع الرفض جهمية قدرية، فإنهم ضموا إلى الرفض مذهب المعتزلة، ثم قد يخرجون إلى مذهب الإسماعيلية، ونحوهم من أهل الزندقة، والاتحاد، والله ورسوله أعلم.
" مجموع الفتاوى " (٣٥ / ٤١٤ – ٤١٥) .
وقال علماء اللجنة الدائمة:
وأما الصلاة خلف المبتدعة: فإن كانت بدعتهم شركية كدعائهم غير الله ونذرهم لغير الله واعتقادهم في مشايخهم ما لا يكون إلا لله من كمال العلم أو العلم بالمغيبات أو التأثير في الكونيات: فلا تصح الصلاة خلفهم، وإن كانت بدعتهم غير شركية؛ كالذكر بما أثر عن النبي ﷺ ، ولكن مع الاجتماع والترنحات: فالصلاة وراءهم صحيحة، إلا أنه ينبغي للمسلم أن يتحرى لصلاته إماماً غير مبتدع؛ ليكون ذلك أعظم لأجره وأبعد عن المنكر.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٧ / ٣٥٣) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10648
الدعاء عقب الفرائض بدعة
[السُّؤَالُ]
ـ[بعض المصلين يدعون بعد الانتهاء (التسليم) من صلاة الفريضة مباشرة، ويقول غيرهم بأن [المسموح به] هو التسبيح الفاطمي فقط. وهناك من يتشدد في أن الدعاء بعد الصلاة مباشرة بدعة. وقد أحدث هذا الموضوع شيئا من التوتر في جاليتنا خاصة من يتبعون الإمام أبو حنيفة أو الشافعي.
فهل يجوز لنا الدعاء بعد الصلاة؟
وهل يجوز لنا الدعاء سويا مع الإمام بعد الانتهاء من الصلاة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
جاء في فتاوى اللجنة الدائمة: (ليس الدعاء بعد الفرائض بسنة إذا كان برفع الأيدي، سواء كان من الإمام وحده أو المأموم وحده، أو منهما جميعا، بل ذلك بدعة؛ لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ﵃، أما الدعاء بدون ذلك فلا بأس به، لورود بعض الأحاديث في ذلك) .
فتاوى اللجنة الدائمة ٧/١٠٣
وسئلت اللجنة عن: رفع اليدين بالدعاء بعد الصلوات الخمس هل ثبت رفعها عن النبي ﷺ أم لا، وإذا لم يثبت هل يجوز رفعهما بعد الصلوات الخمس أم لا؟
فأجابت: (لم يثبت عن النبي ﷺ فيما نعلم أنه رفع يديه بعد السلام من الفريضة في الدعاء، ورفعهما بعد السلام من صلاة الفريضة مخالف للسنة)
فتاوى اللجنة ٧/١٠٤
وأفادت اللجنة أيضا بأن: (الدعاء جهرا عقب الصلوات الخمس والسنن والرواتب أو الدعاء بعدها على الهيئة الاجتماعية على سبيل الدوام بدعة منكرة؛ لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ شيء من ذلك ولا عن أصحابه ﵃، ومن دعا عقب الفرائض أو سننها الراتبة على الهيئة الاجتماعية فهو مخالف في ذلك لأهل السنة والجماعة، ورميه من خالفه ولم يفعل كما فعل بأنه كافر أو ليس من أهل السنة والجماعة جهل منه وضلال وقلب للحقائق)
فتاوى إسلامية ١/٣١٩
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10649
استعمال مكبرات الصوت في الأذان هل هو بدعة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[الذي أفهمه من عبارة "البدعة" هو الأمور المستحدثة في الدين. وعليه، فكيف تصنف رفع الأذان باستخدام مكبرات الصوت؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لمعرفة معنى البدعة وضابطها راجع السؤال (٧٢٧٧) و (١٠٨٤٣) .
وأما الأذان بواسطة مكبرات الصوت فلا حرج فيه لأنه وسيلة لإيصال الأذان إلى السامعين والوسائل لها أحكام المقاصد، فرفع المؤذن صوته وتبليغه للناس أمرٌ مقصودٌ مطلوب، وما كان وسيلة إلى هذا المقصد فهو مطلوبٌ أيضاً.
" فكما أن استعمال الأسلحة القوية العصرية والعناية بها داخل في قوله تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) , واستعمال الوقايات والتحصينات عن الأسلحة الفتاكة داخلٌ في قوله تعالى: (وخذوا حذركم) ، والقدرة على المراكب البحرية والجوية والهوائية داخل في قوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) ، وجميع ذلك وغيره داخل في الأوامر بأخذ جميع وسائل القوة والجهاد، فكذلك إيصال الأصوات والمقالات النافعة إلى الأمكنة البعيدة من برقياتٍ وتليفونات وغيرها داخلٌ في أمر الله ورسوله بتبليغ الحقِّ إلى الخلق، فإن إيصال الحقِّ والكلام النافع بالوسائل المتنوعة من نعم الله، وترقية الصنائع والمخترعات لتحصيل المصالح الدينية والدنيوية من الجهاد في سبيل الله." انتهى من خطبةٍ للشيخ بن سعدي حين وضع مكبِّر الصوت في المسجد واستنكره بعض الناس. (مجموعة مؤلفات ابن سعدي ج٦ ص٥١) .
وكذلك استعمال شبكة الإنترنت لإيصال العلم النافع ودعوة الناس إلى الإسلام هو من الأمور المفيدة جداً التي تُحقق معاني شرعية عظيمة.
نسأل الله أن يعيننا على طاعته، وصلى الله على نبينا محمد.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 10650
ذكر اللَّه باسمه المفرد
[السُّؤَالُ]
ـ[سمعت أحد طلاب العلم يذكر بدع الصوفية، فذكر من بينها ذكرهم الله بالاسم المفرد، وأن هذا لم يرد عن النبي ﷺ ، ولا عن أصحابه الكرام، ولكن ألم يقل رسول الله في الحديث الذي لا أذكر نصه، ولكن معناه أنه لن تقوم الساعة على عبد يقول الله الله، وهذا ذكر لله بالاسم المفرد، ذكره النبي ﷺ في مقام مدح لقائله، حيث استثناه من شرار الخلق الذين تقوم عليهم الساعة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد للَّه
أولا:
ذكر الله بالاسم المفرد، بأن يقتصر الذاكر على لفظ الجلالة فيقول: الله، الله، الله، من بدع الأذكار التي أحدثها الجهال من المتصوفة ومن وافقهم، لم ترد عن النبي ﷺ ولا عن أحد من الصحابة.
وقد سبق في موقعنا تقرير ذلك بشكل مفصل في جواب السؤال رقم: (٩٣٨٩) ، (٢٦٨٦٧)
ثانيا:
أما ما يستدل به البعض على مشروعية هذا الذكر، فهي شبهات ساقطة لا تدل على مشروعية هذا النوع من الذكر أبدا، ومن هذه الأدلة:
ما جاء عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال:
(لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ اللَّهُ اللَّهُ) رواه مسلم (١٤٨)
وليس في الحديث دليل على الذكر بالاسم المفرد، وذلك من وجوه:
١- أن بعض الرويات جاء فيها: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّه)
وهي رواية أحمد في "المسند" (٣/٢٦٨) ، وابن حبان في صحيحه (١٥/٢٦٢) والحاكم (٤/٥٤٠) بل هي إحدى روايات مسلم كما نقله القاضي عياض من رواية ابن أبي جعفر. انظر النووي في "شرح مسلم" (٢/١٧٨)
فهذه الرواية تفسر الرواية الأولى، فيكون المعنى: لا تقوم الساعة على الموحدين الذين يقولون: لا إله إلا الله.
٢- لا يجوز أن يكون المراد بالحديث: أن الساعة لا تقوم على من يذكر الله باسمه المفرد، وتقوم على من يذكرون بغير ذلك، فإن غاية ما يُزعم هو استحباب الذكر بالاسم المفرد، وليس فرضيته، فكيف يكون مدار النجاة من هول قيام الساعة على أمر مستحب؟! .
٣- ثم إن اللغة العربية لا تسعف من يريد أن يستدل به، لأن الاسم المفرد لا يفيد معنى تاما، وذكر الله تعالى لا بد أن يحمل معنى الثناء عليه بشيء من صفاته.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ "مجموع الفتاوى" (١٠/٥٦٤) :
" اتفق أهل العلم بلغة العرب وسائر اللغات على أن الاسم وحده لا يحسن السكوت عليه، ولا هو جملة تامة ولا كلاما مفيدا " انتهى.
٤- أن الصحابة ﵃، والتابعين ومن تبعهم، لم يفهموا من هذا الحديث استحباب الذكر بالاسم المفرد، ولم يرد عن أحد منهم أنه استنبط ذلك من هذا الحديث، وهذا دليل كاف على بطلان هذا الاستدلال.
٥- ثم تواردت أقوال العلماء في تفسير الحديث، ولم يرد عن أحد منهم الاستدلال به على الذكر بالاسم المفرد.
يقول النووي ﵀ في "شرح مسلم" (٢/١٧٨) :
" (يقول الله الله) : هو برفع اسم الله تعالى، وقد يغلط فيه بعض الناس فلا يرفعه " انتهى.
ويقول الطيبي كما في "تحفة الأحوذي" (٦/٣٧٥) :
" معنى (حتى لا يقال) حتى لا يذكر اسم الله ولا يعبد " انتهى.
ويقول المناوي في "فيض القدير" (٦/٤١٧) :
" وليس المراد أن لا يتلفظ بهذه الكلمة، بل أنه لا يذكر الله ذكرا حقيقيا، فكأنه لا تقوم الساعة وفي الأرض إنسان كامل، أو التكرار كناية عن أن لا يقع إنكار قلبي على منكر؛ لأن من أنكر منكرا يقول عادة متعجبا من قبحه " الله الله " فالمعنى: لا تقوم الساعة حتى لا يبقى من ينكر المنكر " انتهى.
ويقول الشيخ الألباني ﵀ في "فتاوى جدة" (الشريط رقم/٦/الدقيقة ٦٠) :
" هذا لا يعني أن المسلم يجلس يذكر الله بالاسم المفرد، فيقول مائة مرة "الله الله الله" كما يفعلون في كثير من الطرق، وتفسيره في رواية الإمام أحمد في "المسند" (لا تقوم الساعة وعلى وجه الأرض من يقول: لا إله إلا الله)
فإذًا اللفظ المفرد في الرواية الأولى كنايةٌ عن التوحيد، ومعنى ذلك أنه لا تقوم الساعة على وجه الأرض من يعبد الله.
هذا قد جاء صريحا في حديث ابن سمعان في صحيح مسلم، وفيه أن الله ﵎ إذا أراد أن يقيم الساعة أرسل ريحا طيبة فيقبض روح كل مؤمن، فلا يبقى على وجه الأرض إلا شرار الخلق، وعليهم تقوم الساعة.
وليس في هذا الذكر أكثر من أنه مستحب، فهل لا تقوم الساعة إلا على من ترك المستحب، يعني إذا استمر المسلمون يقومون بكل واجباتهم وعقائدهم الصحيحة، لكنه أخل بهذا الأمر المستحب، فعليهم تقوم الساعة!؟ " انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10651
حكم شراء حلوى المولد
[السُّؤَالُ]
ـ[هل أكل حلوى المولد النبوي حرام، قبل يوم الاحتفال وبعده ونفس اليوم، وما حكم شرائها خاصة أنها لم تظهر إلا في هذه الأيام أرجو الإفادة]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
الاحتفال بالمولد، بدعة، لم ترد عن النبي ﷺ ، ولا عن أحد من أصحابه أو التابعين أو الأئمة، وإنما أحدثها العبيديون، كما أحدثوا غيرها من البدع والضلالات.
وقد سبق بيان بدعية هذا الاحتفال في الجواب رقم (١٠٠٧٠) ورقم (٧٠٣١٧) .
ثانيا:
الأصل هو جواز أكلِ وشراء الحلوى الخالية مما يضر، ما لم يكن في ذلك إعانة على منكرٍ، أو ترويج وتشجيع على استمراره وبقائه.
والذي يظهر أن شراء حلوى المولد في زمن الاحتفال به، فيه نوع من الإعانة والترويج له، بل فيه نوع من إقامة العيد، لأن العيد ما اعتاده الناس، فإذا كان من عادتهم أكل هذا الطعام المعين، أو كانوا صنعوا ذلك من أجل العيد، على خلاف عادتهم في سائر الأيام، ففيه بيعه وشرائه، وأكله أو إهدائه، في ذلك اليوم، نوع من الاحتفال بالعيد، والإقامة له؛ ولهذا ينبغي ترك ذلك، في يوم العيد.
وقد جاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" فيما يتعلق بعيد الحب، وشراء الحلوى الملونة باللون الأحمر، والتي رسم عليها صورة القلب، تعبيرا عن الاحتفال بهذا العيد المبتدع:
" دلت الأدلة الصريحة من الكتاب والسنة - وعلى ذلك أجمع سلف الأمة - أن الأعياد في الإسلام اثنان فقط هما: عيد الفطر وعيد الأضحى، وما عداهما من الأعياد سواء كانت متعلقة بشخصٍ أو جماعة أو حَدَثٍ أو أي معنى من المعاني، فهي أعياد مبتدعة لا يجوز لأهل الإسلام فعلها ولا إقرارها ولا إظهار الفرح بها ولا الإعانة عليها بشيء؛ لأن ذلك من تعدي حدود الله؛ ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ... ، كما يحرم على المسلم الإعانة على هذا العيد أو غيره من الأعياد المحرمة، بأي شيء، من أكلٍ أو شرب أو بيع أو شراء أو صناعة أو هدية أو مراسلة أو إعلان أو غير ذلك، لأن ذلك كله من التعاون على الإثم والعدوان ومعصية الله والرسول والله جل وعلا يقول: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب) ... " انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10652
كيف تنقذ جدها المتوفى من عاقبة أكله مال الآخرين ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا حفيدة لجد مات، وأنا أحبه ولن أنساه بالدعاء: توفي جدي والد أبي، وبعد أن مات أصبحنا نراه في أحلامنا بأحوال غريبة ومفزعة، فمرة نراه محروقا، ومرة نراه يتقلب في دورة المياه، وهكذا، وبعد البحث تبين لنا أنه قد أخذ قطعة أرض ليتيم وبنى عليها منزله، وأن هذا اليتيم لا يعلم، ولكنه قبل أن يموت استسمح منه وأعطاه ثلاثة آلاف ريال دون أن يخبره، وقد سامحه وهو لا يعلم إلى الآن، كما أن جدي هذا وأخاً له - وقد مات أيضا - لم يعطوا أخواتهم وعمتهم ورثهم، كما هو متعارف بأن المرأة لا ترث، أما أخواتهم فقد ماتوا ولهم بنات، أما عمتهم فقد ماتت ولها ابن واحد، لكن المسألة لا تقف عند هذا الحد، فقد رفض الأبناء الاعتراف بحقوق الآخرين، بحجة أنهم لن يوزعوا أراضيهم على الناس، مع أنهم لا يذهبون إلى القرية، ويسكنون في المدن، والبيوت أصبحت مهجورة، والأراضي لم تعد تزرع، ونحن الأحفاد في حيرة من أمرنا، فهذا جدنا، ونحن الذين دائما نحلم به، فأرجو إعطائي الحل والنصيحة؛ فجدي في عذاب.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
من أخطر ما يمكن أن يلقى العبدُ ربَّه به يوم القيامة أكل أموال الناس بالباطل، فهي كبيرة من الكبائر التي تهلك العبد وتثقل وزره يوم القيامة، وتفضي به إلى النار، نسأل الله السلامة والعافية.
ومن أعظم الظلم والتعدي: أكل أموال المستضعفين من اليتامى والنساء، فقد خصهم الله تعالى بمزيد عناية، ومزيد تحذير من أكل أموالهم، لأن أيدي الظلمة تجد أموالهم سهلة المنال بسبب ضعفهم وعجزهم.
فلما ذكر الله في سورة النساء نصيب أصحاب الفروض من الوارثين، حذر من تجاوز هذه القسمة الشرعية، فقال سبحانه: (وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ) النساء/١٤.
كما عد الله تعالى أكل أموال اليتامى من الكبائر.
يقول الله تعالى: (وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً) النساء/٢.
ويقول : (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً) النساء/١٠.
وغصب الأرض من كبائر الذنوب، وعقابه شديد، ويزداد العقاب شدة إذا كانت الأرض ليتيم، قال النبي ﷺ : (مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ ظُلْمًا فَإِنَّهُ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ) رواه البخاري (٣١٩٨) ومسلم (١٦١٠) .
فالعجب - والله - ممن تجده يحرص على أداء الصلوات ونوافل العبادات، ثم تجده قد شغل ذمته بحقوق الناس، وحمل على ظهره أوزارا تنوء بها الجبال يوم القيامة، فلم تردعه صلاته ولا صيامه ولا قراءته القرآن عن طمع نفسه وشحها، ولم يرحم ضعف امرأة أو صغير أو يتيم فاعتدى على حقوقهم التي كتبها الله لهم.
وبعد ذلك كله نرجو النجاة لهم عند الله؟!
أختنا:
نسأل الله أن يجزيك خير الجزاء على حرصك الشديد لإنقاذ جدك المتوفى مما تظنينه واقعاً فيه من العذاب، ولكننا لا نملك إلا أن نذكر لك الحقيقة التي قررها الله في كتابه، وقررها نبينا ﷺ ، أن غصب الأرض، وأكل أموال اليتامى ظلما، والتعدي في قسمة المواريث، كل ذل من كبائر الذنوب، فإذا لم يتب الرجل منها قبل موته (ومن توبته: رد الحقوق إلى أهلها) فإذا لم يتب كان معرضا لعقاب الله تعالى، ثم إذا كان يوم القيامة أخذ أصحاب الحقوق من حسناته بقدر حقوقهم، فإن فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم وطرحت عليه، ثم طرح في النار، كما أخبر بذلك النبي ﷺ في حديثه عن المفلس. رواه مسلم (٢٥٨١) .
وتوبة جدك من غصب أرض اليتيم بالصورة التي ذكرت لا تكفي، بل كان الواجب عليه أن يخبره بحقيقة الأمر، ويعطيه حقه كاملا.
قال الغزالي ﵀ في شروط التوبة من مظالم الناس -:
"وعليه أن يعرفه قدر جنايته وتعرضه له، فالاستحلال المبهم لا يكفي، وربما لو عرف ذلك وكثرة تعديه عليه لم تطب نفسه بالإحلال، وادخر ذلك في القيامة ذخيرة يأخذها من حسناته أو يحمله من سيئاته " انتهى. " إحياء علوم الدين " (٤ / ٤٧) .
وجدك قد انتقل من دار العمل إلى دار الجزاء، فلا تملكون له إلا أمرين:
الأول: الدعاء له بأن يتجاوز الله عنه.
الثاني: رد الحقوق إلى أصحابها وسؤالهم أن يعفوا عن جدك ويسامحوه، فإنَّ ردَّ الحقوقِ إليهم ـ وإن كان لا يبرئ ذمة جدك تماماـ إلا أنه ولا شك يخفف كثيرا من المظالم التي تحملها، وحيث إنك تقولين إن بعض أصحاب الحقوق قد ماتوا، فالواجب دفع حقهم إلى ورثتهم.
ثانيا:
وأما أعمامك فالنصيحة لهم أن يبادروا إلى رد الحقوق إلى أصحابها، فإن لم يفعلوا كانوا مغتصبين لهذه الحقوق، وسيلقون الله تعالى بهذه الكبائر إن لم يتوبوا منها، وقولهم: " إنهم لن يعطوا أراضيهم للناس " قول عجيب منهم، وهم يعلمون أنها ليست أرضهم ولا أرض أبيهم، والقول الحق الموافق للواقع هو أن يقولوا: (إننا سنستمر غاصبين لأراضي الناس) . والظن بهم وبجميع المسلمين أنهم لا يقحمون أنفسهم فيما يستوجبون به عذاب الله، فإن عذاب الله شديد، ونعيم الدنيا بأجمعها لا يساوي لحظة في نار جهنم، نسأل الله العافية.
ونسأل الله أن يوفق أعمامك للتوبة النصوح.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10653
أكل الطعام الذي يوزع يوم المولد النبوي الشريف
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز أكل الطعام الذي يوزع في مولد النبي محمد ﷺ ، ومن الناس يحتج بأن أبا لهب لما أعتق الجارية في ميلاد النبي ﷺ خفف الله له العذاب في ذلك اليوم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لِلَّه
أولا:
ليس ثمة في شريعة الإسلام شيء يسمى بـ "عيد المولد النبوي"، ولم يكن الصحابة ولا التابعون ولا الأئمة الأربعة ولا غيرهم يعرفون مثل هذا اليوم في دينهم، وإنما استحدث هذا العيد بعض المبتدعة من جهلة الباطنية، ثم سار الناس على هذه البدعة التي ما زال الأئمة ينكرونها في كل زمان ومكان.
وقد سبق التوسع في بيان نكارة هذه البدعة في موقعنا في جواب السؤال رقم:
(١٠٠٧٠) (١٣٨١٠) ، (٧٠٣١٧)
ثانيا:
وعليه فإن كل ما يخصُّ الناسُ به ذلك اليوم من أعمال تعد من الأعمال المحرمة المبتدعة، لأنهم يريدون بها إحياء عيد مبتدع في شريعتنا، بمثل إقامة الاحتفالات، وإطعام الطعام، وغير ذلك.
يقول الشيخ الفوزان في "البيان لأخطاء بعض الكتاب" (٢٦٨-٢٧٠) :
" لا يخفى ما ورد في الكتاب والسنة من الأمر باتباع ما شرعه الله ورسوله والنهي عن الابتداع في الدين، قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) ، وقال تعالى: (اتَّبِعُواْ مَا أنزل إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ) ، وقال تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ) وقال ﷺ : (إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها) ، وقال ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) وفي رواية لمسلم: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) .
وإن من جملة ما أحدثه الناس من البدع المنكرة الاحتفال بذكرى المولد النبوي في شهر ربيع الأول، وهم في هذا الاحتفال على أنواع:
فمنهم من يجعله مجرد اجتماع تقرأ فيه قصة المولد، أو تقدم فيه خطب وقصائد في هذه المناسبة.
ومنهم من يصنع الطعام والحلوى وغير ذلك، ويقدمه لمن حضر.
ومنهم من يقيمه في المساجد، ومنهم من يقيمه في البيوت.
ومنهم من لا يقتصر على ما ذكر، فيجعل هذا الاجتماع مشتملًا على محرمات ومنكرات من اختلاط الرجال بالنساء والرقص والغناء، أو أعمال شركية كالاستغاثة بالرسول ﷺ وندائه والاستنصار به على الأعداء، وغير ذلك.
وهو بجميع أنواعه واختلاف أشكاله واختلاف مقاصد فاعليه لا شك ولا ريب أنه بدعة محرمة محدثة بعد القرون المفضلة بأزمان طويلة.
فأول من أحدثه الملك المظفر أبو سعيد كوكبوري ملك إربل في آخر القرن السادس أو أول القرن السابع الهجري، كما ذكره المؤرخون كابن كثير وابن خلكان وغيرهما.
وقال أبو شامة: وكان أول من فعل ذلك بالموصل الشيخ عمر بن محمد الملا أحد الصالحين المشهورين، وبه اقتدى في ذلك صاحب إربل وغيره.
قال الحافظ ابن كثير في " البداية " (١٣ -١٣٧) في ترجمة أبي سعيد كوكبوري:
وكان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ويحتفل به احتفالًا هائلًا. . إلى أن قال:
قال السبط: حكى بعض من حضر سماط المظفر في بعض الموالد، كان يمد في ذلك السماط خمسة آلاف رأس مشوي، وعشرة آلاف دجاجة، ومائة ألف زبدية، وثلاثين ألف صحن حلوى ... إلى أن قال: ويعمل للصوفية سماعًا من الظهر إلى الفجر، ويرقص بنفسه معهم، اهـ.
وقال ابن خلكان في " وفيات الأعيان " (٣-٢٧٤) :
فإذا كان أول صفر زينوا تلك القباب بأنواع الزينة الفاخرة المتجملة، وقعد في كل قبة جوق من الأغاني، وجوق من أرباب الخيال ومن أصحاب الملاهي، ولم يتركوا طبقة من تلك الطبقات (طبقات القباب) حتى رتبوا فيها جوقًا " انتهى.
إذا فأعظم ما يحيى به المبتدعة هذا اليوم هو صنع الطعام بأشكاله وأصنافه، وتوزيعه، ودعوة الناس إليه، فإذا شاركهم المسلم هذا العمل، فأكل طعامهم، وجلس على موائدهم فلا شك أنه بذلك يشارك في إحياء البدعة، ويعاون على إقامتها، والله يقول:
(وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) المائدة/٢
ولذلك جاءت فتاوى أهل العلم بتحريم أكل الطعام الذي يوزع في ذلك اليوم وفي غيره من الأعياد المبتدعة.
سئل الشيخ ابن باز ﵀ السؤال التالي "مجموع الفتاوى" (٩/٧٤) :
" ما حكم الذبائح التي تكون في المولد؟
فأجاب ﵀:
إن كان ذبحها لصاحب المولد فهذا شرك أكبر، أما إن كان ذبحها للأكل فلا شيء في ذلك، لكن ينبغي ألا يؤكل منها، وأن لا يحضر المسلم إنكارا عليهم بالقول والفعل؛ إلا أن يحضر لنصيحتهم بدون أن يشاركهم في أكل أو غيره " انتهى.
وقد سبق في موقعنا أيضا بعض الفتاوى في ذلك، انظر جواب السؤال رقم (٧٠٥١) (٩٤٨٥)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10654
سجود الشكر بعد الولادة بأربعين يوماً
[السُّؤَالُ]
ـ[أصبح عمر ابنتي ٤٠ يوما وذهبت للمسجد لأسجد السجدة التقليدية التي نعملها في بلدنا باكستان ولكن رفض الإمام هذا وقال إن هذا السجود ليس له أصل في أي حديث وأن الرسول ﷺ لم يفعل هذا ولا يجب أن نكون أفضل منه.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا السجود كما قال إمام المسجد ليس له أصل، نعم سجود الشكر مشروع عند تجدد نعمة أو اندفاع نقمة، لكنه يفوت إذا مضى عليها مدة كهذه. انتهى جواب الشيخ عبد الكريم الخضير.
فلو كنت سجدت سجود الشكر لمّا ولدت ابنتك سالمة وسلمت الأم لقلنا لك هذا لا بأس به، وفعل مشروع أما توقيتها بأربعين في المسجد فهذه بدعة، وفقنا الله وإياك لكل خير.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 10655
تحديد عدد معين للصلاة على النبي ﷺ
[السُّؤَالُ]
ـ[ي يتعلق بالصوفية إلى حد ما.. فقد اختلطت بجماعة منهم ولم أكن أعرف حقيقة الأمر.. ولكن بعد الاستماع لسلسلة العقيدة الصحيحة للشيخ المنجد حفظه الله.. ومعرفة بعض ما عليه الصوفية الغلاة.. بدأت أشك في أمر من خالطتهم.. وأود أن أعرف الحقيقة.. فلله الحمد على نعمة العلم، والأسئلة هي: ١- يقوم هؤلاء الأشخاص بالصلاة على الرسول ﷺ في اليوم الواحد ثلاثة أو أربعة آلاف مرة.. ويقولون: كلما زدت في الصلاة، زادت محبتك للرسول ﷺ ، وزدت قرباً منه.. وكلما زدت في الصلاة.. زادت فرصتك في رؤية الرسول ﷺ في المنام.. فهل هذا الزعم صحيح؟ وهل هذا الفعل جائز؟ وهل يدخل في عموم الذكر؟ وهل هناك أدلة تدعمه؟ ٢- كيف يمكن الربط بين أحاديث الرسول ﷺ التي تدعو إلى الإكثار من الذكر مثل فضل قول "سبحان الله وبحمده" مئة مرة.. وبين حديث ابن مسعود عندما رأى أناساً في المسجد يعدون الذكر بالحصى.. فأمرهم بعد سيئاتهم؟ وجزاكم الله الخير!]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
الصلاة على النبي ﷺ قربة من أجل القربات، أمر الله تعالى بها، وأثنى على أهلها، وجعلها سببا لمغفرة الذنوب، وقضاء الحاجات.
قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) الأحزاب/٥٦، وقال ﷺ : (فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا) رواه مسلم (٣٨٤) .
وعن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ قَامَ فَقَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا اللَّهَ اذْكُرُوا اللَّهَ جَاءَتْ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ) قَالَ أُبَيٌّ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ، فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي؟ فَقَالَ: مَا شِئْتَ!!
قَالَ: قُلْتُ: الرُّبُعَ؟! قَالَ مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ!!
قُلْتُ: النِّصْفَ؟! قَالَ: مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ!!
قَالَ: قُلْتُ فَالثُّلُثَيْنِ؟ قَالَ: مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ!!
قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا؟ قَالَ: إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ) رواه الترمذي (٢٤٥٧) وحسنه الألباني في صحيح الترمذي.
قال ابن القيم ﵀ في "جلاء الأفهام" (٧٩) : (وسئل شيخنا أبو العباس [يعني: ابن تيمية] عن تفسير هذا الحديث، فقال: كان لأبي بن كعب دعاء يدعو به لنفسه، فسأل النبي هل يجعل له منه ربعه صلاةً عليه؟ فقال: ... ، لأن من صلى على النبي صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ومن صلى الله عليه كفاه همه، وغفر له ذنبه) .
قال في "تحفة الأحوذي": " (فَكَمْ أَجْعَلُ لَك مِنْ صَلَاتِي) أَيْ بَدَلَ دُعَائِي الَّذِي أَدْعُو بِهِ لِنَفْسِي، قَالَهُ الْقَارِي. وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ: مَعْنَاهُ: أُكْثِرُ الدُّعَاءَ، فَكَمْ أَجْعَلُ لَك مِنْ دُعَائِي صَلَاةً عَلَيْك ... (قُلْتُ أَجْعَلُ لَك صَلَاتِي كُلَّهَا) أَيْ أَصْرِفُ بِصَلَاتِي عَلَيْك جَمِيعَ الزَّمَنِ الَّذِي كُنْت أَدْعُو فِيهِ لِنَفْسِي.
وقوله: (إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ) : َالْهَمُّ مَا يَقْصِدُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ , يَعْنِي: إِذَا صَرَفْت جَمِيعَ أَزْمَانِ دُعَائِك فِي الصَّلَاةِ عَلَيَّ أُعْطِيت مَرَامَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ " انتهى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "الرد على البكري" (١/١٣٣) : (وهذا غاية ما يدعو به الإنسان لنفسه من جلب الخيرات ودفع المضرات؛ فإن الدعاء فيه تحصيل المطلوب واندفاع المرهوب) .
قال بعض شراح المصابيح: (.. فلم ير ﷺ أن يعين له في ذلك حدا، لئلا يغلق باب المزيد؛ فلم يزل يفوض الاختيار إليه، مع مراعاة الحث على المزيد، حتى قال: أجعل لك صلاتي كلها، فقال: إذا تكفى همك؛ أي: ما أهمك من أمر دينك ودنياك، لأن الصلاة عليه مشتملة على ذكر الله تعالى وتعظيم الرسول، ﷺ ، وهي في المعنى إشارة له بالدعاء لنفسه..) نقله السخاوي في " القول البديع " (١٣٣) .
وروى الترمذي (٤٨٤) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً) وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب.
قال في "تحفة الأحوذي": قوله (أولى الناس بي) أي أقربهم بي أو أحقهم بشفاعتي (أكثرهم علي صلاة) : لأن كثرة الصلاة منبئة عن التعظيم، المقتضي للمتابعة الناشئة عن لمحبة الكاملة، المرتبة عليها محبة الله تعالى. قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) .
فلا يشك أحد في فضل الصلاة على النبي ﷺ .
فقول من ذكرتَ: كلما زدت في الصلاة زادت محبتك للرسول ﷺ ، وزدت قرباً منه، صحيح، فإنّ من أكثر من ذكر شيء أحبه.
وقولهم: وكلما زدت في الصلاة.. كلما زادت فرصتك في رؤية الرسول ﷺ في المنام، قد يكون صحيحا أيضا من جهة الواقع، لكن لم يدل على ذلك دليل، والمعوّل عليه ليس رؤية النبي ﷺ ، ولكن اتباع سنته واقتفاء أثره، وتقديم محبته على النفس والنفيس، وإلا فقد رآه أناس في اليقظة، وكانوا من أعظم المخالفين له، الصادين عن سبيله.
وإذا كانت الصلاة على النبي ﵌ قربة مشروعة كما ذُكر، فإنه لا يجوز تحديد عدد معين لها، لم يرد تحديده في الشرع، سواء كان ألفا أو ثلاثة آلاف أو غير ذلك، مما يخترعه المتصوفة، فإن هذا التحديد بدعة مذمومة، لمضاهاتها التشريع، وقد نص العلماء على أن العبادة لابد أن تكون مشروعة بأصلها ووصفها وعددها وكيفيتها ومكانها وزمانها، بمعنى أنه لا يجوز تقييدها بمكان أو زمان أو كيفية، لم ترد في الشرع.
وينبغي أن يُعلم أن كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة، بل البدعة أحب إلى إبليس من المعصية لأنه لا يتاب منها. وقد قال مالك ﵀: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا خان الرسالة.
ويقال لمن حدّ الصلاة هنا بثلاثة آلاف: ما الذي حملك على هذا العدد، وما خاصيته؟ فما من خير يذكره، إلا ويقال له: فهل قصّر النبي ﷺ في دلالة أمته على هذا الخير؟! وهو أحرص الناس عليهم، وأرحمهم بهم، وهلا أرشد أبي ابن كعب – كما في الحديث السابق- إلى هذا العدد معين؟!
والواقع أن كثيرا من المتصوفة يعتمدون في تحديد هذه الأعداد على المنامات، أو على مجرد الاختراع، وإيهام المريد أنه لا يصلح له أكثر من ذلك، وأن الزيادة عليه ترجع إلى إذن الشيخ المطلع على حاله، بل على سرّه، إلى غير ذلك من الباطل، الذي يتسلطون به على أتباعهم.
وإنه ليخشى على هذا المبتدع أن يضيع عمله، وأن تذهب حسناته، وألا يجني من عبادته خيرا، لا سيما إذا تعمد ذلك عن علم وبصيرة، فقد قال ﷺ : (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ) رواه البخاري (٢٦٩٧) ومسلم (١٧١٨) .
ولهذا ترى كثيرا من هؤلاء لا يظهر عليهم أثر الذكر في معاملاتهم وأحوالهم، مع تفريطهم في الأذكار المشروعة التي حد الشارع فيها حدا معينا، كقول: سبحان الله وبحمده مائة مرة في الصباح والمساء.
وانظر: إجابة السؤال رقم (١١٩٣٨) .
ثانيا:
حديث ابن مسعود رضي الله الذي أشرت إليه، هو ما رواه الدارمي (٢٠٤) عن عمرو بن سلمة قَالَ: كُنَّا نَجْلِسُ عَلَى بَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَبْلَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ فَإِذَا خَرَجَ مَشَيْنَا مَعَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَجَاءَنَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ فَقَالَ أَخَرَجَ إِلَيْكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَعْدُ؟ قُلْنَا لَا فَجَلَسَ مَعَنَا حَتَّى خَرَجَ فَلَمَّا خَرَجَ قُمْنَا إِلَيْهِ جَمِيعًا فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنِّي رَأَيْتُ فِي الْمَسْجِدِ آنِفًا أَمْرًا أَنْكَرْتُهُ وَلَمْ أَرَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ إِلَّا خَيْرًا قَالَ فَمَا هُوَ؟ فَقَالَ إِنْ عِشْتَ فَسَتَرَاهُ قَالَ رَأَيْتُ فِي الْمَسْجِدِ قَوْمًا حِلَقًا جُلُوسًا يَنْتَظِرُونَ الصَّلَاةَ فِي كُلِّ حَلْقَةٍ رَجُلٌ وَفِي أَيْدِيهِمْ حَصًى فَيَقُولُ كَبِّرُوا مِائَةً فَيُكَبِّرُونَ مِائَةً فَيَقُولُ هَلِّلُوا مِائَةً فَيُهَلِّلُونَ مِائَةً وَيَقُولُ سَبِّحُوا مِائَةً فَيُسَبِّحُونَ مِائَةً قَالَ فَمَاذَا قُلْتَ لَهُمْ؟ قَالَ مَا قُلْتُ لَهُمْ شَيْئًا انْتِظَارَ رَأْيِكَ وَانْتِظَارَ أَمْرِكَ قَالَ أَفَلَا أَمَرْتَهُمْ أَنْ يَعُدُّوا سَيِّئَاتِهِمْ وَضَمِنْتَ لَهُمْ أَنْ لَا يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ ثُمَّ مَضَى وَمَضَيْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَى حَلْقَةً مِنْ تِلْكَ الْحِلَقِ فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ مَا هَذَا الَّذِي أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالُوا يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَصًى نَعُدُّ بِهِ التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ وَالتَّسْبِيحَ قَالَ فَعُدُّوا سَيِّئَاتِكُمْ فَأَنَا ضَامِنٌ أَنْ لَا يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِكُمْ شَيْءٌ وَيْحَكُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ مَا أَسْرَعَ هَلَكَتَكُمْ هَؤُلَاءِ صَحَابَةُ نَبِيِّكُمْ ﷺ مُتَوَافِرُونَ وَهَذِهِ ثِيَابُهُ لَمْ تَبْلَ وَآنِيَتُهُ لَمْ تُكْسَرْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّكُمْ لَعَلَى مِلَّةٍ هِيَ أَهْدَى مِنْ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ أَوْ مُفْتَتِحُو بَابِ ضَلَالَةٍ قَالُوا وَاللَّهِ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا أَرَدْنَا إِلَّا الْخَيْرَ قَالَ وَكَمْ مِنْ مُرِيدٍ لِلْخَيْرِ لَنْ يُصِيبَهُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَنَا أَنَّ قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ َرَاقِيَهُمْ وَايْمُ اللَّهِ مَا أَدْرِي لَعَلَّ أَكْثَرَهُمْ مِنْكُمْ ثُمَّ تَوَلَّى عَنْهُمْ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ سَلَمَةَ رَأَيْنَا عَامَّةَ أُولَئِكَ الْحِلَقِ يُطَاعِنُونَا يَوْمَ النَّهْرَوَانِ مَعَ الْخَوَارِجِ.
وهذا لا يعارض ما جاء في السنة من تحديد العدد لبعض الأذكار، إذ المذموم أمران:
تحديد عدد معين، لم يرد تعيينه في الشريعة.
أو التزام كيفية معينة، أو وقت معين، من غير دليل، كحال هؤلاء الذين أنكر عليهم عبد الله بن مسعود ﵁، فاستعمال الحصى، ووجود هذا الموجّه الذي يقول: كبروا مائة، سبحوا مائة، هذه كيفية لم يفعلها النبي ﷺ .
قال الشاطبي ﵀: " فالبدعة إذن عبارة عن طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه ... ومنها التزام الكيفيات والهيآت المعينة، كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد، واتخاذ يوم ولادة النبي ﷺ عيدا، وما أشبه ذلك.
ومنها التزام العبادات المعينة، في أوقات معينة، لم يوجد لها ذلك التعيين في الشريعة، كالتزام صيام يوم النصف من شعبان، وقيام ليلته " انتهى من "الاعتصام" (١/٣٧-٣٩) .
وقصة ابن مسعود ﵁ هذه دليل على بطلان ما يعمله الصوفية في حضراتهم، من التزام أعداد معينة للذكر، بتوجيه الشيخ وإرشاده، إضافة إلى الكيفيات المخترعة، من القيام والقعود والحركات التي يجعلونها طقوسا يتعين التزامها.
والأمر أكبر من ذلك، فليست المخالفة محصورة في هذه البدع، لكنها تتجاوز ذلك إلى صور من الشرك في الاعتقاد والعمل، كدعاء النبي ﷺ ، واعتقاد النفع والضر في الأولياء والصالحين.
نسأل الله تعالى أن يهدي ضال المسلمين، وأن يوفقنا وإياك لطاعته ومرضاته.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10656
قولهم اللهم صلى على محمد عدد كمال الله
[السُّؤَالُ]
ـ[هنالك عادة في المسجد بعد صلاة الجماعة عقب التسبيح والتحميد والتكبير، يرددون صلوات بقيادة المؤذن بثلاث صيغ مختلفة الآتية: ١- اللهم صلي وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله عدد كمال الله وكما يليق بكماله. ٢- اللهم صلي وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله عدد أسماء الله وكما يليق بكماله. ٣- الصلوات الإبراهيمية المعروفة. ملاحظة: هناك من يقول لا يجوز لفظ " عدد كمال الله " كما في الصيغة الأولى بحجة حصر كمال الله، ويجيز لفظ " عدد أسماء الله " كما في الصيغة الثانية. ما رأيكم لكل من الصيغ؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
من الأذكار المشروعة بعد الصلاة: التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل؛ لما روى مسلم (٥٩٦) عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مُعَقِّبَاتٌ لا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ أَوْ فَاعِلُهُنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ ثَلاثٌ وَثَلاثُونَ تَسْبِيحَةً وَثَلاثٌ وَثَلاثُونَ تَحْمِيدَةً وَأَرْبَعٌ وَثَلاثُونَ تَكْبِيرَةً) .
وعند مسلم أيضا (٥٩٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ وَكَبَّرَ اللَّهَ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ فَتْلِكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ وَقَالَ تَمَامَ الْمِائَةِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ) .
وفي الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ فَقَالَ وَمَا ذَاكَ قَالُوا يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ وَيَتَصَدَّقُونَ وَلا نَتَصَدَّقُ وَيُعْتِقُونَ وَلا نُعْتِقُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَفَلا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ وَلا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ مَرَّةً قَالَ أَبُو صَالِحٍ فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ الأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا فَفَعَلُوا مِثْلَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِهِ مَنْ يَشَاءُ) . البخاري (٨٤٣) ومسلم (٥٩٥) .
وهذا الذكر العظيم يؤديه كل إنسان بمفرده، وأما فعله جماعة بقيادة المؤذن أو الإمام أو غيرهما، فمن البدع؛ لأنها كيفية لم ترد عن النبي ﷺ ، وقد نبه أهل العلم على ذلك.
قال الشافعي ﵀: " وأختار للإمام والمأموم أن يذكرا الله بعد الانصراف من الصلاة، ويخفيان الذكر إلا أن يكون إماماً يجب أن يُتعلم منه فيجهر حتى يرى أنه قد تُعلم منه، ثم يُسر؛ فإن الله يقول: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾ يعنى – والله تعالى أعلم -: الدعاء، ﴿ولا تجهر﴾ ترفع، ﴿ولا تخافت﴾ حتى لا تُسمع نفسك.
وأحسب ما روى ابن الزبير من تهليل النبي ﷺ ، وما روى ابن عباس من تكبيره كما رويناه - قال الشافعي: -
وأحسبه إنما جهر قليلاً ليتعلم الناس منه؛ وذلك لأن عامة الروايات التي كتبناها مع هذا وغيرها ليس يذكر فيها بعد التسليم تهليل، ولا تكبير " انتهى من "الأم" (١ / ١٢٧) .
وقال الشاطبي ﵀: " فالبدعة إذن عبارة عن طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه ... ومنها التزام الكيفيات والهيآت المعينة، كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد، واتخاذ يوم ولادة النبي ﷺ عيدا، وما أشبه ذلك.
ومنها التزام العبادات المعينة، في أوقات معينة، لم يوجد لها ذلك التعيين في الشريعة، كالتزام صيام يوم النصف من شعبان، وقيام ليلته " انتهى من "الاعتصام" (١/٣٧-٣٩) .
وقال الشيخ جمال الدين القاسمي ﵀: " في بعض المساجد إذا سلَّم الإمام مِن فريضة العصر، يزعق المؤذن بالتأمين ودعاءٍ بعده، وفي بعضها متى سلَّم الإمام منها، أخذ المقتدون في الجهر بالصلاة على النبي ﷺ الصلاة الكمالية، وفي ذلك مخالفة؛ إذ السنة الاشتغال عقب الفريضة بالأوراد المأثورة بعدها سرّاً، كل مصلٍّ لنفسه.
وكذلك مِن أدب الدعاء خفض الصوت فيه، قال تعالى ﴿ادعوا ربكم تضرعاً وخفية﴾ ، وهؤلاء أعرضوا عن التضرع والخفية بالعياط والزعقات " انتهى من "إصلاح المساجد من البدع والعوائد" ص١٥٤
وقال الشيخ علي محفوظ ﵀: " من البدع المكروهة ختم الصلاة على الهيئة المعروفة مِن رفع الصوت به، وفي المسجد، والاجتماع له، والمواظبة له، حتى اعتقد العامة أنه مِن تمام الصلاة، وأنه سنة لا بدَّ منها، مع أنه مستحب انفراداً سرّاً.
فهذه الهيئة محدثة، لم تُعهد عن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، ولا عن الصحابة، وقد اتخذها الناس شعاراً للصلوات المفروضة عقب الجماعة ....
وكيف يجوز رفع الصوت به والله تعالى يقول في كتابه الحكيم ﴿ادعوا ربكم تضرعاً وخفية إنه لا يحب المعتدين﴾ ، فالإسرار أقرب إلى الإخلاص وأبعد عن الرياء " انتهى من "الإبداع في مضار الابتداع" ص ٢٨٣
وجاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (٧/٩٨) : " س: اختلف الناس في الدعاء بعد السنن الرواتب بالهيئة الاجتماعية، فئة تقول إن ذلك لم ينقل فيه عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة شيء ولو كان خيرا لسبقونا إليه لأنهم أحرص الناس على اتباع الحق، وفئة تقول الدعاء بعد السنن الرواتب بالهيئة الاجتماعية مستحب ومندوب بل مسنون لأنه ذكر وعبادة وكل ذكر وعبادة لا أقل من أن يكون مستحبا ومسنونا، وهؤلاء يلومون الذين لا ينتظرون الدعاء ويقومون بعد الفراغ من الصلاة.
ج: الدعاء عبادة من العبادات، والعبادات مبنية على التوقيف، فلا يجوز أن يقال: إن هذه العبادة مشروعة من جهة أصلها أو عددها أو هيئاتها أو مكانها إلا بدليل شرعي يدل على ذلك، ولا نعلم سنة في ذلك عن النبي ﷺ لا من قوله ولا من فعله ولا من تقريره تدل على ما ادعته الفرقة الثانية، والخير كله باتباع هديه ﷺ ، وهديه ﷺ في هذا الباب ثابت بالأدلة الدالة على ما كان يفعله ﷺ بعد السلام، وقد جرى خلفاؤه وصحابته من بعده ومن بعدهم التابعون لهم بإحسان، ومن أحدث خلاف هدي الرسول ﷺ فهو مردود عليه، قال ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» فالإمام الذي يدعو بعد السلام ويؤمن المأمومون على دعائه والكل رافع يديه - يطالب بالدليل المثبت لعمله، وإلا فهو مردود عليه، وهكذا من فعل ذلك بعد النوافل يطالب بالدليل، كما قال تعالى في مثل هذا: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ (٦٥) ، ولا نعلم دليلا من الكتاب ولا من السنة يدل على شرعية ما زعمته الفرقة الثانية من الاجتماع على الدعاء والذكر على الوجه المذكور في السؤال " انتهى.
والحاصل أن الذكر الجماعي بالتسبيح أو بالصلاة على النبي ﷺ – بأي صيغة – ليس من السنة، بل من البدع والمحدثات.
ثانيا:
الصلاة الكمالية، وهي قولهم: " اللهم صلي وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله عدد كمال الله وكما يليق بكماله " لم ترد عن النبي ﷺ ، ولا عن أحد من أصحابه ﵃، وليست هي أفضل الصيغ، كما يظنه البعض، بل أفضل الصيغ هو ما علمه النبي ﷺ لأصحابه، وهي الصلاة الإبراهيمة.
فقد روى البخاري (٦٣٥٧) ومسلم (٤٠٦) عن عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى قَالَ: لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فَقَالَ أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: (فَقُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) .
وروى البخاري (٣٣٦٩) ومسلم (٦٣٦٠) عن أبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ ﵁ أَنَّهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) .
قال السيوطي ﵀ في الحرز المنيع: " قرأت في الطبقات للتاج السبكي نقلا عن أبيه ما نصه: أحسن ما يصلى به على النبي ﷺ بهذه الكيفية التي في التشهد.
قال: ومن أتى بها فقد صلى على النبي ﷺ بيقين، ومن جاء بلفظ غيرها فهو من إتيانه بالصلاة المطلوبة في شك؛ لأنهم قالوا:: كيف نصلي عليك؟ فقال: "قولوا" فجعل الصلاة عليه منهم هي قول ذا.
قال السيوطي: وقد كنت أيام شبيبتي إذا صليت على النبي ﷺ أقول: اللهم صل وبارك وسلم على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت وسلمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، فقيل لي في منامي: أأنت أفصح أو أعلم بمعاني الكلم وجوامع فصل الخطاب من النبي ﷺ ؟ لو لم يكن معنى زائد لما فضّل ذلك النبي ﷺ ، فاستغفرت من ذلك ورجعت إلى نص التفضيل في موضوع الوجوب وفي موضع الاستحباب.
وقال: لو حلف أن يصلي عليه أفضل الصلاة فطريق البر أن تأتي بذلك " انتهى، نقلا عن: السنن والمبتدعات لمحمد عبد السلام الشقيري ص ٢٣٢، وكلام التاج السبكي في "طبقات الشافعية الكبرى" (١/١٨٥) .
ثالثا:
الصلاة الكمالية فها محذور شرعي، من جهة قولهم: "عدد كمال الله" فإن ظاهر اللفظ أن كمال الله تعالى محصور بعدد، ولهذا منع من هذه الصلاة بعض العلماء كما سيأتي. وكذلك قولهم: " عدد أسماء الله "؛ لأن أسماء الله لا تحصر بعدد؛ لقوله ﷺ : (أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ) رواه أحمد (٣٧٠٤) .
قال ابن عابدين ﵀ في حاشيته (٦/٣٩٦) : " تنبيه: ليُنظر في أنه يقال مثل ذلك في نحو ما يؤثر من الصلوات مثل: اللهم صل على محمد عدد علمك وحلمك , ومنتهى رحمتك , وعدد كلماتك , وعدد كمال الله ونحو ذلك فإنه يوهم تعدد الصفة الواحدة أو انتهاء متعلقات نحو العلم ولاسيما مثل عدد ما أحاط به علمك , ووسعه سمعك وعدد كلماتك إذ لا منتهى لعلمه ولا لرحمته ولا لكلماته تعالى ولفظة " عدد " ونحوها توهم خلاف ذلك , ورأيت في شرح العلامة الفاسي على دلائل الخيرات البحث في ذلك فقال: وقد اختلف العلماء في جواز إطلاق الموهم عند من لا يتوهم به أو كان سهل التأويل واضح المحمل أو تخصص بطرق الاستعمال في معنى صحيح , وقد اختار جماعة من العلماء كيفيات في الصلاة على النبي ﷺ وقالوا إنها أفضل الكيفيات منهم الشيخ عفيف الدين اليافعي والشرف البارزي والبهاء ابن القطان ونقله عنه تلميذه المقدسي اهـ. أقول: ومقتضى كلام أئمتنا المنع من ذلك إلا فيما ورد عن النبي ﷺ على ما اختاره الفقيه فتأمل والله أعلم " انتهى.
وقد سبق أن الكيفية التي ذكرت ليست من السنة، حتى ولو كانت الصلاة بالصيغة الإبراهيمية.
وفقنا الله وإياك لما يحب ويرضى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10657
هل يأثم الابن إذا رفض سفر والدته لزيارته حرصا على زوجها وأسرتها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[يسكن أخي البالغ من العمر ٤٥ سنة بالديار الأوروبية، متزوج وله طفلتان من أجنبية، المشكلة هو أنه يرفض إنجاز أوراق الإقامة لأمي، لأنها حين كانت تذهب عنده لأجل قضاء شهر تمكث ٩ أشهر، وتترك الأولاد والزوج في البلد، وحين طلب منها الرجوع إلى بيتها وزوجها انهالت عليه بالشتائم أمام زوجته وأطفاله، وحين رجعت رفض أن ينجز لها التأشيرة تفادياً للوقوع معها في المشاكل، خاصة وهي عصبية المزاج، وتثور لأتفه الأسباب، مما يؤدي به إلى تعاطي المخدرات، يسأل هل إذا رفض مجيئها يعتبر آثما؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
البر الواجب الذي أمر الله به في كتابه وحث عليه رسوله ﷺ يقتضي السعي في خدمة الوالدين وإسعادهما وإرضائهما، وذلك بكل وسيلة متاحة مباحة، وفي كل فرصة ممكنة.
ومن أفضل ما يبر المرء به والديه الحرص على نجاح حياتهما الزوجية، وتواصل الود والمحبة والعشرة الحسنة بينهما، فإن الأبناء الحكماء البررة يملكون من تقريب الود بين الوالدين ما لا يملكه غيرهم، وكثيراً ما يكونون سبباً لتجاوز كل ما قد ينغص حياة الأسرة.
ولا أرى حرص أخيكِ على بقاء والدته بين أبنائها وزوجها إلا دليلا على حكمته، خاصة إذا كانت الأسرة تتضرر بغياب الوالدة كثيراً – كما هو الحال غالباً -.
ولكن ينبغي عليه أن يحسن التصرف ويختار الأسلوب الأمثل في تجاوز هذا التعارض: تعارض رغبته في محافظة والدته على أسرتها وبيتها، مع رغبة والدته في زيارته في غربته والبقاء معه.
ولن يعدم – إن شاء الله – فكرة متميزة تحل له هذه المشكلة، فإذا كان بإمكانه تحديد تأشيرة زيارة الوالدة بالشهر: فهذا حسن، ويعتذر لوالدته إذا أنهت شهر الزيارة بانتهاء التأشيرة ولزوم العودة، والأَوْلى من ذلك إن كان يقدر على استقبال أسرته كلها، فيستخرج لهم تأشيرات الزيارة جميعا، كي يصحبوا والدتهم حيثما كانت.
فإن استطاع أن ينصح والدته بالحسنى ويصارحها بوجوب طاعة زوجها وخدمته – خاصة إذا كان الزوج غير موافق على خروجها كل تلك الفترة – فليجتهد في ذلك، ولا يستحيي أو يمل، ولا يضره إن كانت والدته ستتهمه بعقوقها أو كراهية زيارتها، فإن الله مُطَّلِعٌ على ما في قلبه، ويعلم نيته وحقيقة حاله.
يقول : (رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً) الإسراء/٢٥.
قال الإمام ابن جرير الطبري – ﵀:
يقول تعالى ذكره (ربُّكم) أيها الناس (أَعلمُ) منكم (بِمَا في نُفُوسِكم) من تعظيمكم أمر آبائكم وأمهاتكم وتكرمتهم والبر بهم، وما فيها من اعتقاد الاستخفاف بحقوقهم والعقوق لهم وغير ذلك من ضمائر صدوركم، لا يخفى عليه شيء من ذلك، وهو مجازيكم على حسن ذلك وسيئه، فاحذروا أن تضمروا لهم سوءا وتعقدوا لهم عقوقا.
وقوله (إنْ تكونوا صالِحين) يقول: إن أنتم أصلحتم نياتكم فيهم وأطعتم الله فيما أمركم به من البر بهم والقيام بحقوقهم عليكم، بعد هفوة كانت منكم، أو زلة في واجب لهم عليكم، مع القيام بما ألزمكم في غير ذلك من فرائضه: (فإنَّه كان للأوابين) بعد الزلة والتائبين بعد الهفوة (غفُوراً) لهم.
" تفسير الطبري " (١٧ / ٤٢١، ٤٢٢) .
وفي هذه الآية دعوة صادقة لأخيكِ أن يمحص قلبه ونيته، ليكون باعثه على اعتذاره عن تأشيرة زيارة الوالدة هو حرصه على صلاح بيتها وأسرتها ببقائها فيه، وعدم معاونتها على الإثم الذي ترتكبه حين تعصي زوجها وتسافر بغير رضاه.
وأما إن كان باعثه الحقيقي كراهية والدته ورغبته عن استقبالها واستضافتها وخدمتها فهو آثم حينئذ، مرتكب معصية وواقع في كبيرة العقوق، فإن من أعظم حقوق الوالدين على أولادهم رعايتهم في كبرهم وتوفير الخدمة لهم.
وعلى الأخ، إذا لم يتمكن من التحكم في زيارة الوالدة على النحو المناسب المعقول، أن يعوض ذلك بأن ينزل هو للزيارة، كلما تمكن من ذلك، وألا يطيل الاغتراب عنها، ثم يحاول أن يجتهد في صلتها والإحسان إليها بالهدايا ونحوه، خاصة مما تتعلق نفسها به.
ثانياً:
أما ما ذكرتِ في شأن تعاطي أخيك المخدرات: فإن كنت تقصدين الحبوب المهدئة التي يتناولها من يصاب بنوبات الفزع والغضب والقلق: فإن الأصل في هذه الحبوب عدم جوازها لما فيها من المخدر المفتر الذي جاءت الشريعة بالنهي عنه، ولكن إذا كان ذلك لحاجة يقدرها الطبيب المختص فيجوز له تناولها حينئذ تحت إشراف الطبيب فقط، فإن الحاجة تنزل منزلة الضرورة.
سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀:
ما حكم تناول الحبوب المنومة أو ما يسمى بالمهدئات، وهل تدخل ضمن المخدرات أم لا، وهل تجوز إذا دعت الضرورة أو أرشد إليها الطبيب؟ .
فأجاب:
هذه الحبوب لا يجوز استعمالها إلا إذا دعت الحاجة إليها، بشرط أن يكون الآذن بها طبيباً فاهماً عالماً؛ لأن هذه لها خطر، ولها مردود فعل على المخ، فإذا استعملها الإنسان فقد يهدأ تلك الساعة ويلين، لكنه يعقبه شر أكبر وأعظم، فالمهم أنه يجوز استعمالها للحاجة، بشرط أن يكون ذلك تحت نظر الطبيب وإذنه.
" فتاوى نور على الدرب " (شريط رقم: ٨٢ / الوجه الأول) .
وإذا كانت هذه الحبوب تفتَِّر الجسم فإنه يكون حكمها حكم المخدرات المحرَّمة.
سئل علماء اللجنة الدائمة:
ما حكم الأدوية المهدئة التي تستخدم في علاج بعض الأمراض العصبية وغيرها، وتوضع تحت قسم المفترات؟ .
فأجابوا:
لا يجوز التداوي بما حرم الله، ومن المحرمات تناول المفترات.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٢٥ / ٣٢) .
وأما إذا كنت تقصدين المخدرات الممنوعة – لا قدر الله -، التي يتعاطاها المدمنون شهوة من عند أنفسهم، فهذه معصية عظيمة يجب عليك مناصحة أخيك بشأنها والسعي في تخليصه منها بمراجعة الأطباء المختصين الذين يشرفون على علاج مثل هذه الحالات، وقد سبق في موقعنا بيان حرمة هذه المواد لما فيها من ضرر كبير على الفرد والمجتمع.
انظري جواب الأسئلة رقم (٦٥٤٠) و (٣٢٤٦٦) و (٦٦٢٢٧) .
ونسأل الله لك ولأخيك الحفظ والهداية والتوفيق.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10658
قراءة عدية يس لقضاء الحاجات وتفريج الكربات
[السُّؤَالُ]
ـ[أرجو أن تفيدونا بسنة متبعة توارثناها وتعلمناها من كثير من المشائخ عندنا في سوريا ولا أعلم يقينا مدى صحتها، وهي لقضاء الحاجات أو لتحقيق الرغبات والكثير من مجتمعاتنا ملتزمين بها، وأحد أساليبها: - قراءة "سورة يس واحد وأربعين (٤١) مرة " لقضاء الحاجات إما قراءة فردية أو يجتمع عدد من الأشخاص ويتقاسمونها. - أو قراءة "سورة يس" مع تكرار بعض آياتها بعدد محدد والدعاء بعد تكرار الآية بدعاء محدد. - أو الصلاة على النبي ﷺ بصيغة معينة بعدد محدد (عشرة آلاف مرة مثلا) إما فردية أو يجتمع عدد من الأشخاص ويتقاسمونها. - أو قراءة سور معينة من القرآن الكريم، وتكون باجتماع عدد من الأشخاص وتوزيعها عليهم بحيث يقرأ كل واحد منهم جزء معين. والكثير ممن ناقشتهم بعدم صحة ذلك أو إنها ليست سنة متبعة عن الرسول ﷺ فيدافع عنها بشدة وأن لها نتائج أكيدة ومجربة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ما ذكرته من قراءة سورة يس بعدد معين، أو قراءة غيرها أو الصلاة على النبي صل الله عليه وسلم بعدد معين، جماعة أو فرادى، بغرض قضاء الحاجات وتحقيق الرغبات، كل ذلك لا أصل في الشرع، وهو من المحدثات، وقد قال ﷺ : (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ) رواه البخاري (٢٦٩٧) ومسلم (١٧١٨) .
والمقرر عند أهل العلم أن العبادة لابد أن تكون مشروعة بأصلها ووصفها وزمانها ومكانها، وأن التزام الأعداد والكيفيات والهيئات التي لم يقم عليها دليل من الشرع، يعتبر من البدع.
قال الشاطبي ﵀: " فالبدعة إذن عبارة عن طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه ... ومنها التزام الكيفيات والهيآت المعينة، كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد، واتخاذ يوم ولادة النبي ﷺ عيدا، وما أشبه ذلك.
ومنها التزام العبادات المعينة، في أوقات معينة، لم يوجد لها ذلك التعيين في الشريعة، كالتزام صيام يوم النصف من شعبان، وقيام ليلته " انتهى من "الاعتصام" (١/٣٧-٣٩) .
وكون العمل اعتاده الناس وتوارثوه، أو كان يترتب عليه بعض النتائج، لا يدل على مشروعيته، بل توزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله ﷺ ، فما وافق منها قبل، وما خالف رد على صاحبه كائنا من كان.
ويقال هنا: لو كان هذا العمل خيرا لسبقنا إليه النبي ﷺ وأصحابه، لاسيما مع وجود المقتضي لذلك، فقد تعرض كثير من الصحابة للأذى والظلم، ولم يثبت عن واحد منهم أنه فعل ذلك ولا أرشدهم إليه ﷺ .
والخير كل الخير في اتباع من السلف، والشر في ابتداع من خلف.
والحاصل أنه يتعين البعد عن هذه المحدثات، والاكتفاء بما هو مشروع من الأدعية والأذكار التي جعلها الله سببا لقضاء الحاجات وتحقيق الرغبات، قال تعالى: (أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ) النمل/٦٢، وقال: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) البقرة/١٨٦
وروى الترمذي (٣٤٧٥) وأبو داود (١٤٩٣) وابن ماجه (٣٨٥٧) عَنْ بُرَيْدَةَ الأَسْلَمِيِّ قَالَ سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلا يَدْعُو وَهُوَ يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ الأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ. قَالَ فَقَالَ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى) . وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
وروى الترمذي (٣٥٤٤) وابن ماجه (٣٨٥٨) عَنْ أَنَسٍ قَالَ دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَسْجِدَ وَرَجُلٌ قَدْ صَلَّى وَهُوَ يَدْعُو وَيَقُولُ فِي دُعَائِهِ اللَّهُمَّ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَتَدْرُونَ بِمَ دَعَا اللَّهَ دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى) وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10659
معنى التوحيد، وأقسامه
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو معنى التوحيد؟ وما هي أقسامه؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
التوحيد في اللغة: مصدر للفعل (وحَّد، يوحِّد) توحيدا فهو موحِّد إذا نسب إلى الله الوحدانية ووصفه بالانفراد عما يشاركه أو يشابهه في ذاته أو صفاته، والتشديد للمبالغة أي بالغت في وصفه بذلك.
وتقول العرب: واحد وأحد، ووحيد، أي منفرد، فالله تعالى واحد، أي منفرد عن الأنداد والأشكال في جميع الأحوال، فالتوحيد هو العلم بالله واحدا لا نظير له، فمن لم يعرف الله كذلك، أو لم يصفه بأنه واحد لا شريك له، فإنه غير موحد له.
وأما تعريفه في الاصطلاح فهو: إفراد الله تعالى بما يختص به من الألوهية والربوبية والأسماء والصفات.
ويمكن أن يعرف بأنه: اعتقاد أن الله واحد لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته.
واستخدام هذا المصطلح (التوحيد) أو أحد مشتقاته للدلالة على هذا المعنى ثابت مستعمل في الكتاب والسنة. فمن ذلك:
قوله تعالى: (قل هو الله أحد ... الخ السورة) .
وقوله تعالى: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) البقرة/١٦٣
وقوله: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) المائدة/٧٣، والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا
وفي صحيح البخاري (٧٣٧٢) ومسلم (١٩) عن ابن عباس ﵄ قال: " لَمَّا بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى نَحْوِ أَهْلِ الْيَمَنِ قَالَ لَهُ: " إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ فَإِذَا صَلَّوْا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ غَنِيِّهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فَقِيرِهِمْ فَإِذَا أَقَرُّوا بِذَلِكَ فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ "
وفي صحيح مسلم (١٦) عن ابن عمر رضي الله عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسَةٍ: عَلَى أَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَصِيَامِ رَمَضَانَ وَالْحَجِّ)
فالمقصود بالتوحيد في هذه النصوص كلها هو تحقيق معنى شهادة (أن لا إله إلا اله وأن محمدا رسول الله) ، الذي هو حقيقة دين الإسلام الذي بعث الله به نبيه محمداً ﷺ بدليل وقوع هذه الكلمات والمصطلحات مترادفة ومتناوبة في الكتاب والسنة ففي بعض ألفاظ حديث معاذ السابق: " إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ " أخرجه البخاري (١٤٩٦) .
وفي رواية لحديث ابن عمر: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ " أخرجه مسلم (١٦)
فدل هذا على أن التوحيد هو حقيقة شهادة (أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) وأن هذا هو الإسلام الذي بعث الله به نبيه إلى جميع الثقلين من الإنس والجن والذي لن يرضى الله من أحد دينا سواه.
قال تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسلام) آل عمران/١٩
وقال جل شأنه: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) آل عمران/٨٥.
إذا علم هذا فليعلم أن التوحيد قد قسمه العلماء إلى ثلاثة أقسام وهي:
توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.
فتوحيد الربوبية: هو إفراد الله تعالى بأفعاله كالخلق والملك والتدبير والإحياء والإماتة، ونحو ذلك.
وأدلة هذا التوحيد كثيرة جدا في الكتاب والسنة، ويراجع السؤال (١٣٥٣٢) للتعرف على بعضها.
فمن اعتقد أن هناك خالقا غير الله، أو مالكا لهذا الكون متصرفا فيه غير الله فقد أخل بهذا النوع من التوحيد، وكفر بالله.
وقد كان الكفار الأوائل يقرون بهذا التوحيد إقرارا إجماليا، وإن كانوا يخالفون في بعض تفاصيله، والدليل على أنهم كانوا يقرون به آيات كثيرة في القرآن منها:
قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُون َ) العنكبوت/٦١
وقوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ) العنكبوت/٦٣
وقوله جل شانه: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُون َ) الزخرف/٨٧، ففي هذه الآيات يبين الله أن الكفار يقرون بأنه سبحانه هو الخالق المالك المدبر، ومع هذا لم يوحدوه بالعبادة مما يدل على عظيم ظلمهم، وشدة إفكهم، وضعف عقلهم. فإن الموصوف بهذه الصفات المنفرد بهذه الأفعال ينبغي ألا يعبد سواه، ولا يوحد إلا إياه، سبحانه وبحمده تعالى عما يشركون.
ولذا فمن أقر بهذا التوحيد إقرارا صحيحا لزمه ضرورة أن يقر بتوحيد الألوهية.
وتوحيد الألوهية هو: إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة الظاهرة والباطنة قولا وعملا، ونفي العبادة عن كل ما سوى الله كائنا من كان كما قال تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) الإسراء/٢٣، وقال تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا) النساء/٣٦، ويمكن أن يعرف بأنه: توحيد الله بأفعال العباد.
وسمي بتوحيد الألوهية: لأنه مبني على التأله لله وهو التعبد المصاحب للمحبة والتعظيم.
ويسمى توحيد العبادة لأن العبد يتعبد لله بأداء ما أمره به واجتناب ما نهاه عنه.
ويسمى توحيد الطلب والقصد والإرادة؛ لأن العبد لا يطلب ولا يقصد ولا يريد إلا وجه الله سبحانه فيعبد الله مخلصا له الدين.
وهذا النوع هو الذي وقع فيه الخلل، ومن أجله بعثت الرسل، وأنزلت الكتب، ومن أجله خلق الخلق، وشرعت الشرائع، وفيه وقعت الخصومة بين الأنبياء وأقوامهم، فأهلك المعاندين ونجى المؤمنين.
فمن أخل به بأن صرف شيئا من العبادة لغير الله فقد خرج من الملة، ووقع في الفتنة، وضل عن سواء السبيل. نسأل الله السلامة.
وأما توحيد الأسماء والصفات فهو: إفراد الله بما له من الأسماء والصفات، فيعتقد العبد أن الله لا مماثل له في أسمائه وصفاته، وهذا التوحيد يقوم على أساسين:
الأول: الإثبات: أي إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو أثبته له نبيه ﷺ من الأسماء الحسنى والصفات العلى على وجه يليق بجلال الله وعظمته من غير تحريف لها أو تأويل لمعناها أو تعطيل لحقائقها.أو تكييف لها.
الثاني: التنزيه: وهو تنزيه الله عن كل عيب، ونفي ما نفاه عن نفسه من صفات النقص، والدليل على ذلك قوله تعالى: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) فنزه نفسه عن مماثلته لخلقه، وأثبت لنفسه صفات الكمال على الوجه اللائق به سبحانه.
ينظر (الحجة في بيان المحجة ١ / ٣٠٥) و (لوامع الأنوار البهية ١ / ٥٧) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10660
هل الأفضل أن نقول في الصلاة سيدنا محمد ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أيهما أفضل أن نقول في التشهد في الصلاة: أشهد أن سيدنا محمداً رسول الله، واللهم صل على سيدنا محمد؟ أم نقول محمد فقط بدون سيدنا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا شك أن وصف النبي ﷺ بالسيادة وصف صحيح، فهو ﷺ سيدنا، بل سيد البشر أجمعين، روى مسلم (٢٢٧٨) عن أبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) . وروى الترمذي (٣٦١٥) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَبِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ وَلَا فَخْرَ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ آدَمُ فَمَنْ سِوَاهُ إِلَّا تَحْتَ لِوَائِي، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ وَلَا فَخْرَ) صححه الألباني في صحيح الترمذي.
ثانياً:
يجب أن يُعلم أن العبادات مبناها على الاتباع، فلا يزاد في العبادة شيء على ما شرعه رسول الله ﷺ ، وهذا من علامات محبة العبد لله ، قال الله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) آل عمران /٣١.
والاتباع أن تفعل كما فعل، وتقول كما قال، وتترك ما ترك، فلا تزيد عليه، ولا تنقص من فعله.
وقال النبي ﷺ : (مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) رواه البخاري (٢٦٩٧) ومسلم (١٧١٨) .
والوارد عن النبي ﷺ في التشهد في الصلاة: (وأشهد أن محمدا عبده ورسوله) والوارد عنه في الصلاة عليه: (اللهم صل على محمد ... اللهم بارك على محمد) ولم يرد عنه قط أنه علَّمنا أن نقول (سيدنا) ، فلا يزاد على ما أمرنا به النبي ﷺ ، وعملنا إياه. فهذا هو الأفضل بلا شك، وكيف يكون الأفضل هو ما خالف هدي النبي ﷺ ؟ وهو ﷺ كان يقول في كل خطبة جمعة، ويعلنها على المنبر: (أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرُ الْهدي هديُ مُحَمَّدٍ ﷺ رواه مسلم (٨٦٧) .
وقد سئل الحافظ ابن حجر ﵀: هل الأفضل أن يقال في الصلاة على النبي ﷺ (سيدنا) لأنه وصف له، أم عدم ذلك لعدم وروده في الآثار؟
فأجاب:
" اتّباع الألفاظ المأثورة أرجح، ولا يُقال: لعلّه ترك ذلك تواضعاً منه ﷺ ، وأمّتُه مندوبةٌ إلى أن تقول ذلك كلما ذكر، لأنا نقول: لو كان ذلك راجحاً لجاء عن الصّحابة ثم عن التابعين، ولم نقف في شيء من الآثار عن أحد من الصحابة ولا التابعين، أنه قال ذلك مع كثرة ما ورد عنهم من ذلك. . .
ثم ذكر آثارا عن بعض الصحابة والتابعين والإمام الشافعي وليس فيها لفظ (سيدنا) . . . ثم قال:
والمسألة مشهورة في كتب الفقه، والغرض منها أن كل من ذكر هذه المسألة من الفقهاء قاطبة لم يقع في كلام أحد منهم (سيدنا) ، ولو كانت هذه الزيادة مندوبة ما خفيت عليهم كلهم حتى أغفلوها، والخير كله في الاتباع، والله أعلم " انتهى باختصار.
نقله عنه الألباني في كتابه "صفة الصلاة" (ص ١٥٣-١٥٥) .
وسئل علماء اللجنة الدائمة: هل يجوز أن نقول أثناء كلامنا على رسول الله ﷺ : سيدنا محمد في غير المأثور عنه كالصلاة الإبراهيمية أو غير ذلك؟
فأجابوا:
" الصلاة على رسول الله ﷺ في التشهد لم يرد فيها - فيما نعلم - كلمة سيدنا أي: (اللهم صل على سيدنا محمد..إلخ) وهكذا صفة الأذان والإقامة، فلا يقال فيها سيدنا، لعدم ورود ذلك في الأحاديث الصحيحة التي علَّم فيها النبي ﷺ أصحابه كيفية الصلاة عليه، وكيفية الأذان والإقامة، ولأن العبادات توقيفية فلا يزاد فيها ما لم يشرعه الله ، أما الإتيان بها في غير ذلك فلا بأس، لقوله ﷺ : (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر) " انتهى.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (٧/٦٥) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10661
حكم العتاقة أو قراءة القرآن للأموات
[السُّؤَالُ]
ـ[والدي توفي وكان مريضا في الأربع سنين الأخيرة من عمره، توفي من شهر من الآن وعمره ٥٢ سنة وكان مريضا بجلطة لا يستطيع التحرك أو المشي ومرض السكر والضغط أريد أن أعرف هل يوجد له عتاقة صلاة؟ بعض المشايخ يقولون هذا، بمعنى قراءة القرءان عليه عن طريق المشايخ، هم الذين يفعلون ذلك. وبعض الآراء تخالف. أنا أريد الجواب عن هذا السؤال. وهل عليه كفارة عن أيامه الأخيرة أم لا بسبب مرضه الخطير أم له عتاقة صلاة كما يقال؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
" قراءة القرآن عبادة من العبادات البدنية المحضة، لا يجوز أخذ الأجرة على قراءته للميت، ولا يجوز دفعها لمن يقرأ، وليس فيها ثواب، والحالة هذه، ويأثم آخذ الأجرة ودافعها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " لا يصح الاستئجار على القراءة وإهدائها إلى الميت، لأنه لم ينقل عن أحد من الأئمة، وقد قال العلماء: إن القارئ لأجل المال لا ثواب له، فأي شيء يهدى إلى الميت؟ " انتهى.
والأصل في ذلك: أن العبادات مبنية على الحظر، فلا تفعل عبادة إلا إذا دل الدليل الشرعي على مشروعيتها، قال تعالى: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول) ، وقال ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) ، وفي رواية: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) ، أي: مردود على صاحبه، وهذا العمل – وهو استئجار من يقرأ القرآن للميت - لا نعلم أنه فعله النبي ﷺ أو أحد من أصحابه، وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، والخير كله في اتباع ما جاء به الرسول ﷺ ، مع حسن القصد، قال تعالى: (وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى) ، وقال تعالى: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) ، والشر كله بمخالفة ما جاء به رسول الله ﷺ وصرف القصد بالعمل لغير وجه الله "
انتهى من "فتاوى اللجنة الدائمة".
فهذه العتاقة لا أصل لها في الشرع، وهي بدعة مذمومة لم يفعلها الرسول ﷺ ولا أرشدنا إليها، ولم يفعلها أحد من أصحابه ﵃، وما كان كذلك فلا ينبغي لمؤمن أن يفعله.
ثانيا:
المشروع هو الدعاء للميت، والصدقة عنه، كما روى مسلم (١٦٣١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَةٍ: إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ) .
قال النووي ﵀ في شرح مسلم: " وَفِيهِ أَنَّ الدُّعَاء يَصِل ثَوَابه إِلَى الْمَيِّت , وَكَذَلِكَ الصَّدَقَة....وَأَمَّا قِرَاءَة الْقُرْآن وَجَعْل ثَوَابهَا لِلْمَيِّتِ وَالصَّلاة عَنْهُ وَنَحْوهمَا فَمَذْهَب الشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور أَنَّهَا لا تَلْحَق الْمَيِّت " انتهى باختصار.
وانظر السؤال رقم (١٢٦٥٢)
فأكثر من الدعاء لوالدك، وتصدق عنه بما تستطيع، وإن كان لم يحج أو لم يعتمر، وأمكن أن تحج وتعتمر عنه فافعل، فهذا مما ينفعه بإذن الله.
ومن البر بالأب الميت: إكرام صديقه، وصلة الرحم المتصلة به.
والمرض يجعله الله كفارة لعبده المؤمن، كما يكون سببا لرفع درجته وعلو منزلته إن هو صبر واحتسب، قال ﷺ : (مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلا وَصَبٍ وَلا هَمٍّ وَلا حُزْنٍ وَلا أَذًى وَلا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ) رواه البخاري (٥٦٤٢) ومسلم (٢٥٧٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
نسأل الله أن يرحم أموات المسلمين.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10662
هل من السنة أن يقول عند مفارقة صاحبه: لا إله إلا الله ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[من العرف السائد بين بعض الناس حين يجتمعون ثم يفترقون أن يقول الطرف الأول عند الافتراق: لا إله إلا الله، ثم يرد عليه الآخر: محمد رسول الله، فهل هذا الأمر في السنة؟ وإن لم يكن فهل هو بدعة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
لا نعلم حديثا صحيحا أو ضعيفا ينص على هذا الذكر عند الافتراق أو ختم المجلس، ولهذا فالمداومة عليه أو اعتقاد أنه ذكر مشروع في هذه المناسبة، بدعة مردودة؛ لقول النبي ﷺ : (مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) رواه مسلم (١٧١٨) .
وقد نص أهل العلم على أن تخصيص العبادة بزمان أو مكان، أو تكييفها بكيفية لم تَردْ، يُلحقها بالبدع والمحدثات، وتسمى حينئذ بدعة إضافية، فهي مشروعة من حيث أصلها، مردودة من حيث وصفها، والعبادة لابد أن تكون مشروعة في ذاتها، وكيفيتها، ووقتها، ومقدارها؛ إذ لا يُعبد الله تعالى إلا بما شرع في كتابه أو على لسان رسول الله ﷺ .
قال الشاطبي ﵀: " فالبدعة إذن عبارة عن طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه ...
ومنها: التزام الكيفيات والهيئات المعينة، كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد، واتخاذ يوم ولادة النبي ﷺ عيدا، وما أشبه ذلك.
ومنها: التزام العبادات المعينة، في أوقات معينة، لم يوجد لها ذلك التعيين في الشريعة، كالتزام صيام يوم النصف من شعبان، وقيام ليلته " انتهى من "الاعتصام" (١/٣٧-٣٩) .
وراجع جواب السؤال رقم (٨٢٥٥٩) .
ثانيا:
يشرع في ختام المجلس أن يقال ما رواه أبو داود (٤٨٥٩) عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ مِنْ الْمَجْلِسِ: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ) وَقَالَ: (كَفَّارَةٌ لِمَا يَكُونُ فِي الْمَجْلِسِ) وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
كما يشرع للمتلاقيين أن يقرأ أحدهما عند الانصراف سورة العصر؛ لما روى الطبراني في الأوسط (٥١٢٤) عن أبي مدينة الدارمي ﵁ وكانت له صحبه قال: (كان الرجلان من أصحاب النبي ﷺ إذا التقيا لم يفترقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر: (والعصر إن الإنسان لفي خسر) ثم يسلم أحدهما على الآخر) صححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" برقم ٢٦٤٨.
فانظر كيف أعرض الناس عن السنة الثابتة، لأجل ما أحدثوا من البدع، مصداقا لقول النبي ﷺ : (ما أحدث قوم بدعة إلا رُفع من السنة مثلها) رواه أحمد (١٦٥٢٢) . وقال الحافظ في "الفتح" (١٣/٢٥٣) : إسناده جيد.
رزقنا الله وإياك اتباع السنة واجتناب البدعة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10663
المدرس يطلب منهم الصلاة على النبي ٣٠٠ مرة قبل الدرس
[السُّؤَالُ]
ـ[أحضر درسا في تعلم أحكام التلاوة.. إلا أن الشيخ يطلب من جميع الحاضرين أن " يصلوا على النبي ﵊ " ٣٠٠ مرة (سرا) قبل البدء بالدرس.. ويقول إن الصلاة على النبي سبب في القرب منه يوم القيامة وذكر أن الرسول ﵊ قد قال " أكثركم صلاة علي أقربكم مني يوم القيامة " فهل يجوز المشاركة معهم في مثل ذلك؟ وإلا فهل يجوز لي أن أسر بذكر آخر كالاستغفار ونحو ذلك؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
التزام الصلاة على النبي ﷺ بهذا العدد قبل الدرس، ليس من هدي النبي ﷺ ولا من هدي أصحابه ولا التابعين لهم بإحسان، وما كان كذلك فهو من البدع والمحدثات، التي نهانا عنها، وحذرنا منها الرسول ﷺ بقوله ﷺ : (إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) رواه الترمذي (٢٦٠٠) وأبو داود (٣٩٩١) وابن ماجة (٤٢) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٥٤٩) .
وقوله ﷺ : (مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) رواه مسلم (١٧١٨) .
ووجه كون هذا العمل من البدع والمحدثات: أن العبادة لابد أن تكون مشروعة في ذاتها، وكيفيتها، ووقتها، ومقدارها؛ إذ لا يُعبد الله تعالى إلا بما شرع في كتابه أو على لسان رسول الله ﷺ .
والذكر قد يكون مشروعا في أصله، لكن تصحبه كيفية، أو تقييدٌ بمكانٍ، أو زمانٍ، أو عدد يُدخله في عداد المحدثات.
ويدل على ذلك ما رواه الدارمي (٢٠٤) عن عمرو بن سلمة قَالَ: كُنَّا نَجْلِسُ عَلَى بَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَبْلَ صَلاةِ الْغَدَاةِ، فَإِذَا خَرَجَ مَشَيْنَا مَعَهُ إِلَى الْمَسْجِد،ِ فَجَاءَنَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ فَقَال: أَخَرَجَ إِلَيْكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَعْدُ؟ قُلْنَا: لا. فَجَلَسَ مَعَنَا حَتَّى خَرَج،َ فَلَمَّا خَرَجَ قُمْنَا إِلَيْهِ جَمِيعًا، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَن،ِ إِنِّي رَأَيْتُ فِي الْمَسْجِدِ آنِفًا أَمْرًا أَنْكَرْتُهُ وَلَمْ أَرَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ إِلا خَيْرًا، قَال:َ فَمَا هُوَ؟ فَقَالَ إِنْ عِشْتَ فَسَتَرَاه.ُ قَال:َ رَأَيْتُ فِي الْمَسْجِدِ قَوْمًا حِلَقًا جُلُوسًا يَنْتَظِرُونَ الصَّلاةَ، فِي كُلِّ حَلْقَةٍ رَجُل،ٌ وَفِي أَيْدِيهِمْ حَصًى، فَيَقُول:ُ كَبِّرُوا مِائَة،ً فَيُكَبِّرُونَ مِائَة،ً فَيَقُول:ُ هَلِّلُوا مِائَةً، فَيُهَلِّلُونَ مِائَة،ً وَيَقُول:ُ سَبِّحُوا مِائَة،ً فَيُسَبِّحُونَ مِائَةً. قَال:َ فَمَاذَا قُلْتَ لَهُمْ؟ قَال:َ مَا قُلْتُ لَهُمْ شَيْئًا انْتِظَارَ رَأْيِك،َ وَانْتِظَارَ أَمْرِك.َ قَال:َ أَفَلا أَمَرْتَهُمْ أَنْ يَعُدُّوا سَيِّئَاتِهِمْ، وَضَمِنْتَ لَهُمْ أَنْ لا يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ، ثُمَّ مَضَى وَمَضَيْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَى حَلْقَةً مِنْ تِلْكَ الْحِلَقِ، فَوَقَفَ عَلَيْهِم،ْ فَقَال:َ مَا هَذَا الَّذِي أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَصًى نَعُدُّ بِهِ التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ وَالتَّسْبِيح.َ قَال:َ فَعُدُّوا سَيِّئَاتِكُمْ، فَأَنَا ضَامِنٌ أَنْ لا يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِكُمْ شَيْءٌ، وَيْحَكُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، مَا أَسْرَعَ هَلَكَتَكُمْ! هَؤُلاءِ صَحَابَةُ نَبِيِّكُمْ ﷺ مُتَوَافِرُونَ، وَهَذِهِ ثِيَابُهُ لَمْ تَبْلَ، وَآنِيَتُهُ لَمْ تُكْسَرْ،
وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّكُمْ لَعَلَى مِلَّةٍ هِيَ أَهْدَى مِنْ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ أَوْ مُفْتَتِحُو بَابِ ضَلالَةٍ. قَالُوا: وَاللَّهِ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا أَرَدْنَا إِلا الْخَيْرَ. قَالَ: وَكَمْ مِنْ مُرِيدٍ لِلْخَيْرِ لَنْ يُصِيبَهُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَنَا أَنَّ قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، وَايْمُ اللَّهِ مَا أَدْرِي لَعَلَّ أَكْثَرَهُمْ مِنْكُمْ، ثُمَّ تَوَلَّى عَنْهُمْ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ سَلَمَةَ رَأَيْنَا عَامَّةَ أُولَئِكَ الْحِلَقِ يُطَاعِنُونَا يَوْمَ النَّهْرَوَانِ مَعَ الْخَوَارِجِ.
فتأمل هذا الموقف من أبي موسى وعبد الله بن مسعود ﵄، وانظر إنكارهما لهذه الكيفية التي لم يفعلها النبي ﷺ ولم يفعلها أصحابه، وإن كان أصل الذكر مشروعاً ممدوحاً مرغباً فيه.
وقد نبه أهل العلم على أن تخصيص العبادة بزمان أو مكان، أو تكييفها بكيفية لم تَردْ، يُلحقها بالبدع والمحدثات، وتسمى حينئذ بدعة إضافية، فهي مشروعة من حيث أصلها، مردودة من حيث وصفها.
قال الشاطبي ﵀: " فالبدعة إذن عبارة عن طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه ...
ومنها: التزام الكيفيات والهيئات المينة، كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد، واتخاذ يوم ولادة النبي ﷺ عيدا، وما أشبه ذلك.
ومنها: التزام العبادات المعينة، في أوقات معينة، لم يوجد لها ذلك التعيين في الشريعة، كالتزام صيام يوم النصف من شعبان، وقيام ليلته " انتهى من "الاعتصام" (١/٣٧-٣٩) .
فالصلاة على النبي ﷺ عبادة من أجلّ العبادات، وقربة من أعظم القربات، لكن التزامها قبل كل درس للتلاوة، وبهذا العدد المخصوص، أمر لم يرد، فكان بدعة محدثة، ولو كان صاحبها يريد الخير، فكم من مريد للخير لا يصيبه، كما قال ابن مسعود ﵁.
والواجب نصح هذا المعلم وبيان أن ما يفعله ليس من السنة، بل بدعة، فإن استجاب فالحمد لله، وإن لم يستجب وأمكن تعلم التلاوة على غيره من أهل الاتباع، فإنه يترك زجرا له، وحذرا من تسرب البدعة إلى قلب الدارس على يديه.
رزقنا الله وإياكم حب السنة، والدفاع عنه، وحب النبي ﷺ وأصحابه الأطهار الأخيار.
وانظر السؤال رقم (٢٠٠٠٥) و (٢١٩٠٢) و (٢٢٤٥٧) للفائدة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10664
قراءة الفاتحة عند الخطبة
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا شاب مسلم مقبل على الزواج، وفي البلد الذي سأعقد فيه الزواج يقومون بشيء يسمونه قراءة الفاتحة، فعندما يقدم رجل على الزواج في بلدنا فإنهم يقرؤون الفاتحة، ويدعون لها بعض الأقارب من الرجال، ويقدم لهم بعض الحلويات والمشروبات، هل قراءة الفاتحة من السنة، وإذا كانت كذلك فماذا يترتب علي فعله؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ليست قراءة الفاتحة عند عقد الزواج أو الخطبة من السنة في شيء، بل هي بدعة، فإنه لا يجوز تخصيص شيء من القرآن في شيء من الأعمال إلا بدليل.
قال أبو شامة المقدسي في "الباعث على إنكار البدع والحوادث" (١٦٥) :
" ولا ينبغي تخصيص العبادات بأوقات لم يخصصها بها الشرع فالمكلف ليس له منصب التخصيص، بل ذلك إلى الشارع " انتهى.
وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:
هل قراءة الفاتحة عند خطبة الرجل للمرأة بدعة؟
فأجابوا:
" قراءة الفاتحة عند خِطبة الرجل امرأة، أو عَقْدِ نكاحِه عليها بدعة " انتهى.
ولا يترتب على قراءة الفاتحة شيء من أحكام العقد، فقراءة الفاتحة لا تعني إتمام عقد النكاح، بل العبرة بالقبول والإيجاب مع الولي والشهود.
والسنة هي قراءة خُطبة الحاجة عند عقد النكاح.
فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال:
(عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خُطبَةَ الحَاجَةِ فِي النِّكَاحِ وَغَيرِهِ:
" إِنَّ الحَمدَ لِلَّهِ، نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِهِ مِن شُرُورِ أَنفُسِنَا، مَن يَهدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَن يُضلِل فَلَا هَادِيَ لَه، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُه.
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَاّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) رواه أبو داود (٢١١٨) وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
فأعرض الناس عن هذه السنة، وتمسكوا بالبدعة. نسأل الله تعالى أن يرد المسلمين إلى دينهم رداً جميلا.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10665
الصوم في شهر رجب
[السُّؤَالُ]
ـ[هل ورد فضل معين للصيام في شهر رجب؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
شهر رجب هو أحد الأشهر الحرم التي قال الله تعالى فيها: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) التوبة/٣٦ , والأشهر الحرم هي: رجب , وذو العقدة , وذو الحجة , والمحرم.
وروى البخاري (٤٦٦٢) ومسلم (١٦٧٩) عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا , مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ , ثَلاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ , وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ) .
وقد سميت هذه الأشهر حرماً لأمرين:
١- لتحريم القتال فيها إلا أن يبدأ العدو.
٢- لأن حرمة انتهاك المحارم فيها أشد من غيرها.
ولهذا نهانا الله تعالى عن ارتكاب المعاصي في هذه الأشهر فقال: (فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) التوبة/٣٦ , مع أن ارتكاب المعصية محرم ومنهي عنه في هذه الأشهر وغيرها , إلا أنه في هذه الأشهر أشد تحريماً.
قال السعدي ﵀ (ص ٣٧٣) :
" (فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) يحتمل أن الضمير يعود إلى الاثني عشر شهرا , وأن الله تعالى بَيَّن أنه جعلها مقادير للعباد , وأن تعمر بطاعته , ويشكر الله تعالى على مِنَّتِهِ بها , وتقييضها لمصالح العباد , فلتحذروا من ظلم أنفسكم فيها.
ويحتمل أن الضمير يعود إلى الأربعة الحرم , وأن هذا نهي لهم عن الظلم فيها خصوصاً، مع النهي عن الظلم كل وقت , لزيادة تحريمها , وكون الظلم فيها أشد منه في غيرها " انتهى.
ثانياً:
وأما صوم شهر رجب , فلم يثبت في فضل صومه على سبيل الخصوص أو صوم شيء منه حديث صحيح.
فما يفعله بعض الناس من تخصيص بعض الأيام منه بالصيام معتقدين فضلها على غيرها: لا أصل له في الشرع.
غير أنه ورد عن النبي ﷺ ما يدل على استحباب الصيام في الأشهر الحرم (ورجب من الأشهر الحرم) فقَالَ ﷺ : (صُمْ مِنْ الْحُرُمِ وَاتْرُكْ) رواه أبو داود (٢٤٢٨) وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود.
فهذا الحديث - إن صح - فإنه يدل على استحباب الصيام في الأشهر الحرم , فمن صام في شهر رجب لهذا , وكان يصوم أيضاً غيره من الأشهر الحرم فلا بأس , أما تخصيص رجب بالصيام فلا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٢٥/٢٩٠) :
" وأما صوم رجب بخصوصه فأحاديثه كلها ضعيفة، بل موضوعة، لا يعتمد أهل العلم على شيء منها، وليست من الضعيف الذي يروى في الفضائل، بل عامتها من الموضوعات المكذوبات. . .
وفي المسند وغيره حديث عن النبي ﷺ أنه أمر بصوم الأشهر الحرم: وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم. فهذا في صوم الأربعة جميعا لا من يخصص رجبا " انتهى باختصار.
وقال ابن القيم ﵀:
" كل حديث في ذكر صيام رجب وصلاة بعض الليالي فيه فهو كذب مفترى " انتهى من "المنار المنيف" (ص٩٦) .
وقال الحافظ ابن حجر في "تبيين العجب" (ص١١) :
" لم يرد في فضل شهر رجب , ولا في صيامه ولا صيام شيء منه معين , ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه حديث صحيح يصلح للحجة " انتهى.
وقال الشيخ سيد سابق ﵀ في "فقه السنة" (١/٣٨٣) :
" وصيام رجب ليس له فضل زائد على غيره من الشهور , إلا أنه من الأشهر الحرم , ولم يرد في السنة الصحيحة أن للصيام فضيلة بخصوصه , وأن ما جاء في ذلك مما لا ينتهض للاحتجاج به " انتهى.
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن صيام يوم السابع والعشرين من رجب وقيام ليلته.
فأجاب:
" صيام اليوم السابع العشرين من رجب وقيام ليلته وتخصيص ذلك بدعة , وكل بدعة ضلالة " انتهى.
"مجموع فتاوى ابن عثيمين" (٢٠/٤٤٠) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10666
هل تدل استقامة المبتدع على صلاح عمله وعقيدته ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يدل استقامة ومحافظة المبتدع على الطاعات والصلوات كاملةً في جماعة على صلاح عمله وعقيدته؟ وما شأنُه عند الله؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا شك أن الموقف الواجب هو رد وإنكار كل بدعة محدثة، وبيان خروجها عن القصد والاستقامة، وعدم التهاون في ذلك.
قال ﷺ : (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) رواه مسلم (١٧١٨) .
قال النووي ﵀ في "شرح مسلم" (١٢/١٦) :
" قال أهل العربية: الرد هنا بمعنى المردود، ومعناه: فهو باطل غير معتد به، وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهو من جوامع كلمه ﷺ فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات، وهذا الحديث مما ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به " انتهى.
ولا يجوز أن يؤثر على الموقف الشرعي من البدعة ما يظهر على فاعلها من الصلاح والاجتهاد في العبادة أو حسن الخلق، إذ لا يلزم من ذلك صلاح عقيدته وعمله،
أولاً: لأننا لا نعلم بماذا يختم له، والنبي ﷺ يقول: (إنما الأعمال بالخواتيم) متفق عليه.
ثانياً: قد يوفق المسلم لباب من أبواب الخير، ويحرم من أبوابٍ أُخَر، ويدلك على ذلك أدلة كثيرة، منها:
١- عَن سَهلٍ بنِ سعدٍ السَّاعديِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ التَقَى هُوَ وَالمُشرِكُونَ فَاقتَتَلُوا، فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى عَسكَرِه، وَمَالَ الآخَرُونَ إِلَى عَسكَرِهِم، وَفِي أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلٌ لا يَدَعُ لَهُم شَاذَّةً إِلا اتبعَها يَضرِبُها بِسَيفِهِ، فَقَالُوا: مَا أَجزَأَ مِنَّا اليَومَ أَحَدٌ كَمَا أَجزَأَ فُلان.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَمَا إِنَّه مِن أَهْلِ النَّارِ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَومِ: أَنَا صَاحِبُهُ أَبَدًا. قَالَ: فَخَرَجَ مَعَهُ، كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ، وَإِذَا أَسرَعَ أَسرَعَ مَعَهُ، قَالَ: فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرحًا شَدِيدًا، فَاستعجَلَ المَوتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالأَرضِ وَذُبَابَهُ بَينَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيفِهِ فَقَتَلَ نَفسَهُ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أَشهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: الرَّجُلُ الذِي ذَكَرتَ آنِفًا أَنَّه مِن أَهلِ النَّارِ فَأَعظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ، فَقُلتُ أَنَا لَكُم بِهِ، فَخَرَجتُ فِي طَلَبِهِ حَتَّى جُرِحَ جُرحًا شَدِيدًا، فَاستَعجَلَ المَوتَ، فَوَضَعَ نَصلَ سَيفِهِ بِالأَرضِ وَذُبَابَه بَينَ ثَديَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيهِ فَقَتَلَ نَفسَه، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِندَ ذَلكَ: (إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعمَلُ عَمَلَ أَهلِ الجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِن أَهلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعمَلُ عَمَلَ أَهلِ النَّارِ فِيمَا يَبدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِن أَهلِ الجَنّةِ) . رواه البخاري (٢٨٩٨) ومسلم (١١٢) .
قال النووي ﵀ في "شرح مسلم" (٢/١٢٦) :
" فيه التحذير من الاغترار بالأعمال " انتهى.
٢- عَن أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: (إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقضَى يَومَ القِيَامَةِ عَلَيهِ رَجُلٌ استشهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَه نِعَمَه، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلتُ فِيكَ حَتَّى استُشهِدتُ، قَالَ: كَذَبتَ، وَلكِنَّكَ قَاتَلتَ لأَن يُقَالَ جَرِيء، فَقَد قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجهِهِ حَتَّى أُلقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ العِلمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ القُرآنَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَه نِعَمَه، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلّمتُ العِلمَ وَعَلَّمتُه وَقَرَأتُ فِيكَ القُرآنَ، قَالَ: كَذَبتَ، وَلكِنَّكَ تَعَلَّمتَ العِلمَ لِيُقَال عَالِمٌ، وَقَرَأتَ القُرآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ، فَقَد قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجهِهِ حَتَّى أُلقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيهِ، وَأَعطَاهُ مِن أَصنَافِ المَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَه نِعَمَه، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكتُ مِن سَبِيلٍ تُحِبُّ أَن يُنفَقَ فِيهَا إِلا أَنفَقتُ فِيهَا لَكَ. قَالَ: كَذَبتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ، فَقَد قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجهِهِ ثُمَّ أُلقِيَ فِي النَّارِ) . رواه مسلم (١٩٠٥)
فهذا مثال آخر يتبين فيه كيف أن صلاح الظاهر لا يلزم منه القبول عند الله تعالى.
٣- وقد أبرنا النبي ﷺ بظهور فرقة الخوارج، وهم من أهل البدع وأمرنا بقتالهم، وأخبرنا أيضاً باجتهادهم في العبادة. فقال: (يَخرُجُ فِيْ هَذِهِ الأُمَّةِ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُم مَعَ صَلَاتِهِم، يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ لاْ يُجَاوِزُ حُلوقَهَم أَوْ حَنَاجِرَهُم، يَمرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُروقَ السَّهمِ مِنَ الرّمِيَّةِ) رواه البخاري (٦٩٣١) ومسلم (١٠٦٤) .
فوصفهم الرسول ﷺ بالاجتهاد في العبادة حتى إن الصحابة يحقرون صلاتهم إذا ما قورنت بصلاة هؤلاء، ومع ذلك أخبر أنهم يمرقون، أي: يخرجون من الدين.
وقد يقع الرجل في البدعة بسبب اجتهادٍ أخطأ فيه، ولم يتعمد ارتكاب المخالفة وفعل البدعة، فنرجو من الله تعالى أن يغفر له، ويعفو عنه.
قال الذهبي ﵀:
" إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه وعُلمَ تحرِّيه للحق، واتسع علمه وظهر ذكاؤه، وعُرفَ صلاحُه وورعه واتباعه، يُغفَرُ له زَلَلُه، ولا نُضلِّلُه ونطرحه وننسى محاسنَه، نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك " انتهى.
"سير أعلام النبلاء" (٥/٢٧١) .
والمؤمن قد يجتمع فيه خير وشر، فيحمد على ما معه من الخير، ويذم على ما معه من الشر، بعد نصحه ووعظه وإرشاده.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10667
كيف يدعو صاحبه إلى السنة والجماعة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف لي أن أدعوَ أخًا لي مسلما، ولكنه صوفي، أَحسنَ إليَّ كثيرًا، يداوم على حضور دروس العلماء، ومع عدم وجود ناصر من العلماء ممن قد يساندوني في ذلك، مع علمكم بصعوبة الإقناع للصوفيين، وخصوصًا في الوسط ذاته، ومع العلم أنه يتهم السلفيين بأنهم تكفيريون، وغير ذلك؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نسأل الله أن يجزيك خير الجزاء على حرصك ومتابعتك لأخيك في أمور الدين، ولا شك أن من أكبر نعم الله على العبد أن يجعل قلبه حيًا نابضًا بالدعوة إليه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والداعية إلى الله يحتاج في دعوته إلى العلم والبصيرة.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
" تأمل أيها الشاب المسلم الواعي الداعي إلى الله قوله تعالى (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) يوسف/١٠٨.
أي: على بصيرة فيما تدعو إليه، وعلى بصيرة بحال المدعو، وعلى بصيرة في كيفية الدعوة، إذًا هناك شروط يجب مراعاتها، منها:
أولاً: أن يكون على بصيرة فيما يدعو إليه، بأن يكون عالمًا بالحكم الشرعي فيما يدعو إليه؛ لأنه قد يدعو إلى شيء يظن أنه واجب وهو في الشرع غير واجب، فيلزم عباد الله بما لم يلزمهم به الله، وقد يدعو إلى ترك شيء يظن أنه محرم، وهو في دين الله غير محرم، فيحرم على عباد الله ما أحله الله لهم.
ثانيًا: أن يكون على بصيرة بحال المدعو: لا بد أن تعلم حال المدعو، ما مستواه العلمي؟ وما مستواه الجدلي؟ حتى تتأهب له فتناقشه وتجادله؛ لأنك إذا دخلت مع مثل هذا في جدال، وكان الأمر عليك لقوة جدله، صار في هذا نكبة عظيمة على الحق وأنت سببها، ولا تظن أن صاحب الباطل يخفق في كل حال.
ثالثًا: أن يكون على بصيرة في كيفية الدعوة، فأحث إخواني الدعاة على استعمال الحكمة والتأني، وهم يعلمون أن الله تعالى يقول: (يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَاّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ) البقرة/٢٦٩ " انتهى.
"فتاوى الحرم المكي" (ص/١٠٦٣- ١٠٦٦ بتصرف) .
وانظر سؤال رقم (٢٠٢٣) .
وينبغي هنا أن تتنبه إلى بعض الأمور:
أولاً:
لا تستعمل أسلوب التعميم، كأن تحكم على التصوف في أصل فكرته بالبدعة والضلال، أو تحكم على جميع المتصوفة بالضلال، بل عليك بالاحتراز في الكلام، كأن تقول له مثلاً: من فعل كذا أو قال كذا من الصوفية أو غيرهم فقد وقع في البدعة، أو نحو ذلك من العبارات.
ولم يحكم العلماء على التصوف جميعه بالضلال، بل قسموا التصوف إلى أقسام، ثم بينوا ما يوافق السنة منها وما يخالفها.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم:
" المتصوفة على قسمين: متصوفة سُنِّيِّين، ومتصوفة بدعِيِّين، ومقتصدوهم ليس فيهم إلا القليل من البدعة، وبعضهم عنده الشيء الكثير، وجعلوا التصوف نافذة إلى وحدة الوجود " انتهى.
"مجموع فتاوى ابن إبراهيم" (١/ رقم ١٩٢) .
وإن كان الغالب على الصوفية الآن الوقوع في البدع والضلالات.
وقد سبق بيان ذلك في سؤال رقم (٤٩٨٣) (٤٧٤٣١) (٢٠٣٧٥) .
فيمكنك أن تدخل له من هذا المدخل، ثم تحاكم التصوف الذي يلتزمه صاحبك إلى الكتاب والسنة، فإن كان حقا فالحمد لله، وإن كان باطلاً رجع عنه إن شاء الله.
ثانيًا:
وأما اتهامه للسلفيين بأنهم تكفيريون، فهي تهمة سمعناها كثيراً، وتكفير من قام الدليل على تكفيره ليس عيباً ولا خطأً، بل العيب والخطأ هو عدم تكفير من دل الدليل على تكفيره، ونحن لا ننكر أن بعض من ينتسب إلى السلفيين قد تساهل في إطلاق لفظ الكفر، ولكن ليس هذا هو منهج أهل السنة والجماعة، فأهل السنة لا يكفرون أحدا بمجرد معصية فعلها، ولو كانت كبيرة، بل لابد من قيام الدليل الشرعي على أن هذا الفعل كفر، ثم توفر الشروط وانتفاء الموانع حتى يحكم على الشخص بأنه كافر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" مذهب أهل السنة والجماعة أنهم لا يكفرون أهل القبلة بمجرد الذنوب، ولا بمجرد التأويل، بل الشخص الواحد إذا كانت له حسنات وسيئات فأمره إلى الله " انتهى.
"مجموع الفتاوى" (٢٧/٤٧٨) .
وقال ﵀:
" وليس لأحد أن يُكفِّر أحداً من المسلمين، وإن أخطأ وغلط، حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة " انتهى.
"مجموع الفتاوى" (١٢/٤٦٦) .
وبيّن ﵀ أن أهل السنة لا يكفرون المخالف لهم، وإن كان مخالفهم يكفرهم - أحيانًا - قال ﵀:
" وأئمة السنة والجماعة وأهل العلم والإيمان فيهم العلم والعدل والرحمة، فيعلمون الحق الذي يكونون به موافقين للسنة سالمين من البدعة، ويعدلون على من خرج منها، ولو ظلمهم، كا قال تعالى (كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) المائدة/٨.
ويرحمون الخلق فيريدون لهم الخير والهدى والعلم، لا يقصدون لهم الشر ... ، فلهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم، وإن كان ذلك المخالف يكفرهم؛ لأن الكفر حكم شرعي " انتهى.
"الرد على البكري" (ص/٢٥٦ – ٢٥٨) .
ثالثًا:
إن لم يكن عندك من العلم ما يكفي لإقناعه، والإجابة عن الشبهات التي يحملها، فيمكنك إيصال الحق له عن طريق الكتاب النافع، والشريط المقنع، أو عن طريق زيارة أهل العلم في بلدكم أو في غيرها من البلاد، للسماع منهم وسؤالهم، وقد باتت وسائل الخير متيسرة لجميع الناس هذه الأيام – والحمد لله -، ولا تحتقرن شيئًا من ذلك، فلعل شريطًا تهديه إليه يكون سببًا في هدايته.
رابعًا:
لا تيأس من دعوته وهدايته، ولو طال الزمن، فكم من الناس تاب ورجع إلى الحق بعد سنوات من دعوته وتذكيره.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10668
تسجيل الحضور في المنتديات بالذكر والصلاة والسلام على رسول الله
[السُّؤَالُ]
ـ[يقوم بعض الإخوة في منتديات الإنترنت بوضع موضوع يكون عنوانه: "سجل حضورك اليومي بذكر اسم الله" أو "سجل حضورك اليومي بالصلاة على النبي محمد ﷺ " وفكرة هذا الموضوع هو أن أعضاء المنتدى كلما دخلوا إلى الموقع يقومون بالاشتراك في هذا الموضوع بكتابة بعض ألفاظ الصلاة على النبي وبعض التسابيح والأذكار، ونحن نكتب هذا الموضوع لغرض الفائدة والدعوة إلى الله، وتنبيه الغافلين عن ذكر الله، لا أكثر ولا أقل، والله من وراء القصد. فما هو رأيكم في ذلك؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نشكر لكم حرصكم على الخير، ونسأل الله أن يزيدكم حرصاً وهدى.
وأما ما ذكرته من افتتاح بعض المنتديات بقولهم: سجل حضورك اليومي بذكر اسم الله وما شابه ذلك، فالأولى بهم أن يقتصروا على مجرد التذكير بذكر اسم الله، لكون البداءة بذكر اسم الله سنة جارية عند أهل العلم في افتتاحهم لكتاباتهم، وأمورهم، وأما ما سوى ذلك من ربط تسجيل الحضور بذكر الله أو الصلاة على النبي ﷺ ، فالأولى البعد عن ذلك لأن فيه نوعاً من التحديد، وربط الذكر بسبب معين، وهذا قد يكون فيه نوع ابتداع يخشى أن يجر إلى ما هو أكبر منه، والسلف ﵏ كانوا يحذرون من صغار البدع لأنها تجر في الغالب إلى كبارها، كما في سنن الدارمي عن عمرو بن سلمة: أن أبا موسى جاء إلى ابن مسعود ﵁ فقال: يا أبا عبد الرحمن، إني رأيت في المسجد آنفًا أمرًا أنكرته، ولم أر - والحمد لله - إلا خيرًا. قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه. قال: رأيت في المسجد قومًا حِلَقًا جلوسًا ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حَصَى، فيقول: كبروا مائة، فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة، فيهللون مائة، ويقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة.
قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئًا انتظار رأيك، وانتظار أمرك.
قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء؟
ثم مضى ومضينا معه، حتى أتى حلقة من تلك الحلق، فوقف عليهم، فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن، حَصَى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح.
قال: فعدّوا سيئاتكم، فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء. ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم! هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده، إنكم لعلى ملَّة أهدى من ملَّة محمد، أو مفتتحو باب ضلالة. قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن، ما أردنا إلا الخير. قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه. إن رسول اللَّه ﷺ حدثنا أن قومًا يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم.
وايم الله ما أدري، لعل أكثرهم منكم، ثم تولى عنهم. فقال عمرو بن سلمة: رأينا عامة أولئك الحلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج.قال الألباني: إسناده صحيح، كما في "إصلاح المساجد" (ص ١١) .
فلو أنكم في كل يوم ذكرتم فضل أحد الأذكار الشرعية من الكتاب أو السنة، أو ذكَّرته باستصحاب الذكر والتسبيح ونحو ذلك، لكان ذلك أحسن في دلالة الناس على الخير وإرشادهم إليه، لأنهم إذا علموا فضل التسبيح أو التحميد أو التهليل أو الصلاة على النبي ﷺ ، لداوموا عليه، ولا يكون ذلك مختصاً بتسجيل الدخول فقط، فيحصل المقصود وهو حث الناس على الأذكار الشرعية، وسلمتم من شبهة الابتداع.
وأما ما ذكر في بعض المنتديات أن هذا من الذكر الجماعي، أو من اتخاذ آيات الله هزوا، فهذا فيه مبالغة شديدة ومخالفة في الواقع، وليس هذا من الذكر الجماعي في شيء، بل غاية ما فيه أن يكون من تحديد الذكر بسبب معين لم يحدده الشارع، فكان اجتنابه أولى.
والله تعالى أعلم بالصواب.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10669
حكم الاحتفال بعاشوراء أو إقامة المآتم فيه
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم ما يفعله الناس في يوم عاشوراء من الكحل، والاغتسال، والحناء والمصافحة، وطبخ الحبوب وإظهار السرور، وغير ذلك ... هل ورد في ذلك عن النبي ﷺ حديث صحيح؟ أم لا؟ وإذا لم يرد حديث صحيح في شيء من ذلك فهل يكون فعل ذلك بدعة أم لا؟ وما تفعله الطائفة الأخرى من المآتم والحزن والعطش، وغير ذلك من الندب والنياحة، وشق الجيوب، هل لذلك أصل؟ أم لا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سُئِلَ شَيْخُ الإِسْلامِ هذا السؤال فأجاب بقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لَمْ يَرِدْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلا عَنْ أَصْحَابِهِ , وَلا اسْتَحَبَّ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ لا الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ , وَلا غَيْرِهِمْ. وَلا رَوَى أَهْلُ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ فِي ذَلِكَ شَيْئًا , لا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلا الصَّحَابَةِ , وَلا التَّابِعِينَ , لا صَحِيحًا وَلا ضَعِيفًا , لا فِي كُتُبِ الصَّحِيحِ , وَلا فِي السُّنَنِ , وَلا الْمَسَانِيدِ , وَلا يُعْرَفُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الأَحَادِيثِ عَلَى عَهْدِ الْقُرُونِ الْفَاضِلَةِ. وَلَكِنْ رَوَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثَ مِثْلَ مَا رَوَوْا أَنَّ مَنْ اكْتَحَلَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ لَمْ يَرْمَدْ مِنْ ذَلِكَ الْعَامِ , وَمَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ لَمْ يَمْرَضْ ذَلِكَ الْعَامِ , وَأَمْثَالِ ذَلِكَ. وَرَوَوْا فَضَائِلَ فِي صَلاةِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ , وَرَوَوْا أَنَّ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ تَوْبَةَ آدَمَ , وَاسْتِوَاءَ السَّفِينَةِ عَلَى الْجُودِيِّ , وَرَدَّ يُوسُفَ عَلَى يَعْقُوبَ , وَإِنْجَاءَ إبْرَاهِيمَ مِنْ النَّارِ , وَفِدَاءَ الذَّبِيحِ بِالْكَبْشِ وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَرَوَوْا فِي حَدِيثٍ مَوْضُوعٍ مَكْذُوبٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ : ﴿أَنَّهُ مَنْ وَسَّعَ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَائِرَ السَّنَةِ﴾ .
.. (ثم تحدّث شيخ الإسلام ﵀ عن طائفتين ضالتين كانتا في الكوفة بأرض العراق تتخذان من عاشوراء عيدا لبدعتيهما) . طَائِفَة رَافِضَة يُظْهِرُونَ مُوَالاةَ أَهْلِ الْبَيْتِ , وَهُمْ فِي الْبَاطِنِ إمَّا مَلاحِدَةٌ زَنَادِقَةٌ , وَإِمَّا جُهَّالٌ , وَأَصْحَابُ هَوًى. وَطَائِفَةٌ نَاصِبَةٌ تَبْغُضُ عَلِيًّا , وَأَصْحَابَهُ , لِمَا جَرَى مِنْ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ مَا جَرَى. وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ﴿سَيَكُونُ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابٌ وَمُبِيرٌ﴾ . فَكَانَ الْكَذَّابُ هُوَ الْمُخْتَارَ بْنَ أَبِي عُبَيْدٍ الثَّقَفِيَّ , وَكَانَ يُظْهِرُ مُوَالاةَ أَهْلِ الْبَيْتِ , وَالانْتِصَارَ لَهُمْ , وَقَتَلَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ أَمِيرَ الْعِرَاقِ الَّذِي جَهَّزَ السَّرِيَّةَ الَّتِي قَتَلَتْ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ ﵄ ثُمَّ إنَّهُ أَظْهَرَ الْكَذِبَ , وَادَّعَى النُّبُوَّةَ , وَأَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ يَنْزِلُ عَلَيْهِ , حَتَّى قَالُوا لابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ. قَالُوا لأَحَدِهِمَا: إنَّ الْمُخْتَارَ بْنَ أَبِي عُبَيْدٍ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ , فَقَالَ صَدَقَ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ . وَقَالُوا لِلآخَرِ: إنَّ الْمُخْتَارَ يَزْعُمُ أَنَّهُ يُوحَى إلَيْهِ فَقَالَ صَدَقَ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ . وَأَمَّا الْمُبِيرُ فَهُوَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ الثَّقَفِيُّ , وَكَانَ: مُنْحَرِفًا عَنْ عَلِيٍّ وَأَصْحَابِهِ , فَكَانَ هَذَا مِنْ النَّوَاصِبِ , وَالأَوَّلُ مِنْ الرَّوَافِضِ , وَهَذَا الرَّافِضِيُّ كَانَ: أَعْظَمَ كَذِبًا وَافْتِرَاءً , وَإِلْحَادًا فِي الدِّينِ , فَإِنَّهُ ادَّعَى النُّبُوَّةَ..
وَكَانَ فِي الْكُوفَةِ بَيْنَ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ فِتَنٌ وَقِتَالٌ فَلَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ﵄ يَوْمَ عَاشُورَاءَ قَتَلَتْهُ الطَّائِفَةُ الظَّالِمَةُ الْبَاغِيَةُ , وَأَكْرَمَ اللَّهُ الْحُسَيْنَ بِالشَّهَادَةِ , كَمَا أَكْرَمَ بِهَا مَنْ أَكْرَمَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ. أَكْرَمَ بِهَا حَمْزَةَ وَجَعْفَرَ , وَأَبَاهُ عَلِيًّا , وَغَيْرَهُمْ , وَكَانَتْ شَهَادَتُهُ مِمَّا رَفَعَ اللَّهُ بِهَا مَنْزِلَتَهُ , وَأَعْلَى دَرَجَتَهُ , فَإِنَّهُ هُوَ وَأَخُوهُ الْحَسَنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ , وَالْمَنَازِلُ الْعَالِيَةُ لا تُنَالُ إلاّ بِالْبَلاءِ , كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ﴿لَمَّا سُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً فَقَالَ: الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الصَّالِحُونَ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ , فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلابَةٌ زِيدَ فِي بَلائِهِ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ خُفِّفَ عَنْهُ , وَلا يَزَالُ الْبَلاءُ بِالْمُؤْمِنِ حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى الأَرْضِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ﴾ . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ. فَكَانَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ قَدْ سَبَقَ لَهُمَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى مَا سَبَقَ , مِنْ الْمَنْزِلَةِ الْعَالِيَةِ , وَلَمْ يَكُنْ قَدْ حَصَلَ لَهُمَا مِنْ الْبَلاءِ مَا حَصَلَ لِسَلَفِهِمَا الطَّيِّبِ , فَإِنَّهُمَا وُلِدَا فِي عِزِّ الإِسْلامِ , وَتَرَبَّيَا فِي عِزٍّ وَكَرَامَةٍ , وَالْمُسْلِمُونَ يُعَظِّمُونَهُمَا وَيُكْرِمُونَهُمَا , وَمَاتَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يَسْتَكْمِلا مِنْ التَّمْيِيزِ , فَكَانَتْ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا أَنْ ابْتَلاهُمَا بِمَا يُلْحِقُهُمَا بِأَهْلِ بَيْتِهِمَا , كَمَا اُبْتُلِيَ مَنْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْهُمَا , فَإِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَفْضَلُ مِنْهُمَا , وَقَدْ قُتِلَ شَهِيدًا وَكَانَ مَقْتَلُ الْحُسَيْنِ مِمَّا ثَارَتْ بِهِ الْفِتَنُ بَيْنَ النَّاسِ. كَمَا كَانَ مَقْتَلُ عُثْمَانَ ﵁ مِنْ أَعْظَمِ الأَسْبَابِ الَّتِي أَوْجَبَتْ الْفِتَنَ بَيْنَ النَّاسِ , وَبِسَبَبِهِ تَفَرَّقَتْ الأُمَّةُ إلَيَّ الْيَوْمِ. وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ ﴿ثَلاثٌ مَنْ نَجَا مِنْهُنَّ فَقَدْ نَجَا: مَوْتِي , وَقَتْلُ خَلِيفَةٍ مُصْطَبِرٍ وَالدَّجَّالُ﴾ ..
(ثم ذكر شيخ الإسلام ﵀ طائفة من سيرة الحسن وعدله إلى أن قال: ثم إنَّهُ مَاتَ وَصَارَ إلَى كَرَامَةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ , وَقَامَتْ طَوَائِفُ كَاتَبُوا الْحُسَيْنَ وَوَعَدُوهُ بِالنَّصْرِ وَالْمُعَاوَنَةِ إذَا قَامَ بِالأَمْرِ , وَلَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ , بَلْ لَمَّا أَرْسَلَ إلَيْهِمْ ابْنَ عَمِّهِ أَخْلَفُوا وَعْدَهُ , وَنَقَضُوا عَهْدَهُ , وَأَعَانُوا عَلَيْهِ مَنْ وَعَدُوهُ أَنْ يَدْفَعُوهُ عَنْهُ , وَيُقَاتِلُوهُ مَعَهُ. وَكَانَ أَهْلُ الرَّأْيِ وَالْمَحَبَّةِ لِلْحُسَيْنِ كَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِمَا أَشَارُوا عَلَيْهِ بِأَنْ لا يَذْهَبَ إلَيْهِمْ , وَلا يَقْبَلَ مِنْهُمْ , وَرَأَوْا أَنَّ خُرُوجَهُ إلَيْهِمْ لَيْسَ بِمَصْلَحَةٍ , وَلا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَا يَسُرُّ , وَكَانَ الأَمْرُ كَمَا قَالُوا , وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا. فَلَمَّا خَرَجَ الْحُسَيْنُ ﵁ وَرَأَى أَنَّ الأُمُورَ قَدْ تَغَيَّرَتْ , طَلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يَدْعُوهُ يَرْجِعُ , أَوْ يَلْحَقَ بِبَعْضِ الثُّغُورِ , أَوْ يَلْحَقَ بِابْنِ عَمِّهِ يَزِيدَ , فَمَنَعُوهُ هَذَا وَهَذَا. حَتَّى يَسْتَأْسِرَ , وَقَاتَلُوهُ فَقَاتَلَهُمْ فَقَتَلُوهُ. وَطَائِفَةٌ مِمَّنْ مَعَهُ , مَظْلُومًا شَهِيدًا شَهَادَةً أَكْرَمُهُ اللَّهُ بِهَا وَأَلْحَقَهُ بِأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ. وَأَهَانَ بِهَا مَنْ ظَلَمَهُ وَاعْتَدَى عَلَيْهِ , وَأَوْجَبَ ذَلِكَ شَرًّا بَيْنَ النَّاسِ. فَصَارَتْ طَائِفَةٌ جَاهِلَةٌ ظَالِمَةٌ: إمَّا مُلْحِدَةٌ مُنَافِقَةٌ , وَإِمَّا ضَالَّةٌ غَاوِيَةٌ , تُظْهِرُ مُوَالاتَهُ , وَمُوَالاةَ أَهْلِ بَيْتِهِ تَتَّخِذُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ يَوْمَ مَأْتَمٍ وَحُزْنٍ وَنِيَاحَةٍ , وَتُظْهِرُ فِيهِ شِعَارَ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ لَطْمِ الْخُدُودِ , وَشَقِّ الْجُيُوبِ , وَالتَّعَزِّي بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. وَاَلَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ فِي الْمُصِيبَةِ - إذَا كَانَتْ جَدِيدَةً - إنَّمَا هُوَ الصَّبْرُ وَالاحْتِسَابُ وَالاسْتِرْجَاعُ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ﴾ . وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ﴿لَيْسَ مِنَّا مِنْ لَطَمَ الْخُدُودَ , وَشَقَّ الْجُيُوبَ , وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ﴾ . وَقَالَ: ﴿أَنَا بَرِيءٌ مِنْ الصَّالِقَةِ , وَالْحَالِقَةِ , وَالشَّاقَّةِ﴾ . وَقَالَ: ﴿النَّائِحَةُ إذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ﴾ . وَفِي الْمُسْنَدِ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ , عَنْ أَبِيهَا الْحُسَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَا مِنْ رَجُلٍ يُصَابُ بِمُصِيبَةٍ , فَيَذْكُرُ مُصِيبَتَهُ وَإِنْ قَدِمَتْ , فَيُحْدِثُ لَهَا اسْتِرْجَاعًا إلاّ أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنْ الأَجْرِ مِثْلَ أَجْرِهِ يَوْمَ أُصِيبَ بِهَا﴾ . وَهَذَا مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ , فَإِنَّ مُصِيبَةَ الْحُسَيْنِ وَغَيْرِهِ إذَا ذُكِرَتْ بَعْدَ طُولِ الْعَهْدِ , فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَسْتَرْجِعَ فِيهَا كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ لِيُعْطَى مِنْ الأَجْرِ مِثْلُ أَجْرِ الْمُصَابِ يَوْمَ أُصِيبَ بِهَا. وَإِذَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَمَرَ بِالصَّبْرِ وَالاحْتِسَابِ عِنْدَ حَدَثَانِ الْعَهْدِ بِالْمُصِيبَةِ , فَكَيْفَ مَعَ طُولِ الزَّمَانِ , فَكَانَ مَا زَيَّنَهُ الشَّيْطَانُ لأَهْلِ الضَّلالِ وَالْغَيِّ مِنْ اتِّخَاذِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ مَأْتَمًا , وَمَا يَصْنَعُونَ فِيهِ مِنْ النَّدْبِ وَالنِّيَاحَةِ , وَإِنْشَادِ قَصَائِدِ الْحُزْنِ , وَرِوَايَةِ الأَخْبَارِ الَّتِي فِيهَا كَذِبٌ كَثِيرٌ وَالصِّدْقُ فِيهَا لَيْسَ فِيهِ إلا تَجْدِيدُ الْحُزْنِ , وَالتَّعَصُّبُ , وَإِثَارَةُ الشَّحْنَاءِ وَالْحَرْبِ , وَإِلْقَاءُ الْفِتَنِ بَيْنَ أَهْلِ الإِسْلامِ , وَالتَّوَسُّلُ بِذَلِكَ إلَى سَبِّ السَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ , وَكَثْرَةُ الْكَذِبِ وَالْفِتَنِ فِي الدُّنْيَا وَلَمْ يَعْرِفْ طَوَائِفُ الإِسْلامِ أَكْثَرَ كَذِبًا وَفِتَنًا وَمُعَاوَنَةً لِلْكُفَّارِ عَلَى أَهْلِ الإِسْلامِ , مِنْ هَذِهِ الطَّائِفَةِ الضَّالَّةِ الْغَاوِيَةِ , فَإِنَّهُمْ شَرٌّ مِنْ الْخَوَارِجِ الْمَارِقِينَ. وَأُولَئِكَ قَالَ فِيهِمْ النَّبِيُّ ﷺ : ﴿يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلامِ , وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ﴾ . وَهَؤُلاءِ يُعَاوِنُونَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ وَأُمَّتِهِ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا أَعَانُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ التُّرْكِ وَالتَّتَارِ عَلَى مَا فَعَلُوهُ بِبَغْدَادَ , وَغَيْرِهَا , بِأَهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ , وَمَعْدِنِ الرِّسَالَةِ وَلَدِ الْعَبَّاسِ , وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ وَالْمُؤْمِنِينَ , مِنْ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ وَخَرَابِ الدِّيَارِ. وَشَرُّ هَؤُلاءِ وَضَرَرُهُمْ عَلَى أَهْلِ الإِسْلامِ , لا يُحْصِيهِ الرَّجُلُ الْفَصِيحُ فِي الْكَلامِ. فَعَارَضَ هَؤُلاءِ قَوْمٌ إمَّا مِنْ النَّوَاصِبِ الْمُتَعَصِّبِينَ عَلَى الْحُسَيْنِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ , وَإِمَّا مِنْ الْجُهَّالِ الَّذِينَ قَابَلُوا الْفَاسِدَ بِالْفَاسِدِ , وَالْكَذِبَ بِالْكَذِبِ , وَالشَّرَّ بِالشَّرِّ , وَالْبِدْعَةَ بِالْبِدْعَةِ , فَوَضَعُوا الآثَارَ فِي شَعَائِرِ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ كَالاكْتِحَالِ وَالاخْتِضَابِ , وَتَوْسِيعِ النَّفَقَاتِ عَلَى الْعِيَالِ , وَطَبْخِ الأَطْعِمَةِ الْخَارِجَةِ عَنْ الْعَادَةِ , وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُفْعَلُ فِي الأَعْيَادِ وَالْمَوَاسِمِ , فَصَارَ هَؤُلاءِ يَتَّخِذُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ مَوْسِمًا كَمَوَاسِمِ الأَعْيَادِ وَالأَفْرَاحِ. وَأُولَئِكَ يَتَّخِذُونَهُ مَأْتَمًا يُقِيمُونَ فِيهِ الأَحْزَانَ وَالأَتْرَاحَ وَكِلا الطَّائِفَتَيْنِ مُخْطِئَةٌ خَارِجَةٌ عَنْ السُّنَّةِ , وَإِنْ كَانَ أُولَئِكَ (أي الرافضة) أَسْوَأَ قَصْدًا وَأَعْظَمَ جَهْلا , وَأَظْهَرَ ظُلْمًا , لَكِنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ﴿إنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلافًا كَثِيرًا , فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي , تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ , وَإِيَّاكُمْ وَمُحَدِّثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ﴾ . وَلَمْ يَسُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلا خُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الأُمُورِ , لا شَعَائِرَ الْحُزْنِ وَالتَّرَحِ , وَلا شَعَائِرَ السُّرُورِ وَالْفَرَحِ , ﴿وَلَكِنَّهُ ﷺ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَجَدَ الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ , فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا , هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى مِنْ الْغَرَقِ فَنَحْنُ نَصُومُهُ , فَقَالَ: نَحْنُ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ. فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ﴾ وَكَانَتْ قُرَيْشٌ أَيْضًا تُعَظِّمُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَالْيَوْمُ الَّذِي أَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ كَانَ يَوْمًا وَاحِدًا , فَإِنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ , فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ صَامَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ ثُمَّ فُرِضَ شَهْرُ رَمَضَانَ ذَلِكَ الْعَامِ , فَنَسَخَ صَوْمَ عَاشُورَاءَ. وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ: هَلْ كَانَ صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَاجِبًا؟ أَوْ مُسْتَحَبًّا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا , ثُمَّ إنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ يَصُومُهُ مَنْ يَصُومُهُ اسْتِحْبَابًا , وَلَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ ﷺ الْعَامَّةَ بِصِيَامِهِ , بَلْ كَانَ يَقُولُ: ﴿هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ , وَأَنَا صَائِمٌ فِيهِ فَمَنْ شَاءَ صَامَ﴾ . وَقَالَ: ﴿صَوْمُ عَاشُورَاءَ يُكَفِّرُ سَنَةً , وَصَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ﴾ . ﴿وَلَمَّا كَانَ آخِرُ عُمْرِهِ ﷺ وَبَلَغَهُ أَنَّ الْيَهُودَ يَتَّخِذُونَهُ عِيدًا , قَالَ: لَئِنْ عِشْتُ إلَى قَابِلٍ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ﴾ . لِيُخَالِفَ الْيَهُودَ , وَلا يُشَابِهَهُمْ فِي اتِّخَاذِهِ عِيدًا , وَكَانَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالْعُلَمَاءِ مَنْ لا َصُومُهُ , وَلا يَسْتَحِبُّ صَوْمَهُ , بَلْ يَكْرَهُ إفْرَادَهُ بِالصَّوْمِ , كَمَا نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الْكُوفِيِّينَ , وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَسْتَحِبُّ صَوْمَهُ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ صَامَهُ أَنْ يَصُومَ مَعَهُ التَّاسِعَ ; لأَنَّ هَذَا آخِرُ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ لِقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ عِشْتُ إلَى قَابِلٍ , لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ مَعَ الْعَاشِرِ﴾ كَمَا جَاءَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ , فَهَذَا الَّذِي سَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَأَمَّا سَائِرُ الأُمُورِ: مِثْلُ اتِّخَاذِ طَعَامٍ خَارِجٍ عَنْ الْعَادَةِ , إمَّا حُبُوبٌ وَإِمَّا غَيْرُ حُبُوبٍ , أَوْ تَجْدِيدُ لِبَاسٍ وَتَوْسِيعُ نَفَقَةٍ , أَوْ اشْتِرَاءُ حَوَائِجِ الْعَامِ ذَلِكَ الْيَوْمِ , أَوْ فِعْلُ عِبَادَةٍ مُخْتَصَّةٍ. كَصَلاةٍ مُخْتَصَّةٍ بِهِ , أَوْ قَصْدُ الذَّبْحِ , أَوْ ادِّخَارُ لُحُومِ الأَضَاحِيّ لِيَطْبُخَ بِهَا الْحُبُوبَ , أَوْ الاكْتِحَالُ وَالاخْتِضَابُ , أَوْ الاغْتِسَالُ أَوْ التَّصَافُحُ , أَوْ التَّزَاوُرُ أَوْ زِيَارَةُ الْمَسَاجِدِ وَالْمَشَاهِدِ , وَنَحْوُ ذَلِكَ , فَهَذَا مِنْ الْبِدَعِ الْمُنْكَرَةِ , الَّتِي لَمْ يَسُنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلا خُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ , وَلا اسْتَحَبَّهَا أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ لا مَالِكٌ وَلا الثَّوْرِيُّ , وَلا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ , وَلا أَبُو حَنِيفَةَ , وَلا الأوْزَاعِيُّ , وَلا الشَّافِعِيُّ , وَلا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ , وَلا إسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ , وَلا أَمْثَالُ هَؤُلاءِ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ , وَعُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ.. وَدِينُ الإِسْلامِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلَيْنِ , عَلَى أَنْ لا نَعْبُدَ إلاّ اللَّهَ , وَأَنْ نَعْبُدَهُ بِمَا شَرَعَ , لا نَعْبُدُهُ بِالْبِدَعِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ . فَالْعَمَلُ الصَّالِحُ مَا أَحَبَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ , وَهُوَ الْمَشْرُوعُ الْمَسْنُونُ , وَلِهَذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ , اللَّهُمَّ اجْعَلْ عَمَلِي كُلَّهُ صَالِحًا وَاجْعَلْهُ لِوَجْهِك خَالِصًا , وَلا تَجْعَلْ لأَحَدٍ فِيهِ شَيْئًا. انتهى ملخصا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: الفتاوى الكبرى ج:٥، والله الهادي إلى سواء السبيل.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 10670
هل تصح الصلاة خلف من يلحن في القرآن ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[إمام المسجد الذي أصلي فيه يخطئ في قراءة الفاتحة، فينصب المرفوع، ويكسر المرفوع، مما يغير معنى الآية، فهل تصح الصلاة وراءه؟
يوجد عندنا في المسجد بدع منكرة بعد الصلاة مثل ترديد " يا لطيف " ١٠٠ مرة، بصفة جماعية.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
من كان إماماً أو مأموماً يخطئ في قراءة الفاتحة بما يغيِّر معنى الآيات: فصلاته باطلة؛ لأن الفاتحة ركن من أركان الصلاة، ويجب عليه أن يصحح قراءته، وأن يتعلم قراءة الفاتحة على الصواب؛ إلا أن يعجز عن تعلم ذلك، بعد اجتهاده فيه، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها. لكنه إن كان إماماً فلا يصلي وراءه إلا من كان مثله أو دونه في إقامة الفاتحة.
قال النووي ﵀: " وتكره إمامة من يلحن في القراءة؛ ثم ينظر: إن كان لحنا لا يغير المعنى، كرفع الهاء من الحمد لله، صحت صلاته وصلاة من اقتدى به، وإن كان يغير، كضم تاء أنعمت عليهم أو كسرها، تبطله، كقوله الصراط المستقين؛ فإن كان يطاوعه لسانه ويمكنه التعلم لزمه ذلك، فإن قصر وضاق الوقت صلى وقضى، ولا يجوز الاقتداء به.
وإن لم يطاوعه لسانه، أو لم يمض ما يمكن التعلم فيه، فإن كان في الفاتحة فصلاة مثله خلفه صحيحة، وصلاة صحيح اللسان خلفه صلاة قارئ خلف أمي [يعني أنها لا تصح] ، وإن كان في غير الفاتحة صحت صلاته وصلاة من خلفه " انتهى من روضة الطالبين (١/٣٥٠)
وقال ابن قدامة ﵀: " (وإن) (أم أمي أميا وقارئا) (أعاد القارئ وحده) . الأمي من لا يحسن الفاتحة أو بعضها , أو يخل بحرف منها , وإن كان يحسن غيرها , فلا يجوز لمن يحسنها أن يأتم به , ويصح لمثله أن يأتم به.. "
ثم قال: " ومن ترك حرفا من حروف الفاتحة ; لعجزه عنه , أو أبدله بغيره , كالألثغ الذي يجعل الراء غينا , والأرت الذي يدغم حرفا في حرف , أو يلحن لحنا يحيل المعنى , كالذي يكسر الكاف من إياك , أو يضم التاء من أنعمت , ولا يقدر على إصلاحه , فهو كالأمي , لا يصح أن يأتم به قارئ. ويجوز لكل واحد منهم أن يؤم مثله ; لأنهما أميان , فجاز لأحدهما الائتمام بالآخر , كاللذين لا يحسنان شيئا. وإن كان يقدر على إصلاح شيء من ذلك فلم يفعل , لم تصح صلاته , ولا صلاة من يأتم به. "
وقال أيضا: " تكره إمامة اللحان , الذي لا يحيل المعنى , نص عليه أحمد. وتصح صلاته بمن لا يلحن ; لأنه أتى بفرض القراءة , فإن أحال المعنى في غير الفاتحة , لم يمنع صحة الصلاة , ولا الائتمام به , إلا أن يتعمده , فتبطل صلاتهما ...
وأما إن كان لا يغيِّر بخطئه معنى الآيات: فيجوز الصلاة وراءه مع وجوب تعلمه للقراءة، وأما إن كان خطؤه في غير الفاتحة: فهو منقص من الصلاة وليس مبطلا لها، والصلاة خلف المتقن للقراءة أولى منه ولا شك، ولا يجوز لولاة الأمر تولية مثل هؤلاء الجهلة الصلاة بالناس، وإلا كانوا شركاء معهم بالإثم." انظر: المغني (٣/٢٩-٣٢ ط هجر) .
وقال علماء اللجنة الدائمة:
... أما إذا كان يخطئ: فإن كان خطؤه لحناً لا يغيِّر المعنى: فالصلاة وراء من لا يلحن أولى إذا تيسر، وإن كان لحنه في الفاتحة يغيِّر المعنى: فالصلاة وراءه باطلة، وذلك من أجل لحنه لا لعماه؛ كقراءة (إيَّاكَ نَعْبُدُ) بكسر الكاف، أو (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِم) بضم التاء أو كسرها، وإن كان يخطئ لضعف حفظه: كان غيره ممن هو أحفظ أولى بالإمامة منه.
" فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء " (٢ / ٥٢٧) .
وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀:
إمام يلحن في القرآن، وأحياناً يزيد وينقص في أحرف الآيات القرآنية، ما حكم الصلاة خلفه؟ .
فأجاب:
إذا كان لحنه لا يحيل المعنى: فلا حرج في الصلاة خلفه مثل نصب (رَبِّ) أو رفعها في (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) الفاتحة/٢، وهكذا نصب (الرَّحمنِ) أو رفعه، ونحو ذلك، أما إذا كان يحيل المعنى: فلا يصلى خلفه إذا لم ينتفع بالتعليم والفتح عليه، مثل أن يقرأ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) بكسر الكاف، ومثل أن يقرأ (أَنْعَمْتَ) بكسر التاء أو ضمها، فإن قبِل التعليم وأصلح قراءته بالفتح عليه: صحت صلاته وقراءته، والمشروع في جميع الأحوال للمسلم أن يعلم أخاه في الصلاة وخارجها؛ لأن المسلم أخو المسلم يرشده إذا غلط ويعلمه إذا جهل ويفتح عليه إذا ارتج عليه القرآن.
" مجموع فتاوى ابن باز " (١٢ / ٩٨، ٩٩) .
ثانيا:
أما بخصوص ترديد " يا لطيف " مائة مرة: فلا يشك أنها بدعة لو قالها المسلم وحده؛ لأنها جملة غير مفيدة، فهو نداء لله تعالى لكن ماذا بعدُ؟ هل هو يطلب من ربه شيئاً؟ هل يريد الثناء عليه بعدها؟ لا شيء من ذلك، وإذا ذُكرت جماعة كانت بدعة أخرى.
وانظر كلام العلماء في هذا في جوابي السؤالين: (٢٢٤٥٧) و (٢٦٨٦٧) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10671
هل تشرع صلاة الحاجة؟ وهل تنفع التجربة لفعلها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[صلاة الحاجة باثنتي عشرة ركعة مع التشهد بين كل ركعتين وفي التشهد الأخير نثني على الله ونصلي على النبي ﷺ ثم نسجد ونقرأ فاتحة الكتاب سبع مرات وآية الكرسي سبع مرات ونقول عشر مرات " لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير "، ثم نقول: " اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك واسمك الأعظم وجدك الأعلى وكلماتك التامة " ثم نسأل حاجتنا ونرفع رأسنا من السجود ونسلم يميناً ويساراً.
سؤالي هو:
قيل لي إن النبي ﷺ نهى عن قراءة القرآن في السجود وقد جربتها في أيام الدراسة والله استجاب دعائي وأنا لي حاجة إلى الله وأريد أن أصليها فما هي نصيحتكم لي؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
رويت " صلاة الحاجة " في أربعة أحاديث: اثنان منهما موضوعان، والصلاة في أحدهما اثنتا عشرة ركعة، وفي الآخر ركعتان، والثالث ضعيف جدّاً، والرابع ضعيف، والصلاة فيهما ركعتان.
أما الأول: فهو الذي جاء في السؤال وهو من حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (اثنتا عشرة ركعة تصليهن من ليل أو نهار وتتشهد بين كل ركعتين، فإذا تشهدت من آخر صلاتك فأثنِ على الله، وصلِّ على النبي ﷺ ، واقرأ وأنت ساجد فاتحة الكتاب سبع مرات، وقل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات، ثم قل: اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك واسمك الأعظم وجدك الأعلى وكلماتك التامة، ثم سل حاجتك ثم ارفع رأسك، ثم سلِّم يميناً وشمالاً ولا تعلموها السفهاء فإنهم يدعون بها فيستجاب لهم) .
رواه ابن الجوزي في " الموضوعات " (٢ / ٦٣) من طريق عامر بن خداش عن عمرو بن هارون البلخي.
ونقل ابن الجوزي تكذيب عمرو البلخي عن ابن معين، وقال: وقد صح النهي عن القراءة في السجود.
انظر: " الموضوعات " (٢ / ٦٣) و " ترتيب الموضوعات " للذهبي (ص ١٦٧) .
وفي الدعاء بـ " معاقد العز من عرش الله " خلاف بين العلماء، على حسب المقصود من هذا اللفظ الذي لم يرد في الشرع، وقد منع الدعاء به بعض أهل العلم، ومنهم الإمام أبو حنيفة؛ لأنه من التوسل البدعي، وأجازه آخرون لاعتقادهم أنه توسل بصفة من صفات الله لا أنه يجوز عندهم التوسل بالمخلوقين.
قال الشيخ الألباني ﵀:
" أقول: لكن الأثر المشار إليه باطل لا يصح، رواه ابن الجوزي في " الموضوعات " وقال: " هذا حديث موضوع بلا شك "، وأقره الحافظ الزيلعي في " نصب الراية " (٢٧٣) فلا يحتج به، وإن كان قول القائل: " أسألك بمعاقد العز من عرشك " يعود إلى التوسل بصفة من صفات الله : فهو توسل مشروع بأدلة أخرى، تغني عن هذا الحديث الموضوع.
قال ابن الاثير ﵀: " أسألك بمعاقد العز من عرشك، أي: بالخصال التي استحق بها العرش العز، أو بمواضع انعقادها منه، وحقيقة معناه: بعز عرشك، وأصحاب أبي حنيفة يكرهون هذا اللفظ من الدعاء ".
فعلى الوجه الأول من هذا الشرح وهو الخصال التي استحق بها العرش العز: يكون توسلاً بصفة من صفات الله تعالى فيكون جائزاً، وأما على الوجه الثاني الذي هو مواضع انعقاد العز من العرش: فهو توسل بمخلوق فيكون غير جائز، وعلى كلٍّ فالحديث لا يستحق زيادة في البحث والتأويل؛ لعدم ثبوته، فنكتفي بما سبق " انتهى كلام الألباني.
" التوسل أنواعه وأحكامه " (ص ٤٨، ٤٩) .
وقال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله:
" هذا الحديث فيه من الغرابة كما ذكر السائل من أنه شرع قراءة الفاتحة في غير القيام في الركوع أو في السجود، وتكرار ذلك، وأيضًا في السؤال بمعاقد العز من العرش وغير ذلك، وكلها أمور غريبة، فالذي ينبغي للسائل أن لا يعمل بهذا الحديث، وفي الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﷺ التي لا إشكال فيها، وفيها من نوافل العبادات والصلوات والطاعات ما فيه الخير والكفاية إن شاء الله " انتهى.
" المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان " (١ / ٤٦) .
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عن قراءة القرآن في الركوع والسجود.
فعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: نهاني رسول الله ﷺ أن أقرأ راكعاً أو ساجداً. رواه مسلم (٤٨٠) .
وفي جواب السؤال رقم (٣٤٦٩٢) سبق ذكر الحديث وتضعيفه من جهة السند والمتن عن علماء اللجنة الدائمة فلينظر.
وأما الحديث الثاني الوارد في صلاة الحاجة فهو:
عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (جاءني جبريل ﵇ بدعوات فقال: إذا نزل بك أمر من أمر دنياك فقدمهن ثم سل حاجتك: يا بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا صريخ المستصرخين، يا غياث المستغيثين، يا كاشف السوء، يا أرحم الراحمين، يا مجيب دعوة المضطرين، يا إله العالمين، بك أنزل حاجت وأنت أعلم بها فاقضها) .
رواه الأصبهاني – كما في " الترغيب والترهيب " (١ / ٢٧٥) -، وذكر الشيخ الألباني – ﵀ – في " ضعيف الترغيب " (٤١٩) و " السلسلة الضعيفة " (٥٢٩٨) أنه موضوع.
وأما الحديث الثالث: فهو:
عن عبد الله بن أبي أوفى قال: قال رسول الله ﷺ : " من كانت له إلى الله حاجة أو إلى أحد من بني آدم فليتوضأ فليحسن الوضوء ثم ليصل ركعتين ثم ليثن على الله وليصل على النبي ﷺ ، ثم ليقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، لا تدع لي ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا حاجة هي لك رضا إلا قضيتها يا أرحم الراحمين) .
رواه الترمذي (٤٧٩) وابن ماجه (١٣٨٤) .
قال الترمذي: هذا حديث غريب، وفي إسناده مقال.
وذكر الألباني ﵀ في " ضعيف الترغيب " (٤١٦) وقال: حديث ضعيف جدّاً.
وقد سبق تضعيف الحديث في جواب السؤال رقم (١٠٣٨٧) فلينظر.
وأما الحديث الرابع فهو:
عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (يا علي، ألا أعلمك دعاء إذا أصابك غم أو هم تدعو به ربك فيستجاب لك بإذن الله، ويفرج عنك؟ توضأ وصل ركعتين واحمد الله وأثن عليه، وصل على نبيك، واستغفر لنفسك وللمؤمنين والمؤمنات، ثم قل: اللهم أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، لا إله إلا الله العلي العظيم، لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب السموات السبع ورب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، اللهم كاشف الغم، مفرج الهم، مجيب دعوة المضطرين إذا دعوك، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، فارحمني في حاجتي هذه بقضائها ونجاحها رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك) .
رواه الأصبهاني – كما في " الترغيب والترهيب " (١ / ٢٧٥) وضعفه الألباني ﵀ في " ضعيف الترغيب " (٤١٧) وقال: إسناده مظلم، فيه من لا يُعرف، وانظر " السلسلة الضعيفة " (٥٢٨٧) .
والخلاصة: أنه لم يصح في هذه الصلاة حديث، فلا يشرع للمسلم أن يصليها، ويكفيه ما ورد في السنة الصحيحة من صلوات وأدعية وأذكار ثابتة.
ثانياً:
وأما قول السائلة إنها جربتها فوجدتها نافعة: فهذا قد قاله غيرها قبلها، والشرع لا يثبت بمثل هذا.
قال الشوكاني ﵀:
" السنَّة لا تثبت بمجرد التجربة، وقبول الدعاء لا يدل على أن سبب القبول ثابت عن رسول الله ﷺ ، فقد يجيب الله الدعاء من غير توسل بسنَّة، وهو أرحم الراحمين، وقد تكون الاستجابة استدراجاً " انتهى باختصار.
" تحفة الذاكرين " (ص ١٤٠) .
وقال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله:
" وأما ما ذكر من أن فلانًا جرَّبه فوجده صحيحاً، وفلانًا جرَّبه فوجده صحيحاً؛ هذا كله لا يدل على صحة الحديث، فكون الإنسان يُجرِّب الشيء ويحصل له مقصوده لا يدل على صحة ما قيل فيه أو ما ورد فيه؛ لأنه قد يصادف حصول هذا الشيء قضاءً وقدراً، أو يصادف ابتلاءً وامتحاناً للفاعل، فحصول الشيء لا يدل على صحة ما ورد به " انتهى.
" المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان " (١ / ٤٦) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10672
قراءة القرآن جماعة وإهداء الأعمال للأموات والمولد النبوي
[السُّؤَالُ]
ـ[نلتقي كل يوم أحد من كل آخر شهر مع مجموعة من الأخوات تصل إلى ٣٠ أخت أو أكثر، وتبدأ كل واحدة على حدة تقرأ حزبين أو ثلاثة إلى أن نختم القرآن الكريم في ساعة ونصف أو ساعتين ويقال لنا: إنها تحسب - إن شاء الله - ختمة لكل واحدة , هل هذا صحيح؟ بعد ذلك نقوم بالدعاء وندعو الله بإيصال ثواب ما قرأناه إلى سائر المؤمنين الأحياء منهم والأموات فهل الثواب يصل إلى الأموات ? ويستدلون بقول سيدنا محمد ﷺ : (إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَةٍ ْ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ)
كذلك يقومون في عيد المولد النبوي بإقامة رباط يبدأ من العاشرة صباحاً إلى الثالثة زوالاً يبدؤون بالاستغفار والحمد والتسبيح والتكبير والصلاة على سيدنا محمد ﷺ سرّاً ثم يقرؤون القرآن، وبعض الأخوات يصمن هذا اليوم، فهل تخصيص هذا اليوم بكل هذه العبادات يعتبر بدعة؟ كذلك عندنا دعاء طويل جدّاً طلب منَّا أن ندعو به وقت السحر , لمن استطاع، اسمه: " دعاء الرابطة " , ويبدأ بالصلاة والسلام على سيدنا محمد وحزبه وسائر الأنبياء وأمهات المؤمنين والصحابيات والخلفاء الراشدين والتابعين وأولياء الله الصالحين، مع ذكر كل أحد باسمه، وهل صحيح أن ذكر كل هذه الأسماء سوف تجعل أصحابها يتعرفون علينا وينادوننا في الجنة؟ فهل هذا الدعاء بدعة؟ أنا أشعر أنه كذلك، وأكثر الأخوات يعارضونني، فهل أعاقب من الله إن كنت مخطئة؟ وكيف أقنعهم إن كنت على صواب؟ هذا الموضوع أصابني بأرق شديد وكلما تذكرت حديث رسول الله أن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار " ازداد همي وحزني.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
ورد في السنة النبوية الصحيحة فضائل كثيرة للاجتماع على قراءة كتاب الله تعالى، وحتى يحصِّل المسلم تلك الأجور فإنه ينبغي له أن يكون اجتماعه على القرآن شرعيّاً، ومن الاجتماع الشرعي في قراءة القرآن أن يقرأه المجتمعون للمدارسة والتفسير وتعليم التلاوة، ومن الاجتماع الشرعي أيضاً: أن يقرأ واحد منهم ويستمع الباقون من أجل التفكر والتدبر في الآيات، وكلا الأمرين ورد في السنة النبوية.
وللمزيد: يراجع السؤال رقم (٢٢٧٢٢) ففيه بيان حكم الاجتماع لقراءة القرآن.
وأما أن يعدَّ ما تقرؤه المجموعة ختمة لكل واحد منهم: فهذا غير صحيح؛ لأنه لم يختم كل واحد من المجتمعين القرآن كاملاً، بل ولا استمع، بل كلٌّ منهم قرأ شيئاً، فليس له ثواب إلا على ما قرأه من القرآن.
قال علماء اللجنة الدائمة:
" توزيع أجزاء من القرآن على من حضروا الاجتماع ليقرأ كل منهم لنفسه حزباً من القرآن لا يعتبر ذلك ختماً للقرآن من كل واحد منهم بالضرورة " انتهى.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٢ / ٤٨٠) .
ثانياً:
ولا يشرع الدعاء بعد قراءة القرآن جماعيّاً، ولا يجوز الدعاء بإيصال أجر القراءة لأحدٍ من الأموات، ولا الأحياء، ولم يكن نبينا ﷺ يفعله، ولا أحدٌ من أصحابه ﵃.
سئل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀:
هل يجوز أن أختم القرآن الكريم لوالدي، علماً بأنهما أميان لا يقرآن ولا يكتبان؟ وهل يجوز أن أختم القرآن لشخص يعرف القراءة والكتابة ولكن أريد إهداءه هذه الختمة؟ وهل يجوز لي أن أختم القرآن لأكثر من شخص؟
فأجاب:
لم يرد في الكتاب العزيز، ولا في السنة المطهرة عن رسول الله ﷺ ، ولا عن صحابته الكرام ﵃ ما يدل على شرعية إهداء تلاوة القرآن الكريم للوالدين ولا لغيرهما، وإنما شرع الله قراءة القرآن للانتفاع به، والاستفادة منه، وتدبر معانيه والعمل بذلك، قال تعالى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ) ص/٢٩، وقال تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) الإسراء/٩٠، وقال سبحانه: (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ) فصلت/٤٤، وقال نبينا ﵊: (اقرءوا القرآن، فإنه يأتي شفيعاً لأصحابه) ، ويقول ﷺ : (إنه يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما)
ومعنى غيايتان: أي سحابتين.
والمقصود أنه أنزل للعمل به وتدبره والتعبد بتلاوته والإكثار من قراءته لا لإهدائه للأموات أو غيرهم، ولا أعلم في إهدائه للوالدين أو غيرهما أصلا يعتمد عليه، وقد قال ﷺ : (مَن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) ، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى جواز ذلك وقالوا: لا مانع من إهداء ثواب القرآن وغيره من الأعمال الصالحات، وقاسوا ذلك على الصدقة والدعاء للأموات وغيرهم، ولكن الصواب هو القول الأول؛ للحديث المذكور، وما جاء في معناه، ولو كان إهداء التلاوة مشروعا لفعله السف الصالح، والعبادة لا يجوز فيها القياس؛ لأنها توقيفية لا تثبت إلا بنص من كلام الله ، أو من سنة رسوله ﷺ ، للحديث السابق وما جاء في معناه.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٨ / ٣٦٠، ٣٦١) .
وأما استدلالهم بحديث (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ... ) فهو استدلال غير صحيح، بل الحديث عند التأمل يدل على عدم مشروعية إهداء ثواب قراءة القرآن للأموات، لأن النبي ﷺ قال: (يدعو له) ولم يقل: (يقرأ القرآن) .
ثالثاً:
لا ينبغي اختصار الصلاة والسلام على النبي ﷺ بحرف الصاد، ولا بكلمة " صلعم "! ومن كتب مثل هذا السؤال الطويل لا يعجزه كتابة الصلاة والسلام عليه كاملة.
وقد سبق بيان حكم كتابة هذين الاختصارين في جواب السؤال رقم (٤٧٩٧٦) فلينظر.
رابعاً:
الاحتفال بالمولد النبوي بدعة، وتخصيص عبادات معينة فيه كالتسبيح والتحميد والاعتكاف وقراءة القرآن والصيام بدعة لا يؤجر أصحابها على شيء منها؛ لأنها مردودة.
فعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد) رواه البخاري (٢٥٥٠) ومسلم (١٧١٨) .
وفي رواية لمسلم (١٧١٨) : (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)
قال الفاكهاني ﵀:
لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنة، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة، الذين هم القدوة في الدين، المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بدعة، أحدثها البطالون، وشهوةُ نفسٍ اغتنى بها الأكالون.
" المورد في عمل المولد " بواسطة كتاب " رسائل في حكم الاحتفال بالمولد النبوي " (١ / ٨، ٩) .
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀:
ولو كان الاحتفال بيوم المولد النبوي مشروعا لبينه الرسول ﷺ لأمته؛ لأنه أنصح الناس، وليس بعده نبي يبين ما سكت عنه من حقه؛ لأنه ﷺ خاتم النبيين، وقد أبان للناس ما يجب له من الحق كمحبته واتباع شريعته، والصلاة والسلام عليه وغير ذلك من حقوقه الموضحة في الكتاب والسنة، ولم يذكر لأمته أن الاحتفال بيوم مولده أمر مشروع حتى يعملوا بذلك ولم يفعله ﷺ طيلة حياته، ثم الصحابة ﵃ أحب الناس له وأعلمهم بحقوقه لم يحتفلوا بهذا اليوم، لا الخلفاء الراشدون ولا غيرهم، ثم التابعون لهم بإحسان في القرون الثلاثة المفضلة لم يحتفلوا بهذا اليوم.
أفتظن أن هؤلاء كلهم جهلوا حقه أو قصروا فيه حتى جاء المتأخرون فأبانوا هذا النقص وكملوا هذا الحق؟! لا والله! ولن يقول هذا عاقل يعرف حال الصحابة وأتباعهم بإحسان. وإذا علمت أيها القارئ الكريم أن الاحتفال بيوم المولد النبوي لم يكن موجودا في عهده ﷺ ولا في عهد أصحابه الكرام ولا في عهد أتباعهم في الصدر الأول، ولا كان معروفا عندهم - علمت أنه بدعة محدثة في الدين، لا يجوز فعلها ولا إقرارها ولا الدعوة إليها، بل يجب إنكارها والتحذير منها ... .
" مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٦ / ٣١٨، ٣١٩)
خامساً:
لا يجوز لأحدٍ اختراع دعاء أو ذِكْر ونشره بين الناس، والدعاء المسمى " دعاء الرابطة " دعاء بدعي، واستحضار صور المدعو لهم، واعتقاد أنهم سيعرفون الداعي به وينادونه في الجنة: كل ذلك أوهام وخيالات وخرافات صوفية لا أصل لها في دين الله تعالى، وضوابط الشرع التي يستطيع المسلم تمييز السنَّة من البدعة، والصواب من الخطأ: واضحة وبيِّنة، وهي أن الأصل في العبادات المنع إلا بدليل فلا يتقرب إلى الله تعالى بعبادةٍ إلا إذا دلّ الدليل من الكتاب أو السنة الصحيحة على أنها مشروعة، وأن الأصل في المسلم الاتباع لا الابتداع، وأن البدعة مردودة على صاحبها، وأن الله تعالى أكمل لنا الشريعة وأتم علينا النعمة، فأي حاجة لمثل هذه البدع أن تكون في حياتنا مع بالغ تقصيرنا في الثابت الصحيح من الشرع؟ !
وانظر – لمزيد بيان - جواب السؤالين: (٢٧٢٣٧) و (٦٧٤٥) .
ونرجو أن يكون ما ذُكِر كافياً لأولئك الأخوات للكف عن بدعهم تلك، ونوصيهن بتقوى الله تعالى، وحسن الاتباع، وليعلمن أن الله تعالى لا يقبل العبادة المبتدعة ولو بلغ صاحبها ما بلغ من بذل الجهد والمال فيها، و" اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة " كما قال الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁.
ونسأل الله تعالى أن يهدي أولئك الأخوات لما فيه رضاه، ونوصيك بحسن التبليغ، وعدم المشاركة معهن، والصبر على ما قد يصيبك جراء هذا.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10673
ما حكم إرسال السلام للنبي ﷺ مع الذاهبين للمدينة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم إرسال السلام مع الحجاج للنبي ﷺ ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الفعل غير مشروع، ولم يكن هذا من فعل أهل القرون الفاضلة، ولا عقلاء المسلمين؛ لأنه يمكن لأي أحدٍ أن يسلِّم على النبي ﷺ في أي مكانٍ كان، وقد تكفَّل الله تعالى بتوصيل هذا السلام مع ملائكة جعل الله هذا الأمر وظيفتهم، وعليه: فإن من يسلم على النبي ﷺ في أي مكان فإن سلامه سيصل يقيناً، فأين هذا من تكليف زائر للمدينة النبوية بالسلام على رسول الله ﷺ ، ولا يُدرى أيصل أم لا، ولا يُدرى أيذكر أم ينسى؟
فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام) رواه النسائي (١٢٨٢) وصححه الألباني في " صحيح الترغيب " (١٦٦٤) .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلُّوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) رواه أبو داود (٢٠٤٢) وصححه الألباني في " صحيح الجامع " (٧٢٢٦) .
قال علماء اللجنة الدائمة:
تحميل الإنسان غيره السلام على رسول الله ﷺ أو غيره من الأموات: ليس مشروعاً، بل هو بدعة، والنبي ﷺ يقول: (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) .
فالواجب ترك هذا العمل وتنبيه من يقع فيه إلى أنه لا يجوز، ومِن فضل الله علينا أن جعلَ سلامَنا على نبينا محمد ﷺ يبلغه أينما كنَّا، في مشارق الأرض ومغاربها، فقد ثبت أن النبي ﷺ قال: (إن لله في الأرض ملائكة سياحين يبلغوني من أمتي السلام) رواه الإمام أحمد والنسائي وغيرهما، وقال ﷺ : (خير أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) ، وقال ﵊: (لا تجعلوا قبري عيداً، ولا بيوتكم قبوراً، وصلُّوا عليَّ، فإن صلاتكم تبلغني أين كنتم) ، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٦ / ٢٩، ٣٠) .
قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك حفظه الله - عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية -:
إرسال السلام على النبي ﷺ مع مَن يسافر إلى المدينة: لا أصل له، فلم يكن من عادة السلف الصالح من الصحابة ﵃، والتابعين، وأهل العلم إرسال السلام، ولم ينقل عن أحد منهم شيء من ذلك؛ لأنه ﷺ يُبلَّغُ صلاة أمته وسلامها عليه، كما في الحديث الصحيح: (لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ) أخرجه أبو داود (٢٠٤٢) ، وفي لفظ: (فإنَّ تَسْلِيمَكُمْ يَبْلُغُنِي أَيْنَمَا كُنْتُمْ) أخرجه أبو يعلى (٤٦٩) .
وعلى هذا: فالتعبد بإرسال السلام إلى النبي ﷺ : بدعة، بل ولا يشرع إرسال السلام إلى الميت، وإنما يسلم على الميت من يزوره، كما كان النبي ﷺ يزور أهل البقيع ويسلم عليهم ويدعو لهم، ويُعلِّمُ أصحابه ﵃ كيف يقولون إذا زاروا القبور، كقوله ﷺ : (السَّلامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَلاحِقُونَ، أَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيَةَ) أخرجه مسلم (٩٧٥) وقال لعائشة ﵂: (قُولِي: السَّلامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلاحِقُونَ) أخرجه مسلم (٩٧٤) ، وإنما يبلغ السلام من الغائب للحي.
والمقصود: أن الله يسَّر على هذه الأمة أن يصلُّوا ويسلِّموا على نبيِّهم ﷺ ، ويكثروا من ذلك في أي بقعة من الأرض، وقد ورد أن الله وكّل بقبره ﷺ ملائكة يبلغونه من أمته صلاتهم وسلامهم عليه، ﷺ ، والله أعلم.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
ومع هذا نقول: أنتَ لو سلَّمتَ عليه في أقصى الدنيا فإن سلامك سوف يبلغه؛ لأن الله وكَّل ملائكة سيَّاحين في الأرض إذا سلَّم أحدٌ على الرسول ﷺ نقلوا السلام إلى الرسول ﵊، فنحن الآن إذا قلنا: " اللهم صلِّ وسلِّم على رسول الله ": نُقل سلامنا إليه، في الصلاة تقول: " السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته " يُنقل السلام إليه. . .
سمعتُ بعض الناس يقول في المدينة: إن أبي وصَّاني أن أسلِّم على الرسول، وقال: سلِّم لي على الرسول، وهذا غلط، والرسول ﷺ ليس حيّاً حتى يُنقل سلام الحي له، ثم إذا سلَّم أبوك على الرسول نَقل سلامَه مَن هو أقدر منك على إبلاغه وأوثق منك، وهم الملائكة.
إذن: لا حاجة إلى هذا، ونقول: أنت في مكانك، في أي مكان من الأرض تقول " السلام عليك أيها النبي " وسيبلغه بأسرع من هذا وأوثق وأحسن.
"مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين" (٢٣/٤١٦، ٤١٧) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10674
تقديم هدايا لبعض النساء في عيد الكريسماس
[السُّؤَالُ]
ـ[من العادات الغربية وقت الكريسماس أن يجتمع بعض غير المسلمين، صغارا وكبارا، ويكتبون أسماءهم، ويضعونها في قبعة ويخلطون تلك الأوراق، ثم يختار كل شخص اسم شخص آخر، لتقديم هدية له يوم الكريسماس.
ويُطلق على هذه العادة " chris kringle ".
وقد أخذت بعض الأخوات بهذه الفكرة العام الماضي وعملنها، وهن يرغبن الآن أن يعملنها هذا العام أيضا في نهاية العيد. وكل ما في الأمر هو أن كل أخت تختار غيرها عشوائيا ويجب عليها أن تشتري لها هدية بقيمة ٢٠ دولار أمريكي.
وبعض الأخوات يعتقدن أن هذا العمل فيه تشبه بالكفار، فهل هذا صحيح؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ما نصحتكم به بعض الأخوات من أن هذا العمل أمر لا يجوز، صحيح، لأن فيه تشبهاً من وجهين:
الأول: الاحتفال بهذا العيد وهو أمر محرم شرعاً، ومن ذلك جعل تقديم الهدية في هذا العيد.
الثاني: تقليد الكفار في تلك العادات في يوم احتفالهم بذلك العيد المبتدع.
وليس في الإسلام إلا عيد الفطر وعيد الأضحى، وما أحدث من الأعياد غيرهما فليس بشيء، وخاصة إذا كانت أعياداً دينية لأديان أخرى، أو طوائف خارجة عن الإسلام.
ويراجع للأهمية جواب سؤال رقم (٩٤٧)
وهذا الأمر فيه فتح لباب البدع، وهو داخل في عموم قول النبي ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) رواه البخاري (الصلح/٢٤٩٩) ومسلم (١٧١٨) والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 10675
حكم تقبيل العينين إذا سمع اسم النبي ﷺ
[السُّؤَالُ]
ـ[بعض الأئمة في بلدي يقولون: إن على المسلم إذا سمع اسم النبي الكريم ﷺ أن يقبل عينيه، بينما قال غيرهم: إن ذلك لا معنى له، ما رأيك في ذلك؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
المشروع للمسلم عند سماع اسم النبي ﷺ أن يعظمه ويوقره بالصلاة والسلام عليه.
فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (رغِم أنفُ رجلٍ ذُكرتُ عنده فلم يصلِّ عليَّ) رواه الترمذي (٣٥٤٥) وحسَّنه، وصححه الألباني في "إرواء الغليل" (٦) .
وعن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄ أن النبي ﷺ قال: (البخيل الذي من ذكرت عنده فلم يصل عليَّ) رواه الترمذي (٣٥٤٦) وحسَّنه، وصححه الألباني في "إرواء الغليل" (٥) .
وأما تقبيل العين عند ذكر النبي ﷺ ، ولعل المراد تقبيل الإبهامين ووضعهما على العين، فإن ذلك من البدع المحدثة، وقد قال النبي ﷺ : (مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) رواه مسلم (١٧١٨) . وقال ﷺ : (إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ) رواه أبو داود (٤٦٠٧) وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
وهذه البدعة من اختراع بعض الطرق الصوفية، وقد تابعهم عليها بعض المسلمين إحساناً للظن بهم، وجهلاً بأنها بدعة ضلالة.
والواجب على المسلم أن يجتنب البدع، ويحذر منها، وليحرص على اتباع الكتاب والسنة، من غير زيادة عليهما ولا نقصان، فإن الله تعالى قد أكمل لنا الدين (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً) المائدة/٣.
ولم يمت النبي ﷺ إلا بعد أن بلغ رسالة ربه كاملة، ولم يترك خيراً إلا أمرنا به، ودلنا عليه، ولا شراًّ إلا نهانا عنه وحذرنا منه، فصلوات ربي وسلامه عليه.
وانظر تفصيلاً نافعا في البدعة وأحوالها في جواب السؤال (١٠٨٤٣) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10676
الذهاب للمزارات والمساجد التي صلى بها الرسول ﷺ
[السُّؤَالُ]
ـ[أرى بعض الناس عند زيارة المدينة المنورة يأتون المساجد السبعة بالإضافة إلى المسجد النبوي ومسجد قباء، وفي الطائف يحرصون على أن يأتوا مسجد عداس وكذلك مساجد في مكة للصلاة فيها، فما حكم ذلك؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قصد المسجد النبوي بالسفر عمل مشروع دل عليه قول النبي ﷺ : " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد: مسجدي هذا ومسجد الحرام والمسجد الأقصى " رواه البخاري ومسلم واللفظ له، وأيضا الصلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام.
ومما يضاف إليه من الأماكن المشروع زيارتها دون قصدها بالسفر زيارة قبر النبي ﷺ وقبري صاحبيه وزيارة قبور أهل البقيع وقبور شهداء أحد وآخر ذلك: زيارة مسجد قباء.
أما زيارة تلك القبور فمشروعيتها داخلة في عموم قوله ﷺ " إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها " رواه مسلم.
قال شيخ الإسلام ﵀: " ويستحب أيضا زيارة قبور أهل البقيع وشهداء أحد للدعاء لهم والاستغفار لأن النبي ﷺ كان يقصد ذلك مع أن هذا مشروع لجميع موتى المسلمين " (مجموع الفتاوى ١٧/٤٧٠)
وأما زيارة مسجد قباء فدليل ذلك ما جاء في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: " كان النبي ﷺ يأتي قباء راكبا وماشيا " وفي رواية: " فيصلي فيه ركعتين " رواه البخاري ومسلم ولقوله ﷺ : " من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء وصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة " رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦١٥٤) .
أما زيارة بقية المساجد والأماكن الأثرية وادعاء أنها " مما ينبغي أن يزورها المرء " فهذا لا أصل له، ويجب المنع من زيارتها للوجوه التالية:
الوجه الأول:
عدم ورود الدليل الشرعي على تخصيص تلك المساجد بالزيارة كما هو الحال بالنسبة لمسجد قباء , والعبادات كما هو معلوم مبناها على الاتباع لا على الابتداع.
الوجه الثاني:
أن الصحابة ﵃ كانوا أحرص الناس على اقتفاء سنة النبي ﷺ ومع ذلك لم يعرف عنهم زيارة تلك المساجد أو الأماكن الأثرية، ولو كان خيرا لسبقونا إليه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار يذهبون من المدينة إلى مكة حجاجا وعمارا ومسافرين ولم يقل أحد منهم أنه تحرى الصلاة في مصليات النبي ﷺ ومعلوم أن هذا لو كان عندهم مستحبا لكانوا إليه أسبق فإنهم أعلم بسنته وأتبع لها من غيرهم) (اقتضاء الصراط المستقيم ٢/٧٤٨) .
الوجه الثالث:
المنع من زيارتها سدا للذريعة، وهذا المنع يدل عليه عمل السلف الصالح وعلى رأسهم الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁، فعن المعرور بن سويد ﵀ قال: " خرجنا مع عمر بن الخطاب فعرض لنا في بعض الطريق مسجد فابتدره الناس يصلون فيه فقال عمر: ما شأنهم؟ فقالوا: هذا مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ فقال عمر: أيها الناس إنما هلك من كان قبلكم باتباعهم مثل هذا حتى أحدثوها بيعا فمن عرضت له فيه صلاة فليصل ومن لم تعرض له فيه صلاة فليمض " (أخرجه ابن وضاح في كتابه البدع والنهي عنها وصححه ابن تيمية في المجموع ١/٢٨١) .
قال شيخ الإسلام ﵀ معلقا على هذه القصة: (لما كان النبي ﷺ لم يقصد تخصيصه بالصلاة فيه، بل صلى فيه لأنه موضع نزوله رأى عمر أن مشاركته في صورة الفعل من غير موافقة له في قصده ليس متابعة، بل تخصيص ذلك المكان بالصلاة من بدع أهل الكتاب التي هلكوا بها، ونهى المسلمين عن التشبه بهم في ذلك، ففاعل ذلك متشبه بالنبي ﷺ في الصورة، ومتشبه باليهود والنصارى في القصد الذي هو عمل القلب، وهذا هو الأصل فإن المتابعة في النية أبلغ من المتابعة في صورة العمل " (مجموع الفتاوى ١/٢٨١)
وورد في قصة أخرى أن عمر بن الخطاب ﵁ بلغه أن ناسا يأتون الشجرة التي بويع تحتها النبي ﷺ فأمر بها فقطعت " (أخرجه ابن وضاح في كتابه البدع والنهي عنها، وابن أبي شيبة في مصنفه ٢/٣٧٥، وصحح إسناده ابن حجر في فتح الباري ٧/٤٤٨، وقال الألباني ﵀: رجال إسناده ثقات) ، قال ابن وضاح القرطبي ﵀: (وكان مالك ابن أنس وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان المساجد وتلك الآثار للنبي ﷺ ما عدا قباء وأحدا) (البدع والنهي عنها ص٤٣) والمراد بقوله أحدا: زيارة قبور شهداء أحد.
قال شيخ الإسلام ﵀: (ولهذا لم يستحب علماء السلف من أهل المدينة وغيرها قصد شيء من المزارات التي بالمدينة وما حولها بعد مسجد النبي ﷺ إلا مسجد قباء لأن النبي ﷺ لم يقصد مسجدا بعينه يذهب إليه إلا هو) (مجموع الفتاوى ١٧/٤٦٩) .
وقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ بعد أن ذلك المواضع التي يشرع زيارتها في المدينة: (أما المساجد السبعة ومسجد القبلتين وغيرها من المواضع التي يذكر بعض المؤلفين في المناسك زيارتها فلا أصل لذلك ولا دليل عليه والمشروع للمؤمن دائما هو الاتباع دون الابتداع) (فتاوى إسلامية ٢/٣١٣) .
وقال فضيلة الشيخ العلامة محمد بن عثيمين حفظه الله: (ليس هناك شيء يزار في المدينة سوى هذه: زيارة المسجد النبوي، زيارة قبر النبي ﷺ ، زيارة البقيع، زيارة شهداء احد، زيارة مسجد قباء، وما عدا ذلك من المزارات فإنه لا أصل له) (فقه العبادات ص ٤٠٥) .
وقد يظن بعضهم أن اشتراط عدم اعتقاد فضلها كاف في تسويغ الذهاب إليها أو إلى غيرها من الأماكن الأثرية وهذا مردود للأسباب التالية:
أولا: السلف الصالح ﵏ منعوا الذهاب إليها مطلقا دون تفصيل.
ثانيا: أن الذهاب إليها وتخصيصها بالزيارة لكونها على أرض المدينة التي شهدت ظهور الدعوة وبها مواقع بعض الغزوات دليل اعتقاد فضلها إذ لولا قيام هذا الاعتقاد في القلب لما انبعث القلب لتخصيصها بالزيارة.
ثالثا: لو سلمنا جدلا عدم وجود اعتقاد فضيلتها عند زيارتها فإن زيارتها ذريعة إلى ذلك وإلى حدوث ما لا يشرع، وسد الذرائع مما جاءت به الشريعة كما لا يخفى بل إن العلامة ابن القيم ﵀ ذكر تسعة وتسعين وجها يدل على هذه القاعدة ثم بعد أن ذكر الوجه التاسع والتسعين قال: " وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف، فإنه أمر ونهي، والأمر نوعان أحدهما: مقصود لنفسه، والثاني: وسيلة إلى المقصود، والنهي نوعان أحدهما: ما يكون النهي عنه مفسدة في نفسه، والثاني: ما يكون وسيلة إلى المفسدة، فصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين " (إعلام الموقعين ٣/١٤٣)
رابعا: التغرير بالجهال عندما يشاهدون كثرة من يزور تلك المساجد أو الأماكن الأثرية فيعتقدون أنه عمل مشروع.
خامسا: أن التوسع في ذلك والدعوة إلى زيارة الأماكن الأثرية كجبل أحد وجبل النور بقصد السياحة والترفيه ذريعة من ذرائع الشرك، وقد جاء في فتوى اللجنة الدائمة للإفتاء رقم (٥٣٠٣) المنع من صعود غار حراء لهذا الأمر، والله المستعان.
[الْمَصْدَرُ]
مجلة الدعوة العدد/١٧٥٤ ص/٥٥.
стр. 10677
لم تتقين من طهارتها من الحيض فصلَّت وصامت
[السُّؤَالُ]
ـ[لقد اغتسلت في الليل عند السحور لأنني أعلم أن الدورة ستنتهي اليوم، وتسحرت، وصمت وصليت أيضا، ولم ينزل أي شي خلال الفترة من الفجر إلى وقت أذان المغرب، وعندما أردت الذهاب إلى الصلاة اكتشفت أن الدورة انتهت عندي، فهل صيامي وصلاتي صحيحان؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يجوز للمرأة الحائض أن تبادر إلى الاغتسال من حيضتها والصلاة والصيام قبل التيقن من انتهائها.
وتَعرف المرأة انتهاء حيضتها بخروج سائل أبيض معروف لديهن وهو القَصَّة البيضاء، وبعض النساء تعرف طهرها بجفاف الدم.
فعلى المرأة أن لا تغتسل من الحيض حتى تتيقن حصول الطهر.
قال الإمام البخاري ﵀:
بَاب إِقْبَالِ الْمَحِيضِ وَإِدْبَارِهِ، وَكُنَّ نِسَاءٌ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ بِالدُّرَجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ فِيهِ الصُّفْرَةُ، فَتَقُولُ: لا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ. تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنْ الْحَيْضَةِ. وَبَلَغَ بِنْتَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ نِسَاءً يَدْعُونَ بِالْمَصَابِيحِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يَنْظُرْنَ إِلَى الطُّهْرِ، فَقَالَتْ: مَا كَانَ النِّسَاءُ يَصْنَعْنَ هَذَا، وَعَابَتْ عَلَيْهِنَّ. انتهى.
(بِالدُّرَجَةِ) : ما تحتشي به المرأة من قطنة وغيرها لتعرف هل بقي من أثر الحيض شيء أم لا.
(الْكُرْسُفُ) هو القطن.
(الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ) أي حتى تخرج القطنة بيضاء نقية لا يخالطها صفرة.
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
" اتفق العلماء على أن إقبال المحيض يعرف بالدفعة من الدم في وقت إمكان الحيض , واختلفوا في إدباره فقيل: يعرف بالجفوف , وهو أن يخرج ما يحتشي به جافا , وقيل: بالقصة البيضاء وإليه ميل المصنف – أي: البخاري -. .
وفيه: أن القصة البيضاء علامة لانتهاء الحيض ويتبين بها ابتداء الطهر , واعترض على من ذهب إلى أنه يعرف بالجفوف بأن القطنة قد تخرج جافة في أثناء الأمر فلا يدل ذلك على انقطاع الحيض , بخلاف القصة وهي ماء أبيض يدفعه الرحم عند انقطاع الحيض، قال مالك: سألت النساء عنه فإذا هو أمر معلوم عندهن يعرفنه عند الطهر " انتهى. "فتح الباري" (١/٤٢٠) .
وسئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: إذا طهرت الحائض قبل الفجر واغتسلت بعد، فما الحكم؟
فأجاب:
" صومها صحيح إذا تيقنت الطهر قبل طلوع الفجر، المهم أن المرأة تتيقن أنها طهرت؛ لأن بعض النساء تظن أنها طهرت وهي لم تطهر، ولهذا كانت النساء يأتين بالقطن لعائشة ﵂ فيرينها إياه علامة على الطهر، فتقول لهن: لا تعجَلْنَ حتى ترينَ القصَّة البيضاء.
فالمرأة عليها أن تتأنى حتى تتيقن أنها طهرت، فإذا طهرت فإنها تنوي الصوم وإن لم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر، ولكن عليها أيضاً أن تراعي الصلاة فتبادر بالاغتسال لتصلي صلاة الفجر في وقتها ... . "مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين" (١٧/السؤال رقم ٥٣) .
والسائلة قد اغتسلت في وقت لم تتيقن فيه انتهاء الحيض، واكتشافها الحقيقي لطهارتها من الحيض جاء متأخراً، فقد كان بعد غروب الشمس على حسب قولها.
فعلى هذا، ما فعلته السائلة غير صحيح، وصيامها في هذا اليوم لم يكن صحيحاًَ، فعليها قضاء ذلك اليوم.
نسأل الله لها التوفيق للعلم النافع والعمل الصالح.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10678
هل هناك دعاء تقوله الحائض فيعدل لها أجر حج وعمرة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل تعرف الدعاء الذي من المتوقع أن تقوله النساء إذا كن في حالة لا تسمح لهن بالصلاة (أثناء الدورة) خلال رمضان وغيره من الأوقات؟ أظن أن على المسلمة أن تكرر هذا الدعاء ٧٠ مرة في وقت كل صلاة، وسيكون ثواب ذلك أجر حجة وعمرة عن كل عرق في الجسم.
أرجو أن تزودني بالدعاء ومنافعه والحديث الذي ورد فيه أو أي تصحيح له، وسأقدر لك ذلك كثيراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا نعلم في السنة الصحيحة مثل هذا الدعاء الذي ذكرته الأخت السائلة.
ولا يحل لأحد أن ينسب إلى الرسول ﷺ ما لم يقله، قال النبي ﷺ : (مَنْ كَذَبَ عَلَي مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ) رواه البخاري (١٢٩١) ومسلم (٩٣٣) .
وليس كل حديث سمعه الإنسان أو قرأه في كتاب يكون صحيحاً، بل لا بد من التثبت في نقل الأحاديث عن الرسول ﷺ ، فتؤخذ عن أهل العلم الثقات المعروفين بتحريهم الصحيح عن الرسول ﷺ .
روى مسلم في مقدمة صحيحه (٥) وأبو داود (٤٩٩٢) أن الرسول ﷺ قال: (كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ) . صححه الألباني في صحيح أبي داود.
قَالَ النَّوَوِيّ:
" فَإِنَّهُ يَسْمَع فِي الْعَادَة الصِّدْق وَالْكَذِب فَإِذَا حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ فَقَدْ كَذَبَ لإِخْبَارِهِ بِمَا لَمْ يَكُنْ " انتهى.
ثانياً:
يجوز للحائض أن تذكر الله تعالى بما تشاء من الأدعية والأذكار الشرعية، فهي غير ممنوعة من ذلك، ويجوز لها قراءة القرآن، كما هو مذهب أبي حنيفة واختيار شيخ الإسلام رحمهما الله.
قال شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" (٢٦/١٩٠) :
" وليس في منعها (يعني الحائض) من القرآن سنة أصلا فإن قوله: (لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن) حديث ضعيف. باتفاق أهل المعرفة بالحديث. . . .
وقد كان النساء يحضن على عهد رسول الله ﷺ فلو كانت القراءة محرمة عليهن كالصلاة لكان هذا مما بينه النبي ﷺ لأمته، وتعلمه أمهات المؤمنين، وكان ذلك مما ينقلونه إلى الناس، فلما لم ينقل أحد عن النبي ﷺ في ذلك نهيا، لم يجز أن تجعل حراما مع العلم أنه لم يَنْه عن ذلك، وإذا لم يَنْه عنه مع كثرة الحيض في زمنه علم أنه ليس بمحرم " انتهى باختصار.
غير أنها تقرأ القرآن من غير أن تمس المصحف، فإما أن تقرأ مما تحفظه، أو تقرأ من المصحف وتلبس قفازا أو نحو ذلك مما يحول بينها وبين مس المصحف.
انظر السؤال (٢٥٦٤) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10679
هل في السنة دعاء بعد ختم القرآن ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أرجو منكم إرسال دعاء ختم القرآن الكريم كما ورد في السنة النبوية.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ليس في السنة النبوية دعاء خاص بعد ختم القرآن الكريم، ولا حتى عن أصحاب النبي ﷺ أو الأئمة المشهورين، ومن أشهر ما ينسب في هذا الباب الدعاء المكتوب في آخر كثير من المصاحف منسوباً لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ولا أصل له عنه.
انظر: "فتاوى الشيخ ابن عثيمين" (١٤/٢٢٦) .
والدعاء بعد ختم القرآن إما أن يكون بعد ختمه في الصلاة، أو خارجها، ولا أصل للدعاء بعد الختمة في الصلاة، وأما خارجها فقد ورد فعله عن أنس ﵁.
سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: ما حكم دعاء ختم القرآن في قيام الليل في شهر رمضان؟ فأجاب:
" لا أعلم في ختمة القرآن في قيام الليل في شهر رمضان سنة عن النبي ﷺ ، ولا عن الصحابة أيضا، وغاية ما ورد في ذلك أن أنس بن مالك ﵁ كان إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا. وهذا في غير الصلاة " انتهى.
"فتاوى أركان الإسلام" (ص ٣٥٤) .
وللشيخ بكر أبو زيد رسالة نافعة في هذه المسألة، ومما جاء في خاتمتها:
من مجموع السياقات في الفصلين السالفين نأتي إلى الخاتمة في مقامين:
المقام الأول: في مطلق الدعاء لختم القرآن:
والمتحصل في هذا ما يلي:
أولاً:
أن ما تقدم مرفوعا وهو في مطلق الدعاء لختم القرآن:
لا يثبت منه شيء عن النبي ﷺ , بل هو إما موضوع أو ضعيف لا ينجبر،
ويكاد يحصل القطع بعدم وجود ما هو معتمد في الباب مرفوعاً؛ لأن العلماء الجامعين الذين كتبوا في علوم القرآن وأذكاره أمثال: النووي , وابن كثير , والقرطبي , والسيوطي , لم تخرج سياقاتهم عن بعض ما ذكر، فلو كان لديهم في ذلك ما هو أعلى إسناداً لذكروه.
ثانياً:
أنه قد صح من فعل أنس بن مالك ﵁ الدعاء عند ختم القرآن، وجمع أهله وولده لذلك , وأنه قد قفاه (أي: تابعه) على ذلك جماعة من التابعين , كما في أثر مجاهد بن جبر رحمهم الله تعالى أجمعين.
ثالثاً:
أنه لم يتحصل الوقوف على شيء في مشروعية ذلك في منصوص الإمامين: أبي حنيفة والشافعي رحمهما الله تعالى.
وأن المروي عن الإمام مالك ﵀: أنه ليس من عمل الناس، وأن الختم ليس سنة للقيام في رمضان.
رابعاً:
أن استحباب الدعاء عقب الختم , هو في المروي عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى , كما ينقله علماؤنا الحنابلة , وقرره بعض متأخري المذاهب الثلاثة.
المقام الثاني: في دعاء الختم في الصلاة:
وخلاصته فيما يلي:
أولاً:
أنه ليس فيما تقدم من المروي حرف واحد عن النبي ﷺ أو عن أحد من صحابته ﵃ يفيد مشروعية الدعاء في الصلاة بعد الختم قبل الركوع أو بعده لإمام أو منفرد.
ثانياً:
أن نهاية ما في الباب هو ما يذكره علماء المذهب من الرواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى في رواية حنبل والفضل والحربي عنه - والتي لم نقف على أسانيدها -: من جعل دعاء الختم في صلاة التراويح قبل الركوع.
وفي رواية عنه - لا يعرف مخرجها -: أنه سهل فيه في دعاء الوتر ...
انظر: " مرويات دعاء ختم القرآن ".
وانظر جواب السؤال رقم (١٢٩٤٩) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10680
يسمحون بالاختلاط في المسجد حرصاً على حضور الناس
[السُّؤَالُ]
ـ[في مسجدنا يحدث اختلاط بين الرجال والنساء قبيل وقت الإفطار في شهر رمضان، وهذا الأمر مستمر منذ عدة سنوات. القائمون على المسجد يتحججون بأنهم إذا لم يسمحوا للناس بفعل ما يريدون فلن يحضروا إلى المسجد.
وأيضا: فإن هناك العديد من البدع تحدث في التراويح، فعلى سبيل المثال: فإنهم يسبحون بعد كل أربع ركعات من التراويح. ما هي النصيحة التي توجهها لي لتصحيح الوضع؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
الاختلاط بين الرجال والنساء محرم؛ لما يفضي إليه من المفاسد والمحاذير الكثيرة، وقد سبق ذكر أدلة تحريم الاختلاط في جواب السؤال رقم (١٢٠٠) .
وإذا كان الاختلاط محرماً في عموم الأزمنة والأمكنة، فإنه أعظم تحريماً إذا كان يمارس في المساجد وفي شهر رمضان، لمنافاته للمقاصد الشرعية التي أقيمت لأجلها المساجد، من حفظ الدين ونشره، ودعوة الناس إلى الخير، ونهيهم عن الفساد والغيّ، ومنافاته لحكمة الصوم التي هي تحصيل التقوى، ومجانبة داعي الهوى.
والواجب على جميع أهل المسجد إنكار هذا المنكر والسعي في إزالته، وتتأكد المسئولية على القائمين على المسجد والمشرفين عليه.
وليس لأحد أن يحتج على جواز هذا المنكر أو السكوت عنه بأن منع الاختلاط قد يؤدي إلى تخلف بعض الناس عن الحضور إلى المسجد، فإن هذه حجة مردودة من وجوه:
الأول: أن السكوت عن إنكار المنكر مع القدرة على إنكاره يوقع صاحبه في الإثم. قال النبي ﷺ : (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ) رواه مسلم (٤٨) .
ولا يرضى عاقل أن يكون حضوره إلى المسجد سببا في وقوعه في الإثم.
الثاني: أن أهم دور يضطلع به المسجد هو دعوة الناس إلى الخيرات، وتحذيرهم من المنكرات، ولهذا كان على القائمين على المسجد أن يبينوا للناس حرمة الاختلاط، وأن يمنعوهم من الوقوع فيه.
الثالث: أن القول بأن هؤلاء لن يحضروا إلى المسجد، مجرد ظن، وعلى فرض حصوله، فإن المقرر عند أهل العلم أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
الرابع: أنه يمكن تخصيص مكان مناسب لاجتماع النساء قبيل الإفطار، ولو في زاوية من زوايا المسجد أو خارجه، في خيمة ونحوها، مع شغلهن ببعض البرامج المفيدة، والأعمال النافعة، التي تشرف عليها النساء.
الخامس: أن الداعية ينبغي أن يكون هو المؤثر في الواقع والساعي إلى إصلاحه، لا أن يتأثر هو به أو يبحث عن تبريره وتسويغه.
والاختلاط ما هو إلا مشكلة أفرزها الواقع في ظل بُعْده عن الشرع، فينبغي أن تتكاتف الجهود لإنكاره، والقضاء عليه، وإن لم تكن الخطوة الأولى في بيوت الله، فأين ستكون؟!
ويمكنك أن تسعى مع بعض إخوانك الصالحين إلى إقناع المسئولين ومساعدتهم في إيجاد المكان المناسب لاجتماع النساء، ومشاركتهم في إعداد البرامج النافعة لهن.
ونسأل الله أن يكلل جهودكم بالنجاح والتوفيق.
ثانياً:
وأما ما يقولونه من التسبيح بعد كل أربع ركعات من صلاة التراويح، فقد سبق في جواب السؤال (٥٠٧١٨) أن ذلك من البدع المحدثة التي ينبغي تركها.
وقد سئل الشيخ ابن باز ﵀: ما حكم رفع الصوت بالصلاة على النبي ﷺ والترضي عن الخلفاء الراشدين بين ركعات التراويح؟
فأجاب:
" لا أصل لذلك – فيما نعلم – من الشرع المطهر، بل هو من البدع المحدثة، فالواجب تركه، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، وهو اتباع الكتاب والسنة، وما سار عليه سلف الأمة، والحذر مما خالف ذلك " انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (١١/٣٦٩) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →