Полный текст (16 344 стр.). Показаны 10781–10820 · переход к 10786.
стр. 10781
هل النساء مساويات للرجال في الثواب والعقاب
[السُّؤَالُ]
ـ[بعض الناس يقولون: إن النساء ناقصات عقل ودين وميراث وشهادة، والبعض يقول: إن الله ساوى بينهم في الثواب والعقاب، فما رأيكم: هل هن ناقصات في شريعة الإسلام أم لا؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الشريعة الإسلامية قد جاءت بتكريم المرأة، والرفع من شأنها، وإحلالها المكان اللائق بها، رعاية لها، وحفظاً لكرامتها، فأوجبت على وليها وزوجها الإنفاق عليها، وحسن كفالتها، ورعاية أمرها، ومعاشرتها المعاشرة الحسنة، قال تعالى: (وعاشروهن بالمعروف) سورة النساء / ١٩.
وثبت أن النبي ﷺ قال: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) رواه الترمذي ٥/٧٠٩ برقم (٣٨٩٥) .
وأعطى الإسلام للمرأة ما يناسبها من جميع الحقوق والتصرفات الشرعية، قال تعالى: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم) سورة البقرة / ٢٢٨، من مختلف أنواع المعاملات من البيع والشراء والصلح والوكالة والعارية والوديعة ... الخ.
وأوجب عليها ما يناسبها من العبادات والتكاليف، مثل ما على الرجل من الطهارة والزكاة والصيام والصلاة والزكاة والصيام والحج، ونحوها من العبادات.
ولكن الشريعة جعلت للمرأة في الميراث نصف ما للرجل، لأنها ليست مكلفة بالنفقة على نفسها ولا بيتها ولا أولادها، وإنما المكلف بذلك الرجل، كما أن الرجل تعتريه النوائب في الضيافة والعقل والصلح على الأموال ونحو ذلك.
(و (الضيافة) هي ما ينفقه الرجل على ضيوفه، و (العقل) هي الدية، و (الصلح على الأموال) كما لو أصلح بين قبيلتين متنازعتين وغرم ما بينهما من أموال حتى يتم الصلح.)
كما أن شهادة المرأتين تعدل شهادة رجل واحد في بعض المواضع لأن المرأة يعتريها النسيان أكثر بسبب ما ركب في جبلتها بما يعتريها من العادة الشهرية والحمل والوضع وتربية الأولاد، كل ذلك قد يشغل بالها وينسيها ما كانت تذكره، ولذلك دلت الأدلة الشرعية على أن تتحمل أختها معها الشهادة، ليكون ذلك أضبط لها، وأحكم لأدائها، على أن هناك من الأمور الخاصة بالنساء ما يكفي فيها شهادة المرأة الواحدة، كمعرفة الرضاع، وعيوب النكاح ونحوها.
والمرأة مساوية للرجل في الأجر، والإثابة على الإيمان والعمل الصالح، وبالاستمتاع بالحياة الطيبة في الدار الدنيا والأجر العظيم في الدار الآخرة، قال تعالى: (من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) سورة النحل / ٩٧.
فبذلك يُعرف أن المرأة لها حقوق وعليها واجبات، كما أن الرجل له حقوق وعليه واجبات، وهناك أمور تناسب الرجال جعلها الله سبحانه منوطة بالرجال، كما أن هناك أموراً تلائم المرأة جعلها منوطة بالنساء.
وبالله التوفيق
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ١٧/٧.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10782
هل يجوز أن يصلي الكافر مع المسلمين ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز لغير المسلمين أن يصلوا مع المسلمين في نفس الصف؟ . أرجو ذكر الدليل للجواز وعدمه وشكراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يجوز لغير المسلم أن يصلي لا في الصف نفسه ولا وحده، والمطلوب منه الدخول في الإسلام قبل صلاته، ثم الطهارة، ثم باقي الشروط.
فهو مخاطب بالصلاة ومعاقب عليها إذا لم يُسلم ويؤدها، لكنها لا تُقبل منه إلا بالدخول في الإسلام.
قال الله تعالى: (وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله) التوبة / ٥٤، وقال: (لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) الزمر / ٦٥.
قال الشيخ ابن عثيمين في ذكره لشروط صحة الصلاة:
وهناك شروط أخرى، ... منها: الإسلام، والعقل، والتَّمييز، ... فكلُّ عبادة لا تصحُّ إلا بإسلامٍ وعقلٍ وتمييزٍ إلا الزَّكاة، فإنها تلزم المجنون والصَّغير على القول الرَّاجح، وأما صحَّة الحجِّ من الصَّبي فلورود النصِّ بذلك.
" الشرح الممتع " (٢ / ٩٥) ط ابن الجوزي.
وقال:
فَشُروط الصَّلاة: الإسلام، والعقل، والتَّمييز، ودخول الوقت، وستر العورة، والطَّهارة من الحدث، واجتناب النَّجاسة، واستقبال القِبْلة، والنِّيَّة.
" الشرح الممتع " (٢ / ٢٨٩) ط ابن الجوزي.
وكذا باقي العبادات فإنها لا تُقبل إلا من مسلم، فالإسلام شرط لصحة العبادات ويتوقف قبولها عليه.
قال ابن رشد:
الشروط قسمان:
شروط صحة، وشروط وجوب، فأما شروط الصحة: فلا خلاف بينهم أن من شروطه: الإسلام، إذ لا يصح حج من ليس بمسلم ... أ. هـ
" بداية المجتهد " (١ / ١٣٣) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10783
ما هي الحكمة من تألُّم الأطفال في الدنيا ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[حاولت أن أدعو صديقاً لي في العمل للإسلام والإيمان بالله فقال إن الحاجز الذي يعيقه عن الإيمان بالله هو أن الأطفال البريئين يتألمون في هذه الدنيا، وهو لا يستطيع أن يفهم لماذا يحصل هذا الشيء.
فما هي الطريقة المثلى لأُجيبه على هذا الإشكال؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ينبغي أن يعلم الناس جميعاً أن الله تعالى حكيم، وأن في أوامره وتقديراته الحكمة البالغة، وأنه قد يعلم عباده أو بعض عباده حكمته فيها، وقد يخفيها عنهم ابتلاء واختباراً.
والأمور العامة التي يفعلها تكون لحكمة عامة، وذلك كإرسال النبي ﷺ فإنه أخبر أنه أرسله رحمة للعالمين، ومثلها خلق الجن والإنس إنما هو لتوحيده .
قال ابن تيمية:
وعلى هذا فكل ما فعله علمْنا أن له فيه حكمة، وهذا يكفينا من حيث الجملة، وإن لم نعرف التفصيل، وعدم علْمنا بتفصيل حكمته بمنزلة عدم علمنا بكيفية ذاته، وكما أن ثبوت صفات الكمال له معلوم لنا وأما كنه ـ أي حقيقة ـ ذاته فغير معلومة لنا: فلا نكذب بما علمناه ـ أي من كماله ـ ما لم نعلمه ـ أي من تفاصيل هذا الكمال ـ، وكذلك نحن نعلم أنه حكيم فيما يفعله ويأمر به، وعدم علْمنا بالحكمة فى بعض الجزئيات لا يقدح فيما علمناه من أصل حكمته، فلا نكذب بما علمناه من حكمته ما لم نعلمه من تفصيلها.
ونحن نعلم أن مَن علم حذق أهل الحساب والطب والنحو ولم يكن متصفاً بصفاتهم التى استحقوا بها أن يكونوا من أهل الحساب والطب والنحو: لم يمكنه أن يقدح فيما قالوه لعدم علمه بتوجيهه، والعباد أبعد عن معرفة الله وحكمته فى خلقه من معرفة عوامهم بالحساب والطب والنحو، فاعتراضهم على حكمته أعظم جهلاً وتكلفاً للقول بلا علم من العامي المحض إذا قدح فى الحساب والطب والنحو بغير علمٍ بشىءٍ من ذلك. " مجموع الفتاوى " (٦ / ١٢٨) .
وإيلام الله تعالى للأطفال لا شك ولا ريب أنه لحكمٍ عظيمة لكنها قد تخفى على بعض الناس فينكر تقدير الله تعالى لهذا الأمر، ويَدخل عليه الشيطان من خلاله فيصده عن الحق والهدى.
ومن حِكم الله تعالى في ألم الأطفال:
١. الاستدلال به على مرضه أو وجعه، ولولا ذلك ما عُلم ما به من مرض.
٢. البكاء الذي يولٍّده الألم، وفيه منافع عظيمة لجسم الطفل.
٣. الاعتبار والاتعاظ، فقد يكون أهل الطفل هذا من مرتكبي المحرَّمات أو تاركي الواجبات، فإذا رأوا تألَّم طفلهم فقد يرجعهم ذلك إلى ترك المحرَّمات كأكل الربا أو الزنا أو ترك الصلوات أو شرب الدخان، وخاصة إذا كان هذا الألم بسبب مرض تسببوا بوجوده كبعض ما سبق ذكره من المحرَّمات.
٤. التفكر في الدار الآخرة، وأنه لا سعادة ولا هناء إلا في الجنة، ولا يكون هناك ألَم ولا عذاب، بل صحة وعافية وسعادة، والتفكر في النار وأنها دار الألَم الدائم غير المنقطع، فيعمل ما يقربه إلى الجنة، ويباعده عن النار.
قال ابن قيم الجوزية:
ثم تأمل حكمة الله تعالى في كثرة بكاء الأطفال وما لهم فيه من المنفعة؛ فإن الأطباء والطبائعيين شهدوا منفعة ذلك وحِكمته، وقالوا: في أدمغة الأطفال رطوبة لو بقيت في أدمغتهم لأحدثت أحداثاً عظيمةً، فالبكاء يسيِّل ذلك ويحدِّره من أدمغتهم فتقوى أدمغتهم وتصح.
وأيضاً: فإن البكاء والعِياط – أي: الصراخ - يوسِّع عليه مجاري النَّفَس، ويفتح العروق، ويصلِّبها، ويقوِّي الأعصاب.
وكم للطفل مِن منفعة ومصلحة فيما تسمعه من بكائه وصراخه، فإذا كانت هذه الحكمة في البكاء الذي سببه ورود الألم المؤذي وأنت لا تعرفها ولا تكاد تخطر ببالك: فهكذا إيلام الأطفال فيه وفي أسبابه وعواقبه الحميدة مِن الحكَم ما قد خفي على أكثر النَّاس، واضطرب عليهم الكلام في حِكمته اضطراب الأرشية – أي: الخصوم -. " مفتاح دار السعادة " (٢ / ٢٢٨) .
وقال – أيضاً -:
هذه الآلام هي من لوازم النشأة الإنسانية التي لا ينفك عنها الإنسان ولا الحيوان، فلو تجرَّد عنها لم يكن إنساناً بل كان ملَكا أو خلقاً آخر.
وليست آلام الأطفال بأصعب من آلام البالغين، لكن لما صارت لهم عادة سهُل موقعها عندهم، وكم بين ما يقاسيه الطفل ويعانيه البالغ العاقل.
وكل ذلك من مقتضى الإنسانية وموجب الخلقة، فلو لم يُخلق كذلك لكان خلقاً آخر، أفترى أن الطفل إذا جاع أو عطش أو برَد أو تعب قد خُصَّ من ذلك بما لم يُمتحن به الكبير؟ فإيلامه بغير ذلك من الأوجاع والأسقام كإيلامه بالجوع والعطش والبرد والحر دون ذلك أو فوقه، وما خلق الإنسان بل الحيوان إلا على هذه النشأة.
قالوا: فإن سأل سائل وقال: فلم خُلق كذلك؟ وهلا خُلق خلقة غير قابلة للألم؟
فهذا سؤال فاسد؛ فإن الله تعالى خلَقه في عالم الابتلاء والامتحان من مادة ضعيفة، فهي عرضة للآفات، وركبَّه تركيباً معرَّضا للأنواع من الآلام ...
فوجود هذه الآلام واللذات الممتزجة المختلطة من الأدلة على المعاد، وأن الحكمة التي اقتضت ذلك هي أولى باقتضاء دارين: دار خالصة للذات لا يشوبها ألم ما، ودار خالصة للآلام لا يشوبها لذة ما، والدار الأولى: الجنة، والدار الثانية: النار ... " مفتاح دار السعادة " (٢ / ٢٣٠، ٢٣١) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10784
تشك في صحة صلاتها وصيامها
[السُّؤَالُ]
ـ[أخجل أن أطرح سؤالي من شدة قبح ما كنت أفعله ولا أحب حتى ذكره.
في الحقيقة أنني قبل عدة سنوات كنت أفعل أمرين قبيحين: الأول: هو أنني كنت مع إحدى قريباتي نداعب بعضنا واستمرينا على فعل هذا الأمر لمدة وبعد ذلك توقفنا.
والأمر الثاني: أنني كنت أعامل ابن جيراننا الصغير معاملة قاسية كنت أضربه مرات ومرات وأجعله يقبلني أو يلامس شيئا من أعضائي..لا أحب حتى تذكر هذه الأمور لأنني أشعر كم أنا سيئة وأنا نادمة جداً على فعل هذا الأمور.
ولي عدة أسئلة:
١- هل علي صيام تلك الأيام التي قمت فيها بتلك الأمور مع أنني لم أكن أعلم أنها تبطل صيامي وصلاتي؟
٢- وهل علي أن أعيد أيضا الصلوات؟
٣- أنا لا أتذكر إذا نزل شيء مني أم لا؟
٤- أنا في حيرة وشك ولا أتذكر إذا فعلت هذه الأمور في رمضان أم لا؟
٥- إذا وجب علي الصيام كيف أستطيع تقدير تلك الأيام لأنني حاولت جاهدة تقديرها ولكنني لا أتذكر متى فعلت تلك الأمور بالضبط.
٦- متى تحاسب البنت على صيامها؟ هل بعد بلوغها؟ أقصد هل بعد أن تأتيها الدورة الشهرية أول مرة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
نحمد الله تعالى أن وفقك إلى التوبة من هذه الأفعال المحرمة، ونسأل الله تعالى أن يتقبل توبتك.
ثانيا:
لا يجب عليك قضاء شيء من الصلوات أو الصيام، وذلك للأسباب التالية:
١- أنك لم تكوني تعلمين أن ذلك يفسد الصيام والصلاة، والإنسان إذا فعل شيئا من المحرمات جاهلا فإنه يكون معذوراً، ولا يستحق العقاب على هذا الذنب، قال الله تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) الأحزاب/٥، والجهل نوع من الخطأ، لأن الجاهل لم يتعمد ارتكاب المعصية والمخالفة.
انظري جواب السؤال (٥٠٠١٧) ، (٤٥٦٤٨)
٢- أنك لا تتيقنين نزول شيء منك، والمسلم إذا فعل عبادة من العبادات فالأصل أنه يُحكم بصحتها، ما لم يتيقن أنها كانت غير صحيحة، أما مجرد الشك فلا يبطل العبادة بعد فعلها.
ثالثا:
أما تكليف البنت بالصيام وغيره من الأحكام الشرعية، فيثبت ببلوغ البنت، وبلوغها يحصل إذا وجد أحد أربع علامات وهي:
١. بلوغ خمس عشرة سنة.
٢. نبات الشعر الخشن حول القبل.
٣. نزول المني.
٤. نزول الحيض.
ولا يشترط اجتماع كل هذه العلامات، ولكن يكفي علامة واحدة فقط، لثبوت البلوغ.
وانظري جواب السؤال (٢١٢٤٦)
ونسأل الله تعالى أن يوفقك ِ لكل خير، والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10785
مس الجنُّ للإنس والأحكام المترتبة على المس
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يمكن أن يمس الجن الناس؟ إذا كان ذلك ممكنا، فكيف يمكن أن يتحمل الإنسان المسؤولية عن أعماله عند التلبس يوم القيامة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نعم، يمكن للجن أن يصيب الإنس بمس، وقد ذكره الله تعالى في كتابه , في قوله: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) البقرة/٢٧٥.
وانظر جواب الأسئلة (١١٤٤٧) و (٤٢٠٧٣) و (٣٩٢١٤) و (١٨١٩) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" دخول الجني في بدن الإنسان ثابت باتفاق أئمة أهل السنة والجماعة، قال الله تعالى: (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) البقرة /٢٧٥، وفي الصحيح عن النبي ﷺ : (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم) " انتهى.
" مجموع الفتاوى " (٢٤ / ٢٧٦، ٢٧٧) .
ثانياً:
المس نوع من المرض , فإذا كان الإنسان مع وجود هذا المرض عاقلاً وله اختيار فهو مؤاخذ بأقواله وأفعاله , أما إذا غلب عليه هذا المرض بحيث أفقده عقله واختياره فهو كالمجنون لا تكليف عليه. ولهذا يطلق في اللغة "المس" على "الجنون" انظر: "لسان العرب" (٦/٢١٧) .
غير أنه إذا اعتدى على أحد وقت جنونه , وأتلف ماله – مثلاً - فإنه يضمن هذا المال لصاحبه.
وانظر: "زاد العاد" (٤/٦٦-٧١) .
جاء في " الموسوعة الفقهية " (١٦ / ١٠٦) :
" أجمع الفقهاء على أن الجنون كالإغماء والنوم , بل هو أشد منهما في فوات الاختيار وتبطل عبارات المغمى عليه , والنائم في التصرفات القولية , كالطلاق , والإسلام , والردة , والبيع , والشراء وغيرها من التصرفات القولية , فبطلانها بالجنون أولى ; لأن المجنون عديم العقل والتمييز والأهلية , واستدلوا لذلك بقوله ﵊: (رُفِعَ القَلَمُ عن ثلاثةٍ: عن النائمِ حتى يستيقظَ، وعَن الصبِيِّ حَتى يَحتلمَ، وعَن المجنونِ حتى يَعْقل) - رواه أهل السنن بإسناد صحيح -، ومثل ذلك كل تصرف قولي لما فيه من الضرر " انتهى.
وفي (١٦ / ١٠٧) :
" وأما بالنسبة لحقوق العباد كالضمان ونحوه: فلا يسقط ; لأنه ليس تكليفا له , بل هو تكليف للولي بأداء الحق المالي المستحق في مال المجنون , فإذا وقعت منه جرائم , أخذ بها ماليا لا بدنيا , وإذا أتلف مال إنسان وهو مجنون وجب عليه الضمان , وإذا قتل فلا قصاص وتجب دية القتيل " انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10786
هل تعطي زوجها توكيلاً بأموالها وهو لا يحسن التصرف في الأموال ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ي عن أبي الذي كان يملك مالاً وفيراً، وكنا نعيش حياة طبيعية، أما الآن فلا يملك سوى الشقتين اللتين سجلهما باسم أمي، وهو الآن أصبح عديم المسؤولية - للأسف - ومازال يحلم أو يعتقد أنه يمتلك المال ولا يفكر بالعمل أبداً، وعمره ٥٥ سنة، وللأسف رغم اعتراضي لأمي لقد أعطته وكالة بالشقتين رغم أنها تعلم من هو أبي، وعندما أقول لها لمَ فعلتِ ذلك؟ تقول: " مالُه وهو حر به، فماذا أفعل؟ هل أقف في وجهه بعد أن وقف العالم كله من أهله والناس ضده وتركوه لأنه خسر الأموال؟ فماذا يقول عني؟ " معها حق، لقد كان طيباً ولا يبخل عليها بشيء ولكن تقول " إن لم أفعل يطلقني، كيف أقف في وجهه وهو من النوع العصبي، صعب التفاهم معه " ما رأيكم هل أمي على صواب بهذا؟ وهل عليها العمل وعدم الاعتماد عليه - رغم أنها لا تريد، وتقول إنه سوف يعتمد عليها -؟ والآن لقد باع إحداهما ويصرف المال يميناً وشمالاً على الناس وينسى أن له تسعة أبناء، رغم أنها تذكره بنا لأنه يعيش ببلد ونعيش ببلد، يتذكر للحظة ثم ينسى الهموم ويعود للأحلام، بماذا تنصحون قبل أن يبيع الأخرى ونندم؟ وهي وأبي الآن في شجارات قوية لتصرفاته اللامبالية، وربما يؤدي للطلاق، وأريد أن أعرف هل أبي مريض نفسيّاً أم ما حكايته؟ وما العمل معه؟ أنا محتارة، ساعدوني، فالأسرة تتدمر.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال وصرفه في غير الوجه النافع.
فعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (إن الله كره لكم ثلاثاً: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال) رواه البخاري (١٤٠٧) ومسلم (٥٩٣) .
وسوء التصرف في المال يعتبره أهل العلم فساداً , كما ترجم الإمام البخاري بابا في ذلك فقال: " باب ما يُنهى عن إضاعة المال , وقول الله ﵎: (والله لا يحب الفساد) .
" فتح الباري " (٥ / ٦٨) .
وقد يكون الإنسان عاقلاً , ولكنه لا يحسن التصرف في المال , بل يضيعه وينفقه في غير منفعة , وهذا يسميه العلماء (سفيهاً) فلا يجوز إعطاؤه المال , بل يمنع من التصرف فيه , لقوله تعالى: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا) النساء/٥.
قال القرطبي ﵀:
" ودلت الآية على جواز الحجر على السفيه؛ لأمر الله بذلك في قوله: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) وقال: (فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً) ، فأثبت الولاية على السفيه كما أثبتها على الضعيف، وكان معنى الضعيف راجعا إلى الصغير , ومعنى السفيه إلى الكبير البالغ " انتهى.
" تفسير القرطبي " (٥ / ٣٠) .
وقال ابن حجر ﵀:
" قوله تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم........) الآية، قال الطبري - بعد أن حكى أقوال المفسرين في المراد بالسفهاء -: " الصواب عندنا أنها عامة في حق كل سفيه صغيراً كان أو كبيرا , ذكراً كان أو أنثى، والسفيه هو الذي يضيع المال ويفسده بسوء تدبيره " انتهى.
وقال - أيضاً -:
" والحَجر في الشرع: المنع من التصرف في المال، فتارة يقع لمصلحة المحجور عليه (الإنسان) ، وتارة المحجور (المال) ، والجمهور على جواز الحجر على الكبير "انتهى.
" فتح الباري " (٥ / ٦٨) .
فإذا كان والدك لا يحسن التصرف في المال , بل يضيعه في غير منفعة فيجب الحجر عليه , ولا يجوز تمكينه من المال , وعلى أمك أن تلغي الوكالة التي أعطته إياها , حفاظاً على أموالكم من الضياع , وأنتم محتاجون إليها.
وعليكم بنصيحته وإعادته إلى رشده بالتذكرة والكلمة الطيبة والوعظ الذي يجعله يندم على ما فرط فيه من مال، ويحافظ على ما بقي لديه منه.
وتذكيره بالأحاديث التي تزجره عن إضاعة المال , وتذكيره بأن الله حمَّله أمانة رعايتكم، كما جاء في حديث النبي ﷺ : (كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت) رواه أبو داود (١٦٩٢) وحسنه الألباني في " صحيح الترغيب " (١٩٦٥) .
قال الشيخ عبد العظيم آبادي ﵀:
" قال الخطابي: يريد من يلزمه قوته، والمعنى: كأنه قال للمتصدق: لا يتصدق بما لا فضل فيه عن قوت أهله يطلب به الأجر , فينقلب ذلك الأجر إثما إذا أنت ضيعتهم " انتهى.
" عون المعبود " (٥ / ٧٦) .
فإذا كان هذا في حق المتصدق فكيف بغيره ممن يضيع المال في غير منفعة.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10787
هل لابد من الاحتلام حتى يثبت البلوغ ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا شاب في السادسة عشر من عمري وقد ظهرت علي كل علامات البلوغ عدا خروج المني فهل هذا مرض أم هو طبيعي؟ مع العلم أن غذائي الأساسي نباتي.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
البلوغ له علامات معروفة بالنسبة للذكر والأنثى، فالذكر يحصل بلوغه بواحد من ثلاثة أشياء: خروج المني، أو نبات شعر خشن حول القُبُل، أو بتمام خمس عشرة سنة.
والأنثى يحصل بلوغها بهذه العلامات الثلاثة، وتزيد علامة رابعة وهي الحيض.
ولا يشترط ظهور كل هذه العلامات، بل تحقق علامة واحدة منها كافية للحكم على الشخص بأنه قد بلغ.
انظر الشرح الممتع (٦/٢٠٢)
وكونك بلغت السادسة عشرة، فهذا دليل على بلوغك، ولو لم يحصل إنزال للمني.
فاعلم أنك أصبحت مكلفا، مسئولا عن أقوالك وأعمالك، كما قال النبي ﷺ : (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ: عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الْمَعْتُوهِ حَتَّى يَبْرَأَ) رواه أبو داود (٤٤٠٢) والنسائي (٣٤٣٢) والترمذي (١٤٢٣) وابن ماجه (٢٠٤١) وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
وقد سألنا أحد الأطباء عن حالتك فأفاد بأنها قد تكون أمراً مرضياً، وقد تكون أمراً طبيعياً، فعليك أن تراجع طبيباً مختصاً للوقوف على حقيقة الأمر.
نسأل الله لنا ولك التوفيق والسداد.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10788
ماذا يفعل المسلم مع اختلاف العلماء في التصحيح والتضعيف ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ماذا نفعل إذا اختلف علماء الحديث في تصحيح وتضعيف حديث ما يتعلق بالعبادة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا فرق عند أهل العلم بين اختلاف العلماء في مسائل الحديث تصحيحا وتضعيفاً وبين اختلافهم في مسائل الفقه؛ وذلك لأن تصحيح الحديث وتضعيفه خاضع للاجتهاد، وفيه تفاوت بين العلماء في العلم بأحوال الرجال وطرق الحديث، فما يعرفه بعضهم من حالٍ للراوي قد يخفى على غيره، وما يقف عليه آخر من شواهد ومتابعات قد لا يتيسر لغيره، فيختلف حكمهم على الحديث الواحد تبعاً لذلك، وأحياناً يقف كل واحد منهم على ترجمة الراوي وطرق الحديث، ويختلف ترجيحهم تصحيحاً وتضعيفاً تبعاً لاجتهادهم في الراجح من حال الرواي، وفي الراجح من خلو طرق الحديث من الشذوذ والعلة.
قال الإمام الترمذي:
وقد اختلف الأئمة من أهل العلم في تضعيف الرجال كما اختلفوا في سوى ذلك من العلم.
" سنن الترمذي " (٥ / ٧٥٦) وهو كتاب " العلل " في آخر " السنن ".
وفي بيان أسباب اختلاف العلماء قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
السبب الثالث: اعتقاد ضعف الحديث باجتهاد قد خالفه فيه غيره، مع قطع النظر عن طريق آخر، سواء كان الصواب معه أو مع غيره، أو معهما عند من يقول: كل مجتهد مصيب؛ ولذلك أسباب: منها: أن يكون المحدث بالحديث يعتقده أحدهما ضعيفا؛ ويعتقده الآخر ثقة، ومعرفة الرجال علم واسع؛ ثم قد يكون المصيب من يعتقد ضعفه؛ لاطلاعه على سبب جارح، وقد يكون الصواب مع الآخر لمعرفته أن ذلك السبب غير جارح؛ إما لأن جنسه غير جارح؛ أو لأنه كان له فيه عذر يمنع الجرح.
وهذا باب واسع وللعلماء بالرجال وأحوالهم في ذلك من الإجماع والاختلاف مثل ما لغيرهم من سائر أهل العلم في علومهم.
ومنها: ألا يعتقد أن المحدث سمع الحديث ممن حدث عنه، وغيره يعتقد أنه سمعه لأسباب توجب ذلك معروفة.
ومنها: أن يكون للمحدث حالان: حال استقامة، وحال اضطراب؛ مثل أن يختلط أو تحترق كتبه، فما حدث به في حال الاستقامة صحيح، وما حدث به في حال الاضطراب ضعيف؛ فلا يدري ذلك الحديث من أي النوعين، وقد علم غيره أنه مما حدث به في حال الاستقامة.
ومنها: أن يكون المحدث قد نسي ذلك الحديث فلم يذكره فيما بعد، أو أنكر أن يكون حدثه معتقدا أن هذا علة توجب ترك الحديث، ويرى غيره أن هذا مما يصح الاستدلال به، والمسألة معروفة ... إلى أسباب أخر غير هذه.
" مجموع الفتاوى " (٢٠ / ٢٤٠ – ٢٤٢) باختصار.
ثانياً:
أما موقف المسلم من هذا الاختلاف الحاصل بين أهل العلم في التصحيح والتضعيف للحديث الواحد: فهو الموقف ذاته من اختلافهم في الفقه، فإن كان مؤهلاً للترجيح بين أقوالهم رجَّح ما يراه صواباً من أحد الحكمَين، وإن كان غير مؤهل فواجبه التقليد، وعليه أن يأخذ بترجيح من يراه أكثر ديناً وعلماً في هذا الباب، ولا ينبغي أن يغتر بكونه فقيهاً أو أصوليّا أو مفسِّراً، بل ينبغي أن يكون المقلَّد في التصحيح والتضعيف من أهل هذه الصنعة وهذا الفن، وهو فن علم الحديث، ولا حرج عليه فيما يترتب على تقليده، فإن كان الحديث صحيحاً عنده وقلَّده فيه، وكان يحوي حكماً فقهيّاً فالواجب عليه العمل به، ولا حرج عليه إن ترك العمل به إن كان الحديث ضعيفاً.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
وإذا اختلفت العلماء عليه في الفتيا، أو فيما يسمع من مواعظهم ونصائحهم مثلاً: فإنه يتبع من يراه إلى الحق أقرب في علمه ودينه.
" لقاء الباب المفتوح " (اللقاء " ٤٦ "، سؤال ١١٣٦) .
ولينظر جواب السؤال رقم (٢٢٦٥٢) وفيه بيان الموقف الصحيح من اختلاف العلماء.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10789
الجهل الذي يعذر صاحبه هو الجهل بالحكم لا بالعقوبة
[السُّؤَالُ]
ـ[أعرف أن ترك الصلاة عمداً بسبب الكسل يعتبر كفراً أكبر والشخص الذي يفعل ذلك يعتبر كافراً إلا إذا كان لديه عذر الجهل، ولكن ماذا يعنى عذر الجهل؟ جهل أن الصلاة فرض؟ أم الجهل بحقيقة أن ترك الصلاة عمداً كفر؟ أرجوك وضح لي مع بعض الاقتباسات من علماء السلف.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الجهل الذي يعذر به صاحبه هو الجهل بالحكم، فمن ترك واجباً وهو لا يعلم أنه واجب، أو فعل محرماً وهو لا يعلم أنه محرم فهذا هو الجاهل الذي يعذر بجهله.
أما من علم أن هذا الفعل محرم ففعله وهو يجهل العقوبة المترتبة عليه، فهذا لا يعتبر عذراً، لأن صاحبه أقدم على المعصية وانتهك الحرمة وهو يعلم.
فمن زنى – مثلاً – وهو لا يدري أن الزنى حرام، فلا شيء عليه، ويعذر بجهله.
أما من علم أن الزنى حرام ولكنه جهل أن الزاني عليه الحد فهذا لا يعذر، ويجب إقامة حد الزاني عليه، إذا توفرت شروط إقامته.
وكذلك من ترك الصلاة وهو يجهل أنها فرض، فهذا يعذر بجهله ولا يكفر، أما من تركها وهو يعلم أن تركها حرام ولكن لا يعلم أن تركها كفر فهذا لا يعذر.
وهذه أدلة ما سبق مع أقوال أهل العلم:
أ. منْ كان جاهلاً بالحكم المنهيِّ عنه، وفعله، وكان في إتيانه حدٌّ أو كفارةٌ: فلا شيء عليه.
والدليل: قوله ﷺ لمن اعترف على نفسه بالزنا " فهلْ تَدْرِي مَا الزِّنَا؟ ". رواه أبو داود (٤٤٢٨) ، والحديث أصله في الصحيحين.
قال ابن القيم - وصحَّحَ رواية أبي داود – فيه: أنَّ الحدَّ لا يجب على جاهلٍ بالتحريم؛ لأنَّه ﷺ سأله عن حكم الزنى، فقال " أَتَيْتُ مِنْها حَرَاماً ما يأتي الرجل من أهله حلالاً. اهـ. "زاد المعاد " (٥ / ٣٣) .
ب. وإن كان عالماً بالتحريم، جاهلاً بما يترتب عليه من حد أو كفارة أو غير ذلك: فيجب إقامةُ الحدِّ عليه لجرأته على فعل الحرام، ويجب عليه إخراج الكفارة إن كان الذنب له كفارة.
والدليل: حديث " ماعز " ﵁ واعترافه على نفسه بالزنى، وفيه قوله " يَا قَوْمِ رُدُّوني إِلى رَسُولِ الله ﷺ فإنَّ قَوْمي قَتَلُوني وَغَرُّوني مِنْ نَفْسِي " رواه أبو داود (٤٤٢٠) وجوّد إسنادَه الألبانيُّ ﵀ في " الإرواء " (٧ / ٣٥٤) ، فهذا الصحابي ﵁ كان عالماً بالتحريم جاهلاً بالعقوبة.
قال ابن القيم ﵀: وفيه: أنَّ الجهل بالعقوبة لا يُسقِط الحدَّ إن كان عالماً بالتحريم فإنَّ "ماعزاً" لم يعلم أنَّ عقوبته القتل، ولم يُسقط هذا الجهلُ الحدَّ عنه. " زاد المعاد " (٥ / ٣٤) .
وكذلك الصحابي الذي جامع امرأته في نهار رمضان حيث كان عامداً عالماً بحرمته – كما قال الحافظ ابن حجر في " الفتح " (٤ / ٢٠٧) - بدليل قوله " هَلَكْتُ "، وفي رواية " احْتَرَقْتُ "، فقد أوجب النَّبيُّ ﷺ عليه الكفارة ولم يعذره بجهله بها، رواه البخاري (١٨٣٤) ومسلم (١١١١) .
وقال الشيخ ابن عثيمين – ﵀
فإن قال قائل: الرجل الذي جاء إلى الرسول ﷺ أليس جاهلاً؟
فالجواب: هو جاهل بما يجب عليه، وليس جاهلاً أنه حرام، ولهذا يقول " هلكت "، ونحن إذا قلنا إن الجهل عذر، فليس مرادنا أن الجهل بما يترتب على هذا الفعل المحرم، ولكن مرادنا الجهل بهذا الفعل، هل هو حرام أو ليس بحرام، ولهذا لو أن أحداً زنى جاهلاً بالتحريم، وهو ممن عاش في غير البلاد الإسلامية، بأن يكون حديث عهد بالإسلام، أو عاش في بادية بعيدة لا يعلمون أن الزنى محرّم فزنى فإنه لا حدّ عليه، لكن لو كان يعلم أنّ الزنى حرام، ولا يعلم أن حده الرجم، أو أن حده الجلد والتغريب، فإنه يحد لأنه انتهك الحرمة، فالجهل بما يترتب على الفعل المحرم ليس بعذر، والجهل بالفعل هل هو حرام أو ليس بحرام، هذا عذر." اهـ. الشرح الممتع (٦/٤١٧)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10790
هل يجوز له الأخذ من لحيته حتى لا يتعرض للأذى ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[سيتزوج صديقي في إحدى الدول الإسلامية، وهو مستقيم ويتبع السنة (يعفي لحيته) ، والدولة التي سيسافر إليها تحتجز الأشخاص الملتحين في المطار ثم تقوم الشرطة السرية بمتابعتهم، وصديقي لا يريد أن يسبب صعوبات لعائلة زوجته، حيث من المتوقع أن تتم متابعتهم ويتعرضون لمضايقات من قبل الحكومة، لذلك فإنه يرغب في تهذيب لحيته قليلا لهذه المناسبة فقط، ثم يطلقها مرة أخرى، وهو لم يكن ليقصر لحيته لولا الأسباب المذكورة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إعفاء اللحية واجب شرعي، وحلقها محرم، وقد سبق في جواب السؤال رقم (١١٨٩) بيان حكم حلق اللحية وأن حلقها من المحرمات.
وقد نقل ابن حزم ﵀ اتفاق العلماء على أن حلق اللحية لا يجوز.
" المحلى " (٢ / ١٨٩) .
وأما حلقها خوفاً من الاعتقال أو تعرض معفيها للأذى: فإن هذا الخوف ليس على درجة واحدة، فمنه ما يكون ظنّاً راجحاً، ومنه ما يكون وهماً، ومنه ما يستوي طرفاه.
ولا يجوز له حلق لحيته أو تخفيفها إلا في حالة الظن الراجح، ولا يجوز فيما عداه.
ويدخل هذا الفعل في باب الضرورة، قال الله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ) البقرة/١٧٣، أو في باب الإكراه، قال الله تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) النحل/١٠٦.
والإكراه المعتبر في هذا: أن يلحقه ضرر من عدم حلقها، أما مجرد المضايقة والسؤال والتحقيق، فإن هذه الأمور لا يسلم منها حالق اللحية، ولا تجيز لصاحبها الوقوع في الإثم.
وللإكراه شروط لا بدَّ من تحققها حتى يجوز للمسلم أن يترخص بفعل الحرام أو قوله إذا حصل له، ومعرفتها أمر هام لادعاء كثيرين أنهم مكرَهون وليس كذلك.
قال ابن قدامة:
ومن شرط الإكراه ثلاثة أمور:
أحدها: أن يكون من قادرٍ.
الثاني: أن يغلب على ظنه نزول الوعيد به إن لم يجبه إلى ما طلبه.
الثالث: أن يكون مما يستضر به ضرراً كثيراً , كالقتل والضرب الشديد، والقيد , والحبس الطويل، فأما الشتم والسب فليس بإكراه، وكذلك أخذ المال اليسير.
فأما الضرر اليسير فإن كان في حق من لا يبالي به: فليس بإكراه، وإن كان في بعض ذوي المروءات على وجه يكون إخراقا بصاحبه (أي إهانةً) , وغضّاً له وشهرة في حقه فهو كالضرب الكثير في حق غيره.
وإن تُوُعِد بتعذيب ولده: فقد قيل: ليس بإكراه؛ لأن الضرر لاحق بغيره، والأولى: أن يكون إكراها؛ لأن ذلك عنده أعظم من أخذ ماله، والوعيد بذلك إكراه , فكذلك هذا.
" المغني " (٧ / ٢٩٢) باختصار.
وإذا كان الأذى يُدفع بتخفيف اللحية فلا يحلقها بل يكتفي بالتخفيف، فالحلق أشد من التخفيف.
وينبغي التنبه إلى أنه يجب أن يكون محتاجاً إلى السفر لهذا البلد، أما مع عدم الحاجة إلى ذلك فلا يجوز له حلق لحيته من أجل السفر، لأنه غير مضطر إلى ذلك.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10791
لا يتحكم بالبول وهو كبير جدّاً فهل يصوم ويصلي ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[والدي أصبح كبيراً في السن عمره – ١٠٥ سنوات – وهو شبه فاقد للذاكرة، ولكن أحيانا يعرفنا وأحياننا لا يعرفنا، وهو في السنوات الأخيرة لا يتحكم في البول، ونقوم بتغيير ملابسه في اليوم أكثر من مرة، فهل عليه صلاة مع عدم الطهارة؟ وهل نجعله يصوم؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يختلف حكم والدك تبعاً لحضور عقله وإدراكه، فإن فقد عقله وذاكرته: فلا يؤمر بطهارة ولا بصلاة ولا بصيام، وإن حضر عقله وذاكرته: فيؤمر بالتكاليف الشرعية بحسب الاستطاعة دون أن يشق على نفسه.
سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله تعالى -:
فاقد الذاكرة والمعتوه والصبي والمجنون هل يجب عليهم الصيام؟ .
فأجاب:
إن الله أوجب على المرء العبادات إذا كان أهلاً للوجوب، بأن يكون ذا عقل يدرك به الأشياء، وأما من لا عقل له فإنه لا تلزمه العبادات، وبهذا لا تلزم المجنون، ولا تلزم الصغير الذي لا يميز، وهذا من رحمة الله ، ومثله المعتوه الذي أصيب بعقله على وجه لم يبلغ حد الجنون، ومثله أيضاً الكبير الذي بلغ فقدان الذاكرة، كما قال هذا السائل، فإنه لا يجب عليه صوم ولا صلاة ولا طهارة؛ لأن فاقد الذاكرة هو بمنزلة الصبي الذي لم يميز، فتسقط عنه التكاليف فلا يلزم بطهارة، ولا يلزم بصلاة، ولا يلزم أيضاً بصيام، وأما الواجبات المالية فإنها تجب في ماله وإن كان في هذه الحال، فالزكاة – مثلاً - يجب على من يتولى أمره أن يخرجها من مال هذا الرجل الذي بلغ هذا الحد؛ لأن وجوب الزكاة يتعلق بالمال، كما قال الله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَ?لِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوَ?تَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَ?للَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ، ولم يقل: " خذ منهم "، وقال النبي ﷺ لمعاذ ﵁ حينما بعثه إلى اليمن: " أعْلِمهم أن الله فرض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم "، فقال: " صدقة في أموالهم " فبيَّن أنها من المال، وإن كانت تؤخذ من صاحب المال.
وعلى كل حال: الواجبات المالية لا تسقط عن شخص هذه حاله، أما العبادات البدنية كالصلاة، والطهارة، والصوم: فإنها تسقط عن مثل هذا الرجل؛ لأنه لا يعقل.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (١٩/السؤال رقم ٤٠) .
وسئل الشيخ - رحمه الله تعالى -:
ما حكم صيام من يعقل زمناً ويجن زمناً آخر؟ أو يهذري يوماً ويصحو يوماً آخر؟ .
فأجاب:
الحكم يدور مع علته، ففي الأوقات التي يكون فيها صاحياً عاقلاً: يجب عليه الصوم، وفي الأوقات التي يكون فيها مجنوناً مهذرياً: لا صوم عليه، فلو فرض أنه يجن يوماً ويفيق يوماً، أو يهذري يوماً ويصحو يوماً: ففي اليوم الذي يصحو فيه: يلزمه الصوم، وفي اليوم الذي لا يصحو فيه: لا يلزمه الصوم.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (١٩/السؤال رقم ٤٣) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10792
وجوب التكاليف على الأصم والأبكم
[السُّؤَالُ]
ـ[هل الصم والبكم مكلفون وعليهم أداء الواجبات الشرعية؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أوضح سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز أن الولد الأبكم والأصم إذا كان قد بلغ الحلم يعتبر مكلفاً بأنواع التكاليف من الصلاة وغيرها، وأضاف أنه يعلم ما يلزمه بالكتابة والإشارة لعموم الأدلة الشرعية الدالة على وجوب التكاليف على من يبلغ الحلم وهو عاقل، ويحصل البلوغ بإكمال خمسة عشر عاماً أو بإنزال مني عن شهوة في الاحتلام أو غيره وبإنبات الشعر الخشن من حول الفرج وتزيد المرأة أمراً رابعاً وهو الحيض.
ودعا سماحته ولي أمر الأصم الأبكم إلى أن يؤدي عنه ما يلزمه من زكاة وغيرها من الحقوق المالية وعليه أن يعلمه ما يخفى عليه بالطرق الممكنة حتى يفهم ما أوجب الله عليه وما حرم عليه.
واستشهد سماحته بقول الله سبحانه: (فاتقوا الله ما استطعتم) التغابن/١٦، ويقول النبي ﷺ : (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) وبين سماحته أن المكلف الذي لا يسمع أو لا ينطق أو قد أصيب بالصمم والبكم عليه أن يتقي الله ما استطاع بفعل الواجبات وترك المحرمات. إن عليه أن يتفقه في الدين حسب قدرته بالمشاهدة والكتابة والإشارة حتى يفهم المطلوب.
[الْمَصْدَرُ]
كتاب مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀. م/٩ ص/٣٣٦.
стр. 10793
هل تلبس الحجاب إذا كان أهلها سيتضررون بذلك ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو الحكم في مَن ترتدي الحجاب في بلد عربي يمنع ذلك بالقوة وإلحاق الضرر دينيّاً واجتماعيّاً؟ هل عليها أن تثبت رغم تضرر أفراد عائلتها بطريقة غير مباشرة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إنها والله الجريمة العظيمة والفعلة النكراء، أن تُمنع المرأة المسلمة من ارتداء حجابها الذي أمرها الله به، وتلزم قانوناً بكشف رأسها ووجهها لتخرج سافرة بين الناس.
والواجب على المسلم الالتزام بأحكام الشرع، و " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق "، وحجاب المرأة المسلمة من الواجبات التي يلزمها الطاعة فيها، والضرر الذي تتصور المرأة وقوعه عليها أو على أهلها قد لا يكون له أصل، وقد يكون الضرر غير بالغ، ويمكن تحمله والصبر عليه، وعليه: فيجب عليها البقاء على الالتزام بلباسها الشرعي.
فإن كان الضرر بالغاً ويقينيّاً أو بغلبة ظن راجح: فيمكن للمرأة نزع الحجاب حفاظاً على عرضها ودينها، لكن يجب عليها الالتزام بأعلى قدر ممكن من الستر والحشمة، ولا يجوز لها الخروج من المنزل على هذه الحال إلا في وقت الضرورة، ولا يجوز الترخص في الخروج على هذه الحال للدراسة أو لشراء حاجيات يمكن أن يأتي بها غيرها، بل نعني بالضرورة الخروج لعلاج لا يتيسر في البيت، أو عمل شرعي لا يمكن تركه، وما يشبههما.
سئل الشيخ ابن عثيمين – ﵀:
في بعض البلدان قد تجبر المسلمة على خلع الحجاب بالأخص غطاء الرأس، هل يجوز لها تنفيذ ذلك علما بأن من يرفض ذلك ترصد له العقوبات كالفصل من العمل أو المدرسة؟ .
فأجاب الشيخ:
هذا البلاء الذي يحدث في بعض البلدان هو من الأمور التي يمتحن بها العبد، والله يقول ﴿الم. أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين﴾ العنكبوت / ١ – ٣.
فالذي أرى أنه يجب على المسلمات في هذه البلدة أن يأبين طاعة أولي الأمر في هذا الأمر المنكر؛ لأن طاعة أولي الأمر في المنكر مرفوضة، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ النساء / ٥٩.
لو تأملت هذه الآية لوجدت أن الله قال: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ ، ولم يكرر الفعل ثالثة مع أولي الأمر، فدل على أن طاعة ولاة الأمور تابعة لطاعة الله وطاعة رسوله، فإذا كان أمرهم مخالفا لطاعة الله ورسوله: فإنه لا سمع لهم ولا طاعة فيما أمروا به فيما يخالف طاعة الله ورسوله، " ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ".
وما يصيب النساء من الأذى في هذه الناحية من الأمور التي يجب الصبر عليها والاستعانة بالله تعالى على الصبر، ونسأل الله لولاة أمورهم أن يهديهم إلي الحق، ولا أظن هذا الإجبار إلا إذا خرجت المرأة من بيتها، وأما في بيتها فلن يكون هذا الإجبار، وبإمكانها أن تبقى في بيتها حتى تسلم من هذا الأمر، أما الدراسة التي تترتب عليها معصية فإنها لا تجوز، بل عليها دراسة ما تحتاج إليه في دينها ودنياها، وهذا يكفي ويمكنها ذلك في البيت غالبا.
" أسئلة تهم الأسرة المسلمة " (ص ٢٢، ٢٣) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10794
من هو الذي يعذر بالجهل في العقيدة والأمورالفقهية
[السُّؤَالُ]
ـ[من هم الذي يعذرون بالجهل؟ وهل يعذر الإنسان بجهله في الأمور الفقهية؟ أم في أمور العقيدة والتوحيد؟ وما هو واجب العلماء نحو هذا الأمر؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
دعوى الجهل والعذر به فيه تفصيل، وليس كل واحد يعذر بالجهل، فالأمور التي جاء بها الإسلام وبينها الرسول ﷺ للناس وأوضحها كتاب الله وانتشرت بين المسلمين لا تقبل فيها دعوى الجهل، ولا سيما ما يتعلق يالعقيدة وأصل الدين، فإن الله بعث نبيه ﷺ ليوضح للناس دينهم ويشرحه لهم وقد بلغ البلاغ المبين وأوضح للأمة حقيقة دينها وشرح لها كل شيء وتركها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، وفي كتاب الله الهدى والنور فإذا ادعى بعض الناس الجهل فيما هو معلوم من الدين بالضرورة، وقد انتشر بين المسلمين، كدعوى الجهل بالشرك وعبادة غير الله ، أو دعوى أن الصلاة غير واجبة، أو أن صيام رمضان غير واجب أو أن الزكاة غير واجبة، أو أن الحج مع الاستطاعة غير واجب فهذا وأمثاله لا تقبل فيه دعوى الجهل ممن هو بين المسلمين لأنها أمور معلومة بين المسلمين. وقد علمت بالضرورة من دين الإسلام وانتشرت بين المسلمين فلا تقبل دعوى الجهل في ذلك، وهكذا إذا ادعى أحد بأنه يجهل ما يفعله المشركون عند القبور أو عند الأصنام من دعوة الأموات والاستغاثة بهم والذبح لهم والنذر لهم، أو الذبح للأصنام أو الكواكب أو الأشجار أو الأحجار، أو طلب الشفاء أو النصر على الأعداء من الأموات أو الأصنام أو الجن أو الملائكة أو الأنبياء.. فكل هذا أمر معلوم من الدين بالضرورة وأنه شرك أكبر، وقد أوضح الله ذلك في كتابه الكريم وأوضحه رسوله ﷺ وبقي ثلاث عشرة سنة في مكة وهو ينذر الناس هذا الشرك وهكذا في المدينة عشرسنين، يوضح لهم وجوب إخلاص العبادة لله وحده ويتلو عليهم كتاب الله مثل قوله تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) الإسراء/٢٣، وقوله سبحانه: (إياك نعبد وإياك نستعين) الفاتحة/٥، وقوله : (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء) البينة/٥، وقوله سبحانه: فاعبد الله مخلصاً له الدين ألا لله الدين الخالص) الزمر/٢-٣، وقوله سبحانه: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) الأنعام/١٦٢-١٦٣، وبقوله سبحانه مخاطباً الرسول ﷺ : (إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر) الكوثر١-٢، وبقوله : (وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً) الجن/١٨، وبقوله : (ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون) المؤمنون/١١٧، وهكذا الاستهزاء بالدين والطعن فيه والسخرية به والسب كل هذا من الكفر الأكبر ومما لا يعذر فيه أحد بدعوى الجهل، لأنه معلوم من الدين بالضرورة أن سب الدين أو سب الرسول ﷺ من الكفر الأكبر وهكذا الاستهزاء والسخرية، قال تعالى: (قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) التوبة/٦٥-٦٦.
فالواجب على أهل العلم في أي مكان أن ينشروا هذا بين الناس وأن يظهروه حتى لا يبقى للعامة عذر وحتى ينتشر بينهم هذا الأمر العظيم، وحتى يتركوا التعلق بالأموات والاستعانة بهم في أي مكان في مصر أو الشام أو العراق أو في المدينة عند قبر النبي ﷺ أو في مكة أو غير ذلك وحتى ينتبه الحجيج وينتبه الناس ويعلموا شرع الله ودينه، فسكوت العلماء من أسباب هلاك العامة وجهلهم، فيجب على أهل العلم أينما كانوا أن يبلغوا الناس دين الله وأن يعلموهم توحيد الله وأنواع الشرك بالله حتى يدعوا الشرك على بصيرة وحتى يعبدوا الله وحده على بصيرة وهكذا ما يقع عند قبر البدوي أو الحسين ﵁ أو عند قبر الشيخ عبد القادر الجيلاني أو عند قبر النبي ﷺ في المدينة أو عند غيرهم يجب التنبيه على هذا الأمر وأن يعلم الناس أن العبادة حق لله وحده ليس لأحد فيها حق كما قال الله : (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء) البينة/٥، وقال سبحانه: (فاعبد الله مخلصاً له الدين ألا لله الدين الخالص) البينة/٢-٣، وقال سبحانه: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) الإسراء/٢٣، يعني أمر ربك، فالواجب على أهل العلم في جميع البلاد الإسلامية وفي مناطق الأقليات الإسلامية وفي كل مكان أن يعلموا الناس توحيد الله وأن يبصروهم بمعنى عبادة الله وأن يحذروهم من الشرك بالله الذي هو أعظم الذنوب وقد خلق الله الثقلين ليعبدوه وأمرهم بذلك. لقوله سبحانه: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) الذاريات/٥٦، وعبادته هي: طاعته وطاعة رسوله ﷺ وإخلاص العبادة له وتوجيه القلوب إليه، قال تعالى: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون) البقرة/٢١.
أما المسائل التي قد تخفى مثل بعض مسائل المعاملات وبعض شؤون الصلاة وبعض شؤون الصيام فقد يعذر فيها الجاهل كما عذر النبي ﷺ الذي أحرم في جبة وتلطخ بالطيب فقال له النبي ﷺ : (اخلع عنك الجبة واغسل عنك هذا الطيب واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجتك) ولم يأمره بفدية لجهله، وهكذا بعض المسائل التي قد تخفى يعلَّم فيها الجاهل ويبصر فيها، أما أصول العقيدة وأركان الإسلام والمحرمات الظاهرة فلا يقبل في ذلك دعوى الجهل من أي أحد بين المسلمين فلو قال أحد، وهو بين المسلمين، إنني ما أعرف أن الزنا حرام فلا يعذر، أو قال ما أعرف أن عقوق الوالدين حرام فلا يعذر بل يضرب ويؤدب، أو قال ما أعرف أن اللواط حرام فلا يعذر، لأن هذه أمور ظاهرة معروفة بين المسلمين في الإسلام.
لكن لو كان في بعض البلاد البعيدة عن الإسلام أو في مجاهل أفريقيا التي لا يوجد حولها مسلمون قد يقبل منه دعوى الجهل وإذا مات على ذلك يكون أمره إلى الله ويكون حكمه حكم أهل الفترة والصحيح أنهم يمتحنون يوم القيامة، فإن أجابوا وأطاعوا دخلوا الجنة وإن عصوا دخلوا النار، أما الذي بين المسلمين ويقوم بأعمال الكفر بالله ويترك الواجبات المعلومة، فهذا لا يعذر، لأن الأمر واضح والمسلمون بحمد الله موجودون، ويصومون ويحجون وكل هذا معروف بين المسلمين وفاش بينهم فدعوى الجهل في ذلك دعوى باطلة والله المستعان.
[الْمَصْدَرُ]
كتاب مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀ م/٧، ص/١٣٢.
стр. 10795
أعمال الطفل الذي لم يبلغ لمن تكتب
[السُّؤَالُ]
ـ[هل أعمال الطفل الذي لم يبلغ - من صلاة وحج وتلاوة تُحسب كلها لوالديه أم تحسب له هو؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أعمال الصبي الذي لم يبلغ - والمقصود أعماله الصالحة - أجرها له هو لا لوالده ولا لغيره ولكن يؤجر والده على تعليمه إياه وتوجيهه إلى الخير وإعانته عليه لما في صحيح مسلم عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: رَفَعَتْ امْرَأَةٌ صَبِيًّا لَهَا فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِهَذَا حَجٌّ قَالَ نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ. رواه مسلم ٢٣٧٨
فأخبر النبي ﷺ أن الحج للصبي، وأن أمه مأجورة على حجّها به.
وهكذا غير الوالد له أجر على ما يفعله من الخير كتعليم من لديه من الأيتام والأقارب والخدم وغيرهم من الناس لقول النبي ﷺ : " مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ. " رواه مسلم في صحيحه ٣٥٠٩.. ولأن ذلك من التعاون على البر والتقوى والله سبحانه يثيب على ذلك.
[الْمَصْدَرُ]
فتاوى إسلامية لابن عثيمين /٥٢٦
стр. 10796
عمل عند والده سنوات كثيرة بأجرة زهيدة ويرغب بالاستقلال بعملٍ فهل هو عقوق ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[مشكلتي تكمن باعتمادي على والدي منذ الصغر؛ فكان هو من يصرف عليَّ، وهو من كان يتكفل بكل شيء - ولم أوفق في إكمال تعليمي فقد توقفت عن التعليم بالصف الثاني متوسط، وبعد هذا كله أصر عليَّ والدي بالعمل معه بالتجارة، فوافقت، رغم عدم رغبتي بالعمل معه، إلا أني مع الوقت اعتدت على العمل، وأحببته بنسبة ٦٠ %، وعملت معه بما يقارب (١٦) سنة متواصلة، دون انقطاع، وأيضاً: دون تطور واضح، أو أني أشعر أني أبليت بلاء حسناً، فكان والدي - جزاه الله خيراً - يصرف عليَّ كما يقال " بالقطارة "، وكنت أعمل في السنوات الأولى بلا راتب محدد، فقد كان يعطيني ما يكفي لمدة أسبوع، أو كي أكون منصفاً وصادقاً: ما يكفي (لشهر) ، ولكن هذا العطية لا تمكنِّي من التوفير أبداً. مرَّت الأيام، وقررت الزواج، وجزاه الله خيراً - والدي - تكفل بالزواج، وأسكنني في شقة في منزله، وهذا لا أنكره أبداً، ثم حدد لي مرتباً شهريّاً مقداره (٢٠٠٠) ريال , وبعد سنوات رفعه لي إلى ٣٠٠٠ ريال، ولكن كنت أشعر بعدم الرضا بعملي؛ وذلك بأن المرتب لا يفي بمتطلباتي الشخصية، والعائلية، وبعد مرور ٣ سنوات بدأت أشعر بالإحباط؛ وذلك جرَّاء الإهانات من والدي، تصل في بعض الأحيان إلى الشتم، وتفضيل الغير عليَّ، وأن فلاناً أفضل منِّي، و: انظر إلى فلان أفضل منك ... الخ، أيضاً: الشعور بالإحباط بأن أرى أبي يهتم بالآخرين، ويحرص على إرضائهم، أما أنا: فلا تغيير واضح بالتعامل، غير ذلك يقوم والدي بتكليفي بمهمة في العمل، ويعدني بمكافأة إلا أنه يتراجع بقراره، ولا يفي لي بوعد، ويتحجج بعدم تذكره بهذا الوعد، أو يقول: إني كنت مقصراً بعملي، ويختلق الحجج ... الخ، وبعد هذا كله: قام بتخفيض مرتبي الشهري من ٣٠٠٠ إلى ٢٠٠٠ ريال، رغم أني رجل أبلغ من العمر الآن ٣٧ سنة، ومتزوج، ولدي أبناء، ولدي مسؤوليات، وأنتم - بلا شك - تعلمون جيِّداً غلاء المعيشة في هذا الوقت، وكيف أن ٢٠٠٠ ريال شهريّاً لا تؤمِّن متطلبات شهر واحد، فكيف ستؤمِّن مستقبلاً واعداً؟ وكيف ستؤمن مستقبل الأبناء بالحاضر والمستقبل؟ . تراودني أفكار بالبحث عن عمل آخر، ولكن كلما أتذكر والدي أحزن عليه، وأخاف عليه أن يبقى وحده، حتى هو أشعر بتأثره، وأيضاً أشعر بغضبه حينما يعلم أني سوف أبحث عن عمل، فهو معتمد عليَّ بكل شيء، سواء بالعمل، أو بالمنزل، أو بما يتعلق بالعائلة، فأنا - كما يقول كل من يعرفنا - المحور الرئيسي بهذه العائلة، ويعتقدون أني أجني من وراء عملي هذا الخير الوفير، إلا أن الواقع غير ذلك، بل أشعر أن الخير الوفير فيه أني أُحسن - بإذن الله - لوالدي بما أستطيع، وأبره، ورغم كل ذلك لا أجني ما يجني إخوتي، فجميع إخوتي الذكور - وهم أصغر مني، وأنا الأكبر - بوظائف طيبة، وأقل مرتب فيهم ٥٠٠٠ ريال شهريّاً، وغير متزوجين، أما أنا فراتبي: ٢٠٠٠ ريال. أعلم أن هذا مقدر لي، وأن الله قدر أرزاق العباد، وأن لكل إنسان رزقه، وقدره، وأجله ... الخ، والله يشهد عليَّ أني مؤمن بذلك، وقابل، وراض بما كتب الله لي، ولا يكتب الله للإنسان إلا كل خير، والحمد الله على كل حال، ولكن الإنسان بطبعه ضعيف، وينحني، أو يميل في بعض الأحيان إلى أمور الدنيا، بحيث ينظر إلى الصديق، أو القريب، أو جميع من حوله، ويقول: لماذا لا أكون بمثل صفاتهم: يلبسون أحسن الثياب، ويركبون أفضل السيارات، ويجلبون لأبنائهم كل ما يرغبون ... الخ إلا أنا؟! فأنا اشعر في بعض اللحظات أني استسلمت للأمر الواقع، فليس لديَّ وظيفة مرموقة، وليس لدي شهادة دراسية تؤهلني للعمل بمرتب طيب أعيل به أسرتي على أكمل وجه، ولا مال - أو سيولة = أبدأ به مشروعاً طيِّباً. الخلاصة: الآن وقد زاد الأمر سوءً، ومتطلبات عائلتي زادت، وأشعر بأن الدنيا فوق رأسي، لا أكاد أتحمل وزنها، وأصبح الهمُّ رفيقي، والقلق، والاكتئاب، والإحباط يتناوبون عليَّ، ويتناوبون على زيادة همي، ومع هذا كله قررت أن أعمل بعمل آخر، وأن أبحث عن عمل يغيِّر واقع هذا الزمان: فإني أشعر بأي لحظة قد أفقد زوجتي فهيَ دائماً تحثني على العمل، والبحث عن العمل وهي موظفة، وتجني راتباً طيباً يعادل مرتبي ٣ مرات، وتساعدني بأمور المنزل، بل تصرف على المنزل أكثر مما أصرف أنا فيه، ولكن لا بد أن يكون للرجل كرامته، وعزته بنفسه، أعلم بأنه لا مانع من مساعدة الزوجة زوجها بأمور هذه الدنيا، ولكن الأمر يختلف إن كنت أنا مَن يعيل الأسرة، ويلبي حاجاتها، وبعد فترة من الزمن ذهبتْ زوجتي إلى بيت أسرتها هرباً من فقر زوجها، ولعدم رضاها بهذا الواقع، وأشعر بداخلي أنها على حق، وهي كذلك، وكيف لا تذهب لبيت أسرتها؟ وهي ترى جميع أخواتها الفتيات المتزوجات، ويسكنون بمنزل ملك، ويركبون أفضل السيارات، ويقتنون أفضل الوسائل للراحة، وهي لا تملك ذلك. المهم في الاستشارة: كلما أردت - أو عزمت - على البحث عن عمل أشعر بخوف، ورهبة، من المستقبل، وخوف من الإخفاق، وعدم التوفيق، وذلك - كما ذكرت سابقاً - أني أعتمد منذ السابق على والدي، ولم يسبق لي العمل باستقلالية، بل إن والدي جعلني أعتمد عليه بكل شي، واستخدم هذه النقطة - والله أعلم - لصالحه، والآن وجدت مشروعاً طيِّباً، وبعد السؤال عن هذا المشروع وجدت فيه خيراً كثيراً، ولله الحمد، ولكن أشعر برهبة قوية بداخل أعماقي، وقمت بالاستخارة، واستخرت الله سبحانه علام الغيوب بأمري، وشعرت بالراحة له بنسبة ٥٠ %، والباقي أجد الهم، والحيرة، والخوف، والرهبة من الإخفاق، وكي أوضح لكم الصورة هي أن العمل هو: سيارة نقل، بأن أنقل البضائع، أو السيارات، وكل ما يُحمل، وأوصله إلى المناطق المجاورة، أو لمناطق بعيدة، فالبعض - حتى إخوتي - يعايروني بهذا المهنة، حتى والدي كان من أوائل قائمة المستهزئين بي لهذا العمل، ويقولون: كيف تعمل بمهنة لا يعمل بها إلا العمالة الوافدة؟ إلا أني أجدها مهنه شريفة، أكسب منها رزقي، وأعيل بها أسرتي، وأسأل الله بها التوفيق والسداد، فما رأيكم بها كمهنة؟ وما هو الحل من وجهة نظركم بحالي ووضعي؟ وماذا أفعل وكيف أتصرف؟ وهل أكون عاقّاً لوالدي إذا عملت بعمل آخر بعيداً عنه؟ فإني أخاف الله من ذلك بان أكون عاقّاً له، وأسأل الله أن أكون خير من يبر بوالديه؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
مِن كمال الإيمان: أن يرضى المسلم بما قسم الله له من أمر دنيوي، كرزق، وعمل، ووظيفة ,، ومن تمام شكر النعمة: أن لا ينظر المسلم إلى من فوقه، ومن فضِّل عليه في أمر الدنيا، حتى لا يزدري نعمة الله عليه.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِى الْمَالِ وَالْخَلْقِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ) .
رواه البخاري (٦١٢٥) ومسلم (٢٩٦٣) .
وفي لفظ: (انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) .
رواه البخاري (٦٤٩٠) ومسلم (٢٩٦٣)
ولا يعني ذلك أن يستسلم لأمره الواقع إن كان لا يرضاه، أو يمكنه تحصيل ما هو خير منه لدينه ودنياه، بل عليه أن يدفع قدر الله بقدر الله، فيبحث عن وسائل سعة الرزق، ويدفع الفقر بأسباب الغنى، من عمل، وتجارة، ووظيفة.
ثانياً:
برُّ الوالدين حسنة عظيمة , وقربة جليلة، ينال بها العبد رضى الله، وتوفيقه في الدنيا والآخرة , ويصرف الله بها عن العبد من البلاء، والشرور، والرزايا، والبلايا، ما الله به عليم , ولذلك عظم الله حق الوالد، ففي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدًا إِلَاّ أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ) .
رواه مسلم (١٥١٠) .
قال النووي ﵀:
أي: لا يكافئه، بإحسانه، وقضاء حقه، إلا أن يعتقه.
" شرح مسلم " (١٠ / ١٥٣) .
وليس من العقوق أن تخرج من العمل من عند والدك لتبحث عن عمل أفضل، ووظيفة أحسن؛ ما دمت تحسن إلى والدك، ولا تقصر تجاهه , خاصة إذا كانت أسرتك بحاجة إلى ذلك، وكان العمل الآخر أصلح لك وأنفع. ولعل بحثك عن وظيفة يغير من اتجاه الوالد نحوك؛ فيشعر بحاجته إليك، فيزيد في راتبك، ويحسِّن من وضعك المعيشي.
ثالثاً:
الخوف من المستقبل: من علامة ضعف التوكل على الله تعالى , والمؤمن قوي الإيمان لا يعطي من عمره وقتاً ليحمل هموم ما يأتي في غد، وليس يعني هذا عدم الأخذ بالأسباب لبناء مستقبل مريح، فقد كان النبي صلى الله عليه يدَّخر أحياناً قوت سنَة لأهله، وإنما أردنا أن يتحلى المؤمن بقوى الإيمان ليدفع عن نفسه وقلبه الخوف، والقلق، مما يأتيه في المستقبل.
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الْمُؤْمِنُ الْقَوِىُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِى كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجزْ وَإِنْ أَصَابَكَ شَيءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّى فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا. وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ) .
رواه مسلم (٢٦٦٤) .
فالمؤمن قي بتوكله، وقوي باستعانته بالله تعالى خالقه , وما يشعر به المسلم من ضعف، أو خوف: إنما هو من وسوسة الشيطان، وتثبيطه له , والواجب على المؤمن دفع هذه الوسوسة بدعائه، واستعانته بالله، وحسن توكله عليه.
فاستخر الله تعالى في العمل الذي ترغب بالالتحاق به , فإن انشرح صدرك، وتيسر أمر ذلك العمل: فأقدم، ولا تتردد، واستعن بالله تعالى.
وانظر جواب السؤال رقم: (٢٠٠٨٨) .
رابعاً:
العمل كسائق في نقل البضائع ليس من المهن الدنيئة , وليس عيباً على الرجل العمل بها , وإن اختص بها الوافدون في بلدكم؛ فالرعي يستنكف عنها كثير من الناس , وقد عمل بها الأنبياء والمرسلون، ففي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَاّ رَعَى الْغَنَمَ) ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: (نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ) .
رواه البخاري (٢١٤٣) .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - أيضاً - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (كَانَ زَكَرِيَّاءُ نَجَّاراً) .
رواه مسلم (٢٣٧٩) .
وقد أخبر الله تعالى عن داود ﵇ أنه كان يعمل في صنع الدروع للمحاربين، وأن هذا من تعليم الله له، قال تعالى: (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ) الأنبياء/ ٨٠.
بل لعل ما تنوي العمل به أن يكون من أفضل المكاسب؛ لأنها كسب من عمل يدك , وفي الحديث عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنِ الْمِقْدَامِ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَاماً قَطُّ خَيْراً مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ ﵇ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ) .
رواه البخاري (١٩٦٦) .
فالنصيحة لك أخي الفاضل:
أ. أن تحاول أن تكلِّم والدك بالحسنى، والكلمة الطيبة، أن يرفع راتبك , وأن يحسن وضعك، ما دمت تؤدي الذي عليك، ولا تقصر فيه , وأن تلجأ إلى الله تعالى أن يشرح صدره ويهديه لذلك،
فإن لم يستجب لذلك، ووجدت أن ما تتقاضاه لا يكفيك: فلا بأس أن تعمل بأي عمل آخر، كسائق، أو غير ذلك؛ لتحسين وضعك المعيشي، وليس هذا من العقوق , ولا تستنكف عن العمل كسائق ما دام العمل لا يدخل فيه حرام، أو شبهة , فأكل المرء من عمل يده من أطيب الكسب، وأفضله، وإن وجدت عملاً أنسب لك، ويوافق عليه والدك وإخوتك: فنرى أن تلتحق به، وأن يكون هو اختيارك؛ لتجمع بين العمل، ورضى أهلك عنك، فمن الممكن أن يسبب لك العمل سائقاً إحراجاً بين أولادك، وأقربائك، وقد لا تستطيع دفعه، فتتعقد أمورك النفسية، أما من حيث الجواز الشرعي: فهو جائز، وهو ليس معيباً بحد ذاته، ولا هو بمهنة دنيئة، لكن نرى أن مراعاة رضى أهلك، وعرف المكان الذي تعيش فيه أمرا مهما، وأنت لا تريد مخالفتهم، بل تريد عملاً تقتات منه، ويحسِّن من وضعك، فابحث عن عمل يتناسب مع بيئتك، ولك أن تتملك سيارات نقل - لا سيارة واحدة - وتستأجر أجراء ليقوموا عليها، ويكون دخلها محسِّناً لوضعك، دون الحاجة لأن تباشر سياقتها بنفسك.
وإن أمكنك أن تستفيد من خبرتك في العمل مع والدك، وأن تعمل بالتجارة: فلعل هذا أن يكون أنسب لك.
ب. ادفع خوفك من المستقبل بحسن توكلك، وإقبالك على الله تعالى، وأكثر من التضرع، والالتجاء إليه، فهو حسبك، وكافيك.
ونسأل الله أن يعافيك وأن يوسع لك في الرزق , ويصرف عنك الخوف , وأن يوفقك لما يحبه ويرضاه , وأن يشرح صدر والدك لتحسين وضعك.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10797
هل ننصحها بالتزوج ممن ابتلاه الله بالعرج والوسواس القهري ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا فتاة، أبلغ من العمر ٢٥ سنة، مخطوبة منذ سنة لشاب تقدم إليَّ يكبرني بسنة، يعمل مهندس برمجة، مشكلتي منقسمة إلي جزئين: الأول: أن هذا الشاب لديه عيب خلقي وراثيّاً في قدمه – يعرج - إلا أن العرجة قوية، في بداية أن تقدم لي لم أبالِ اهتماما لهذا العيب، وبدأت أشعر الآن أن هذا العيب يؤثر على علاقتي به، وإقبالي عليه، إلا أن إقباله عليَّ يزيد يوماً بعد يوم، وارتباطه بي يزيد، وهو شاب متدين، ويتقي الله في عمله، ويخاف الله، ويحاول أن يعدل في كثير من الأمور، ولا يظلم أحداً، مع أن خبرته في الحياة قليلة؛ نتيجة لإحاطة والديه به؛ لما يعانيه من إعاقة، إلا أنه يحاول أن يغير من نفسه، ويراجع تصرفاته باستمرار، حتى إنه أحيانا يسألني: " هل رديت صح " أو " الكلام كان مضبوطا هكذا؟ ". أما الجزء الثاني من قصتي: أن هذا الشاب بعد الخطوبة قال لي: إنه يعاني من " الوسواس القهري "، خصوصاً في الوضوء، والطهارة، حتي إنه يصل أن يتوضأ في ٢٠ دقيقة، ويعاني من نوبات اكتئاب، وأحياناً عندما تنتابه هذه النوبات يكون كارهاً لحياته، ويرى أنه لا فائدة منه، وما أن تزول هذه النوبات: يعود كما كان، وأحيانا يلجأ لدواء الاكتئاب، ولكنه لم يأخذها من حوالي سنة. ولكن لديه جوانب إيجابية، منها: أنه طيب، وكريم، وعادل، ولا يحب الظلم، ومتدين، وأظن أنه يتقي الله فيَّ، ولديه قدره على الاستماع لآراء الآخرين، ومن الممكن أن يقتنع ما دام تقدم إليه الدلائل، ولكن شخصيته ليست ضعيفة، وصريح جدّاً، ومن عائلة محترمة جدّاً، إلا أنه يريد بعد الزواج أن يرد كل الأموال التي يعطيها له والده في الزواج؛ لأنه يشك فيها؛ لأنها أموال موضوعة في البنوك، ونحن الآن نبدأ الإعداد للزواج. أنا الآن لا أعرف هل اختياري هذا صحيح أم لا؟ وهل أستطيع أن أكمل هذه الحياة معه، وأن أتواصل مع من حولي دون أن تؤثر عليَّ نفسيّاً؟ . أنا أنظر للموضوع من جانبين: جانب ديني، وآخر دنيوي، الجانب الديني: هو أني أريد أحداً يتقي الله فيَّ، وأريد أن أساعده في حياته، خصوصا أنه يقول لي: إنه تغيَّر كثيراً من وقت أن عرفني، أما الجانب الدنيوي: هو أني أعيش حياة مع أحد لا أخجل منه، مع العلم أنه يحبني جدّاً، وأنا أول فتاة يرتبط بها، ودائماً يقول لي: إنه مرَّ بأشياء نفسية كثيرة، سواء من زملائه في الفصل - وكانوا لا يرضون أن يلعبوا معه – أو غيرهم، وبالتالي كان ليس له أصدقاء، وحتي الآن ليس له إلا صديق واحد، وهو ابن عمه، ولديه استعداد على أن يتعرف على أزواج صديقاتي، ويكوِّن معهم صداقات، ويتعامل مع من حوله في العمل بشكل جيِّد، وبدأ أن ينضبط، وحياته معتمدة، ومتعلقة بي جدّاً، وعلى فكرة: هو أول شاب في حياتي، ولم أكلم شباباً قبل هذا، ولم تكن لي علاقة بأحد من قبل. بالله عليكم أفيدوني.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أما بخصوص النصح بالتزوج من ذلك الشاب، أو عدمه: فالأمر يرجع إليك لتقرري أنت ذلك، فأنت على علم كامل بحاله، وواقعه، والأمر يعود إليك في قدرتك على تحمل تبعات مرضه، وتصرفاته، أم لا، ووصفك الدقيق لحاله، وواقع أمره: يجعل الأمر واضحاً جليّاً بالنسبة لك، فالقرار في ذلك لك.
ولكننا هنا ننبه على أمرين اثنين:
أولاً:
أما " العرج " الذي ابتلاه الله به: فأمره هيِّن، وليس أمراً يستحق الالتفات إليه، خاصة مع توفر صفات طيبة في ذلك الرجل، وقد ابتلي كثير من السلف بالعرج، وكانوا أئمة، وفقهاء، وزهَّاداً، بل ومجاهدين! ولم ينقصهم ذلك العيب عند الله، ولا عند الناس.
ومن هؤلاء:
١. الصحابي عمرو بن الجموح الأنصاري.
وكان أعرج، شديد العرج، وقُتل " يوم أحُد ".
٢. يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي، من أهل المدينة، يروي عن الزهري، وروى عنه: مالك، والليث بن سعد، وابن عيينة، مات سنة تسع وثلاثين ومائة، كنيته أبو عبد الله.
" الثقات " لابن حبان (٧ / ٦١٧) .
٣. علقمة بن قيس بن عبد الله.
قال الذهبي ﵀:
فقيه العراق، الإمام، أبو شبل، النخعي، الكوفي.
كان فقيهاً، إماماً، بارعاً، طيب الصوت بالقرآن، ثبتاً فيما ينقل، صاحب ير، وورع، كان يشبه ابنَ مسعود في هديه، ودلِّه، وسمته، وفضله، وكان أعرج.
" تذكرة الحفاظ للذهبي " (١ / ٣٩) .
٤. القائد موسى بن نصير أبو عبد الرحمن.
قال ابن عساكر ﵀:
وهو صاحب فتوح الأندلس، وكان أعرج.
" تاريخ دمشق " (٦١ / ٢١٢) .
وقال الذهبي ﵀:
وكان أعرج مهيباً، ذا رأي وحزم.
" سير أعلام النبلاء " (٤ / ٤٩٧) .
وغيرهم كثير، كثير، من أهل العلم، والطاعة، والزهد، والقيادة، والجهاد.
ومع ذلك.. فإذا رأيت أن هذا العرج قد يؤثر على العلاقة بينكما، فالأمر في ذلك إليك، ولا حرج عليك من فسخ الخطبة.
ثانياً:
أما ما يتعلق بمرض (الوسواس القهري) فهذا المرض قد يتطور، ويزداد فينتقل من الطهارة إلى الصلاة، فالزواج، فالعقيدة، وهو أخطرها عليه، وهو مما قد يسبب لكما نكداً في حياتكما، فلا تهنآ بزواج، ولا استقرار.
وقد ذكرنا في جواب السؤال رقم: (٩٦٢٧٣) أن الوسواس القهري قد يؤثر على الحياة الزوجية، فلا تقام على أصولها، وبذلك يكون من العيوب المنفرة.
والوسواس القهري علاجه بالذِّكر، والطاعة، وإغفال الوسوسة، وإهمالها، وتحتاج بعض الحالات إلى مراجعة الطبيب النفسي.
وينظر جواب السؤال رقم (٣٩٦٨٤) و (٤١٠٢٧) لمزيد فائدة.
وبناء على هذا، فنقترح عليك الطلب منه أن يبدأ فوراً بعلاج نفسه، وأن تقفي معه بالتشجيع، والمتابعة لحاله، وأن يتم تأخير الدخول حتى ينتهي من آثاره السيئة، بفضل الله، ورحمته.
وننبه أخيراً إلى أن الخاطب أجنبي عن مخطوبته فلا يجوز له الخلوة بها ولا مصافحتها، ولا يجوز لها أن تضع حجابها أمامه.
وإذا احتاجت أن تجلس معه فيجب أن يكون معهما أحد محارمها.
ونسأل الله تعالى لك التوفيق إلى ما فيه خيرك وسعادتك في الدنيا والآخرة.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10798
توجيه قوله تعالى: (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا بفضل الله أؤمن بالقرآن وأؤمن أنه لا تعارض بين نصوص القرآن أو بين نصوص السنة بعضها ببعض كما هو معتقد أهل السنة والجماعة وأن ما يحدث للإنسان من اشتباه وتعارض إنما يكون عن قصر فهم أو علم أو قلة بحث وكنت أود أن لو عرضت عليكم شبهتي لكي يزول ما في صدري من اشتباه.. والسؤال كيف أجمع بين قول الله تعالى: (وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) وبين الواقع حيث إننا نشاهد كثيراً من الرجال تزوجوا وهم فقراء وماتوا فقراء وقد وعدهم الله بالغنى.. فهل معنى الغنى في الآية هو غنى النفس بحيث يمتلىء صدره بالرضا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ذهب كثير من المفسرين إلى أن هذه الآية الكريمة: (وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) النور/٣٢، وعدٌ من الله تعالى للفقراء بالغنى إن أرادوا النكاح.
قال ابن عباس ﵄: أمر الله سبحانه بالنكاح، ورغَّبهم فيه، وأمرهم أن يزوّجوا أحرارهم وعبيدهم، ووعدهم في ذلك الغنى.
وعن ابن مسعود: التمسوا الغنى في النكاح، يقول الله تعالى: (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) .
"تفسير الطبري" (١٩/١٦٦) .
وقال ابن كثير ﵀:
"وقد زوَّج رسول الله ﷺ ذلك الرجل الذي لم يجد إلا إزاره، ولم يقدر على خاتم من حديد، ومع هذا فزوّجه بتلك المرأة، وجعل صداقها عليه أن يعلمها ما يحفظه من القرآن.
والمعهود من كرم الله تعالى ولطفه أن يرزقه وإياها ما فيه كفاية له ولها" انتهى.
"تفسير ابن كثير" (٦/٥١-٥٢) .
وقال ابن عاشور ﵀:
" وعد الله المتزوج من هؤلاء إن كان فقيرا أن يغنيه الله، وإغناؤه تيسير الغنى إليه إن كان حرا، وتوسعة المال على مولاه إن كان عبدا" انتهى.
"التحرير والتنوير" (ص ٢٩٠١) .
وقال السعدي ﵀:
"فلا يمنعكم ما تتوهمون من أنه إذا تزوج افتقر بسبب كثرة العائلة ونحوه، وفيه حث على التزوج، ووعد للمتزوج بالغنى بعد الفقر" انتهى.
"تفسير السعدي" (ص ٥٦٧) .
ويؤيد ذلك: ما رواه الترمذي (١٦٥٥) عنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ: الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الْأَدَاءَ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ) . وحسنه الألباني في "صحيح الترمذي".
ولا شك أن كثيراً ممن تزوجوا لم يحصل لهم الغنى بالمال، وماتوا وهم فقراء، وقد ذكر العلماء ﵏ أوجهاً كثيرة للجمع بين هذا الواقع، وبين هذه الآية الكريمة: (وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) النور/٣٢، منها:
١- أنه ليس المقصود بالغنى في الآية الغنى بالمال، وإنما المراد غنى النفس، وهو القناعة، وهذا الغنى أفضل من غنى المال، لقول النبي ﷺ : (لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ) رواه البخاري (٦٤٤٦) .
قال السمرقندي:
"والغنى على وجهين: غني بالمال وهو أضعف الحالين، وغنى بالقناعة وهو أقوى الحالين" انتهى.
"بحر العلوم" (٣/٢١٤) .
وانظر: تفسير القرطبي (١٢/٢٤١، ٢٤٢) .
٢- أنه ليس المقصود بالفقر والغنى في الآية المال، وإنما المراد أن من أراد أن يتزوج ليعف نفسه وهو محتاج إلى ذلك، فإن الله تعالى ييسر له النكاح الحلال ليستغن به عن الزنا.
قال القرطبي: "وقيل: المعنى: إن يكونوا فقراء إلى النكاح يغنهم الله بالحلال ليتعففوا عن الزنا " انتهى.
"تفسير القرطبي" (١٢/٢٤١، ٢٤٢) .
٣- أن هذه الآية الكريمة: (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) مقيدة بمشيئة الله تعالى، فمن شاء الله أن يغنيه أغناه، ومن شاء ألا يغنيه لم يغنه، وتقييد ذلك بمشيئة الله وإن لم يذكر في الآية الكريمة، إلا أنه معلوم، وقد ذُكر مثله في آيات أخرى، كقوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ) التوبة/٢٨، وقوله تعالى: (يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ) الرعد/٢٦، وقوله: (فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ) الأنعام/٤١.
قال الشوكاني:
" قال الزجاج: حث الله على النكاح وأعلم أنه سبب لنفي الفقر، ولا يلزم أن يكون هذا حاصلا لكل فقير إذا تزوج؛ فإن ذلك مقيد بالمشيئة، وقد يوجد في الخارج كثير من الفقراء لا يحصل لهم الغنى إذا تزوجوا. وقيل المعنى: إنه يغنيه بغنى النفس، وقيل المعنى: إن يكونوا فقراء إلى النكاح يغنهم الله من فضله بالحلال ليتعففوا عن الزنا. والوجه الأول أولى ويدل عليه قوله سبحانه: (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء) فيحمل المطلق هنا على المقيد هناك " انتهى.
فتح القدير - (ج ٤ / ص ٤١) .
وانظر: "تفسير القرطبي" (١٢/٢٤١ – ٢٤٢) ، و "تفسير البيضاوي" (ص ١٨٤) .
٤- أنه سواء كان المقصود الغنى بالمال، أو غنى النفس بالقناعة، فليس في الآية أن هذا الغنى يكون مستمراً في جميع الأوقات، بل متى حصل هذا الغنى ولو وقتاً يسيراً فقد تحقق الوعد المذكور في الآية الكريمة.
قال القرطبي:
"فإن قيل: فقد نجد الناكح لا يستغنى، قلنا: لا يلزم أن يكون هذا على الدوام، بل لو كان في لحظة واحدة لصدق الوعد" انتهى.
"تفسير القرطبي" (١٢/٢٤١ – ٢٤٢) وانظر: "أحكام القرآن" (٦/٨٤) .
٥- ما ذهب إليه ابن القيم ﵀: أن هذه الآية: (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) ليست وعداً بالغنى لكل أحد تزوج، وإنما هي وعد لمن ذكروا في الآية فقط، وهم: الأيامى أي: النساء، والعبيد والإماء، فهؤلاء هم الذين يحصل لهم الغنى، أما النساء والإماء فيحصل لهن الغنى بنفقة أزواجهن عليهن، وأما العبد فيغنيه الله إما بالعمل والكسب، وإما بإنفاق سيده عليه.
فقال ﵀:
" فإن قيل: فقد قال الله تعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله) وقال في الآية الأخرى: (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله) فأمرهم بالاستعفاف إلى وقت الغنى وأمر بتزويج أولئك مع الفقر وأخبر أنه تعالى يغنيهم، فما محمل كل من الآيتين؟
فالجواب: أن قوله: (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله) في حق الأحرار، أمرهم الله تعالى أن يستعفوا حتى يغنيهم الله من فضله؛ فإنهم إن تزوجوا مع الفقر التزموا حقوقا لم يقدروا عليها وليس لهم من يقوم بها عنهم. وأما قوله: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم) فإنه سبحانه أمرهم فيها أن يُنكحوا الأيامى وهن النساء اللواتي لا أزواج لهن، هذا هو المشهور من لفظ الأيم عند الإطلاق وإن استعمل في حق الرجل بالتقييد، مع أن العزب عند الإطلاق للرجل , وإن استعمل في حق المرأة، ثم أمرهم سبحانه أن يزوجوا عبيدهم وإماءهم إذا صلحوا للنكاح. فالآية الأولى في حكم تزوجهم لأنفسهم , والثانية في حكم تزويجهم لغيرهم. وقوله في هذا القسم: (إن يكونوا فقراء) يعم الأنواع الثلاثة التي ذكرت فيه، فإن الأيم تستغني بنفقة زوجها وكذلك الأمة، وأما العبد فإنه لما كان لا مال له وكان ماله لسيده فهو فقير ما دام رقيقا، فلا يمكن أن يجعل لنكاحه غاية وهي غناه ما دام عبدا , بل غناه إنما يكون إذا عتق واستغنى بهذا العتق، والحاجة تدعوه إلى النكاح في الرق، فأمر سبحانه بإنكاحه وأخبر أنه يغنيه من فضله: إما بكسبه وإما بإنفاق سيده عليه وعلى امرأته، فلم يمكن أن ينتظر بنكاحه الغنى الذي ينتظر بنكاح الحر، والله أعلم" انتهى.
"روضة المحبين" (ص ٣١٧-٣١٨) .
وبهذا يتبين أنه ليس هناك تعارض بين هذه الآية الكريمة وبين الواقع من كون بعض الناس يتزوج ولا يحصل له الغنى.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10799
يجوز للمسلمة أن تظهر أمام الكافرة بلا حجاب
[السُّؤَالُ]
ـ[قلت بأن الكافرات يجوز لهن أن ينظرن إلى المسلمة بدون حجاب , وأنا لست مقتنعة بعد لأنك ذكرت حديثا واحدا أن عائشة ﵂ ظهرت أمام يهودية. أرجو أن تتوسع في توضيح الموضوع حيث إن أقاربي بحكم الزوجية هم من الكفار.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا بأس بنظر المرأة إلى الرجال، ولذلك لا يُأمر الرجال مسلمين أو كفار أن يتلثموا أو يستروا وجوههم، فالمرأة مأمورة بالتستر والرجل ليس كذلك، وكذلك لا مانع من نظر المرأة إلى المرأة إذا كانت إحداهما كافرة، وذلك لأن منع النظر إنما هو خشية ثوران الشهوة، ومعلوم أن المرأة لا يكون منها شهوة إذا نظرت إلى امرأة مثلها.
وأما قوله تعالى: (لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلا أَبْنَائِهِنَّ وَلا إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلا نِسَائِهِنَّ) فكلمة نسائهن ليس خاصا بالمؤمنات بل يعمّ الكافرات، فالمرأة إذا نظرت إلى امرأة كافرة لم يحصل مفسدة، فلا مانع من نظرها إلى غير المسلمة، سيما إذا كانت تحتاج إلى مجالستها، كأن تكون معلمة أو طبيبة وغيرها، فمن المشقة أن تحتجب عنها أو أن تصرف نظرها عنها.
[الْمَصْدَرُ]
سماحة الشيخ عبد الله بن جبرين رحمه الله
стр. 10800
نصيحة للزوجين المتنازعين على مصاريف البيت
[السُّؤَالُ]
ـ[تقول السائلة: إنها معلمة بالمملكة منذ سنوات وتزوجت وجاء زوجها معها بدلاً من أخيها الذي كان يرافقها أولاً، ورزقنا الله طفلاً والحمد لله وبدأ زوجي في البحث عن عمل يناسب مؤهله العلمي ولكن لم يوفق، وأخيراً عمل بإحدى المحلات الموجودة في المنطقة الشرقية التي نعيش فيها، وبدأ الخلاف على مصاريف البيت. فهل علي أن أتحمل في مصاريف البيت؛ حيث يقول زوجي: إذا لم تدفعي في مصاريف البيت فلا عمل لك مطلقاً؟ وهل لزوجي حق في مرتبي الذي أتقاضاه مقابل عملي؟ وإذا كان علي أن أتحمل في مصاريف البيت فما النسبة بيني وبين زوجي؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"هذه المسألة وهي مصاريف البيت بين الزوج والزوجة اللذين تغربا للعمل وطلب الرزق ينبغي فيها المصالحة بينهما وعدم النزاع، أما من حيث الواجب فهذا يختلف وفيه تفصيل، إن كان الزوج قد شرط عليك أن المصاريف بينك وبينه وإلا لم يسمح لك بالعمل فالمسلمون على شروطهم، يقول النبي ﷺ : (الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا) ، ويقول ﷺ : (إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوَفَّى بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ) ، فأنتما على شروطكما إن كان بينكما شروط.
أما إذا لم يكن بينكما شروط فالمصاريف كلها على الزوج، وليس على الزوجة مصاريف في البيت، وهو الذي ينفق قال الله جل وعلا: (لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ) الطلاق/٧، وقال ﷺ : (وَعَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) ، فالنفقة على الزوج؛ هو الذي يقوم بحاجات البيت وشئون البيت له ولزوجته وأولاده ومعاشها لها وراتبها لها؛ لأنه في مقابل عملها وتعبها وقد دخل على هذا ولم يشترط علها أن المصاريف عليها أو نصفها أو نحو ذلك، أما إن كان دخل على شيء فمثل ما تقدم: المسلمون على شروطهم، وإذا كان قد دخل على أنك مدرسة وعلى أنك تعملين ورضي بذلك فيلزمه الخضوع لهذا الأمر وألا ينازع في شيء من ذلك وأن يكون راتبك لك إلا إذا سمحت بشيء من الراتب عن طيب نفس، فالله جل وعلا يقول: (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً) النساء/٤.
وينبغي لك أن تسمحي ببعض الشيء، وأنا أنصح لك أن تسمحي ببعض الراتب لزوجك تطيباً لنفسه وحلاً للنزاع وإزالة للإشكال حتى تعيشا في هدوء وراحة وطمأنينة فاتفقا على شيء بينكما كنصف الراتب أو ثلثه أو ربعه ونحو ذلك حتى تزول المشاكل وحتى يحل الوئام والراحة والطمأنينة محل النزاع.
أما إذا لم يتيسر ذلك فلا مانع إلى التحاكم إلى المحكمة ورفع القضية إلى المحكمة في البلد التي أنتما فيها وفيما تراه المحكمة الشرعية الكفاية إن شاء الله.
ولكن نصيحتي لكما جميعاً هو الصلح وعدم النزاع وعدم الترافع إلى المحكمة وأن ترضي أيتها الزوجة بشيء من المال لزوجك حتى يزول الإشكال أو يسمح هو ويرضى بما قسم الله له ويقوم بالنفقة حسب طاقته ويسمح عن راتبك كله ويترفع عن ذلك، هذا الذي ينبغي بينكما، ولكني أنصح وأكرر أن تسمحي أنت ببعض الراتب حتى تطيب نفسه وحتى تتعاونا على الخير بينكما فالبيت بيتكما والأولاد أولادكما والشيء لكما، فالذي ينبغي التسامح منك ببعض الشيء حتى يزول الإشكال. وفق الله الجميع" انتهى.
[الْمَصْدَرُ]
سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀
"فتاوى نور على الدرب" (٣/١٦١٥) .
стр. 10801
منع الحمل بسبب قلة الدخل
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز استعمال مانع الحمل بسبب قلة دخلي المالي الذي لا يفي بحاجتنا المعيشية، إضافة إلى سوء صحتي وما أصاب به من الإرهاق والعسر؟ علماً بأنني أخشى أن يتضاعف ذلك حينما يكثر الأولاد.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"لا يجوز تعاطي ما يمنع الحمل من أجل خوف ضيق المعيشة؛ فالله هو الرزاق ، وهذا يشبه أحوال أهل الجاهلية الذين كانوا يقتلون الأولاد خشية الفقر، بل يجب حسن الظن بالله والاعتماد عليه .
فهو الرزاق العظيم جل وعلا، وهو القائل : (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَاّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) هود/٦، فالواجب حسن الظن بالله من الزوج والزوجة وألا يتعاطوا منع الحمل.
أما إذا كان مانع الحمل لأمر آخر لمرض الأم أو لكونه يضر بصحتها أو رحمها أو يُخشى عليهما منه أو لأن الأولاد تكاثروا؛ لأنها تحمل هذا على هذا من دون فاصل فأرادت أن تتعاطى المانع لمدة يسيرة كسنة أو سنتين حتى لا يشق عليها تربية الأولاد وحتى لا تعجز عن ذلك فلا بأس لمصلحة الأولاد، لا لسوء الظن بالله ، أو لمضرتها هي وعجزها هي، أما ما يتعلق بالرزق فالرزاق هو الله سواء كنت مريضاً أو صحيحاً، فالله هو الذي يرزقكم ، وبيده تصريف الأمور جل وعلا، فعليك حسن الظن بالله وعليك الثقة بالله، والله ذو القوة المتين جل وعلا" انتهى.
[الْمَصْدَرُ]
سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀
"فتاوى نور على الدرب" (٣/١٦٢٦) .
стр. 10802
هل تتزوج برجل من غير توثيق العقد رسميّاً ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا سيدة مغربية، أرملة، وأم لطفلين، أستفتي حضرتكم في مسألة الزواج، حيث استعسر عليَّ الزواج بشخص متزوج عن طريق القانون المغربي؛ حيث يستوجب موافقة الزوجة، التي اشترطت الطلاق في حالة إذا ما فكَّر الزوج في التعدد، فلتفادي زعزعة البيت الأول، ولتفادي تعريض الأبناء لأي انعكاس سلبي بسبب الطلاق، ولأننا حريصون على إنشاء علاقة أساسها العفة، والتكافل: فكَّرنا في الزواج بالطريقة الشرعية، بعقد عرفي، يستوفي شروط صحة الزواج في الإسلام، وهي الشهود، والولي، والمهر، والإيجاب والقبول – طبعاً -، لكن أبي لن يقبل بهذه الصيغة، مع أنها شرعية، والصيغة القانونية مستحيلة. فكرت أن أقيم وليمة، بحضور الأب والأهل، وأُشهر الزواج، دون أن أخبر أبي بالصيغة التي سيتم بها الزواج؛ وذلك بأن أدَّعي أن الإجراءات تمت في المحكمة، مع أنها عكس ذلك، ستتم عند عدول، وشهود؛ وذلك تفادياً لأي رفض يمكن أن يأتي من قبَله، فهل يكون الزواج صحيحاً؟ علماً أن العريس خطبني من أبي، وأبي وافق على الزواج، وبقي الاختلاف فقط في الصيغة. أرجو أن تفتوني بما ييسر زواجي من هذا الشخص؛ لأني أراه نعم المعين لي على تربية أبنائي، فكل المشاكل التي واجهتنا كانت نتيجة حرصه على رعايتي أنا وأبنائي، دون أن يؤثر ذلك على استقرار أسرته، خصوصاً أن زوجته لا تناقش فكرة التعدد، وتهدد بطلب الطلاق، وأي مبادرة للزواج القانوني سيتم إخبارها قانونيّاً، وينهار استقرار الأسرة، وأي إخبار لأبي بأن الزواج ليس قانونيّاً بل فقط شرعي: سيحرمني من إنسان لمست فيه الأخلاق الحسنة، وتوسمت فيه الخير.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً: سبق في جواب السؤال رقم (١٣٣١٤٤) و (٩٨٣٥٤) الكلام على هذه القوانين التي تمنع تعدد الزوجات أو تضيقه، وتشترط شروطاً مخالفة لكتاب الله تعالى.
وتوجهنا بالنصيحة للحكام الذين غيَّروا أحكام الله وبدَّلوها.
وكذلك للزوجة التي يريد زوجها أن يتزوج عليها، والزوج الذي يريد أن يعدد.
فراجعيه فهو مهم.
ثانياً:
الزواج الشرعي هو ما كان متحققاً فيه أركانه وشروطه الشرعية، مع خلوه من الموانع التي تمنع انعقاده، فإذا كان هناك إيجاب من ولي المرأة، وقبول من الرجل، وكان ذلك بحضور شهود يشهدون العقد، أو كان العقد معلَناً عنه: كان زواجاً شرعيَّاً، إذا خلا من الموانع، ولا يٌشترط في العقد الشرعي حتى يكون صحيحاً أن يوثق في المحاكم الشرعية، أو الأوراق الرسمية.
وليس الأمر بهذه السهولة في واقعنا المعاصر حتى نقول إنه يكفي أن يُجرى العقد من غير توثيق، بل حصل من التعقيدات في الحياة، ووُجد من فساد الذمم: ما احتيج معه إلى إيجاب توثيق العقود الزوجية؛ لما يترتب على ذلك من مصالح عظيمة، من إثبات النسب، والمهر، والميراث، ودفع التهمة عن الزوجة بعلاقتها مع رجل، وحملها منه، وهذا ما يدفعنا للتوكيد على ضرورة توثيق العقود الزوجية.
قال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:
"إذا تمَّ القبول والإيجاب، مع بقية شروط النكاح، وانتفاء موانعه: صح، وإذا كان تقييده قانوناً يتوقف عليه ما للطرفين من المصالح الشرعية الحاضرة، والمستقبلة، للنكاح: وجب ذلك" انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٨/٨٧) .
وعليه، فإتمام العقد بالصورة التي تذكرينها ـ وإن كان العقد صحيحاً شرعاً ـ إلا أن فيه مجازفة، لأنه إذا حصل ورزقك الله بولد من هذا الزوج، فكيف سيتم تسجيله وإثبات نسبه؟ ثم اعلمي أن المحذور الذي تخافين منه بإثبات النكاح في الأوراق الرسمية، وهو طلب الزوجة الأولى الطلاق، لن يتم تفاديه، لأنه لا يمكن للرجل أن يخفي زواجه الثاني ويجعله سراً مدى الحياة.
فإذا علمت الزوجة الأولى بذلك ـ ولم تستطع طلب الطلاق رسمياً، لعدم إثبات الزواج الثاني ـ فإنها ستطلب الطلاق من زوجها، وتقع بينهما مشاكل، وتفسد العلاقة بينهما، حتى وإن لم يحصل طلاق.
فماذا سيفعل الزوج في هذه الحالة؟
نخشى أن يكون الحل هو طلاقك.
ولهذا نرى أن تصبري حتى يجعل الله لك مخرجا (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) الطلاق/٢، ٣.
وليحاول هذا الزوج إقناع زوجته الأولى بالموافقة، وأنه ليس من حقها شرعاً أن تطلب الطلاق من أجل أنه قد تزوج عليها.
ونسأل الله تعالى أن ييسر لك أمرك.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10803
هل يلزمها تنفيذ وصية أبيها بأن تتزوج بابن عمتها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ترك والدي ﵀ وصية فحواها أن يعقد قراني لابن عمتي ولم يسألني والدي قبل مماته عن رأيي في هذا الشخص؛ إذ إن المرض ومن ثم الوفاة حالت دون معرفته رأيي. أما الشخص المعني فقد صارحته حين فتح معي الموضوع بأنني لا أكن له سوى مشاعر الإخوة والقربى. هل أكون مخالفة للشرع؟ أو هل من عقوق إذا لم أتزوج هذا الرجل؟ علما بأن قلبي يميل لقريب آخر يحترمني ويكن لي كل المودة والتقدير.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"لا يلزمك تنفيذ الوصية المذكورة؛ لقول النبي ﷺ : (لا تنكح البكر حتى تستأذن) , وفي لفظ آخر: (والبكر يستأذنها أبوها وإذنها صماتها) , ونوصيك باستخارة الله سبحانه، ومشاورة من تطمئنين إليه من أقاربك أو غيرهم من العارفين بأحوال الشخصين، يسر الله لك كل خير" انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (٢٠/١٠١) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10804
اضطرب الحيض بسبب حبوب منع الحمل
[السُّؤَالُ]
ـ[أستخدم حبوب تحديد النسل بسبب بعض المشاكل الطبية عندي، وقد نسيت أخذ بعض تلك الحبوب والآن أنا أعاني من النزيف. أنا أصلي يومين من الأيام التي أعاني من ذلك النزيف , إلا أنني أشعر بالإثم. فما هو الرأي الصحيح في هذا الأمر؟ أرجو الأخذ بعين الاعتبار أن أخذ تلك الحبوب بسبب مشاكل طبية , وزوجي أيضا على علم تام بهذا الأمر , فإما آخذ تلك الحبوب أو أن أواجه مشاكل صحية. جزاكم الله خيرا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا ينبغي للمرأة أن تستخدم حبوب منع الحمل إلا بشرطين:
الشرط الأول: أن تكون في حاجة لذلك؛ مثل أن تكون مريضة أو ضعيفة، والحمل يزيد من مرضها أو ضعفها.
والشرط الثاني: أن يأذن لها الزوج؛ لأن للزوج حقاً في الإنجاب.
ثم لابد مع ذلك من مشاورة الطبيب الثقة في استخدام هذه الحبوب، ومدى ملاءمتها لحالتها الصحية، وهل لها أضرار مستقبلية عليها أو لا؟
وقد سبق في جواب السؤال رقم (٢١١٦٩) نقل ذلك عن الشيخ محمد بن عثيمين ﵀.
ثانياً:
أما حكم هذا النزيف، وحكم الصلاة والصيام فيه، فمن المعلوم أن تناول هذه الحبوب يسبب اضطراباً في الحيض عند المرأة، فقد يزيد، وقد يتقدم.
وقد اختلف العلماء في ذلك: هل يعد حيضاً أم لا؟
فاختار الشيخ ابن عثيمين ﵀ أن الزيادة في مدة الحيض بسبب هذه الحبوب تكون حيضاً، فقال ﵀:
"من مساوئ هذه الحبوب: أنها توجب اضطراب العادة على المرأة فتوقعها في الشك والحيرة وكذلك توقع المفتين في الشك والحيرة؛ لأنهم لا يدرون عن هذا الدم الذي تغير عليها أهو حيض أم لا؟
وعلى هذا: إذا كان من عادتها أن تحيض خمسة أيام واستعملت الحبوب التي لمنع الحمل ثم زادت عادتها , فإن هذه الزيادة تبع الأصل , بمعنى أنه يحكم بأنه حيض ما لم تتجاوز خمسة عشر يوماً , فإن تجاوزت خمسة عشرة يوماً صارت استحاضة , وحينئذ ترجع إلى عادتها الأولى التي هي خمسة أيام" انتهى.
"فتاوى نور على الدرب" (١٢٣/١) .
وقد اختار علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: أن المرأة تنظر إلى الدم النازل بسبب هذه الحبوب، فإن كان بصفات دم الحيض فهو حيض، وإن كان بصفات الدم المعتاد فهو نزيف، وليس حيضاً.
فقد سئلوا:
في الأيام الحاضرة تستعمل النساء موانع الحمل الاصطناعية كالحبوب واللولب، وأي طبيب قبل وضع اللولب أو إعطاء الحبوب يعطي المرأة حبتين للتأكد من عدم حمل المرأة، بهذه الحالة يجب أن يأتيها الدم إن لم تكن حاملا.
والسؤال: إن هذا الدم الذي ينزل عليها خلال أيام معدودة هل حكمه حكم دم الحيض بترك الصلاة والصيام والجماع؟ علما أن فترة نزول هذا الدم ليست وقت حيضها المعتاد.
كذلك بعد وضع اللولب أو استعمال الحبوب عند بعض النساء يتغير نظام دورة الحيض فتزيد فجأة بعد استعمال المانع للحمل حتى إن بعضهن لا تطهر خلال الشهر أكثر من أسبوع، وينزل الدم عليها خلال ثلاثة أسابيع متوالية ويكون الدم النازل نفس الدم الذي ينزل عند الحيض، وكذلك نفس الدم الذي ينزل عند أخذ الحبتين للتأكد من عدم الحمل كما في السؤال السابق.
والسؤال: ما حكم المرأة خلال هذه الفترة ثلاثة أسابيع أهو حكم الحيض؟ أم تلتزم بعادتها قبل استعمال المانع أسبوع أو عشرة أيام؟
فأجابوا:
"إذا كان الدم الذي نزل بعد أخذ الحبتين هو دم العادة المعروف للمرأة فهو دم حيض تترك وقته الصوم والصلاة، وإذا كان غير ذلك فلا يعتبر دم حيض يمنع الصوم والصلاة والجماع؛ لأنه إنما نزل بسبب الحبوب " انتهى.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (٥/٤٠٢) .
وقد نقل عن الشيخ ابن عثيمين ﵀ أنه سئل عن الحيض الذي ينتج عن تناول الحبوب، فقال:
"على المرأة أن تسأل الطبيب، فإذا قال: هذا حيض فهو حيض، وإذا قال: هذه عصارات من هذه الحبوب فليس بحيض " انتهى من فتاوى ودروس الحرم المكي للشيخ ابن عثيمين٢/٢٨٤
وهذا القول جيد، وبه يرتفع الإشكال إن شاء الله.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10805
يستحب تخير الزوج الصالح حسن الصورة
[السُّؤَالُ]
ـ[قرأت حديثًا وأريد أن أعرف صحته، وما الأحكام المنوطة به، وما معنى سيء المنظر. ذكر القرطبي فيما معنى الحديث: أن النبي ﷺ أمر أولياء الأمور أن لا يزوجوا بناتهم لمن كان قبيح المنظر أو دميم الخلقة. كما ذكر أيضاً أن امرأة ثابت بن قيس ذكرت للنبي ﷺ ما تجده من قبح زوجها وأنها لا تطيق أن ترى وجهه، فقال لها النبي ﷺ أتردين عليه مهره؟ فقالت: وأكثر لو أراد، فقال له النبي ﷺ : خذ ما أعطيتها وخل سبيلها، فطلقها. أو كما قال النبي ﷺ ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الذي وقفنا عليه من الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ في اعتبار الجمال في الخاطب المتقدم للفتاة، حديثان اثنان:
الحديث الأول:
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال:
(تُنكَحُ المرأةُ لأربَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظفَر بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَت يَدَاكَ)
رواه البخاري (٤٨٠٢) ومسلم (١٤٦٦)
والعلماء يقولون إن خطاب النبي ﷺ للرجال هو خطاب للنساء أيضا، وقد سبق في موقعنا في جواب الرقم: (١٢٥٩٠٧) ، بيان استحباب هذه الصفات في الرجال والنساء.
الحديث الثاني:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:
(أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتِ النَّبِي ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتُبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإِسْلَامِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ. قَالَتْ: نَعَمْ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً)
رواه البخاري (رقم/٥٢٧٣)
وفي رواية أنها قالت:
يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي لَا أَعْتُبُ عَلَى ثَابِتٍ فِي دِينٍ وَلَا خُلُقٍ، وَلَكِنِّي لَا أُطِيقُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ. قَالَتْ نَعَمْ) رواه البخاري (رقم/٥٢٧٥)
وقد ذكر الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث أن من أسباب طلب امرأة ثابت بن قيس الطلاق منه هو أنه دميم الخلقة. يراجع في ذلك " فتح الباري " (٩/٤٠٠)
وهذان الحديثان ليسا صريحين في حث الأولياء على مراعاة جمال صورة من يخطب بناتهم.
ولكن روي ذلك صريحا عن بعض الصحابة والتابعين:
قال عمر بن الخطاب ﵁:
(لا تكرهوا فتياتكم على الرجل القبيح، فإنهن يُحبِبْنَ ما تحبون)
رواه سعيد بن منصور في سننه (رقم/٧٨١) ، وابن أبي شيبة في " المصنف " (٤/٩٤) ، وابن شبة في " تاريخ المدينة " (٢/٣٣٨) ، وابن أبي الدنيا في " العيال " (ص/٢٧٢) ، من طرق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عمر بن الخطاب.
وروي أنه ﵁ أُتِيَ بامرأة شابة زوجوها شيخاً كبيراً فقتلته، فقال:
(يا أيها الناس! اتقوا الله ولينكح الرجل لمته من النساء، ولتنكح المرأة لمتها من الرجال، - يعني: شبهها -)
رواه سعيد بن منصور في سننه (١/٢١٠)
وروى ابن أبي الدنيا أيضا في " العيال " (ص/٢٧٥) بسنده عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أبو بِكرٍ دعاها إلى رجل فهويت غيره؟ قال: يلحق بهواها.
يقول الغزالي ﵀:
" يجب على الولي أيضا أن يراعي خصال الزوج، ولينظر لكريمته، فلا يزوجها ممن ساء خَلقُهُ أو خُلُقه، أو ضعف دينه، أو قصر عن القيام بحقها، أو كان لا يكافئها في نسبها.
قال ﷺ : (النكاح رق فلينظر أحدكم أين يضع كريمته) - قال البيهقي في " السنن الكبرى " (٧/٨٣) : روي مرفوعا والموقوف أصح -.
والاحتياط في حقها أهم؛ لأنها رقيقة بالنكاح، لا مخلص لها، والزوج قادر على الطلاق بكل حال، ومهما زوج ابنته ظالما أو فاسقا أو مبتدعا أو شارب خمر فقد جنى على دينه، وتعرَّض لسخط الله لما قطع من حق الرحم وسوء الاختيار.
وقال رجل للحسن: قد خطب ابنتي جماعة فمن أزوجها؟
قال: ممن يتقي الله، فإن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها " انتهى.
" إحياء علوم الدين " (٢/٤١)
وانظر جواب السؤال رقم: (٥٢٠٢) ، (٦٩٤٢)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10806
تزوجها بعقد غير موثق بمحكمة وأفشت سرَّ زواجها لنسائه فطلقها وطلب إجهاض الجنين !
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا متزوجة من إنسان متدين، ملتزم، تزوجني سرّاً عن أهله لأنه متعدد الزوجات، تنازلت عن حقوق كثيرة احتراماً لرغبته بالحفاظ على السر، فصرت أجد صعوبة في الاتصال به، وأنا في مدة سنة زواج لم أره إلا ٢٤ يوماً، وأخيراً قررت إخبار زوجاته، وأهله؛ لعلهم يتعاطفون، ويتعاونون، فحدثت الفاجعة، وأنا حامل في الشهر السادس إذ طلقني زوجي في رسالة عبر الهاتف، ولم أجد آذاناً صاغيةً للحق، بل أكثر من هذا: طلب مني زوجي إسقاط ما في بطني! . فما قول الشرع في هذا؟ أنا ضائعة خصوصا أن عقد الزواج لم يكن مسجلاًّ رسميّاً، فقط كان شرعيّاً على يد والدي، وشاهدين، أقول حسبي الله أنا لم أفعل شيئاً سيئاً بإخبار أهله لأني ظننتم يتفهمون، لكن صار العكس.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
قد أخطأ والدك خطأً كبيراً بموافقته على إجراء العقد عرفيّاً من غير تسجيل رسمي، وقد بينَّا مراراً أن مثل هذا العقد وإن كان شرعيّاً من الناحية النظرية: إلا أنه يترتب على عدم توثيقه بالمحاكم الشرعية أضراراً عظيمة، ومفاسد جمَّة، ومن أهمها: عدم نسبة الأولاد إلى أبيهم بوثاق رسمية، ومنها عدم حفظ حقوق المرأة المالية، من المهر، والميراث، وغير ذلك مما لا يخفى على عاقل.
وانظري جوابي السؤالين: (٤٥٥١٣) و (٤٥٦٦٣) .
ثانياً:
الطلاق يقع بكل ما يعبِّر عنه المطلق، نطقاً، أو كتابة، أو إشارة إن كان أخرس، والرسالة المبعوثة من الزوج بالجوال وفيها طلاقه لزوجته: يقع بها الطلاق، بشرط ثبوت أنه هو صاحب هذه الرسالة، وأنه أرسلها باختياره دون إكراه.
وانظري أجوبة الأسئلة: (٧٠٤٦٠) و (٣٦٧٦١) و (٢٠٦٦٠) .
ثالثاً:
يعتقد كثير من العامة أن طلاق الحامل لا يقع، وهذا ظن فاسد، واعتقاد باطل، بل طلاق الحامل شرعي، وموافق للسنَّة.
وانظري أدلة ذلك، وأقوال العلماء في جواب السؤال رقم: (١٢٢٨٧) .
وعليه: فبما أن زوجك قد أقرَّ أنه أرسل تلك الرسالة، وأنه يعلم ما فيها، وأنه يقصد معناها: فقد وقع عليكِ طلاقه، وتُحسب عليكِ طلقة، وأنتِ ـ الآن ـ في عدة الطلاق حتى تضعي ما في بطنك؛ لقوله تعالى: (وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) الطلاق/ من الآية ٤، وهذه العدة تشمل المطلقة، والمتوفى عنها زوجها.
ويترتب على الطلاق هذا: أن تبقيْ في بيت الزوجية، وأن لا تخرجي منه باختيارك، كما لا يحل له إخراجكِ منه؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً) الطلاق/ ١.
وهو أحق بردك إلى عصمته أثناء حملكِ، كما في قوله تعالى (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً) البقرة/ من الآية ٢٢٨.
رابعاً:
أما طلب زوجكِ منكِ إسقاط الجنين وأنت في الشهر السادس من الحمل: فهو طلبٌ منكر، ولا يحل لكِ مطاوعته على ما أراد، وهو قتل نفسٍ بغير حق، وفيه الإثم، والدية، وهي هنا دية جنين، قيمة عبدٍ أو أمَة، ويقدِّرها العلماء بعُشر ديَة أمِّه، والكفارة وهي صوم شهرين متتابعين، وتشتركان ـ أنتِ وزوجكِ ـ في الإثم، والدية، وعلى كل واحدٍ منكما صوم شهرين متتابعين، كما سبق بيانه في جواب السؤال رقم: (٤٠٢٦٩) ، فلينظر.
فاحذري من إجهاض جنينك، واتقي الله في فعل ما لا يحل لكِ شرعاً، وخوفيه بالله تعالى، واعلمي أنه ليس له طاعة عليك هنا؛ لأن ما يرغب به معصية، ولا طاعة لأحدٍ في معصية الله تعالى.
واحرصي على توسيط والدك، أو من ترينه من أهل العقل والحكمة، بينك وبينه، ليرجعك إلى عصمته قبل فوات الأوان، وإذا حصل هذا: فاحرصي ـ أنت ووالدك ـ أشد الحرص على توثيق عقد الزواج في محكمة شرعية، ولو ترتب عليه مشاق، وصعاب.
فإن أبى إلا الطلاق: فاصبري على هذا الابتلاء، وفوضي أمرك إلى الله، ولا تبتئسي، فلعلَّ الله تعالى لك في ولدك الذي في بطنك، وأن يرزقك زوجاً خيراً منه. وقد قال الله تعالى: (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً) النساء /١٣٠.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10807
يصر والداها على إقامة حفل زفاف مشتمل على منكرات
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا فتاة عمري ٢٣ عام وقد خطبني زميل لي في العمل فقد تقدم في شهر فبراير ولكن والدي ووالدتي أصروا على تأجيل الخطبة إلى شهر ابريل لتمكنهم من عمل التجهيزات مع العلم أن الخطبة في بيتنا وليست في قاعة أو مكان آخر وصبرنا على ذلك وتمت الخطبة بحمد الله وبعدها بفترة ليست طويلة بدأت مشاكل على الشقة فخطيبي في بداية حياته كأي شاب ولكن والدي كان يصر على التمليك مع أن اتفاق خطيبي معه من البداية هو أنه إذا لم يستطع الحصول علي شقه تمليك فسوف يقوم بإيجار شقه حتى يتم الزواج ثم أخذنا فالبحث ولم يعجبهم مستوى الأماكن التي كنا نجدها مع العلم أنهم قد فرضوا علينا أماكن معينة بلا نقاش بحجه أنها يجب أن تكون قريبه منهم وعندما نحاول أن نتكلم لا يوافق أبي ويهدد بفسخ الخطبة ثم حاولنا البحث عن الإيجار الجديد ولكننا كنا نبحث عن شقة صغيرة ولكن فجأة قال لي أبي أن فكره لا يعجبه وأن الإيجار الجديد لمدة سنتين ليس ضمان وأنه خائف عليا وأني ليس لي خبرة في الحياة وأني مندفعة وراء مشاعري ويريد فسخ الخطبة واستسلمت ولكن خطيبي حاول مرة أخرى وبالفعل رجعنا مرة أخرى والحمد لله وجدنا شقة إيجار جديد وأخذناها لمدة ٥ سنين ووافق أبي على مضض وهو يقول لي أنه ليس ضمان وذلك قبل رمضان بأسبوعين حاولنا أن نقنع والدتي أن نبدأ بالتجهيز حتى لا نضيع الوقت ولا نقوم بدفع إيجار الشقة بدون استعمالها فرفضت وقالت بعد رمضان وذلك وخطيبي يدفع إيجار الشقة التي اجبرنا على اختيارها واختيار مكانها وذلك حتى تعجب والدتي ووالدي وبالفعل بعد رمضان بدأنا التجهيز وقام خطيبي بالبدء في دهان الشقة وشراء الأجهزة وظهرت مشكلة لشراء الأثاث وذلك بحجة أنهم يعرفون أكثر مني في الأذواق وأن ما يعجبهم هم هو ما سيتم شرائه مهما غلا ثمنه وإلا ستنتهي الخطبة وبالفعل ذهبنا واشترينا الأثاث وكان ثمنه أربع وأربعون ألفا وذلك وينقصنا غرفة أخرى ولكن وافق خطيبي وذلك حتى لا يتركني ونحن نحاول تقصير مدة الخطوبة كي يحفظنا الله فالحب بيننا موجود والحمد لله ويزداد وأيضا نريد طاعة الله في زواجنا وخطيبي على خلق ومحبب من كل من حوله إلا أبواي للأسف وقد ساعدني على ترك استماع الأغاني وترك لبس البنطال ويحثني دائما على ترك ما فيه معصية ولكن للأسف أبي يجد ذلك تشدد وأنه قد رباني على التدين وأنه ليس كافر ولا فاسق لكي يقول لي خطيبي ما أفعل والآن نحن في مشكلة كبيرة وهي الفرح كنا نحلم أنا وخطيبي بكتب كتاب وسنحاول أن يكون فستاني واسع ولا أتزين ولا أجلس على المنصة وسط جو مليء بالاختلاط ولكن تحطمت كل هذه الأحلام مع محاولة الاتفاق مع أبى على ذلك فحدثت مشكلة وحتى عندما أردنا تبرير ذلك بأن مصاريف الفرح باهظة قال أبي وأمي لنؤجل سنه أو اثنين حتى يتوفر المبلغ للفرح وحتى عندما وافقنا ولكن لا يكون هناك أغاني ورقص اعترضوا اعتراضا رهيبا والآن وصل بي التفكير أن نطاوعهم ولكن بعد كتابة العقد قبل الفرح بيوم في البيت ألا نذهب إلى الفرح لأننا لا نرغب في أن تكون بداية حياتنا معصية لله وغناء ورقص ولكن سنتوجه لشقتنا ونتركهم ولكني أخشى أن يسبب ذلك ألما لهما ويكون فضيحة لهما وهل ما سندفعه في الفرح سيكون حراما أماذا نفعل هل نوافقهم ونذهب إلى الفرح أم نترك بعض وننهي الخطبة وأنا أريد أن أطيع ربي حتى لو رأوه أهلي تشددا ولكن هذا لن يكتمل إلا بزواجي وتركي هذا البيت فأنا لا استطيع مواجهه أهلي حتى وأنا أعلم أن ما يقولونه غير صحيح شرعا وخطيبي يقول لي إن هذا ابتلاء من الله ويجب الثبات لأننا لو وافقنا علي رأيهم وحضرنا الفرح سنكون عاصين لله ولو تركناه ولم نحضر ستكون فضيحة لأهلي أنني لم احضر مع العلم أنني سأكون قد تم عقد قراني وطاعتي وقتها لزوجي ولكني لا أريد أن أضع أهلي موضع حرج]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
ينبغي أن تعلمي أن الالتزام بشرع الله تعالى، والوقوف عند حدوده، نعمة عظيمة، لا يعرف قدرها إلا من ذاقها وعاشها، وإننا لنتأمل في سؤالك وفي موقف والديك، ثم نعجب والله مما ذكرت، فهذا التدخل المتكرر في اختيار الشقة والأثاث المكلف، ثم الحرص على إقامة الحفل الذي لا يرضي الله تعالى، ثم الاستعداد لقبول تأخير الزواج سنة أو سنتين حتى يتوفر المال للحفل، كل ذلك ثمرة البعد عن الالتزام الحقيقي، وهو ليس خطأ من جهة الشرع فحسب، بل فيه مع ذلك إضاعة المال، وتنفير الخاطب، وتعطيل مصلحة الفتاة في الزواج، فلا جرم أن المعصية: فساد في الدين والدنيا.
ثانيا:
لا يجوز إقامة الحفلات المختلطة، أو المشتملة على الغناء والموسيقى والرقص، أو ما تظهر فيه الزوجة بزينتها أمام الرجال الأجانب، فكل ذلك منكر يجب البعد عنه، والامتناع من المشاركة فيه، وإن من الغفلة بمكان أن يبدأ الزوجان حياتهما بهذا القدر من المعاصي والآثام.
ثالثا:
إذا أصر والداك على ما ذكرت، فعليكما اتباع ما يلي:
١- نصحهما، وبيان تحريم هذه الحفلات التي لا ترضي الله ولا رسوله ﷺ .
٢- الاستعانة بالعقلاء والصالحين من أهلك أو من أهل الخاطب لإقناع والديك.
٣- الاستعانة بمن يقبل والدك كلامه من أهل العلم، وذلك عن طريق توجيه السؤال إليه، أو طلب النصيحة منه.
٤- ينبغي تذكير الوالدين بوجوب التحاكم للشرع، وامتثال ما يأمر به، لا سيما ووالدك يحاول التأكيد على أنه مسلم مستقيم، ليس كافرا ولا فاسقا.
٥- لا ينبغي للخاطب أن يضعف أمام أهل المخطوبة، بل ينبغي أن تكون له كلمته، وأن يصر على مواقفه الصحيحة؛ وإلا عرض حياته الزوجية فيما بعد للكثير من المشاكل الناتجة عن تدخل أهل زوجته فيها.
٦- إذا لم تُجد الوسائل المتقدمة، فأعلنوا أنكما غير مسئولين عن هذه المنكرات، ولن تشاركوا في ترتيبها أو الإنفاق فيها، ثم إذا أقيم الحفل، تغيبتما عنه، أو حضرتما وفارقتموه عند وجود المنكر، وهذا وإن كان له أثر سيء على والديك، لكنه الحل الممكن الذي تسلمان فيه من الوقوع في الحرام، وتبنيان به علاقة صحيحة مع والديك تمنع تدخلهما في حياتك مستقبلا، ونأمل ألا تصل الأمور إلى هذا الحل الأخير، فلعل الوالدين إذا علما إصراركما التام على رفض هذا الحفل أن يرجعوا عنه.
رابعا:
نذكرك بأن الخاطب أجنبي عن مخطوبته كغيره من الرجال الأجانب، فلا تحل المصافحة له، أو الخلوة معه، أو الخضوع له بالقول، فهذه حدود الله التي يجب الوقوف عندها ولو خالفت العادات والأعراف الحادثة، قال تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) البقرة/٢٢٩
نسأل الله تعالى أن يكتب لك التوفيق والنجاح والفلاح، وأن يزيدك إيمانا وطاعة وهدى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10808
تريد مخالعة زوجها لأنه لا ينجب فهل له أن يطالبها بالتنازل عن المهر ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا متزوج منذ ست سنوات ولم يتم الإنجاب حتى الآن لوجود ضعف عندي في الحيوانات المنوية ويحتاج الأمر إلى علاج طويل وقد تركتني زوجتي قبل سنة وذهبت لأهلها وتفاجأت قبل أيام أن رفعت علي قضية طلب الخلع لأنني عقيم وهي تريد الذرية وأنا ليس لدي مانع في ذلك ولكنني دفعت لها مهراً قدره (٤٠٠٠٠) ريال وشبكة بـ (٧٠٠٠) ريال وقد ورطتني في قرض من البنك لأقوم بترميم السكن الذي نسكن فيه بحجة أنه غير لائق وغير متناسق في الألوان لأنه بناء قديم وتريد أن تعمل له بويات ترخيم وتغير أطقم الحمامات وما إلى ذلك من التعديلات ولا زلت حتى تاريخه أسدد في ذلك القرض وقدره (٥٠٠٠٠) ريال فهل يحق لي إذا خالعتها أن أطلب كل هذه المبالغ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
اختلف الفقهاء في العيوب التي تثبت حق الفسخ في النكاح، والراجح: "أن كل ما يفوت به مقصود النكاح، فهو عيب".
وعليه؛ فالعقم أو عدم القدرة على الإنجاب عيب، فمتى تبين للزوجة أن الزوج عقيم فلها الحق في فسخ عقد النكاح.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " والصواب أن العيب كل ما يفوت به مقصود النكاح، ولا شك أن من أهم مقاصد النكاح المتعة والخدمة والإنجاب، فإذا وجد ما يمنعها فهو عيب، وعلى هذا؛ فلو وجدت الزوج عقيماً، أو وجدها هي عقيمة فهو عيب " انتهى من "الشرح الممتع" (١٢/٢٢٠) .وينظر جواب السؤال رقم ٤٣٤٩٦.
وإذا حصل الفسخ من الزوجة بسبب عقم الزوج، وكان بعد الدخول بها، فإن الزوجة تأخذ المهر كاملا، فتأخذ النقود (٤٠) ألفا، وتأخذ الشبكة (٧٠٠٠) ، وليس لك أن تطالبها بشيء، فإن الفسخ حق لها شرعا في هذه الحال، ولا تحتاج للخلع.
وما أنفقته على المسكن، فهو باختيارك، وهو راجع إليك، وليس لك أن تطالبها بشيء منه.
ثانيا:
إذا علمت الزوجة بالعيب ورضيت به، سقط حقها في الفسخ، بشرط أن يكون الرضى صريحا، وليس سكوتا لأجل التروي والنظر.
قال في "زاد المستقنع": " ومن رضي بالعيب، أو وجدت منه دلالته مع علمه فلا خيار له " انتهى.
فلو قالت زوجتك بعد علمها بحالك: إنها راضية بذلك وإنها ستبقى معك، سقط حقها في الفسخ، فإن أرادت المفارقة بعد ذلك فلها أن تلجأ للخلع، وحينئذ لك أن تشترط في الخلع أن تتنازل عن مهرها أو عن بعضه أو أكثر منه، لكن لا ينبغي أن تأخذ أكثر مما أعطيتها.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "والذي ينبغي للإنسان أن يتقي الله ، فإذا كان الخطأ من المرأة فلا حرج عليه أن يطلب ما شاء، وأما إذا كان التقصير منه، وأن المرأة سئمت البقاء معه لتقصيره، فليخفف ويكتفي بما تيسر، ثم هناك فرق أيضاً بين المرأة الغنية والمرأة الفقيرة، وهذا أيضاً ينبغي للزوج أن يراعيه " انتهى من "لقاء الباب المفتوح" (٨/٢٥) .
وانظر: " المغني" (٧/٢٤٧) .
وفق الله الجميع لما يحب ويرضى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10809
مسئولية الأخ الأكبر على شقيقاته الصغار والكبار بعد وفاة والده من حيث المال والتزويج
[السُّؤَالُ]
ـ[عندي أسئلة مهمة، وأرجو منكم الرد عليها بالرد العلمي، مع ذكر المصادر، وأقوال أهل العلم السابقين، أو اللاحقين، على أن يكون واضحاً؛ لأنني بصدد تقديمه لأحد الشيعة، وأعلم مقدماً إنني سأجد جواباً على بعض أسئلتي من ضمن موقعكم المبارك، ولكنني تعمدت أن أجعل جوابكم في ورقة واحدة غير مشتتة، فجزاكم الله عنا، وعن المسلمين خيراً. وأسئلتي هي: ١. إذا مات أبي، وجدي لأبي، وعندي أخت عمرها ١٠ سنوات، وقد بلغت التكليف الشرعي، وهي بكر، وعاقل، ولكوني أخاها هل لي ولاية، وسلطان، عليها، وعلى شئون حياتها إلى أن تتزوج؟ . ٢. وهل هناك حادثة جرت في السنَّة الشريفة على عهد رسول الله ﷺ ، أو في عهد الصحابة الأوائل رضوان الله عليهم أجمعين أن قام أحد الصحابة بتزويج أخته وسأل رسول الله عن هذا الأمر لكي يوافق النص مضمون سؤالي. ٣. وما هو الترتيب الشرعي لولاية البنت الصغيرة، المكلفة، البالغ، العاقل، البكر، والثيب؟ . ٤. وهل يحق للثيب - المطلقة، أو الأرملة - أن تنكح نفسها من غير موافقة الولي؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الولاية هي قيام شخص كبير، راشد، على شئون قاصر، الشخصية منها، والمالية، فهي على هذا نوعان:
الأولى: ولاية على النفس.
والثانية: ولاية على المال.
والولاية على النفس تشمل: شؤون التربية، والتعليم، والتطبيب، والتزويج، والأنوثة هي أحد أسباب هذه الولاية.
ففي " الموسوعة الفقهية " (٤٥ / ١٦٨) :
الولاية على النفس عند الفقهاء: سلطة على شؤون القاصر، ونحوه، المتعلقة بشخصه، ونفسه، كالتزويج، والتعليم، والتطبيب، والتشغيل، ونحو ذلك، تقتضي تنفيذ القول عليه شاء أم أبى.
وعلى ذلك قرر الفقهاء أن أسباب الولاية على النفس ثلاثة: الصغر، والجنون - ويلحق به العته -، والأنوثة.
انتهى
وقولهم في التعريف " شاء أم أبى " مع اشتمال الولاية للتزويج " هو باعتبار قول جمهور الفقهاء أنه يجوز للولي أن يجبر موليته على الزواج بمن شاء، وهذا قول ضعيف، وانظر جواب السؤال رقم: (٤٧٤٣٩) .
وقد فرَّق العلماء بين الولاية على الذكر، وعلى الأنثى، فقال جمهورهم باستمرار ولاية أهلها عليها، ووجوب العناية بها، حتى بعد بلوغها، وبعد زواجها.
وفي " الموسوعة الفقهية " (٨ / ٢٠٤، ٢٠٥) باختصار:
عند الحنفيّة: تنتهي ولاية الأب على الأنثى إذا كانت مسنّةً، واجتمع لها رأي، فتسكن حيث أحبّت حيث لا خوف عليها، وإن ثيّباً لا يضمّها إلاّ إذا لم تكن مأمونةً على نفسها، فللأب والجدّ الضّمّ، لا لغيرهما كما في الابتداء.
وعند المالكيّة: ... ، وبالنّسبة للأنثى: فتستمرّ الحضانة عليها، والولاية على النّفس حتّى تتزوّج، ويدخل بها الزّوج.
وعند الشّافعيّة: تنتهي الولاية على الصّغير - ذكراً كان أو أنثى - بمجرّد بلوغه.
وعند الحنابلة: ... ، وإن كانت أنثى: لم يكن لها الانفراد، ولأبيها منعها منه، لأنّه لا يؤمن أن يدخل عليها من يفسدها، ويلحق العار بها وبأهلها، وإن لم يكن لها أب: فلوليّها وأهلها منعها من ذلك.
انتهى
هذه أقوال المذاهب في وقت انتهاء مسئولية الأهل عن أولادهم، وكلمة العلماء تكاد تكون متفقة على أن مسئولية الأهل على ابنتهم تسمر حتى لو بلغت، ومنهم من جعل زواجها نهاية تلك المسئولية؛ وذلك من أجل وجود مسئول آخر عنها، ومنهم من اشترط كونها في مكانٍ آمن لا خوف عليها فيه.
ثانياً:
لا خلاف بين فقهاء المذاهب الأربعة أن الأخ الكبير هو الولي على أنفس أخواته بعد وفاة أبيه وجده، وهم قد اختلفوا في ترتيب الأولياء، لكنهم لم يختلفوا فيما لو أنه لم يكن لها أب، أو جد، أو ابن، أو وصي من أب: أنه يكون أخوها الشقيق وليّاً لها.
وولاية النفس على الأنثى تشمل التزويج، والراجح من أقوال العلماء أنه لا يجوز لولي الأنثى أن يزوجها إذا كانت بالغة إلا بإذنها، كما سبق.
وأما الأمر الثاني: وهو الولاية على المال فتعني: الإشراف على شئون القاصر المالية، من حفظ المال، وإنشاء العقود، وسائر التصرفات المتعلِّقَة بالمال، وهي تختص بالصغار من الذكور والإناث، وبمن ليس أهلاً للتصرف بالمال، كمجنون، ومعتوه، فإن بلغت الأخت – أو الأخ – سن التكليف، وكانت رشيدة تحسن التصرف بالمال: فيُدفع مالها إليها؛ لقوله تعالى (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً) النساء/ ٦.
ولا يجوز للأخ أن يأخذ منه شيئاً إلا بطيب نفْسٍ منها.
ويشترط في الولي الذي يكون قيِّما على تلك النفوس، والأموال: البلوغ، والعقل، فلا تصلح الولاية لصغير، ولا لمجنون.
وللتنبيه: فإن ولاية النفس تنتقل من الأب إلى الجد، ثم إلى الأخ، ولكن ولاية المال لا تعلق لها بالخلاف في ترتيب الأولياء:
فهي عند الحنفية: للأب، ثم لوصيه، ثم للجد - أبي الأب -، ثم لوصيه، ثم للقاضي، فوصيه.
وعند المالكية والحنابلة: أنها تثبت للأب، ثم لوصيِّه، ثم للقاضي أو من يقيمه.
وهي عند الشافعية: للأب، ثم للجد، ثم لوصي الباقي منهما، ثم للقاضي أو من يقيمه.
والقول الرابع: أنّ الولاية على المال تثبت للأم بعد الأب والجد، ثمّ تكون للأقرب من العصبات بالنفس، وهو رواية عن أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية - كما في " الإنصاف " (٥ / ٣٢٤) – ورجحه الشيخ العثيمين.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
فالمؤلف – أي: الشيخ موسى الحجاوي - يقول: إن الجدَّ ليس وليّاً، والأخ الكبير ليس وليّاً، والعم ليس وليّاً، والأم ليست ولية، فتنتقل الولاية من الأب مباشرة إذا لم يكن وصي إلى الحاكم، وهذا لا شك فيه نظر؛ لأن أولى الناس بهم: جدهم، أو أخوهم الكبير، أو عمهم،
والقول الثاني في المسألة: أن الولاية تكون لأوْلى الناس به، ولو كانت الأم، إذا كانت رشيدة؛ لأن المقصود حماية هذا الطفل الصغير، أو حماية المجنون، أو السفيه، فإذا وجد من يقوم بهذه الحماية من أقاربه: فهو أولى من غيره، وهذا هو الحق - إن شاء الله تعالى -، وعليه: فالجد، أو الأب: يكون وليّاً لأولاد ابنه، والأخ الشقيق وليّاً لأخيه الصغير، والأم إذا عدم العصبة: تكون ولية لابنها، نعم، إذا قدر أن أقاربه ليس فيهم الشفقة، والحب، والعطف: فحينئذٍ نلجأ إلى الحاكم ليولِّي من هو أولى.
" الشرح الممتع على زاد المستقنع " (٩ / ٣٠٥، ٣٠٦) باختصار.
ثالثاً:
أما بخصوص السؤال عن تزويج أحد من الصحابة ﵃ لأخته: فقد ثبت ذلك عن معقل بن يسار ﵁، وكان زوَّج أخته، فطلقها زوجها ولم يراجعها حتى انقضت عدتها، ثم جاء ليخطبها من أخيها معقل فأبى، فأنزل الله فيه قوله (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) البقرة/ ٢٣٢.
عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ قَالَ زَوَّجْتُ أُخْتًا لِي مِنْ رَجُلٍ فَطَلَّقَهَا حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَخْطُبُهَا فَقُلْتُ لَهُ: زَوَّجْتُكَ، وَفَرَشْتُكَ، وَأَكْرَمْتُكَ، فَطَلَّقْتَهَا ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا؟! لَا وَاللَّهِ لَا تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَدًا، وَكَانَ رَجُلًا لَا بَأْسَ بِهِ، وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ) فَقُلْتُ: الْآنَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَزَوَّجَهَا إِيَّاه. رواه البخاري (٤٨٣٧) .
قال الحافظ ابن حجر – ﵀:
وهي أصرح دليل على اعتبار الولي، وإلا لما كان لعضله معنى، ولأنها لو كان لها أن تزوِّج نفسها: لم تحتج إلى أخيها، ومن كان أمره إليه لا يقال إن غيره منعه منه، وذكر ابن المنذر أنه لا يعرف عن أحد من الصحابة خلاف ذلك.
" فتح الباري " (٩ / ١٨٧) .
رابعاً:
وليس للمرأة أن تزوج نفسها، بل لا بدَّ أن يزوجها وليها، وإلا كان عقد زواجها باطلاً، وهو مذهب جمهور العلماء، بل لا يُعرف بين الصحابة في المسألة خلاف، وقد سبق قبل قليل ذكر كلام الحافظ ابن حجر في اشتراط الولي.
وانظر أجوبة الأسئلة: (٢٠٢١٣) و (٧١٩٣) و (٧٩٨٩) .
وفي جواب السؤال رقم: (٢١٢٧) تفصيل مهم عن " الولي " في الزواج، فانظره.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10810
ز وجته كندية من أصل عربي أخذت منه ابنته وطلبت منه الطلاق، فما النصيحة له ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا مصري، كنت متزوجاً من مصرية، كندية، ثم سافرت معها إلى كندا - مع العلم أني أحمل الجنسية الأمريكية - عندما ذهبت إلى كندا اكتشفت أشياء غير إسلامية كثيرة في عائلتها، رغم أني سألت على هذه الأشياء قبل الزواج، مثل الصلاة، وكان الاتفاق بيني وبين زوجتي أنه في حالة عدم توفيقي في كندا، أو عدم رغبتي في المكث هناك: سأرحل إلى الخليج مرة أخرى، وهي كانت موافقة على ذلك، عندما ذهبت إلى هناك مع أسرتها، ووجدت الأوضاع غير مطمئنة، وهناك خطر علينا في الحياة هناك، وتدخل أهلها ضد أي شيء إسلامي، أو مظهر إسلامي، ومحاولتهم أجدها في تغييري، لكن المسلم المعاصر - مودرن إسلام - يعني: حجاب على الموضة، والجلوس في مجلس به خمور، وقد أقنعتني أن أشتري بيت بالتقسيط - mortgage - بعد فترة عرفت أنه حرام، وبعض العلماء أجاز ذلك للمضطر، فعزمت على بيع البيت، ولكن لم أقل لأنه حرام؛ لأنهم لم يقتنعوا، وفي تلك الأثناء حملت زوجتي، فصبرت حتى تضع، وقلت لها: هيا بنا نسافر إلى الخليج، فوافقت على مضض، ولكن أهلها رفضوا، وهي لا تستطيع أن تفعل شيئاً بدون موافقة أمها؛ لأن الأم هي الحاكمة الآمرة في بيت أبيها - بعد عدة مشاكل قلت: أنا سأسافر، وسآتي لزيارة زوجتي - بناء على اقتراحهم - وعندما قلت أني سأبيع المنزل: جن جنونهم، ورفضوا بيع المنزل إلا في حالة الطلاق، وألَّبوا عليَّ زوجتي، وأخرجوها من منزلي، وفي مساء يومها كلمني أخوها، وطلب الطلاق - لكي يردعني عن السفر -، وطلبني بمحامي للطلاق، ثم عصفت بي الظروف الاقتصادية، حتى تنازلت عن منزلي، وأجبرت على التنازل عن حضانة ابنتي ... إلخ أنا الآن أريد السفر لبلد عربي مسلم، وأتزوج لأعف نفسي، ولكني سأترك ابنتي في كندا - هي عمرها سنة ونصف - أنا الآن مدين، قادر على أوقف أمام زوجتي السابقة ماديّاً إلى حد ما أستعيد حضانة ابنتي، ولكن يجب عليَّ أن أبقى هنا، ولكني لا أريد أن أربي أولادي الجدد - إن شاء الله - في مجتمع غير إسلامي، الرجاء النصيحة، وهل إذا تركت كندا بلا عودة إلا لزيارات ابنتي هل يحسبني الله مضيِّعاً؟ هل أكون ممن ينطبق عليهم (وكفى بالمرء أن يضيع من يعول) ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
التجنس بجنسية دولة كافرة، والإقامة فيها، والتزوج ممن تحمل جنسيتها: يعني الاحتمال الكبير في الفشل في الزواج، والفشل – غالباً - في تربية الأولاد، إذا كان الزوج عاقلاً متديناً، فلا يُنكر أحد ما للبيئة من أثر على تربية الزوج لزوجته وأولاده، ولا ينكر أحد ما لقوانينهم من سلطة وجبروت على ذرية من يتزوج ممن يحمل جنسية ذلك البلد.
لذا فإن الأمر الذي أصابك – أخي السائل – عظيم، ونسأل الله تعالى أن ييسر أمرك، ويهديك لفعل الصواب.
والذي نشير به عليك:
هو أن تبقى في تلك البلاد محاولاً إقناع زوجتك بالاستجابة لطلبك، والرجوع معك لبلدٍ مسلم تقيمان فيه شعائر الله تعالى، وتتخلصون من تلك البيئة الموبوءة، وهذا أعلى ما يمكنك تحقيقه، وفيه الحفاظ على أسرتك بكاملها.
فإن عجزت عن إصلاح حال زوجتك، وأبت إلا المضي في غيها، واختيار أهلها عليك: فاسع للحصول على ابنتك من براثن أهلها بما تستطيعه من أسباب، وهذا الأمر واجب عليك فعله؛ لأنك مسؤول عنها، فإن قصرت فيه: فأنت مسؤول ـ ولا شك ـ عن تضييعها.
وإذا لم يحصل منك طلاق: ابق على اتصال بزوجتك؛ فلعلَّ أن يكون غيابك عنها دافعاً لها لتغيير رأيها، واللحاق بك.
فإن حصل الطلاق: فابق على اتصال بابنتك، ولا تيأس من الحصول عليها، ويمكنك توكيل محامٍ وأنت خارج تلك الديار؛ ليتابع قضية استرجاع حضانتك لها، ودوام اتصالك بابنتك لعله أن يسهم في تعلقها بك إذا كبرت، ولعلها أن تختارك لتكون معك، ولا يدري الإنسان ماذا كتب له، وما عليه إلا بذل الأسباب.
والذي نعود ونؤكد عليه: أنك لا يجوز لك أن تترك ابنتك مع أمها، والحالة ما ذكرت، بأي سبيل تستطيعه إلى ذلك؛ بالحيلة مع أمها حتى تأتي معك إلى الخليج، أو البقاء إن كانت هناك لفترة محددة، ريثما تتمكن من ضم ابنتك إليك، إن كانت هناك فرصة ذلك، ولو بالحيلة، ونحو ذلك.
وبإمكانك أن تبحث عن الزوجة المناسبة، والتي تتفهم ظروفك، وتتوافق مع قناعاتك، وإيمانك بدينك.
وفي خلال الفترة الأولى، والتي نأمل أن تحصل فيها على ابنتك، وتطمئن عليها: لن يكون هناك خطر، إن شاء الله، على أبنائك الجدد.
ومتى أحسست بأن الواجب عليك أن تنقلهم ـ كلية ـ إلى بيئة إسلامية: فارحل بهم بلد مسلم، تأمن فيه على أبنائك وذريتك، ولعل الله أن يجمع شملك بابنتك الأولى معهم.
واسأل ربك الإعانة، والتوفيق، والتيسر لما فيه خير ابنتك وخيرك.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10811
هل تأثم إذا رفضت الزواج من شاب مستقيم في دينه ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا فتاة أبلغ من العمر ١٦ سنة، وقد تقدم لخطبتي شاب ملتزم، وهو مؤذن بأحد المساجد، ولكنني لا أرغب في الزواج منه؛ لأني لا أحبه، بل وأكرهه من قبل أن يخطبني؛ فهل أنا آثمة في ردي له ورفضه، وهو يدخل في ضمن من يرضى دينه؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"إذا كنت لا ترغبين الزواج من شخص؛ فلا إثم عليك، ولو كان صالحًا؛ لأن الزواج مبناه على اختيار الزوج الصالح مع الارتياح النفسي إليه؛ إلا إذا كنت تكرهينه من أجل دينه؛ فإنك تأثمين في ذلك من ناحية كراهة المؤمن، والمؤمن تجب محبته لله، ولكن لا يلزمك مع محبتك له دينًا أن تتزوجي منه مادمت لا تميلين إليه نفسيًا. والله أعلم" انتهى.
فضيلة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله.
"المنتقى من فتاوى الشيخ صالح الفوزان" (٣/٢٢٦) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10812
تبين له أن زوجته تضع عدسة لضعف بصرها وأنجبت له غلاما ضعيف البصر فماذا يصنع ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا قصير النظر، وألبس نظارة طبية، من المواصفات التي رغبت أن تتحقق في شريكة حياتي أن يكون نظرها سليماً، حتى يقع توازن بين نظرينا، بعد عقدي على زوجتي اكتشفتُ أنها تضع عدسة لاصقة على إحدى عينيها تستعين بها على ضعف بصرها وحَوَلِ عينها، ظننته نقصاً قليلاً قد يُقوَّم بالليزر، لكن بعد شهور طويلة حملتْ بغلام، وعرضتُها على طبيبة مختصة، أخبرتني - بعد أن أجرت لها تحليلات - بأن ضعفها شديد في العين التي تضع عليها عدسة لاصقة، وأنه يستحيل إجراء تقويم لعينها بالليزر، رزقت منها بغلام، وحين بلوغه سن العامين عرضته على الطبيبة نفسها، فوجدتْ عنده ضعفاً بصريّاً شديداً، وهو يضع نظارة إبصار الآن، أخاف الآن من حملٍ جديدٍ يحمل الجنين فيه الإصابة نفسها، أخبركم أني غير سعيد في هذا الزواج، أحس بأن زوجتي قد خدعتني حين لم تخبرني بعيبها، أنا دائم الحزن، وكثير التفكير بطلاقها، لكن أخاف على مصيرها، ومصير ولدي الصغير، أعلمكم أني ما قدمت على هذا الزواج حتى استخرت الله بقوة، وسألته سبحانه أن لا يكلني إلى نفسي طرفة عين في هذا الاختيار، لكن وقع ما وقع، وقدَّر الله وما شاء فعل، أشيروا عليَّ حفظكم الله، فأنا في حيرة شديدة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الذي نشير به عليك أن تمسك عليك زوجك، وأن تتقي الله تعالى فيها، وأن تُحسن وإياها تربية أولادكم، فتنشئة الأولاد على طاعة الله تعالى، وإحسان تربيتهم من خير ما يقدمه المرء لنفسه بين يدي قدومه على ربه ، والإنسان لا يدري أين الخير له ولأهله ولأسرته، وقد يكون أعظم الخير فيما صرفه عنه ربه تعالى، وقد تكون الفتنة والبلاء فيما يحب أن يكون له، وفيما تشتهيه نفسه أن يتملكه، ومنه ما نحن بصدده، فكل الناس يتمنى لنفسه ولذريته جمال الصورة، وهذا لا شك أنه غير مخالف للشرع، فهو تمنٍّ مباح، لكن إذا قدَّر الله تعالى شيئاً آخر: فليس أمام المسلم إلا الرضا بتصوير الله تعالى، ولا يدري ماذا صرف الله تعالى عنه وعن ذريته بعدم جمال الصورة، من الفتنة، والغرور، والإعجاب بالنفس، ولذا أخبرنا النبي ﷺ بأن الله تعالى لا يثيب ولا يعاقب على خِلقتنا، إنما الثواب والعقاب على العمل والأخلاق.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ) .
رواه مسلم (٢٥٦٤) .
وانظر إلى ما أخبرنا به نبينا ﷺ من آثار جمال الصورة، كيف أدى بصاحبه إلى الإعجاب بنفسه، ثم صار إلى هلاك دنيوي، وأخروي.
عن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي حُلَّةٍ، تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ، مُرَجِّلٌ جُمَّتَهُ إِذْ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) .
رواه البخاري (٥٤٥٢) ومسلم (٢٠٨٨) .
وقد جاء التنبيه على ما قدمنا به كلامنا في كتاب الله تعالى عامّاً مرة، وخاصّاً بالزوجة مرة أخرى، فقال الله تعالى في الأولى: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) البقرة/ من الآية ٢١٦، وقال في الثانية: (عَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً) النساء/ ١٩
قال الحافظ ابن كثير – ﵀ –:
أي: فعَسَى أن يكون صبركم مع إمساككم لهن وكراهتهن فيه، خير كثير لكم في الدنيا والآخرة، كما قال ابن عباس في هذه الآية: هو أن يَعْطف عليها، فيرزقَ منها ولداً، ويكون في ذلك الولد خير كثير، وفي الحديث الصحيح: (لا يَفْرَك – أي: لا يُبغض - مؤمنٌ مؤمنةً، إن سَخِطَ منها خُلُقاً رَضِيَ منها آخر) .
" تفسير ابن كثير " (٢ / ٢٤٣) .
ثانياً:
نفيدك أن العيب الذي وجدته في زوجتك لو أنه كان من العيوب التي تجيز لك فسخ النكاح والرجوع بما دفعته لها: لما جاز لك المطالبة بحقك الآن؛ فإنه قد سقط هذا الحق برضاك به، وصبرك عليه، وتحملك له، فكيف إذا علمتَ أن في كونه من العيوب التي تبيح لك فسخ النكاح والرجوع بما دفعته خلافاً بين العلماء، والصحيح من أقوال العلماء أن العيوب المنفِّرة هي التي تكون لها تلك الأحكام، دون ما عداها، وقد اتفقوا على سقوط ذلك الحق بعد العلم به، والرضا بوجوده.
وللوقوف على كلام أهل العلم في هذا: انظر جواب السؤال رقم (١٠٣٤١١) .
هذا الذي نشير به عليك، وقد شرع الله لك الطلاق، فإن كنتَ تريد إمساكها بمعروف، وإعطاءها حقوقها، ونزع الندم والحزن من حياتك، كما نرجوه منك، ونأمله فيك إن شاء الله: فخذ بما نصحناك به، وأكثر من الإنجاب ووكِّل الأمر للخالق سبحانه، ولا تلتفت لكلام الأطباء، فصفات الذرية من لغيب الذي لا يعلمه أحد إلا الله.
وإن كان إمساكك لها سيجدد عندك الندم، والحزن، ولن تعطيها حقوقها: فلا يحل لك إمساكها، بل يجب عليك تطليقها، ووجب عليك إعطاءها حقوقها المالية جميعها.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀ – في تفسير قوله تعالى (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) -:
أي: ينبغي لكم - أيها الأزواج - أن تمسكوا زوجاتكم مع الكراهة لهن؛ فإن في ذلك خيراً كثيراً، من ذلك: امتثال أمر الله، وقبولُ وصيته التي فيها سعادة الدنيا والآخرة، ومنها: أن إجباره نفسَه - مع عدم محبته لها - فيه مجاهدة النفس، والتخلق بالأخلاق الجميلة، وربما أن الكراهة تزول، وتخلفها المحبة، كما هو الواقع في ذلك، وربما رزق منها ولداً صالحاً نفع والديه في الدنيا والآخرة.
وهذا كله مع الإمكان في الإمساك، وعدم المحذور، فإن كان لا بد من الفراق، وليس للإمساك محل: فليس الإمساك بلازم.
" تفسير السعدي " (ص ١٧٢) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10813
لم تمكنه من الدخول بها ولا تريده فهل يخالعها ويطلب المهر والمصاريف ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[لي أخ عقد قرانه على فتاة واستمرت فترة الخطبة لأكثر من عام وبعد انتهاء مراسم الزواج "ليلة الدخلة" قالت له زوجته: لا تلمسني ولا أريدك، حيث إنه لم يدخل بها، سؤالي: ماذا يستحق من مبالغ شرعا من أهل البنت حيث إن تكاليف الزواج تجاوزت الثلاثين ألف دولار بين مهر وحفلات وملابس، علما أنها لو طلبت الخلع أو الانفصال خلال فترة الخطبة ما تجاوزت التكاليف ١٠ آلاف دولار]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا تم عقد النكاح، وأراد الزوج من زوجته أن تنتقل معه إلى بيته، لزمها ذلك، وحرم عليها منع نفسها منه؛ لقوله ﷺ : (إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ) رواه البخاري (٣٢٣٧) ومسلم (١٧٦) .
فإن كرهت زوجها، ولم تطب نفسها بالبقاء معه، فقد جعل الله لها مخرجا، وهو طلب الخلع، فترد إليه جميع المهر الذي أعطاها، ويؤمر الرجل حينئذ بقبوله ومفارقتها؛ لما روى البخاري (٥٢٧٣) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ، مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اقْبَلْ الْحَدِيقَةَ، وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً) .
وعند ابن ماجه (٢٠٥٦) أنها قالت: (لا أطيقه بغضاً) صححه الألباني في صحيح ابن ماجة.
ويصح الخلع بأكثر من المهر الذي دفعه لها إذا تراضيا على ذلك في قول جمهور أهل العلم، وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي، وهو مذهب أحمد إلا أنه يكره عنده ويصح.
قال ابن قدامة ﵀ في "المغني" (٧/٢٤٧) : " (ولا يستحب له أن يأخذ أكثر مما أعطاها) هذا القول يدل على صحة الخلع بأكثر من الصداق، وأنهما إذا تراضيا على الخلع بشيء صح. وهذا قول أكثر أهل العلم. روي ذلك عن عثمان وابن عمر وابن عباس وعكرمة ومجاهد وقبيصة بن ذؤيب والنخعي ومالك والشافعي وأصحاب الرأي. لقول الله تعالى: (فلا جناح عليهما فيما افتدت به) ، وقالت الربيع بنت معوذ: اختلعت من زوجي بما دون عقاص رأسي [هو ما يربط به الشعر] ، فأجاز ذلك عثمان بن عفان ﵁. ومثل هذا يشتهر، فلم ينكر، فيكون إجماعا، ولم يصح عن علي خلافه.
فإذا ثبت هذا؛ فإنه لا يستحب له أن يأخذ أكثر مما أعطاها. وبذلك قال سعيد بن المسيب والحسن والشعبي والحكم وحماد وإسحاق وأبو عبيد، فإن فعل جاز مع الكراهية، ولم يكرهه أبو حنيفة ومالك والشافعي. قال مالك: لم أزل أسمع إجازة الفداء بأكثر من الصداق " انتهى باختصار.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "والمشهور من مذهب الحنابلة الوسط بين المنع والجواز حيث قالوا: إنه يكره أن يطلب منها أكثر مما أعطاها. والذي ينبغي للإنسان أن يتقي الله ، فإذا كان الخطأ من المرأة فلا حرج عليه أن يطلب ما شاء، وأما إذا كان التقصير منه، وأن المرأة سئمت البقاء معه لتقصيره، فليخفف ويكتفي بما تيسر، ثم هناك فرق أيضاً بين المرأة الغنية والمرأة الفقيرة، وهذا أيضاً ينبغي للزوج أن يراعيه " انتهى من "لقاء الباب المفتوح" (٨/٢٥) .
وبناء على ذلك، فلأخيك أن يطلب المهر وما دفعه من مصاريف على الحفل وغيره، لا سيما إن كانت المرأة غنية، وإن خفف وتجاوز عن بعض ذلك، فهذا خير.
وننبه إلى أن ما بعد العقد لا يسمى فترة الخطبة، بل هو فترة العقد.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10814
لا يجوز للوالد إجبار ابنه على الزواج ممن لا يرضاها
[السُّؤَالُ]
ـ[والدي يريد إلزامي بالزواج من ابنة عمي، وأنا لا أريدها، ويقول لي إنني إذا لم أتزوجها سيكون غضبان علي، فهل أكون عاقاً إذا لم أتزوجها؟ وماذا أفعل لو غضب والدي علي؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يجوز للوالد أن يجبر ابنه ولا ابنته بالزواج ممن لا يريد، وليتأمل الأب الذي يريد أن يفعل ذلك في حاله، هل كان يقبل أن يجبره أبوه بالزواج ممن لا يريد؟
وليس ذلك من مصلحة الولد في شيء، فإن الزواج إذا لم يكن عن رضى تام، فإنه عرضه للفشل.
وإذا رفض الابن أو البنت تنفيذ رغبة الأب ورفض النكاح ممن يريد الأب، فإنه لا يكون عاقاً بذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
"وليس للأبوين إلزام الولد بنكاح من لا يريد، فإن امتنع لا يكون عاقاً، كأكل ما لا يريد"
"الاختيارات" (ص ٣٤٤) .
وقد سئل فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: ما الحكم إذا أراد الأب أن يزوج ابنه من امرأة غير صالحة؟ وما الحكم إذا رفض أن يزوجه من امرأة صالحة؟
فأجاب:
" لا يجوز أن يجبر الوالد ابنه على أن يتزوج امرأة لا يرضاها سواء كان لعيب فيها: ديني أو خُلقي أو خْلقي، وما أكثر الذين ندموا حين أجبروا أولادهم أن يتزوجوا بنساء لا يريدوهن، لكن يقول: تزوجها لأنها ابنة أخي، أو لأنها من قبيلتك، وغير ذلك، فلا يلزم الابن أن يقبل، ولا يجوز للوالد أن يجبره عليها.
كذلك لو أراد الولد أن يتزوج بامرأة صالحة، ولكن الأب منعه، فلا يلزم الابن طاعته، فإذا رضى الابن زوجة صالحة، وقال أبوه: لا تتزوج بها، فله أن يتزوج بها ولو منعه أبوه، لأن الابن لا يلزمه طاعة أبيه في شيء لا ضرر على أبيه فيه، وللولد فيه منفعة، ولو قلنا: إنه يلزم الابن أن يطيع والده في كل شيء حتى ما فيه منفعة للولد ولا مضرة فيه على الأب لحصل في هذا مفاسد، ولكن في مثل هذه الحال ينبغي للابن أن يكون لبقاً مع أبيه، وأن يداريه ما استطاع، وأن يقنعه ما استطاع" انتهى.
"فتاوى المرأة المسلمة" (٢/٦٤٠، ٦٤١) . ترتيب أشرف بن عبد المقصود.
وأما غضب والدك عليك فالنصيحة للوالدين ألا يجعلوا بر أولادهم بهما سيفاً مسلطاً على رقاب أولادهم، فيلزمون الأولاد بما لم يريدوا تحت تهديد "سأكون غضبان عليك".
وعليك أن ترفق بوالدك وتكون حكيماً معه حتى تثنيه عن رأيه، وحاول إدخال عقلاء أهلك ليساعدوك في ذلك، كالأخوال والأعمام، فإن أصر على رأيه فلا يلزمك طاعته، ولو غضب عليك، فلا يضرك ذلك لأنه هو الظالم لك حيث يريد إلزامك بما قد يضرك في حياتك ضرراً عظيماً.
ولكن.. عليك بحسن معاملته وصحبته، قال الله تعالى: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) لقمان/١٥.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10815
يمنعها والدها من الزواج بحجة إكمال تعليمها
[السُّؤَالُ]
ـ[طرق بابنا بعض راغبي الزواج مني فرفض والديّ بحجة إكمال تعليمي، وقد حاولت إقناعهما كثيراً برغبتي في الزواج وأن ذلك لن يتعارض مع دراستي، ولكنهما أصرا على موقفهما، فهل يجوز لي أن أتزوج دون رضاهما؟ وإلا ماذا أفعل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"لا شك أن منع والدك من تزويجك لمن هو كفء أمر محرم، والزواج أهم من الدراسة، وهو لا ينافي الدراسة، لأنه من الممكن الجمع.
وفي الحال الذي وقعت يجوز لكي أن تتصلي بالمحكمة الشرعية لإبداء ما جرى ثم بعد ذلك يكون النظر الأخير لها أي المحكمة الشرعية" انتهى.
فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀.
"فتاوى المرأة المسلمة" (٢/٧٠٤) . ترتيب أشرف بن عبد المقصود.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10816
طلب المرأة الطلاق من زوجها المدمن للمخدرات
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز للمرأة أن تطلب الطلاق من زوجها الذي يدمن شرب المخدرات؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأصل أنه لا يجوز للمرأة أن تطلب الطلاق إلا إذا وجد سبب لذلك، قَالَ رَسُولُ ﷺ : (أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ) رواه أحمد (٢١٨٧٤) وأبو داود (٢٢٢٦) والترمذي (١١٨٧) وصححه الألباني في "إرواء الغليل" (٢٠٣٥) .
وقوله ﷺ : (مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ) أي: من غير شدة تلجئها إلى سؤال المفارقة.
وقال الحافظ بن حجر ﵀ في "فتح الباري":
"الأخبار الواردة في ترهيب المرأة من طلب طلاق زوجها، محمولة على إذا لم يكن بسبب يقتضي ذلك، لحديث ثوبان..... ثم ذكر الحديث المتقدم" انتهى.
ولا شك أن إدمان الرجل شرب المخدرات نقص كبير، يضر المرأة في دينها ودنياها، فإنه لا يؤمن أن يدخل عليها زوجها وهو سكران فيضربها أو يشتمها، وقد يطلب منها في ذلك الوقت فعل ما لا يجوز لها فعله.
ومثل هذا يعتبر عذراً يبيح للمرأة أن تطلب الطلاق، لكن الذي ينبغي للمرأة أن تصبر على زوجها، وتحاول إصلاحه بقدر ما تستطيع فإن عجزت عن ذلك ووجدت أن الإقامة معه تضرها، فلا حرج عليها حينئذ في طلب الطلاق.
وقد سئل الشيخ محمد بن عثيمين ﵀:
ما حكم طلب المرأة للطلاق من زوجها الذي يستعمل المخدرات؟ وما حكم بقائها معه؟ علماً بأنه لا يوجد أحد يعولها وأولادها سواه.
فأجاب:
"طلب المرأة من زوجها المدمن على المخدرات الطلاق جائز، لأن حال زوجها غير مرضية، وفي هذه الحال إذا طلبت منه الطلاق فإن الأولاد يتبعونها إذا كانوا دون سبع سنين، ويلزم الوالد بالإنفاق عليهم وإذا أمكن بقاؤها معه لتصلح من حاله بالنصيحة فهذا خير" انتهى.
"فتاوى المرأة المسلمة" (٢/٧٤٥، ٧٤٦) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10817
شرب المرأة المتوفى عنها زوجها لقهوة فيها زعفران في فترة الحداد
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم شرب القهوة بالزعفران للمرأة في فترة الحداد؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
المرأة التي توفي عنها زوجها يجب عليها أن تجتنب الزينة والطيب في فترة الحداد، وهي فترة العدة، والزعفران نوع من الطيب، فإن كان إضافته إلى القهوة تُذهب رائحته فلا حرج فيه، أما إذا كانت رائحته باقية، فيجب على المرأة اجتنابه في فترة الحداد.
وقد سئل الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ عن ذلك، فقال:
"إذا كانت رائحته باقية أي رائحة الزعفران باقية فإنه لا يجوز لها أن تشرب ذلك، لأنه سيظهر ريحه على فمها، وأما إذا كانت الرائحة قد زالت بطبخه فلا حرج عليها" انتهى.
http://www.ibnothaimeen.com/all/noor/article_٨٨٠٤.shtml
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10818
هل الرزق والزواج مكتوب في اللوح المحفوظ ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل الرزق والزواج مكتوب في اللوح المحفوظ؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"كل شيء منذ خلق الله القلم إلى يوم القيامة فإنه مكتوب في اللوح المحفوظ، لأن الله سبحانه وتعالي أول ما خلق القلم قال له: (اكتب. قال: ربي وماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة) . وثبت عن النبي ﷺ أن الجنين في بطن أمه إذا مضى عليه أربعة أشهر، بعث الله إليه ملكاً ينفح فيه الروح ويكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد.
والرزق أيضاً مكتوب مقدر بأسبابه لا يزيد ولا ينقص، فمن الأسباب: أن يعمل الإنسان لطلب الرزق كما قال الله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) الملك/١٥.
ومن الأسباب أيضاً: صلة الرحم، من بر الوالدين، وصلة القرابات، فإن النبي ﷺ قال: (من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه) .
ومن الأسباب: تقوى الله ، كما قال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) الطلاق/٢، ٣. ولا تقل: إن الرزق مكتوب ومحدد ولن أفعل الأسباب التي توصل إليه فإن هذا من العجز، والكياسة والحزم أن تسعى لرزقك، ولما ينفعك في دينك ودنياك، قال النبي ﷺ : (الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني) .
وكما أن الرزق مكتوب مقدر بأسبابه فكذلك الزواج مكتوب مقدر، وقد كتب لكل من الزوجين أن يكون زوج الآخر بعينه، والله تعالى لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء" انتهى.
والله أعلم
فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀.
"فتاوى نور على الدرب" (ص٣٦) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10819
إذا لعن أحد الزوجين الآخر لم يقع بذلك طلاق أو تحريم
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي صفة الرجل إذا لعن زوجته أو الزوجة إذا لعنت زوجها، هل أحد منهم يحرم على الثاني من ناحية الزواج؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"لا يحرم كل منهما على الآخر بلعنه، ولا يقع بذلك طلاق، ولكن لعنه إياها ولعنها إياه من كبائر الذنوب فيجب عليهما أن يتوبا ويستغفرا الله مما حصل منهما ويستسمح كل من لعنه.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... الشيخ عبد الرزاق عفيفي ... الشيخ عبد الله بن غديان ... الشيخ عبد الله بن قعود.
"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" (٢٦/٦٢) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 10820
عقد على زوجته بصورة غير رسمية لتأخر الإجراءات
[السُّؤَالُ]
ـ[طلقت زوجتي طلاقا شرعيا وانتهت عدتها، وأردت الزواج من أخرى لكن عندنا في القانون المغربي لا يمكنني الزواج منها حتى أحصل على تصريح بالطلاق من المحكمة والذي يتأخر أحيانا بسبب تراكمات إدارية، فشق علي انتظاره لمدة شهرين إضافيين وأنا قد طلقت الطلاق الشرعي منذ أربعة أشهر تقريبا وحصل لي عنت كبير بسبب الانتظار. فأنا بين خيارين إما الوقوع في الزنا والعياذ بالله وهذا حال العديد من الأزواج، أو الصبر والتأذي وأنتم تعلمون العري والتفسخ الذي يعتري الشوارع المغربية. وقد أذن لي ولي خطيبتي بالزواج منها وأعطيتها المهر وشهد لنا شاهدان وكتب لنا موظف عدلي شهادة مؤقتة يحتفظ بها عنده ريثما أحصل على التصريح بالطلاق، فعلت هذا الحل ظنا مني أن أركان الزواج وشروطه مستوفية رغم أننا مضطرون لعدم إعلان هذا الزواج إلا بعد مرور هذين الشهرين. لكن أحد الإخوة قال لي إن ما فعلته غير شرعي فأريحوني جزاكم الله خيرا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا كان العقد الذي أشرت إليه مستوفيا الشروط والأركان، من حصول الإيجاب والقبول، ووجود الولي والشاهدين، مع رضا المرأة، فهذا عقد صحيح تترتب عليه آثاره، وتصير به المرأة زوجة لك، ولو لم يحصل الإعلان والإشهار؛ ولو لم يحصل تسجيله في الأوراق الرسمية، لقول النبي ﷺ : (لا نكاح إلا بولي) رواه أبو داود (٢٠٨٥) والترمذي (١١٠١) وابن ماجه (١٨٨١) من حديث أبي موسى الأشعري، وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
وقوله ﷺ : (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل) رواه البيهقي من حديث عمران وعائشة، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٧٥٥٧) .
وتوثيق العقد في المحكمة ونحوها ليس شرطا لصحة النكاح، لكنه لحفظ الحقوق، ولهذا لابد منه، لكن لا يضر تأخير ذلك حتى الحصول على تصريح الطلاق.
ونسأل الله تعالى أن يبارك لك وعليك وأن يجمع بينكما في خير، ونوصيك بتقوى الله تعالى، والإحسان إلى زوجتك، وإقامة البيت المسلم الصالح.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →