← Фатава

Фатава · id 26332

موقع الإسلام سؤال وجواب

محمد صالح المنجد

Полный текст (16 344 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

حكم قول أنا مؤمن إن شاء الله [السُّؤَالُ] ـ[هل يستطيع المسلم قول: أنا مؤمن إن شاء الله؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله مسألة الاستثناء في الإيمان من المسائل التي وقع فيها لأهل العلم مناقشات مطولة ومستفيضة والموقف الصحيح حيال هذه العبارة أن يُستفصل عن معنى قوله: (مؤمن) فإن أراد أصل الإيمان الذي هو بمعنى الإسلام والذي يكون بدونه كافرا فلا يصح الاستثناء والحالة هذه لأنه يكون حينئذ متضمنا لمعنى الشك في أصل الدين وهو محرم بل يجب على المسلم أن يجزم بإيمانه بهذا الاعتبار ويقول: أنا مؤمن دون استثناء، وأما إن أراد كمال الإيمان والمرتبة العالية التي هي فوق مرتبة الإسلام فعليه أن يستثني ويقول إن شاء الله لأن في عدم الإستثناء تزكية منعت الشريعة منها كما في قوله تعالى: (فلا تزكوا أنفسكم) . وإذا أراد الإنسان لفظة لا إشكال فيه ليعبّر بها عن دينه الذي يعتقده فليقل: أنا مسلم ولا يحتاج إلى استثناء في هذه الحالة والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 107

هل للمنافقين إيمان [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم هذا التقسيم للإيمان هل هو صحيح أو لا؟ الإيمان خمسة: إيمان مطبوع وهو إيمان الملائكة , وإيمان معصوم وهو إيمان الأنبياء, وإيمان مقبول وهو إيمان المؤمنين, وإيمان مردود وهو إيمان المنافقين, وإيمان موقوف وهو إيمان المبتدعة.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أقول في هذا التقسيم إنه ليس بصحيح , لا من أجل التقسيم لأن التقسيم قد يكون صحيحاً في أصله ولا مشاحة في الاصطلاح والتقسيم , لكنه ليس بصحيح في حد ذاته فإن المنافقين قد نفي الله الإيمان عنهم في القرآن فقال - تعالى: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) البقرة/٨. وإيمان البشر مطبوعون عليه لولا وجود المانع المقاوم. قال النبي ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصرانه أو يمجسانه) . صحيح أن الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم , وصحيح أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يمكن أن يرتدوا بعد إيمانهم, ولكن التقسيم الثاني غير صحيح وهو أنه جعل الملائكة مطبوعين على الإيمان دون البشر, البشر كما تقدم قد طبعوا على الإيمان بالله وتوحيده, وخير من ذلك أن نرجع إلى تقسيم السلف الصالح لأنه هو التقسيم الذي يكون مطابقاً للكتاب والسنة للإجماع عليه. وهو أن الإيمان قول باللسان , وعمل بالأركان , واعتقاد بالجنان. [الْمَصْدَرُ] مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ج/١ ص ٥٦ - ٥٧.

стр. 108

علاقة الروح بالبدن [السُّؤَالُ] ـ[هل يوجد في الإسلام تفسير لعلاقة الروح بالبدن؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قال ابن القيم ﵀: الروح لها بالبدن خمسة أنواع من التعلق متغايرة الأحكام: أحدها تعلقها به في بطن الأم جنينا. الثاني تعلقها به بعد خروجه إلى وجه الأرض. الثالث تعلقها به في حال النوم فلها به تعلق من وجه ومفارقة من وجه. الرابع تعلقها به في البرزخ فإنها وإن فارقته وتجردت عنه فإنها لم تفارقه فراقا كليا بحيث لا يبقى لها التفات إليه البتة وقد ذكرنا في أول الجواب من الأحاديث والآثار ما يدل على ردّها إليه وقت سلام المسلِّم وهذا الرد إعادة خاصة لا يوجب حياة البدن قبل يوم القيامة. الخامس تعلقها به يوم بعث الأجساد وهو أكمل أنواع تعلقها بالبدن ولا نسبة لما قبله من أنواع التعلق إليه إذ (هو) تعلق لا يقبل البدن معه موتا ولا نوما ولا فسادا. ... وإذا كان النائم روحه في جسده وهو حي وحياته غير حياة المستيقظ فإن النوم شقيق الموت فهكذا الميت إذا أعيدت روحه إلى جسده كانت له حال متوسطة بين الحي وبين الميت الذي لم ترد روحه إلى بدنه كحال النائم المتوسطة بين الحي والميت فتأمل هذا يزيح عنك إشكالات كثيرة. [الْمَصْدَرُ] كتاب الروح ٤٤

стр. 109

حكم ما يُسمى بـ " حرية الكلام "، و " حرية الرأي "؟ [السُّؤَالُ] ـ[ما هو رأي الإسلام في حرية الكلام وحرية الرأي؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: معرفة الحكمة من وجود الإنسان فيه الجواب على هذا السؤال , فإنَّ مَن علم المقصد من خلقه ووجوده: يعلم أنَّ فعله، وكلامه، ورأيه، منضبط بما أراده الله، ورضيه , وأما الماديون، ودعاة التفسخ والانحلال: فينطلقون من مبدأ: قل ما تشاء، وافعل ما تشاء، واعبد ما تشاء. فالحكمة من خلق الإنسان ووجوده على الأرض: أن يعبد الله وحده لا شريك له، وأن يستسلم لأوامر الله تعالى، كما قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ. مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ. إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) الذاريات/ ٥٦ – ٥٨، وقال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) المؤمنون/ ١١٥،١١٦. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: أي: (أَفَحَسِبْتُمْ) أيها الخلق، (أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا) أي: سدى، وباطلا، تأكلون، وتشربون، وتمرحون، وتتمتعون بلذات الدنيا، ونترككم لا نأمركم، ولا ننهاكم، ولا نثيبكم، ولا نعاقبكم؟ ولهذا قال: (وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ) لا يخطر هذا ببالكم، (فَتَعَالَى اللَّهُ) أي: تعاظم وارتفع عن هذا الظن الباطل، الذي يرجع إلى القدح في حكمته (الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) " تفسير السعدي " (ص ٥٦٠) . فمن علم أنه عبد لله: فلا بد أن يتقيد بما أمر الله به، وينتهي عما نهى الله عنه , وهذا ينافي دعوة حرية الكلام، والرأي، والأفعال , فالله لا يرضى من العبد التكلم بكلمة الكفر , أو أن يتكلم بالفسق، والفجور , أو أن يدعو إليها , وأما دعاة الحرية: فالأمر سيان عندهم، تكلم بما شئت، واعمل ما شئت , في حق الله، وفي حق الدين. ثانياً: لا شك أن الإسلام عظَّم خطورة الكلمة التي يتكلم بها المرء , قال تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) ق/ ١٨. وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِى لَهَا بَالاً يَرْفَعُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِى لَهَا بَالاً يَهْوِى بِهَا فِي جَهَنَّمَ) رواه البخاري (٦١١٣) . وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ – أيضاً - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ) رواه البخاري (٥٦٧٢) ومسلم (٤٧) . قال النووي ﵀: وقد ندب الشرع إلى الإمساك عن كثير من المباحات؛ لئلا ينجر صاحبها إلى المحرمات، أو المكروهات , وقد أخذ الإمام الشافعي ﵁ معنى الحديث فقال: " إذا أراد أن يتكلم: فليفكر , فإن ظهر له أنه لا ضرر عليه: تكلم , وإن ظهر له فيه ضرر، أوشك فيه: أمسك ". " شرح مسلم " (٢ / ١٩) . ثالثاً: إن حرية الكلام ليست مطلقة ـ حتى عند دعاتها ـ بل مقيدة بأمور، منها: ١. القانون. ومن العجب أن ترى اجتماع دول الغرب على تجريم من يشكك في محرقة اليهود، بل يحاكمون من يثبتها لكن يشكك في أرقام قتلاها! دون أن يسمحوا لأهل التاريخ، ولأهل الفكر، أن يبحثوا القضية، ويتم مناقشتها وفق الأدلة والبراهين، ولا يزال بعض الكتَّاب والمفكرين قابعين في سجون تل البلدان بسبب موقفهم من ثبوت المحرقة، أو موقفهم من المبالغة في عدد قتلاها من اليهود. ومنها: العرف، والذوق العام، والاصطدام بحرية الآخرين. فإن كنا قد اتفقنا على تقيد حرية الكلام والتعبير عن الرأي، فليكن الحكم في ذلك، لحكم الله، الذي هو أعدل الأحكام وأحسنها، ولا يكون الحكم لقانون من وضع البشر، يعتيريه ما يعتري غيره من أنظمة البشر من الهوى والظلم والجهل. وإنه لتناقض عند هؤلاء أن يكون القانون يُلجم أفواههم عن الكلام عن محرقة اليهود، وأخبار جنودهم القتلى في أرض المسلمين – بينما يستنكرون علينا أن نمنع من يسب الله أو رسوله أو دينه أو يقذف المحصنات المؤمنات أو غير ذلك مما حرم الله النطق به؛ لما يترتب عليه من مفاسد ومضار. إن المسلم مطلوب منه أن لا يسكت على الخطأ والزلل، وعليه واجب التذكير والنصيحة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر , وهذا منافٍ لدعوة حرية الكلام , فمن تكلم بكلام محرم، فالواجب منعه من هذا الكلام، ونهيه عن هذا المنكر. والإسلام لا يمنع الناس من التعبير عن آرائهم فيما يجري حولهم في السياسة والاقتصاد، والمسائل الاجتماعية، ولا يمنع من الكلام في نقد الأخطاء، ونصح المخطئين، وكل ذلك ينبغي أن يكون مقيَّداً بشروط الشرع، وآدابه، فلا تهييج للعامة، ولا دعوة للفوضى، ولا اتهام للأبرياء، ولا قذف للأعراض، وغير ذلك مما هو معروف من أحكام الشرع التي تضبط هذه المسائل. وقد وجدنا أن أكثر أصحاب دعاوى حرية الكلام، والرأي: مقصدهم من ذلك: حرية التطاول على الدِّين الإسلامي، وشرائعه , فيصلون إلى مقصدهم من خلال ـ حرية الرأي ـ. فتطاولوا على حكم الله بدعوى حرية الكلام , وطعنوا في القرآن والسنَّة بدعوى حرية الكلام , ودعوا إلى الزنا والفجور والخنا بدعوى حرية الكلام. وقد تبع هؤلاء بعض المنافقين في بلاد الإسلام، الذين يطعنون في أحكام الشريعة الإسلامية، ويطعنون في القرآن وفي السنة النبوية الصحيحة. والواجب على حكام المسلمين الأخذ على أيدي هؤلاء، ومنعهم من هذا المنكر، حفاظاً على دين الأمة، وقياماً بما أوجب الله عليهم من حماية الدين والدفاع عنه. والحاصل: أننا ـ نحن المسلمين ـ ليس عندنا ما يسمى بـ "حرية الرأي" أو "حرية التعبير" وإنما عندنا الخضوع لحكم الله تعالى، وعدم الخروج عن شرعه، فمن تكلم بالحق وجب أن يعان، ومن تكلم بالباطل وجب أن يمنع. وقد سئل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: هل يجوز أن يكون هناك ما يسمَّى بـ " حرية الرأي "، أي: يُفتح المجال لأهل الخير، وأهل الشر، كلٌّ يدلي بدلوه في المجتمع؟ . فأجاب: "هذا باطل، لا أصل له في الإسلام، بل يجب أن يُمنع الباطل، ويُسمح للحق، ولا يجوز أن يُسمح لأحد يدعو إلي الشيوعية، أو الوثنية، أو يدعو إلى الزنا، أو القمار، أو غير ذلك، سواء بالأسلوب المباشر، أم غير المباشر، بل يُمنع، ويؤدب، بل إن هذه هي: " الإباحية المحرمة " انتهى. " فتاوى إسلامية " (٤ / ٣٦٧، ٣٦٨) . وانظر لمزيد الفائدة جوابي السؤالين: (٩٨١٣٤) و (٩٤١٠) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 110

التوكل والأخذ بالأسباب [السُّؤَالُ] ـ[حصل نقاش حول مسألة التوكل والأخذ بالأسباب، وتوكل بعض الصالحين كتوكل مريم والتي تأتيها فاكهة الصيف في الشتاء والعكس، ولم تتخذ الأسباب بل انقطعت للعبادة. فأيدونا في ذلك بارك الله فيكم.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "التوكل يجمع الأمرين، فالتوكل يجمع شيئين: أحدهما: الاعتماد على الله، والإيمان بأنه مسبب الأسباب، وأن قَدَره نافذ، وأنه قَدَّر الأمور وأحصاها وكتبها . الشيء الثاني: تعاطي الأسباب، فليس من التوكل تعطيل الأسباب، بل من التوكل الأخذ بالأسباب، والعمل بالأسباب، ومن عَطَّلها فقد خالف شرع الله وقَدَرَه، فالله أمر بالأسباب وحث عليها ، وأمر رسوله ﷺ بذلك. فلا يجوز للمؤمن أن يعطل الأسباب، بل لا يكون متوكلاً على الحقيقة إلا بتعاطي الأسباب، ولهذا شُرِعَ النكاح لحصول الولد، وأمر بالجماع، فلو قال أحد من الناس: أنا لا أتزوج وأنتظر ولداً من دون زواج، لعُد من المجانين، فليس هذا أمر العقلاء، وكذلك لا يجلس في البيت أو في المسجد يتحرى الصدقات ويتحرى الأرزاق تأتيه، بل يجب عليه أن يسعى ويعمل ويجتهد في طلب الرزق الحلال. ومريم رحمة الله عليها لم تدع الأسباب؛ فقد قال الله لها: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا) مريم/٢٥، هزت النخلة وتعاطت الأسباب حتى وقع الرطب، فليس من عملها ترك الأسباب، ووجود الرزق عندها وكون الله أكرمها وأتاح لها بعض الأرزاق وأكرمها ببعض الأرزاق لا يدل على أنها معطلة الأسباب، بل هي تتعبد وتأخذ بالأسباب وتعمل بالأسباب. وإذا ساق الله لبعض أوليائه من أهل الإيمان شيئاً من الكرامات فهذا من فضله ، لكن لا يدل على تعطيل الأسباب، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: (احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ) رواه مسلم (٢٦٦٤) ، وقال الله سبحانه: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) الفاتحة/٥" انتهى. سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ "فتاوى نور على الدرب" (١/٣٦٤) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 111

الحكمة من خلق الإنسان [السُّؤَالُ] ـ[أنا غير مسلمة ولكني أود أن أعرف ماذا يقول الإسلام عن: لماذا خلق الله الإنسان؟ هل هناك سبب معين؟ ما معنى الوجود؟ هل فقط لطاعة الله؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله نحن نعتقد أن الله هو خالق البشر، وأنه الذي تفرّد بخلق جميع المخلوقات كلها من الدواب والطيور، والحشرات والأسماك وغيرها من إنس أو جن، ونعتقد أنه ما خلقهم عبثا، فقد قال تعالى في القرآن: (وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق) الأنبياء / ١٦، وأنه فَضَّل الإنسان على سائر المخلوقات فأعطاه العقل والسمع والبصر والفؤاد، وأنطق منه اللسان، وفَضَّله على غيره من المخلوقات، فقال تعالى في كتابه: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) الإسراء / ٧٠. فالإنسان ميّزه الله عن الخلق، فلما أعطاه العقل والقلب كلّفه أن يعبده، والإنسان يعلم مَنْ خلقه، فأمره الله أن يعبده وهو ربه ومالكه، والمالك له حق على المملوكين، فالله خلق الخلق من البشر لعبادته، ولذلك قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) الذاريات / ٥٦، وأنكر عليهم أن يكونوا خُلِقوا كما خُلِقت البهائم، فقال تعالى: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون) المؤمنون / ١١٥، فهذا ظن سوء. وقال تعالى: (أيحسب الإنسان أن يترك سُدى) القيامة /٣٦ أي مهملا، لا يؤمر ولا ينهى، ولا يكلف. فلما ميّز الله البشر عن غيره من المخلوقات كان من حكمة ذلك أن أمره بالعبادة، ونهاه عن المحرمات، ووعده على الطاعة بالجنة، وأخبره أنه سوف يعيده بعد موته، وسيلقى جزاءه كاملا، فمن صدّق بذلك كان من الأتقياء المؤمنين، ومن كذّب بذلك فقد عصى الله تعالى وتعرّض للعقاب في عاجل أمره وآجله، ولا يضرّ إلا نفسه. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] سماحة الشيخ عبد الله بن جبرين رحمه الله

стр. 112

إن كان لدى المسلم شكوك فهل يضره أن يسأل عن صحة معجزة ما ؟ [السُّؤَالُ] ـ[إن كان لدى المسلم شكوك حول الإسلام والنبي ﷺ فيطلب أن يطمئن قلبه لشكوكه التي تساوره فيسأل عن مدى صحة معجزة ما جرت على يد النبي ﷺ فهل يضعه هذا خارج حظيرة الإسلام؟ وهل يغفر الله مثل تلك الذنوب؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله على المسلم أن يحمد الله تعالى ويشكره على نعمة الإسلام والهداية، فإنها أعظم النعم، كما قال تعالى: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) الأنعام/١٢٢، وقال سبحانه: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) الزمر/٢٢، وقال: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ) النور/٢١. ولو نظر هذا المسلم فيما حوله، وتأمل ما عليه أهل الشرك والوثنية من نصارى وغيرهم لأدرك عظيم فضل الله عليه. ومع ذلك فقد يعتري المسلم بعض الشكوك؛ لقلة علمه أو لضعف إيمانه، أو لوجود من يشككه، فيلزمه حينئذ أن يرفع الشك عنه بسؤال أهل العلم، والتدبر في كلام الله تعالى وكلام نبيه ﷺ ، والنظر في السيرة والآيات والمعجزات، فإن ذلك مما يزيد الإيمان ويوصل إلى طمأنينة القلب وانشراح الصدر. ولا حرج أن يسأل عن المعجزة وعن صحتها ليزداد يقينا وثباتا، ولا يعد سؤاله هذا خروجا عن الإسلام، لكن ليحذر من التمادي في الشك أو الانقطاع عن العمل كأن يترك الصلاة عياذا بالله، فإن ترك الصلاة كفر على الراجح من قولي العلماء. وليعلم المسلم أنه مهما أذنب من ذنب ثم تاب واستغفر فإن الله تعالى يغفر له مهما كان ذنبه، وقد تاب الله تعالى على أناس عاشوا دهرهم في الكفر والشرك والصد عن سبيل الله، ثم صاروا أئمة للهدى ومصابيح للدجى ومنارات على طريق الحق والاستقامة، وقد قال تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) التوبة/١٠٤، وقال: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) الشورى/٢٥. فمهما عظم الذنب، فإن رحمة الله وعفوه وكرمه أعظم. وقد أحسن من قال: يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة ... فلقد علمت بأن عفوك أعظمُ إن كان لا يرجوك إلا محسن ... فمن الذي يدعو ويرجو المجرمُ ونصيحتنا لمن ابتلي بشيء من الشكوك أن يقبل على كتاب الله تعالى فإنه الدواء والشفاء، كما قال سبحانه: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا) الإسراء/٨٢. ولينطرح بين يدي الله، يدعوه ويرجوه أن يزيل همه، ويفرج كربه، وينوّر قلبه، ويُذهب عنه كيد الشيطان. وإن كان شكه مبنيا على شبهة معينة فليسأل عنها أهل العلم، فإن دين الإسلام من العظمة والقوة بحيث لا يقف في وجهه شبهة، ولا تقاومه حجة. وإن كان ما يأتيه نوع من الوسوسة التي لا تقوم على شبهة معينة، فإن علاجها بالذكر والطاعة والاستعاذة والتشاغل والتغافل عنها، وينظر جواب السؤال رقم (١٢٣١٥) . نسأل الله أن يوفق الجميع لما يحب ويرضى. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 113

يعتقد أن عيسى خير من محمد ويطعن في نبينا [السُّؤَالُ] ـ[لماذا تقولون إن محمداً هو خير خلق الله - والذي لا أظن ذلك -؛ لأن خير خلق الله يجب أن لا يكون له ذنوب، وهذا يخالف محمَّداً؛ لأنه كثير الذنوب. خير خلق الله هو الذي ليس للشيطان عليه سلطان، وهو المسيح، وأنتم تعرفون والقرآن يقر بذلك. وكذلك خير خلق الله لا يلقي الشيطان على لسانه آيات دون أن يعلم , وكذلك خير خلق الله لا يخالف أمراً من الله، وخير خلق الله لا يمكن أن يجري عليه سحرٌ، وكيف يكون أَبَوَا خير خلق الله مشركين، وماتا مشركين؟ وأيضاً فإن خير خلق الله لا ينشر دينه بالسيف، أو بالمال يبيعه. إنكم تبالغون كثيراً، إن أردتم أورد لكم الآيات التي تثبت صحة كلامي.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: قد قرأنا ما كتبت بحروفه كلها، وأعدنا القراءة مرة وأخرى، فمن حقنا عليك أن تقرأ لنا ما ندافع به عن ديننا، وعن نبينا محمد - صلى الله عليه وعلى أخيه عيسى وسلم -، ومن حقنا عليك أن تتأمل كلامنا كما تأملْنا كلامك، أليس كذلك؟ . ثانياً: من الجيد أن تكون خاتمة رسالتك فيها إقرار بأن " عيسى " ﵇ خير خلق الله تعالى، والإقرار بأنه مخلوق ينفي عنه الألوهية، وأنه إله رب؛ لأنك أقررتَ أنه مخلوق مربوب، ولن يجتمع في ذات أنها خالق ومخلوق، ورب ومربوب، أو " لاهوت وناسوت "، ولعلك باعتقادك هذا تعتقد أيضاً بطلان العقيدة التي تثبت لهذا المخلوق أنه إله، أليس كذلك؟ . إن المسيح الذي تتكلم عنه في سؤالك، ليس هو المسيح الذي تؤمنون به معشر النصارى، فعن أيهما تريد أن تتحدث، وأن يدور حوارنا: عبد الله عيسى ابن مريم، المخلوق؛ أو الابن الذي اتخذتموه إلها؟! انظر إجابة السؤال رقم (٨٢٣٦١) ثالثاً: لسنا في صدد المقارنة بين عيسى ومحمد ﵉، فنحن في شرعنا قد نهينا عن المفاضلة بين الأنبياء، وبخاصة تلك المفاضلة التي فيها إنقاص لقدر الطرف الآخر، وهو ما فعلته أنتَ، فلم تستطع إثبات خيرية عيسى ﵇ على خلق الله تعالى إلا بالطعن بنبينا محمد ﷺ ، وهذا أمرٌ مرفوض في شرعنا لو كان الطرف الآخر أقل منزلة، وأما مع الطعن بأحد الأنبياء فإن من يفعل ذلك يكفر ويخرج من ملة الإسلام، فديننا المطهَّر يحفظ كرامة الأنبياء والرسل، ويُعلي شأنهم، والإيمان بهم جميعاً ركن من أركان الإيمان، ولا يكون مسلماً من لم يؤمن ولو بنبي واحد، وليس في شرعنا المطهَّر إلا ذِكر الأنبياء والرسل بخير، فقد ذكر الله تعالى في كتابه الكريم " القرآن " عبادتهم، وأثنى عليها، وذكر دعاءهم، وخشيتهم، ودعوتهم لأقوامهم، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وليس في كتاب الله تعالى ولا في سنة النبي ﷺ ما يسيء لأحدٍ منهم، بل فيهما وجوب تعظيم قدرهم، وإعلاء شأنهم. رابعاً: بحث المفاضلة بين عيسى ومحمد ﵉ ليس هو مقصوداً عندنا في الدين، ولا ينبغي أن يكون عندك كذلك، والسبب: أننا أُمرنا باتباعه ﷺ ، وقبل ذلك بالشهادة أنه رسول الله، وهذا لا علاقة له بكونه خير خلق الله أو لا، وليس هذا في ديننا فحسب، بل كل قوم أرسل لهم رسول من قبَل ربهم تعالى فإنهم مأمورون بالإيمان به وباتباعه ولو لم يكن خير خلق الله، وهل من شرط النبي أن يكون خير خلق الله؟! فماذا إذن يكون حال الأمم السابقة التي اجتمع في عصر واحدٍ مجموعة عظيمة من الأنبياء والرسل؟! نحن لم نشهد لنبينا محمد ﷺ بالرسالة لأنه خير خلق الله، ولا قال هو اتبعوني لأنني خير خلق الله، بل نحن عرفنا ذلك من رفع الله تعالى لمقامه، ومن إعلائه لشأنه، وسنذكر ما يؤيد هذا بآية، وحادثة، وحديث: ١. أما الآية: فهي قول الله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) آل عمران/ ٨١. فهذا عهد وميثاق أخذه الله ﵎ عَلَى الأنبياء جميعاً أن يؤمنوا بمُحَمَّد ﷺ ، وأن ينصروه في دعوته. ٢. وأما الحادثة: فهي صلاة نبينا ﷺ بالأنبياء جميعاً إماماً، وذلك في رحلته المسماة " الإسراء والمعراج "، فقد صلَّى بهم جميعاً ﵈ في بيت المقدس. وإن لم يدل هذا على فضله وخيريته فلا ندري أي شيء يمكن أن يدل على ذلك. ٣. وأما الحديث: فهو ما صحَّ عنه ﷺ مما يجري يَوْمَ القِيَامَةِ حين يتراجع الأَنْبِيَاء صلوات الله وسلامه عليهم كلهم عن الشفاعة للناس في الفصل بينهم، فيعتذرون، وكلهم يقول: نفسي، نفسي، فيتقدم ﷺ للشفاعة العظمى ويقول: أنا لها، أنا لها، ثُمَّ يكرمه ربه تعالى، ويقبل شفاعته في أهل المحشر، وذلك هو المقام المحمود الذي لم يجعله الله ﵎ لبشرٍ غيره ﷺ . فهذه بعض أدلة من ديننا على أفضلية النبي ﷺ على إخوانه الأنبياء ﵈، وليسوا ينكرون هم ذلك، فها هو موسى ﵇ يعترف بذلك في حديث صحيح عندنا، وها هو عيسى ﵇ يرفض أن يؤم بالمسلمين، بل يرضى أن يكون مأموماً؛ لأنه سيعمل بالعهد والميثاق الذي أخذهما الله تعالى عليه، فعندما ينزل في آخر الزمان فإنه سيقتل الخنزير، وسيكسر الصليب، وسيصلي مأموماً وراء إمامٍ من أئمة المسلمين. وقد ثبت في أصح الكتب عندنا – البخاري ومسلم – بيان هذه الأمور مجتمعة، مع تعظيم قدر عيسى ﵇، ومدى ارتباطه به ﷺ ، فقف على هذا الحديث: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ) رواه البخاري ومسلم. ومعنى (أولى الناس بعيسى) : أي: أخصهم به، وأقربهم إليه. ومعنى (إخوة لِعَلَاّت) : أي: إخوة لأب من أمهات شتى. معنى الحديث: أن أصل إيمان الأنبياء واحد، وشرائعهم مختلفة. فأنت بكلامك الوارد في سؤالك تظن أنه ثمة فجوة بين الأنبياء والمرسلين وبين نبينا محمد ﷺ ، وليس هذا هو واقعهم ﵈، بل هم جميعاً إخوة، جاءوا برسالة عقائدية واحدة، وهي الدعوة لعبادة الله تعالى وحده، وترك الإشراك به. خامساً: وأما قولك عن نبينا محمد ﷺ أنه " كثير الذنوب ": فهو قول يمكن أن يزعمه أي أحد في أي شخص، ولو كنت تسلك الجادة العلمية لما قلتَ هذا القول، ونحن ننزه الأنبياء والمرسلين الذين أرسلوا لغيرنا من الأمم أن يكونوا من أصحاب المعاصي والذنوب: فكيف يكون حال أفضلهم وخيرهم؟ وانظر للفرق العظيم بيننا وبينك، ففي الوقت الذي تطعن فيه بنبينا محمد ﷺ دون بيِّنة: فإننا ننكر هذا أن يكون من أخلاق أحد من الأنبياء والرسل لغيرنا، وهكذا علَّمنا ديننا: أن نحترم الأنبياء والمرسلين، وأن نجلَّهم، ونقدِّرهم. ونحن لا نعجب منكم إذا طعنتم بنبينا وأسأتم له؛ لأن شتم الأنبياء ديدنكم، والطعن فيهم منهجكم، وقد لبَّس عليكم اليهود دينَكم، وحرَّفوه فتبعتموهم على عماية وضلالة، وكل ما في التوراة من طعن في الأنبياء والمرسلين فأنتم تصدقونه، وأضفتم إليه ما في كتبكم المحرَّفة من طعن في صفوة الناس: ١. جاء في إنجيل " متَّى " أن عيسى من نسل سليمان بن داود، وأن جدهم فارض الذي هو من نسل الزنى من يهوذا بن يعقوب. إصحاح متى الأول، عدد (١٠) . ٢. وفي إنجيل " يوحنَّا " إصحاح (٢) عدد (٤) : أن يسوع أهان أمَّه في وسط جمع من الناس! . ٣. وفي إنجيل " يوحنا "، إصحاح (١٠) عدد (٨) : أن يسوع شهد بأن جميع الأنبياء الذين قاموا في بني إسرائيل هم سرَّاق ولصوص! . وجاء في التلمود - وهو مؤلَّف ضخم، يعد مصدراً أساسيّاً من مصادر التشريع اليهودي، ويعد في وقتنا الحالي المرجع الديني لليهود الأصوليين، والمتشددين في إسرائيل، والعالم أجمع، وهو يتبوأ مكانة أسمى من مكانة التوراة -: ١. " إن تعاليم يسوع كفر , وتلميذه يعقوب كافر , وإن الأناجيل كتُب الكافرين ". ٢. وجاء فيه - والعياذ بالله -: " إن يسوع الناصري موجود في لجات الجحيم بين القار والنار، وإن أمَّه مريم أتت به من العسكري " بانديرا " عن طريق الخطيئة، وإن الكنائس النصرانية هي مقام القاذورات والواعظون فيها أشبه بالكلاب النابحة ". ٣. وقال الحاخام " اباربانيل ": " المسيحيون كافرون؛ لأنهم يعتقدون أن الله له لحم ودم ". ٤. وجاء في التلمود: " كل الشعوب ماعدا اليهود: وثنيون , وتعاليم الحاخامات مطابقة لذلك ". ٥. وجاء في موضع آخر من التلمود: " إن المسيح كان ساحراً ووثنيّاً، فينتج أن المسيحيين وثنيون أيضاً مثله ". ٦. وجاء في التلمود - أيضاً -: " النعيم مأوى أرواح اليهود، ولا يدخل الجنة إلا اليهود، أما الجحيم: فمأوى الكفار من المسيحيين، والمسلمين، ولا نصيب لهم فيها سوى البكاء؛ لما فيها من الظلام والعفونة ". فأين هذا الذي تدعيه كتبكم على أنبياء الله الكرام، مما تدعيه على نبينا محمد ﷺ من كثرة الذنوب. وانظر جواب السؤال رقم (٤٢٢١٦) . سابعاً: وأما قولك " وكذلك خير خلق الله لا يلقي الشيطان على لسانه آيات دون أن يعلم ": فأنت تريد به " قصة الغرانيق " وملخصها: أن الرسول ﵊ وهو يقرأ: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى) النجم/ ١٩، ٢٠ ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى! وأن النبي ﷺ وأصحابه والمشركون سجدوا بعد ذلك! وهذه القصة قد ضعَّفها كثير من أهل العلم والتحقيق. قال البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل. انظر " تفسير الفخر الرازي " (٢٣ / ٤٤) . وقال ابن حزم: وأما الحديث الذي فيه: " وأنهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتها لترتجى " فكذب بحت موضوع؛ لأنه لم يصح قط من طريق النقل، ولا معنى للاشتغال به، إذ وضع الكذب لا يعجز عنه أحد. " الفِصَل في الملل والنحل " (٢ / ٣١١) . وقال القاضي عياض: هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل....، ومن حُكيت هذه الحكاية عنه من المفسرين والتابعين لم يسندها أحد منهم، ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية. " الشفا في أحوال المصطفى " (٢ / ٧٩) . وقال الحافظ ابن كثير: قد ذكر كثير من المفسرين قصة الغرانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة، ظنّاً منهم أن مشركي قريش قد أسلموا، ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح، والله أعلم. " تفسير ابن كثير " (٣ / ٢٣٩) . وقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: ليس في إلقاء هذه الألفاظ في قراءته ﷺ حديث صحيح يعتمد عليه فيما أعلم، ولكنها رويت عن النبي ﷺ في أحاديث مرسلة، كما نبه على ذلك الحافظ ابن كثير في تفسير آية الحج، ولكن إلقاء الشيطان في قراءته ﷺ في آيات النجم وهي قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج / ٥٢] فقوله سبحانه: ﴿إِلا إِذَا تَمَنَّى﴾ أي: تلا، وقوله سبحانه: ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي: في تلاوته، ثم إن الله سبحانه ينسخ ذلك الذي ألقاه الشيطان ويوضح بطلانه في آيات أخرى، ويحكم آياته؛ ابتلاء وامتحانا، كما قال سبحانه بعد هذا: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ الآيات [الحج / ٥٣] . فالواجب على كل مسلم أن يحذر ما يلقيه الشيطان من الشبه على ألسنة أهل الحق وغيرهم، وأن يلزم الحق الواضح الأدلة، وأن يفسر المشتبه بالمحكم حتى لا تبقى عليه شبهة، كما قال الله سبحانه في أول سورة آل عمران: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران / ٧] وصح عن النبي ﷺ من حديث عائشة ﵂ أنه قال: " إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم " متفق على صحته. والله ولي التوفيق. " مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٨ / ٣٠١، ٣٠٢) . وقد تكلَّم على القصة سنداً ومتناً وبيَّن ضعف سندها ونكارة متنها: الشيخ الألباني ﵀ في رسالته النافعة " نصب المجانيق في بطلان قصة الغرانيق ". ومن صحح القصة من العلماء فإنه لم يقل بما توهمه في ظاهرها من التغيير والتبديل في كلام الله تعالى ومن الخطأ من النبي ﷺ ، بل بيَّنوا لها أوجهاً تلتقي مع اعتقاد المسلمين جميعاً بعدم تحريف القرآن وبعصمة النبي صلى الله عليه فيما يبلغ عن ربه تعالى. ومن وجوه التأويل ما ذكره بعض العلماء من كون الشيطان ألقى تلك الكلمات في أسماع المشركين لا أنه ألقاها على لسان النبي ﷺ ، وهو ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في " مجموع الفتاوى " (٢ / ٢٨٢) . أما عن سبب سجود المشركين في نهاية تلاوة السورة: فإليك ما قاله العلماء فيه. قال الشيخ الألباني ﵀ في آخر كتابه السابق الذكر -: رب سائل يقول: إذا ثبت بطلان إلقاء الشيطان على لسانه ﵊ جملة " تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى " فَلِمَ إذن سجد المشركين معه ﷺ وليس ذلك من عادتهم؟ . والجواب ما قاله المحقق الآلوسي بعد سطور من كلامه الذي نقلته آنفاً: " وليس لأحد أن يقول: إن سجود المشركين يدل على أنه كان في السورة ما ظاهره مدح آلهتهم، وإلا لما سجدوا؛ لأننا نقول: يجوز أن يكونوا سجدوا لدهشة أصابتهم وخوف اعتراهم عند سماع السورة لما فيها من قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى. وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى. وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى. وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى. فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ إلى آخر الآيات [النجم / ٥٠ - ٥٤] ، فاستشعروا نزول مثل ذلك بهم، ولعلهم لم يسمعوا قبل ذلك مثلها منه ﷺ ، وهو قائم بين يديْ ربه سبحانه في مقام خطير وجمع كثير، وقد ظنّوا من ترتيب الأمر بالسجود على ما تقدم أن سجودهم ولو لم يكن عن إيمان كافٍ في دفع ما توهَّموه، ولا تستبعد خوفهم من سماع مثل ذلك منه ﷺ ، فقد نزلت سورة (حم السجدة) بعد ذلك كما جاء مصرّحا به في حديث عن ابن عباس، ذكره السيوطي في أول " الإتقان " فلما سمع عُتبة بن ربيعة قوله تعالى فيها: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ " [فصّلت / ١٣] ! أمسك على فم رسول الله ﷺ ، وناشده الرحم واعتذر لقومه حين ظنوا به أنه صبأ وقال: " كيف وقد علمتم أن محمَّداً إذا قال شيئاً لم يكذب؟ فخفت أن ينزل بكم عذاب " وقد أخرج ذلك البيهقي في " الدلائل " وابن عساكر في حديث طويل عن جابر بن عبد الله ﵁. ثامناً: وأما قولك: " وكذلك خير خلق الله لا يخالف أمراً من الله ": لا نعرف ما الأمر الذي أمر الله تعالى نبيَّه ولم يفعله! وقد وصفه ربه تعالى بالعبودية، وأثنى عليه، وهو أعلم الناس بربه، وأتقاهم وأخشاهم له، فأي أمرٍ يمكن أن يخالفه؟! إن هذا إلا اختلاق. تاسعاً: وقولك: " وخير خلق الله لا يمكن أن يجري عليه سحرٌ ": قول باطل، فالسحر الذي جرى له ﷺ لم تعلمه أنت حتى أعلمك به النبي ﷺ ! ولم يخبر به النبي ﷺ حتى أذن الله تعالى له بالإخبار به! فهو من جملة العوارض التي تصيب الإنسان، وهو يدل على أنه ﷺ بشر، وقد ردَّ بعض أهل البدع من المنتسبين للإسلام هذا الحديث، وظنوه مخالفاً لكونه معصوماً ﷺ ، ومحطاًّ لقدر النبوة، وقد كفانا العلماء الأثبات مئونة الرد على أولئك قديماً، وعليكم حديثاً. قال النووي – ﵀ –: قال الإمام المازري: وقد أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث بسببٍ آخر، فزعم أنه يحط منصب النبوة، ويشكك فيها، وأن تجويزه يمنع الثقة بالشرع! وهذا الذي ادَّعاه هؤلاء المبتدعة: باطل؛ لأن الدلائل القطعية قد قامت على صدقه، وصحته، وعصمته فيما يتعلق بالتبليغ، والمعجزة شاهدة بذلك، وتجويز ما قام الدليل بخلافه: باطل، فأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث بسببها، ولا كان مفضَّلا من أجلها، وهو مما يعرض للبشر: فغير بعيد أن يخيَّل إليه من أمور الدنيا ما لا حقيقة له، وقد قيل: إنه إنما كان يتخيل إليه أنه وطىء زوجاته وليس بواطئ، وقد يتخيل الإنسان مثل هذا في المنام، فلا يبعد تخيله في اليقظة ولا حقيقة له، وقيل: إنه يخيل إليه أنه فعله وما فعله ولكن لا يعتقد صحة ما يتخيله فتكون اعتقاداته على السداد. قال القاضي عياض: وقد جاءت روايات هذا الحديث مبيِّنة أن السحر إنما تسلَّط على جسده وظواهر جوارحه، لا على عقله، وقلبه، واعتقاده، ويكون معنى قوله في الحديث " حتى يظن أنه يأتي أهله ولا يأتيهن "، ويروى: " يُخيل إليه " أي: يظهر له من نشاطه، ومتقدم عادته القدرة عليهن فإذا دنى منهن أخذته أخذة السحر فلم يأتهن، ولم يتمكن من ذلك كما يعتري المسحور، وكل ما جاء في الروايات من أنه يخيل إليه فعل شيء لم يفعله، ونحوه: فمحمول على التخيل بالبصر لا لخلل تطرق إلى العقل، وليس في ذلك ما يدخل لبساً على الرسالة، ولا طعناً لأهل الضلالة. " شرح مسلم " (١٤ / ١٧٤، ١٧٥) . وقال الإمام ابن قيم الجوزية – ﵀: قد أنكر هذا طائفة من الناس، وقالوا: لا يجوز هذا عليه، وظنُّوه نقصاً وعيباً، وليس الأمر كما زعموا، بل هو من جنس ما كان يعتريه ﷺ من الأسقام والأوجاع، وهو مرض من الأمراض، وإصابته به كإصابته بالسم لا فرق بينهما، وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ أنها قالت: سحر رسول الله ﷺ حتى إن كان ليخيل إليه أنه يأتي نساءه ولم يأتهن، وذلك أشد ما يكون من السحر. " زاد المعاد " (٤ / ١١٣) . ثم نسألك، إن كنت جاداً في الحوار: أيهما أشد على صاحبه، وأدل على نزول قدره، جريان هذا السحر، الذي هو مرض من الأمراض، تسبب فيه هذا اليهودي، أو تسلّط اليهود على عيسى ابن مريم النبيّ عندنا، والإله أو ابن الإله عندكم، حتى صلبوه وقتلوه وسط شماتة الأعداء وإهانتهم: (وكان المارة يهزون رؤوسهم ويشتمونه، ويقولون: ... إن كنت ابن الله، فخلص نفسك، وانزل عن الصليب. وكان رؤساء الكهنة، ومعلمو الشريعة والشيوخ يستهزئون به، فيقولون: خلَّصَ غيره، ولا يقدر أن يخلص نفسه؟! هو ملك إسرائيل، فلينزل الآن عن الصليب لنؤمن به؛ توكَلَ على الله وقال: أنا ابن الله، فلينقذه الله إن كان راضيا عنه. وعيره اللصان المصلوبان معه أيضا، فقالا مثل هذا الكلام.) (وعند الظهر خيم على الأرض كلها ظلام حتى الساعة الثالثة , ونحو الساعة الثالثة صرخ يسوع بصوت عظيم: إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟!!) [متى: ٢٧/٣٨-٤٧] وأيضا: [مرقس: ١٥/٢٩-٣٥] راجع جواب السؤال رقم (١٢٦١٥) ونحن نقول: حاشا لأنبياء الله الكرام، محمد وأخيه عيسى وإخوانهم جميعاً ﵈ من هذا الإفك والبهتان ومن كل ذلة وهوان " عاشراً: وأما قولك: " وكيف يكون أبوا خير الله مشركين، وماتا مشركين؟ ": فهذا من العجائب، وما دخل كونه أفضل الخلق بكون والديه مشركين؟! وهل الرب تعالى اصطفاه هو أم اصطفاه واصطفى أهله وأقرباءه؟! وها هو إبراهيم ﵇ قد توفي والده على الشرك، فلم يُنقص ذلك من رتبته ومنزلته، وهو أبو الأنبياء، ﷺ ، وها هو نوح ﵇ تموت زوجته وابنه على الكفر، وها هو لوط ﵇ تُهلك زوجته وهي على الكفر، فكان ماذا؟ . ثم انظروا، ما تقوله كتبكم المقدسة عندكم، وعند اليهود عن مريم البتول ﵍، بل وعن أنبياء الله أنفسهم، لتعلم أيها السائل أي الفريقين أصدق قيلاً، وأهدى سبيلاً؟! حادي عشر: وأما قولك: "؟ وأيضاً فإن خير خلق الله لا ينشر دينه بالسيف، أو بالمال يبيعه " فقد سبق أن ناقشنا ذلك في موقعنا، فنرجو مراجعة جواب السؤالين (٤٣٠٨٧) و (١٠٠٥٢١) فإذا انتهيت من مراجعة هذين الجوابين، فمن الحسن أن تتأمل هذه النصوص من كتبكم، لعلك أن يكون لك رأي آخر: ١. قال المسيح ﵇: " لا تظنوا أني جئتُ لألقي سلاماً على الأرض، ما جئت لألقي سلاماً بل سيفاً، وإني جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه، والابنة ضد أمها، والكنة ضد حماتها، وأعداء الإنسان أهل بيته. من أحب أبا أو أماً أكثر مني فلا يستحقني، ومن أحب ابناً أو ابنة أكثر مني فلا يستحقني، ومن لا يأخذ صليبه ويتبعني فلا يستحقني، من وجد حياته يضيعها، ومن أضاع حياته من أجلي يجدها ". " إنجيل متى، الإصحاح العاشر، فقرة ٣٥ وما بعدها. ٢. قال المسيح ﵇: " من له سيف: فليأخذه، ومن ليس له: فليبع ثوبه، ويشتري سيفاً ". " لوقا " (٢٢ / ٣٦، ٣٧) . ٣. ويقول المسيح ﵇: " أما أعدائي أولئك الذين لم يريدوا أن أملك عليهم: فأتوا بهم إلى هنا، واذبحوهم قدامي ". " لوقا " (١١) . ج. واسمع لعقلاء من غير المسلمين من الكتَّاب والأدباء والتاريخيين ماذا يقولون: ١. قال توماس كارليل في كتابه " الأبطال وعبادة البطولة ": " إن اتهامه - أي: محمد ﷺ بالتعويل على السيف في حمل الناس على الاستجابة لدعوته: سخفٌ غير مفهوم؛ إذ ليس مما يجوز في الفهم أن يُشهر رجل فرد سيفه ليقتل به الناس، أو يستجيبوا له، فإذا آمن به مَن يقدرون على حرب خصومهم: فقد آمنوا به طائعين مصدقين، وتعرضوا للحرب من غيرهم قبل أن يقدروا عليها ". انظر: " حقائق الإسلام وأباطيل خصومه " لعباس لعقاد (ص ٢٢٧) . ٢. ويقول المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه " حضارة العرب " وهو يتحدث عن سر انتشار الإسلام في عهده ﷺ وفي عصور الفتوحات من بعده -: " قد أثبت التاريخ أن الأديان لا تُفرض بالقوة، ولم ينتشر الإسلام إذن بالسيف، بل انتشر بالدعوة وحدها، وبالدعوة وحدها اعتنقته الشعوب التي قهرت العرب مؤخراً كالترك والمغول، وبلغ القرآن من الانتشار في الهند - التي لم يكن العرب فيها غير عابري سبيل - ما زاد عدد المسلمين إلى خمسين مليون نفس فيها، ولم يكن الإسلام أقل انتشاراً في الصين التي لم يفتح العرب أي جزء منها قط، وسترى في فصل آخر سرعة الدعوة فيها، ويزيد عدد مسلميها على عشرين مليوناً في الوقت الحاضر ". فهل تبين لك مدى بُعد التهمة عن الإسلام؟! هل تبين لك مدى تضليل الأحبار والرهبان ووسائل الإعلام لك؟ . د. وكأني بك تريد تنزيه دينك عن انتشاره بالسيف! وكأني بك تريد إقناع الناس بما يحمله أهل دينك من الرحمة والرأفة! وكل ذلك غير صحيح، وإليكَ أمثلة من واقعكم: ١. الملِك " أولاف " ذبَح كلَّ مَن رفض اعتناق النصرانية في " النرويج "، قطع أيديهم، وأرجلهم، ونفاهم، وشرَّدهم، حتى انفردت النصرانية بالبلاد. ٢. وفي الجبل الأسود بالبلقان قاد الأسقف الحاكم " دانيال بيتر وفتش " عملية ذبح غير المسيحيين ليلة عيد الميلاد. ٣. وفي الحبشة قضى الملك سيف أرعد (١٣٤٢ – ١٣٧٠ م) بإعدام كل من أبى الدخول في النصرانية، أو نفيهم من البلاد. ٤. ثم نجد أن النصرانية - وليس الإسلام - هي التي أبادت الهنود الحمر في أمريكا. ٥. ثم نجد النصرانية هي التي اقتلعت الشعب الفلسطيني من أرضه لتسليمها إلى أعداء المسيح ومحمد ﵉ على السواء. ٦. من الذي أشعل الحروب العالمية؟ لقد قُتل في الحرب العالمية الأولى عشرة ملايين، وفي الثانية حوالي ٧٠ مليوناً! . ٧. وكم قُتل من البشر بالقنابل الذرية التي ألقيت على مدينتي " نجازاكي " و " هيروشيما " في اليابان؟ . ٨. وترى النصرانية في حربها الصليبية عندما حاصرت بيت المقدس وشددت الحصار ورأى أهلها أنهم مغلوبين فطلبوا من قائد الحملة " طنكرد " الأمان على أنفسهم وأموالهم، فأعطاهم الأمان على أن يلجأوا إلى المسجد الأقصى رافعين راية الأمان، فامتلاء المسجد الأقصى بالشيوخ والأطفال والنساء، وذُبحوا كالنعاج، وسالت دماؤهم في المعبد حتى ارتفعت الدماء إلى ركبة الفارس، وعجَّت شوارعنا بالجماجم المحطمة، والأذرع، والأرجل المقطعة، والأجسام المشوهة، ويذكر المؤرخون أن الذين قُتلوا في داخل المسجد الأقصى فقط سبعين ألفاً، ولا ينكر مؤرخو الفرنج هذه الفضائح. ٩. وعصرنا اليوم خير شاهد على ذلك، لقد قصفوا أفغانستان، ثم تحولوا إلى العراق ليدمروها، فقصفوا، وقتلوا، وعاثوا في الأرض فساداً، وقد قال كبيرهم: إن الله أمره بدخول العراق!! فأين وصايا المسيح التي يدعونها ويتشدقون بها؟! . ١٠. ألم يقف " اللورد اللنبي " ممثل الحلفاء: إنجلترا، وفرنسا، وإيطاليا، ورومانيا، وأميركا في بيت المقدس في سنة ١٩١٨ حين استولى عليه في أخريات الحرب الكبرى الأولى قائلاً: " اليوم انتهت الحروب الصليبية "؟! . ١١. ألم يقف الفرنسي " غورو " ممثل الحلفاء أيضاً - وقد دخل دمشق - أمام قبر البطل المسلم " صلاح الدين الأيوبي " قائلاً: " لقد عدنا يا صلاح الدين "؟! . ١٢. وهل هدمت الديار، وسفكت الدماء، واغتصبت الأعراض في البوسنة والهرسك إلا باسم الصليب؟ . ١٣. بل أين هؤلاء مما حدث في الشيشان - ومازال يحدث -؟ وفي إفريقيا؟ وإندونيسيا؟ وغيرها؟ وهل يستطيع هؤلاء إنكار أن ما حدث في كوسوفا كان حربا صليبية؟ ألم يقل بوش في حربه الأخيرة " ستكون حربا صليبية "؟! . ومثل هذه الفظائع لم يقع في جهاد المسلمين لأعدائهم، فما كانوا يقتلون النساء، ولا الأطفال، ولا الدهماء من الناس، ويجدر أن نذكر بوصية أبي بكر الصدِّيق حيث قال لأسامة بن زيد وجنده: " لا تخونوا، ولا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تمثِّلوا، ولا تقتلوا طفلاً، ولا شيخاً كبيراً، ولا امرأة، ولا تعزقوا نخلاً، ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة، ولا بقرة، ولا بعيراً إلا للأكل، وإذا مررتم بقوم فرَّغوا أنفسهم في الصوامع: فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له ". ينظر: " موسوعة شبهات النصارى حول الإسلام "، " السيرة النبوية " للشيخ محمد أبو شهبة. وأما كلامك عن المال: فإن هذا يجب أن يُستحيى من ذِكره، فالعالم كله يعرف من الذي يذهب إلى الدول الفقيرة وبيده اليمنى خبزة، وبالأخرى نسخة من الإنجيل! وكل العالم يعرف من يحمل بيده حبة الدواء وحفنة الدولارات، وبيده الأخرى نسخة من الإنجيل! . وأخيراً: لعلنا أن نكون قد أظهرنا لك خطأ ما ذكرتَه عن نبينا محمد ﷺ ، ولعلك علمت أنك ضحية إعلام مزوَّر، جعلك تسيء إلى من لا يستحق الإساءة، وتسكت عمن يستحق البيان والفضح، واعلم أن الإسلام دين الأدلة والبراهين، وليس دين الادعاءات والتزوير، فأدرك نفسك، والتحق بركب الأنبياء والصالحين، واحرص على أن لا تموت إلا على الدين الذي كان يعتقده الأنبياء والمرسلون، وهو التوحيد، واحرص على أن تكون ضمن قافلة أتباع خير الأديان وخاتمتها. نسأل الله تعالى أن يهديك، ويشرح صدرك للإسلام، ونسأله أن يريك الحق حقا ويرزقك اتباعه، ويريك الباطل باطلا ويرزقك اجتنابه. والله الموفق [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 114

مصاب بالوساوس في إيمانه، ومحاسبته على ماضيه السيء ؟! [السُّؤَالُ] ـ[لدي استفساران، وأتمنى أن أجد لهما إجابة: الأول: وهو أنني كنت شديد البعد عن الله ، وكنت من مرتكبي الذنوب والمعاصي بشتى أنواعها، حتى تاب الله تعالى علي في شهر رمضان الحالي، وشعرت فيه بسعادة لم أشعرها بحياتي من قبل، وأصبحت - وبفضل الله - من المحافظين على صلاة الجماعة، وأقوم بما يقدرني الله من الليل، لكن تأتيني بعض الهواجس بأن الله لن يغفر لي مهما فعلت، إضافة لبعض الهواجس التي تراودني عن الذات الإلهية، وعن الرسول محمد ﷺ ، والتي أتمنى الموت على أن أفكر فيها، وأصبحت تراودني بشدة لدرجة أني أصبحت أظن بأني لست مسلما؟ خاصة بعد أن وقعت - بحكم عملي - في بعض المجادلات مع أحد القساوسة من النصارى الذي كان يحاول تشويه ديننا، وبعد أن تجاهلته خوفا على نفسي من أي فتنة، اتهمني بالهزيمة، وأنه على الحق، وأننا - المسلمين - على الباطل، لزمت الاستغفار والدعاء والبكاء لكن بلا فائدة. فبالله عليكم ماذا أفعل، لأني أشعر أنه قد أصابني الإحباط واليأس، وكيف أتفقه في الدين؟ وكيف أجادل هذا القسيس وأقنعه أنه جاهل، وأنه يفتري على الله تعالى. أفيدوني أفادكم الله، وجعل هذا المجهود الطيب في ميزان حسناتكم، وأعانكم على فعل الخير.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله والله، يا عبد الله، إن حالك لعجب من العجب!! تَصِفُ الدَّواءَ لِذي السَّقامِ وَذي الضَّنا كيما يَصحّ بِهِ وَأَنتَ سَقيمُ أنت مبتلى بالوساوس في أعظم أمرك، وأجل شأنك، مبتلى في أمر فيه نجاتك، إن شككت فيه هلكت، وإن تزعزع في قلبك لم ينفعك شيء، ثم أنت تفتح على نفسك أبوابا من الشبهات الجديدة، بمجادلتك مع هذه الكافر؛ أنت مهزوز، فكيف تثبت غيرك، ابحث عن نفسك أولا، وداو مرضك، قبل أن تفكر في علاج غيرك. فاعلم ـ يا عبد الله ـ أنك إن لم تشغل نفسك بالحق، شغلتك بالباطل، وإن لم تحملها على الهدى، حملتك على الضلال؛ فانظر يا عبد الله ماذا تختار لنفسك، وترضه لدينك؟! ونحيلك في موقعنا إلى أجوبة سابقة فيها حل لإشكال الخطرات والوساوس، سبق بيان الجواب عنه في الأرقام الآتية: (١٢٣١٥) ، (٢٥٧٧٨) ، (٩٨٢٩٥) . كما ننقل لك هنا كلاما للعلامة ابن قيم الجوزية ﵀، فنرجو أن تتأمل فيه، ففيه بيان شاف لهذه المسألة، يقول ﵀: " معلوم أنه لم يعط الإنسان أمانة الخواطر، ولا القوة على قطعها، فإنها تهجم عليه هجوم النفس، إلا أن قوة الإيمان والعقل تعينه على قبول أحسنها، ورضاه به، ومساكنته له، وعلى دفع أقبحها، وكراهته له، ونفرته منه، كما قال الصحابة: يا رسول الله! إن أحدنا يجد في نفسه ما إن أن يحترق حتى يصير حممة أحب إليه من أن يتكلم به؟ فقال: أوقد وجدتموه؟ قالوا: نعم. قال: ذلك صريح الإيمان. أخرجه مسلم في باب الإيمان، وأبو داود في كتاب الأدب. وفيه قولان: أحدهما: أن رده وكراهته صريح الإيمان. والثاني: أن وجوده وإلقاء الشيطان له في النفس صريح الإيمان، فإنه إنما ألقاه في النفس طلبا لمعارضة الإيمان وإزالته به. وقد خلق الله سبحانه النفس شبيهة بالرحى الدائرة التي لا تسكن، ولا بد لها من شيء تطحنه، فإن وضع فيها حَب طحنته، وإن وضع فيها تراب أو حصى طحنته، فالأفكار والخواطر التي تجول في النفس هي بمنزلة الحَب الذي يوضع في الرحى، ولا تبقى تلك الرحى معطلة قط، بل لا بد لها من شيء يوضع فيها، فمن الناس من تطحن رحاه حَبًّا يخرج دقيقا ينفع به نفسه وغيره، وأكثرهم يطحن رملا وحصى وتبنا ونحو ذلك، فإذا جاء وقت العجن والخبز تبين له حقيقة طحينه. فأنفع الدواء أن تشغل نفسك بالفكر فيما يعنيك دون ما لا يعنيك، فالفكر فيما لا يعني باب كل شر، ومَن فكَّر فيما لا يعنيه فاته ما يعنيه، واشتغل عن أنفع الأشياء له بما لا منفعة له فيه، فالفكر والخواطر والإرادة والهمة أحق شيء بإصلاحه من نفسك، فإن هذه خاصتك وحقيقتك التي لا تبتعد بها أو تقرب من إلهك ومعبودك الذي لا سعادة لك إلا في قربه ورضاه عنك، وكل الشقاء في بعدك عنه وسخطه عليك، ومن كان في خواطره ومجالات فكره دنيئا خسيسا لم يكن في سائر أمره إلا كذلك. وإياك أن تمكن الشيطان من بيت أفكارك وإرادتك، فإنه يفسدها عليك فسادا يصعب تداركه، ويلقي إليك أنواع الوساوس والأفكار المضرة، ويحول بينك وبين الفكر فيما ينفعك، وأنت الذي أعنته على نفسك بتمكينه من قلبك وخواطرك فملكها عليك، فمثالك معه مثال صاحب رحى يطحن فيها جيد الحُبوب، فأتاه شخص معه حمل تراب وبعر وفحم وغثاء ليطحنه في طاحونته، فإن طرده ولم يمكنه من إلقاء ما معه في الطاحون استمر على طحن ما ينفعه، وإن مكنه من إلقاء ذلك في الطاحون أفسد ما فيها من الحَب، وخرج الطحين كله فاسدا. " انتهى باختصار. "الفوائد" (ص/١٩١-١٩٤) أما عن شأن مناقشة القس النصراني، فنصيحتنا لك ألا تشتغل بذلك، فذلك علم واسع لم تتخصص أنت فيه، فكيف تريد الخوض فيه، بل وإقناع ذلك النصراني الذي قد يكون متخصصا في هذا الأمر، أرأيت لو أردت أن تناقش طبيبا لتقنعه بعلاج معين لمرض خطير فهل تراه يسمع منك، أو يأخذ عنك، أو يقتنع بكلامك؟! ، فلماذا تسعى للخوض في علم واسع - وهو علم الفرق والأديان والعقائد - وأنت لست من العلماء به، بل وتحمل بسببه هما تلوم به نفسك، ونحن نصدقك القول أننا نراك مخطئا في هذا الشعور، وإن كنا نرجو أن يثيبك الله تعالى على حرصك على إفحام ذلك النصراني المجادل، ولكن عليك أن تسلك سبيل التعلم بالمطالعة والدراسة والاستماع سنوات عديدة، ثم بعد ذلك تتصدى للدفاع عن الإسلام، ودعوة غير المسلمين إليه. فإن كان قد وقع في قلبك شيء من شبه هذه القسيس، أعاذك الله من ذلك، فبإمكانك أن تستعين بمن عنده علم في هذا الباب أن يحلها لك، ويزيل عنك الإشكال. وإن كنت بحمد الله على بنية من أمرك، كما يبدو من سؤالك؛ فاعلم أن هذا الرجل كاذب، ويعلم أنه كاذب. قال الله تعالى لنبيه ﷺ : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) المائدة /٤١. قال الشيخ السعدي ﵀ في تفسيره (٢٣١) : " كان الرسول ﷺ من شدة حرصه على الخلق يشتد حزنه لمن يظهر الإيمان، ثم يرجع إلى الكفر، فأرشده الله تعالى، إلى أنه لا يأسى ولا يحزن على أمثال هؤلاء؛ فإن هؤلاء لا في العير ولا في النفير، إن حضروا لم ينفعوا، وإن غابوا لم يفقدوا، ولهذا قال مبينا للسبب الموجب لعدم الحزن عليهم - فقال: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ فإن الذين يؤسى ويحزن عليهم، من كان معدودا من المؤمنين، وهم المؤمنون ظاهرا وباطنا، وحاشا لله أن يرجع هؤلاء عن دينهم ويرتدوا، فإن الإيمان -إذا خالطت بشاشته القلوب- لم يعدل به صاحبه غيره، ولم يبغ به بدلا. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ أي: اليهود ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ أي: مستجيبون ومقلدون لرؤسائهم، المبني أمرهم على الكذب والضلال والغي. وهؤلاء الرؤساء المتبعون ﴿لَمْ يَأْتُوكَ﴾ بل أعرضوا عنك، وفرحوا بما عندهم من الباطل وهو تحريف الكلم عن مواضعه، أي: جلب معان للألفاظ ما أرادها الله ولا قصدها، لإضلال الخلق ولدفع الحق، فهؤلاء المنقادون للدعاة إلى الضلال، المتبعين للمحال، الذين يأتون بكل كذب، لا عقول لهم ولا همم. فلا تبال أيضا إذا لم يتبعوك، لأنهم في غاية النقص، والناقص لا يؤبه له ولا يبالى به. ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ أي: هذا قولهم عند محاكمتهم إليك، لا قصد لهم إلا اتباع الهوى. يقول بعضهم لبعض: إن حكم لكم محمد بهذا الحكم الذي يوافق أهواءكم، فاقبلوا حكمه، وإن لم يحكم لكم به، فاحذروا أن تتابعوه على ذلك، وهذا فتنة واتباع ما تهوى الأنفس. ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ . ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ أي: فلذلك صدر منهم ما صدر. فدل ذلك على أن من كان مقصوده بالتحاكم إلى الحكم الشرعي اتباع هواه، وأنه إن حكم له رضي، وإن لم يحكم له سخط، فإن ذلك من عدم طهارة قلبه، كما أن من حاكم وتحاكم إلى الشرع ورضي به، وافق هواه أو خالفه، فإنه من طهارة القلب، ودل على أن طهارة القلب، سبب لكل خير، وهو أكبر داع إلى كل قول رشيد وعمل سديد. ﴿لَهُم فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ أي: فضيحة وعار ﴿وَلَهُم فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ هو: النار وسخط الجبار." انتهى. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 115

القرآن مُنَزَّل من الله تعالى غيرمخلوق [السُّؤَالُ] ـ[هل لكم أن تخبرونا عن كتاب بالإنجليزية يتكلم على أن القرآن ليس مخلوقاً وما يجب أن نعتقده كمسلمين؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الذي يجب علينا أن نَعْتَقِده نحن المسلمين، هو ما جاءنا من الله ، وما أخبرنا رسول الله ﷺ ، فقد أخْبَرنا الله أنه يتكلم قال تعالى: (ومن أصْدَق من الله حديثا) النساء/٨٧ وقال تعالى: (ومن أصْدَق من الله قِيلاً) النساء /١٢٢. ففي هاتين الآيتين إثبات أن الله يَتَكَلَّم، وأنّ كلامَه صِدْقٌ، وحَقٌ، ليس فيه كَذِبٌ بِوَجْهٍ من الوجوه. وقال تعالى: (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم) المائدة /١٦٦ ففي هذه الآية أن الله يقول، وأن قوله مَسْمُوع فيكون بصوت، وأن قوله كَلِمَات وجمل، والدليل على أنه بحرف قول الله تعالى: (يا موسى إني أنا ربُّك) طه/١١-١٢ فإن هذه الكلمات حروف وهي من كلام الله.والدليل على أنه بصوت قوله تعالى: (وناديناه من جانب الطور الأيمن وقرَّبناه نجياً) مريم/٥٢، والنداء والمناجاة لا تكون إلا بصوت. انظر شرح لمعة الاعتقاد لابن عثيمين ص ٧٣. ولهذا كانت عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله يتكلم بكلام حقيقي متى وكيف شاء بما شاء بحرف وصوت لا يُمَاثِلُ أصوات المخلوقين، والدليل على أنه لا يُمَاثِل أصْوَاتَ المَخْلُوقين، قوله تعالى: (ليس كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَمِيعُ البَصِير) الشورى/١١، فَعُرِفَ ابْتِداءً أن هذه العقيدة هي عقيدة أهل السنة والجماعة، وأهل السنة والجماعة يَعْتَقِدون أن القرآن كلام الله، ومن الأدلة على هذا الاعتقاد قول الله تعالى: (وإنْ أحَدٌ من المشْرِكين استجارك فأجِرْه حتى يَسْمَع كلام الله) التوبة /٦ والمراد القرآن بالاتفاق، وأضاف الكلام إلى نفسه فدل على أن القرآن كلامه. وعقيدة أهل السنة والجماعة أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود. والأدلة على أنه منزل ما يأتي: قول الله : (شَهْرُ رمضان الذي أنزل فيه القُرآن) البقرة/١٨٥، وقوله تعالى: (إنّا أنْزَلناه في ليلة القدر) القدر /١، وقوله: (وقُرْآناً فَرَقْنَاه لِتَقْرَأَه على الناس على مُكْثٍ ونَزَّلنَاه تَنْزِيلاً) الإسراء /١٠٦، قوله: (وإذا بَدَّلنا آية مكان آية والله أعلم بما يُنَزِّل قالوا إنما أنت مُفْتَرٍ بل أكثرهم لا يعلمون قل نَزَّله رُوح القُدُسِ من ربك بالحق ليُثَبِّت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين ولقد نعلم أنهم يقولون إنّما يُعَلِّمُه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعْجَمِِي وهذا لسان عربي مبين) النحل /١٠١-١٠٣. والذي يبدل آية مكان آية هو الله . والأدلة على أنه غير مخلوق قوله تعالى: (ألا له الخلق والأمر) فجعل الخلق شيئاً والأمر شيئا آخر لأن العطف يقتضي المغايرة والقرآن من الأمر بدليل قوله تعالى: (وكذلك أوْحَيْنَا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نَهْدِي به من نَشَاءُ من عبادنا) الشورى /٥٢، فإذا كان القرآن أمراً وهو قسيم للخلق، صار غير مخلوق، لأنه لو كان مخلوقاً ما صح التقسيم فهذا هو الدليل من القرآن. والدليل العقلي أن نقول القرآن كلام الله والكلام ليس عينا قائمة بنفسها حتى يكون بائنا من الله ولو كان عينا قائمة بنفسها بائنة من الله لقلنا إنه مخلوق لكن الكلام صفة للمتكلم فإذا كان صفة للمتكلم به وكان من الله كان غير مخلوق لأن صفات الله كلها غير مخلوقة. شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين ١/٤١٨-٤٢٦ - ٤٤١ فيجب علينا أن نعتقد ذلك ونوقن به، ولا نُحَرِّف آيات الله عن مرادها، فإنها صريحة الدلالة على أن القرآن مُنَزَّل من عند الله، ولذلك قال الإمام الطحاوي ﵀: " وإنّ القرآن كلام الله منه بدأ بلا كيفية قولاً، وأنزله على رسوله وحياً، وصدقه المؤمنون على ذلك حقا، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر وقد ذَمَّه الله وعَابَهُ وأوعده بسقر حيث قال تعالى: (سأُصلِيه سَقَر) المدثر/٢٦، فلما أوْعَدَ بِسَقَر لمن قال (إنْ هذا إلا قول البشر) المدثر /٢٥ عَلِمْنَا وأيْقَنَّا أنَه قولَ خالقِ البَشَر ولا يُشْبِه قول البشر. أهـ شرح العقيدة الطحاوية ١٧٩. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 116

حكم إطلاق لفظة نحن أبناء الله [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم من قال من المسلمين "نحن نؤمن أن كلنا أبناء الله" مستشهداً بالحديث الضعيف " الخلق كلهم عيال الله ".؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله فالحديث المذكور رواه البزار وأبو يعلى من حديث أنس، ولفظه: " الخلق كلهم عيال الله، فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله". وهو حديث ضعيف جدا كما قال الألباني في ضعيف الجامع (حديث رقم ٢٩٤٦) . ومن قال من المسلمين: نحن نؤمن بأننا جميعا أبناء الله، وجب أن يُستفصل عن مراده قبل أن يُحكم عليه: ١- فإن أراد بالبنوة المعنى المجازي، وهو كون الناس محتاجين مفتقرين إلى الله تعالى، واستعمل هذه العبارة في غرض مشروع كالرد على النصارى القائلين بأن المسيح ابن الله، فلا حرج عليه في إلزامه النصارى بهذا لإبطال عقيدتهم - مع عدم التسليم باستعماله مع غيرهم لما يورثه من لبس ومعانٍ باطلة – وذلك لأن من وسائل إبطال اعتقاد النصارى في عيسى ﵇ إيقافهم على عبارات وردت في كتابهم المقدس تثبت البنوة لغير عيسى بما يدل بصورة واضحة على أن معنى النبوة في كل نصوص الإنجيل ليس المراد به البنوة الحقيقة التي زعموها لعيسى بما أدخله القسيس بولس لحرفهم عن عقيدة التوحيد، معتمداً على اللبس الذي توحيه كلمة (الأب) و (الابن) ومن هذه النصوص التي ترد عليهم ما جاء في إنجيل لوقا (٢٠/٣٦) قال عيسى عن المؤمنين به (هم مثل الملائكة، لا يموتون، وهم أبناء الله لأنهم أبناء القيامة) . وكما في سفر أشعيا (٤٣/٦) (ائت ببني من بعيد وبناتي من أقصى الأرض) . وكما في إنجيل يوحنا (١/١٢) (وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانا أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنين باسمه، الذين ولدوا ليس من دم ولا مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل بل من الله) . وهكذا ما جاء في وصف الله بالأب، كما في إنجيل متى (٦/١) من كلام المسيح لتلاميذه (وإلا فليس لكم أجر عند أبيكم الذي في السموات) . وفي إنجيل لوقا (١١/٢) (متى صليتم فقولوا: أبانا الذي في السموات) . وفي إنجيل يوحنا (٢٠/١٧) (إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم) . فالنصارى لا يقولون بأن الملائكة وبني إسرائيل والحواريين أبناء الله حقيقة، كما لا يقولون بأن الله أب لهؤلاء حقيقة، وإنما يحملون ذلك على المعنى المجازي، أي أب لهم في النعمة والإحسان والحفظ والرعاية، وهم أبناؤه في العبادة والحاجة والافتقار. وبهذا يبطل استدلالهم على بنوة عيسى لله بكونه وصف في الإنجيل بأنه ابن الله. ٢- وإن أراد أن الناس جميعا أبناء الله كبنوة المسيح لله، على نحو ما يعتقده النصارى، فهذا كفر فوق كفر النصارى. ٣- وإن أراد أن الجميع أبناء الله أو عياله فلا فرق بين المسلم والكافر، وأراد بذلك عدم تكفير اليهود والنصارى وعباد الأوثان، فهذه ردة منه عن الإسلام؛ فإن من شك في كفر اليهود والنصارى أو صحح مذهبهم كفر إجماعاً. ٤- وإن أراد من ذلك تسويغ إطلاق لفظ " الأخ " على اليهودي والنصراني لأن الجميع عيال الله، فهذا باطل، فإنه لا أخوة بين المؤمنين والكافرين، والحديث لم يصح، ولو صح لما كان فيه مستند لهذا الإطلاق. وينبغي الحذر من إطلاق الألفاظ الموهمة، التي قد توقع الإنسان في المحظور، وتدعو إلى إساءة الظن به لاسيما ما يتعلق منها بتوحيد الله تعالى، وإفراده في أسمائه وصفاته إذ حق الله تعالى هو أولى ما يراعى ويجنب ما يخدشه، لاسيما وأن هذه اللفظة قد استعملها اليهود وساقها الله تعالى في القرآن عنهم في سياق الذم (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءالله وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِم يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ) المائدة / ١٨ والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 117

تقلقه الوسواس والخطرات [السُّؤَالُ] ـ[عندما أصلي أو أنوي فعل أمر طيب تخطر لي أفكار شيطانية. عندما أركز في الصلاة وأحاول أن أركز على معاني الكلمات تدخل الأفكار الشيطانية إلى عقلي وتكون لي اقتراحات سيئة عن كل شيء بما في ذلك الله. أشعر بالغضب من أجل ذلك. أعلم أنه لا أحد يقبل التوبة إلا الله وحده، ولكن بسبب أفكاري أشعر أنه لا يوجد أسوأ من أن يخطر ببالي أفكار سيئة عن الله. أسأل الله المغفرة بعد الصلاة ولكني أشعر بالضيق لأني أريد أن أوقف هذه الأفكار السيئة ولكني لا أستطيع. هذه الأفكار تفقدني التمتع بالصلاة وتشعرني بأني مشؤوم. أرجو منكم نصحي.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الوساوس السيئة في الصلاة وغيرها من الشيطان، وهو حريص على إضلال المسلم، وحرمانه من الخير وإبعاده عنه، وقد اشتكى أحد الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الوسواس في الصلاة فقال: إنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي يَلْبِسُهَا عَلَيَّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خَنْزَبٌ فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْهُ وَاتْفِلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلاثًا قَالَ فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَهُ اللَّهُ عَنِّي " رواه مسلم (٢٢٠٣) والخشوع في الصلاة هو لبها، فصلاة بلا خشوع كجسد بلا روح، وإن مما يعين على الخشوع " شيئان: الأول: اجتهاد العبد في أن يعقل ما يقوله ويفعله، وتدبر القراءة والذكر والدعاء، واستحضار أنه مناجٍ لله تعالى كأنه يراه، فإن المصلي إذا كان قائماً فإنما يناجي ربه، والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، ثم كلما ذاق العبد حلاوة الصلاة كان انجذابه إليها أوكد، وهذا يكون بحسب قوة الإيمان – والأسباب المقوية للإيمان كثيرة – ولهذا كان النبي ﷺ يقول: " حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة ". وفي حديث آخر أنه قال: " أرحنا يا بلال بالصلاة " ولم يقل أرحنا منها. الثاني: الاجتهاد في دفع ما يُشغل القلب من تفكر الإنسان فيما لا يعنيه، وتدبر الجواذب التي تجذب القلب عن مقصود الصلاة، وهذا في كل عبدٍ بحسبه، فإن كثرة الوسواس بحسب كثرة الشبهات والشهوات، وتعلق القلب بالمحبوبات التي ينصرف القلب إلى طلبها، والمكروهات التي ينصرف القلب إلى دفعها ". انتهى من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٢/٦٠٥) . وأما ما ذكرته من أن الوساوس بلغت بك مبلغاً عظيماً بحيث أصبحتَ توسوس في ذات الله بما لا يليق بالله، فإن هذا من نزغات الشيطان، وقد قال الله تعالى: (وإما ينزغنك من الشيطان نزغٌ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم) فصلت /٣٦. وقد اشتكى بعض الصحابة من الوساوس التي تنغص عليهم، فجَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلُوهُ إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ قَالَ وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ قَالُوا نَعَمْ قَالَ ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ " رواه مسلم (١٣٢) من حديث أبي هريرة. قال النووي في شرح هذا الحديث: " قوله ﷺ : (ذَلِكَ صَرِيح الإِيمَان) مَعْنَاهُ اِسْتِعْظَامُكُمْ الْكَلام (بهذه الوساوس) هُوَ صَرِيح الإِيمَان , فَإِنَّ اِسْتِعْظَام هَذَا وَشِدَّة الْخَوْف مِنْهُ وَمِنْ النُّطْق بِهِ فَضْلا عَنْ اِعْتِقَاده إِنَّمَا يَكُون لِمَنْ اِسْتَكْمَلَ الإِيمَان اِسْتِكْمَالا مُحَقَّقًا وَانْتَفَتْ عَنْهُ الرِّيبَة وَالشُّكُوك. وَقِيلَ مَعْنَاهُ: أَنَّ الشَّيْطَان إِنَّمَا يُوَسْوِس لِمَنْ أَيِسَ مِنْ إِغْوَائِهِ فَيُنَكِّد عَلَيْهِ بِالْوَسْوَسَةِ لِعَجْزِهِ عَنْ إِغْوَائِهِ , وَأَمَّا الْكَافِر فَإِنَّهُ يَأْتِيه مِنْ حَيْثُ شَاءَ وَلا يَقْتَصِر فِي حَقّه عَلَى الْوَسْوَسَة بَلْ يَتَلَاعَب بِهِ كَيْف أَرَادَ. فَعَلَى هَذَا مَعْنَى الْحَدِيث: سَبَب الْوَسْوَسَة مَحْض الإِيمَان , أَوْ الْوَسْوَسَة عَلامَة مَحْض الإِيمَان " انتهى انظر السؤال (١٢٣١٥) إذاً " فكراهة ذلك وبغضه، وفرار القلب منه، هو صريح الإيمان ... والوسواس يعرض لكل من توجه إلى الله تعالى بذكر أو غيره، لابد له من ذلك، فينبغي للعبد أن يثبت ويصبر، ويلازم ما هو فيه من الذكر والصلاة، ولا يضجر فإنه بملازمة ذلك ينصرف عنه كيد الشيطان ﴿إن كيد الشيطان كان ضعيفاً﴾ ، كلما أراد العبد توجهاً إلى الله تعالى بقلبه جاء من الوسواس أمور أُخرى، فإن الشيطان بمنزلة قاطع الطريق، كلما أراد العبد السير إلى الله تعالى أراد قطع الطريق عليه، ولهذا قيل لبعض السلف: إن اليهود والنصارى يقولون: لا نوسوس، فقال: صدقوا، وما يصنع الشيطان بالبيت الخراب " انتهى من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٢/٦٠٨) * العلاج.. ١- إذا شعرت بهذه الوساوس فقل آمنت بالله ورسوله، فعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِنَّ أَحَدَكُمْ يَأْتِيهِ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ مَنْ خَلَقَكَ فَيَقُولُ اللَّهُ فَيَقُولُ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقْرَأْ آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُذْهِبُ عَنْهُ " رواه أحمد (٢٥٦٧١) وحسنه الألباني في الصحيحة ١١٦ ٢- محاولة الإعراض عن التفكير في ذلك بقدر الإمكان والاشتغال بما يلهيك عنه. وختاماً نوصيك بلزوم اللجوء إلى الله في كل حال، وطلب العون منه، والتبتل إليه، وسؤاله الثبات حتى الممات، وأن يختم لك بالصالحات.. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 118

من هو معبود المسلمين [السُّؤَالُ] ـ[من يعبد المسلمون؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قبل الإجابة نريد أن نسجّل إعجابنا باهتمامك - أيتها السائلة على صغر سنك - بدين الإسلام ولعل الله أن يفتح لك باب خير عظيم من جراء هذا السؤال ويكتب لك هداية لم تكن بحسبانك قال تعالى: (ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) سورة الأنعام ٨٨، وقال: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ) سورة الأنعام ١٢٥ أما بالنسبة للسؤال العظيم: من يعبد المسلمون؟ فالجواب عليه من القرآن الكريم وهو كتاب الإسلام ومن كلام نبي الإسلام محمد ﵇ الموحى إليه من ربه. قال الله تعالى: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) سورة الفاتحة وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) سورة البقرة وقال: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) سورة الأنعام وقال تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا (٢٣) سورة الإسراء المسلمون يعبدون الله الذي عبده جميع الأنبياء: قال تعالى: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءابَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) سورة البقرة المسلمون يعبدون الله ويدعون غيرهم من أصحاب الأديان إلى عبادة الله وحده كما قال : (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤) سورة آل عمران الله وحده الذي دعا نوح ﵇ قومه إلى عبادته، قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) سورة الأعراف الله وحده الذي نادى المسيح ﵇ إلى عبادته كما قال تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢) سورة المائدة وقال تعالى: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) سورة المائدة ولما كلّم الله نبيه موسى ﵇ قال له: (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤) سورة طه وأمر الله سبحانه تعالى نبيه محمدا ﷺ بما يلي: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) سورة يونس وهو وحده لا شريك له تعبده الملائكة ولا تعبد معه غيره كما قال تعالى: (وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) سورة الأنبياء وكل معبود من دون الله فلا يضر ولا ينفع ولا يخلق ولا يرزق، قال الله تعالى: (قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) سورة المائدة وقال تعالى: (إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧) سورة العنكبوت وبعد هذا الجواب نريد إكمال الموضوع بالسؤال التالي لماذا نعبد الله وحده لا شريك له والجواب: أولا: لأنه لا يستحق العبادة في الكون أحد غيره لأنه هو الخالق الرازق الموجد من العدم الذي أمدنا بالنعم، قال تعالى: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩) وَمِنْ ءايَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ ءايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) وَمِنْ ءايَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢) وَمِنْ ءايَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣) وَمِنْ ءايَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) وَمِنْ ءايَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (٢٦) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) سورة الروم وقال تعالى: (أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٦١) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤) قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) سورة النمل فهل هناك أحد غير الله يستحقّ العبادة؟ ثانيا: إن الله لم يخلقنا إلا لعبادته فقال : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) سورة الذاريات ثالثا: إنه لن ينجو أحد يوم القيامة إلا من كان يعبد الله حقّا، وبعد الموت سيبعث الله العباد ليحاسبهم ويجازيهم على أعمالهم فلا ينجو يومئذ إلا من كان يعبد الله وحده ويحشر البقية إلى جهنم وبئس المصير، قال نبي الإسلام محمد ﷺ : مجيبا أصحابه لما سألوه: هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ هَلْ تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ إِذَا كَانَتْ صَحْوًا قُلْنَا لا قَالَ فَإِنَّكُمْ لا تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ يَوْمَئِذٍ إِلا كَمَا تُضَارُونَ فِي رُؤْيَتِهِمَا ثُمَّ قَالَ يُنَادِي مُنَادٍ لِيَذْهَبْ كُلُّ قَوْمٍ إِلَى مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ فَيَذْهَبُ أَصْحَابُ الصَّلِيبِ مَعَ صَلِيبِهِمْ وَأَصْحَابُ الأَوْثَانِ مَعَ أَوْثَانِهِمْ وَأَصْحَابُ كُلِّ آلِهَةٍ مَعَ آلِهَتِهِمْ حَتَّى يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ وَغُبَّرَاتٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ثُمَّ يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ تُعْرَضُ كَأَنَّهَا سَرَابٌ فَيُقَالُ لِلْيَهُودِ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ قَالُوا كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللَّهِ فَيُقَالُ كَذَبْتُمْ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ صَاحِبَةٌ وَلا وَلَدٌ فَمَا تُرِيدُونَ قَالُوا نُرِيدُ أَنْ تَسْقِيَنَا فَيُقَالُ اشْرَبُوا فَيَتَسَاقَطُونَ فِي جَهَنَّمَ ثُمَّ يُقَالُ لِلنَّصَارَى مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ فَيَقُولُونَ كُنَّا نَعْبُدُ الْمَسِيحَ ابْنَ اللَّهِ فَيُقَالُ كَذَبْتُمْ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ صَاحِبَةٌ وَلا وَلَدٌ فَمَا تُرِيدُونَ فَيَقُولُونَ نُرِيدُ أَنْ تَسْقِيَنَا فَيُقَالُ اشْرَبُوا فَيَتَسَاقَطُونَ فِي جَهَنَّمَ حَتَّى يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ فَيُقَالُ لَهُمْ مَا يَحْبِسُكُمْ وَقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ فَيَقُولُونَ فَارَقْنَاهُمْ وَنَحْنُ أَحْوَجُ مِنَّا إِلَيْهِ الْيَوْمَ وَإِنَّا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِيَلْحَقْ كُلُّ قَوْمٍ بِمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ وَإِنَّمَا نَنْتَظِرُ رَبَّنَا قَالَ فَيَأْتِيهِمْ الْجَبَّارُ.. فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ أَنْتَ رَبُّنَا فَلا يُكَلِّمُهُ إِلا الأَنْبِيَاءُ.. فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ) رواه البخاري رقم ٦٨٨٦ وهؤلاء المؤمنون هم أهل الجنة الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون خالدين فيها إلى الأبد نرجو أن تكون هذه القضية قد اتضّحت، وبعد هذا لا نقول إلا كما قال الله تعالى (مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا.. (١٥) سورة الإسراء، والسلام على من اتبع الهدى. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 119

الكفّار يسألون من خلق الله [السُّؤَالُ] ـ[عندما أقول للكفار بأن الله خلق كل شيء حينها يسألونني ومن خلق الله؟ وكيف كان الله موجوداً منذ البداية؟ كيف أرد على هذا؟.]ـ [الْجَوَابُ] ١. هذا السؤال الموجَّه إليك من الكفار: باطل من أصله، متناقض في نفسه! ذلك لو أننا فرضنا - جدلا - أن هناك خالقاً لله تعالى! فسيقول السائل: من خلق خالق الخالق؟؟! ثم من خلق خالق خالق الخالق؟؟! وهكذا يتسلسل إلى ما لا نهاية. وهذا محال في العقول. أما أن المخلوقات تنتهي إلى خالقٍ خلق كل شيء، ولم يخلقه أحد، بل هو الخالق لما سواه: فإن هذا هو الموافق للعقل والمنطق، وهو الله . ٢. أما من حيث الشرع والدين عندنا: فإن النبي ﷺ ، قد أخبرنا عن هذا السؤال، من أين مصدره، وما هو علاجه والرد عليه: = عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال هذا خلق اللهُ الخلقَ، فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئا فليقل آمنت بالله ". = وقال رسول الله ﷺ : " يأتي الشيطانُ أحدَكم فيقول من خلق السماء؟ من خلق الأرض؟ فيقول: الله، - ثم ذكر بمثله - وزاد: " ورسله ". = وقال رسول الله ﷺ : " يأتي الشيطانُ أحدَكم فيقول من خلق كذا وكذا؟ حتى يقول له من خلق ربَّك؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته ". = وقال رسول الله ﷺ : " يأتي العبد الشيطان فيقول من خلق كذا وكذا؟ ..". رواها جميعاً الإمام مسلم (١٣٤) . ففي هذه الأحاديث: بيان مصدر هذا السؤال، وهو: الشيطان. وبيان علاجه ورده، وهو: ١. أن ينتهي عن الانسياق وراء الخطرات وتلبيس الشيطان. ٢. وأن يقول " آمنتُ بالله ورسله ". ٣. وأن يستعيذ بالله من الشيطان. وورد أيضا التفل عن الشِّمال ثلاثا وقراءة سورة قل هو الله أحد (انظر كتاب "شكاوى وحلول " في زاوية الكتب من هذا الموقع) ٣. أما عن وجود الله أولاً، فعندنا في ذلك أخبار من نبينا ﷺ ، ومنها: ١. قوله ﷺ : " اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء ". رواه مسلم (٢٧١٣) . ٢. قوله ﷺ : " كان الله ولم يكن شيء غيره "، وفي رواية " ولم يكن شيء قبله ". رواهما البخاري، الأولى (٣٠٢٠) ، والثانية (٦٩٨٢) . بالإضافة لما في الكتاب العزيز من الآيات، فالمؤمن يُؤمن ولا يشكّ والكافر يجحد والمنافق يشكّ ويرتاب، نسأل الله أن يرزقنا إيمانا صادقا ويقينا لاشكّ فيه والله الموفق. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 120

شروط لاإله إلا الله [السُّؤَالُ] ـ[أرجوا توضيح شروط لا إله إلا الله (العلم واليقين ... الخ) .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قال الشيخ حافظ الحكمي في منظومته سلم الوصول: العلم واليقين والقبول ... ** والانقياد فادر ما أقول والصدق والإخلاص والمحبة ... ** وفقك الله لما أحبه الشرط الأول: (العلم) بمعناها المراد منها نفياً وإثباتاً المنافي للجهل بذلك، قال الله تعالى: "فاعلم أنه لاإله إلا الله " وقال تعالى: " إلا من شهد بالحق " أي بلا إله إلا الله " وهم يعلمون " بقلوبهم معنى ما نطقوا به بألسنتهم. وفي الصحيح عن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة ". الشرط الثاني (اليقين) بأن يكون قائلها مستيقناً بمدلول هذه الكلمة يقيناً جازماً، فإن الإيمان لا يغني فيه إلا علم اليقين لا علم الظن، فكيف إذا دخله الشك، قال الله : " إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون " فاشترط في صدق إيمانهم بالله ورسوله كونهم لم يرتابوا، أي لم يشكوا، فأما المرتاب فهو من المنافقين. وفي الصحيح من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " أشهد ألا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة " وفي رواية لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما فيُحجب عن الجنة ". وفيه عنه ﵁ من حديث طويل أن النبي ﷺ بعثه بنعليه فقال " من لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة " الحديث، فاشترط في دخول قائلها الجنة أن يكون مستيقناً بها قلبه غير شاك فيها، وإذا انتفى الشرط انتفى المشروط. الشرط الثالث (القبول) لما اقتضته هذه الكلمة بقلبه ولسانه، وقد قص الله علينا من أنباء ما قد سبق من إنجاء من قَبِلها وانتقامه ممن ردها وأباها قال تعالى: (احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم، وقفوهم إنهم مسؤلون) إلى قوله (إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون) فجعل الله علة تعذيبهم وسببه هو استكبارهم عن قول لا إله إلا الله، وتكذيبهم من جاء بها، فلم ينفوا ما نفته ولم يثبتوا ما أثبتته، بل قالوا إنكاراًً واستكباراً (أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيءٌ عجاب. وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على ألهتكم إن هذا لشيءٌ يُراد. ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق) فكذبهم الله ورد ذلك عليهم على لسان رسوله ﷺ فقال (بل جاء بالحق وصدق المرسلين) ... ثم قال في شأن من قبلها (إلا عباد الله المخلصين. أولئك لهم رزقٌ معلوم. فواكه وهم مكرمون. في جنات النعيم) وفي الصحيح عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: " مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير. وأصاب منها طائفة أُخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تُنبت كلأً، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه مابعثني الله به فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذللك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أُرسلت به ". الشرط الرابع (الانقياد) لما دلت عليه المنافي لترك ذلك، قال الله (ومن يُسلم وجهه لله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى) أي بلا إله إلا الله (وإلى الله عاقبة الأُمور) ومعنى يُسلم وجهه أي ينقاد، وهو محسن موحد، ومن لم يسلم وجهه إلى الله ولم يك محسناً فإنه لم يستمسك بالعروة الوثقى، وهو المعني بقوله بعد ذلك (ومن كفر فلا يحزنك كفره، إلينا مرجعهم فننبؤهم بما عملوا) وفي حديث صحيح أن رسول الله ﷺ قال " لا يُؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جِئت به" وهذا هو تمام الانقياد وغايته. والخامس (الصدق) فيها المنافي للكذب، وهو أن يقولها صدقاً من قلبه يواطىء قلبه لسانه، قال الله (الم أحسب الناس أن يُتركوا أن يقولوا أمنا وهم لا يُفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) وقال في شأن المنافقين الذين قالوها كذباً (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين. يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون. في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون) وفي الصحيحين من حديث معاذ بن جبل رضي لله عنه عن النبي ﷺ " ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على لنار". والسادس (الإخلاص) وهوتصفية العمل عن جميع شوائب الشرك قال ﵎: (ألا لله الدين الخالص) وقال (قل الله أعبد مخلصاً له ديني) وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه أو نفسه " ... والسابع (المحبة) لهذه الكلمه ولما اقتضته ودلت عليه ولأهلها العاملين بها الملتزمين لشروطها وبغض ما ناقض ذلك، قال الله تعالى (ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حباً لله) فأخبر الله تعالى أن الذين آمنوا أشد حباً لله؛ وذلك لأنهم لم يشركوا معه في محبته أحدا كما فعل مدعوا محبته من المشركين الذين اتخذوا من دونه أنداداً يحبونهم كحبه، وفي الصحيحين من حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ". والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد. [الْمَصْدَرُ] الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 121

نصراني يسأل لماذا خلق الله البشر [السُّؤَالُ] ـ[وفقا للقرآن و/أو السنة، لماذا خلق الله البشر؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله خلق الله الجن والبشر لعبادته وتوحيده، وامتثال أمره واجتناب نواهيه، قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) ، أي يوحدونه فيفردونه بالعبادة دون غيره، ومن شرط صحة عبادته الإيمان برسوله ﷺ ، والإقتداء به لأنه هو القدوة والأسوة، قال تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) . [الْمَصْدَرُ] الشيخ عبد الكريم الخضير.

стр. 122

تفسير قوله تعالى: (وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا) [السُّؤَالُ] ـ[في سورة الجن، الآية (رقم/٣) : (وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا) يكررها النصارى تشكيكا في ديننا، كيف نرد عليهم ردا مفحما؟ هل المتحدث هنا هم الجن جهلا منهم؟ أم المقصود بقوله (جد) ضد الهزل؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذه الآية من سورة " الجن " ذات الوقع المؤثر في النفوس، تحكي حديثا صدر عن الجن الذين استمعوا القرآن من النبي ﷺ ، فآمنوا بالقرآن، وأسلموا. قال الله تعالى: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا. يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا. وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا. وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا) الجن/١-٤. وظاهر جداً من سياق الآيات: أن الجن أعلنوا إيمانهم بوحدانية الله، ورفضهم لما يقوله المشركون من نسبة الصاحبة والولد إلى الله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. والجد في الآية معناه: العظمة والجلال، وليس معناه "أبو الأب" كما فهم هؤلاء المفترون. قال ابن فارس في "معجم مقاييس اللغة" (١/٣٦٤) : " الجيم والدال أصولٌ ثلاثة: الأوَّل العظمة، والثاني: الحَظ، والثالث: القَطْع. فالأوّل: العظمة: قال الله جلّ ثناؤُه إخباراً عمّن قال: (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا) الجن/٣. ويقال: " جَدَّ الرجُل في عَينِي " أي: عَظُم، قال أنسُ بنُ مالكٍ: (كان الرجلُ إذا قرأ سورةَ البقرة وآلِ عِمرانَ جَدَّ فينا) أي: عَظُم في صُدورِنا. والثاني: الغِنَى والحظُّ: قال رسول الله ﵌ في دعائه: (لا يَنْفَع ذا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ) يريد: لا ينفَعُ ذا الغنى منك غِناه، إنّما ينفعه العملُ بطاعتك. والثالث: يقال: جَدَدت الشيءَ جَدّاً، وهو مجدودٌ وجَديد، أي: مقطوع " انتهى. وانظر: "لسان العرب" (٣/١٠٧) . فتفسير عبارة الجن التي حكاها الله عنهم: (وأنه تعالى جد ربنا) كتفسير دعاء استفتاح الصلاة أيضا: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، تَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ) رواه مسلم موقوفا عن عمر (٣٩٩) . والمقصود في كل منهما: تعالت وارتفعت عظمة الله تعالى، وكبرياؤه، وعزته، ونحو ذلك من المعاني التي فيها تعظيم الله تعالى وإجلاله. لذلك حكى ابن الجوزي في "زاد المسير" (٨/٣٧٨) الأقوال في تفسير الآية، فقال: " للمفسرين في معنى: (تعالى جَدُّ ربِّنا) سبعة أقوال: أحدها: قدرة ربنا، قاله ابن عباس. والثاني: غنى ربنا، قاله الحسن. والثالث: جلال ربنا، قاله مجاهد وعكرمة. والرابع: عظمة ربنا، قاله قتادة. والخامس: أمر ربنا، قاله السُّدِّي. والسادس: ارتفاعُ ذِكْرِه وعظمته، قاله مقاتل. والسابع: مُلك ربنا وثناؤه وسلطانه، قاله أبو عبيدة " انتهى. وهذه المعاني كلها متقاربة وتدل على عظمة الله تعالى وكبريائه. والمعنى الإجمالي منها في الآية: هو التعبير عن الشعور باستعلاء الله سبحانه وبعظمته وجلاله عن أن يتخذ صاحبة، أي: زوجة، وولداً، بنين أو بنات! وكانت العرب تزعم أن الملائكة بنات الله، جاءته من صهر مع الجن! فكذبت الجن هذه الخرافة الأسطورية. قال ابن عاشور في "التحرير والتنوير" (١٤/٢٢٢) : "التعالي: شدة العلوّ. والجَدّ: العظمة والجلال، وهذا تمهيد وتوطئة لقوله: (ما اتخذ صاحبة ولا ولَداً) ، لأن اتخاذ الصاحبة للافتقار إليها لأنسها وعونها والالتذاذ بصحبتها، وكل ذلك من آثار الاحتياج، والله تعالى الغني المطلق، وتعالى جَدّه بغناه المطلق، والولد يرغب فيه للاستعانة والأنس به. . . وكل ذلك من الافتقار والانتقاص" انتهى. وقال السعدي في تفسيره (ص ١٠٥٥) : " (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا) أي: تعالت عظمته وتقدست أسماؤه، (مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا) فعلموا من جَدِّ الله وعظمته، ما دلهم على بطلان من يزعم أن له صاحبة أو ولدا، لأن له العظمة والكمال في كل صفة كمال، واتخاذ الصاحبة والولد ينافي ذلك، لأنه يضاد كمال الغنى" انتهى وسئل الشيخ ابن باز ﵀: ما معنى قولنا في دعاء الاستفتاح للصلاة: (وتعالى جدك) ؟ الجواب: " معنى ذلك: تعالى كبرياؤك وعظمتك، كما قال سبحانه في سورة الجن - عن الجن - أنهم قالوا: (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا) " انتهى. "فتاوى الشيخ ابن باز" (١١/٧٤) . فتبين من ذلك أن في الآية رداًّ على من نسب لله الصاحبة والولد، كالمشركين والنصارى، لأن ذلك يتنافى من عظمة الله وجلاله. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] موقع الإسلام سؤال وجواب

стр. 123

يعاني من وساوس الشيطان في ذات الله [السُّؤَالُ] ـ[رجل يوسوس له الشيطان بوساوس عظيمة فيما يتعلق بالله وهو خائف من ذلك جداً فماذا يفعل؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ما ذكر من جهة مشكلة السائل التي يخاف من نتائجها , أقول له: أبشر بأنه لن يكون لها نتائج إلا النتائج الطيبة , لأن هذه وساوس يصول بها الشيطان على المؤمنين, ليزعزع العقيدة السليمة في قلوبهم, ويوقعهم في القلق النفسي والفكري ليكدر عليهم صفو الإيمان , بل صفو الحياة إن كانوا مؤمنين. وليست حاله بأول حال تعرض لأهل الإيمان, ولا هي آخر حال, بل ستبقى ما دام في الدنيا مؤمن. ولقد كانت هذه الحال تعرض للصحابة ﵃ فعن أبي هريرة ﵁ قال: جاء أناس من أصحاب رسول الله ﷺ إلى النبي ﷺ فسألوه: إنّا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به , فقال: (أو قد وجدتموه؟) . قالوا: نعم , قال: (ذاك صريح الإيمان) . رواه مسلم وفي الصحيحين عنه أيضاً أن النبي ﷺ قال: (يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول من خلق ربك؟! فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته) . وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ جاءه رجل فقال: إني أحدث نفسي بالشيء لأن أكون حممة أحب إلي من أن أتكلم به, فقال النبي ﷺ : (الحمد لله الذي رد أمره إلى الوسوسة) . رواه أبو داود. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتاب الإيمان: والمؤمن يبتلى بوساوس الشيطان بوساوس الكفر التي يضيق بها صدره. كما قالت الصحابة يا رسول الله إن أحدنا ليجد في نفسه ما لأن يخر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يتكلم به. فقال (ذاك صريح الإيمان) . وفي رواية ما يتعاظم أن يتكلم به. قال: (الحمد الله الذي رد كيده إلى الوسوسة) . أي حصول هذا الوسواس مع هذه الكراهة العظيمة له, ودفعه عن القلوب هو من صريح الإيمان, كالمجاهد الذي جاءه العدو فدافعه حتى غلبه, فهذا عظيم الجهاد, إلى أن قال: (ولهذا يوجد عند طلاب العلم والعباد من الوساوس والشبهات ما ليس عند غيرهم, لأنه (أي الغير) لم يسلك شرع الله ومنهاجه, بل هو مقبل على هواه في غفلة عن ذكر ربه, وهذا مطلوب الشيطان بخلاف المتوجهين إلى ربهم بالعلم والعبادة , فإنه عدوهم يطلب صدهم عن الله تعالى) أ. هـ المقصود منه ذكره في ص ١٤٧ من الطبعة الهندية. فأقول لهذا السائل: إذا تبين لك أن هذه الوساوس من الشيطان فجاهدها وكابدها , واعلم أنها لن تضرك أبداً مع قيامك بواجب المجاهدة والإعراض عنها, والانتهاء عن الانسياب وراءها, كما قال النبي ﷺ (إن الله تجاوز عن أمتي ما وسوست به صدورها ما لم تعمل به أو تتكلم) . متفق عليه. وأنت لو قيل لك: هل تعتقد ما توسوس به؟ وهل تراه حقاً؟ وهل يمكنك أن تصف الله سبحانه به؟ لقلت: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا , سبحانك هذا بهتان عظيم , ولأنكرت ذلك بقلبك ولسانك, وكنت أبعد الناس نفوراً عنه, إذن فهو مجرد وساوس وخطرات تعرض لقلبك , وشباك شرك من الشيطان الذي يجري من ابن آدم مجرى الدم, ليرديك ويلبس عليك دينك. ولذلك تجد الأشياء التافهة لا يلقي الشيطان في قلبك الشك فيها أو الطعن , فأنت تسمع مثلاً بوجود مدن مهمةٍ كبيرة مملوءة بالسكان والعمران في المشرق والمغرب ولم يخطر ببالك يوماً من الأيام الشك في وجودها أو عيبها بأنها خراب ودمار لا تصلح للسكنى , وليس فيها ساكن ونحو ذلك , إذا لا غرض للشيطان في تشكك الإنسان فيها ولكن الشيطان له غرض كبير في إفساد إيمان المؤمن , فهو يسعى بخيله ورجله ليطفئ نور العلم والهداية في قلبه , ويوقعه في ظلمة الشك الحيرة , والنبي ﷺ بين لنا الدواء الناجع الذي فيه الشفاء , وهو قوله: (فليستعذ بالله ولينته) . فإذا انتهى الإنسان عن ذلك واستمر في عبادة الله طلباً ورغبة فيما عند الله زال ذلك عنه بحول الله , فأعرض عن جميع التقديرات التي ترد على قلبك في هذا الباب وها أنت تعبد الله وتدعوه وتعظمه , ولو سمعت أحداً يصفه بما توسوس به لقتلته إن أمكنك , إذن فما توسوس به ليس حقيقة واقعة بل هو خواطر ووساوس لا أصل لها. ونصيحة تتلخص فيما يأتي: ١. الاستعاذة بالله والانتهاء بالكلية عن هذه التقديرات كما أمر بذلك النبي ﷺ . ٢. ذكر الله تعالى وضبط النفس عن الاستمرار في هذه الوساوس. ٣. الانهماك الجدي في العبادة والعمل امتثالاً لأمر الله , وابتغاء لمرضاته، فمتى التفت إلى العبادة التفاتاً كلياً بجدٍّ وواقعية نسيت الاشتغال بهذه الوساوس إن شاء الله. ٤. كثرة اللجوء إلى الله والدعاء بمعافاتك من هذا الأمر. وأسال الله تعالى لك العافية والسلامة من كل سوء ومكروه. [الْمَصْدَرُ] مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ج/١ ص ٥٧ - ٦٠.

стр. 124

الأدلة على وجود الله، والحكمة من خلقه للعباد [السُّؤَالُ] ـ[سألني صديقي وهو على غير الإسلام أن أثبت له وجود الله، ولماذا وهبنا الحياة، وما هو المقصود من وراء ذلك. لكن إجابتي لم تقنعه، فأرجو أن تخبرني بالأمور التي يجب علي إخباره بها]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أيها الأخ المسلم.. إنّ ما قمت به من الدعوة إلى الله ومحاولة إيضاح حقيقة وجود الله وهو أمر يجلب السرور حقاً، إن معرفة الله تتفق مع الفطر السليمة والعقول المستقيمة , وكم هم أولئك الذين إذا ظهرت لهم الحقيقة سرعان ما يسلم أحدهم , فلو أن كل واحد منا قام بواجبه تجاه دينه لحصل خير كثير , فهنيئاً لك أيها الأخ المسلم أن تقوم بمهمة الأنبياء والمرسلين، وبشراك بما أنت موعود به من الأجر العظيم الذي جاء على لسان نبيك ﷺ حيث يقول (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) رواه البخاري٣/ ١٣٤ ومسلم ٤/١٨٧٢، و (حمر النعم) هي الإبل الحمراء وهي أحسن أنواع الإبل. ثانياً: وأما عن أدلة وجود الله فهي واضحة لمن تأملها ولا تحتاج لكثرة بحث وطول نظر، وعند التأمل نجد أنها تنقسم إلى ثلاثة أنواع: الأدلة الفطرية، والأدلة الحسية، والأدلة الشرعية، وسوف تتضح لك بإذن الله تعالى. أولاً: الأدلة الفطرية: قال الشيخ ابن عثيمين: دلالة الفطرة على وجود الله أقوى من كل دليل لمن لم تجتله الشياطين، ولهذا قال الله تعالى (فطرت الله التي فطر الناس عليها) الروم/٣٠، بعد قوله: (فأقم وجهك للدين حنيفاً) فالفطرة السليمة تشهد بوجود الله ولا يمكن أن يعدل عن هذه الفطرة إلا من اجتالته الشياطين، ومن اجتالته الشياطين فقد يمنع هذا الدليل. انتهى من شرح السفارينية فإن كل إنسان يحسّ من تلقاء نفسه أنّ له رباً وخالقاً ويشعر بالحاجة إليه وإذا وقع في ورطة عظيمة اتجهت يداه وعيناه وقلبه إلى السماء يطلب الغوث من ربه. الأدلة الحسية: وجود الحوادث الكونية، وذلك أن العالم من حولنا لابد وأن تحصل فيه حوادث فمن أول تلك الحوادث حادثة الخلق، خلق الأشياء، كل الأشياء من شجر وحجر وبشر وأرض وسماء وبحار وأنهار...... فإن قيل هذه الحوادث وغيرها كثير من الذي أوجدها وقام عليها؟ فالجواب إما أن تكون وجدت هكذا صدفة من غير سبب يدعو لذلك فيكون حينها لا أحد يعلم كيف وجدت هذه الأشياء هذا احتمال، وهناك احتمال آخر وهو أن تكون هذه الأشياء أوجدت نفسها وقامت بشؤونها , وهناك احتمال ثالث وهو أن لها موجداً أوجدها وخالقاً خلقها، وعند النظر في هذه الاحتمالات الثلاث نجد أنه يتعذر ويستحيل الأول والثاني فإذا تعذر الأول والثاني لزم أن يكون الثالث هو الصحيح الواضح وهو أن لها خالقاً خلقها وهو الله، وهذا ما جاء ذكره في القرآن الكريم قال الله تعالى: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون) الطور/٣٥ ثم هذه المخلوقات العظيمة منذ متى وهي موجودة؟ كل هذه السنين من الذي كتب لها البقاء في هذه الدنيا وأمدها بأسباب البقاء؟ الجواب هو الله، أعطى كل شيء ما يصلحه ويؤمن بقاءه، ألا ترى ذلك النبات الأخضر الجميل إذا قطع الله عنه الماء هل يمكن أن يعيش؟ كلا بل يكون حطاماً يابساً وكل شئ إذا تأملته وجدته متعلقاً بالله، فلولا الله ما بقيت الأشياء. ثم إصلاح الله لهذه الأشياء، كل شيء لما يناسبه؛ فالإبل مثلاً للركوب، قال الله تعالى: (أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً فهم لها مالكون (٧١) وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون) يس/٧٢ انظر إلى الإبل كيف خلقها الله قوية مستوية الظهر لكي تكون مهيئة للركوب وتحمل المشاق الصعبة التي لا يتحمله من الحيوانات غيرها. وهكذا إذا قلبت طرفك في المخلوقات وجدتها متناسبة مع ما خلقت من أجله فسبحان الله تعالى. ومن أمثلة الأدلة الحسية: النوازل التي تنزل لأسبب دالة على وجود الخالق مثل دعاء الله ثم استجابة الله للدعاء دليل على وجود الله قال الشيخ ابن عثيمين: لما دعا النبي ﷺ أن يغيث الخلق، قال اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، ثم نشأ السحاب، وأمطر قبل أن ينزل من المنبر، هذا يدل على وجود الخالق. انتهى من شرح السفارينية الأدلة الشرعية: وجود الشرائع , قال الشيخ ابن عثيمين: جميع الشرائع دالة على وجود الخالق وعلى كمال علمه وحكمته ورحمته لأن هذه الشرائع لابد لها من مشرع والمشرع هو الله . انتهى من شرح السفارينية وأما سؤالك، لماذا خلقنا الله؟ فالجواب من أجل عبادته وشكره وذكره، والقيام بما أمرنا به سبحانه، وأنت تعلم أن الخلق فيهم الكافر وفيهم المسلم , وهذا لأن الله أراد أن يختبر العباد ويبتليهم هل يعبدونها من يعبدون غيره، وذلك بعد أن أوضح الله السبيل لكل أحد، قال الله تعالى (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً) تبارك/٢ وقال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) الذاريات/٥٦ نسأل الله أن يوفقنا وإياك لما يحب ويرضى، والمزيد المزيد من الدعوة والعمل للدين وصلى الله على النبي ﷺ . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 125

رحمة الله بعباده [السُّؤَالُ] ـ[الله رحيم جداً، فقد سمعت بأن الله يحبنا أكثر من محبة ٧٠ أم لطفلها، هل هذا صحيح؟ أرجو الشرح.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الله هو الرحمن الرحيم وهو أرحم الراحمين الذي وسعت رحمته كل شيء، قال تعالى: (ورحمتي وسعت كل شيء) الأعراف / ١٥٦ وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: (إن لله مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها، وأخر الله تسعا وتسعين رحمة، يرحم بها عباده يوم القيامة) مسلم / ٦٩٠٨. وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: (قدم على رسول الله ﷺ بسبي، فإذا امرأة من السبي تبتغي، إذا وجدت صبيا في السبي، أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا رسول الله ﷺ : أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ ، قلنا: لا، والله! وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال رسول الله ﷺ : لله أرحم بعباده من هذه بولدها) متفق عليه، البخاري (٥٦٥٣) ومسلم (ا٦٩١٢) . ومن رحمة الله بعباده إرسال الرسل وإنزال الكتب والشرائع لتستقيم حياتهم على سنن الرشاد بعيدا عن الضنك والعسر والضيق , قال تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) الأنبياء / ١٠٧ ورحمته تعالى هي التي تدخل عباده المؤمنين الجنة يوم القيامة ولن يدخل أحد الجنة بعمله كما قال ﵊: (لن يُدخل أحداً عمله الجنة) . قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (لا، ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة، فسددوا وقاربوا، ولا يتمنين أحدكم الموت،: إما محسناً فلعله أن يزداد خيراً، وإما مسيئاً فلعله أن يستعتب) رواه البخاري (٥٣٤٩) ومسلم (٧٠٤٢) . وعلى المؤمن أن يبقى بين رجاء رحمة الله والخوف من عقابه، فهو القائل: (نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم، وأن عذابي هو العذاب الأليم) الحجر / ٤٩-٥٠. وأما قولك " بأن الله يحبنا أكثر من محبة سبعين أم لطفلها " فالله أعلم بذلك، ويكفينا أنّ نعلم بأن رحمة الله وسعت كل شيء، فاللهم ارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 126

الله مستو على عرشه وهو قريب منا بعلمه [السُّؤَالُ] ـ[يقول الله في القرآن: "تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة". فهل يدل ذلك على أن الله يتحكم في الأمور الدنيوية وهو جالس (مستو) على العرش؟ وعليه فكيف يكون الله أقرب إلينا من أوردتنا؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله فقد ثبت بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة أن الله فوق سمواته على عرشه وأنه العلي الأعلى، وأنه فوق كل شيء، وليس فوقه شيء، قال تعالى: (الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون) وقال تعالى: (ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر) وقال تعالى: (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) ، وقال تعالى: (هو الأول والآخر والظاهر والباطن) . وقال ﵊: " وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ". والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، ومع ذلك فقد أخبر الله سبحانه أنه مع عباده أينما كانوا: (ألم تر أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا) . بل قد جمع الله سبحانه بين ذكر علوّه على عرشه ومعيّته لعباده في آية واحدة وذلك في قوله تعالى: (هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم) . وليس معنى كونه معنا أنه مختلط بالخلق بل هو مع عباده بعلمه، وهو فوق عرشه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم وأما قوله سبحانه: (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) ، فقد قال أكثر المفسرين أن المراد هو قربه سبحانه بملائكته الموكّلين بحفظ أعمال العباد. ومن قال المراد بقربه تعالى فسّره بقربه بعلمه، كما قيل في المعيّة. هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة يثبتون علوّ الله على خلقه، ومعيّته لعباده، وينزهونه تعالى عن الحلول في المخلوقات، وأما المعطلة كالجهمية ومن تبعهم فإنهم ينفون علوّه بذاته فوق المخلوقات واستواءه على عرشه ويقولون أنه حالٌ في كل مكان، نسأل الله تعالى الهداية للمسلمين. [الْمَصْدَرُ] الشيخ عبد الرحمن البراك.

стр. 127

الأدلة على علوّ الله تعالى على خلقه وأنّه سبحانه فوق السموات [السُّؤَالُ] ـ[بعض الناس يقولون أن الله فوق السموات، وبعض العلماء يقولون أن الله ليس له مكان، فما هو القول الصحيح في هذه المسألة؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله استدلّ أهل السنة على علو الله تعالى على خلقه علواً ذاتياً بالكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة: أولا: فأما الكتاب فقد تنوعت دلالته على علو الله، فتارة بذكر العلو، وتارة بذكر الفوقية، وتارة بذكر نزول الأشياء من عنده، وتارة بذكر صعودها إليه، وتارة بكونه في السموات ... فالعلو مثل قوله: (وهو العلي العظيم) البقرة/٢٥٥، (سبح اسم ربك الأعلى) الأعلى/١. والفوقية: (وهو القاهر فوق عباده) الأنعام/١٨، (يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون) النحل/٥٠. ونزول الأشياء منه، مثل قوله: (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض) السجدة/٥، (إنا نحن نزلنا الذكر) الحجر/٩ وما أشبه ذلك. وصعود الأشياء إليه، مثل قوله: (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) فاطر/١٠ ومثل قوله: (تعرج الملائكة والروح إليه) المعارج/٤. كونه في السماء، مثل قوله: (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض) الملك /١٦. ثانياً: وأما السنة فقد تواترت عن النبي ﷺ من قوله وفعله وإقراره: فمما ورد في قوله ﷺ في ذكر العلو والفوقية قوله (سبحان ربي الأعلى) كما كان يقول في سجوده وقوله في الحديث: (والله فوق العرش) . (٢) وأما الفعل، فمثل رفع أصبعه إلى السماء، وهو يخطب الناس في أكبر جمع، وذلك في يوم عرفه، عام حجة الوداع فقال علية الصلاة والسلام (ألا هل بلغت؟) . قالوا: نعم (ألا هل بلغت؟) قالوا: نعم (ألا هل بلغت؟) قالوا: نعم. وكان يقول: (اللهم! أشهد) ، يشير إلى السماء بأصبعه، ثم يُشير إلى الناس. ومن ذلك رفع يديه إلى السماء في الدعاء كما ورد في عشرات الأحاديث. وهذا إثبات للعلو بالفعل. (٣) وأما التقرير، كما جاء في حديث الجارية التي قال لها النبي ﷺ : أين الله؟ قالت: في السماء. فقال: (من أنا؟) قالت: رسول الله. فقال لصاحبها: (أعتقها، فإنها مؤمنة) . فهذه جارية غير متعلمة كما هو الغالب على الجواري، وهي أمة غير حرة، لا تملك نفسها، تعلم أن ربها في السماء، وضُلّال بني آدم ينكرون أن الله في السماء، ويقولون: إنه لا فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال بل يقولون: إنه في كل مكان!!. ثالثاً: وأما دلالة الإجماع، فقد أجمع السلف على أن الله تعالى بذاته في السماء، كما نقل أقوالهم أهل العلم كالذهبي ﵀ في كتابه: " العلوّ للعليّ الغفار ". رابعاً: وأما دلالة العقل فنقول إن العلو صفة كمال باتفاق العقلاء، وإذا كان صفة كمال، وجب أن يكون ثابتاً لله لأن كل صفة كمال مطلقة، فهي ثابتة لله. خامساً: وأما دلالة الفطرة: فأمر لا يمكن المنازعة فيها ولا المكابرة، فكل إنسان مفطور على أن الله في السماء، ولهذا عندما يفجؤك الشيء الذي لا تستطيع دفعه، وتتوجه إلى الله تعالى بدفعه، فإن قلبك ينصرف إلى السماء وليس إلى أيّ جهة أخرى، بل العجيب أنّ الذين ينكرون علو الله على خلقه لا يرفعون أيديهم في الدعاء إلا إلى السماء. وحتى فرعون وهو عدو الله لما أراد أن يجادل موسى في ربه قال لوزيره هامان: (يا هامان ابن لي صرحاً لعلي ابلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى.. الآية) . وهو في حقيقة أمره وفي نفسه يعلم بوجود الله تعالى حقّا كما قال : (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا) . فهذه عدّة من الأدلة على أن الله في السماء من الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة بل ومن كلام الكفار نسأل الله الهداية إلى الحق. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 128

أجوبة من دخل في الإسلام على السؤال المتبادر " لماذا أسلمتَ "؟ [السُّؤَالُ] ـ[يسألني أحد زملاء العمل " لماذا أسلمت؟ " فقلت له: إن هذا هو الطريق الذي كان يجب أن أسلكه، لا أعرف أحيانًا ما يجب أن أقوله، وعندما أحاول: أشعر أن ردي غير صحيح، كيف أرد على مثل هذا السؤال؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: نسأل الله تعالى أن يتقبل إسلامك، وأن يثبتك على الحق، ويهديك لما يحب ويرضى. واعلمي أيتها الأخت الفاضلة أنك سلكتِ الطريق الصحيح، فالإسلام دين الفطرة، ودين الأمن، والسعادة، يشعر بذلك كل من انتسب لهذا الدين العظيم، وقد يشعر بذلك أكثر من كان غارقاً في ظلمات الجهل والضلال والكفر، ويشعر الناطق بالشهادتين بشيء في قلبه لا يستطيع وصفه لأحدٍ، ولذلك تغلب أكثرهم دموع الفرح والسعادة، ولا شك أن الله تعالى قد جعل للإسلام طعماً، وللإيمان حلاوة، وهو ما نصَّت عليه نصوص شريعتنا، ويشعر بذلك الطعم، ويتذوق تلك الحلاوة من آمن بالله ربّاً وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبيّاً ورسولاً. ثانياً: إن الذي يكرمه الله تعالى بدخول الإسلام يجد من الأسباب لدخوله فيه ما لا يجده غيره، ويرى فيه من الجوانب ما لا يراه غيره، وما ذلك إلا لعظمة هذا الدين، وكثرة جوانب الخير فيه، وصلاحيته لجميع طبقات الناس وبيئاتهم وثقافاتهم، ومن هنا فإن من يدخل في هذا الدين العظيم يذكر من الأسباب لإسلامه ما لا يذكره غيره غالباً، وكلها إجابات صحيحة تحكي واقعهم وواقع الإسلام ذاته، ويمكنك الوقوف على بعض تلك الإجابات، والاستفادة منها، ونحن نفضل أن تذكري شعورك أنت، والسبب الذي دفعك أنت للدخول في هذا الدين، فهو تعبير عن واقعك الذي تعيشين، وأنت أبلغ من يستطيع التعبير عنه. ولا مانع من ذِكر بعض تلك الأسباب عند غيرك ممن دخل في الإسلام؛ فقد يكون ثمة اشتراك في بعضها بينك وبينهم. ١. سئل أعرابي: لماذا أسلمتَ؟ قال: لم أرَ شيئاً من قول، أو فعل يستحسنه العقل، وتستطيبه الفطرة: إلا وحثَّ عليه الإسلام، وأمر به، وأحلَّه رب العزة سبحانه، ولم أجد شيئاً يستقبحه العقل، وتستقذره الفطرة: إلا ونهى الله عنه، وحرَّمه على عباده. ٢. قال " روبرت ديكسن " رئيس جمعية المحامين الأمريكيين: جوابي لمن سألني لماذا أسلمت: هو: أن الإسلام دين التوحيد، والسعادة، والراحة النفسية، والعيشة الهانئة، إذا التزمت به، وطبقت تعاليمه، وهو دين العدل الإلهي. ٣. قال " محمد أسد " - السياسي، والمؤلف النمساوي -: لم يكن هناك شيء بعينه من تعاليم الإسلام هو الذي أخذ بمجامع قلبي، إنه المجموع المتكامل المتناسب والمتماسك من هذه التعاليم الروحية من جانب، والتي ترسم برنامجاً عمليّاً للحياة من الجانب الآخر. ٤. قالت الفرنسية المهتدية " سيلفي فوزي: لقد وجدت في الإسلام منهاج حياة يجيب عن كل التساؤلات، وينظم للإنسان حياته وفق ما ينفعه، ويتناسب مع فطرته، ملبسه، ومأكله، وعمله، ونظام زواجه، اختياراته في الحياة، علاقاته بالآخرين، ومن ثم فلا عجب أن من يلتزم بالإسلام يستشعر الاطمئنان، والأمان النفسي، الذي هو في رأيي أهم العناصر لاستمرار الحياة. ٥. قالت أم عبد الملك – الأمريكية المسلمة -: أذهلني الإسلام الذي رفع من مقدار الوالدين. ٦. قال الشيخ محمد بن إبراهيم – ﵀: إن أَحد فلاسفة الهنود درس تاريخ الأَديان كلها، وبحث فيها بحثَ مستقلٍّ منصفٍ، وأَطال البحث في النصرانية؛ لما للدول المنسوبة إليها من الملك، وسعة السلطان، والتبريز في الفنون، والصناعات، ثم نظر في الإسلام، فعرف أَنه الدين الحق، فأَسلم، وأَلف كتاباً باللغة الإنجليزية سماه " لماذا أَسلمت "، بيَّن فيه ما ظهر له من مزايا الإسلام على جميع الأَديان، وكان أَهمها عنده: أَن الإسلام هو الدين الوحيد الذي له تاريخ صحيح محفوظ، فالآخذ به يعلم أَنه هو الدين الذي جاء به محمد بن عبد الله، النبي الأمي العربي، المدفون في المدينة المنورة من بلاد العرب، وقد كان من مثار العجب عنده أَن ترضى أُوربا لنفسها دينًا ترفع من تنسبه إليه عن مرتبة البشر، فتجعله إلهاً وهي لا تعرف من تاريخه شيئًا يعتد به، فإن هذه الأناجيل الأربعة على عدم ثبوت أَصلها، وعدم الثقة بتأْريخها، ومؤلفيها: لا تذكر من تاريخ المسيح إلا وقائع قليلة، حدثت - كما تقول - في أَيام معدودة، ولا يذكر فيها شيء يعتد به عن نشأَة هذا الرجل، وتربيته، وتعليمه، وأَيام صباه، وشبابه، ولله في خلقه شئون. " فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم " (١ / ٤٨) . ٧. قال " يوسف خطَّاب " – المتحول من اليهودية إلى الإسلام – لما سئل لماذا أسلمت -: لأن الإسلام دين التوحيد، قرأت عنه كثيراً، وأخيراً اقتنعت بأنه هو السبيل للجنة. والكلمات كثيرة، ويجمعها أن الإسلام دين الفطرة، والأمن، والسعادة، والأحكام الحكيمة، والأخلاق الرفيعة، ومن رام المقارنة بين الإسلام وغيره من الأديان المحرَّفة، أو الأنظمة والقوانين البشرية: فسيتبين له بجلاء أوجه الاختلاف، وأنه ليس ثمة مجال للمقارنة أصلاً. ٨. وتصف " ميري واتسون " – الأمريكية الحاصلة على ثلاث درجات علمية، وبعضها في علم اللاهوت لحظة تسلل نور الإيمان إلى قلبها فتقول: شعرت في ليلة - وأنا مستلقية على فراشي وكاد النوم يقارب جفوني - بشيء غريب استقر في قلبي، فاعتدلت من فوري، وقلت: يا رب أنا مؤمنة بك وحدك، ونطقت بالشهادة، وشعرت بعدها باطمئنان، وراحة تعم كل بدني، والحمد لله على الإسلام، ولم أندم أبداً على هذا اليوم الذي يعتبر يوم ميلادي. انتهى وننصحك – أختنا الفاضلة – بقراءة كتاب: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، للشيخ أبي الحسن الندوي، وكتاب: الإسلام على مفترق الطرق، والطريق إلى الإسلام، وهما للأستاذ محمد أسد، والثلاثة متوفرة باللغة الإنجليزية. كما ننصحك بقراءة قصص واقعية لمن اهتدوا إلى الطريق المستقيم، وأسلموا لله تعالى، وفيها بيان: كيف اهتدوا، وما هي خطواتهم الأولى نحو الهداية، وذلك تحت هذا الرابط: http://www.themwl.com/AlDaawa/default.aspx?ct=١&cid=٧&l=AR ونسأل الله لك الثبات على الحق، والتوفيق للعلم النافع، والعمل الصالح. والله الموفق [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 129

الحذر من وسوسة الشيطان في ذات الله [السُّؤَالُ] ـ[منذ أسبوعين وهذا السؤال يراودني، ولم أفلح في الإجابة عليه، ولكن بإذن الله ستكون الإجابة لديكم: ما الدليل على أن الله لا يكذب، أو ما الدليل على أنه صادق دائما، ولم، ولن يكذب أبدا؟ أعرف أنه سؤال غريب، وقد استحيت لفترة من سؤال أحد فيه، ولكن احترت في الإجابة عليه، وأُصبت بنوع من الضيق حتى في أثناء الصلاة.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله: والله ما ندري ـ يا عبد الله ـ من أي أمريك نعجب؛ أمن استرسالك وراء وساوس الشيطان، حتى بلغ بك إلى حافة الهاوية، لتسقط فيها، أو تكاد؟!! أم من استصعابك لهذا السؤال، وعدم قدرتك على الإجابة عنه؟!! فماذا عرفت من دينك يا عبد الله، إن جهلت هذا؟!! وماذا تظن بربك، إن كنت تبحث في هذا؟!! يا عبد الله، لقد قالت أم المؤمنين عائشة ﵂، لما قال لها مولاها مَسْرُوقٍ: يَا أُمَّتَاهْ، هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ ﷺ رَبَّهُ؟!! فَقَالَتْ: لَقَدْ قَفَّ شَعَرِي مِمَّا قُلْتَ..!! وإذا كان شعر أم المؤمنين قد قف، أي: قام من شدة فزعها، لأجل من سألها هذا السؤال: هل رأى محمد ﷺ ربه، يعني: وهو في الدنيا، مع أن المؤمنين يرونه في الجنة، وهو أعظم نعيمهم، لا حرمنا الله منه، فكيف بسؤالك يا عبد الله؟!! ألهذا الحد تركت قلبك فارغا، حتى يتلاعب به الشيطان، وينتهي به ذلك المنتهى؟!! هل سمعت يا عبد الله بما رواه مسلم في صحيحه (٢٢٦٨) عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ رَأْسِي قُطِعَ؟!! قَالَ فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: إِذَا لَعِبَ الشَّيْطَانُ بِأَحَدِكُمْ فِي مَنَامِهِ فَلَا يُحَدِّثْ بِهِ النَّاسَ!!) . فإذا كان مثل هذا المنام لعبا من الشيطان، فبالله عليك ماذا كان يجيب النبي ﷺ لو رأى راء في منامه ما رأيت؟ فبالله عليك ماذا كان يقول لو كان ذلك اللعب في اليقظة، لا في المنام؟!! لقد حُق لك ـ والله ـ أن يطول حياؤك، بل وبكاؤك على نفسك ـ أن ظفر الشيطان منك بهذا!! نعم، نفهم أن الشيطان قد يتلاعب بمثل ذلك بالعبد، لكنه لا يسترسل مع وحي الشيطان، ويؤصل له، ويبحث له عن أدلة، وإنما إيمانه الراسخ يدفعه، فالشيطان خبيث، وكيده ضعيف: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً) (النساء: ٦٧) . عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ مَنْ خَلَقَ كَذَا مَنْ خَلَقَ كَذَا حَتَّى يَقُولَ مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ) متفق عليه. أرأيت كيف كان جواب النبي ﷺ عن هذا السؤال المعضل (!!) للعدو اللعين؟!! أن يستعيذ بالله من تلك الوساوس، وأن ينتهي عن التفكير فيها، والاسترسال وراءها؛ لأن اللعين لا يحتاج بسؤاله هذا جوابا، وهو يعلم أن سؤاله مغالطة محضة، فالخالق لا يصلح أن يكون له خالق، وإلا كان مخلوقا آخر من المخلوقين!! وإنما هدفه التشكيك والزعزعة، حتى يظفر بمن يموت وهو على تلك الحال، إن استطاع. قال الحافظ ابن حجر ﵀، في شرحه للحديث السابق: قَوْلُهُ: (مَنْ خَلَقَ رَبّك فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ) أَيْ عَنْ الِاسْتِرْسَال مَعَهُ فِي ذَلِكَ , بَلْ يَلْجَأ إِلَى اللَّه فِي دَفْعه , وَيَعْلَم أَنَّهُ يُرِيد إِفْسَاد دِينه وَعَقْله بِهَذِهِ الْوَسْوَسَة , فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْتَهِد فِي دَفْعهَا بِالِاشْتِغَالِ بِغَيْرِهَا. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَجْه هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الشَّيْطَان إِذَا وَسْوَسَ بِذَلِكَ فَاسْتَعَاذَ الشَّخْص بِاللَّهِ مِنْهُ وَكَفّ عَنْ مُطَاوَلَته فِي ذَلِكَ اِنْدَفَعَ ... فَلَيْسَ لِوَسْوَسَتِهِ اِنْتِهَاء , بَلْ كُلَّمَا أُلْزِمَ حُجَّة زَاغَ إِلَى غَيْرهَا إِلَى أَنْ يُفْضِيَ بِالْمَرْءِ إِلَى الْحِيرَة , نَعُوذ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ ... عَلَى أَنَّ قَوْله مَنْ خَلَقَ رَبّك كَلَام مُتَهَافِت يَنْقُض آخِرُهُ أَوَّلَهُ لِأَنَّ الْخَالِق يَسْتَحِيل أَنْ يَكُون مَخْلُوقًا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: إِنَّمَا أَمَرَ بِالِاسْتِعَاذَةِ وَالِاشْتِغَال بِأَمْر آخَر وَلَمْ يَأْمُر بِالتَّأَمُّلِ وَالِاحْتِجَاج لِأَنَّ الْعِلْم بِاسْتِغْنَاءِ اللَّه جَلَّ وَعَلَا عَنْ الْمُوجِد أَمْر ضَرُورِيّ لَا يَقْبَل الْمُنَاظَرَة , وَلِأَنَّ الِاسْتِرْسَال فِي الْفِكْر فِي ذَلِكَ لَا يَزِيد الْمَرْء إِلَّا حَيْرَة , وَمَنْ هَذَا حَاله فَلَا عِلَاج لَهُ إِلَّا الْمَلْجَأ إِلَى اللَّه تَعَالَى وَالِاعْتِصَام بِهِ. وَفِي الْحَدِيث إِشَارَة إِلَى ذَمّ كَثْرَة السُّؤَال عَمَّا لَا يَعْنِي الْمَرْء وَعَمَّا هُوَ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ , وَفيهِ عِلْم مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة لِإِخْبَارِهِ بِوُقُوعِ مَا سَيَقَعُ فَوَقَعَ. انتهى كلامه ﵀، مختصرا. وإذا كان النبي ﷺ ، قد أمر بالانتهاء عن تلك الوساوس، وعدم الخوض فيها، فإن المؤمن، إذا غُلب على شيء منها، وألقاها العدو اللعين في صدره؛ فإن إيمانه يُعظم ذلك البلاء، أن يقع شيء منه في صدره. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: (جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلُوهُ: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ؟!! قَالَ: وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟!! قَالُوا: نَعَمْ!! قَالَ: ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ!!) رواه مسلم (١٣٢) . قال النووي ﵀: مَعْنَاهُ اِسْتِعْظَامُكُمْ الْكَلَام بِهِ هُوَ صَرِيح الْإِيمَان , فَإِنَّ اِسْتِعْظَام هَذَا وَشِدَّة الْخَوْف مِنْهُ وَمِنْ النُّطْق بِهِ فَضْلًا عَنْ اِعْتِقَاده إِنَّمَا يَكُون لِمَنْ اِسْتَكْمَلَ الْإِيمَان اِسْتِكْمَالًا مُحَقَّقًا وَانْتَفَتْ عَنْهُ الرِّيبَة وَالشُّكُوك. يا عبد الله: إن الحر من الرجال، ومن له مقام بين الناس، يأنف أن يكذب، أو يُنسب إليه الكذب، وقصة أبي سفيان مع هرقل في هذا مشهورة معروفة، فكيف لو كان هذا الحر الكريم مؤمنا: إن الكذب مجانب للإيمان!! فكيف لو كان هذا رسول الله ﷺ ، إن توهم الظِّنة فيه، وهو الصادق المصدوق، تقشعر له الجلود، وتقِفُّ الرؤوس!! فكيف..؟!! يا عبد الله؛ إن أغلب الظن أنك أُتيت من أمرين اثنين، تسلط الشيطان عليك بالوساوس لأجلهما: فأما أولها: أنك أعرضت عن الانشغال بذكر الرحمن ﵎، ومطالعة آياته، والعيش مع ما في كتابه الكريم من أسمائه الحسنى وصفاته العليا، والتعرف على عظمته وجلاله، وجماله وكماله، بما عرفك في كتابه، وفي سنة نبيه ﷺ . وأما الأمر الثاني، وربما كان عقوبة من الله لك على الأمر الأول، فهو: مصاحبتك لشياطين الإنس، الذين يُظاهرون شياطين الجن، وينصرونهم عليك. وليس بالضروري من تلك المصاحبة أن يكون صديقا لك، يذهب ويجيء معك؛ بل ربما كانت تلك المصاحبة عن طريق شبكة الإنترنت، حيث يجرك الفضول، أو فراغ القلب إلى الدخول في بعض المنتديات الإلحادية: اللادينيين، فأرسل الواحد منهم سهما من شبهته، فاستقر في فؤادك، فأورثك الداء الذي تشكوه!! قال الله تعالى: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ * وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ) . عبد الله؛ أقبل على قلبك فأصلحه، وأقبل على ربك فتعرف عليه كما عرفك في كتابه، وأقبل على كتابه فاتله وتدبره، وعليك بذكره فاجعل لسانك رطبا منه، فإنه حصنك: (وَآمُرُكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اللَّهَ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ الْعَدُوُّ فِي أَثَرِهِ سِرَاعًا حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ كَذَلِكَ الْعَبْدُ لَا يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنْ الشَّيْطَانِ إِلَّا بِذِكْرِ اللَّهِ..!!) رواه الترمذي (٢٨٦٣) وصححه الألباني. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 130

يرتكب المعاصي ويقول: الإيمان في القلب ! [السُّؤَالُ] ـ[بعض الناس يرتكب المحرمات كحلق اللحية وشرب الدخان وإذا نصح بترك ذلك يقول: الإيمان في القلب، وليس الإيمان في تربية اللحية وترك الدخان، ويقول: إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم؟ فكيف نجيب عليه؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذه الكلمة كثيراً ما يقولها بعض الجهال أو المغالطين، وهي كلمة حق يراد بها باطل. لأن قائلها يريد تبرير ما هو عليه من المعاصي؛ لأنه يزعم أنه يكفي الإيمان الذي في القلب عن عمل الطاعات وترك المحرمات، وهذه مغالطة مكشوفة، فإن الإيمان ليس في القلب فقط، بل الإيمان كما عرفه أهل السنة والجماعة: قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح. قال الإمام الحسن البصري ﵁: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكنه ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال. وعمل المعاصي وترك الطاعات دليل على أنه ليس في القلب، إيمان أو فيه إيمان ناقص. والله تعالى يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا) آل عمران/١٣٠، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) المائدة/٣٥. (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً) المائدة/٦٩، (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) البقرة/٢٧٧، (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً) البقرة/٦٢، فالإيمان لا يسمى إيماناً كاملاً إلا مع العمل الصالح وترك المعاصي. ويقول الله تعالى: (وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) العصر/١-٣، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) النساء/٥٩، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) الأنفال/٢٤، فلا يكفي العمل الظاهر بدون إيمان بالقلب؛ لأن هذه صفة المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النار. ولا يكفي الإيمان بالقلب دون نطق باللسان وعمل بالجوارح؛ لأن هذا مذهب المرجئة من الجهمية وغيرهم، وهو مذهب باطل، بل لا بد من الإيمان بالقلب والقول باللسان والعمل بالجوارح، وفعل المعاصي دليل على ضعف الإيمان الذي في القلب ونقصه، لأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. "المنتقى من فتاوى الشيخ صالح الفوزان" (١/١٩) . وهذا الحديث الذي أشار إليه ذلك المجادل (ولكن ينظر إلى قلوبكم) قد جاء في صحيح مسلم (٢٥٦٤) بلفظ: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ) وهو نص صريح أن إصلاح القلوب وإصلاح الأعمال كلاهما مقصود، يؤمر به الإنسان، فلا يجوز لمسلم أن يقصر في الأعمال أو يرتكب المحرمات، ثم يقول: إن الله ينظر إلى القلوب، بل ينظر إلى القلوب والأعمال، ويحاسب على ما في القلوب والأعمال. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 131

تسلط الشيطان عليه بالشهوات المحرمة، والشبهات الباطلة !! [السُّؤَالُ] ـ[في رمضان الماضي مارستُ العادة السرية حوالى ٤ أيام في نهار رمضان، وأكلتُ بعدها لتأكدي من فساد صيامي، والأكثر من ذلك أنني أصبحتُ وفي رمضان الحالي أمارسها بعد الإفطار، لا أعرف كيف أصبر في نهار رمضان وأفعلها في ليله، وصرت أسمع الغناء كذلك في رمضان. كانت تأتيني بعض الوساوس والشبهات التى تدور في ذهني دون أن أسمعها من أحد، ولكنني أتجاهلها؛ ليقيني بأن هذا هو الدين الحق؛ لما قرأت عنه في الإعجاز العلمي , وأحاديث صدق نبوة الرسول ﷺ ، بينما لا توجد بشارات أو إعجاز في الأديان الأخرى، ولم نسمع مطلقاً بذلك إلا في الإسلام , ولكن دون جدوى، أحياناً أسمع حديثاً ما، وعقلي لايصدقه، ويرفضه، كالحديث الذي يخبر أن الجنة تفتح أبوابها كل يوم إثنين وخميس، فقلت في نفسي كيف ذلك؟! هناك بعض الدول البعيدة عنا والتى تختلف معنا في الأيام، فمثلا اليوم عندنا الإثنين، وفي نيوزيلندا وتلك البلاد قد يكون عندهم الثلاثاء، أعني عدم توافق الزمن، وهكذا , عقلي أجده يفكر في أشياء وحده من هذا النوع. آسف جدّاً على الإطالة، إفادتي فيما يجب عليَّ فعله، وجزاكم الله خيراً.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: أما حكم العادة السرية: فالصحيح من أقوال أهل العلم أنها محرمة، وقد بيَّنا ذلك في جواب السؤال رقم (٣٢٩) ، لذا فالواجب عليك التوبة والاستغفار من هذه الفعلة، والكف عنها، وعدم الرجوع لفعلها. ثانياً: قد اتفق الأئمة الأربعة على أن من فعل ذلك فقد بطل صومه، ووجب عليه القضاء. سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀: في رمضان السابق وأنا صائم وقعت في العادة السرية، فماذا يجب عليَّ؟ . فأجاب فضيلته: عليك أن تتوب إلى الله من هذه العادة؛ لأنها محرمة على أصح القولين لأهل العلم؛ لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلَاّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. فَمَنِ ابْتَغَى وَرَآءَ ذالِكَ فَأُوْلَائِكَ هُمُ الْعَادُونَ) ؛ ولقول النبي ﷺ : (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) ، فأرشد النبي ﷺ الشباب الذين لا يستطيعون الباءة إلى الصوم، والصوم فيه نوع من المشقة بلا شك، ولو كانت العادة السرية جائزة لأرشد النبي ﷺ إليها؛ لأنها أهون على الشباب؛ ولأن فيها شيئاً من المتعة، وما كان النبي ﷺ يعدل عن الأسهل إلى الأشق لو كان الأسهل جائزاً؛ لأنه كان من عادته ﷺ أنه ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثماً، فعدول النبي ﷺ عن الأيسر في هذه المسألة يدل على أنه ليس بجائز. أما بالنسبة لعمله إياها وهو صائم في رمضان: فإنه يزداد إثماً؛ لأنه بذلك أفسد صومه، فعليه أن يتوب إلى الله توبتين، توبة من عمل العادة السرية، وتوبة لإفساد صومه، وعليه أن يقضي هذا اليوم الذي أفسده. " فتاوى الشيخ العثيمين " (١٩ / السؤال ١٩١) . وانظر جواب الأسئلة: (٣٨٠٧٤) و (٣٧٨٨٧) و (٢٥٧١) . ولم يكن لك أن تأكل بعد أن أفسدتَ صيامك بالعادة السرية، وليس لمن أبطل صومه بفعل مباحٍ في الأصل كالجماع، أو فعل محرَّم كالاستمناء أن يأكل ويشرب؛ بل يجب عليه الإمساك بقية يومه، وإن كان إمساكه لا يعدُّ صياماً، وإنما الذي يجوز له الأكل والشرب والجماع هو من أفطر برخصة من الشرع، وبعذر شرعي. سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: إذا أفطر الإنسان لعذرٍ وزال العذر في نفس النهار فهل يواصل الفطر أم يمسك؟ . فأجاب: الجواب: أنه لا يلزمه الإمساك؛ لأن هذا الرجل استباح هذا اليوم بدليل من الشرع، فحرمة هذا اليوم غير ثابتة في حق هذا الرجل، ولكن عليه أن يقضيه، وإلزامنا إياه أن يمسك بدون فائدة له شرعاً، ليس بصحيح، ومثال ذلك: رجل رأى غريقاً في الماء، وقال: إن شربت أمكنني إنقاذه، وإن لم أشرب لم أتمكن من إنقاذه، فنقول: اشرب وأنقذه، فإذا شرب وأنقذه فهل يأكل بقية يومه؟ نعم، يأكل بقية يومه؛ لأن هذا الرجل استباح هذا اليوم بمقتضى الشرع، فلا يلزمه الإمساك. ولهذا لو كان عندنا إنسان مريض، هل نقول لهذا المريض: لا تأكل إلا إذا جعت ولا تشرب إلا إذا عطشت؟ لا؛ لأن هذا المريض أبيح له الفطر، فكلُّ مَن أفطر في رمضان بمقتضى دليل شرعي: فإنه لا يلزمه الإمساك، والعكس بالعكس، لو أن رجلاً أفطر بدون عذر، وجاء يستفتينا: أنا أفطرت وفسد صومي هل يلزمني الإمساك أو لا يلزمني؟ قلنا: يلزمك الإمساك؛ لأنه لا يحل لك أن تفطر، فقد انتهكت حرمة اليوم بدون إذن من الشرع، فنلزمك بالبقاء على الإمساك، وعليك القضاء؛ لأنك أفسدت صوماً واجباً شرعت فيه. " فتاوى ابن عثيمين " (١٩ / السؤال رقم ٥٧) . ثالثاً: أما سماعك الغناء: فهو فعل محرَّم، وقد سبق بيان حكم الأغاني المصاحبة للآلات المحرَّمة في أجوبة الأسئلة: (٤٣٧٣٦) و (٥٠٠٠) و (٢٠٤٠٦) و (٥٠١١) . ربعاً: أما عن الشبهات التي تطرأ على قلبك أخي الفاضل: فاعلم أنها من مكائد الشيطان، واعلم أن مثل هذه الشبهات لا تطرأ على صاحب العلم واليقين، فكن من أهلهما، واحرص على زيادتهما لترى أنه لا مكان للشبهات عند أصحابهما. واجعل في صحابة نبيك ﷺ خير أسوة لك، فعندما أخبرهم نبيهم ﷺ أن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من كل ليلة – كما جاء في الصحيحين – هل استشكلوا ذلك؟ هل قالوا كيف ذلك وهنا ثلث ليل وهناك في أقصى الأرض نهار في الوقت نفسه؟ لم يكن من ذلك شيء؛ لما عندهم من علم بالكتاب والسنَّة، ويقين بصدق نبيهم، وأن ما قاله وحي من ربه تعالى، فماذا فعلوا؟ سارعوا إلى الدعاء والصلاة في ثلث الليل الآخر، وهذا هو المطلوب من كل مسلم، أن يسلِّم بصدق النبي ﷺ ، ويستجيب لأوامره، وإلا كان مشابهاً للكفار الذين أنكروا إسراءه لبيت المقدس، ومعراجه للسماء في جزء من الليل، ومن كان مصدِّقاً لما أخبر به النبي ﷺ : كان مشابهاً للصدِّيق أبي بكر ﵁. وعندما أخبرهم نبيهم ﷺ أن الدجال يمكث في الأرض أربعين يوماً، يوم كسنَة، ويوم كشهر، ويوم كأسبوع، وسائر أيامه كأيامكم – كما رواه مسلم -، فماذا فعل الصحابة ﵃؟ هل توقفوا؟ هل استشكلوا؟ هل ردوا الخبر؟ كل ذلك لم يكن، وإنما سألوا عن صلاتهم في اليوم الذي يكون كسنَة!! وهذا هو موقف أهل العلم واليقين من الأخبار الصادقة عن النبي ﷺ . وما ذكرته من أن الجنة تفتح أبوابها يوم الاثنين والخميس: هو حديث صحيح، رواه مسلم وغيره، فهل علمتَ ماذا حوى من علم وتوجيه للمسلمين؟ اقرأ الحديث وتمعن فيه جيداً: روى مسلم في صحيحه (٢٥٦٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا) . انظر في الحديث وما حوى من عظم الشرك وخطره، وانظر إلى عظم القطيعة والشحناء بين المسلمين، ثم انظر لنفسك تترك ذلك كله لتستشكل ما استشكلت، وليس الأمر عجزاً عن الرد، بل هو لتأصيل موقف المسلم من صحيح السنَّة، وموقفه مما يطرأ على قلبه من الشبهات، ومعرفة سبب ذلك، وكيف يدفعه. واعلم أنك لو تراجع نفسك في اعتقادك بربك تعالى فإنك ستجد نفسك تؤمن بما هو أعظم وأعلى من ذلك بكثير، فأنت تؤمن أن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور لكل خلقه في اللحظة نفسها، وأنت تؤمن أن الله تعالى يسمع كلام خلقه على اختلاف لغاتهم في اللحظة نفسها، فأين هذا مما يجيء به الشيطان للمسلم من استعظامه لبعض صفات الرب تعالى، أو لبعض الأحكام؟! . وقد رأينا للإمام ابن القيم كلاماً متيناً حول هذا الموضوع بعينه، نرجو أن يكون كافياً لكل أحدٍ يقرؤه في قطع كل شبهة ترد على القلب مما ليس أساس من العلم، وفي كلامه ﵀ بيان أسباب ورود الشبهات، وطريقة دفعها. قال ابن القيم – ﵀: وقوله – أي: علي بن أبي طالب ﵁ " ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة ": هذا لضعف علمه، وقلة بصيرته، إذا وردت على قلبه أدنى شبهة: قدحت فيه الشك والريب، بخلاف الراسخ في العلم لو وردت عليه من الشبَه بعدد أمواج البحر ما أزالت يقينه، ولا قدحت فيه شكّاً لأنه قد رسخ في العلم، فلا تستفزه الشبهات، بل إذا وردت عليه: ردها حَرَسُ العلم، وجيشه، مغلولةً، مغلوبةً، والشبهة وارد يرد على القلب يحول بينه وبين انكشاف الحق له، فمتى باشر القلب حقيقة العلم: لم تؤثر تلك الشبهة فيه، بل يقوى علمه ويقينه بردها ومعرفة بطلانها، ومتى لم يباشر حقيقة العلم بالحق قلبه: قدحت فيه الشك بأول وهلة، فإن تداركها وإلا تتابعت على قلبه أمثالها حتى يصير شاكّاً مرتاباً، والقلب يتوارده جيشان من الباطل: جيش شهوات الغي، وجيش شبهات الباطل، فأيما قلب صغا إليها، وركن إليها: تشرَّبها، وامتلأ بها، فينضح لسانه وجوارحه بموجبها، فإن أُشرب شبهات الباطل تفجرت على لسانه الشكوك والشبهات والإيرادات، فيظن الجاهل أن ذلك لسعة علمه، وإنما ذلك من عدم علمه ويقينه. وقال لي شيخ الاسلام ﵁ – أي: ابن تيمية - وقد جعلت أُورد عليه إيراداً بعد إيراد -: لا تجعل قلبَك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة فيتشربها فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها، فيراها بصفائه، ويدفعها بصلابته، وإلا فإذا أشربت قلبك كل شبهة تمر عليها: صار مقرّاً للشبهات، أو كما قال، فما أعلم أني انتفعت بوصية في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك. وإنا سميت الشبهة شبهة لاشتباه الحق بالباطل فيها؛ فإنها تلبس ثوب الحق على جسم الباطل، وأكثر الناس أصحاب حُسن ظاهر، فينظر الناظر فيما ألبسته من اللباس: فيعتقد صحتها، وأما صاحب العلم واليقين: فإنه لا يغتر بذلك، بل يجاوز نظره إلى باطنها، وماتحت لباسها، فينكشف له حقيقتها، ومثال هذا: الدرهم الزائف، فإنه يغتر به الجاهل بالنقد نظراً إلى ما عليه من لباس الفضة، والناقد البصير يجاوز نظره إلى ما وراء ذلك، فيطَّلع على زيفه. " مفتاح دار السعادة " (١ / ١٣٩، ١٤٠) . ونسأل الله تعالى أن يهديك لما يحب ويرضى، وأن يوفقك لكل خير، وأن يثبت قلبك على الإيمان، وأن يزيدك هدى وعلماً وتوفيقاً. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 132

أخفى إسلامه ودُفن في مقابر الكفار فهل يكون كافراً ؟ [السُّؤَالُ] ـ[لنفرض أن هناك نصرانيّاً قد أسلم ولم يخبر أهله، فبعد فترة توفي، ولكن أهله لا يعرفون أنه قد أسلم فسيصلون عليه في الكنيسة ويدفنونه على الطريقة النصرانية، أريد أن أعرف ما حكم هذا؟ هل يموت على الإسلام أم على الكفر؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله اعلم أخي الكريم ـ أولا ـ أن الفقهاء اتفقوا على أنه لا يجوز أن يدفن المسلم في مقابر الكفار، ولا الكافر في مقابر المسلمين، إلا لضرورة [انظر: الموسوعة الفقهية: ٢١/٢٠، أحكام المقابر في الشريعة الإسلامية، د عبد الله السحيباني، ص:٢٣١-٢٣٢] . وإذا مات المسلم في بلاد الكفار، فإنه يجب على وليه، أو من علم به من المسلمين، أن ينقله إلى بلاد المسلمين حتى يدفن فيها. وهذا النقل والتحويل إلى بلاد الإسلام حسب الاستطاعة، فإن تعذر نقله فيدفن في بلاد الكفار، لكن في غير مقابرهم. [انظر: أحكام المقابر ص: ٢٢٥-٢٢٦] . قال شيخ الإسلام ﵀: " وهذا آكد من التمييز بينهم حال الحياة، بلبس الغيار ونحوه؛ فإن مقابر المسلمين فيها الرحمة، ومقابر الكفار فيها العذاب " [الاختيارات ص ٩٤] . ثانيا: الصورة التي سألت عنها، وهي حالة تتكرر لكثير من المسلمين المستضعفين في بلاد الكفر، الذين لا يتمكنون من الهجرة إلى بلد يعلنون فيه إسلامهم، ويأمنون فيه على دينهم وأنفسهم، ولا يستطيعون ـ أيضا ـ إظهار إسلامهم في البلاد التي يعيشون فيها، إما خشية على أنفسهم من بطش أقربائهم بهم، كما هو الحال في سؤالك، أو لغير ذلك من الأسباب؛ فهؤلاء يبعثون على نياتهم، وحكم في الآخرة حكم ما عندهم من الإيمان والعمل الصالح، وليس حكم الأرض التي ماتوا فيها، أو القبر الذي دفنوا فيه؛ عَنْ جَابِر بنِ عَبْدِ الله قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: (يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ) رواه مسلم (٢٨٧٨) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى جَنَازَةٍ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِسْلامِ اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ. رواه أبو داود (٣٢٠١) وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ". قال الشيخ محمد الصالح العثيمين – ﵀: " اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِسْلامِ) الحياة ذكر معها الإسلام، وهو الاستسلام الظاهر، ومع الموت ذكر الإيمان؛ لأن الإيمان أفضل، ومحله القلب، والمدار على ما في القلب عند الموت وفي يوم القيامة " " شرح رياض الصالحين " (٢ / ١٢٠٠) . وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عما يقول بعض الناس: إن لله ملائكة ينقلون من مقابر المسلمين إلى مقابر اليهود والنصارى، وينقلون من مقابر اليهود والنصارى إلى مقابر المسلمين؛ ومقصودهم: أن من ختم بشر في علم الله، وقد مات في الظاهر مسلما، أو كان كتابيا وختم له بخير، فمات مسلما في علم الله، وفي الظاهر مات كافرا، فهؤلاء ينقلون؛ فهل ورد في ذلك خبر أم لا؟ وهل لذلك حجة؟ أم لا؟ فقال ﵀: أما الأجساد فإنها لا تنقل من القبور، لكن نعلم أن بعض من يكون ظاهره الإسلام، ويكون منافقا: إما يهوديا أو نصرانيا أو مرتدا..، فمن كان كذلك فإنه يكون يوم القيامة مع نظرائه، كما قال تعالى: (احشروا الذين ظلموا وأزواجهم) أي أشباههم ونظراءهم. وقد يكون بعض من مات، وظاهره الكفر، قد آمن بالله قبل أن يغرغر، ولم يكن عنده مؤمن، وكتم عن أهله ذلك؛ إما لأجل ميراث أو لغير ذلك، فيكون مع المؤمنين، وإن كان مقبورا مع الكفار. وأما الأثر في نقل الملائكة فما سمعت في ذلك أثرا. انتهى من الفتاوى الكبرى (٣/٢٧) بتصرف يسير. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 133

الطيب من أسماء الله تعالى [السُّؤَالُ] ـ[هل اسم الطيب من أسماء الله تعالى أم من باب الأوصاف والأخبار؟ وما هو الضابط في تمييز الأسماء من الأوصاف والأخبار؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: الطيب من أسماء الله تعالى؛ لما روى مسلم (١٠١٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَقَالَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ) . وقد عدّ الشيخ ابن عثيمين ﵀ اسم "الطيب" من أسماء الله تعالى الثابتة بالسنة الصحيحة. انظر: "القواعد المثلى" ضمن مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين (٣/٢٧٨) . ثانيا: الفرق بين الاسم والصفة: جاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (٣/١٦) سؤال عن الفرق بين الاسم والصفة، فأجابت: " أسماء الله كل ما دل على ذات الله مع صفات الكمال القائمة به؛ مثل: القادر، العليم، الحكيم، السميع، البصير؛ فإن هذه الأسماء دلَّت على ذات الله، وعلى ما قام بها من العلم والحكمة والسمع والبصر، أما الصفات؛ فهي نعوت الكمال القائمة بالذات؛ كالعلم والحكمة والسمع والبصر؛ فالاسم دل على أمرين، والصفة دلت على أمر واحد، ويقال: الاسم متضمن للصفة، والصفة مستلزمة للاسم " انتهى. وانظر السؤال رقم (٢٢٦٤٢) وقال الشيخ علوي بن عبد القادر السقاف: " ولمعرفة ما يُميِّز الاسم عن الصفة، والصفة عن الاسم أمور، منها: أولاً: أن الأسماء يشتق منها صفات، أما الصفات؛ فلا يشتق منها أسماء، فنشتق من أسماء الله الرحيم والقادر والعظيم، صفات الرحمة والقدرة والعظمة، لكن لا نشتق من صفات الإرادة والمجيء والمكر اسم المريد والجائي والماكر. فأسماؤه أوصاف؛ كما قال ابن القيم في النونية أسماؤُهُ أوْصافُ مَدْحٍ كُلُّها ... مُشْتَقَّةٌ قَدْ حُمِّلَتْ لِمَعان ِ ثانياً: " أن الاسم لا يُشتق من أفعال الله؛ فلا نشتق من كونه يحب ويكره ويغضب اسم المحب والكاره والغاضب، أما صفاته؛ فتشتق من أفعاله فنثبت له صفة المحبة والكره والغضب ونحوها من تلك الأفعال، لذلك قيل: باب الصفات أوسع من باب الأسماء " [مدارج السالكين ٣/٤١٥] . ثالثاً: أن أسماء الله وصفاته تشترك في الاستعاذة بها والحلف بها، لكن تختلف في التعبد والدعاء، فيتعبد الله بأسمائه، فنقول: عبد الكريم، وعبد الرحمن، وعبد العزيز، لكن لا يُتعبد بصفاته؛ فلا نقول: عبد الكرم، وعبد الرحمة، وعبد العزة؛ كما أنه يُدعى اللهُ بأسمائه، فنقول: يا رحيم! ارحمنا، ويا كريم! أكرمنا، ويا لطيف! الطف بنا، لكن لا ندعو صفاته فنقول: يا رحمة الله! ارحمينا، أو: يا كرم الله! أو:يا لطف الله! ذلك أن الصفة ليست هي الموصوف؛ فالرحمة ليست هي الله، بل هي صفةٌ لله، وكذلك العزة، وغيرها؛ فهذه صفات لله، وليست هي الله، ولا يجوز التعبد إلا لله، ولا يجوز دعاء إلا الله؛ لقوله تعالى: (يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) النور: ٥٥، وقوله تعالى: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) غافر:٦٠، وغيرها من الآيات " انتهى من "صفات الله الواردة في الكتاب والسنة" ص ١٧ وأما الفرق بين باب الأسماء والصفات، وباب الأخبار فمن وجهين: الأول: أن الأسماء والصفات توقيفية، فلا يوصف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ . وفي الإخبار يجوز أن يخبر عن الله تعالى بما لم يرد في الكتب والسنة مما يصح معناه، كقولهم: قديم الإحسان، واسع الجود. والثاني: أن أسماءه سبحانه حسنى، وصفاته علا، كما قال: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) الأعراف/١٨٠، وقال: (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) النحل/٦٠ والحسنى: تأنيث الأحسن، أي أسماؤه بالغة في الحسن غايته. والمثل الأعلى: الوصف الأعلى، قال الشوكاني في "فتح القدير" (٤/٣١٤) : " قال الخليل: المثل الصفة: أي وله الوصف الأعلى في السموات والأرض " انتهى. أما الأخبار: فيجوز أن يخبر عن الله تعالى بما لا نقص فيه، وإن لم يتضمن أعلى الكمال، كالإخبار عن الله بأنه قديم وموجود وشيء، قال تعالى: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) الأنعام/١٩ قال ابن القيم ﵀: " ويجب أن تعلم هنا أمورً: أحدها: أن ما يدخل في باب الإخبار عنه تعالى أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته، كالشيء والموجود والقائم بنفسه، فإنه يخبر به عنه ولا يدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العليا. الثاني: أن الصفة إذا كانت منقسمة إلى كمال ونقص لم تدخل بمطلقها في أسمائه، بل يطلق عليه منها كمالها، وهذا كالمريد والفاعل والصانع، فإن هذه الألفاظ لا تدخل في أسمائه، ولهذا غلط من سماه بالصانع عند الإطلاق، بل هو الفعال لما يريد، فإن الإرادة والفعل والصنع منقسمة، ولهذا إنما أطلق على نفسه من ذلك أكمله فعلا وخبرا. الثالث: أنه لا يلزم من الإخبار عنه بالفعل مقيدا أن يشتق له منه اسم مطلق، كما غلط فيه بعض المتأخرين، فجعل من أسمائه الحسنى المضل الفاتن الماكر، تعالى الله عن قوله؛ فإن هذه الأسماء لم يطلق عليه سبحانه منها إلا أفعال مخصوصة معينة فلا يجوز أن يسمى بأسمائها ... السابع: أن ما يطلق عليه في باب الأسماء والصفات توقيفي، وما يطلق عليه من الأخبار لا يجب أن يكون توقيفا، كالقديم والشيء والموجود والقائم بنفسه. فهذا فصل الخطاب في مسألة أسمائه هل هي توقيفية أو يجوز أن يطلق عليه منها بعض ما لم يرد به السمع. الثامن: أن الاسم إذا أطلق عليه جاز أن يشتق منه المصدر والفعل، فيخبر به عنه فعلا ومصدرا، نحو السميع البصير القدير يطلق عليه منه السمع والبصر والقدرة، ويخبر عنه بالأفعال من ذلك نحو: (قد سمع الله) (فقدرنا فنعم القادرون) هذا إن كان الفعل متعديا، فإن كان لازما لم يخبر عنه به نحو: الحي، بل يطلق عليه الاسم والمصدر دون الفعل ... " انتهى من "بدائع الفوائد" (١/١٧٠) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 134

يوسوس له الشيطان بتخيل صورة لله تعالى ليحقق معنى الإحسان ! [السُّؤَالُ] ـ[أنا أحاول في العبادات المتعلقة بالذكر كالصلاة والدعاء أن أعبد الله كأني أراه , لذلك فقد اعتدت أمراً لا أدري إن كان صحيحاً أم لا , وذلك أنى أحاول أن أتصور الله أمامي وأنا في صلاتي مثلاً , ولكن عقلي البشري الضعيف أقرب ما يذهب إليه هو صورة إنسان، وأنا أعلم أن هذا أبعد ما يكون عن الملِك الذي ليس كمثله شيء , أيضاً أحاول أن أهيئ لنفسي وأنا ساجد مثلا أني أمام الكعبة، وقد أشعر بأني قريب من الله فعلا، ولكني أيضا لا أشعر بكامل القرب من الله لأني أدرك أن الله أعظم من ذلك كثيراً. أرجو أن تعلموا أن أمري ليس وسوسة، ولكني أريد القرب أكثر من الله , فانصحوني]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: اعلم يا عبد الله أن الله تعالى احتجب عن خلقه في دار الدنيا، فلا يراه بشر فيها، لا النبي ﷺ ولا من دونه. قالت أم المؤمنين عائشة ﵂: (مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ) رواه البخاري (٤٨٥٥) ومسلم (١٧٧) واللفظ له. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وقد اتفق أئمة المسلمين على أن أحدا من المؤمنين لا يرى الله بعينه في الدنيا، ولم يتنازعوا إلا في النبي ﷺ خاصة، مع أن جماهير الأئمة على أنه لم يره بعينه في الدنيا؛ وعلى هذا دلت الآثار الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ والصحابة وأئمة المسلمين.) مجموع الفتاوى ٢/٣٣٥ وإذا كان البشر، كل البشر، قد حجبوا في دار الدنيا عن هذه الرؤية، فالبشر، كل البشر أيضا، عاجزون عن الوقوف على حقيقة ذاته سبحانه، أو كيفية شيء من صفاته؛ لأن الإنسان لا يتخيل شيئا تخيلا صحيحا إلا أن يكون رآه، أو رأى شبيه هذا الشيء أو نظيره، حتى ينتقل خياله من صورة الشيء الذي رآه إلى صورة ما غاب عنه. وبناء على ذلك، اعلم ـ أيها الأخ الكريم ـ أن كل صورة في خيالك، أو توهم كيفيةٍ في بالك، فالله تعالى بخلاف ذلك، بل: الله تعالى أجل وأعظم من كل ذلك. وأن اشتغالك بهذه الخيالات وساوس واستدراج من الشيطان، ليشغلك بما يضرك عما ينفعك، وبالباطل عن الحق. قال الإمام الطحاوي ﵀ في عقيدته: (ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام. فمن رام علمَ ما حُظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان؛ فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، مُوَسْوِسا تائها شاكا، لا مؤمنا مصدقا، ولا جاحدا مكذبا) [متن العقيدة الطحاوية ص ١٤] . وقد علمنا النبي ﷺ طريق دفع الوساوس التي يلقيها الشيطان في قلب العبد، فيما يتعلق بالله ﷻ ، فقال: (يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولَ مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا حَتَّى يَقُولَ لَهُ مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ) رواه البخاري (٣٢٧٦) ومسلم (١٣٤) قال النووي ﵀: مَعْنَاهُ: إِذَا عَرَضَ لَهُ هَذَا الْوَسْوَاس فَلْيَلْجَأْ إِلَى اللَّه تَعَالَى فِي دَفْع شَرّه عَنْهُ , وَلْيُعْرِضْ عَنْ الْفِكْر فِي ذَلِكَ , وَلْيَعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْخَاطِر مِنْ وَسْوَسَة الشَّيْطَان , وَهُوَ إِنَّمَا يَسْعَى بِالْفَسَادِ وَالْإِغْوَاء فَلْيُعْرِضْ عَنْ الْإِصْغَاء إِلَى وَسْوَسَته وَلْيُبَادِرْ إِلَى قَطْعهَا بِالِاشْتِغَالِ بِغَيْرِهَا وَاَللَّه أَعْلَم. وراجع كلاما مفيدا في فتاوى الشيخ ابن عثيمين (١ / السؤال رقم ١٨) وأما القرب الذي تبحث عنه وتنشده في عبادتك لربك ، فنعم مقام العابدين هو: (أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه، فإنه يراك!!) . غير أن هذا المقام العظيم الجليل لا يحتاج منك أن تجهد نفسك، وتشتت قلبك في البحث عن شيء لن تدركه، وهو تخيل صورة الله ؛ وإنما يحتاج منك أن تستحضر من صفات الجلال والكمال والجمال لله ما يعينك على حضور القلب في عبادته سبحانه، والإقبال عليه بكليتك. قال الحافظ ابن رجب ﵀: (وقوله ﷺ في تفسير الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه..، يشير إلى أن العبد يعبد الله على هذه الصفة؛ وهي استحضار قربه، وأنه بين يديه؛ وذلك يوجب الخشية والخوف والهيبة والتعظيم، كما جاء في رواية أبي هريرة: " أن تخشى الله كأنك تراه " [رواه بهذا اللفظ: مسلم (١٠) ] . ويوجب أيضا النصح في العبادة وبذل الجهد في تحسينها وإتمامها وإكمالها) جامع العلوم والحكم ١/١٠٤ وقال ابن القيم – ﵀: ومشهد الإحسان أصل أعمال القلوب كلها فإنه يوجب الحياء والإجلال والتعظيم والخشية والمحبة والإنابة والتوكل والخضوع لله سبحانه والذل له ويقطع الوسواس وحديث النفس ويجمع القلب والهم على الله. فحظ العبد من القرب من الله على قدر حظه من مقام الإحسان وبحسبه تتفاوت الصلاة حتى يكون بين صلاة الرجلين من الفضل كما بين السماء والأرض وقيامهما وركوعهما وسجودهما واحد. " رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه " (ص ٣٨، ٣٩) ، وانظر أيضا: جامع العلوم والحكم، لابن رجب (١/١٠٣) وما بعدها، ط دار ابن الجوزي، معارج القبول، للشيخ حافظ الحكمي (٣ / ٩٩٩، ١٠٠٠) . وقد أشار أهل العلم إلى جملة من الأعمال والأحوال، متى اجتهد العبد في تحقيقها كانت له عونا على القرب من ربه ، وبحسب سعي العبد في القرب من ربه ، يكون قرب الله تعالى منه؛ فأقلَّ إن شئت أو استكثر!! ومن هذه الأمور: ١. تحقيق التوحيد وترك الشرك الأكبر والأصغر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀: وهذا تحقيق الإخلاص والتوحيد الذي من حققه كان أقرب الخلق إلى الله، وهو تحقيق كلمة الإخلاص " لا إله إلا الله ". الاستقامة " (ص ١٩٥) . ٢. معرفة صفات الله تعالى وأسمائه وأفعاله. قال ابن القيم – ﵀: (مشهد الإحسان، وهو مشهد المراقبة، وهو أن يعبد الله كأنه يراه، وهذا المشهد إنما ينشأ من كمال الإيمان بالله وأسمائه وصفاته، حتى كأنه يرى الله سبحانه فوق سمواته مستوياً على عرشه، يتكلم بأمره ونهيه ويدبر أمر الخليقة؛ فينزل الأمر من عنده ويصعد إليه، وتعرض أعمال العباد وأرواحهم عند الموافاة عليه؛ فيشهد ذلك كله بقلبه ويشهد أسماءه وصفاته ويشهد قيوماً حيّاً سميعاً بصيراً عزيزاً حكيماً آمراً ناهياً، يحب ويبغض، ويرضى ويغضب، ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وهو فوق عرشه لا يخفى عليه شيء من أعمال العباد ولا أقوالهم ولا بواطنهم، بل يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه (ص ٣٨) . ٣. تحقيق الولاية، ويكون تحقيقها بالإيمان والتقوى، كما قال تعالى: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) يونس/٦٢،٦٣. قال ابن القيم ﵀: (الولاية هي القرب من الله ، فولي الله هو القريب منه، المختص به، والولاء هو في اللغة: القرب.) بدائع الفوائد (٣ / ٦٢١) . ٤. المداومة على الصلاة، وبخاصة استشعار القرب من الله تعالى في السجود؛ فإنه أقرب ما يكون العبد فيه قرباً لربه تعالى، وكذا الصلاة في آخر الليل. قال تعالى: (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) العلق/١٩. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ) رواه مسلم (٤٨٢) . وعن عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: (أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنْ الْعَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الْآخِرِ فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ) . رواه الترمذي (٣٥٧٩) والنسائي (٥٧٢) ، وصححه الألباني في " صحيح الجامع " (١١٧٣) . ٥. تحقيق التوبة من الذنوب صغيرها وكبيرها: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وينبغي أن يعرف أن التوبة لا بد منها لكل مؤمن ولا يكمل أحد ويحصل له كمال القرب من الله ويزول عنه كل ما يكره إلا بها) . مجموع الفتاوى " (١٥ / ٥٥) . ٦. ذكر الله تعالى على كل حال، من أذكار وأدعية وتسبيح وتحميد وتهليل: قال ابن القيم ﵀: (والذِّكر يوجب له القرب من الله والزلفى لديه، وهذه هي المنزلة) . " الوابل الصيب " (١ / ٩٦) . ٧. تحقيق الخوف منه : قال ابن القيم ﵀: (هذا الخوف على حسب القرب من الله والمنزلة عنده، وكلما كان العبد أقرب إلى الله كان خوفه منه أشد؛ لأنه يطالَب بما لا يطالَب به غيره، ويجب عليه من رعاية تلك المنزلة وحقوقها ما لا يجب على غيره، ونظير هذا في الشاهد أن الماثل بين يدي أحد الملوك المشاهد له، أشد خوفاً منه من البعيد عنه؛ بحسب قربه منه ومنزلته عنده، ومعرفته به وبحقوقه، وأنه يطالب من حقوق الخدمة وأدائها بما لا يطالب به غيره، فهو أحق بالخوف من البعيد، ومَن تصور هذا حق تصوره فهم قوله (إني أعلمكم بالله وأشدكم له خشية) طريق الهجرتين (١ / ٤٢٧، ٤٢٨) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 135

تحمَّل المسئولية فأصيب بالقلق والاكتئاب [السُّؤَالُ] ـ[أولاً أنا شاب أبلغ من العمر ٢٠ سنة، أدرس في كلية الطب، توفي والدي في الفترة الأخيرة، وأصبح جُلّ المسؤوليات على عاتقي، علماً بأن لي أخاً أكبر مني لكنه عاجز، أصبت قبل أيام بحالات اضطراب نفسي، وأصبحت أخاف من المرض والموت وتأتيني حالات بأني سأموت اليوم وما شابه ذلك من الأفكار الغريبة، ذهبت إلى دكتور نفسي وقال لي: إنك تعانى من القلق والاكتئاب، أعطاني دواء ولكن لم آخذه. التزمت - والحمد لله - والتجأت إلى الله ، والحمد لله أنا الآن أحسن بكثير مع قراء ة القرآن والصلاة في المسجد، سؤالي هو: هل حالتي تتطلب الدواء أو لا؟ وهل هذا من الشيطان أم مرض عضوي؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا غنى للمؤمن عن ربه ، فهو – – الذي يجلب النفع ويدفع الضر، فلجوؤك إلى الله هو الفعل الصحيح. الموت حق، وقد كتبه الله تعالى على كل نفسٍ، كما قال : (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) آل عمران/١٨٥، ومهما بذل الإنسان من أسباب فإنها لن تدفع عنه قدر الله وقضاءه ومنه الموت. لا ينبغي للخوف أن يصد العبدَ عن الطاعة بل العكس هو الصواب، فالخوف هو الذي يقوده للطاعة ويحثه على العبادة، والخوف – كما يقول ابن قدامة – " سوط الله تعالى يسوق به عباده إلى المواظبة على العلم والعمل، لينالوا بهما رتبة القرب من الله تعالى ". وقد يؤدي الخوف بصاحبه إلى همٍّ وغمٍّ ومرض، وقد يؤدي به إلى اليأس من رحمة الله تعالى، وهنا يكون خوفه غير محمود بل مذموم. وينبغي أن يُعلم أن كثيراً من الهموم والضغوط النفسية سببها عدم الرضا، فقد لا نحصل على ما نريد، وحتى لو حصلنا على ما نريد فقد لا يعطينا ذلك الرضا التام الذي كنا نأمله، فالصورة التي كنا نتخيلها قبل الإنجاز كانت أبهى من الواقع. وحتى بعد حصولنا على ما نريد فإننا نظل نعاني من قلق وشدة خوفا من زوال النعم، فلا علاج لهذا إلا بالرضا بقدر الله تعالى والشكر على نعمه والصبر على ما يقدره الله تعالى من الشدائد والمصائب وقد تكون حالتك بحاجة لطبيب، لكن لتعلم أن أكثر أمراض الناس ليست أمراضاً عضوية بل هي نفسية تؤثر على الأعضاء. يقول الدكتور الفاريز: لقد اتضح أن أربعة من كل خمسة مرضى ليس لعلتهم أساس عضوي البتة، بل مرضهم ناشئ من الخوف، والقلق، والبغضاء والأثرة المستحكمة، وعجز الشخص عن الملاءمة بين نفسه والحياة ". فانظر كيف أن بكاء يعقوب ﵇ على ابنه يوسف ﵇ أفقده بصره، وكيف أن الغم بلغ مداه بعائشة ﵁ عندما تطاول عليها أهل الإفك فظلت تبكي حتى قالت: " ظننت أن الحزن فالق كبدي " متفق عليه. قال الدكتور حسَّان شمسي باشا: وفي حالات القلق يزداد إفراز مادة في الدم تدعى " الأدرينالين "، فيرتفع ضغط الدم، ويتسرع القلب، ويشكو الإنسان من الخفقان، أو يشعر وكأن شيئا ينسحب إلى الأسفل داخل صدره. ويظن بقلبه الظنون، ويهرع من طبيب إلى طبيب، وما به من علة في قلبه، ولا مرض في جسده إلا أنه يظل يشكو من ألم في معدته واضطراب في هضمه، أو انتفاخ في بطنه، واضطراب في بوله أو صداع في رأسه. اهـ انتهى فعليك بالإيمان والتقوى والمحافظة على الأذكار والأوراد الشرعيَّة فهي من أعظم أنواع العلاجات لإزالة ما يتكدر به الخاطر، وما تحزن من أجله النفوس. ومن الأدعية النبوية في هذا الباب: ١. عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول: " اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وضَلَع الدين وغلبة الرجال ". رواه البخاري (٦٠٠٨) . ضَلع الدَّين: غلبته وثقله. ٢. عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : " ما أصاب أحداً قط همٌّ ولا حزنٌ فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماضٍ فيَّ حكمك عدل فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو علمته أحداً من خلقك أو أنزلته في كتابك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي: إلا أذهب الله همَّه وحزنه، وأبدله مكانه فرجاً. قال: فقيل يا رسول الله ألا نتعلمها؟ فقال: بلى ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها. رواه أحمد (٣٧٠٤) . والحديث: صححه الشيخ الألباني في " السلسلة الصحيحة " (١٩٩) . ٣. عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ : " دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له. رواه الترمذي (٣٥٠٥) . والحديث: صححه الشيخ الألباني في " صحيح الجامع " (٣٣٨٣) . ومن المهم الرجوع إلى جواب السؤال: (٢١٦٧٧) و (٣٢٤٥٧) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 136

الحكمة مِن خَلْق البشر ؟ [السُّؤَالُ] ـ[لما خُلق البشر؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: من عظيم صفات الله تعالى " الحكمة "، ومن أعظم أسمائه تعالى " الحكيم "، وينبغي أن يُعلم أنه ما خلق شيئاً عبثاً، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وإنما يخلق لِحِكَمٍ بالغة عظيمة، ومصالح راجحة عميمة، عَلِمَها من عَلِمها، وجَهِلها من جهلها، وقد ذكر الله تعالى ذلك في كتابه الكريم، فبيَّن أنه لم يخلق البشر عبثاً، ولم يخلق السموات والأرض عبثاً، فقال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ. فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) المؤمنون/١١٥،١١٦، وقال : (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ) الأنبياء/١٦، وقال : (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) الدخان/٣٨، ٣٩، ويقول : (حم. تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ. مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمّىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ) الأحقاف/١ – ٣. وكما أن ثبوت الحكمة في خلق البشر ثابت من ناحية الشرع , فهو ثابت – أيضاً - من ناحية العقل، فلا يمكن لعاقل إلا أن يسلِّم أنه قد خلقت الأشياء لحكَمٍ، والإنسان العاقل ينزه نفسه عن فعل أشياء في حياته دون حكمة، فكيف بالله تعالى أحكم الحاكمين؟! ولذا أثبت المؤمنون العقلاء الحكمة لله تعالى في خلقه، ونفاها الكفار، قال تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآَيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) آل عمران/١٩٠، ١٩١، وقال تعالى – في بيان موقف الكفار من حكمة خلقه -: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) ص/٢٧. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: " يخبر تعالى عن تمام حكمته في خلقه السموات والأرض، وأنه لم يخلقهما باطلاً، أي: عبثاً ولعباً، من غير فائدة ولا مصلحة. (ذلك ظن الذين كفروا) بربهم، حيث ظنوا ما لا يليق بجلاله. (فويل للذين كفروا من النار) فإنها التي تأخذ الحق منهم، وتبلغ منهم كل مبلغ، وإنما خلق الله السموات والأرض بالحق وللحق، فخلقهما ليعلم العباد كمال علمه وقدرته، وسعة سلطانه، وأنه تعالى وحده المعبود، دون من لم يخلق مثقال ذرة من السموات والأرض، وأن البعث حق، وسيفصل الله بين أهل الخير والشر، ولا يظن الجاهل بحكمة الله، أن يسوي الله بينهما في حكمه، ولهذا قال: (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار) هذا غير لائق بحِكمَتنا وحُكْمنا " انتهى. " تفسير السعدي " (ص ٧١٢) . ثانياً: ولم يخلق الله تعالى الإنسان ليأكل ويشرب ويتكاثر، فيكون بذلك كالبهائم، وقد كرَّم الله تعالى الإنسان، وفضَّله على كثيرٍ ممن خلق تفضيلاً، ولكن أبى أكثر الناس إلا كفوراً فجهلوا أو جحدوا الحكمة الحقيقية من خلقهم، وصار كل هَمِّهِم التمتع بشهوات الدنيا , وحياة هؤلاء كحياة البهائم , بل هم أضل، قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) محمد/١٢، وقال تعالى: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) الحجر/٣ , وقال تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) الأعراف/١٧٩. ومن المعلوم عند عقلاء الناس أن الذي يصنع الشيء هو أدرى بالحكمة منه من غيره، ولله المثل الأعلى فإنه هو الذي خلق البشر، وهو أعلم بالحكمة من خلقه للناس، وهذا لا يجادل فيه أحد في أمور الدنيا، ثم إن الناس كلهم يجزمون أن أعضاءهم خُلقت لحكمة، فهذه العين للنظر، وهذه الأذن للسمع، وهكذا، أفيُعقل أن تكون أعضاؤه مخلوقةً لحكمة، ويكون هو بذاته مخلوقاً عبثاً؟! أو أنه لا يرضى أن يستجيب لمن خلقه عندما يخبره بالحكمة من خلقه؟! ثالثاً: وقد بيَّن الله تعالى أنه خلق السموات والأرض، والحياة والموت للابتلاء والاختبار، ليبتلي الناس , مَنْ يطيعه ليثيبه، ومَنْ يعصيه ليعاقبه، قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ) هود/ ٧، وقال : (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) الملك/ ٢. وبهذا الابتلاء تظهر آثار أسماء الله تعالى وصفاته، مثل اسم الله تعالى " الرحمن "، و " الغفور " و " الحكيم " و " التوَّاب " و " الرحيم " وغيرها من أسمائه الحسنى. ومن أعظم الأوامر التي خلق الله البشر من أجلها – وهو من أعظم الابتلاءات -: الأمر بتوحيده وعبادته وحده لا شريك له، وقد نصَّ الله تعالى على هذه الحكمة في خلق البشر فقال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ) الذاريات/٥٦. قال ابن كثير ﵀: " أي: إنما خلقتهم لآمرهم بعبادتي، لا لاحتياجي إليهم، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: إلا ليعبدون، أي: إلا ليقروا بعبادتي طوعاً أو كرهاً، وهذا اختيار ابن جرير، وقال ابن جريج: إلا ليعرفون، وقال الربيع بن أنس: إلا ليعبدون، أي: إلا للعبادة " انتهى. " تفسير ابن كثير " (٤ / ٢٣٩) . وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: " فالله تعالى خلق الخلق لعبادته، ومعرفته بأسمائه وصفاته، وأمرهم بذلك، فمن انقاد، وأدى ما أمر به، فهو من المفلحين، ومن أعرض عن ذلك، فأولئك هم الخاسرون، ولا بد أن يجمعهم في دار، يجازيهم فيها على ما أمرهم به ونهاهم، ولهذا ذكر الله تكذيب المشركين بالجزاء، فقال: (ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين) أي: ولئن قلتَ لهؤلاء، وأخبرتهم بالبعث بعد الموت، لم يصدقوك، بل كذبوك أشد التكذيب، وقدحوا فيما جئت به، وقالوا: (إن هذا إلا سحر مبين) ألا وهو الحق المبين " انتهى. " تفسير السعدي " (ص ٣٣٣) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 137

الجواب عن سؤال أهل الإلحاد " هل يستطيع الله أن يخلق صخرة لا يمكنه رفعها ؟ " [السُّؤَالُ] ـ[هذا السؤال قد يُطرح من قبل أحد دعاة التنصير: " هل يستطيع الله أن يخلق صخرة لا يمكنه رفعها؟ " كيف نرد على ذلك؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذا السؤال – وأمثاله – فيه مغالطة كبيرة، ويحاول كثير من الملحدين أن يستعمله في حواراته مع المسلمين، وهم يريدون الإلزام للمجيب فإن قال: لا يستطيع. قالوا: كيف يكون إلها وهو عاجز عن الخلق؟! وإن قال: يستطيع. قالوا: كيف يكون إلهاً وهو عاجز عن الحمل والرفع لهذه الصخرة؟! والجواب: أن هذا السؤال غير صحيح في الأصل، فقدرة الله تعالى لا تتعلق بالمستحيلات؛ فكيف يكون إلهاً وهو عاجز عن رفع " صخرتهم " ومن صفات الله تعالى القدرة؟! وهل سيوجد في صفات المخلوقات ما هو أعظم من صفات خالقها؟! وقد أجاب الأستاذ سعد رستم عن هذا السؤال بجواب علمي رصين ننقله بنصه، إذ قال: قدرة الله - التي هي بلا شك مطلقة وغير محدودة - إنما تتعلق بالممكنات العقلية لا بالمستحيلات العقلية، فالقدرة مهما كانت مطلقة ولا حدود لها تبقى في دائرة ممكنات الوجود، ولا تتعلق بالمستحيلات، وليس هذا بتحديد لها، ولتوضيح هذه النقطة نضرب بعض الأمثلة: نسأل جميع هؤلاء الأساقفة واللاهوتيين: هل يستطيع الله تعالى أن يخلق إلهاً آخر مثله؟ إن قالوا: نعم. قلنا لهم: هذا المخلوق كيف يكون إلهاً وهو مخلوق؟ وكيف يكون مثل الله مع أنه حادث في حين أن الله أزلي قديم؟ في الحقيقة إن عبارة " خلق إله " سفسطة وتناقض عقلي لأن الشيء بمجرد أن يُخلَق فهو ليس بإله، فسؤالنا هذا بمثابة سؤالنا هل يستطيع الله تعالى أن يخلق " إلها غير إله "؟! وبديهي أن الجواب لا بد أن يكون: إن قدرة الله لا تتعلق بذلك؛ لأن كون الشيء إلهاً وغير إله تناقض عقلي مستحيل الوجود، وقدرة الله لا تتعلق بالمستحيلات. مثال آخر: نسألهم أيضاً: هل يستطيع الله تعالى أن يخرِج أحداً حقيقة من تحت سلطانه؟ إن أجابوا بالإيجاب حددوا نفوذ الله تعالى وسلطانه، وإن أجابوا بالنفي - وهو الصحيح - وافقونا بأن قدرة الله المطلقة لا تتعلق بالمستحيلات؛ لأنه مستحيل عقلاً أن يخرج أي مخلوق من سلطان ونفوذ خالقه وموجِده. مثال ثالث: سألني مرة أحد الملحدين فقال: " هل يستطيع ربكم أن يخلق صخرة هائلة تكون من الضخامة بحيث يعجز هو نفسه عن تحريكها "؟ وأضاف متهكِّماً: " إن قلت لي نعم يستطيع: فقد أثبت لربك العجز عن تحريك صخرة، وهذا دليل على أنه ليس بإلهٍ، وإن قلت لي: كلا، لا يستطيع، اعترفت بأنه لا يقدر على كل شيء، وبالتالي فهو ليس بإلهٍ "! . فأجبت هذا الملحد بكل بساطة: نعم، لا يدخل ضمن قدرة الله أن يخلق صخرة يعجز عن تحريكها؛ لأن كل ما يخلقه الله يقدر على تحريكه، ولكن عدم إمكان تعلق قدرة الله تعالى بخلق مثل هذه الصخرة المفترضة ليس دليلا على عجزه بل - على العكس تماماً - هو دليل على كمال قدرته! لأن سؤالك هذا بمثابة من يسأل: هل يستطيع الله تعالى أن يكون عاجزاً عن شيء ممكن عقلا؟ وبديهي أن الإجابة بالنفي لا تفيد تحديد قدرة الله بل تفيد تأكيد كمال قدرته تعالى وتمامها؛ لأن عدم العجز عين القدرة وليس عجزاً، تماماً كما أنه لو قلنا إن الله لا يمكن أن يجهل أو ينسى شيئاً، لا يكون في قولنا هذا إثباتٌ لعجز فيه تعالى أو نقص، بل يكون تأكيداً على كماله تعالى وكلية قدرته وعلمه. " الأناجيل الأربعة ورسائل بولس ويوحنا تنفي ألوهية المسيح كما ينفيها القرآن " للأستاذ " سعد رستم " والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 138

معنى الإيمان بالله [السُّؤَالُ] ـ[قرأت وسمعت كثيراً عن فضائل تحقيق الإيمان بالله تعالى، وأريد منكم أن تفصلوا لي من معنى الإيمان بالله بما يساعدني على تحقيقه، وعلى البعد عما يخالف منهج نبينا محمد ﷺ ومنهج أصحابه؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الإيمان بالله هو الاعتقاد الجازم بوجوده ، وربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته. الإيمان بالله يتضمن أربعة أمور، فمن آمن بها فهو المؤمن حقاًّ. الأول: الإيمان بوجود الله تعالى ووجود الله تعالى قد دل عليه العقل والفطرة، فضلاً عن الأدلة الشرعية الكثيرة التي تدل على ذلك. ١ ـ أما دلالة الفطرة على وجوده: فإن كل مخلوق قد فطر على الإيمان بخالقه من غير سبق تفكير أو تعليم، ولا ينصرف عن مقتضى هذه الفطرة إلا من طرأ على قلبه ما يصرفه عنها، ولذلك قال النبي ﷺ : (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ) رواه البخاري (١٣٥٨) ومسلم (٢٦٥٨) . ٢ ـ وأما دلالة العقل على وجود الله تعالى؛ فلأن هذه المخلوقات سابقها ولاحقها لا بد لها من خالق أوجدها، إذ لا يمكن أن توجِدَ نفسها بنفسها، ولا يمكن أن توجد صدفة. فهي لا يمكن أن توجد نفسها بنفسها لأن الشيء لا يَخلق نفسَه، لأنه قبل وجوده معدوم، فكيف يكون خالقاً؟! ولا يمكن أن توجد صدفة، لأن كل حادث لا بد له من محدث، ولأن وجودها على هذا النظام البديع المحكم، والتناسق المتآلف، والارتباط الملتحم بين الأسباب ومسبباتها، وبين الكائنات بعضها مع بعض يمنع منعاً باتاًّ أن يكون وجودها صدفة، إذ الموجود صدفة ليس على نظام في أصل وجوده، فكيف يكون منتظماً حال بقائه؟! وإذا لم يمكن أن تُوجِد هذه المخلوقات نفسَها بنفسها، ولا أن توجَد صدفة، تعين أن يكون لها موجِدٌ وهو الله رب العالمين. وقد ذكر الله تعالى هذا الدليل العقلي والبرهان القطعي في سورة الطور، حيث قال: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) الطور /٣٥. يعني أنهم لم يخلقوا من غير خالق، ولا هم الذين خلقوا أنفسهم، فتعين أن يكون خالقهم هو الله ﵎، ولهذا لما سمع جبير بن مطعم رسول الله ﷺ يقرأ سورة الطور فبلغ هذه الآيات: (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون. أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون. أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون) الطور /٣٥-٣٧. وكان جبير يومئذ مشركاً قال: (كاد قلبي أن يطير، وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي) رواه البخاري في عدة مواضع. ولنضرب مثلاً يوضح ذلك: فإنه لو حدثك شخص عن قصر مشيد، أحاطت به الحدائق، وجرت بينها الأنهار، وملئ بالفُرُش والأَسِرّة، وزُيِّن بأنواع الزينة من مقوماته ومكملاته، وقال لك: إن هذا القصر وما فيه من كمال قد أوجد نفسه، أو وجد هكذا صدفة بدون موجد، لبادرت إلى إنكار ذلك وتكذيبه، وعددت حديثه سفهاً من القول، أفيجوز بعد ذلك أن يكون هذا الكون الواسع بأرضه، وسمائه، وأفلاكه، البديعُ الباهرُ، المحكَم المتقَنُ قد أوجد نفسه، أو وجد صدفة بدون موجد؟! وقد فهم هذا الدليل العقلي أعرابي يعيش في البادية، وعَبَّر عنها بأسلوبه، فلما سُئِل: بم عرفت ربك؟ فقال: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا تدل على السميع البصير؟!! ثانياً: الإيمان بربوبيته تعالى أي: بأنه وحده الرب لا شريك له ولا معين. والرب: هو من له الخلق، والملك، والتدبير، فلا خالق إلا الله، ولا مالك إلا الله، ولا مدبر للأمور إلا الله، قال الله تعالى: (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ) الأعراف /٤٥. وقال تعالى: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ) يونس/٣١. وقال تعالى: (يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ) السجدة /٥. وقال: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ) فاطر/١٣. وتأمل قول الله تعالى في سورة الفاتحة: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) الفاتحة /٤. وفي قراءة متواترة (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) وإذا جمعت بين القراءتين ظهر معنى بديع، فالملك أبلغ من المالك في السلطة والسيطرة، لكن الملك أحياناً يكون ملكاً بالاسم فقط لا بالتصرف، أي أنه لا يملك شيئاً من الأمر، وحينئذٍ يكون ملكاً ولكنه غير مالك، فإذا اجتمع أن الله تعالى ملكٌ ومالكٌ تم بذلك الأمر، بالملك والتدبير. الثالث: الإيمان بألوهيته أي: بأنه الإله الحق لا شريك له. و (الإله) بمعنى (المألوه) أي: (المعبود) حباًّ وتعظيماً، وهذا هو معنى (لا إله إلا الله) أي: لا معبودَ حقٌّ إلا الله. قال تعالى: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) البقرة /١٦٣. وقال تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) آل عمران /١٨. وكل ما اتخذ إلهاً مع الله يعبد من دونه فألوهيته باطلة، قال الله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) الحج /٦٢. وتسميتها آلهة لا يعطيها حق الألوهية. قال الله تعالى في (اللات والعزى ومناة) : (إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ) النجم/٢٣. وقال تعالى عن يوسف ﵇ أنه قال لصاحبي السجن: (أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ - مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ) يوسف /٤٠. فلا يستحق أحد أن يعبد، ويفرد بالعبادة إلا الله ، لا يشاركه في هذا الحق أحدٌ، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، ولهذا كانت دعوة الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم هي الدعوة إلى قول (لا إله إلا الله) قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ) الأنبياء /٣٥. وقال: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) النحل/٣٦. ولكن أبى ذلك المشركون، واتخذوا من دون الله آلهة، يعبدونهم مع الله ، ويستنصرون بهم ويستغيثون. الرابع: الإيمان بأسمائه وصفاته أي: إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه، أو سنة رسوله ﷺ من الأسماء والصفات على الوجه اللائق به سبحانه من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل. قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) الأعراف /١٨٠. فهذه الآية دليل على إثبات الأسماء الحسنى لله تعالى. وقال تعالى: (وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) الروم /٢٧. وهذه الآية دليل على إثبات صفات الكمال لله تعالى، لأن (المثل الأعلى) أي: الوصف الأكمل. فالآيتان تثبتان الأسماء الحسنى والصفات العلى لله تعالى على سبيل العموم. وأما تفصيل ذلك في الكتاب والسنة فكثير. وهذا الباب من أبواب العلم، أعني: أسماء الله تعالى وصفاته من أكثر الأبواب التي حصل فيها النزاع والشقاق بين أفراد الأمة، فقد اختلفت الأمة في أسماء الله تعالى وصفاته فرقاً شتى. وموقفنا من هذا الاختلاف هو ما أمر الله به في قوله: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) النساء /٥٩. فنحن نرد هذا التنازع إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ مسترشدين في ذلك بفهم السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهذه الآيات والأحاديث، فإنهم أعلم الأمة بمراد الله تعالى ومراد رسوله ﷺ . ولقد صدق عبد الله بن مسعود وهو يصف أصحاب النبي ﷺ فقال: (من كان منكم مستنا، فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا يؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد ﷺ ، أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لإقامة دينه، وصحبة نبيه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم) . وكل من حاد عن طريق السلف في هذا الباب فقد أخطأ وضل واتبع غير سبيل المؤمنين واستحق الوعيد المذكور في قوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً) النساء /١١٥. والله تعالى قد اشترط للهداية أن يكون الإيمان بمثل ما آمن به أصحاب النبي ﷺ وذلك في قوله تعالى: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا) البقرة /١٣٧. فكل من بَعُدَ وحاد عن طريق السلف فقد نقص من هدايته بمقدار بعده عن طريق السلف. وعلى هذا فالواجب في هذا الباب إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ من الأسماء والصفات، وإجراء نصوص الكتاب والسنة على ظاهرها، والإيمان بها كما آمن أصحاب النبي ﷺ ورضي عنهم، الذين هم أفضل هذه الأمة وأعلمها. ولكن يجب أن يعلم أن هناك أربعة محاذير من وقع في واحد منها لم يحقق الإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته كما يجب، ولا يصح الإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته إلا بانتفاء هذه المحاذير الأربعة وهي: التحريف، والتعطيل، والتمثيل، والتكييف. ولذلك قلنا في معنى الإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته هو (إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه، أو سنة رسوله ﷺ من الأسماء والصفات على الوجه اللائق به من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل) . وهذا هو بيان هذه المحاذير الأربعة باختصار: ١- التحريف: والمراد به تغيير معنى نصوص الكتاب والسنة من المعنى الحق الذي دلت عليه، والذي هو إثبات الأسماء الحسنى والصفات العلى لله تعالى إلى معنى آخر لم يرده الله تعالى ورسوله ﷺ . مثال ذلك: تحريفهم معنى صفة اليد الثابتة لله تعالى والواردة في كثير من النصوص بأن معناها النعمة أو القدرة. ٢- التعطيل: والمراد بالتعطيل نفي الأسماء الحسنى والصفات العلى أو بعضها عن الله تعالى. فكل من نفى عن الله تعالى اسماً من أسمائه أو صفة من صفاته مما ثبت في الكتاب أو السنة فإنه لم يؤمن بأسماء الله تعالى وصفاته إيماناً صحيحاً. ٣- التمثيل: وهو تمثيل صفة الله تعالى بصفة المخلوق، فيقال مثلاً: إن يد الله مثل يد المخلوق. أو إن الله تعالى يسمع مثل سمع المخلوق. أو إن الله تعالى استوى على العرش مثل استواء الإنسان على الكرسي. . . وهكذا. ولا شك أن تمثيل صفات الله تعالى بصفات خلقه منكر وباطل، قال الله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) الشورى /١١. ٤- التكييف: وهو تحديد الكيفية والحقيقة التي عليها صفات الله تعالى، فيحاول الإنسان تقديراً بقلبه، أو قولاً بلسانه أن يحدد كيفية صفة الله تعالى. وهذا باطل قطعاً، ولا يمكن للبشر العلم به، قال الله تعالى: (وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) طه /١١٠. فمن استكمل هذه الأمور الأربعة فقد آمن بالله تعالى إيماناً صحيحاً. نسأل الله تعالى أن يثبتنا على الإيمان يتوفانا عليه. والله تعالى أعلم. انظر: رسالة شرح أصول الإيمان للشيخ ابن عثيمين. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 139

شروط قبول الشهادتين [السُّؤَالُ] ـ[وسؤالي يتعلق بموضوع إحدى الخطب. فقد تكلم الإمام عن الكلمة. وقال بأن لها شروط, ذكر العلماء أنها ٩ أو نحو ذلك، حتى يتمكن الإنسان من دخول الجنة. وقال إن مجرد التلفظ بالكلمات لا يكفي. وكنت أرغب في معرفة هذه الشروط. وذكر بعضها، منها: أولا, العلم بالكلمة. ثانيا, اليقين. فهل تعلم عن ذلك شيئا؟ وهل يمكنك تقديم باقي الشروط؟ وسأقدر لك مساعدتك إن شاء الله.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لعلك تعني بالكلمة كلمة التوحيد وهي الشهادتان (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ، وهذا ما عناه الخطيب أيضا. وللشهادتين عدة شروط، وهي: الأول: العلم وهو العلم بمعناها المراد منها نفيا وإثباتا المنافي للجهل بذلك، قال الله : " فاعلم أنه لا إله إلا الله " (محمد: ١٩) وقال تعالى: " إلا من شهد بالحق " (الزخرف: ٨٦) أي بلا إله إلا الله " وهم يعلمون " بقلوبهم معنى ما نطقوا به بألسنتهم. وفي الصحيح عن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة ". الثاني: اليقين وهو اليقين المنافي للشك بأن يكون قائلها مستيقنا بمدلول هذه الكلمة يقينا جازما، فإن الإيمان لا يغني فيه إلا علم اليقين لا علم الظن، فكيف إذا دخله الشك، قال الله : " إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون " (الحجرات: ١٥) ، فاشترط في صدق إيمانهم بالله ورسوله كونهم لم يرتابوا، أي لم يشكوا، فأما المرتاب فهو من المنافقين - والعياذ بالله -. وفي الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما فيحجب عنه الجنة ". الثالث: القبول وهو القبول بما اقتضته هذه الكلمة بقلبه ولسانه، قال تعالى في شأن من قبلها: " إلا عباد الله المخلصين، أولئك لهم رزق معلوم، فواكه وهم مكرمون، في جنات النعيم " (الصافات: ٤٠ - ٤٣) إلى آخر الآيات، وقال تعالى: " من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون " (النمل: ٨٩) وفي الصحيح عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: " مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به " الرابع: الانقياد وهو الإنقياد لما دلت عليه، المنافي لترك ذلك، قال الله : " وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له " (الزمر: ٥٤) ، وقال تعالى: " ومن أحسن دينا ممن أسلم وجه لله وهو محسن " (النساء: ١٢٥) ، وقال تعالى: " ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى " (لقمان: ٢٢) أي بلا إله إلا الله " وإلى الله عاقبة الأمور " ومعنى يسلم وجهه أي ينقاد، وهو محسن: موحد. الخامس: الصدق وهو الصدق فيها المنافي للكذب، وهو أن يقولها صدقا من قلبه يواطئ قلبه لسانه، قال الله : " الم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين " (العنكبوت: ١-٣) إلى آخر الآيات، وفي الصحيحين عن معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ : " ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار ". السادس: الإخلاص وهو تصفية العمل بصالح النية عن جميع شوائب الشرك، قال الله ﵎: " ألا لله الدين الخالص " (الزمر: ٣) ، وقال تعالى: " وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء " (البينة: ٥) الآية، وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : " أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه أو نفسه ". السابع: المحبة وهي المحبة لهذه الكلمة وما اقتضته ودلت عليه، ولأهلها العاملين بها، الملتزمين لشروطها، وبغض ما ناقض ذلك، قال الله : " ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله " (البقرة: ١٦٥) ، وعلامة حب العبد ربه تقديم محابه وإن خالفت هواه، وبغض ما يبغض ربه وإن مال إليه هواه، وموالاة من والى الله ورسوله ومعاداة من عاداه، واتباع رسوله ﷺ واقتفاء أثره وقبول هداه. وكل هه العلامات شروط في المحبة لا يتصور وجود المحبة مع عدم شرط منها. وقال رسول الله ﷺ : " ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار " (أخرجاه من حديث أنس بن مالك) . وزاد بعضهم شرطا ثامنا وهو الكفر بما يعبد من دون الله (الكفر بالطاغوت) ، قال ﷺ : " من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله عز جل " رواه مسلم. فلا بد لعصمة الدم والمال مع قوله (لا إله إلا الله) من الكفر بما يعبد من دون الله كائنا من كان. [الْمَصْدَرُ] مختصر معارج القبول لمحمد بن سعيد القحطاني ص ١١٩ - ١٢٢.

стр. 140

ما معنى لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر [السُّؤَالُ] ـ[هل الحديث لا تسبوا الوقت فإن الله هو الوقت يصح عن الرسول ﷺ ؟ وإذا كان صحيحا, فكيف تفسره؟ فقد أشكل علي هذا الموضوع.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الحديث ليس بهذا اللفظ " لا تسبوا الوقت فإن الله هو الوقت "، وإنما هو بلفظ " لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر " (وقد يكون اللفظ المذكور جاء بسبب طريقة ترجمة السؤال) ، وقد رواه مسلم عن أبي هريرة (٥٨٢٧) ، وفي لفظ آخر: " لا يسب أحدكم الدهر فإن الله هو الدهر "، وفي لفظ آخر: " لا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر فإن الله هو الدهر "، وفي لفظ: " قال الله : يؤذيني ابن آدم يقول يا خيبة الدهر فلا يقولن يا خيبة الدهر فأنا الدهر أقلب الليل والنهار فإذا شئت قبضتهما ". وأما معنى الحديث فقد قال النووي: قالوا: هو مجاز وسببه أن العرب كان شأنها أن تسب الدهر عند النوازل والحوادث والمصائب النازلة بها من موت أو هرم أو تلف مال أو غير ذلك فيقولون " يا خيبة الدهر " ونحو هذا من ألفاظ سب الدهر فقال النبي ﷺ : " لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر " أي: لا تسبوا فاعل النوازل فإنكم إذا سببتم فاعلها وقع السب على الله تعالى لأنه هو فاعلها ومنزلها، وأما الدهر الذي هو الزمان فلا فعل له بل هو مخلوق من جملة خلق الله تعالى. ومعنى " فإن الله هو الدهر " أي: فاعل النوازل والحوادث وخالق الكائنات والله أعلم. " شرح مسلم " (١٥ / ٣) . وينبغي أن يعلم أنه ليس من أسماء الله اسم " الدهر " وإنما نسبته إلى الله تعالى نسبة خلق وتدبير، أي: أنه خالق الدهر، بدليل وجود بعض الألفاظ في نفس الحديث تدل على هذا مثل قوله تعالى: " بيدي الأمر أقلِّب ليلَه ونهارَه " فلا يمكن أن يكون في هذا الحديث المقلِّب - بكسر اللام - والمقلَّب - بفتح اللام - واحداً، وإنما يوجد مقلِّب - بكسر اللام - وهو الله، ومقلَّب - بفتح اللام - وهو الدهر، الذي يتصرف الله فيه كيف شاء ومتى شاء. انظر " فتاوى العقيدة " للشيخ ابن عثيمين (١ / ١٦٣) . قال الحافظ ابن كثير - عند قول الله تعالى: ﴿وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر﴾ [الجاثية / ٢٤]-: قال الشافعي وأبو عبيدة وغيرهما في تفسير قوله ﷺ : " لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر " كانت العرب في جاهليتها إذا أصابهم شدة أو بلاء أو نكبة قالوا: " يا خيبة الدهر " فيسندون تلك الأفعال إلى الدهر ويسبونه وإنما فاعلها هو الله تعالى فكأنهم إنما سبوا الله لأنه فاعل ذلك في الحقيقة فلهذا نهى عن سب الدهر بهذا الاعتبار لأن الله تعالى هو الدهر الذي يصونه ويسندون إليه تلك الأفعال. وهذا أحسن ما قيل في تفسيره، وهو المراد. والله أعلم " تفسير ابن كثير " (٤ / ١٥٢) . وسئل الشيخ ابن عثيمين حفظه الله عن حكم سب الدهر: فأجاب قائلا: سب الدهر ينقسم إلى ثلاثة أقسام. القسم الأول: أن يقصد الخبر المحض دون اللوم: فهذا جائز مثل أن يقول " تعبنا من شدة حر هذا اليوم أو برده " وما أشبه ذلك لأن الأعمال بالنيات واللفظ صالح لمجرد الخبر. القسم الثاني: أن يسب الدهر على أنه هو الفاعل كأن يقصد بسبه الدهر أن الدهر هو الذي يقلِّب الأمور إلى الخير أو الشر: فهذا شرك أكبر لأنه اعتقد أن مع الله خالقا حيث نسب الحوادث إلى غير الله. القسم الثالث: أن يسب الدهر ويعتقد أن الفاعل هو الله ولكن يسبه لأجل هذه الأمور المكروهة: فهذا محرم لأنه مناف للصبر الواجب وليس بكفر؛ لأنه ما سب الله مباشرة، ولو سب الله مباشرة لكان كافراً. " فتاوى العقيدة " (١ / ١٩٧) . ومن منكرات الألفاظ عند بعض الناس أنه يلعن الساعة أو اليوم الذي حدث فيه الشيء الفلاني (مما يكرهه) ونحو ذلك من ألفاظ السّباب فهو يأثم على اللعن والكلام القبيح وثانيا يأثم على لعن ما لا يستحقّ اللعن فما ذنب اليوم والسّاعة؟ إنْ هي إلا ظروف تقع فيها الحوادث وهي مخلوقة ليس لها تدبير ولا ذنب، وكذلك فإنّ سبّ الزمن يعود على خالق الزّمن، فينبغي على المسلم أن ينزّه لسانه عن هذا الفحش والمنكر. والله المستعان. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 141

رؤية النبي ﷺ لجبريل ﵇ [السُّؤَالُ] ـ[جاء في سورة النجم أن سيدنا محمدا ﷺ قد رأى سيدنا جبريل مرتين، فما هي المرتان؟ وهل كانت المرة الأولى في الأفق الأعلى في أول نزول الوحي، والثانية في سدرة المنتهى؟ وإذا كان وقعت رؤية الروح الأمين مرتين، فكيف نفسر سورة المدثر، بأنه رأى الروح الأمين جالسا على كرسي بين السماء والأرض؟ لعلها لم تكن هذه الهيئة هي هيئة سيدنا جبريل الحقيقية! والصورة التي تصورها الآيات من ٥ إلى ١٢ في سورة النجم تصور سيدنا جبريل بأنه جالس ويملأ الأفق، ثم يقترب من الرسول ﷺ . فهل فهمي للآية هكذا صحيح؟ أم أن المرة الأولى حين نزل الوحي كانت قبل بلوغ الأفق الأعلى. أنا طالب لعلم التفسير، وأريد ردا على هذا السؤال.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الذي تقرره الأدلة الصريحة أن النبي ﷺ رأى جبريل ﵇ على صورته التي خلقه الله عليها مرتين اثنتين فقط، وقد عد السيوطي ﵀ هذا الأمر من خصائص النبي ﷺ كما في " الخصائص الكبرى " (١/١٩٧) ، وهاتان الرؤيتان هما: الرؤية الأولى: كانت في الأرض في بداية الوحي، ونزلت عليه بعدها سورة المدثر. فعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ – أي انقطاع - الْوَحْيِ فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: (فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجَئِثْتُ مِنْهُ رُعْبًا فَرَجَعْتُ، فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي، فَدَثَّرُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ – إلى – والرجز فَاهْجُر) رواه البخاري (٤٦٤١) ومسلم (١٦١) . وهذه الرؤية هي التي قال الله فيها: (وَلَقَدْ رَآهُ بِالأفُقِ الْمُبِينِ) التكوير/٢٣. قال الحافظ ابن كثير ﵀: "يعني: ولقد رأى محمدٌ جبريل الذي يأتيه بالرسالة عن الله على الصورة التي خلقه الله عليها له ستمائة جناح، (بِالأفُقِ الْمُبِينِ) أي: البين، وهي الرؤية الأولى التي كانت بالبطحاء (موضع بمكة) ، وهي المذكورة في قوله: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالأفُقِ الأعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إَلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى) النجم/٥ –١٠، كما تقدم تفسيرُ ذلك وتقريره، والدليلُ أن المرادَ بذلك جبريل ﵇. والظاهر- والله أعلم - أن هذه السورة – يعني سورة التكوير - نزلت قبل ليلة الإسراء؛ لأنه لم يذكر فيها إلا هذه الرؤية، وهي الأولى. وأما الثانية وهي المذكورة في قوله: (وَلَقَدْ رَآهُ نزلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى) النجم: ١٣ -١٦، فتلك إنما ذكرت في سورة " النجم "، وقد نزلت بعد سورة الإسراء " انتهى. " تفسير القرآن العظيم " (٨/٣٣٩) . والرؤية الثانية: كانت في السماء، ليلة الإسراء والمعراج عند سدرة المنتهى. وقد نصت الآية في سورة النجم على الرؤية الثانية، وأشارت إلى الرؤية الأولى، وذلك في قوله : (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى) النجم/١٣-١٤. قال ابن مسعود ﵁ في تفسير هذه الآية: رأى جبريل له ستمائة جناح. رواه البخاري (٣٢٣٢) ومسلم (١٧٤) . قال النووي ﵀: "وهكذا قاله أيضا أكثر العلماء، قال الواحدي: قال أكثر العلماء: المراد رأى جبريل في صورته التي خلقه الله تعالى عليها" انتهى. "شرح النووي على مسلم" (٣/٧) . وقال الحافظ ابن كثير ﵀: "هذه الرؤية – يعني الأولى - لجبريل ورسولُ الله ﷺ في الأرض، فهبط عليه جبريل ﵇ وتدلى إليه، فاقترب منه وهو على الصورة التي خلقه الله عليها، له ستمائة جناح. ثم رآه بعد ذلك نزلة أخرى عند سدرة المنتهى، يعني ليلة الإسراء" انتهى. "تفسير القرآن العظيم" (٧/٤٤٥) . ولم يثبت وقوع رؤية ثالثة حقيقية لجبريل ﵇، وقد قالت عائشة ﵂: (وَلَكِنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ ﵇ فِي صُورَتِهِ مَرَّتَيْنِ) رواه البخاري (٤٨٥٥) ، وهو عند الإمام مسلم (١٧٧) من كلام النبي ﷺ أنه قال: (إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ، لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ، رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنْ السَّمَاءِ سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 142

كيف عرفت الملائكة أن البشر سيفسدون في الأرض ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل خلق الله البشر أولا أم الملائكة؟ وإذا كان الملائكة، فكيف عرفوا أن البشر سيفسدون في الأرض كما في سورة البقره آيه ٣٠؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: لا شك أن خلق الملائكة كان سابقا على خلق آدم ﵇، فقد أخبرنا الله تعالى في أكثر من موضع من كتابه العزيز أنه أعلم الملائكة بأنه سيخلق بشرا من طين، ثم أمرهم بالسجود له حين يتم خلقه، وذلك دليل ظاهر على أن الملائكة كانوا موجودين قبل خلق البشر. يقول الله تعالى: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) ص/٧١-٧٢ ثانيا: وقد أخبر في سورة البقرة عن حواره مع الملائكة قبل خلق آدم، وذلك دليل ظاهر أيضا على وجودهم قبل آدم ﵇. قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً، قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ، قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) البقرة/٣٠ ولكن كيف عرفت الملائكة أن الخليفة الجديد في الأرض سيفسد فيها ويسفك الدماء؟ اختلف في ذلك أهل العلم على أقوال: القول الأول: أنهم علموا ذلك بإعلام الله تعالى لهم، وإن كان ذلك لم يذكر في السياق. قاله ابن مسعود وابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة وابن زيد وابن قتيبة. كما في "زاد المسير" لابن الجوزي (١/٦٠) وهو قول أكثر المفسرين كما قاله ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٧/٣٨٢) يقول ابن القيم ﵀: " وفي هذا دلالة على أن الله قد كان أعلمهم أن بني آدم سيفسدون في الأرض، وإلا فكيف كانوا يقولون ما لا يعلمون، والله تعالى يقول وقوله الحق (لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعلمون) ، والملائكة لا تقول ولا تعمل إلا بما تؤمر به لا غير، قال الله تعالى (ويفعلون ما يؤمرون) " انتهى. "مفتاح دار السعادة" (١/١٢) . القول الثاني: أنهم قاسوه على أحوال من سلف قبل آدم على الأرض، وهم الجن، فقد سبقوا الإنسان في الأرض وكانوا يفسدون فيها ويسفكون الدماء، فعلمت الملائكة أن البشر سيكونون على حال من سبقهم. روي نحو هذا عن ابن عباس وأبي العالية ومقاتل. انظر "زاد المسير" (١/٦١) يقول الشيخ ابن عثيمين ﵀: " قول الملائكة: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) يرجِّحُ أنهم خليفة لمن سبقهم، وأنه كان على الأرض مخلوقات قبل ذلك تسفك الدماء وتفسد فيها، فسألت الملائكة ربها : (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) كما فعل من قبلهم " انتهى. "تفسير القرآن الكريم" (١/آية ٣٠) . القول الثالث: أنهم فهموا ذلك من الطبيعة البشرية. وهو الذي يبدو من اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "منهاج السنة" (٦/١٤٩) يقول العلامة الطاهر ابن عاشور: " وإنما ظنوا هذا الظن بهذا المخلوق من جهة ما استشعروه من صفات هذا المخلوق المستخلف، بإدراكهم النوراني لهيئة تكوينه الجسدية والعقلية والنطقية، إما بوصف الله لهم هذا الخليفة، أو برؤيتهم صورة تركيبه قبل نفخ الروح فيه وبعده، والأظهر أنهم رأوه بعد نفخ الروح فيه، فعلموا أنه تركيب يستطيع صاحبه أن يخرج عن الجبلة إلى الاكتساب، وعن الامتثال الى العصيان ... ، ومجرد مشاهدة الملائكة لهذا المخلوق العجيب المراد جعله خليفة في الأرض كاف في إحاطتهم بما يشتمل عليه من عجائب الصفات.. " قال: " وفي هذا ما يغنيك عما تكلف له بعض المفسرين من وجه اطلاع الملائكة على صفات الإنسان قبل بدوها منه.. " انتهى مختصرا من "التحرير والتنوير" (١/٢٣٠) . القول الرابع: أنهم فهموا من قوله تعالى (خليفة) أنه الذي يفصل بين الناس ما يقع بينهم من المظالم، ويردعهم عن المحارم والمآثم، قاله القرطبي "الجامع لأحكام القرآن" (١/٣٠٢) . والمعنى: أنه إذا كان هناك خليفة يحكم بين الناس في المظالم، فإنه يلزم من ذلك أن هؤلاء الناس تقع منهم المظالم. وأنت ترى أخي السائل أنها أقوال مختلفة ليس على أي منها نصوص صريحة من الكتاب والسنة، إنما هي استنباطات لأهل العلم، قد تصيب وقد تخطئ، وإنما أراد الله تعالى أن نتعلم ما في هذه القصة من العبرة والعظة، وما كرم الله تعالى به الإنسان حين خلق آدم فأسجد له الملائكة، وما سوى ذلك من تفاصيل القصة، لا يضر الجهل بها، لذلك لم يأت الكتاب ببيانها، والله تعالى أعلم بالصواب. تنبيه: ليس في هذا السؤال من الملائكة المكرمين لرب العزة سبحانه، عن خلق آدم وذريته اعتراض على الحكمة، أو معارضة لله سبحانه، فإنهم منزهون عن ذلك. قال ابن كثير ﵀: وقول الملائكة هذا ليس على وجه الاعتراض على الله، ولا على وجه الحسد لبني آدم، كما قد يتوهمه بعض المفسرين , وقد وصفهم الله تعالى بأنهم لا يسبقونه بالقول، أي: لا يسألونه شيئاً لم يأذن لهم فيه ,.. وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك؛ يقولون: يا ربنا ما الحكمة في خلق هؤلاء، مع أن منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء؟!! فإن كان المراد عبادتك فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك، أي نصلي لك ... ولا يصدر منا شيء من ذلك, وهلا وقع الاقتصار علينا؟ قال الله تعالى مجيباً لهم عن هذا السؤال: ﴿إني أعلم مالا تعلمون﴾ أي: إني أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف، على المفاسد التي ذكرتموها، مالا تعلمون أنتم؛ فإني جاعل فيهم الأنبياء، وأرسل فيهم الرسل، ويوجد منهم الصديقون والشهداء والصالحون والعباد والزهاد والأولياء والأبرار والمقربون والعلماء والعاملون والخاشعون والمحبون له ﵎ المتبعون رسله صلوات الله وسلامه عليهم..) تفسير ابن كثير (١/٦٩) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 143

يسأل عن مصير الملكين الموكلين بكتابة أعمال الإنسان بعد وفاته ! [السُّؤَالُ] ـ[أفتونا عن الملائكة الموكلين بالإنسان لإحصاء أعماله في مدة الحياة عندما يموت الإنسان، هل يموت الملكان الموكلان به أو أين يكون مصيرهما بعد وفاة الإنسان؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله " أحوال الملائكة وشؤونهم من الغيبيات، ولا تعرف إلا من قبل السمع [الكتاب والسنة] ، ولم يرد نص في موت كتبة الحسنات والسيئات عند موت من تولوا كتابة حسناته وسيئاته، ولا نص ببقاء حياتهم ولا عن مصيرهم، وذلك إلى الله، وليس ما سئل عنه مما كلفنا اعتقاده، ولا يتعلق به عمل، فالسؤال عن ذلك دخول فيما لا يعني؛ لذا ننصح السائل أن لا يدخل فيما لا يعنيه، ويبذل جهده في السؤال عما يعود عليه وعلى المسلمين بالنفع في دينهم ودنياهم. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم " انتهى. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الشيخ إبراهيم بن محمد آل الشيخ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن منيع "فتاوى اللجنة الدائمة" (٢/٤٠٢) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 144

هل ثبت شيء في " الملائكة الكروبيون "؟ [السُّؤَالُ] ـ[من هم الملائكة الكروبيون؟ حيث إن الشيخ الألباني ﵀ أنكر هذا الاسم في فتاوى " جدة " الشريط رقم ١٧ (٠١:٠٣:٤٢) ]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: الإيمان بالملائكة من أركان ديننا الحنيف، قال تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) البقرة/ ٢٨٥، وقد ذكرنا كثيراً من المسائل المتعلقة بالملائكة، من حيث خلقهم، وصفاتهم، ووظائفهم، وذلك في جوابي السؤالين: (١٤٦١٠) و (٨٤٣) . ثانياً: ما يُطلق عليه " الملائكة الكَروبيُّون " ليس له أصل في الأحاديث النبوية الصحيحة ـ فيما نعلم ـ، وغاية ما جاء ذِكرهم فيه: أحاديث ضعيفة جدّاً، وموضوعة، وآثار عن السلف، وطائفة من المفسرين، وقد ذكر بعض العلماء أن الكروبيين هم: من يكونون حول عرش الرحمن، أو هم حملة العرش أنفسهم. وقال آخرون: هم سادة الملائكة وعظماؤهم. وقال فريق ثالث: هم ملائكة العذاب. ومثل هذا الأمر هو من الغيب الذي لا يجوز إثباته إلا بوحي من الله، ولم يثبت في ذلك شيء. أ. ما ورد فيهم من أحاديث غير صحيحة: ١. عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن لله ملائكة وهم الكروبيون من شحمة أذن أحدهم إلى ترقوته مسيرة خمسمائة عام للطائر السريع في انحطاط) . والحديث حكم عليه الشيخ الألباني بأنه ضعيف جدّاً، وقال: رواه ابن عساكر (١٢ / ٢٣١ / ٢) عن محمد بن أبي السري: أخبرنا عمرو بن أبي سلمة عن صدقة بن عبد الله القرشي عن موسى بن عقبة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله مرفوعا وقال: " روى إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة شيئا من هذا ". قلت: وهذا سند واهٍ جدّاً، وله علتان: الأولى: محمد بن أبي السري، وهو متهم. والأخرى: صدقة هذا وهو الدمشقي السمين وهو ضعيف، ووقع في السند " القرشي، ولم ترد هذه النسبة في ترجمته من " التهذيب "، فلعله تحرف على الناسخ نسبته " الدمشقي " بالقرشي، والله أعلم. وقد خالفه إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة به بلفظ: (أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله تعالى من حملة العرش، ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة سنة) . وهو بهذا اللفظ صحيح كما قد بينته في " الأحاديث الصحيحة " رقم (١٥١) . " سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة " (٢ / ٣٢٣، حديث ٩٢٣) . ٢. وذكر ابن الجوزي في " بستان الواعظين ورياض السامعين " (ص ٢٠) حديثاً طويلاً، وفيه موت الملائكة، ومنه: (وتموت ملائكة السبع سموات، والحجب، والسرادقات، والصادقون، والمسبحون، وحملة العرش، والكرسي، وأهل سرادقات المجد، والكروبيون، ويبقى جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت ﵇ ... .) انتهى. والحديث ليس له إسناد، والكتاب مظنة الضعيف، والموضوع. ب. ما جاء ذِكرهم فيه من كلام السلف ومن بعدهم: ١. قال الخطابي ﵀: الملائكة الكَرُوبيّون، وهم: المُقَرّبون، وقال بعضهم: إنما سُمُّوا: " كَرُوبيين " لأنهم يُدْخِلون الكَرْب على الكفار، وليس هذا بشيء. " غريب الحديث " (١ / ٤٤٠) . ٢. وقال ابن الأثير ﵀: في حديث أبي العالية: (الكروبيون سادة الملائكة) هم المقربون، ويقال لكل حيوانٍ وَثِيْقِ المفاصل: إنه لمُكْرَب الخَلْق، إذا كان شديد القُوَى. والأول أشبه. " النهاية في غريب الحديث والأثر " (٤ / ١٦١) . والخلاصة: لم يصح شيء من الأحاديث المرفوعة عن النبي ﷺ فيما يسمى " الملائكة الكروبيون "، والواجب الوقوف في مسائل الغيب عند إثبات الوحي لها. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 145

الحكمة من إيجاد الكرام الكاتبين مع أن الله يعلم كل شيء [السُّؤَالُ] ـ[ما الحكمة من إيجاد الكرام الكاتبين مع أن الله يعلم كل شيء؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله " نقول في مثل هذه الأمور: إننا قد ندرك حكمتها، وقد لا ندرك، فإن كثيراً من الأشياء لا نعلم حكمتها، كما قال الله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) الإسراء/٨٥. فإن هذه المخلوقات لو سألنا سائل: ما الحكمة أن الله جعل الإبل على هذا الوجه، وجعل الخيل على هذا الوجه، وجعل الحمير على هذا الوجه، وجعل الآدمي على هذا الوجه؟ وما أشبه ذلك، لو سألنا عن الحكمة في هذه الأمور ما علمناها، ولو سُئلنا: ما الحكمة في أن الله جعل صلاة الظهر أربعاً، وصلاة العصر أربعاً، والمغرب ثلاثاً، وصلاة العشاء أربعاً؟ وما أشبه ذلك ما استطعنا أن نعلم الحكمة في ذلك. وبهذا علمنا أن كثيراً من الأمور الكونية، وكثيراً من الأمور الشرعية تخفى علينا حكمتها، وإذا كان كذلك فإنا نقول: إن التماسنا للحكمة في بعض الأشياء المخلوقة أو المشروعة، إنْ مَنَّ اللهُ علينا بالوصول إليها فذاك زيادة فضل وخير وعلم، وإن لم نصل إليها، فإن ذلك لا ينقصنا شيئاً. ثم نعود إلى جواب السؤال، وهو ما الحكمة في أن الله وَكَّل بنا كراماً كاتبين يعلمون ما نفعل؟ فالحكمة من ذلك: بيان أن الله نَظَّم الأشياء وقَدَّرها، وأحكمها إحكاماً متقناً، حتى إنه جعل على أفعال بني آدم وأقوالهم كراماً كاتبين، موكلين بهم، يكتبون ما يفعلون، مع أنه عالم بما يفعلون قبل أن يفعلوه، ولكن كل هذا من أجل بيان كمال عناية الله بالإنسان، وكمال حفظه ﵎، وأن هذا الكون منظم أحسن نظام، ومحكم أحسن إحكام، والله عليم حكيم. والله أعلم " انتهى. "مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين" (١/١٢١) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →