Полный текст (16 344 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
رؤية النبي ﷺ لجبريل ﵇
[السُّؤَالُ]
ـ[جاء في سورة النجم أن سيدنا محمدا ﷺ قد رأى سيدنا جبريل مرتين، فما هي المرتان؟ وهل كانت المرة الأولى في الأفق الأعلى في أول نزول الوحي، والثانية في سدرة المنتهى؟ وإذا كان وقعت رؤية الروح الأمين مرتين، فكيف نفسر سورة المدثر، بأنه رأى الروح الأمين جالسا على كرسي بين السماء والأرض؟ لعلها لم تكن هذه الهيئة هي هيئة سيدنا جبريل الحقيقية! والصورة التي تصورها الآيات من ٥ إلى ١٢ في سورة النجم تصور سيدنا جبريل بأنه جالس ويملأ الأفق، ثم يقترب من الرسول ﷺ . فهل فهمي للآية هكذا صحيح؟ أم أن المرة الأولى حين نزل الوحي كانت قبل بلوغ الأفق الأعلى. أنا طالب لعلم التفسير، وأريد ردا على هذا السؤال.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الذي تقرره الأدلة الصريحة أن النبي ﷺ رأى جبريل ﵇ على صورته التي خلقه الله عليها مرتين اثنتين فقط، وقد عد السيوطي ﵀ هذا الأمر من خصائص النبي ﷺ كما في " الخصائص الكبرى " (١/١٩٧) ، وهاتان الرؤيتان هما:
الرؤية الأولى: كانت في الأرض في بداية الوحي، ونزلت عليه بعدها سورة المدثر.
فعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ – أي انقطاع - الْوَحْيِ فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: (فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجَئِثْتُ مِنْهُ رُعْبًا فَرَجَعْتُ، فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي، فَدَثَّرُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ – إلى – والرجز فَاهْجُر) رواه البخاري (٤٦٤١) ومسلم (١٦١) .
وهذه الرؤية هي التي قال الله فيها: (وَلَقَدْ رَآهُ بِالأفُقِ الْمُبِينِ) التكوير/٢٣.
قال الحافظ ابن كثير ﵀:
"يعني: ولقد رأى محمدٌ جبريل الذي يأتيه بالرسالة عن الله على الصورة التي خلقه الله عليها له ستمائة جناح، (بِالأفُقِ الْمُبِينِ) أي: البين، وهي الرؤية الأولى التي كانت بالبطحاء (موضع بمكة) ، وهي المذكورة في قوله: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالأفُقِ الأعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إَلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى) النجم/٥ –١٠، كما تقدم تفسيرُ ذلك وتقريره، والدليلُ أن المرادَ بذلك جبريل ﵇.
والظاهر- والله أعلم - أن هذه السورة – يعني سورة التكوير - نزلت قبل ليلة الإسراء؛ لأنه لم يذكر فيها إلا هذه الرؤية، وهي الأولى.
وأما الثانية وهي المذكورة في قوله: (وَلَقَدْ رَآهُ نزلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى) النجم: ١٣ -١٦، فتلك إنما ذكرت في سورة " النجم "، وقد نزلت بعد سورة الإسراء " انتهى.
" تفسير القرآن العظيم " (٨/٣٣٩) .
والرؤية الثانية: كانت في السماء، ليلة الإسراء والمعراج عند سدرة المنتهى.
وقد نصت الآية في سورة النجم على الرؤية الثانية، وأشارت إلى الرؤية الأولى، وذلك في قوله : (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى) النجم/١٣-١٤.
قال ابن مسعود ﵁ في تفسير هذه الآية: رأى جبريل له ستمائة جناح.
رواه البخاري (٣٢٣٢) ومسلم (١٧٤) .
قال النووي ﵀:
"وهكذا قاله أيضا أكثر العلماء، قال الواحدي: قال أكثر العلماء: المراد رأى جبريل في صورته التي خلقه الله تعالى عليها" انتهى.
"شرح النووي على مسلم" (٣/٧) .
وقال الحافظ ابن كثير ﵀:
"هذه الرؤية – يعني الأولى - لجبريل ورسولُ الله ﷺ في الأرض، فهبط عليه جبريل ﵇ وتدلى إليه، فاقترب منه وهو على الصورة التي خلقه الله عليها، له ستمائة جناح.
ثم رآه بعد ذلك نزلة أخرى عند سدرة المنتهى، يعني ليلة الإسراء" انتهى.
"تفسير القرآن العظيم" (٧/٤٤٥) .
ولم يثبت وقوع رؤية ثالثة حقيقية لجبريل ﵇، وقد قالت عائشة ﵂:
(وَلَكِنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ ﵇ فِي صُورَتِهِ مَرَّتَيْنِ) رواه البخاري (٤٨٥٥) ، وهو عند الإمام مسلم (١٧٧) من كلام النبي ﷺ أنه قال: (إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ، لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ، رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنْ السَّمَاءِ سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 142
كيف عرفت الملائكة أن البشر سيفسدون في الأرض ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل خلق الله البشر أولا أم الملائكة؟ وإذا كان الملائكة، فكيف عرفوا أن البشر سيفسدون في الأرض كما في سورة البقره آيه ٣٠؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
لا شك أن خلق الملائكة كان سابقا على خلق آدم ﵇، فقد أخبرنا الله تعالى في أكثر من موضع من كتابه العزيز أنه أعلم الملائكة بأنه سيخلق بشرا من طين، ثم أمرهم بالسجود له حين يتم خلقه، وذلك دليل ظاهر على أن الملائكة كانوا موجودين قبل خلق البشر.
يقول الله تعالى: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) ص/٧١-٧٢
ثانيا:
وقد أخبر في سورة البقرة عن حواره مع الملائكة قبل خلق آدم، وذلك دليل ظاهر أيضا على وجودهم قبل آدم ﵇.
قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً، قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ، قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) البقرة/٣٠
ولكن كيف عرفت الملائكة أن الخليفة الجديد في الأرض سيفسد فيها ويسفك الدماء؟
اختلف في ذلك أهل العلم على أقوال:
القول الأول: أنهم علموا ذلك بإعلام الله تعالى لهم، وإن كان ذلك لم يذكر في السياق.
قاله ابن مسعود وابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة وابن زيد وابن قتيبة.
كما في "زاد المسير" لابن الجوزي (١/٦٠)
وهو قول أكثر المفسرين كما قاله ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٧/٣٨٢)
يقول ابن القيم ﵀: " وفي هذا دلالة على أن الله قد كان أعلمهم أن بني آدم سيفسدون في الأرض، وإلا فكيف كانوا يقولون ما لا يعلمون، والله تعالى يقول وقوله الحق (لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعلمون) ، والملائكة لا تقول ولا تعمل إلا بما تؤمر به لا غير، قال الله تعالى (ويفعلون ما يؤمرون) " انتهى. "مفتاح دار السعادة" (١/١٢) .
القول الثاني: أنهم قاسوه على أحوال من سلف قبل آدم على الأرض، وهم الجن، فقد سبقوا الإنسان في الأرض وكانوا يفسدون فيها ويسفكون الدماء، فعلمت الملائكة أن البشر سيكونون على حال من سبقهم.
روي نحو هذا عن ابن عباس وأبي العالية ومقاتل. انظر "زاد المسير" (١/٦١)
يقول الشيخ ابن عثيمين ﵀: " قول الملائكة: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) يرجِّحُ أنهم خليفة لمن سبقهم، وأنه كان على الأرض مخلوقات قبل ذلك تسفك الدماء وتفسد فيها، فسألت الملائكة ربها : (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) كما فعل من قبلهم " انتهى. "تفسير القرآن الكريم" (١/آية ٣٠) .
القول الثالث: أنهم فهموا ذلك من الطبيعة البشرية.
وهو الذي يبدو من اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "منهاج السنة" (٦/١٤٩)
يقول العلامة الطاهر ابن عاشور: " وإنما ظنوا هذا الظن بهذا المخلوق من جهة ما استشعروه من صفات هذا المخلوق المستخلف، بإدراكهم النوراني لهيئة تكوينه الجسدية والعقلية والنطقية، إما بوصف الله لهم هذا الخليفة، أو برؤيتهم صورة تركيبه قبل نفخ الروح فيه وبعده، والأظهر أنهم رأوه بعد نفخ الروح فيه، فعلموا أنه تركيب يستطيع صاحبه أن يخرج عن الجبلة إلى الاكتساب، وعن الامتثال الى العصيان ... ، ومجرد مشاهدة الملائكة لهذا المخلوق العجيب المراد جعله خليفة في الأرض كاف في إحاطتهم بما يشتمل عليه من عجائب الصفات.. "
قال: " وفي هذا ما يغنيك عما تكلف له بعض المفسرين من وجه اطلاع الملائكة على صفات الإنسان قبل بدوها منه.. " انتهى مختصرا من "التحرير والتنوير" (١/٢٣٠) .
القول الرابع: أنهم فهموا من قوله تعالى (خليفة) أنه الذي يفصل بين الناس ما يقع بينهم من المظالم، ويردعهم عن المحارم والمآثم، قاله القرطبي "الجامع لأحكام القرآن" (١/٣٠٢) .
والمعنى: أنه إذا كان هناك خليفة يحكم بين الناس في المظالم، فإنه يلزم من ذلك أن هؤلاء الناس تقع منهم المظالم.
وأنت ترى أخي السائل أنها أقوال مختلفة ليس على أي منها نصوص صريحة من الكتاب والسنة، إنما هي استنباطات لأهل العلم، قد تصيب وقد تخطئ، وإنما أراد الله تعالى أن نتعلم ما في هذه القصة من العبرة والعظة، وما كرم الله تعالى به الإنسان حين خلق آدم فأسجد له الملائكة، وما سوى ذلك من تفاصيل القصة، لا يضر الجهل بها، لذلك لم يأت الكتاب ببيانها، والله تعالى أعلم بالصواب.
تنبيه: ليس في هذا السؤال من الملائكة المكرمين لرب العزة سبحانه، عن خلق آدم وذريته اعتراض على الحكمة، أو معارضة لله سبحانه، فإنهم منزهون عن ذلك. قال ابن كثير ﵀: وقول الملائكة هذا ليس على وجه الاعتراض على الله، ولا على وجه الحسد لبني آدم، كما قد يتوهمه بعض المفسرين , وقد وصفهم الله تعالى بأنهم لا يسبقونه بالقول، أي: لا يسألونه شيئاً لم يأذن لهم فيه ,.. وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك؛ يقولون: يا ربنا ما الحكمة في خلق هؤلاء، مع أن منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء؟!! فإن كان المراد عبادتك فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك، أي نصلي لك ... ولا يصدر منا شيء من ذلك, وهلا وقع الاقتصار علينا؟
قال الله تعالى مجيباً لهم عن هذا السؤال: ﴿إني أعلم مالا تعلمون﴾ أي: إني أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف، على المفاسد التي ذكرتموها، مالا تعلمون أنتم؛ فإني جاعل فيهم الأنبياء، وأرسل فيهم الرسل، ويوجد منهم الصديقون والشهداء والصالحون والعباد والزهاد والأولياء والأبرار والمقربون والعلماء والعاملون والخاشعون والمحبون له ﵎ المتبعون رسله صلوات الله وسلامه عليهم..) تفسير ابن كثير (١/٦٩) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 143
يسأل عن مصير الملكين الموكلين بكتابة أعمال الإنسان بعد وفاته !
[السُّؤَالُ]
ـ[أفتونا عن الملائكة الموكلين بالإنسان لإحصاء أعماله في مدة الحياة عندما يموت الإنسان، هل يموت الملكان الموكلان به أو أين يكون مصيرهما بعد وفاة الإنسان؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" أحوال الملائكة وشؤونهم من الغيبيات، ولا تعرف إلا من قبل السمع [الكتاب والسنة] ، ولم يرد نص في موت كتبة الحسنات والسيئات عند موت من تولوا كتابة حسناته وسيئاته، ولا نص ببقاء حياتهم ولا عن مصيرهم، وذلك إلى الله، وليس ما سئل عنه مما كلفنا اعتقاده، ولا يتعلق به عمل، فالسؤال عن ذلك دخول فيما لا يعني؛ لذا ننصح السائل أن لا يدخل فيما لا يعنيه، ويبذل جهده في السؤال عما يعود عليه وعلى المسلمين بالنفع في دينهم ودنياهم.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم " انتهى.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الشيخ إبراهيم بن محمد آل الشيخ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن منيع
"فتاوى اللجنة الدائمة" (٢/٤٠٢) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 144
هل ثبت شيء في " الملائكة الكروبيون "؟
[السُّؤَالُ]
ـ[من هم الملائكة الكروبيون؟ حيث إن الشيخ الألباني ﵀ أنكر هذا الاسم في فتاوى " جدة " الشريط رقم ١٧ (٠١:٠٣:٤٢) ]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الإيمان بالملائكة من أركان ديننا الحنيف، قال تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) البقرة/ ٢٨٥، وقد ذكرنا كثيراً من المسائل المتعلقة بالملائكة، من حيث خلقهم، وصفاتهم، ووظائفهم، وذلك في جوابي السؤالين: (١٤٦١٠) و (٨٤٣) .
ثانياً:
ما يُطلق عليه " الملائكة الكَروبيُّون " ليس له أصل في الأحاديث النبوية الصحيحة ـ فيما نعلم ـ، وغاية ما جاء ذِكرهم فيه: أحاديث ضعيفة جدّاً، وموضوعة، وآثار عن السلف، وطائفة من المفسرين، وقد ذكر بعض العلماء أن الكروبيين هم:
من يكونون حول عرش الرحمن، أو هم حملة العرش أنفسهم.
وقال آخرون: هم سادة الملائكة وعظماؤهم.
وقال فريق ثالث: هم ملائكة العذاب.
ومثل هذا الأمر هو من الغيب الذي لا يجوز إثباته إلا بوحي من الله، ولم يثبت في ذلك شيء.
أ. ما ورد فيهم من أحاديث غير صحيحة:
١. عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن لله ملائكة وهم الكروبيون من شحمة أذن أحدهم إلى ترقوته مسيرة خمسمائة عام للطائر السريع في انحطاط) .
والحديث حكم عليه الشيخ الألباني بأنه ضعيف جدّاً، وقال:
رواه ابن عساكر (١٢ / ٢٣١ / ٢) عن محمد بن أبي السري: أخبرنا عمرو بن أبي سلمة عن صدقة بن عبد الله القرشي عن موسى بن عقبة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله مرفوعا وقال: " روى إبراهيم بن طهمان عن
موسى بن عقبة شيئا من هذا ". قلت: وهذا سند واهٍ جدّاً، وله علتان:
الأولى: محمد بن أبي السري، وهو متهم.
والأخرى: صدقة هذا وهو الدمشقي السمين وهو ضعيف، ووقع في السند " القرشي، ولم ترد هذه النسبة في ترجمته من " التهذيب "، فلعله تحرف على الناسخ نسبته " الدمشقي " بالقرشي، والله أعلم.
وقد خالفه إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة به بلفظ: (أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله تعالى من حملة العرش، ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة سنة) . وهو بهذا اللفظ صحيح كما قد بينته في " الأحاديث الصحيحة " رقم (١٥١) .
" سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة " (٢ / ٣٢٣، حديث ٩٢٣) .
٢. وذكر ابن الجوزي في " بستان الواعظين ورياض السامعين " (ص ٢٠) حديثاً طويلاً، وفيه موت الملائكة، ومنه:
(وتموت ملائكة السبع سموات، والحجب، والسرادقات، والصادقون، والمسبحون، وحملة العرش، والكرسي، وأهل سرادقات المجد، والكروبيون، ويبقى جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت ﵇ ... .) انتهى.
والحديث ليس له إسناد، والكتاب مظنة الضعيف، والموضوع.
ب. ما جاء ذِكرهم فيه من كلام السلف ومن بعدهم:
١. قال الخطابي ﵀:
الملائكة الكَرُوبيّون، وهم: المُقَرّبون، وقال بعضهم: إنما سُمُّوا: " كَرُوبيين " لأنهم يُدْخِلون الكَرْب على الكفار، وليس هذا بشيء.
" غريب الحديث " (١ / ٤٤٠) .
٢. وقال ابن الأثير ﵀:
في حديث أبي العالية: (الكروبيون سادة الملائكة) هم المقربون، ويقال لكل حيوانٍ وَثِيْقِ المفاصل: إنه لمُكْرَب الخَلْق، إذا كان شديد القُوَى.
والأول أشبه.
" النهاية في غريب الحديث والأثر " (٤ / ١٦١) .
والخلاصة:
لم يصح شيء من الأحاديث المرفوعة عن النبي ﷺ فيما يسمى " الملائكة الكروبيون "، والواجب الوقوف في مسائل الغيب عند إثبات الوحي لها.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 145
الحكمة من إيجاد الكرام الكاتبين مع أن الله يعلم كل شيء
[السُّؤَالُ]
ـ[ما الحكمة من إيجاد الكرام الكاتبين مع أن الله يعلم كل شيء؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" نقول في مثل هذه الأمور: إننا قد ندرك حكمتها، وقد لا ندرك، فإن كثيراً من الأشياء لا نعلم حكمتها، كما قال الله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) الإسراء/٨٥.
فإن هذه المخلوقات لو سألنا سائل: ما الحكمة أن الله جعل الإبل على هذا الوجه، وجعل الخيل على هذا الوجه، وجعل الحمير على هذا الوجه، وجعل الآدمي على هذا الوجه؟ وما أشبه ذلك، لو سألنا عن الحكمة في هذه الأمور ما علمناها، ولو سُئلنا: ما الحكمة في أن الله جعل صلاة الظهر أربعاً، وصلاة العصر أربعاً، والمغرب ثلاثاً، وصلاة العشاء أربعاً؟ وما أشبه ذلك ما استطعنا أن نعلم الحكمة في ذلك.
وبهذا علمنا أن كثيراً من الأمور الكونية، وكثيراً من الأمور الشرعية تخفى علينا حكمتها، وإذا كان كذلك فإنا نقول: إن التماسنا للحكمة في بعض الأشياء المخلوقة أو المشروعة، إنْ مَنَّ اللهُ علينا بالوصول إليها فذاك زيادة فضل وخير وعلم، وإن لم نصل إليها، فإن ذلك لا ينقصنا شيئاً.
ثم نعود إلى جواب السؤال، وهو ما الحكمة في أن الله وَكَّل بنا كراماً كاتبين يعلمون ما نفعل؟
فالحكمة من ذلك: بيان أن الله نَظَّم الأشياء وقَدَّرها، وأحكمها إحكاماً متقناً، حتى إنه جعل على أفعال بني آدم وأقوالهم كراماً كاتبين، موكلين بهم، يكتبون ما يفعلون، مع أنه عالم بما يفعلون قبل أن يفعلوه، ولكن كل هذا من أجل بيان كمال عناية الله بالإنسان، وكمال حفظه ﵎، وأن هذا الكون منظم أحسن نظام، ومحكم أحسن إحكام، والله عليم حكيم.
والله أعلم " انتهى.
"مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين" (١/١٢١) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 146
الاستهزاء بملك الموت
[السُّؤَالُ]
ـ[توفي قريب لأحد معارفي منذ فترة، وبعدها بفترة وجيزة توفي له قريب آخر، فبعدها بفترة طويلة عندما كنا نتحدث عنهما قلت له وبلا قصد: يبدو أن هناك ثأرا ما بين عائلتكم وبين ملك الموت، على سبيل المزاح، فهل يعتبر هذا كفرا بالله؛ لأني قلت هذا على أحد ملائكة الله، أم ماذا، وماذا أفعل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الواجب على المسلم أن يحفظ لسانه، فلا يتكلم بما يغضب الله تعالى، ورُبَّ كلمة يتكلم بها الإنسان، وهو لا يظن أن لها شأناً، تكون سبب هلاكه وعذابه، والعياذ بالله.
فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا، يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ) رواه البخاري (٦٤٧٧) ومسلم (٢٩٨٨) .
وفي رواية الترمذي (٢٣١٤) : (إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ) وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
وعن بلال المزني ﵁ أن النبي ﷺ قال: (وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، فَيَكْتُبُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ) رواه الترمذي (٢٣١٩) وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
والإيمان بالملائكة وإجلالهم وتقديرهم من أركان الإيمان الستة، وملك الموت لا يتصرف إلا بما يأمره الله به، كما قال : (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ) الأنعام/٦١.
فهم موكلون من الله بتقدير حكيم، وليس ذلك عن ثأر ولا عن بغض أو انتقام – تعالى الله عن ذلك -: قال الله : (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) السجدة/١١.
وقد ذكر أهل العلم أن الاستهزاء بالملائكة أو بأحد منهم كفر، وخروج عن الإسلام واستدلوا بقول الله : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ. لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) التوبة/٦٥-٦٦.
قال ابن حزم ﵀:
" وصح بالنص أن كل من استهزأ بالله تعالى، أو بملك من الملائكة، أو بنبي من الأنبياء ﵈، أو بآية من القرآن، أو بفريضة من فرائض الدين، فهي كلها آيات الله تعالى، بعد بلوغ الحجة إليه، فهو كافر " انتهى.
"الفصل في الملل والأهواء والنحل" (٣/١٤٢) .
وقال أيضا:
" كل من سب الله تعالى أو استهزأ به، أو سب ملكا من الملائكة أو استهزأ به، أو سب نبيا من الأنبياء أو استهزأ به، أو سب آية من آيات الله تعالى أو استهزأ بها، والشرائع كلها والقرآن من آيات الله تعالى، فهو بذلك كافر، مرتد، له حكم المرتد " انتهى.
"المحلى" (١١/٤١٣) .
وقال ابن نجيم الحنفي ﵀:
" يكفر بعيبه ملكا من الملائكة أو الاستخفاف به " انتهى.
"البحر الرائق" (٥/١٣١) .
بل ذكر بعض العلماء أنه يكفر مَن تكلم بما فيه مجرد إشعار بالاستهزاء والسخرية.
قال ابن نجيم الحنفي:
"ويكفر بقوله لغيره: " رؤيتي إياك كرؤية ملك الموت " عند البعض، خلافاً للأكثر " انتهى.
والكلمة التي تكلمت بها فيها شيء من الاستهزاء بملك الموت، فعليك التوبة منها والاستغفار، وسؤال الله تعالى العفو والعافية، والعزم على عدم العودة لذلك مرة أخرى، وتجديد إيمانك بالنطق بالشهادتين، وأكثر من الأعمال الصالحة – الصدقة وغيرها – فإن الله تعالى يقبل توبة من تاب إليه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 147
هل إبليس من الجن أو من الملائكة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل إبليس ملك أم جني؟ فإن كان ملكاً فكيف عصى الله والملائكة لا يعصون الله؟ وإن كان جنياً فإن هذا يوضح أن له اختيار الطاعة أو المعصية. أرجو الإجابة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إبليس - لعنه الله - من الجن، ولم يكن يوماً ملكاً من الملائكة، ولا حتى طرفة عين؛ فإن الملائكة خلق كرام لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وقد جاء ذلك في النصوص القرآنية الصريحة التي تدل على أن إبليس من الجن وليس من الملائكة، ومنها:
١- قال الله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لآِدَمَ فَسَجَدُوا إِلَاّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً) الكهف / ٥٠.
٢- وقد بيّن الله تعالى أنه خَلَقَ الجن من النار، قال تعالى: (وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ) الحجر/٢٧، وقال: (وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ) الرحمن/١٥. وجاء في الحديث الصحيح عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " خُلِقَت الملائكة من نور، وّخُلِقَ الجَّان من مارجٍ من نار، وخُلِقَ آدم مما وُصِفَ لكم " رواه مسلم في صحيحه برقم ٢٩٩٦، ورواه أحمد برقم ٢٤٦٦٨، والبيهقي في السنن الكبرى برقم ١٨٢٠٧، وابن حبان برقم ٦١٥٥.
فمن صفات الملائكة أنها خُلِقت من نور، والجن خُلِق من نار، وقد جاء في الآيات أن إبليس - لعنه الله - خُلِقَ من النار، جاء ذلك على لسان إبليس لما سأله الله عن سبب رفضه السجود لآدم لمّا أمره الله بذلك، فقال - لعنه الله -: (قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) الأعراف/١٢، ص/٧٦، فيدل هذا على أنه كان من الجن.
٣- وقد وَصَفَ الله الملائكة في كتابه الكريم، فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) التحريم /٦. وقال سبحانه: (بَلْ عِبادٌ مُكْرَمون * لا يَسْبِقُوْنَهُ بالقَولِ وهُم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ) الأنبياء / ٢٦ -٢٧. وقال: (وَلِلّهِ يَسجُدُ مَا فِي السَمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ والمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُوْنَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُوْنَ مَا يُؤْمَرُوْنَ) النحل / ٤٩ -٥٠. فلا يمكن أن يعصي الملائكة ربهم لأنهم معصومون من الخطأ ومجبولون على الطاعة.
٤- وكون إبليس ليس من الملائكة فإنه ليس مجبراً على الطاعة، وله الاختيار، كما لنا نحن البشر، قال تعالى: (إناّ هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً) ، وأيضاً فإن هناك المسلمين والكافرين من الجن؛ جاء في الآيات من سورة الجن: (قل أوحي إلي أنه استمع نفرٌ من الجنّ فقالوا إنّا سمعنا قرآناً عجباً * يهدِي إلى الرُّشد فآمنّا به ولن نُشرِك برنا أحداً) الجن / ١-٢. وجاء في نفس السورة على لسان الجن: (وأنّا لمّا سمعنا الهدى آمنّا به فمن يُؤمن بربه فلا يخاف بخساً ولا رَهَقاً * وأنّا منّا المسلمون ومنّا القاسطون..) الآيات.
قال ابن كثير ﵀ في تفسيره: (قال الحسن البصري: " ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين، وإنه لأصل الجن، كما أن آدم ﵇ أصل البشر " رواه الطبري بإسناد صحيح) ج٣/ ٨٩.
وقد قال بعض العلماء إن إبليس ملَكٌ من الملائكة، وأنه طاووس الملائكة، وأنه كان من أكثر الملائكة اجتهاداً في العبادة.. إلى غير ذلك من الروايات التي معظمها من الإسرائيليات، ومنها ما يُخالِف النصوص الصريحة في القرآن الكريم..
وقد قال ابن كثير مبيّناً ذلك: " وقد روي في هذا آثار كثيرة عن السلف، وغالبها من الإسرائيليات - التي تُنْقَلُ لِيُنْظَرَ فيها - والله أعلم بحال كثير منها، ومنها ما قد يُقْطَعُ بكذِبِهِ لمُخَالَفَتِهِ للحقّ الذي بأيدينا، وفي القرآن أخبار غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة؛ لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان، وقد وضع فيها أشياء كثيرة، وليس لهم من الحفاظ المتقنين الذي ينفون عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين كما لهذه الأمة من الأئمة والعلماء والسادة والأتقياء والبررة والنجباء من الجهابذة النقاد والحفاظ الجياد الذين دَوّنوا الحديث وحرروه وبينوا صحيحه من حسنه من ضعيفه من منكره وموضوعه ومتروكه ومكذوبه وعرفوا الوضاعين والكذابين والمجهولين وغير ذلك من أصناف الرجال كل ذلك صيانة للجناب النبوي والمقام المحمدي خاتم الرسل وسيد البشر ﷺ أن ينسب إليه كذب أو يحدث عنه بما ليس منه فرضي الله عنهم وأرضاهم وجعل جنات الفردوس مأواهم " تفسير القرآن العظيم ج ٣/٩٠. والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 148
الملائكة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل لك أن تعطيني بعض المعلومات عن الملائكة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
خلق الله الملائكة من نور قال ﵊: (خُلقت الملائكة من نور , وخلق الجان من مارج من نار , وخُلق آدم مما وصف لكم) رواه مسلم/٢٩٩٦.
والملائكة مجبولون على طاعة الله: (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) التحريم/٦.
وهم خلق لا يأكلون ولا يشربون وإنما طعامهم التسبيح والتهليل كما أخبر الله عنهم: (يسبحون الليل والنهار لا يفترون) الأنبياء/٢٠.
وقد شهد الملائكة بوحدانية الله كما قال سبحانه: (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم) آل عمران/١٨.
وفي مقام التشريف اصطفى الله من الملائكة رسلاً كما اصطفى من الناس رسلاً: (الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس) الحج/٧٥.
ولما خلق الله آدم وأراد تشريفه أمر الملائكة بالسجود له: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين) البقرة/٣٤.
والملائكة خلق عظيم ولهم أعمال متعددة وهم طوائف كثيرة لا يعلمهم إلا الله فمنهم حملة العرش: (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا) غافر/٧.
ومنهم من ينزل بالوحي على الرسل وهو جبريل ﵇ الذي نزل بالقرآن على محمد ﷺ : (نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين) الشعراء/١٩٣.
ومنهم ميكائيل الموكل بالقطر والنبات وإسرافيل الموكل بالنفخ بالصور عند قيام الساعة.
ومنهم الحفظة الموكلون بحفظ بني آدم وأعمالهم: (وإن عليكم لحافظين، كراماً كاتبين، يعلمون ما تفعلون) الانفطار/١٠-١٢.
ومنهم الموكلون بكتابة الأعمال كلها خيراً كانت أو شراً: (إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) ق/١٧-١٨.
ومنهم الموكلون بقبض أرواح المؤمنين: (الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون) النحل/٣٢.
ومنهم الموكلون بقبض أرواح الكافرين: (ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق) الأنفال/٥٠.
ومنهم خزنة الجنة وخدم أهل الجنة: (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار) الرعد/٢٣.
ومنهم خزنة جهنم: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد) التحريم/٦.
ومنهم المجاهدون مع المؤمنين: (إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان) الأنفال/١٢.
وفي ليلة القدر من شهر رمضان تنزل الملائكة ليشهدوا الخير مع المسلمين كما قال سبحانه: (ليلة القدر خير من ألف شهر، تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر) القدر/٣-٤.
والملائكة لا تدخل بيتاً فيه تمثال أو صورة أو كلب قال النبي ﷺ : (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة) رواه مسلم/٢١٠٦.
والإيمان بالملائكة ركن من أركان الإيمان ومن جحدهم فقد كفر: (ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالاً بعيداً) النساء/١٣٦.
[الْمَصْدَرُ]
من كتاب أصول الدين الإسلامي للشيخ محمد بن ابراهيم التويجري.
стр. 149
عدد الملائكة مع كل شخص
[السُّؤَالُ]
ـ[ما عدد الملائكة الذين يكونون مع المسلم وما وظيفتهم؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الملائكة الكرام يصحبون بني آدم من يوم تكوينهم في بطون أمهاتهم حتى نزع أرواحهم من أجسادهم يوم موتهم، وهم أيضاً يصحبونهم في قبورهم وفي الآخرة.
ـ أما صحبتهم له في الدنيا فتكون كما يلي:
أولا: يقومون عليه عند خلقه.
عن أنس عن النبي ﷺ قال: وكَّل الله بالرحم ملَكاً، فيقول: أي رب نطفة؟ أي رب علقة؟ أي رب مضغة؟ فإذا أراد الله أن يقضي خلقها قال: أي رب ذكر أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب كذلك في بطن أمه.
رواه البخاري (٦٥٩٥) ومسلم (٢٦٤٦) واللفظ للبخاري.
ثانيا: حراستهم لابن آدم.
قال تعالى: ﴿سوآءٌ منكم مَن أسرَّ القول ومَن جهر به ومَن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار. له معقِّبات مِن بين يديه ومِن خلفه يحفظونه من أمر الله﴾ [الرعد/١٠-١١] .
وقد بين ترجمان القرآن ابن عباس أن المعقبات مِن الله هم الملائكة جعلهم الله ليحفظوا الإنسان من أمامه ومن ورائه، فإذا جاء قدر الله - الذي قدّر عليه أن يقع به من حادث ومصاب ونحوه - تخلوا عنه.
وقال مجاهد: ما من عبد إلا له ملَك موكل بحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام، فما منها شيء يأتيه إلا قال له الملك: وراءك، إلا شيء أذن الله فيه فيصيبه.
وقال رجل لعلي بن أبي طالب: إن نفرا من مراد يريدون قتلك، فقال - أي: علي -: إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يُقدَّر، فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه، إن الأجل جُنَّة حصينة.
والمعقبات المذكورة في آية الرعد هي المرادة بالآية الأخرى: ﴿وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون﴾ .
فالحفظة الذي يرسلهم الله يحفظون العبد حتى يأتي أجله المقدر له.
ثالثا: الملائكة الذين يكتبون الحسنات والسيئات.
ما من أحد من الناس إلا وله ملكان يكتبان أعماله من الخير والشر من صغير أو كبير، قال تعالى: ﴿وإن عليكم لحافظين، كراماً كاتبين، يعلمون ما تفعلون﴾ [الانفطار/١٠ -١٢] .
وقال تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد، إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ [ق/١٦-١٨]
ويكتب صاحب اليمين الحسنات وصاحب الشمال يكتب السيئات.
عن أبي أمامة: أن رسول الله ﷺ قال: إن صاحب الشمال ليرفع القلم ست ساعات عن العبد المسلم المخطئ، فإن ندم واستغفر الله منها ألقاها، وإلا كتبت واحدة.
رواه الطبراني في " المعجم الكبير " (٨ / ١٥٨) .
والحديث: صححه الشيخ الألباني في " صحيح الجامع " (٢ / ٢١٢) .
وإذا علمنا هذا تبين أن عدد الذين يصحبون ابن آدم بعد ولادته: أربعة ملائكة.
قال ابن كثير ﵀:
وقوله: ﴿له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله﴾ أي: للعبد ملائكة يتعاقبون عليه حرس بالليل وحرس بالنهار، يحفظونه من الأسواء والحادثات، كما يتعاقب ملائكة آخرون لحفظ الأعمال من خير أو شر ملائكة بالليل وملائكة بالنهار.
فاثنان عن اليمين والشمال يكتبان الأعمال صاحب اليمين يكتب الحسنات وصاحب الشمال يكتب السيئات.
وملكان آخران يحفظانه ويحرسانه، واحد من ورائه وآخر من قدامه.
فهو بين أربعة أملاك بالنهار وأربعة آخرين بالليل. " تفسير ابن كثير " (٢ / ٥٠٤) .
والله أعلم
وللمزيد يراجع السؤال رقم ٨٤٣.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 150
حكم وصف الممرضات بملائكة الرحمة
[السُّؤَالُ]
ـ[نقرأ ونسمع كثيراً من عامة الناس وكتابهم وشعرائهم من يصف في كتابه أو شعره الممرضات بأنهن ملائكة الرحمة؟ هل يجوز ذلك؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الوصف لا يجوز إطلاقه على الممرضات، لأن الملائكة ذكور وليسوا إناثاً، وقد أنكر الله سبحانه على المشركين وصفهم الملائكة بالأنوثية، ولأن ملائكة الرحمة لهم وصف خاص لا ينطبق على الممرضات ولأن الممرضات فيهن الطيب والخبيث , فلا يجوز إطلاق هذا الوصف عليهن. والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
كتاب مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀. م/٨ ص / ٤٢٣.
стр. 151
هل يصلي على الملائكة في التشهد ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز أن أصلي على الملائكة في التشهد كما أصلي على النبي ﷺ ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سبق في جواب السؤال رقم (١٠٥٣٣٠) مشروعية الصلاة على الملائكة.
أما في التشهد فلا يشرع ذلك، لأن الواجب الاقتصار على ما ثبت عن النبي ﷺ ، من غير زيادة عليه.
وقد سئل الشيخ صالح الفوزان: هل يصلي على الملائكة في التشهد كما يصلي على النبي ﷺ ؟
فأجاب:
"لا، الصلاة التي في التشهد يُقتصر فيها على الوارد، ولكن في قولنا: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) هذا يشمل كل عبد صالح في السماء أو في الأرض، وتدخل فيه الملائكة ".
"مجموع فتاوى الشيخ صالح الفوزان" (١/٥٢)
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 152
مشروعية الصلاة على الملائكة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل تجوز الصلاة على الملائكة لفضلهم ورفعة قدرهم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"الصلاة على الملائكة مشروعة أن تقول: عليهم الصلاة والسلام، وتقول: ﵈، لأنهم عبادٌ مكرمون، وهم خلق من خلق الله فضلهم الله وسبحانه وتعالى، على غيرهم كما قال تعالى في حقهم: (بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ) الأنبياء/ ٢٦، وكما قال تعالى: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ) الانفطار/١٠،١١، وقال تعالى (بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ) عبس/١٥،١٦، إلى غير ذلك، فهم لهم قدرهم ولهم فضلهم وشرفهم ويُشرع الصلاة عليهم، لا مانع من ذلك، بل هذا مشروع" انتهى.
"مجموع فتاوى الشيخ صالح الفوزان" (١/٥٢) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 153
الملائكة
[السُّؤَالُ]
ـ[ماذا تعتقد في الملائكة بخصوص وظيفتهم، هيئتهم، أشكالهم، قوتهم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الإيمان بالملائكة أحد أركان الإيمان الستة التي لا يقوم الإيمان إلا بها، ومن لم يؤمن بواحدة منها فليس بمؤمن، وهي: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشرّه من الله تعالى.
والملائكة من عالم الغيب الذي لا نُدركه، وقد أخبرنا الله عنهم بأخبار كثيرة في كتابه وعلى لسان رسوله محمد ﷺ ، وفيما يلي طائفة من المعلومات الصحيحة والأخبار الثابتة الواردة فيهم، لعلك أيتها السائلة الكريمة تقدّرين الأمر حقّ قدره وتعلمين عظمة الخالق سبحانه وعظمة هذا الدّين الذي جاءنا بأخبارهم:
من أيّ شيء خلقوا؟ :
خلقوا من نور كما قالت عَائِشَةُ ﵂: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ ". رواه مسلم رقم ٢٩٩٦
متى خلقوا؟ :
ليس لنا علم على وجه التحديد بوقت خلقهم لعدم ورود النص في ذلك لكنهم سابقون لخلق الإنس يقينا لنص القرآن: ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة﴾ سورة البقرة آية ٣٠. فأخبرهم بإرادته خلق الإنسان فدلّ على أنهم موجودون قبله.
عظم خلقهم:
يقول تعالى في ملائكة النار: ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ سورة التحريم آية ٦.
وأعظمه على الإطلاق جبريل ﵇ ومما جاء في وصفه:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود قَالَ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ وَلَهُ سِتُّ مِائَةِ جَنَاحٍ كُلُّ جَنَاحٍ مِنْهَا قَدْ سَدَّ الأُفُقَ يَسْقُطُ مِنْ جَنَاحِهِ مِنَ التَّهَاوِيلِ وَالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ. رواه أحمد في المسند قال ابن كثير في البداية ١/٤٧ إسناده جيد.
وقال رسول الله واصفا جبريل: " رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ " رواه مسلم رقم ١٧٧
ومن الملائكة العظام أيضا حَمَلة العرش ومما جاء في وصفهم: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِائَةِ عَامٍ ". سنن أبي داود: كتاب السنة: باب في الجهمية.
لهم أجنحة:
يقول الله تعالى: ﴿الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شئ قدير﴾ . سورة فاطر آية ١
جمالهم:
قال تعالى واصفا جبريل ﵇: ﴿علمه شديد القوى. ذو مرة فاستوى﴾ سورة النجم آية ٥-٦ قال ابن عباس: ﴿ذو مرة﴾ ذو منظر حسن، وقال قتادة: ذو خَلْق طويل حسن.
وقد تقرر عند الناس جميعا وصف الملائكة بالجمال ولذا فهم يشبّهون الجميل من البشر بالملائكة كما قالت النسوة في حق يوسف الصديق: ﴿فلما رأينه أكبرنه وقطّعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم﴾ . سورة يوسف آية ٣١
تفاوتهم في الخلق والمقدار:
الملائكة ليسوا على درجة واحدة في الخلق والمقدار بل يتفاوتون كما يتفاوتون في الفضل كذلك فأفضلهم من شهد بدرا كما جاء في حديث مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ عَنْ أَبِيهِ وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ قَالَ جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَا تَعُدُّونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ قَالَ: مِنْ أَفْضَلِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا قَالَ وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الْمَلائِكَةِ. رواه البخاري رقم ٣٩٩٢
لا يأكلون ولا يشربون:
ويدل على هذا ما جرى بين خليل الرحمن إبراهيم وأضيافه من الملائكة لما زاروه، قال تعالى: ﴿فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم قال ألا تأكلون فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم﴾ .سورة الذاريات آية ٢٨
وفي آية أخرى: ﴿فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط﴾ .سورة هود أية ٧٠
لا يملون ولا يتعبون من ذكر الله وعبادته:
قال تعالى: ﴿يسبحون الليل والنهار لا يَفْتُرون﴾ سورة الأنبياء آية ٢٠، وقال سبحانه: ﴿فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون﴾ سورة فصلت آية ٣٨.
عددهم:
الملائكة خلق كثير لا يعلم عددهم إلا الله يقول النبي ﷺ واصفا البيت المعمور في السماء السابعة: " فرفع لي البيت المعمور فسألت جبريل فقال هذا البيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم " رواه البخاري. فتح رقم ٣٢٠٧
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا ". رواه مسلم رقم ٢٨٤٢
أسماؤهم:
للملائكة أسماء لكننا لا نعلم من أسمائهم إلا القليل فمن نُصّ على اسمه وجب الإيمان به تفصيلا وإلا كان الإيمان به مجملا داخلا في عموم إيمان العبد بالملائكة، ومن أسماء الملائكة:
١، ٢ - جبريل وميكائيل:
﴿قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين، من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين﴾ سورة البقرة آية ٩٨.
٣ - إسرافيل:
عن أَبُي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ يَفْتَتِحُ صَلاتَهُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَتْ: كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلاتَهُ اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ". رواه مسلم رقم ٢٧٠.
٤- مالك:
وهو خازن النار قال تعالى: ﴿ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك..﴾ سورة الزخرف آية ٧٧.
٥، ٦ - منكر ونكير:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ أَوْ قَالَ أَحَدُكُمْ أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ يُقَالُ لأَحَدِهِمَا الْمُنْكَرُ وَالآخَرُ النَّكِيرُ فَيَقُولانِ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ فَيَقُولُ مَا كَانَ يَقُولُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَيَقُولانِ قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ هَذَا ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ ثُمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ نَمْ فَيَقُولُ أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي فَأُخْبِرُهُمْ فَيَقُولانِ نَمْ كَنَوْمَةِ الْعَرُوسِ الَّذِي لا يُوقِظُهُ إِلا أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُنَافِقًا قَالَ سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ فَقُلْتُ مِثْلَهُ لا أَدْرِي فَيَقُولانِ قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ ذَلِكَ فَيُقَالُ لِلأَرْضِ الْتَئِمِي عَلَيْهِ فَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ فَتَخْتَلِفُ فِيهَا أَضَْاعُهُ فلا يَزَالُ فِيهَا مُعَذَّبًا حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ". رواه الترمذي رقم ١٠٧١ وقَالَ أَبو عِيسَى: حديثٌ حَسَنٌ غَرِيب وحسنه في صحيح الجامع رقم ٧٢٤.
٧، ٨ - هاروت وماروت:
يقول تعالى: ﴿وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت﴾ سورة البقرة آية ١٠٢ ومنهم غير ذلك ﴿وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر﴾ سورة المدثر آية٣١ ومنهم غير ذلك
قدراتهم
للملائكة قدرات عظيمة وهبهم الله إياها ومنها:
قدرتهم على التشكل:
أعطى الله الملائكة القدرة على التشكل بغير أشكالهم فقد أرسل الله إلى مريم جبريل في صورة بشر يقول تعالى: ﴿فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشر سويا﴾ سورة مريم آية ١٧.
وإبراهيم جاءته الملائكة في صورة بشر ولم يعرف أنهم ملائكة حتى أعلموه بذلك، وكذا لوط أتوه في صورة شباب حسان الوجوه، وقد كان جبريل يأتي النبي في صور متعددة فتارة يأتي في صورة دحية الكلبي وكان صحابيا جميل الصورة، وتارة في صورة أعرابي ورآه الصحابة على صورته البشرية كما في الصحيحين من حديث عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ وَقَالَ يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلامِ .... الحديث. صحيح مسلم رقم ٨
وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة الدالة على تصورهم بالصور الآدمية كحديث قاتل المائة وفيه " فجاءهم ملك في صورة آدمي " وحديث الأبرص والأقرع والأعمى.
سرعتهم:
أعظم سرعة يعرفها البشر اليوم سرعة الضوء وسرعة الملائكة فوق هذه السرعة بكثير إذ أن السائل ما كاد يفرغ من سؤال النبي إلا وقد جاء جبريل بالجواب من رب العزة.
وظائفهم:
· منهم الموكل بالوحي من الله على رسله وهو الروح الأمين جبريل ﵇ قال الله تعالى: ﴿من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله﴾ سورة البقرة آية ٩٧ وقال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ (١٩٤) ﴾ سورة الشعراء.
· ومنهم الموكل بالمطر وتصريفه إلى حيث يشاء الله وهو ميكائيل ﵇، وله أعوان يفعلون ما يأمرهم به بأمر ربه ويصرفون الرياح والسحاب كما يشاء الله .
· ومنهم الموكل بالصور وهو إسرافيل (والصور هو عنق كالبوق ينفخ فيه إسرافيل عند قيام الساعة) .
· ومنهم المُوكّل بقبض الأرواح وهو ملك الموت وأعوانه قال تعالى: ﴿قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون﴾ سورة السجدة آية ١١. ولم يثبت في حديث صحيح تسميته بعزرائيل.
· ومنهم المُوكّل بحفظ العبد في حله وترحاله، في يقظته ونومه وفي كل حالاته وهم المعقبات الذين قال الله في شأنهم: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠) لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١) ﴾ سورة الرعد.
· ومنهم المُوكّل بحفظ عمل العبد من خير أو شر وهم الكرام الكاتبون وهؤلاء يشملهم قوله تعالى: ﴿ويرسل عليكم حفظة﴾ سورة الأنعام آية ٦١، وقال تعالى: ﴿أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون﴾ سورة الزخرف آية ٨٠، وقال : ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد ٌ (١٨) ﴾ سورة ق، وقال: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِين َ (١١) ﴾ سورة الإنفطار
· ومنهم الموكل بفتنة القبر وهم منكر ونكيرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ أَوْ قَالَ أَحَدُكُمْ أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ يُقَالُ لأَحَدِهِمَا الْمُنْكَرُ وَالآخَرُ النَّكِيرُ فَيَقُولانِ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ... الحديث وقد تقدّم.
· ومنهم خزنة الجنة قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣) ﴾ سورة الزمر.
· ومنهم خزنة جهنم وهم الزبانية ورؤساؤهم تسعة عشر ومُقدَّمهم مالك ﵇، قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١) ﴾ سورة الزمر، وقال سبحانه: ﴿فليدع ناديه (١٧) سندع الزبانية (١٨) ﴾ سورة العلق، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا..﴾ سورة المدثر، وقال تعالى: ﴿ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون﴾ سورة الزخرف آية ٧٧.
· ومنهم الموكل بالنطفة في الرَّحِم كما في حديث ابن مسعود ﵁ قال: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ فَوَالَّذِي لا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا. رواه البخاري فتح رقم ٣٢٠٨ ومسلم رقم ٢٦٤٣.
· ومنهم حملة العرش قال تعالى في شأنهم: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم﴾ سورة غافر آية ٧.
· ومنهم ملائكة سياحون في الأرض يتبعون مجالس الذكر، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ قَالَ فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا قَالَ فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ مَا يَقُولُ عِبَادِي قَالُوا يَقُولُونَ يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ قَالَ فَيَقُولُ هَلْ رَأَوْنِي قَالَ فَيَقُولُونَ لا وَاللَّهِ مَا رَأَوْكَ قَالَ فَيَقُولُ وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي قَالَ يَقُولُونَ لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَتَحْمِيدًا وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا قَالَ يَقُولُ فَمَا يَسْأَلُونِي قَالَ يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ قَالَ يَقُولُ وَهَلْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُ فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً قَالَ فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ قَالَ يَقُولُونَ مِنْ النَّارِ قَالَ يَقُولُ وَهَلْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُ فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً قَالَ فَيَقُولُ فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ قَالَ يَقُولُ مَلَكٌ مِنْ الْمَلائِكَةِ فِيهِمْ فُلانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ قَالَ هُمْ الْجُلَسَاءُ لا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ. رواه البخاري فتح رقم ٦٤٠٨
· ومنهم الموكل بالجبال عن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ قَالَ لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الأَخْشَبَيْنِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا. رواه البخاري فتح رقم ٣٢٣١
· ومنهم زُوّار البيت المعمور قال النبي ﷺ كما في حديث الإسراء والمعراج الطويل: فَرُفِعَ لِي الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ فَقَالَ هَذَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ إِذَا خَرَجُوا لَمْ يَعُودُوا إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِم ْ.
· ومنهم ملائكة صفوف لا يفترون وقيام لا يجلسون، وركع وسجود لا يرفعون كما جاء عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ وَأَسْمَعُ مَا لا تَسْمَعُونَ أَطَّتْ السَّمَاءُ (صوّتت وضجّت) وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلاّ وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ (الطّرُق) تَجْأَرُونَ (تتضرّعون) إِلَى اللَّهِ. سنن الترمذي رقم ٢٣١٢
هذه خلاصة عن ملائكة الله الكرام نسأل الله أن يجعلنا من المؤمنين بهم المحبين لهم وصلى الله على نبينا محمد.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 154
كيف تعلم الملائكة ما في قلب الإنسان ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[في بعض الأحيان الشخص يقول دعاء دخول الحمام ـ أكرمكم الله ـ في نفسه، أو يبسمل في نفسه؛ فهل حديث النفس الداخلي هل يعلمه الملائكة الحفظة؟ ويسجل علينا وسنحاسب عنه؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
روى البخاري (٦٤٩١) ومسلم (١٣١) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً) .
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١١/٣٢٥) :
" وفيه دليل على أن الملك يطَّلع على ما في قلب الآدمي؛ إما بإطلاع الله إياه، أو بأن يخلق له علما يدرك به ذلك.
ويؤيد الأول: ما أخرجه بن أبي الدنيا عن أبي عمران الجوني، قال: ينادى الملك اكتب لفلان كذا وكذا، فيقول يا رب: إنه لم يعمله، فيقول: إنه نواه.
وقيل: بل يجد الملك للهم بالسيئة رائحة خبيثة، وبالحسنة رائحة طيبة وأخرج، ذلك الطبري عن أبي معشر المدني، وجاء مثله عن سفيان بن عيينة "
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن قوله ﷺ :
(إذا هم العبد بالحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة.... الحديث) فإذا كان الهم سرا بين العبد وبين ربه فكيف تطلع الملائكة عليه؟
فأجاب: " الحمد لله، قد روي عن سفيان بن عيينة فى جواب هذه المسألة قال: " أنه إذا هم بحسنة شم الملك رائحة طيبة، وإذا هم بسيئة شم رائحة خبيثة ".
والتحقيق أن الله قادر أن يعلم الملائكة بما فى نفس العبد كيف شاء " انتهى.
"مجموع الفتاوى " (٤/٢٥٣)
وقال ﵀ أيضا:
" وهم وإن شموا رائحة طيبة ورائحة خبيثة، فعلمهم لا يفتقر إلى ذلك، بل ما فى قلب ابن آدم يعلمونه، بل ويبصرونه ويسمعون وسوسة نفسه، بل الشيطان يلتقم قلبه؛ فاذا ذكر الله خنس، وإذا غفل قلبه عن ذكره وسوس، ويعلم هل ذكر الله أم غفل عن ذكره، ويعلم ما تهواه نفسه من شهوات الغى فيزينها له!!
وقد ثبت فى الصحيح عن النبى فى حديث ذكر صفية رضى الله عنها (إن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم)
وقرب الملائكة والشيطان من قلب ابن آدم مما تواترت به الآثار، سواء كان العبد مؤمنا أو كافرا " انتهى من "مجموع الفتاوى" (٥/٥٠٨) .
وأما الذكر في النفس من غير حركة اللسان به، فإن صاحبه يثاب على ذلك لكن ليس الثواب الخاص المرتب من الشارع على من أتى بذلك الذكر فإن ذلك الثواب مرتب على القول، والقول لا يتحقق من غير لفظ باللسان، لكن من أهل العلم من يرى أن حركة اللسان تكفي ولو لم يصدر صوت يسمعه المتلفظ، وهذا ما ذهب إليه المالكية ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، قال ابن مفلح ﵀ في "الفروع" (١/٤١٠) : " واختار شيخنا –يعني ابن تيمية- الاكتفاء بالحروف وإن لم يسمعها " انتهى.
وجمهور أهل العلم يرون أنه لا بد من لفظ يسمعه نفسه، قال النووي ﵀ في شرح المهذب (٣/١٢٠) : " فإن لم يسمع نفسه فليس ذلك بأذان ولا كلام " انتهى.
وقال أيضا: " اعلم أن الأذكار المشروعة في الصلاة وغيرها، واجبة كانت أو مستحبة، لا يحسب شيء منها ولا يعتد به حتى يتلفظ به بحيث يسمع نفسه إذا كان صحيح السمع لا عارض له " الأذكار (٤٢) .
وأما حساب الإنسان على ما تحدثه به نفسه، فقد سبق الإجابة عنه في السؤال رقم (٩٩٣٢٤)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 155
إبليس ليس من الملائكة
[السُّؤَالُ]
ـ[صديقي قال بأن الشيطان كان من الملائكة وزوجتي تقول بأن هذا غير صحيح. هل يمكن أن تعطيني بعض المعلومات؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لم يكن إبليس من الملائكة قطعاً، ويدل على ذلك أشياء ثلاثة:
تصريح القرآن، وصفات إبليس الخَلقية، وصفاته الخُلُقية.
١. أما تصريح القرآن بذلك، فقد جاء في قوله تعالى: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن﴾ الكهف /٥٠.
قال الحسن البصري: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين، وإنه لأصل الجن، كما أن آدم ﵇ أصل البشر.
رواه الطبري بإسناد صحيح كما قال ابن كثير في " تفسيره " (٣/٨٩) .
٢. وأما الصفات الخَلقية، فقد ذكر الله تعالى أنه خلق إبليس من نار، فقال ﴿خَلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار﴾ الرحمن / ١٤،١٥. وثبت في صحيح مسلم (٢٩٩٦) من حديث عائشة ﵂، عن النبي ﷺ ، قال: " خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم ".
المارج لهب النار الصافي، أو الذي خالطه الدخان، (تفسير السعدي ٧/٢٤٨) ، (لسان العرب ٢/٣٦٥)
فتبين الفرق بين خلق الملائكة وبين خلق إبليس، فعلم قطعاً أنه ليس منهم.
٣. وأما الصفات الخُلُقية، فإن إبليس قد عصى الله تعالى في عدم سجوده لآدم، وقد علِمنا من القرآن أن الملائكة لا يمكن لهم أن يعصون الله تعالى، قال الله ﴿لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ التحريم / ٦.
وقد ورد عن بعض السلف آثار غير صحيحة منها أنه طاووس الملائكة، وأنه من خزنة الجنة..الخ، وقد علَّق على ذلك الإمام ابن كثير فقال:
وقد رُوي في هذا آثار كثيرة عن السلف وغالبها من الإسرائيليات التي تُنقل لينظر فيها والله أعلم بحال كثير منها، ومنها ما قد يُقطع بكذبه لمخالفته للحق الذي بأيدينا، وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة؛ لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان، وقد وضع فيها أشياء كثيرة، وليس لهم من الحفاظ المتقنين الذي ينفون عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين كما لهذه الأمة من الأئمة والعلماء والسادة والأتقياء والبررة والنجباء من الجهابذة النقاد والحفاظ الجياد الذين دونوا الحديث وحرروه وبينوا صحيحه من حسنه من ضعيفه من منكره وموضوعه ومتروكه ومكذوبه وعرفوا الوضاعين والكذابين والمجهولين وغير ذلك من أصناف الرجال كل ذلك صيانة للجناب النبوي والمقام المحمدي خاتم الرسل وسيد البشر ﷺ أن ينسب إليه كذب أو يحدث عنه بما ليس منه فرضي الله عنهم وأرضاهم وجعل جنات الفردوس مأواهم. أ. هـ " تفسير القرآن العظيم " (٣/٩٠) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 156
تشكل الملائكة على صورة البشر، ومن يراهم على صورتهم الحقيقية ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل صحيح أن الأطفال ينظرون إلى الملائكة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
خلق الله تعالى الإنسان من تراب، وخلق الجان من نار، وخلق الملائكة من نور، وقد ثبت بالنصوص القطعية أنه لا يمكن أن يرى الناس الجنَّ، إلا إن تشكلوا بصور أخرى كالبشر والبهائم، ولا تُرى الملائكة على أصل خلقتها من عامة الناس إلا وهي متشكلة على صور بشر.
وفي جواب السؤال رقم (٧٠٣٦٤) تفصيل وافٍ في استحالة رؤية الملائكة من قبَل عامة الناس على أصل خلقتها، وأن ذلك لم يكن لأحدٍ من هذه الأمة إلا لرسول الله ﷺ .
وأما تشكل الملائكة على صورة أحدٍ من البشر فقد ثبت ذلك في القرآن وصحيح السنَّة، وإذا جاء الملَك متشكلاًّ أمكن الجميع أن يروه، ولا فرق بين ذكر وأنثى، ولا صغير وكبير.
ولا يستطيع أحدٌ الجزم بأن ما يراه من الأشخاص أنه من الملائكة، فإن إثبات أنهم ملائكة متوقف على وحي من الله ، وأنَّى ذلك بعد رسول الله ﷺ ؟!
وقد تشكل الملائكة على صورة بشر وجاءوا لإبراهيم ولوط ﵉ فلم يعلما بحقيقتهما حتى أخبرتهم الملائكة، فغيرهم من الناس أولى بعدم تلك المعرفة.
ومن أدلة تشكل الملائكة، وإمكان رؤيتهم على هيئتهم المتشكَّلة:
١. قال تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا. فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا. قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا. قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا) مريم/١٦-١٩.
٢. وقال تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ. إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ. فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ. فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ. فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ) الذاريات/٢٤-٢٨.
٣. وقال تعالى: (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ) هود/٧٧.
٤. عن عُمَر بْن الْخَطَّابِ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ وَقَالَ يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنْ الْإِسْلَامِ ... قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنْ السَّائِلُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ.
رواه البخاري (٨) .
٥. قصة اختبار الأبرص والأقرع والأعمى من بني إسرائيل، وفيها أن ملَكاً بعثه الله على صورة بشر ليخبرهم.
رواه البخاري (٣٢٧٧) ومسلم (٢٩٦٤) .
٦. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى فَأَرْصَدَ اللَّهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ أَيْنَ تُرِيدُ قَالَ أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ قَالَ هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا قَالَ لَا غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللَّهِ قَالَ فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ.
رواه مسلم (٢٥٦٧) .
وغير ذلك من الأدلة الصحيحة، والتي يتبين من خلالها أنه يُمكن رؤية الملائكة لكن على الصورة التي أمرهم الله تعالى بالتشكل بها، وحينها يراه كل من يقدر الله تعالى له رؤيته.
ومن ادَّعى أنه يرى الملائكة على أصل خلقتها فهو كاذب أو واهم، وقد رأى النبي ﷺ جبريل على صورته الحقيقية وقد سدَّ الأفق له ستمائة جناح، فمن ذا الذي زعم أنه رآه في ذلك الوقت؟! فظهر بهذا أنه لا يوجد أحد من هذه الأمة يمكنه رؤية الملائكة على صورتها الحقيقية إلا النبي ﷺ ، وأما الأطفال فكغيرهم من الناس فإنه لا يمكنهم رؤيتهم إلا بالتشكل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
ولهذا كان البشر يعجزون عن رؤية الملَك في صورته إلا من أيَّده الله، كما أيَّد نبيَّنا ﷺ ، قال تعالى: (وقالوا لولا أُنزل عليه ملَك ولو أنزلنا ملَكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون. ولو جعلناه ملَكا لجعلناه رجلاً وللبسنا عليهم ما يلبسون) الأنعام/٨،٩، قال غير واحد من السلف: هم لا يطيقون أن يروا الملَك في صورته، فلو أنزلنا إليهم ملكاً: لجعلناه في صورة بشر، وحينئذ كان يشتبه عليهم هل هو ملَك أو بشر، فما كانوا ينتفعون بإرسال الملَك إليهم فأرسلنا إليهم بشراً مِن جنسهم يمكنهم رؤيته والتلقي عنه، وكان هذا من تمام الإحسان إلى الخلق والرحمة.
" منهاج السنة النبوية " (٢ / ٣٣٣) .
وانظر تفصيلاً وافياً في الملائكة في جواب السؤال رقم: (٨٤٣) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 157
الملائكة هل يموتون، وهل هم ذكور ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[عن الملائكة: هل يموتون؟ وهل هناك ملائكة ذكور وإناث؟ وهل يكون بينهم تناسل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
الذي عليه أكثر الناس أن الملائكة يموتون، وأن ملك الموت يموت، لكن ليس في هذا نص صحيح صريح، بل جاء فيه نصوص محتملة، وجاء فيه حديث الصور المشهور، وهو حديث منكر. انظر: ضعيف الترغيب والترهيب رقم (٢٢٢٤) .
ومما ورد في هذا الباب، قوله تعالى: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) القصص/٨٨
قال ابن كثير ﵀: " يخبر تعالى أن جميع أهل الأرض سيذهبون ويموتون أجمعون، وكذلك أهل السماوات إلا من شاء الله، ولا يبقى أحد سوى وجهه الكريم؛ فإن الرب تعالى وتقدس لا يموت، بل هو الحي الذي لا يموت أبدا " (تفسير القرآن العظيم ٤/٢٧٣) .
وقال تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) الزمر/٦٨
وروى البخاري (٧٣٨٣) ومسلم (٢٧١٧) عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يقول: اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون) .
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: هل جميع الخلق حتى الملائكة يموتون؟
فأجاب: " الذي عليه أكثر الناس أن جميع الخلق يموتون حتى الملائكة، وحتى عزرائيل ملك الموت، وروي في ذلك حديث مرفوع إلى النبي ﷺ .
والمسلمون واليهود والنصارى متفقون على إمكان ذلك وقدرة الله عليه، وإنما يخالف في ذلك طوائف من المتفلسفة أتباع أرسطو وأمثالهم، ومن دخل معهم من المنتسبين إلى الإسلام أو اليهود والنصارى، كأصحاب رسائل إخوان الصفا وأمثالهم ممن زعم أن الملائكة هي العقول والنفوس، وأنه لا يمكن موتها بحال، بل هي عندهم آلهة وأرباب لهذا العالم.
والقرآن وسائر الكتب تنطق بأن الملائكة عبيد مدبرون كما قال سبحانه (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً) ، وقال تعالى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ* يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى) ، وقال: (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى) . والله سبحانه قادر على أن يميتهم ثم يحييهم، كما هو قادر على إماتة البشر والجن ثم إحيائهم، وقد قال سبحانه (وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) .
وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ من غير وجه، وعن غير واحد من الصحابة أنه قال: (إن الله إذا تكلم بالوحي أخذ الملائكة مثل الغشي) وفى رواية (إذا سمعت الملائكة كلامه صعقوا) وفى رواية (سمعت الملائكة كجرّ السلسلة على الصفوان فيصعقون فإذا فزع عن قلوبهم) أي أزيل الفزع عن قلوبهم (قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق فينادون الحق الحق) .
فقد أخبر في هذه الأحاديث الصحيحة أنهم يصعقون صعق الغشي، فإذا جاز عليهم صعق الغشي جاز صعق الموت
وأما الاستثناء [أي قوله سبحانه: إلا من شاء الله] فهو متناول لمن دخل في الجنة من الحور العين، فإن الجنة ليس فيها موت، ومتناول لغيرهم، ولا يمكن الجزم بكل من استثناه الله، فإن الله أطلق في كتابه، وقد ثبت في الصحيح أن النبي قال (إن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فأجد موسى آخذا بساق العرش فلا أدرى هل أفاق قبلي أم كان ممن استثناه الله) ... ؛ فإذا كان النبي ﷺ لم يخبر بكل من استثنى الله لم يمكنا نحن أن نجزم بذلك، وصار هذا مثل العلم بوقت الساعة وأعيان الأنبياء، وأمثال مما لم يخبر به، وهذا العلم لا ينال إلا بالخبر، والله أعلم
" انتهى من "مجموع الفتاوى" (٤/٢٥٩) .
وقال السيوطي ﵀: " سئلت: هل تموت الملائكة بنفخة الصعق ويحيون بنفخة البعث؟ والجواب: نعم، قال تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصَورِ فَصَعِقَ مَن فَي السَمَواتِ وَمَن فَي الأَرضِ إِلا مَن شاءَ الله) وتقدم في أول الكتاب أن المستثنى حملة العرش وجبريل وإسرافيل وميكائيل وملك الموت، وأنهم يموتون على أثر ذلك.
وتقدم عن وهب أن هؤلاء الأملاك الأربعة أول من خلقهم الله من الخلق، وآخر من يميتهم، وأول من يحييهم ".
ثم أيد كلامه بما جاء من النص على موت أهل السماء وأهل الأرض، حتى جبريل وميكائيل وإسرافيل، وحملة العرش، ثم موت ملك الموت في آخر الأمر..
انظر: الحبائك في أخبار الملائك " ص (٩١) .
لكن النص المشار إليه، والذي نقله السيوطي في كلامه، هو نفسه حديث الصور الذي أشرنا إلى ضعفه ونكارته في أول الإجابة.
وسئلت اللجنة الدائمة: أفتونا عن الملائكة الموكلين بالإنسان لإحصاء أعماله في مدة الحياة وهم رقيب وعتيد عندما يموت الإنسان، هل يموت الملكان الموكلان به أو أين يكون مصيرهما بعد وفاة الإنسان؟
فأجابت: أحوال الملائكة وشؤونهم من الغيبيات، ولا تعرف إلا من قبل السمع، ولم يرد نص في موت كتبة الحسنات والسيئات عند موت من تولوا كتابة حسناته وسيئاته، ولا نص ببقاء حياتهم ولا عن مصيرهم، وذلك إلى الله وليس ما سئل عنه مما كلفنا اعتقاده، ولا يتعلق به عمل، فالسؤال عن ذلك دخول فيما لا يعني؛ لذا ننصح السائل أن لا يدخل فيما لا يعنيه، ويبذل جهده في السؤال عما يعود عليه وعلى المسلمين بالنفع في دينهم ودنياهم " انتهى.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (٢/١٨٥)
ثانيا:
الملائكة لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة، أما الأنوثة، فلأن الله تعالى نفى ذلك عنهم فقال: (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ) الزخرف/١٩
وقال: (أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ) الصافات/١٥٠
وأما الوصف بالذكورة فلعدم وروده.
قال الحليمي في المنهاج ثم القونوي في مختصره: وقد قيل إن أصحاب الأعراف ملائكة يحبون أهل الجنة ويبكّتون أهل النار، وهو بعيد لوجهين: أحدهما قوله تعالى (وَعَلى الأَعرافِ رِجالُ) والرجال: الذكور العقلاء، والملائكة لا ينقسمون إلى ذكور وإناث، والثاني إخباره تعالى عنهم وأنهم يطمعون أن يدخلوا الجنة، والملائكة غير محجوبين عنها كيف والحيلولة بين الطامع وطمعه تعذيب له ولا عذاب يومئذ على ملك. انتهى.
نقله السيوطي في الحبائك ص (٨٨)
وقال الدكتور محمد بن عبد الرحمن الخميس: " ونقول إن من قال بأنهم إناث فقد كفر لمخالفته كتاب الله، ولا يقال إنهم ذكور؛ إذ لم يرد في ذلك نص صحيح " انتهى من "اعتقاد أهل السنة".
ثالثا:
الملائكة لا يتناكحون ولا يتناسلون، وقد حكي الاتفاق على ذلك.
قال الرازي ﵀ في تفسيره: " اتفقوا على أن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون " انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 158
حقيقة الإيمان بالملائكة
[السُّؤَالُ]
ـ[ما معنى الإيمان بالملائكة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
وبعد: فالملائكة عالم غيبي خلقهم الله من نور، يقومون بأمر الله (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) التحريم/٦.
والإيمان بالملائكة يتضمن أربعة أمور لا بد منها:
١- الإقرار الجازم بوجودهم وأنهم خلق من خلق الله، مربوبون مسخرون و (عباد مكرمون.لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) الأنبياء/٢٦:٢٧ و (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) التحريم/٦ و (لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ. يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ) الأنبياء/١٩:٢٠.
٢- الإيمان بأسماء من علمنا اسمه منهم: كجبريل، وميكائيل، وإسرافيل،،ومالك، ورضوان، وغيرهم ﵈.
٣-الإيمان بأوصاف من علمنا وصفه: كما علمنا من السنة وصف جبريل ﵇، وأن له ستمائة جناح قد سد الأفق (أي ملأ السماء) .
٤-الإيمان بأعمال من علمنا عمله منهم: فجبريل ﵇، موكل بما فيه حياة القلوب وهو الوحي، وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور، وميكائيل موكل بالمطر، ومالك موكل بالنار، وهكذا.
ومن أهم ما يجب أن نؤمن به أن كل شخص معه ملكان يكتبان عمله كما قال الله تعالى: (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) ق/١٧:١٨ أي رقيب حاضر من هؤلاء الملائكة. فإياك أيها المسلم أن يكتب هذا ن الملكان عنك ما يسوؤك يوم القيامة، فكل شيء تقوله أو تلفظ به فهو مكتوب عليك، فإذا كان يوم القيامة يخرج للعبد كتابه: (يلقاه منشورا. اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) الإسراء/١٣:١٤ نسأل الله أن يسترنا ويتجاوزنا عنا إنه سميع مجيب. والله أعلم.
انظر: أعلام السنة المنشورة (٨٦) ومجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين (٣ / ١٦٠) . وللاستزادة يراجع سؤال (٨٤٣) و (١٤٦١٠) .
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 159
ما صح من الأحاديث في وصف منكر ونكير
[السُّؤَالُ]
ـ[ماذا عن سؤال الملكين منكر ونكير في القبر وماذا عن شكلهما، وهل الحديث الخاص بهما للنبي ﷺ لعمر بن الخطاب ﵁ صحيح، وأن شكلهما يجران أشعارهما وأعينهم كالبرق وأصواتهم كالرعد ويضربان القبر بأنيابهما، ويقولان: من ربك؟ وما دينك: وما النبي الذي بعث فيكم؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
صح في صفة الملكين المُوكّلين بسؤال الميت، أنهما أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، والآخر: النكير.
فقد روى الترمذي (١٠٧١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ أَوْ قَالَ أَحَدُكُمْ أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ يُقَالُ لأَحَدِهِمَا الْمُنْكَرُ وَالآخَرُ النَّكِيرُ، فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ مَا كَانَ يَقُولُ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فَيَقُولانِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ هَذَا، ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ، ثُمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: نَمْ، فَيَقُولُ: أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي فَأُخْبِرُهُمْ، فَيَقُولَانِ: نَمْ كَنَوْمَةِ الْعَرُوسِ الَّذِي لا يُوقِظُهُ إِلا أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَ مُنَافِقًا قَالَ: سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ فَقُلْتُ مِثْلَهُ لا أَدْرِي. فَيَقُولَانِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ ذَلِكَ، فَيُقَالُ لِلأَرْضِ: الْتَئِمِي عَلَيْهِ، فَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ، فَتَخْتَلِفُ فِيهَا أَضْلاعُهُ، فَلا يَزَالُ فِيهَا مُعَذَّبًا حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ) والحديث حسنه الألباني في صحيح الترمذي.
وأما حديث عمر ﵁ الذي أشرت إليه، فقد رُوي من طرق ضعيفة، منها ما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٦٧٣٨) مرسلا عن عمرو بن دينار أن النبي ﷺ قال لعمر: (كيف بك يا عمر بفتاني القبر إذا أتياك يحفران الأرض بأنيابهما، ويطآن في أشعارهما، أعينهما كالبرق الخاطف، وأصواتهما كالرعد القاصف، معهما مزربة لو اجتمع عليها أهل منى لم يقلوها. قال عمر: وأنا على ما أنا عليه اليوم؟ قال: وأنت على ما أنت عليه اليوم. قال: إذاً أكفيكهما إن شاء الله) .
قال العراقي في تخريج الإحياء (٤/٢٢٣) : " أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب القبور هكذا مرسلا ورجاله ثقات. قال البيهقي في الاعتقاد: رويناه من وجه صحيح عن عطاء بن يسار مرسلا.
قلت: ووصله ابن بطة في الإبانة من حديث ابن عباس، ورواه البيهقي في الاعتقاد من حديث عمر وقال غريب بهذا الإسناد تفرد به مفضل، ولأحمد وابن حبان من حديث عبد الله بن عمر فقال عمر: أترد إلينا عقولنا؟ فقال " نعم كهيئتكم اليوم " فقال عمر: بفيه الحجر " انتهى.
وقال الأستاذ فريح بن صالح البهلال، في تحقيق "الاعتقاد" للبيهقي، (ص ٢٥٤) بعد أن أشار إلى الطرق الضعيفة: " ولعله بهذه الطرق والشواهد يكون إسناده حسنا " انتهى.
ثانيا:
الأسئلة التي يوجهها الملكان للميت في قبره هي: من ربك؟ وما دينك؟ وما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟
وانظر السؤال رقم (١٠٤٠٣) ، ورقم (٢٢٢٠٣) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 160
هل الملائكة والجن يموتون
[السُّؤَالُ]
ـ[هل الملائكة والجن يموتون؟ وأين يدفنون؟ وهل يصلى عليهم؟ وكم عمر كل منهم؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يقول الله تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان ٍ- وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَام ِ) الرحمن /٢٦-٢٧، قال ابن كثير ﵀: " يخبر تعالى أن جميع أهل الأرض سيذهبون ويموتون أجمعون، وكذلك أهل السماوات إلا من شاء الله، ولا يبقى أحد سوى وجهه الكريم؛ فإن الرب تعالى وتقدس لا يموت، بل هو الحي الذي لا يموت أبدا " (تفسير القرآن العظيم ٤/٢٧٣) .
وروى البخاري (٧٣٨٣) ومسلم (٢٧١٧) عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يقول: اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون)
أما قولك: أين يدفنون؟ وهل يصلى عليهم؟ وكم عمر كل منهم؟
فهذا مما حُجب عنا علمه، وقد قال الله تعالى: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلاً) الإسراء/ ٨٥، والواجب على المسلم أن يسعى ويبحث عما له أثر في سلوكه، من معرفة الله، وأسمائه وصفاته، وما يجب اعتقاده، ومعرفة الأحكام الشرعية، ويترك التعمق فيما لم يكلف بعلمه ولا فائدة فيه، أسأل الله أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 161
هل إبليس من الملائكة أم من الجن
[السُّؤَالُ]
ـ[هل كان إبليس من الملائكة أم من الجن، وهل الجن هم من الملائكة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمة الله تعالى عليه -:
وقوله في هذه الآية الكريمة: (كان من الجن ففسق عن أمر ربه) الكهف/٥٠، ظاهر في أن سبب فسقه عن أمر ربه كونه من الجن وقد تقرر في الأصول في مسلك النص، وفي مسلك الإيماء والتنبيه: أن الفاء من الحروف الدالة على التعليل كقولهم: سرق فقطت يده، أي: لأجل سرقته، وسها فسجد، أي لأجل سهوه، ومن هذا القبيل قوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) المائدة/٣٨، أي لعلة سرقتهما وكذلك قوله هنا: (كان من الجن ففسق) ، أي: لعلة كينونته من الجن؛ لأن هذا الوصف فرق بينه وبين الملائكة؛ لأنهم امتثلوا الأمر وعصى هو، ولأجل ظاهر هذه الآية الكريمة ذهبت جماعة من العلماء إلى أن إبليس ليس من الملائكة في الأصل بل من الجن، وأنه كان يتعبد معهم فأطلق عليهم اسمهم لأنه تبع لهم كالحليف في القبيلة يطلق عليه اسمها، والخلاف في إبليس هل هو ملك في الأصل فمسخه الله شيطاناً، أو ليس في الأصل بملك، وإنما شمله لفظ الملائكة لدخوله فيهم وتعبده معهم، مشهور عند أهل العلم، وحجة من قال: إن أصله ليس من الملائكة أمران:
أحدهما: عصمة الملائكة من ارتكاب الكفر الذي ارتكبه إبليس، كما قال تعالى عنهم: (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يأمرون) التحريم/٦، وقال تعالى: (لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون) الأنبياء/٢٧.
والثاني: أن الله صرح في هذه الآية الكريمة بأنه من الجن، والجن غير الملائكة، قالوا: وهذا نص قرآني في محل النزاع.
...
وممن جزم بأنه ليس من الملائكة في الأصل لظاهر هذه الآية الكريمة:الحسن البصري، ونصره الزمخشري في تفسيره.
وقال القرطبي في تفسير سورة " البقرة ": " كونه من الملائكة هو قول الجمهور: ابن عباس وابن مسعود وابن جريج وبن المسيب وقتادة وغيرهم، وهو اختيار الشيخ أبي الحسن ورجحه الطبري وهو ظاهر قوله: (إلا إبليس) . اهـ.
وما يذكره المفسرون عن جماعة من السلف كابن عباس وغيره، من أنه كان من أشراف الملائكة، ومن خزان الجنة، وأنه كان يدبر أمر السماء الدنيا، وأنه كان اسمه عزازيل، كله من الإسرائيليات التي لا معول عليها.
وأظهر الحجج في المسألة، حجة من قال: إنه غير ملك لأن قوله تعالى: (إلا إبليس كان من الجن ففسق ...) ، وهو أظهر شئ في الموضوع من نصوص الوحي، والعلم عند الله تعالى.
[الْمَصْدَرُ]
" أضواء البيان " (٤ / ١٣٠ – ١٣٢) .
стр. 162
هل يمكن للبشر رؤية الملائكة والنبي ﷺ يقظة عياناً ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[كنا قد قمنا بمسيرة احتجاجية كبيرة بالعاصمة لمساندة الشعب الفلسطيني والشعب العراقي ضد الاحتلال الإسرائيلي والأمريكي، بعد انتهاء المسيرة سمعت بعض الإخوان والأخوات يتحدثون أنهم رأوا سيدنا جبريل نازلاً من السماء وكذلك رأوا سيدنا محمد (ص) والكثير من الملائكة يرافقونهم، تأييداً لهذه المسيرة، فهل هذه المشاهدات قد تكون حقيقية ويجب علينا تصديقها وإلا سوف نعاقب بسوء الظن في إخواننا المسلمين؟ بالنسبة لي لم أستطع التصديق علما أن أهل بدر والصحابة الأجلاء العشرة المبشرين بالجنة لم يروا الملائكة الكرام بالعين المجردة ولا رأوا سيدنا جبريل! فهل نستطيع أن نقول إن هذا وهَم المشاهدة؟ أي: تخيل رؤية الشيء حتى يصبح حقيقة يصدقه العقل وتراه العين؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
سبق في جواب السؤال رقم (١١٤٦٩) بيان حكم المظاهرات فلينظر.
ثانياً:
لا ينبغي اختصار الصلاة والسلام على النبي ﷺ بحرف الصاد، ولا بكلمة " صلعم "! ومن كتب مثل هذا السؤال الطويل لا يعجزه كتابة الصلاة والسلام عليه كاملة.
وقد سبق بيان حكم كتابة هذين الاختصارين في جواب السؤال رقم (٤٧٩٧٦) فلينظر.
ثالثاً:
الملائكة خلقت من نور - كما رواه مسلم (٢٩٩٦) - ولا يمكن لأحدٍ أن يدَّعي أنه رآها على صورتها الحقيقية إلا أن يكون نبيّاً يُصدَّق قوله، وأما أن يراهم متشكلين على هيئات أحدٍ من البشر فيمكن هذا لعامة الناس وخاصتهم، وقد جاء في السنَّة النبوية من ذلك كثير، سواء في هذه الأمة أم في الأمم التي قبلها.
وإذا كان النبي ﷺ وهو موفور العقل والدين لم يحتمل رؤية جبريل ﵇ على صورته الحقيقية التي خلقه الله عليها، فكيف أطاقه هؤلاء - هذا إن سلَّمنا أنهم رأوه أصلاً -؟!
قال الشيخ عمر الأشقر:
ولما كانت الملائكة أجساماً نورانيَّة لطيفة؛ فإن العباد لا يستطيعون رؤيتهم، خاصة أن الله لم يُعطِ أبصارنا القدرة على هذه الرؤية، ولم يرَ الملائكةَ في صُوَرهم الحقيقية من هذه الأمَّة إلا الرسول ﷺ ؛ فإنه رأى جبريل مرتين في صورته التي خلَقه الله عليها، وقد دلَّت النصوص على أن البشر يستطيعون رؤية الملائكة إذا تمثَّلت الملائكة في صورة البشر.
" عالَم الملائكة الأبرار " (ص ١١) .
وقال أيضاً - في سياق إثبات بشرية الرسل والرد على من اقترح أن يكونوا من الملائكة -:
الرابع: صعوبة رؤية الملائكة، فالكفار عندما يقترحون رؤية الملائكة، وأن يكون الرسل إليهم ملائكة لا يدركون طبيعة الملائكة، ولا يعلمون مدى المشقة والعناء الذي سيلحق بهم من جراء ذلك.
فالاتصال بالملائكة ورؤيتهم أمر ليس بسهل، فالرسول ﷺ مع كونه أفضل الخلق، وهو على جانب عظيم من القوة الجسميَّة والنفسيَّة عندما رأى جبريل على صورته أصابه هول عظيم ورجع إلى منزله يرجف فؤاده، وقد كان ﷺ يعاني من اتصال الوحي به شدّة، ولذلك قال في الردّ عليهم: (يومَ يروْنَ الملائكةَ لا بُشرى يومئذٍ للمُجرمين) الفرقان/٢٢، ذلك أنَّ الكفار لا يرون الملائكة إلا حين الموت أو حين نزول العذاب، فلو قُدّر أنّهم رأوا الملائكة لكان ذلك اليوم يوم هلاكهم.
فكان إرسال الرسل من البشر ضروريّاً كي يتمكنوا من مخاطبتهم، والفقه عنهم، والفهم منهم، ولو بعث الله رسله إليهم من الملائكة لما أمكنهم ذلك (ومَا مَنَعَ النَّاس أنْ يؤمنوا إذ جاءَهُم الهُدى إلاّ أنْ قالوا أبَعَثَ اللهُ بشراً رسُولاً. قُلْ لو كان في الأرضِ ملائكةٌ يمشون مطمئنينَ لنزّلنا عليهم من السّماء ملكاً رسُولاً) الإسراء/٩٤، ٩٥، أما وأن الذين يسكنون الأرض بشر فرحمة الله وحكمته تقتضي أن يكون رسولهم من جنسهم (لَقَدْ مَنَّ اللهُ على المؤمنينَ إذْ بعثَ فيهم رسُولاً من أنفسِهِم) آل عمران/١٦٤.
وإذا كان البشر لا يستطيعون رؤية الملائكة والتلقي عنهم بيسر وسهولة فيقتضي هذا - لو شاء الله أن يرسل مَلكا رسولا إلى البشر - أن يجعله رجلا (ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لجعلناهُ رَجُلاً ولَلَبسْنا عليهم ما يلبِسون) الأنعام/٩.
والتباس الأمر عليهم بسبب كونه في صورة رجل، فلا يستطيعون أن يتحققوا من كونه ملكاً، وإذا كان الأمر كذلك فلا فائدة من إرسال الرسل من الملائكة على هذا النحو، بل إرسالهم من الملائكة على هذا النحو لا يحقق الغرض المطلوب، لكون الرسول الملك لا يستطيع أن يحس بإحساس البشر وعواطفهم وانفعالاتهم وإن تشكل بأشكالهم.
" الرسل والرسالات " (٧٢، ٧٣) .
رابعاً:
وأما رؤية النبي ﷺ يقظة فهو من أقوال المخرفين من الصوفية، ولا أصل له في الشرع ولا في واقع الحال، وقد وقعت للصحابة ﵃ أمورٌ عظيمة بعد وفاته ﷺ ، وكانوا في أمس الحاجة لوجوده بينهم، فَلِمَ لمْ يظهر لهم؟ ولم يروه وهو أحب الناس إليهم، وهم أحب الناس إليه؟!
وأما استدلال بعضهم بالحديث الذي في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة) على إمكانية رؤية النبي صلى الله عليه وسم يقظة: فليس فيه ما يدل على ما قالوه، بل هذا فيه البشرى لمن رآه في المنام أن يراه في الجنة، وليس المعنى أنه يراه يقظة في الدنيا.
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
وشذ بعض الصالحين فزعم أنها تقع - يعني الرؤية - بعيني الرأس حقيقة.
" فتح الباري " (١٢ / ٣٨٤) .
وقال النووي ﵀ في معنى قول النبي ﷺ : (فسيراني في اليقظة) : فيه أقوال:
أحدها: أن يراد به أهل عصره، ومعناه: أن من رآه في النوم ولم يكن هاجر يوفقه الله للهجرة ورؤيته ﷺ في اليقظة عياناً.
وثانيها: أنه يرى تصديق تلك الرؤيا في اليقظة في الدار الآخرة؛ لأنه يراه في الآخرة جميع أمته.
وثالثها: أنه يراه في الآخرة رؤية خاصة في القرب منه وحصول شفاعته، ونحو ذلك.
" شرح مسلم " (١٥ / ٢٦) .
ولا يتعارض ما ذكره النووي في القول الأول مع ما أنكره الحافظ ابن حجر؛ لأن النووي ذكر أنه يراد به أهل عصره ﷺ ، وما أنكره الحافظ إنما هو لمن زعم الرؤية حقيقة بعد وفاته ﷺ .
وقال أبو العباس القرطبي - ردّاً على من قال برؤيته ﷺ يقظة -:
وهذا يدرك فساده بأوائل العقول، ويلزم عليه أن لا يراه أحد إلا على صورته التي مات عليها، وأن يراه رائيان في آن واحد في مكانين، وأن يحيا الآن ويخرج من قبره ويمشي في الأسواق ويخاطب الناس ويخاطبوه، ويلزم من ذلك أن يخلو قبره من جسده ولا يبقى في قبره منه شيء، فيزار مجرد القبر ويسلم على غائب؛ لأنه جائز أن يرى في الليل والنهار مع اتصال الأوقات على حقيقته في غير قبره.
نقله عنه الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " (١٢ / ٣٨٤) .
وأيضاً لو كان صحيحاً أن أحداً يرى النبي ﷺ يقظة لكان عداده في الصحابة ولاستمرت الصحبة إلى يوم القيامة.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني أن ابن أبى جمرة نقل عن جماعة من المتصوفة " أنهم رأوا النبي ﷺ في المنام ثم رأوه بعد ذلك في اليقظة وسألوه عن أشياء كانوا منها متخوفين فأرشدهم إلى طريق تفريجها فجاء الأمر كذلك "! ثم تعقب الحافظ ذلك بقوله:
" وهذا مشكل جدّاً، ولو حمل على ظاهره: لكان هؤلاء صحابة، ولأمكن بقاء الصحبة إلى يوم القيامة، ويعكِّر عليه أن جمعاً جمّاً رأوه في المنام ثم لم يذكر واحد منهم أنه رآه في اليقظة، وخبر الصادق لا يتخلف.
" فتح الباري " (١٢ / ٣٨٥) .
وفي رد علماء اللجنة الدائمة على عقيدة التيجاني قالوا:
ولم يثبت عن الخلفاء الراشدين ولا سائر الصحابة ﵃ أن أحداً منهم وهم خير الخلق بعد الأنبياء ادعى أنه رأى النبي ﷺ يقظة، ومن المعلوم من الدين بالضرورة أن التشريع قد أكمل في حياته ﷺ ، وأن الله قد أكمل للأمة دينها وأتم عليها نعمته قبل أن يتوفى رسوله ﷺ إليه، قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِيناً) المائدة/٣، فلا شك أن ما زعمه أحمد التيجاني لنفسه من رؤية النبي ﷺ يقظة وأنه أخذ عنه الطريقة التيجانية يقظة مشافهة، وأنه عيَّن له الأوراد التي يذكر الله بها ويصلي على رسوله بها لاشك أن هذا من البهتان والضلال المبين.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٢ / ٣٢٥، ٣٢٦) .
وقالوا أيضاً:
فتوفي رسول الله ﷺ بعدما بلغ الرسالة وأكمل الله به دينه وأقام به الحجة على خلقه، وصلى عليه أصحابه ﵃ صلاة الجنازة، ودفنوه حيث مات في حجرة عائشة ﵂، وقام من بعده الخلفاء الراشدون، وقد جرى في أيامهم أحداث ووقائع فعالجوا ذلك باجتهادهم، ولم يرجعوا في شيء منها إلى رسول الله ﷺ ، فمن زعم بعد ذلك أنه رآه في اليقظة حيا وكلمه أو سمع منه شيئا قبل يوم البعث والنشور فزعمه باطل؛ لمخالفته النصوص والمشاهدة وسنة الله في خلقه، وليس في هذا الحديث دلالة على أنه سيرى ذاته في اليقظة في الحياة الدنيا؛ لأنه يحتمل أن المراد بأنه: فسيراني يوم القيامة، ويحتمل أن المراد: فسيرى تأويل رؤياه؛ لأن هذه الرؤيا صادقة بدليل ما جاء في الروايات الأخرى من قوله ﷺ : " فقد رآني " الحديث، وقد يراه المؤمن في منامه رؤيا صادقة على صفته التي كان ﷺ عليها أيام حياته الدنيوية.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١ / ٤٨٦، ٤٨٧) .
وخلاصة ما سبق:
أنه لا يجوز لأحدٍ - بعد الأنبياء - أن يدَّعي رؤية الملائكة؛ فهم أجسام نورانية لم يجعل الله تعالى في مقدور البشر رؤيتهم إلا إن تشكلوا.
ولا يجوز لأحدٍ أن يدَّعي رؤية النبي ﷺ يقظة، ولعل هذه الأوهام والخيالات كانت من بعض مَنْ ليس عنده علم شرعي ولا عقل ناضج فراح يتخيل ويتصور وجود ما لا حقيقة له.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 163
حماية الملائكة للنبي ﷺ
[السُّؤَالُ]
ـ[هل هناك حديث عن النبي ﷺ يقول بأنه كان هناك جن يحرسون النبي ﷺ عندما أرادت زوجة أبي لهب أن تؤذيه؟
أرجو أن تخبرني إذا كان هذا صحيحاً، وهل هناك أي حديث عن زوجة أبي لهب؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
١. إثبات أنّ أحدا من الجنّ كان يحمي النبي ﷺ من زوجة أبي لهب يحتاج إلى دليل فعلى من قاله أن يأتي به ولعلّ الذي قال ذلك اختلط عليه الأمر لأنّ الذي ثبت حماية الملائكة - بأمر الله للنبي ﷺ من زوجة أبي لهب كما سيأتي.
٢. إن الله تعالى قد تكفّل بحفظ نبيه ﷺ كما قال (والله يعصمك من الناس) ومن حفظه لنبيه أنه سخر له من الملائكة من يحميه ويحرسه، وقد أخفته عن عيني زوجة أبي لهب فلم تره والدليل على ذلك ما جاء عن ابن عباس: " قال لما نزلت ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ جاءت امرأة أبي لهب ورسول الله جالس ومعه أبو بكر فقال له أبو بكر: لو تنحيتَ لا تؤذيك يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ : "إنه سيحال بيني وبينها"، فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر فقالت يا أبا بكر هجانا صاحبك؟ فقال أبو بكر: لا ورب هذه البنيَّة ما ينطق بالشعر ولا يتفوه به، فقالت: إنك لمصدَّق، فلما ولَّت قال أبو بكر رحمة الله عليه: ما رأتْك؟ قال: "لا ما زال مَلَكٌ يسترني حتى ولت ".
رواه البزار في مسنده (١ / ٦٨) ، وقال: وهذا الحديث حسن الإسناد. وكذا حسَّنه ابن حجر في " فتح الباري " (٨ / ٩٥٨) .
ب. ومن الأحاديث الواردة فيها قبحها الله:
= عن جندب بن سفيان ﵁ قال: اشتكى رسول الله ﷺ فلم يقم ليلتين أو ثلاثا فجاءت امرأة فقالت: يا محمد! إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركَك لم أره قَرِبَك منذ ليلتين أو ثلاثة! فأنزل الله ﴿والضحى. والليل إذا سجى. ما ودعك ربك وما قلى﴾ ".
رواه البخاري (٤٦٦٧) ومسلم (١٧٩٧) .
قال الحافظ ابن حجر: قوله: (فجاءت امرأة..) هي: أم جميل بنت حرب امرأة أبي لهب، وقد تقدم بيان ذلك في كتاب قيام الليل. أ. هـ " فتح الباري " (٨ / ٩٢١) .
ومن الأدلّة أيضا على حماية الملائكة - بأمر الله - للنبي ﷺ في حادثة أخرى مع أبي جهل ما رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ أَبُو جَهْلٍ هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ - أي يسجد كما كان يصلي عند الكعبة - بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ قَالَ فَقِيلَ نَعَمْ فَقَالَ وَاللاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ أَوْ لأُعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ قَالَ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي زَعَمَ لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ قَالَ فَمَافَجِئَهُمْ مِنْهُ إِلا وَهُوَ يَنْكُصُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ قَالَ فَقِيلَ لَهُ مَا لَكَ؟ فَقَالَ إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ وَهَوْلا وَأَجْنِحَةً فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَوْ دَنَا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ الْمَلائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا قَالَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ .. (كَلا إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى - يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ - أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ - يَعْنِي قَوْمَهُ - سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ كَلا لا تُطِعْهُ.. سورة القلم) .. صحيح مسلم ٢٧٩٧، والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 164
معنى " الملأ الأعلى "
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا طالبة غير مسلمة أدرس حالياً التقاليد الإسلامية وأكتب بحثاً وكان من الكلمات التي قابلتني كثيراً كلمة "الملأ الأعلى" ولا أعرف ماذا تعني. فهل يمكنك أن تساعدني في فهم معناها ولك جزيل الشكر.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
وردت كلمة الملأ الأعلى في القرآن والسنة
فقال الله تعالى في سورة ص: (مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلأِ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلاّ أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)
قال شيخ المفسرين ابن جرير الطبري ﵀ في تفسير الآية وقوله: ﴿ما كان لي من علم بالملإ الأعلى﴾ يقول لنبيه محمد ﷺ : قل يا محمد لمشركي قومك: ﴿ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون﴾ في شأن آدم من قبل أن يوحي إلي ربي فيعلمني ذلك, يقول: ففي إخباري لكم عن ذلك دليل واضح على أن هذا القرآن وحي من الله وتنزيل من عنده, لأنكم تعلمون أن علم ذلك لم يكن عندي قبل نزول هذا القرآن, ولا هو مما شاهدته فعاينته, ولكني علمت ذلك بإخبار الله إياي به.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
.. عن ابن عباس , قوله: ﴿ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون﴾ قال: الملأ الأعلى: الملائكة حين شووروا في خلق آدم, فاختصموا فيه, وقالوا: لا تجعل في الأرض خليفة.
عن السدي ﴿بالملإ الأعلى إذ يختصمون﴾ هو: ﴿إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة﴾ [البقرة: ٣٠]
عن قتادة, قوله: ﴿ما كان لي من علم بالملإ الأعلى﴾ قال: هم الملائكة, كانت خصومتهم في شأن آدم حين قال ربك للملائكة: ﴿إني خالق بشرا من طين﴾ ..
وأما من السنة فقد جاء عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (في كلام الله له في المنام) يَا مُحَمَّدُ هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْملأُ الأَعْلَى.. قَالَ فِي الْكَفَّارَاتِ، وَالْكَفَّارَاتُ الْمُكْثُ فِي الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ وَالْمَشْيُ عَلَى الأَقْدَامِ إِلَى الْجَمَاعَاتِ وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ فِي الْمَكَارِهِ وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَاشَ بِخَيْرٍ وَمَاتَ بِخَيْرٍ وَكَانَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ
الترمذي ٣١٥٧ وهو في صحيح الجامع ٥٩
قال المباركفوري ﵀ في شرح الحديث (فيم) أي في أي شيء (يختصم) أي يبحث (الملأ الأعلى) أي الملائكة المقربون، والملأ هم الأشراف الذين يملئون المجالس والصدور عظمة وإجلالا ووصفوا بالأعلى إما لعلو مكانهم وإما لعلو مكانتهم عند الله تعالى. واختصامهم إما عبارة عن تبادرهم إلى إثبات تلك الأعمال والصعود بها إلى السماء وإما عن تقاولهم في فضلها وشرفها وإما عن اغتباطهم الناس بتلك الفضائل.. وإنما سماه مخاصمة لأنه ورد مورد سؤال وجواب وذلك يشبه المخاصمة والمناظرة فلهذا السبب حسن إطلاق لفظ المخاصمة عليه. والله تعالى أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 165
لا نجزم بأن اسم ملك الموت عزرائيل
[السُّؤَالُ]
ـ[هل ورد ما يدل على أن ملك الموت اسمه عزرائيل؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
اشتهر أن اسم ملك الموت عزرائيل، إلا أنه لم ترد تسمية ملك الموت بهذا الاسم في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية الصحيحة، وإنما ورد ذلك في بعض الآثار والتي قد تكون من الإسرائيليات.
وعلى هذا، لا ينبغي الجزم بالنفي ولا بالإثبات، فلا نثبت أن اسم ملك الموت عزرائيل، ولا ننفي ذلك، بل نفوض الأمر إلى الله تعالى ونسميه بما سماه الله تعالى به "مللك الموت" قال الله تعالى: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) السجدة /١١.
قال ابن كثير في "البداية والنهاية" (١/٤٩) :
وأما ملك الموت فليس بمصرح باسمه في القرآن، ولا في الأحاديث الصحاح، وقد جاء تسميته في بعض الآثار بعزرائيل، والله أعلم.
وقد قال الله تعالى: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) السجدة /١١.
وقال السندي: لم يرد في تسميته حديث مرفوع اهـ.
وقال المناوي في "فيض القدير" (٣/٣٢) بعد أن ذكر أن ملك الموت اشتهر أن اسمه عزرائيل، قال:
ولم أقف على تسميته بذلك في الخبر اهـ.
وقال الشيخ الألباني في تعليقه على قول الطحاوي:
" ونؤمن بملك الموت الموكل بقبض أرواح العالمين ". قال ﵀:
قلت: هذا هو اسمه في القرآن، وأما تسميته بـ "عزرائيل" كما هو الشائع بين الناس فلا أصل له، وإنما هو من الإسرائيليات اهـ.
وقال الشيخ ابن عثيمين:
(ملك الموت) : وقد اشتهر أن اسمه (عزرائيل) ، لكنه لم يصح، إنما ورد هذا في آثار إسرائيلية لا توجب أن نؤمن بهذا الاسم، فنسمي من وُكِّل بالموت بـ (ملك الموت) كما سماه الله في قوله: (قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون) اهـ.
"فتاوى ابن عثيمين" (٣/١٦١) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 166
باحث غير مسلم يسأل عن دليل تكليم جبريل للنبي ﷺ
[السُّؤَالُ]
ـ[أدرس في كلية في الولايات المتحدة. وأطرح هذا السؤال عليك لأستفيد منه في بحثي (وذكرت اسم المادة) .
ما هو الدليل عندكم على أن جبريل كلّم محمدا؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لقد كلّم جبريل ﵇ محمداً ﷺ دون حجاب، وقد رآه ﷺ على صورته الحقيقية، وقد ثبت هذا في كثير من الآيات والأحاديث:
١. قوله تعالى: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) النجم / ١ - ٦.
وقد ذكر المفسرون أن المقصود بقوله تعالى: (علّمه شديد القوى) هو جبريل ﵇، علّم محمداً ﷺ الوحي. ومن صور الوحي: الكلام المباشر بين المَلَك والنبي؛ فدلّ هذا على أن جبريل ﵇ كلّم محمداً ﷺ . ومما يؤيد هذه الدلالة قوله : (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) الشعراء / ١٩٢ - ١٩٥. وقوله سبحانه: (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) البقرة / ٩٧.
٢. وكذلك حادثة بدء الوحي المشهورة، عندما كان ﵊ معتزلاً في غار حراء، إذ أتاه جبريل ﵇، وأمره أن يقرأ. عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: " أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ فَكَانَ لا يَرَى رُؤْيَا إِلا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلاءُ وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ، فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهُوَ التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا. حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ. قَالَ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ. قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ. قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ. فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ. فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ. فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ) فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ.. " رواه البخاري برقم ٣، ومسلم برقم ٢٣١.
٣. وعن عائشة ﵂: أن الحارث بن هشام ﵁ سأل النبي ﷺ فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ؟ فقال رسول الله ﷺ : " أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِي الْمَلَكُ رَجُلا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ.. " رواه البخاري برقم ٢.
٤. حديث جبريل الطويل، عندما جاء متمثلاً على شكل رجل غريب، وجلس إلى النبي ﷺ يسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان والرسول ﷺ يجيبه، وهو يعلم أنه جبريل، فعندما فرغ من أسئلته وذهب أخبر النبي الصحابة أن هذا جبريل أتاهم يعلمهم دينهم. انظر صحيح البخاري برقم ٤٨، ومسلم برقم ٩.
٥. وما جاء في ذكر حادثة الإسراء والمعراج، فقد كان ﷺ يسأل جبريل وجبريل يجيبه. انظر صحيح البخاري برقم ٢٩٦٨، ومسلم برقم ٢٣٨، والأحاديث التي تروي قصة الإسراء والمعراج.
٦. وأيضاً الأحاديث الكثيرة التي يقول فيها ﵊: " أتاني جبريل فقال.. "، مثل قوله ﷺ : " أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ: مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ. قُلْتُ: وَإِنْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ " رواه البخاري برقم ٢٢١٣، ومسلم برقم ١٣٧.
وعندما رجع رسول الله ﷺ من الخندق هو وأصحابه ووضع السلاح واغتسل، أتاه جبريل وقد عَصَبَ رَأْسَهُ الْغُبَارُ، فقال: " وَضَعْتَ السِّلاحَ! فَوَ اللَّهِ مَا وَضَعْتُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَأَيْنَ؟ قَالَ: هَاهُنَا - وَأَوْمَأَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ - فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " رواه البخاري برقم ٢٦٠٢، ومسلم برقم ٣٣١٥.
ونحو ذلك من الأدلة، والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 167
تتعلم اللغة الإنجليزية عن طريق دراسة الإنجيل
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا طالب أدرس في بلاد أجنبية، في هذه البلاد يقدمون بعض الخدمات لأسر الطلاب مثل دروس تعليم اللغة الإنجليزية وزوجتي تحضر هذه الدروس من أجل تعلم اللغة الإنجليزية والكتاب المقرر لهذه الدروس هو الإنجيل. سؤالي هو: ما هو حكم دراسة الإنجيل بهدف تعلم اللغة الإنجليزية؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا حرج على المسلم في تعلم اللغات الأجنبية، بل قد يكون ذلك مطلوباً ويثاب عليه إذا قصد تعلم لغتهم من أجل دعوتهم إلى الإسلام، والعمل على هدايتهم إلى الحق الذي ضلوا عنه، أو يقصد الانتفاع بما عندهم من علوم لا توجد عند المسلمين حتى يتمكن من نفع المسلمين بهذه العلوم.
ولكن الطريقة التي ذكرتها نرى أنها لا تجوز، ونرى أن هؤلاء يمكرون بالمسلمين، ليصرفوهم عن دينهم، فلن يكون هذا الدرس درساً في تعلم اللغة، وإنما سيكون درساً في التنصير.
ونحن – المسلمين – نعتقد في الإنجيل أنه قد حُرِّف، وتلاعب به علماء النصارى، فصار يحتوي على أباطيل وخرافات لا يمكن لصاحب عقل سليم أن يؤمن بها أو يصدقها.
والقراءة في هذه الكتب المحرفة لا تجوز، إلا لمن عنده من العلم الشرعي ما يستطيع أن يميز بين ما فيها من حق وباطل، وقرأها بقصد الرد على أهلها، وإقناعهم بما في هذه الكتب من أباطيل.
ولهذا غضب النبي ﷺ لما رأى في يد عمر بن الخطاب ﵁ كتاباً أخذه من بعض أهل الكتاب، فَقَرَأَهُ النَّبِيُّ ﷺ ثم قَالَ: (أَمُتَهَوِّكُونَ [أي: متحيرون] فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى ﷺ كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي) رواه الإمام أحمد (١٤٧٣٦) وحسنه الألباني في "الإرواء" (٦/٣٤) .
وقد بَيَّن الله تعالى لنا مكر هؤلاء، وأنهم يبذلون ما يستطيعون لإخراج المسلمين عن دينهم، فقال تعالى: (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) البقرة/٢١٧.
قال الشيخ السعدي ﵀:
"أخبر تعالى أنهم لن يزالوا يقاتلون المؤمنين، وليس غرضهم في أموالهم وقتلهم، وإنما غرضهم أن يرجعوهم عن دينهم، ويكونوا كفارا بعد إيمانهم حتى يكونوا من أصحاب السعير، فهم باذلون قدرتهم في ذلك، ساعون بما أمكنهم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
وهذا الوصف عام لكل الكفار، لا يزالون يقاتلون غيرهم، حتى يردوهم عن دينهم، وخصوصا أهل الكتاب، من اليهود والنصارى، الذين بذلوا الجمعيات، ونشروا الدعاة، وبثوا الأطباء، وبنوا المدارس، لجذب الأمم إلى دينهم، وتدخيلهم عليهم كل ما يمكنهم من الشبه، التي تشككهم في دينهم.
ولكن المرجو من الله تعالى، الذي مَنّ على المؤمنين بالإسلام، واختار لهم دينه القيم، وأكمل لهم دينه، أن يتم عليهم نعمته بالقيام به أتم القيام، وأن يخذل كل من أراد أن يطفئ نوره، ويجعل كيدهم في نحورهم، وينصر دينه، ويعلي كلمته.
وتكون هذه الآية صادقة على هؤلاء الموجودين من الكفار، كما صدقت على من قبلهم: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ) " انتهى.
"تفسير السعدي" (ص ٩٧) .
فالواجب عليك منع زوجتك من الذهاب إلى هؤلاء، وعدم مطاوعتهم فيما هم عليه من الخبث، والواجب تحذير كل مسلم ومسلمة ممن قد يروج عليه تضليل هؤلاء ومكرهم، وكشف عوار تدبيرهم وتخطيطهم.
وتعليم اللغة الانجليزية ممكن بطرق كثيرة ميسورة، لا شبهة فيها، ولا خلط، ولا تضليل.
نسأل الله تعالى أن يرد كيد هؤلاء في نحرهم، ويبصر المسلمين بمخططاتهم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 168
حكم الاطلاع على الإنجيل والتوراة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز لي وأنا مسلم أن أطَّلع على الإنجيل وأقرأ فيه من باب الاطلاع فقط، وليس لأي غرض آخر؟ وهل الإيمان بالكتب السماوية يعني الإيمان بأنها من عند الله أو نؤمن بما جاء فيها؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"على كل مسلم أن يؤمن بها أنها من عند الله؛ التوراة والإنجيل والزبور، فيؤمن أن الله أنزل الكتب على الأنبياء، وأنزل عليهم صحفاً فيها الأمر والنهي، والوعظ والتذكير، والإخبار عن الأمور الماضية، وعن أمور الجنة والنار ونحو ذلك، لكن ليس له أن يستعملها؛ لأنها دخلها التحريف والتبديل والتغيير، فليس له أن يقتني التوراة أو الإنجيل أو الزبور أو يقرأ فيها؛ لأن في هذا خطراً، لأنه ربما كذَّب بحق، أو صدَّق بباطل؛ لأن هذه الكتب قد حُرِّفت وغُيِّرت، ودخلها من أولئك اليهود والنصارى وغيرهم التبديلُ والتحريفُ والتقديمُ والتأخيرُ، وقد أغنانا الله عنها بكتابنا العظيم القرآن الكريم.
وقد رُوي عن الرسول ﷺ أنه رأى في يد عمر شيئاً من التوراة فغضب، وقال: (أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ لقد جئتُكم بها بيضاء نقيةً، لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي) ﵊.
والمقصود: أننا ننصحك وننصح غيرك ألا تأخذوا منها شيئاً، لا من التوراة ولا من الزبور، ولا من الإنجيل، ولا تقتنوا منها شيئاً، ولا تقرأوا فيها شيئاً، بل إذا وُجِد عندكم شيء فادفنوه أو احرقوه، وما دخلها من التغيير والتبديل فهو منكر وباطل، فالواجب على المؤمن أن يتحرز من ذلك، وأن يحذر أن يطلع عليها، فربما صدَّق بباطل، وربما كذَّب حقًّا، فطريق السلامة منها إما بدفنها وإما بحرقها.
وقد يجوز للعالم البصير أن ينظر فيها للرد على خصوم الإسلام من اليهود والنصارى، كما دعا النبي ﷺ بالتوراة لما أنكر اليهودُ الرجم حتى اطلع عليها ﵊، واعترفوا بعد ذلك.
فالمقصود: أن العلماء العارفين بالشريعة المحمدية قد يحتاجون إلى الاطلاع على التوراة أو الإنجيل أو الزبور لقصد إسلامي، كالرد على أعداء الله، ولبيان فضل القرآن وما فيه من الحق والهدى، أما العامة وأشباه العامة فليس لهم شيء من هذا، بل متى وُجد عندهم شيء من التوراة أو الإنجيل أو الزبور، فالواجب دفنها في محل طيب أو إحراقها حتى لا يضل بها أحد" انتهى.
سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀
"فتاوى نور على الدرب" (١/٩، ١٠) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 169
ما هي صحف إبراهيم ﵇ ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي صحف إبراهيم ﵇؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
صحف إبراهيم ﵇ هي الصحف التي أنزلها الله على نبيه إبراهيم ﵇؛ غالب ما جاء فيها ـ كما قال أهل العلم ـ مواعظ وحكم وعبر.
وقد ذكرها ربنا في القرآن الكريم في عدة مواضع، منها المجمل، ومنها المبيَّن:
أما المواضع المجملة ففي قوله تعالى:
(قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) البقرة/١٣٦
وقوله :
(قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) آل عمران/٨٤.
وأما المواضع الصريحة المبينة ففي سورة النجم، حيث يقول الله تعالى:
(أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى. وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى. أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى. أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى. وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى. أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى. وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى. وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى. ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى) إلى آخر السورة.
وفي سورة الأعلى، حيث قال سبحانه:
(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى. وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى. بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى. إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى. صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى) الأعلى/١٤-١٩.
يقول ابن جرير الطبري ﵀:
" وأما الصحف: فإنها جمع صحيفة، وإنما عُنِي بها: كتب إبراهيم وموسى " انتهى.
" جامع البيان " (٢٤/٣٧٧)
يقول العلامة الأمين الشنقيطي ﵀:
" (وما أنزل إلى إبراهيم) لم يبين هنا هذا الذي أنزل إلى إبراهيم، ولكنه بيَّن في سورة الأعلى أنه صحف، وأن من جملة ما في تلك الصحف: (بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى) وذلك في قوله: (إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى) " انتهى.
" أضواء البيان " (١/٤٥)
وقد أخبرنا النبي ﷺ عن تاريخ نزوله، كما جاء عن وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (أُنْزِلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ ﵇ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَتْ التَّوْرَاةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَالْإِنْجِيلُ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الْفُرْقَانُ لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ) رواه أحمد في "المسند" (٤/١٠٧) وحسنه الألباني في " السلسلة الصحيحة " (١٥٧٥)
وقد وقع في بعض الأحاديث الضعيفة، وبعض الآثار عن التابعين نقولٌ عن صحف إبراهيم، يغلب على الظن أنها منقولة عن كتب بني إسرائيل، وهي – إن صحت - تدل على أن موضوع صحف إبراهيم الرئيس هو الحكمة والموعظة.
يقول داود بن هلال النصيبي:
(مكتوب في صحف إبراهيم ﵇:
يا دنيا ما أهونك على الأبرار الذين تصنعتِ لهم وتزينتِ لهم، إني قد قذفت في قلوبهم بغضك والصدود عنك، ما خلقت خلقا أهون عليَّ منك، كل شأنك صغير، وإلى الفناء تصيرين، قضيت عليك يوم خلقتُ الخلق ألا تدومي لأحد، ولا يدوم لك أحد، وإن بخل بك صاحبك وشح عليك، طوبى للأبرار الذين أطلعوني من قلوبهم على الرضا، وأطلعوني من ضميرهم على الصدق والاستقامة، طوبى لهم، ما لهم عندي من الجزاء إذا وفدوا إلي من قبورهم إلا النور يسعى أمامهم، والملائكة حافون بهم حتى أبلغ بهم ما يرجون من رحمتي)
" الزهد " ابن أبي الدنيا (رقم/٢٠٠)
جاء في " الموسوعة الفقهية " (١٥/١٦٧) :
" وأما صحف إبراهيم وداود فقد كانت مواعظ وأمثالا لا أحكام فيها، فلم يثبت لها حكم الكتب المشتملة على أحكام " انتهى.
ويقول الشيخ ابن عثيمين ﵀:
" صحف إبراهيم صحف أنزلها الله تعالى على إبراهيم فيها المواعظ والأحكام " انتهى.
" لقاءات الباب المفتوح " (لقاء رقم/١٧٦)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 170
عقيدة السلف في القرآن الكريم
[السُّؤَالُ]
ـ[نود أن نعرف عقيدة السلف في القرآن الكريم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" عقيدة السلف في القرآن الكريم كعقيدتهم في سائر أسماء الله وصفاته، وهي عقيدة مبنية على ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وكلنا يعلم أن الله وصف القرآن الكريم بأنه كلامه، وأنه منزل من عنده، قال تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) التوبة/٦، والمراد بلا ريب بكلام الله هنا القرآن الكريم، وقال تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) النمل/٧٦، فالقرآن كلام الله تعالى لفظاً ومعنىً، تكلم الله به حقيقة، وألقاه إلى جبريل الأمين، ثم نزل به جبريل على قلب النبي ﷺ ليكون من المنذرين، بلسان عربي مبين.
ويعتقد السلف أن القرآن منزل، نزله الله على محمد ﷺ منجماً، أي: مفرقاً، في ثلاث وعشرين سنة حسب ما تقتضيه حكمة الله .
ثم إن النزول يكون ابتدائياً، ويكون سببياً، بمعنى: أن بعضه ينزل لسبب معين اقتضى نزوله، وبعضه ينزل بغير سبب، وبعضه ينزل في حكاية حال مضت للنبي ﷺ وأصحابه، وبعضه ينزل في أحكام شرعية ابتدائية على حسب ما ذكره أهل العلم في هذا الباب.
ثم إن السلف يقولون: إن القرآن من عند الله ابتداءً وإليه يعود في آخر الزمان، هذا قول السلف في القرآن الكريم.
ولا يخفى علينا أن الله تعالى وصف القرآن الكريم بأوصاف عظيمة، وصفه بأنه حكيم، وبأنه كريم، وبأنه عظيم، وبأنه مجيد، وهذه الأوصاف التي وصف الله بها كلامه تكون لمن تمسك بهذا الكتاب، وعمل به ظاهراً وباطناً، فإن الله تعالى يجعل له من المجد، والعظمة، والحكمة، والعزة، والسلطان، ما لا يكون لمن لم يتمسك بكتاب الله ، ولهذا أدعو من هذا المنبر جميع المسلمين حكاما ًومحكومين، علماء وعامة إلى التمسك بكتاب الله ظاهراً وباطناً، حتى تكون لهم العزة، والسعادة، والمجد، والظهور في مشارق الأرض ومغاربها " انتهى.
فضيلة الشيخ ابن عثيمين ﵀.
"فتاوى كبار علماء الأمة" ص (٤٥) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 171
القرآن الكريم هل هو من أنواع الشِّعْر أم من النثر أم هو شيء آخر ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يمكن القول بأن القرآن شكل من أشكال الشعر، مع العلم أنه يقال إن في القرآن مذكور أنه ليس بقول شاعر؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
ليس القرآن شعراً، ولم يكن نبينا محمد ﷺ شاعراً، بل وما ينبغي له، قال تعالى: (فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ. وَمَا لا تُبْصِرُونَ. إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ. وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ. وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ. تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) الحاقة/٣٨-٤٣، وقال تعالى: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ) يس/٦٩.
ثانياً:
كلام العرب لا يخرج عن كونه شعراً ونثراً، ولا يعرف العرب غيرهما، وما يذكره بعض العلماء من وجود قسم ثالث وهو " السجع ": فهو داخل في النثر، وليس قسماً مستقلاًّ، حتى جاء الله تعالى بالقرآن، وأنزله على نبيه محمد ﷺ ، فبهرت كلماته عقول العرب، وأخذ أسلوبه بألبابهم، فتركهم في حيرة، فلا هو بالشعر الذي ينظمونه، ولا هو بالنثر الذي يقولونه، ومن قال منهم إنه " شعر ": فهو مكابر، كاذب، يعرف نفسه أنه غير صادق، أو أنه لا يعرف الشعر، ولو كان شعراً فما الذي منعهم من النظم على منواله؟! .
ولذلك رأينا اعتراف الصادقين منهم أن القرآن ليس بشعر، ومن هؤلاء المعترفين بذلك:
١. أبو الوليد عتبة بن ربيعة:
روى ابن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي قال: حُدثت أن عتبة بن ربيعة - وكان سيِّداً -، قال يوماً - وهو في نادي قريش، ورسول اللَّه ﷺ جالس في المسجد وحده -: يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه، وأعرض عليه أموراً لعله يقبل بعضها، فنعطيه أيها شاء ويكف عنَّا؟ وذلك حين أسلم حمزة ﵁، ورأوا أصحاب رسول اللَّه ﷺ يكثرون، ويزيدون، فقالوا: بلى، يا أبا الوليد قم إليه، فكلمه، فقام إليه عتبة، حتى جلس إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: يا ابن أخي إنك منَّا حيث قد علمت من السطة في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها، لعلك تقبل منها بعضها، قال: فقال رسول اللَّه ﷺ : قل يا أبا الوليد أسمع، قال: يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً: جمعنا لك من أموالنا كيْ تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفاً: سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكاً: ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رِئياً تراه لا تستطيع رده عن نفسك: طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه - أو كما قال له - حتى إذا فرغ عتبة، ورسول اللَّه ﷺ يستمع منه، قال: أقد فرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم، قال: فاسمع مني، قال: أفعل، فقال: بسم اللَّه الرحمن الرحيم (حم. تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ. كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ. وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ) فصلت/ ١ – ٥، ثم مضى رسول اللَّه ﷺ فيها يقرؤها عليه، فلما سمعها منه عتبة أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليهما يسمع منه، ثم انتهى رسول اللَّه ﷺ إلى السجدة منها فسجد، ثم قال: قد سمعتَ يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك، فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف باللَّه لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني سمعت قولاً واللَّه ما سمعت مثله قط، واللَّه ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي، خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فو اللَّه ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب: فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب: فمُلكه ملككم، وعزُّه عزكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك واللَّه يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم.
رواه البيهقي في " دلائل النبوة " (٢ / ٢٠٥) ، وأبو نعيم في " الدلائل " (١ / ٣٠٤) وحسَّنه الألباني في التعليق على " فقه السيرة " للغزالي (ص ١١٣) .
٢. الشاعر أنيس الغفاري:
قد روى مسلم (٢٤٧٣) من حديث أبي ذر ﵁: قصة إسلامه وإسلام أنيس أخيه، وفيها قال: (فقال أنيس: إن لي حاجة بمكة فاكفني - أي: ابق مع أمي - فانطلق أنيس، حتى أتى مكة، فراث علىَّ، ثم جاء، فقلت ما صنعت؟ قال: لقيت رجلا بمكة على دينك، يزعم أن الله أرسله، قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون: شاعر، كاهن، ساحر وكان أنيس أحد الشعراء.
قال أنيس لقد سمعت قول الكهة فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر - (أي على أنواع الشعر وطرقه وأوزانه، واحدها: قَرْء) - فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر - أي: إنه ليس بشعر - والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون ... ) .
قال أبو العباس القرطبي – ﵀:
ومعنى الكلام: أنه لما اعتبر القرآن بأنواع الشعر: تبيَّن له أنه ليس من أنواعه، ثم قطع: بأنه لا يصح لأحد أن يقول: إنه شِعر.
" المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم " (٦ / ٣٩٤) .
ثالثاً:
إذا كان القرآن ليس شعراً، كما نفاه الله تعالى عنه، ونفاه عنه الشعراء الصادقون، فهل هو من النثر؟ والجواب: لا، ولا هو من النثر، ومن تأمل في كتاب الله تعالى حق التأمل، وكان له ذوق لغوي وبلاغي: علم أنه ليس من النثر، بل هو قسم ثالث من أقسام الكلام في لغة العرب، وقد اعترف بهذا كبار الأدباء قديماً وحديثاً، ونذكر هنا شهادة رجل من الأدباء، وله موقف معروف من الشرع، وهو " طه حسين " وشهادته هنا مهمة؛ لأنه من أهل الاختصاص من جهة، ومن جهة أخرى فهو لن يجامل أحداً!
ومما قاله طه حسين:
ولكنكم تعلمون أن القرآن ليس نثراً، كما أنه ليس شعراً، إنما هو قرآن، ولا يمكن أن يسمَّى بغير هذا الاسم، ليس شعراً، وهذا وضع، فهو لم يتقيد بقيود الشعر، وليس نثراً؛ لأنه مقيّد بقيود خاصة به، لا توجد في غيره، فهو ليس شعراً، ولا نثراً، ولكنه: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) ، فلسنا نستطيع أن نقول: إنه نثر، كما نص على أنه ليس شعراً.
كان وحيدا في بابه، لم يكن قبله، ولم يكن بعده مثله، ولم يحاول أحد أن يأتي بمثله، وتحدى الناس أن يحاكوه، وأنذرهم أن لن يجدوا إلى ذلك سبيلاً ... .
" من حديث الشعر والنثر " - الأعمال الكاملة – (٥ / ٥٧٧) بواسطة مقال " حول إعجاز القرآن الكريم، الابتداء بالأسلوب " (من ص ٧٥ - ٨٤) للدكتور علي حسن العماري، نشر في مجلة " الجامعة الإسلامية " العدد ٢٤،، ربيع الثاني ١٣٩٤هـ.
وهذا المقال نفيس، وفيه بيان المسألة بوضوح وجلاء، ومما قاله الدكتور الفاضل فيه:
فمشركو العرب ادَّعوا أن القرآن شعر، وادعوا أنه كهانة، ومعنى هذا: أن شبه القرآن عندهم بالشعر، وبكلام الكهان هو الذي يمكن أن يذيعوه، وهم حريصون على أن يقولوا ما يمكن أن يُصدّقوا فيه، فهم - بذلك - يقرون أنه ليس كسائر الكلام، وإنما هو نوع خاص منه، وقد نفى بعض فصحائهم أن يكون القرآن شعراً، أو أن يكون قول كاهن، كما نفى القرآن الكريم ذلك، فثبت أن القرآن في أسلوبه وطريقة أدائه ومبناه الكلي: مخالف لكلام العرب، ومتميز عنه، وإن كانت ألفاظه ألفاظهم، وتراكيبه تراكيبهم.
وقال:
ذكر " عيسى بن علي الرماني " (متوفى ٣٨٦ هـ) في رسالته " النكت في إعجاز القرآن " أن القرآن جاء بأسلوب جديد حيث قال: " وأما نقض العادة: فإن العادة كانت جارية بضروب من أنواع الكلام معروفة: منها الشعر، ومنها السجع، ومنها الخطب، ومنها الرسائل، ومنها المنثور الذي يدور بين الناس في الحديث، فأتى القرآن بطريقة مفردة خارجة عن العادة لها منزلة في الحسن، تفوق كل طريقة " انتهى.
وقال الدكتور الفاضل:
وسار على هذا المنهج أبو بكر الباقلاني، فأطال القول في هذا المعنى، ومن ذلك قوله: " إنه نظم خارج عن جميع وجوه النظم المعتاد في كلامهم، ومباين لأساليب خطابهم، ومن ادعى ذلك: لم يكن له بدٌّ من أن يصحح أنه ليس من قبيل الشعر، ولا من قبيل السجع، ولا الكلام الموزون غير المقفى؛ لأن قوماً من كفار قريش ادعوا أنه شعر، ومن الملحدة من يزعم أن فيه شعراً، ومن أهل الملة من يقول: إنه كلام مسجع، إلا أنه أفصح مما قد اعتادوه من أسجاعهم، ومنهم من يدعي أنه كلام موزون، فلا يخرج بذلك عما يتعارفونه من الخطاب " انتهى.
فتبين مما سبق أن القرآن كلام الله تعالى، أحكم آياته، وفصَّلها، وبيَّنها، بكلام عربي مبين، وليس هو على طريقة ما عرفه العرب من الشعر، والنثر، بل هو قرآن، قسم خاص، لا يشبه الشعر والنثر، ولا يشبهانه.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 172
حقيقة الإيمان بالكتب
[السُّؤَالُ]
ـ[ما معنى الإيمان بالكتب؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
وبعد: فالإيمان بالكتب يتضمن أربعة أمور:
الأول: التصديق الجازم بأن جميعها منزَّل من عند الله، وأن الله تكلم بها حقيقة فمنها المسموع منه تعالى من وراء حجاب بدون واسطة الرسول الملكي، ومنها ما بلغه الرسول الملكي إلى الرسول البشري، ومنها ما كتبه الله تعالى بيده كما قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) الشورى/٥١ وقال تعالى: (وكلم الله موسى تكليما) النساء/١٦٤
وقال تعالى في شأن التوراة: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ) الأعراف/١٤٥.
الثاني: ما ذكره الله من هذه الكتب تفصيلا وجب الإيمان به تفصيلا وهي الكتب التي سماها الله في القرآن وهي (القرآن والتوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى) .
وما ذكر منها إجمالا وجب علينا الإيمان به إجمالا فنقول فيه ما أمر الله به رسوله: (وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب) الشورى/١٥.
الثالث: تصديق ما صح من أخبارها، كأخبار القرآن، وأخبار ما لم يُبَدل أو يُحَرف من الكتب السابقة.
الرابع: الإيمان بأن الله أنزل القرآن حاكما على هذه الكتب ومصدقا لها كما قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ) المائدة/٤٨، قال أهل التفسير: مهيمنا: مؤتمنا وشاهدا على ما قبله من الكتب، ومصدقا لها يعني: يصدق ما فيها من الصحيح، وينفي ما وقع فيها من تحريف وتبديل وتغيير، ويحكم عليها بنسخ ـ أي رفع وإزالة ـ أحكام سابقة، أو تقرير وتشريع أحكام جديدة؛ ولهذا يخضع له كل متمسك بالكتب المتقدمة ممن لم ينقلب على عقبيه كما قال ﵎: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُون. وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ) القصص/٥٢:٥٣.
- وأن الواجب على جميع الأمة اتباع القرآن ظاهراً وباطناً والتمسك به، والقيام بحقه كما قال تعالى: (وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا) الأنعام/١٥٥
ومعنى التمسك بالكتاب والقيام بحقه: إحلال حلاله، وتحريم حرامه، والانقياد لأوامره والانزجار بزوا جره والاعتبار بأمثاله، والاتعاظ بقصصه، والعلم بمحكمه، والتسليم بمتشابهه والوقوف عند حدوده والذب عنه مع حفظه وتلاوته وتدبر آياته والقيام به آناء الليل والنهار، والنصيحة له بكل معانيها، والدعوة إلى ذلك على بصيرة.
وهذا الإيمان يثمر للعبد ثمرات جليلة أهمها:
١- العلم بعناية الله بعباده حيث أنزل لكل قوم كتابا يهديهم به.
٢- العلم بحكمة الله تعالى في شرعه حيث شرع لكل قوم ما يناسب أحوالهم كما قال الله تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا)
٣- القيام بواجب شكر الله على هذه النعمة العظيمة.
٤- أهمية العناية بالقرآن العظيم، بقراءته وتدبره وتفهم معانيه والعمل به. والله أعلم.
انظر (أعلام السنة المنشورة ٩٠ – ٩٣) و (شرح الأصول الثلاثة للشيخ ابن عثيمين ٩١، ٩٢) .
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 173
الحكمة من وقوع التحريف في الإنجيل
[السُّؤَالُ]
ـ[لم سمح الله بتحريف الإنجيل، مع أنه سبحانه قادر على حفظه؟ وما هي التعاليم التي اتبعها المسلمون قبل مجيء النبي محمد ﷺ ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله:
أولا:
قد وكَّل الله تعالى حفظ التوراة والإنجيل إلى علمائهم ورهبانهم، بدليل قوله: (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء) المائدة/٤٤.
ولم يتكفل بحفظه كما تكفل بحفظ القرآن، وفي ذلك بعض الحِكَم:
١. أراد أن يبقى القرآن الكريم هو الكتاب الخالد، والشريعة الباقية إلى يوم القيامة، قال تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ) المائدة/٤٨، فلم تكن ثمة حاجة لحفظ الكتب السابقة وتخليدها، وخاصة أن عهد القرآن قريب من عهد الإنجيل، فليس بينهما سوى ستمائة عام.
٢. وليكون ذلك فتنة واختباراً للذين أوتوا الكتاب هل يقومون بدورهم في حفظ الكتاب؟ وهل يؤمنون بما جاء فيه؟ وهل يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، أم يصروا على عنادهم، فيقوموا بالتحريف والكتمان والتزوير؟!
٣. وفي ذلك بلاء أيضا لكل أتباع الديانة النصرانية إلى يوم القيامة، وهم يرون كتابهم الذي يؤمنون به لم يسلم من يد التحريف أو التشكيك أو الضياع، ويرون كتاب خاتم الرسل محمد ﷺ محفوظا متواتراً لا يشك أحد في صحته، فيكون ذلك داعيا لهم إلى الإيمان بالكتاب المبين - القرآن الكريم -.
ثانيا:
كان الناس في الجاهلية قبل مبعث النبي ﷺ على الشرك والوثنية، ولم يكن لأغلبهم دين متبع، ولا شريعة محترمة، اللهم إلا بعض من اتبعوا شريعة المسيح ﵇، مثل ورقة بن نوفل، وبعض من كان حنيفا على دين إبراهيم، يجتنب الشرك والأوثان والخمر والفواحش ويسجد لله الواحد رب العالمين، مثل زيد بن عمرو بن نفيل الذي صح في البخاري (٣٦١٤) أنه قال: (إِنِّي لَا آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ وَلَا آكُلُ إِلَّا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) وكان يقول أيضا: (يَا مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ! وَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ غَيْرِي. وَكَانَ يُحْيِي الْمَوْءُودَةَ، يَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَ ابْنَتَهُ: لَا تَقْتُلْهَا، أَنَا أَكْفِيكَهَا مَئُونَتَهَا، فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا تَرَعْرَعَتْ قَالَ لِأَبِيهَا: إِنْ شِئْتَ دَفَعْتُهَا إِلَيْكَ، وَإِنْ شِئْتَ كَفَيْتُكَ مَئُونَتَهَا) رواه البخاري (٣٦١٦) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 174
هل الإنجيل المكتوب بالآرامية موجود اليوم ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل الإنجيل الأصلي الذي باللغة الآرامية موجود هذا الزمان وأين؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
اختلف الباحثون والمتخصصون في علوم الديانات والتاريخ القديم في اللغة التي كان يتحدث بها الرسول الكريم عيسى بن مريم ﵇.
" ويجمع الباحثون أن فلسطين زمن بعثة عيسى كانت بمثابة لوحة فسيفسائية، وأن سكانها كانوا خليطا من كل أمة ولسان، وكانوا يتكلمون بدرجات متفاوتة: العبرانية، والآرامية بلهجاتها، والإغريقية، واللاتينية.
ولكن الاختلاف يقوم بينهم حين يسعون إلى تلمس الحدود الجغرافية لكل واحدة من تلك اللغات، وحين يريدون حصر الخصائص المميزة لتلك اللغات، وتحديد نسبة تأثر بعضها ببعض،
ونحن حين نقرأ سيرة عيسى في الأناجيل الأربعة نجده يخاطب فئات مختلفة من الناس:
فقد خاطب عامة الناس من مختلف المدائن والبوادي، وخاطب أعضاء المجلس الأعلى، ومعلمي الشريعة، والقائمين على تسيير الهيكل وإدارة الشؤون الدينية اليهودية، كما خاطب الحاكم الروماني لفلسطين وكانت لغته اللاتينية.
وفي كلمات المسيح المنسوبة إليه في الإنجيل كلمات آرامية:
" إيلي إيلي لما شبقتني؟! أي إلهي إلهي لماذا تركتني؟! (إنجيل متى ٢٧ / ٤٦) .
" وأمسك بيد الصبية وقال لها: " طليثا، قومي! " الذي تفسيره: يا صبية، لك أقول: قومي! (إنجيل مرقص ٥ / ٤١) .
وفيه كلمات عبرية:
" قال لها يسوع: " يا مريم " فالتفتت تلك وقالت له: " رَبُّونِي "، الذي تفسيره: يا معلم " (إنجيل يوحنا ٢٠ / ١٧) .
" وكان يخاطب ويباحث اليونانيين " (أعمال الرسل ٩ / ٢٩) وظاهره أن المباحثة كانت بلغتهم، ولاختلاف هذه الشواهد كان الخلاف شديدا بين العلماء والباحثين في تحديد لغة المسيح ﵇.
وذهب ابن تيمية وابن القيم إلى أنه لم يتكلم بغير العبرانية، فقال ابن تيمية في " الجواب الصحيح " (٣ / ٧٥) :
" والمسيح كان عبرانيا لم يتكلم بغير العبرانية " انتهى.
وقال في (١ / ٩٠) : " ومن قال إن لسان المسيح كان سريانيّاً (أي آراميّاً) أو روميّاً: فقد غلط " انتهى.
وذهب بعضهم إلى أن " هذه المعطيات جميعها تبين أن أغلب حديث عيسى ﵇ كان باللغة الآرامية، وهي اللغة الشعبية التي كانت شائعة أكثر من غيرها، ثم يتلوه حديثه باللغة العبرانية لغة العهد القديم، كما يبدو أنه كان مثقفا باللاتينية والإغريقية ".
انظر " لغة المسيح عيسى بن مريم " بحث د. عبد العزيز شهبر (ص ١١٢، ١١٣) ، منشور في كتاب " لغات الرسل ".
ثانيا:
يجب على المسلمين جميعا الإيمان بالإنجيل الذي أوحاه الله إلى نبيه عيسى المسيح ﵇، ومن أنكره كفر باتفاق أهل العلم.
يقول : (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ) المائدة/٤٦.
وإيماننا بالإنجيل يقتضي منا الإيمان بوجوده وتمام وحيه، وكذلك الإيمان بكل ما جاء فيه أنه حق ومن عند الله.
ولكن لم يأت في شريعتنا شيء في بيان هل كان هذا الإنجيل مكتوبا ومجموعا جميعه في عهد عيسى ﵇، ومن الذي كتبه، ومن الذي حفظه ونشره، أم كان المسيح يعلمه الناس مشافهة، ثم يتناقله الحواريون ومن آمن به؟ أم كتب بعضه وترك بعض آخر؟ فهذه أسئلة قد لا نستطيع أن نجزم فيها بجواب اليوم، بل إن بعض الباحثين ينفي أن يكون الإنجيل الحقيقي مدونا على هيئة كتاب، وإنما كان أقوالا متناقلة.
يقول العلامة الطاهر ابن عاشور في " التحرير والتنوير " (٣ / ٢٦) في مطلع تفسير آل عمران:
" وأما الإنجيل: فاسم للوحي الذي أوحي به إلى عيسى ﵇ فجمعه أصحابه " انتهى.
يقول الشيخ أحمد ديدات – ﵀:
فنحن نؤمن بإخلاص بأن كل ما كان يقوله عيسى ﵇ كان وحياً من الله، وبأنه هو الإنجيل والبشارة إلى بني إسرائيل، وخلال حياته لم يكتب عيسى كلمة واحدة، كما أنه لم يأمر أحداً بالكتابة.
" هل الكتاب المقدس كلمة الله " (ص ١٤) .
وإن كان الظاهر أن المسيح ﵇ يعرف الكتابة والقراءة، ويفهم ذلك من قوله تعالى:
(وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ) آل عمران/٤٨
قال ابن كثير – ﵀:
الظاهر أن المراد بالكتاب ههنا الكتابة.
" تفسير القرآن العظيم " (١ / ٤٨٥) .
إلا أننا لا نملك دليلا على كتابة الوحي زمن عيسى ﵇، وليس في تسمية الإنجيل " كتابا " في القرآن الكريم دليل على كتابته في الصحف زمن الوحي، فإن التسمية بـ " الكتاب " إنما هي باعتبار ما عند الله في اللوح المحفوظ، أو باعتبار تهيئه للكتابة والتدوين، واعتبر ذلك بالقرآن الكريم، فقد سماه الله " كتابا "، وإنما كان يتناقل شفاها مع كتابة متفرقة له في الجلود والصحف، وفي الحقيقة لم يكن كتابا مجموعا حتى كان زمن أبي بكر الصديق ﵁، بل قال سبحانه وتالى: (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلَاّ سِحْرٌ مُّبِينٌ) الأنعام/٧.
يقول الطاهر ابن عاشور في تفسير سورة مريم الآية/٣٠:
والكتاب: الشريعة التي من شأنها أن تكتب لئلا يقع فيها تغيير. فإطلاق الكتاب على شريعة عيسى كإطلاق الكتاب على القرآن.
" التحرير والتنوير " (٨ / ٤٧٠) .
والنصارى كذلك لا يؤمنون أن ثمة كتابا كتبه المسيح أو أحد تلامذته في عهده، ثم فُقِدَ بعد ذلك.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
وأما الإنجيل الذي بأيديهم فهم معترفون بأنه لم يكتبه المسيح ﵇، ولا أملاه على من كتبه، وإنما أملوه بعد رفع المسيح.
" الجواب الصحيح " (١ / ٤٩١) .
وهذا فرق ظاهر بين الوحي الذي أنزل على موسى والوحي الذي أنزل على عيسى، فقد جاء في القرآن الكريم ما يدل على كتابة الأول في قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) الأعراف/١٤٥.
وإن كان يبدو من كلام بعض علماء المسلمين أن الإنجيل الحقيقي كان مدونا ومكتوبا في عهد المسيح ﵇، تجد ذلك في كلام ابن حزم في " الفِصَل "، وابن تيمية في " الجواب الصحيح ".
وكذلك جاء في " الإنجيل " إطلاق هذا اللفظ على ما أوحاه الله إلى المسيح، حيث جاء في (إنجيل مرقص ٨/٣٥) : " ومن أهلك نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل يخلصها ".
أما الأناجيل الموجودة اليوم، فليست هي الإنجيل الحقيقي، ولكن لا ينكر احتواؤها على كثير من الإنجيل الذي أوحاه الله سبحانه إلى المسيح.
قال ابن تيمية ﵀
هذه المقالات الأربعة التي يسمونها الإنجيل، وقد يسمون كل واحد منهم إنجيلا إنما كتبها هؤلاء بعد أن رفع المسيح، فلم يذكروا فيها أنها كلام الله، ولا أن المسيح بلغها عن الله، بل نقلوا فيها أشياء من كلام المسيح، وأشياء من أفعاله ومعجزاته، وذكروا أنهم لم ينقلوا كل ما سمعوه منه ورأوه، فكانت من جنس ما يرويه أهل الحديث والسير والمغازي عن النبي ﷺ من أقواله وأفعاله التي ليست قرآنا، فالأناجيل التي بأيديهم شبه كتاب السيرة وكتب الحديث أو مثل هذه الكتب، وإن كان غالبها صحيحاً.
" الجواب الصحيح " (٢ / ١٤) .
وانظر جواب السؤال رقم (٤٧٥١٦) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 175
آخر وصية ليعقوب ومواضع صحف إبراهيم في القرآن والبلد الذي يحتوي على أعلى نسبة للمسلمين وكيف أسلموا
[السُّؤَالُ]
ـ[١- ما هي آخر وصية للنبي يعقوب لأولاده قبل موته؟
٢-الصحف التي أُنزلت على النبي إبراهيم ضاعت ولكنها مذكورة في القرآن في اكثر من موضع؟ اذكر موضعين من هذه المواضع؟
٣-في أي بلد تكون أعلى نسبة للمسلمين؟ كيف اسلم أهل هذا البلد]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
١ - دلّ القرآن الكريم على أن يعقوب قد أوصى بنيه قبل موته، فقال: (مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي) فقالوا: (نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) البقرة / ١٣٣.
٢- ذكر صحف إبراهيم في سورة الأعلى ١٩: (صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى) ، وفي سورة النجم ٣٧: (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى) .
٤- أكبر بلد إسلامي من الناحية العددية في إفريقيا: نيجيريا. وفي آسيا: أندونيسيا. وقد أسلم الأندونوسيون بسبب الاحتكاك بالتجار المسلمين الحضارمة كما هو معلوم. ولعل هذا هو مطلوب السائل، وإن كان السؤال غير دقيق، لأن اعتبار النسبة يعني غير ذلك.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 176
ما هي طبيعة سلطة القرآن على المسلمين
[السُّؤَالُ]
ـ[أدرس دورة في ديانات العالم، وأجد مشكلة في إيجاد حل للسؤال التالي:
ما هي طبيعة سلطة القرآن تبعاً للعرف الإسلامي؟ وما هو دور القرآن في التشريع الإسلامي طبقاً للتراث الإسلامي الحنيف؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
القرآن أنزله الله شريعة ومرجعا في الحلال والحرام والأمر والنهي لزاما على الناس، فما فيه من الأمر امتثلوه وما فيه من نهي اجتنبوه وما فيه من حلال أحلوه وما فيه من حرام حرموه، وفيه خبر ما قبلنا ونبأ ما بعدنا وحكم ما بيننا، قال الله : " ما فرطنا في الكتاب من شئ "، وبعد أن تم نزوله قال الله : " اليوم أكملت لكم دينكم "، وجاءت السنة مبينة ومكملة للقرآن قال ﷺ : " ألا إنني أوتيت القرآن ومثله معه " ومعنى قوله ومثله أي السنّة، حديث صحيح، وأمر الله بالرجوع إلى هذين الدستورين، قال الله : (وما اختلفتم فيه من شئ فردوه إلى الله والرسول) ، فالرد إلى الله يعني إلى القرآن والرد إلى الرسول يعني إلى السنة، فالقرآن هو المصدر الأول للتشريع ثم تأتي السنة والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 177
أشياء أخبر عن وقوعها القرآن ووقعت
[السُّؤَالُ]
ـ[هل هناك أي من الأشياء التي أخبر القرآن أنها ستقع ثم وقعت بالفعل؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نعم، هناك بعض الأشياء التي ذكر الله تعالى في القرآن أنها ستقع، وقد وقعت بالفعل، ومنها:
أ. هزيمة الفرس على أيدي الروم في بضع سنين:
قال تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ الروم / ٢ – ٤.
قال الشوكاني:
قال أهل التفسير: غَلبت فارسُ الرومَ، ففرح بذلك كفارُ مكة وقالوا: الذين ليس لهم كتاب غلبوا الذين لهم كتاب، وافتخروا على المسلمين، وقالوا: نحن أيضاً نغلبكم كما غَلبت فارسُ الرومَ، وكان المسلمون يحبُّون أن تظهر الروم على فارس لأنهم أهل كتاب ... ﴿وهم من بعد غلبهم سيغلبون﴾ أي: والروم من بعد غَلب فارس إياهم سيغلبون أهلَ فارس ...
قال الزجاج: وهذه الآية من الآيات التي تدل على أن القرآن من عند الله؛ لأنه إنباء بما سيكون، وهذا لا يعلمه إلا الله سبحانه.
" فتح القدير " (٤ / ٢١٤) .
ب. العداوة بين فِرق النصارى إلى يوم القيامة.
قال تعالى ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ المائدة / ١٤.
قال ابن كثير:
﴿فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة﴾ أي: فألقينا بينهم العداوة والبغضاء لبعضهم بعضاً، ولا يزالون كذلك إلى قيام الساعة، ولذلك طوائف النصارى على اختلاف أجناسهم لا يزالون متباغضين متعادين يكفر بعضهم بعضاً ويلعن بعضهم بعضاً، فكل فرقةٍ تحرم الأخرى ولا تدعها تلج معبدها، فالملكية تكفر باليعقوبية، وكذلك الآخرون، وكذلك النسطورية والآريوسية، كل طائفة تكفر الأخرى في هذه الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد.
" تفسير ابن كثير " (٢ / ٣٤) .
ت. ما وعد الله نبيه ﵇ أنه سيظهر دينه على الأديان.
قال الله تعالى: ﴿هوَ الذي أرْسَل رَسُولَه بِالهُدَى ودِينِ الحقِّ ليظهره على الدين كله﴾ الآية سورة التوبة / ٣٣ وسورة الفتح / ٢٨، وسورة الصف / ٩.
قال القرطبي:
ففعل ذلك، وكان أبو بكر ﵁ إذا أغزى جيوشه عرَّفهم ما وعدهم الله في إظهار دينه ليثقوا بالنصر وليستيقنوا بالنجاح، وكان عمر يفعل ذلك، فلم يزل الفتح يتوالى شرقاً وغرباً برّاً وبحراً.
" تفسير القرطبي " (١ / ٧٥) .
ث. فتح مكة
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً﴾ الفتح / ٢٧.
قال الطبري:
يقول تعالى ذكره: لقد صدق الله رسولَه محمَّداً رؤياه التي أراها إياه أنه يدخل هو وأصحابه بيتَ الله الحرام آمنين لا يخافون أهل الشرك مقصِّراً بعضهم رأسَه ومحلِّقاً بعضهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
" تفسير الطبري " (٢٦ / ١٠٧) .
ج. وقوع غزوة بدر
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ الأنفال / ٧.
قال ابن الجوزي:
والمعنى: اذكروا إذ يعدكم الله إحدى الطائفتين، والطائفتان: أبو سفيان وما معه من المال، وأبو جهل ومن معه من قريش، فلما سبق أبو سفيان بما معه كتب إلى قريش إن كنتم خرجتم لتحرزوا ركائبكم فقد أحرزتها لكم، فقال أبو جهل: والله لا نرجع، وسار رسول الله ﷺ يريد القوم فكره أصحابه ذلك، وودوا أن لو نالوا الطائفة التي فيها الغنيمة دون القتال، فذلك قوله ﴿وتودون أن غير ذات الشوكة﴾ أي: ذات السلاح.
" زاد المسير " (٣ / ٣٢٤) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 178
حكم اقتناء الإنجيل والتوراة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يصح لي أن أقتني نسخة من الإنجيل لأعرف كلام الله لسيدنا عيسى وهل الإنجيل الموجود الآن صحيح؟ حيث إنني سمعت أن الإنجيل الصحيح غرق في الفرات؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يجوز اقتناء شيء من الكتب السابقة على القرآن من إنجيل أو توراة أو غيرهما لسببين:
- أن كل ما كان نافعاً فيها فقد بينه الله في القرآن.
- أن في القرآن ما يغني عن كل هذه الكتب لقوله تعالى: (نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه) .
فكل ما في الكتب السابقة من خير موجود في القرآن، أما قول السائل أنه يريد أن يعرف كلام الله لعبده ورسوله عيسى ﵇، فإن النافع منه لنا موجود في القرآن فلا حاجة للبحث عنه من غيره.
وأيضاً فالإنجيل الموجود الآن محرف، والدليل على ذلك أنه أربعة أناجيل يخالف بعضها بعضاً وليس إنجيلاً واحداً، إذن فلا يعتمد عليها، أما طالب العلم الذي لديه علم يتمكن به من معرفة الحق من الباطل فلا مانع من دراسته لها لرد ما فيها من الباطل وإقامة الحجة على معتنقيها.
الشيخ ابن عثيمين ﵀.
[الْمَصْدَرُ]
مجلة الدعوة العدد/١٧٨٩ ص/٤٣.
стр. 179
إذا كان اليهودي والنصراني يوحّد الله ولكن لا يُحكّم القرآن
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا كان هناك شخص يهودي أو نصراني يؤمن بالله وأنه لا شريك له، ويؤمن بالرسل المرسلين من الله ﵈ ولكنه لا يحكم بالقرآن مع أنه يؤمن بأنه من عند الله ولكنه يفترض أنه يجوز أن يحكم التوراة الأصلية. فهل هذا يعتبر مسلما؟]ـ
[الْجَوَابُ]
أرسلنا بهذا السؤال إلى شيخنا الشيخ عبد الرحمن البراك فأجاب بما يلي:
الحمد لله وبعد
فإن من أصول الإيمان: الإيمان بجميع الكتب المنزلة من عند الله والإيمان بجميع الرسل ويدخل في هذين الأصلين الإيمان بأشرف الكتب وهو القرآن وأفضل الرسل وهو محمد ﷺ خاتم المرسلين ورسول الله إلى الناس أجمعين منذ بعثه الله إلى أن تقوم الساعة فيجب على كل إنسان من جميع الأمم الإيمان به واتباعه وتحكيم شريعته فمن ادعى الإيمان به وبالقرآن ولم يحكّمه ولم يلتزم اتباعه في كل ما جاء به ولم يصدّقه في جميع أخباره فليس بمسلم ولا مؤمن، وإن مات على ذلك فهو من أصحاب الجحيم ولو ادعى أنه يؤمن بالله وحده لا شريك له ويؤمن بجميع الرسل فإن الإيمان بالرسول وبالقرآن ليس هو مجرد التصديق من غير انقياد ولا اتباع ولا تحكيم فإن كثيراً من المشركين كانوا مصدقين للرسول ﷺ بقلوبهم بل منهم من هو مصدق بقلبه وبلسانه مثل عمه أبي طالب، ولم ينفعهم هذا التصديق لمّا أصروا على عدم اتباعه، وهكذا اليهود والنصارى كانوا يعرفونه كما يعرفون آباءهم ومنهم من يُظهر تصديقه للرسول ﷺ ، فلم تنفعهم هذه المعرفة وهذا التصديق لما أبَوا اتباعه كانوا كفاراً وأحلّ الله له دماءهم وأموالهم فقاتلهم الرسول ﷺ فأظهره الله عليهم وأظهر دينه عل كل الأديان، قال تعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون) . أهـ
فالواجب على كل يهودي أو نصراني أن يدخل في دين الإسلام الذي أنزله الله على نبيه محمد ﷺ ، لأنّ الرسالة المحمدية هي الخاتمة والناسخة للديانات السابقة، قال تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه) ، وفي الحديث الصحيح: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ.) رواه مسلم ٢١٨، وعلى هذا فلا يصح من يهودي ولا نصراني دين حتى يؤمن بشريعة الإسلام ويلتزم بحكم القرآن الكريم، فالقرآن مهيمن وناسخ للكتب السابقة، والتوراة والإنجيل منسوخة واعتراها التحريف والتبديل. والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ عبد الرحمن البراك
стр. 180
حكم اقتناء الكتب السابقة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز للمسلم أن يقتني الإنجيل ليعرف كلام الله لعبده ورسوله عيسى ﵊؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يجوز اقتناء شيء من الكتب السابقة على القرآن من إنجيل أو توراة أو غيرهما لسببين:
السبب الأول: أن كل ما كان نافعاً فيها فقد بينه الله في القرآن الكريم.
السبب الثاني: أن في القرآن ما يغني عن كل هذه الكتب لقوله تعالى: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْه ِ) آل عمران/٣. وقوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ) المائدة/٤٨. فإن ما في الكتب السابقة من خير موجود في القرآن.
أما قول السائل إنه يريد أن يعرف كلام الله لعبده ورسوله عيسى , فإن النافع منه لنا قد قصه الله في القرآن فلا حاجة للبحث في غيره , وأيضاً فالإنجيل الموجود الآن محرَّف , والدليل على ذلك أنها أربعة أناجيل يخالف بعضها بعضاً وليست إنجيلاً واحداً إذن فلا يعتمد عليه.
أما طالب العلم الذي لديه علم يتمكن به من معرفة الحق من الباطل فلا مانع من معرفته لها لرد ما فيها من الباطل وإقامة الحجة على معتنقيها.
[الْمَصْدَرُ]
مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ج/١ ص/٣٣-٣٢.
следующие страницы →