Полный текст (16 344 стр.). Показаны 11586–11625 · переход к 11591.
стр. 11586
زوج لا يصلي، ويسكن زوجته في غرفة واحدة مع ضرتها !
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا شاب مغربي , ٢٥ سنة , ذو عمل، أبي متزوج من ثلاث نساء , أمي هي الزوجة الأولى، المشكلة هو أننا نسكن في بيت واحد، وهو صغير، به ثلاث غرف، لا غير، المشكلة الأكبر أن أمي تسكن – مرغمة - في غرفة واحدة مع الزوجة الثالثة، وهي تكبر أختي الكبيرة بـ ٣ سنوات، ولكم أن تتصوروا معاناة والدتي مع ضرتها، مستوانا المعيشي في تدهور مستمر، أبي لا يصلي، ويذكر أهل السنة بالشر، يصل في بعض الأحيان إلى سبهم، مما جعلني أتوقف عن محاولاتي لإقناعه بالصلاة، لكن بدون جدوى، ففي كل مرة أذكره بها يتعصب ويقول كلاماً يعمِّق جرحي، المهم أننا - والله أعلم بحالنا - صبرنا كثيراً، ووالدتي لم تعد تحتمل، فهي مريضة، نحن ١٥ فرداً نسكن في هذا البيت، إخوتي الأشقاء يصلون - والحمد لله - وأنا ماضٍ في طريق الالتزام. سؤالي هو: هل يجوز لي أن أخرج مع والدتي من البيت لنسكن في بيت آخر بعيداً عن أبي، وزوجاته، وإخواني غير الأشقاء؟ . جزاكم الله عنَّا كل خير.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
عدم صلاة والدك، واستمراره على ذلك رغم النصح والتذكير: يوجب فسخ عقد النكاح، فلا تحل له زوجاته المصليات، ولا يحل لهن، ويجب عليكم أن تسعوا في فسخ النكاح بالطرق المتيسرة لكم، فإن كانوا في بلدكم يعتبرون ترك الصلاة موجباً لفسخ النكاح فقدموا هذا السبب لفسخه، وإن لم يكونوا يعتبرونه موجباً للفسخ: فاسعوا في طلب الطلاق بسبب الضرر الواقع على أمكم جراء جمع والدكم لها ولضرتها في بيت واحد، وهو ما أحدث ضرراً على حياتها ومعيشتها، والمهم أن تعلموا أنه لا يحل لكم أن تمكنوه من قرب والدتكم، ولا من جماعها إلا أن يعود لدينه بإقامة الصلاة.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀:
الزوج الذي لا يصلي كافر؛ لقول النبي ﷺ (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) أخرجه الإمام أحمد، وأهل السنن بإسناد صحيح؛ ولقوله ﷺ (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) أخرجه مسلم في صحيحه، عن جابر ﵁.
وسواء كان جاحداً لوجوبها، أم لم يجحد وجوبها، لكنه إذا كان جاحداً لوجوبها: فهو كافر بإجماع المسلمين، أما إذا تركها تهاوناً وتكاسلاً عنها، ولم يجحد وجوبها: فهو كافر في أصح قولي العلماء؛ للحديثين المذكورين؛ وما جاء في معناهما.
ولا يجوز لكِ أيتها السائلة الرجوع إلى زوجك المذكور، حتى يتوب إلى الله سبحانه، ويحافظ على الصلاة، هداه الله ومنَّ عليه بالتوبة النصوح.
" فتاوى الشيخ ابن باز " (١٠ / ٢٦٩، ٢٧٠) .
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
الذي لا يصلي سواء يستعمل المخدرات أو لا: كافر، مثل اليهود والنصارى، أو أشد؛ لأن اليهود والنصارى يمكن إقرارهم على دينهم بالجزية – مثلاً -، لكن الذي لا يصلي، وكان مسلماً: فهذا مرتد، لا يجوز إقراره، ولا يجوز أن يبقى على الحياة، بل يؤمر بالصلاة، فإن صلى: فذاك، وإلا وجب قتله مرتداً، هذه أحكام المرتد، كما ذكرها العلماء ﵏ في كتبهم، ويجب على زوجته أن تفارقه الآن، ولا يحل له أن يجامعها، ولا يحل لها أن تمكِّنه من الجماع، بل ولا من التقبيل، بل ولا من الخلوة بها، يجب أن تفارقه الآن ما لم يرجع إلى الإسلام، ولتعلم أنها إذا مكنته من نفسها: فهي كما لو مكنت رجلاً أجنبيّاً، نسأل الله العافية، فالواجب عليها الفرار منه كما تفر من الأسد ...
ويمهل حتى تنقضي العدة، فإن رجع قبل انقضاء العدة إلى الإسلام: فهي زوجته، وإن لم يرجع: فإن النكاح يتبين أنه انفسخ منذ ارتداد هذا الرجل، ويرى بعض العلماء أنها إن بقيت بلا زوج وعاد إلى الإسلام ولو بعد انقضاء العدة ورغبت أن يرجع إليها: فلا بأس، هذا بالنسبة لزوجته.
أما بالنسبة لحاله: فإنه لو مات على هذه الحالة: حرُم أن يغسَّل، أو يكفَّن، أو يصلَّى عليه، أو يدفن مع المسلمين، أو يدعى له بالرحمة والمغفرة، أو يتصدق عنه، أو يحج عنه؛ لأنه كافر، وقد قال الله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) التوبة/ ١١٣.
ونعني بهذا: مَن لا يصلي، لا في المسجد، ولا في بيته، أما من صلَّى في بيته: فهو آثم عاصٍ، وإذا استمر على ذلك: فهو من الفاسقين، ولكنه لا يكفر، وإنما نريد الذي لا يصلي نهائيّاً، فهذا حكمه كما ذكرت.
ونصيحتي لزوجته: أن تتقي الله ، وأن تفر منه إلى أهلها، حتى يهديه الله تعالى إلى الإسلام، والله لم يجبره على ترك الصلاة، الأمر له بالخيار، كما أنه بالخيار أن يذهب إلى السوق، أو إلى المسجد، أو إلى أي مكان، فإنه بالخيار أيضاً أن يصلي، أو لا يصلي.
" لقاءات الباب المفتوح " (٧٧ / السؤال رقم ٢) .
ثانياً:
حتى لو صلَّى فإنه لا يجوز له أن يجمع بين زوجتين في غرفة واحدة، ومن حق كل زوجة أن يكون لها مسكن مستقل عن باقي الزوجات، وإن أصرَّ على ذلك: فلكم أن ترفعوا الضرر ع والدتكم بإخراجها من ذلك المسكن؛ للضغط عليه بأن يعطي كل زوجة حقها الذي أوجبه الله تعالى عليه.
وانظر جوابي السؤالين: (٧٦٥٣) و (٩٦٤٥٥) ففيهما بيان حق الزوجة في السكن المستقل، وتفصيلات مهمة في ذلك.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 11587
يرغمها على العمل ويريد الزواج من غيرها فهل تطلب الطلاق ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[إن زوج خالتي] أو زوج عمتي [طلب منها أن تأذن له بالزواج من زوجة ثانية وأخبرها قريباً بأمر الزفاف، المشكلة أن خالتي] أو عمتي [لم تستطع العمل السنوات القليلة الماضية لمرضها لكن زوجها أجبرها على العمل في عمل تنظيفي، وهو يعمل أيضًا لكنه يأخذ كل مالها التي تعمل به ويعطيها القليل، وأخبرها أنه لن يدفع مصاريف الإيجار ولا الطعام لذا عليها أن تعمل أكثر، والعمل يتسبب في مرضها، وخالتي] أو عمتي [هي التي تدفع مصاريف كل شيء، وهو يدّعي أنه ليس لديه أي مال، والواقع أنه ينفق جميع ماله على بيت زوجته الثانية وعلى زفافه، أخبرْنا خالتَنا] أو عمتنا [أن تأتي وتقيم معنا هربًا منه، وهذه ليست أول مرة يتزوج فيها زوجة ثانية ويهمل خالتي] أو عمتي [لكن خالتي] أو عمتي [تقول إنها ستعطيه فرصة أخرى، هل حرام أن نشجع خالتنا] أو عمتنا [أن تبقى مقيمة معنا لمدة ونحثها على الطلاق منه؟ نحن خائفون على صحتها، فهي مريضة أليس لها حق في الطلاق؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
أوجب الله تعالى على الزوج أن يُسكن زوجته ويكسوها وينفق عليها، وقد جعل الله ذلك – كله – حقّاً للزوجة.
قال تعالى ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق / ٦] .
قال ابن حزم ﵀:
ويلزمه – أي: الزوج - إسكانها على قدر طاقته؛ لقول الله تعالى ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم﴾ [الطلاق / ٦] .
" المحلى " (٩ / ٢٥٣) .
وقال ابن قدامة ﵀:
ويجب لها مسكن بدليل قوله ﴿أسكنوهن...﴾ فإذا وجبت السكنى للمطلقة، فللتي في صلب النكاح أولى، قال الله تعالى ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ ، ومن المعروف أن يسكنها في مسكن، ولأنها لا تستغني عن المسكن للاستتار عن العيون، وفي التصرف والاستمتاع وحفظ المتاع." المغني " (٩ / ٢٣٧) .
وعن معاوية بن حيدة عن النبي ﷺ أنه سأله رجل: ما حق المرأة على زوجها؟ قال: " تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت ".
رواه أبو داود (٢١٤٢) وابن ماجه (١٨٥٠) ، وصححه الألباني في " صحيح الترغيب " (١٩٢٩) .
قال الخطابي – ﵀:
في هذا إيجاب النفقة والكسوة لها، وليس في ذلك حد معلوم، وإنما هو على المعروف، وعلى قدر وسع الزوج وَجِدَتِه، وإذا جعله النبي ﷺ حقاً لها فهو لازم للزوج، حضر أو غاب، وإن لم يجده: كان ديناً عليه إلى أن يؤديه إليها كسائر الحقوق الزوجية. " معالم السنن على هامش المنذري " (٣ / ٦٧، ٦٨) .
وعن جابر ﵁ قال: قال النبي ﷺ " فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ". رواه مسلم (١٢١٨) .
قال النووي ﵀:
فيه وجوب نفقة الزوجة وكسوتها، وذلك ثابت بالإجماع. " شرح مسلم " (٨ / ١٨٤) .
ثانياً:
يجب على المعدِّد أن يتقي الله تعالى ويعدل في النفقة والكسوة والمبيت، ولا يحل له أن يجور في قسمته بين نسائه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
وأما العدل في النفقة والكسوة: فهو السنَّة أيضاً، اقتداء بالنبي ﷺ ، فإنه كان يعدل بين أزواجه في النفقة، كما كان يعدل في القسمة، مع تنازع الناس في القَسم، هل كان واجباً عليه أو مستحباً له؟ وتنازعوا في العدل في النفقة هل هو واجب؟ أو مستحب؟ ووجوبه أقوى وأشبه بالكتاب والسنة.
" مجموع الفتاوى " (٣٢ / ٢٦٩) .
وقد حذَّر النبي ﷺ المعدَِّد من أن يظلم إحدى نسائه.
عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل ".
رواه الترمذي (١١٤١) وأبو داود (٢١٣٣) والنسائي (٣٩٤٢) وابن ماجه (١٩٦٩) ، وصححه الحافظ ابن حجر في " بلوغ المرام " (٣ / ٣١٠) ، والألباني في " إرواء الغليل " (٧ / ٨٠) .
قال الشافعي ﵀:
ودلَّت سنة رسول الله ﷺ ، وما عليه عوام علماء المسلمين: أن على الرجل أن يقسم لنسائه بعدد الأيام والليالي، وأن عليه أن يعدل في ذلك لا أنه مرخص له أن يجوز فيه. " الأم " (٥ / ١٥٨) .
وقال: ولم أعلم مخالفا في أن على المرء أن يقسم لنسائه فيعدل بينهن. " الأم " (٥ / ٢٨٠) .
وقال البغوي ﵀:
إذا كان عند الرجل أكثر من امرأة واحدة يجب عليه التسوية بينهن في القسم إن كُنَّ حرائر، سواء كن مسلمات أو كتابيات ... فإن ترك التسوية في فعل القَسم: عصى الله ، وعليه القضاء للمظلومة. " شرح السنة " (٩ / ١٥٠، ١٥١) .
ثالثاً:
لا يجوز للزوج أن يأخذ راتب زوجته إلا أن عن طيب نفسٍ منها، وقد أباحت لها الشريعة أن تعمل عملاً مباحاً – دون إلزام، لأن النفقة واجبة على زوجها – وأباحت لها التملك لهذا المال، فإن أعطت منه زوجَها جاز، وإن أخذه عن غير طيب نفسٍ منها كان سحتاً عليه.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀:
لا حرج عليك في أخذِ راتب زوجتك برضاها إذا كانت رشيدة، وهكذا كل شيء تدفعه إليك من باب المساعدة لا حرج عليك في قبضه، إذا طابت نفسها بذلك وكانت رشيدة؛ لقول الله في أول سورة النساء ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء / ٤] ، ولو كان ذلك بدون سند، لكن إذا أعطتْك سنداً بذلك فهو أحوط إذا كنت تخشى شيئاً من أهلها وقراباتها أو تخشى رجوعها. " فتاوى المرأة المسلمة " (٢ / ٦٧٢، ٦٧٣) .
رابعاً:
إذا علمت الزوجة أن الزوج يجب عليه أن يؤمن لها المسكن والنفقة والكسوة، وعلمت أن العدل واجب عليه بين نسائه، وعلمت أنه لا يحل له أن يجبرها على العمل ولا على أن تعطيه راتبها، ثم رأت من زوجها مخالفة لكل ما ذُكر أو لبعض منه: فهي بالخيار: إما أن تصبر على هذا الظلم رجاء أن يتغير زوجها وأن يُصلَح حاله، وإما أن تطالب بحقها عن طريق المحاكم الشرعية، فإن لم يُصلَح زوجُها، أو لم تحصِّل حقَّها من المحاكم الشرعية، ولم تستطع الصبر على ظلم زوجها: فإن لها حق طلب الطلاق، واستيفاء حقِّها كاملاً منه.
ومع أن المرأة كلما استطاعت الصبر على ما تجده من ظلم زوجها وأذاه، وحافظت على بيتها، فهو أفضل لها وأولى من الطلاق منه؛ فإن لكل حالة من الخصوصية ما يوجب النظر في ملابساتها مجتمعة، قبل إبداء الرأي فيها، ويمكنها ـ هنا ـ أن تستشير عقلاء أهلها وأقربائها في موضوعها، فإما أن يصلَح الحال وتمضي حياتها على خير، وإما أن تختار لنفسها أحد الأمرين: الصبر أو الطلاق، والتحذير من طلب الطلاق إنما هو في حال أن يكون من غير سبب شرعي.
عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : " أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة"
رواه الترمذي (١١٨٧) وحسَّنه، وأبو داود (٢٢٢٦) وابن ماجه (٢٠٥٥) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 11588
ضربها زوجها وأخذ مهرها وامتنع عن رؤية ولدها
[السُّؤَالُ]
ـ[كنت أحب أن أقول عن تجربتي وهي تتنافى مع أي حق من حقوق المرأة، والإنسان: فأنا أبلغ من العمر ٢٢ عاماً , تقدم لخطبتي رجل كان من وجهة نظري ناجحاً، وعنده دِين، وخلق. وبعد أربعة شهور من الزواج كان يضربني - وأنا حامل - ضرباً مميتاً، وطلب أبي الطلاق منه، بعدما رأينا منه ما لم ير أحد على الإطلاق من كل أنواع السوء، وأخذ كل شيء، وطلب الإبراء، وإلى الآن لم يطلب أن يرى ابنه، وهو يبلغ من العمر ٤ أشهر، فأين هو الإسلام؟ أين هو حقي؟ فهو أخذ كل شيء ولم يترك أي شيء حتى ابنه، لا يسأل عنه، ولا يبعث له بمال، والحمد لله أن أبى ميسور الحال، ويصرف علينا، الحمد لله، فأين حق المرأة في الإسلام؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
أوجب الله تعالى على الزوجين أن يعاشر بعضهم بعضاً بالمعروف، وكما أن للزوج حقوقاً فإن للزوجة حقوقاً كذلك، قال تعالى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) البقرة/من الآية٢٢٨.
وعلى الزوج أن يراعي طبيعة خلق المرأة، وأنه لن يجد زوجة يستمتع بها إلا ومعها من الخطأ ما معها، ومتى أراد أن يؤدبها على كل شيء، وأن يقومها من كل نقص أو خطأ، فلن يجد ـ في نهاية المطاف ـ إلا طلاقها!!
ولذا نبهه النبي ﷺ أنه إن كره منها خُلُقاً فإنه سيرضى منها آخر.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ) .
رواه البخاري (٣١٥٣) ومسلم (١٤٦٨) وفي لفظ عنده:
(إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ فَإِنْ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا) .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – أيضاً - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ - أَوْ قَالَ: غَيْرَهُ -) . رواه مسلم (١٤٦٩) .
ومعنى " لا يفرَك " أي: لا يبغض.
ثانياً:
إننا لفي غاية العجب منك ومن زوجك، أما من زوجك: فلتلك المعاملة السيئة التي ذكرتيها لنا في سؤالك: من قسوة القلب، وسوء المعاملة، والضرب المبرح، فهذه ليست من أخلاق المسلمين، ولا من أخلاق ذوي المروءة من الرجال ولو كانوا كفاراً، فكيف وأنتِ تزعمين أنه ملتزم، ومستقيم على الطاعة؟! وإننا نسأله: مَنْ قُدوتك في هذه المعاملة؟ من هو أسوتك في تلك الأخلاق؟ من يملك مثل قلبك من الأنبياء والصحابة والتابعين وعلماء الإسلام الأجلاء وأهل الديانة والصيانة؟!!
وهل تعلم أنك لا تسيء لنفسك بتلك المعاملة الفظة فقط، بل تسيء لدينك واستقامتك وإخوانك الملتزمين بطاعة الله؟! هل تعلم أنك من المنفرين عن دين الله؟ .
يجب عليك أن تتقي الله ربك، وأن تعلم ما أوجب الله عليك فتفعله، وما نهاك عنه فتكف عنه، وأن تقف على أخلاق الإسلام فتتخلق بها، ومما أوجبه الله عليك: عشرة زوجتك بالمعروف، ونفقة ولدك التي تهربت منها، ومما نهاك عنه: ضربُ زوجتك المبرح، وأخذُك لمهرها من غير حق، ومن أخلاق الإسلام: الرأفة والرحمة بالأطفال عموما فكيف بأولادك؟! فأين أنت عن هذا كله؟ .
وأما عجبنا منكِ أيتها الأخت الكريمة: فهو سؤالك " أين الإسلام؟ "، " أين حق المرأة؟ "، فهل تظنين أن زوجك هو الإسلام؟ هل زوجك نبي من الأنبياء – حاشاهم من ذلك -؟ إنه فرد من المسلمين، يصيب ويخطئ، يطيع ويعصي، يضل ويهتدي، ليس هو معصوماً من الخطأ، ولا مبرأً من الإثم، ولا منزَّهاً عن الظلم والعدوان، فخطؤه على نفسه، وظلمه وعدوانه لم يأمره به الشرع، بل نهاه عنه وتوعده عليه بالعقوبة الشديدة. فليس هو الإسلام، ولا هو القرآن، ولا هو ممثل للإسلام، ولا ناطق باسمه، على حد تعبير الناس!!
وحق المرأة مكفول في شرع الله تعالى، ولن تجد النساء خيراً لهن من الإسلام يحفظ حقوقهن، ويرعى مشاعرهنَّ، ويكرمهن بناتٍ وأخوات وأمهات وجدات وزوجات، وهذه شرائع الأرض حولك، وهذه الأديان المحرفة أمامك انظري فيها لتعلمي الفرق العظيم بين المرأة في الإسلام وفي غيره.
وأما مخالفة هدي الإسلام من قبَل بعض أهله فهذا لا شأن له بالإسلام، إنما هي أخلاقهم وسلوكهم وانحرافاتهم، والإسلام منها براء
والظن بك أن سؤالك: أين الإسلام في تصرفات هذا المسكين؟!!
وأنت محقة في هذا السؤال، وإنه لمسكين والله، يستحق أن يرحم؛ ذلك الذي يُحَمِّل نفسه الضعيفة، فوق أوزارها وتفريطها في جنب ربها، مظالم العباد، وحقوق الخلق، ليوافي بها ربه يوم القيامة!!
وإذا كان ثمة ادعاء عندك على زوجك فيجب أن يثب ذلك أمام القضاء الشرعي، لتحصلي بعدها على حقوقك كاملة مستوفاة.
ولا يُقبل كلام أحد الطرفين دون سماع الآخر، وإذا استمع القاضي للشرعي لطرفي النزاع حكم بينهما بشرع الله تعالى بما لا يمكن أن يوجد له مثيل في الأرض في تحقيق العدل، وإعطاء أصحاب الحقوق حقوقهم.
فالذي ننصحك به هو:
١. الاستمرار في التفاهم مع زوجك من قبلك وقبَل أهلك لردعه عن باطله، والقيام بما أوجبه الله تعالى من حقوق.
٢. فإن لم ينفع هذا معه: فابحثوا عن شيخ له، أو رجل يحترمه ويقدِّره، واجعلوه واسطة بينكم وبينه للتحكيم بينكما.
٣. فإن لم ينفع هذا: فارفعي شكوى ضده في المحاكم الشرعية؛ لإثبات وقوع الضرر عليك منه؛ ولاستيفاء كامل حقوقك التي كفلها لك الشرع المطهَّر.
فإن كان لك حق عليه، كما هو ظاهر من رسالتك، وكان للولد الصغير حق على أبيه، كما هو مقرر في الشرع، بل وفي كل عقل وفطرة، ثم عجزت ـ رغم كل ذلك ـ عن أخذ حقك في الدنيا؛ فاعلمي ـ يا أمة الله ـ أن للعباد يوما يقفون فيه بين يدي اللملك الديان، ليعطي كل ذي حق حقه.
روى الإمام أحمد في مسنده (١٥٦١٢) من حديث عبد الله بن أُنيس، ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:
(يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْ قَالَ الْعِبَادُ عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا قَالَ قُلْنَا وَمَا بُهْمًا قَالَ لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ ثُمَّ يُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مِنْ قُرْبٍ أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الدَّيَّانُ وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ وَلَهُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَقٌّ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَهُ حَقٌّ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ حَتَّى اللَّطْمَةُ قَالَ قُلْنَا كَيْفَ وَإِنَّا إِنَّمَا نَأْتِي اللَّهَ عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا قَالَ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ!!) .
صححه الألباني في ظلال الجنة (٥١٤)
وفي صحيح البخاري (٢٤٤٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
(مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ، فحُمِلَ عَلَيْهِ) .
ونسأل الله تعالى أن يهديه ويصلحه، ونسأله تعالى أن يوفقكِ لما فيه رضاه، وأن يجمع بينكما على خير، إن كان في اجتماعكما خير لكما ولذريتكما، وأن يأجرك في مصابك هذا، ويخلف لك خيرا منه.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 11589
يريد أهل الزوج من ابنهم تطليق زوجته وهو لا يرغب في ذلك
[السُّؤَالُ]
ـ[عشتُ أربع سنوات، هي مدة زواجي كله إلى الآن، وأنجبت ابناً عمره الآن عام ونصف، ذقتُ كل أشكال العنف الأسري المعروفة: مِن ضرب، وإهانة، وطرد من البيت، وعدم إنفاق، كل هذا يهون في مقابل أن ابني يكون له أب مثل كل الأطفال، لكن السؤال هو أني قبل زواجي من سبع سنين كنت متزوجة من زميل لي في الجامعة، ولكن في بداية الأمر كان زواجاً عرفيّاً، وبعد أن علم الأهل بالأمر: تم تصحيحه إلى زواج شرعي، ولكن لم يستمر، وتم طلاقنا، وتزوجت زوجي هذا الآن، مع العلم أنه يعلم هذا، وقبَل بزواجنا، المشكلة هي أنه أصبح يذلني بهذا الأمر ليل نهار، وزادت المشاكل بيننا، ودائما تتدخل أمه بيننا، وتعكر صفو حياتنا، وتفسد عليَّ كل ما أنجح في إصلاحه معه، ومؤخراً لأني أسكن في بيت عائلة تدخلت بيننا في مشكلة، وسمعت ما سمعت، وعلمت بموضوع زواجي الأول، وهي الآن هي وزوجها يطالبونني بأخذ عفشي، ويطلقوننا، مع العلم أن هذا الطلاق ضد رغبة زوجي؛ لأنه لا يريد أن تتم تربية ابنه بعيداً عنه؛ لأنه هو أيضا كان مطلقاً مثلي عند زواجنا، وله ولد تربي عشر سنوات بعيداً عنه، ولا يريد أن يكرر ذلك معي، ويدَّعي أنه يحبني، وأنا لا أدري ماذا أفعل مع أهله، وطلبت منه أن ننتقل من هذا المسكن، قالت له أمه: إني خائنة! وممكن أسرق العفش بعد ذلك، وأدَّعي عليه أنه سرقه مني، وقالت له: إن وجودنا في البيت أمان؛ لأنها موجودة باستمرار، ولن تستطيع أن تسرقه ونحن موجودون، وتقول له أن يطلقني، وأن يتزوج بغيري.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الزواج العرفي له صورة يكون فيها باطلاً، وله صورة أخرى يكون فيها ناقصاً، فيكون باطلاً حيث يعقد الرجل على المرأة من غير موافقة وليها، ويكون ناقصاً إذا خلا من الإشهار والإعلان، على أن الصورة المتبادرة منه، والتي أشرت أنها تكون بعيدا عن علم الأهل، والتي توجد في بعض البلاد الإسلامية، مع الأسف، هي صورة من صور النكاح الباطل، بل ليست نكاحا أصلا!!
وفي جوابي السؤالين: (٤٥٥١٣) و (٤٥٦٦٣) تفصيل وافٍ لمسائله وأحكامه.
ثانياً:
من حقوق الزوجة على زوجها: عشرتها بالمعروف، واحترامها، وعدم إهانتها.
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: (مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا خَادِمًا إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) رواه مسلم (٢٣٢٨) .
وعَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: (أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ، وَلَا تَضْرِبْ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ، وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ) .
رواه أبو داود (٢١٤٢) وابن ماجه (١٨٥٠) ، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ".
قال المناوي – ﵀:
" يحرم ضرب الزوجة، إلا النشوز ".
" فيض القدير " (١ / ٦٦) .
وقال الشوكاني – ﵀:
وظاهر حديث الباب: أنه لا يجوز الهجر في المضجع، والضرب، إلا إذا أتين بفاحشة مبينة لا بسبب غير ذلك، وقد ورد النهي عن ضرب النساء مطلقاً.
" نيل الأوطار " (٦ / ٢٦٣) .
وقال الإمام الصنعاني – ﵀:
وقوله: (لا تقبِّح) أي: لا تُسمعها ما تكره، وتقول: قبَّحكِ الله، ونحوه من الكلام الجافي.
" سبل السلام " (١ / ١٥٠) .
فالواجب على الزوج أن يتقي الله تعالى ربَّه، وأن يعلم أنه لا يحل له إذلال زوجته على أمرٍ قد قُضي وانتهى، وليعلم أنه يسيء لنفسه بذلك؛ حيث علم بزواجها من قبل، ثم رضي بها زوجة له، وأمّاً لأولاده، فما يلحقها من عيب يلحقه، وما يسيء به لها فإنما يسيء لنفسه، فيجب عليه أن يحسن عشرتها، وأن يؤدي حقوقها، وليتنبه لأمر مهم، وهو أن عاقبة الظلم وخيمة على الظالم في الدنيا والآخرة، وأن الظلم من الذنوب التي يعجل الله تعالى عقوبتها في الدنيا قبل الآخرة، فعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (بابان معجلان عقوبتهما في الدنيا: البغي والعقوق) رواه الحاكم (٤ / ١٩٦) وصححه الألباني في " السلسلة الصحيحة " (١١٢٠) .
وإذا كان هذا الزوج لا يريد نسيان ماضي زوجته، ويرغب بالاستمرار في إذلالها وإهانتها به: فلا يبقها في ذمته، وليطلقها، وليعطها حقوقها المتفق معه عليها، وأما أن يُمسكها ولا يعطيها حقوقها، أو يمسكها مع إهانتها وتحقيرها: فلا يحل له ذلك.
وينظر – للاستزادة -: جوابي السؤالين: (٤١١٩٩) و (١٠٦٨٠) .
ثالثاً:
لا يجوز للزوج أن يلبي رغبة والديه بطلاق زوجته، إلا أن تكون أسبابهم التي من أجلها رغبوا بتطليقها أسباباً شرعية، كوقوعها في معصية، أو تركها لواجب.
سئل علماء اللجنة الدائمة:
رجل تزوج امرأة بإذن والديه، فلما دخل بها ومكث معها ثلاث سنوات، وأنجبت من أولاداً: طلبت والدة الرجل منه أن يطلق تلك المرأة بدون ذنب صدر منها، لا إلى زوجها، ولا إلى أم زوجها، رغم أن المرأة محبوبة إلى زوجها، والعكس، فماذا يفعل هذا الرجل: أن يطلق تلك المرأة خشية عقوق والدته، أم لا؟ .
فأجابوا:
يجب على الرجل المذكور أن يبرَّ أمَّه، وأن يحسن إليها قولاً، وفعلاً، قدر استطاعته، وإذا كانت زوجته المذكورة مرضيةً في دِينها وخلُقها: فلا يجب عليه طلاقها.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٢٠ / ٣١) .
وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
تعلم ما يحدث في المجتمع من قضية العصبية " هذا قبيلي , وهذا غير قبيلي " رجل تزوج من غير قبيلته، فغضب عليه أبوه , وقال: طلِّقها وإلا تنقطع الصلة بيني وبينك , فما رأيك؟
فأجاب:
إذا كانت هذه المرأة قد أعجبت الرجل في دينها وخلقها: فليستمسك بها , حتى وإن أمره أبوه بطلاقها فلا يسمع له، ولا يطيعه , ولا يعتبر معصيته في ذلك عقوقاً , بل إن الوالد هو الذي قطع الرحم , إذا قال: إن أبقيتها فإني أقطع صلتي بك: فهو القاطع للرحم، وقد قال الله تعالى: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) محمد/ ٢٢، ٢٣.
ولا شك أن محاولة التفريق بين المرء وزوجه من الإفساد في الأرض , ولهذا جعل الله ذلك من عمل السحرة , قال: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) البقرة/ ١٠٢.
والسحرة مفسدون , كما قال موسى ﵊: (مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) يونس/ ٨١.
فجعل السحرة من المفسدين، ومن أعظم سحرهم: التفريق بين الرجل وأهله , فهذا الأب الذي يحاول أن يفرق بين ابنه وزوجته , يكون فعله من جنس فعل السحرة , وهو من الفساد في الأرض , فيكون هذا الأب الذي يأمر ابنه بطلاق الزوجة وإلا قاطعه: يكون ممن قطع الرحم، وأفسد في الأرض , فيدخل في الآية: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) .
وأنا الآن أوجه نصيحتي إلى الابن وأقول: الزم زوجتك ما دامت قد أعجبتك في دينها وخلقها , ونصيحة أخرى إلى الأب وأقول: اتق الله في نفسك , ولا تفرق بين ابنك وأهله , فتقع في الإفساد في الأرض، وكذلك في قطع الرحم.
والابن نقول له: امضِ فيما أنت عليه , وسواء رضي أبوك أم لم يرضَ , وسواء قاطعك أم وصلك, ولكن إذا قُدِّر أنه نفذ وقاطع: فأنت اذهب إليه، وحاول أن تصله، فإذا أبى: فالإثم عليه وحده.
قد يقول بعض الناس: إن عمر ﵁ أمر ابنه أن يطلق زوجته فطلقها بأمر النبي ﷺ , وأنا آمر ولدي فليطلق زوجته , نقول: إن هذه المسألة سئل عنها الإمام أحمد بن حنبل ﵀: فجاءه رجل يقول: إن أبي يأمرني أن أطلق زوجتي؟ فقال له: ولو أمرك لا تطلقها , وأظن الإمام أحمد سأله: هل هو راغب فيها أم لا؟ فلما أخبره بأنه راغب قال: لا تطلقها , قال: أليس عمر قد أمر ابنه أن يطلق زوجته فطلقها؟ قال: وهل أبوك عمر؟ عمر ما أمر ابنه أن يطلق امرأته بمجرد هوىً أو عصبية , لكن لأمر رأى أنه من المصلحة.
وخلاصة القول: أن للولد أن يبقي زوجته ما دامت قد أعجبته ديناً وخلقاً، سواء رضيت أمه أو أبوه أو لم يرضيا.
" لقاءات الباب المفتوح " (٧٢، السؤال ٧) .
وانظري جوابي السؤالين: (٤٤٩٢٣) و (٤٧٠٤٠) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 11590
هل يأثم بطلاق زوجته التي كان لها علاقات سابقة قبل التوبة
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا شاب متزوج منذ ٣ سنوات بزوجة أقل مني سنّاً بسنة، ورزقت منها - والحمد لله - منذ سنتين ببنت، المشكلة أنه ليس هناك تفاهم بيننا، فنحن دائما في تصادم، حيث إنها عصبية وغالباً لا يعجبها أي شيء، وكثيرة الشكوى، ولا تتفاهم مع عائلتي، زد على ذلك أني أشكُ في ماضيها، فقد كانت قبل زواجنا تدخن، ومِن رواد الملاهي الليلية حين كانت طالبة جامعية، وقد اعترفت لي بذلك قبل الزواج وأكدت بأنها لم تتجاوز تلك الأمور، ومنذ سنة اكتشفت بالصدفة في أوراقها الخاصة شهادة طبية (يرجع تاريخها إلى سنة قبل الزواج) تثبت بأنها بكر فواجهتها وطلبت منها تبرير ذهابها للطبيب للحصول على هذه الشهادة إن كانت لا تشكُ في عذريتها فقالت: إنه قيل لها من قبَل بعض صديقاتها إنه إجراء روتيني تقوم به الفتاة لتفادي المشاكل التي قد تحصل ليلة الدخلة من قبل بعض الأزواج، ولكني لم أقتنع وبقيت أشكٌ بالأمر رغم تأكدي من عذريتها، وبسبب كثرة المشاكل التي بيننا وصعوبة التفاهم إلى جانب الشكٌ أصبحت أفكر جديّاً في الطلاق تجنباً للفتنة ورحمة لي ولها. وسؤالي هو: هل الطلاق في كل الأحوال حرام أم حلال؟ وفي حالتي هل أعتبر آثما إذا طلقت؟ . أرجو الإجابة الشافية، مع الشكر الجزيل لسعة صدوركم.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الأصل في الطلاق أنه يخالف مقصود الشرع من الاجتماع بين الزوج وزوجته في بيتٍ واحدٍ بألفة ومودة، وقد امتن الله تعالى على الناس بهذه الألفة والمودة، وجعل ذلك من آياته ، بالإضافة إلى ما ينتج عن هذا الزواج من ذرية طيبة.
وقد دلَّت نصوص شرعية على أن التفريق بين الزوجين هو من أخس أفعال السحرة، قال تعالى – عن السحرة -: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) البقرة /، وهو من أعظم أفعال الشياطين التي تقربهم إلى إبليس، فعن جابر عن النبي ﷺ قال: " إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلتُ كذا وكذا، فيقول: ما صنعتَ شيئاً، ويجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقتُ بينه وبين أهله، فيدنيه منه، ويقول: نِعْم أنتَ ". رواه مسلم (٢٨١٣) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " الأصل في الطلاق الحظر وإنما أبيح منه قدر الحاجة" اهـ مجموع الفتاوى (٣٣/٨١) .
لكن هذا لا يعني المنع من الطلاق أو حرمته، بل قد يكون واجباً، أو مستحبّاً، أو مباحاً، أو مكروهاً.
فيكون واجبا في أحوال، منها: إذا كان الدافع له أموراً تهدم الحياة الزوجية كتهاونها في عرضها وشرفها، أو عند العجز عن الإصلاح بينهما في حال وجود الشقاق، أو كان بالزوج عيبٌ يحول بين الحياة الزوجية وبين أدائها وظيفتها ككونه عنِّيناً أو مجبوباً، والزوجة تحتاج إلى العفاف. ويكون واجباً إن كان إمساكها بغير معروف، ولا يؤدي ما أوجبه الله عليه تجاهها.
ويكون الطلاق مستحباً: إذا كان الدافع له سوء أخلاق الزوجة، وتسببها في إيذاء زوجها أو أقاربه أو جيرانه بالقول أو بالفعل، أو كان الطلاق بسبب نفورها منه.
ويكون مباحاً: إذا أراد طلاقها للتزوج بأخرى وليس عنده قدرة على التعدد، أو بسبب نفورٍ طبيعي.
ويكون مكروهاً: إذا كان مع استقامة حالها وخلقها، وكان بينهما أولاد يخاف ضياعهم، أو كانت فقيرة أو غريبة عن بلدها.
ثانياً:
إننا نتعجب منك – أخي الفاضل – حيث تقول إن زوجتك قد اعترفت لك أنها كانت – قبل الزواج – من رواد الملاهي الليلية، وقد قبلتَ بها بعد أن تابت، ثم أغاظك أنك رأيت شهادة تثبت عذريتها! بل إن هذا يؤكد كلامها أنها لم تقع في الفاحشة الكبرى، وقد تكون صادقة في قولها أنها فحصت من أجل إثبات عذريتها لليلة الدخلة.
وعلى كل حال: إن كنتَ قبلتَ كلامها في أنها تابت وتركتْ جاهليتها خلف ظهرها: فإن هذه الشهادة لا ينبغي أن تغير من نظرتك لها، وهي – في أسوأ الأحوال – كانت في تلك الفترة التي كانت فيها ترتاد أماكن الفساد والانحراف.
وإن كنت لا زلت في شك من صدق توبتها، وترى أنه لا يمكن لحالك أن تستقيم معها، وسوف يبقى الشك ينغص عليك عيشك معها، لا سيما مع وجود المشاكل الأسرية، فالذي نراه لك أن تطلقها، وتحسن إليها، كما أمرك الله: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) البقرة/٢٢٩، ونسأل الله أن يغني كلا منكما من سعته، وأن يبدلك خيراً منها، ويبدلها خيراً منك.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 11591
زوجها يخرج للدعوة وهي غريبة الديار ويسيء إليها ويرغب بتطليقها
[السُّؤَالُ]
ـ[لا أخفي عليكم مدى الشقاء الذي أحياه، حتى أنني يئست أن يستجاب دعائي، أنا أم لأربعة أبناء، وزوجة لرجل لا أحبه، حاولت معه كثيراً، ولكن بلا فائدة، أشعر أن عقيدتي تأثرت كثيراً، لقد تحولت علاقتي بزوجي إلى سجال، وفي نهايته يعلن زوجي أن هذا الأمر ليس بواجب، ويخرج في سبيل الله لأن ذلك فرض عين، لقد أصبحت حياتنا سلسلة من حلقات الجبر، وسوء المعاملة، ليس معي فقط، بل إنه يجبر أبناءنا الذين لم يبلغوا بعد على صيام النفل، لقد صبرت حتى الثمالة ١١ عاماً، بلا حياة مستقرة، بعيدة عن وطني، لقد حصل جميع أبنائي على الجنسية السعودية، ولكنه يرفض أن أحصل عليها، الحياة أصبحت بلا معنى، لقد قرر أن يذهب بي إلى وطني، ثم يفكر فيما سيفعله معي، كل ما يشغل تفكيري هو ماذا أفعل إن مات زوجي، من سيتزوج أرملة مثلي؟ من سيحيط أبنائي بالحب والرعاية؟ كيف أنفق عليهم وأنا ليس لي أخوات، وأخي لا يزال على كفره؟ أبي وأمي مسلمان، ولكنهما غير ملتزمين، وأهل زوجي يعيشون في الولايات المتحدة حياة غربية تماماً، وزوجي ذو الأخلاق السيئة، القوَّام، الصوَّام، يدفعني يوماً بعد يوم إلى مزيد من الخلافات، واللعنات، والتلفظ بكلمات الكفر! كيف أنقذ نفسي؟ وماذا أفعل؟ حتى ما أتكسبه من مال قليل يكره أن يظل معي، إنني لا زلت أحبه، ولكني في قلق بالغ ماذا إذا توفى عني؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
بخصوص انشغال الزوج بالدعوة، وإهماله لأسرته: فقد ذكرنا الكلام حوله في أجوبة الأسئلة (٦٩١٣) و (٣٠٤٣) و (٢٣٤٨١) ، فلتنظر.
ثانياً:
جاء في أول سؤالكِ قولكِ " حتى إنني يئست أن يستجاب دعائي "! وهذا خطأ، ومخالف لشرع الله، والمسلم إما أن يقبل الله تعالى دعاءه، أو لا يقبله، فإن لم يقبله فليفتش في سبب ذلك في نفسه، فقد يوجد عنده من موانع الاستجابة ما يمنع من قبول دعائه، كأكل الحرام، ولبس الحرام، والدعاء بالإثم.
وانظر تفصيل ذلك بتمامه وكماله في جواب السؤال رقم: (٥١١٣) .
وإذا قبل الرب تعالى دعاء عبده: فإن الاستجابة ليست هي فقط تحقيق مطلوبه، بل ويضاف إليه أمران: ادخار أجر دعائه ثواباً ليوم الحساب، وصرف السوء عنه بقدر دعائه.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنْ السُّوءِ مِثْلَهَا، قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ؟ قَالَ: اللَّهُ أَكْثَرُ) .
رواه أحمد (١٠٧٤٩) ، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (١٦٣٣) .
وقد حذَّر النبي ﷺ من اليأس من الاستجابة، وبيَّن أنه لا يستجاب لمثل ذلك العبد؛ لأن يأسه يؤدي به إلى ترك الدعاء، وإنما يستجاب لمن كرَّر وألَّح على الله، وليست الاستجابة للمانِّ بدعائه على ربه، وهو الغني عن خلقه .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ) .
رواه البخاري (٥٩٨١) ومسلم (٢٧٣٥) – واللفظ له -.
قال الحافظ ابن حجر – ﵀:
وفي هذا الحديث أدب من آداب الدعاء، وهو أنه يلازم الطلب، ولا ييأس من الإجابة؛ لما في ذلك من الانقياد، والاستسلام، وإظهار الافتقار، حتى قال بعض السلف: لأنا أشد خشية أن أُحرم الدعاء من أن أحرم الإجابة ... .
دعوة المؤمن لا ترد وأنها إما أن تُعجَّل له الإجابة، وإما أن تدفع عنه من السوء مثلها، وإما أن يُدَّخر له في الآخرة خير مما سأل، فأشار الداودي إلى ذلك، وإلى ذلك أشار ابن الجوزي ﵀ بقوله: " اعلم أن دعاء المؤمن لا يردُّ غير أنه قد يكون الأولى له تأخير الإجابة، أو يعوَّض بما هو أولى له عاجلاً، أو آجلاً فينبغي للمؤمن أن لا يترك الطلب من ربه؛ فإنه متعبد بالدعاء، كما هو متعبد بالتسليم، والتفويض ".
" فتح الباري " (١١ / ١٤١) .
ثالثاً:
لا ندري كيف نصف أولئك الأزواج الذين لا يؤدون ما أوجب الله عليهم من العناية بزوجاتهم وبنيهم، ولا ندري كيف فهموا الإسلام الذي يدعون الناس للالتزام به، فقد أوصى الله تعالى الأزواج بزوجاتهم وأولادهم خيراً، وجعلهم أمانة في عنقه، وأوجب عليهم النصح لهم، ووقايتهم من عذاب السعير، وهم أولى بالدعوة من غيرهم، ومن أوائل ما أنزل الله تعالى على رسوله ﷺ هو قوله تعالى: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) الشعراء/ ٢١٤، وقد استجاب نبيه ﷺ لذلك الأمر، فدعا أبا طالب عمَّه للإسلام، ولم يزل يدعوه حتى في مرض موته، ثم جمع عمه العباس، وعمته صفية، وابنته فاطمة، فدعاهم، ونصحهم، وذكَّرهم بيوم الحساب، وأنه لا يغني عنهم شيئاً، وكذا فعل مع خديجة زوجته ﵂، فكانت أول من أسلم من أهل الأرض جميعاً.
إن الداعية إلى الله يجب أن يكون مخلصاً في نيته، ومتقناً في عمله، ومن الإخلاص: أن ينوي بدعوته وجه الله تعالى، ومن الإتقان: أن يبدأ بأهل بيته فيقدمهم على غيرهم، ولا يفرِّط في نصحهم وإرشادهم، ولا ينبغي له إغفال ذلك، ومعارضته بدعوة الناس، أو الانشغال بأمور الدنيا.
وإذا كان عنده زوجة ترعى شئون بيته، وأولاده: فإنها تؤدي معه رسالة بالغة الأهمية، وتقوم بإعانته على أمرٍ جلل، فليحفظ هذا لها، وهي إن كانت غريبة في بيئته: فإنه يجب عليه أن يوليها عناية خاصة، وأن يرحم ضعفها، وغربتها، وأن لا يتسلط عليها قهراً، وجبروتاً.
فليس عندنا إلا الإنكار على زوجك أخطاءه، والنصح لك بالصبر والدعاء، فعسى الله أن يبدِّل الحال إلى أحسن منه، وإياكِ أن يتسرب اليأس إلى قلبك، واعلمي أن الله تعالى أرحم بخلقه من الأم على ولدها، فإن حصل لك طلاق: فليست هذه نهاية الدنيا، وليس الزوج هو الذي يرزقك، ويرزق أولادك، والله تعالى حيُّ لا يموت، وخزائنه تعالى لا تنفد، وقد أخبرنا ربنا تعالى أنه قد يكون مع الطلاق الفرج والسعة من الرزق، فقال: (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً) النساء/ ١٣٠.
قال الطبري – ﵀: " (يُغْنِ الله كلا من سعته) يقول: يُغن الله الزوجَ والمرأةَ المطلقة من سعة فضله، أما هذه: فبزوجٍ هو أصلح لها من المطلِّق الأول، أو برزق أوسع، وعصمة، وأما هذا: فبرزقٍ واسع، وزوجة هي أصلح له من المطلقة، أو عفة.
(وكان الله واسعاً) يعني: وكان الله واسعاً لهما، في رزقه إياهما، وغيرهما من خلقه.
(حكيماً) فيما قضى بينه وبينها من الفرقة، والطلاق، وسائر المعاني التي عرفناها من الحكم بينهما في هذه الآيات وغيرها، وفي غير ذلك من أحكامه، وتدبيره، وقضاياه في خلقه " انتهى.
" تفسير الطبري " (٩ / ٢٩٤) .
وتغفل كثير من النساء عن هذه الحقيقة، فتظن أن طلاقها سيكون معه فقرها، وهو خلل في الاعتقاد يجب أن تتنزه عنه، كما أنه مخالف للواقع، وكما أن الغنى يكون بالنكاح: فإنه يكون كذلك مع الطلاق.
رابعاً:
ما أقلقنا حقّاً وأزعجنا هو خاتمة رسالتك، حيث ذكرتِ أن زوجك يدفعك إلى التلفظ بكلمات الكفر! : فإن كان هذا مجرد خشية من وقوع ذلك منكِ: فهو أمرٌ خطير لا يحل لك السكوت عليه، ويجب عليك أنت المبادرة للتخلص من هذا الزواج الذي من المحتمل أن يتسبب لك في التلفظ بالكفر، وأما إن كنتِ تخبرين عن واقعٍ حصل، وأنكِ بالفعل قد تلفظتِ بكلمة الكفر: فاعلمي أنك وقعت في شرٍّ وسوء ومنكر بما لا يمكن مقارنته بما وقع فيه زوجكِ، فكلمة الكفر التي تُنطق من غير إكراه ولا خطأ: تُخرج صاحبها من الإسلام، وتخلده في نار جهنم إن مات على ذلك، ولم يردع نفسه بتوبة ودخول في الإسلام من جديد، فاحذري أشد الحذر إن لم يقع منك ذلك، وإن وقع فاعلمي أنها ردة، وأن الأعمال الصالحة تُحبط بها، وأن عقد الزواج مفسوخ، إلا أن تتوبي إلى الله تعالى بالدخول في الإسلام من جديد.
وإن أخشى ما نخشاه أن تكوني قد أُتِيت من قبل نفسك، فإن المرأة التي يستدرجها الشيطان إلى مثل ذلك، أو تدفعها مشاكل الحياة إلى ألفاظ الكفر، ربما رأى منها زوجها من ضعف الدين، وقلة مبالاتها به: ما يزهده فيها، ويبغض إليه عشرتها.
وانظري – في تفصيل ذلك -: (٤٢٥٠٥) و (٦٥٥٥١) و (١٠٣٠٨٢) .
وخلاصة نصيحتنا لك يا أمة الله: أن تهتمي أنت ـ أولا، وقبل كل شيء ـ بإصلاح ما اختل من أمر دينك، وبناء ما وهى منه، قبل أن تندمي، ساعة لا ينفع الندم:
قال يونس بن جبير ﵀: شيعنا جندب بن عبد الله، فلما بلغنا حصن المكاتب قلنا له: أوصنا.
قال: (أوصيكم بتقوى الله، والقران؛ فانه نور الليل المظلم، وهدى النهار؛ فاعملوا به على ما كان من جهد وفاقة، وإن عرض بلاء: فقدم مالك دون نفسك، فان تجاوز البلاء: فقدم مالك ونفسك دون دينك؛ فان المحروب من حُرِب دينه، والمسلوب من سلب دينه؛ إنه لا غنى بعد النار، ولا فاقة بعد الجنة، وإن النار لا يفك أسيرها، ولا يستغني فقيرها) رواه الإمام أحمد في الزهد (٢٠٢) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٠٤٨) والبيهقي في شعب الإيمان (٣/٤٠٢ـ ط الرشد) ، وإسناده صحيح.
ونذكرك ـ أخيرا ـ بقول الله : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً) مريم/٩٦.
قال قتادة ﵀: " إي والله في قلوب أهل الإيمان، ذُكر لنا أن هَرِم بن حيان كان يقول: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله، إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه، حتى يرزقه مودّتهم ورحمتهم ".
رواه الطبري في تفسيره (١٨/٢٦٢) وسنده صحيح إلى قتادة.
قال الشيخ ابن سعدي ﵀:
" هذا من نعمه على عباده، الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح: ن وعدهم أنه يجعل لهم ودا، أي: محبة وودادا في قلوب أوليائه، وأهل السماء والأرض، وإذا كان لهم في القلوب ود تيسر لهم كثير من أمورهم، وحصل لهم من الخيرات والدعوات والإرشاد والقبول والإمامة ما حصل، ولهذا ورد في الحديث الصحيح: " إن الله إذا أحب عبدا، نادى جبريل: إني أحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: (إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض: إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا نادى جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أهل السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ) [متفق عليه] ، وإنما جعل الله لهم ودا لأنهم ودوه، فوددهم إلى أوليائه وأحبابه " انتهى. تفسير السعدي (٥٠١) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 11592
هل للزوجة رفض طلاق زوجها لها؟ وما حكم امتناع الزوج عن جماعها وعن الإنجاب
[السُّؤَالُ]
ـ[لدي سؤالان: السؤال الأول: هل يجوز للمرأة أن ترفض الطلاق؟ السؤال الثاني: ما حكم الشرع في رفض الزوج معاشرة زوجته، خاصة وأنها ترغب بشدة في حصول حمل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
إذا رغب الزوج بطلاق امرأته فليس لرفضها له اعتبار من حيث وقوعه، بل هو واقع إذا أنفذه الزوج، والأصل في الطلاق الكراهة، ولذا لم يكن مرغبّاً به ابتداء، لكن قد يحصل في الحياة الزوجية ما تستحيل معه العشرة بين الزوجين، فشرع الله تعالى الطلاق، حكمةً بالغة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " الأصل في الطلاق: الحظر، وإنما أبيح منه قدر الحاجة، كما ثبت في الصحيح عن جابر عن النبي ﷺ " أن إبليس ينصب عرشه على البحر ويبعث سراياه فأقربهم إليه منزلة أعظمهم فتنة فيأتيه الشيطان فيقول: ما زلت به حتى فعل كذا، حتى يأتيه الشيطان فيقول: ما زلت به حتى فرقت بينه وبين امرأته، فيدنيه منه، ويقول: أنت، أنت ويلتزمه "، وقد قال تعالى في ذم السحر: (ويتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه) " انتهى. " مجموع الفتاوى " (٣٣ / ٨١) .
وقال ﵀ أيضاً: " ولولا أن الحاجة داعية إلى الطلاق: لكان الدليل يقتضي تحريمه، كما دلَّت عليه الآثار والأصول، ولكن الله تعالى أباحه رحمة منه بعبادة، لحاجتهم إليه أحياناً " انتهى. " مجموع الفتاوى " (٣٢ / ٨٩) .
وإذا ما شعرت الزوجة بأن زوجها سيطلقها: فيمكنها توسيط أهل الخير والعقل ليحولوا دون إيقاع زوجها الطلاق، كما يمكنها مصالحته على إسقاط النفقة أو جزءٍ منها، أو إسقاط حقها أو جزءٍ منه في المبيت، كما صنعت سودة بنت زمعة ﵂ حين شعرت بأن النبي ﷺ سيطلقها، فوهبت ليلتها لعائشة ﵂؛ لما تعلمه من حب النبي ﷺ لها، ومهما بذلت سودة أو غيرها لتكون زوجةً للنبي ﷺ في الدنيا والآخرة فليس بكثير.
قال تعالى: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً) النساء/ ١٢٨.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: خَشِيَتْ سَوْدَةُ أَنْ يُطَلِّقَهَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَتْ: لَا تُطَلِّقْنِي وَأَمْسِكْنِي، وَاجْعَلْ يَوْمِي لِعَائِشَةَ، فَفَعَلَ فَنَزَلَتْ: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) فَمَا اصْطَلَحَا عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ جَائِزٌ.
رواه الترمذي (٣٠٤٠) وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ".
وهكذا فسَّرت عائشةُ ﵂ الآيةَ:
عَنْ عَائِشَةَ ﵂: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا) قَالَتْ: هِيَ الْمَرْأَةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ، لَا يَسْتَكْثِرُ مِنْهَا، فَيُرِيدُ طَلَاقَهَا، وَيَتَزَوَّجُ غَيْرَهَا، تَقُولُ لَهُ: أَمْسِكْنِى وَلَا تُطَلِّقْنِى، ثُمَّ تَزَوَّجْ غَيْرِى، فَأَنْتَ فِى حِلٍّ مِنَ النَّفَقَةِ عَلَيَّ، وَالْقِسْمَةِ لِي، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَصَّالَحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) .
رواه البخاري (٤٩١٠) ومسلم (٣٠٢١) .
قال ابن كثير ﵀: " إذا خافت المرأة من زوجها أن ينفر عنها، أو يطلقها: فلها أن تسقط حقها، أو بعضه، من نفقة، أو كسوة، أو مبيت، أو غير ذلك من الحقوق عليه، وله أن يقبل ذلك منها، فلا جناح عليها في بذلها ذلك له، ولا عليه في قبوله منها؛ ولهذا قال تعالى: (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا) ، ثُمَّ قَالَ: (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) ، أي: من الفراق " انتهى.
" تفسير ابن كثير " (٢ / ٤٢٦) .
فالطلاق بيد الزوج، وليس لرفض الزوجة ما يمنع من إيقاعه، وعليها إن أرادته زوجاً أن توسِّط أهل الخير للصلح، ولها أن تسقط بعض حقوقها في مقابل ذلك، فإن أبى الزوج إلا الطلاق: فيُرجى أن يكون ذلك خيرا لها وله، كما قال تعالى: (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً) النساء/ ١٣٠.
ثانياً:
يجب على الزوجين إعفاف بعضهما بعضاً، ويحرم لأحدهما الامتناع عن الجماع إضراراً بالآخر، ولا شك أن ثمة فرقاً بين الزوج والزوجة في هذه الحال، فالمرأة لو لم يكن لها شهوة: فإن زوجها يقضي شهوته معها، ولا عكس؛ لأن رغبة الزوج لها تعلق بالانتشار والانتصاب عنده، وهو ما لا يتم الجماع إلا به، لكن من قدر على إعفاف زوجته ولم يفعل: فقد إثم؛ لأن حق الاستمتاع مشترك بين الزوجين، إلا أن يكون هجره لها من أجل تركها لما أوجب الله عليها، أو لفعلها معصية، وإلا أن يكون تركه للجماع بسبب مرضه أو إرهاقه.
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀: عن الرجل إذا صبر على زوجته الشهر، والشهرين، لا يطؤها، فهل عليه إثم أم لا؟ وهل يطالب الزوج بذلك؟ .
فأجاب: " يجب على الرجل أن يطأ زوجته بالمعروف، وهو من أوكد حقها عليه، أعظم من إطعامها، والوطء الواجب، قيل: إنه واجب في كل أربعة أشهر مرة، وقيل: بقدَر حاجتها وقُدْرته، كما يطعمها بقدَر حاجتها وقُدْرته، وهذا أصح القولين " انتهى. " مجموع الفتاوى " (٣٢ / ٢٧١) .
وقال علماء اللجنة الدائمة: " مَن هجر زوجته أكثر من ثلاثة أشهر: فإن كان ذلك لنشوزها، أي: لمعصيتها لزوجها فيما يجب عليها له من حقوقه الزوجية، وأصرت على ذلك بعد وعظه لها وتخويفها من الله تعالى، وتذكيرها بما يجب عليها من حقوق لزوجها: فإنه يهجرها في المضجع ما شاء؛ تأديبا لها حتى تؤدي حقوق زوجها عن رضا منها، وقد هجر النبي ﷺ نساءه، فلم يدخل عليهن شهراً، أما في الكلام: فإنه لا يحل له أن يهجرها أكثر من ثلاثة أيام؛ لما صح عن النبي ﷺ من حديث أنس بن مالك ﵁ أنه قال: (ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام) أخرجه الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما، وأحمد في مسنده.
أما إن هجر الزوج زوجته في الفراش أكثر من أربعة أشهر إضراراً بها من غير تقصير منها في حقوق زوجها: فإنه كمُولٍ وإن لم يحلف بذلك، تُضرب له مدة الإيلاء، فإذا مضت أربعة أشهر ولم يرجع إلى زوجته ويطأها في القبل مع القدرة على الجماع إن لم تكن في حيض أو نفاس: فإنه يؤمر بالطلاق، فإن أبى الرجوع لزوجته، وأبى الطلاق: طلَّق عليه القاضي، أو فسخها منه إذا طلبت الزوجة ذلك.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم " انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن باز , الشيخ عبد العزيز آل الشيخ , الشيخ صالح الفوزان , الشيخ بكر أبو زيد
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٢٠ / ٢٦١ – ٢٦٣) .
كما أننا ننبه إلى أن حق الإنجاب مشترك بين الزوجين، وليس لأحدهما أن يختص لنفسه بهذا الحق دون الطرف الآخر.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀: " أهل العلم يقولون إنه لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها، أي: لا يعزل عن زوجته الحرَّة إلا بإذنها؛ لأن لها حقّاً في الأولاد، ثم إن في عزله بدون إذنها نقصاً في استمتاعها، فاستمتاع المرأة لا يتم إلا بعد الإنزال، وعلى هذا ففي عدم استئذانها تفويت لكمال استمتاعها، وتفويت لما يكون من الأولاد، ولهذا اشترطنا أن يكون بإذنها " انتهى. " فتاوى إسلامية " (٣ / ١٩٠) .
وانظري أجوبة الأسئلة: (٥٩٧١) و (١٠٦٨٠) و (٩٣٢٣٠) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 11593
إذا كرهت زوجها، فهل يكون زوجا لها في الجنة ؟!
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا كنت أكره زوجي ولا أصبر على أذيته إياي إلا لله، ثم لأجل مصلحة أطفالي، فهل سوف يكون زوجي في الجنَّة؟ حيث إن مما يهون عليَّ أن الدنيا مهما حصل فهي أيام قليلة وزائلة، وأنا لا أريده زوجاً في الجنَّة مهما حصل فيه من تغيير أو صلاح حاله. أرجو أن لا تقولوا إنه لا بد أن يكون زوجي في الجنَّة! أرجو الرد، وجزاكم الله خيراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نسأل الله تعالى أن يكتب لك الأجر على صبرك على أذى زوجك، وهو إن دلَّ على شيء فإنما يدل على، أصل طيب، وخلقٍ عالٍ.
ونسأل الله أن يهدي زوجك، ويصلحه لك، ويعينه على إحسان عشرتك، ويأخذ بناصيته إليه.
ثانياً:
قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ. جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ. سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) الرعد/ ٢٢ – ٢٤.
قال الحافظ ابن كثير – ﵀:
وقوله: (وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ) أي: يجمع بينهم وبين أحبابهم فيها من الآباء، والأهلين، والأبناء، ممن هو صالح لدخول الجنة من المؤمنين؛ لتقر أعينهم بهم، حتى إنه ترفع درجة الأدنى إلى درجة الأعلى، من غير تنقيص لذلك الأعلى عن درجته، بل امتنانًا من الله وإحساناً.
" تفسير ابن كثير " (٤ / ٤٥١) .
وانظري جواب السؤال رقم: (٥٩٨١) .
ثالثاً:
واعلمي أيتها الأخت الفاضلة أن دخول الناس الجنة لن يكون وهم على حالهم التي كانوا عليها في الدنيا، وقد ثبت في النصوص الواضحة البيِّنة أنه لا يدخل الجنة أحد وفي صدره غلٌّ، ولا يدخل الجنة أحد إلا ويهذَّب وينقَّى من كل سوء وشرٍّ.
قال تعالى: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ) الحِجر/ ٤٧.
قال الإمام ابن جرير الطبري – ﵀:
وأذهبنا من صدور هؤلاء الذين وَصَف صفتهم، وأخبر أنهم أصحاب الجنة، ما فيها من حقد، وغِمْرٍ، وعَداوة كان من بعضهم في الدنيا على بعض، فجعلهم في الجنة إذا أدخلهموها على سُرُر متقابلين، لا يحسد بعضهم بعضاً على شيء خصَّ الله به بعضهم وفضّله من كرامته عليه، تجري من تحتهم أنهار الجنة.
" تفسير الطبري " (١٢ / ٤٣٧، ٤٣٨) .
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّارِ حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَأَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ فِي الْجَنَّةِ أَدَلُّ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا) .
رواه البخاري (٢٣٠٨) .
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني – ﵀:
(بقنطرة) الذي يظهر أنها طرف الصراط مما يلي الجنة، ويحتمل أن تكون من غيره بين الصراط والجنة.
وقوله (فيتقاصُّون) بتشديد المهملة: يتفاعلون، من القِصاص، والمراد به: تتبع ما بينهم من المظالم، وإسقاط بعضها ببعض.
وقوله (حتى إذا نُقوا) بضم النون، بعدها قاف، من التنقية، ووقع للمستملي هنا " تَقَصُّوا بفتح المثناة والقاف وتشديد المهملة، أي: أكملوا التقاص.
قوله (وهذبوا) أي: خلصوا من الآثام بمقاصصة بعضها ببعض.
" فتح الباري " (٥ / ٩٦) .
فاطمئني أختنا الفاضلة، فلن تكون أخلاق زوجك ما كانت عليه في الدنيا، ولن تكون حالكِ أنتِ – كذلك – على ما هي عليه، فكما سينقَّى زوجك ويُهذَّب: فإن الأمر نفسه سيحصل معك، فإذا قضى الله وجمعكما في الجنة، فسوف يكون اجتماعك به في الجنة على غير اجتماع الدنيا، بل اجتماع تشتهيه نفسك، ويريح بالك، ويقر عينك. قال الله تعالى:
(يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) الزخرف:٧١، وقال تعالى: (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ) فصلت:٣١، وقال تعالى: (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) السجدة:١٧.
فليكن همك يا أمة الله أن تعملي ما يوصلك إلى الجنة، ويرفع فيها منزلتك، وثقي أن الجنة لا تعب فيها ولا نصب، ولا هم فيها ولا حزن!!
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 11594
غير مرتاح مع زوجته مع أنها قائمة بجميع واجباتها !
[السُّؤَالُ]
ـ[تزوجت - ولله الحمد - قبل ٦ أشهر، ولكن أشعر بأنني غير مرتاح مع زوجتي، ليس بسبب تقصيرها في حقي، بل هي قائمة بكل واجباتها من ناحيتي ومن ناحية البيت، وأهلي، ولكن المشكلة أنها ليست المرأة التي تمنيتها، حيث إنني أعجب جدّاً بالمرأة الفارعة الطول، وزوجتي قصيرة تقريباً طولها " ١٥٢سم "، وأنا طولي " ١٦٠ سم"، ولكن أحس أنني أنجذب إلى حد الجنون للمرأة التي تفوقني في الطول، مما يجعلني أفكر في بعض الأحيان أن أطلق زوجتي أو أن أتزوج امرأة تكون أطول مني، وهذا جعلني غير مركِّز في عملي، وشارد الذهن، وقليل الإنتاج، على عكس ما كنت عليه في الجامعة، حيث كنت من الطلبة المتفوقين. ألوم نفسي كثيراً عندما أنزل مع زوجتي السوق، وأشاهد امرأة جدّاً طويلة، أحس أنني متندم على زواجي من زوجتي ويتعكر مزاجي، وعلى قولهم " أفك خلقي في زوجتي". في بعض الأحيان أقوم بالدخول على مواقع في الإنترنت تعرض صوراً ومقاطع فيديو لنساء جدا طويلات فأعجب بهن جدّاً، بل إني في بعض الأحيان أجامع زوجتي، وأنا أتخيل صورهن في عقلي. زوجتي هذه جدّاً طيبة، وتقدر لي ظروفي الصعبة، وطباخة ماهرة، وتحسن القيام بأمور البيت وهي التي دائماً، تبدأ بالمصالحة عندما نتخالف، حتى عندما أكون المخطئ، وتحاول دائماً أن تلبس الكعب العالي لتشبع رغبتي في الطول، ولكن أحس الكعب العالي لا ينفع معها لأنها جدّاًَ قصيرة. أنا الآن محتار، فزوجتي غمرتني بطيبتها وافتخارها بي بين صاحباتها وأقاربها، لا أدري ماذا أفعل، أريد أن أركز في عملي، وأصبح متميزاً، كما كنت عليه أيام الجامعة، أريدك أن ترشدني وأن تدعو الله لي بأن يدخل حب زوجتي في قلبي، وأن أجدها أجمل امرأة في عيني.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
هذه المشكلة من أغرب المشكلات التي وصلتنا! ولا ندري ما هو الذي جعلك تقدِّم الطول على الدين، والخلق، وحسن العشرة، وحسن التدبير، وجودة الطبخ من زوجتك الفاضلة، ونخشى أن يبتليك الله تعالى فتطلق هذه المرأة الفاضلة فتتزوج بامرأة طويلة لا تتصف بأي صفة من صفات زوجتك هذه فتندم أشد الندم.
واعلم أن الله تعالى قد أوجب عليك عشرة زوجتك بالمعروف، وإمساكها بإحسان، فلا يحل لك ما تفعله بها، ولا يجوز لك اختراع مشكلات لتتحرش بها فتضايقها أو تهينها بالقول أو الفعل، فإما إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان، ولعلك تبحث عن ضالتك في امرأة طويلة، وتترك هذه المرأة الفاضلة لتتزوج بمن يقدِّر دينها وخلقها وحسن تدبيرها لبيت الزوجية، فاحذر من ابتلاء الله، أو عقوبته.
ثانياً:
عليك أن تتأمل هذه الأحاديث:
١. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ) رواه مسلم (١٤٦٧) .
ولم يقل: " خير متاعها المرأة الطويلة "!
٢. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ) رواه البخاري (٤٨٠٢) ومسلم (١٤٦٦) .
ولم يقل: " تنكح المرأة لطولها "! ولا قال: " فاظفر بذات الطول "!
ثالثاً:
تأمل معنا كلام أهل العلم فيمن تزوج بالمرأة الصالحة:
١. قال المناوي ﵀:
"قال القاضي: المرأة الصالحة أنفع من الذهب؛ فإن الذهب لا ينفع إلا بعد الذهاب، وهي ما دامت معك رفيقتك، تنظر إليها تسرك، وتقضي إليها عند الحاجة وطرك، وتشاورها فيما يعن لك فتحفظ سرك، وتستمد منها في حوائجك فتطع أمرك، وإذا غبتَ تحامي مالك، وترعى عيالك، ولو لم يكن إلا أنها تحفظ بَذرك، وتربي زرعك: لكفى به فضلاً" انتهى.
" فيض القدير " (١ / ٤٦٥) .
٢. وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
"فقوله ﷺ : (الدنيا متاع) يعني: شيء يُتمتع به، كما يَتمتع المسافر بزاده، ثم ينتهي.
(وخير متاعها المرأة الصالحة) إذا وفق الإنسان لامرأة صالحة في دينها، وعقلها: فهذا خيرُ متاع الدنيا؛ لأنها تحفظه في سره، وماله، وولده، وإذا كانت صالحة في العقل أيضاً: فإنها تدبر له التدبير الحسن في بيته، وفي تربية أولادها، إنْ نظر إليها: سرَّته، وإن غاب عنها: حفظته، وإن وَكل إليها أمرَه: لم تخنه، فهذه المرأة هي خير متاع الدنيا، ولهذا قال النبي ﷺ : (تنكح المرأة لأربع: لمالها، وحسبها، وجمالها، ودينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك) يعني: عليك بها؛ فإنها خير من يتزوجه الإنسان، فذات الدين وإن كانت غير جميلة الصورة: لكن يجمِّلها خلُقها، ودِينُها.
(فاظفر بذات الدين تربت يداك) " انتهى.
" شرح رياض الصالحين " (٢ / ١٢٧، ١٢٨) طبعة ابن الهيثم.
رابعاً:
انظر كيف أثَّر مرضك هذا على نفسك ودينك، فبالإضافة إلى احتقار ما تتصف به زوجتك من أخلاق فاضلة: فإن أضفت إليه إهانتها والتحرش بها، وأضفت إليه النظر المحرَّم إلى النساء الأجنبيات، ولم تكتف بذلك حتى دخلتَ مواقع فاسدة فاجرة لتقضي نهمتك لا من النظر إلى الطويلات بل إلى ذات المنكر والفاحشة، ثم رحت تتخيل تلك الفاجرات أثناء جماعك لزوجتك العفيفة الطاهرة! .
فلا ندري – حقيقة – كيف تمكن الشيطان منك، وكيف سوَّل لك الوقوع في هذه المحرمات من أجل توهم وخيال لا قيمة له عند العقلاء، أرباب الفطر السليمة.
وفي اعتقادنا أنك لا تقبل الزواج بامرأة مفتونة بالرجال الطوال، وتفعل مثل فعلك في كل تفاصيله، فتخيل ذلك للحظة أن يقع من امرأة متزوجة، فكيف تحكم عليها؟ وهو الحكم نفسه الذي تحكم به على نفسك.
والذي يظهر لنا أن ما تشعر به هو من تلاعب الشيطان بك، يريد أن يوقع كره امرأتك في قلبك ليفرق بينكما، فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، ولا تطعه فيما يوسوس به لك.
فاحذر من عقوبة الله، واحذر من سخطه، واحذر من أن تفقد زوجتك العفيفة الطاهرة بسبب أفعالك ومعاصيك، واعلم أن الجمال جمال الدين والخلق، وأن فتنتك هذه لو عرضت على عقلاء قومك لسخروا منك، فلا تجعل نفسك ألعوبة بيد الشيطان، واقطع النظر إلى النساء في الشارع، وفي وسائل الإعلام، واقطع النظر في المواقع الفاجرة، واحذر من خاتمة السوء أن تموت عليها.
ونسأل الله أن يُطهِّر قلبك، وأن يهديك لأحسن الأخلاق والأفعال، وأن يحبب إليك الإيمان ويزينه في قلبك، وأن يكرِّه إليك الكفر والفسوق والعصيان.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 11595
محادثة الزوجة عبر الإنترنت والاستمتاع بذلك
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا أعمل بالمملكة وأنا والحمد لله ملتزم بالسنة قدر المستطاع وأواظب على الصلوات بالمسجد والحمد لله ... وهذه أول مرة أترك أهلي لظروف مدارس الأولاد.. وقد يحدث عندما أحادث زوجتي عبر النت بالصوت والصورة أن أطلب منها أن تريني من جسدها ويحدث بالفعل إثارة جنسية شديدة لا أستطيع دفعها.. وقد حدث أن استمنيت بيدي لإطفاء هذه الشهوة فهل هذا يدخل في باب (إلا علي أزواجهم) أو في باب الاستمتاع بالزوجة؟ علما بأنني أعلم أن الاستمناء محرم ... ولكن هذه زوجتي التي أنظر إليها ... ماذا أفعل؟ أفيدونا جزاكم الله خيرا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يجوز للرجل أن يستمتع بالكلام مع زوجته والنظر إليها، أو إلى صورتها عبر برامج المحادثة، مع الاحتياط لعدم اطلاع أحد أو تجسسه عليه.
وأما الاستمناء باليد فالأصل تحريمه، إلا أن يخاف على نفسه الزنا، فيباح.
وقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل يجوز للزوجين أن يتحدثا عن الجنس بالهاتف ويستثيرا بعضهما حتى ينزل أحدهما أو كلاهما بدون استعمال اليد لأنه محرم؟ يحصل هذا لأن زوجي يسافر دائما ولا نرى بعضنا إلا كل ٤ أشهر.
فأجاب: لا بأس، نعم يجوز هذا.
السائل: ولو كان باستعمال اليد.
الجواب: استعمال اليد فيه نظر، ولا يجوز إلا إذا خاف على نفسه الزنا.
السائل: وبدون استعمال اليد لا مانع.
الجواب: نعم بدون استعمال اليد لا مانع، يتصور أنه معها لا بأس في ذلك " انتهى، وينظر جواب السؤال رقم (٤٨٠٧) و (٣٢٩) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 11596
عاش معها بالحرام فتاب وأسلمت وتزوجها ويريد أهله أن يطلقها
[السُّؤَالُ]
ـ[أرجو منكم قراءة رسالتي هذه، وإرسال الجواب بأسرع وقت؛ لأنني تعبت وأنا أبحث عن مواقع الفتوى، وإرسال الرسائل، وانتظار الجواب، وكل المواقع التي راسلتُها لم ترد لي الجواب , فتغيرت نظرتي تجاه تلك المواقع، وعندما قرأت بعض الفتاوى في موقعكم هذا ارتحت له كثيراً وأصبحتُ يوميّاً أقرأ بعض فتاواكم، فهي تريحني، ووجدت فيها الكثير من الأجوبة الشافية لبعض أسئلتي، أرجو منكم إيجاد حل لكل أسئلتي فهي لا تدعني أنام، وأنا بأمسّ الحاجة للجواب الشافي؛ لأنني جدّاً متعب، ومشرد الذهن، وأنا أخاف أن أقع في الخطأ الذي أحاول الابتعاد عنه كل الابتعاد. قصتي هي أنني كنتُ في بلد أجنبي للدراسة، وأنتم تعرفون كيف يعيش المجتمع الغربي، كي لا تطول القصة أكثر: أنا ارتكبت الفواحش: مِن شرب خمر، وزنا، وأفطرت شهر رمضان، وارتكبت الزنا في شهر رمضان، وأخطائي كانت كثيرة، والحمد لله الذي هداني للتوبة التي نوَّرت لي حياتي، ونقلتني من الظلمات إلى النور، توبتي كانت في شهر رمضان، وكانت تسكن معي فتاة أجنبية، ديانتها مسيحية، وعندما رأتني هذه الفتاة تائباً أقرأ القرآن، وأصلي، وأصوم، بدأت هذه الفتاة الاقتراب إلى الإسلام، وفي العاشر من رمضان أسلمت هذه الفتاة، وارتدت اللباس الشرعي، والحجاب، وبدأت تتعلم القرآن، وتصلي الفرض، والسنَّة، وتصوم، ودرست السيرة النبوية، والكثير من الدروس في الإسلام، ولقد تزوجتها في أول يوم أشهرت فيه إسلامها، وعشنا أجمل أيام حياتنا، وذات يوم عرفتُ حقيقةً مرَّة غيَّرت مسار حياتي، وأصبحتُ دائم الهم والحزن، عرفت تاريخ هذه الفتاة، وكان تاريخها كأي تاريخ فتاه أجنبية (الحرية والخيانة) عرفت منها أنها كانت قد خانتني أكثر من مرة، هي خانتني، ولكن قبل أن تسلم، وقبل أن أتزوجها، ولكن كونها أصبحت زوجتي، وكوني عربيا: لا أستطيع نسيان الماضي، وأنا خنت ديني، وربي، وابتعدت عن الإسلام، وأنا مسلم منذ ولدتني أمي، هي لم تكن تعرف شيئاً عن الإسلام، وأنا كنت أعرف الكثير عن الإسلام، هي أفضل مني بكثير أليس كذلك؟ والإسلام يجبّ ما قبله، والتائب من الذنب كما لا ذنب له، أنا أحترمها وأقدِّرها جدّاً لأنها أسلمت عن يقين، وهي تبكي كثيراً، خصوصاً عند قراءتها للقرآن، والأحاديث النبوية، هي كانت قد أخطأت، ولم تكن على علم بالإسلام، وأنا أخطأت وكنت أعرف أن الزنا من الكبائر، وأن الله شديد العقاب، ولكن الإنسان معرَّض للخطأ، ويبقى تفكيره محدوداً، والذي يضايقني عندما عرفت حقيقة الماضي: انفعلتُ، وغضبتُ جدّاً جدّاً، وطلقتها مرة، وبعد يومين: انفعلت وضربتُها، وغضبتُ جدّاً، وطلقتها ثانية، وكثرت المشاكل بيننا، وكثر غضبي، وأنا عندما أغضب أصبح كالمجنون، لا أفكر، ولا أفهم ما أقول، وكل ما أقوله يخرج بشكل عفوي، وفي المرتين راجعتها بعد الاستفسار والسؤال، وبعد مرور عدة أيام حصلت بيننا مشاحنة وصلت إلى الضرب، وهي أهانتني، والبادئ كان أنا، وطلقتها ثالثة، وبعد كل المرات التي حصل فيها الطلاق كنت أندم، وأبكي، وأشفق عليها؛ لأن هذه الفتاة بعد إسلامها أصبحت جدّاً صالحة، وكنت أخاف عليها من الضياع، ولكن الغضب والشيطان جعلوني أرتكب الأخطاء، وبعد طلاق المرة الثالثة صليت ركعتين، وبكيت، ودعوت الله تعالى إذا وقع الطلاق بأن أبتعد عنها مباشرةً، وإن لم يقع بأن أراجعها بأسرع وقت، وهذا الذي حدث، راجعتها في تلك الليلة بتيسير من الله، وأنا قرأت أن طلاق الغضبان لا يقع، وعندما انتهت دراستي رجعت إلى بلدي، وكنت وعدتها أن أفاتح أهلي بالموضوع لكي تلحق بي، ولكن هنا الوضع مختلف، ووجدت الفرق الكبير بين الفتاة العربية التي لم يلمسها أحد قط، وبين الأجنبية التي نامت مع الكثير من قبلي، وهذا الشيء يضايقني بشكل كبير، وأحياناً أفكر بتركها، ولكن أخاف الله؛ لأني كنت مثلها، وهي أصبحت الآن أفضل مني، والآن عقلي وفكري دائما مشغول بالمقارنة بين العربية والأجنبية، وأهلي لم يقبلوا بزواجي، وبدأت أسألتهم لي: من هي؟ هل هي كانت فتاة قبل أن أتزوجها؟ قلت: نعم وهي لم تكن كذلك، أنا تزوجتها لأنها أسلمت، وأحسنت إسلامها , وتزوجتها لإرضاء الله تعالى، ولكي أكفِّر عن ذنبي، وهي الآن بانتظار دعوتي لها، وهي تتمنى أن تصوم شهر رمضان في بلدي المسلم، أهلي رافضون، وأنا أريد أن تلحق بي لكي لا تضيع هناك، وهي إنسانة رائعة الأخلاق، وخصوصاً بعد إسلامها، أصبحت المرأة الأولى الملتزمة بالدين الإسلامي في نظري، أنا الآن أتعذب جدّاً، عندما أتذكر تاريخها وتاريخي وأنا أقول في نفسي إن هذه الفتاه بعثها الله لي كفارة للتكفير عن ذنوبي الكثيرة. - هل الطلاق وقع؟ وإذا وقع هل يحق لي إرجاعها للحفاظ عليها من الضياع والوحدة في البلاد الفاسقة؟ . - ماذا يجب عليَّ فعله، البقاء مع زوجتي الأجنبية المسلمة حديثاً أم الزواج من فتاة عربية مسلمة؟ . - ماذا أفعل مع أهلي؟ هم يريدون أن أطلقها، وإذا طلقتها لإرضائهم: هل هذا حرام؟ . - هل الزنا دين في رقبتي وسيأتي يوم أدفع ثمنه؟ . وكيف لي أن أنسى ماضيها الذي يأكل ويشرب وينام ويستيقظ معي وأعيش معها كزوجين مسلمين؟ . أرجو إرسال أدلة تساعدني في ذلك، أرجو منكم كل الرجاء إرسال الجواب الشافي الذي انتظره منذ زمن، ولكي لا يخيب ظني بهذه المواقع التي أنشأت لمساعدة المسلمين، وخصوصا التائهون، الضائعون مثلي، المحتاجون للمساعدة، ولو حتى بنصيحة (الغريق يتعلق بقشة) إذا انتم لن تساعدوني فإلى أين أذهب يا علماء المسلمين؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
إننا وإن كنا نرجو أن نكون عند حسن ظنك: إلا أنه لا يسرنا أن تكون لك نظرة سلبية تجاه مواقع الفتوى الأخرى لأهل السنَّة، ونحب منك أن تحسن الظن بالقائمين عليها، وأن تعذرهم، ولو أنك ترى كمية الأسئلة التي ترد لنا ولهم لعذرتنا، ولست وحدك من يطلب التعجل في إجابته، ولا يمكن تحقيق رغبة كل سائل في هذا الباب، فالعذر لنا ولإخواننا في المواقع الأخرى قائم، والكريم هو الذي يَعذر غيره.
ثانياً:
ما حصل معك في ذلك البلد الأجنبي يؤكد ما نقوله دوماً أنه لا يجوز السفر إلى تلك البلاد، وبخاصة إذا كان المسافر شابّاً أو شابَّة في مقتبل العمر، وفي فورة شهوتهم، وعلى الآباء والأمهات أن يعلموا أن أحوال أولادهم في تلك البلاد غالباً ما تكون مؤسفة، من البعد عن الدين، والفعل للفواحش، والتخلي عن السلوك المستقيم، وهم في النهاية من يدفع ضريبة هذه المخالفات الشرعية.
فالواجب على الآباء والأمهات أن يتنبهوا لأولادهم، وأن لا يكون حرصهم على تعليمهم على حساب دينهم وسلوكهم.
ثالثاً:
نهنئك على توبتك، ونحمد الله أن أنقذك من الكفر والفسوق والعصيان، وكم يتخبط غيرك في ظلمات الجهل والمعصية، وكم يغرق غيرك في أوحال الآثام، وكم يتردى غيرك من قمم الأخلاق وأعالي الفضائل، فالواجب عليك العض على شجرة التوبة، والتمسك بحبال التقوى، وإياك والتفريط والرجوع إلى سالف الحال؛ فإنك في نعمة حُرمها كثيرون، فلا تكفر النعمة بترك طريق التوبة.
رابعاً:
ونهنئ أختنا على إسلامها، ونحمد الله أن وفقها وهداها للإسلام، وهي لا شك تعلم الآن عِظَم الفرق بين حالها أولاً وحالها الآن، وتعلم الفرق بين أن يكون الإنسان كافراً وبين أن يكون مؤمناً، وتعلم الفرق بين حال قلبها أولاً من حيث الضيق والضنك، وبين حال قلبها الآن من حيث السعة والانشراح، فنسأل الله أن يزيدها هدى وتوفيقاً، وأن يجعلها هادية مهديَّة.
خامساً:
إن الذي يعيش بعيداً عن الهداية والرشاد يتخبط في القول والفعل والفكر، ويلتزم منهجاً لا يرضى به إلا شياطين الإنس والجن، ويعيش على مبادئ لا توافق نصّاً صحيحاً، ولا تلتقي مع عقلٍ صريح، وخذ على ذلك مثالاً مصطلح " الخيانة "! فإنه عند هؤلاء معناه أن يخون العشيق عشيقته، والعكس! فقد تكون المرأة ذات زوج، وتخون زوجها مع عشيقها، ثم إذا رأت ذلك العشيق مع امرأة أخرى: بكت، وناحت، وأهانته، وقد تضربه! لماذا؟ لأنه خانها!! وكأنها لم تخن زوجها، وكأنه لا عتب عليها، بل جعلت العتب على ذلك العشيق الخائن! فأي مبادئ يعيش عليها هؤلاء؟ وأي منطق يسيرون عليه؟ .
وإن تأسف فاجعل أسفك على المسلم الذي لا يعرف خيانة الله، ولا خيانة رسوله، ولا خيانة دينه، وراح يحصر الخيانة بخيانة محبوبته وعشيقته! وهو يمارس معها كبيرة من كبائر الذنوب، وهو الذي خان الله ورسوله ودينه من قبلُ.
وأنت أخي السائل:
تلوم امرأة كانت تنام معك ومع غيرك وهي كافرة! ولم تلُم نفسك أنك فعلت ما لا يحل لك وأنت تزعم الإسلام وتنتسب إليه؟! .
تلوم امرأة أسلمت وحسُن إسلامها كانت على الفجور والفواحش وهي كافرة؟! .
إن موقفك أضعف ما يكون، وليس لك وجه في الإنكار والعتب والملامة، لا وهي كافرة، ولا وهي مسلمة، فهي عندما كانت كافرة كان كفرها أعظم من كل ذنبٍ فعلته، وهي عندما كانت كافرة ليس ثمة شيء يردعها عن فعل الفواحش والمنكرات.
وهي عندما أسلمت فإن إسلامها كفَّر عنها ذنوبها وآثامها، وهي عندما أسلمت بدَّل الله تعالى سيئاتها حسنات! فأي وجه لك في الإنكار عليها كافرة أم مسلمة؟! .
روى مسلم (١٢١) عن عمرو بن العاص ﵁ قال: فَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ فِي قَلْبِي أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبَايِعْكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ، قَالَ: فَقَبَضْتُ يَدِي، قَالَ: (مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟) قَالَ: قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ، قَالَ: (تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟) قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي، قَالَ: (أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلِهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ) .
وروى البخاري (٤٤٣٦) ومسلم (١٧٤) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا قَدْ قَتَلُوا وَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا وَأَكْثَرُوا، فَأَتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً، فَنَزَلَ: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ) ، وَنَزَلَتْ: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) .
فهؤلاء من أهل الشرك قتلوا وأكثروا القتل، وزنوا وأكثروا الزنا، وانظر ماذا أنزل الله تعالى لهم، أنزل لهم أن سيئاتهم تبدَّل حسنات، وفي الحديث السابق بين أن الإسلام يهدم ما كان قبله، فأي عذرٍ لك بعد هذا في محاسبتها على شيء فعلته في جاهليتها؟!
قال علماء اللجنة الدائمة:
إذا صدق الإنسان في توبته من ذنبه، ولو كان شركاً بالله، أو زناً، أو قتلاً، أو أكل مال بالباطل، وندم على ما مضى من ذنبه، ورد الحقوق إلى أهلها أو سامحوه، وأتبع ذلك عملاً صالحا: تاب الله عليه، وغفر ذنبه، بل يبدل سيئاته حسنات، قال الله تعالى في صفة عباده الصالحين: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا. إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا. وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا) الفرقان/ ٦٨ – ٧١، وقال: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) الأنفال/ ٣٨، وقال: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) الزمر/ ٥٣، وقرر قول يعقوب لبنيه: (وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) يوسف/ ٨٧، إلى غير ذلك من الآيات وما في معناها من الأحاديث التي وردت في الحث على التوبة والرجاء في رحمة الله ومغفرته، وإن باب التوبة مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها، أو حالة الاحتضار ومعالجة سكرات الموت.
فعلى من ارتكب ذنباً أن يتوب إلى الله، ويندم على ما مضى، ويرد الحقوق لأربابها، أو يستبيحهم منها، ويظن بالله خيراً ويرجو رحمته، وإن كان ذنبه أكبر الذنوب فرحمته سبحانه أوسع، ومغفرته أشمل، وعليه أن يستتر بستر الله رجاء أن يستره الله، ولا يفضحه، والله المستعان.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن قعود.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٢٤ / ٢٩٦، ٢٩٧) .
فلم يكن ثمة داعٍ لانفعالك وغضبك وضربك لها بعد أن عرفت عنها ما عرفت، فقد أسلمت، وطلَّقت دينها وتاريخها، فلأي شيء يتم محاسبتها على جاهليتها، وبخاصة أنك أنت جزء من تاريخها؟! وفعلك أنت أقبح من فعلها، حيث كنت تنتسب إلى الإسلام الذي يحرِّم عليك أفعالك تلك، وهي لم تكن تنتسب لدينك الذي ينهاها عن أفعالها، بل رضيتَ بها على عاداتهم وتقاليدهم، وهي لم تخالف في ذلك! .
سادساً:
الذي يظهر لنا من خلال كلامك عنها أنها أسلمت وحسن إسلامها، ولعلَّها أن تكون خيراً منك في جوانب كثيرة، فالواجب عليك بعد أن رضيتها زوجة أن تحسن معاملتها، وأن تقوي عزيمتها، وأن تقف بجانبها ناصراً ومؤيداً ومعيناً.
سابعاً:
وبخصوص طلاقكِ لها: يجب عليك مراجعة من تثق به من أهل العلم لإيقافه على حقيقة حالكِ عندما صدر منك الطلاق، فإن الغضب درجات، وليس كل الغضب يقع معه الطلاق، ولا كله لا يقع معه الطلاق، وإنما لا يقع طلاق الغضبان الذي أُغلق عليه بالكلية.
عَنْ عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ) .
رواه أبو داود (٢١٩٣) وابن ماجه (٢٠٤٦) ، وحسَّنه الألباني في " صحيح أبي داود ".
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀
والإغلاق معناه: أنه يُغلق على الإنسان حتى يفعل الشيء بدون إرادة.
" لقاءات الباب المفتوح " (١٣٠ / السؤال رقم ٢٠) .
وقال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:
ويقع الطلاق من الغضبان الذي يتصور ما يقول، أما الغضبان الذي أخذه الغضب، فلم يدر ما يقول: فإنه لا يقع طلاقه.
" الملخص الفقهي " (٢ / ٣٠٨) .
وينظر تفصيل حكم طلاق الغضبان في أجوبة الأسئلة: (٢٢٠٣٤) و (٤٥١٧٤) و (٦١٢٥) و (٧٢٤٣٩) .
فإن كان وقع طلاقك لها في المرات الثلاث السابقة: فقد حرمت عليك، ولا يحل لك إرجاعها لعصمتك إلا بعد أن تتزوج هي زواج رغبة من آخر فيدخل بها، ثم يفارقها بطلاق أو موت، وإن لم تقع إحدى الطلقات الثلاث: فإنه يتبقى لك باقيها، ولك أن ترجعها لعصمتك، ومعرفة ذلك تتم بلقائك من تثق بعلمه ودينه لتطلعه على تفصيل ما حصل منك في تلك المرات.
ثامناً:
الذي ننصحك به تجاه تلك الزوجة – إن كنت لا تزال لها زوجاً -: أن تسعى لإحضارها لبلدك؛ لتخلصها من بيئة الكفر والفساد التي تعيش فيها الآن، ولكن على شرط أن تعاهد نفسك على الإحسان لها، وأن تعاشرها بالمعروف، وأن لا تعيرها بتاريخها قبل الإسلام، وأن لا يكون لما عرفته عنها أثر عليك، فإن كنتَ تستطيع فعل ذلك: فأحضرها لبلدك، وكوِّن معها أسرة إسلامية، وإلا فدعها في بلدها، لعلَّ الله أن يرزقها خيراً منك، ولعلَّ الله أن يرزقك خيراً منها.
وقولك: " وكيف لي أن أنسى ماضيها الذي يأكل ويشرب وينام ويستيقظ معي وأعيش معها كزوجين مسلمين؟ " فدعنا نهمس في أذنك ـ أيها الأخ الكريم المسلم ـ: وكيف ستنسى أنت ماضيك؟! بل: وبأي وجه تسأل الله العفو عنك، والصفح عن ماضيك، وأنت غير قادر على العفو عن عباده، والصفح عن ماضيهم؟!
على أنك إن كنت تعنيه حقّاً، وسيبقى معك: فلا ننصحك بإحضارها من بلدها، بل سرِّحها بإحسان، وأعطها حقوقها، وإن كنت مستعدّاً لنسيان ذلك، والعيش مع إسلامها وتوبتها: فهي أولى لك من غيرها.
تاسعاً:
أما بخصوص طلب أهلك منك أن تطلقها: فلا يجب عليك طاعتهما في هذا، وعلى أهلك أن يتقوا الله في التفريق بينك وبين زوجتك، وإذا أصررت على بقائك زوجاً لها: فإنك لا تكون عاقّاً لوالديك، وإنما الإثم عليهما لسعيهما في القطيعة بينك وبين زوجتك.
وانظر جواب السؤال رقم: (٤٧٠٤٠)
عاشراً:
وأما سؤالك: " هل الزنا ديْنٌ في رقبتي وسيأتي يوم أدفع ثمنه؟ ": فالجواب: إن كنت صدقت التوبة مع الله ، كما قلت عن نفسك، فعسى ألا يكون ديْناً، وألا تؤاخذ به؛ وقد سبق بيان الوعد للتائبين بمغفرة الذنوب، وتبديلها حسنات.
ونسأل الله تعالى أن يغفر لك ذنبك، وأن يقدِّر لك الخير حيث كان، وأن يهديك لما فيه صلاح حالك.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 11597
تتكلم عن زوجها أمام أولادها وأقاربها
[السُّؤَالُ]
ـ[امرأة تقول بأن زوجها يتشاجر معها بعض الأحيان، ويحصل أن تغضب زوجته، فبعدما يذهب عنها ويأتيها أولادها وبناتها أو أحد من أقاربها تقوم بالتكلم فيه ـ يعني: زوجها ـ هل هذه غيبة لزوجها؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"إذا كانت هذه المرأة تتكلم في زوجها بما يكره أن يقال عنه – فهو من الغيبة المحرمة المنهي عنها شرعاً، فعليها أن تتوب من ذلك توبة نصوحاً، وأن تحتسب عند الله الأجر فيما يحصل بينها وبين زوجها، ومعالجة ذلك بالصبر والإحسان إلى زوجها، وأن لا تنشر ما يحصل بينها وبين زوجها من خلافات أمام أولاده أو غيرهم؛ لما في ذلك من معالجة الشر بالشر، واتساع دائرة الخلاف، وفيه إيغار لقلوب الأولاد على أبيهم، وسبب للخلاف معه وقطيعته وعقوقهم له.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... الشيخ عبد العزيز آل الشيخ ... الشيخ صالح الفوزان ... الشيخ بكر أبو زيد.
"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" (٢٦/٢٢) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 11598
خلافات مع زوجها، وتسأل كيف تصبح زوجة صالحة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا أمريكية، وقد أسلمتُ حديثاً، وقد نشأت على ألا أسمح لرجل بأن يتحكم فيِّ، والمشكلة الآن هي أن زوجي ليس أمريكياً ونحن نتصادم كثيراً، أنا أعلم أكثر منه فيما يخص القوانين والأمور اليوميَّة، ولغته الإنجليزيَّة ليست جيِّدة إلى تلك الدرجة، لذلك فأنا أحتاج أن أشرح له في بعض الأحيان؛ لأنه قد تعود على الأحوال في بلاده هو وعلى حضارتها، وأنا أتولى القيام بالحديث في الغالب إذا كنا في أماكن عامة، وهذا يغضبه كثيراً، لكني أشعر أن تلك هي الطريقة الوحيدة لنتمكن من إتمام الأمور بطريقة صحيحة في الغالب، ونحن الآن نختلف كثيراً، وأنا لا أعرف كيف أصبح " الزوجة " المطلوبة إسلاميّاً، فأنا لا أزال في طور التعلم، ومشكلتي العظمى تكمن هنا، فكيف لي أن أغير ذلك؟ وكيف أقلل من المشكلة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نحمد الله أن وفقكِ للإسلام وهداكِ له، وهذه أعظم نعمة من الله تعالى على عبده.
ونعلمكِ أن الله تعالى قد جعلَ لكِ حقوقاً على زوجكِ، وأوجب عليكِ واجباتٍ تجاهه – ويمكنكِ مراجعة السؤال رقم (١٠٦٨٠) لتقفي عليها -.
فعليكِ القيام بما أوجبه الله عليكِ من حقوق تجاه زوجكِ، وقد عظَّمت الشريعة حقوق الزوج لما له من أهمية عظيمة في بناء البيت المسلم، ولما أوجبه الله تعالى عليه من القيام بمصالح أسرته ورعايتها.
والمرأة المسلمة ينبغي أن تكون عاقلة حكيمة في تصرفاتها مع زوجها، فالإنسان – عادةً – تأسره الكلمة الطيبة، وتقيِّده المعاملة الحسنة، فإذا كان هذا من شريكة حياته ورفيقة دربه كان ذلك أبلغ في التأثير، كما أن على المرأة العاقلة أن تبتعد عن كل ما يسيء لزوجها من تصرفات، وأن تتخلص من كل ما يزعجه من أفعال، وأن لا تحاول فرض شخصيتها عليه، فالرجل له القوامة وعليه المسئولية، وإشعاره بالنقص في مواقف معينة قد يجره إلى الغضب وإلى عدم إحسان التصرف، وقد قال بعضهم: " الزوجة المثالية هي التي تجيد فن التوافق الزوجي، وتوازِن بين طاعة الزوج واحترامه، وبين تعبيرها عن شخصيتها السوية الناجحة ".
وكلامك مع الناس عنه – لأنه لا يحسن لغة قومك – يجوز شرعاً، لكن كما سبق لا بدَّ أن تكوني حكيمة في مثل هذا التصرف والفعل، فإنك مع قيامك بمثل هذه الأقعال لا تشعريه بالنقص وبعدم الأهميَّة بل ارجعي إليه عند الكلام مع الناس، وشاوريه ولا تتخذي قرارات بوجوده إلا بعد إذنه، وليكن ذلك أمام مَن تكلمين ليشعر بقيمته وبقدره , ويمكنكِ أن تُظهري له تفوقه عليكِ في لغته وتشعريه بذلك، وأنكما تكمِّلان بعضكما بعضاً، فعاونيه على تعلم لغتك، وليعاونك على تعلم لغته.
هذا الذي ننصحك به وهو ما يمكن أن يوقف غضبه أو يمنعه من مثل هذه التصرفات، والأمر لا يعدو أن يكون مجرد مداراة لوقت معيَّن حتى يتمكن من اللغة ويستطيع القيام بشؤون نفسه وحده.
ثانياً:
ولكي تكوني زوجة صالحة لا بدَّ لك من معرفة ما أوجبه الله عليكِ فتفعليه، ولا بدَّ من معرفة ما كان عليه النساء الفاضلات من أخلاق وحسن تعامل مع الزوج، والأمر يحتاج منك لمجاهدة ومكابدة حتى تتعودي، لكن ذلك ليس مستحيلاً، فقد قال النبي ﷺ " إنما العلم بالتعلُّم، وإنما الحلم بالتحلُّم، ومَن يتحر الخير يُعْطَه، ومَن يتقِّ الشرَّ يُوقَه " – رواه الدارقطني في " الأفراد " وهو حديث حسن، كذا قال الألباني في " صحيح الجامع " (٢٣٢٨) - ومن هذه الصفات والأخلاق ما أوصتْ به أمٌّ عاقلةٌ ابنتَها قبل الزواج، وهي وصايا جامعة، نسأل الله أن يعينك على تحقيقها، قالت الأم لابنتها:
أي بنيّة إنك فارقتِ بيتكِ الذي منه خرجتِ، وعشكِ الذي فيه درجتِ إلى رجلٍ لم تعرفيه، وقرينٍ لم تألفيه، فكوني له أَمَةً يكن لكِ عبداً، واحفظي له خصالاً عشراً تكن لك ذخراً:
أما الأولى والثانية: فالخشوع له بالقناعة، وحسن السمع له والطاعة.
وأما الثالثة والرابعة: فالتفقد لمواضع أنفه وعينه، فلا تقع عينه منك على قبيح ولا يشم إلا أطيب ريح.
وأما الخامسة والسادسة: فالتفقد لوقت منامه وطعامه؛ فإن حرارة الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مُغضبة.
وأما السابعة والثامنة: فالاحتفاظ بماله والإرعاء على حشمه وعياله.
وأما التاسعة والعاشرة: فإن ملاك الأمر في المال حسن التقدير، وفي العيال حسن التدبير.
ثالثاً:
وعلى الزوج أن يتقي الله ربَّه، ولا يبخس حق امرأته، وليؤد لها حقوقها التي أوجبها الله عليه، ولا بدَّ أن يعلم أن الناس درجات، وأن ما يعرفه هو يجهله كثيرون، وما يجهله هو يعرفه كثيرون، ولأَن تكون معه امرأته تترجم له وتدله على ما ينفعه وتبين له الطريق خيرٌ من أن يكون معه شخص آخر لا يثق بأمانته، والعلم لا يحصل إلا بالتعلم، وطريق العلم يكون بالجد والاجتهاد.
ونصيه بالحرص على أن يملك نفسه عند الغضب، وأن لا يغضب إلا إذا انتهكت محارم الله تعالى فهذا هو الغضب المحمود.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 11599
كفارة جماع النفساء
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هى كفارة مباشرة المرأة فى فرجها أثناء فترة النفاس؟ علما بأن السؤال رقم (٣٦٧٢٢) لا يحتوى على الكفارة إذا تمت المباشرة الفعلية، ولكنه يوضح فقط أنها محرمة - وهذا معلوم - ولكن قد وقع الخطأ، ونريد أن نعرف كفارته؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
اختلف أهل العلم في وجوب الكفارة على من جامع الحائض أو النفساء، على ثلاثة أقوال:
القول الأول: وجوب الكفارة: حكاه ابن المنذر عن ابن عباس وقتادة، وحكاه بعض الشافعية قولا قديما للشافعي، وبعضهم أنكره، وهو رواية عن أحمد عليها جمهور الحنابلة كما قال المرداوي في "الإنصاف" (١/٣٥١) ، وحكى بعض الحنابلة عن أحمد في النفساء رواية واحدة بالوجوب، بخلاف الحيض. انظر: النووي في "المجموع" (٢/٣٩١) ، "الإنصاف" (١/٣٤٩)
واستدلوا عليه بما جاء من طرقٍ عَنْ مِقْسَمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ - قَالَ: (يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أَوْ بِنِصْفِ دِينَارٍ) .
الحديث أخرجه أبو داود (٢٦٤) وغيره، وهذا الحديث اختلف في إسناده ومتنه على أوجه كثيرة، كما اختلف النقاد في تصحيحه وتضعيفه اختلافا كبيرا.
انظر "التلخيص الحبير" (١/٢٩٢-٢٩٣) ، وتعليق الشيخ أحمد شاكر على "سنن الترمذي" (١/٢٤٦ - ٢٥٤) .
القول الثاني: الاستحباب وعدم الوجوب:
يقول النووي في "المجموع" (٢/٣٩١) :
" حكاه أبو سليمان الخطابي عن أكثر العلماء , وحكاه ابن المنذر عن عطاء وابن أبي مليكة والشعبي والنخعي ومكحول والزهري وأيوب السختياني وأبي الزناد وربيعة وحماد بن أبي سليمان وسفيان الثوري والليث بن سعد " انتهى.
وهو قول الحنفية والشافعية:
جاء في "الدر المختار" (١/٢٩٨) :
" ويندب تصدقه بدينار أو نصفه " انتهى. وانظر: "الفتاوى الهندية" (١/٣٩)
ويقول النووي في "المجموع" (٢/٣٩٠) :
" إذا وطئها عالما بالحيض وتحريمه مختارا ففيه قولان , الصحيح الجديد: لا يلزمه كفارة , بل يعزر ويستغفر الله تعالى ويتوب , ويستحب أن يكفر الكفارة التي يوجبها القديم.
والثاني ـ وهو القديم ـ: يلزمه الكفارة ... ، ثم ذكر الخلاف في حكاية الوجوب قولا قديما للشافعي - " انتهى.
القول الثالث: الواجب التوبة والاستغفار ولا كفارة في ذلك: وهو قول المالكية، كما في "الموسوعة الفقهية" (١٨/٣٢٥) ، وقول ابن حزم في "المحلى" (٢/١٨٧) .
ولا شك أن القول بالصدقة المذكورة في الحديث هو أحوط وأبرأ للذمة، وأدعى إلى الانتهاء عن تلك المعصية، وتعظيم حرمات الله ، وعدم تعدي حدوده، لا سيما وقد قال به ابن عباس ﵄، إن لم يصح الحديث مرفوعا.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم، ﵀:
" وطء الرجل امرأَته وهي حائض حرام بنص الكتاب والسنة؛ قال الله تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) [الآية، البقرة /٢٢٢] ، والمراد المنع من وطئها في المحيض، وهو موضع الحيض، وهو الفرج؛ فإذا تجرأ ووطئها، فعليه التوبة، وأَن لا يعود لمثلها، وعليه الكفارة، وهي دينار أَو نصف دينار، على التخيير؛ لحديث ابن عباس مرفوعًا ... ، والمراد بالدينار: مثقال من الذهب، فإن لم يجده فيكفي قيمته من الفضة. " انتهى. فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم (٢/٩٨) .
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
" وجوبُ الكفَّارة من مفردات المذهب [يعني: مذهب الحنابلة] ، والأئمة الثَّلاثة يرون أنَّه آثم بلا كفارة.
والحديثُ صحيحٌ، لأنَّ رجالَه كلَّهم ثقاتٌ، وإذا صحَّ فلا يضرُّ انفرادُ أحمد بالقول به.
فالصحيح: أنها واجبةٌ، وعلى الأقل نقولُ بالوجوب احتياطاً." انتهى.
الشرح الممتع (١/٢٥٥) ط مصر.
وكذلك أفتى بوجوب الكفارة: علماء اللجنة الدائمة، كما في فتاوى اللجنة (٦/٩٣،١١٢) .
تنبيه: قيمة الدينار، بالوزن: (٤.٢٥) غراما تقريبا، فالواجب عليه أن يتصدق بهذه القيمة، أو نصفها.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 11600
متزوج، وله مواهب متعددة، ويعاني من التخبط والفوضوية
[السُّؤَالُ]
ـ[مشكلتي أنني لا أعرف ما هي مشكلتي بالضبط!!!! أنا شاب قاربت الثلاثين من العمر، متزوج ولدي بنت واحدة - ولله الحمد – المشكلة هي أنني شخص فوضوي لأبعد حدٍّ، متخبط جدّاً، والمشكلة أني - ولله الحمد - متعدد المواهب، فأنا شاعر، وقاص، ومبدع في التأليف، والإخراج المسرحي والتلفزيوني، وبارع في مجال الأدب والشعر، وفي مجال التاريخ، وكذلك الثقافة العامة، وفهم الواقع، سريع الحفظ، قوي الذاكرة , ومع ذلك فقد كنت مهملاً جدّاً في دراستي، مع العلم أني كنت أستطيع التفوق ولكن! أعشق النوم والكسل، نادراً ما أنجز شيئاً، أحيانا طموحاتي تتجاوز حدود الخيال، فأنا أريد أن أكون كل شيء، فعندما أجد كتاباً في التاريخ - مثلاً -: أجزم أني سأكون مؤرخاً كالطبري، وعندما أشاهد عالِماً في التلفاز - مثلا - ويعجبني: أقرر بعدها أن أكون طالب علم يشار إليه بالبنان، وبعد فترة أطالع قصيدة فأقول: سأكون شاعر الأمة الكبير، وهكذا تجدني في اليوم الواحد أقرر أن أكون أعظم رجل في العالم، وأصل إلى كل شي، وأكون، وأكون، والعجيب أني أحياناً أرسم، وأضع خططاً وبرامج وأنا مبدع في ذلك، ولكنها حبر على ورق، مع يقيني أني لو عملت ربع هذه الخطط لأصبحت أفضل بكثير مما أنا عليه الآن، والأغرب من كل هذا أني متميز في مجال التربية، والشباب، والمراكز الصيفية، ولا يستطيع أحد أن يجاريني، فالأسرة التي أكون أنا رئيسها في المركز: تكون الأولى في كل شيء، ولكني لم أستطع أن أربي نفسي. أغراضي وملابسي دائما في فوضى، كل شي بعدي يكون فوضويّاً، لا أعرف الترتيب، ولا النظام، أحس أن الأشخاص المنظمين أناس لا يستمتعون في حياتهم، أحسهم كـ " الربورتات " التي تؤدي مهامها فقط. أنا كثير الأحلام والخيال، أما في الواقع: فلا شيء، بصراحة وأنا الآن عاطل، تركت الجامعة بعد سنوات طويلة، فأنا متخرج من الثانوية قبل عشر سنوات تقريبا، دخلت الجامعة وتنقلت بين عدة أقسام فيها ... وفي مجال الأعمال الخيرية والتطوعية كنت الأبرز من بين الشباب، وإذا استلمت عمل: أُبدع فيه، ولكن سرعان ما أتركه حتى عُرف عني هذا الأمر، وأصبحت لا أُكلف بشي، مع علمهم أنني أفضل من يقوم بأي أمر. عمري يقارب الثلاثين، ولا يوجد لديَّ دخل، مع أني متزوج، ولم أتعظ، ولكني متضايق جدّاً من حالتي المزرية، وأنا جاد في البحث عن الحل. والله المستعان.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نسأل الله تعالى أن يوفقك لما يحب ويرضى، ونسأله تعالى أن ييسر أمرك، ويفرِّج كربك، ورسالتك تحمل في طياتها شعوراً صادقاً للبحث عن حلٍّ لما تعيشه من اضطرابٍ في التفكير، وخلل في التصور للأهداف الحياتية، ولذا فسنحاول جهدنا الوصول بك إلى برِّ الأمان، ونرجو أن تتعاون معنا بتحقيق ما نقوله لك في واقع العمل، بعد أن تقرأه في واقع النظر.
١. إذا كنتَ مضطرباً في تحديد الهدف لحياتك فترى نفسك متنقلاً من مهنة إلى أخرى، ومن عملٍ لآخر، ومن موهبة لأختها: فلا ينبغي لك أن تتجاهل الغاية التي من أجلها خُلقت، بل خلق الإنس والجن من أجلها، وهي توحيد الله وعبادته، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) الذاريات/ ٥٦، ومعرفتك لغاية واحدة خُلقت لأجلها، وسيرك في هذه الحياة الدنيا من أجل تحقيقها هو أيضاً عامل مساعد قوي في حل مشكلتك، فإن نسيت أو غفلت أو ضيعتك هموم الدنيا فإياك أن تغفل عن غاية خلقك، واعمل جاهداً لتحقيقها، وسترى السعادة في الدنيا قبل الآخرة.
قال الله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) النحل/ ٩٧. قال ابن القيم – ﵀:
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدَّس الله روحه - يقول: إن في الدنيا جنَّة مَن لم يدخلها: لا يدخل جنة الآخرة.
وقال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنَّتي وبستاني في صدري، إن رحتُ فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.
" الوابل الصيب " (ص ٦٧) .
ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن غيره في " مجموع الفتاوى " (١٠ / ٦٤٧) قوله: لقدْ كنت في حال أقول فيها: إن كان أهل الجنة في الجنة في مثل هذا الحال: إنهم لفي عيش طيب. انتهى
٢. ونرى أن عندك جوانب إيجابية ينبغي لك استثمارها، وجوانب سلبية ينبغي لك التخلص منها.
ومن الجوانب الإيجابية عندك:
أ. أنك متعدد المواهب، فمثلك لا يجد صعوبة في الاستقرار على شيء، والإبداع فيه.
ب. أنك سريع الحفظ، وقوي الذاكرة، وهاتان الميزتان لم تُذكرا إلا في تراجم قليلة من أهل العلم والأدب والإبداع، فتستطيع أن تملأ صدرك بكتاب الله تعالى، وتستطيع أن تطلب العلم الشرعي فتكون من الحاملين لسنة النبي ﷺ ، والذابين عنه وعن دينه.
ج. أنك تملك طموحاً قويّاً، وهذا يعني قوة الشخصية، وقوة الإرادة.
د. تميزك في جانب الدعوة إلى الله، وحفظ القرآن، والقيام بالأعمال الخيرية، وهذا يمكنك استثماره في تحقيق هدك في الحياة؛ لأن مثلك وقف على جوانب من الشرع من الآيات والأحاديث.
وأما الجوانب السلبية التي ينبغي لك التخلص منها فوراً، ودون تردد:
أ. عشقك للنوم والكسل، وهذا أمرٌ محزن أن يكون من مثلك، فأنت مفعم بالحيوية والطاقة، وتملك مواهب متعددة، وعندك طموح قوي، وكل ذلك لا يتناسب مع الكسل والنوم، وقد ذم الأطباء والعلماء والعقلاء كثرة النوم، وجعلوها في سلسلة الأمراض التي تقتل الهمة والعمل وتمرض البدن.
قال الفضيل بن عياض ﵀: خصلتان تقسيان القلب: كثرة النوم، وكثرة الأكل.
وقال ابن القيم ﵀:
وأما مفسدات القلب الخمسة: فهي التي أشار إليها: من كثرة الخلطة، والتمني، والتعلق بغير الله، والشبع، والمنام، فهذه الخمسة من أكبر مفسدات القلب.
" مدارج السالكين " (١ / ٤٥٣) .
وشرح ما يتعلق بالنوم فقال ﵀:
المُفسد الخامس: كثرة النوم؛ فإنه يميت القلب، ويثقل البدن، ويضيع الوقت، ويورث كثرة الغفلة والكسل، ومنه المكروه جدّاً، ومنه الضار غير النافع للبدن ... .
وبالجملة: فأعدل النوم وأنفعه: نوم نصف الليل الأول، وسدسه الأخير، وهو مقدار ثمان ساعات، وهذا أعدل النوم عند الأطباء، وما زاد عليه أو نقص منه أثر عندهم في الطبيعة انحرافا بحسبه.
" مدارج السالكين " (١ / ٤٥٩) .
فانتبه لهذا الأمر، والتزم بأنفع النوم وأعدله، ودع عنك النوم الزائد عن الحاجة، وانظر لما يسببه من آثار سيئة، ولا ترضى لنفسك إلا بالكمال.
ب. يظهر لنا من رسالتك أنك تبحث عن المجد والشهرة، ولا يهمك تحقيق ما تصبو إليه نفسك إلا من أجل أن تكون مميزاً ويشار إليك بالبنان – على حد تعبيرك -، وهذا أمرٌ خطير، ويجب عليك التوقف عن هذه النية، والتوقف عن السعي لتحقيق مجد وشهرة؛ فإن هذا من كبائر الذنوب، وهو مُحبط للأعمال، وهو مسبب للقلق والكآبة حتى وإن تعلق بأمر غير شرعي؛ لأن سعيك لأن تكون شاعر الأمة، أو عالِماً، أو أعظم رجلٍ في الدنيا: لن يأتي من مواهب متعددة، وطموح جامح، مع كثرة نوم، بل يحتاج لكد وتعب وجد واجتهاد، وسترى نفسك مع واقعك أنك لن تصبح كذلك، فتصاب بالإحباط والكآبة، وهذا هو الواقع، وأنت قد أخطأت خطأ عظيماً، وإياك أن تبحث عن مجد نفسك وشهرتها؛ فإن ذلك سيكون على حساب الأجور والثواب إن كان في أعمالك طاعات، وسيكون على حساب صحتك وعقلك وبدنك ووقتك إن كان في أعمالك أمور دنيوية، فاحذر هذا المرض الخطير، وليكن طلبك للعلم وحفظك للقرآن من أجل الأجور التي عند الله، وليكن تنافسك مع غيرك داعياً لك للعمل والاجتهاد، دون نية إزاحة غيرك والجلوس مكانه.
ج. التخبط في الاستقرار على عملٍ معيَّن، وأنت قد حباك الله مواهب متعددة، وتملك مواصفات مميزة، وهذا التخبط سببه هو: عدم الاستقرار على شيء واحد من مواهبك وأعمالك، فالذي ننصحك به: أن تنظر أي الأشياء أقرب لقلبك من الأعمال التي تتقنها، اخترها ودع غيرها، واعمل في حقلها، وأبدع في صناعتها وإنتاجها وقيامها، على شرط أن تكون موافقة للشرع، فوضوح الهدف عندك لتحقيق عمل معيَّن سيجعلك تصرف النظر عن غيره، واستقرارك على عملٍ واحد دون غيره: سيريح بالك، ويجعلك تبدع في تحقيقه، ولك أن تتصور كم سيكون ذلك مساهماً في حل مشكلتك، وكم سيفرح ذلك زوجتك الصابرة على أفعالك وكسلك ونومك!
د. الفوضوية في ملابسك وترتيب أغراضك: أمر مخالف للفطرة والعقل، ولا يمكن لإنسان حباه الله تعالى عقلاً سليماً ويستمتع بالفوضى وعدم الترتيب، وهب أنك جئت مطعماً لتأكل فيه، ووجدته فوضويّاً كما هو حالك: فهل ستستمتع بالأكل فيه؟ وهب أنك جئت محلا للبقالة لتشتري غرضاً فلم تجد رفوفاً ولا ترتيباً للمواد، ولا تصنيفاً لها، وسألت صاحب المحل عن شيء منها، فقال لك: ابحث في كل أغراض المحل فستجده بينها! فأي عاقل يمكن أن يقول إن هذه الفوضى خير من الترتيب والتنظيم والتصنيف للمواد؟! وقل مثل ذلك في شئون حياتك كلها، فالاستمتاع – أخي الفاضل – هو بوضع كل شيء في مكانه المناسب، والاستمتاع بالنظافة، والطهارة، والترتيب، وليس بعكس ذلك.
أخي الفاضل:
احرص على ما عندك من أمور إيجابية، ونمِّها، وقوِّها، وتخلص مما عندك من سلبيات، واعلم أنك مسئول عن نفسك، وعن زوجتك، وابنتك، فأي زوج تحب أن تكون؟ وأي أبٍ تود أن تراه ابنتك؟ الأمر يرجع إليك في الانطلاق نحو الكمال، وأن تدع عنك الكسل، وتنهض لتقوم بعملٍ واحد شرعي، تبدع فيه، وتحقق آمالك بالعمل المستقر، والحياة الهانئة، فتسعد، وتسعد زوجتك، وابنتك، ولا تنس الهدف الأسمى الذي خُلقت من أجله، وهو توحيد الله وعبادته، فأكثر من الأعمال الصالحة، واستثمر ذاكرتك وقوة حفظك في إتمام حفظ كتاب الله تعالى، والالتزام بحلقات العلم، واسأل ربك تعالى أن يوفقك، وأن يهديك لما فيه صلاح، وصلاح أسرتك.
ننصحك بأن تبحث عن عمل وظيفي تلتزم به، يكون متناسبا مع أقرب مواهبك إلى نفسك، وأولاها عندك بالعطاء والإبداع، ولو أمكن أن تعرض شيئا من أعمالك على بعض المجلات الإسلامية، أو المواقع الإلكترونية الإسلامية، فربما تجد فرصة للعمل والعطاء عندهم، وربما يجدون هم ـ أيضا ـ عندك من الموهبة والعطاء، ما يمكن أن ينفع الناس بما عندك من الخير، وتستثمر فيه النعمة التي رزقك الله، شريطة أن تكون جادا في الالتزام، عازما على إصلاح نفسك وتغييرها.
والله الموفق
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 11601
تزوجت مكرهة من والدها وزوجها يصر على الانتقام منها وعدم تطليقها
[السُّؤَالُ]
ـ[أكتب لكم قصتي هذه ودموعي على خدي، قصتي بدأت منذ أربع سنوات، وبالتحديد حين كنت في السنة الأولى في الجامعة، حيث تقدم ابن عمتي لأبي طالباً الزواج مني، وحينها رفضت هذا الزوج؛ نظراً لرغبتي الأولى والأهم، وهي إكمال دراستي، والسبب الآخر هو أن علاقة والدتي وعمتي ليست علاقة صافية، حيث كانت تشوبها المشاكل، والتي أثرت على علاقتي وإخواني بعمتي وأبنائها منذ صغرنا، وقد قام والدي بعدة محاولات لإقناعي بالقبول، ولكني رفضت وبكل شدة، وبتأييد من والدتي وجميع إخواني، وكذلك من بعض الأقارب , بعد ذلك قام والدي بالضغط عليَّ وإرغامي على الموافقة، وكنت مستمرة في الرفض، وعندها غضب مني والدي، وربط موافقتي بإكمالي للدراسة حيث قال لي: إن رفضتِ الزواج: فلن تكملي دراستك، وأصبح لا يكلمني لعدة أيام، وحتى لا يريد النظر إليَّ، عندها اضطررت إلى الموافقة على مضض، وذلك حتى لا أخسر والدي، والجامعة، وتم عقد القران مع وجود شرط من والدتي بألا يتم الزواج قبل سنتين من تاريخ المِلكة، ومن يوم الملكة لم أرَ زوجي، وحتى لم يقم بالاتصال بي أو السؤال عني كأي زوجين يعيشان أحلى فترة وهي فترة المِلكة، ومضت سنة وسنتان وثلاث وأربع ونحن على نفس الحال لم أرَ زوجي من يوم المِلكة، وحتى كتابة هذه السطور، وكذلك لم يتم تحديد موعد للزواج، فأصبحت معلقة، لا أدري ما هو مصيري، أنا متزوجة بدون زوج، وكان رد عمتي عند أي سؤال منا في هذه الفترة حول الزواج تقول: قريباً بإذن الله، إلى أن تخرجت من الجامعة، وحينها علمت عمتي برغبتي بالعمل، أخبرتني بأن ابنها يرفض عمل المرأة، ويجب ألا تعملي، وبعد مناقشة لهذا الموضوع بوجود والدي ووالدتي وعمتي قالت عمتي لأبي: أنا سأخبرك بأني تعبت كثيرا لأقنع ابني بإتمام الزواج، ولكنه رافض، وطلبت من والدي بأن يقوم هو بإقناع ولدها بإتمام الزواج، وحينها غضب والدي، ورفض، ولكنها قالت: بأنها ستقنعه، وبعدها قام زوجي بالاتصال بي، وكان يكلمني بدون نفس، ويحاول استفزازي في المكالمة، ولم أعرف ماذا يريد من هذا الاتصال، وبعد عدة أيام اتصلت عمتي وأخبرتنا بأنها ستقوم باختيار قاعة لإقامة الزواج في الصيف، وبعدها قام زوجي بمكالمتي مرة أخرى، وأخبرني بأنه لا يحبني، ولا يريدني، ولكنه يريد الانتقام فقط، ولا أعلم ما السبب في جعله يحمل كل هذه العداوة تجاهي، عندها قررت أن أصارحه بالحقيقة - والتي هددني والدي بالقتل إن ذكرتها - وهي أني وافقت رغماً عني، وعند علمه غضب بشدة، وقال لي: لن أطلقك بعد ٤ سنوات ضاعت من حياتي، ولن أكون الضحية وحدي، بل يجب أن تخسري أنت كذلك، وسأتزوجك، وأطلقك بعد شهر، أو شهرين، حتى تخسري أنت كذلك، وإذا كنتِ لا تريدين مني الدخول عليكِ فلن أدخل، وبعد يومين، أو ثلاثة، اتصلت عمتي، وأخبرتنا بتحديد موعد الزواج، وقمت وقتها بالاتصال على زوجي، وبأملي الأخير بأن يطلقني، وحاولت معه، لكنه رفض بشدة بحجة الانتقام، وعند إخباري لوالدي ووالدتي - والتي تغيرت من تأييدي إلى تأييد أبي خوفا من كلام الناس - بكلامه قالا لي: إن كل شيء سيتغير بعد الزواج، كما قالا لي: بأن الناس سيتكلمون كثيراً إذا طلقك بعد ٤ سنوات من الملكة؛ حيث إن هم أهلي الأول والأخير هو كلام الناس وبدون تفكير في مصيري أنا، وقد قام إخواني وبعض أقاربي بمحاولة إقناع والداي بعدم إتمام الزواج، ولكن دون جدوى. أنا الآن أرى الأيام تسير بسرعة، ولا أستطيع فعل أي شيء في زواج أرى أنه فاشل، ولن يستمر أبدا، نظراً لكرهنا لبعضنا، علما بأن الزواج تم تحديده في بداية شهر رجب. آمل منكم إفادتي عن صحة هذا الزواج شرعيّاً، خاصة إنني مرغمة ومجبرة على الموافقة، وماذا يجب عليَّ فعله.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
قد أخطأ والدك خطأ بالغاً إذ أكرهك على الزواج بمن لا ترغبين، وممارسته للضغوط عليكِ حتى توافقي على ابن عمتك أمر لا يرضى به الشرع، ولا تترتب على ذلك الإكراه آثار الزواج الشرعي.
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا) . رواه مسلم (١٤٢١) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
"المرأة لا ينبغي لأحدٍ أن يزوِّجها إلا بإذنها كما أمر النبي ﷺ ، فإن كرهت ذلك: لم تُجبر على النكاح، إلا الصغيرة البكر، فإن أباها يزوجها، ولا إذن لها، وأما البالغ الثيب: فلا يجوز تزويجها بغير إذنها، لا للأب، ولا لغيره، بإجماع المسلمين، وكذلك البكر البالغ ليس لغير الأب والجد تزوجيها بدون إذنها، بإجماع المسلمين، فأما الأب والجد فينبغي لهما استئذانها، واختلف العلماء في استئذانها هل هو واجب أو مستحب، والصحيح: أنه واجب، ويجب على ولي المرأة أن يتقي الله فيمن يزوجها به، وينظر في الزوج هل هو كفؤ أو غير كفؤ؛ فإنه إنما يزوجها لمصلحتها لا لمصلحته، وليس له أن يزوجها بزوج ناقص لغرض له" انتهى.
" مجمع الفتاوى " (٣٢ / ٣٩، ٤٠) .
ثانياً:
إذا زوج الأب ابنته بدون رضاها، فالنكاح غير لازم لها، فإن شاءت ردَّت النكاح، وإن شاءت أمضته.
بوَّب البخاري ﵀: " باب إذا زوَّج الرجل ابنته وهي كارهة فنكاحه مردود ".
وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ جَارِيَةً بِكْرًا أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ ، فَذَكَرَتْ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ، فَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ .
رواه أبو داود (٢٠٩٦) وابن ماجه (١٨٧٥) ، وصححه ابن القيم في " تهذيب السنن " (٣/٤٠) والألباني في " صحيح أبي داود ".
والذي ننصحك بفعله هو الإكثار من دعاء الله تعالى الذي يجيب المضطر إذا دعاه (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) النحل/٦٢.
واستعيني بعقلاء أهلك: أعمامك وعماتك وأخوالك وخالاتك ونحوهم ويجب عليهم أن يتدخلوا وينصحوا أباك وينصحوا الزوج بأن يطلق.
فإن لم يفد ذلك فنرى أن ترفعي أمرك إلى القاضي الشرعي، ونسأل الله تعالى أن يفرج كربك.
ثالثاً:
نوصي الزوج أن يتقي الله تعالى، وأن يكف ظلمه عمن عقد عليها، ونوصيه أن يسرحها بإحسان، ولا ندري كيف يقبل مسلم أن يقبل الزواج بامرأة لا ترغب بالزواج منه، ونذكر هذا الزوج بأن كل الذنوب يؤخرها الله إلا الظلم والعقوق، وليعلم أنه سيتزوج عاجلاً أم آجلاً، وأنه قد يرزق بنين وبنات، فليحذر من أن يعاقبه الله في بناته بأن يتزوجها من يرغب بالانتقام منها أو من أهلها، فيكون هذا ابتلاء لها وعقوبة له، وليحذر من عقوبة الله له دنيا وأخرى، فالظلم ظلمات يوم القيامة.
فعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ ﵎ أَنَّهُ قَالَ: (يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا) . رواه مسلم (٢٥٧٧) .
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) . رواه البخاري (٢٣١٥) ومسلم (٢٥٧٩) .
وقال بعض السلف: " إذا دعتك قدرتك على ظلم الناس فتذكر قدرة الله عليك "
ولله در الشاعر حين قال:
لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً فالظلم آخره يأتيك بالندم
تنام والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم
فتذكر أيها الزوج موقفك أمام الله، يوم لا ينفع مال ولا بنون، يوم يفر المرء من أخيه، وأمه وأبيه، يوماً كان مقداره خمسين ألف سنة، يوماً يشيب منه الولدان، وتذهل كل مرضعة عما أرضعت، يوماً ينادي الملك الجبار خالق كل شيء: لمن الملك اليوم؟ ولا مجيب، فليس هناك مَلِكٌ إلا هو، وليس هناك صاحب سلطان إلا هو .
ونوص أباك وأهلك جميعاً أن يتقوا الله تعالى ولا يحملنهم الخوف من كلام الناس على ظلمك، فإنهم مسئولون عن هذا الظلم يوم القيامة (كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا، وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا) رواه البخاري (٨٩٣) .
ويقول النبي ﷺ : (مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) رواه مسلم (١٤٢) .
وما يريده أبوك وأمك منك هو من الغش لك وعدم النصح، فليحذروا من هذا الوعيد الشديد الوارد في هذا الحديث، ونسأل الله تعالى أن يهدي أهلك، ويفرج كربك.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 11602
تردد نصرانية تريد الإسلام وتسأل عن علاقتها بأهلها
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا امرأة نصرانية وأحب رجلاً مسلماً وأريد أن أتزوجه، أرشدني للإسلام حتى رأيت الأدلة العلمية على صحة الإسلام، أنا الآن في موقف حيادي فلست نصرانية ولست مسلمة، أنا حقاً أريد أن أعتنق الإسلام وأحاول جاهدة، بالحقيقة فقد كنت متمسكة بالنصرانية جدّاً ولكنني فقدت هذا الشعور وقد وافقت عائلتي على دخولي في الإسلام إن كان هذا يرضيني وإن شاء الله فسوف أسلم قريباً ولكنني قلقة لأنني لا أستطيع الحصول على الطمأنينة والرغبة التامة فيما أريد فعله، إذا لم أشعر بالطمأنينة والرغبة حين دخولي الإسلام فسأشعر بأنني سوف أسلم فقط لأتزوج هذا الرجل وهذا ما لا أريده وأنا أريد أن أسلم لله وقد احترت في أمري فماذا أفعل؟
سؤالي الثاني: إذا أسلمت فهل أستطيع أن أقابل أفراد عائلتي غير المسلمين؟ قرأت في موقع إسلامي أن الزوج إذا منع زوجته من الذهاب إلى أماكن لا يحبها أو أن تفعل أشياء لا يريدها فعلى الزوجة أن تطيعه في هذا، أنا أحب عائلتي جدّاً جدّاً وهم كذلك يحبونني جدّاً ولذلك فهم لا يمانعون من دخولي في الإسلام ولذلك فأنا لا أريد أن أتركهم وهم كذلك لا يريدون أن يفقدوني.
أرجو أن توضح لي هل يمكن أن أقابلهم وأن أحتفل معهم بالأيام الخاصة وهل أستطيع أن أتبادل معهم الهدايا في الأعياد الخاصة كعيد ميلاد المسيح.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
إن التردد في دخول الإسلام لا ينبغي أن يصدر من امرأة مثلك، لها مثل هذا الأسلوب في الكلام، وعندها من العقل والحكمة ما تعرف به الصواب من الخطأ، بل ينبغي أن تكوني مرشدة لغيرك من الحيارى والتائهين.
واعلمي أن الشيطان هو الذي يحول بينك وبين الجزم بدخول الإسلام، وأنه هو الذي يوهمك أن دخولك الإسلام ليس من أجل القناعة الذاتية به، وأنك لن تكوني مطمئنة، وغير ذلك مما يقذفه في قلبكِ وعقلكِ، ويجعلكِ تترددين في قرار فيه سعادتك في الدنيا والآخرة.
إن إسلامك هو لله سبحانه، وما كان الرجل المسلم إلا سبباً فيه، وطريقاً إليه، وليس يعيب الرجل أن يسلم بسبب امرأة تنصحه وتهديه، وليس يعيب المرأة أن تُسلم بسبب رجل ينصحها ويهديها، وإليك قصة امرأٍة في الإسلام لا يُعرف لها نظير، فهي من نوادر هذه الأمة، وتفكِّري جيّداً في حادثتها:
عن أنس بن مالك قال: خطبَ أبو طلحة أمَّ سليم، فقالت: والله ما مثلك يا أبا طلحة يُرد، ولكنك رجل كافر، وأنا امرأة مسلمة، ولا يحل لي أن أتزوجك، فإن تُسلم: فذاك مهري، وما أسألك غيره، فأسلمَ، فكان ذلك مهرها.
قال ثابت – تلميذ أنس -: فما سمعت بامرأة قط كانت أكرم مهراً من أم سليم، الإسلام، فدخل بها، فولدت له.
رواه النسائي (٣٣٤١) وصححه الألباني في صحيح النسائي.
واعلمي أنه سرعان ما سيدخل الإيمان إلى شغاف قلبك، ولن تكون الدنيا كلها تعدل عندك العيش ساعة واحدة متقلبة في هذه النعمة العظيمة، ولقد كان بعض الناس يدخلون الإسلام من أجل المال، فسرعان ما يحبون الإسلام ويحاربون من أجله ويبذلون فيه الغالي والنفيس.
فعليك أن تجاهدي نفسك، وأن تعلمي أن الشيطان يريد أن يصدك عن السعادة وعن دين الفطرة والعقل، وأنت ستختارين دين آدم وإبراهيم وموسى والمسيح عيسى ﵈، دين الفطرة التي خلق الناس عليها، فهذا الكون ليس له إلا ربٌّ واحد لا شريك له، هو المستحق للتوحيد والعبادة، ونبينا محمد ﷺ لم يُرسل إلا بما أرسل به الرسل من قبله، فكوني مع طائفة أتباع الأنبياء والرسل تسعدي في الدنيا والآخرة.
ثانياً:
لن يمنعك الإسلام من اللقاء بأسرتك، بل سيوصيكِ بهم أكثر لتكوني مثالاً حسناً للمرأة المسلمة، ولتعينيهم على اعتناق هذا الدين، فأولى الناس أن يشاركك في هذه النعمة هم أهلُك وأفراد أسرتك.
قالت أسماء بنت أبي بكر الصدِّيق: قدمتْ عليَّ أمِّي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدهم (تعني: المدة التي عاهد فيها رسول الله ﷺ أهل مكة على ترك القتال فيها) ، فاستفتيتُ رسولَ الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله قدمتْ عليَّ أمِّي وهي راغبة أفأصلُ أمِّي؟ قال: نعم، صلِي أمَّك ".
رواه البخاري (ومسلم (١٠٠٣) .
فها هو النبي ﷺ يأذن بأن يصل المسلم أهلَه الذين هم على غير دين الإسلام، حتى لو كان هؤلاء الأهل يدعونه لترك دينه وأن يصبح مشركاً فإن الإسلام مع نهيه له أن يجيبهم لدعوتهم تلك، أمره أن يحسِن إليهم ويتلطف معهم.
قال الله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) لقمان / ١٤-١٥.
وقد اهتمَّ نبينا محمد ﷺ بدعوة أهله إلى الدين وظلَّ يزورهم ويدعوهم حتى إنه زار عمَّه أبا طالب وهو في الرمق الأخير وعرض عليه الإسلام.
فليس هناك ما يمنعك من زارة أهلك، وليكن ذلك بالاتفاق مع زوجك، وعليك أن تنتهزي هذه الزيارة لدعوتهم إلى الحق والخير والأخذ بأيديهم إلى النجاة.
والمحرَّم في مثل هذه الزيارات هو ما يكون فيها من اختلاط النساء بالرجال، أو مصافحة الرجال الأجانب، أو المشاركة في أعيادهم، ولا يخفى عليكِ أن ما جاء به الإسلام من أحكام إنما هو لمصلحة الناس الدنيوية والأخروية، ولا بأس من تبادل الهدايا معهم، وقد يكون ذلك سبباً في تأليف قلوبهم وترغيبهم في الإسلام، ما لم تكن الهدايا بسبب أعيادهم لاسيما الدينية فلا يجوز لك قبولها ولا إهداؤها لأن ذلك من الإعانة لهم على باطلهم والرضا به.
يراجع سؤال رقم (١١٣٠)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 11603
تريد مفارقته، وهو لا يرغب بذلك، والحكومة لا تعترف بعقد زواجهما !
[السُّؤَالُ]
ـ[امرأة تزوجت رجلاً إسلاميّاً، والعقد الإسلامي لا يُعترف به هنا في ألمانيا، والآن تريد أن تتطلق منه، وهو لا يريد، ويقول: إنها لا تستطيع، ماذا نفعل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
إذا توفرت أركان عقد الزواج كاملة: فالعقد صحيح، وإن لم يوثَّق في الدوائر الرسمية.
ولكن ينبغي عدم التهاون في تسجيله حتى لا يؤدي ذلك إلى التلاعب أو إنكار أحد الزوجين للعقد.
ثانياً:
لا يجوز للمرأة أن تطلب الطلاق من غير ضرورة أو حاجة ملحة.
فعَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ ﷺ : (أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ) رواه الترمذي (١١٨٧) وأبو داود (٢٢٢٦) وابن ماجه (٢٠٥٥) ، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ".
وقد سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
هل هناك دليل شرعي فيه لعن للزوجة التي تطلب الطلاق من زوجها بدون سبب شرعي؟ .
فأجاب:
"لا أحفظ حديثاً في اللعن، لكن هناك وعيد شديد، وهو قوله ﷺ : (أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة) ، وهذا وعيد شديد؛ لأن الرسول ﷺ بيَّن أن رائحة الجنة حرام عليها، فهذا وعيد شديد، فالواجب على المرأة أن تتقي الله في نفسها، وفي بعلها، وألا تطلب منه الطلاق إلا لسبب شرعي، لكن أحياناً تكون المرأة لا تطيق الصبر مع الزوج كراهة له، كما في زوجة ثابت بن قيس بن شماس" انتهى. وستأتي قصتها.
" لقاءات الباب المفتوح " (٨ / السؤال رقم ١٨) .
وينبغي التنبه إلى أن الممنوع في حقها هو طلب الطلاق من غير بأس، فإن كانت كراهيتها للبقاء معه بسبب سوء خلقه، أو تقصيره في الحقوق الزوجية: جاز لها طلب الطلاق، وبالطلاق تأخذ كامل حقوقها المالية منه، وأما إن كانت الكراهية من قبَلها، وكانت لا تستطيع البقاء معه مع عدم وجود ما يعيبه في دينه وخلقه: فإنها لا تطلب الطلاق، بل تطالب بالمخالعة، فتدفع له المهر الذي أعطاها، ثم يفارقها.
وقد سئل الشيخ العثيمين ﵀:
رجل تزوج امرأة، ثم بعد أيام قليلة طلبت منه الطلاق، وهو يرغب في أن تبقى في عصمته، فقال لها بعد الدخول: إن شئت خالعتك، فرفعت أمرها للقضاء، وحصلت على الطلاق، وهو يرغب في بقائها معه، فهل يقع هذا الطلاق؟ .
فأجاب:
"هذه المرأة التي سألت زوجها الخلع - والخلع معناه: أن يفارق الزوج زوجته بعوَض، سواء كان العوض منها، أو من أبيها، أو من رجل أجنبي - ونحن نقول:
أولاً: لا يحل للمرأة أن تسأل زوجها الطلاق إلا لسبب شرعي؛ لأن النبي ﷺ قال: (مَن سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة) ، أما إذا كان هناك سبب شرعي، بأن كرهته في دينه، أو كرهته في خلُقه، أو لم تستطع أن تعيش معه وإن كان مستقيم الخلق والدين: فحينئذٍ لا حرج عليها أن تسأل الطلاق، ولكن في هذه الحال تخالعه مخالعة، بأن ترد عليه ما أعطاها، ثم يفسخ نكاحها.
ودليل ذلك: (أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس ﵁ أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! ثابت بن قيس لا أعيب عليه في خلق ولا دين، ولكن أكره الكفر في الإسلام، فقال لها النبي ﷺ : أتردين حديقته؟ وكان قد أصدقها حديقة، فقالت: نعم يا رسول الله! فقال له النبي ﷺ : اقبل الحديقة وطلقها تطليقة) ، فأخذ العلماء من هذه القضية أن المرأة إذا لم تستطع البقاء مع زوجها: فإن لولي الأمر أن يطلب منه المخالعة، بل أن يأمره بذلك، قال بعض العلماء: يلزم بأن يخالع؛ لأن في هذه الحال لا ضرر عليه؛ إذ إنه سيأتيه ما قدم لها من مهر، وسوف يريحها.
أما أكثر العلماء فيقولون: إنه لا يلزم بالخلع، ولكن يندب إليه ويرغب فيه، ويقال له: (من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه) .
وأنا أرى أننا الآن أمام مشكلة: فبقاؤها في عصمته يمنعها من أن تتزوج بزوجٍ آخر، وظاهراً حسب حكم المحكمة أنها طلقت منه، وأنها إذا انتهت عدتها تجوز للأزواج، فأرى للخروج من هذه المشكلة أنه لا بد من أن يتدخل أهل الخير والصلاح في هذه المسألة، من أجل أن يصلحوا بين الزوج وزوجته، وإلا فعليها أن تعطيه عوضاً، حتى يكون ذلك خلعاً شرعيّاً" انتهى.
" لقاءات الباب المفتوح " (٥٤ / السؤال رقم ١) .
والخلاصة:
أن العقد بين الزوجين – كما هو الظاهر –صحيح، ولا يجوز لها طلب الطلاق من زوجها إلا من ضرورة، فإن كانت كراهية البقاء معه بسبب من الزوج: طلبت الطلاق وأخذت حقوقها كاملة، وإن كانت الكراهية من قبَلها: طلبت المخالعة، ويفضَّل أن يقبل بها، ولا يمانع.
والذي نشير به عليهما: توسيط أهل الخير من أهل العلم والحكمة للإصلاح بينهما، فإن وصلت الأمور لطريق مسدودة: فلا يجوز لها الزواج من غيره اعتماداً على عدم اعتراف الحكومة الألمانية بعقد زواجها، بل لا بدَّ من أن يكون الفراق بينها وبين زوجها وفق الكتاب والسَّة، وحينئذ، فلابد للزوجين من الذهاب إلى أحد المراكز الإسلامية ليتم حل مشكلتهما وفق أحكام الشريعة.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 11604
المعاشرة الزوجية مع وجود الطفل الرضيع
[السُّؤَالُ]
ـ[ما مدى صحة حديث: (إذا أراد الرجل أن يجامع زوجته يخرج الرضيع من الغرفة) ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الحياء خلق المسلم، يرتفع به عن كل دنيء من الأعمال والأقوال، ويحافظ به على كريم العادات وجميل الصفات، وهو من الإيمان، وعلامة الفضل والإحسان، وهو أيضا من الفطرة التي ركبها الله في النفس البشرية، لا يتركه إلا من ارتكست فطرته وبلي إيمانه.
وللحياء مظاهر كثيرة، منها: التستر حال الجماع عن أعين الآخرين، بل وعَن سمع الآخرين، عن كل مَن يدرك ويميز ما يراه ويسمعه؛ لما في الجماع من كشف العورات التي جاء الإسلام بسترها، ولما يخشى من إثارة شهوة الناظر أو السامع، ووقوع ذلك في قلبه موقعا سيئا، أو تحدثه بما رآه بين الناس، فينشر أسرار البيوت التي بناها الإسلام على الستر والعفة والحياء.
قال ابن حزم في "المحلى" (٩/٢٣١) :
" الاستتار بالجماع فرض , لقول الله : (يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم) " انتهى.
وقال ابن قدامة في "المغني" (٩/٢٢٨) :
"لا يجامع بحيث يراهما أحد , أو يسمع حسهما، ولا يقبلها ويباشرها عند الناس.
قال أحمد: ما يعجبني إلا أن يكتم هذا كله" انتهى.
أما إخراج من لا يميز ولا يدرك كالطفل الرضيع فلم يرد فيه أمر من الشرع، وليس فيه حديث نبوي، والنص الذي ورد في السؤال ليس بحديث، وإنما هو قول لبعض فقهاء المالكية، اعتمادا على أن ابن عمر ﵄ كان إذا أراد جماع أهله أخرج الصبي في المهد، مبالغة في التستر والحياء، وليس بيانا لحكم شرعي ولا إيجابا له، ولا بأس بتقليده لمن أحبه ووجد سعة في بيته ولم يخش ضررا على الطفل أن يمكث وحده من غير مراقبة، أما أن يقال بلزومه مطلقا، فهذا بعيد.
جاء في "الموسوعة الفقهية" (٣/١٧٨) :
"يُخِلُّ بالاستتار وجود شخص مميز مستيقظ معهما في البيت , سواء أكان زوجة , أم سرية (أَمَة) , أم غيرهما , يرى أو يسمع الحس , وبه قال الجمهور , وقد سئل الحسن البصري عن الرجل يكون له امرأتان في بيت , قال: كانوا يكرهون – يعني: يُحَرِّمُون، كما هو اصطلاح السلف - أن يطأ إحداهما والأخرى ترى أو تسمع.
ويُخِلُّ بالاستتار وجود نائم , نص على ذلك المالكية , فقال الرهوني في "حاشيته على شرح الزرقاني لمتن خليل": لا يجوز للرجل أن يصيب زوجته أو أمته ومعه في البيت (يعني في نفس الغرفة) أحد يقظان أو نائم؛ لأن النائم قد يستيقظ فيراهما على تلك الحال.
ويَخِلُّ بالاستتار - عند جمهور المالكية - وجود صغير غير مميز , اتباعا لابن عمر الذي كان يخرج الصبي في المهد عندما يريد الجماع.
وذهب الجمهور - ومنهم بعض المالكية - إلى أن وجود غير المميز لا يخل بالاستتار ; لما فيه من مشقة وحرج " انتهى.
وانظر: "المدخل" لابن الحاج المالكي (٢/١٨٤) .
وقال الشيخ ابن عثيمين في "الشرح الممتع" (٥/٣٨٠) – من الطبعة المصرية -:
" الصحيح في هذه المسألة أنه يحرم الوطء بمرأى أحد، اللهم إلا إذا كان الرائي طفلاً لا يدري، ولا يتصور، فهذا لا بأس به، أما إن كان يتصور ما يفعل، فلا ينبغي أيضاً أن يحصل الجماع بمشاهدته ولو كان طفلاً؛ لأن الطفل قد يتحدث بما رأى عن غير قصد.
فالطفل الذي في المهد - مثلاً – له أشهر، هذا لا بأس به؛ لأنه لا يدري عن هذا الشيء، ولا يتصوره، لكن من له ثلاث سنوات، أو أربع سنوات، يأتي الإنسان أهله عنده، فهذا لا ينبغي؛ لأن الطفل ربما في الصباح يتحدث، فلهذا يكره أن يكون وطؤه بمرأى طفلٍ، وإن كان غير مميز، إذا كان يتصور ويفهم ما رأى " انتهى.
والخلاصة: أن ما ذكر في السؤال ليس بحديث نبوي، وإنما هو قول لبعض الفقهاء، والصواب الذي عليه الجمهور أنه لا حرج من وجود الطفل الرضيع حال الجماع.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 11605
هل يجوز إتيان الزوجة في حملها؟ وهل له فوائد أو مضار ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي الوصايا والإرشادات التي تخص إتيان الزوجة وهي حامل في الشهر التاسع؟ وهل الجماع خلال هذه الفترة مكروه، أو فيه ضرر عليها، أو يؤدي إلى الإسراع في إنجاب الطفل؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
يجوز الاستمتاع بالزوجة على كل الأحوال، وفي كل الأوقات، إلا ما نهى الشرع عنه، من الإتيان في الدبر، أو وقت الحيض، والنفاس.
أما الحامل: فليس هناك دليل يحرم جماعها إلا إذا خيف الضرر على الجنين، ويقدر ذلك الطبيبة المتمرسة في مهنتها.
قال الله ﵎: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) البقرة/ ٢٢٣.
قال الحافظ ابن كثير ﵀:
قال ابن عباس: الحرث موضع الولد.
(فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) أي: كيف شئْتم، مقبلة ومدبرة في صِمام واحد، كما ثبتت بذلك الأحاديث.
" تفسير ابن كثير " (١ / ٥٨٨) .
وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:
متى يجب على الرجل أن يتجنب الجماع مع زوجته خلال فترة الحمل؟ وهل الجماع ـ خاصة خلال الثلاثة الأشهر الأولى من الحمل ـ يؤدي إلى ضرر بالجنين؟
فأجابوا:
"لا بأس بجماع الحامل ما لم يكن فيه ضرر على الحمل، وإنما الممنوع جماع الحائض؛ لقوله تعالى: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) البقرة/ ٢٢٢.
ومثلها النفساء حتى تطهر من النفاس، والمحرمة بحج أو عمرة" انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٩ / ٣٥٣) .
وسئل الشيخ عبد الله بن منيع حفظه الله عن جماع الحامل.
فأجاب:
"ليس في الشريعة الإسلامية نهي عن جماع الرجل زوجته الحامل، وإنما النهي خاص بجماع المرأة الحائض أو النفساء، وأما إذا قرر الأطباء لامرأة معينة لظروفها الصحية أن جماع زوجها يضر بها: فهذه حالة خاصة لا يقاس عليها" انتهى.
" فتاوى وبحوث الشيخ عبد الله بن منيع " (٤ / ٢٢٨) .
وانظر جواب السؤال رقم (٢١٧٢٥) .
ثانياً:
وأما أن الجماع في الشهر الأخير من حملها يضر الزوجة: فهذا يُرجع فيه لأهل الاختصاص، وهو يختلف باختلاف طبيعة المرأة، وحملها، والآثار الناشئة عن الحمل، وأما من حيث الأصل: فلا ضرر على المرأة ولا على الجنين من الجماع في الحمل، بل إن النبي ﷺ شبَّه الجنين بالزرع، ومني الرجل بالماء الذي يسقي هذا الزرع، وهذا يدل على استفادة الجنين من ماء الرجل، مما يعني فائدة الجماع والإنزال في رحم الزوجة الحامل.
قال ابن القيم ﵀:
"قال الإمام أحمد: الوطء يزيد في سمعه وبصره ".
" زاد المعاد " (٥ / ١٤٠) .
وأما بخصوص أنه يسرِّع في إنجاب الطفل: فهذا قول بعيد عن الصحة، إلا إن كان الجماع عنيفاً، والرحم ضعيفاً، هكذا يقول أهل الاختصاص.
وعلى الزوج أن يراعي نفسية زوجته الحامل، وتعبها، وخاصة في الأيام الأخيرة، وعليه أن يختار الوضعية المناسبة للجماع حتى لا تتضرر الزوجة، ويتضرر جنينها.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 11606
هل ترفض طلب زوجها الجماع إذا عرفت أنه سيضيع صلاة الفجر ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أعلم أن المرأة تلعنها ملائكة السماء إذا رفضت جماع زوجها، فماذا لو أن طاعة الزوج في ذلك قد تجعله يرتكب ذنبًا عظيمًا، مثلاً: قد لا يقوم بالاغتسال قبل الفجر فيضيع عليه صلاة الفجر، فهل لي أن أرفض في هذه الحالة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
التقصير في أداء الصلاة المفروضة وإخراجها عن وقتها من كبائر الذنوب، والذي يعتاد ذلك ويتساهل فيه على خطر كبير، إنما يمضي في هلكته في الآخرة، ويسعى في خسارته عند الله تعالى.
والواجب أيضا على الزوجة أن تعين زوجها على طاعة الله، وتجنبه المعاصي ما استطاعت إليه سبيلا، بالكلمة الطيبة، والموعظة الحسنة، والأخذ بالأسباب المشروعة، وليس الممنوعة.
فإذا استطعت أن تتفقي مع زوجك على وقت تتمكنان بعده من أداء الصلاة في وقتها، والمحافظة عليها، فهو أفضل.
وإلا فما عليك إلا النصح والوعظ، وإعانته على الصلاة بالتلطف والإحسان، فإن استجاب فالحمد لله، وإلا فهو الذي يتحمل الإثم وليس أنت، ولا يجوز لك الامتناع من فراشه إذا علمت منه التقصير، فكل مكلف يتحمل تبعة ما يعمل، ويسأل عما كسبت يداه وليس أحد غيره.
ثم إن هناك فرقا بين تخلف الزوج عن أداء الصلاة جماعة، فهذا إثم، ولكنه أقل شأنا من تخلفه عن أداء الصلاة في وقتها، فإن الإثم في هذه الحالة عظيم إذا تعمد صاحبه الوقوع فيه.
وعلى كل حال نسأل الله تعالى لك التوفيق والقبول، لما نرى من حرصك على صلاتك وصلاة زوجك، ونسأله أن يلهم جميع المسلمين محبته ورجاءه والخوف من عقابه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 11607
اعترف رجل أنه زنى بها وعند زوجها قرائن على ذلك فهل يطلقها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا متزوج منذ ١٣ سنة، ولي بنتان: ١١ سنة، و ٩ سنوات، قبل - عدة أسابيع - أكتشف بالصدفة حدوث مكالمات تليفونية طويلة المدة، ومجهولة، على هاتف المنزل، ثم علمت فيما بعد أن مع زوجتي هاتفاً محمولاً سرّاً، والأخطر هو خروجها من المنزل بدون علمي، وعندما أواجهها إما أن تنكر، أو ترد بتبريرات واهية، اشتكيت لأهلها دون جدوى؛ نظراً لإصرارها الدائم على نفي حدوث أي خطأ؛ وعدم وجود شخص قوي محايد، أخيراً تلقيت عدة مكالمات تليفونية على محمولي تفيد أنها سرقت مبلغاً كبيراً من المال من عشيقها، ثم قابلني هذا الشخص، وادعى أنه زنى بها مرات عديدة داخل منزلي! ووصف لي البيت بدقة، وأدق الأسرار الزوجية التي لا يعرفها ألا أنا وهي - أسرار عني، وعن البنات، وعن أسرتها، وفَرش حجرة النوم , وكذلك رقم هاتفها المحمول الذي لم أكن أعلم أنها تمتلكه أصلاً، وتفاصيل خلافاتنا الزوجية، وصفات كاذبة عني، وعن أهلي، ثم ادعى أنها في إحدى المرات سرقت منه المال بعد أن زنى بها، الأدهى أنها لا تزال على الإنكار دون إبداء أي تفسير عن تلك المعلومات السليمة والمفصلة!! وترفض الطلاق على اعتبار أنها ضحية مكيدة من هذا الرجل اللعين!! أحيانا تُظهر التوبة، وقراءة القرآن والصلاة، أمامي، وأحيانا أخرى تنهال عليَّ بالشتائم لأتفه الأسباب!! المشاكل بيننا تتفاقم، واستمرار الحياة الزوجية مستحيل، البنات في حالة انهيار كامل، حالتي النفسية سيئة جدّاً، وكذلك مستوى أدائي في العمل الآن , وبعد أدائي صلاة الاستخارة عشرات المرات لا أريد الإبقاء عليها كزوجة، وعليه: ليس أمامي إلا التفاهم معها على الطلاق بالتراضي، ولكن شروطها المادية مبالغ فيها جدّاً؛ على اعتبار أنها بريئة، وترفض الطلاق، وطلباتها كالآتي: ٣٠٠٠٠ نفقة متعة، وحسبتها كالآتي: (٥٠٠ شهريّاً - ١٢ شهر، ٥ سنوات -) + نفقة عدة ٣٠٠٠ (١٠٠٠، ٣ شهور) + ٥٠٠٠ مؤخر صداق + ١٢٠٠ نفقة شهرية للبنات!! + كل محتويات شقة الزوجية + مصاريف العلاج والدراسة والكسوة + شقة تمليك جديدة لحضانة البنات!! . الأسئلة: ١. هل من حق تلك المرأة أن تطلب مثل تلك الطلبات، خصوصاً نفقة المتعة؟ ٢. هل من حقي طلب اللعان بيننا؟ . ٣. هل من حقي طردها من شقة الزوجية الحاليَّة أو نقل مسكن الزوجية إلى مكان آخر؟ . ٤. فما هو رأي الدين والقانون فيما حدث، وبماذا تنصحوني أن أفعل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
من الواضح أن الحياة مع تلك الزوجة أضحت مستحيلة الاستمرار، وسواء صدقت أم كذبت فإن القرائن التي تملكها كافية لتجعلك تطلقها، وتبحث عن امرأة صالحة مطيعة، ولا ندري كيف تطيب لك حياة لدقيقة واحدة معها وأنت قد علمت بتلك المكالمات، والسرقة، والخروج من البيت دون إذنك، وكل ذلك قد يتحمله المرء، لكن أن يأتيك من يزعم أنه زنى بزوجتك! ويصف لك البيت وغرفة النوم بدقة! : فهذا ما لا يتحمله المرء، ولأن يموت أهون عليه من سماع هذا لو كان كذباً، فكيف وقد اجتمعت ـ مع ذلك ـ قرائن كثيرة على صدقه؟!! .
ثانياً:
جاءت الشرائع السماوية بما يحفظ الأعراض من انتهاكها، ومن قذفها واتهامها بالباطل، وقد رتبت الشريعة المطهرة الحد على من قذف امرأة أو رجلاً، واتهم أحدهما بارتكاب فاحشة الزنا، وشرع الله تعالى أن يُجلد القاذف ثمانون جلدة، وأن لا تُقبل شهادته، وهو من الفاسقين، إلا أن يشهد أربعة واقعة الزنى، ويرون الميل في المكحلة.
وقد استثني الزوج من هذا الحكم، وذلك أن تقوم أيمان أربعة يحلفها أنها زانية مقام الشهود الأربعة، فإن حلف تلك الأيمان فإنها تستحق الرجم، ويمكنها أن تدفع الرجم عنها بأربعة أيمان تحلفها أنه من الكاذبين، وهنا يفرَّق بينهما، ولا يلتقيان بعدها، وهذا هو ما يسمى " اللعان "، ويكون بالشهادة عليها بالزنى، وبنفي الحمل أن يكون منه، وبنفي الولد الذي تنجبه.
قال ابن قدامة ﵀:
إذا قذف زوجته المحصنة: وجب عليه الحد , وحُكم بفسقه , وردِّ شهادته , إلا أن يأتي ببيِّنة أو يلاعن , فإن لم يأت بأربعة شهداء , أو امتنع من اللعان: لزمه ذلك كله، وبهذا قال مالك، والشافعي ...
ولنا: قول الله تعالى (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) ، وهذا عام في الزوج وغيره , وإنما خص الزوج بأن أقام لعانه مقام الشهادة في نفي الحد والفسق ورد الشهادة عنه.
وأيضا: قول النبي ﷺ : (البيِّنة وإِلَاّ حدٌّ في ظَهْركِ) ، وقوله لما لاعن: " عَذابُ الدنْيا أَهْونُ مِنْ عَذابِ الآخِرَة) ؛ ولأنه قاذف يلزمه الحد لو أكذب نفسه , فلزمه إذا لم يأت بالبينة المشروعة، كالأجنبي.
" المغني " (٩ / ٣٠) .
ثالثاً:
وزنى الزوجة لا يوجب فسخ النكاح، ولا يُسقط مهرها، وقد فرَّقت الشريعة بين ابتداء نكاح الزانية فلم يكن جائزاً، وبين دوام النكاح فلم يكن محرَّماً عليه إمساكها، فإن تابت وحسنت توبتها: فخير تقدمه لنفسها، وإن أصرَّت على زناها: فلا خير فيها، ويحل له أن يطلقها، كما يحل له أن يضيق عليها لتفتدي نفسها منه.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً) النساء/١٩.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
الزوج له أن يستوفي حد الفاحشة من البغي، الظالمة له، المعتدية عليه، كما قال النبي ﷺ في حق الرجل على امرأته (وأن لا يوطئن فرشكم من تكرهونه) فلهذا كان له أن يقذفها ابتداء، وقذفها إما مباح له، وأما واجب عليه إذا احتاج إليه لنفي النسب، ويضطرها بذلك إلى أحد أمرين: إما أن تعترف، فيقام عليها الحد، فيكون قد استوفى حقه، وتطهرت هي أيضاً من الجزاء لها، والنكال في الآخرة بما حصل، وإما أن تبوء بغضب الله عليها، وعقابه في الآخرة الذي هو أعظم من عقاب الدنيا؛ فإن الزوج مظلوم معها، والمظلوم له استيفاء حقه إما في الدنيا وإما في الآخرة، قال الله تعالى (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم) بخلاف غير الزوج، فإنه ليس له حق الافتراش، فليس له قذفها، ولا أن يلاعن إذا قذفها؛ لأنه غير محتاج إلى ذلك مثل الزوج، ولا هو مظلوم في فراشها، لكن يحصل بالفاحشة من ظلم غير الزوج ما لا يحتاج إلى اللعان؛ فإن في الفاحشة إلحاق عار بالأهل، والعار يحصل بمقدمات الفاحشة.
فإذا لم تكن الفاحشة معلومة بإقرار، ولا بينة: كان عقوبة ما ظهر منها كافياً في استيفاء الحق، مثل الخلوة، والنظر، ونحو ذلك من الأسباب التي نهى الله عنها، وهذا من محاسن الشريعة.
" قاعدة في المحبة " (ص ٢٠٢، ٢٠٣) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في عدم سقوط المهر -:
ولا يسقط المهر بمجرد زناها، كما دلَّ عليه قول النبي ﷺ للملاعن لما قال " مالي، قال: لا، مال لك، عندها إن كنت صادقا عليها فهو بما استحللتَ من فرجها، وإن كنت كاذباً عليها فهو أبعد لك "؛ لأنها إذا زنت قد تتوب، لكن زناها يبيح له إعضالها، حتى تفتدي منه نفسها إن اختارت فراقه أو تتوب.
" مجموع الفتاوى " (١٥ / ٣٢٠) .
وانظر جوابي السؤالين: (٨٣٦١٣) و (٤٢٥٣٢) .
رابعاً:
وعليه: فقد علمتَ أنه يجوز لك أن تلاعنها لما عندك من قرائن على وقوعها في الزنا، وعليك تحمل آثار أيمانك، وإن أردت السلامة فطلقها من غير ملاعنة، وإن لاعنتها: فلها مهرها، وليس لها نفقة ولا سكنى إلا أن تكون حاملاً ولم ينف حملها.
قال ابن القيم – ﵀:
لا نفقة لها عليه، ولا سكنى، كما قضى به رسول الله ﷺ ، وهذا موافق لحكمه في المبتوتة التي لا رجعة لزوجها عليها، وأنه موافِق لكتاب الله، لا مخالف له، بل سقوط النفقة والسكنى للملاعَنة أولى من سقوطها للمبتوتة؛ لأن المبتوتة له سبيل إلى أن ينكحها في عدتها، وهذه لا سبيل له إلى نكاحها، لا في العدة، ولا بعدها، فلا وجه أصلاً لوجوب نفقتها وسكناها وقد انقطعت العصمة انقطاعاً كليّاً.
فأقضيته ﷺ يوافق بعضُها بعضاً، وكلها توافق كتاب الله والميزان الذي أنزله ليقوم الناس بالقسط، وهو القياس الصحيح كما ستقر عينك إن شاء الله تعالى بالوقوف عليه عن قريب.
" زاد المعاد " (٥ / ٣٥٦) .
وقال ابن قدامة – ﵀:
فأما الملاعَنة: فلا سكنى لها، ولا نفقة، إن كانت غير حامل؛ للخبر، وكذلك إن كانت حاملاً فنفى حملها وقلنا: إنه ينتفي عنه، أو قلنا: إنه ينتفي بزوال الفراش.
وإن قلنا لا ينتفي بنفيه، أو لم ينفه، وقلنا: إنه يلحقه نسبه: فلها السكنى، والنفقة؛ لأن ذلك للحمل، أو لها بسببه، وهو موجود، فأشبهت المطلقة البائن.
فإن نفى الحمل فأنفقت أمه، وسكنت من غير الزوج، وأرضعت، ثم استلحقه الملاعِن: لحقه، ولزمته النفقة، وأجرة المسكن، والرضاع؛ لأنها فعلت ذلك على أنه لا أب له، فإذا ثبت له أب: لزمه ذلك، ورجع به عليه.
" المغني " (٩ / ٢٩١) .
وبه تعلم أن ما تطلبه زوجتك من نفقة وسكنى أنه لا يلزمك منهما شيء إن لاعنتها، إلا أن تكون حاملاً، فتنفق عليها من أجل حملها، وإن طلقتَها طلاقاً باتّاً: فليس لها إلا مهرها، ولا يلزمك نفقتها، ولا سكناها، إلا أن تكون حاملاً، أو يكون معها أولادك، فتنفق عليهم، وعلى ما في بطنها، لا عليها.
قال تعالى: (وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) الطلاق/ من الآية ٦.
خامساً:
وأما " متعة الطلاق " - وهو مال أو متاع يُعطى للمطلقة بعد طلاقها -: فقد اختلف أهل العلم في المطلقة التي تستحقه، فمنهم من ذهب إلى العموم فقال: تعطى المتعة لكل مطلقة وجوباً، قبل الدخول أو بعده، سمي المهر أم لم يسمَّ.
وذهب آخرون إلى أنه في المطلقة قبل الدخول ممن لم يسمَّ لها مهر، وفي قول ثالث: أنها للمطلقة قبل الدخول، ولو سمي لها مهر.
والأخذ بالقول الأول هو الأحوط، وقد رجَّحه شيخ الإسلام ابن تيمية، ومن المعاصرين: الشيخ الشنقيطي، والشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵏، لكن الشيخ العثيمين قيَّد الوجوب فيما لو طالت مدة زواجهما.
وهذه المتعة المفروضة لا ينبغي أن تكون مرهقة للمطلِّق، بل على قدر وسعه وطاقته، ولذا لم يأت لها تحديد في الشرع.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀:
والتحقيق أن قدر المتعة لا تحديد فيه شرعاً لقوله تعالى: (عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدْرُهُ) البقرة/٢٣٦، فإن توافقا على قدر معين: فالأمر واضح، وإن اختلفا: فالحاكم يجتهد في تحقيق المناط، فيعين القدر على ضوء قوله تعالى: (عَلَى الموسع قَدَرُهُ) الآية البقرة/٢٣٦، هذا هو الظاهر، وظاهر قوله: (ومَتِّعُوهُنَّ) البقرة/٢٣٦ وقوله: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ) البقرة/٢٤١ يقتضي وجوب المتعة في الجملة، خلافاً لمالك ومن وافقه في عدم وجوب المتعة أصلاً.
" أضواء البيان " (١ / ١٩٢) .
وقد ذكرنا لك من قبل أن زناها يبيح لك أن تعضلها وتضيق عليها حتى تفتدي منك، وتختار الطلاق، مقابل التنازل عن حقوقها المادية أو بعضها، وبإمكانك أن تهددها بإطلاع أهلها، أو من تهابه منهم، على ما حدث. فإن أبت الافتداء والتنازل عن حقوقها المالية بعد ذلك كله، فالذي نختاره لك أن تطلق هذه المرأة، مهما كانت تكلفة طلاقها، لكن لا تمكنها من الحصول على مال زائد عما يحكم لها به، إن وصلت المسألة بينكما للقضاء، ولك أن تحتال على ذلك، أعني على منعها من ظلمك، وأخذ أكثر من المهر المسمى لها (مؤخر الصداق) ، والحقوق الثابتة لها شرعا، على ما أشرنا إليه من قبل، وليس لك أن تحتال على إسقاط حقها.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 11608
معنى (الخبيثات للخبيثين) وهل يمكن العثور على زوجة صالحة ظاهراً وباطناً ؟!
[السُّؤَالُ]
ـ[كتبت هذه الرسالة بعد قراءتي لمقال وفي آخر المقال ذكر الموقف التالي: ساق اللالكائي بسنده أن الحسن بن زيد لما ذَكَرَ رجل بحضرته عائشة بذكر قبيح من الفاحشة، فأمر بضرب عنقه، فقال له العلويون: هذا رجل من شيعتنا، فقال: معاذ الله، هذا رجل طعن على النبي ﷺ ، قال الله : (الخبيثاتُ للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطّيِّباتُ للطّيِّبين والطَّيِّبون للطَّيِّبات أولئك مُبرَّئون ممّا يقولون لهم مَّغفرةٌ ورزقٌ كريمٌ) ، فإن كانت عائشة رضي الله تعالى عنها خبيثة فالنبي ﷺ خبيث، فهو كافر، فاضربوا عنقه، فضربوا عنقه. فما هو تفسير آية (الخبيثاتُ للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطّيِّباتُ للطّيِّبين والطَّيِّبون للطَّيِّبات أولئك مُبرَّئون ممّا يقولون لهم مَّغفرةٌ ورزقٌ كريمٌ) ؟! وقد حدثت لي تجربة شخصية من عهد قريب، حيث تزوجت من فتاة كنت أعتقد فيها الصلاح، وكان هدفي هو إقامة بيت مسلم أحاول فيه بكل جهدي أن أسير على نهج رسولنا الكريم ﵊، ومن بعده صحابته الكرام ﵃ أجمعين، وبدون الكثير من التفاصيل فقد قصَّرت في حق نفسي، ولم أُحسن السؤال عنها وعن أخلاقها، ووجدتها - غفر الله لي ولها - على جانب عظيم من الخبث، وأكثر حديثها كذب وخداع، ولم أشعر أن عندها أي حب للدين أو للالتزام، وقد طلقتها بعد أن أنجبتُ منها مرة واحدة بعدما يئستُ تماماً من الإصلاح، وأنا في قلبي حب شديد للدِّين، ولمن أراه من الصالحين، وفي المقابل عندي بغض شديد لمن أراه غير ملتزم، وبالذات إن كان يصر على المعصية أو يجاهر بها، المهم كانت تجربة زواجي وطلاقي أقسى وأمرّ ما مررت به في حياتي، وأنا الآن خائف من تكرار التجربة، وهل سأجد من تعينني على الصلاح، وكيف أطمئن طالما تعوَّد الناس على إظهار غير حقيقتهم وبالذات عند هذه الأمور؟ لأني قبل أن أتزوج تلك الفتاة كنت قد استخرت الله كثيراً، وكنت أحيانا أبكي أثناء الصلاة ليرشدني الله، وبالذات لما كنت أرى علامات منها، أو من أسرتها لا تدل على الالتزام الحقيقي، أنا لا أبرئ نفسي من الخطأ والتقصير، ولا أزكى نفسي، ولكني - والله - أحب دينه، وأغار عليه بشدة، وأبغض الكذب بغضاً شديداً، باختصار: فإني لست أظن مهما سألت أو جمعت المعلومات أو حاولت دراسة شخصية الفتاة قبل الارتباط بها - مع الضوابط الشرعية بالطبع - أني سأحسن الاختيار، إلا برحمة وفضل من الله، كما أن الزواج أصبح شديد الصعوبة هذه الأيام، وأصعب وأشد ما فيه هو كيف أجد هذه الزوجة الصالحة، فوالله إني لأظنه الآن من أصعب الأمور، وأكاد أظنه من المستحيلات إلا بقدر الله وتوفيقه ، وعندما أسمع أو أقرأ هذه الآية فإني بدون إرادتي أشعر بالحزن الشديد، فهل تعني هذه الآية أنني ما تزوجت هذه الفتاة إلا لأني أستحقها؟ أعلم أنه بلاء من الله، ولكني أبغي سماع رأي واضح في تفسير الآية، وإن أمكن الرد على باقي ما ذكرته من الاستفسارات.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
اختلف المفسرون في معنى قوله تعالى (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ) النور/ ٢٦، فقال بعضهم: هو الخبث والطِّيب في الأقوال، فيكون معنى الآية: الكلمات الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، وكذا الخبيثون من الناس للخبيثات من القول، وكذا الكلمات الطيبات من القول للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول.
وقال آخرون: هو الخبث والطيب من الأفعال، فيكون معنى الآية: الأفعال الخبيثات للخبيثين من الرجال، وكذا الخبيثون من الناس للخبيثات من الأفعال، وكذا الأفعال الطيبات للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من الأفعال.
والقول الثالث في الآية: أن الخبث والطيب هو من الأشخاص في النكاح، فيكون معنى الآية: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، وكذا الخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء.
ولا مانع من حمل الآية على المعاني جميعها، وإن كان أظهر الأقوال هو القول الأول، وعليه الجمهور من المفسرين، ويليه: القول الثاني.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀:
(الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ) أي: كل خبيث من الرجال والنساء، والكلمات، والأفعال مناسب للخبيث، وموافق له، ومقترن به، ومُشاكِل له، وكل طيِّب من الرجال والنساء، والكلمات والأفعال مناسب للطيب، وموافِق له، ومقترن به، ومشاكِل له، فهذه كلمة عامة وحصر، لا يخرج منه شيء، من أعظم مفرداته: أن الأنبياء - خصوصا أولي العزم منهم، خصوصا سيدهم محمد ﷺ ، الذي هو أفضل الطيبين من الخلق على الإطلاق - لا يناسبهم إلا كل طيب من النساء، فالقدح في عائشة ﵂ بهذا الأمر قدح في النبي ﷺ ، وهو المقصود بهذا الإفك من قصد المنافقن، فمجرد كونها زوجة للرسول ﷺ يُعلم أنها لا تكون إلا طيبة طاهرة من هذا الأمر القبيح.
فكيف وهي هي؟ صدِّيقة النساء، وأفضلهن، وأعلمهن، وأطيبهن، حبيبة رسول رب العالمين، التي لم ينزل الوحي عليه وهو في لحاف زوجة من زوجاته غيرها، ثم صرح بذلك بحيث لا يُبقي لمُبطل مقالاً، ولا لشك وشبهة مجالاً فقال:
(أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ) والإشارة إلى عائشة ﵂ أصلا، وللمؤمنات المحصنات الغافلات تبعا.
(لَهُمْ مَغْفِرَةٌ) تستغرق الذنوب.
(وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) في الجنة صادر من الرب الكريم.
" تفسير السعدي " (ص ٥٦٣) .
ثانياً:
ما نقلتَه بشأن قتل من قذف عائشة ﵂ صحيح، وهذا هو الذي ينبغي على الحكام المسلمين أن يفعلوه، وهو قتل كل من قذف عائشة ﵂؛ لأن الطعن في عرض عائشة تكذيب للقرآن، وطعن في النبي ﷺ ، وكل واحدٍ من هذين يوجب الكفر المخرج من الملة، ويستحق فاعله القتل على الردة.
وفي " الموسوعة الفقهية " (٢٢ / ١٨٥) :
اتّفق الفقهاء على أنّ من قذف عائشة ﵂: فقد كذّب صريح القرآن الّذي نزل بحقّها، وهو بذلك كافر، قال تعالى - في حديث الإفك بعد أن برّأها الله منه -: (يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) ، فمن عاد لذلك: فليس بمؤمنٍ.
وهل تعتبر مثلها سائر زوجات النّبيّ ﷺ ورضي الله عنهنّ؟ .
قال الحنفيّة والحنابلة في الصّحيح واختاره ابن تيميّة: إنّهنّ مثلها في ذلك، واستدلّ لذلك بقوله تعالى: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) .
والطّعن بهنّ يلزم منه الطّعن بالرّسول والعار عليه، وذلك ممنوع.
والقول الآخر وهو مذهب الشّافعيّة والرّواية الأخرى للحنابلة: أنّهنّ - سوى عائشة - كسائر الصّحابة، وسابّهنّ يجلد، لأنّه قاذف.
انتهى
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
قذْف عائشة بما برأها الله منه: كفر؛ لأنه تكذيب للقرآن، وفي قذف غيرها من أمهات المؤمنين قولان لأهل العلم، أصحهما: أنه كفر؛ لأنه قدح في النبي ﷺ ، فإن (الخبيثات للخبيثين) .
" مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (٥ / ص ٨٦) .
وانظر جواب السؤال رقم: (٩٥٤) .
ثالثاً:
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (تُنكَحُ المرأةُ لأربَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظفَر بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَت يَدَاكَ) .
رواه البخاري (٤٨٠٢) ومسلم (١٤٦٦) .
ليس من المستحيل أن يجد الرجل امرأة صالحة تعينه على طاعة الله، وتقوم بخدمته، وتربي أولاده، وتحفظ ماله وبيته، وقد أوصى النبي ﷺ بنكاح ذات الدِّين، ولولا أنه بمقدور الرجل واستطاعته أن يجد تلك المرأة المتدينة لما أوصاه نبيه ﷺ بتزوجها، وهو الذي أخبر في الحديث نفسه أن من الرجال من ينكح المرأة لجمالها، ومنهم من ينكحها لحسبها، ومالها، فالرجال يختارون من النساء كلٌّ حسب رغبته، وعادته، وعرفه، والوصية لجميع المسلمين بأن يكون البحث عن ذات الدين، والاقتران بها؛ لأن في التزوج منها خيراً يراه الرجل في نفسه، وفي بيته، وعلى أولاده.
ولا ينبغي لك أخي السائل قطع الأمل من وجود امرأة صاحبة دين وخلق، فما تزال أمة الإسلام بخير، وما تزال بيوت المسلمين تربي أجيالاً من النساء يحملن أخلاق الإسلام، ويتربين عليه.
ولا يعني فشل تجربة في الزواج أن الحكم سينساق ليشمل كل زواج بعده، فلا يخرج ما حصل معك أولاً عن كونه عقوبة لك بسبب تقصيرك في السؤال والاستفصال عن المرأة التي تزوجتها.
والناس يعرف بعضهم بعضاً، ويختلط بعضهم ببعض، فلا يخفى حال الأسرة وأفرادها عن أقربائهم، وجيرانهم، كما أن أفراد الأسرة يختلطون في المسجد، والمدرسة، والزيارات، فتُعرف المرأة الصالحة من عكسها، ويُعرف الرجل المتدين من عكسه؛ وذلك بمحافظتهما على الصلاة، والالتزام بالشرائع الظاهرة، والأخلاق في التعامل مع الآخرين، وما يخفيه أحدهم في باطنه: فهذا مما لا يمكن لأحد معرفته، ولا يلام من اغتر بصلاح الظاهر وخفي عليه فساد الباطن؛ إذ لم يكلفنا ربنا بشق بواطن الناس والاطلاع عليها.
ثم إن ما يجري على النساء اللاتي تبحث بينهن عن شريكةٍ لحياتك يجري عليك أيضاً! فما الذي يُدري الناس بحقيقة أمرك، وعلم باطنك؟! وقد أوصي الأولياء بأن يزوجوا أهل الدين والخلُق من الرجال، وذلك بحسب ما يظهر منهم، مع السؤال والاستفصال من المقربين لهذا الخاطب، وما قد يقع من الإيهام والخديعة من قبَل المرأة فإنه قد يقع مثله – بل وأضعافه – من الرجال، فلا ينبغي لك أخي السائل أن تقلق وأن تغتم بسبب زواجك الأول، وكل ما عليك الآن هو البحث بأناة، وسؤال أهل الخير عن الأسر الفاضلة الكريمة التي ربَّت بناتها على طاعة الله تعالى، وعلى الأخلاق الفاضلة، ومن ثمَّ تخصص سؤالك عمن ترغب نكاحها من تلك الأسرة بسؤال صديقاتها وزميلاتها عن التزامها واستقامتها وعن أخلاقها وتعاملها، وبذلك تكون حققت وصية النبي صلى الله ليه وسلم، والمرجو أن لا يخيب ظنك بها، وأن لا تخيِّب أنت ظنهم بك.
ونسأل الله تعالى أن يوفقك لحسن الاختيار، وأن يرزقك زوجة صالحة، تعفُّك، وتعفها، وتُحسن إليها وتُحسن إليك، وأن يرزقكم ذرية طيبة.
ولمعرفة مواصفات الزوجة انظر جوابي السؤالين: (٢٦٧٤٤) و (١٠٣٧٦) .
والله الموفق
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 11609
حكم تهييج الشهوة بين زوجين بالشتائم البذيئة وقبيح الكلام والضرب !
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا شاب، ٣١ عاماً، مقبل على الزواج خلال شهرين، كنت أتحدث مع خطيبتي عن أمور المعاشرة الزوجية، فاكتشفت أنها تريد مني أن أضربها على جميع أنحاء جسدها، وأن أوجه لها الشتائم البذيئة! وأن أصفها بصفات بنات الليل! وأن أذلها أثناء المعاشرة، مع العلم هي تعاني من مرض الاكتئاب من عشر سنوات، ولا يوجد تحسُّن في حالتها، فبالله عليكم ماذا أفعل؟ وهل لو عملت معها هكذا من باب حبي لها وإشباع رغبتها الزوجية حلال أم حرام؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
إن من أعظم مقاصد النكاح هو أن يعف الرجل نفسه، وأن تعف المرأة نفسها، وهو ما يحصل بالجماع بين الزوجين، وبه تكتمل صورة العفاف في الزوجين، من غض البصر، وحفظ الفرج، بل وحفظ الأعضاء جميعها من الوقوع في الزنا، فكما أن العين تزني: فإن الأذن تزني، واليد تزني، والرجل تزني، كما أخبر بذلك النبي ﷺ .
قال ابن القيم – ﵀:
وفضلاء الأطباء يروْن أن الجماع من أحد أسباب حفظ الصحة.
وقال:
ومن منافعه - أي: الجماع: غض البصر، وكف النفس، والقدرة على العفة عن الحرام، وتحصيل ذلك للمرأة، فهو ينفع نفسه في دنياه وأخراه، وينفع المرأة، ولذلك كان النبي ﷺ يتعاهده ويحبه، ويقول: (حبِّب إليَّ مِن دنياكم: النساء والطيب) .
" زاد المعاد " (٤ / ٢٢٨) .
ولم تقيِّد الشريعة الزوجَ بطريقة معينة يأتي بها امرأته، بل قد نهي عن جماعها في زمن الحيض والنفاس، ونهي عن جماعها في الدبر.
ثانياً:
الكلام بين الزوجين عند الجماع بما يعينهما على قضاء الوطر، وكمال اللذة المشروعة: مباح، وربما طلب منه ـ في تلك الحال ـ ما يكون فيه من التعبير عن الحب، والعشق، والغرام بينهما، فهو أدعى للألفة والمودة بينهما، وهو يهيِّج الطرفين للجماع ليعف كل واحد منهما نفسه، ويعف زوجه.
ومقدمات الجماع من التقبيل والكلام الذي يكون بين الزوجين هو " الرفث " – على أحد الأقوال – وإنما ينهى عنه المحرم حال إحرامه، وفيه الإشارة إلى حلِّه في غير هذه الحال، وهو الثابت المعلوم من حال خير القرون ومن بعدهم، وهو المذكور في كتب الفقه أنه من آداب الجماع، ومما يزيد المحبة بين الزوجين.
قال تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) البقرة/ من الآية ١٩٧.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – ﵀:
والأظهر في معنى الرفث في الآية أنه شامل لأمرين:
أحدهما: مباشرة النساء بالجماع، ومقدماته.
والثاني: الكلام بذلك، كأن يقول المحرم لامرأته: إن أحللنا من إحرامنا فعلنا كذا وكذا.
ومن إطلاق الرفث على مباشرة المرأة كجماعها قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) البقرة/ ١٨٧، فالمراد بالرفث في الآية: المباشرة بالجماع، ومقدماته.
" أضواء البيان " (٥ / ١٣) .
ولا حرج أن يذكر الزوجان ما يهيج شهوتهما من الكلام، ولو كان بذكر ألفاظ العورة باسمها العرفي، وقد بينا جواز ذلك في جواب السؤال رقم: (٤٥٥٩٧) ، وليس في ذكر كلمات الغرام والعشق بين الزوجين حرج، وليس في ذكر العورة باسمها الصريح أو العرفي حرج إذا كان هذا يهيج الشهوة بينهما، ولله در الإمام ابن قتيبة حيث لفت النظر إلى أن ذكر الأعضاء باسمها ليس فيه إثم، إنما الإثم في قذف الأعراض، وجعل تلك الألفاظ ديدناً.
قال ابن قتيبة – ﵀:
وإذا مرّ حديث فيه إفصاح بذِكر عورة، أو فرج، أو وصف فاحشة: فلا يحملنك الخشوع، أو التخاشع على أن تُصَعِّرَ خدك، وتُعرض بوجهك؛ فإن أسماء الأعضاء لا تؤثم، وإنما المأثم في شتم الأعراض، وقول الزور، والكذب، وأكل لحوم الناس بالغيب.
" عيون الأخبار " (١ / المقدمة صفحة ل) .
وقال – ﵀:
لم أترخص لك في إرسال اللسان بالرفث على أن تجعله هِِجّيراك [يعني: عادتك] على كل حال، وديدنك في كل مقال، بل الترخص مني فيه عند حكاية تحكيها، أو رواية ترويها تنقصها الكناية، ويذهب بحلاوتها التعريض.
" عيون الأخبار " (١ / المقدمة صفحة م) .
وهذه الإباحة بين الزوجين في الكلام عند الجماع لا ينبغي أن تتحول إلى سب وقذف بالمحرم والفحش، حتى ولو لم يكن يريد حقيقة السب، وإنما يريد التصريح بذلك الكلام، فليس من عادة المؤمن أن يعود لسانه السب والقذف.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَعَّانِ وَلَا الَلَّعَّانِ وَلَا الْفَاحِشِ وَلَا الْبَذِيءِ) .
رواه الترمذي (١٩٧٧) وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ".
وفي هذه الأفعال مشابهة لأهل الفساد من الزواني والزانيات، ولا يليق بالمسلم أن يجعل فراش الزوجية الطاهر كحال ما يحدث في بيوت الدعارة بين الساقطين والساقطات، فهم أحق بتلك الألفاظ، وأهل لها، لا امرأته العفيفة الطاهرة.
ثم إنه يُخشى من اعتياد الزوجين على هذه الكلمات، فتصبح علاقتهما من غيرها باردة، وجافة، أو تصبح عادة لهما في حياتهما في غير وقت الجماع، خاصة إذا حدث شجار، أو تقلبت النفوس والقلوب؛ وفي ذلك من المفاسد ما لا يخفى على متأمل.
على أن الذي أفزعنا في سؤالك حقا، يا عبد الله، هو حديثك مع خطيبتك في هذه الأمور، وبهذه الصراحة، وهي جرأة منكما لا تحمدان عليها، بل تذمان بها كل الذم؛ فكيف تسمح لنفسك بالكلام في ذلك مع خطيبتك، وهي امرأة أجنبية عنك، وكيف تسمح ـ هي أيضا ـ بالكلام في ذلك، وبكل هذه الصراحة معك، وأنت رجل أجنبي عنها، ثم كيف تتاح لكما فرصة الخلوة التي تتمكنان فيها من هذا الحديث الذي يستحيل أن يذكر، ولو بالتلميح أمام غيركما.
إن هذا السؤال يدل على أنكما تساهلتما كثيرا في طبيعة العلاقة بينكما، وتعديتما حدود الله تعالى فيما بينكما، فألقى الشيطان في قلوبكما من جمار الشهوة ما تظنان أنها لا يطفئها شيء مما اعتاد الناس، فرحتما تبحثان عن كل غريب، ولو شاذا!!
فالواجب عليكما أن تضعا حدا لهذه المخالفات، وتتوبا إلى الله من ذلك التعدي الذي وقعتما فيه؛ ولتعلما أن ما بقي أمامكما شيء يسير، فاصبرا حتى يجمع الله بينكما على ما يحب ويرضى من الحلال الطيب، وساعتها سوف تعلمان أن أمر العفة لا وقضاء الوطر الحلال، لا يحتاج إلى كل ذلك: " وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ ".
وانظر حول العلاقة بالمخطوبة جواب السؤال رقم (٢٥٧٢) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 11610
حكم رقص المرأة لزوجها وهل تجب طاعته في ذلك
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا طلب الزوج من زوجته أن ترقص له فهل يجب أن تطيعه؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا حرج على المرأة أن ترقص لزوجها، وهو أمرٌ قد يُدخل حبها في قلبه، ويهيجه على جماعها، ويمتعه بما هو حلال، ولتنو الزوجة بهذا: التودد لزوجها، وكف بصره عن المحرمات؛ لأن بعض الأزواج يقع في معصية النظر المحرَّم للراقصات، وقد يكون إشباع نهمته بالحلال قاطعاً لمعاصيه تلك من النظر المحرَّم، وهذا يجوز بشروط، منها:
١. عدم مشاهدة أحدٍ من أولادها لها، لأن ذلك قد يؤثر سلباً على تعظيمهم لوالديهمم، وليس كل ما يباح بين الزوجين يفعل أمام الأولاد.
٢. أن لا يصاحب الرقص آلات موسيقية ومعازف.
٣. أن لا تنظر المرأة إلى صور وأفلام محرَّمة لكي تتعلم الرقص؛ حيث يحرم عليها النظر إلى أولئك الفاسقات وعوراتهن، ولتفعل ما تستطيعه مما تعلمه من قديم موروثها، أو مما يخرج منها من غير حاجة تعليم.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
أما رقص المرأة أمام زوجها وليس عندهما أحد: فلا بأس به؛ لأن ذلك ربما يكون أدعى لرغبة الزوج فيها، وكل ما كان أدعى لرغبة الزوج فيها: فإنه مطلوب، ما لم يكن محرَّماً بعينه، ولهذا يسن للمرأة أن تتجمل لزوجها، كما يسن للزوج أيضاً أن يتجمل لزوجته كما تتجمل له " انتهى.
" اللقاء الشهري " (١٢ / السؤال رقم ٩) .
وسئل الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀ عن: ارتداء المرأة أمام زوجها لباس الراقصات الذي في المسارح أليس فيه المحبة والإقرار لما يفعلن؟ .
فأجاب الشيخ بالجواز إن كان بين الزوجين فقط، ولم يرها أحد غيره، وذكر ﵀ أن لباسها هذا لا يدخل في التشبه المذموم، وأن تلك الراقصات الفاجرات يقمن بالرقص علناً، وأما هذه: فبينها وبين زوجها، وشتان ما بينهما.
الشريط رقم (٨١٤) سلسلة " الهدى والنور ".
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 11611
ما حكم غناء الزوج لزوجته أو العكس ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم غناء الزوج لزوجته أو العكس]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
أباح الله تعالى للزوجين استمتاعهما بعضهما ببعض، ولم يحرَّم في الاستمتاع إلا الجماع في الدبر، والجماع في الحيض والنفاس، وأبيح ما عدا ذلك من اللمس، والنظر، والتقبيل، والتجمل، والتغزل، وما شابه ذلك من المباحات.
سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
هل يجوز شرعاً أن تنظر المرأة إلى جميع بدن زوجها، وأن ينظر هو إليها بنية الاستمتاع بالحلال؟
فأجاب:
" يجوز للمرأة أن تنظر إلى جميع بدن زوجها، ويجوز للزوج أن ينظر إلى جميع بدن زوجته، دون تفصيل؛ لقوله تعالى: (والذين هم لفروجهم حافظون. إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين. فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) المؤمنون/ ٥ - ٧ انتهى.
" فتاوى إسلامية " (٣ / ٢٢٦) .
ومن الاستمتاع الجائز بين الزوجين: أن تغني الزوجة لزوجها، ويغني هو لها، ولكن ... لا بد من شروط لهذا الغناء المباح، ومن هذه الشروط:
١. أن يخلو الغناء من استعمال المعازف، كالبيانو، والعود، وغيرهما.
٢. الغناء كلامٌ، حسنه حسن، وقبيحه قبيح، لذا يجب أن يخلو الغناء من الطعن في أعراض الناس، أو من وصف امرأة بعينها، عدا عن وجوب خلوه من الكلام في العبادات والطاعات وشعائر الدين، ولا بأس أن يكون تغزلاً، ووصفا لكلا الزوجين، ولا حدود لذلك إن تعلق الأمر بهما، وقد جاز لهما ما هو أعظم من الوصف والتغزل اللفظي – وهو الجماع -.
٣. أن لا يُسمِعا ذلك الغناء غيرهما، سواء من الأولاد – حتى لو كانوا صغاراً -، أو من الجيران، فضلاً عن غيرهم من الأجانب.
فيمنع سماع الأولاد هذا الغناء ولو كانوا صغاراً، لئلا يَحدث خلل في تربيتهم؛ ولما قد يقولونه للناس، ولما فيه من اهتزاز صورة أهليهم في أذهانهم وواقعهم، ومن المعلوم أنه ليس كل ما يباح بين الزوجين يَظهر في العلن أمام أولادهم، كالتقبيل، واللمس، والجماع.
وقد سئل الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀ عن حكم غناء المرأة لزوجها.
فأجاب:
" إن كان المقصود بالغناء هو التطريب بالصوت الجميل، وبالألفاظ التي (يصلح) لكل مسلم أن ينطق بها: فتغني ما شاءت بشرط أن لا تضيع شيئاً من فرائضها.
أما إذا كانت تتغنى بألفاظ لا يجوز النطق بها - أصلاً - في الشرع: فلا فرْق حينذاك أن تغني لزوجها، أو لأخيها، أو لأختها؛ لأن الأمر - كما تعلم - من قوله ﷺ (الشِّعر كلام، حسنُه حسنٌ، وقبيحه قبيح) ، فإذا تكلم الإنسان بكلام قبيح: فهو محاسب عليه، وإذا تغنَّى به: ازدادت المؤاخذة ...
فإن غنَّت المرأة أمام زوجها بكلام مباح: فلتغنِّي، ولتطربه بما شاءت من غنائها، أما إذا كانت المقصود بالغناء الأغنية الخليعة التي أصبحت مهنة لبعض الفاسقين والفاسقات: فلا فرْق حينذاك بين غنائها لزوجها، أو للغريب عنها " انتهى.
انتهى
الفتوى رقم (١٠) الشريط (٤٢) من سلسلة " الهدى والنور ".
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 11612
زوجها يحبها وصاحب دين ولكن هي لا تنجذب إليه
[السُّؤَالُ]
ـ[تزوجت منذ فترة قصيرة، ولكني لست سعيدة بهذا الزواج , ولا يوجد في زوجي عيب أو شيء منفِّر بل هو يحافظ على الصلاة في المسجد، وصاحب أخلاق، ويحاول أن يتقي الله , المشكلة أنني لا أحبه، مع أني كنت دائما أرغب بالزوج الملتزم، قد أكون تسرعت في الموافقه لأنني لم أتعرف عليه جيداً قبل الزواج وكنت أحيانا وقت العقد أشعر بعدم القبول، أخاف من أن انفصل عنه من المستقبل المظلم، ولكني مترددة، الشيء الوحيد الذي يطمئني أنني استخرت الله قبل الموافقة عليه، أنا لا أعلم ما أنا فيه وهل هذا ابتلاء حقا أم أنا التي صنعت هذا الهم لنفسها، وهل يمكن أن أكمل في زواجي هذا بهذا الشعور الداخلي وأنجب أولادا منه، ويكبرون، وتكون هذه حياتي مع شخص لست راضية به، أم عليَّ أن أتناسى وأعيش هكذا بلا شعور مع زوجي! .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
إن نعَم الله تعالى على الإنسان كثيرة وعظيمة، وهو يعجز عن إحصائها، فأنَّى يستطيع شكرها؟! ولذلك وَصف الله تعالى الإنسان بالظلم والجهل بعد بيان عظيم نعَم الله، قال تعالى: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) إبراهيم/ من الآية ٣٤، فاعلمي أيتها الأخت أنك تتقلبين في نعم الله تعالى، حيث رزقك الله بزوج صالح، وبيت تأوين إليه، في الوقت الذي ترتفع آهات كثيرة من نساء لا يجدن زوجاً، ومن وجدت فقد يكون ظالماً أو فاجراً، وفي الوقت الذي تتشرد فيه الآلاف من النساء بسبب الفقر والحروب، فاحرصي على شكر النعمة بالمحافظة عليها، وأداء حقها، واحذري من كفرانها، وإلا سلبها الله منك، قال تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) إبراهيم/ ٧.
وحتى تعلمي عظم تلك النعم عليك انظري في حال من فقدها، أو نقصت منه، وهي وصية النبي ﷺ لنا حتى لا يزدري أحدنا نعمة الله عليه.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ) رواه مسلم (٢٩٦٣) .
ثانياً:
مما نعجب منه في رسالتك قولك " فأنا لم أتعرف على زوجي جيِّداً قبل الزواج "! وهل تعتقدين أن ما يحدث قبل الزواج بين الرجل والمرأة هو شرعي أولاً؟ وهل تظنين أنه بتلك العلاقة يتعرف الرجل على المرأة والعكس؟ إن أكثر ما يحدث في فترة التعارف تلك ليس بشرعي، بل هو مخالف للشرع؛ حيث يكون التوسع في النظر والحديث، والاختلاط المستهتر، والخلوة المحرمة، وغير ذلك من المنكرات الشرعية، وهي مشهورة بين الناس.
وفي هذه الفترة لا يَظهر الرجل على حقيقته، ولا المرأة كذلك، بل يحاول كل واحد منهما أن يُظهر صفاتٍ جميلة، وأخلاق عالية راقية، ولا تظهر الحقائق إلا فيما بعد الزواج، وفي إحصائيات متعددة في دول مختلفة تبين أن الزواج الذي تسبقه علاقة " حب محرَّم " أفشل من ذلك الذي خلا من تلك العلاقة، وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال (٨٤١٠٢) ، وحسبنا تنبيهك أنه ليس ثمة حاجة لتلك الفترة لتتعرفي على زوجك، وقد ذكرت من صفاته وأخلاقه ما يغنيك عن تلك الفترة للتعرف عليه.
إن الحب قبل الزواج قائم على المخادعة العاطفية؛ إذ ليس في المرأة ما يجعلها محبوبة لزوجها إلا مظهرها الخارجي! بخلاف الحب بعد الزواج فإن سببه المخالطة والمعاشرة، ولذا فإن الله تعالى يجعل بين الزوجين مودة ورحمة بعد زواجهما الشرعي، لا قبله، كما قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) الروم/ ٢١.
ثالثاً:
تقولين في رسالتك: " فأنا دائما كنت دائما أرغب بالزوج الملتزم الذي يعيشني حياة الالتزام بالدين.. "، ونقول لك: ها هي أمنيتك قد تحققت، وها هي رغبتك قد تحصلت، فقد رزقك الله زوجاً لا تعيبين عليه خلُقاً ولا دِيناً.
فاتقي الله في نفسك، واحذري من عقوبة الله لك، ويُخشى عليك سلب تلك النعمة، والعقوبة بزوج آخر لا يتقي الله تعالى فيك، ولا يربي أولادك كما ترغبين، وساعتها سيفوت وقت الندم.
أيتها السائلة الكريمة: لقد استخرت الله ﵎ قبل إقدامك على هذا الزواج، وهذا من أعظم أسباب توفيقك، إن شاء الله، شريطة أن ترضي بما قسم الله تعالى وقدره لك، وتعلمي أن الله تعالى قد اختار لك الخير: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (البقرة: ٢١٦) .
إننا معك أيتها السائلة الكريمة في الخوف من المستقبل المجهول إذا ما فكرت في الانفصال عن هذا الزوج الصالح، وأنت تعلمين نظرة المجتمع إلى المرأة المطلقة، ول كانت امرأة صالحة، وظلمت في زواجها الأول، وهي نظرة يشوبها كثير من الجاهلية؛ فكيف إذا عرف أنك انفصلت عن هذا الزوج الصالح، من غير ما بأس، ولا عيب فيه!!
بل إننا نخاف عليك ما هو أشد من ذلك والله!!
ألم تسمعي إلى قول النبي ﷺ :
(أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقًا فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ) رواه أبو داود (٢٢٢٦) وصححه الألباني.
وانظري جوابي السؤالين: (٢٣٤٢٠) و (٢٠٩٤٩) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 11613
وجوب العدل بين الزوجات وشيء من أحكام السفر للمعددين
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز للرجل إذا كان متزوجاً من امرأتين أن يصطحب زوجته الثانية في كل مرة يسافر فيها، علماً بأن الزوجة الأولى لا تستطيع السفر نظراً لرعايتها لأبنائها؟ . وما الواجب عليها إذا شعرت أن زوجها لا يريد توزيع وقته بالتساوي بينهما؟ هل من موقع جيد على الإنترنت يتناول موضوع تعدد الزوجات؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
أمر الله بإقامة العدل في كل شيء، فقال: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ) النحل/ ٩٠.
قال ابن جرير الطبري ﵀:
إن الله يأمر في هذا الكتاب الذي أنزله إليك يا محمد بالعدل، وهو الإنصاف.
" تفسير الطبري " (١٧ / ٢٧٩) .
وحرَّم الله تعالى على عباده الظلم، وتوعد الظالمين بالعقوبة في الدنيا والآخرة.
فعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ ﵎ أَنَّهُ قَالَ: (يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا) . رواه مسلم (٢٥٧٧) .
وقد أمر الله تعالى بالعدل بين الزوجات، وجاء الوعيد في ظلم بعضهن على حساب بعض.
قال الله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا) النساء / ٣
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀:
أي: مَنْ أحب أن يأخذ اثنتين فليفعل، أو ثلاثاً فليفعل، أو أربعاً فليفعل، ولا يزيد عليها؛ لأن الآية سيقت لبيان الامتنان، فلا يجوز الزيادة على غير ما سمى الله تعالى، إجماعاً؛ وذلك لأن الرجل قد لا تندفع شهوته بالواحدة، فأبيح له واحدة بعد واحدة، حتى يبلغ أربعاً؛ لأن في الأربع غنية لكل أحد، إلا ما ندر، ومع هذا فإنما يباح له ذلك إذا أمِن على نفسه الجور والظلم، ووثق بالقيام بحقوقهن.
فإن خاف شيئاً من هذا: فليقتصر على واحدة، أو على ملك يمينه، فإنه لا يجب عليه القسم في ملك اليمين.
(ذَلِك) أي: الاقتصار على واحدة أو ما ملكت اليمين:
(أَدْنَى أَلا تَعُولُوا) أي: تظلموا.
وفي هذا أن تعرض العبد للأمر الذي يخاف منه الجور والظلم، وعدم القيام بالواجب - ولو كان مباحاً- أنه لا ينبغي له أن يتعرض له، بل يلزم السعة والعافية، فإن العافية خير ما أعطي العبد.
" تفسير السعدي " (ص ١٦٣) .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِذَا كَانَ عِنْدَ الرَّجُلِ امْرَأَتَانِ فَلَمْ يَعْدِلْ بَيْنَهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ سَاقِطٌ) . وفي رواية: (أَحَدُ شِقَّيْهِ مَائِلٌ) .
رواه الترمذي (١١٤١) وأبو داود (٢١٣٣) والنسائي (٣٩٤٢) وابن ماجه (١٩٦٩) .
وصحح الألباني الروايتين في " صحيح الترغيب والترهيب " برقم (١٩٤٩) .
قال الشيخ المباركفوري ﵀:
قال الطيبي في شرح قوله (وشقه ساقط) : أي: نصفه مائل، قيل: بحيث يراه أهل العرصات ليكون هذا زيادة في التعذيب.
" تحفة الأحوذي " (٤ / ٢٤٨) .
ومن رأت من زوجها ميلاً للأخرى على حسابها، أو ظلماً لها في حقها: فلتبادر لنصح زوجها بالتي هي أحسن، ولتذكره بما أوجبه الله عليه من العدل، وبما حرَّمه الله عليه من الظلم، ولتبادر – كذلك – لنصح أختها لئلا تقبل بالظلم، ولا بأخذ ما ليس لها من حق، وعسى الله أن يهديه لإقامة العدل، وإعطاء كل ذي حق حقَّه.
ثانياًً:
من العدل بين الزوجات: أن يقرع الزوج بينهن إذا أراد السفر بإحداهن دون الباقيات، وهذا هو هديه ﷺ مع نسائه.
فعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ) . رواه البخاري (٢٤٥٤) ومسلم (٢٧٧٠) .
قال النووي ﵀:
فيه: أن من أراد سفراً ببعض نسائه: أقرع بينهن كذلك، وهذا الإقراع عندنا واجب.
" شرح مسلم " (١٥ / ٢١٠) .
وقال ابن حزم ﵀:
ولا يجوز له أن يخص امرأة مِن نسائه بأن تسافر معه إلا بقرعة.
" المحلى " (٩ / ٢١٢) .
ومثله قاله الشوكاني ﵀ في " السيل الجرار " (٢ / ٣٠٤) .
وإذا رجع من سفره فإنه لا يحسب مدة سفره على التي سافرت معه بقرعة.
قال ابن عبد البر ﵀:
فإذا رجع من سفره: استأنف القسمة بينهن، ولم يحاسب التي خرجت معه بأيام سفره معها، وكانت مشقتها في سفرها ونصبها فيه بإزاء نصيبها منه، وكونها معه.
" التمهيد " (١٩ / ٢٦٦) .
ثالثاً:
لو فُرض عدم استطاعة إحدى نسائه السفر معه: فمن العبث إدخالها بالقرعة، وهي لا تستطيع السفر معه، فتكون القرعة – والحالة هذه – بين من تساوت أحوالهن في القدرة على السفر، فل يقرع بين من تستطيع ومن لا تستطيع، على أن يكون ذلك حقيقة وليس وهماً أو ظلماً لها؛ كأن تكون مريضة، أو عندها من الأولاد ما تعجز عن تركهم من غير رعاية، أو أنها ممنوعة من السفر، وما شابه ذلك من الأعذار، وليس لحبه سفر الأخرى معه دون الأولى، وإلا كان ظالماً.
وعليه في هذه الحالة أن يسترضي زوجتيه، ولو بتعويض التي لم تسافر ببعض الأيام إذا رجع من السفر.
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
وقال القرطبي: ينبغي أن يختلف ذلك باختلاف أحوال النساء، وتختص مشروعية القرعة بما إذا اتفقت أحوالهن؛ لئلا تخرج واحدة معه فيكون ترجيحاً بغير مرجح.
" فتح الباري " (٩ / ٣١١) .
وقال الدكتور أحمد الريان:
إذا تساوت ظروف الزوجات في كل النواحي التي يحرص على حفظها ورعايتها سفراً وحضراً: فالاقتراع هو المتعين، أما إذا تفاوتت الزوجات في ذلك: فلا بأس من الاختيار مع مراعاة شرطيْ عدم الميل، وعدم قصد الإضرار.
" تعدد الزوجات " (ص ٧١) .
هذا، ولا نعلم موقعاً مختصاً بمسائل تعدد الزوجات، ويمكنك الاطلاع على موقعنا، وعلى مواقع الفتاوى الموثوقة ففيها جملة وافرة من أحكام التعدد.
وقد خصصنا تصنيفاً مستقلا لمسائل وأحكام تعدد الزوجات في موقعنا هذا تحت هذا الرابط:
http://www.islam-qa.com/ar/cat/٣٥٥
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 11614
شراء المنزل الكبير الواسع متى يكون إسرافا ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[زوجتي دائماً ما تصر على أن أشتري منزلاً كبيراً، وبه مسبح، وحديقة، وأنا أُصر على أن نسكن بيتاً صغيراً (مثلا ٣ غرف نوم) بدون المتع الزائدة والرفاهية كالمسبح والحديقة، فما العمل؟ أنا لا أستطيع إرغامها على الزهد، وأيضا بحكم أني زوجها لا مفر من بقائنا مع بعضنا البعض، وأعلم أن عدم الزهد ليس مبررا للطلاق، ولكني - يا شيخنا الفاضل - لا أريد الانغماس في الدنيا، فما العمل؟ وهل إن اشتريت بيتاً جديداً بما تريده هي أؤجر؟ علما بأني لا أمانع بالعيش في بيت صغير، ولست أريد إلا سقفا يؤويني وأهلي، وهل يقع عليَّ القول ممن أذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا ينبغي للمسلم أن يجعل الدنيا أكبر همِّه، وليس الفقر هو ما خشيه النبي ﷺ على أمته، بل خشي انفتاح الدنيا والتنافس فيها، فهنا تكون الهلكة.
عن عمرو بن عوف قال: قال النبي ﷺ : (فَوَاللَّهِ لَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَلَكِنْ أَخَشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ) .
رواه البخاري (٢٩٨٨) ومسلم (٢٩٦١) .
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث -:
وفيه: أن المنافسة في الدنيا قد تجر إلى هلاك الدين.
" فتح الباري " (٦ / ٢٦٣) .
وقال:
قال ابن بطال: فيه أن زهرة الدنيا ينبغي لمن فتحت عليه أن يحذر من سوء عاقبتها، وشرِّ فتنتها، فلا يطمئن إلى زخرفها، ولا ينافس غيره.
" فتح الباري " (١١ / ٢٤٥) .
ومن أشغلته دنياه عن أخراه فهو مغبون، والدنيا لعب، ليس فيها مستمر ولا كامل، والآخرة خير وأبقى، وقد ضرب الله تعالى للدنيا مثلاً بالنبات الذي ينمو ويزهر، ثم لا يلبث حتى يصبح هشيماً تذروه الرياح، فلا بقاء ولا استمرار للإنسان في الدنيا، لذلك يجب أن يضع الآخرة نصب عينيه.
قال تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) الحديد/ ٢٠.
وقال : (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا. الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا) الكهف/ ٤٥، ٤٦.
ثانياً:
ومما يبين أن الناس قد يهلكون بالتنافس على الدنيا: شراؤهم بيوتهم بالقروض الربوية! فيعرض الواحد نفسه لسخط الله ومقته من أجل أن ينافس غيره على بناء بيت، أو على تزويقه، وتوسيعه، وهؤلاء قد يدخلون في الذين أذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا؛ لأنهم فعلوا ما نهاهم الله عنه تمتعاً به والتذاداً، وأما من بنى بيتاً أو اشتراه بمال حلال وتمتع به: فلا يكون من أولئك.
وقد ذكرنا حرمة شراء المنازل عن طريق البنوك الربوية في أجوبة الأسئلة: (٢١٢٨) و (٢١٩١٤) و (٢٢٩٠٥) فلتنظر.
ثالثاً:
ومن هنا نعلم أنه ليس ثمة أجر على بناء البيوت لذاتها، وإلا لصار الأغنياء الذين يبنون القصور بعشرات الملايين من أصحاب الدرجات العليا في الجنة! فالدينار الذي ينفقه المسلم على بناء بيته ليس له ما يقابله من الأجر في الآخرة، وعسى المرء أن يسلم من الإثم، فإن أُجر فإنما يؤجر على نيته في الحفاظ على أسرته وأهل بيته من الضياع، وعلى إيوائهم في مسكن يحفظ كرامتهم وأعراضهم، وأما على ذات البناء فليس ثمة أجر، وهو معرض للإثم والعقوبة في حال الإسراف، وقصد التفاخر والتباهي.
وقد خرَّج علماء اللجنة الدائمة أحاديث في ذم البناء، ثم قالوا بعدها:
هذه الأحاديث وما جاء في معناها: منها ما هو صحيح، ومنها ما هو حسن، ومنها ما ليس بصحيح، فما كان منها حجة: فهو محمول على ذم من فعل ذلك للتباهي، والإسراف، والتبذير، فإن هذا يختلف باختلاف الأحوال، والأشخاص، والأمكنة، والأزمنة، وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ قوله ﷺ لما سأله جبريل عن علامات الساعة: (وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاه يتطاولون في البنيان) ، قال ابن رجب في شرح هذا الحديث: " والمراد أن أسافل الناس يصيرون رؤساءهم، وتكثر أموالهم، حتى يتباهون بطول البنيان، وزخرفته، وإتقانه "، وذكر النووي هذا المنى في " شرح صحيح مسلم "، حينما تكلم على هذا الحديث.
أما إذا طال البنيان لغرض شرعي، كتوفير المرافق والمساكن للمحتاجين، أو لاتخاذها سبيلاً للكسب، أو لكثرة مَن يعول، ونحو ذلك: فلا شيء في ذلك فيما يظهر لنا؛ فإن الأمور بمقاصدها، قال ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) والحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين عن عمر ﵁.
الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن منيع.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٤ / ٤٩٠) .
وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
ذُكر لنا أن كل عمل ابن آدم يؤجر عليه إلا بناء المسكن، فهل هذا صحيح؟ فإذا كان صحيحاً فما العلة؟ وما السبب؟ ، مع ذكر الحديث الذي ورد في ذلك، جزاكم الله خير الجزاء؟ .
فأجاب:
نعم، هذا ورد في الإنسان الذي يصرف ماله في الطين، أي: في البناء الذي لا يحتاج إليه، وأما البناء الذي يحتاج إليه: فإنه من ضروريات الحياة، والإنسان إذا أنفق على نفسه ما هو من ضروريات الحياة: فإنه يؤجر على ذلك إذا أنفقه يبتغي به وجه الله ؛ لكن المفاخرة والتطاول في البنيان هو الذي لا خير فيه، بل ليس فيه إلا إضاعة المال، أما ما يبنيه الإنسان لحاجته: فإنه يؤجر على ذلك، إذا ابتغى به وجه الله؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لسعد بن أبي وقاص: (واعلم أنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعله في فم امرأتك) .
" اللقاء الشهري " (١٥ / السؤال رقم ٦) .
وتنظر الأحاديث وأقوال بعض العلماء في المسألة في جواب السؤال رقم (٢١٦٥٨) .
رابعاً:
وبه تعلم حكم بناء البيت الذي تود زوجتك أن تشتريه لهم، ونلخص لك ذلك في نقاط:
١. لا يجوز شراء البيت من مصادر محرَّمة، كالقروض الربوية، وأموال الغصب.
٢. ليس ثمة أجر على مجرد بناء البيت، إلا أن يقصد صاحبه إيواء أهل بيته، وحفظهم من الحر والبرد، فيؤجر على نيته، لا على ذاته بيته.
٣. لا يجوز للمسلم بناء بيت أو شرائه بقصد التباهي والتفاخر، فإن فعل ذلك: أَثم.
٤. لا مانع من أن يشتمل البيت على بركة سباحة، أو حديقة، لكن على أن يكون ذلك من غير إسراف ومبالغة في حجمهما وأثمانهما، والبيت الواسع من السعادة لصاحبه.
عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (أَرْبَعٌ مِنَ اَلسعَادَةِ: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمَسْكَنُ الوَاسِعُ، وَاَلجَارََُُّ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ اَلهَنِيءُ، وَأَرْبَغ مِنَ اَلشًقَاوَةِ: اَلْجَارُ السُّوءُ، وَالْمَرْأَةُ اَلسُّوءُ، وَالْمَسْكَنُ اَلضيقُ، وَالْمَرْكَبُ السُّوءُ) .
رواه ابن حبان في " صحيحه " (١٢٣٢) ، وصححه الألباني في " السلسلة الصحيحة " (٢٨٢) ، و" صحيح الترغيب " (١٩١٤) .
قال المناوي – ﵀:
(والمسكن الواسع) أي: الكثير المرافق بالنسبة لساكنه، ويختلف سعته حينئذ باختلاف الأشخاص، فرب واسع لرجل ضيِّق على آخر، وعكسه.
" فيض القدير " (٣ / ٣٠٢) .
٥. تكلفة البناء، وسعر الشراء يُرجع في ضابط كونه إسرافاً أم لا إلى حال صاحبه، فمن كانت ثروته (١٠٠) مليون ريال – مثلاً – لا يعد مسرفاً – ولا مبذراً من باب أولى – إذا بنى بيتاً أو اشتراه بقيمة (٢) مليون ريال، ومن كانت ثروته هي في راتبه الذي يقبضه كل شهر: فإنه يعد مسرفاً إذا تجاوز الحد في البناء أو الشراء.
فالمسرف من أصحاب البيوت: من تجاوز المقدار المعقول، فزاد في الطوابق، أو الغرف من غير حاجة، والمبذِّر منهم: هو من بنى لغير حاجة، أو صرف ماله في البناء لعباً وتساهلاً بالمال.
سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
رجل اشترى منزلاً باثنين مليون ريال , ثم أثثه بستمائة ألف , وبعد ذلك اشترى سيارة بثلاثمائة ألف ريال , فهل هذا الرجل يعتبر مسرفاً ومبذِّراً؟ وما حكم التحف في البيوت؟ أفيدونا، جزاكم الله خيراً.
فأجاب:
الإسراف: هو مجاوزة الحدِّ , وقد بيَّن الله تعالى في كتابه أنه لا يحب المسرفين , وإذا قلنا: إن الإسراف مجاوزة الحد: صار الإسراف يختلف , فقد يكون هذا الشيء إسرافاً بالنسبة لفلان , وغير إسراف بالنسبة لفلان , فهذا الذي اشترى بيتاً بمليونين من الريالات، وأثثه بستمائة ألف، واشترى سيارة: إذا كان غنيّاً: فليس مسرفاً؛ لأن هذا سهل بالنسبة للأغنياء الكبار , أما إذا كان ليس غنيّاً: فإنه يعتبر مسرفاً , سواء كان من أوساط الناس، أو من الفقراء؛ لأن بعض الفقراء يريد أن يكمِّل نفسه , فتجده يشتري هذه القصور الكبيرة , ويؤثثها بهذا الأثاث البالغ، وربما يكون قد استدان بعضها من الناس , فهذا خطأ.
فالأقسام ثلاثة: الأول: غني واسع الغنى , فنقول: إنه - في وقتنا الحاضر، ولا نقول في كل وقت -: إذا اشترى بيتاً بمليونين ريال، وأثثه بستمائة ألف ريال، واشترى سيارة , فليس بمسرف.
الثاني: الوسط , فيعتبر هذا بحقه إسرافاً.
الثالث: الفقير , فيعتبر في حقه سفهاً؛ لأنه كيف يستدين ليكمل شيئاً ليس بحاجة إليه؟! .
" لقاءات الباب المفتوح " (١٠٧ / السؤال رقم ٤) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 11615
يجبرها زوجها على نقل كل ما تسمعه من أهلها والناس له !
[السُّؤَالُ]
ـ[زوجي يجبرني على أن أخبره بكل ما تحدثتُ به مع أمي، وإخوتي، أو أي إنسان آخر؛ بحجة أن أمي – مثلاً - تقول كلاماً ممكن أن يؤدي إلى خراب البيت، وإذا لم أقل له تحصل مشكلات بيني وبينه، فهل أستجيب له؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
١. الواجب على هذا الزوج – إن صح ما تقوله زوجته عنه – أن يتقي ربه تعالى في طلبه ذلك من زوجته، وأن يعلم أنه آثم بفعله هذا، وأنه لا يحل لزوجته أن تطيعه في طلبه هذا.
٢. ونوصي هذا الزوج أن يشتغل بنفسه عن الناس، وينظر لعيوبه فيصلحها، ولتقصيره فيجد ويجتهد في بلوغ كمال نفسه الأمارة بالسوء، فهو خير له وأولى من الاشتغال بالناس ماذا قالوا، وماذا فعلوا، قال ابن القيم ﵀: " أخسر الناس صفقة: مَن اشتغل عن الله بنفسه، بل أخسر منه: مَن اشتغل عن نفسه بالناس ". "الفوائد" (ص ٥٨) .
٣. ولا ينبغي له إساءة الظن بالناس، واعتقاد الكمال في نفس، وليس كل ما يقوله الناس يهمه ويتعلق به، وإنما هي الشهوة في سماع قصص الناس وأحوالهم، والتفكه بأعراضهم.
٤. وكان المرجو من ذلك الزوج ألا يقبل من زوجته إن نقلت هي ما يقوله أهلها ويقوله الناس لها، حتى لو كان الكلام فيه، لأنها بذلك تكون نمَّامة، وقد قال بعض السلف: " يُفسد النمَّام والكذَّاب في ساعة ما لا يُفسد الساحر في سنَة "، فكيف له أن يقبل لنفسه أن يكون هو الموصي لها بذلك، بل الآمر، بل والمتوعد بالعقوبة إن لم تفعل!؟ .
قال النووي – نقلا عن أبي حامد الغزالي رحمهما الله:
" وكل من حُملت إليه نميمة، وقيل له: فلان يقول فيك، أو يفعل فيك كذا: فعليه ستة أمور:
الأول: أن لا يصدِّق؛ لأن النمام فاسق.
الثاني: أن ينهاه عن ذلك، وينصحه، ويقبح له فعله.
الثالث: أن يبغضه في الله تعالى؛ فإنه بغيض عند الله تعالى، ويجب بغض مَن أبغضه الله تعالى.
الرابع: أن لا يظن بأخيه الغائب السوء.
الخامس: أن لا يحمله ما حكي له على التجسس، والبحث عن ذلك.
السادس: أن لا يرضى لنفسه ما نهى النمام عنه، فلا يحكي نميمته عنه، فيقول: فلان حكى كذا، فيصير به نمَّاماً، ويكون آتياً ما نهى عنه " انتهى.
" الأذكار " (٢٧٥) .
٥. ما يريده الزوج من زوجته هو من " النميمة "، وهي من كبائر الذنوب، ومما لا شك فيه أن هذا النقل سيسبب مفسدة وقطيعة وبغضاً وعداوة، ولا شك أن أهل الزوجة يكرهون نقل كلامهم، وليعلم أن النميمة ليست فقط نقل الكلام من أجل الإفساد، بل قد تكون للاستمتاع.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀:
" مما ينبغي اجتنابه، والابتعاد عنه، والتحذير منه: " النميمة "، التي هي نقل الكلام من شخص إلى آخر، أو من جماعة إلى جماعة، أو من قبيلة إلى قبيلة، لقصد الإفساد، والوقيعة بينهم، وهي كشف ما يُكره كشفه، سواء أكره المنقول عنه، أو المنقول إليه، أو كره ثالث، وسواء أكان ذلك الكشف بالقول، أو الكتابة، أو الرمز، أو بالإيماء , وسواء أكان المنقول من الأقوال، أو الأعمال , وسواء كان ذلك عيباً، أو نقصا في المنقول عنه، أو لم يكن، فيجب أن يسكت الإنسان عن كل ما يراه من أحوال الناس، إلا ما في حكايته منفعة لمسلم أو دفع لشر.
والباعث على النميمة: إما إرادة السوء للمحكي عنه، أو إظهار الحب للمحكي عليه، أو الاستمتاع بالحديث والخوض في الفضول والباطل، وكل هذا حرام.
...
وأدلة تحريم النميمة كثيرة من الكتاب والسنة، منها: قوله تعالى: (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ. هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ) القلم/ ١٠، ١١، وقوله تعالى: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) الهمزة/ ١، وعن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يدخل الجنة نمَّام) متفق عليه، وعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ألا أنبئكم ما العَضْهُ؟ هي النميمة، القالة بين الناس) رواه مسلم.
والنميمة من الأسباب التي توجب عذاب القبر؛ لما روى ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ مرَّ بقبرين فقال: (إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير) ، ثم قال: (بلى، كان أحدهما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة) متفق عليه.
وإنما حرمت الغيبة والنميمة لما فيهما من السعي بالإفساد بين الناس، وإيجاد الشقاق، والفوضى، وإيقاد نار العداوة، والغل، والحسد، والنفاق، وإزالة كل مودة، وإماتة كل محبة، بالتفريق، والخصام، والتنافر بين الإخوة المتصافين، ولما فيهما أيضا من الكذب، والغدر، والخيانة، والخديعة، وكيْل التهم جزافاً للأبرياء، وإرخاء العنان للسب والشتائم وذكر القبائح، ولأنهما من عناوين الجبن والدناءة والضعف، هذا إضافة إلى أن أصحابهما يتحملون ذنوباً كثيرة، تجر إلى غضب الله وسخطه وأليم عقابه ".
" فتاوى الشيخ ابن باز " (٣ / ٢٣٧ – ٢٣٩) باختصار.
و" العَضَّة " قيل: هو السحر بلسان قريش. وقيل: هو الكذب والبهتان.
وسئل الشيخ عبد الله بن جبرين حفظه الله:
زوجي ينقل كلامي لأهله، ثم يأتي إليَّ بكلامهم، فيترتب على ذلك مشاكل كثيرة، ولقد طلبت منه كثيراً ترك ذلك لكنه لم متثل، فكيف أصنع؟ .
فأجاب:
" هذا الفعل يسمَّى نميمة، وهي نقل الكلام على وجه التحريش والإفساد ... وأما الوعيد: فقد قال تعالى (همَّاز مشَّاء بنميم) القلم/ ١١، هذا في وصف بعض أهل النار، وقال تعالى: (ويل لكل همزة لمزة) الهمزة/ ١، وهو النمَّام، وقال النبي ﷺ : (لا يدخل الجنة نمَّام) ، وفي الأثر: " إن النمام يفسد في الساعة ما لا يفسد الساحر في السنة "، وأخبر النبي ﷺ (أن النمام يعذب في قبره) ، ولا شك أن التحريم يكون أشد إذا كان بين الرجل وزوجته وأقاربه، فعليه الخوف من الله تعالى والمراقبة له، والبعد عن الأسباب التي توقعه في العذاب العاجل والآجل، وعليه أن يجتنب الكذب، والغيبة، والنميمة، والبهتان، والتحريش بين الناس، وأن يعدل إلى الصدق، وصيانة الأعراض، والخوف من الله، ومراقبته، فهو شديد العقاب " انتهى.
" الحلول الشرعية للخلافات والمشكلات الزوجية والأسرية " للشيخ عبد الله بن جبرين (فتوى رقم ٤٢) .
فعلى الزوج أن يتراجع عن طلبه هذا من زوجته، فإن أصرَّ فلا يحل للزوجة الاستجابة لطلبه، ففي الموافقة على نقل الكلام استمرار للمعصية والسماع لها، وفي الامتناع كف عنها وقطع لوجودها.
وإذا خشيت الزوجة من حصول مشكلات بينها وبين زوجها، فلا حرج عليها إن أصرّ زوجها على أن تنقل له كلام أهلها، أن تقول له: إنهم يثنون عليك ويذكرونك بخير، ونحو ذلك من الكلمات التي تنشر المحبة والألفة وتطفئ نار الفتنة والخلافات بين زوجها وأهلها.
ونسأل الله تعالى أن يُصلح لك زوجك ويجمع بينكما في خير.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 11616
كتابة القصائد الغرامية للزوجة
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم كتابة القصائد الغرامية لزوجة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
لا حرج في كتابة القصائد الغرامية من الزوج لزوجته – وكذا العكس - وهي أنواع، فما كان فيها تعبير من الزوج لزوجته عن محبته لها، وتعلقه بها: فهو من المباح، والنوع الآخر: هو الغزل، والتشبيب، وهو ذِكر محاسن الزوجة ومكامن جمالها، وهو أيضاً مباح لكن بشرط أن يكون ذلك التغزل بها هي، لا بغيرها من المعيَّنات، وبشرط أن لا يُِطلع أحداً على قصائده تلك غير زوجته، وإلا كان فعله من خوارم المروءة.
وجاء في " الموسوعة الفقهية " (١٢ / ١٤) :
" يحرم التّشبيب – وهو الغزَل - بامرأة معيّنة محرّمة على المشبِّب، أو بغلام أمرد.
ولا يُعرف خلاف بين الفقهاء في حرمة ذِكْر المثير على الفحش من الصّفات الحسّيّة والمعنويّة لامرأة أجنبيّة محرّمة عليه، ويستوي في ذلك ذكر الصّفات الظّاهرة والباطنة؛ لما في ذلك من الإيذاء لها ولذويها، وهتك السّتر والتّشهير بمسلمة.
أمّا التّشبّب بزوجته أو جاريته: فهو جائز، ما لم يصف أعضاءها الباطنة، أو يذكر ما من حقّه الإخفاء فإنّه يُسقط مروءته، ويكون حراماً أو مكروهاً، على خلاف في ذلك ".
فإن أراد كتابة قصائد غرامية لزوجته ويذكر فيها محاسنها فلا حرج عليه في ذلك، لكن ليجتنب أن تقع في يد غيرها.
ونسأل الله أن يوفقهما، وأن يجمع بينهما على خير.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 11617
حكم استعمال دواء أو جهاز لتكبير القضيب
[السُّؤَالُ]
ـ[أسأل السؤال وأنا في قمة الحرج ولكن لا حياء في الدين. لي أخت في الله ملتزمة ويملأ قلبها الخوف من الله، وهي متزوجة منذ زمن بعيد ولديها أولاد تقول بأنها لا تستمتع بالمعاشرة الزوجية في بعض الأوقات مع زوجها وذلك بسبب صغر حجم قضيب زوجها وتسألني إذا كنت أعرف الإجابة على سؤالها وهو: -هل يجوز لها أن تطلب من زوجها وحسب ما تشاهد من بعض الإعلانات في الصيدليات والإنترنت بأن يقوم باستخدام الأدوية أو الأجهزة الخاصة بتكبير القضيب، أو القيام بتركيب قضيب صناعي على ذكره حتى أستمتع أنا أولا" ثم يقوم هو بالاستمتاع بدونه؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
لا حرج على الزوج المسئول عنه أن يراجع الأطباء، لوصف دواء يعمل على تكبير القضيب، بشرط انتفاء الضرر.
كما لا حرج عليه أيضا في استعمال ما يضعه على ذكره، كالواقي ونحوه، إذا كان هذا أكمل في تحصيل المتعة لزوجته؛ إذ الأصل الإباحة، والزوج مطالب بحسن العشرة، ومنها إعفاف زوجته، وإشباع رغبتها، وإزالة ما يعوق ذلك.
ثانيا:
قولك: لا حياء في الدين، لا ينبغي، والأولى أن تقولي: إن الله لا يستحيي من الحق.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في بعض أجوبته: " أما قوله "لا حياء في الدين" فالأحسن أن يقول: إن الله لا يستحيي من الحق، كما قالت أم سليم ﵂: (يا رسول الله! إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟) أما "لا حياء في الدين" فهذه توهم معنىً فاسداً؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (الحياء من الإيمان) فالحياء في الدين من الإيمان، لكن غرض القائل: "لا حياء في الدين" يقصد أنه لا حياء في مسألة الدين، أي: في أن تسأل عن أمر يستحيا منه، فيقال: إذا كان هذا هو المقصود فخير منه أن يقول: إن الله لا يستحيي من الحق " اللقاء الشهري (٣٧/٢٥) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 11618
خرجت من بيت زوجها وطلب منها عشيقها التزوج منه وهي على ذمة الأول !!
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا فتاة عمري ٢٦ سنة، تطلقت منذ فترة أسبوع، بعد أن تركت منزل الزوجية منذ سنة، وأنا عند أهلي مع طفلي، وعمره سنتان الآن، وفي بداية زواجي الذي كان عن حب سكنت معه في منزل والدته، وبدأتْ والدته بالتدخل في كل شيء، وطلب مني العمل لأساعده على أعباء الحياة وتسديد القرض الذي أخذه لزواجنا، وبالفعل وجدت وظيفة، وعملت، وساعدته، وكان شَرطي الوحيد أن نسكن وحدنا بعيداً عن تدخل والدته المستمر، ووعدني بذلك، وكانت والدته هي من يتحكم بكل شيء في البيت، وزوجي كان لا يستطيع أن يعترض وإلا فإنها ستطلب منه الخروج من المنزل، وهي تعمل كذلك، أما بالنسبة لزوجي فقد جربته وعشت معه سنتين وجدته خلالها شخصاً آخر غير الذي عرفته في البداية، كان مجرد قناع، أصبح يأخذ راتبي كله ويعطيني مصروفاً يوميّاً، وكذلك كلما احتاج للنقود أو ترك عمله يطلب مني أن أبيع من ذهبي، وبالفعل قمت بذلك، وهو قام بذلك في بعض الأحيان، وكان يطلب مني أن أستدين من أهلي، وكنت أفعل، وبالمقابل هو لم يكن يعطيني شيئاً، وكنت محرومة من كل شيء، وكانت جملته لي دوماً (أنتي تعرفين وضعنا، وتحملي) وكان يخفي محفظته في السيارة، ويقول بأنه لا يحق لي أن أعرف ما معه، أو ليس معه، وأصبحت المشاكل بيننا تزداد، وكذلك استمررت بطلبي منه بأن يكون لي بيت مستقل لأني لست معتادة أن أكون في بيت الداخل داخل والخارج خارج منه، حيث له أخت مطلقة، تعمل، وتبيت في مكان عملها في فندق خارج (منطقتنا) وتأتي للزيارة، وخلال زيارتها تخرج للسهر كل ليلة وتعود بعد منتصف الليل، وكان هذا الوضع لا يرضيني ولا يعجبني، وكنت أقول لزوجي المحترم: ماذا سيقول الجيران عن سكان هذا المنزل الذي نحن فيه؟ هذا عيب، وكان يجيب: أنا سأتحدث معهم، أنا لا يعجبني هذا، وبقي يصبِّرني بكلامه، وفي النهاية قال لي: هذه عاداتنا وطباعنا (كونهم من قومية غير عربية) وأنا لا أستطيع أترك أمي وأختي وحدهما وأسكن بعيداً عنهما، وبقيت مترددة في إخبار أهلي لأنهم جميعاً عارضوا زواجي منه في البداية ولكن أصررت لأني رأيت فيه طيبة الخلق والقلب، وكم كنت عمياء، وفي النهاية أخبرت أهلي بناء على آخر كلام سمعته وهو يتحدث لوالدته يشكي لها مني وهي تخبره بأن يضربني، وأن يأخذ الولد مني، وهذا كان آخر ما حصل، وتركته، وذهبت لمنزل أهلي، وحضر بعد أسبوعين ليعرف لماذا تركت المنزل، ولم أخبره بأني سمعت شيئاً، وكان ما طلبته منزلاً شرعيّاً وحدي وليس مع أهله، ووافق، وبعد أن رأينا المنزل وذهب هو لرؤية المنزل غيَّر رأيه، وبقي الموضوع سنتين خلالها اتهمني بأني على علاقة بأحد ما، وبأنه يلعب بعقلي عندما شاهد معرفة لوالدي يوصلني من مكان عملي، وجدته يومها صدفة في مكان عملي، ووجدت زوجي ينتظرني أسفل مكان عملي، وخوفا من أن يؤذيني طلبت منه أن يوصلني، وبعدها أرسل أناساً للتشهير بي، وإما أن أعود لمنزل والدته، أو أطلَّق، وأن أتنازل عن حقوقي، فرفضت طبعا، وعندها أصررت على الطلاق منه، لم أعد أريد منزلاً، ورفع عليَّ قضية الطاعة مرتين، وفي النهاية رفعت أنا قضية الطلاق، ولكن خلال آخر خمسة أشهر كنت قد تحدثت بالصدفة إلى نفس الشخص الذي أوصلني الذي يعرفه والدي، وهو يكبرني بحوالي ١٤ سنة، وكنت قد أخبرته بما حصل معي، ووقف إلى جانبي، وأفهمني أموراً عن الحياة والناس، وأن هناك أموراً لا يجب السكوت عنها، وأن هذا الشخص اقتراني به من الأساس كان خاطئاً وبأني لم أسمع نصيحة ورأي الجميع، وأني أنا المخطئة، وفيما بعد بدأت أشعر بانجذاب نحوه، وأنا بداخلي أعرف أن هذا خطأ، وهذا الشعور يؤنبني دوماً، خاصة وأني أصبحت أحبه، وأعرف أنه يحبني أيضا، وهذا أمر لم يكن مخططا له، والتقينا عدة مرات، وتقابلنا، وجلسنا، وتحدثنا كثيراً، حتى إنه طلب مني أن يتزوجني قبل أن أتطلق، وأنا أود ذلك لكن أخاف مما قد يحصل فيما بعد من معارضة، خاصة في الظروف التي نشأتْ فيها هذه العلاقة، وأنا خوفي من الله أن أكون قد أخطأت كوني أحببتُ شخصاً آخر، وأنا على ذمة رجل آخر، مع العلم أني تركت زوجي منذ سنة و ٣ شهور، وأنا تطلقت منذ أسبوعين تقريباً. أرشدوني فيما فعلتُ، هل أنا على خطأ؟ وهل ما فعلت هو حرام؟ فأنا في خلاف دائم مع نفسي، وفي حيرة شديدة؛ لأني لا أريد أن أغضب الله، وأن لا أكون قد فعلت معصية.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لقد وقعتِ في جملة من المخالفات الشرعية الواضحة البيِّنة، ولذا فقد عجبنا من نهاية رسالتك والتي تقولين فيها " لأني لا أريد أن أغضب الله، وأن لا أكون قد فعلت معصية "!! وعلى كل حال: فإن هذا من شؤم المعصية، ومن آثارها، وهو حجب العقل، وحجب نوره الذي يقود صاحبه للطريق الصحيح المستقيم.
قال ابن القيم – ﵀ – في بيان آثار المعاصي -:
ومنها: أن المعاصي تُفسد العقل، فإن للعقل نوراً، والمعصية تطفئ نور العقل، ولا بد، وإذا طُفئ نوره: ضعف، ونقص، وقال بعض السلف: " ما عصى اللهَ أحدٌ حتى يغيب عقلُه "، وهذا ظاهر، فإنه لو حضر عقله: لحجزه عن المعصية، وهو في قبضة الرب تعالى، أو يجهر به، وه مطلع عليه، وفي داره، على بساطه، وملائكته شهود عليه، ناظرون إليه، وواعظ القرآن نهاه، ولفظ الإيمان ينهاه، وواعظ الموت ينهاه، وواعظ النار ينهاه، والذي يفوته بالمعصية من خير الدنيا والآخرة: أضعاف أضعاف ما يحصل له من السرور واللذة بها، فهل يُقدم على الاستهانة بذلك كله والاستخفاف به ذو عقل سليم؟! .
ومنها: أن الذنوب إذا تكاثرت: طُبع على قلب صاحبها فكان من الغافلين، كما قال بعض السلف في قوله تعالى (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) المطففين/ ١٤، قال: " هو الذنب بعد الذنب "، وقال الحسن: " هو الذنب على الذنب، حتى يعمي القلب "، وقال غيره: " لما كثرت ذنوبهم ومعاصيهم: أحاطت بقلوبهم ".
وأصل هذا: أن القلب يصدأ من المعصية، فإذا زادت: غلب الصدأ حتى يصير راناً، ثم يغلب حتى يصير طَبعاً، وقفلا، وختماً، فيصير القلب في غشاوة وغلاف، فإذا حصل له ذلك بعد الهدى والبصيرة: انتكس، فصار أعلاه أسفله، فحينئذ يتولاه عدوه ويسوقه حيث أراد.
" الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي " (ص ٣٩) .
ونأسف أن نقول لكِ: إن المعاصي التي فعلتيها كل واحدة منها جرَّت أختها، فأثَّرت على العقل والقلب فأطفأت نورهما.
ثانياً:
وهذه المخالفات التي حصلت منكِ هي:
١. العلاقة المحرَّمة التي أنشأتيها مع زوجك الأول قبل زواجك به، وهو واضح من خلال قولك إنه كان زواجاً عن حبٍّ! ومن خلال وقوفك في وجه أهلك الرافضين لتزوجه بكِ، وها أنتِ تعيدين الأمر مع آخر وأنت على ذمة زوج! .
وقد بيَّنا حكم المراسلة بين الجنسين في أجوبة الأسئلة: (٣٤٨٤١) و (٢٦٨٩٠) و (٢٣٣٤٩) .
وانظري – في العلاقات المحرَّمة -: أجوبة الأسئلة (١١١٤) و (٩٤٦٥) و (٢١٩٣٣) و (١٠٥٣٢) .
٢. الظاهر أن وظيفتك فيها اختلاط مع الرجال الأجانب، فإن كان ظنُّنا في مكانه: فهي معصية، وإن كانت غير مختلطة – أو ليست في مجال محرَّم كالبنوك وشركات التأمين -: فليس عليك شيء.
قال ابن القيم – ﵀:
ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال: أصلُ كل بليَّة وشرٍّ، وهو مِن أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة، واختلاط الرجال بالنساء: سببٌ لكثرة الفواحش، والزنا، وهو من أسباب الموت العام والطواعين المتصلة.
" الطرق الحُكمية " (ص ٤٠٧) .
وانظري جواب السؤال رقم (١٢٠٠) .
وللوقوف على حكم عمل المرأة، وشروط جوازه: انظر جواب السؤال رقم (٢٢٣٩٧) .
وفي جواب السؤال رقم (٦٦٦٦) وصايا مهمة فيما يتعلق بعمل المرأة المختلط.
٣. خروجك من بيت الزوجية دون إذن من الزوج، وكان هذا الخروج مبنيّاً على كلام سمعتيه من أمه، ومن شكوى منه بثها لها، وهذا لا يجعلك في حلٍّ من خروجك من بيت الزوجية دون إذن زوجك، وأنتِ لك الحق في بيت خاص مستقل مع زوجك، لكن يظهر أنك تنازلتِ عن هذا في أول زواجكِ ورضيتِ بالسكن معه في بيت والدته، فكان الأولى التفاهم معه على الوفاء بشرطه عندما رضيتِ بمساعدته في أعباء الحياة وفي سداد قرضه، وإلزامه بذلك عن طريق القضاء الشرعي، أو الحكَّام بينكما من أهل الخير والعلم، وأما تصرفك هذا وخروجك دون استئذان منه: فهو غير جائز، وقد منع الله تعالى المطلقات الرجعيات من أن يخرجن من بيوتهن بعد الطلاق، فكيف المتزوجات؟! قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً) الطلاق/ ١.
٤. وأشنع هذه المخالفات الشرعية وأقبحها: هو علاقتك الآثمة بذلك المجرم الآثم؛ الذي أظهر نفسه على أنه المخلِّص لك من مشكلات الدنيا، ولبس لباس الناصح الحكيم، فظهر في صورة الحمَل الوديع، وفي داخله طبعُ الذئاب الكاسرة، والثعالب الماكرة!!
فكيف رضي هذا المجرم بأن يلتقي بكِ ويحادثك، ويجالسك ويتبسط معكِ، بل إنه وبكل وقاحة وخساسة يطلب منك الزواج وأنت على ذمة زوج آخر! والعجيب أنك ذكرتِ عن نفسك أن زوجك الأول قد كان يلبس قناع الطيبة، وأنك كنت عمياء عندما قبلتِ به زوجاً، فهل تظنين نفسك الآن مبصرة؟! لا والله لستِ كذلك، وإنَّ عماكِ مع زوجك الأول أهون من عماكِ الآن، فأنتِ لم تكوني متزوجة حين كنت على علاقة معه، أما الآن فإنك وأنت متزوجة كنتِ على علاقة محرمة بذلك المجرم، والذي لم يكتفِ بالإيقاع بينك وبين زوجك، وتقسية قلبك عليه، وتبغيضك في الرجوع لبيت الزوجية، حتى أضاف إلى ذلك كله طلب الزواج منكِ وأنت على ذمة زوج آخر.
فما فعلتيه حرام، بلا أدنى شك، وهو قبيح شنيع حتى عند غير أهل الإسلام، ولا يرضى زوج أن تكون زوجته على مثل حالك، ولا يمكن لعاقل – فضلا عن مسلم عالم بأحكام الشرع – أن يوافقك على التزوج من هذا المجرم الذي أبان عن سوء خلقه قبل الزواج! وهذا يوفر عليك سلوك تجربة أخرى مريرة معه! وهل تظنين أنه سينسى لك خيانة زوجك معه؟ وهل تظنين أنه سيثق بك أن لا تعيدي الكرة معه؟! لا تترددي في قطع العلاقة معه، فهي علاقة محرمة من جهة، ومن جهة أخرى فهو لا يصلح أن يكون زوجاً مأموناً وقد صدرت منه تلك الأفعال القبيحة المحرَّمة.
ولمعرفة مواصفات الزوج الصالح فلينظر جوابي السؤالين: (٥٢٠٢) و (٦٩٤٢) .
ثالثاً:
نرجو أن يكون ندمك، ومحاسبتك لنفسك دليلَ خيرٍ على رجوع للحق، وعلى حياة نفسكِ اللوامة التي تلومك على القبيح، وتلومك على التقصير في الطاعات.
وإياك واتباع خطوات الشيطان، فإنه يورد المهالك، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا) النور/ ٢١.
ولا تفرطي بفرصة الندم والتوبة، قبل أن يأتي يوم لا ينفع الإنسان درهم ولا دينار، ولا حميم، ولا شفيع، وقبل أن يعض أصبع الندم، قال سبحانه: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا. يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا. لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا) الفرقان/ ٢٧ – ٢٩.
ولتطهير نفسك من الذنوب، وللحافظ على دينك وإيمانك وعفافك، احرصي على:
١. الصلاة في وقتها بخشوع وخضوع.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا مَا تَقُولُ ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ قَالُوا لَا يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا قَالَ فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا) .
رواه البخاري (٥٠٥) ومسلم (٦٦٧) .
٢. الرفقة الصالحة من النساء المستقيمات على طاعة الله.
عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْمِسْكِ وَكِيرِ الْحَدَّادِ لَا يَعْدَمُكَ مِنْ صَاحِبِ الْمِسْكِ إِمَّا تَشْتَرِيهِ أَوْ تَجِدُ رِيحَهُ وَكِيرُ الْحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ أَوْ ثَوْبَكَ أَوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً) .
رواه البخاري (١٩٩٥) ومسلم (٢٦٢٨) .
قال الأمام النووي – ﵀
وفيه: فضيلة مجالسة الصالحين، وأهل الخير، والمروءة، ومكارم الأخلاق، والورع، والعلم، والأدب، والنهي عن مجالسة أهل الشر، وأهل البدع، ومن يغتاب الناس، أو يَكثر فجوره وبطالته، ونحو ذلك من الأنواع المذمومة.
" شرح مسلم (١٦ / ١٧٨) .
٣. عدم الاستماع للغناء والمعازف واللهو المحرم.
قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ. وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) لقمان/ ٦،٧.
قال ابن القيم – ﵀:
فأهل الغناء ومستمعوه لهم نصيب من الذم بحسب اشتغالهم بالغناء عن القرآن وإن لم ينالوا جميعه ... يوضحه: أنك لا تجد أحداً عني بالغناء وسماع آلاته إلا وفيه ضلال عن طريق الهدى علماً وعملاً، وفيه رغبة عن استماع القرآن إلى استماع الغناء بحيث إذا عرض له سماع الغناء وسماع القرآن عدل عن هذا إلى ذاك، وثقل عليه سماع القرآن، وربما حمله الحال على أن يُسكت القارئ، ويستطيل قراءته، ويستزيد المغني، ويستقصر نوبته.
" إغاثة اللهفان " (١ / ٢٤٠، ٢٤١) .
وأخيراً:
قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله –:
يجب على المسلم أن يتوب من الذنوب، ويبادر بذلك امتثالاً لأمر الله سبحانه، ومن أجل إنقاذ نفسه من عذاب الله وغضبه، ولا يجوز له أن يستمر على المعصية، أو يؤخر التوبة بسبب طاعة النفس والشيطان، ولا ينظر إلى لوم الناس، بل يجب عليه أن يخشى الله ولا يخشى الناس، ولو كانوا يفعلون المعاصي، فلا يجوز له أن يقتدي بهم، ويجب عليه أن يلزم أهله بالتوبة؛ لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) التحريم/ ٦، ولا يداريهم فيما يسخط الله .
" المنتقى من فتاوى الفوزان " (٢ / ص ٢٩٣) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 11619
أهلها كفار وهجرها زوجها وهي حامل فلم ينفق عليها !
[السُّؤَالُ]
ـ[لدى سؤال يتعلق بقضية شائعة، ما هي مسئولية المجتمع عندما يعلم بقيام زوج بهجر زوجته الحامل تماما، فهو لا يقوم بإعالة زوجته ماديّاً على الإطلاق، وليس هناك وكيل للزوجة؛ لأنها تنحدر من أسرة كافرة، فهل يجوز للمجتمع الذي ينتمي إليه كلا من الزوج والزوجة عند علمه بتلك الظروف أن يدير رأسه ويقول ليس بوسعنا القيام بشيء لأننا نعيش ببلد كافر؟ فقد سمعت بمجتمعات تقوم بإبعاد المسلمين الذين يداومون على ارتكاب المعاصي والابتعاد عنهم، أليست هي مسئولية الأمة أيضا أن تحمل الرجال (الحافظين والعائلين) مسئولية تصرفاتهم عندما يذنبون أو يظلمون نساءهم وأطفالهم؟ ما هي التدابير التي يمكن اتخاذها، وما الذي يجب القيام به؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نأسف أن يوجد في المسلمين من لا يتخلق بأخلاق الإسلام، ونأسف أن يكون هؤلاء في دول الكفر، فتتعدى إساءتهم إلى أن تصل للإسلام نفسه، ورحم الله من مات من تجار المسلمين، والذين أدخلوا بأخلاقهم الإسلامية العالية أمماً في الإسلام، فكانوا أنموذجاً يُفتخر به في التاريخ.
وما أكثر المسلمين اليوم في دول الكفر، ولو أن كل واحد من هؤلاء كان يحمل الإسلام بتعاليمه الصحيحة، وكان أنموذجاً للمسلم التقي النقي: لرأيت تحولاً عظيماً في الأرض، فلو أدخل كل واحد من أولئك المسلمين شخصاً واحداً في الإسلام كل عام: لرأيت أثر ذلك على الأرض بما لم يُسمع به في تاريخ الأديان، ولكن أنَّى ذلك وهم يجهلون تعاليم الإسلام نظراً، ومَن عَلِمَها منهم فإنه لا يقوم به عملاً، إلا من رحم الله منهم.
والزوج المسلم بدلاً من أن يكون متصفاً بالأخلاق الإسلامية العالية، ويكون سبباً في دخول زوجته وأسرتها في الإسلام: أصبح كثير منهم منفِّراً عن الإسلام بأخلاقه وسلوكه، فمنهم من يتزوج بنية الطلاق، حتى إذا شبع منها وانتهت دراسته ألقى زوجته، ومنهم من يتزوج بقصد الحصول على إقامة أو منحة دراسية، فإذا حصَّل ذلك هجرها، وأما عن معاملاتهم لزوجاتهم فحدِّث عن ذلك ولا حرج، وليته كان زوجاً صالحاً، يقوم بما أوجبه الله عليه من الفرائض، ويتخلق بأخلاق الإسلام: إذاً لكان خيراً له دنيا وأخرى.
ثانياً:
وإن مِن أعظم حقوق الزوجة على زوجها النفقة عليها، وبذلك استحق القوامة.
قال الله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) النساء/ ٣٤.
قال الإمام الطبري – ﵀:
يعني بقوله جل ثناؤه: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) : الرجال، أهل قيام على نسائهم، في تأديبهن، والأخذ على أيديهن فيما يجب عليهن لله ولأنفسهم.
(بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) يعني: بما فضّل الله به الرجال على أزواجهم: من سَوْقهم إليهنّ مهورهن، وإنفاقهم عليهنّ أموالهم، وكفايتهم إياهن مُؤَنهنّ، وذلك تفضيل الله ﵎ إياهم عليهنّ، ولذلك صارُوا قُوّامًا عليهن، نافذي الأمر عليهن فيما جعل الله إليهم من أمورهن.
" تفسير الطبري " (٨ / ٢٩٠) .
وعَنْ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ، وَلَا تَضْرِبْ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ، وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ.
رواه أبو داود (٢١٤٢) وابن ماجه (١٨٥٠) ، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ".
قال ابن رشد القرطبي ﵀:
واتفقوا على أن من حقوق الزوجة على الزوج: النفقة، والكسوة؛ لقوله تعالى: (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) الآية؛ ولما ثبت من قوله ﵊: (ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) ؛ ولقوله لهند: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) فأما النفقة: فاتفقوا على وجوبها.
" بداية المجتهد ونهاية المقتصد " (٢ / ٤٤) .
وفي " الموسوعة الفقهية " (١٦ / ٢٧٤) :
تجب النّفقة والسّكنى للحامل المطلّقة طلاقا رجعيّا أو بائنا حتّى تضع حملها، وذلك باتّفاق الفقهاء؛ لقوله تعالى (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) .
انتهى
والزوجة الحامل تتأكد نفقتها على زوجها حتى لو طلقها! فكيف وهي زوجة لم تُطلَّق؟! .
قال تعالى: (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) الطلاق/ ٦.
بل حتى لو أبرأت زوجها من حقوقها ثم تبين حملها: فإن الإنفاق عليها لا يدخل في الإبراء!
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
في امرأة طلَّقها زوجها ثلاثاً، وأبرأت الزوج من حقوق الزوجة قبل عِلمها بالحمل، فلما بانَ الحمل: طالبت الزوج بفرض الحمل، فهل يجوز لها ذلك أم لا؟ .
فأجاب:
إذا كان الأمر كما ذكر: لم تدخل نفقة الحمل في الإبراء، وكان لها أن تطلب نفقة الحمل.
" مجموع الفتاوى " (٣٢ / ٣٦١) .
وعليه: فإن للزوجة حق النفقة على زوجها، لها ولحملها، وما تنفقه على نفسها أثناء قطع زوجها النفقة عليها: يبقى دينا في ذمته، وعلى من بيده الأمر أن يجبره على دفع المال لزوجته بما أنفقته وبما يأتي، ويجوز لمن تمكَّن من ماله أن يأخذه منه للنفقة ولو من غير إذنه أو من غير اختياره؛ لأن هذا حق زوجته في ماله، وقد أذن النبي ﷺ للزوجة أن تأخذ من مال لزوجها دون علمه للإنفاق على نفسها وعلى أولادها.
عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، فَقَالَ: (خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ) .
رواه البخاري (٥٠٤٩) ومسلم (١٧١٤) .
ثالثاً:
هجر هذا الزوج لزوجته لا يُعرف سببه، والهجر مشروع إذا وُجدت أسبابه من المرأة كفعل معصية أو ترك واجب، أو لنشوزها على زوجها، على أن يكون الهجر بعد وعظها وتذكيرها بحكم فعلها.
قال تعالى: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً) النساء/ من الآية ٣٤.
ومن العلماء من يرى أن الهجر لا يكون بخروجه من البيت، بل يهجر في المضجع، وقد سبق الدليل على ذلك من حديث معاوية القشيري، وقد هجر النبي ﷺ نساءه بخروجه من البيت، وذلك يختلف تبعاً لما يراه الزوج مؤثراً في زوجته.
وقد نقل الخلاف في هذه المسألة: الحافظ ابن حجر ﵀، ثم قال:
والحق أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال، فربما كان الهجران في البيوت أشد من الهجران في غيرها، وبالعكس، بل الغالب أن الهجران في غير البيوت آلم للنفوس، وخصوصا النساء لضعف نفوسهن.
" فتح الباري " (٩ / ٣٠١) .
وفي كل الأحوال: لا يقطع الزوج النفقة عنها وهي في بيته تمكنه من نفسها، أما إن نشزت وخرجت من بيته، فتلك التي لا تستحق النفقة، وأما ما في بطنها من حمل فإن له نفقة على أبيه، ولو كانت الزوجة ناشزا؛ لأن نفقة الحامل لحملها لا لها، وهو قول المالكية، وقول عند الشافعية، وهو إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل، كما في " الموسوعة الفقهية " (١٦ / ٢٧٤) .
وها نحن بينَّا للناس جميعاً أن الشرع قد كفل حق الزوجة، وأمر زوجها بمعاشرتها بالمعروف، وأنها إن قصرت في واجب، أو فعلت معصية: فإن زوجها يعظها قبل أن يهجرها، وأنه لو هجرها فلا يحل له ترك النفقة عليها، إلا أن تنشز وتخرج من بيته، وإن كانت حاملاً وهي في بيت الزوجية فتتأكد نفقتها، وإن كانت في غير بيته لنشوزها فلا تنقطع نفقة ما في بطنها.
وعلى من قدر أن يكلم الزوج وينصحه أن لا يقصِّر في ذلك، ويطالب الزوج إما بإمساكها بمعروف، أو تسريحها بإحسان، ولا يحل له أن يجعلها معلَّقة، لا هي متزوجة ولا هي مطلَّقة.
ويجب في ماله نفقة زوجته، ولو أخذ المال منه بالإجبار والإكراه، فتؤخذ النفقة التي بذلتها الزوجة من وقت قطعها عنها، ويلزم بالاستمرار في الإنفاق عليها.
ولا يحل لأحدٍ يستطيع وضع الأمور في نصابها أن يتخلى عن الزوجة، وبما أن أهلها من الكفار: فإنه يتحتم على المسلمين حولها الاهتمام بها أكثر، حفاظاً على دينها، ونصرة للمظلوم.
إن اهتمام المجتمع بأزمة المأزوم، وحاجة المحتاج، وشكوى المضطر، ليس جزءا كماليا، إن قام به فقد أحسن صنعا، وإن لم يقم لم يستحق اللوم؛ بل إنه جزء من حقيقة إسلام المسلم، وصبغة المجتمع السليم في الإسلام. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) رواه البخاري (٦٠١١) ومسلم (٢٥٨٦) .
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
" قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة: الَّذِي يَظْهَر أَنَّ التَّرَاحُم وَالتَّوَادُد وَالتَّعَاطُف وَإِنْ كَانَتْ مُتَقَارِبَة فِي الْمَعْنَى لَكِنْ بَيْنَهَا فَرْق لَطِيف , فَأَمَّا التَّرَاحُم فَالْمُرَاد بِهِ أَنْ يَرْحَم بَعْضهمْ بَعْضًا بِأُخُوَّةِ الْإِيمَان لَا بِسَبَبِ شَيْء آخَر , وَأَمَّا التَّوَادُد فَالْمُرَاد بِهِ التَّوَاصُل الْجَالِب الْمَحَبَّة كَالتَّزَاوُرِ وَالتَّهَادِي , وَأَمَّا التَّعَاطُف فَالْمُرَاد بِهِ إِعَانَة بَعْضهمْ بَعْضًا كَمَا يَعْطِف الثَّوْب عَلَيْهِ لِيُقَوِّيَهُ اهـ مُلَخَّصًا.
وقَوْله: (كَمَثَلِ الْجَسَد) أَيْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَمِيع أَعْضَائِهِ , وَوَجْه التَّشْبِيه فِيهِ التَّوَافُق فِي التَّعَب وَالرَّاحَة.
وَقَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة: شَبَّهُ النَّبِيُّ ﷺ الْإِيمَان بِالْجَسَدِ وَأَهْله بِالْأَعْضَاءِ , لِأَنَّ الْإِيمَان أَصْل وَفُرُوعه التَّكَالِيف , فَإِذَا أَخَلَّ الْمَرْء بِشَيْءٍ مِنْ التَّكَالِيف شَانَ ذَلِكَ الْإِخْلَالُ الْأَصْلَ , وَكَذَلِكَ الْجَسَد أَصْل كَالشَّجَرَةِ وَأَعْضَاؤُهُ كَالْأَغْصَانِ , فَإِذَا اِشْتَكَى عُضْو مِنْ الْأَعْضَاء اِشْتَكَتْ الْأَعْضَاء كُلّهَا كَالشَّجَرَةِ إِذَا ضُرِبَ غُصْن مِنْ أَغْصَانهَا اِهْتَزَّتْ الْأَغْصَان كُلّهَا بِالتَّحَرُّكِ وَالِاضْطِرَاب. " انتهى من فتح الباري.
إن إعالة الفقير والمسكين وذي الحاجة، هي حصة أساسية في مال المسلم، وهي فريضة واجبة على المجمتع الذي يعيش فيه. قال الله تعالى، في صفات المؤمنين التي مدحهم بها:
(وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ .
وقال ﷺ : (ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع) رواه البخاري في الأدب المفرد (١١٢) وصححه الألباني.
فنسأل الله تعالى أن يهديه لما فيه صلاحه وصلاح بيته، وأن يصبر الأخت على ما ابتلاها ربها بها، ولتبشر بالأجور الوافرة إن هي صبرت واحتسبت مصيبتها، ولتدع ربها تعالى أن يفرج عنها، وأن يختار لها الأصلح لدينها ودنياها.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 11620
المودة والرحمة بين الزوجين
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو حكم عدم سماح زوجي لي بأخذ قسط من الراحة عندما أعانى من مشكلة صحية (على سبيل المثال: شقيقة وسكتات عصبية ومشكلات أخرى) وأحتاج للراحة (كما نصح الطبيب) لكن زوجي يرفض أن يقوم بأي شيء ليريحني (لدينا أطفال) حتى إنه لا يعترف بكوني أعانى من مشكلات صحية لأنه يرى أنني شابة ومقتنع باستحالة كوني أعانى من كل هذه المشكلات الصحية. فماذا على أن أفعل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إن من أعظم مقاصد النكاح في شرع الله المطهر أن تسود المودة والرحمة بين الزوجين، وعلى هذا الأساس ينبغي أن تبنى الحياة الزوجية. قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) الروم /٢١.
قال الحافظ ابن كثير ﵀: " المودة هي: المحبة، والرحمة هي: الرأفة، فإن الرجل يمسك المرأة إما لمحبته لها، أو لرحمة بها بأن يكون لها منه ولد ".
والنصيحة لك أيتها الأخت الكريمة أن لا يغيب عن بالك المودة والرحمة اللتين ذكرهما الله تعالى في الآية الكريمة بين الزوجين، وأن تتأملي في حال أمهات المؤمنين ونساء الصحابة ﵃ أجمعين لاسيما دور السيدة خديجة ﵂ مع النبي ﵌ فاجتهدي في إسعاد أسرتك وسوف تجدين أثر ذلك خيرا إن شاء الله.
ومن أكبر أسباب كسب القلوب البشاشة وإلانة القول كما جاء عن بعض الصالحين: " إنما البر شيء هين؛ وجه طلق وقول لين " فتكلفي هذا البر مع زوجك - حتى يصير سجية لك - تكسبي قلبه وتنعشي في قلبه المودة والرحمة نحوك.
بل قبل ذلك كله، وفوق ذلك كله، قول ربنا الرحمن ﷻ : (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) . فصلت/٣٤-٣٥
قال الشيخ ابن سعدي ﵀: " أي: لا يستوي فعل الحسنات والطاعات لأجل رضا الله تعالى، ولا فعل السيئات والمعاصي التي تسخطه ولا ترضيه، ولا يستوي الإحسان إلى الخلق، ولا الإساءة إليهم، لا في ذاتها، ولا في وصفها، ولا في جزائها ﴿هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ﴾
ثم أمر بإحسان خاص، له موقع كبير، وهو الإحسان إلى من أساء إليك، فقال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: فإذا أساء إليك مسيء من الخلق، خصوصًا من له حق كبير عليك، كالأقارب، والأصحاب، ونحوهم، إساءة بالقول أو بالفعل، فقابله بالإحسان إليه، فإن قطعك فَصلْهُ، وإن ظلمك، فاعف عنه، وإن تكلم فيك، غائبًا أو حاضرًا، فلا تقابله، بل اعف عنه، وعامله بالقول اللين. وإن هجرك، وترك خطابك، فَطيِّبْ له الكلام، وابذل له السلام، فإذا قابلت الإساءة بالإحسان، حصل فائدة عظيمة.
﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ أي: كأنه قريب شفيق.
﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ أي: وما يوفق لهذه الخصلة الحميدة ﴿إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ نفوسهم على ما تكره، وأجبروها على ما يحبه الله، فإن النفوس مجبولة على مقابلة المسيء بإساءته وعدم العفو عنه، فكيف بالإحسان؟ ".
فإذا صبر الإنسان نفسه، وامتثل أمر ربه، وعرف جزيل الثواب، وعلم أن مقابلته للمسيء بجنس عمله، لا يفيده شيئًا، ولا يزيد العداوة إلا شدة، وأن إحسانه إليه، ليس بواضع قدره، بل من تواضع لله رفعه، هان عليه الأمر، وفعل ذلك، متلذذًا مستحليًا له.
﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ لكونها من خصال خواص الخلق، التي ينال بها العبد الرفعة في الدنيا والآخرة، التي هي من أكبر خصال مكارم الأخلاق " انتهى.
تفسير السعدي ص (٥٤٩-٥٥٠) .
وإذا كان هذا كله في حق الخلق، فكيف في حق زوجك، وقد قال النبي ﷺ : (لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ النِّسَاءَ أَنْ يَسْجُدْنَ لِأَزْوَاجِهِنَّ لِمَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ الْحَقِّ) رواه أبو داود (٢١٤٠) واللفظ له، والترمذي (١١٩٢) ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٢٠٣) .
وإذا كنا بدأنا بالحديث إليك، أيتها الأخت الكريمة، فلأنك التي سألت، وظننا أن سماعك لنا أقرب، واستجابتك لنصيحتنا أسرع، ولو كان ثمن ذلك أن تتنازلي عن بعض حقك، وأن تعفي عمن ظلمك، فلا بأس؛ ومن الذي يزعم أن التنازل عن بعض الحقوق، والعفو عن المظالم عيب أو نقصان، بل هو الكمال كل الكمال.
روى مسلم في صحيحه (٢٥٨٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ)
وأما الحديث إلى زوجك، أو العتاب له، فهو حديث الناصح الشفيق، وعتاب ممن يحبون له الخير، ويخشون عليه عاقبة الليالي، ويحذرونه من أن يطيع إبليس ويفرحه، ويعصي الرحمن جل جلال ويغضبه.
أما طاعته لإبليس، فقد روى مسلم في صحيحه (٢٨١٣) عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ؛ فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً؛ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا!! قَالَ: ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ؟! قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ!! قَالَ الْأَعْمَشُ: أُرَاهُ قَالَ: فَيَلْتَزِمُهُ!!)
وأما أنه يغضب الرحمن ويعصيه، فليسمع قول النبي ﷺ : (َاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ؛ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ..) رواه مسلم (١٢١٨)
أفهكذا يكون أمان الله، يا عبد الله؟!!
أوهكذا تفعل بكلمة الله، يا عبد الله؟!!
أهكذا تفعل بوصية النبي ﷺ ، وقد قال لك: (اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا) رواه البخاري (٣٣٣١) ومسلم (١٤٦٨) .
وقال ﷺ : وقوله ﷺ : (خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي) رواه الترمذي (٣٨٩٥) وابن ماجه (١٩٧٧) وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
أوهكذا يكون المعروف، وقد قال الله: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) النساء/١٩.
أو هكذا تكون الرعاية، وقد قال ﷺ : (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ قَالَ وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) رواه البخاري (٨٩٣) ومسلم (١٨٢٩) .
أما سمعت الصحابي الجليل، عَائِذَ بْنَ عَمْرٍو، ﵁، وقد دخل عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، الوالي الظالم، فَقَالَ له الصحابي: (أَيْ بُنَيَّ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ شَرَّ الرِّعَاءِ الْحُطَمَةُ؛ فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ!!) رواه مسلم (١٨٣٠) .
أما تخشى أن تكون ـ أنت ـ منهم.
هل سمعت من قبل يا عبد الله أن للمرض سنا، وأنه يشترط لوجود الصداع زمان أو مكان؟!!
ما سمعنا بأعجب من هذا ولا أغرب!!
أم لعلك تحتاج دليلا؟! فاسمع يا عبد الله:
عن عائشة قالت: (رجع رسول الله ﷺ من البقيع فوجدني وأنا أجد صداعا في رأسي وأنا أقول وا رأساه فقال بل أنا يا عائشة وا رأساه) رواه ابن ماجه (١٤٦٥) ، صححه الألباني في تخريج المشكاة (٥٩٧٠) .
وينبغي أن تتذكر أيها الأخ المسلم أن رسول الله ﷺ توفي وللسيدة عائشة ﵂ ثمانية عشر عاما، مما يعني أن شكواها هذا الصداع كان في حداثة سنها قبل الثامنة عشرة، فصدقها النبي ﷺ وتفاعل معها وجدانيا، وسئلت السيدة عائشة ﵂ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ - تَعْنِى خِدْمَةَ أَهْلِهِ - فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ. رواه البخاري (٦٧٦) .
فهذا الدليل إن كنت تحتاجه، وما نظنك تحتاج دليلا، أن تحتاج أن تعمل؛ الطريق أمامك، لكنك لا تسير!!
الحديث إليك طويل، ذو شجون، يا عبد الله، ومن لم ينفعه القليل، لم ينفعه الكثير!!
فاحذر يا عبد الله أن تبتلى يوما، وتحتاج هذه المرأة الضعيفة أن تحملك، وتقوم بأمرك؛ أفتحب أن تعاملك بمثل ما تعاملها به؟!!
أم تحب أن تكون هي أكرم منك، وتصدقك، وأنت تكذبها، وتحملك، وأن تضيعها، وترفق بك، وأنت تشق عليها، وتحلم عليك، وأنت تجهل عليها؟!!
والله إن أحلاهما مر!!
فاختر لنفسك طريق الإحسان يا عبد الله: (هَلْ جَزَاءُ الْأِحْسَانِ إِلَّا الْأِحْسَانُ) (الرحمن:٦٠)
مَن يَفعَلِ الخَيرَ لا يَعدَم جَوازِيَهُ لا يَذهَبُ العُرفُ بَينَ اللَهِ وَالناسِ
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 11621
زوجها شارب للخمر فهل تأثم بمعاشرته
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف تتصرف المسلمة إذا كان زوجها يشرب الكحول؟ لقد حاولت أن تجعله يتوقف عن ذلك , لكنه يرفض. والأمر الوحيد الذي نجح الزوج في تحقيقه حتى الآن هو أنه قلل عدد المرات التي يشرب فيها. هذه المرأة حريصة على التمسك بالدين، وهي تخشى أن يعاقبها الله لقاء تصرفات زوجها. وفي نفس الوقت , فإنها تحب زوجها، وتريد أن تحافظ على علاقتها به كزوجة. فماذا تفعل والحال ما ذكر؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا: نوجه النصيحة إلى هذا الزوج أن يتوب إلى الله من شُرْبِ الخمر، فإنّ شرب الخمر مُحَرّم بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وإجماع المسلمين، قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والمَيْسِر والأنْصَابُ والأَزْلَامُ رِجْسٌ من عَمَلِ الشيطان فاجْتَنِبُوه لعلكم تفلحون، إنما يريد الشيطان أن يُوقِع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويَصُدَّكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين) المائدة ٩٠-٩٢
وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: " كلُّ مسكِرٍ خمر وكل خمر حرام " رواه مسلم (الأشربة/٣٧٣٥) .
وأجمع المسلمون إجماعاً قطعيا لا خلاف فيه بينهم، حتى عدَّ بعض العلماء تحريم الخمر من الأمور المعلومة من دين الإسلام بالضرورة، فالنصيحة له أن يَدَعَ شُرب الخمر، وأن يَسْتَغْنِي بما أحل الله له من المشروبات الطيِّبة، عما حرم الله عليك، والخمر هي أم الخبائث ومفتاح كلِّ شر، وتوعد الله من شرِبَها ولمْ يَتُبْ منها بالوعيد الشديد، عَنْ جَابِرٍ أن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قال: " إِنَّ عَلَى اللَّهِ عَهْدًا لِمَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ قَالَ عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ أَوْ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ. " رواه مسلم (الأشربة/٣٧٣٢) .
ويسهل تركه بصدق النِّية والعزيمة والاستعانة بالله تعالى.
أما أنتِ أيتها الزوجة فليس عليك ذنبٌ إذا شرب زوجك الخمر فإن الإنسان لا يحاسب على أفعال غيره قال تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) فاطر ١٨، بل أنت مأجورة على نُصْحِكِ لزوجك، ومعاشرتك لهذا ليست بمحرمة ولا ممنوعة، لأن شرب الخمر لا يقتضي أن يكون كافراً، فاستمري في دعوته ونصيحته والدعاء له لعل الله أن يتوب عليه، وإن كان في هجرك إياه في المضجع مصلحة ليَرْتَدِع ويَِتْرُكَ شُرْبَ الخمر فإن ذلك جائز، وإن لم يكن فيه مصلحة فلا تفعليه، نسأل الله الهداية والتوفيق للجميع. وللمزيد يراجع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ٢/٨٩٠.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 11622
زوجته تقوم الليل وتفرط في الفرض! وتغير حالها إلى الأسوأ فكيف يتصرف معها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا شاب متزوج من قرابة العامين والنصف، والحمد لله على ذلك، في أول أيام زواجنا كان كل شيء على ألف خير، والحمد لله، وكان اجتماعنا على كتاب الله ورياض الصالحين، وصيام الاثنين والخميس. ولكن دوام الحال من المحال - كما يقال في المثل الشعبي -، بعد مرور ثلاثة أشهر على زواجنا تغير على هذا حال الزوجة؛ حيث اكتشفت أنها من النساء اللاتي لا يقمن بأداء الصلاة في وقتها، وفي بعض الأحيان تجمع معظم الصلوات مرة واحدة، مع أنها في بعض الأوقات تقوم من الليل للصلاة. وهي أيضاً تعشق السهر بشكل كبير، مما يؤدي إلى النوم طوال النهار، وبعد أن كان البيت لا يوجد به جهاز التلفزيون، اضطررت إلى إدخال قناة إلى المنزل من قرابة ست أشهر بطلب منها. بالإضافة إلى أن اهتمامها بزوجها ليس من الأمور المهمة عندها، كثيرة الرفض للاستجابة إلى زوجها في الفراش، كثيرة التسويف لذلك، مع علمها بعقوبة ذلك الأمر؛ فهي حاملة لشهادة جامعية دارسات إسلامية!! وعندما أغضب عليها لا يؤثر ذلك فيها، وكأنه شيء عادي عندها، كم هي المرات التي تم هجرها في الفراش لكن لا حياة لمن تنادي، وكم عدد المرات التي تم التدخل من الأطراف الأخرى للإصلاح، ولكن للأسف الأمر كما هو من سيء إلى أسوء، بالإضافة إلى أن العناد صفة دائمة لها، شدة التمسك بما تقتنع به حتى لو كان على خطاء، أسلوب الاعتذار غير موجود عندها. ما هو الحل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نحن في الحقيقة أمام حال غريبة من هذه الأخت، وهي تحمل تناقضات، فلا نستطيع الجمع بين كونها تصلي قيام الليل، وفي الوقت نفسه تترك بعض الصلوات المفروضة، أو تجمعها معاً!! فكيف تحرص على نافلة وتضيع فريضة من جنسها؟! وكيف تتقرب إلى الله بعبادة من أعظم نوافل العبادات – وهي قيام الليل – ثم تعصي ربها في أوجب الواجبات عليها، من تضييع الصلاة في وقتها، وعدم الاستجابة لطلب زوجها لفراشه؟!
فأين ما سمعته من آيات وأحاديث وأحكام في دراستها الشرعية؟! إن الحجة مقامة على هذه الأخت أكثر من غيرها، فهي تعرف الخطأ والصواب، وتعرف الطاعة والمعصية، فليس حكمها مثل حكم غيرها من الجاهلات، فلتنتبه لنفسها، ولتحاسب نفسها قبل أن تُحاسب، ولتزن أعمالها قبل أن توزن عليها.
ثانياً:
والواجب عليك أيها الزوج أن تنصحها وتذكرها بالله، وخاصة في مسألة الصلاة، ويجب أن تعرف أن العلماء قد اختلفوا في حكم من ترك صلاة واحدة حتى خرج وقتها عامداً، وأن من السلف والخلف من كفَّره، بل قد نقل بعضهم إجماعاً للسلف على كفره! فكيف ترضى هي لنفسها أن تكون على حال مختلف فيه بين العلماء، ومثله يقال لك في حال إصرارها على التخلف عن بعض الصلوات والتفريط فيها، فمثلها لا يُحرص على إبقائها في عقد الزوجية، بعد بذل الأسباب في هدايتها.
وقد سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀ – عن رجل لا يصلي الفجر جماعة، ولا وحده، وبقية الفروض يصليها على حسب راحته، هل يعتبر كافراً أم لا؟ .
فأجاب:
" هذه مسألة اختلف فيها العلماء - الذي يترك صلاةً واحدة حتى يخرج وقتها بدون عذر-، مِن العلماء من قال: إنه كافر، وإليه ذهب بعض السلف، وبعض الخلف، وهو رأي الشيخ عبد العزيز بن باز في وقتنا الحاضر أنه إذا ترك صلاةً واحدة بلا عذر حتى خرج وقتها: فهو كافر، لكن الذي أرى: أنه لا يكفر إلا إذا ترك الصلاة نهائيّاً، وأن الذي يصلِّي ويترك مع إقراره بوجوبها: لا يكفر، لكن يعد من أفسق عباد الله؛ ... فذنبه أعظم من الزنا، وشرب الخمر، وقتل النفس ... ".
" لقاءات الباب المفتوح " (١٦٨ / السؤال رقم ٦) .
ولتعلم هذه الزوجة أن أداء الصلوات في غير وقتها من الكبائر، ولا تقبل هذه الصلوات المؤادة في غير أوقاتها، وهي وعدمها سواء، لذا فالواجب عليك أيها الزوج التشديد عليها في هذا الأمر: إما الاستقامة على الصلاة، وإما أن تفارقها.
سئل علماء اللجنة الدائمة:
أنا متزوج ابنة خالي، ومعي منها ولد، وهي لا تصلي، ولا تصوم شهر رمضان، وأخاف أن يلحقني بعد ذلك ذنب وإثم، وأنا في الوقت الحاضر محتار من هذا الأمر، أفيدوني جزاكم الله خيراً.
فأجابوا:
" أنت آثم في عشرتك إياها المدة الماضية وهي تاركة للصلاة والصيام دون أن تجتهد في نصحها وتحزم أمرك معها، أما اليوم: فإذا كان الأمر لا يزال على ما كان من تركها للصلاة والصيام: فاجتهد في أمرها بالصلاة وبالصيام وغيرهما من فرائض الإسلام، واستعن بالله، ثم بالحي من والديك ووالديها ومحارمها على نصحها، فإن أطاعت وتابت إلى الله وصلَّت: فالحمد لله، وعليك أن تحسن عشرتها، وإن أصرت على ترك الصلاة والصيام فطلِّقها، وما عند الله خير لك، والله المستعان؛ لأن ترك الصلاة كفر، وردة عن الإسلام؛ لحديث: (بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ) - روه مسلم -؛ وقوله: (الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلَاةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ " - رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه -؛ وقال تعالى: (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ) الممتحنة/ ١٠.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٨ / ٢٨٣، ٢٨٤) .
ثالثاً:
بعد أن ذكرناها بتقوى الله وطاعته، وخاصة في إقامة الصلاة في وقتها: فإننا نذكِّرها بحقوق الزوج، ووجوب طاعته، وقد قال تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) النساء/ ٣٤، وأنه لا يحل لها رفض دعوته إذا دعاها للفراش، وقد حذَّر النبي ﷺ المرأة من الامتناع من زوجها إذا دعاها للفراش فقال: (إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَلَمْ تَأْتِهِ فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ) رواه البخاري (٣٠٦٥) ومسلم (١٧٣٦) ، كما لا يحل لها النشوز والإعراض، وقد أوجب الله تعالى عليها طاعة زوجها بما لا يخالف الشرع، وما تفعله من السهر الطويل في الليل، وتضييع الواجبات في النهار: أمرٌ منكر، ولا يحل لها الاستمرار عليه.
رابعاً:
أما ما تفعله أنت تجاهها: فإن عليك أن تتلطف في دعوتها وسلوك السبل الحكيمة في الإنكار عليها دون قسوة ودون غلظة، وقد قال رَسُول اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ) رواه مسلم (٢٥٩٣) ، وقال ﷺ : (إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ) رواه مسلم (٢٥٩٤) .
زانه: أي: زيَّنه.
شانه: أي: عَيَّبَه.
ويمكنك سلوك طرق شتى لإصلاحها وهدايتها، ومن ذلك:
١. الخطاب المباشر معها برفق ولين ومحبة.
٢. الاستعانة بالحي من أهلها أو أقاربها أو صديقاتها لنصحها وتوجيهها.
٣. الذهاب معها للعمرة، والمحافظة على الصلاة في الحرم.
٤. إسماعها الأشرطة المفيدة، وإعطاؤها الكتب النافعة لتعرف ما عليها من حقوق، ولتذكرها بالآخرة.
٥. التخلص من القنوات الفضائية التي أدخلتها بيتك بالكلية، أو الإبقاء على المفيد النافع منها كقناة " المجد "، وقناة " الحكمة ".
٦. البحث عن أسباب أخرى قد تكون غيَّرت من حالها، كصاحبة فاسدة، أو جارة، أو قريبة من شيطانات الإنس، ومنعها من اللقاء بها.
٧. الاستعانة بالدعاء والتضرع لله تعالى لأن يهديها ويصلح حالها.
وإذا لم ينفع ذلك كله: فطلِّقها طلقة واحدة لعلها ترعوي بها، وتراجع نفسها، فإن لم ينفع ذلك: فلا تراجعها، ودعها حتى تنقضي عدتها وتبين منك، ولعل الله أن يبدلك خيراً منها.
والله الموفق
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 11623
زوجته لا ترغب في كثرة الجماع فيلجأ للاستمناء
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا رجل شديد الشهوة , وأرغب في الجماع يومياً، وإذا أردت مجامعة زوجتي تمتنع غالباً بحجج واهية، كأن تقول بأنها متعبه أو أنها تتكاسل من الاغتسال أو تريد أن نؤجله لليوم التالي , فلا يحصل جماع إلا مرتين في الأسبوع تقريباً , وأنا لا أستطيع أن أصبر مما يجعلني أستمني بيدي خوفاً من الوقوع في الزنا، مع علمي بأنه محرم حيث إنني أستمني ثلاث مرات تقريباً في الأسبوع , وزوجتي بجانبي، وهي تعلم ذلك، علماً بأن زوجتي تهتم كثيراً بأمور الزينة والتجمل والتطيب، إلا أن عيبها التذمر من كثرة الجماع. هل عليّ إثم في الاستمناء بيدي؟ وإذا كنت آثماً، فهل يلحق زوجتي إثم باستمنائي بيدي.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
الواجب على الزوج أن يعاشر امرأته بالمعروف، لقوله تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) النساء/١٩، ومن المعاشرة بالمعروف: الجماع، وهو واجب عليه، بقدر كفايتها، ما لم ينهك بدنه، أو يشغله عن معيشته.
ويجب على الزوجة أن تطيع زوجها إذا دعاها للفراش، فإن أبت فهي عاصية؛ لما روى البخاري (٣٢٣٧) ومسلم (١٤٣٦) عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ) .
قال شيخ الإسلام ﵀: " يجب عليها أن تطيعه إذا طلبها إلى الفراش وذلك فرض واجب عليها.... فمتى امتنعت عن إجابته إلى الفراش كانت عاصية ناشزة ... ، كما قال تعالى: (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا) "
انتهى من "الفتاوى الكبرى" (٣ /١٤٥،١٤٦) .
لكن لا يجوز للزوج أن يحمِّل امرأته ما لا طاقة لها به من الجماع، فإذا كانت معذورة لمرض، أو عدم تحمل لم تأثم من رفضها للجماع.
قال ابن حزم ﵀: " وفرض على الأمة والحرة أن لا يمنعا السيد والزوج الجماع متى دعاهما ما لم تكن المدعوة حائضا، أو مريضة تتأذى بالجماع، أو صائمة فرض، فإن امتنعت لغير عذر فهي ملعونة " انتهى من "المحلى" (١٠/٤٠) .
وقال البهوتي ﵀: " وللزوج الاستمتاع بزوجته كل وقت ... ما لم يشغلها عن الفرائض أو يضرها، فليس له الاستمتاع بها إذن؛ لأن ذلك ليس من المعاشرة بالمعروف، وحيث لم يشغلها عن ذلك، ولم يضرها، فله الاستمتاع " انتهى من "كشاف القناع" (٥/١٨٩) .
وللزوجة التي يضرها زوجها بكثرة الجماع أن تصطلح مع زوجها على عدد معين تتحمله، فإن زاد حتى ضرها ذلك فلها أن ترفع أمرها للقاضي، فيحكم القاضي بعدد معين يلزم الزوج والزوجة به.
ثانيا:
الاستمناء محرم، لأدلة سبق بيانها في جواب السؤال رقم (٣٢٩)
ولا حرج على الرجل لو استمنى بيد زوجته، لأنه يباح له الاستمتاع بها، وكذا لو أنزل بالوطء خارج الفرج، لعموم قوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) المؤمنون/٥، ٦، وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال رقم (٨٢٦) .
والزوجة إن كان يضرها الوطء، فإنه لا يضرها استمتاع زوجها بغيره، ويلزمها أن تمكنه من هذا الاستمتاع.
وينبغي أن يعالج الزوجان هذه المسألة في جو من الألفة والمودة والصراحة، وأن يعرف كل منهما ما له من الحقوق، وما عليه من الواجبات. والمشاكل الزوجية عادة ما تنشأ من الجهل بذلك.
وبعض الأزواج يحرص على قضاء شهوته، ويتعجل في ذلك، غير مبال بزوجته، ولا مراع لحقها في الاستمتاع، فتفقد المتعة بهذا اللقاء، وتنفر منه، ويصير همّا لها، وعبئا عليها.
ولهذا نقول: احرص على إيجاد المودة والمحبة بينك وبين زوجتك، وراع حالها، وتفهم مشاعرها، وتجنب ما يضرها ويؤذيها، وأبلغها الحكم الشرعي فيما يتعلق بهذه المسألة، وأعنها عليه، ولا تنفرها منه، والقصدَ القصدَ تبلغوا.
وفقنا الله وإياك لطاعته ومرضاته.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 11624
زوجته لا تصلي وتعصيه في كثير من الأمور فما حكمها؟ وكيف يتصرف معها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[لي زوجة تعصيني كثيراً في الأمور: في تربية الأولاد، والتعليم، وفي علاقات الأقارب، وفي كثير من جوانب الحياة الزوجية، فماذا أفعل معها؟ طلبت منها الصلاة وقراءة القرآن، فلم تستجب! وأرجو الدعاء لها بالهداية]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
إن البيوت السعيدة هي تلك البيوت التي تُبنى على التفاهم، وتقوم على الحب، ويكتمل بنيانها بالمودة والرحمة بين الزوجين، ولا يتم شيء من هذا دون قيام الزوجين بالواجبات المنوطة بهما، ومن ذلك: وجوب نفقة الزوج على زوجته وأولاده، ووجوب طاعة الزوجة لزوجها، وإذا أرادت الزوجة سلب حق القوامة من الزوج، أو أرادت النشوز والترفع عن طاعته: فإنها تهدم بيتها بيدها، وتشرد أولادها بسوء فعالها.
فعلى الزوجات عموماً أن يعلمن أن طاعة أزواجهن واجب شرعي عليهنَّ، وعلى الزوج أن يُحسن استعمال قوامته على زوجته وأهل بيته، بإرشادهم لما فيه صلاحهم وسعادتهم.
قالَ تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِم) النساء/٣٤.
ولتتأمل الزوجات هذه الأحاديث:
١. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا) .
رواه الترمذي (١١٥٩) وحسَّنه، وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ".
٢. عن أَبَي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ثَلَاثَةٌ لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ آذَانَهُمُ: الْعَبْدُ الْآبِقُ حَتَّى يَرْجِعَ، وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ، وَإِمَامُ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ) . رواه الترمذي (٣٦٠) وحسَّنه.
٣. عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لَا تُؤْذِي امْرَأَةٌ زَوْجَهَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا قَالَتْ زَوْجَتُهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ لَا تُؤْذِيهِ قَاتَلَكِ اللَّهُ فَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَكَ دَخِيلٌ يُوشِكُ أَنْ يُفَارِقَكِ إِلَيْنَا) . رواه الترمذي (١١٧٤) ، وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ".
٤. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ) .
رواه البخاري (٤٨٩٩) ومسلم (١٠٢٦) .
قال الشيخ الألباني ﵀ معلِّقاً على هذا الحديث -:
فإذا وجب على المرأة أن تطيع زوجها في قضاء شهوته منها: فبالأولى أن يجب عليها طاعته فيما هو أهم من ذلك، مما فيه تربية أولادهما، وصلاح أسرتهما، ونحو ذلك من الحقوق والواجبات.
وقال الحافظ في " الفتح ": " وفي الحديث أن حق الزوج آكد على المرأة من التطوع بالخير؛ لأن حقه واجب، والقيام بالواجب مقدم على القيام بالتطوع ".
" آداب الزفاف " (ص ٢١٠) .
ثانياً:
على الزوج أن يبحث عن أسباب نشوز زوجته، وبمعرفة الأسباب يمكنه علاج مرضها، والوصول بها إلى بر الأمان، لتأمن من سخط الله وعذابه، ومن هذه الأسباب: الزوج! نعم، فقد تكون أنت من أسباب نشوزها، إما بسبب معاصٍ عندك، كما قال بعض السلف: " إني لأرى آثار معصيتي في دابتي وزوجتي "، وذلك بسوء خلقها وترفعها عن طاعته، أو يكون الزوج سيء الأخلاق مع زوجته، فتكون تصرفاتها ردة فعل لأخلاقه معها.
ومن هذه الأسباب: أهلها أو أقرباؤها أو جيرانها أو صديقاتها، ممن يساهمون مع إبليس في حملته للإيقاع بين الزوجين والتفريق بينهما.
وإن كان السبب منها نفسها – لضعف إيمانها، وجهلها بأحكام الشرع -: فليذكرها بالله تعالى، وليساهم في تقوية إيمانها، وليعلمها ما تجهله من حقوق الزوج عليها، فإن لم ينفع: فليضربها ضرباً غير مبرِّح، فإن لم ينفع معها: فليهجرها في الفراش.
فإن استنفد جهده ولم تستجب لداعي الخير منه أو من غيره: فالسبيل أن يطلقها طلقة واحدة؛ فقد يكون في هذه الطلقة ما يذكرها وينبهها، فإن استمرت على غيها وعصيانها: فلا خير فيها، ولعل الله أن يبدله خيراً منها.
وأصل هذا التدرج في الإصلاح: هو قوله تعالى: (وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً) النساء/٣٤.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀:
(وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ) أي: ارتفاعهن عن طاعة أزواجهن بأن تعصيه بالقول أو الفعل فإنه يؤدبها بالأسهل فالأسهل.
(فَعِظُوهُنَّ) أي: ببيان حكم الله في طاعة الزوج ومعصيته والترغيب في الطاعة، والترهيب من معصيته، فإن انتهت فذلك المطلوب، وإلا فيهجرها الزوج في المضجع، بأن لا يضاجعها، ولا يجامعها بمقدار ما يحصل به المقصود، وإلا ضربها ضربًا غير مبرح، فإن حصل المقصود بواحد من هذه الأمور وأطعنكم:
(فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا) أي: فقد حصل لكم ما تحبون فاتركوا معاتبتها على الأمور الماضية، والتنقيب عن العيوب التي يضر ذكرها ويحدث بسببه الشر.
" تفسير السعدي " (ص ١٤٢) .
وعلى كل حال: فالزوج أدرى الناس بزوجته، فإن كان يعلم من أسباب نشوزها ما يمكنه أن يعالجه: فليفعل، فإن لم ينفع بها: فليجعل غيره من أهله أو أهلها من يقوم بهذه المهمة، فقد يكون أثر غيره عليها أقوى من أثره.
ثالثاً:
وكلامنا السابق يعم كل زوج يعاني من نشوز زوجته، ويدخل فيه الزوجة المسئول عن حالها، لكن بعد أن تكون من المصليات، أما وهي لا تصلي: فلا ينطبق ما ذكرناه عليها؛ لأن الكلام معها سيكون له وضع مختلف؛ لأن بتركها للصلاة تكون من الكافرات، ولا يحل له قربانها، ولا جماعها، إلا أن تصلي.
قال تعالى: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) التوبة/من الآية ١١.
وقال النبي ﷺ : (إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ) .
رواه مسلم (١١٦) .
وقال: (إِنَّ الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ) .
رواه الترمذي (٢٦٢١) وصححه، والنسائي (٤٦٣) وابن ماجه (١٠٧٩) ، وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ".
لذا فيجب عليك أخي السائل أن تبدأ بهذا الأمر المهم، وأن تحاول بما يتيسر لك من طرق أن تذكرها بحكم الصلاة، وأن تركها كفر أكبر، وأن عقدك عليها سيكون مفسوخاً لو استمرت على هذه المعصية العظيمة، فإن استجابت: فالحمد لله، واسلك معها ما ذكرناه لك آنفاً، وإن لم تستجب: فلا تسع في علاج نشوزها، ولا تسأل عن تقصيرها في تربية أولادك؛ لأنه لا يحل لك البقاء معها على عقد الزوجية، وحذِّرها قبل فسخ نكاحها – وقد يكون الفسخ بتطليقك لها؛ لأن أكثر المحاكم لا يعتبر ترك الصلاة موجباً لفسخ النكاح! – وأعطها فرصة أخيرة؛ فلعل الله أن يهديها ويشرح صدرها للحق.
وانظر جواب السؤال رقم (٤٧٤٢٥) ففيه بيان الطريقة المثلى لدعوة تارك الصلاة.
وانظر جوابي السؤالين: (١٢٨٢٨) و (٩١٩٦٣) .
ونسأل الله أن يهديها ويوفقها لإقامة الصلاة، وأن يهدي قلبها لكل خير، وأن يسدد سمعها وبصرها وجوارحها، وأن يرزقها شكر نعمه تعالى عليها.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 11625
الزواج من أجل الإقامة والجنسية، ومشكلة زوجة مع أحد هؤلاء
[السُّؤَالُ]
ـ[لقد تزوجت منذ عشر سنوات تقريباً، وعندي أربعة أطفال - والحمد والشكر لله -، وزوجي - والحمد لله - إنسان جيد بكل معنى الكلمة، ونحن نعيش في أمريكا، ولكن مشكلتي تكمن أن زوجي عندما خطبني أخفى عني أشياء من ماضيه، وهو أنه عندما أتى أمريكا ليحصل على الأوراق التي تؤهله للحياة هنا اضطر لأن يتزوج من أمريكيَّة، وبقي معها حتى حصل على الأوراق، ثم هجرها، فطلبت الطلاق بالمحكمة، وجاءته الورقة ليوقعها، ثم بعد شهر أو أكثر بقليل القاضي حكم بالطلاق، وبعد – تقريباً - شهرين أو أكثر أتت إليه طليقته، وعاشرها جنسيّاً، وحسب قوله أنه ليست في نيته أن يعود لها، أو أي شيء، فقد أتته طالبة ذلك، وفعل تلك الليلة، وبعد فتره رآها وسألها إن كانت حاملاً منه؟ وأجابت بالنفي، تكراراً، ثم ذهب زيارة لبلده لمدة ثلاثة أشهر، وعاد، وكان وضعه المادي سيئاً، ففكر بالذهاب إليها، ففعل، وعندها ذهب علم أنها حامل، فسألها عن الحمل، أجابت: منه، ولم يهتم للموضوع فقد كان صغيراً، وطائشاً، مع أنه يعلم أنها تكذب كثيراً بهذه المواضيع، فعندها طفلان من قبله، وأخبرته بنفسها بأن هذين الطفلين ليسا من زوجها الأول، وأن زوجها الأول توفي وهو يعتقد أن الأولاد أولاده، بعد ذلك تركها لفترة إلى أن التقى بها في أحد الأماكن، ووجد معها طفلة صغيرة سألها عنها أجابته: بأنها ابنته، المهم: حسب قوله إنه عاد ليعيش معها فقط بسبب سوء الأحوال المادية، فهو كان طالباً هنا، وكذلك السبب الثاني ليتأكد أن البنت ابنته أم لا، ورفضت طليقته أن تضع البنت باسمه، وطلب منها أن تتركه يقوم بفحص الأبوة كذلك، رفضت وبشدة، وبدأت المشاكل، وتفرقا، وفي البداية لم تعطه المجال ليرى البنت فأقام دعوى بالمحكمة، وسمحوا له برؤية البنت، وعليه أن يدفع مبلغاً من المال شهريّاً لها، وعندما فكَّر وبعض رفاقه نصحوه، أعطى الحضانة للأم، وتخلى عن البنت. سؤالي بخصوص زوجي: هل عليه أي واجب تجاه البنت؟ . أما أنا فمشكلتي: أنه عندما خطبني سمعت بعض الأقاويل عن زواجه، وعن وجود بنت، فأقسم بالله أن ذلك كذب، وأنه لم يمس المرأة، وأنا صراحة كنت متدينة كثيراً فصدَّقته؛ لأنني كنت أعتقد أن من يقسم بالله لا يكذب، المهم كل هذه السنين لم أعرف أي شيء، حتى الآن فهو أخبرني بنفسه كل هذه الأمور، كانت صاعقه لي، فأنا طوال هذه السنين أفكر أنني الأولى في حياة زوجي، صراحة لا أعرف لماذا أنا منزعجة أكثر، من كذبه عليَّ أم من غيرتي منها، مع أنها لا تستحق ذلك، وأنا أعلم علم اليقين أنه لا يفكر فيها، ولكن شعوري أنه كان يتردد عليها في الماضي لمدة أربع سنين تقريباً يتعبني كثيراً، مع أنه لا يكف عن سؤالي بأن أسامحه أحياناً، وأحيانا أخرى يقل لي: احمدي ربك أنني منذ عرفتك لم أعرف غيرك، وأنه ماضٍ بعيد، ولكني لا أستطيع أن أسامحه، حتى إن معظم الأحيان عندما يريد أن يعاشرني أصد منه، وأشعر كأنه معها، ربما تقول إن ردة فعلي مبالغ فيها، ولكن هذا ما يحصل معي، معظم وقتي أقضيه بالبكاء، حتى إنني فكرت بالانتحار عدة مرات، وطبيبتي أخبرتني أن عليَّ أن آخذ دواء نفسيّاً لمعالجة حالتي، ولكني لم أفعل، لن أفعل؛ لأنه إن بدأت به عليَّ أن آخذه سنه كاملة، وإلا حالتي ستسوء؛ وكذلك لأن له ردة فعل في بعض الأحيان تكون سلبيه، قبل معرفتي بتلك القصة كنت أشعر أنني أسعد زوجة في العالم، وأشكر الله دائما على ذلك، ولكن منذ عرفت أصبحت حياتنا جحيماً، فأنا لا أكف عن الأسئلة، مع أنه بعض الأحيان يجيب عليَّ ويعتذر، ويطلب المسامحة؛ لأنه لم يكن صادقاً، ويعلل ذلك بأن الهدف لأوافق عليه، وبعض الأحيان يضيق ذرعاً فينزعج مني، ويكرر أنه لم يفعل شيئاً، وأنه كان ماض بعيد قبل أن يتزوجني، وليس عليَّ محاسبته، أصبِّر نفسي بأنني أفضل بكثير من النساء اللاتي تزوج رجالهم عليهم، ولكن الشيطان يأتيني دائما لأتخيل كيف كانا يعيشان، وأفكر بأنني حرمت من حق الاختيار، فلو علمت لربما انقلبت الأمور، وكذلك وجود بنت مع أنه لم يرها منذ ستة عشر سنة، لقد طلبت منه عدة مرات أن نذهب إلى زوجته الأولى، فهي تعيش بمدينه أخرى أن نذهب لنتأكد هل البنت ابنته أم لا، مع أن عمُر البنت الآن عشرون سنة، وأنا ضمنيّاً أعلم إن كانت البنت ابنته ستدمر حياتي، وإن كانت ليست كذلك ربما يكون ذلك تخفيفاً لي، وهو لا يكف عن إخباري بأنه لا يستطيع التقرب منها؛ لأنه أعطى الحضانة للأم. أرجوك أخبرني ماذا أفعل، فأنا أسال الله دائما أن يصلح وضعي، ولكني أتحسن ليوم أو يومين، ويعود الهمُّ والحزن لي. أرجوك ساعدني، فأنا لا أعتقد أني أستطيع ترك زوجي، فأنا أحبه كثيراً، وكذلك تعبت من التفكير، حتى أعتقد أني سأجن إن بقيت كذلك. أرجوك سامحني، أطلت عليك، ولكن صراحة لم أجد غيرك أشكو له بعد الله. أدامكم الله ذخراً لنا، وللأمة الإسلامية، ودمتم بخير وعافية.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
أفعال زوجك في ماضيه ليست أنه تزوج وأخفى ذلك عنكِ، فقد وقع في مخالفات كثيرة، ولعلَّه لم يهمك من كل ما حدث معه سوى أنه كان متزوجاً! وأنكِ لستِ الأولى في حياته! وهذا عجب منكِ، وقد جعلتِ من هذا الأمر سبباً لتفكيرك بالانتحار! وسبباً لاحتمال إصابتكِ بالجنون! عدا عن القلق والحزن والنكد في حياتكِ، والله المستعان، ولنا معكِ وقفة بعد حين إن شاء الله.
ثانياً:
زوجكِ وقع في أخطاء كثيرة يحتاج معها التوبة الصادقة، والندم على ما فات، وتعويض ذلك بحسن الطاعة، والإكثار من الأعمال الصالحة، ومن هذه الأخطاء:
١. أنه سعى للإقامة في بلاد الكفر، من غير ضرورة ملجئة.
٢. زواجه المؤقت بتلك الأمريكية لحين الانتهاء من الحصول على الأوراق!
وهو زواج المتعة الذي نصَّ نبينا ﷺ على تحريمه، ولا يشترط أن ينص في العقد المكتوب على تحديد مدة انتهاء العقد، بل يكفي التلفظ به، والاتفاق عليه بين الطرفين.
٣. العبث بعقد الزواج لاستعماله في غير ما شُرع من أجله، فقد أصبح هذا العقد الذي تستحل به الفروج، وتعظم فيه الشروط لعبة في أيدي من يرغب بالإقامة في بلاد الكفر، ومن يريد القيام بالحج، ... !
٤. وأعظم ما وقع فيه زوجكِ هو: الزنا!
وهو كبيرة من كبائر الذنوب، وهو محرَّم في كل الشرائع، ومنافٍ للفطرة والعقل.
وأما ابنته المزعومة: فعليه أن يتحرى ويتثبت من كونها ابنته، وعليه أن يسلك الطرق المتاحة لتثبيت نسبها له، وإنقاذها من تلك الديار، إن استطاع ذلك.
وقد سبق لنا في موقعنا التعرض لهذه الجزئيات، في أجوبة عديدة، يمكن لزوجك الرجوع إليها، إن كانت لديه رغبة في معرفة حكم ما وقع منه.
وعلى كل حال:
فالتفاصيل فيما فعله زوجك كثيرة، ومسائله تحتاج لمن يسمع ويستفصل منه، وحبذا أن يراجع مركزاً إسلاميّاً موثوقاً، أو يقابل عالماً ليوقفه على أفعاله وأحكامها.
ثالثاً:
واعلمي أنه لا يشترط في الرجل أن يخبر أنه كان متزوجاً، وإن سئل فلا يكذب، وإن كذب فقد أثم.
وانظري أنتِ ماذا فعل زوجكِ، وماذا ترتب على أفعاله، وانظري المخالفات التي وقع فيها، وأنتِ ليس لكِ همٌّ إلا أنه كان متزوجاً! وأخفى ذلك عنك.
يا أم الأربعة الأطفال، أبعد ذلك العمر كله، وبعد ذلك البيت المشيد، الذي عماده أربعة أطفال، تبحثين عن ذلك الماضي، وتشعلين نار الغيرة: أن لم تكوني أنت الزوجة الأولى؟!
فكان ماذا؟! وما الضرر الذي نالك: أن لم تكوني أنت الزوجة الأولى، سواء كان ذلك برضا منك، أو كرها عنك.
لقد كنا نفكر معك، ونبحث معك، ونتشاور معك في أمر تلك الزيجة، وهل تناسبك أولا، لو كان الأمر في إبانه: قبل أن تتزوجي فعلا، فكيف الآن وقد تزوجت، فكيف وأنت أم لأربعة أطفال، تنبشين في خرائب الماضي؟!!
وما عسى أن يخرج لك من تلك الخرائب، إلا الشياطين والوساوس التي توشك أن تدمر حياتك؟!!
عَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:
(إِنَّكَ إِنْ اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ النَّاسِ أَفْسَدْتَهُمْ، أَوْ كِدْتَ أَنْ تُفْسِدَهُمْ!!) .
فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ كَلِمَةٌ سَمِعَهَا مُعَاوِيَةُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ نَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا!!
رواه أبو داود (٤٨٨٨) وصححه الألباني في صحيح الترغيب.
قد فات ـ يا أختاه ـ أوان تلك الغيرة القاتلة:
صحا القلبُ عن سلمى وأقصر باطله وعُرِّيَ أفراسُ الصبا ورواحلُه
فكيف وقد ذكرت أنت، أن زوجك " - والحمد لله - إنسان جيد بكل معنى الكلمة "؟!!
وأنتِ بما تذكرينه من حالكِ بعد أن علمتِ بزواجه من قبل إنما تكتبين نهايتك معه بتلك الأفعال، وإنما تحفرين قبر زواجك منه بتلك الحال، ولن نجامل في الجواب، ولا بدَّ من تنبيهك على عِظَم أخطائك وتصرفاتك معه، فهو في ظنه أنه أراد تحقيق مصلحة لنفسه، وأراد إعفاف نفسه، وهي أمور من الماضي، فلا تكثيري اللوم، وتسيئي معاملته وإلا دفعت ثمن ذلك غالياً! فامتناعك عن الفراش سبب لسخط الرب ﵎، وسبب للعن الملائكة لك، كما صحَّ عن النبي ﷺ ، وسوء عشرتك له قد يجعل الكيل عنده يطفح ولا يرى مجالاً للبقاء معك، حيث لا سعادة ولا هناء، ولا عشرة حسنة، فأي زوج يرضى بأن يطول أمد هذا معه؟ وأي حبٍّ تزعمينه وأنتِ تعاملينه بهذه المعاملة؟ وهل تعلمين أن الانتحار كبيرة من كبائر الذنوب؟ وهل تعلمين أن سوء عشرته من المحرمات عليك؟ .
وأنتِ ذكرتِ أنك تجزمين أنه لا يفكِّر فيها، وأن هذا من زمن بعيد، وأنه ليس في حياته إلا أنتِ، فأي سببٍ يجعلك تنكئين الجروح، وتنبشين عن الماضي الغابر الميت؟! .
نحن ننصحك بشدة: إن لم تغيري من معاملتك لزوجك، وتحسني له: فستفقدينه، وسترين نفسك تائهة ضائعة، تتنقلين بين مراكز العيادات النفسية، فارجعي لدينك، وحكِّمي عقلك، واتركي عنك القلق والحزن والكآبة، فليس لها أسباب، وأنتِ الملومة في كل ما يجري لك، ويترتب على أفعالك، وبما أن زوجك قد طلب منك المسامحة تكراراً فلم يعد مخطئاً في حقك، وعليك قبول اعتذاره.
إن السؤال الذي أجبت عنه أولا، وأنصفت زوجك الذي تشتكينه:
كيف حال هذا الرجل الآن مع ربه؟ ثم كيف حاله معك؟ وهل هو جدير بأن يؤتمن عليك، بالنظر إلى واقعه الآن، وبغض النظر عما كان منه في ماضيه؟!!
إن كانت إجابتك ـ كما ذكرت أولا ـ: أنه جيد بمعنى الكلمة؛ فالواجب عليك أن تساعديه على تجاوز ذلك الماضي الأسود، بدلا من أن تفتحي عليه أبواب العودة إليه، وليكن همك أن يتوب منه إلى ربه توبة نصوحا، وأن يكثر من الخيرات في حاضره ومستقبله، علَّ الله تعالى أن يتجاوز عنه ويغفر له: (إن الحسنات يذهبن السيئات) .
وإن لم تستطيعي العيش مع هذا الزوج، وذلك الماضي فخلِّصي نفسك من هذه الحياة بطلب الخلع، أو افتدي نفسك ليطلقك!
لكن عليك أن تسألي نفسك أن تفعلي شيئا من ذلك: هل أنت بذلك تبحثين عن السعادة حقا، وتسلكين طريقها صدقا؟!!
أو أنك، والعياذ بالله كعنز السوء التي بحثت عن حتفها بظلفها، وصاحبة المثل في كتاب الله التي نقضت غزلها من بعد ما أحكمت غزله ونسجه، فجعلته خيوطا متناثرة، لا نظام لها!!
نحن نجزم أنك لن تكوني مرتاحة ولا سعيدة إن بقيت على حال التفتيش في الماضي وسوآته، أو أخربت بيتك، وهجرت زوجك وأولادك لمجرد كابوس الماضي!!
فحافظي على زوجك وأسرتك، وأظهري له الحب والمودة، وأسمعيه ما يحب سماعه منك، واتركي التفكير في ماضيه وما حصل منك.
ونسأل الله تعالى أن يوفقكما لما يحب ويرضى، وأن يجمع بينكما على البر والتقوى، وأن يهديك ويصلح بالك.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →