Полный текст (16 344 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
هل الكلمات في السكر الروحي معفوٌّ عنها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[قال حمزة يوسف عندما تحدث عن المخاوف التي يخافها الناس من الصوفية: " السبب الرابع: هو الخوف عموماً من الضلال باتباع عقائد خفية دون التأكد من صحتها كما يحدث لكثير من الجهال، لذلك ربما يسمع الجهال من الناس بعض العبارات التي تقال على ألسنة الصوفية ولا يفهمونها بالكلية، وفي طبقات الإمام الذهبي أن أبا اليزيد البسطامي يعتبر فقيهاً وأن الإمام الذهبي يُعتبر تلميذ ابن تيمية ويَعتبر أبا اليزيد البسطامي مصدراً للحديث، ولكنَّ أبا اليزيد هذا هو الذي قال " سبحاني " وهذه الكلمة معروفة بالكلمة الفنية للصوفيين " شطحة " بحيث لو قالها شخص وهو مغيب النفس لا يؤاخذ بها، وهناك دليل في البخاري عن عبدٍ في وسط الصحراء وفيه يقول النبي ﷺ أن الرجل لما وجد راحلته المفقودة صاح بفرحة " اللهم أنت عبدي وأنا ربك "، وأوضح النبي ﷺ أن هذا العبد أخطأ في مقولته بعد أن وجد راحلته، هذا بالنسبة للشخص الذي وجد راحلته فكيف بالشخص الذي يجد ربَّه؟ .
هل يعني الحديث في البخاري أن الكلمات التي يقولها الشخص وهو في حالة " سكر روحي " معفو عنها؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أبو يزيد البسطامي هو: طيفور بن عيسى، توفي سنة ٢٦١ هـ .
ولا يُعلم عنه أنه كان من المشتغلين بالحديث، ولم يذكر ذلك عنه الذهبي في ترجمته، بل ذَكَرَ عنه ما قد يُؤخذ منه سخريته من أهل الحديث ودعواه أنه يتلقى علمه عن الله تعالى مباشرة!! وهو قوله: ما المحدِّثون؟ إن خاطبهم رجل عن رجل فقد خاطبنا القلب عن الرب!!
وقد نُقلت عنه شطحات كثيرة قوله: "ما في الجُبَّة إلا الله"، و "ما النَّار؟ لأستندنَّ إليها غداً وأقول: اجعلني فداءً لأهلها وإلا بلعتُها"، و "ما الجنَّة؟ لعبة صبيان، ومراد أهل الدنيا".
ومن أجل هذه العبارات التي ظاهرها الكفر والإلحاد حكم عليه بعض العلماء بفساد الاعتقاد، وأنه مبتدع واعتذر عنه آخرون.
قال ابن كثير ﵀: وقد حُكي عنه شطحاتٌ ناقصاتٌ، وقد تأوَّلها كثيرٌ من الفقهاء والصوفية، وحملوها على محاملَ بعيدةٍ، وقد قال بعضُهم إنَّه قال ذلك في حال الاصطلام – أي: الفناء – والغيبة، ومن العلماء مَن بدّعه وخطّأه وجعل ذلك من أكبر البدع، وأنَّها تدلُّ على اعتقادٍ فاسدٍ كامِنٍ في القلب ظهر في أوقاته.
" البداية والنهاية " (١١ / ٣٨) .
وبالرجوع إلى سير أعلام النبلاء للذهبي تبين أن الذهبي لم يصف أبا يزيد بأنه فقيه، ولا اعتبره مصدراً للحديث، بل نقل عنه كلمات جيدة، ونقل عنه أيضاً هذه الشطحات، فقال:
وجاء عنه – أي: عن أبي يزيد - أشياء مشكلة لا مساغ لها، الشأن في ثبوتها عنه، أو أنه قالها في حال الدهشة والسكر والغيبة والمحو، فيطوى ولا يحتج بها، إذ ظاهرها إلحاد مثل "سبحاني"، و "ما في الجبة إلا الله"، "ما النار؟ لأستندن إليها غداً وأقول: اجعلني فداء لأهلها وإلا بلعتُها"، و "ما الجنة؟ لعبة صبيان، ومراد أهل الدنيا". . . إلخ
" سير أعلام النبلاء " (١٣ / ٨٨) .
ولعل الذي حمل بعض العلماء على الاعتذار عنه أنه نُقلت عنه كلمات جيدة في الحث على اتباع الشرع والوقوف عند حدوده، مع ما حُكي عنه أنه كان إذا أفاق أنكر هذه الشطحات.
انظر: منهاج السنة (٥/٣٥٧) ، ومدارج السالكين (٢/١١٩) .
ومما ينبغي أن يُعلم أن مثل هذه الكلمات غاية أمر صاحبها أن يكون معذوراً فيها غير مؤاخذ عليها، ولا يصح أن تجعل هذه الكلمات دليلاً على الولاية والعلم والتحقيق.
قال شيخ الإسلام:
والذين يذكرون عن أبى يزيد وغيره كلمات من الاتحاد الخاص ونفي الفرق ويعذرونه في ذلك يقولون إنه غاب عقله حتى قال: "أنا الحق" و "سبحاني"، و "ما في الجبة إلا الله". ويقولون إن الحب إذا قوي على صاحبه وكان قلبه ضعيفا يغيب بمحبوبه عن حبه، وبموجوده عن وجوده، وبمذكوره عن ذكره، حتى يفنى من لم يكن، ويبقى من لم يزل. . . فمثل هذا الحال التي يزول فيها تمييزه بين الرب والعبد وبين المأمور والمحظور ليست علما ولا حقا، بل غايته أنه نَقَصَ عقلُه الذي يفرق به بين هذا وهذا، وغايته أن يعذر لا أن يكون قوله تحقيقا اهـ
مجموع الفتاوى ٨/٣١٣.
ثم محل العذر إذا كان الإنسان وصل إلى حال غياب العقل من غير اختياره، أما إذا فعل ما يذهب عقله، فإنه يلام بلا شك على ذلك الفعل. كما لو شرب الخمر أو جعل يرقص في حِلَق الذكر حتى غاب عن الوعي.
قال شيخ الإسلام:
لكن بعض ذوى الأحوال قد يحصل له فى حال الفناء القاصر سكر وغيبة. . . فقد يقول فى تلك الحال: "سبحانى" أو "ما فى الجبة إلا الله" أو نحو ذلك من الكلمات التى تؤثر عن أبى يزيد البسطامى. . . وكلمات السكران تطوى ولا تروى ولا تؤدى إذا لم يكن سكره بسبب محظور من عبادة أو وجه منهى عنه فأما إذا كان السبب محظورا لم يكن السكران معذورا، لا فرق في ذاك بين السكر الجسمانى والروحانى اهـ
مجموع الفتاوى (٢/٤٦١) .
وأما مدح هذه الكلمات، وكذلك مدح كلام الرجل الذي أخطأ من شدة الفرح وقال: "اللهم أنت عبدي وأنا ربك" فمن الخطأ الفاحش إذ كيف يمدح هذا الكلام بعد ما وصفه النبي ﷺ بالخطأ فقال: (أخطأ من شدة الفرح) ؟!
وهذه الكلمات تدل على نقص عقل صاحبها أو غيابه بالكلية وقت تلفظه بها، فكيف يكون نقص العقل وغيابه مدحاً وكمالاً وولايةً؟!
وهؤلاء أصحاب النبي ﷺ كانوا أكمل البشر بعد الأنبياء خوفا من الله، ورجاء له، وتحقيقا للعبودية والولاية لم تنقل عنهم مثل هذه الكلمات لكمال عقولهم واتباعهم للشرع ﵃ أجمعين.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1227
الطرق الصوفية وحكم الانضمام إليها
[السُّؤَالُ]
ـ[في الطرق الصوفية يوجد طريقة تسمى: سياريا (syari'a) ، طريقة، حقيقة، معرفة، هل صحيح أن الرسول ﷺ علَّم أصحابه هذه الطرق وبنفس ما تعنيه هذه الطرق لدى الصوفية؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا بد أن نعلم أن النسبة إلى الصوفية هي إلى لبس الصوف لا إلى شيء آخر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
واسم الصوفية هو نسبة إلى لباس الصوف هذا هو الصحيح، وقد قيل إنه نسبة إلى صفوة الفقهاء، وقيل إلى صوفة بن أد بن طانجة قبيلة من العرب كانوا يعرفون بالنسك، وقيل إلى أهل الصُّفة، وقيل إلى الصفا، وقيل إلى الصفوة، وقيل إلى الصف المقدم بين يدي الله؛ وهذه الأقوال: ضعيفة فإنه لو كان كذلك لقيل صفي أو صفائي أو صفوي أو صفي ولم يقل صوفي.
" مجموع الفتاوى " (١١ / ١٩٥) .
ولم يظهر التصوف إلا بعد القرون الثلاثة التي أثنى علها الرسول ﷺ بقوله:" خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ...." - رواه البخاري (٢٦٥٢) ، ومسلم (٢٥٣٣) من حديث ابن مسعود -.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
وأما لفظ الصوفية فإنه لم يكن مشهوراً في القرون الثلاثة وإنما اشتهر التكلم به بعد ذلك.
" مجموع الفتاوى " (١١ / ٥) .
وهذه الطريقة ومثيلاتها من الطرق المبتدعة المخالفة للكتاب والسنَّة ولما كان عليه خير القرون، فقد اخترع كل شيخٍ لهذه الطرق ورداً وحزباً وطريقة في العبادة يُميِّز بها نفسه عن غيره، مخالفاً للشرع، ومفرقاً للصف.
وقد امتن الله على الأمَّة بأن أكمل لها دينها وأتمَّ عليه نعمته، فكل من جاء بعبادة وطريقة لم يأتِ بها الشرع فهو مكذب بما قاله الله تعالى متهم للنبي ﷺ بالخيانة.
وقد يكون مع ابتداعهم هذا كذبٌ أيضاً بأن زعم زاعمهم أنهم تلقوا طريقتهم هذه من النبي ﷺ أو أنهم على طريق وهدي الخلفاء الراشدين.
وقد سئل علماء اللجنة الدائمة:
هل يوجد في الإسلام طرق متعددة مثل: الطريقة الشاذلية، والطريقة الخلوتية، وغيرهما من الطرق، وإذا وجدت هذه الطرق فما هو الدليل على ذلك؟ وما معنى قول الحق ﵎ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ الأنعام / ١٥٣، وما معنى قوله أيضاً: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ النحل / ٩، ما هي السبل المتفرقة، وما هو سبيل الله، ثم ما معنى قول الرسول ﷺ في حديثه الذي رواه عنه ابن مسعود أنه خط خطّاً ثم قال: " هذا سبيل الرشد " ثم خطَّ عن يمينه وعن شماله خطوطاً ثم قال: " هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه "؟ فأجابوا:
لا يوجد في الإسلام شيء من الطرق المذكورة، ولا من أشباههما، والموجود في الإسلام هو ما دلت عليه الآيتان والحديث الذي ذكرتَ وما دلَّ عليه قوله ﷺ : " افترقت اليهود على إحدى وسبعين فِرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فِرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فِرقة، كلها في النار إلا واحدة "، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: " من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي "، وقوله ﵊: " لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرُّهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك "، والحق هو اتباع القرآن الكريم والسنَّة النبويَّة الصحيحة الصريحة، وهذا هو سبيل الله، وهو الصراط المستقيم، وهو قصد السبيل، وهو الخط المستقيم المذكور في حديث ابن مسعود، وهو الذي درج عليه أصحاب الرسول ﷺ ورضي الله عنهم وعن أتباعهم من سلف الأمَّة ومن سار على نهجهم، وما سوى ذلك من الطرق والفِرق هي السبل المذكورة في قوله : ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الأنعام / ١٥٣.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٢ / ٢٨٣، ٢٨٤) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1228
أخذ العلم عن الأشاعرة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز أن أدرس الفقه أو علوم الحديث على شخص أشعري؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأشاعرة فهي فرقة تنتسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري ﵀، وقد مر الأشعري بثلاث مراحل - كما ذكر ابن تيمية في مجموع الفتاوى ج٤/٧٢ – وهي باختصار: مرحلة الاعتزال، ثم متابعة ابن كلاب، ثم موافقة أهل السنة، وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل، وقد صرح الأشعري بهذا الموقف الأخير في كتبه الثلاثة: رسالة إلى أهل الثغر، ومقالات الإسلاميين، والإبانة، فمن تابع الأشعري على هذه المرحلة، فهو موافق لأهل السنة والجماعة في أكثر المقالات، ومن لزم طريقته في المرحلة الثانية، فقد خالف الأشعري نفسه، وخالف أهل السنة في العديد من مقالاتهم.
قال الشيخ ابن عثيمين في الفتاوى ج٣/٣٣٨:
" والمتأخرون الذين ينتسبون إلى أبي الحسن الأشعري، أخذوا بالمرحلة الثانية من مراحل عقيدته، والتزموا طريق التأويل في عامة الصفات، ولم يثبتوا إلا الصفات السبع المذكورة في هذا البيت:
حي عليم قدير والكلام له إرادة وكذا السمع والبصر
على خلاف بينهم وبين أهل السنة في كيفية إثباتها. " انتهى.
وقد أفتت اللجنة الدائمة فتوى رقم ٦٦٠٦ ج٣/٢٢٠:
" إن الأشاعرة ليسوا كفارا، وإنما أخطأوا في تأويلهم بعض الصفات " انتهى.
وعلى هذا فالأولى ألا يدرس المسلم علوم الشريعة إلا على العلماء المعروفين بعلمهم، وسلامة اعتقادهم، والبعد عن المبتدعة والمخالفين لأهل السنة ومنهم الأشاعرة، والأمر في هذا سهل ولله الحمد، فقد أصبحت سبل التعلم متاحة في كل الأوقات لجميع الناس، فها هو علم علماء أهل السنة موجودة بعدة وسائل كالشريط الإسلامي، وهذه الكتب والكتيبات النافعة، وهذه المنتديات الإسلامية على الإنترنت، وهذه المواقع الإسلامية المفيدة، فطرق الخير وأبواب العلم سهلة ميسرة ولله الحمد والمنة
فاللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمنا وزدنا علماً
وللمزيد راجع سؤال رقم (١٠٦٩٣)
والله اعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1229
ما هي الطريقة الظاهرية
[السُّؤَالُ]
ـ[نسمع بالطريقة الظاهرية، لم تدعو؟ وهل هي موافقة للسنة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الطريقة الظاهرية معروفة، وهي التي يسير عليها داود بن علي الظاهري، وأبو محمد ابن حزم، ومن يقول بقولهما.
ومعناها: الأخذ بظاهر النصوص وعدم النظر في التعليل والقياس، فلا قياس عندهم ولا تعليل، بل يقولون بظاهر الأوامر والنواهي، ولا ينظرون إلى العلل والمعاني، فسموا ظاهرية لهذا المعنى؛ لأنهم أخذوا بالظاهر ولم ينظروا في العلل والحكم والأقيسة الشرعية التي دل عليها الكتاب والسنة، ولكن قولهم في الجملة أحسن من قول أهل الرأي المجرد الذين يحكمون الآراء والأقيسة، ويعرضون عن العناية بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، لكن عليهم نقص ومؤاخذات في جمودهم على الظاهر، وعدم رعايتهم للعلل والحكم والأسرار التي نبه عليها الشارع وقصدها، ولهذا غلطوا في مسائل كثيرة دل عليها الكتاب والسنة.
والله ولي التوفيق.
[الْمَصْدَرُ]
مجموع فتاوى ومقالات للشيخ ابن باز ٦ / ٢١٨
стр. 1230
وضع اليدين في الصلاة بين أهل السنة وغيرهم
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا متحير في الطريقة التي يصلي بها السنة والشيعة، والدي شيعي وعلمني أن أصلي ويداي في جانبي ولكنني لست أدري ما الفرق.
لماذا يوجد هذا الاختلاف بينهما؟
سأكون ممتناً إذا قلت لي أي طريقة كان يستعملها الرسول ﷺ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
١. الفرق بين الشيعة – الرافضة - وأهل السنة كبير جداً؛ وذلك لاختلاف المراجع والأصول التي يرجع إليها كل منهما، فالشيعة يعتمدون على كتب وعلماء ليسوا عند أهل السنة بشيء.
فمثلاً أهل السنة يعتمدون كتاب صحيح البخاري بعد القرآن، والشيعة لا يعتمدونه مرجعاً ولا يعتبرون صاحبه شيئاً، حتى إنهم ليختلفون معنا في الصحابة، فالشيعة يكفرون الصحابة إلا قليلاً منهم، بل إن بعضهم يزعم أن القرآن الذي في أيدي أهل السنة ناقص ومحرف، ومَن لم يقل بنقص القرآن وتحريفه قال بتحريف معناه، وأبطل ما ورد عن أئمتنا في تفسيره.
قال الشعبي: أحذركم الأهواء المضلة وشرها الرافضة، وقد حرقهم علي بن أبي طالب بالنار ونفاهم في البلدان وآية ذلك أن محنة الرافضة محنة اليهود:
قالت اليهود: لا تصلح الإمامة إلا لرجل من آل داود، وقالت الرافضة: لا تصلح الإمامة إلا لرجل من ولد علي بن أبي طالب.
وقالت اليهود: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المسيح الدجال وينزل سبب من السماء، وقالت الرافضة: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المهدي وينادي مناد من السماء.
واليهود: يؤخرون صلاة المغرب حتى تشتبك النجوم، وكذلك الرافضة والحديث عن رسول الله ﷺ " لا تزال أمتي على الفطرة ما لم يؤخروا صلاة المغرب حتى تشتبك النجوم ". أبو داود ٤١٨، وابن ماجة ٦٨٩، وصححه الألباني في صحيح أبي داود ٤٤٤.
واليهود: تزول عن القبلة شيئاً، وكذلك الرافضة.
واليهود: تنود في الصلاة، وكذلك الرافضة ...
واليهود: يستحلون دم كل مسلم، وكذلك الرافضة.
واليهود: لا يرون على النساء عدة، وكذلك الرافضة.
واليهود: لا يرون الطلاق الثلاث شيئاً، وكذلك الرافضة.
واليهود: حرفوا التوراة، وكذلك الرافضة حرفوا القرآن.
واليهود: يبغضون جبريل ويقولون هو عدونا من الملائكة، وكذلك صنف من الرافضة يقولون غلط بالوحي إلى محمد ﷺ .
" السنة " للخلال (٣ / ٤٩٧ – ٤٩٨) .
وهذا بعض من ضلالات الشيعة وخزعبلاتهم، لذا فلا تعجب من سدلهم أيديهم في الصلاة الذي هو مخالفة صريحة لصحيح السنة وصريحها.
وأما الأدلة على وجوب القبض ـ أي وضع اليد اليمنى على اليسرى ـ فهي كثيرة، ومنها:
عن سهل بن سعد قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة.
قال أبو حازم: لا أعلمه إلا يُنمي ذلك إلى النبي الله ﷺ – أي: يرفعه إلى النبي ﷺ . رواه البخاري (٧٠٧) .
و (كان ﷺ يضع يده اليمنى على اليسرى) . رواه مسلم ٤٠١
مر رسول الله ﷺ برجل وهو يصلي وقد وضع يده اليسرى على اليمنى فانتزعها ووضع اليمنى على اليسرى. رواه أحمد برقم ١٢٦٧١
عن وائل بن حجر: أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر وصف همام حيال أذنيه ثم التحف بثوبه ثم وضع يده اليمنى على اليسرى فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب ثم رفعهما ثم كبر فركع فلما قال سمع الله لمن حمده رفع يديه فلما سجد سجد بين كفيه. رواه مسلم (٤٠١) .
عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " إنا معشر الأنبياء أمرنا بتعجيل فطرنا وتأخير سحورنا وأن نضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة ". رواه ابن حبان (٣ / ١٣) . والحديث: صححه الشيخ الألباني في " صفة الصلاة " (ص ٨٧) .
وقال ابن حجر:
قال ابن عبد البر: لم يأت عن النبي ﷺ فيه خلاف وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين وهو الذي ذكره مالك في الموطأ ولم يحك ابن المنذر وغيرُه عن مالك غيرَه، وروى ابن القاسم عن مالك الإرسال وصار إليه أكثر أصحابه، وعنه التفرقة بين الفريضة والنافلة، ومنهم من كره الإمساك ونقل ابن الحاجب أن ذلك حيث يمسك معتمدا لقصد الراحة. " فتح الباري " (٢ / ٢٢٤) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1231
الطائفة البريلوية
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي الطائفة البريلوية وما هي معتقداتهم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لقد ولدت البريلوية في الهند إبان الاحتلال البريطاني، وهي فرقة صوفية، ويعتقد أتباع هذه الفرقة ويروا أنفسهم في تجاوز الحب للأولياء والأنبياء عامة ورسولنا ﷺ خاصة.
مؤسس هذه الفرقة اسمه أحمد رضا خان بن تقي علي خان والمولود في عام ١٢٧٢ هـ (١٨٥١م) ، وسمى نفسه: "عبد المصطفى".
وُلد في مدينة برايلي في إقليم أوتار براديش، وكان تلميذا للميرزا غلام قادر بيج الذي كان بدوره شقيق الميرزا غلام أحمد القادياني: مؤسس القاديانية.
لقد كان ضئيل الحجم ولكنه كان أيضا معروفا بالذكاء والدهاء والقسوة، كما أنه كان بذيء اللسان وحاد الطبع سريع الغضب، كما كان يعاني من الأمراض المزمنة ويكثر الشكوى من الصداع المستمر وآلام الظهر.
وفي عام ١٢٩٥ هـ (١٨٧٤م) زار مكة ودرس على بعض علمائها.
من كتبه المشهورة: "أنباء المصطفى" , "خالص الاعتقاد".
من اعتقاد هذه الفرقة أن النبي ﷺ والأولياء لديهم القدرة على التصرف في الخلق وما قد يحدث أو يكون.
وقد غلو خاصة في الرسول ﷺ إلى درجة أنهم كادوا أن يعبدوه، فقد قالوا إن النبي ﷺ يعلم الغيب، وأنه لم يكن بشرا من بني آدم ولكنه كان نورا، إذ هو نور الله، وهم يجيزون الاستغاثة بالنبي ﷺ وبالأولياء إلى آخر معتقداتهم الباطلة.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1232
من هو ابن عربي ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يمكن أن توضح من هو ابن عربي. لقد ارتبكت كثيراً من المصادر المتعددة فالشيخ محي الدين ابن عربي ﵀ ورضي عنه) لم يكن مهرطقاً (زنديقاً) فقد كان رجل يسبق زمانه وهؤلاء الذين لم يفهموا ما أوتي من الحكمة وسموه بالزندقة لكنه منها بعيد فإن لم تكن أستاذ في التصوف لكنت طلبت منك أن تكف عن تسمية خادم لله ; زنديق لقد وصل إلى درجة عالية من الفهم وتعاليمه كانت تنضح بالإسلام لكن ليس أحد يستطيع أن ينال نور حكمته حتى في أيامنا هذه هناك من يصفه بالخطأ وذلك لنقص فهمهم. للأسف فإن الناس حين لا يفهمون يحاولون أن يدمروا غيرهم. إن كان عندك وقت وقرأت كتبه فسوف تنال معرفة عظيمة ليس حسناً أن تحكم على شخص يسبق فهمه أعوامك ويضيء الطريق أمامك. لا تتبع الوهابيين أو السلفيين أو السعوديين فإنهم يكرسون الشك في كل من يفهم الحقيقة لكي يرجوا لضلالهم الشرير أن ابن عربي لم يضلل أحداً ولكنه سبق زمانه ولم يكن لابن تيميه نفس الفهم والعبقرية لكن ابن عربي كان عملاقاً ولم يكن نقص في جهل ابن تيميه الذي كان نملة يشكل رأي شخص يسبقه بأعوام ولا تظن أن ابن تيميه اقتبس هذا الكلام منه لكن ابن عربي كان عالماً بحق لقد كان ابن تيميه نفسه منحرفاً وضالاً كبيراً وكانت فتواه مصدر لجهل عظيم؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
من هو ابن عربي؟
هو الصوفي الجلد، بل هو من غلاة الصوفية: محمد بن علي بن محمد الطائي الأندلسي ويعرفنا العلماء بحاله إجابة عن سؤال طرح عليهم، وهذا نصه:
ما يقول السادة أئمة الدين وهداة المسلمين في كتاب أُظهر للناس، زعم مصنفه أنه وضعه وأخرجه للناس، بإذن النبي ﷺ ، في منامٍ زعم أنه رآه، وأكثر كتابه ضدّ لما أنزل الله من كتبه المنزّلة، وعكس وضدّ لما قاله أنبياؤه.
فمما قال فيه: إن آدم إنّما سمّي إنساناً، لأنه من الحق بمنزلة إنسان العين من العين، الذي يكون به النظر.
وقال في موضع آخر: إن الحقّ المنزّه، هو الخلق المشبّه.
وقال في قوم نوح: إنهم لو تركوا عبادتهم لودٍّ وسواعٍ ويغوث ويعوق، لجهلوا من الحق أكثر مما تركوا.
ثم قال: إن للحقّ في كلّ معبود وجهاً يعرفه من يعرفه، ويجهله من يجهله، فالعالم يعلم من عبد، وفي أي صورة ظهر حين عُبد، وإن التفريق والكثرة، كالأعضاء في الصورة المحسوسة.
ثم قال في قوم هود: إنهم حصلوا في عين القرب، فزال البعد، فزال به حر جهنم في حقهم، ففازوا بنعيم القرب من جهة الاستحقاق، فما أعطاهم هذا الذوقي اللذيذ من جهة المنّة وإنما استحقته حقائقهم من أعمالهم التي كانوا عليها، وكانوا على صراط مستقيم.
ثم أنكر فيه حكم الوعيد في حقّ من حقّت عليه كلمة العذاب من سائر العبيد.
فهل يكفر من يصدّقه في ذلك، أو يرضى به منه، أم لا؟ وهل يأثم سامعه إذا كان بالغاً عاقلاً، ولم ينكره بلسانه أو بقلبه، أم لا؟
أفتونا بالوضوح والبيان، كما أخذ الله على العلماء الميثاق بذلك، فقد أضر الإهمال بالجهال.
" عقيدة ابن عربي وحياته " لتقي الدين الفاسي (ص ١٥، ١٦) .
ونذكر أجوبة بعض العلماء:
قال القاضي بدر الدين بن جماعة:
هذه الفصول المذكورة، وما أشبهها من هذا الباب: بدعة وضلالة، ومنكر وجهالة، لا يصغي إليها ولا يعرّج عليها ذو دِين.
ثم قال:
وحاشا رسول الله ﷺ ، يأذن في المنام بما يخالف ويعاند الإسلام، بل ذلك من وسواس الشيطان ومحنته وتلاعبه برأيه وفتنته.
وقوله في آدم: أنه إنسان العين، تشبيه لله تعالى بخلقه، وكذلك قوله: الحق المنزه، هو الخلق المشبّه إن أراد بالحق رب العالمين، فقد صرّح بالتشبيه وتغالى فيه.
وأما إنكاره ما ورد في الكتاب والسنة من الوعيد: فهو كافر به عند علماء أهل التوحيد.
وكذلك قوله في قوم نوح وهود: قول لغوٍ باطل مردود وإعدام ذلك، وما شابه هذه الأبواب من نسخ هذا الكتاب، من أوضح طرق الصواب، فإنها ألفاظ مزوّقة، وعبارات عن معان غير محققة، وإحداث في الدين ما ليس منه، فحُكمه: رده، والإعراض عنه.
" المرجع السابق " (ص ٢٩، ٣٠) .
وقال خطيب القلعة الشيخ شمس الدين محمد بن يوسف الجزري الشافعي:
الحمد لله، قوله: فإن آدم ﵇، إنما سمّي إنساناً: تشبيه وكذب باطل، وحكمه بصحة عبادة قوم نوح للأصنام كفر، لا يقر قائله عليه، وقوله: إن الحق المنزّه: هو الخلق المشبّه، كلام باطل متناقض وهو كفر، وقوله في قوم هود: إنهم حصلوا في عين القرب، افتراء على الله وردّ لقوله فيهم، وقوله: زال البعد، وصيرورية جهنم في حقهم نعيماً: كذب وتكذيب للشرائع، بل الحقّ ما أخبر الله به من بقائهم في العذاب.
وأمّا من يصدقه فيما قاله، لعلمه بما قال: فحكمه كحكمه من التضليل والتكفير إن كان عالماً، فإن كان ممن لا علم له: فإن قال ذلك جهلاً: عُرِّف بحقيقة ذلك، ويجب تعليمه وردعه مهما أمكن.
وإنكاره الوعيد في حق سائر العبيد: كذب وردّ لإجماع المسلمين، وإنجاز من الله للعقوبة، فقد دلّت الشريعة دلالة ناطقة، أن لا بدّ من عذاب طائفة من عصاة المؤمنين، ومنكر ذلك يكفر، عصمنا الله من سوء الاعتقاد، وإنكار المعاد. " المرجع السابق " (ص ٣١، ٣٢) .
قال ابن تيمية:
وقد علم المسلمون واليهود والنصارى بالاضطرار من دين المسلمين، أن من قال عن أحد من البشر: إنه جزء من الله، فإنه كافر في جميع الملل، إذ النصارى لم تقل هذا، وإن كان قولهم من أعظم الكفر، لم يقل أحد: إن عين المخلوقات هي أجزاء الخالق، ولا إن الخالق هو المخلوق، ولا إن الحق المنزه هو الخلق المشبّه.
وكذلك قوله: إن المشركين لو تركوا عبادة الأصنام، لجهلوا من الحق بقدر ما تركوا منها، هو من الكفر المعلوم بالاضطرار بين جميع الملل، فإن أهل الملل متفقون على أن الرسل جميعهم نهوا عن عبادة الأصنام، وكفّروا من يفعل ذلك، وأن المؤمن لا يكون مؤمناً، حتى يتبرأ من عبادة الأصنام، وكل معبود سوى الله، كما قال الله تعالى: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنّا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتّى تؤمنوا بالله وحده﴾ [الممتحنة / ٤] ، - واستدل على ذلك بآيات أخر -، ثم قال:
فمن قال إن عبّاد الأصنام، لو تركوهم لجهلوا من الحق بقدر ما تركوا منها: أكفر من اليهود والنصارى، ومن لم يكفّرهم: فهو أكفر من اليهود والنصارى، فإن اليهود والنصارى يكفّرون عبّاد الأصنام، فكيف من يجعل تارك عبادة الأصنام جاهلاً من الحق بقدر ما ترك منها؟! مع قوله: فإن العالم يعلم من عبد، وفي أي صورة ظهر حين عبد، فإن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة، وكالقوة المعنوية في الصورة الروحانية، فما عبد غير الله في كل معبود، بل هو أعظم كفراً من عبّاد الأصنام، فإن أولئك اتخذوهم شفعاء ووسائط، كما قالوا: ﴿ما نعبدهم إلا ليقرّبونا إلى الله زلفى﴾ [الزمر / ٤٠] ، وقال تعالى: ﴿أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئاً ولا يعقلون﴾ [الزمر /٤٣] وكانوا مقرين بأن الله خالق السماوات والأرض، وخالق الأصنام، كما قال تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولنّ الله﴾ [الزمر / ٣٨] .
" المرجع السابق " (ص ٢١ - ٢٣) .
وقال شيخ الإسلام أيضاً:
وقال الفقيه أبو محمد بن عبد السلام، لمّا قدم القاهرة، وسألوه عن ابن عربي، قال:
هو شيخ سوء مقبوح، يقول بقدم العالم، ولا يحرم فرجاً أ. هـ
فقوله بقدم العالم؛ لأن هذا قوله، وهو كفر معروف فكفّره الفقيه أبو محمد بذلك، ولم يكن ـ بعد ـ ظهر من قوله: أن العالم هو الله، وأن العالم صورة الله وهوية الله، فإن هذا أعظم من كفر القائلين بقدم العالم الذي يثبتون واجباً لوجوده ويقولون أنه صدر عنه الوجود الممكن. وقال عنه من عاينه من الشيوخ: أنه كان كذاباً مفترياً، وفي كتبه مثل "الفتوحات المكية " وأمثالها من الأكاذيب مالا يخفى على لبيب.
ثم قال:
ولم أصف عُشر ما يذكرونه من الكفر، ولكن هؤلاء التبس أمرهم على يعرف حالهم، كما التبس أمر القرامطة الباطنية، لما ادعوا أنهم فاطميون، وانتسبوا إلى التشيع، فصار المتشيعون مائلين إليهم، غير عالمين بباطن كفرهم. ولهذا كان من مال إليهم أحد رجلين: إما زنديقاً منافقاّ، أو جاهلاً ضالاً هؤلاء الاتحادية، فرؤوسهم هم أئمة كفر يجب قتلهم، ولا تقبل توبة أحد منهم إذا أخذ قبل التوبة، فإنه من أعظم الزنادقة، الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، وهم الذين يبهمون قولهم ومخالفتهم لدين الإسلام، ويجب عقوبة كل من انتسب إليهم، أو ذب عنهم، أو أثنى عليهم، أو عظّم كتبهم، أو عرف بمساعدتهم ومعاونتهم، أو كره الكلام فيهم، وأخذ يعتذر عنهم أو لهم بأن هذا الكلام لا يدرى ما هو، ومن قال: إنه صنف هذا الكتاب! وأمثال هذه المعاذير التي لا يقولها إلا جاهل أو منافق، بل تجب عقوبة كل من عرف حالهم، ولم يعاون على القيام عليهم، فإن القيام على هؤلاء من أعظم الواجبات؛ لأنهم أفسدوا العقول والأديان، على خلق من المشايخ والعلماء والملوك والأمراء، وهم يسعون في الأرض فساداً، ويصدون عن سبيل الله، فضررهم في الدين أعظم من ضرر من يفسد على المسلمين دنياهم ويترك دينهم، كقطاع الطريق، وكالتتار الذي يأخذون منهم الأموال، ويبقون لهم دينهم، ولا يستهين بهم من لم يعرفهم، فضلالهم وإضلالهم أطمّ وأعظم من أن يوصف.
ثم قال:
ومن كان محسنا للظن بهم وادعى أنه لم يعرف حالهم: عُرِّف حالهم، فإن لم يباينهم وتظهر لهم الإنكار، وإلا ألحق بهم وجعل منهم.
وأما من قال: لكلامهم تأويل يوافق الشريعة، فإنه من رؤوسهم وأئمتهم، فإنه إن كان ذكياً: فإنه يعرف كتاب لهم فيما قال، وإن كان معتقداً لهذا باطناً وظاهراً: فهو أكفر من النصارى.
باختصار " المرجع السابق " (ص ٢٥ - ٢٨) .
قال ابن حجر:
أنه ذكر لمولانا شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني، شيئاً من كلام ابن عربي المشكل، وسأله عن ابن عربي، فقال له شيخنا البلقيني: هو كافر.
" المرجع السابق " (ص ٣٩) .
قال ابن خلدون:
ومن هؤلاء المتصوفة: ابن عربي، وابن سبعين، وابن برّجان، وأتباعهم، ممن سلك سبيلهم ودان بنحلتهم، ولهم تواليف كثيرة يتداولونها، مشحونة من صريح الكفر، ومستهجن البدع، وتأويل الظواهر لذلك على أبعد الوجوه وأقبحها، مما يستغرب الناظر فيها من نسبتها إلى الملّة أو عدّها في الشريعة.
" المرجع السابق " (ص ٤١) .
وقال السبكي:
ومن كان من هؤلاء الصوفية المتأخرين، كابن العربي وأتباعه، فهم ضلاّل جهال، خارجون عن طريقة الإسلام، فضلاً عن العلماء.
" المرجع السابق " (ص ٥٥) .
قال أبو زرعة ابن الحافظ العراقي:
لا شك في اشتمال" الفصوص" المشهورة على الكفر الصريح الذي لا شك فيه، وكذلك " فتوحاته المكية "، فإن صحّ صدور ذلك عنه، واستمر عليه إلى وفاته: فهو كافر مخلد في النار بلا شك.
" المرجع السابق " (ص / ٦٠) .
وبعد،
فهل يستطيع عاقل أن يسمي هؤلاء الجهابذة من العلماء بأنهم لم يفهموا ابن عربي فإذا لم يفهمه هؤلاء فمن يفهمه إذاً.
= حادثة فيهما عبرة
قال الفاسي:
وسمعت صاحبنا الحافظ الحجة، القاضي شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر الشافعي يقول: جرى بيني وبين بعض المحبين لابن عربي منازعة كثيرة في أمر ابن عربي، حتى نلت منه لسوء مقالته، فلم يسْلَ ذلك بالرجل المنازع لي في أمره، وهددني بالشكوى إلى السلطان بمصر، بأمر غير الذي تنازعنا فيه، ليتعب خاطري، فقلت له: ما للسلطان في هذا مدخل! ألا تعال نتباهل، فقل أن تباهل اثنان، فكان أحدهما كاذباً إلا وأصيب، قال: فقال لي: بسم الله، قال: فقلت له: قل: اللهم إن كان ابن عربي على ضلال فالعني بلعنتك، فقال ذلك، وقلت أنا: اللهم إن كان ابن عربي على هدى فالعني بلعنتك، وافترقنا، قال: ثم اجتمعنا في بعض متنزهات مصر في ليلة مقمرة، فقال لنا: مرّ على رجلي شيء ناعم، فانظروا فنظرنا فقلنا: ما رأينا شيئاً، قال: ثم التمس بصره، فلم يرَ شيئاً. (أي أصابه الله بالعمى)
هذا معنى ما حكاه لي الحافظ شهاب الدين بن حجر العسقلاني.
" المرجع السابق " (ص ٧٥، ٧٦) .
فهذه بعض ضلالات الرجل وخزعبلاته لمن أراد الحق أو أراد أن يتبع سبيل الرشاد، فهو مهرطق زنديق لم يسبق زمانه إلا بالضلال والكفر، وليس له نور وحكمة بل هو في ظلمة الجهل.
وقد سقنا إليك من كلام العلماء غير ابن تيمية ما يبين كفر ابن عربي حتى لا تظن أن شيخ الإسلام انفرد بتكفيره
أما سوء أدبك مع شيخ الإسلام ابن تيمية وزعمك أنه جاء بعده بسنين فنقول: وأنت جئت بعد ابن تيمية بأضعاف ما كان بينه وابن عربي فأنت أولى بالسكوت منه.
ولا يجوز سوء الأدب مع شيخ كابن تيمية طبَّق علمه الدنيا وما فيها، فكيف لرجل مثلك أن يصفه بأنه نملة.
من أنت حتى تصف شيخ الشيوخ وشيخ الإسلام بأنه نملة أما تخاف أن تقف بين يدي الله ويسألك لم أسأت الأدب مع العلماء.
ونحن نسألك بالله الذي لا إله إلا هو هل الذي يقول إن المخلوق جزء من الخالق هو إنسان مسلم؟
بناء على جوابك تعرف حقيقة إسلامك، والله الهادي إلى سواء السبيل..
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1233
من هو الغزالي
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يمكن أن تلقي بعض الضوء على (من هو الإمام الغزالي) ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الغزالي: هو محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي المعروف بالغزالي، ولد بطوس سنة (٤٥٠هـ) وكان والده يغزل الصوف ويبيعه في دكانه بطوس.
والحديث عن الغزالي يطول نظراً لأنه مرَّ بعدة مراحل، فقد خاض في الفلسفة ثم رجع عنها وردَّ عليها، وخاض بعد ذلك فيما يسمى بعلم الكلام وأتقن أصوله ومقدماته ثم رجع عنه بعد أن ظهر له فساده ومناقضاته ومجادلات أهله، وقد كان متكلماً في الفترة التي ردَّ فيها على الفلاسفة ولُقب حينها بلقب " حجة الإسلام " بعد أن أفحمهم وفند آراءهم، ثم إنه تراجع عن علم الكلام وأعرض عنه وسلك مسلك الباطنية وأخذ بعلومهم ثم رجع عنه وأظهر بطلان عقائد الباطنية وتلاعبهم بالنصوص والأحكام، ثم سلك مسلك التصوف. فهذه أربعة أطوار مرَّ بها الغزالي وما أحسن ما قاله الشيخ أبو عمر ابن الصلاح ﵀ عنه حيث قال: " أبو حامد كثر القول فيه ومنه، فأما هذه الكتب – يعني كتبه المخالفة للحق – فلا يُلتفت إليها، وأما الرجل فيُسكت عنه، ويُفَوَّضُ أمره إلى الله " أنظر كتاب (أبو حامد الغزالي والتصوف) لعبد الرحمن دمشقية.
ولا يُنكر المُنْصِف ما بلغه أبو حامد الغزالي من الذكاء المتوقد والعبقرية النادرة حتى قال عنه الذهبي: " الغزالي الشيخ الإمام البحر حجة الإسلام أعجوبة الزمان زين الدين أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي الشافعي الغزالي صاحب التصانيف والذكاء المفرط تَفَقَّه ببلده أولاً ثم تحول إلى نيسابور في مرافقة جماعة من الطلبة فلازم إمام الحرمين فبرع في الفقه في مدة قريبة ومهر في الكلام والجدل حتى صار عين المناظرين ... " سير أعلام النبلاء ج٩ ص ٣٢٣.
وتجد أبا حامد الغزالي مع أن له من العلم بالفقه والتصوف والكلام والأصول وغير ذلك مع الزهد والعبادة وحسن القصد وتبحره في العلوم الإسلامية ... يميل إلى الفلسفة لكنه أظهرها في قالب التصوف والعبارات الإسلامية ولهذا فقد رد عليه علماء المسلمين حتى أخص أصحابه أبو بكر بن العربي فإنه قال شيخنا أبو حامد دخل في بطن الفلاسفة ثم أراد أن يخرج منهم فما قدر وقد حكى عنه من القول بمذاهب الباطنية ما يوجد تصديق ذلك في كتبه. أنظر مجموع الفتاوى ج٤ ص٦٦
ومع تقدم الغزالي في العلوم إلا أنه كان مُزْجَى البضاعة في الحديث وعلومه، لا يميز بين صحيح الحديث وسقيمه قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ –: " فإن فرض أن أحداً نقل مذهب السلف كما يذكره (الخارج عن مذهب السلف) ؛ فإما أن يكون قليل المعرفة بآثار السلف كأبي المعالي وأبي حامد الغزالي وابن الخطيب وأمثالهم ممن لم يكن لهم من المعرفة بالحديث ما يُعَدَّونَ به من عوام أهل الصناعة فضلا عن خواصها ولم يكن الواحد من هؤلاء يعرف البخاري ومسلماً وأحاديثهما إلا بالسماع كما يذكر ذلك العامة، ولا يميزون بين الحديث الصحيح المتواتر عند أهل العلم بالحديث، وبين الحديث المفترى المكذوب، وكتبهم أصدق شاهد بذلك، ففيها عجائب. وتجد عامة هؤلاء الخارجين عن منهاج السلف من المتكلمة والمتصوفة يعترف بذلك، إما عند الموت، وإما قبل الموت، والحكايات في هذا كثيرة معروفة ... هذا أبو حامد الغزالي مع فرط ذكائه وتألهه ومعرفته بالكلام والفلسفة وسلوكه طريق الزهد والرياضة والتصوف ينتهي في هذه المسائل إلى الوقف والحيرة ويحيل في آخر أمره على طريقة أهل الكشف ... " مجموع الفتاوى ج٤ ص٧١
وقال أيضاً: " ولهذا كان أبو حامد مع ما يوجد في كلامه من الرد على الفلاسفة، وتكفيره لهم، وتعظيم النبوة، وغير ذلك، ومع ما يوجد فيه من أشياء صحيحةٍ حسنةٍ بل عظيمة القدر نافعة، يوجد في بعض كلامه مادة فلسفية وأمور أضيفت إليه توافق أصول الفلاسفة الفاسدة المخالفة للنبوة، بل المخالفة لصريح العقل، حتى تكلم فيه جماعات من علماء خراسان والعراق والمغرب، كرفيقه أبي إسحاق المرغيناني وأبي الوفاء بن عقيل والقشيري والطرطوشي وابن رشد والمازري وجماعات من الأولين، حتى ذكر ذلك الشيخ أبو عمرو بن الصلاح فيما جمعه من طبقات أصحاب الشافعي، وقرره الشيخ أبو زكريا النووي، قال في هذا الكتاب: فصلٌ في بيان أشياء مهمة أُنكرت على الإمام الغزالي في مصنفاته ولم يرتضيها أهلُ مذهبه وغيرُهم من الشذوذ في تصرفاته منها: قوله في مقدمة المنطق في أول المستصفي: هذه مقدمة العلوم كلها، ومن لا يحيط بها فلا ثقة بعلومه أصلاً.
قال الشيخ أبو عمرو: وسمعت الشيخ العماد بن يونس يحكي عن يوسف الدمشقي مدرس النظامية ببغداد وكان من النظار المعروفين أنه كان ينكر هذا الكلام ويقول: فأبو بكر وعمر وفلان وفلان يعني أن أولئك السادة عظمت حظوظهم من الثلج واليقين ولم يحيطوا بهذه المقدمة وأسبابها " العقيدة الأصفهانية. ج ١ ص١٦٩
ونقل الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء عن محمد بن الوليد الطرطوشي في رسالة له إلى ابن مظفر قال: فأما ما ذكرت من أبي حامد فقد رأيته وكلمته فرأيته جليلا من أهل العلم، واجتمع فيه العقل والفهم، ومارس العلوم طول عمره، وكان على ذلك معظم زمانه، ثم بدا له عن طريق العلماء، ودخل في غُمار العُبَّاد، ثم تصوَّف، وهجر العلومَ وأهلها، ودخل في علوم الخواطر وأرباب القلوب ووساوس الشيطان، ثم شابها بآراء الفلاسفة ورموز الحلاج، وجعل يطعن على الفقهاء والمتكلمين، ولقد كاد أن ينسلخَ من الدين، فلما عمل الإحياء عمد يتكلم في علوم الأحوال ومرامز الصوفية، وكان غير أنيس بها، ولا خبير بمعرفتها، فسقط على أمِّ رأسه، وشحن كتابه بالموضوعات.
قلت (القائل هو الذهبي) أما الإحياء ففيه من الأحاديث الباطلة جملة، وفيه خيرٌ كثير، لولا ما فيه من آداب ورسوم وزهد من طرائق الحكماء ومنحرفي الصوفية نسأل الله علماً نافعاً، تدري ما العلم النافع؟
هو ما نزل به القرآن وفسره الرسول ﷺ قولاً وفعلاً ولم يأت نهي عنه. قال ﵇: " من رغب عن سنتي فليس مني ". فعليك يا أخي بتدبر كتاب الله، وبإدمان النظر في الصحيحين، وسنن النسائي، ورياض النواوي وأذكاره، تفلح وتنجح.
وإياك وآراء عباد الفلاسفة ووظائف أهل الرياضات وجوع الرهبان وخطاب طيش رؤوس أصحاب الخلوات، فكل الخير في متابعة الحنيفية السمحة. فواغوثاه بالله اللهم اهدنا إلى صراطك المستقيم ...
ثم إن المازري أثنى على أبي حامد في الفقه، وقال هو بالفقه أعرف منه بأصوله، وأما علم الكلام الذي هو أصول الدين فإنه صنف فيه وليس بالمُتَبَحِر فيها، ولقد فطنت لعدم استبحاره فيها، وذلك أنه قرأ علوم الفلسفة قبل استبحاره في فن الأصول فأكسبته الفلسفة جرأة على المعاني، وتسهلاً للهجوم على الحقائق؛ لأن الفلاسفة تمر مع خواطرها، لا يردعها شرع.
وعرَّفني صاحب له أنه كان له عكوف على رسائل إخوان الصفا وهي إحدى وخمسون رسالة، ألفها من قد خاض في علم الشرع والنقل وفي الحكمة، فمزج بين العلمين، وقد كان رجلٌ يعرف بابن سينا ملأ الدنيا تصانيف، أدته قوته في الفلسفة إلى أن حاول رد أصول العقائد إلى علم الفلسفة وتلطف جهده حتى تم له ما لم يتم لغيره، وقد رأيت جملا من دواوينه، ووجدت أبا حامد يعول عليه في أكثر ما يشير إليه من علوم الفلسفة. وأما مذاهب الصوفية فلا أدري على من عَوَّل فيها، لكني رأيت فيما علق بعض أصحابه أنه ذكر كتب ابن سينا وما فيها، وذكر بعد ذلك كتب أبي حيان التوحيدي، وعندي أنه عليه عول في مذهب التصوف، وأُخبرت أن أبا حيان ألف ديوانا عظيماً في هذا الفن وفي الإحياء من الواهيات كثير ... ثم قال: ويستحسن أشياء مبناها على مالا حقيقة له، كقص الأظفار أن يبدأ بالسبابة لأن لها الفضل على باقي الأصابع؛ لأنها المسبحة، ثم قص ما يليها من الوسطى؛ لأنها ناحية اليمين، ويختم بإبهام اليمنى وروى في ذلك أثراً.
قلت (القائل هو الذهبي) : هو أثر موضوع ... قال أبو الفرج ابن الجوزي صنف أبو حامد الإحياء وملأه بالأحاديث الباطلة ولم يعلم بطلانها، وتكلم على الكشف وخرج عن قانون الفقه، وقال عن المراد بالكوكب والقمر والشمس اللواتي رآهن إبراهيم أنوار هي حُجُبُ الله ، ولم يُرِد هذه المعروفات، وهذا من جنس كلام الباطنية. " السير ج١٩ ص٣٤٠
ثم إن الغزالي – ﵀ – رجع في آخر حياته إلى عقيدة أهل السنة والجماعة، وأكب على الكتاب والسنة، وذم الكلام وأهله، وأوصى الأمة بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ والعمل بما كان عليه الصحابة ﵃، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، قال شيخ الإسلام ﵀: " ... وإن كان بعد ذلك رجع إلى طريقة أهل الحديث وصنف إلجام العوام عن علم الكلام " مجموع الفتاوى ج٤ ص٧٢.
" وإن نظرة إلى كتابه المسمى إلجام العوام عن علم الكلام، ليثبت لنا حقيقة هذا التغيُّر من وجوهٍ عديدة:
الوجه الأول: أنه انتصر في هذا الكتاب لعقيدة السلف، منبهاً على أن الحق هو مذهب السلف، وأن من خالفهم في ذلك فهو مبتدع.
الوجه الثاني: أنه نهى عن التأويل أشد النهي، داعياً إلى إثبات صفات الله، وعدم تأويلها بما يودي بها إلى التعطيل.
الوجه الثالث: أنه شدد النكير على المتكلمين، ووصف كل أصولهم ومقاييسهم بـ" البدعة المذمومة "، وبأنها كانت سبب تضرر أكثر الخلق به، ومنبت الشر بين المسلمين قائلاً:
والدليل على تضرر الخلق به: المشاهدة والعيان والتجربة، وما ثار من الشر منذ نبغ المتكلمون، وفشت صناعة الكلام مع نهي العصر الأول من الصحابة ﵃ عن مثل ذلك. ويدل عليه أيضاً أن الرسول ﷺ والصحابة بأجمعهم ما سلكوا في المحاجة مسلك المتكلمين في تقسيماتهم وتدقيقاتهم – لا لعجز منهم عن ذلك – فلو علموا أن ذلك نافع لأطنبوا فيه، ولخاضوا في تحرير الأدلة خوضاً يزيد على خوضهم في مسائل الفرائض.
وقال أيضاً: إن الصحابة ﵃ كانوا محتاجين إلى محاجة اليهود والنصارى في إثبات نبوة محمد ﷺ ، فما زادوا على أدلة القرآن شيئاً، وما ركبوا ظهر اللجاج في وضع المقاييس العقلية وترتيب المقدمات. كل ذلك لعلمهم بأن ذلك مثار الفتن ومنبع التشويش، ومن لا يقنعه أدلة القرآن، لا يقنعه إلا السيف والسنان فما بعد بيان الله بيان " أنظر كتاب (أبو حامد الغزالي والتصوف)
هذه مجموعة من النقولات عن بعض العلماء الموثوق بعلمهم عن الغزالي ﵀ ولعل فيها الكفاية لمن أراد الهداية. والله الهادي إلى سواء السبيل.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1234
هل يمكن أن يعيش المسلمون بسلام في فلسطين
[السُّؤَالُ]
ـ[أتكلم راجياً التصحيح، طبقاً للكتاب المقدس (الإنجيل) ليس هناك بلد يسمى إسرائيل، فقط فلسطين، وكلا الشعبين العربي واليهودي من نسل سيدنا إبراهيم، وفي الحقيقة هم أخوة، فلماذا لا يعيشون في انسجام في بلد يدعى فلسطين؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يمكن الإجابة عن هذا السؤال من خلال الفقرات التالية:
- لا شك أن نبي الله إبراهيم كان موحدا حنيفا ولم يك من المشركين الكافرين , واليهود وإن كانوا من نسل إبراهيم ﵇ إلا أنهم خالفوا ملة إبراهيم فأشركوا بالله وزعموا أن عزيرا ابن الله وقالوا إن الله بخيل ويده مغلولة وقالوا إن الله فقير ونحن أغنياء وقالوا إن الله لما خلق السماوات والأرض في ستة أيام تعب فاستراح يوم السبت - تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا - وشبّهوا في صفات الله وقتلوا الأنبياء.. إلخ انحرافاتهم.
- فإذا تقررت هذه المفارقة والمخالفة فلا أخوة بين مؤمن موحد وبين كافر مشرك كما قال تعالى على لسان إبراهيم الخليل: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) .. لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦) ، سورة الممتحنة، وإذا تقررت هذه المفاصلة والعداوة فإن العداء والبراء وما يلزمه من جهاد لأعداء الله أمر لا انفكاك عنه، فما دام أن سنة الله تعالى وحكمته قضت أن ثمة مؤمن وكافر. فلا بد من وجود هذه العداوة وظهورها ولن تجد لسنة الله تبديلا.
- ثم إنه لا يمكن أيضا الانسجام مع يهود غاصبين معتدين - آذوا وظلموا وعُرفوا بالغدر والخيانة والإفساد في الأرض قديما وحديثا - وبين أصحاب الأرض المسلمين الموحدين الذين قتل اليهود رجالهم وسجنوا أبناءهم وهدموا بيوتهم وغصبوا أرضهم وحاربوهم في أرزاقهم، وأجروا التجارب الكيميائية والإشعاعية على سجنائهم واستأصلوا منهم أعضاء بشرية لمصلحة بعض المرضى اليهود.. إلى آخر أنواع الظلم والاضطهاد.
- وبالإضافة إلى ذلك فاليهود أهل غدر وخيانة، ولا يمكن الوثوق بهم إطلاقا، وسلوكهم الحالي من الشواهد والأدلة على ذلك، فهل هناك اتفاقية أو معاهدة عقدوها فوفّوا بها، وهذا ليس باكتشاف أو مفاجأة للمسلم الذي يعرف ماذا قال الله في كتابه عن اليهود، قال ربنا : (أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) سورة البقرة.
- ثم لو رضي المسلمون أن يعيشوا مع اليهود سلميا فلمن سيكون الحكم؟ إن من القواعد الإسلامية أنّ الإسلام يعلو ولا يُعلى، ومن شرط إقامة أهل الكتاب مع المسلمين في بلد المسلمين أن يلتزم اليهود أو النصارى بشروط أهل الذمّة مقابل الأمان والحماية التي يمنحها لهم المسلمون، ومن أهم شروط أهل الذمة أن لا يُفشي الكتابيون شركهم وكفرهم في بلد المسلمين لا بالقول ولا بالفعل.
- وحيث أن المسلمين واليهود كيانان متنافران ومتعاديان دينيا وعقديا فإنه لا يُمكن اجتماعهما معا إلا أن يرضخ أحدهما للآخر بالقوة بل إن اليهود الآن لا يسمحون للمسلمين بالبقاء ولو لم يقم المسلمون بأي عمل استفزازي ولذلك ينزعون ملكية أراضي المسلمين بالقوة ويبنون مستوطناتهم عليها ويريدون طرد المسلمين بأي طريقة وقد شرّدوا الملايين منهم إلى الدول المجاورة التي أقيم بها ما يُعرف بمخيمات اللاجئين الفلسطينيين.
- وأخيرا فإن كون المسلمين الآن في مرحلة استضعاف وذلّ - بسبب تخلفهم عن دينهم - وكونهم لا يستطيعون قتال اليهود واسترجاع الأراضي المغتصبة وفرض أحكام الشريعة الإسلامية على أرض فلسطين فإن ذلك لا يعني أن الأمر سيستمر هكذا إلى نهاية الدنيا بل لا بدّ أن يتغيّر الحال ومن أدلة ذلك الخبر المستقبلي الذي أخبرنا به نبينا محمد ﷺ وهو المؤيد بالوحي من ربّه فلا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، قال ﵊:
" تُقَاتِلُكُمْ الْيَهُودُ فَتُسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَقُولَ الْحَجَرُ يَا مُسْلِمُ هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ. " رواه مسلم ٢٩٢١ والحديث في البخاري ٢٩٢٦
وفي رواية لمسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ فَيَقْتُلُهُمْ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوْ الشَّجَرُ يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ الَّهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ إِلا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ. " رواه مسلم ٢٩٢٢
ونحن إذ نشكرك أيها السائل على رغبتك في معرفة الحقيقة وأدبك في السؤال فإننا ندعوك للإيمان بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا فإنها - واللهِ - تنجيك وتنفعك وتحفظك في الدنيا، وفي القبر بعد الموت، وفي الآخرة يوم يقوم الحساب، والله يوفقنا وإياك لكل خير.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1235
الفِرق أصحاب العقائد المختلفة في هذه الأمة كلها في النار إلا واحدة
[السُّؤَالُ]
ـ[سأكون ممتنة لكم إذا وضحتم لي الخلافات الرئيسية للطوائف الإسلامية، مع أني أعرف أن الإسلام دين واحد؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
جواب سؤالكِ أيتها الأخت السائلة طويل يصلح أن يكون في كتاب وليس في مثل هذا الموقع ولكن يُمكن أن نقول هنا في هذه العجالة: إنّ النبي ﷺ قد أخبرنا سلفا بتفرّق هذه الأمّة كما افترقت الأمم قبلها وذلك فيما جاء في الحديث الصحيح حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ عَنْ خَالِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ افْتَرَقَتْ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى أَوْ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَتَفَرَّقَتْ النَّصَارَى عَلَى إِحْدَى أَوْ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً رواه أبو داود في سننه: كتاب السنّة: باب شرح السنّة.
وعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ افْتَرَقَتْ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً فَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ وَافْتَرَقَتْ النَّصَارَى عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً فَإِحْدَى وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتِي عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هُمْ قَالَ الْجَمَاعَةُ سنن ابن ماجة رقم ٣٩٨٢
والمقصود بالجماعة هي ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه في العقيدة والعمل.
فمن الفرق التي تنتسب إلى الإسلام من ضلّ في باب توحيد الله وأسمائه وصفاته فقالوا إنّ الوجود كله هو الله أو أنّ الله حلّ في خلقه - تعالى الله عن قولهم - بل هو فوق سماواته مستو على عرشه منفصل عن خلقه، ومن الفرق من ضلّ في باب الإيمان فأخرجوا العمل من الإيمان وقالوا إنّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص والصحيح أنّ الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، ومنهم من ضلّ بإخراج مرتكب الكبيرة من الإسلام والحكم عليه بالخلود في النّار مع أنّ الصحيح أنّ مرتكب الكبيرة - غير الشرك والكفر الأكبر - لا يخرج من الإسلام، ومن الفرق من ضلّ في باب القضاء والقدر فقالوا إنّ الإنسان مجبور على أفعاله مع أنّ الصحيح أنّ الإنسان له إرادة ومشيئة بناء عليها يحاسب ويتحمّل تبعة فعله، ومن الفرق من ضلّ في باب القرآن فقالوا هو مخلوق مع أنّ الصحيح أنّه كلام الله منزّل غير مخلوق، ومن الفرق من ضلّ في باب الصحابة فكفّروهم وسبّوهم مع أنّهم أصحاب النبي الكريم الذين نزل الوحي بينهم وهم أعلم الأمّة وأعبد الأمّة وجاهدوا في الله حقّ جهاده ونصر الله بهم الدّين ﵃. وهكذا سائر الفِرَق التي انحرفت عن الإسلام وابتدعت في دين الله كل فرقة بما لديهم فرحون قد سلكوا سبُل الشيطان مخالفين قول الله تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣) سورة الأنعام.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل السنّة الناجين من النار وأن يدخلنا الجنّة مع الأبرار وصلى الله على نبينا محمد.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1236
سؤال عن عبد الله الهرري الحبشي
[السُّؤَالُ]
ـ[هل عبد الله الهرري الحبشي خدم الإسلام أم هدمه؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الرجل المذكور رجل سوء، من رؤوس البدعة والضلال في هذا العصر، وقد جنّد نفسه وأتباعه لهدم عقيدة المسلمين التي كان عليها النبي ﷺ وأصحابه والتابعون، وجمعوا لأنفسهم مذهباً فاسداً في الفقهيات، ملؤوه بكل شاذ ورديء من القول لا سند له من كتاب أو سنة، ولهم أوابد وطوام كثيرة في الاعتقاديات والعمليات، والطعن في أئمة هذا الدين. فالواجب على المسلمين في كل مكان الحذر والتحذير من هذه الفرقة الضالة، ومن أفكارها المنحرفة، وآرائها الشاذة. نسأل الله الكريم أن يكف عن المسلمين شرهم وشر غيرهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
[الْمَصْدَرُ]
من فتاوى اللجنة الدائمة ١٢ / ٣٠٨.
стр. 1237
الالتزام بالمذهب مع العلم بأنه مرجوح
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم الالتزام بالمذهب ولو تبيّن أنه مرجوح؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الذي يلتزم بمذهب معين ثم تبين له أنّه مرجوح بمقتضى الأدلة فهذا خطر عظيم على الفاعل ولا يجوز وهذا يدخل في قوله تعالى (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) التوبة/٣١ وهذا فيه إعراض عن هديه تعالى وسنة نبيه ﷺ .
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
стр. 1238
طائفة الديوبندية
[السُّؤَالُ]
ـ[هل الديوبانديين من أهل السنة؟
هل هم في حقل الإسلام؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الديوبندية طائفة من طوائف المسلمين، تنسب إلى جامعة ديوبند – دار العلوم – في الهند. وهي مدرسة فكرية عميقة الجذور طبعت كل خريج منها بطابعها العلمي الخاص، حتى أصبح ينسب إليها.
التأسيس وأبرز الشخصيات:
أسس جامعة ديوبند مجموعة من علماء الهند بعد أن قضى الإنجليز على الثورة الإسلامية في الهند عام ١٨٥٧م، فكان تأسيسها ردَّ فعلٍ قوي لوقف الزحف الغربي ومدنيته المادية على شبه القارة الهندية لإنقاذ المسلمين من مخاطر هذه الظروف، خاصة وأن دلهي العاصمة قد خرِّبت بعد الثورة وسيطر عليها الإنجليز سيطرة كاملة، وخاف العلماء أن يُبتلع دينهم، فأخذ الشيخ إمداد الله المهاجر المكي وتلميذه الشيخ محمد قاسم الناناتووي وأصحابهما برسم الخطط للمحافظة على الإسلام وتعاليمه، فرأوا أن الحل بإقامة المدارس الدينية، والمراكز الإسلامية، وهكذا أُسست المدرسة الإسلامية العربية بديوبند كمركز للدين والشريعة في الهند في عصر حكومة الإنجليز.
أبرز شخصيات هذه المدرسة الفكرية:
١- محمد قاسم.
٢- رشيد أحمد الكنكوهي.
٣- حسين أحمد المدني.
٤- محمد أنور شاه الكشميري.
٥- أبو الحسن الندوي.
٦- المحدث حبيب الرحمن الأعظمي.
الأفكار والمعتقدات:
- هم في الأصول (العقيدة) على مذهب أبي منصور الماتريدي في الاعتقاد.
- وعلى مذهب الإمام أبي حنيفة في الفقه والفروع.
- وسلكوا الطرق الصوفية من النقشبندية والجشتية والقادرية والسهروردية في السلوك والاتباع.
ويمكن تلخيص أفكارهم ومبادئ الدراسة الديوبندية بما يلي:
- المحافظة على التعاليم الإسلامية، والإبقاء على شوكة الإسلام وشعائره.
- نشر الإسلام ومقاومة المذاهب الهدَّامة والتبشرية.
- نشر الثقافة الإسلامية ومحاربة الثقافة الإنجليزية الغازية.
- الاهتمام بنشر اللغة العربية لأنها وسيلة الاستفادة من منابع الشريعة الإسلامية.
- الجمع بين العقل والقلب، وبين العلم والروحانية.
أنظر الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب. (١/٣٠٨) .
وحيث أن الديوبندية تتبنى مذهب الماتريدية في العقيدة فلا بد من التعريف بالماتوريدية:
وهي فرقة كلامية، تُنسب إلى أبي منصور الماتريدي، قامت على استخدام البراهين والدلائل العقلية والكلامية في محاججة خصومها، من المعتزلة والجهيمة وغيرهم لإثبات حقائق الدين والعقيدة الإسلامية.
ومن حيث مصدر التلقي فقد قسم الماتريدية أصول الدين حسب مصدر التلقي على قسمين:
الإلهيات (العقليات) : وهي ما يستقل العقل بإثباتها والنقل تابع له، وتشمل أبواب التوحيد والصفات.
الشرعيات (السمعيات) : وهي الأمور التي يجزم العقل بإمكانها ثبوتاً ونفياً، ولا طريق للعقل إليها مثل: النبوات،وعذاب القبر، وأمور الآخرة، علماً بأن بعضهم جعل النبوات من قبيل العقليات.
ولا يخفى ما في هذا من مخالفةٍ لمنهج أهل السنة والجماعة حيث أن القرآن والسنة وإجماع الصحابة هم مصادر التلقي عندهم، فضلاً عن مخالفتهم في بدعة تقسيم أصول الدين إلى عقليات وسمعيات، والتي قامت على فكرة باطلة وضعها الفلاسفة تفترض أن نصوص الدين متعارضة مع العقل، فعملوا على التوسط بين العقل والنقل، مما اضطرهم إلى إقحام العقل في غير مجالات بحثه، فخرجوا بأحكام باطلة تصطدم مع الشرع ألجأتهم إلى التفويض والتأويل، بينما لا منافاة عند أهل السنة والجماعة بين العقل السليم الصريح والنقل الصحيح. انظر الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة (١/٩٩) .
موقف أهل السنة من الماتريدية:
ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن هذه الأمة سوف تفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وبيَّن ﵊ أن الفرقة الناجية هي الجماعة،وهي التي تكون على مثل ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصحابته الكرام.
ولا ريب أن أهل السنة والجماعة المتمسكون بالكتاب والسنة علماً وعملاً هم الفرقة الناجية وذلك لتحقق الوصف فيهم،وهو الالتزام بما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصحابته الكرام ﵃ علماً وعملا.
فلا يكفي ليكون الفرد أو الجماعة من الفرقة الناجية مجرد الانتساب للسنة مع المخالفة لمنهج السلف من الصحابة والتابعين، بل لا بد من الالتزام بمنهجهم في العلم والعمل والتصور والسلوك.
والماتريدية من الطوائف التي في أقوالها حق وباطل ومخالفة للسنة، ومعلوم أن هذه الطوائف تتفاوت في مدى القرب والبعد من الحق، فإن كل من كان أقرب إلى السنة كان أقرب إلى الحق والصواب، فمنهم " من يكون قد خالف السنة في أصول عظيمة، ومنهم من يكون إنما خالف السنة في أمور دقيقة، ومن يكون قد رد على غيره من الطوائف الذين هم أبعد عن السنة منه، فيكون محموداً فيما رده من الباطل وما قاله من الحق، لكن يكون قد جاوز العدل في رده بحيث جحد بعض الحق، وقال بعض الباطل فيكون قد رد بدعة كبيرة ببدعة أخف منها، ورد بالباطل باطلاً بباطل أخف منه، وهذه حال أكثر أهل الكلام المنتسبين إلى السنة والجماعة ... " انتهى من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية الفتاوى (١/٣٤٨) .
بقيت مسألة مهمة هنا وهي: ما هو واجبنا تجاه الماتريدية، ومن نحى نحوهم في العقيدة كالديوبندية وغيرهم؟
والجواب يختلف باختلاف الأشخاص:
فمن كان منهم معانداً داعياً إلى بدعته فيجب التحذير منه وبيان ضلاله وانحرافه، وأما من لم يكن داعياً إلى بدعته واتضح من قوله وعمله طلب الحق والسعي إليه فإنه يُناصح ويبين له خطأ هذا المعتقد وإرشاده بالتي هي أحسن، لعل الله أن يرده إلى الحق، وهذه النصيحة داخلة في قول النبي ﷺ : " الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا لِمَنْ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ " رواه مسلم (٥٥)
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1239
هل الجماعات الإسلامية المعاصرة من الثلاث وسبعين فرقة
[السُّؤَالُ]
ـ[في الساحة من يقول إن الفرق التي ورد الأمر باعتزالها في حديث حذيفة هي الجماعات الإسلامية كالسلفيين والإخوان والتبليغيين فما قول سماحتكم في ذلك؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
النبي ﷺ قال لحذيفة لما قال: يا رسول الله كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال النبي ﷺ : (نعم) ، قال حذيفة: فهل بعد هذا الشر من خير؟ قال: (نعم وفيه دخن) قلت: وما دخنه؟ قال: (قوم يهدون بغير هديي ويستنون بغير سنتي تعرف منهم وتنكر) ، قال حذيفة: يا رسول الله فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: (نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها) قلت: يا رسول الله صفهم لنا؟ قال: (هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا) يعني: من العرب. قلت: يا رسول الله فما تأمرنا عند ذلك؟ قال: (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم) ، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: (فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك) رواه البخاري ومسلم.
هذا الحديث العظيم يبين لنا، أن الواجب على المسلم: لزوم جماعة المسلمين والتعاون معهم في أي مكان سواء كانت جماعة وجدت في الجزيرة العربية، أو في مصر أو في الشام أو في العراق أو في أمريكا أو في أوروبا أو في أي مكان.
فمتى وجد المسلم جماعة تدعو إلى الحق ساعدهم وصار معهم، وأعانهم وشجعهم، وثبتهم على الحق والبصيرة، فإذا لم يجد جماعة بالكلية فإنه يلزم الحق: وهو الجماعة، ولو كان واحداً كما قال ابن مسعود ﵁ لعمرو بن ميمون: (الجماعة ما وافق الحق، وإن كنت وحدك) .
فعلى المسلم أن يطلب الحق، فإذا وجد مركزاً إسلامياً يدعو إلى الحق، أو جماعة في أي مكان يدعون إلى الحق - أي: إلى كتاب الله وسنة رسوله، وإلى العقيدة الطيبة - في أوروبا أو في أفريقيا أو في أي مكان، فليكن معهم يطلب الحق ويلتمس الحق ويصبر عليه ويكون مع أهله.
هذا هو الواجب على المسلم، فإذا لم يجد من يدعو إلى الحق لا دولة ولا جماعة لزم الحق وحده واستقام عليه، فهو الجماعة حينئذ كما قال ابن مسعود ﵁ لعمرو بن ميمون.
وفي زمننا هذا - والحمد لله - توجد الجماعات الكثيرة الداعية إلى الحق، كما في الجزيرة العربية ... ، وفي اليمن والخليج، وفي مصر والشام وفي أفريقيا وأوروبا وأمريكا وفي الهند وباكستان وغير ذلك من أنحاء العالم، توجد جماعات كثيرة ومراكز إسلامية وجمعيات إسلامية تدعو إلى الحق وتبشر به، وتحذر من خلافه. فعلى المسلم الطالب للحق في أي مكان أن يبحث عن هذه الجماعات، فإذا وجد جماعة أو مركزاً أو جمعية تدعو إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ تبعها ولزمها، كأنصار السنة في مصر والسودان، وجمعية أهل الحديث في باكستان والهند، وغيرهم ممن يدعو إلى كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، ويخلص العبادة لله وحده، ولا يدعو معه سواه من أصحاب القبور ولا غيرهم.
[الْمَصْدَرُ]
كتاب مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀. م/٨ ص / ١٧٩.
стр. 1240
تحب رجلاً من غير أهل السنة وتريد الزواج منه
[السُّؤَالُ]
ـ[أعرف رجلا شيعيا يحبني كثيرا ويريد أن يتزوجني زواج دائم وليس زواج متعة، أعرف أن معتقد الشيعة مختلف عن معتقد السنة فناقشت هذا معه ووافق على أن يبحث عن الفروق بين المعتقدين، وأتمنى أن هذه الطريقة سوف تمكنه من أن يكتشف بنفسه الطريق الصحيح.
المشكلة أنني لم أستطع العثور على موقع على الإنترنت يزودني بمعلومات عن هذا الموضوع ويوضح الفروق ولا يتهم الشيعة مباشرة بأنهم مخطئين.
أتمنى أن أتحدث مع شخص عن هذا الموضوع لأن عندي أسئلة كثيرة وأحتاج مساعدة وأتمنى أن أتحدث مع شخص ما أو أن أحصل على مصدر يسهل عليه البحث ولا يجعله متهما أو أن يحط من قيمة مذهبه.
أعتقد أن الحديث معه بأسلوب جيد وبلطف تجعله أكثر قابلية للقبول والسماع من محاولة إقناعه بأنه على خطأ.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نحن معشر أهل السنة نحب الخير للجميع، ونسأل الله تعالى أن يهدي كل ضال، ويثيب كل مطيع، ونرجو الله أن يهدي أولئك الرافضة..
إن الفروق بين مذهب أهل السنة والرافضة جذرية وكبيرة جداً منها أن الرافضة يقولون بتحريف القرآن الكريم، ويطعنون ويضللون جمهور الصحابة ﵃، ويغلون في أئمتهم ويعبدونهم، ويفضلونهم على الأنبياء والملائكة، ويحجّون إلى المشاهد والقبور، ويمارسون عندها أنواعاً من الشرك بالله تعالى، كما يعتقدون بالنفاق ويسمونها (التقية) ، كما يقولون بالبداء والرجعة والعصمة المطلقة للأئمة، وعقيدة الطينة.. وننصحك بقراءة رسالة الخطوط العريضة لمحب الدين الخطيب أو كتاب مختصر التحفة الأثني عشرية للدهلوي، أو فكرة التقريب بين أهل السنة والشيعة لناصر القفاري، وننصحك بعدم التفكير بالزواج منه.. ومن ترك شيئاً لله عوضه خيراً منه، نسأل الله لك التوفيق والحياة الطيبة في الدنيا والآخرة.
ونذكّرك بالامتناع عن إقامة العلاقة مع الرجال الأجانب كما تجدين توضيحه في سؤال رقم ١١١٤و٩٤٦٥و٢٠٠٥، نسأل الله أن يوفقك لكل خير.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد آل عبد اللطيف
стр. 1241
كيف يتصرَّف مع " منصِّر " طرق بابه ليعرِض عليه نسخة من الإنجيل ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ماذا تفعل لو طرق بابك مبشِّر؟ فما هو أفضل طريقة للتعامل معه؟ وماذا تفعل معه إن حاول أن يهديك نسخة من " الكتاب المقدس "؟ وبماذا تنصح في أن نستبدل الأدوار فأدعوه للإسلام، وأهديه في نهاية الأمر نسخة من القرآن؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
ثمة تنبيهان على مصطلحين استعملا في السؤال:
أ. لفظ " مبشِّر ".
فالواجب استعمال كلمة " التنصير " بدلاً من كلمة " التبشير " , والمنصِّر بدلاً من " المبشِّر "، فالبشارة في استعمالها عندهم هي البشارة بالهداية، والجنَّة! , فهم على ذلك من دعاة الهدى، وهذا بخلاف الواقع، وإلا فهم من دعاة جهنم – والعياذ بالله -.
قال علماء اللجنة الدائمة:
وكان من أبرز أعداء هذا الدين: " النصارى الحاقدون "، الذين كانوا - ولا يزالون - يبذلون قصارى جهدهم، وغاية وسعهم، لمقاومة المد الإسلامي في أصقاع الدنيا، بل ومهاجمة الإسلام والمسلمين في عقر ديارهم، لا سيما في حالات الضعف التي تنتاب العالم الإسلامي، كحالته الراهنة اليوم، ومن المعلوم بداهة: أن الهدف من هذا الهجوم هو زعزعة عقيدة المسلمين، وتشكيكهم في دينهم؛ تمهيداً لإخراجهم من الإسلام، وإغرائهم باعتناق النصرانية، عبر ما يعرف خطأ بـ " التبشير "، وما هو إلا دعوة إلى الوثنية في النصرانية المحرَّفة، التي ما أنزل الله بها من سلطان، ونبي الله عيسى ﵇ منها براء.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٢ / ٣٠٦) .
ب. لفظة " الكتاب المقدَّس ".
فلا يجوز إطلاق " الكتاب المقدس " على الكتب التي بأيدي اليهود، والنصارى، الآن؛ لأن هذه الكتب - في الواقع - محرَّفة، كما لا يخفى عليكم , والقداسة، والتعظيم إنما هما لكلام الله تعالى، وكتبه المحفوظة، الخالية من التحريف، وهو ما لا ينطبق إلا على القرآن.
نسأل الله أن يجزيك خيراً، أن يبارك فيك، ويوفقك لهداية الناس، وإخراجهم من الظلمات إلى النور.
ثانياً:
من المفيد أن يقابِل المسلمُ الدعوةَ إلى الكفر بالدعوة إلى الإسلام , والكلمة الباطلة بالكلمة الحق , بشرط أن يكون هذا المسلمُ متمكناً من الأمر الذي يدعو إليه , وعنده علم برد الشبَه التي يتوقع أن يثيرها الطرف المقابل , وفي سنَّة النبي ﷺ ما يدل على ذلك.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ " ضِمَاداً " قَدِمَ مَكَّةَ وَكَانَ مِنْ " أَزْدِ شَنُوءَةَ " وَكَانَ يَرْقِي مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ فَسَمِعَ سُفَهَاءَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يَقُولُونَ إِنَّ مُحَمَّداً مَجْنُونٌ، فَقَالَ: لَوْ أَنِّي رَأَيْتُ هَذَا الرَّجُلَ لَعَلَّ اللَّهَ يَشْفِيهِ عَلَى يَدَيَّ، قَالَ: فَلَقِيَهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَرْقِى مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ وَإِنَّ اللَّهَ يَشْفِي عَلَى يَدِي مَنْ شَاءَ فَهَلْ لَكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِىَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَمَّا بَعْدُ) قَالَ: فَقَالَ: أَعِدْ عَلَيَّ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ، فَأَعَادَهُنَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَ: فَقَالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ وَقَوْلَ السَّحَرَةِ وَقَوْلَ الشُّعَرَاءِ فَمَا سَمِعْتُ مِثْلَ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ وَلَقَدْ بَلَغْنَ نَاعُوسَ الْبَحْرِ، قَالَ: فَقَالَ هَاتِ يَدَكَ أُبَايِعْكَ عَلَى الإِسْلَامِ، قَالَ: فَبَايَعَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وَعَلَى قَوْمِكَ) قَالَ: وَعَلَى قَوْمِي، قَالَ: فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً فَمَرُّوا بِقَوْمِهِ فَقَالَ صَاحِبُ السَّرِيَّةِ لِلْجَيْشِ هَلْ أَصَبْتُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ شَيْئًا فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ أَصَبْتُ مِنْهُمْ مِطْهَرَةً، فَقَالَ: (رُدُّوهَا فَإِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمُ ضِمَادٍ) .
رواه مسلم (٨٦٨) .
وأما إدارة الحوار، وكيف يكون أسلوب تعاملك معه، بالشدة أو باللين، فهذا يرجع إلى المصلحة، وإلى طبيعة الموقف، ومن المهم، بل من المؤكد في حقك ألا تقف موقف الدفاع، ولا تدع له الفرصة لأخذ زمام المبادرة، بل تكون أنت مالك الزمام، وتستطيع التخلص من الموقف برمته متى أحببت ذلك، ومن المهم أن يكون عندك مجموعة من الكتب التي تنتقد أصول دينه، ولا بأس أن تهديه بعضها.
ثالثاً:
لا يجوز إعطاء الكافر نسخة من القرآن العربي إذا غلب على الظن امتهانه له، فعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (نَهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ) .
رواه البخاري (٢٨٢٨) ومسلم (١٨٦٩) .
قال النووي – ﵀:
وفي الرواية الأخرى (مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ العَدُو) , وفى الرواية الأخرى: (فَإِنِّي لَا آمَنُ أََنْ يَنَالَهُ العدو) , فيه: النهي عن المسافرة بالمصحف إلى أرض الكفار للعلة المذكورة في الحديث، وهى خوف أن ينالوه فينتهكوا حرمته، فإن أُمنت هذه العلة بأن يدخل في جيش المسلمين الظاهرين عليهم: فلا كراهة , ولا منع منه حينئذ؛ لعدم العلة، هذا هو الصحيح , وبه قال أبو حنيفة، والبخاري، وآخرون.
" شرح مسلم " (١٣ / ١٣) .
وأما إعطاؤهم نسخة من ترجمة القرآن: فلا بأس؛ لأن الترجمة لا تعتبر قرآناً , وانظر جواب السؤال رقم: (١٠٦٩٤) .
ويمكن الاستعاضة عن المصحف ببعض الكتب، والمنشورات، التي ترغب في الإسلام , وتبين حقيقته، وشرائعه.
وعلى ذلك: فلو قمتَ بنصحه، وطلبت منه القراءة عن الإسلام الصحيح، والتجرد عن الهوى والتعصب , ولو رافق ذلك إهداء لكتاب عن الإسلام، أو نسخة لترجمة معاني القرآن، أو لزيارة مركز إسلامي، أو غير ذلك: فهذا خير وبركة، إن شاء الله.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1242
ولد مسلما، فشك في الإسلام، فخرج يبحث عن دينه، فمات
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا ولد شخص مسلما، لكنه شب لا يؤمن بالإسلام، ويبحث عن الدين الصحيح، ومات قبل أن يكتشف أن الإسلام هو الدين الحق؛ فهل سيذهب إلى الجنة أم إلى النار؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله:
أولا:
قد دلت النصوص القاطعة المتكاثرة من الكتاب والسنة، وإجماع أهل العلم المقطوع به، على أن كل من مات موحدا مسلما، فهو من أهل الجنة ولا بد، حتى وإن عذب قبل دخولها بذنوبه، وأما من مات مشركا، كافرا بالله العظيم، أيا كانت ملته وديانته: فهو في النار خالدا فيها مخلدا، أبد الآبدين.
قال الله تعالى: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) المائدة/٧٢. وقال تعالى: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) الزمر/٦٥-٦٦.
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ وَقُلْتُ أَنَا مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ) .
رواه البخاري (١٢٣٨) ومسلم (٩٢) .
قال القاضي عياض ﵀ عند كلامهِ عن تكفيرِ من صوب أقوال المجتهدين في أصولِ الدين: " وقائلُ هذا كلهِ كافرٌ بالإجماعِ على كفرِ من لم يكفر أحداً من النصارى واليهود، وكل من فارق دين المسلمين أو وقف في تكفيرهم أو شك " انتهى.
" الشفا " (٢/٢٨١)
ثانيا:
من رحمة الله تعالى بعباده أنه لا يعذب أحدا حتى تبلغه رسالة ربه، وأنه أرسل رسله رحمة بعباده، وقطعا لعذر من اعتذر. قال تعالى: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً) النساء/٦٥.
وقال تعالى: (مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) الإسراء/١٥.
وروى مسلم (١٥٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) .
قال النووي:
" َفِي مَفْهُومِهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةُ الْإِسْلَامِ فَهُوَ مَعْذُورٌ، وَهَذَا جَارٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْأُصُولِ أَنَّهُ لَا حُكْمَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ عَلَى الصَّحِيحِ " انتهى.
ثالثا:
إذا حصل البلاغ وورد الشرع وأقيمت الحجة، فلا يعذر المخالف، ولا يمهل وينتظر به حتى يتعرف – بزعمه – على الحق.
(أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ) [فاطر/٣٧]
" متعناكم في الدنيا، وأدررنا عليكم الأرزاق، وقيضنا لكم أسباب الراحة، ومددنا لكم في العمر، وتابعنا عليكم الآيات، وأوصلنا إليكم النذر، وابتليناكم بالسراء والضراء، لتنيبوا إلينا وترجعوا إلينا، فلم ينجع فيكم إنذار، ولم تفد فيكم موعظة، وأخرنا عنكم العقوبة، حتى إذا انقضت آجالكم، وتمت أعماركم، ورحلتم عن دار الإمكان، بأشر الحالات، ووصلتم إلى هذه الدار، دار الجزاء على الأعمال: سألتم الرجعة!! هيهات هيهات، فات وقت الإمكان، وغضب عليكم الرحيم الرحمن، واشتد عليكم عذاب النار، ونسيكم أهل الجنة، فامكثوا فيها خالدين مخلدين، وفي العذاب مهانين ".
"تفسير السعدي" (ص ٦٩٠) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" وهنا تكلم الناس في وجوب إمهال الكافر، إذا طلب الإمهال للنظر:
فأوجبه من أوجبه من المتكلمين، من المعتزلة ومن تبعهم على هذه الطريقة ...
وأما الفقهاء أئمة الدين فلا يوجبون ذلك مطلقا؛ أما في حال المقاتلة: فيقاتلون حتى يسلموا أو يقروا بالجزية إن كانوا من أهلها.
فإذا أُسِر الرجل منهم: فهذا لا يتعين قتله؛ فإذا طلب مثلُ هذا الإمهال، ورُجي إسلامه، أمهل.
وأما المرتد: فلا يؤخر عند الجماهير أكثر من ثلاث.
وأما من له عهد: فذلك لا يكره على الإسلام، فهو في مهلة النظر دائما.
ولو طلب أهل دار ممتنعين من الإمام أن يمهلهم مدة، ورجا بذلك إسلامهم، ولم يخف مفسدة راجحة: أمهلهم.
والحربي إذا طلب الأمان حتى يسمع القرآن، وينظر في دلائل الإسلام: أمَّناه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ التوبة/٦. " انتهى. " درء تعارض العقل والنقل" (٨/١٥) .
وقال علماء اللجنة:
" المسلمون لا يحكمون على غيرهم بأنهم في النار إلا بشرط وهو: أن يكونوا قد بلغهم القرآن، أو بيان معناه من دعاة الإسلام بلغة المدعوين؛ لقول الله : ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ وقوله سبحانه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾
فمن بلغتهم الدعوة الإسلامية من غير المسلمين وأصر على كفره فهو من أهل النار، لما تقدم من الآيتين، ولقول النبي صلى لله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار» خرجه مسلم في صحيحه. والأدلة في هذا المعنى من الآيات والأحاديث كثيرة " انتهى
وقال علماء اللجنة أيضا:
" ومن عاش في بلاد يسمع فيها الدعوة إلى الإسلام وغيره، ثم لا يؤمن، ولا يطلب الحق من أهله: فهو في حكم من بلغته الدعوة الإسلامية وأصر على الكفر " انتهى.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (٢ /١٤٨)
وقالوا أيضا: " من بلغته الدعوة من سائر الكفرة على وجه يفهم به ما بلغه لو أراد الفهم، فقد قامت عليه الحجة، فلا يعذر بالجهل " انتهى.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (١/٤٢٧)
وقال الشيخ ابن باز ﵀:
" من بلغه القرآن وبلغه الإسلام , ثم لم يدخل فيه فله حكم الكفرة "انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (١ / ٥٠)
وسئل الشيخ ابن باز:
ما مصير من لا يعلم بأن دين الإسلام هو الدين الصحيح، والمقبول عند الله، ويعتقد دينا خيرا [من] الإسلام؟
فأجاب الشيخ:
" إذا كان المسئول عنه عاش بين المسلمين، وقد بلغه القرآن والسنة، ومع ذلك يعتقد دينا غير دين الإسلام فحكمه حكم أهل الدين الذي اعتقده وهو الكفر " انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" - (٢٨ /٢٠٢- ٢٠٣)
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
" من بلغته رسالة النبي ﷺ فلم يؤمن به ويتبعه لم يكن مؤمنا ولا مسلما بل هو كافر من أهل النار " انتهى.
"مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين" (٤ / ٢١٩) .
فيتبين مما سبق أن هذا المذكور في السؤال: مرتد، وأن المرتد ليس له أن يمهل أكثر من ثلاثة أيام؛ فإن عاد إلى الإسلام، وإلا قتل.
فإن مات قبل ذلك، ولم يستتب، ولم يقم عليه الحد: فهو كافر، له أحكام الكفار، فلا يغسل , ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يورث ماله.
فإن قدر أنه لم يدر شيئا عن الإسلام، ولم يبلغه على وجه صحيح، أو أن له عذرا عند الله، فذاك أمره إلى الله، يحكم فيه بحكمه وعدله في الدار الآخرة، وهو أحكم الحاكمين.
يراجع السؤال رقم: (٩٦٠٧) ، (١١١٣٦٢) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1243
تعريف موجز بديانة الهندوس
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يمكن تزويدي ببعض الحقائق عن الهندوسية؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا: التعريف.
الهندوسية: ويطلق عليها أيضاً البرهمية، ديانة وثنية، يعتنقها معظم أهل الهند، وهي مجموعة من العقائد والعادات والتقاليد التي تشكلت عبر مسيرة طويلة من القرن الخامس عشر قبل الميلاد إلى وقتنا الحاضر، حيث كان هناك – في القرن الخامس عشر قبل الميلاد - سكان الهند الأصليون من الزنوج الذين كانت لهم أفكار ومعتقدات بدائية، ثم جاء الغزاة الآريون مارّين في طريقهم بالإيرانيين فتأثرت معتقداتهم بالبلاد التي مروا بها، ولما استقروا في الهند حصل تمازج بين المعتقدات تولدت عنه الهندوسية كدين فيه أفكار بدائية من عبادة الطبيعة والأجداد والبقر بشكل خاص، وفي القرن الثامن قبل الميلاد تطورت الهندوسية عندما وُضع مذهب البرهمية، وقالوا بعبادة براهما.
ولا يوجد للديانة الهندوسية مؤسس معين، ولا يعرف لمعظم كتبها مؤلفون معينون، فقد تمّ تشكُّل الديانة وكذلك الكتب عبر مراحل طويلة من الزمن.
ثانيا: الأفكار والمعتقدات.
نستطيع فهم الهندوسية من خلال كتبها، ونظرتها إلى الإله، ومعتقداتها، وطبقاتها، إلى جانب بعض القضايا الفكرية والعقائدية الأخرى.
أ- كتبها:
للهندوسية عدد هائل من الكتب عسيرة الفهم، غريبة اللغة، وقد أُلّفت كتب كثيرة لشرحها، وأخرى لاختصار تلك الشروح، وكلها مقدسة عندهم، وأهمها:
١- " الفيدا " (veda) : وهي كلمة سنسكريتية، معناها الحكمة والمعرفة، وتصور حياة الآريين، ومدارج الارتقاء للحياة العقلية من السذاجة إلى الشعور الفلسفي، وفيه أدعية تنتهي بالشك والارتياب، كما أن فيه تأليهاً يرتقي إلى وحدة الوجود، وهي تتألف من أربعة كتب.
٢- مها بهارتا: ملحمة هندية تشبه الإلياذة والأوديسة عند اليونان، ومؤلفها " وياس " ابن العارف " بوسرا " الذي وضعها سنة ٩٥٠ ق. م، وهي تصف حرباً بين أمراء من الأسر المالكة، وقد اشتركت الآلهة في هذه الحرب.
ب- نظرة الهندوسية إلى الآلهة:
- التوحيد: لا يوجد توحيد بالمعنى الدقيق، لكنهم إذا أقبلوا على إله من الآلهة أقبلوا عليه بكل جوارحهم حتى تختفي عن أعينهم كل الآلهة الأخرى، وعندها يخاطبونه برب الأرباب، أو إله الآلهة.
- التعدد: يقولون بأن لكل طبيعة نافعة أو ضارة إلهاً يُعبد: كالماء والهواء والأنهار والجبال.. وهي آلهة كثيرة يتقربون إليها بالعبادة والقرابين.
- التثليث: في القرن التاسع قبل الميلاد جمع الكهنة الآلهة في إله واحد أخرج العالم من ذاته وهو الذي أسموه: ١- براهما: من حيث هو موجود. ٢- فشنو: من حيث هو حافظ. ٣- سيفا: من حيث هو مهلك. فمن يعبد أحد الآلهة الثلاثة فقد عبدها جميعاً أو عبد الواحد الأعلى ولا يوجد أي فارق بينها، وهم بذلك قد فتحوا الباب أمام النصارى للقول بالتثليث.
- يلتقي الهندوس على تقديس البقرة وأنواع من الزواحف كالأفاعي وأنواع من الحيوان كالقردة، ولكن تتمتع البقرة من بينها جميعاً بقداسة تعلو على أي قداسة، ولها تماثيل في المعابد والمنازل والميادين، ولها حق الانتقال إلى أي مكان، ولا يجوز للهندوكي أن يمسها بأذى أو بذبحها، وإذا ماتت دفنت بطقوس دينية.
- يعتقد الهندوس بأن آلهتهم قد حلت كذلك في إنسان اسمه كرشنا، وقد التقى فيه الإله بالإنسان، وحل اللاهوت في الناسوت، وهم يتحدثون عن كرشنا كما يتحدث النصارى عن المسيح، وقد عقد الشيخ محمد أبو زهرة ﵀ مقارنة بينهما مظهراً التشابه العجيب، بل التطابق، وعلق في آخر المقارنة قائلاً: " وعلى المسيحيين أن يبحثوا عن أصل دينهم ".
ج- الطبقات في المجتمع الهندوسي:
- منذ أن وصل الآريون إلى الهند شكَّلوا طبقات ما تزال قائمة إلى الآن، ولا طريق لإزالتها؛ لأنها تقسيمات أبدية من خلق الله كما يعتقدون.
- وردت الطبقات في قوانين منو على النحو التالي:
- ١- البراهمة: وهم الذين خلقهم الإله براهما من فمه: منهم المعلم، والكاهن، والقاضي، ولهم يلجأ الجميع في حالات الزواج والوفاة، ولا يجوز تقديم القرابين إلا في حضرتهم. ٢- الكاشتر: وهم الذين خلقهم الإله من ذراعيه: يتعلمون ويقدمون القرابين ويحملون السلاح للدفاع. ٣- الويش: وهم الذين خلقهم الإله من فخذه: يزرعون ويتاجرون ويجمعون المال وينفقون على المعاهد الدينية. ٤- الشودر: وهم الذين خلقهم الإله من رجليه، وهم مع الزنوج الأصليين يشكلون طبقة " المنبوذين "، وعملهم مقصور على خدمة الطوائف الثلاث السابقة الشريفة، ويمتهنون المهن الحقيرة والقذرة.
- يلتقي الجميع على الخضوع لهذا النظام الطبقي بدافع ديني.
- يجوز للرجل أن يتزوج من طبقة أعلى من طبقته، ويجوز أن يتزوج من طبقة أدنى، على أن لا تكون الزوجة من طبقة الشودر الرابعة، ولا يجوز للرجل من طبقة الشودر أن يتزوج من طبقة أعلى من طبقته بحال من الأحوال.
- البراهمة هم صفوة الخلق، وقد ألحقوا بالآلهة، ولهم أن يأخذوا من أموال عبيدهم " شودر " ما يشاؤون.
- البرهمي الذي يكتب الكتاب المقدس هو رجل مغفور له ولو أباد العوالم الثلاثة بذنوبه.
- لا يجوز للملك - مهما اشتدت الظروف - أن يأخذ جباية أو إتاوة من البرهمي.
- إن استحق البرهمي القتل لم يجز للحاكم إلا أن يحلق رأسه، أما غيره فيقتل.
- البرهمي الذي هو في العاشرة من عمره يفوق الشودري الذي ناهز المائة، كما يفوق الوالد ولده.
- لا يصحُّ لبرهمي أن يموت جوعاً في بلاده.
- المنبوذون أحط من البهائم وأذل من الكلاب بحسب قانون منو.
- من سعادة المنبوذين أن يخدموا البراهمة وليس لهم أجر أو ثواب.
- إذا مدّ أحد المنبوذين إلى برهمي يداً أو عصاً ليبطش به قطعت يده، وإذا رفسه فُدِعت رجله.
- إذا هَمَّ أحد من المنبوذين بمجالسة برهمي فعلى الملك أن يكوي استه وينفيه من البلاد.
- إذا ادّعى أحد المنبوذين أنه يعلِّم برهمياً فإنه يسقى زيتاً مغليًّا.
- كفارة قتل الكلب والقطة والضفدعة والوزغ والغراب والبومة ورجل من الطبقة المنبوذة سواء.
- ظهر مؤخراً بعض التحسن البسيط في أحوال المنبوذين خوفاً من استغلال أوضاعهم ودخولهم في أديان أخرى لا سيما النصرانية التي تغزوهم أو الشيوعية التي تدعوهم من خلال فكرة صراع الطبقات، ولكن كثيراً من المنبوذين وجدوا العزة والمساواة في الإسلام فاعتنقوه.
د- معتقداتهم:
تظهر معتقداتهم في " الكارما "، وتناسخ الأرواح، والانطلاق، ووحدة الوجود:
١- " الكارما ": قانون الجزاء، أي أن نظام الكون إلهي قائم على العدل المحض، هذا العدل الذي سيقع لا محالة، إما في الحياة الحاضرة، أو في الحياة القادمة، وجزاء حياةٍ يكون في حياة أخرى، والأرض هي دار الابتلاء، كما أنها دار الجزاء والثواب.
٢- تناسخ الأرواح: إذا مات الإنسان يفنى منه الجسد، وتنطلق منه الروح لتتقمص وتحل في جسد آخر بحسب ما قدم من عمل في حياته الأولى، وتبدأ الروح في ذلك دورة جديدة.
٣- الانطلاق: صالح الأعمال وفاسدها ينتج عنه حياة جديدة متكررة لتثاب فيها الروح أو لتعاقب على حسب ما قدمت في الدورة السابقة.
- من لم يرغب في شيء ولن يرغب في شيء وتحرر من رق الأهواء، واطمأنت نفسه، فإنه لا يعاد إلى حواسه، بل تنطلق روحه لتتحد بالبراهما.
٤- وحدة الوجود: التجريد الفلسفي وصل بالهنادكة إلى أن الإنسان يستطيع خلق الأفكار والأنظمة والمؤسسات، كما يستطيع المحافظة عليها أو تدميرها، وبهذا يتحد الإنسان مع الآلهة، وتصير النفس هي عين القوة الخالقة.
أ - الروح كالآلهة أزلية سرمدية، مستمرة، غير مخلوقة.
ب - العلاقة بين الإنسان والآلهة كالعلاقة بين شرارة النار والنار ذاتها، وكالعلاقة بين البذرة وبين الشجرة.
ت - هذا الكون كله ليس إلا ظهوراً للوجود الحقيقي، والروح الإنسانية جزء من الروح العليا.
هـ- أفكار ومعتقدات أخرى:
- الأجساد تحرق بعد الموت لأن ذلك يسمح بأن تتجه الروح إلى أعلى، وبشكل عمودي، لتصل إلى الملكوت الأعلى في أقرب زمن، كما أن الاحتراق هو تخليص للروح من غلاف الجسم تخليصاً تاماً.
- عندما تتخلص الروح وتصعد يكون أمامها ثلاثة عوالم:
١- إما العالم الأعلى: عالم الملائكة. ٢- وإما عالم الناس: مقر الآدميين بالحلول. ٣- وإما عالم جهنم: وهذا لمرتكبي الخطايا والذنوب.
- ليس هناك جهنم واحدة، بل لكل أصحاب ذنب جهنم خاصة بهم.
- البعث في العالم الآخر إنما هو للأرواح لا للأجساد.
- المرأة التي يموت عنها زوجها لا تتزوج بعده، بل تعيش في شقاء دائم، وتكون موضعاً للإهانات والتجريح، وتكون في مرتبة أقل من مرتبة الخادم، ولذلك قد تحرق المرأة نفسها إثر وفاة زوجها تفادياً للعذاب المتوقع الذي ستعيش فيه، وقد حرم القانون هذا الإجراء في الهند الحديثة.
ثالثا: الانتشار ومواقع النفوذ.
كانت الديانة الهندوسية تحكم شبه القارة الهندية وتنتشر فيها على اختلاف في التركيز، ولكن البون الشاسع بين المسلمين والهندوس في نظرتيهما إلى الكون والحياة وإلى البقرة التي يعبدها الهندوس ويذبحها المسلمون ويأكلون لحمها؛ كان ذلك سبباً في حدوث التقسيم، حيث أُعلن عن قيام دولة الباكستان بجزأيها الشرقي والغربي والتي معظمها من المسلمين، وبقاء دولة هندية معظم سكانها هندوس والمسلمون فيها أقلية كبيرة.
هذا التعريف مأخوذ من " الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة " (٢/٧٢٤-٧٣١) مع شيء من الاختصار والتصرف اليسير.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
موقع الإسلام سؤال وجواب
стр. 1244
يعتقد أن عيسى خير من محمد ويطعن في نبينا
[السُّؤَالُ]
ـ[لماذا تقولون إن محمداً هو خير خلق الله - والذي لا أظن ذلك -؛ لأن خير خلق الله يجب أن لا يكون له ذنوب، وهذا يخالف محمَّداً؛ لأنه كثير الذنوب. خير خلق الله هو الذي ليس للشيطان عليه سلطان، وهو المسيح، وأنتم تعرفون والقرآن يقر بذلك. وكذلك خير خلق الله لا يلقي الشيطان على لسانه آيات دون أن يعلم , وكذلك خير خلق الله لا يخالف أمراً من الله، وخير خلق الله لا يمكن أن يجري عليه سحرٌ، وكيف يكون أَبَوَا خير خلق الله مشركين، وماتا مشركين؟ وأيضاً فإن خير خلق الله لا ينشر دينه بالسيف، أو بالمال يبيعه. إنكم تبالغون كثيراً، إن أردتم أورد لكم الآيات التي تثبت صحة كلامي.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
قد قرأنا ما كتبت بحروفه كلها، وأعدنا القراءة مرة وأخرى، فمن حقنا عليك أن تقرأ لنا ما ندافع به عن ديننا، وعن نبينا محمد - صلى الله عليه وعلى أخيه عيسى وسلم -، ومن حقنا عليك أن تتأمل كلامنا كما تأملْنا كلامك، أليس كذلك؟ .
ثانياً:
من الجيد أن تكون خاتمة رسالتك فيها إقرار بأن " عيسى " ﵇ خير خلق الله تعالى، والإقرار بأنه مخلوق ينفي عنه الألوهية، وأنه إله رب؛ لأنك أقررتَ أنه مخلوق مربوب، ولن يجتمع في ذات أنها خالق ومخلوق، ورب ومربوب، أو " لاهوت وناسوت "، ولعلك باعتقادك هذا تعتقد أيضاً بطلان العقيدة التي تثبت لهذا المخلوق أنه إله، أليس كذلك؟ .
إن المسيح الذي تتكلم عنه في سؤالك، ليس هو المسيح الذي تؤمنون به معشر النصارى، فعن أيهما تريد أن تتحدث، وأن يدور حوارنا: عبد الله عيسى ابن مريم، المخلوق؛ أو الابن الذي اتخذتموه إلها؟!
انظر إجابة السؤال رقم (٨٢٣٦١)
ثالثاً:
لسنا في صدد المقارنة بين عيسى ومحمد ﵉، فنحن في شرعنا قد نهينا عن المفاضلة بين الأنبياء، وبخاصة تلك المفاضلة التي فيها إنقاص لقدر الطرف الآخر، وهو ما فعلته أنتَ، فلم تستطع إثبات خيرية عيسى ﵇ على خلق الله تعالى إلا بالطعن بنبينا محمد ﷺ ، وهذا أمرٌ مرفوض في شرعنا لو كان الطرف الآخر أقل منزلة، وأما مع الطعن بأحد الأنبياء فإن من يفعل ذلك يكفر ويخرج من ملة الإسلام، فديننا المطهَّر يحفظ كرامة الأنبياء والرسل، ويُعلي شأنهم، والإيمان بهم جميعاً ركن من أركان الإيمان، ولا يكون مسلماً من لم يؤمن ولو بنبي واحد، وليس في شرعنا المطهَّر إلا ذِكر الأنبياء والرسل بخير، فقد ذكر الله تعالى في كتابه الكريم " القرآن " عبادتهم، وأثنى عليها، وذكر دعاءهم، وخشيتهم، ودعوتهم لأقوامهم، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وليس في كتاب الله تعالى ولا في سنة النبي ﷺ ما يسيء لأحدٍ منهم، بل فيهما وجوب تعظيم قدرهم، وإعلاء شأنهم.
رابعاً:
بحث المفاضلة بين عيسى ومحمد ﵉ ليس هو مقصوداً عندنا في الدين، ولا ينبغي أن يكون عندك كذلك، والسبب: أننا أُمرنا باتباعه ﷺ ، وقبل ذلك بالشهادة أنه رسول الله، وهذا لا علاقة له بكونه خير خلق الله أو لا، وليس هذا في ديننا فحسب، بل كل قوم أرسل لهم رسول من قبَل ربهم تعالى فإنهم مأمورون بالإيمان به وباتباعه ولو لم يكن خير خلق الله، وهل من شرط النبي أن يكون خير خلق الله؟! فماذا إذن يكون حال الأمم السابقة التي اجتمع في عصر واحدٍ مجموعة عظيمة من الأنبياء والرسل؟! نحن لم نشهد لنبينا محمد ﷺ بالرسالة لأنه خير خلق الله، ولا قال هو اتبعوني لأنني خير خلق الله، بل نحن عرفنا ذلك من رفع الله تعالى لمقامه، ومن إعلائه لشأنه، وسنذكر ما يؤيد هذا بآية، وحادثة، وحديث:
١. أما الآية: فهي قول الله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) آل عمران/ ٨١.
فهذا عهد وميثاق أخذه الله ﵎ عَلَى الأنبياء جميعاً أن يؤمنوا بمُحَمَّد ﷺ ، وأن ينصروه في دعوته.
٢. وأما الحادثة: فهي صلاة نبينا ﷺ بالأنبياء جميعاً إماماً، وذلك في رحلته المسماة " الإسراء والمعراج "، فقد صلَّى بهم جميعاً ﵈ في بيت المقدس.
وإن لم يدل هذا على فضله وخيريته فلا ندري أي شيء يمكن أن يدل على ذلك.
٣. وأما الحديث: فهو ما صحَّ عنه ﷺ مما يجري يَوْمَ القِيَامَةِ حين يتراجع الأَنْبِيَاء صلوات الله وسلامه عليهم كلهم عن الشفاعة للناس في الفصل بينهم، فيعتذرون، وكلهم يقول: نفسي، نفسي، فيتقدم ﷺ للشفاعة العظمى ويقول: أنا لها، أنا لها، ثُمَّ يكرمه ربه تعالى، ويقبل شفاعته في أهل المحشر، وذلك هو المقام المحمود الذي لم يجعله الله ﵎ لبشرٍ غيره ﷺ .
فهذه بعض أدلة من ديننا على أفضلية النبي ﷺ على إخوانه الأنبياء ﵈، وليسوا ينكرون هم ذلك، فها هو موسى ﵇ يعترف بذلك في حديث صحيح عندنا، وها هو عيسى ﵇ يرفض أن يؤم بالمسلمين، بل يرضى أن يكون مأموماً؛ لأنه سيعمل بالعهد والميثاق الذي أخذهما الله تعالى عليه، فعندما ينزل في آخر الزمان فإنه سيقتل الخنزير، وسيكسر الصليب، وسيصلي مأموماً وراء إمامٍ من أئمة المسلمين.
وقد ثبت في أصح الكتب عندنا – البخاري ومسلم – بيان هذه الأمور مجتمعة، مع تعظيم قدر عيسى ﵇، ومدى ارتباطه به ﷺ ، فقف على هذا الحديث:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ) رواه البخاري ومسلم.
ومعنى (أولى الناس بعيسى) : أي: أخصهم به، وأقربهم إليه.
ومعنى (إخوة لِعَلَاّت) : أي: إخوة لأب من أمهات شتى.
معنى الحديث: أن أصل إيمان الأنبياء واحد، وشرائعهم مختلفة.
فأنت بكلامك الوارد في سؤالك تظن أنه ثمة فجوة بين الأنبياء والمرسلين وبين نبينا محمد ﷺ ، وليس هذا هو واقعهم ﵈، بل هم جميعاً إخوة، جاءوا برسالة عقائدية واحدة، وهي الدعوة لعبادة الله تعالى وحده، وترك الإشراك به.
خامساً:
وأما قولك عن نبينا محمد ﷺ أنه " كثير الذنوب ": فهو قول يمكن أن يزعمه أي أحد في أي شخص، ولو كنت تسلك الجادة العلمية لما قلتَ هذا القول، ونحن ننزه الأنبياء والمرسلين الذين أرسلوا لغيرنا من الأمم أن يكونوا من أصحاب المعاصي والذنوب: فكيف يكون حال أفضلهم وخيرهم؟ وانظر للفرق العظيم بيننا وبينك، ففي الوقت الذي تطعن فيه بنبينا محمد ﷺ دون بيِّنة: فإننا ننكر هذا أن يكون من أخلاق أحد من الأنبياء والرسل لغيرنا، وهكذا علَّمنا ديننا: أن نحترم الأنبياء والمرسلين، وأن نجلَّهم، ونقدِّرهم.
ونحن لا نعجب منكم إذا طعنتم بنبينا وأسأتم له؛ لأن شتم الأنبياء ديدنكم، والطعن فيهم منهجكم، وقد لبَّس عليكم اليهود دينَكم، وحرَّفوه فتبعتموهم على عماية وضلالة، وكل ما في التوراة من طعن في الأنبياء والمرسلين فأنتم تصدقونه، وأضفتم إليه ما في كتبكم المحرَّفة من طعن في صفوة الناس:
١. جاء في إنجيل " متَّى " أن عيسى من نسل سليمان بن داود، وأن جدهم فارض الذي هو من نسل الزنى من يهوذا بن يعقوب. إصحاح متى الأول، عدد (١٠) .
٢. وفي إنجيل " يوحنَّا " إصحاح (٢) عدد (٤) : أن يسوع أهان أمَّه في وسط جمع من الناس! .
٣. وفي إنجيل " يوحنا "، إصحاح (١٠) عدد (٨) : أن يسوع شهد بأن جميع الأنبياء الذين قاموا في بني إسرائيل هم سرَّاق ولصوص! .
وجاء في التلمود - وهو مؤلَّف ضخم، يعد مصدراً أساسيّاً من مصادر التشريع اليهودي، ويعد في وقتنا الحالي المرجع الديني لليهود الأصوليين، والمتشددين في إسرائيل، والعالم أجمع، وهو يتبوأ مكانة أسمى من مكانة التوراة -:
١. " إن تعاليم يسوع كفر , وتلميذه يعقوب كافر , وإن الأناجيل كتُب الكافرين ".
٢. وجاء فيه - والعياذ بالله -:
" إن يسوع الناصري موجود في لجات الجحيم بين القار والنار، وإن أمَّه مريم أتت به من العسكري " بانديرا " عن طريق الخطيئة، وإن الكنائس النصرانية هي مقام القاذورات والواعظون فيها أشبه بالكلاب النابحة ".
٣. وقال الحاخام " اباربانيل ":
" المسيحيون كافرون؛ لأنهم يعتقدون أن الله له لحم ودم ".
٤. وجاء في التلمود:
" كل الشعوب ماعدا اليهود: وثنيون , وتعاليم الحاخامات مطابقة لذلك ".
٥. وجاء في موضع آخر من التلمود:
" إن المسيح كان ساحراً ووثنيّاً، فينتج أن المسيحيين وثنيون أيضاً مثله ".
٦. وجاء في التلمود - أيضاً -:
" النعيم مأوى أرواح اليهود، ولا يدخل الجنة إلا اليهود، أما الجحيم: فمأوى الكفار من المسيحيين، والمسلمين، ولا نصيب لهم فيها سوى البكاء؛ لما فيها من الظلام والعفونة ".
فأين هذا الذي تدعيه كتبكم على أنبياء الله الكرام، مما تدعيه على نبينا محمد ﷺ من كثرة الذنوب. وانظر جواب السؤال رقم (٤٢٢١٦) .
سابعاً:
وأما قولك " وكذلك خير خلق الله لا يلقي الشيطان على لسانه آيات دون أن يعلم ": فأنت تريد به " قصة الغرانيق " وملخصها:
أن الرسول ﵊ وهو يقرأ: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى) النجم/ ١٩، ٢٠ ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى! وأن النبي ﷺ وأصحابه والمشركون سجدوا بعد ذلك!
وهذه القصة قد ضعَّفها كثير من أهل العلم والتحقيق.
قال البيهقي:
هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل.
انظر " تفسير الفخر الرازي " (٢٣ / ٤٤) .
وقال ابن حزم:
وأما الحديث الذي فيه: " وأنهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتها لترتجى " فكذب بحت موضوع؛ لأنه لم يصح قط من طريق النقل، ولا معنى للاشتغال به، إذ وضع الكذب لا يعجز عنه أحد.
" الفِصَل في الملل والنحل " (٢ / ٣١١) .
وقال القاضي عياض:
هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل....، ومن حُكيت هذه الحكاية عنه من المفسرين والتابعين لم يسندها أحد منهم، ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية.
" الشفا في أحوال المصطفى " (٢ / ٧٩) .
وقال الحافظ ابن كثير:
قد ذكر كثير من المفسرين قصة الغرانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة، ظنّاً منهم أن مشركي قريش قد أسلموا، ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح، والله أعلم.
" تفسير ابن كثير " (٣ / ٢٣٩) .
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀:
ليس في إلقاء هذه الألفاظ في قراءته ﷺ حديث صحيح يعتمد عليه فيما أعلم، ولكنها رويت عن النبي ﷺ في أحاديث مرسلة، كما نبه على ذلك الحافظ ابن كثير في تفسير آية الحج، ولكن إلقاء الشيطان في قراءته ﷺ في آيات النجم وهي قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج / ٥٢] فقوله سبحانه: ﴿إِلا إِذَا تَمَنَّى﴾ أي: تلا، وقوله سبحانه: ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي: في تلاوته، ثم إن الله سبحانه ينسخ ذلك الذي ألقاه الشيطان ويوضح بطلانه في آيات أخرى، ويحكم آياته؛ ابتلاء وامتحانا، كما قال سبحانه بعد هذا: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ الآيات [الحج / ٥٣] .
فالواجب على كل مسلم أن يحذر ما يلقيه الشيطان من الشبه على ألسنة أهل الحق وغيرهم، وأن يلزم الحق الواضح الأدلة، وأن يفسر المشتبه بالمحكم حتى لا تبقى عليه شبهة، كما قال الله سبحانه في أول سورة آل عمران: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران / ٧] وصح عن النبي ﷺ من حديث عائشة ﵂ أنه قال: " إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم " متفق على صحته.
والله ولي التوفيق.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٨ / ٣٠١، ٣٠٢) .
وقد تكلَّم على القصة سنداً ومتناً وبيَّن ضعف سندها ونكارة متنها: الشيخ الألباني ﵀ في رسالته النافعة " نصب المجانيق في بطلان قصة الغرانيق ".
ومن صحح القصة من العلماء فإنه لم يقل بما توهمه في ظاهرها من التغيير والتبديل في كلام الله تعالى ومن الخطأ من النبي ﷺ ، بل بيَّنوا لها أوجهاً تلتقي مع اعتقاد المسلمين جميعاً بعدم تحريف القرآن وبعصمة النبي صلى الله عليه فيما يبلغ عن ربه تعالى.
ومن وجوه التأويل ما ذكره بعض العلماء من كون الشيطان ألقى تلك الكلمات في أسماع المشركين لا أنه ألقاها على لسان النبي ﷺ ، وهو ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في " مجموع الفتاوى " (٢ / ٢٨٢) .
أما عن سبب سجود المشركين في نهاية تلاوة السورة: فإليك ما قاله العلماء فيه.
قال الشيخ الألباني ﵀ في آخر كتابه السابق الذكر -:
رب سائل يقول: إذا ثبت بطلان إلقاء الشيطان على لسانه ﵊ جملة " تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى " فَلِمَ إذن سجد المشركين معه ﷺ وليس ذلك من عادتهم؟ .
والجواب ما قاله المحقق الآلوسي بعد سطور من كلامه الذي نقلته آنفاً:
" وليس لأحد أن يقول: إن سجود المشركين يدل على أنه كان في السورة ما ظاهره مدح آلهتهم، وإلا لما سجدوا؛ لأننا نقول: يجوز أن يكونوا سجدوا لدهشة أصابتهم وخوف اعتراهم عند سماع السورة لما فيها من قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى. وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى. وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى. وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى. فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ إلى آخر الآيات [النجم / ٥٠ - ٥٤] ، فاستشعروا نزول مثل ذلك بهم، ولعلهم لم يسمعوا قبل ذلك مثلها منه ﷺ ، وهو قائم بين يديْ ربه سبحانه في مقام خطير وجمع كثير، وقد ظنّوا من ترتيب الأمر بالسجود على ما تقدم أن سجودهم ولو لم يكن عن إيمان كافٍ في دفع ما توهَّموه، ولا تستبعد خوفهم من سماع مثل ذلك منه ﷺ ، فقد نزلت سورة (حم السجدة) بعد ذلك كما جاء مصرّحا به في حديث عن ابن عباس، ذكره السيوطي في أول " الإتقان " فلما سمع عُتبة بن ربيعة قوله تعالى فيها: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ " [فصّلت / ١٣] ! أمسك على فم رسول الله ﷺ ، وناشده الرحم واعتذر لقومه حين ظنوا به أنه صبأ وقال: " كيف وقد علمتم أن محمَّداً إذا قال شيئاً لم يكذب؟ فخفت أن ينزل بكم عذاب " وقد أخرج ذلك البيهقي في " الدلائل " وابن عساكر في حديث طويل عن جابر بن عبد الله ﵁.
ثامناً:
وأما قولك: " وكذلك خير خلق الله لا يخالف أمراً من الله ": لا نعرف ما الأمر الذي أمر الله تعالى نبيَّه ولم يفعله! وقد وصفه ربه تعالى بالعبودية، وأثنى عليه، وهو أعلم الناس بربه، وأتقاهم وأخشاهم له، فأي أمرٍ يمكن أن يخالفه؟! إن هذا إلا اختلاق.
تاسعاً:
وقولك: " وخير خلق الله لا يمكن أن يجري عليه سحرٌ ": قول باطل، فالسحر الذي جرى له ﷺ لم تعلمه أنت حتى أعلمك به النبي ﷺ ! ولم يخبر به النبي ﷺ حتى أذن الله تعالى له بالإخبار به! فهو من جملة العوارض التي تصيب الإنسان، وهو يدل على أنه ﷺ بشر، وقد ردَّ بعض أهل البدع من المنتسبين للإسلام هذا الحديث، وظنوه مخالفاً لكونه معصوماً ﷺ ، ومحطاًّ لقدر النبوة، وقد كفانا العلماء الأثبات مئونة الرد على أولئك قديماً، وعليكم حديثاً.
قال النووي – ﵀ –:
قال الإمام المازري: وقد أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث بسببٍ آخر، فزعم أنه يحط منصب النبوة، ويشكك فيها، وأن تجويزه يمنع الثقة بالشرع! وهذا الذي ادَّعاه هؤلاء المبتدعة: باطل؛ لأن الدلائل القطعية قد قامت على صدقه، وصحته، وعصمته فيما يتعلق بالتبليغ، والمعجزة شاهدة بذلك، وتجويز ما قام الدليل بخلافه: باطل، فأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث بسببها، ولا كان مفضَّلا من أجلها، وهو مما يعرض للبشر: فغير بعيد أن يخيَّل إليه من أمور الدنيا ما لا حقيقة له، وقد قيل: إنه إنما كان يتخيل إليه أنه وطىء زوجاته وليس بواطئ، وقد يتخيل الإنسان مثل هذا في المنام، فلا يبعد تخيله في اليقظة ولا حقيقة له، وقيل: إنه يخيل إليه أنه فعله وما فعله ولكن لا يعتقد صحة ما يتخيله فتكون اعتقاداته على السداد.
قال القاضي عياض: وقد جاءت روايات هذا الحديث مبيِّنة أن السحر إنما تسلَّط على جسده وظواهر جوارحه، لا على عقله، وقلبه، واعتقاده، ويكون معنى قوله في الحديث " حتى يظن أنه يأتي أهله ولا يأتيهن "، ويروى: " يُخيل إليه " أي: يظهر له من نشاطه، ومتقدم عادته القدرة عليهن فإذا دنى منهن أخذته أخذة السحر فلم يأتهن، ولم يتمكن من ذلك كما يعتري المسحور، وكل ما جاء في الروايات من أنه يخيل إليه فعل شيء لم يفعله، ونحوه: فمحمول على التخيل بالبصر لا لخلل تطرق إلى العقل، وليس في ذلك ما يدخل لبساً على الرسالة، ولا طعناً لأهل الضلالة.
" شرح مسلم " (١٤ / ١٧٤، ١٧٥) .
وقال الإمام ابن قيم الجوزية – ﵀:
قد أنكر هذا طائفة من الناس، وقالوا: لا يجوز هذا عليه، وظنُّوه نقصاً وعيباً، وليس الأمر كما زعموا، بل هو من جنس ما كان يعتريه ﷺ من الأسقام والأوجاع، وهو مرض من الأمراض، وإصابته به كإصابته بالسم لا فرق بينهما، وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ أنها قالت: سحر رسول الله ﷺ حتى إن كان ليخيل إليه أنه يأتي نساءه ولم يأتهن، وذلك أشد ما يكون من السحر.
" زاد المعاد " (٤ / ١١٣) .
ثم نسألك، إن كنت جاداً في الحوار: أيهما أشد على صاحبه، وأدل على نزول قدره، جريان هذا السحر، الذي هو مرض من الأمراض، تسبب فيه هذا اليهودي، أو تسلّط اليهود على عيسى ابن مريم النبيّ عندنا، والإله أو ابن الإله عندكم، حتى صلبوه وقتلوه وسط شماتة الأعداء وإهانتهم:
(وكان المارة يهزون رؤوسهم ويشتمونه، ويقولون: ... إن كنت ابن الله، فخلص نفسك، وانزل عن الصليب. وكان رؤساء الكهنة، ومعلمو الشريعة والشيوخ يستهزئون به، فيقولون: خلَّصَ غيره، ولا يقدر أن يخلص نفسه؟! هو ملك إسرائيل، فلينزل الآن عن الصليب لنؤمن به؛ توكَلَ على الله وقال: أنا ابن الله، فلينقذه الله إن كان راضيا عنه. وعيره اللصان المصلوبان معه أيضا، فقالا مثل هذا الكلام.)
(وعند الظهر خيم على الأرض كلها ظلام حتى الساعة الثالثة , ونحو الساعة الثالثة صرخ يسوع بصوت عظيم: إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟!!) [متى: ٢٧/٣٨-٤٧] وأيضا:
[مرقس: ١٥/٢٩-٣٥]
راجع جواب السؤال رقم (١٢٦١٥)
ونحن نقول: حاشا لأنبياء الله الكرام، محمد وأخيه عيسى وإخوانهم جميعاً ﵈ من هذا الإفك والبهتان ومن كل ذلة وهوان "
عاشراً:
وأما قولك: " وكيف يكون أبوا خير الله مشركين، وماتا مشركين؟ ": فهذا من العجائب، وما دخل كونه أفضل الخلق بكون والديه مشركين؟! وهل الرب تعالى اصطفاه هو أم اصطفاه واصطفى أهله وأقرباءه؟! وها هو إبراهيم ﵇ قد توفي والده على الشرك، فلم يُنقص ذلك من رتبته ومنزلته، وهو أبو الأنبياء، ﷺ ، وها هو نوح ﵇ تموت زوجته وابنه على الكفر، وها هو لوط ﵇ تُهلك زوجته وهي على الكفر، فكان ماذا؟ .
ثم انظروا، ما تقوله كتبكم المقدسة عندكم، وعند اليهود عن مريم البتول ﵍، بل وعن أنبياء الله أنفسهم، لتعلم أيها السائل أي الفريقين أصدق قيلاً، وأهدى سبيلاً؟!
حادي عشر:
وأما قولك: "؟ وأيضاً فإن خير خلق الله لا ينشر دينه بالسيف، أو بالمال يبيعه "
فقد سبق أن ناقشنا ذلك في موقعنا، فنرجو مراجعة جواب السؤالين (٤٣٠٨٧) و (١٠٠٥٢١)
فإذا انتهيت من مراجعة هذين الجوابين، فمن الحسن أن تتأمل هذه النصوص من كتبكم، لعلك أن يكون لك رأي آخر:
١. قال المسيح ﵇: " لا تظنوا أني جئتُ لألقي سلاماً على الأرض، ما جئت لألقي سلاماً بل سيفاً، وإني جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه، والابنة ضد أمها، والكنة ضد حماتها، وأعداء الإنسان أهل بيته. من أحب أبا أو أماً أكثر مني فلا يستحقني، ومن أحب ابناً أو ابنة أكثر مني فلا يستحقني، ومن لا يأخذ صليبه ويتبعني فلا يستحقني، من وجد حياته يضيعها، ومن أضاع حياته من أجلي يجدها ".
" إنجيل متى، الإصحاح العاشر، فقرة ٣٥ وما بعدها.
٢. قال المسيح ﵇: " من له سيف: فليأخذه، ومن ليس له: فليبع ثوبه، ويشتري سيفاً ".
" لوقا " (٢٢ / ٣٦، ٣٧) .
٣. ويقول المسيح ﵇: " أما أعدائي أولئك الذين لم يريدوا أن أملك عليهم: فأتوا بهم إلى هنا، واذبحوهم قدامي ".
" لوقا " (١١) .
ج. واسمع لعقلاء من غير المسلمين من الكتَّاب والأدباء والتاريخيين ماذا يقولون:
١. قال توماس كارليل في كتابه " الأبطال وعبادة البطولة ": " إن اتهامه - أي: محمد ﷺ بالتعويل على السيف في حمل الناس على الاستجابة لدعوته: سخفٌ غير مفهوم؛ إذ ليس مما يجوز في الفهم أن يُشهر رجل فرد سيفه ليقتل به الناس، أو يستجيبوا له، فإذا آمن به مَن يقدرون على حرب خصومهم: فقد آمنوا به طائعين مصدقين، وتعرضوا للحرب من غيرهم قبل أن يقدروا عليها ".
انظر: " حقائق الإسلام وأباطيل خصومه " لعباس لعقاد (ص ٢٢٧) .
٢. ويقول المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه " حضارة العرب " وهو يتحدث عن سر انتشار الإسلام في عهده ﷺ وفي عصور الفتوحات من بعده -: " قد أثبت التاريخ أن الأديان لا تُفرض بالقوة، ولم ينتشر الإسلام إذن بالسيف، بل انتشر بالدعوة وحدها، وبالدعوة وحدها اعتنقته الشعوب التي قهرت العرب مؤخراً كالترك والمغول، وبلغ القرآن من الانتشار في الهند - التي لم يكن العرب فيها غير عابري سبيل - ما زاد عدد المسلمين إلى خمسين مليون نفس فيها، ولم يكن الإسلام أقل انتشاراً في الصين التي لم يفتح العرب أي جزء منها قط، وسترى في فصل آخر سرعة الدعوة فيها، ويزيد عدد مسلميها على عشرين مليوناً في الوقت الحاضر ".
فهل تبين لك مدى بُعد التهمة عن الإسلام؟! هل تبين لك مدى تضليل الأحبار والرهبان ووسائل الإعلام لك؟ .
د. وكأني بك تريد تنزيه دينك عن انتشاره بالسيف! وكأني بك تريد إقناع الناس بما يحمله أهل دينك من الرحمة والرأفة! وكل ذلك غير صحيح، وإليكَ أمثلة من واقعكم:
١. الملِك " أولاف " ذبَح كلَّ مَن رفض اعتناق النصرانية في " النرويج "، قطع أيديهم، وأرجلهم، ونفاهم، وشرَّدهم، حتى انفردت النصرانية بالبلاد.
٢. وفي الجبل الأسود بالبلقان قاد الأسقف الحاكم " دانيال بيتر وفتش " عملية ذبح غير المسيحيين ليلة عيد الميلاد.
٣. وفي الحبشة قضى الملك سيف أرعد (١٣٤٢ – ١٣٧٠ م) بإعدام كل من أبى الدخول في النصرانية، أو نفيهم من البلاد.
٤. ثم نجد أن النصرانية - وليس الإسلام - هي التي أبادت الهنود الحمر في أمريكا.
٥. ثم نجد النصرانية هي التي اقتلعت الشعب الفلسطيني من أرضه لتسليمها إلى أعداء المسيح ومحمد ﵉ على السواء.
٦. من الذي أشعل الحروب العالمية؟ لقد قُتل في الحرب العالمية الأولى عشرة ملايين، وفي الثانية حوالي ٧٠ مليوناً! .
٧. وكم قُتل من البشر بالقنابل الذرية التي ألقيت على مدينتي " نجازاكي " و " هيروشيما " في اليابان؟ .
٨. وترى النصرانية في حربها الصليبية عندما حاصرت بيت المقدس وشددت الحصار ورأى أهلها أنهم مغلوبين فطلبوا من قائد الحملة " طنكرد " الأمان على أنفسهم وأموالهم، فأعطاهم الأمان على أن يلجأوا إلى المسجد الأقصى رافعين راية الأمان، فامتلاء المسجد الأقصى بالشيوخ والأطفال والنساء، وذُبحوا كالنعاج، وسالت دماؤهم في المعبد حتى ارتفعت الدماء إلى ركبة الفارس، وعجَّت شوارعنا بالجماجم المحطمة، والأذرع، والأرجل المقطعة، والأجسام المشوهة، ويذكر المؤرخون أن الذين قُتلوا في داخل المسجد الأقصى فقط سبعين ألفاً، ولا ينكر مؤرخو الفرنج هذه الفضائح.
٩. وعصرنا اليوم خير شاهد على ذلك، لقد قصفوا أفغانستان، ثم تحولوا إلى العراق ليدمروها، فقصفوا، وقتلوا، وعاثوا في الأرض فساداً، وقد قال كبيرهم: إن الله أمره بدخول العراق!! فأين وصايا المسيح التي يدعونها ويتشدقون بها؟! .
١٠. ألم يقف " اللورد اللنبي " ممثل الحلفاء: إنجلترا، وفرنسا، وإيطاليا، ورومانيا، وأميركا في بيت المقدس في سنة ١٩١٨ حين استولى عليه في أخريات الحرب الكبرى الأولى قائلاً: " اليوم انتهت الحروب الصليبية "؟! .
١١. ألم يقف الفرنسي " غورو " ممثل الحلفاء أيضاً - وقد دخل دمشق - أمام قبر البطل المسلم " صلاح الدين الأيوبي " قائلاً: " لقد عدنا يا صلاح الدين "؟! .
١٢. وهل هدمت الديار، وسفكت الدماء، واغتصبت الأعراض في البوسنة والهرسك إلا باسم الصليب؟ .
١٣. بل أين هؤلاء مما حدث في الشيشان - ومازال يحدث -؟ وفي إفريقيا؟ وإندونيسيا؟ وغيرها؟ وهل يستطيع هؤلاء إنكار أن ما حدث في كوسوفا كان حربا صليبية؟ ألم يقل بوش في حربه الأخيرة " ستكون حربا صليبية "؟! .
ومثل هذه الفظائع لم يقع في جهاد المسلمين لأعدائهم، فما كانوا يقتلون النساء، ولا الأطفال، ولا الدهماء من الناس، ويجدر أن نذكر بوصية أبي بكر الصدِّيق حيث قال لأسامة بن زيد وجنده:
" لا تخونوا، ولا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تمثِّلوا، ولا تقتلوا طفلاً، ولا شيخاً كبيراً، ولا امرأة، ولا تعزقوا نخلاً، ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة، ولا بقرة، ولا بعيراً إلا للأكل، وإذا مررتم بقوم فرَّغوا أنفسهم في الصوامع: فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له ".
ينظر: " موسوعة شبهات النصارى حول الإسلام "، " السيرة النبوية " للشيخ محمد أبو شهبة.
وأما كلامك عن المال: فإن هذا يجب أن يُستحيى من ذِكره، فالعالم كله يعرف من الذي يذهب إلى الدول الفقيرة وبيده اليمنى خبزة، وبالأخرى نسخة من الإنجيل! وكل العالم يعرف من يحمل بيده حبة الدواء وحفنة الدولارات، وبيده الأخرى نسخة من الإنجيل! .
وأخيراً:
لعلنا أن نكون قد أظهرنا لك خطأ ما ذكرتَه عن نبينا محمد ﷺ ، ولعلك علمت أنك ضحية إعلام مزوَّر، جعلك تسيء إلى من لا يستحق الإساءة، وتسكت عمن يستحق البيان والفضح، واعلم أن الإسلام دين الأدلة والبراهين، وليس دين الادعاءات والتزوير، فأدرك نفسك، والتحق بركب الأنبياء والصالحين، واحرص على أن لا تموت إلا على الدين الذي كان يعتقده الأنبياء والمرسلون، وهو التوحيد، واحرص على أن تكون ضمن قافلة أتباع خير الأديان وخاتمتها.
نسأل الله تعالى أن يهديك، ويشرح صدرك للإسلام، ونسأله أن يريك الحق حقا ويرزقك اتباعه، ويريك الباطل باطلا ويرزقك اجتنابه.
والله الموفق
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1245
هل يثبت الإسلام لمن يعتقد أن عيسى ابن الله ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يمكن أن يكون الإنسان مسلماً وهو لا يزال يؤمن بأن عيسى هو ابن الله؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
من أهم أركان الإيمان بالله الإيمانُ بتنزيه الله تعالى عن كل صفات النقص ومن صفات النقص التي يجب على المسلم أن ينفيها عن الله تعالى صفة الولد لأنه يلزم منها الحاجة وووجود المماثل وهذه أمور ينزه الله ﵎ عنها قال تعالى في سورة الإخلاص التي تسمَّى صفة الرحمن وتعدل في الأجر ثلث القرآن (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤) سورة الصمد.
ولما كان النصارى يعتقدون أن عيسى ابن لله ـ تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً ـ كثر في آيات القرآن نفي هذه الدعوى والرد عليها كما في قوله تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) التوبة/٣٠.
وقوله: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً) النساء/١٧١
وقوله: (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) المائدة/٧٥. وقوله سبحانه: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) التوبة/٣٠
ولما كان هذا الاعتقاد الباطل موجوداً عند النصارى كان من الواجب على من دخل منهم الإسلام أن يتخلى عن اعتقاداته الباطلة التي تناقض الإسلام والتي منها هذا الاعتقاد كما ثبت عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أنه قَالَ: (مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ الْعَمَلِ) البخاري ٣٤٣٥ مسلم ٢٨ قال القرطبي ﵀ ويستفاد منه ما يلقنه النصراني إذا أسلم انظر فتح الباري حديث رقم ٣٤٣٥.
وعليه فلا يثبت الإسلام إلا بالتبرؤ من هذه العقيدة الباطلة، واعتقاد تنزيه الرب جلَّ وعلا عن كل نقص، ومن علم عظمة الله تعالى سهل عليه مفارقة ما كان عليه من اعتقاد ما لا يليق بالله تعالى، ونسأل الله أن يرزقنا تعظيمه ومعرفة قدره جلَّ وعلا.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1246
حكم دخول المسلم للكنيسة
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم دخول المسلم للكنيسة لسماع محاضرة تُلقى هناك؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
دخول الكنائس للاجتماعات وسماع المحاضرات لا يخلو من محاذير عدة، سبق بيان بعضها في جواب السؤال رقم (٨٢٨٣٦) .
وقد اختلف العلماء في حكم دخول المسلمِ الكنيسةَ ابتداء، على أقوال:
القول الأول: التحريم، وهو قول الحنفية والشافعية إلا أن الشافعية قيدوا التحريم بوجود الصور، كما في " تحفة المحتاج " (٢ / ٤٢٤) و " نهاية المحتاج " (٢ / ٦٣) و " حاشيتا قليوبي وعميرة على شرح المحلي " (٤ / ٢٣٦) .
أما الحنفيَّة فكان تحريمهم مطلقا، وعللوه بأنها مأوى الشياطين، كما قال ابن نجيم من الحنفية في " البحر الرائق " (٧ / ٣٦٤) ، وفي " حاشية ابن عابدين " (٢ / ٤٣) .
القول الثاني: الكراهة، وهو قولٌ عند الحنابلة، إلا أن بعضهم قيد الكراهة بما إذا وجدت الصور في الكنيسة، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في " الفتاوى الكبرى " (٥ / ٣٢٧) : " والمذهب الذي عليه عامة الأصحاب: كراهة دخول الكنيسة المصورة، وهذا هو الصواب الذي لا ريب فيه ولا شك " انتهى.
انظر: "الفروع" (٥/٣٠٨) و "الآداب الشرعية" (٣/٤١٥) و "الإنصاف" (١/٤٩٦) .
واستدلوا بالأدلة الآتية:
١. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا رَأَى الصُّوَرَ فِي الْبَيْتِ لَمْ يَدْخُلْ حَتَّى أَمَرَ بِهَا فَمُحِيَتْ) رواه البخاري (٣٣٥٢) .
٢. عن ابن عمر ﵄ قال: (وَعَدَ النَّبِيَّ ﷺ جِبْرِيلُ، فَرَاثَ عَلَيْهِ حَتَّى اشْتَدَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَقِيَهُ، فَشَكَا إِلَيْهِ مَا وَجَدَ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ وَلَا كَلْبٌ) رواه البخاري (٥٩٦٠) .
٣. وعن أسلم مولى عمر قال: (لما قدم عمر الشام صنع له رجل من عظماء النصارى طعاما ودعاه فقال عمر: إنا لا ندخل كنائسكم من الصور التي فيها - يعني: التماثيل -) رواه عبد الرزاق في " المصنف " (١ / ٤١١ و ١٠ / ٣٩٨) .
القول الثالث: جواز دخول الكنيسة مطلقا، وهو قولٌ للحنابلة، وعليه المذهب، كما في " المغني " (٨ / ١١٣) و " الإنصاف " (١ / ٤٩٦) .
وهو قول ابن حزم الظاهري كما في " المحلى " (١ / ٤٠٠) .
واستدلوا بما يلي:
١. ما ورد في شروط عمر على أهل الذمة أن يوسعوا كنائسهم وبيَعهم ليدخلها المسلمون للمبيت بها والمارة بدوابهم.
" المغني " (٨ / ١١٣) .
٢. وروى ابن عائذ في " فتوح الشام " أن النصارى صنعوا لعمر ﵁ حين قدم الشام طعاما فدعوه، فقال أين هو: قالوا: في الكنيسة، فأبى أن يذهب، وقال لعلي: امض بالناس فليتغدوا، فذهب علي بالناس، فدخل الكنيسة وتغدى هو والمسلمون، وجعل علي ينظر إلى الصور ويقول: ما علي أمير المؤمنين لو دخل.
" المغني " (٨ / ١١٣) .
وبالتأمل في الأدلة السابقة لا يظهر أن هناك دليلا صريحا على تحريم دخول الكنائس، ووجود التماثيل والصور فيها وفي أي مكان لا يحرم دخوله، فالإثم على المصورين وعلى من يصنع تلك التماثيل، وأما من يدخل مكانا فيه تلك التماثيل فإنما عليه النصح والبيان، ولا يجب عليه الخروج من ذلك المكان.
قال ابن قدامة ﵀:
"فأما دخول منزل فيه صورة: فليس بمحرم، وإنما أبيح ترك الدعوة من أجله عقوبة للداعي بإسقاط حرمته لإيجاده المنكر في داره، ولا يجب على من رآه في منزل الداعي الخروج في ظاهر كلام أحمد، فإنه قال في رواية الفضل: إذا رأى صورا على الستر لم يكن رآها حين دخل قال: هو أسهل من أن يكون على الجدار، قيل: فإن لم يره إلا عند وضع الخوان بين أيديهم أيخرج؟ فقال: لا تضيق علينا، ولكن إذا رأى هذا وبخهم ونهاهم" انتهى.
" المغني " (٨ / ١١٣) .
ولكن.. لا أقل من أن يُقال بكراهة دخول الكنيسة من غير حاجة، فإن امتناع الملائكة وامتناع النبي ﷺ من دخول البيت الذي فيه صورة، يدل على كراهة ذلك.
ثم هذه الكراهة قد تصل إلى التحريم إذا ترتب على دخول الكنيسة مفسدة، كما لو كان فيه إقرار للنصارى على شركهم ودعواهم الصاحبة والولد لله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
أو كان في دخول الكنيسة مصادقة للنصارى ومودة لهم ... إلخ.
جاء في " فتاوى اللجنة الدائمة " (٢ / ١١٥) :
"إن كان ذهابك إلى الكنيسة لمجرد إظهار التسامح والتساهل: فلا يجوز، وإن كان ذلك تمهيدا لدعوتهم إلى الإسلام وتوسيع مجالها، وكنت لا تشاركهم في عبادتهم، ولا تخشى أن تتأثر بعقائدهم ولا عاداتهم وتقاليدهم: فذلك جائز" انتهى.
وانظر جواب السؤال رقم (١١٢٣٢) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1247
الطائفة النصيرية أو العلوية
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي أهم أفكار وعقائد العلويين؟ وما الفرق بينهم وبين سائر المسلمين؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الطائفة العلوية ظهرت في القرن الثالث من الهجرة، وتعد هذه الطائفة من غلاة الشيعة، الذين ادعوا الإلهية في علي بن أبي طالب ﵁.
وكان اسمهم الأول "النصيرية" ثم تسموا بعد ذلك بـ "العلويين" تمويهاً على الناس، وتغطية لحقيقة مذهبهم، وهم يحرصون على هذا الاسم الآن.
مؤسس هذه الطائفة هو محمد بن نصير البصري النميري (توفي سنة٢٧٠ هـ) الذي ادعى النبوة والرسالة.
أهم أفكار ومعتقدات هذه الطائفة:
١- يعتقدون في علي بن أبي طالب ﵁ أنه إله.
٢- يجبون عبد الرحمن بن ملجم الذي قتل علي بن أبي طالب، ويترضون عليه، لزعمهم بأنه خلص اللاهوت من الناسوت، ويخطئون من يلعنه!
٣- يعتقد بعضهم أن علياً يسكن السحاب بعد تخلصه من الجسد الذي كان يقيده، وإذا مر بهم السحاب قالوا: السلام عليك يا أبا الحسن، ويقولون: إن الرعد صوته، والبرق سوطه.
٤- يعظمون الخمر، ويشربونها، ويعظمون شجرة العنب لذلك.
٥- يصلون في اليوم خمس مرات، لكنها صلاة تختلف عن صلاة المسلمين، إذ ليس فيها سجود.
٦- لهم قداسات شبيهة بقداسات النصارى.
٧- لا يؤمنون بالحج، ويقولون بأن الحج إنما هو كفر وعبادة أصنام.
٨- لا يؤمنون بالزكاة الشرعية المعروفة عند المسلمين، وإنما يدفعون ضريبة إلى مشايخهم، مقدارها خمس ما يملكون.
٩- الصيام عندهم هو الامتناع عن معاشرة النساء طيلة شهر رمضان.
١٠- لهم تفسير باطني لشرائع الإسلام وأركانه غير ما يعرفه منها المسلمون، ولذلك فهم لا يؤمنون بالشهادتين ولا بالصلاة ولا بالزكاة ولا بالصيام ولا بالحج، ولا الطهارة والوضوء والاغتسال من الجنابة ... إلخ.
١١- عقائدهم خليط من الاعتقادات والأديان الباطلة، فأخذوا من الوثنية القديمة وعُبَّاد الكواكب والنجوم، وأخذوا من الفلاسفة المجوس، والنصارى، والمعتقدات الهندية والآسيوية الشرقية، وخلطوا ذلك بمعتقدات الشيعة الغلاة.
١٢- لهم أعياد كثيرة يحتفلون بها تدل على مجمل عقائدهم، منها:
- عيد النيروز، في اليوم الرابع من نيسان، وهو أول أيام سنة الفرس.
- عيد الغدير والعاشر من المحرم (عاشوراء) .
- عيد الأضحى، وهو عندهم في اليوم الثاني عشر من شهر ذي الحجة.
- يحتفلون بأعياد النصارى، كعيد الغطاس وعيد الميلاد وعيد الصليب وغيرها.
- يحتفلون بيوم مقتل عمر بن الخطاب ﵁، فرحا بمقتله، وشماتة به.
وبهذا يتبين أن هذه الفرقة من الفرق الباطنية التي تنتسب إلى الإسلام زوراً، والإسلام منهم بريء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "هؤلاء القوم المسمَّون بالنصيرية ـ هم وسائر الأصناف الباطنية ـ أكفر من اليهود والنصارى، بل وأكفر من كثير من المشركين، وضررهم أعظم من ضرر الكفار المحاربين مثل التتار والفرنج وغيرهم.. وهم دائماً مع كل عدو للمسلمين، فهم مع النصارى على المسلمين، ومن أعظم المصائب عندهم انتصار المسلمين على التتار، ثم إن التتار ما دخلوا بلاد الإسلام وقتلوا خليفة بغداد وغيره من ملوك المسلمين إلا بمعاونتهم ومؤازرتهم" انتهى.
انظر: "الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة" (١/٣٩٣-٣٩٩) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1248
" السيخ "، عقيدتهم، منهجهم، موقفهم من المسلمين
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد أن أعرف ضلالات " السيخ "، لي صديقة تقول: إن كلاًّ من " السيخ "، والمسلمين يعبدون نفس الرب! ، وتدَّعي أن هناك العديد من أوجه التشابه بين عقيدة السيخ والإسلام، وأنا أريد أن أشرح لها باستخدام أمثلة من عقائد السيخ أنفسهم، وأبيِّن لها خطأ عقيدتهم. لم أستطع الحصول على أي موقع إلكتروني للمقارنة بين " السيخية " والإسلام، تقول أيضاً: إن بداية السيخية كانت بسبب الاضطهاد الهائل في " الهند " الذي مارسه " المغول "، حيث كانوا يجبرون الهندوس على اعتناق الإسلام بالقوة عن طريق التعذيب، وقتل النساء، والأطفال، فما مدى صحة ما تدَّعيه؟ وهل ما ذكرتْه صديقتي موثق تاريخيّاً ومعترف به؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
التعريف:
السيخ: جماعة دينية من الهنود الذين ظهروا في نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر الميلاديين، داعين إلى دينٍ جديد، زعموا أن فيه شيئاً من الديانتين الإسلامية، والهندوسية تحت شعار: " لا هندوس ولا مسلمون ".
وقد عادوا المسلمين خلال تاريخهم، وبشكل عنيف، كما عادوا الهندوس بهدف الحصول على وطن خاص بهم، وذلك مع الاحتفاظ بالولاء الشديد للبريطانيين خلال فترة استعمار الهند.
وكلمة " سيخ " كلمة سنسكريتية تعني: المريد، أو التابع.
ثانياً:
التأسيس وأبرز الشخصيات:
المؤسس: " تاناك "، ويدعى: " غورو "، أي: المعلِّم، ولد سنة ١٤٦٩ م في قرية " ري بوي دي تلفندي " التي تبعد ٤٠ ميلاً عن لاهور، كانت نشأته هندوسية تقليدية.
- لما شبَّ عمل محاسباً لزعيم أفغاني في " سلطانبور "، وهناك تعرَّف على عائلة مسلمة كانت تخدم هذا الزعيم.
- درس علوم الدين، وتنقل في البلاد، كما قام بزيارة مكة، والمدينة، وزار أنحاء العالم المعروفة لديه، وتعلم: الهندية، والسنسكريتية، والفارسية.
- ادَّعى أنه رأى الرب، حيث أمره بدعوة البشر، ثم اختفى أثناء استحمامه في أحد الجداول، وغاب لمدة ثلاثة أيام، ظهر بعدها معلناً: " لا هندوس ولا مسلمون ".
- كان يدّعي حب الإسلام، مشدوداً إلى تربيته وجذوره الهندوسية من ناحية أخرى، مما دفعه لأن يعمل على التقريب بين الديانتين، فأنشأ ديناً جديداً في القارة الهندية، وبعض الدارسين ينظرون إليه على أنه كان مسلماً في الأصل ثم ابتدع مذهبه هذا.
- أنشأ المعبد الأول للسيخ في " كارتاربور " بالباكستان حاليًّا، وقبل وفاته عام ١٥٣٩م عيّن أحد أتباعه خليفة له، وقد دفن في بلدة ديرة " باباناناك " من أعمال البنجاب الهندية الآن، ولا يزال له ثوب محفوظ فيه مكتوب عليه سورة الفاتحة وبعض السور القصيرة من القرآن الكريم.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم الحمد وفقه الله:
وقد كتب بعض المؤرخين أنه كان مسلماً، لذا كانوا يترحمون عليه! .
وهذا بعيد جدّاً؛ إذ لو كان مسلماً: لدعا إلى الإسلام، ولم يخترع ديناً جديداً.
وربما كان سببُ ادعائهم الإسلام له: ورودَ بعض العبارات في كتابه؛ بحيث يوجد بها بعض الروح الإسلامية، كقوله: " اقرأ كلمة الإله التي معها اسم محمد محبوب، وقد ضحى بما لديه في سبيل الله ".
وكذلك كان يذكر في كتابه: القرآنَ، والرسولَ، واليومَ الآخر، والرحمن، والرحيم، وغيرها من الكلمات الإسلامية.
ولكن ذلك ليس كافياً بالحكم له بالإسلام، ولذلك كانت السيخ تقول: إن " نانك " لم يكن مسلماً، ولا هندوكياً، وإنما كان يُحب فقراء المسلمين، وفقراء الهنادك.انتهى.
http://www.toislam.net/files.asp?order=٣&num=٢٥٣٨&per=٢٥٣٤&kkk=
- خلفه من بعده عشرة خلفاء معلِّمون، آخرهم: " غوبند سنغ " (١٦٧٥ - ١٧٠٨م) الذي أعلن انتهاء سلسلة المعلمين.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم الحمد وفقه الله:
وهذا الخليفة كان من أشجع خلفاء السيخ، وأخبرهم بأمور الحرب، وهو الذي صرف همَّه كله لتوحيد صفوف السيخ، وبث فيهم روح العداء للمسلمين، وفتح الباب لجميع من أراد الدخول في الديانة السيخية، ولم يفرق بين الطبقات، فدخل الناس في دينه أفواجاً.
ثم جعل لقومه زيّاً خاصّاً يتميزون به عن الآخرين، وأوجب على كلِّ سيخي أن يتخذ لديه قطعة من الحديد؛ وذلك دليلاً على شجاعته وصلابته، وألا يحلق شيئاً من شعر جلده، وأن يكون عنده مشاطة، وأوجب تعظيم البقرة، ورفع القيود عن المأكل والمشرب حتى أباح الخمر.
واتخذ مع اسمه لقب " سنغ " أي: الأسد، ثم أطلق هذا اللفظ على كل سيخي، فما منهم من أحد إلا وفي اسمه " سنغ "، وهو الذي لقب السيخ بـ: " الخالصة "، أي: القوم الأحرار، وهو الذي فصل الأمة السيخية عن الأمة الهندوسية فصلاً تامّاً، وفي عهده أصبح السيخ أعدى أعداء المسلمين، وصاروا يسعون للانتقام منهم في كل فرصة سنحت لهم.
http://www.toislam.net/files.asp?order=٣&num=٢٥٣٨&per=٢٥٣٤&kkk=
- صار زعماؤهم بعد ذلك يُعرفون باسم المهراجا، ومنهم المهراجا " رانجيت سنغ " المتوفى سنة ١٨٣٩ م.
ثالثاً:
الأفكار والمعتقدات:
١. يدعن إلى الاعتقاد بخالقٍ واحد، ويقولون بتحريم عبادة الأصنام، وينادون بالمساواة بين الناس.
٢. يؤكدون على وحدانية الخالق الحي الذي لا يموت، والذي ليس له شكل، ويتعدى أفهام البشر، كما يستعملون عدة أسماء للإله منها: "واه غورو" و "الجاب"، وأفضلها عند "ناناك": "الخالق الحق"، وكل ما عداه وَهْمٌ "مايا".
٣. يمنعون تمثيل الإله في صور، ولا يقرون بعبادة الشمس والأنهار والأشجار التي يعبدها الهندوس، كما لا يهتمون بالتطهر والحج إلى نهر "الغانج"، وقد انفصلوا تدريجيَّا عن المجتمع الهندوسي، حتى صارت لهم شخصية دينية متميزة.
٤. أباح ناناك الخمر، وأكل لحم الخنزير، وقد حرم لحم البقر؛ مجاراة للهنادكة.
٥. يعتقد السيخ بعقيدة تناسخ الأرواح، فيعتقدون أن روح كل واحد من المعلمين تنتقل منه إلى المعلم التالي له.
٦. ويعتقدون تقديس البقر إلى حد ما.
٧. يحرقون موتاهم كالهندوس.
٨. أصول الدين لديهم خمسة، وهي الكافات الخمس، ذلك أنها تبدأ بحرف " الكاف " باللغة الكورمكية، وهي:
أ. كيش: ويعني: ترك الشعر مرسلاً بدون قص من المهد إلى اللحد، وذلك لمنع دخول الغرباء بينهم بقصد التجسس.
ب. كازا: ويعني: أن يلبس الرجل سواراً حديداً في معصميه؛ بقصد التذلل، والاقتداء بالدراويش.
ج. كريباك: ويعني: أن يلبس الرجل تبّاناً - وهو أشبه بلباس السباحة - تحت السراويل؛ رمزاً للعفة.
د. كانجا: ويعني: أن يضع الرجل مشطاً صغيراً في شعر رأسه؛ وذلك لتمشيط الشعر، وترجيله، وتهذيبه.
هـ. كاخ: ويعني: أن يتمنطق السيخي بحَربة صغيرة - أو خنجر - على الدوام؛ وذلك لإعطائه قوة واعتداداً، وليدافع به عن نفسه إذا لزم الأمر.
وهذه الأمور ليست من وضع "ناناك"، بل هي من وضع الخليفة العاشر "غوبند سنغ" – كما سبق -، والذي حرّم أيضاً التدخين على أتباعه، ويقصد بهذه الأمور التميز عن جميع الناس.
٩. للمعلِّم - ويسمَّى عندهم " غورو " - درجة دينية تأتي بعد مرحلة الرب، فهو الذي يدل في نظرهم على الحق والصدق، كما أنهم يتعبدون الإله بإنشاد الأناشيد الدينية التي نظمها المعلمون.
١٠. يعتقدون بأن ترديد أسماء الإله "الناما" يطهِّر المرء من الذنوب، ويقضي على مصادر الشر في النفوس، وإنشاد الأناشيد "كيرتا "، والتأمل بتوجيه من معلم "غورو": كل هذا يؤدي إلى الاتصال بالإله.
١١. أعياد السيخ هي نفس أعياد هندوس الشمال في الهند، بالإضافة إلى عيد مولد أول وآخر "غورو"، وعيد ذكرى استشهاد "الغورو" الخامس، والتاسع.
رابعاً:
السيخ والمغول والإنجليز والهندوس والمسلمون:
١. تعرض السيخ لاضطهاد "المغول"، الذين أعدموا اثنين من معلميهم، وقد كان أشد المغول عليهم نادر شاه ١٧٣٨ – ١٨٣٩ م، الذي هاجمهم، مما اضطرهم إلى اللجوء إلى الجبال، والشعاب.
٢. صاروا بعد عام ١٧٦١ م حكاماً لـ "البنجاب"؛ وذلك بعد ضعف "المغول"، حيث احتلوا لاهور عام ١٧٩٩ م، وفي عام ١٨١٩ م امتدت دولتهم إلى بلاد "الباتان"، وقد وصلت إلى ممر "خيبر" في عهد المهراجا "رانجيت سنغ" – توفي ١٨٣٩ م - متغلبين على الأفغان.
٣. تحول السيخ إلى أداة في أيدي الإنجليز يضطهدون بهم حركات التمرد ١٨٥٧ م.
٤. حصلوا من الإنجليز على امتيازات كثيرة، منها منحهم أراض زراعية، وإيصال الماء إليها عبر قنوات، مما جعلهم في رخاءٍ مادي، يمتازون به عن جميع المقيمين في المنطقة.
٥. في الحرب العالمية الأولى كانوا يشكلون أكثر من ٢٠ % من الجيش الهندي البريطاني.
٦. ألغت الحكومة الهندية الامتيازات التي حصل عليها السيخ من الإنجليز، مما دفعهم إلى المطالبة بولاية "البنجاب" وطناً لهم.
٧. على إثر المصادمات المستمرة بين الهندوس والسيخ: أمرت " أنديرا غاندي " - رئيسة وزراء الهند - في شهر يونيو ١٩٨٤ م باقتحام المعبد الذهبي في " أمرتيسار " حيث اشتبك الطرفان، وقتل فيه حوالي ١٥٠٠ شخص من السيخ، و ٥٠٠ شخص من الجيش الهندي.
٨. وفي يوم ٣١ أكتوبر ١٩٨٤ م أقدم السيخ على قتل رئيسة الوزراء هذه؛ انتقاماً لاقتحام المعبد، وقد حصلت مصادمات بين الطرفين عقب الاغتيال قتل بسببها عدة آلاف من السيخ يقدرها بعضهم بحوالي خمسة آلاف شخص.
٩. اشتهر السيخ خلال حكمهم بالتعسف والظلم والجور والغلظة على المسلمين، مثل: منعهم من أداء الفرائض الدينية، والأذان، وبناء المساجد في القرى التي يكونون فيها أكثرية، وذلك فضلاً عن المصادمات المسلحة بينهما، والتي يقتل فيها كثير من المسلمين الأبرياء، ومن الذين قُتل على أيديهم العالِم القائد شاه محمد إسماعيل الدهلوي، وهو المعروف بـ "إسماعيل الشهيد"، وذلك في معركة "بالاكوت" سنة ١٢٤٦هـ (١٨٣١ م) ، ﵀.
خامساً:
الانتشار ومواقع النفوذ:
أ. لهم بلد مقدس يعقدون فيه اجتماعاتهم المهمة، وهي مدينة "أمرتيسار" من أعمال "البنجاب"، وقد دخلت عند التقسيم في أرض الهند.
ب. لهم في مدينة "أمرتيسار" أكبر معبد يحجون إليه، ويسمَّى "دربار صاحب" أي: مركز ديوان السيد الملك، وأما سائر المعابد: فتسمى "كرو داوره"، أي: مركز الأستاذ.
ج. أكثرية السيخ - وهم الأقلية الثالثة بعد الإسلام والمسيحية - تقطن "البنجاب"، إذ يعيش فيها ٨٥ % منهم، فيما تجد الباقي في ولاية "هاريانا"، وفي "دلهي"، وفي أنحاء متفرقة من الهند، وقد استقر بعضهم في ماليزيا، وسنغافورة، وشرق إفريقيا، وإنجلترا، والولايات المتحدة، وكندا، ورحل بعضهم إلى دول الخليج العربي بقصد العمل.
د. يقدَّر عدد السيخ حاليًّا بحوالي ١٥ مليون نسمة، داخل الهند، وخارجها.
سادساً:
مما سبق يتبين أن هذه الديانة ديانة وثنية كافرة، وأن تأثر بداياتها بالإسلام لا يجعلها محسوبة على الإسلام، وشعارهم المذكور في أول الجواب "لا هندوس ولا مسلمون" يؤكد هذا، بالإضافة لعدائهم الشديد للإسلام، وقتلهم للمسلمين، ومنعهم من إقامة شعائرهم، والوثنية بادية ظاهرة في هذه الديانة، ولا يُعرف عن أحدٍ من المسلمين أنه يحسبهم على الإسلام.
وليس هناك خالق يعبدونه وحده لا شريك كما هو الحال في دين الإسلام، وتأثر مؤسسهم بالإسلام لا يجعله مسلماً، وقوله بوجود خالق واحد لا يجعله موحِّداً، والمشركون في زمان النبي ﷺ كانوا يعتقدون بوجود خالقٍ واحد للكون، وهو الرب ، بل كانوا يعتقدون أكثر من ذلك، وأنه هو الذي ينزل من السماء ماء، وهو الذي يخرج الحيَّ من الميت، وهو الذي يسخر الشمس والقمر، وغير ذلك، ولم يجعلهم ذلك موحِّدين، ولا مسلمين؛ لأنهم صرفوا عبادتهم لغيره ، ولذا فإن كلمة العلماء متفقة على عدِّ "السيخ" من الوثنيين الكفار.
١. جاء في "الموسوعة الميسرة في الأديان":
ويتضح مما سبق:
أن عقيدة السيخ تعتبر إحدى حركات الإصلاح الديني التي تأثرت بالإسلام واندرجت ضمن محاولات التوفيق بين العقائد، ولكنها ضلت الطريق، حيث لم تتعرف على الإسلام بما فيه الكفاية من ناحية، ولأن الأديان ينزل بها الوحي من السماء، ولا مجال لاجتهاد البشر بالتلفيق والتوليف واختيار عناصر العقيدة من هنا وهناك.
٢. وسئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:
الكفار الذين يعملون معنا في الشركات، من السيخ، والهندوس، والنصارى، ماذا لهم؟ وماذا علينا نحوهم؟ وكيف يمكننا معاملتهم دون الوقوع في الموالاة؟ .
فأجابوا:
"تدعونهم إلى الإسلام، وتأمرونهم بالمعروف، وتنهونهم عن المنكر، وتقابلون برَّهم بالبر، وتستميلونهم بالمعروف إلى الإسلام، مع بغض ما هم عليه من الكفر والضلال" انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (٢/٦٦) .
٣. وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀:
عرض التلفزيون مساء الجمعة ٤ صفر ١٤٠٣ هـ برنامج "العالم الفطري"، والذي يقدمه إبراهيم الراشد، وكانت الحلقة عن "الهند" , وفي مستهل مقدمته قال: حقّاً إن الهند تسمى بلاد الأديان، ففيها نجد: الهندوسية , البوذية , السيخ ... إلخ , فأرجو منك إيضاح الآتي:
هل الأديان التي ذكرها مقدم البرنامج كما يدعي حقا أديان؟ وهل هي منزلة ومرسلة من عند الله؟ .
فأجاب:
"كلُّ ما يدين به الناس ويتعبدون به يسمَّى دِيناً، وإن كان باطلاً، كالبوذية، والوثنية، واليهودية، والهندوسية، والنصرانية، وغيرها من الأديان الباطلة، قال الله سبحانه في سورة الكافرون: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) فسمَّى ما عليه عبَّاد الأوثان دِيناً , والدين الحق هو الإسلام وحدة كما قال الله : (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) ، وقال تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ، وقال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) .
والإسلام: هو عبادة الله وحده، دون كل ما سواه , وطاعة أوامره، وترك نواهيه، والوقوف عند حدوده، والإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله مما كان وما يكون، وليس شيء من الأديان الباطلة منزَّلاً من عند الله، ولا مرضيّاً له , بل كلها محدثة، غير منزلة من عند الله، والإسلام هو دين الرسل جميعاً , وإنما اختلفت شرائعهم؛ لقول الله سبحانه: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) " انتهى.
"فتاوى الشيخ ابن باز" (٤/٣٢١) .
وانظر: "موسوعة الأديان والمذاهب المعاصرة " (٢/٧٧٤ – ٧٨٠) .
والله الهادي
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1249
حكم إطلاق لفظة نحن أبناء الله
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم من قال من المسلمين "نحن نؤمن أن كلنا أبناء الله" مستشهداً بالحديث الضعيف " الخلق كلهم عيال الله ".؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
فالحديث المذكور رواه البزار وأبو يعلى من حديث أنس، ولفظه: " الخلق كلهم عيال الله، فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله". وهو حديث ضعيف جدا كما قال الألباني في ضعيف الجامع (حديث رقم ٢٩٤٦) .
ومن قال من المسلمين: نحن نؤمن بأننا جميعا أبناء الله، وجب أن يُستفصل عن مراده قبل أن يُحكم عليه:
١- فإن أراد بالبنوة المعنى المجازي، وهو كون الناس محتاجين مفتقرين إلى الله تعالى، واستعمل هذه العبارة في غرض مشروع كالرد على النصارى القائلين بأن المسيح ابن الله، فلا حرج عليه في إلزامه النصارى بهذا لإبطال عقيدتهم - مع عدم التسليم باستعماله مع غيرهم لما يورثه من لبس ومعانٍ باطلة – وذلك لأن من وسائل إبطال اعتقاد النصارى في عيسى ﵇ إيقافهم على عبارات وردت في كتابهم المقدس تثبت البنوة لغير عيسى بما يدل بصورة واضحة على أن معنى النبوة في كل نصوص الإنجيل ليس المراد به البنوة الحقيقة التي زعموها لعيسى بما أدخله القسيس بولس لحرفهم عن عقيدة التوحيد، معتمداً على اللبس الذي توحيه كلمة (الأب) و (الابن) ومن هذه النصوص التي ترد عليهم ما جاء في إنجيل لوقا (٢٠/٣٦) قال عيسى عن المؤمنين به (هم مثل الملائكة، لا يموتون، وهم أبناء الله لأنهم أبناء القيامة) .
وكما في سفر أشعيا (٤٣/٦) (ائت ببني من بعيد وبناتي من أقصى الأرض) .
وكما في إنجيل يوحنا (١/١٢) (وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانا أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنين باسمه، الذين ولدوا ليس من دم ولا مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل بل من الله) .
وهكذا ما جاء في وصف الله بالأب، كما في إنجيل متى (٦/١) من كلام المسيح لتلاميذه (وإلا فليس لكم أجر عند أبيكم الذي في السموات) .
وفي إنجيل لوقا (١١/٢) (متى صليتم فقولوا: أبانا الذي في السموات) .
وفي إنجيل يوحنا (٢٠/١٧) (إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم) .
فالنصارى لا يقولون بأن الملائكة وبني إسرائيل والحواريين أبناء الله حقيقة، كما لا يقولون بأن الله أب لهؤلاء حقيقة، وإنما يحملون ذلك على المعنى المجازي، أي أب لهم في النعمة والإحسان والحفظ والرعاية، وهم أبناؤه في العبادة والحاجة والافتقار.
وبهذا يبطل استدلالهم على بنوة عيسى لله بكونه وصف في الإنجيل بأنه ابن الله.
٢- وإن أراد أن الناس جميعا أبناء الله كبنوة المسيح لله، على نحو ما يعتقده النصارى، فهذا كفر فوق كفر النصارى.
٣- وإن أراد أن الجميع أبناء الله أو عياله فلا فرق بين المسلم والكافر، وأراد بذلك عدم تكفير اليهود والنصارى وعباد الأوثان، فهذه ردة منه عن الإسلام؛ فإن من شك في كفر اليهود والنصارى أو صحح مذهبهم كفر إجماعاً.
٤- وإن أراد من ذلك تسويغ إطلاق لفظ " الأخ " على اليهودي والنصراني لأن الجميع عيال الله، فهذا باطل، فإنه لا أخوة بين المؤمنين والكافرين، والحديث لم يصح، ولو صح لما كان فيه مستند لهذا الإطلاق.
وينبغي الحذر من إطلاق الألفاظ الموهمة، التي قد توقع الإنسان في المحظور، وتدعو إلى إساءة الظن به لاسيما ما يتعلق منها بتوحيد الله تعالى، وإفراده في أسمائه وصفاته إذ حق الله تعالى هو أولى ما يراعى ويجنب ما يخدشه، لاسيما وأن هذه اللفظة قد استعملها اليهود وساقها الله تعالى في القرآن عنهم في سياق الذم (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءالله وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِم يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ) المائدة / ١٨
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1250
بوذا كان فيلسوفاً كافراً ولم يكن نبياً
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم الإسلام فيمن يقول: إن (بوذا) نبي؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"بوذا ليس نبياً، بل كافراً فيلسوفاً، يتنسك على غير دين سماوي، فمن اعتقد بنبوته فهو كافر. وقد غلا قومه فيه، واعتقدوا فيه الألوهية، وعبدوه من دون الله، واعتنق هذه النحلة البوذية الوثنية كثير من البشر قديماً وحديثاً، فالواجب على المسلم بغض هذه النحلة، وبغض أهلها، والبراءة منهم، ومعاداتهم في الله.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ ... الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ... الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد.
"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" (٢٦/٤٤) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1251
أجوبة من دخل في الإسلام على السؤال المتبادر " لماذا أسلمتَ "؟
[السُّؤَالُ]
ـ[يسألني أحد زملاء العمل " لماذا أسلمت؟ " فقلت له: إن هذا هو الطريق الذي كان يجب أن أسلكه، لا أعرف أحيانًا ما يجب أن أقوله، وعندما أحاول: أشعر أن ردي غير صحيح، كيف أرد على مثل هذا السؤال؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نسأل الله تعالى أن يتقبل إسلامك، وأن يثبتك على الحق، ويهديك لما يحب ويرضى.
واعلمي أيتها الأخت الفاضلة أنك سلكتِ الطريق الصحيح، فالإسلام دين الفطرة، ودين الأمن، والسعادة، يشعر بذلك كل من انتسب لهذا الدين العظيم، وقد يشعر بذلك أكثر من كان غارقاً في ظلمات الجهل والضلال والكفر، ويشعر الناطق بالشهادتين بشيء في قلبه لا يستطيع وصفه لأحدٍ، ولذلك تغلب أكثرهم دموع الفرح والسعادة، ولا شك أن الله تعالى قد جعل للإسلام طعماً، وللإيمان حلاوة، وهو ما نصَّت عليه نصوص شريعتنا، ويشعر بذلك الطعم، ويتذوق تلك الحلاوة من آمن بالله ربّاً وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبيّاً ورسولاً.
ثانياً:
إن الذي يكرمه الله تعالى بدخول الإسلام يجد من الأسباب لدخوله فيه ما لا يجده غيره، ويرى فيه من الجوانب ما لا يراه غيره، وما ذلك إلا لعظمة هذا الدين، وكثرة جوانب الخير فيه، وصلاحيته لجميع طبقات الناس وبيئاتهم وثقافاتهم، ومن هنا فإن من يدخل في هذا الدين العظيم يذكر من الأسباب لإسلامه ما لا يذكره غيره غالباً، وكلها إجابات صحيحة تحكي واقعهم وواقع الإسلام ذاته، ويمكنك الوقوف على بعض تلك الإجابات، والاستفادة منها، ونحن نفضل أن تذكري شعورك أنت، والسبب الذي دفعك أنت للدخول في هذا الدين، فهو تعبير عن واقعك الذي تعيشين، وأنت أبلغ من يستطيع التعبير عنه.
ولا مانع من ذِكر بعض تلك الأسباب عند غيرك ممن دخل في الإسلام؛ فقد يكون ثمة اشتراك في بعضها بينك وبينهم.
١. سئل أعرابي: لماذا أسلمتَ؟ قال: لم أرَ شيئاً من قول، أو فعل يستحسنه العقل، وتستطيبه الفطرة: إلا وحثَّ عليه الإسلام، وأمر به، وأحلَّه رب العزة سبحانه، ولم أجد شيئاً يستقبحه العقل، وتستقذره الفطرة: إلا ونهى الله عنه، وحرَّمه على عباده.
٢. قال " روبرت ديكسن " رئيس جمعية المحامين الأمريكيين: جوابي لمن سألني لماذا أسلمت: هو: أن الإسلام دين التوحيد، والسعادة، والراحة النفسية، والعيشة الهانئة، إذا التزمت به، وطبقت تعاليمه، وهو دين العدل الإلهي.
٣. قال " محمد أسد " - السياسي، والمؤلف النمساوي -: لم يكن هناك شيء بعينه من تعاليم الإسلام هو الذي أخذ بمجامع قلبي، إنه المجموع المتكامل المتناسب والمتماسك من هذه التعاليم الروحية من جانب، والتي ترسم برنامجاً عمليّاً للحياة من الجانب الآخر.
٤. قالت الفرنسية المهتدية " سيلفي فوزي: لقد وجدت في الإسلام منهاج حياة يجيب عن كل التساؤلات، وينظم للإنسان حياته وفق ما ينفعه، ويتناسب مع فطرته، ملبسه، ومأكله، وعمله، ونظام زواجه، اختياراته في الحياة، علاقاته بالآخرين، ومن ثم فلا عجب أن من يلتزم بالإسلام يستشعر الاطمئنان، والأمان النفسي، الذي هو في رأيي أهم العناصر لاستمرار الحياة.
٥. قالت أم عبد الملك – الأمريكية المسلمة -: أذهلني الإسلام الذي رفع من مقدار الوالدين.
٦. قال الشيخ محمد بن إبراهيم – ﵀: إن أَحد فلاسفة الهنود درس تاريخ الأَديان كلها، وبحث فيها بحثَ مستقلٍّ منصفٍ، وأَطال البحث في النصرانية؛ لما للدول المنسوبة إليها من الملك، وسعة السلطان، والتبريز في الفنون، والصناعات، ثم نظر في الإسلام، فعرف أَنه الدين الحق، فأَسلم، وأَلف كتاباً باللغة الإنجليزية سماه " لماذا أَسلمت "، بيَّن فيه ما ظهر له من مزايا الإسلام على جميع الأَديان، وكان أَهمها عنده: أَن الإسلام هو الدين الوحيد الذي له تاريخ صحيح محفوظ، فالآخذ به يعلم أَنه هو الدين الذي جاء به محمد بن عبد الله، النبي الأمي العربي، المدفون في المدينة المنورة من بلاد العرب، وقد كان من مثار العجب عنده أَن ترضى أُوربا لنفسها دينًا ترفع من تنسبه إليه عن مرتبة البشر، فتجعله إلهاً وهي لا تعرف من تاريخه شيئًا يعتد به، فإن هذه الأناجيل الأربعة على عدم ثبوت أَصلها، وعدم الثقة بتأْريخها، ومؤلفيها: لا تذكر من تاريخ المسيح إلا وقائع قليلة، حدثت - كما تقول - في أَيام معدودة، ولا يذكر فيها شيء يعتد به عن نشأَة هذا الرجل، وتربيته، وتعليمه، وأَيام صباه، وشبابه، ولله في خلقه شئون.
" فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم " (١ / ٤٨) .
٧. قال " يوسف خطَّاب " – المتحول من اليهودية إلى الإسلام – لما سئل لماذا أسلمت -: لأن الإسلام دين التوحيد، قرأت عنه كثيراً، وأخيراً اقتنعت بأنه هو السبيل للجنة.
والكلمات كثيرة، ويجمعها أن الإسلام دين الفطرة، والأمن، والسعادة، والأحكام الحكيمة، والأخلاق الرفيعة، ومن رام المقارنة بين الإسلام وغيره من الأديان المحرَّفة، أو الأنظمة والقوانين البشرية: فسيتبين له بجلاء أوجه الاختلاف، وأنه ليس ثمة مجال للمقارنة أصلاً.
٨. وتصف " ميري واتسون " – الأمريكية الحاصلة على ثلاث درجات علمية، وبعضها في علم اللاهوت لحظة تسلل نور الإيمان إلى قلبها فتقول: شعرت في ليلة - وأنا مستلقية على فراشي وكاد النوم يقارب جفوني - بشيء غريب استقر في قلبي، فاعتدلت من فوري، وقلت: يا رب أنا مؤمنة بك وحدك، ونطقت بالشهادة، وشعرت بعدها باطمئنان، وراحة تعم كل بدني، والحمد لله على الإسلام، ولم أندم أبداً على هذا اليوم الذي يعتبر يوم ميلادي.
انتهى
وننصحك – أختنا الفاضلة – بقراءة كتاب: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، للشيخ أبي الحسن الندوي، وكتاب: الإسلام على مفترق الطرق، والطريق إلى الإسلام، وهما للأستاذ محمد أسد، والثلاثة متوفرة باللغة الإنجليزية.
كما ننصحك بقراءة قصص واقعية لمن اهتدوا إلى الطريق المستقيم، وأسلموا لله تعالى، وفيها بيان: كيف اهتدوا، وما هي خطواتهم الأولى نحو الهداية، وذلك تحت هذا الرابط:
http://www.themwl.com/AlDaawa/default.aspx?ct=١&cid=٧&l=AR
ونسأل الله لك الثبات على الحق، والتوفيق للعلم النافع، والعمل الصالح.
والله الموفق
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1252
هل يقال عن الإسلام دين محمد وعن المسلمين المحمديين
[السُّؤَالُ]
ـ[يطلق أحد إخواننا المسلمين على الإسلام أنه دين محمد، وهو يدعم هذا القول بشدة لأنه بما أن النبى ﷺ هو الذى أتى بالإسلام، فهو يرى أنه لا ضير من تسمية الإسلام بدين محمد، فهل يجوز أن نطلق على الإسلام أنه دين محمد، وعلى المسلمين أنهم المحمديون؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
لا شك أن هذا الإسلام الذي ندين به، هو دين محمد ﷺ ، فقد بُعث به إلينا، وبلغه لنا، كما أمره ربه سبحانه، لكن ينبغي أن يُعلم أن الإسلام خاص وعام:
فالإسلام الخاص المشتمل على هذه الشريعة التي نعلمها، وفيها الصلوات الخمس، والزكاة، وصوم رمضان، والحج على الصفة التي بينها النبي ﷺ ، وفيها أحكام المعاملات والجنايات وغير ذلك، هذا الإسلام الخاص هو الدين الذي جاء به محمد ﷺ .
وأما الإسلام العام الذي يقوم على توحيد الله تعالى، واتباع رسوله المرسل من عنده، فهو دين جميع الأنبياء، صلوات الله عليهم، دين نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم، كما قال تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) آل عمران/١٩، وقال: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) آل عمران/٨٥
وقال عن نوح ﵇: (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) يونس/٧٢.
وقال عن إبراهيم: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) آل عمران/٦٧.
وقال: (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ) الحج/٧٨
وقال عن موسى (يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ) يونس/٨٤.
وقال عن يوسف: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) يوسف/١٠١.
فالإسلام هو عبادة الله وحده لا شريك له، والإيمان بما جاء من عنده، وهذا قدر مشترك متفق عليه بين جميع الأنبياء، ثم يقع التمييز بينهم في تفاصيل الشرائع، ولهذا قال النبي ﷺ : (أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ) رواه البخاري (٣٤٤٣) .
والإخوة لعلات: هو الإخوة لأب.
والمراد أن أصل دينهم واحد، وإن اختلفت فروعهم.
ولهذا يخشى من قولنا عن الإسلام: إنه دين محمد ﷺ أن يظن السامع وغيره أن دين الأنبياء الآخرين ليس هو الإسلام.
ولهذا كان الاسم العلم على هذا الدين هو " الإسلام "، وأصحابه هم " المسلمون "؛ قال الله تعالى: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا) الحج: ٧٨
قال الشيخ السعدي ﵀: " أي: في الكتب السابقة، مذكورون ومشهورون، وَفِي هَذَا الكتاب، وهذا الشرع؛ أي: ما زال هذا الاسم لكم قديما وحديثا ". تفسير السعدي (٥٤٦) باختصار يسير.
ولم يزل أتباع هذه الملة يسمون به، قال تعالى: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) الأحزاب/٣٥، وقال: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) فصلت/٣٣
وروى الترمذي (٢٨٦٣) عن الْحَارِثَ الْأَشْعَرِيَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ ( ... فَادْعُوا بِدَعْوَى اللَّهِ الَّذِي سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمِينَ الْمُؤْمِنِينَ عِبَادَ اللَّهِ) والحديث صححه الألباني في صحيح الترمذي.
وروى مسلم (١٣٣٦) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ لَقِيَ رَكْبًا بِالرَّوْحَاءِ فَقَالَ مَنْ الْقَوْمُ؟ قَالُوا الْمُسْلِمُونَ فَقَالُوا مَنْ أَنْتَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا فَقَالَتْ أَلِهَذَا حَجٌّ قَالَ نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ) .
فهذا هو اسمنا وشعارنا، وهذا ما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، فليسعنا ما وسعهم.
ثانياً:
وأما في مقام بيان إمام هذه الأمة، وأن متبوعهم الذي يأخذون عنه هو النبي محمد بن عبد الله، ﷺ ، فلا بأس بالنسبة إليه هنا؛ وقد تواتر في الحديث تسمية المسلمين: " أمة محمد "؛ بل استعمل غير واحد من أهل العلم كلمة " المحمديون " في التعبير عن أتباع النبي ﷺ ، إما خاصة أتباعه الذين هم أهل سنته، أو في التعبير عن أمته ﷺ .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كلامه عن أهل الحيل الشيطانية والدجل: " وإذا اجتمعوا مع من له حال رحماني بطلت أحوالهم وهربت شياطينهم، وإنما يظهرون عند الكفار والجهال، كما يظهر أهل الإشارات عند التتر والأعراب والفلاحين ونحوهم من الجهال الذين لا يعرفون الكتاب والسنة، وأما إذا ظهر المحمديون أهل الكتاب والسنة فإن حال هؤلاء يبطل " مجموع الفتاوى (٢٧/٥٠٠) .
وقال الذهبي ﵀: " الطريقة المثلى هي المحمدية " السير (١٢/٨٩) ، وانظر: معجم المناهي اللفظية، للشيخ بكر أبو زيد حفظه الله، ص (٤٩٧، ٦١٠) .
مع أننا ننبه هنا إلى أن بعض أعداء الإسلام يلقبون المسلمين بذلك تشبيها للهم بالنصارى
" المسيحيون "، الذين ينسبون إلى المسيح ويعبدونه من دون الله، فلذلك كان الأسلم أن يستعمل الاسم الذي هو علم على هذا الدين وأتباعه، وسماهم الله به: " المسلمون "، وإذا استعمل غير المسلمين هذا، أو استعمله المسلم أمام غير المسلمين، بين لهم مدلول هذه النسبة عندنا، واختلافها عن مدلول الانتساب عند غير الأمة المرحومة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1253
لماذا يُعاقَب من وُلِد في أسرة كافرة ومات على الكفر
[السُّؤَالُ]
ـ[نؤمن كمسلمين بالقضاء والقدر، فإذا كان مكتوباً على الطفل أن يولد في أسرة كافرة، فلماذا يعاقب بدخول النار إذا كبر ومات على ذلك؟]ـ
[الْجَوَابُ]
أحكام الأضحية
الحمد لله:
نعم أخانا المكرم، نحن نؤمن بالقضاء والقدر، لكن قبل ذلك وبعده، نحن نؤمن بكمال الله تعالى وعدله، وتنزهه عن ظلم عباده، أدنى ما يكون ذلك الظلم، قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (يونس:٤٤) ، والآيات في هذا المعنى كثيرة معلومة، بل فوق ذلك نعلم أن الله تعالى رفيق يحب الرفق في الأمر كله، رحمن، رحيم، ذو رحمة واسعة هي أوسع من غضبه وانتقامه، كما في حديث أبي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي فَهُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ) رواه البخاري (٧٥٥٤)
ومن أجل ذلك يحب أن يمهل عباده ويحلم عليهم، ويعذر إليهم، قال ﷺ : (.. لَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنْ اللَّهِ وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الْمُبَشِّرِينَ وَالْمُنْذِرِينَ..) رواه البخاري (٧٤١٦)
فإذا استقر عندك هذا الأصل البيِّن المحكم المنير، الذي لا يصح لأحد إيمانه إلا بالتمكن فيه، فرُدّ إليه – رحمنا الله وإياك – كل غبش من ظلمةِ جهل، أو شبهة هوى، وسرعان ما تجد قلبك قد استراح، وقد علمت أن الله تعالى أرحم بك وبسائر عباده من الوالدة بولدها، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سَبْيٌ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنْ السَّبْيِ قَدْ تحلّب ثَدْيهَا تَسْقِي إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ قُلْنَا لَا وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ فَقَالَ لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا) رواه البخاري (٥٩٩٩) ومسلم (٢٧٥٤)
والله الرحمنُ الرحيم أرحم بهذا الذي تسألُ وتجادل عنه، منك ومن نفسه، فإما كان من أهل رحمة الله فستدركه إن شاء الله، لا محالة.
وإما كان من المحادين المعاندين فاشتغل بما ينفعك أنتَ وينجيك " ولا تكن للخائنين خصيماً "
وأحذر أن تغفل عن ذلك الأصل طرفة عين، ثم احذر أن تنظر في القدر قبل أن تُحكِمه، واعلم أن باب القدر كالشمس، متى آمنت به، وسلمت، على ما أتاك من خبر الله ووحيه، استرحت، واطمأنت نفسك، كالذي يسير في وضح النار.
وأما إذا دققت وشققت، وتعمقت وتنطعت، فما يستفيد المحدِّق في قرص الشمس سوى تلف عينيه؟!
فإذا جئنا إلى ما سألت عنه، حتى لا تظن أن ما قدمناه لك حيدةٌ عن الجواب، فاعلم مما يَجِبُ أن الله قد هيأ لكل إنسان ما يمكنه من معرفة الخير والشر، قال تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ) (البلد:٨) ، أي عينين يبصر بهما، (وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ) (البلد:٩) ، أي ولسانا ينطق به عما في ضميره وشَفَتَينِ يَسْتَعِين بهما على الكلام، (وهَدَيْنَاهُ النَّجدين) البلد/١٠، قال ابن مسعود: الخير والشر، وقوله تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً) (الانسان:٢-٣) ، فقد بَيّن لله في الآيات السابقة أنه وَهَبَ للإنسان الوسائل والآلات التي يُمْكِنُه معها معرفة طريق الخير والشر.
ثم إنه سبحانه لم يجعل هذه الآلات حجة على عباده بمفردها، بل فتح لهم باب العذر، وأملى لهم في الحجة، حتى يأتيهم نور الوحي من السماء، قال تعالى: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) النساء/١٦٥، وقال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) الإسراء/ ١٥
ومن أجل ذلك يوبخ الله تعالى الكفار به على ما أضاعوا من عذر الله وإمهاله، وغفلوا عن رسله وبيناته: (َيا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ * ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ) (الأنعام ١٣٠-١٣١)
أما هذا الذي قَلّد أباه على الكفر، ومات عليه، فقد قال ابن القيم ﵀:
" َيُفَرّق بين مُقَلّدٍ تَمَكّن من العلم ومعرفة الحق، ومُقَلّد لم يتمكن من ذلك بِوَجْهٍ، والقسمان واقعان في الوجود فالمُتمَكِّن المُعْرِض، مفرطٌ تاركٌ للواجب عليه، لأنه لا عذر له عند الله، وأما العاجز عن السؤال والعلم، الذي لا يتمكن من العلم بوجه، فهم قسمان أيضا:
أحدهما: مُرِيدٌ للهدى مُؤْثِر له، مُحِب له، غير قادر عليه، ولا على طلبه، لعدم من يُرْشِده، فهذا حكمه حكم أرباب الفترات ومن لم يبلغه الدعوة.
الثاني: معرض لا إِرَادة له، ولا يحدث نفسه بغير ما هو عليه، فالأول يقول: يا رب لو أعلم دينا خيرا مما أنا عليه لَدِنْتُ به وتركت ما أنا عليه، والثاني راضٍ بما هو عليه، لا يُؤْثِر غيره عليه، ولا تَطْلُب نفسه سواه، ولا فرق عنده بين حال عجزه وقدرته، وكلاهما عاجز، فالأول كمن طلب الدين في الفترة ولم يَظْفَر به، فعدل عنه بعد استفراغ الوسع في طلبه عَجْزاً وجهلاً، والثاني كمن لم يطلبه، بل مات على شركه " أهـ. طريق الهجرتين ٦٧٨.
وإن كان لو طلبه لعجز عنه، ففرق بين عجز الطالب وعجز المعرض، فتأمل هذا الموضع، والله يقضي بين عباده يوم القيامة بحكمه وعدله، ولا يعذب إلا من قامت عليه حجته بالرسل، فهذا مقطوع به في جملة الخلق، وأما كون إنسا معين قد قامت عليه الحجة أم لا، فذلك ما لا يمكن الدخول بين الله وبين عباده فيه، وهذا في أحكام الثواب والعقاب، وأما في أحكام الدنيا فهي جارية على ظاهر الأمر، فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا، لهم حكم أوليائهم "
وهؤلاء الذين لم تبلغهم الدعوة، ولم تقم عليهم حجة الله بالرسل، أصح الأقوال فيهم أنهم يمتحنون في عرصات القيامة، ويرسل إليهم هناك رسول، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار، كما في مسند الإمام أحمد (١٨٥٦٦) وغيره من حديث الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (أرْبَعَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ أَصَمُّ لَا يَسْمَعُ شَيْئًا وَرَجُلٌ أَحْمَقُ وَرَجُلٌ هَرَمٌ وَرَجُلٌ مَاتَ فِي فَتْرَةٍ فَأَمَّا الْأَصَمُّ فَيَقُولُ رَبِّ لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَسْمَعُ شَيْئًا وَأَمَّا الْأَحْمَقُ فَيَقُولُ رَبِّ لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَالصِّبْيَانُ يَحْذِفُونِي بِالْبَعْرِ وَأَمَّا الْهَرَمُ فَيَقُولُ رَبِّي لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَعْقِلُ شَيْئًا وَأَمَّا الَّذِي مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ فَيَقُولُ رَبِّ مَا أَتَانِي لَكَ رَسُولٌ فَيَأْخُذُ مَوَاثِيقَهُمْ لَيُطِيعُنَّهُ فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ أَنْ ادْخُلُوا النَّارَ قَالَ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ دَخَلُوهَا لَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا) وفي رواية: (فَمَنْ دَخَلَهَا كَانَتْ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْهَا يُسْحَبُ إِلَيْهَا) رواه أحمد
والله الموفق
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1254
الحكمة من وقوع التحريف في الإنجيل
[السُّؤَالُ]
ـ[لم سمح الله بتحريف الإنجيل، مع أنه سبحانه قادر على حفظه؟ وما هي التعاليم التي اتبعها المسلمون قبل مجيء النبي محمد ﷺ ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله:
أولا:
قد وكَّل الله تعالى حفظ التوراة والإنجيل إلى علمائهم ورهبانهم، بدليل قوله: (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء) المائدة/٤٤.
ولم يتكفل بحفظه كما تكفل بحفظ القرآن، وفي ذلك بعض الحِكَم:
١. أراد أن يبقى القرآن الكريم هو الكتاب الخالد، والشريعة الباقية إلى يوم القيامة، قال تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ) المائدة/٤٨، فلم تكن ثمة حاجة لحفظ الكتب السابقة وتخليدها، وخاصة أن عهد القرآن قريب من عهد الإنجيل، فليس بينهما سوى ستمائة عام.
٢. وليكون ذلك فتنة واختباراً للذين أوتوا الكتاب هل يقومون بدورهم في حفظ الكتاب؟ وهل يؤمنون بما جاء فيه؟ وهل يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، أم يصروا على عنادهم، فيقوموا بالتحريف والكتمان والتزوير؟!
٣. وفي ذلك بلاء أيضا لكل أتباع الديانة النصرانية إلى يوم القيامة، وهم يرون كتابهم الذي يؤمنون به لم يسلم من يد التحريف أو التشكيك أو الضياع، ويرون كتاب خاتم الرسل محمد ﷺ محفوظا متواتراً لا يشك أحد في صحته، فيكون ذلك داعيا لهم إلى الإيمان بالكتاب المبين - القرآن الكريم -.
ثانيا:
كان الناس في الجاهلية قبل مبعث النبي ﷺ على الشرك والوثنية، ولم يكن لأغلبهم دين متبع، ولا شريعة محترمة، اللهم إلا بعض من اتبعوا شريعة المسيح ﵇، مثل ورقة بن نوفل، وبعض من كان حنيفا على دين إبراهيم، يجتنب الشرك والأوثان والخمر والفواحش ويسجد لله الواحد رب العالمين، مثل زيد بن عمرو بن نفيل الذي صح في البخاري (٣٦١٤) أنه قال: (إِنِّي لَا آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ وَلَا آكُلُ إِلَّا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) وكان يقول أيضا: (يَا مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ! وَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ غَيْرِي. وَكَانَ يُحْيِي الْمَوْءُودَةَ، يَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَ ابْنَتَهُ: لَا تَقْتُلْهَا، أَنَا أَكْفِيكَهَا مَئُونَتَهَا، فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا تَرَعْرَعَتْ قَالَ لِأَبِيهَا: إِنْ شِئْتَ دَفَعْتُهَا إِلَيْكَ، وَإِنْ شِئْتَ كَفَيْتُكَ مَئُونَتَهَا) رواه البخاري (٣٦١٦) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1255
يرد على شبهات النصارى ويطلب النصح يستمر أم لا ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هناك موقع نصراني يبث شبهات كثيرة حول الإسلام وشرائع الإسلام، وأقوم - بفضل الله - برد هذه الشبهات من خلال المواقع الإسلامية، ومواقع الرد على الشبهات، ويقومون في هذا المنتدى بسب الرسول ﷺ ، فهل أكمل في هذا المنتدى في رد شبهاتهم بفضل الله؟ أم إذا بقيت في المنتدى ينطبق عليَّ قول الله تعالى (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) سورة النساء (١٤٠) ، (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) سورة الأنعام (٦٨) ؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نشكر لك أخي الفاضل غيْرتك على دين الله، ونثمِّن موقفك في الدفاع عنه ضد أعدائه من المشككين، ولكن لا يمنعنا هذا من نصحك وتوجيهك لما فيه الخير لك ولدين الله تعالى الذي تغار عليه.
وهذه النصيحة تتلخص في عدم الدخول في معترك الشبهات والردود عليها إلا بعد أن تتقوى معرفتك بأحكام الإسلام وشرائعه، ويتقوى إيمانك ويقينك، وليس هذا من باب الاستحباب بل هو واجب في حقك، وفي حق كل من يدخل في معترك الشبهات والردود على أهل البدع والضلال والأديان المحرَّفة، وفي هذا الأمر عدة فوائد مهمة:
١. الحفاظ على دين الله وشريعته من المتحمسين الذين ليس عندهم زاد علمي، فترى الشبهة التي يطرحهما أعداء الدين غير التي يردون عليها، وترى – أحياناً أخرى – الرد ضعيفاً يقوِّي الباطل ويُضعف الحق.
٢. الحفاظ على المسلمين المتحمسين لتلك الردود من الانجراف وراء الشبهة وأهلها، فكثير من الداخلين في هذا المعترك يدخلون بزاد قليل، فتخطف الشبهةُ قلوبَهم، ولا يجد لها جواباً عنده، فيحار، ويتشكك، كما أن كثرة النظر في الشبهات تُضعف القلب.
قال ابن القيم ﵀:
وقال لي شيخ الإسلام ﵁ وقد جعلت أورد عليه إيراداً بعد إيرادٍ -:
" لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة، فيتشربها، فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة تمر الشبهات بظاهرها، ولا تستقر فيها، فيراها بصفائه ويدفعها بصلابته، وإلا فإذا أشربت قلبك كل شبهة تمر عليها صار مقرا للشبهات " أو كما قال.
فما أعلم أني انتفعت بوصية في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك.
" مفتاح دار السعادة " (١ / ١٤٠) .
ونقل الإمام الذهبي ﵀ عن سفيان الثوري ﵀ قولَه:
" من سمع ببدعة فلا يحكها لجلسائه، لا يلقها في قلوبهم ".
فعلَّق عليه بقوله:
قلت: أكثر أئمة السلف على هذا التحذير، يروْن أن القلوب ضعيفة، والشُّبَه خطَّافة.
" سير أعلام النبلاء " (٧ / ٢٦١) .
٣. الحفاظ على الوقت وعدم إهداره مع المعاندين والجاحدين، وعدم إهدار الوقت في باب واحد من العلم يجب أن يسبقه أبواب، فلا يصلح الرد على أولئك الطاعنين في الدين إلا بعد الإلمام بالقرآن، وصحيح السنَّة، وهذا يستغرق من الطالب وقتاً طويلاً، فبعض الشبهات الرد عليها من باب اللغة، وبعضها من باب التفسير، وأخرى من باب الحديث، وأخرى من باب المنطق، فأين المبتدئ المتحمس من هذا كله؟! .
٤. اختيار الطريقة المناسبة للدعوة، فالدعوة إلى الله تحتاج لعلمٍ من الداعي، وتحتاج لحكمة حتى يضع الأمور في مكانها المناسب، فمن المدعوين من يكون هيناً ليِّناً قريباً للحق، ومنهم من يكون معانداً، فيحتاج الداعي لسلوك الطريق المناسبة مع كل واحدٍ من هؤلاء، بالغلظة مع قوم، وباللين والرقة مع آخرين.
قال الله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) النحل/١٢٥، وقال سبحانه (: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) العنكبوت/٤٦.
فكيف سيعرف المبتدئ الطريقة المناسبة للتعامل مع هؤلاء؟ وكيف سيسلكها؟ ومتى سيتوقف عنها؟ كل ذلك يحتاج لأن يكون الداعي على قدر من العلم والحكمة، وهذا ما لا يوجد في غالب المتحمسين المبتدئين.
ومنه يُعرف جواب سؤال الأخ الفاضل: هل يبقى في المنتدى مع رؤيته لسب الله تعالى ورسوله ودينه أم يخرج؟ وهل ينطبق عليه ما ذكره من الآيات القرآنية في صلب السؤال؟ .
ليس على ذلك جواب محدَّد، إلا أن نعرف حال المنتدى، وحال الداعي، وحال الشبهات، وهل يُسمح له بالرد والتعقب، أم يقرأ فقط ولا يشارك؟ إن معرفة هذه الأحوال تكوِّن فكرة عن الجواب اللائق المناسب.
وقد رأينا بعض إخواننا المتحمسين للدعوة يدخل غرف الزنادقة في " البال توك " الذين يسبون الصحابة ويكفرونهم، ويؤذون المسلمين بفحش كلامهم وهم مع هذا يمنعون الأخ المسلم الداعية من أن يعلِّق بلسانه، بل ولا يكتب ببنانه! فأي وجه في بقائه بتلك الغرف الفاسدة؟ إنه هنا ينطبق عليه ما ذُكر من الآيات في السؤال، وهذا بخلاف من استمع ليجمع أقوالهم ويوثقها، أو من استمع ليُفسَح له المجال في الرد عليها، فمثل هذا لا ينطبق عليه ما ذُكر من الآيات القرآنية في السؤال.
وهذه وصية جامعة، نسأل الله أن ينفع بها:
قال الشيخ العثيمين:
لا يجوز للإنسان أن يقرأ كتاباً مضلاً من كتب اليهود، أو النصارى، أو المشركين، أو أهل البدع؛ إلا إذا كان عنده رصيد قوي يمكن أن يتحصن به، وأما إذا كان مبتدئاً في القراءة: فلا يجوز له أن يبدأ بقراءة هذه الكتب الباطلة؛ لأنه ربما تأثر بما فيها من الباطل، فهؤلاء ننصحهم بأن يتركوا هذه الكتب، حتى يحصنوا أنفسهم بالعلوم الشرعية الصحيحة قبل أن يدخلوا في هذه الكتب المضلة، فالإنسان إذا أراد أن يتحصن من السيل: أخذ في بناء السدود والمصارف قبل مجيء السيل، لا يفعل ذلك بعد مجيئه، فنقول: أولاً: حصنوا أنفسكم بمعرفة الشريعة، واغرسوها في قلوبكم، حتى إذا تمكنتم: فلا بأس أن تقرءوا، لتردوا على شبهات القوم وأباطيلهم.
" لقاءات الباب المفتوح " (٤٧ / السؤال رقم ٧) .
ونرجو النظر في السؤال رقم (٢٢٠٢٩) و (٨٣٦٢١) ففيه بيان حكم النظر في كتب أهل الكتاب، ومحاورتهم عبر الإنترنت.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1256
هل يقرن بين حمد الله وشكره وشكر الوالدين ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز لي القول: الحمد والشكر لله رب العالمين، والشكر لوالدي، عملا بقوله تعالى: (أن اشكر لي ولوالديك الي المصير) ]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد للَّه
بر الوالدين من أعظم القربات، وأولى الطاعات، وهو حق معظم لهما في شريعة الإسلام، حتى قرن الله في أكثر من موضع طاعته بطاعتهما، وحقَّه بحقِّهما.
يقول الله :
(وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) لقمان/١٤
قال القرطبي ﵀ في تفسيره (٥/١٧١) : " قال العلماء: فأحق الناس بعد الخالق المنان بالشكر والإحسان والتزام البر والطاعة له والإذعان من قرن الله الإحسان إليه بعبادته وطاعته وشكره بشكره وهما الوالدان فقال تعالى: ﴿أن اشكر لي ولوالديك﴾ لقمان: ١٤.
... عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله ﷺ : رضى الرب في رضى الوالدين وسخطه في سخط الوالدين " [قال الألباني: حسن لغيره] .
والتصريح بشكر الوالدين والاعتراف بفضلهما وقدرهما لا شك أنه داخل في معنى الآية، ولكن لا ينبغي فهم الآية على ذلك فقط، فيظن أن من قال "الشكر لوالدي" قد أدى ما عليه، بل حقيقة الشكر أعظم وأعلى من ذلك، بل المراد بالشكر ما هو أعم من ذلك؛ أن يقوم العبد بحق ربه عليه بقلبه ولسانه وجوارحه، وهكذا يقوم بحق والديه عليه من ذلك.
قال ابن القيم ﵀ في "مدارج السالكين" (٢/٢٤٤-٢٤٦) :
" والشكر مبني على خمس قواعد:
خضوع الشاكر للمشكور، وحبه له، واعترافه بنعمته، وثناؤه عليه بها، وأن لا يستعملها فيما يكره.
فهذه الخمس: هي أساس الشكر وبناؤه عليها، فمتى عدم منها واحدة: اختل من قواعد الشكر قاعدة، وكل من تكلم في الشكر وحده فكلامه إليها يرجع وعليها يدور.
والشكر يكون: بالقلب خضوعا واستكانة، وباللسان ثناء واعترافا، وبالجوارح طاعة وانقيادا " انتهى.
وفي تفسير هذه الآية، يقول الشيخ السعدي ﵀: " ولما أمر بالقيام بحقه، بترك الشرك الذي من لوازمه القيام بالتوحيد، أمر بالقيام بحق الوالدين فقال: ﴿وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ﴾ أي: عهدنا إليه، وجعلناه وصية عنده، سنسأله عن القيام بها، وهل حفظها أم لا؟ فوصيناه ﴿بِوَالِدَيْهِ﴾ وقلنا له: ﴿اشْكُرْ لِي﴾ بالقيام بعبوديتي، وأداء حقوقي، وأن لا تستعين بنعمي على معصيتي. ﴿وَلِوَالِدَيْكَ﴾ بالإحسان إليهما بالقول اللين، والكلام اللطيف، والفعل الجميل، والتواضع لهما، [وإكرامهما] (٥) وإجلالهما، والقيام بمئونتهما واجتناب الإساءة إليهما من كل وجه، بالقول والفعل.
فوصيناه بهذه الوصية، وأخبرناه أن ﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ أي: سترجع أيها الإنسان إلى من وصاك، وكلفك بهذه الحقوق، فيسألك: هل قمت بها، فيثيبك الثواب الجزيل؟ أم ضيعتها، فيعاقبك العقاب الوبيل؟ " انتهى [التفسير ٦٤٨] .
فلا حرج على من قرن شكر الله تعالى بشكر الوالدين، وجمع بينهما في مقام واحد، لكن لا ينبغي أن يلتزم ذلك دائما كما يلتزم الذكر الوارد بلفظه عن النبي ﷺ ، لعدم وروده عن النبي ﷺ .
وفي موقعنا العديد من الإجابات التي تبين أمر بر الوالدين، انظر:
(١٣٧٨٣) ، (٢٢٧٨٢) ، (٣٥٥٣٣)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1257
اعتقاد المسلمين في مصير الملاحدة يوم القيامة
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا أدرس الإسلام كجزء من دراستي وأتساءل عن موقف الإسلام من الملحدين. هل يعتقد المسلمون أن مصير الملحدين إلى الجحيم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
اهتمامك أيتها السائلة الكريمة بدراسة الإسلام أمر عظيم تُشكرين عليه وعلى الإنسان أن يبحث عن الحقّ أينما كان ويتبّعه ولو خالف آباءه وأجداده ودين بلده ومجتمعه لأنّ نجاة نفسه يوم القيامة من عذاب جهنم مقدّمة على كلّ شيء.
ومن الأمور المهمة لمن أراد أن يدرس دين الإسلام أن يرجع إلى مراجع الإسلام الأصيلة لمعرفة حقيقة هذا الدين كترجمة معاني القرآن الكريم ومعاني أحاديث رسول الإسلام محمد ﷺ وأن تكون الترجمة صحيحة سليمة. وأما دراسة الإسلام من مراجع وكتب كتبها غير المسلمين أو ممن لا يعلمون حقيقة الدين ولا مارسوه فهو أمر مناف لمنهج البحث العلمي والطريقة الصحيحة للتوصّل إلى الحقيقة.
وعودا إلى السؤال الذي أرسلت به وهو ما اعتقاد المسلمين في الموحدين من غير المسلمين؟ وهل سيكون مصيرهم النار يوم القيامة؟ فالجواب على ذلك بكلّ وضوح أنّ الله خلق الخلق وأنعم عليهم بجميع النعم وأرسل إليهم الرسل وأنزل عليهم الكتب وأخبرهم أنّ من وحّده وعبده وحده لا شريك له دخل الجنة ومن جحده أو أشرك به وعبد معه غيره أو اتخذ آلهة أخرى من دونه أو جعل له زوجة أو ولدا أو جعل الملائكة بناته أو اتبع غير شرعه الذي أنزله ليحكم بين الناس بالحقّ أو ترك دينه وأعرض عنه أنّه سيكون يوم القيامة في عذاب جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، وهذا عين العدل وهو ما يستحقّه هذا الذي ظلم ربّه وخالقه وموجده من العدم وصاحب النّعم.
وعبادة البشر لله وطاعتهم لأوامره واجتنابهم لنواهيه أمر أساس بل هو حقيقة العلاقة بين الخالق والمخلوق كما قال الله تعالى: " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " وكانت الرسل تبعث بأمر واحد يقولونه لأقوامهم وهو " اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ".
وهنا يمكن معرفة النقص العظيم الذي يحصل لمن اعتقد أنّ الله واحد لا شريك له ثمّ لم يعبده ولم يطع له أمرا بل عصاه وخالفه ولم يتبّع دينه ولا شرعه ولا وحيه ولا رسله الذين أرسلهم له ولأمثاله. فهل يستحقّ هذا دخول الجنة أم النار؟
فهذا الذي يقول أنا أعتقد أنّ هناك إلها واحدا خلق الكون ولكنني سأقف عند هذا الحدّ فلن أصلي له ولن أصوم ولن أحجّ ولن أؤدي زكاة مالي كما أمر ولن أقوم تجاهه بأيّ واجب وسأتّبع هواي وأفعل ما أشاء سواء كان مما أحلّه أو مما حرّمه فهل يمكن أن ينجو مثل هذا يوم القيامة؟
وقد بعث الله في كلّ أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت، وكانت آخر الأمم هذه الأمة وآخر رسول هو محمد ﷺ بعثه الله إلى هذه البشرية وإلى العالم كافة ونسخ الله به سائر الشرائع السابقة وجعل دينه أكمل الأديان وأتمها وأفضلها وأعلاها وأوجب على كلّ أحد أن يدخل في هذا الدين وأخبر أنه " من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يُقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين " وبناء على هذا يتبين - من زاوية أخرى - مصير الذي يقول أنا أؤمن بفكرة الإله الواحد ولكنني لا أريد أن أكون مسلما ولا أن أعتنق آخر الأديان ولا أن أتبّع آخر الرسل وخاتمهم.
وختاما فإنني أرجو أن تكون القضية قد اتضحت لك أيتها السائلة الكريمة، أسأل الله تعالى أن يهدينا جميعا إلى الحقّ ويرزقنا اتباعه إنه نعم المولى ونعم النصير.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1258
نصراني يسأل عن موقف المسلمين من الكاثوليك والتعايش السلمي
[السُّؤَالُ]
ـ[لست أدري كيف هي علاقتكم بالكنيسة الكاثوليكية، أنا من أمريكا والبلاد الإسلامية تبدو غريبة بالنسبة لي، لا أعرف الكثير عنهم ولكن الذي يبدو أن المسلمين يعادون الدين الكاثوليكي.
هل هم منفتحين للحوار؟ لماذا لا تؤمنون بالرب عيسى؟ أليس الحب الأبدي لله عظيم لدرجة أنه يستطيع أن يتنزل علينا ويحفظنا من جميع الذنوب حتى نتمكن من العيش معه للأبد؟
لماذا توجد حروب في الشرق الأوسط؟ ألا يرى الإسلام أو يقبل بالقوة المخلصة للمسيح، مع تعليماته بأن نحب بعضنا البعض، هل إذا اتبعت أنا وأنت (الإسلام -التسليم الكامل) فكل شيء سيسير على ما يرام بالنسبة للبشر؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
العداوة في الإسلام وعند المسلمين ليست أمرا عشوائياً بل تحكمها أصول وثوابت شأنها في ذلك شأن باقي الأحكام الإسلامية الشرعية وهذه الأصول والثوابت هي من عند الله تعالى المنزّه عن النقائص الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى ومصدر الأحكام عندنا هو القرآن والسنة الصحيحة الثابتة، والقرآن والسنة جاءا بعقيدة واضحة وهي عقيدة التوحيد المبنية على شهادة أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله ﷺ خاتم الأنبياء وإمام المرسلين ولا نشرك مع الله آلهة أخرى بل نفرده بالألوهية والربوبية والأسماء والصفات ولا ندعو له صاحبة ولا ولدا، ونوالي من والى الله ونعادي من عاداه ونُبغض من سبّه وجعل له زوجة وولدا فالله فرد أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له صاحبة ولا ولد سبحانه أنّى يكون له ولد وله ما في السماوات وما في الأرض ليس له شريك وليس محتاجا إلى ولد كما يحتاج البشر وهو خالق الوالد وما ولد، فالمسلمون طوع أمر الله وليس عندهم اختيار في التشريع بل هم ملزمون بأحكام الله، قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا (٣٦) سورة الأحزاب
ومن هذه الأحكام الحب في الله والبغض في الله
والمسلمون عندهم مجال واسع للحوار بل أمر الله في كتابه النبي ﷺ وأمته من بعده بمحاورة أهل الكتاب من اليهود والنصارى فقال سبحانه: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) آل عمران: ٦٤.
ونحن نؤمن بعيسى ﵇ نبياً مرسلاً من عند الله، ومعاذ الله أن نجعل عيسى إلها وربا كما يزعم النصارى ولا يفرّقون بين الرسول والمُرسِل، وبين الخالق والمخلوق قال الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) سورة المائدة، وقال تعالى يخاطبك - أيها السائل أنت وأصحابك وستكون سعيدا إذا استجبت -: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيراً لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً) النساء - ١٧١.
والإسلام دين الهدى والرحمة والمحبة ولكن أقواماً يفرضون على المسلمين قتالهم عندما يقفون في طريق إبلاغ الهدى للناس، والمسلمون لا يقاتلون أحداً حتى يبلغوه دين الله ويخيرونه بين أمور أولها الإسلام، وثانيها: إذا أبى الإسلام وبقي على دينه فعليه دفع الجزية للمسلمين لقاء رعايته فإذا رفض الأول والثاني فالقتال.
ونحن المسلمين إذا قاتلنا فإنما نقاتل من أجل تخليص العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العالمين وننقلهم من جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.
ونؤمن أن عيسى ﵇ لم يمت وأن الله رفعه إليه وأنه ينزل في آخر الزمان إلى الدنيا ويحكم بالإسلام حيث قال ﷺ ينزل عيسى في دمشق عند المنارة البيضاء رواه أبو داود (٤/١١٧) وصححه الألباني ﵀.
والإسلام ناسخ للرسالات السابقة ولا يقبل الله من أحد غيره ممن عاش وأدرك الإسلام. وإذا أسلم الناس لرب العالمين واتبعوا خير المرسلين محمدا ﷺ وعملوا الصالحات فإن الله يرضى عنهم ويرزقهم حياة طيبة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧) سورة النحل، نرجو أن نكون قد وفقنا في الإجابة على التساؤلات التي طرحتها ونسأل الله أن يهدينا جميعا لاتّباع الحقّ، والسلام على من اتّبع الهدى.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1259
ضوابط الدين الحق
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي صفات الدين الصحيح؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
كل صاحب ملة يعتقد أن ملته هي الحق , وكل أتباع دين يعتقدون أن دينهم هو الدين الأمثل والمنهج الأقوم , وحينما تسأل أتباع الأديان المحرفة أو أتباع الملل البشرية الوضعية عن الدليل على اعتقادهم؛ يحتجون بأنهم وجدوا آبائهم على طريقة , فهم على آثارهم مقتدون , ثم يذكرون حكايات وأخباراً لا يصح سندها , ولا يسلم متنها من العلل والقوادح , ويعتمدون على كتب متوارثة لا يعلم من قالها ولا من كتبها , ولا بأي لغة كتبت أول مرة ولا في أي بلد وجدت؛ إنما هي أمشاج جمعت فعظّمت فتوارثتها الأجيال دون تحقيق علمي يحرر السند , ويضبط المتن.
وهذه الكتب المجهولة والحكايات والتقليد الأعمى لا تصلح حجة في باب الأديان والعقائد , فهل كل هذه الأديان المحرفة والملل البشرية صحيحة أم باطلة؟ ...
يستحيل أن يكون الجميع على حق؛ لأن الحق واحد لا يتعدد ويستحيل أن تكون كل هذه الأديان المحرفة والملل البشرية من عند الله وأنها حق , وإذا تعددت – والحق واحد – فأيها الحق؟ إذا لا بد من ضوابط نعرف بها الدين الحق من الدين الباطل , فإذا وجدنا هذه الضوابط منطبقة على دين علمنا أنه الحق , وإذا اختلت هذه الضوابط أو واحد منها في دين علمنا أنه باطل.
الضوابط التي نميز بها بين الدين الحق والدين الباطل هي:
الأول: أن يكون الدين من عند الله أنزله بواسطة مَلَك من الملائكة على رسول من رسله ليبلغه إلى عباده؛ لأن الدين الحق هو دين الله , والله - سبحانه – هو الذي يدين ويحاسب الخلائق يوم القيامة على الدين الذي أنزل إليهم , قال تعالى: (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبوراً) سورة النساء /١٦٣ , وقال سبحانه: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) , وبناء على ذلك فأي دين يأتي به شخص ما وينسبه إلى نفسه لا إلى الله فهو دين باطل لا محالة.
الثاني: أن يدعو إلى إفراد الله سبحانه بالعبادة , وتحريم الشرك , وتحريم الوسائل المفضية إليه؛ لأن الدعوة إلى التوحيد هي أساس دعوة جميع الأنبياء والمرسلين وكل نبي قال لقومه: (اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) سورة الأعراف/٧٣ , وعليه فإن أي دين اشتمل على الشرك وأشرك مع الله غيره من نبي أو ملك أو ولي فهو دين باطل ولو انتسب أصحابه إلى نبي من الأنبياء.
الثالث: أن يكون متفقاً مع الأصول الذي دعت إليها الرسل من عبادة الله وحده , والدعوة إلى صراطه , وتحريم الشرك , وعقوق الوالدين وقتل النفس بغير حق , وتحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن , قال تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) سورة الأنبياء/٢٥, وقال جل ثناؤه: (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاًً وبالوالدين إحساناً ولا تقتلوا أولادكم من إملاقٍ نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون) سورة الأنعام/١٥١ , وقال تعالى: (واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهةً يعبدون) سورة الزخرف/٤٥.
الرابع: ألا يكون متناقضاً ولا مختلفاً بعضه مع البعض الآخر , فلا يأمر بأمر ثم ينقضه بأمر آخر , ولا يحرم شيئاً ثم يبيح ما يماثله من غير علة , ولا يحرم أمراً أو يجيزه لفرقة ثم يحرمه على أخرى قال تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً) سورة النساء/٨٢.
الخامس: أن يتضمن الدين ما يحفظ على الناس دينهم وأعراضهم وأموالهم وأنفسهم وذرياتهم بما يشرع من الأوامر والنواهي والزواجر والأخلاق التي تحفظ هذه الكليات الخمس.
السادس: أن يكون الدين رحمة للخلق من ظلم أنفسهم وظلم بعضهم لبعض , سواءً أكان هذا الظلم بانتهاك الحقوق , أم بالاستبداد بالخيرات , أم بإضلال الأكابر للأصاغر , قال – تعالى – مخبراً عن الرحمة التي ضمنها التوراة التي أنزلها على موسى ﵇: (ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون) الأعراف/١٥٤ , وقال سبحانه مخبراً عن مبعث عيسى ﵇ (ولنجعله آية للناس ورحمة) سورة مريم/٢١.
وقال جل ثناؤه عن صالح ﵇: (قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة) سورة هود/٦٣ , وقال عز من قائل عن القرآن: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين) سورة الإسراء/٨٢.
السابع: أن يتضمن الهداية إلى شرع الله , ودلالة الإنسان على مراد الله منه , وإخباره من أين أتى وإلى أين المصير؟ قال تعالى مخبراً عن التوراة: (إنا أنزلنا التوارة فيها هدى ونور..) سورة المائدة/٤٤ , وقال عز شأنه عن الإنجيل: (وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور) سورة المائدة/٤٦ , وقال جل ثناؤه عن القرآن الكريم: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق) سورة التوبة/٣٣ , والدين الحق هو الذي يتضمن الهداية إلى شرع الله ويحقق للنفس الأمن والطمأنينة , حيث يدفع عنها كل وسوسة , ويجيب عن كل تساؤل , ويبين عن كل مشكل.
الثامن: أن يدعو إلى مكارم الأخلاق والأفعال كالصدق والعدل والأمانة والحياء والعفاف والكرم , وينهى عن سيئها كعقوق الوالدين وقتل النفس وتحريم الفواحش والكذب والظلم والبغي والبخل والفجور.
التاسع: أن يحقق السعادة لمن آمن به قال تعالى: (طه - ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) طه/١-٢ , وأن يكون متفقاً مع الفطرة السوية: (فِطرَة الله التي فطر الناس عليها) الروم/٣٠ , متفقاً مع العقل الصحيح لأن الدين الصحيح هو شرع الله , والعقل الصحيح هو خلق الله , ومحال أن يتناقض شرع الله وخلقه.
العاشر: أن يدل على الحق ويحذر من الباطل , ويرشد إلى الهدى وينفر من الضلال , وأن يدعو الناس إلى صراط مستقيم لا التواء فيه ولا اعوجاج , قال تعالى مخبراً عن الجن أنهم حينما سمعوا القرآن قال بعضهم لبعض: (يا قومنا إنِّا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى مصدّقاً لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم) سورة الأحقاف/٣٠ , فلا يدعوهم إلى ما فيه شقاؤهم قال تعالى: (طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) سورة طه/ ١-٢ , ولا يأمرهم بما فيه هلاكهم قال تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً) النساء/٢٩ , ولا يفرق بين أتباعه بسبب الجنس أو اللون أو القبيلة قال تعالى: (يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم إنّ الله عليم خبير) الحجرات/١٣ , فالمعيار المعتبر للتفاضل في الدين الحق هو تقوى الله.
[الْمَصْدَرُ]
من كتاب الإسلام أصوله ومبادؤه تأليف د. محمد بن عبد الله بن صالح السحيم.
стр. 1260
كيف اختلطت النصرانية بالعقائد الشركية ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا كانت النصرانية الحقة قد جاءت بتوحيد الله تعالى، وإفراده بالعبادة دون ما سواه من الخلق، سواء كان عيسى أو غيره، فكيف اختلطت هذه الديانة بالعقائد الشركية، فاتخذوا عيسى ﵇، وأمه إلهين من دون الله؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ليس من شك أن الدعوة إلى توحيد الله تعالى، وإفراده بالعبادة دون ما سواه من الخلق، هو أصل الرسالة التي جاء بها نبي الله عيسى، ﵇، كما أنها أصل الرسالة التي جاء بها سائر الأنبياء، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) النحل/٣٦ وقال تعالى أيضا: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ) الانبياء/٢٥
وعلى هذه الدعوة يشهد عيسى ﵇ على قومه؛ قال الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) ، وأما كيف انحرف أصحاب هذه الديانة بعد ذلك عن التوحيد الخالص إلى العقائد الوثنية، وعبادة عيسى وأمه من دون الله، فهي قصة مبكرة في تاريخ النصرانية، وسوف نورد هنا بعض الشواهد عليها، من كلام أهلها، وليسمع من له أذنان:
. . جاء في دائرة المعارف الأمريكية:
(لقد بدأت عقيدة التوحيد – كحركة لاهوتية – بداية مبكرة جدا في التاريخ، وفي حقيقة الأمر فإنها تسبق عقيدة التثليث بالكثير من عشرات السنين. لقد اشتُقَّت المسيحية من اليهودية، واليهودية صارمة في عقيدة التوحيد.
إن الطريق الذي سار من أورشليم [مجمع تلاميذ المسيح الأول] إلى نيقية [حيث تقرر مساواة المسيح بالله في الجوهر والأزلية عام ٣٢٥م] كان من النادر القول بأنه كان طريقا مستقيما.
إن عقيدة التثليث التي أقرت في القرن الرابع الميلادي لم تعكس بدقة التعليم المسيحي الأول فيما يختص بطبيعة الله؛ لقد كانت على العكس من ذلك انحرافا عن هذا التعليم، ولهذا فإنها تطورت ضد التوحيد الخالص، أو على الأقل يمكن القول بأنها كانت معارضة لما هو ضد التثليث، كما أن انتصارها لم يكن كاملا.) [٢٧/٢٩٤]
ويمكنك الرجوع إلى بعض آراء من لا يزالون يذهبون إلى التوحيد من المسيحيين، في المصدر السابق نفسه، دائرة المعارف [٢٧/٣٠٠-٣٠١] .
ويقول وول ديورانت:
(لما فتحت المسيحية روما انتقل إلى الدين الجديد [أي المسيحي] دماء الدين الوثني القديم: لقب الحبر الأعظم، وعبادة الأم العظمى، وعدد لا يحصى من الأرباب التي تبث الراحة والطمأنينة في النفوس، وتمتاز بوجود كائنات في كل مكان لا تدركها الحواس، كل هذا انتقل إلى المسيحية كما ينتقل دم الأم إلى ولدها.
وأسلمت الإمبراطورية المحتضرة أزِمَّة الفتح والمهارة الإدارية إلى البابوية القوية، وشحذت الكلمة بقوة سحرها ما فقده السيف المسلول من قوته. وحل مبشرو الكنيسة محل الدولة.
إن المسيحية لم تقض على الوثنية، بل ثبتتها؛ ذلك أن العقل اليوناني عاد إلى الحياة في صورة جديدة، في لاهوت الكنيسة وطقوسها، ونقلت الطقوس اليونانية الخفية إلى طقوس القداس الرهيبة، وجاءت من مصر آراء الثالوث المقدس، ويوم الحساب، وأبدية الثواب والعقاب، وخلود الإنسان في هذا أو ذاك. ومن مصر جاءت عبادة الأم الطفل، والاتصال الصوفي بالله؛ ذلك الاتصال الذي أوجد الأفلوطينية واللاأدرية، وطمس معالم العقيدة المسيحية. ومن بلاد الفرس جاءت عقيدة رجوع المسيح وحكمه الأرض لمدة ١٠٠٠) . [قصة الحضارة ١١/٤١٨] .
وعلى الرغم من النفثة الإلحادية في كلام ديورانت، وهو أمر معروف به، والتي تظهر في زعمه أن أبدية الثواب والعقاب منقولة عن المصرية، فإن تتبع الأصول الوثنية للنصرانية المحرفة لم يعد بالأمر الخفي، ولم ينفرد هو ببحثه؛ ففي كتابه " المسيحية والوثنية " يقرر روبرتسون أن الميثراثية، وهي ديانة فارسية الأصل، ازدهرت في بلاد فارس قبل الميلاد بنحو ستة قرون، قد دخلت إلى روما حوالي عام ٧٠ م، وانتشرت في بلاد الرومان، ثم وصلت إلى بريطانيا، وانتشرت في العديد من مدنها.
وما يعنينا هنا من أمر هذه الديانة أنها تقول:
- إن ميثراس، الذي تنسب إليه، كان وسيطا بين الله والناس. ﴿انظر مقابله ف النصرانية: أعمال الرسل ٤/١٢﴾
- وأن مولده كان في كهف، أو زاوية من الأرض. ﴿انظر: لوقا ٢/٧﴾ .
- وأن مولده كان في يوم ٢٥ ديسمبر. ﴿وهو يوم احتفال النصارى بمولد المسيح﴾
- كان له اثنا عشر حواريا. ﴿انظر: متى ١٠/١﴾
- مات ليخلص العالم ﴿انظر: كورنثوس الأولى ١٥/٣﴾
- دفن ولكنه عاد إلى الحياة ﴿انظر: السابق ١٥/٤﴾
- صعد إلى السماء أمام تلاميذه ﴿انظر: أعمال الرسل ١/٩﴾
- كان يدعى مخلصا ومنقذا ﴿انظر: تيطس ٢/١٣﴾
- من أوصافه أنه حمل وديع ﴿انظر: يوحنا ١/ ٢٩﴾
- في ذكراه كل عام يقام العشاء الرباني ﴿انظر: كورنثوس الأولى ١١/٢٣-٢٥﴾
- من شعائره التعميد.
- يوم الأحد مقدس عندهم.
بينما يذهب المستشرق الفرنسي ليون جوتيه في كتابه " مقدمة لدراسة الفلسفة الإسلامية " إلى أن أصول التثليث النصراني ينبغي تلمسها في الفلسفة اليونانية، وتحديدا في أفكار الأفلاطونية المحدثة، التي تلقت مبادئ فكرة التثليث في النظرة إلى خالق الكون عن أفلاطون، ثم عمقتها إلى حد كبير، بحيث اتضح التشابه الكبير بينها وبين النصرانية؛ فالخالق، ذو الكمال المطلق، جعل بينه وبين العالم وسيطين، صادرين عنه، وهما أيضا داخلان فيه في نفس الوقت؛ أي تتضمنهما ذاته، وهما العقل والروح الإلهية. ثم قال:
(وهكذا كان التزاوج بين العقيدة اليهودية والفلسفة الإغريقية لم ينتج فلسفة فقط، بل أنتج معها دينا أيضا، أعني المسيحية التي تشربت كثيرا من الآراء والأفكار الفلسفية عن اليونان؛ ذلك أن اللاهوت المسيحي مقتبس من نفس المعين الذي كانت فيه الأفلاطونية الحديثة، ولذا تجد بينهما مشابهات كثيرة، وإن افترقا أحيانا في بعض التفاصيل، فإنهما يرتكزان على عقيدة التثليث، والثلاثة الأقانيم واحدة فيهما.)
وهذا هو ما يشير إليه الكاتب الأمريكي (درابر) :
(دخلت الوثنية والشرك في النصرانية بتأثير المنافقين الذين تقلدوا وظائف خطيرة، ومناصب عالية في الدولة الرومية بتظاهرهم بالنصرانية، ولم يكونوا يحتفلون بأمر الدين، ولم يخلصوا له يوما من الأيام، وكذلك كان قسطنطين فقد قضي عمره في الظلم والفجور، ولم يتقيد بأوامر الكنيسة الدينية، إلا قليلا في آخر عمره (٣٣٧م) .
إن الجماعة النصرانية، وإن كانت قد بلغت من القوة بحيث ولت قسطنطين الملك، ولكنها لم تتمكن من أن تقطع دابر الوثنية، وتقتلع جرثومتها، وكان نتيجة كفاحها أن اختلطت مبادئها، ونشأ من ذلك دين جديد تتجلى فيه النصرانية والوثنية سواء بسواء) .
وهكذا سلك النصارى بدينهم مسلك الذين كفروا من قبلهم، حذو القذة بالقذة، كما يشهد كتابهم على أنفسهم وبني قومهم، وكفى بالله شهيدا؛ قال الله تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) التوبة/٣٠
والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1261
حاجة البشر إلى الدين
[السُّؤَالُ]
ـ[لماذا يحتاج الناس إلى الدين؟ ألا تكفي القوانين لضبط حياة الناس!.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
حاجة البشر إلى الدين أعظم من حاجاتهم إلى ما سواه من ضرورات الحياة؛ لأن الإنسان لا بد له من معرفة مواقع رضى الله – سبحانه – ومواقع سخطه , ولابد له من حركة يجلب بها منفعته , وحركة يدفع بها مضرته , والشرع هو الذي يميز بين الأفعال التي تنفع والتي تضر , وهو عدل الله في خلقه , ونوره بين عباده , فلا يمكن للناس أن يعيشوا بلا شرع يميزون به بين ما يفعلونه وما يتركونه.
وإذا كان للإنسان إرادة فلا بد من معرفة ما يريده , وهل هو نافع أو ضار؟ وهل يصلحه أو يفسده؟ .
وهذا قد يعرفه بعض الناس بفطرهم وبعضه يعرفونه بالاستدلال إليه بعقولهم , وبعضه لا يعرفونه إلا بتعريف الرسل وبيانهم لهم وهدايتهم إياهم – أنظر التدمرية , تأليف شخ الإسلام ابن تيمية وص: ٢١٣, ٢١٤ , ومفتاح دار السعادة , جـ٢ , ص: ٣٨٣ -.
فمهما استعلت المذاهب المادية الإلحادية وتزخرفت ومهما تعددت الأفكار والنظريات فلن تغني الأفراد والمجتمعات عن الدين الصحيح , ولن تستطيع أن تلبي متطلبات الروح والجسد , بل كلما توغل الفرد فيها؛ أيقن تمام اليقين أنها لا تمنحه أمناً , ولا تروي له ظمأً , وألا مهرب منها إلا إلى الدين الصحيح , يقول أرنست رينان: (إن من الممكن أن يضمحل كل شيء نحبه وأن تبطل حياة استعمال العقل والعلم والصناعة , ولكن مستحيل أن ينمحي التدين , بل سيبقى حجة باطلة على بطلان المذهب المادي الذي يريد أن يحصر الإنسان في المضايق الدنيئة للحياة الأرضية) انظر: الدين , تأليف عبد الله دراز , ص: ٨٧.
ويقول محمد فريد وجدي: (يستحيل أن تتلاشى فكرة التدين؛ لأنها أرقى ميول النفس وأكرم عواطفها , ناهيك بميل يرفع رأس الإنسان , بل إن هذا الميل سيزداد , ففطرة التدين ستلاحق الإنسان ما دام ذا عقل يعقل به الجمال والقبح , وستزداد فيه هذه الفطرة على نسبة علو مداركه ونمو معارفه) المصدر السابق , ص: ٨٧.
فإذا ابتعد الإنسان عن ربه فعلى قدر علو مداركه واتساع آفاق علمه , يدرك عظم جهله بربه وما يجب له , وجهله بنفسه وما يصلحها ويفسدها , ويسعدها ويشقيها , وجهله في جزئيات العلوم ومفرداتها كعلوم الأفلاك والمجرات وعلوم الحاسب والنواة وغيرها ... وحينئذ يتراجع العالم من مرحلة الغرور والكبرياء إلى التواضع والاستسلام , ويعتقد أن وراء العلوم عالماً حكيماً , ووراء الطبيعة خالقاً قادراً , وتلزم هذه الحقيقة الباحث المنصف بالإيمان بالغيب والإذعان للدين القويم , والاستجابة لنداء الفطرة والغريزة الجِبِلََّيَّة....وإذا تخلى الإنسان عن ذلك انتكست فطرته وتردى على مستوى الحيوان الأعجم.
ونخلص بهذا إلى التدين الحق – الذي يعتمد على إفراد الله بالتوحيد , والتعبد له وفق ما شرع – عنصر ضروري للحياة ليحقق المرء من خلال عبوديته للَّه رب العالمين , ولتحصيل سعادته وسلامته من العطب والنصب والشقاء في الدارين , وهو ضروري لتكتمل القوة النظرية في الإنسان؛ فبه وحده يجد العقل ما يشبع نهمته , ومن دونه لا يحقق مطامحه العليا.
وهو عنصر ضروري لتزكية الروح وتهذيب قوة الوجدان , إذ العواطف النبيلة تجد في الدين مجالاً ثرياً ومنهلاً لا ينفد معينه تدرك فيه غايتها.
وهو عنصر ضروري لتكتمل قوة الإرادة بما يمدها بأعظم البواعث والدوافع ويدرّعها بأكبر وسائل المقاومة لعوامل اليأس والقنوط.
وعلى هذا فإذا كان هناك من يقول: إن الإنسان مدني بطبعه , فينبغي أن نقول: (إن الإنسان متدين بفطرته) انظر السابق ص: ٨٤ , ٩٨, لأن للإنسان قوتين: قوة علمية نظرية , وقوة علمية إرادية , وسعادته التامة موقوفة على استكمال قوته العلمية والإرادية , ولا يتحقق استكمال القوة العلمية إلاّ بمعرفة ما يلي:
١- معرفة الإله الخالق الرازق الذي أوجد الإنسان من عدم وأسبغ عليه النعم.
٢- معرفة أسماء الله وصفاته , وما يجب له – سبحانه - , وأثر هذه الأسماء على عباده.
٣- معرفة الطريق التي توصل إليه سبحانه.
٤- معرفة المعوقات والآفات التي تحول بين الإنسان وبين معرفة هذا الطريق وما توصل إليه من النعيم العظيم.
٥- معرفة نفسك معرفة حقيقية , ومعرفة ما تحتاج إليه , وما يصلحها أو يفسدها , ومعرفة ما تشتمل عليه من المزايا والعيوب.
فبهذه المعارف الخمس يستكمل الإنسان قوته العلمية , واستكمال القوة العلمية والإرادية لا يحصل إلاّ بمراعاة حقوقه سبحانه على العبد , والقيام بها إخلاصاً وصدقاً ونصحاً ومتابعةً , وشهوداً لمنته عليه ولا سبيل إلى استكمال هاتين القوتين إلاّ بمعونته فهو مضطر إلى أن يهديه الصراط المستقيم الذي هدى أولياءه إليه. انظر: الفوائد , ص: ١٨-١٩.
بعد أن عرفنا أن الدين الصحيح هو المدد الإلهي لقوى النفس المختلفة , فإن الدين – أيضاً – هو الدرع الواقي للمجتمع , ذلك لأن الحياة البشرية لا تقوم إلاّ بالتعاون بين أعضائها , ولا يتم هذا التعاون إلاّ بنظام ينظم علاقاتهم , ويحدد واجباتهم , ويكفل حقوقهم , وهذا النظام لا غنى له عن سلطان نازع وازع يردع النفس عن انتهاكه , ويرغبها في المحافظة عليه , ويكفل مهابته في النفوس ويمنع انتهاك حرماته , فما هو هذا السلطان؟ فأقول: ليس على وجه الأرض قوة تكافئ قوة التدين أو تدانيها في كفالة احترام النظام , وضمان تماسك المجتمع واستقرار نظامه , والتئام أسباب الراحة والطمأنينة فيه.
والسر في ذلك أن الإنسان يمتاز عن سائر الكائنات الحية بأن حركاته وتصرفاته الاختيارية يتولى قيادتها شيء لا يقع عليه سمع ولا بصر , وإنما هو عقيدة إيمانية تهذب الروح وتزكي الجوارح , فالإنسان مقود أبداً بعقيدة صحيحة أو فاسدة , فإذا صلحت عقيدته صلح فيه كل شيء , وإذا فسدت فسد كل شيء.
والعقيدة والإيمان هما الرقيب الذاتي على الإنسان وهما – كما يلاحظ في عموم البشرية – على ضربين:
- إيمان بقيمة الفضيلة وكرامة الإنسانية وما إلى ذلك من المعاني المجردة التي تستحي النفوس العالية من مخالفة دواعيها حتى ولو أعفيت من التبعات الخارجية والجزائية المادية.
- وإيمان بالله وأنه رقيب على السرائر , يعلم السر وأخفى , تستمد الشريعة سلطانها من أمره ونهيه , وتلتهب المشاعر بالحياء منه إما محبة له أو خشية منه أو بهما معاً ... ولا ريب أن هذا الضرب من الإيمان هو أقوى الضربين سلطاناً على النفس الإنسانية , وهو أشدهما مقاومة لأعاصير الهوى وتقلبات العواطف , وأسرعها نفاذاً في قلوب العامة والخاصة.
من أجل ذلك كان الدين خير ضمان لقيام التعامل بين الناس على قواعد العادلة والإنصاف , وكان لذلك ضرورة اجتماعية , فلا غرو إن حل الدين من الأمة محل القلب من الجسد. _ انظر: الدين , ص: ٩٨ , ١٠٢ _. وإذا كان الدين عموماً بهذه المنزلة , فالمشاهد اليوم تعدد الأديان والملل في هذا العالم , وتجد كل قوم بما لديهم من الدين فرحون مستمسكون به , فما الدين الصحيح الذي يحقق للنفس البشرية ما تصبو إليه؟ وما ضوابط الدين الحق؟ .
[الْمَصْدَرُ]
من كتاب الإسلام أصوله ومبادؤُه تأليف د. محمد بن عبد الله بن صالح السحيم.
стр. 1262
هل الإنجيل المكتوب بالآرامية موجود اليوم ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل الإنجيل الأصلي الذي باللغة الآرامية موجود هذا الزمان وأين؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
اختلف الباحثون والمتخصصون في علوم الديانات والتاريخ القديم في اللغة التي كان يتحدث بها الرسول الكريم عيسى بن مريم ﵇.
" ويجمع الباحثون أن فلسطين زمن بعثة عيسى كانت بمثابة لوحة فسيفسائية، وأن سكانها كانوا خليطا من كل أمة ولسان، وكانوا يتكلمون بدرجات متفاوتة: العبرانية، والآرامية بلهجاتها، والإغريقية، واللاتينية.
ولكن الاختلاف يقوم بينهم حين يسعون إلى تلمس الحدود الجغرافية لكل واحدة من تلك اللغات، وحين يريدون حصر الخصائص المميزة لتلك اللغات، وتحديد نسبة تأثر بعضها ببعض،
ونحن حين نقرأ سيرة عيسى في الأناجيل الأربعة نجده يخاطب فئات مختلفة من الناس:
فقد خاطب عامة الناس من مختلف المدائن والبوادي، وخاطب أعضاء المجلس الأعلى، ومعلمي الشريعة، والقائمين على تسيير الهيكل وإدارة الشؤون الدينية اليهودية، كما خاطب الحاكم الروماني لفلسطين وكانت لغته اللاتينية.
وفي كلمات المسيح المنسوبة إليه في الإنجيل كلمات آرامية:
" إيلي إيلي لما شبقتني؟! أي إلهي إلهي لماذا تركتني؟! (إنجيل متى ٢٧ / ٤٦) .
" وأمسك بيد الصبية وقال لها: " طليثا، قومي! " الذي تفسيره: يا صبية، لك أقول: قومي! (إنجيل مرقص ٥ / ٤١) .
وفيه كلمات عبرية:
" قال لها يسوع: " يا مريم " فالتفتت تلك وقالت له: " رَبُّونِي "، الذي تفسيره: يا معلم " (إنجيل يوحنا ٢٠ / ١٧) .
" وكان يخاطب ويباحث اليونانيين " (أعمال الرسل ٩ / ٢٩) وظاهره أن المباحثة كانت بلغتهم، ولاختلاف هذه الشواهد كان الخلاف شديدا بين العلماء والباحثين في تحديد لغة المسيح ﵇.
وذهب ابن تيمية وابن القيم إلى أنه لم يتكلم بغير العبرانية، فقال ابن تيمية في " الجواب الصحيح " (٣ / ٧٥) :
" والمسيح كان عبرانيا لم يتكلم بغير العبرانية " انتهى.
وقال في (١ / ٩٠) : " ومن قال إن لسان المسيح كان سريانيّاً (أي آراميّاً) أو روميّاً: فقد غلط " انتهى.
وذهب بعضهم إلى أن " هذه المعطيات جميعها تبين أن أغلب حديث عيسى ﵇ كان باللغة الآرامية، وهي اللغة الشعبية التي كانت شائعة أكثر من غيرها، ثم يتلوه حديثه باللغة العبرانية لغة العهد القديم، كما يبدو أنه كان مثقفا باللاتينية والإغريقية ".
انظر " لغة المسيح عيسى بن مريم " بحث د. عبد العزيز شهبر (ص ١١٢، ١١٣) ، منشور في كتاب " لغات الرسل ".
ثانيا:
يجب على المسلمين جميعا الإيمان بالإنجيل الذي أوحاه الله إلى نبيه عيسى المسيح ﵇، ومن أنكره كفر باتفاق أهل العلم.
يقول : (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ) المائدة/٤٦.
وإيماننا بالإنجيل يقتضي منا الإيمان بوجوده وتمام وحيه، وكذلك الإيمان بكل ما جاء فيه أنه حق ومن عند الله.
ولكن لم يأت في شريعتنا شيء في بيان هل كان هذا الإنجيل مكتوبا ومجموعا جميعه في عهد عيسى ﵇، ومن الذي كتبه، ومن الذي حفظه ونشره، أم كان المسيح يعلمه الناس مشافهة، ثم يتناقله الحواريون ومن آمن به؟ أم كتب بعضه وترك بعض آخر؟ فهذه أسئلة قد لا نستطيع أن نجزم فيها بجواب اليوم، بل إن بعض الباحثين ينفي أن يكون الإنجيل الحقيقي مدونا على هيئة كتاب، وإنما كان أقوالا متناقلة.
يقول العلامة الطاهر ابن عاشور في " التحرير والتنوير " (٣ / ٢٦) في مطلع تفسير آل عمران:
" وأما الإنجيل: فاسم للوحي الذي أوحي به إلى عيسى ﵇ فجمعه أصحابه " انتهى.
يقول الشيخ أحمد ديدات – ﵀:
فنحن نؤمن بإخلاص بأن كل ما كان يقوله عيسى ﵇ كان وحياً من الله، وبأنه هو الإنجيل والبشارة إلى بني إسرائيل، وخلال حياته لم يكتب عيسى كلمة واحدة، كما أنه لم يأمر أحداً بالكتابة.
" هل الكتاب المقدس كلمة الله " (ص ١٤) .
وإن كان الظاهر أن المسيح ﵇ يعرف الكتابة والقراءة، ويفهم ذلك من قوله تعالى:
(وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ) آل عمران/٤٨
قال ابن كثير – ﵀:
الظاهر أن المراد بالكتاب ههنا الكتابة.
" تفسير القرآن العظيم " (١ / ٤٨٥) .
إلا أننا لا نملك دليلا على كتابة الوحي زمن عيسى ﵇، وليس في تسمية الإنجيل " كتابا " في القرآن الكريم دليل على كتابته في الصحف زمن الوحي، فإن التسمية بـ " الكتاب " إنما هي باعتبار ما عند الله في اللوح المحفوظ، أو باعتبار تهيئه للكتابة والتدوين، واعتبر ذلك بالقرآن الكريم، فقد سماه الله " كتابا "، وإنما كان يتناقل شفاها مع كتابة متفرقة له في الجلود والصحف، وفي الحقيقة لم يكن كتابا مجموعا حتى كان زمن أبي بكر الصديق ﵁، بل قال سبحانه وتالى: (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلَاّ سِحْرٌ مُّبِينٌ) الأنعام/٧.
يقول الطاهر ابن عاشور في تفسير سورة مريم الآية/٣٠:
والكتاب: الشريعة التي من شأنها أن تكتب لئلا يقع فيها تغيير. فإطلاق الكتاب على شريعة عيسى كإطلاق الكتاب على القرآن.
" التحرير والتنوير " (٨ / ٤٧٠) .
والنصارى كذلك لا يؤمنون أن ثمة كتابا كتبه المسيح أو أحد تلامذته في عهده، ثم فُقِدَ بعد ذلك.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
وأما الإنجيل الذي بأيديهم فهم معترفون بأنه لم يكتبه المسيح ﵇، ولا أملاه على من كتبه، وإنما أملوه بعد رفع المسيح.
" الجواب الصحيح " (١ / ٤٩١) .
وهذا فرق ظاهر بين الوحي الذي أنزل على موسى والوحي الذي أنزل على عيسى، فقد جاء في القرآن الكريم ما يدل على كتابة الأول في قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) الأعراف/١٤٥.
وإن كان يبدو من كلام بعض علماء المسلمين أن الإنجيل الحقيقي كان مدونا ومكتوبا في عهد المسيح ﵇، تجد ذلك في كلام ابن حزم في " الفِصَل "، وابن تيمية في " الجواب الصحيح ".
وكذلك جاء في " الإنجيل " إطلاق هذا اللفظ على ما أوحاه الله إلى المسيح، حيث جاء في (إنجيل مرقص ٨/٣٥) : " ومن أهلك نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل يخلصها ".
أما الأناجيل الموجودة اليوم، فليست هي الإنجيل الحقيقي، ولكن لا ينكر احتواؤها على كثير من الإنجيل الذي أوحاه الله سبحانه إلى المسيح.
قال ابن تيمية ﵀
هذه المقالات الأربعة التي يسمونها الإنجيل، وقد يسمون كل واحد منهم إنجيلا إنما كتبها هؤلاء بعد أن رفع المسيح، فلم يذكروا فيها أنها كلام الله، ولا أن المسيح بلغها عن الله، بل نقلوا فيها أشياء من كلام المسيح، وأشياء من أفعاله ومعجزاته، وذكروا أنهم لم ينقلوا كل ما سمعوه منه ورأوه، فكانت من جنس ما يرويه أهل الحديث والسير والمغازي عن النبي ﷺ من أقواله وأفعاله التي ليست قرآنا، فالأناجيل التي بأيديهم شبه كتاب السيرة وكتب الحديث أو مثل هذه الكتب، وإن كان غالبها صحيحاً.
" الجواب الصحيح " (٢ / ١٤) .
وانظر جواب السؤال رقم (٤٧٥١٦) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1263
هدي النبي ﷺ في معاملة اليهود
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف كان هدي النبي ﷺ مع اليهود؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
فإن أحسن الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، فهو أكمل الخلق وسيد الرسل، وقد أمرنا بالتمسك بهديه، فقال: (عَلَيكُم بِسُنَّتِي) رواه أبو داود (٤٦٠٧) وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ".
وقد جاء هديه وسنته بأحسن الأحوال وأقوم الأخلاق، خاصة في تعامله ﷺ مع أهل الديانات الأخرى، ونستطيع أن نجمل هديه ﷺ في التعامل مع اليهود في المسائل التالية:
١. اتخاذ الموقع الصحيح من اليهودية وجميع الأديان، وهذا الموقع يتمثل باعتقاد أحقية دين الإسلام والتوحيد، وكفر وفساد كل ديانة أخرى، وتقرير أن الله تعالى لا يقبل يوم القيامة إلا أن يكون العبد مسلما حنيفا لله تعالى، كما قال سبحانه: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) آل عمران/٨٥.
وقد كان هذا التقرير هو المحور الذي تدور عليه ﷺ دعوته ﷺ ، ويتخذ المواقف تبعا له؛ لأنه من ضرورات عقيدة المسلم التي تعرضت في العصور الأخيرة للتحريف والتشويه من دعاة " توحيد الأديان "!
انظر جواب السؤال رقم (٢١٥٣٤) .
٢. ولذلك كان ﷺ يحرص على دعوتهم للإسلام، ولا يفوت فرصة يمكن أن يبلغهم فيها دين الله تعالى إلا وفعل، حتى إنه ﷺ لم يبدأ حربا معهم – بسبب غدرهم وخيانتهم – إلا ويسبقها بدعوتهم وتذكيرهم، كما قال لعلي بن أبي طالب ﵁ يوم فتح خيبر: (انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ) رواه البخاري (٢٩٤٢) ومسلم (٢٤٠٦) .
٣. التأكيد على أن عقد الموالاة إنما هو بين المؤمنين، وأن البراء واجب من كل كفر مبين، وجعل ﷺ مناط الأخوة الإسلام، فلا يجوز لمسلم أن يوالي أهل أي ملة بالمحبة والمودة، لذلك تجده ﷺ يسارع في أول قدومه المدينة في تقرير المفارقة بين الإسلام واليهودية، فكان في نص الوثيقة " الدستور " التي أمر النبي صلى الله عليه سلم بكتابته لتنظيم العلاقات بين سكان المدينة: " المؤمنون أمة واحدة دون الناس " رواه القاسم بن سلام في " الأموال " (٥١٧) من مراسيل الزهري.
يقول الدكتور أكرم العمري:
" الروابط تقتصر على المسلمين ولا تشمل غيرهم من اليهود والحلفاء، ولا شك أن تمييز الجماعة الدينية كان أمرا مقصودا يستهدف زيادة تماسكها واعتزازها بذاتها " انتهى.
انظر " السيرة النبوية الصحيحة " للدكتور أكرم العمري (١ / ٢٧٢ – ٢٩١) فقد توسع في الحكم على الوثيقة وتحليلها.
٤. ولكنه ﷺ كان يعترف بحقوق اليهود والنصارى، ويخطئ من يتوهم أن التبرأ من ديانة اليهود المحرفة يلزم منه ظلمهم ومصادرة حقوقهم، فقد قبل النبي ﷺ وجود اليهود في المدينة، وكتب في دستور المدينة: " وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين "، وتكفل لهم بجميع أنواع الحقوق:
أ. حق الحياة: فلم يقتل يهوديا إلا من خان وغدر.
ب. وحق اختيار الدين: حيث أقرهم على ديانتهم ولم يكره أحداً على الإسلام، عملا بقوله : (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) البقرة/٢٥٦، وكتب في ميثاق المدينة: " لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم ".
ج. حق التملك: فلم يصادر أملاك أحد منهم، بل أقر النبي ﷺ المسلمين على تجارتهم معهم.
د. حق الحماية والدفاع: فقد جاء في ميثاق المدينة: " وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة "
هـ. حق العدل في المعاملة ورفع الظلم: وذلك مقرر في صحيفة المدينة حيث جاء فيها: " وأنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم "، وقد عدل النبي ﷺ في الحكم ولو كان ذلك على حساب المسلمين، فلما قتل أهلُ خيبر عبدَ الله بن سهل ﵁ لم يقض النبي ﷺ عليهم بالدية، ولم يعاقبهم على جريمتهم، لعدم وجود البينة الظاهرة ضدهم، حتى دفع النبي ﷺ ديته من أموال المسلمين، والقصة في البخاري (٦٧٦٩) ومسلم (١٦٦٩) ، ولما اختصم الأشعث بن قيس ورجل من اليهود إلى النبي ﷺ في أرض باليمن ولم يكن لعبد الله بيِّنة قضى فيها لليهودي بيمينه، كما في البخاري (٢٥٢٥) ومسلم (١٣٨) .
و. بل منحهم النبي ﷺ حق التحاكم فيما بينهم إلى قوانين دينهم، ولم يلزمهم بقوانين المسلمين ما دام طرفا القضية من أتباعهم، إلا إذا ترافعوا إليه ﷺ ، وطلبوا منه الحكم بينهم، فكان حينئذ يحاكمهم بشريعة الله ودين المسلمين، يقول الله : (فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) المائدة/٤٢.
٥. وقد كان النبي ﷺ يحسن معاملة جميع الناس، ومنهم اليهود، فقد أمر الله سبحانه بالقسط والبر وحسن الخلق وأداء الأمانة مع اليهود وغيرهم، حيث قال سبحانه: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) الممتحنة/٨.
ومن بره ﷺ في معاملة اليهود:
أ. أنه كان يعود مريضهم: روى البخاري (١٣٥٦) عن أنس بن مالك ﵁: (أَنَّ غُلَامًا مِنَ اليَهُودِ كَانَ يَخدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِندَ رَأسِهِ، فَقَالَ: أََسلِم. فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِندَ رَأسِهِ، فَقَالَ لَه: أَطِع أَبَا القَاسِمِ ﷺ . فَأَسلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: الحَمدُ لِلَّهِ الذِي أَنقَذَهُ مِنَ النَّارِ) .
ب. وكان ﷺ يقبل هداياهم: فقد روى البخاري (٢٦١٧) ومسلم (٢١٩٠) عن أنس بن مالك ﵁: (أَنَّ امرَأَةً يَهُودِيَّةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ مَسمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنهَا) .
ج. كما كان ﷺ يعفو عن مسيئهم: إذ لم ينه عن قتل تلك المرأة التي وضعت السم في الشاة، ففي تكملة الحديث السابق: (فَجِيءَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ: أَرَدْتُ لِأَقْتُلَكَ، قَالَ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَاكِ - قَالَ: أَوْ قَالَ: عَلَيَّ - قَالَ: قَالُوا: أَلَا نَقْتُلُهَا؟ قَالَ: لَا) ، بل وفي حديث أبي هريرة في صحيح البخاري (٣١٦٩) أن ذلك كان بعلم من اليهود وأنهم اعترفوا بمحاولة القتل بالسم، ومع ذلك لم يأمر ﷺ بالانتقام لنفسه، لكنه قتلها بعد ذلك لموت الصحابي الذي كان معه ﷺ وكان أكل من الشاة المسمومة , وهو بشر بن البراء ﵁.
وكذلك لما سحره اليهودي لبيد بن الأعصم، وعافاه الله من السحر، لم ينتقم منه ولا أمر بقتله، بل جاء في " سنن النسائي " (٤٠٨٠) وصححه الألباني عن زيد بن أرقم قال: (فَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ لِذَلِكَ اليَهُودِيِّ وَلَا رَآهُ فِي وَجهِهِ قَط) .
د. وكان ﷺ يعامل اليهود بالمال، ويفي لهم معاملتهم: عن ابن عمر ﵄ قال: (أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ الْيَهُودَ أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا) رواه البخاري (٢١٦٥) ومسلم (١٥٥١) .
وعن عائشة ﵂ قالت: (اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا بِنَسِيئَةٍ وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ) رواه البخاري (١٩٩٠) ومسلم (١٦٠٣) .
هـ. وفي أول قدومه ﷺ المدينة كان يحب موافقة اليهود في أعمالهم وعاداتهم ليتألف قلوبهم على الإسلام، ولكنه لما رأى عنادهم وجحودهم ومكابرتهم أمر بمخالفتهم، ونهى عن التشبه بهم.
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَسْدِلُ شَعَرَهُ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ رُءُوسَهُمْ فَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَسْدِلُونَ رُءُوسَهُمْ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ ثُمَّ فَرَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ) رواه البخاري (٣٧٢٨) ومسلم (٢٣٣٦) .
و. ولم يكن ﷺ يترفع عن محاورتهم، بل كان يتواضع لهم، ويجيب على أسئلتهم وإن كان مرادهم منها العنت والمجادلة بالباطل.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود ﵁ قَالَ: (بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَرْثٍ وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى عَسِيبٍ إِذْ مَرَّ بِنَفَرٍ مِنْ الْيَهُودِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ سَلُوهُ عَنْ الرُّوحِ فَقَالُوا مَا رَابَكُمْ إِلَيْهِ لَا يَسْتَقْبِلُكُمْ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ فَقَالُوا سَلُوهُ فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ فَسَأَلَهُ عَنْ الرُّوحِ قَالَ فَأَسْكَتَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ قَالَ فَقُمْتُ مَكَانِي فَلَمَّا نَزَلَ الْوَحْيُ قَالَ: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) رواه البخاري (٤٤٤٤) ومسلم (٢٧٩٤) .
ز. وكان يدعو لهم بالهداية وصلاح البال: فعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: (كَانَ الْيَهُودُ يَتَعَاطَسُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ يَرْجُونَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ يَرْحَمُكُمْ اللَّهُ فَيَقُولُ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ) رواه الترمذي (٢٧٣٩) وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ".
٦. وفي المقابل: لم يكن ﷺ يرضى أن ينتهك اليهود حرمات المسلمين، ويتمادوا في ذلك، فكان يعاقب كل من يعتدي على المسلمين ويظلمهم ويتجاوز حدوده في ذلك، فلما اعتدى بعض يهود بني قينقاع على امرأة مسلمة في السوق واحتالوا لكشف عورتها، وتوعدوا النبي ﷺ بالقتال، وقالوا: (يا محمد، لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس) نقله ابن حجر في " فتح الباري " وحسَّنه (٧ / ٣٣٢) فقام النبي ﷺ إليهم وأجلاهم من المدينة، وكان ذلك في شوال من السنة الثانية للهجرة.
ثم لما عَظُمَ أذى كعب بن الأشرف اليهودي للمسلمين، وبدأ يخوض في أعراضهم، ويشبب بنسائهم في شعره، وارتحل إلى مكة يحرض زعماء قريش على المسلمين أمر النبي ﷺ بقتله في قصة طويلة حدثت في ربيع الأول من السنة الثالثة للهجرة، رواها البخاري (٢٣٧٥) ومسلم (١٨٠١) .
وكذلك لما تكررت محاولات بني النضير لقتل النبي ﷺ في قصص مشهورة يذكرها أهل المغازي والسير، ودسوا إلى قريش يحضونهم على غزو المدينة، ويدلونهم على العورة، أمر النبي ﷺ بإجلائهم من المدينة في السنة الرابعة من الهجرة. انظر " المغازي " للواقدي (١ / ٣٦٣ – ٣٧٠) و " سيرة ابن هشام " (٣ / ٦٨٢) .
وأما يهود بني قريظة فقد قتل النبي ﷺ مقاتلتهم لما غدروا به يوم الأحزاب، وتحالفوا مع قريش والعرب ضد المسلمين، وخانوا العهود معهم، وكان ذلك في العام الهجري الخامس.
انظر " سيرة ابن هشام " (٣ / ٧٠٦) .
وقد وردت أخبار كثيرة في أن النبي ﷺ كان يعفو عن كل من أظهر الوفاء بالعهد من اليهود، ولا يعاقب إلا من شارك في الغدر أو أقر ورضي.
انظر " السيرة النبوية الصحيحة " أكرم العمري (١ / ٣١٦) ، وقد جاء في ميثاق المدينة: " لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم نفسه وأثم، فإنه لا يوتِغ – أي: يُهلِك - إلا نفسه وأهل بيته ".
وأخيرا لما رأى النبي ﷺ غدر اليهود وخيانتهم، أوحى الله إليه أن يُخلِصَ جزيرة العرب لديانة التوحيد، فلا يبقى فيها غير الدين الذي ارتضاه الله لنفسه.
عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ أوصاهم في مرض موته فقال: (أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ) رواه البخاري (٢٨٨٨) ومسلم (١٦٣٧) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1264
لماذا لا يعجل الله تعالى بهلاك الكفار؟ ولماذا المسلمون في تأخر ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[لماذا لا يعاقب الله المسيحيين واليهود ? لماذا المسلمون في تأخر والمسيحيون واليهود في تطور؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لعلَّ الأخ السائل أراد بالعقوبة في سؤاله العذاب والإهلاك؛ لأن لفظ العقوبة أعم من العذاب، والكفار يعاقبهم الله تعالى على كفرهم بالمعيشة الضنك، وبظلمة القلوب وقسوتها، ومن يُرى منهم على حال حسنة ونعيم في طعامه ولباسه ومسكنه فإنما هو ظاهر الأمر لا حقيقة بواطنهم وقلوبهم، ويشترك العاصي مع الكافر في هذا الباب.
وأما تأخير العذاب والإهلاك لمن كفر بالله تعالى: فقد ذكر الله تعالى في كتابه حِكَماً كثيرة لذلك، ومنها:
١. أنه تعالى غفور رحيم، وإنما يؤخر إهلاكهم لأجل أن يتوبوا ويُسلموا.
قال الله تعالى: (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ) الكهف/٥٨.
قال الإمام الطبري – ﵀:
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : وربك الساتر يا محمد على ذنوب عباده بعفوه عنهم إذا تابوا منها.
(ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا) هؤلاء المعرضين عن آياته إذا ذكروا بها بما كسبوا من الذنوب والآثام.
(لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ) ولكنه لرحمته بخلقه غير فاعل ذلك بهم إلى ميقاتهم وآجالهم.
" تفسير الطبري " (١٨ / ٥٢) .
٢. أن من صفاته تعالى الحلم، ومن أسمائه الحسنى الحليم، فهو لا يعجل بالعقوبة، بل يمهل لخلقه من غير إهمال، ولن تفوته عقوبتهم لو أراد، كما هو الحال في البشر.
أ. قال الشيخ الشنقيطي – ﵀:
قوله تعالى: ﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ العذاب﴾ الآية.
بيَّن في هذه الآية الكريمة: أنه لو يؤاخذ الناس بما كسبوا من الذنوب، كالكفر والمعاصي، لعجَّل لهم العذاب، لشناعة ما يرتكبونه، ولكنه حليم لا يعجل بالعقوبة، فهو يمهل ولا يهمل". أضواء البيان " (٤ / ١٦٤) .
ب. وقال – ﵀ – في تفسير قوله تعالى (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) النحل/٦١ -:
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه لو عاجل الخلق بالعقوبة لأهلك جميع من في الأرض، ولكنه حليم لا يعجل بالعقوبة؛ لأن العجلة من شأن من يخاف فوات الفرصة، ورب السموات والأرض لا يفوته شيء أراده.
وذكر هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله في آخر سورة فاطر: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ) فاطر/٤٥ الآية، وقوله: (وَرَبُّكَ الغفور ذُو الرحمة لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ العذاب) الكهف/ ٥٨، الآية.
وأشار بقوله: (ولكن يُؤَخِّرُهُمْ إلى أَجَلٍ مسمى) إلى أنه تعالى يمهل ولا يهمل.
" أضواء البيان " (٣ / ٢٦٣) .
٣. أن عذاب الكفار حاصل ولا شك في الآخرة، وأن التأخير فيه إنما لأنه لم يحن وقته الذي قدَّره الله تعالى عليهم، وهو يوم القيامة.
قال الله تعالى: (وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ) هود/١١٠.
وقال تعالى: (وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى) طه/١٢٩.
وقال تعالى: (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلا) الكهف/٥٨.
وقال تعالى: (وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ) إبراهيم/٤٢.
أ. قال البغوي – ﵀:
(وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى) فيه تقديم وتأخير، تقديره: ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاماً وأجلٌ مسمّى، والكلمة: الحُكم بتأخير العذاب عنهم، أي: ولولا حكمٌ سبق بتأخير العذاب عنهم وأجلٌ مسمى، وهو القيامة.
(لَكَانَ لِزَاماً) أي: لكان العذاب لازماً لهم، كما لزم القرون الماضية الكافرة.
" تفسير البغوي " (٥ / ٣٠٢) .
ب. وقال ابن كثير – ﵀:
قال تعالى: (وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) أي: لولا الكلمة السابقة من الله بإنظار العباد بإقامة حسابهم إلى يوم المعاد: لعجل لهم العقوبة في الدنيا سريعاً.
" تفسير ابن كثير " (٧ / ١٩٥) .
ج. وقال الشيخ السعدي – ﵀:
(وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ) بتأخيرهم، وعدم معاجلتهم بالعذاب.
(لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) بإحلال العقوبة بالظالم، ولكنه تعالى اقتضت حكمته أن أخَّر القضاء بينهم إلى يوم القيامة. " تفسير السعدي " (ص ٣٩٠) .
د. وقال الشنقيطي – ﵀:
قوله تعالى: ﴿بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاٍ﴾ الآية.
بيَّن جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه وإن لم يجعل لهم العذاب في الحال: فليس غافلاً عنهم ولا تاركاً عذابهم، بل هو تعالى جاعل لهم موعداً يعذبهم فيه، لا يتأخر العذاب عنه، ولا يتقدم. " أضواء البيان " (٤ / ١٦٤، ١٦٥) .
٤. وأما من كفر نعمة ربه , ولم يتعرض لرحمته، وأصر على كفره وعناده، فإن في تأخير العذاب عنه زيادة في إثمه، حتى يوافي ربه العزيز المنتقم، وقد ازداد إثمه، وأحاط به جرمه، وانقطع عذره، وذهبت حجته:
قال الله تعالى: (فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَام ٍ) ابراهيم/٤٧ وقال تعالى: (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) آل عمران/١٧٨.
وقال تعالى: (فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا) مريم/٨٥.
أ. قال الإمام الطبري – ﵀:
وتأويل قوله: (إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا) : إنما نؤخر آجالهم فنطيلها ليزدادوا إثماً، يقول: يكتسبوا المعاصي فتزداد آثامهم وتكثر.
(وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) يقول: ولهؤلاء الذين كفروا بالله ورسوله في الآخرة عقوبة لهم مهينة مذلة.
" تفسير الطبري " (٧ / ٤٢٣) .
ب. وقال الطبري – أيضاً -:
وقوله (فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا) يقول عزّ ذكره: فلا تعجل على هؤلاء الكافرين بطلب العذاب لهم والهلاك يا محمد.
(إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا) يقول: فإنما نؤخر إهلاكهم ليزدادوا إثماً، ونحن نعدّ أعمالهم كلها ونحصيها حتى أنفاسهم لنجازيهم على جميعها، ولم نترك تعجيل هلاكهم لخير أردناه بهم.
" تفسير الطبري " (١٨ / ٢٥٢) .
فيا له من وعيد وتخويف، وياله من بأس وانتقام، حين يعد الجبار الجليل، للمجرم الآبق ما يستحقه على جرمه، حين لا مفر له ولا مهرب.
روى البخاري (٤٦٨٦) ومسلم (٢٥٨٣) عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ يُمْلِي لِلظَّالِمِ فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ .
ثانياً:
وأما الأمر الآخر وهو تأخر المسلمين وتقدم الكفار في أسباب المعاش، وعلوم الدنيا: فاعلم أن أمر تطورهم وتقدمهم لا يتعدى الأمور الدنيوية، وأما العلم الحقيقي، وهو العلم بالله والدار الآخرة فهم في معزل عنه. قال الله تعالى: (يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) الروم/٧.
وهذا أيضا من تمام حجة الله تعالى عليهم؛ أن أعطاهم الأسباب التي تمكنهم من العلم النافع لهم، وتدلهم على الدين الحق، فشغلوها بأمر الدنيا، ولم ينتفعوا بها فيما ينجيهم عنده، ويصلح لهم أمر آخرتهم، فينصلح تبعا له أمر دنياهم ـ أيضا ـ. قال الله تعالى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) الاحقاف/٢٦ ولهذا قال الله تعالى، ناهيا عباده عن الاغترار بما عندهم من أسباب الدنيا، وزينتها وزخرفها،: (لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ. مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) آل عمران/١٩٦، ١٩٧.
قال الشوكاني ﵀:
(لا يَغُرَّنَّكَ) خطاب للنبي ﷺ والمراد تثبيته على ما هو عليه، كقوله تعالى (يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنوا آمِنوا) وخطاب لكل أحدٍ، وهذه الآية متضمنة لقبح حال الكفار بعد ذكر حسن حال المؤمنين، والمعنى: لا يغرنك ما هم فيه من تقلبهم في البلاد بالأسفار للتجارة التي يتوسعون بها في معاشهم، فهو متاع قليل يتمتعون به في هذه الدار ثم مصيرهم إلى جهنم، فقوله: (مَتَاعٌ) خبر مبتدأ محذوف: أي: هو متاع قليل لا اعتداد به بالنسبة إلى ثواب الله سبحانه.
(وَمَأْوَاهُم) أي: ما يأوون إليه.
والتقلب في البلاد: الاضطراب في الأسفار إلى الأمكنة، ومثله قوله تعالى (فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُم فِي البِلَادِ) والمتاع ما يعجل الانتفاع به، وسمَّاه " قليلاً " لأنه فانٍ، وكلُّ فانٍ وإن كان كثيراً فهو قليل.
وقوله (وَبِئْسَ المَصِيرُ) ما مهدوا لأنفسهم في جهنم بكفرهم، أو ما مهد الله لهم من النار، فالمخصوص بالذم محذوف: وهو هذا المقدر.
" فتح القدير " (١ / ٦٢٢، ٦٢٣) .
واعلم ـ أخانا الكريم ـ أن الله تعالى قد جعل لعمارة الأرض، والتمكن من خيرها، والانتفاع بما فيها، وبلوغ أسباب القوة، سننا كونية، هي جارية على العباد كلهم؛ فمن أخذ بأسباب القوة بلغها، بإذن ربه، لكن الشأن فيمن يبلغ ذلك، كما شرع له ربه، ثم يستعمله فيما يوصله، ويوصل العباد إلى مرضاة ربه. قال الله تعالى: (مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً * كُلاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً) الاسراء/١٨-٢٠.
ثم إن من حكم الله تعالى في تيسير أسباب المعاش، وزينة الدنيا لهؤلاء الكفار، أن من أحسن منهم في شيء، تمتع بما عنده من الدنيا، جزاء حسنته، حتى إذا وافى ربه يوم القيامة، لم يكن له عند الله حسنة يجازى بها.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً؛ يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا، وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ. وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا) رواه مسلم (٢٨٠٨) .
ولهذا قال شداد بن أوس ﵁: (إن الدنيا عرض حاضر، يأكل منها البر والفاجر، والآخرة وعد صادق، يحكم فيها ملك قاهر، ولكل بنون؛ فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا) صفة الصفوة (١/٧٠٩) .
على أننا ـ أيضا ـ ننبه هنا إلى أن ذلك لا يعني أن يترك المؤمنون أسباب القوة، يتمتع بها الكفار، ويصدون الناس بها عن سبيل الله، بل إن المؤمن مأمور بعمارة الأرض على منهج ربه . قال الله تعالى: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ) هود/٦١، وأمر الله تعالى عباده بالأخذ بأسباب القوة، كل القوة، في مواجهة عدوهم: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) الأنفال/من الآية٦٠
قال الشيخ ابن سعدي ﵀: (أي: كل ما تقدرون عليه، من القوة العقلية والبدنية، وأنواع الأسلحة ونحو ذلك، مما يعين على قتالهم. فدخل في ذلك أنواع الصناعات التي تعمل فيها أصناف الأسلحة والآلات من المدافع، والرشاشات، والبنادق، والطيارات الجوية، والمراكب البرية والبحرية، والقلاع، والخنادق، وآلات الدفاع، والرأي والسياسة التي بها يتقدم المسلمون ويندفع عنهم به شر أعدائهم، وتعلم الرمي، والشجاعة والتدبير. ولهذا قال النبي ﷺ : «ألا إن القوة الرمي» [رواه مسلم (١٩١٧) ] .
ومن ذلك: الاستعداد بالمراكب المحتاج إليها عند القتال، ولهذا قال تعالى: (ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) ؛ وهذه العلة موجودة فيها في ذلك الزمان، وهي إرهاب الأعداء، والحكم يدور مع علته. فإذا كان شيء موجودا أكثر إرهابا منها، كالسيارات البرية والهوائية، المعدة للقتال التي تكون النكاية فيها أشد، كانت مأمورا بالاستعداد بها، والسعي لتحصيلها، حتى إنها إذا لم توجد إلا بتعلم الصناعة، وجب ذلك، لأن «ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب» ) .
وانظر جواب السؤال رقم: (٣٣٦٧٩) لتقف على بعض ما في حياة الكفار من هموم وغموم وشقاء.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1265
أخفى إسلامه ودُفن في مقابر الكفار فهل يكون كافراً ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[لنفرض أن هناك نصرانيّاً قد أسلم ولم يخبر أهله، فبعد فترة توفي، ولكن أهله لا يعرفون أنه قد أسلم فسيصلون عليه في الكنيسة ويدفنونه على الطريقة النصرانية، أريد أن أعرف ما حكم هذا؟ هل يموت على الإسلام أم على الكفر؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
اعلم أخي الكريم ـ أولا ـ أن الفقهاء اتفقوا على أنه لا يجوز أن يدفن المسلم في مقابر الكفار، ولا الكافر في مقابر المسلمين، إلا لضرورة [انظر: الموسوعة الفقهية: ٢١/٢٠، أحكام المقابر في الشريعة الإسلامية، د عبد الله السحيباني، ص:٢٣١-٢٣٢] .
وإذا مات المسلم في بلاد الكفار، فإنه يجب على وليه، أو من علم به من المسلمين، أن ينقله إلى بلاد المسلمين حتى يدفن فيها.
وهذا النقل والتحويل إلى بلاد الإسلام حسب الاستطاعة، فإن تعذر نقله فيدفن في بلاد الكفار، لكن في غير مقابرهم. [انظر: أحكام المقابر ص: ٢٢٥-٢٢٦] .
قال شيخ الإسلام ﵀: " وهذا آكد من التمييز بينهم حال الحياة، بلبس الغيار ونحوه؛ فإن مقابر المسلمين فيها الرحمة، ومقابر الكفار فيها العذاب " [الاختيارات ص ٩٤] .
ثانيا: الصورة التي سألت عنها، وهي حالة تتكرر لكثير من المسلمين المستضعفين في بلاد الكفر، الذين لا يتمكنون من الهجرة إلى بلد يعلنون فيه إسلامهم، ويأمنون فيه على دينهم وأنفسهم، ولا يستطيعون ـ أيضا ـ إظهار إسلامهم في البلاد التي يعيشون فيها، إما خشية على أنفسهم من بطش أقربائهم بهم، كما هو الحال في سؤالك، أو لغير ذلك من الأسباب؛ فهؤلاء يبعثون على نياتهم، وحكم في الآخرة حكم ما عندهم من الإيمان والعمل الصالح، وليس حكم الأرض التي ماتوا فيها، أو القبر الذي دفنوا فيه؛ عَنْ جَابِر بنِ عَبْدِ الله قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: (يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ) رواه مسلم (٢٨٧٨)
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى جَنَازَةٍ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِسْلامِ اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ.
رواه أبو داود (٣٢٠١) وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ".
قال الشيخ محمد الصالح العثيمين – ﵀:
" اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِسْلامِ) الحياة ذكر معها الإسلام، وهو الاستسلام الظاهر، ومع الموت ذكر الإيمان؛ لأن الإيمان أفضل، ومحله القلب، والمدار على ما في القلب عند الموت وفي يوم القيامة "
" شرح رياض الصالحين " (٢ / ١٢٠٠) .
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عما يقول بعض الناس: إن لله ملائكة ينقلون من مقابر المسلمين إلى مقابر اليهود والنصارى، وينقلون من مقابر اليهود والنصارى إلى مقابر المسلمين؛ ومقصودهم: أن من ختم بشر في علم الله، وقد مات في الظاهر مسلما، أو كان كتابيا وختم له بخير، فمات مسلما في علم الله، وفي الظاهر مات كافرا، فهؤلاء ينقلون؛ فهل ورد في ذلك خبر أم لا؟ وهل لذلك حجة؟ أم لا؟
فقال ﵀: أما الأجساد فإنها لا تنقل من القبور، لكن نعلم أن بعض من يكون ظاهره الإسلام، ويكون منافقا: إما يهوديا أو نصرانيا أو مرتدا..، فمن كان كذلك فإنه يكون يوم القيامة مع نظرائه، كما قال تعالى: (احشروا الذين ظلموا وأزواجهم) أي أشباههم ونظراءهم. وقد يكون بعض من مات، وظاهره الكفر، قد آمن بالله قبل أن يغرغر، ولم يكن عنده مؤمن، وكتم عن أهله ذلك؛ إما لأجل ميراث أو لغير ذلك، فيكون مع المؤمنين، وإن كان مقبورا مع الكفار.
وأما الأثر في نقل الملائكة فما سمعت في ذلك أثرا. انتهى من الفتاوى الكبرى (٣/٢٧) بتصرف يسير.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →