← Фатава

Фатава · id 26332

موقع الإسلام سؤال وجواب

محمد صالح المنجد

Полный текст (16 344 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

حاجة البشر إلى الدين [السُّؤَالُ] ـ[لماذا يحتاج الناس إلى الدين؟ ألا تكفي القوانين لضبط حياة الناس!.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله حاجة البشر إلى الدين أعظم من حاجاتهم إلى ما سواه من ضرورات الحياة؛ لأن الإنسان لا بد له من معرفة مواقع رضى الله – سبحانه – ومواقع سخطه , ولابد له من حركة يجلب بها منفعته , وحركة يدفع بها مضرته , والشرع هو الذي يميز بين الأفعال التي تنفع والتي تضر , وهو عدل الله في خلقه , ونوره بين عباده , فلا يمكن للناس أن يعيشوا بلا شرع يميزون به بين ما يفعلونه وما يتركونه. وإذا كان للإنسان إرادة فلا بد من معرفة ما يريده , وهل هو نافع أو ضار؟ وهل يصلحه أو يفسده؟ . وهذا قد يعرفه بعض الناس بفطرهم وبعضه يعرفونه بالاستدلال إليه بعقولهم , وبعضه لا يعرفونه إلا بتعريف الرسل وبيانهم لهم وهدايتهم إياهم – أنظر التدمرية , تأليف شخ الإسلام ابن تيمية وص: ٢١٣, ٢١٤ , ومفتاح دار السعادة , جـ٢ , ص: ٣٨٣ -. فمهما استعلت المذاهب المادية الإلحادية وتزخرفت ومهما تعددت الأفكار والنظريات فلن تغني الأفراد والمجتمعات عن الدين الصحيح , ولن تستطيع أن تلبي متطلبات الروح والجسد , بل كلما توغل الفرد فيها؛ أيقن تمام اليقين أنها لا تمنحه أمناً , ولا تروي له ظمأً , وألا مهرب منها إلا إلى الدين الصحيح , يقول أرنست رينان: (إن من الممكن أن يضمحل كل شيء نحبه وأن تبطل حياة استعمال العقل والعلم والصناعة , ولكن مستحيل أن ينمحي التدين , بل سيبقى حجة باطلة على بطلان المذهب المادي الذي يريد أن يحصر الإنسان في المضايق الدنيئة للحياة الأرضية) انظر: الدين , تأليف عبد الله دراز , ص: ٨٧. ويقول محمد فريد وجدي: (يستحيل أن تتلاشى فكرة التدين؛ لأنها أرقى ميول النفس وأكرم عواطفها , ناهيك بميل يرفع رأس الإنسان , بل إن هذا الميل سيزداد , ففطرة التدين ستلاحق الإنسان ما دام ذا عقل يعقل به الجمال والقبح , وستزداد فيه هذه الفطرة على نسبة علو مداركه ونمو معارفه) المصدر السابق , ص: ٨٧. فإذا ابتعد الإنسان عن ربه فعلى قدر علو مداركه واتساع آفاق علمه , يدرك عظم جهله بربه وما يجب له , وجهله بنفسه وما يصلحها ويفسدها , ويسعدها ويشقيها , وجهله في جزئيات العلوم ومفرداتها كعلوم الأفلاك والمجرات وعلوم الحاسب والنواة وغيرها ... وحينئذ يتراجع العالم من مرحلة الغرور والكبرياء إلى التواضع والاستسلام , ويعتقد أن وراء العلوم عالماً حكيماً , ووراء الطبيعة خالقاً قادراً , وتلزم هذه الحقيقة الباحث المنصف بالإيمان بالغيب والإذعان للدين القويم , والاستجابة لنداء الفطرة والغريزة الجِبِلََّيَّة....وإذا تخلى الإنسان عن ذلك انتكست فطرته وتردى على مستوى الحيوان الأعجم. ونخلص بهذا إلى التدين الحق – الذي يعتمد على إفراد الله بالتوحيد , والتعبد له وفق ما شرع – عنصر ضروري للحياة ليحقق المرء من خلال عبوديته للَّه رب العالمين , ولتحصيل سعادته وسلامته من العطب والنصب والشقاء في الدارين , وهو ضروري لتكتمل القوة النظرية في الإنسان؛ فبه وحده يجد العقل ما يشبع نهمته , ومن دونه لا يحقق مطامحه العليا. وهو عنصر ضروري لتزكية الروح وتهذيب قوة الوجدان , إذ العواطف النبيلة تجد في الدين مجالاً ثرياً ومنهلاً لا ينفد معينه تدرك فيه غايتها. وهو عنصر ضروري لتكتمل قوة الإرادة بما يمدها بأعظم البواعث والدوافع ويدرّعها بأكبر وسائل المقاومة لعوامل اليأس والقنوط. وعلى هذا فإذا كان هناك من يقول: إن الإنسان مدني بطبعه , فينبغي أن نقول: (إن الإنسان متدين بفطرته) انظر السابق ص: ٨٤ , ٩٨, لأن للإنسان قوتين: قوة علمية نظرية , وقوة علمية إرادية , وسعادته التامة موقوفة على استكمال قوته العلمية والإرادية , ولا يتحقق استكمال القوة العلمية إلاّ بمعرفة ما يلي: ١- معرفة الإله الخالق الرازق الذي أوجد الإنسان من عدم وأسبغ عليه النعم. ٢- معرفة أسماء الله وصفاته , وما يجب له – سبحانه - , وأثر هذه الأسماء على عباده. ٣- معرفة الطريق التي توصل إليه سبحانه. ٤- معرفة المعوقات والآفات التي تحول بين الإنسان وبين معرفة هذا الطريق وما توصل إليه من النعيم العظيم. ٥- معرفة نفسك معرفة حقيقية , ومعرفة ما تحتاج إليه , وما يصلحها أو يفسدها , ومعرفة ما تشتمل عليه من المزايا والعيوب. فبهذه المعارف الخمس يستكمل الإنسان قوته العلمية , واستكمال القوة العلمية والإرادية لا يحصل إلاّ بمراعاة حقوقه سبحانه على العبد , والقيام بها إخلاصاً وصدقاً ونصحاً ومتابعةً , وشهوداً لمنته عليه ولا سبيل إلى استكمال هاتين القوتين إلاّ بمعونته فهو مضطر إلى أن يهديه الصراط المستقيم الذي هدى أولياءه إليه. انظر: الفوائد , ص: ١٨-١٩. بعد أن عرفنا أن الدين الصحيح هو المدد الإلهي لقوى النفس المختلفة , فإن الدين – أيضاً – هو الدرع الواقي للمجتمع , ذلك لأن الحياة البشرية لا تقوم إلاّ بالتعاون بين أعضائها , ولا يتم هذا التعاون إلاّ بنظام ينظم علاقاتهم , ويحدد واجباتهم , ويكفل حقوقهم , وهذا النظام لا غنى له عن سلطان نازع وازع يردع النفس عن انتهاكه , ويرغبها في المحافظة عليه , ويكفل مهابته في النفوس ويمنع انتهاك حرماته , فما هو هذا السلطان؟ فأقول: ليس على وجه الأرض قوة تكافئ قوة التدين أو تدانيها في كفالة احترام النظام , وضمان تماسك المجتمع واستقرار نظامه , والتئام أسباب الراحة والطمأنينة فيه. والسر في ذلك أن الإنسان يمتاز عن سائر الكائنات الحية بأن حركاته وتصرفاته الاختيارية يتولى قيادتها شيء لا يقع عليه سمع ولا بصر , وإنما هو عقيدة إيمانية تهذب الروح وتزكي الجوارح , فالإنسان مقود أبداً بعقيدة صحيحة أو فاسدة , فإذا صلحت عقيدته صلح فيه كل شيء , وإذا فسدت فسد كل شيء. والعقيدة والإيمان هما الرقيب الذاتي على الإنسان وهما – كما يلاحظ في عموم البشرية – على ضربين: - إيمان بقيمة الفضيلة وكرامة الإنسانية وما إلى ذلك من المعاني المجردة التي تستحي النفوس العالية من مخالفة دواعيها حتى ولو أعفيت من التبعات الخارجية والجزائية المادية. - وإيمان بالله وأنه رقيب على السرائر , يعلم السر وأخفى , تستمد الشريعة سلطانها من أمره ونهيه , وتلتهب المشاعر بالحياء منه إما محبة له أو خشية منه أو بهما معاً ... ولا ريب أن هذا الضرب من الإيمان هو أقوى الضربين سلطاناً على النفس الإنسانية , وهو أشدهما مقاومة لأعاصير الهوى وتقلبات العواطف , وأسرعها نفاذاً في قلوب العامة والخاصة. من أجل ذلك كان الدين خير ضمان لقيام التعامل بين الناس على قواعد العادلة والإنصاف , وكان لذلك ضرورة اجتماعية , فلا غرو إن حل الدين من الأمة محل القلب من الجسد. _ انظر: الدين , ص: ٩٨ , ١٠٢ _. وإذا كان الدين عموماً بهذه المنزلة , فالمشاهد اليوم تعدد الأديان والملل في هذا العالم , وتجد كل قوم بما لديهم من الدين فرحون مستمسكون به , فما الدين الصحيح الذي يحقق للنفس البشرية ما تصبو إليه؟ وما ضوابط الدين الحق؟ . [الْمَصْدَرُ] من كتاب الإسلام أصوله ومبادؤُه تأليف د. محمد بن عبد الله بن صالح السحيم.

стр. 1262

هل الإنجيل المكتوب بالآرامية موجود اليوم ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل الإنجيل الأصلي الذي باللغة الآرامية موجود هذا الزمان وأين؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: اختلف الباحثون والمتخصصون في علوم الديانات والتاريخ القديم في اللغة التي كان يتحدث بها الرسول الكريم عيسى بن مريم ﵇. " ويجمع الباحثون أن فلسطين زمن بعثة عيسى كانت بمثابة لوحة فسيفسائية، وأن سكانها كانوا خليطا من كل أمة ولسان، وكانوا يتكلمون بدرجات متفاوتة: العبرانية، والآرامية بلهجاتها، والإغريقية، واللاتينية. ولكن الاختلاف يقوم بينهم حين يسعون إلى تلمس الحدود الجغرافية لكل واحدة من تلك اللغات، وحين يريدون حصر الخصائص المميزة لتلك اللغات، وتحديد نسبة تأثر بعضها ببعض، ونحن حين نقرأ سيرة عيسى في الأناجيل الأربعة نجده يخاطب فئات مختلفة من الناس: فقد خاطب عامة الناس من مختلف المدائن والبوادي، وخاطب أعضاء المجلس الأعلى، ومعلمي الشريعة، والقائمين على تسيير الهيكل وإدارة الشؤون الدينية اليهودية، كما خاطب الحاكم الروماني لفلسطين وكانت لغته اللاتينية. وفي كلمات المسيح المنسوبة إليه في الإنجيل كلمات آرامية: " إيلي إيلي لما شبقتني؟! أي إلهي إلهي لماذا تركتني؟! (إنجيل متى ٢٧ / ٤٦) . " وأمسك بيد الصبية وقال لها: " طليثا، قومي! " الذي تفسيره: يا صبية، لك أقول: قومي! (إنجيل مرقص ٥ / ٤١) . وفيه كلمات عبرية: " قال لها يسوع: " يا مريم " فالتفتت تلك وقالت له: " رَبُّونِي "، الذي تفسيره: يا معلم " (إنجيل يوحنا ٢٠ / ١٧) . " وكان يخاطب ويباحث اليونانيين " (أعمال الرسل ٩ / ٢٩) وظاهره أن المباحثة كانت بلغتهم، ولاختلاف هذه الشواهد كان الخلاف شديدا بين العلماء والباحثين في تحديد لغة المسيح ﵇. وذهب ابن تيمية وابن القيم إلى أنه لم يتكلم بغير العبرانية، فقال ابن تيمية في " الجواب الصحيح " (٣ / ٧٥) : " والمسيح كان عبرانيا لم يتكلم بغير العبرانية " انتهى. وقال في (١ / ٩٠) : " ومن قال إن لسان المسيح كان سريانيّاً (أي آراميّاً) أو روميّاً: فقد غلط " انتهى. وذهب بعضهم إلى أن " هذه المعطيات جميعها تبين أن أغلب حديث عيسى ﵇ كان باللغة الآرامية، وهي اللغة الشعبية التي كانت شائعة أكثر من غيرها، ثم يتلوه حديثه باللغة العبرانية لغة العهد القديم، كما يبدو أنه كان مثقفا باللاتينية والإغريقية ". انظر " لغة المسيح عيسى بن مريم " بحث د. عبد العزيز شهبر (ص ١١٢، ١١٣) ، منشور في كتاب " لغات الرسل ". ثانيا: يجب على المسلمين جميعا الإيمان بالإنجيل الذي أوحاه الله إلى نبيه عيسى المسيح ﵇، ومن أنكره كفر باتفاق أهل العلم. يقول : (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ) المائدة/٤٦. وإيماننا بالإنجيل يقتضي منا الإيمان بوجوده وتمام وحيه، وكذلك الإيمان بكل ما جاء فيه أنه حق ومن عند الله. ولكن لم يأت في شريعتنا شيء في بيان هل كان هذا الإنجيل مكتوبا ومجموعا جميعه في عهد عيسى ﵇، ومن الذي كتبه، ومن الذي حفظه ونشره، أم كان المسيح يعلمه الناس مشافهة، ثم يتناقله الحواريون ومن آمن به؟ أم كتب بعضه وترك بعض آخر؟ فهذه أسئلة قد لا نستطيع أن نجزم فيها بجواب اليوم، بل إن بعض الباحثين ينفي أن يكون الإنجيل الحقيقي مدونا على هيئة كتاب، وإنما كان أقوالا متناقلة. يقول العلامة الطاهر ابن عاشور في " التحرير والتنوير " (٣ / ٢٦) في مطلع تفسير آل عمران: " وأما الإنجيل: فاسم للوحي الذي أوحي به إلى عيسى ﵇ فجمعه أصحابه " انتهى. يقول الشيخ أحمد ديدات – ﵀: فنحن نؤمن بإخلاص بأن كل ما كان يقوله عيسى ﵇ كان وحياً من الله، وبأنه هو الإنجيل والبشارة إلى بني إسرائيل، وخلال حياته لم يكتب عيسى كلمة واحدة، كما أنه لم يأمر أحداً بالكتابة. " هل الكتاب المقدس كلمة الله " (ص ١٤) . وإن كان الظاهر أن المسيح ﵇ يعرف الكتابة والقراءة، ويفهم ذلك من قوله تعالى: (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ) آل عمران/٤٨ قال ابن كثير – ﵀: الظاهر أن المراد بالكتاب ههنا الكتابة. " تفسير القرآن العظيم " (١ / ٤٨٥) . إلا أننا لا نملك دليلا على كتابة الوحي زمن عيسى ﵇، وليس في تسمية الإنجيل " كتابا " في القرآن الكريم دليل على كتابته في الصحف زمن الوحي، فإن التسمية بـ " الكتاب " إنما هي باعتبار ما عند الله في اللوح المحفوظ، أو باعتبار تهيئه للكتابة والتدوين، واعتبر ذلك بالقرآن الكريم، فقد سماه الله " كتابا "، وإنما كان يتناقل شفاها مع كتابة متفرقة له في الجلود والصحف، وفي الحقيقة لم يكن كتابا مجموعا حتى كان زمن أبي بكر الصديق ﵁، بل قال سبحانه وتالى: (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلَاّ سِحْرٌ مُّبِينٌ) الأنعام/٧. يقول الطاهر ابن عاشور في تفسير سورة مريم الآية/٣٠: والكتاب: الشريعة التي من شأنها أن تكتب لئلا يقع فيها تغيير. فإطلاق الكتاب على شريعة عيسى كإطلاق الكتاب على القرآن. " التحرير والتنوير " (٨ / ٤٧٠) . والنصارى كذلك لا يؤمنون أن ثمة كتابا كتبه المسيح أو أحد تلامذته في عهده، ثم فُقِدَ بعد ذلك. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وأما الإنجيل الذي بأيديهم فهم معترفون بأنه لم يكتبه المسيح ﵇، ولا أملاه على من كتبه، وإنما أملوه بعد رفع المسيح. " الجواب الصحيح " (١ / ٤٩١) . وهذا فرق ظاهر بين الوحي الذي أنزل على موسى والوحي الذي أنزل على عيسى، فقد جاء في القرآن الكريم ما يدل على كتابة الأول في قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) الأعراف/١٤٥. وإن كان يبدو من كلام بعض علماء المسلمين أن الإنجيل الحقيقي كان مدونا ومكتوبا في عهد المسيح ﵇، تجد ذلك في كلام ابن حزم في " الفِصَل "، وابن تيمية في " الجواب الصحيح ". وكذلك جاء في " الإنجيل " إطلاق هذا اللفظ على ما أوحاه الله إلى المسيح، حيث جاء في (إنجيل مرقص ٨/٣٥) : " ومن أهلك نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل يخلصها ". أما الأناجيل الموجودة اليوم، فليست هي الإنجيل الحقيقي، ولكن لا ينكر احتواؤها على كثير من الإنجيل الذي أوحاه الله سبحانه إلى المسيح. قال ابن تيمية ﵀ هذه المقالات الأربعة التي يسمونها الإنجيل، وقد يسمون كل واحد منهم إنجيلا إنما كتبها هؤلاء بعد أن رفع المسيح، فلم يذكروا فيها أنها كلام الله، ولا أن المسيح بلغها عن الله، بل نقلوا فيها أشياء من كلام المسيح، وأشياء من أفعاله ومعجزاته، وذكروا أنهم لم ينقلوا كل ما سمعوه منه ورأوه، فكانت من جنس ما يرويه أهل الحديث والسير والمغازي عن النبي ﷺ من أقواله وأفعاله التي ليست قرآنا، فالأناجيل التي بأيديهم شبه كتاب السيرة وكتب الحديث أو مثل هذه الكتب، وإن كان غالبها صحيحاً. " الجواب الصحيح " (٢ / ١٤) . وانظر جواب السؤال رقم (٤٧٥١٦) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1263

هدي النبي ﷺ في معاملة اليهود [السُّؤَالُ] ـ[كيف كان هدي النبي ﷺ مع اليهود؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله فإن أحسن الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، فهو أكمل الخلق وسيد الرسل، وقد أمرنا بالتمسك بهديه، فقال: (عَلَيكُم بِسُنَّتِي) رواه أبو داود (٤٦٠٧) وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ". وقد جاء هديه وسنته بأحسن الأحوال وأقوم الأخلاق، خاصة في تعامله ﷺ مع أهل الديانات الأخرى، ونستطيع أن نجمل هديه ﷺ في التعامل مع اليهود في المسائل التالية: ١. اتخاذ الموقع الصحيح من اليهودية وجميع الأديان، وهذا الموقع يتمثل باعتقاد أحقية دين الإسلام والتوحيد، وكفر وفساد كل ديانة أخرى، وتقرير أن الله تعالى لا يقبل يوم القيامة إلا أن يكون العبد مسلما حنيفا لله تعالى، كما قال سبحانه: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) آل عمران/٨٥. وقد كان هذا التقرير هو المحور الذي تدور عليه ﷺ دعوته ﷺ ، ويتخذ المواقف تبعا له؛ لأنه من ضرورات عقيدة المسلم التي تعرضت في العصور الأخيرة للتحريف والتشويه من دعاة " توحيد الأديان "! انظر جواب السؤال رقم (٢١٥٣٤) . ٢. ولذلك كان ﷺ يحرص على دعوتهم للإسلام، ولا يفوت فرصة يمكن أن يبلغهم فيها دين الله تعالى إلا وفعل، حتى إنه ﷺ لم يبدأ حربا معهم – بسبب غدرهم وخيانتهم – إلا ويسبقها بدعوتهم وتذكيرهم، كما قال لعلي بن أبي طالب ﵁ يوم فتح خيبر: (انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ) رواه البخاري (٢٩٤٢) ومسلم (٢٤٠٦) . ٣. التأكيد على أن عقد الموالاة إنما هو بين المؤمنين، وأن البراء واجب من كل كفر مبين، وجعل ﷺ مناط الأخوة الإسلام، فلا يجوز لمسلم أن يوالي أهل أي ملة بالمحبة والمودة، لذلك تجده ﷺ يسارع في أول قدومه المدينة في تقرير المفارقة بين الإسلام واليهودية، فكان في نص الوثيقة " الدستور " التي أمر النبي صلى الله عليه سلم بكتابته لتنظيم العلاقات بين سكان المدينة: " المؤمنون أمة واحدة دون الناس " رواه القاسم بن سلام في " الأموال " (٥١٧) من مراسيل الزهري. يقول الدكتور أكرم العمري: " الروابط تقتصر على المسلمين ولا تشمل غيرهم من اليهود والحلفاء، ولا شك أن تمييز الجماعة الدينية كان أمرا مقصودا يستهدف زيادة تماسكها واعتزازها بذاتها " انتهى. انظر " السيرة النبوية الصحيحة " للدكتور أكرم العمري (١ / ٢٧٢ – ٢٩١) فقد توسع في الحكم على الوثيقة وتحليلها. ٤. ولكنه ﷺ كان يعترف بحقوق اليهود والنصارى، ويخطئ من يتوهم أن التبرأ من ديانة اليهود المحرفة يلزم منه ظلمهم ومصادرة حقوقهم، فقد قبل النبي ﷺ وجود اليهود في المدينة، وكتب في دستور المدينة: " وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين "، وتكفل لهم بجميع أنواع الحقوق: أ. حق الحياة: فلم يقتل يهوديا إلا من خان وغدر. ب. وحق اختيار الدين: حيث أقرهم على ديانتهم ولم يكره أحداً على الإسلام، عملا بقوله : (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) البقرة/٢٥٦، وكتب في ميثاق المدينة: " لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم ". ج. حق التملك: فلم يصادر أملاك أحد منهم، بل أقر النبي ﷺ المسلمين على تجارتهم معهم. د. حق الحماية والدفاع: فقد جاء في ميثاق المدينة: " وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة " هـ. حق العدل في المعاملة ورفع الظلم: وذلك مقرر في صحيفة المدينة حيث جاء فيها: " وأنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم "، وقد عدل النبي ﷺ في الحكم ولو كان ذلك على حساب المسلمين، فلما قتل أهلُ خيبر عبدَ الله بن سهل ﵁ لم يقض النبي ﷺ عليهم بالدية، ولم يعاقبهم على جريمتهم، لعدم وجود البينة الظاهرة ضدهم، حتى دفع النبي ﷺ ديته من أموال المسلمين، والقصة في البخاري (٦٧٦٩) ومسلم (١٦٦٩) ، ولما اختصم الأشعث بن قيس ورجل من اليهود إلى النبي ﷺ في أرض باليمن ولم يكن لعبد الله بيِّنة قضى فيها لليهودي بيمينه، كما في البخاري (٢٥٢٥) ومسلم (١٣٨) . و. بل منحهم النبي ﷺ حق التحاكم فيما بينهم إلى قوانين دينهم، ولم يلزمهم بقوانين المسلمين ما دام طرفا القضية من أتباعهم، إلا إذا ترافعوا إليه ﷺ ، وطلبوا منه الحكم بينهم، فكان حينئذ يحاكمهم بشريعة الله ودين المسلمين، يقول الله : (فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) المائدة/٤٢. ٥. وقد كان النبي ﷺ يحسن معاملة جميع الناس، ومنهم اليهود، فقد أمر الله سبحانه بالقسط والبر وحسن الخلق وأداء الأمانة مع اليهود وغيرهم، حيث قال سبحانه: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) الممتحنة/٨. ومن بره ﷺ في معاملة اليهود: أ. أنه كان يعود مريضهم: روى البخاري (١٣٥٦) عن أنس بن مالك ﵁: (أَنَّ غُلَامًا مِنَ اليَهُودِ كَانَ يَخدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِندَ رَأسِهِ، فَقَالَ: أََسلِم. فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِندَ رَأسِهِ، فَقَالَ لَه: أَطِع أَبَا القَاسِمِ ﷺ . فَأَسلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: الحَمدُ لِلَّهِ الذِي أَنقَذَهُ مِنَ النَّارِ) . ب. وكان ﷺ يقبل هداياهم: فقد روى البخاري (٢٦١٧) ومسلم (٢١٩٠) عن أنس بن مالك ﵁: (أَنَّ امرَأَةً يَهُودِيَّةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ مَسمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنهَا) . ج. كما كان ﷺ يعفو عن مسيئهم: إذ لم ينه عن قتل تلك المرأة التي وضعت السم في الشاة، ففي تكملة الحديث السابق: (فَجِيءَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ: أَرَدْتُ لِأَقْتُلَكَ، قَالَ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَاكِ - قَالَ: أَوْ قَالَ: عَلَيَّ - قَالَ: قَالُوا: أَلَا نَقْتُلُهَا؟ قَالَ: لَا) ، بل وفي حديث أبي هريرة في صحيح البخاري (٣١٦٩) أن ذلك كان بعلم من اليهود وأنهم اعترفوا بمحاولة القتل بالسم، ومع ذلك لم يأمر ﷺ بالانتقام لنفسه، لكنه قتلها بعد ذلك لموت الصحابي الذي كان معه ﷺ وكان أكل من الشاة المسمومة , وهو بشر بن البراء ﵁. وكذلك لما سحره اليهودي لبيد بن الأعصم، وعافاه الله من السحر، لم ينتقم منه ولا أمر بقتله، بل جاء في " سنن النسائي " (٤٠٨٠) وصححه الألباني عن زيد بن أرقم قال: (فَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ لِذَلِكَ اليَهُودِيِّ وَلَا رَآهُ فِي وَجهِهِ قَط) . د. وكان ﷺ يعامل اليهود بالمال، ويفي لهم معاملتهم: عن ابن عمر ﵄ قال: (أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ الْيَهُودَ أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا) رواه البخاري (٢١٦٥) ومسلم (١٥٥١) . وعن عائشة ﵂ قالت: (اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا بِنَسِيئَةٍ وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ) رواه البخاري (١٩٩٠) ومسلم (١٦٠٣) . هـ. وفي أول قدومه ﷺ المدينة كان يحب موافقة اليهود في أعمالهم وعاداتهم ليتألف قلوبهم على الإسلام، ولكنه لما رأى عنادهم وجحودهم ومكابرتهم أمر بمخالفتهم، ونهى عن التشبه بهم. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَسْدِلُ شَعَرَهُ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ رُءُوسَهُمْ فَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَسْدِلُونَ رُءُوسَهُمْ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ ثُمَّ فَرَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ) رواه البخاري (٣٧٢٨) ومسلم (٢٣٣٦) . و. ولم يكن ﷺ يترفع عن محاورتهم، بل كان يتواضع لهم، ويجيب على أسئلتهم وإن كان مرادهم منها العنت والمجادلة بالباطل. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود ﵁ قَالَ: (بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَرْثٍ وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى عَسِيبٍ إِذْ مَرَّ بِنَفَرٍ مِنْ الْيَهُودِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ سَلُوهُ عَنْ الرُّوحِ فَقَالُوا مَا رَابَكُمْ إِلَيْهِ لَا يَسْتَقْبِلُكُمْ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ فَقَالُوا سَلُوهُ فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ فَسَأَلَهُ عَنْ الرُّوحِ قَالَ فَأَسْكَتَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ قَالَ فَقُمْتُ مَكَانِي فَلَمَّا نَزَلَ الْوَحْيُ قَالَ: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) رواه البخاري (٤٤٤٤) ومسلم (٢٧٩٤) . ز. وكان يدعو لهم بالهداية وصلاح البال: فعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: (كَانَ الْيَهُودُ يَتَعَاطَسُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ يَرْجُونَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ يَرْحَمُكُمْ اللَّهُ فَيَقُولُ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ) رواه الترمذي (٢٧٣٩) وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ". ٦. وفي المقابل: لم يكن ﷺ يرضى أن ينتهك اليهود حرمات المسلمين، ويتمادوا في ذلك، فكان يعاقب كل من يعتدي على المسلمين ويظلمهم ويتجاوز حدوده في ذلك، فلما اعتدى بعض يهود بني قينقاع على امرأة مسلمة في السوق واحتالوا لكشف عورتها، وتوعدوا النبي ﷺ بالقتال، وقالوا: (يا محمد، لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس) نقله ابن حجر في " فتح الباري " وحسَّنه (٧ / ٣٣٢) فقام النبي ﷺ إليهم وأجلاهم من المدينة، وكان ذلك في شوال من السنة الثانية للهجرة. ثم لما عَظُمَ أذى كعب بن الأشرف اليهودي للمسلمين، وبدأ يخوض في أعراضهم، ويشبب بنسائهم في شعره، وارتحل إلى مكة يحرض زعماء قريش على المسلمين أمر النبي ﷺ بقتله في قصة طويلة حدثت في ربيع الأول من السنة الثالثة للهجرة، رواها البخاري (٢٣٧٥) ومسلم (١٨٠١) . وكذلك لما تكررت محاولات بني النضير لقتل النبي ﷺ في قصص مشهورة يذكرها أهل المغازي والسير، ودسوا إلى قريش يحضونهم على غزو المدينة، ويدلونهم على العورة، أمر النبي ﷺ بإجلائهم من المدينة في السنة الرابعة من الهجرة. انظر " المغازي " للواقدي (١ / ٣٦٣ – ٣٧٠) و " سيرة ابن هشام " (٣ / ٦٨٢) . وأما يهود بني قريظة فقد قتل النبي ﷺ مقاتلتهم لما غدروا به يوم الأحزاب، وتحالفوا مع قريش والعرب ضد المسلمين، وخانوا العهود معهم، وكان ذلك في العام الهجري الخامس. انظر " سيرة ابن هشام " (٣ / ٧٠٦) . وقد وردت أخبار كثيرة في أن النبي ﷺ كان يعفو عن كل من أظهر الوفاء بالعهد من اليهود، ولا يعاقب إلا من شارك في الغدر أو أقر ورضي. انظر " السيرة النبوية الصحيحة " أكرم العمري (١ / ٣١٦) ، وقد جاء في ميثاق المدينة: " لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم نفسه وأثم، فإنه لا يوتِغ – أي: يُهلِك - إلا نفسه وأهل بيته ". وأخيرا لما رأى النبي ﷺ غدر اليهود وخيانتهم، أوحى الله إليه أن يُخلِصَ جزيرة العرب لديانة التوحيد، فلا يبقى فيها غير الدين الذي ارتضاه الله لنفسه. عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ أوصاهم في مرض موته فقال: (أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ) رواه البخاري (٢٨٨٨) ومسلم (١٦٣٧) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1264

لماذا لا يعجل الله تعالى بهلاك الكفار؟ ولماذا المسلمون في تأخر ؟ [السُّؤَالُ] ـ[لماذا لا يعاقب الله المسيحيين واليهود ? لماذا المسلمون في تأخر والمسيحيون واليهود في تطور؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: لعلَّ الأخ السائل أراد بالعقوبة في سؤاله العذاب والإهلاك؛ لأن لفظ العقوبة أعم من العذاب، والكفار يعاقبهم الله تعالى على كفرهم بالمعيشة الضنك، وبظلمة القلوب وقسوتها، ومن يُرى منهم على حال حسنة ونعيم في طعامه ولباسه ومسكنه فإنما هو ظاهر الأمر لا حقيقة بواطنهم وقلوبهم، ويشترك العاصي مع الكافر في هذا الباب. وأما تأخير العذاب والإهلاك لمن كفر بالله تعالى: فقد ذكر الله تعالى في كتابه حِكَماً كثيرة لذلك، ومنها: ١. أنه تعالى غفور رحيم، وإنما يؤخر إهلاكهم لأجل أن يتوبوا ويُسلموا. قال الله تعالى: (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ) الكهف/٥٨. قال الإمام الطبري – ﵀: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : وربك الساتر يا محمد على ذنوب عباده بعفوه عنهم إذا تابوا منها. (ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا) هؤلاء المعرضين عن آياته إذا ذكروا بها بما كسبوا من الذنوب والآثام. (لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ) ولكنه لرحمته بخلقه غير فاعل ذلك بهم إلى ميقاتهم وآجالهم. " تفسير الطبري " (١٨ / ٥٢) . ٢. أن من صفاته تعالى الحلم، ومن أسمائه الحسنى الحليم، فهو لا يعجل بالعقوبة، بل يمهل لخلقه من غير إهمال، ولن تفوته عقوبتهم لو أراد، كما هو الحال في البشر. أ. قال الشيخ الشنقيطي – ﵀: قوله تعالى: ﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ العذاب﴾ الآية. بيَّن في هذه الآية الكريمة: أنه لو يؤاخذ الناس بما كسبوا من الذنوب، كالكفر والمعاصي، لعجَّل لهم العذاب، لشناعة ما يرتكبونه، ولكنه حليم لا يعجل بالعقوبة، فهو يمهل ولا يهمل". أضواء البيان " (٤ / ١٦٤) . ب. وقال – ﵀ – في تفسير قوله تعالى (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) النحل/٦١ -: ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه لو عاجل الخلق بالعقوبة لأهلك جميع من في الأرض، ولكنه حليم لا يعجل بالعقوبة؛ لأن العجلة من شأن من يخاف فوات الفرصة، ورب السموات والأرض لا يفوته شيء أراده. وذكر هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله في آخر سورة فاطر: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ) فاطر/٤٥ الآية، وقوله: (وَرَبُّكَ الغفور ذُو الرحمة لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ العذاب) الكهف/ ٥٨، الآية. وأشار بقوله: (ولكن يُؤَخِّرُهُمْ إلى أَجَلٍ مسمى) إلى أنه تعالى يمهل ولا يهمل. " أضواء البيان " (٣ / ٢٦٣) . ٣. أن عذاب الكفار حاصل ولا شك في الآخرة، وأن التأخير فيه إنما لأنه لم يحن وقته الذي قدَّره الله تعالى عليهم، وهو يوم القيامة. قال الله تعالى: (وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ) هود/١١٠. وقال تعالى: (وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى) طه/١٢٩. وقال تعالى: (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلا) الكهف/٥٨. وقال تعالى: (وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ) إبراهيم/٤٢. أ. قال البغوي – ﵀: (وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى) فيه تقديم وتأخير، تقديره: ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاماً وأجلٌ مسمّى، والكلمة: الحُكم بتأخير العذاب عنهم، أي: ولولا حكمٌ سبق بتأخير العذاب عنهم وأجلٌ مسمى، وهو القيامة. (لَكَانَ لِزَاماً) أي: لكان العذاب لازماً لهم، كما لزم القرون الماضية الكافرة. " تفسير البغوي " (٥ / ٣٠٢) . ب. وقال ابن كثير – ﵀: قال تعالى: (وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) أي: لولا الكلمة السابقة من الله بإنظار العباد بإقامة حسابهم إلى يوم المعاد: لعجل لهم العقوبة في الدنيا سريعاً. " تفسير ابن كثير " (٧ / ١٩٥) . ج. وقال الشيخ السعدي – ﵀: (وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ) بتأخيرهم، وعدم معاجلتهم بالعذاب. (لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) بإحلال العقوبة بالظالم، ولكنه تعالى اقتضت حكمته أن أخَّر القضاء بينهم إلى يوم القيامة. " تفسير السعدي " (ص ٣٩٠) . د. وقال الشنقيطي – ﵀: قوله تعالى: ﴿بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاٍ﴾ الآية. بيَّن جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه وإن لم يجعل لهم العذاب في الحال: فليس غافلاً عنهم ولا تاركاً عذابهم، بل هو تعالى جاعل لهم موعداً يعذبهم فيه، لا يتأخر العذاب عنه، ولا يتقدم. " أضواء البيان " (٤ / ١٦٤، ١٦٥) . ٤. وأما من كفر نعمة ربه , ولم يتعرض لرحمته، وأصر على كفره وعناده، فإن في تأخير العذاب عنه زيادة في إثمه، حتى يوافي ربه العزيز المنتقم، وقد ازداد إثمه، وأحاط به جرمه، وانقطع عذره، وذهبت حجته: قال الله تعالى: (فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَام ٍ) ابراهيم/٤٧ وقال تعالى: (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) آل عمران/١٧٨. وقال تعالى: (فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا) مريم/٨٥. أ. قال الإمام الطبري – ﵀: وتأويل قوله: (إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا) : إنما نؤخر آجالهم فنطيلها ليزدادوا إثماً، يقول: يكتسبوا المعاصي فتزداد آثامهم وتكثر. (وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) يقول: ولهؤلاء الذين كفروا بالله ورسوله في الآخرة عقوبة لهم مهينة مذلة. " تفسير الطبري " (٧ / ٤٢٣) . ب. وقال الطبري – أيضاً -: وقوله (فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا) يقول عزّ ذكره: فلا تعجل على هؤلاء الكافرين بطلب العذاب لهم والهلاك يا محمد. (إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا) يقول: فإنما نؤخر إهلاكهم ليزدادوا إثماً، ونحن نعدّ أعمالهم كلها ونحصيها حتى أنفاسهم لنجازيهم على جميعها، ولم نترك تعجيل هلاكهم لخير أردناه بهم. " تفسير الطبري " (١٨ / ٢٥٢) . فيا له من وعيد وتخويف، وياله من بأس وانتقام، حين يعد الجبار الجليل، للمجرم الآبق ما يستحقه على جرمه، حين لا مفر له ولا مهرب. روى البخاري (٤٦٨٦) ومسلم (٢٥٨٣) عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ يُمْلِي لِلظَّالِمِ فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ . ثانياً: وأما الأمر الآخر وهو تأخر المسلمين وتقدم الكفار في أسباب المعاش، وعلوم الدنيا: فاعلم أن أمر تطورهم وتقدمهم لا يتعدى الأمور الدنيوية، وأما العلم الحقيقي، وهو العلم بالله والدار الآخرة فهم في معزل عنه. قال الله تعالى: (يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) الروم/٧. وهذا أيضا من تمام حجة الله تعالى عليهم؛ أن أعطاهم الأسباب التي تمكنهم من العلم النافع لهم، وتدلهم على الدين الحق، فشغلوها بأمر الدنيا، ولم ينتفعوا بها فيما ينجيهم عنده، ويصلح لهم أمر آخرتهم، فينصلح تبعا له أمر دنياهم ـ أيضا ـ. قال الله تعالى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) الاحقاف/٢٦ ولهذا قال الله تعالى، ناهيا عباده عن الاغترار بما عندهم من أسباب الدنيا، وزينتها وزخرفها،: (لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ. مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) آل عمران/١٩٦، ١٩٧. قال الشوكاني ﵀: (لا يَغُرَّنَّكَ) خطاب للنبي ﷺ والمراد تثبيته على ما هو عليه، كقوله تعالى (يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنوا آمِنوا) وخطاب لكل أحدٍ، وهذه الآية متضمنة لقبح حال الكفار بعد ذكر حسن حال المؤمنين، والمعنى: لا يغرنك ما هم فيه من تقلبهم في البلاد بالأسفار للتجارة التي يتوسعون بها في معاشهم، فهو متاع قليل يتمتعون به في هذه الدار ثم مصيرهم إلى جهنم، فقوله: (مَتَاعٌ) خبر مبتدأ محذوف: أي: هو متاع قليل لا اعتداد به بالنسبة إلى ثواب الله سبحانه. (وَمَأْوَاهُم) أي: ما يأوون إليه. والتقلب في البلاد: الاضطراب في الأسفار إلى الأمكنة، ومثله قوله تعالى (فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُم فِي البِلَادِ) والمتاع ما يعجل الانتفاع به، وسمَّاه " قليلاً " لأنه فانٍ، وكلُّ فانٍ وإن كان كثيراً فهو قليل. وقوله (وَبِئْسَ المَصِيرُ) ما مهدوا لأنفسهم في جهنم بكفرهم، أو ما مهد الله لهم من النار، فالمخصوص بالذم محذوف: وهو هذا المقدر. " فتح القدير " (١ / ٦٢٢، ٦٢٣) . واعلم ـ أخانا الكريم ـ أن الله تعالى قد جعل لعمارة الأرض، والتمكن من خيرها، والانتفاع بما فيها، وبلوغ أسباب القوة، سننا كونية، هي جارية على العباد كلهم؛ فمن أخذ بأسباب القوة بلغها، بإذن ربه، لكن الشأن فيمن يبلغ ذلك، كما شرع له ربه، ثم يستعمله فيما يوصله، ويوصل العباد إلى مرضاة ربه. قال الله تعالى: (مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً * كُلاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً) الاسراء/١٨-٢٠. ثم إن من حكم الله تعالى في تيسير أسباب المعاش، وزينة الدنيا لهؤلاء الكفار، أن من أحسن منهم في شيء، تمتع بما عنده من الدنيا، جزاء حسنته، حتى إذا وافى ربه يوم القيامة، لم يكن له عند الله حسنة يجازى بها. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً؛ يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا، وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ. وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا) رواه مسلم (٢٨٠٨) . ولهذا قال شداد بن أوس ﵁: (إن الدنيا عرض حاضر، يأكل منها البر والفاجر، والآخرة وعد صادق، يحكم فيها ملك قاهر، ولكل بنون؛ فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا) صفة الصفوة (١/٧٠٩) . على أننا ـ أيضا ـ ننبه هنا إلى أن ذلك لا يعني أن يترك المؤمنون أسباب القوة، يتمتع بها الكفار، ويصدون الناس بها عن سبيل الله، بل إن المؤمن مأمور بعمارة الأرض على منهج ربه . قال الله تعالى: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ) هود/٦١، وأمر الله تعالى عباده بالأخذ بأسباب القوة، كل القوة، في مواجهة عدوهم: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) الأنفال/من الآية٦٠ قال الشيخ ابن سعدي ﵀: (أي: كل ما تقدرون عليه، من القوة العقلية والبدنية، وأنواع الأسلحة ونحو ذلك، مما يعين على قتالهم. فدخل في ذلك أنواع الصناعات التي تعمل فيها أصناف الأسلحة والآلات من المدافع، والرشاشات، والبنادق، والطيارات الجوية، والمراكب البرية والبحرية، والقلاع، والخنادق، وآلات الدفاع، والرأي والسياسة التي بها يتقدم المسلمون ويندفع عنهم به شر أعدائهم، وتعلم الرمي، والشجاعة والتدبير. ولهذا قال النبي ﷺ : «ألا إن القوة الرمي» [رواه مسلم (١٩١٧) ] . ومن ذلك: الاستعداد بالمراكب المحتاج إليها عند القتال، ولهذا قال تعالى: (ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) ؛ وهذه العلة موجودة فيها في ذلك الزمان، وهي إرهاب الأعداء، والحكم يدور مع علته. فإذا كان شيء موجودا أكثر إرهابا منها، كالسيارات البرية والهوائية، المعدة للقتال التي تكون النكاية فيها أشد، كانت مأمورا بالاستعداد بها، والسعي لتحصيلها، حتى إنها إذا لم توجد إلا بتعلم الصناعة، وجب ذلك، لأن «ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب» ) . وانظر جواب السؤال رقم: (٣٣٦٧٩) لتقف على بعض ما في حياة الكفار من هموم وغموم وشقاء. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1265

أخفى إسلامه ودُفن في مقابر الكفار فهل يكون كافراً ؟ [السُّؤَالُ] ـ[لنفرض أن هناك نصرانيّاً قد أسلم ولم يخبر أهله، فبعد فترة توفي، ولكن أهله لا يعرفون أنه قد أسلم فسيصلون عليه في الكنيسة ويدفنونه على الطريقة النصرانية، أريد أن أعرف ما حكم هذا؟ هل يموت على الإسلام أم على الكفر؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله اعلم أخي الكريم ـ أولا ـ أن الفقهاء اتفقوا على أنه لا يجوز أن يدفن المسلم في مقابر الكفار، ولا الكافر في مقابر المسلمين، إلا لضرورة [انظر: الموسوعة الفقهية: ٢١/٢٠، أحكام المقابر في الشريعة الإسلامية، د عبد الله السحيباني، ص:٢٣١-٢٣٢] . وإذا مات المسلم في بلاد الكفار، فإنه يجب على وليه، أو من علم به من المسلمين، أن ينقله إلى بلاد المسلمين حتى يدفن فيها. وهذا النقل والتحويل إلى بلاد الإسلام حسب الاستطاعة، فإن تعذر نقله فيدفن في بلاد الكفار، لكن في غير مقابرهم. [انظر: أحكام المقابر ص: ٢٢٥-٢٢٦] . قال شيخ الإسلام ﵀: " وهذا آكد من التمييز بينهم حال الحياة، بلبس الغيار ونحوه؛ فإن مقابر المسلمين فيها الرحمة، ومقابر الكفار فيها العذاب " [الاختيارات ص ٩٤] . ثانيا: الصورة التي سألت عنها، وهي حالة تتكرر لكثير من المسلمين المستضعفين في بلاد الكفر، الذين لا يتمكنون من الهجرة إلى بلد يعلنون فيه إسلامهم، ويأمنون فيه على دينهم وأنفسهم، ولا يستطيعون ـ أيضا ـ إظهار إسلامهم في البلاد التي يعيشون فيها، إما خشية على أنفسهم من بطش أقربائهم بهم، كما هو الحال في سؤالك، أو لغير ذلك من الأسباب؛ فهؤلاء يبعثون على نياتهم، وحكم في الآخرة حكم ما عندهم من الإيمان والعمل الصالح، وليس حكم الأرض التي ماتوا فيها، أو القبر الذي دفنوا فيه؛ عَنْ جَابِر بنِ عَبْدِ الله قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: (يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ) رواه مسلم (٢٨٧٨) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى جَنَازَةٍ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِسْلامِ اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ. رواه أبو داود (٣٢٠١) وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ". قال الشيخ محمد الصالح العثيمين – ﵀: " اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِسْلامِ) الحياة ذكر معها الإسلام، وهو الاستسلام الظاهر، ومع الموت ذكر الإيمان؛ لأن الإيمان أفضل، ومحله القلب، والمدار على ما في القلب عند الموت وفي يوم القيامة " " شرح رياض الصالحين " (٢ / ١٢٠٠) . وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عما يقول بعض الناس: إن لله ملائكة ينقلون من مقابر المسلمين إلى مقابر اليهود والنصارى، وينقلون من مقابر اليهود والنصارى إلى مقابر المسلمين؛ ومقصودهم: أن من ختم بشر في علم الله، وقد مات في الظاهر مسلما، أو كان كتابيا وختم له بخير، فمات مسلما في علم الله، وفي الظاهر مات كافرا، فهؤلاء ينقلون؛ فهل ورد في ذلك خبر أم لا؟ وهل لذلك حجة؟ أم لا؟ فقال ﵀: أما الأجساد فإنها لا تنقل من القبور، لكن نعلم أن بعض من يكون ظاهره الإسلام، ويكون منافقا: إما يهوديا أو نصرانيا أو مرتدا..، فمن كان كذلك فإنه يكون يوم القيامة مع نظرائه، كما قال تعالى: (احشروا الذين ظلموا وأزواجهم) أي أشباههم ونظراءهم. وقد يكون بعض من مات، وظاهره الكفر، قد آمن بالله قبل أن يغرغر، ولم يكن عنده مؤمن، وكتم عن أهله ذلك؛ إما لأجل ميراث أو لغير ذلك، فيكون مع المؤمنين، وإن كان مقبورا مع الكفار. وأما الأثر في نقل الملائكة فما سمعت في ذلك أثرا. انتهى من الفتاوى الكبرى (٣/٢٧) بتصرف يسير. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1266

نصرانية تسأل: لم لا يجوز تزوج المسلمة بالكتابي ويجوز العكس ؟ [السُّؤَالُ] ـ[من زوجتي المسيحية: لماذا لا يحل للمرأة المسلمة الزواج من أهل الكتاب - المسيحيين واليهود - بينما هو محلَّل للرجل المسلم؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إن من أسماء الله تعالى التي نؤمن بها، ولا نظن أن أحدا ممن يعتقد أن له ربا يشك فيها، أنه سبحانه الحكيم، وبهذا أثنت عليه الملائكة المكرمون، لما علموا حكمته في أمره لهم بالسجود لآدم: (قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) البقرة/٣٢ وبهذا ـ أيضا ـ شهد لنفسه سبحانه، وشهدت له ملائكته، وشهد له أهل العلم به سبحانه: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) آل عمران/١٨. وبذلك قامت حجته سبحانه على خلقه. قال الله تعالى: (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) الأنعام/١٤٩ ومعلوم ـ من ذلك ـ أن الحكيم لا يفعل ما يفعل عبثا، ولا يضع شيئا في غير موضعه، ولا يأمر بأمر إلا وهو أحسن لخلقه من غيره، كما قال سبحانه: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) الزمر/٢٣. وهذا كما أنه مقتضى اسمه الحكيم، فهو كذلك مقتضى تفرده بالخلق سبحانه، فمنطقي أن من صنع شيئا هو أعلم بما يصلحه ويلائمه من غيره؛ فكيف بالخالق العليم: (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) الملك/١٤. وأما عن هذه الحكمة التي تسألين عنها، فعلك أيتها السائلة على علم بأن الإسلام هو آخر دين نزل من عند الله تعالى، ولذلك نسخ كل دين سواه، كما قال الله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) التوبة/٣٣. وقال تعالى: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا) النساء/١٤١. وقال رسول الله ﷺ : (الإسلام يعلو ولا يُعلَى) رواه الدارقطني وغيره، وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم (٢٧٧٨) ومعلوم أن الزوج له القوامة على زوجته، ومقامه من الأسرة أعلى من مقام زوجته، وربما كان هذا العلو دافعا له لإكراه زوجته على ترك دينها واتباع دينه، أو التأثير فيها بغية ذلك، وهو ما لا يرضاه الإسلام. وسوف يكون ذلك العلو الذي للزوج سببا ـ أيضا ـ في اتباع أبناء هذه المرأة لأبيهم على دينه، وهي جناية عظيمة على تلك الذرية، أن تتشأ ولم تهتد إلى دين الله الخاتم. وهذه الحكمة العظيمة قد ذكرها ربنا ﵎ في سياق تحريم تزويج المسلمات لغير المسلمين فقال تعالى: (وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) البقرة/٢٢١. ثم إن الكتابية حين تتزوج بمسلم، تتزوج برجل يؤمن بنبيها، بل وبسائر أنبياء الله، ولا يكون مسلماً إلا بهذا، ولا يحل له أن يفرِّق بين أحد منهم، قال تعالى: (آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) البقرة/٢٨٥، في حين أن الكتابي - من يهودي أو نصراني - لا يؤمن بمحمد ﷺ وأنه خاتم الأنبياء، فكيف يستوي الأمران لتكون نساء المسلمين عند رجل يكفر بنبيها ولا يؤمن به؟! على أننا ننبه هنا إلى أن زواج المسلم بالكتابية، وإن كان مباحا في الشرع، لما يرجى من وراءه من المصلحة، وما فيه من التخفيف على العباد، فإنه " مستثقل مذموم " كما قال الإمام مالك ﵀ [تفسير القرطبي ٣/٦٧] . وبعد، فهذا دعوة هادئة لأهل الكتاب، لعلهم ينتبهون إلى أن الإسلام قد استثنى أهل الكتاب في بعض الأحكام من دون باقي الكفار، فأباح الله تعالى أن نأكل مما يذبحه أهل الكتاب، كما أباح لنا التزوج من نسائهم، تقديراً لأصل دينهم الذي جاء بالتوحيد، وإكراماً لرسل تلك الأديان الذين أُمرنا بالإيمان بهم وتعظيمهم، وليُنظر الفرق بين موقف أهل الديانتين اليهودية والنصرانية من نبينا محمد ﷺ وبين موقف ديننا من أنبيائهم. وأخيرا؛ فإن هذا الحكم ليس غريبا على الأديان الأخرى، ولا شاذا تفرد به الإسلام، لماذا يستغرب بعض الطاعنين في ديننا من منع الإسلام من تزويج نسائنا بغير المسلمين وهم بينهم لا يزوجون بعضهم بعضاً وهم أهل ديانة واحدة؟! فالكاثوليكي لا يستطيع أن يتزوج بامرأة بروتستانتية، وإن تجرأ على ذلك عوقب من قبل الكنيسة، والعكس بالعكس! وفي قانون الأقباط الأرثوذكس المصري الصادر عام ١٩٣٨م تنص المادة السادسة على أن " اختلاف الدين مانع من الزواج ". والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1267

أُهدي لهم طعام في "الكريسماس" فكيف يتصرفون ؟ [السُّؤَالُ] ـ[كيف نتصرف إذا كان جارنا يقدم لنا طعام الكريسمس في ٢٥ من ديسمبر؟ هل نتخلص من الطعام، أم نرفضه، حتى ولو كان رفضنا قد يؤدي لشيء من إساءة فهمهم لنا؟ . وجزاكم الله خيرا.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: يجوز للإنسان المسلم أن يقبل الهدايا من الكفار أو يعطيهم الهدايا، وخاصة إذا كانوا من الأقرباء، والدليل على ذلك: أ. عن أبي حميد الساعدي قال: غزونا مع النبي ﷺ تبوك وأهدى ملك أيلة للنبي ﷺ بغلة بيضاء وكساه بُرداً وكتب له ببحرهم. رواه البخاري (٢٩٩٠) . ب. عن كثير بن عباس بن عبد المطلب قال: قال عباس شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسولَ الله ﷺ فلم نفارقه، ورسول الله ﷺ على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نُفاثة الجذامي. رواه مسلم (١٧٧٥) . وقد ثبت هذا عن الصحابة بإذن النبي ﷺ وفي عهده، فقد زارت أم أسماء بنت أبي بكر – وهي مشركة - ابنتها وأذِن النبي ﷺ لأسماء ﵂ أن تصِلها، وقد ثبت أن عمر بن الخطاب أهدى حلة لأخيه وكان مشركاً، وكلا الحديثين في الصحيحين. والخلاصة: أنه يجوز للمسلم أن يهدي الكافر وأن يقبل الهدية منه. ثانياً: أما بالنسبة لهدايا أعيادهم فلا يجوز بذلها لهم ولا قبولها منهم؛ لأن في ذلك تعظيماً لأعيادهم، وإقراراً لهم عليها، وعوناً لهم على كفرهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ومَن أهدى للمسلمين هدية في هذه الأعياد مخالفة للعادة في سائر الأوقات غير هذا العيد: لم تُقبل هديته، خصوصاً إن كانت الهدية مما يستعان بها على التشبه بهم، مثل إهداء الشمع ونحوه في الميلاد، أو إهداء البيض، واللبن، والغنم في " الخميس الصغير " الذي في آخر صومهم. وكذلك أيضاً لا يُهدى لأحدٍ من المسلمين في هذه الأعياد هدية لأجل العيد، لا سيما إذا كان مما يستعان بها على التشبه بهم كما ذكرناه. ولا يبيع المسلم ما يستعين المسلمون به على مشابهتهم في العيد، من الطعام، واللباس، ونحو ذلك؛ لأن في ذلك إعانة على المنكرات. " اقتضاء الصراط المستقيم " (ص ٢٢٧) . وقال – ﵀: فأما بيع المسلم لهم في أعيادهم ما يستعينون به على عيدهم من الطعام واللباس والريحان ونحو ذلك أو إهداء ذلك لهم: فهذا فيه نوع إعانة على إقامة عيدهم المحرم، وهو مبني على أصل وهو أنه لا يجوز أن يبيع الكفار عنباً أو عصيراً يتخذونه خمراً، وكذلك لا يجوز بيعهم سلاحاً يقاتلون به مسلماً. " اقتضاء الصراط المستقيم " (ص ٢٢٩) . وقال ابن القيم ﵀ – بخصوص أعياد أهل الكتاب -: وكما أنهم لا يجوز لهم إظهاره، فلا يجوز للمسلمين ممالأتهم عليه، ولا مساعدتهم، ولا الحضور معهم باتفاق أهل العلم الذين هم أهله، وقد صرح به الفقهاء من أتباع الأئمة الأربعة في كتبهم. - ثم ساق – ﵀ – كلام أئمة المذاهب وأعلامها في المنع من ذلك -. " أحكام أهل الذمة " (٣ / ١٢٤٥ – ١٢٥٠) . وينظر جواب السؤال رقم (١٢٦٦٦) . ثالثاً: ولا يجوز للمسلم أن يتهاون في أمر دينه، ويجب عليه أن يكون مظهراً لأحكامه، وها هم قد أعلنوا دينهم وأظهروا شعائرهم بمثل هذه الأعياد، ونحن علينا أن نظهر ونعلن رفضنا لهداياهم، والمنع من مشاركتهم وإعانتهم عليها، وهذا من شعائر ديننا. ونسأل الله تعالى أن يبصرنا بأحكام دينه، وأن يرزقنا العمل بها والثبات عليها. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1268

الفرق بين المشركين والكفار ومن أي الفريقين اليهود والنصارى ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ما الفرق بين المشركين والكافرين؟ وهل اليهود والنصارى مشركون أم كفار؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: الكفر هو جحد الحق وستره، فأصل الكفر في اللغة: التغطية، وأما الشرك فهو صرف العبادة لغير الله تعالى. فالكفر قد يكون بالجحود والتكذيب، أما المشرك فإنه يؤمن بالله تعالى، هذا هو الفرق بين المشرك والكافر. وقد يأتي كل من اللفظين بمعنى الآخر، فيطلق الكفر بمعنى الشرك، ويطلق الشرك بمعنى الكفر. قال النووي ﵀: " الشرك والكفر قد يطلقان بمعنى واحد وهو الكفر بالله تعالى، وقد يفرق بينهما فيخص الشرك بعبادة الأوثان وغيرها من المخلوقات مع اعترافهم بالله تعالى ككفار قريش، فيكون الكفر أعم من الشرك " انتهى. "شرح صحيح مسلم" (٢/٧١) . وقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: " الكفر جحد الحق وستره، كالذي يجحد وجوب الصلاة أو وجوب الزكاة أو وجوب صوم رمضان أو وجوب الحج مع الاستطاعة أو وجوب بر الوالدين ونحو هذا، وكالذي يجحد تحريم الزنا أو تحريم شرب المسكر أو تحريم عقوق الوالدين أو نحو ذلك. أما الشرك فهو: صرف بعض العبادة لغير الله، كمن يستغيث بالأموات أو الغائبين أو الجن أو الأصنام أو النجوم ونحو ذلك، أو يذبح لهم أو ينذر لهم، ويطلق على الكافر أنه مشرك، وعلى المشرك أنه كافر، كما قال الله : (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) المؤمنون/١١٧، وقال سبحانه: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ) المائدة/٧٢، وقال جل وعلا في سورة فاطر: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ. إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) فاطر/١٣، ١٤، فسمى دعاءهم غير الله شركا في هذه السورة، وفي سورة المؤمنون سماه كفراً. وقال سبحانه في سورة التوبة: (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ. هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) التوبة/٣٢، ٣٣، فسمى الكفار به كفاراً، وسماهم مشركين، فدلَّ ذلك على أن الكافر يسمى مشركاً، والمشرك يسمى كافراً، والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة، ومن ذلك قول النبي ﷺ : (بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْك الصَّلاةِ) ، أخرجه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله ﵄، وقوله ﷺ : (الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلاةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ) أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه بإسناد صحيح عن بريدة بن الحصيب ﵁، والله ولي التوفيق " انتهى. "مجموع فتاوى الشيخ ابن باز" (٩/١٧٤، ١٧٥) . وقال الشيخ ﵀ – أيضاً -: " ومن الشرك أن يعبد غير الله عبادة كاملة، فإنه يسمى شركا، ويسمى كفرا، فمن أعرض عن الله بالكلية وجعل عبادته لغير الله كالأشجار أو الأحجار أو الأصنام أو الجن أو بعض الأموات من الذين يسمونهم بالأولياء، يعبدهم أو يصلي لهم أو يصوم لهم وينسى الله بالكلية، فهذا أعظم كفرا وأشد شركا، نسأل الله العافية، وهكذا من ينكر وجود الله، ويقول ليس هناك إله، والحياة مادة، كالشيوعيين والملاحدة المنكرين لوجود الله، هؤلاء أكفر الناس وأضلهم وأعظمهم شركا وضلالا نسأل الله العافية، والمقصود أن أهل هذه الاعتقادات وأشباهها كلها تسمى شركا، وتسمى كفرا بالله ، وقد يغلط بعض الناس لجهله فيسمي دعوة الأموات والاستغاثة بهم وسيلةً، ويظنها جائزة، وهذا غلط عظيم؛ لأن هذا العمل من أعظم الشرك بالله، وإن سماه بعض الجهلة أو المشركين وسيلة، وهو دين المشركين الذي ذمهم الله عليه وعابهم به، وأرسل الرسل وأنزل الكتب لإنكاره والتحذير منه " انتهى. "مجموع فتاوى الشيخ ابن باز" (٤/٣٢، ٣٣) . ثانياً: واليهود والنصارى كفار ومشركون، أما كفرهم فلأنهم جحدوا الحق، وكذبوا به، وأما شركهم فلأنهم عبدوا غير الله تعالى. قال الله تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ. اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ومَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) التوبة/٣٠، ٣١. فوصفهم هنا بالشرك، وفي سورة البينة وصفهم بالكفر، قال الله تعالى: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) البينة/١. قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ ردّاً على من قال: إن لفظ المشركين بإطلاقه لا يتناول أهل الكتاب: " والأقرب أن أهل الكتاب داخلون في المشركين والمشركات عند الإطلاق رجالهم ونساؤهم؛ لأنهم كفار مشركون بلا شك، ولهذا يمنعون من دخول المسجد الحرام، لقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) التوبة/٢٨. ولو كان أهل الكتاب لا يدخلون في اسم المشركين عند الإطلاق لم تشملهم هذه الآية، ولما ذكر سبحانه عقيدة اليهود والنصارى في سورة براءة قال بعد ذلك: (وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) التوبة/٣١، فوصفهم جميعا بالشرك؛ لأن اليهود قالوا: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله؛ ولأنهم جميعاً اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، وهذا كله من أقبح الشرك والآيات في هذا المعنى كثيرة " انتهى. "مجموع فتاوى الشيخ ابن باز" (٤/٢٧٤) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1269

هل يدعو الشيطان المحتضر لليهودية والنصرانية؟ ما معنى " فتنة الممات "؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل صحيح أن من فتن القبر تشكل شيطانين في صورة الوالدين وقولهما إنا اتبعنا اليهودية والنصرانية فأدخلَنا الله الجنة؟ وهل هو قبل نزول منكر ونكير؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ليس على هذا القول دليل من الكتاب والسنة، بل هو من أقوال بعض أهل العلم، وليس هو في القبر، بل عند الاحتضار قبل قبض الروح، وقد ذكر بعض أهل العلم أن هذا داخل في "فتنة المحيا". قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وعرض الأديان على العبد عند الموت ليس عاما لكل أحد , ولا هو أيضاً منفي عن كل أحد، بل من الناس من لا تعرض عليه الأديان , ومنهم من تعرض عليه، وذلك كله من فتنة المحيا التي أمرنا الرسول أن نستعيذ في صلاتنا منها، ووقت الموت يكون الشيطان أحرص ما يكون على إغواء بني آدم " انتهى من "الاختيارات" (ص ٨٥) . ولا يزال الشيطان حريصاً على إغواء الإنسان ما دامت روحه في جسده، فيأتيه ويوسوس له ويزين له الباطل. فعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: قال إبليس: وعزتك لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني. رواه أحمد (١٠٩٧٤) ، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب " (١٦١٧) . وقد كان النبي ﷺ يستعيذ بالله تعالى من " فتنة المحيا والممات "، وندب المصلين إلى الاستعاذة منها قبل السلام من الصلاة. فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال) رواه البخاري (١٣١١) ومسلم (٥٨٨) . قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: " قوله: " ومن فتنة المحيا والممات " معطوفة على " من عذاب جهنم "، والمراد بالفتنة: اختبار المرء في دينه؛ في حياته وبعد مماته، وفتنة الحياة عظيمة وشديدة، وقلَّ من يتخلَّص منها إلا مَنْ شاء الله، وهي تدور على شيئين: ١ – شُبُهات. ٢ – شهوات. أما الشُّبُهات: فتعرض للإنسان في عِلْمِه ِ، فيلتبس عليه الحقُّ بالباطل، فيرى الباطل حقًّا، والحقَّ باطلاً، وإذا رأى الحقَّ باطلاً تجنَّبه، وإذا رأى الباطلَ حقّاً فَعَلَهُ. وأمَّا الشَّهوات فتعرض للإنسان في إرادته، فيريد بشهواته ما كان محرَّماً عليه، وهذه فتنة عظيمة، فما أكثر الذين يرون الرِّبا غنيمة فينتهكونه! وما أكثر الذين يرون غِشَّ النَّاسِ شطارةً وجَودةً في البيع والشِّراء فيغشُّون! وما أكثر الذين يرون النَّظَرَ إلى النساء تلذُّذاً وتمتُّعاً وحرية، فيطلق لنفسه النظر للنساء! بل ما أكثر الذين يشربون الخمر ويرونه لذَّة وطرباً! وما أكثر الذين يرون آلاتِ اللهو والمعازف فنًّا يُدرَّسُ ويُعطى عليه شهادات ومراتب! وأما فتنة الممات: فاختلف فيها العلماءُ على قولين: القول الأول: إن " فتنة الممات ": سؤال الملَكَين للميِّت في قَبْرِه عن ربِّه، ودينه ونبيِّه؛ لقول النبي ﷺ : (إنه أُوحِيَ إليَّ أنكم تُفتنون في قبوركم مثل أو قريباً من فتنة المسيح الدَّجَّال) ، فأمَّا مَنْ كان إيمانُه خالصاً فهذا يسهل عليه الجواب. فإذا سُئل: مَنْ ربُّك؟ قال: ربِّي الله. مَنْ نبيُّك؟ قال: نبيِّي محمَّد. ما دينك؟ قال: ديني الإسلام، بكلِّ سُهولة. وأما غيره - والعياذ بالله - فإذا سُئل قال: هاه ... هاه ... لا أدري؛ سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته. وتأمل قوله: " هاه ... هاه ... " كأنه كان يعلم شيئاً فنسيه، وما أشدَّ الحسرة في شيء علمتَه ثم نسيتَه؛ لأن الجاهل لم يكسب شيئاً، لكن النَّاسي كسب الشيء فخسره، والنتيجة يقول: لا أدري مَنْ ربِّي، ما ديني، مَنْ نبيي، فهذه فتنة عظيمة؛ أسألُ الله أن ينجِّيني وإيَّاكم منها، وهي في الحقيقة تدور على ما في القلب، فإذا كان القلب مؤمناً حقيقة: يرى أمور الغيب كرأي العين، فهذا يجيب بكلِّ سُهولة، وإن كان الأمر بالعكس: فالأمر بالعكس. القول الثاني: المراد بـ " فتنة الممات ": ما يكون عند الموت في آخر الحياة، ونصَّ عليها - وإنْ كانت مِن فتنة الحياة - لعظمها وأهميتها، كما نصَّ على فِتنة الدَّجَّال مع أنها مِن فتنة المحيا، فهي فِتنة ممات؛ لأنها قُرب الممات، وخصَّها بالذِّكر لأنها أشدُّ ما يكون؛ وذلك لأن الإنسان عند موته ووداع العمل صائر إما إلى سعادة، وإما إلى شقاوة، قال الرسول ﷺ : (إن أحدَكُم ليعملُ بعملِ أهلِ الجنَّة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتابُ؛ فيعملُ بعملِ أهل النَّارِ) فالفتنة عظيمة. وأشدُّ ما يكون الشيطانُ حرصاً على إغواء بني آدم في تلك اللحظة، والمعصومُ مَنْ عَصَمَه الله، يأتي إليه في هذه الحال الحرجةِ التي لا يتصوَّرها إلا من وقع فيها، قال تعالى: (كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ. وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ. وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ. وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ. إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ) القيامة/٢٦– ٣٠، حال حرجة عظيمة، الإنسانُ فيها ضعيفُ النَّفْسِ، ضعيفُ الإِرادة، ضعيفُ القوَّة، ضيقُ الصَّدر، فيأتيه الشيطانُ ليغويه؛ لأن هذا وقت المغنم للشيطان، حتى إنه كما قال أهل العلم: قد يعرضُ للإِنسان الأديان اليهودية، والنصرانية، والإسلامية بصورة أبويه، فيعرضان عليه اليهودية والنصرانية والإسلامية، ويُشيران عليه باليهودية أو بالنصرانية، والشيطان يتمثَّلُ كُلَّ واحد إلا النبي ﷺ ، وهذه أعظم الفِتَن ِ. ولكن هذا - والحمد لله - لا يكون لكلِّ أحدٍ، كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وحتى لو كان الإنسان لا يتمكَّن الشيطان من أن يَصِلَ إلى هذه الدرجة معه، لكن مع ذلك يُخشى عليه منه. يقال: إنَّ الإمام أحمد وهو في سكرات الموت كان يُسمَعُ وهو يقول: بعدُ، بعدُ، فلما أفاق قيل له في ذلك؟ قال: إنَّ الشيطان كان يعضُّ أنامله يقول: فُتَّني يا أحمد، يعضُّ أنامله ندماً وحسرة كيف لم يُغوِ الإمام أحمد! فيقول له أحمد: بعدُ، بعدُ، أي: إلى الآن ما خرجت الرُّوح، فما دامت الرُّوح في البدن فكلُّ شيء وارد ومحتمل، (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) آل عمران/٨، في هذه الحال فتنة عظيمة جدّاً، ولهذا نصَّ النبي ﷺ عليها قال: " مِن فِتنة المحيا والممات ". فالحاصل: أنَّ فتنة الممات فيها تفسيران: التفسير الأول: الفتنة التي تكون عند الموت. والثاني: التي تكون بعد الموت، وهي سؤال الملكين الإنسان عن رَبِّه ودينه ونبيِّه. ولا مانع بأن نقول: إنَّها تشمَلُ الأمرين جميعاً، ويكون قد نصَّ على الفتنة التي قبل الموت وعند الموت؛ لأنَّها أعظم فتنة تَرِدُ على الإنسان، وذكر ما يُخشى منها من سوء الخاتمة إذا لم يُجِرِ اللَّهُ العبد من هذه الفتنة. وعلى هذا ينبغي للمتعوِّذ مِن فِتنة الممات أن يستحضر كلتا الحالتين. " الشرح الممتع " (٣ / ١٨٥ – ١٨٨) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1270

هل هناك فرق بين النصارى العرب والنصارى من غير العرب [السُّؤَالُ] ـ[هل هناك فرق بين المسيحي العربي وغير العربي؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا فرق بين المسيحي العربي وغير العربي. [الْمَصْدَرُ] من فتاوى اللجنة الدائمة ١٢ / ٢٥٢

стр. 1271

زواج المسلم من غير مسلمة [السُّؤَالُ] ـ[قررت امرأة غير مسلمة الزواج من شاب مسلم بعد أن أحبته، ليس لديها مانع من أن تسلم، هل يجوز للمسلم أن يتزوج بامرأة غير مسلمة من آسيا؟ كلاهما يحب الآخر كثيراً ولا يستطيعان العيش بعيدين عن بعضهما، ما الذي يجب فعله؟ كيف ومتى يمكن أن تسلم؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: نوجه عبر هذا الموقع رسالة إلى هذه المرأة – غير المسلمة – وغيرها بأن الحياة الحقيقية والسعادة القلبية والطمأنينة لا تحصل لأحد إلا إذا آمن بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً، فالكون كله مخلوق، وخالقه هو الله، فهو الذي رفع السماء بلا عمد، وبسط الأرض وجعل فيها الوتد وأجرى البحر والنهر (آلا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين) الأعراف / ٥٤، فإذا تبين ذلك فليُعلم بأن الله قد أرسل رسلاً إلى عباده، ليدلوهم ويعلموهم ويهدوهم إلى طريق النجاة (رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) البقرة / ١٥٠، وختم رسالاته بمحمد ﷺ (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبين) الأحزاب / ٤٠، فأرسله الله بدين الإسلام الذي لا يُقبل من أحد ديناً سواه (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) آل عمران / ٨٥ ثانياً: وأما متى وكيف تسلم: فالأمر يسير جداً، فما عليها إلا أن تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله. فإذا قالت ذلك صارت مسلمة، وعليها أن تبادر بذلك فإن الموت يأتي بغتة، والإنسان لا يدري هل يعيش إلى الغد أم لا؟ ونرحب بها أختاً لنا في الله، ونسأل الله أن يلهمها رشدها ويوفقها لما فيه سعادتها في الدنيا والآخرة. ثالثاً: الذي ورد في السؤال أن المرأة " غير مسلمة " وهذا اللفظ محتمل لأن تكون كتابية – يهودية أو نصرانية – ومحتمل لأن تكون غير ذلك – كأن تكون بوذية أو مجوسية أو شيوعية -، فإن كانت المرأة الراغبة بزواج المسلم كتابية: فلا مانع شرعاً من هذا الزواج إذا تحققت الشروط الشرعيَّة فيها مثل أن تكون محصنة عفيفة، وعلى الزوج المسلم أن يحرص على دخول زوجته في الإسلام لينقذها من الخلود في النار، وليحقق لنفسه وأولاده بيتاً قائماً على الإسلام. وأما إن كانت المرأة الراغبة في الزواج من مسلم غير كتابية: فإنه لا يحل للمسلم الزواج منها. قال تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ البقرة / ٢٢١. قال ابن كثير: هذا تحريم من الله على المؤمنين أن يتزوجوا من المشركات من عبدة الأوثان ثم إن كان عمومها مراداً وأنه يدخل فيها كل مشركة من كتابية ووثنية فقد خُص من ذلك نساء أهل الكتاب بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ . قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ استثنى الله من ذلك نساء أهل الكتاب، وهكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير ومكحول والحسن والضحاك وزيد بن أسلم والربيع بن أنس وغيرهم، وقيل: بل المراد بذلك المشركون من عبدة الأوثان ولم يُرد أهل الكتاب بالكلية والمعنى قريب من الأول والله أعلم. " تفسير ابن كثير " (١ / ٤٧٤) . ومع القول بالجواز إلا أن الشرع المطهر رغَّب بالزواج من مسلمة ذات دين؛ لأن حياة المسلم مع زوجته حياة كاملة وشاملة ففيها العفاف وغض البصر وحفظ البيت والأولاد ورعايتهما وهذه الأشياء ومثيلاتها لا تتحقق إلا من امرأة متدينة. وانظر جواب السؤال رقم (١٢٢٨٣) – مهم -، وجواب السؤال رقم (٢٠٢٢٧) ففيه زيادة بيان وتوضيح لمفاسد الزواج من غير المسلمة، وفي جواب السؤال رقم (٣٣٢٠) بيان عدم جواز السماح لها بإقامة الأعياد في بيتها ولا خارجه. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1272

موقف الإسلام من الديانات الأخرى [السُّؤَالُ] ـ[لدي شبه حول الإسلام فهل يمكن أن توضحها لي؟ ما هو رأي الإسلام في الناس من الديانات الأخرى؟ هل جميع الناس غير المسلمين يُعتبرون مذنبين لأنهم لا يتبعون الله والإسلام؟ هل يمكن لأي شخص غير مسلم بأن يدخل الجنة دون أن يتبع الإسلام؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله حكم الإسلام في الديانات الأخرى أنها كلها إما موضوعة باطلة أو منسوخة. فالموضوع الباطل منها: كعبادة العرب الأقدمين للأصنام والأحجار. والمنسوخ من الديانات: هي ما كان عليه الأنبياء الذين سبقوا نبينا محمداً ﷺ فهي صحيحة لأن أصلها من عند الله ولكن جاء الإسلام فحل محلها، لا في أصل المعتقد كمعرفة الله أو الملائكة والجنة والنار، فهذا متفق عليه بين الرسل أجمعين، ولكن الاختلاف بينهم في طرق العبادات والتقرب إلى الله تعالى من صلاة وصيام وحج وزكاة وغير ذلك , وإن كان أتباع الأنبياء قد وقع في المتأخرين منهم التحريف في الاعتقاد والوقوع في الشرك ما جاء الإسلام بتبيينه وإرجاع الناس إلى العقيدة الصحيحة التي جاء بها الأنبياء السابقون. عن أبي الدرداء ﵁ قال: جاء عمر بجوامع من التوراة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله جوامع من التوراة أخذتُها من أخ لي من " بني زريق " فتغير وجه رسول الله ﷺ فقال عبد الله بن زيد – الذي أُري الأذان – أَمَسَخَ الله عقلك؟ ألا ترى الذي بوجه رسول الله ﷺ ، فقال عمر: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً وبالقرآن إماماً، فسرّي عن رسول الله ﷺ ، ثم قال: (والذي نفس محمد بيده لو كان موسى بين أظهركم ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم ضلالاً بعيداً أنتم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين) رواه أحمد/١٥٤٣٧. وقال ابن حجر: .. جميع طرق هذا الحديث، وهي إن لم يكن فيها ما يحتج به لكن مجموعها يقتضي أن لها أصلاً. (فتح الباري ١٣/٥٢٥) . والدليل على ذلك قوله تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) آل عمران/٨٥. قال الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: يعني بذلك جل ثناؤه: ومن يطلب ديناً غير دين الإسلام ليدين به: فلن يقبل الله منه، " وهو في الآخرة من الخاسرين "، يقول: من الباخسين أنفسهم حظوظها من رحمة الله . (تفسير الطبري ٣/٣٣٩) . والإسلام لا ينظر إليهم على أنهم مذنبون فحسب بل على أنهم كافرون مخلدون في نار جهنم كما سبق في الآية السابقة. هو خاسر في جهنم لا يخرج منها، ولا يمكن للكافر أن يدخل الجنة إلا أن يسلم، قال الله تعالى: (إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين) الأعراف/٤٠. وثبت عن النبي ﷺ قوله: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار) رواه مسلم، ونسأل الله تعالى أن يهدي الباحث عن الحق من أتباع الديانات الأخرى على أن يمعن النظر في دين الإسلام وكتابه القرآن عسى الله أن يهديه ويشرح صدره للدخول فيه. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1273

من هم اليهود والنصارى الذين يدخلون الجنة [السُّؤَالُ] ـ[كيف نجمع بين قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (وبين أن من لم يؤمن من اليهود والنصارى بالإسلام فلن يدخل الجنة؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الآية التي أشرت إليها في سؤالك مذكورة في موضعين متشابهين من كتاب الله، فالأول هو قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) سورة البقرة والثاني هو قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ ءامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ ءامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩) سورة المائدة وحتى نفهم المراد من الآيتين فهما صحيحا فلا بدّ أن نرجع إلى علماء التفسير، قال الإمام الكبير إسماعيل بن كثير ﵀ في تفسير آية البقرة: نبه تعالى على أن من أحسن من الأمم السالفة وأطاع فإن له جزاء الحسنى وكذلك الأمر إلى قيام الساعة كل من اتبع الرسول النبي الأمي فله السعادة الأبدية ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه ولا هم يحزنون على ما يتركونه ويخلّفونه كما قال تعالى "ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون" وكما تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار في قوله "إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون".. فكان إيمان اليهود أنه من تمسك بالتوراة وسنة موسى ﵇ حتى جاء عيسى فلما جاء عيسى كان من تمسك بالتوراة وأخذ بسنة موسى فلم يدعها ولم يتبع عيسى كان هالكا، وإيمان النصارى أن من تمسك بالإنجيل منهم وشرائع عيسى كان مؤمنا مقبولا منه حتى جاء محمد ﷺ فمن لم يتبع محمدا ﷺ منهم ويدع ما كان عليه من سنة عيسى والإنجيل كان هالكا. (وقوله تعالى) "ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين".. إخبار عن أنه لا يقبل من أحد طريقة ولا عملا إلا ما كان موافقا لشريعة محمد ﷺ بعد أن بعثه به فأما قبل ذلك فكل من اتبع الرسول في زمانه فهو على هدى وسبيل ونجاة فاليهود أتباع موسى ﵇ والذين كانوا يتحاكمون إلى التوراة في زمانهم.. فلما بعث عيسى ﷺ وجب على بني إسرائيل اتباعه والانقياد له فأصحابه وأهل دينه هم النصارى.. فلما بعث الله محمدا ﷺ خاتما للنبيين ورسولا إلى بني آدم على الإطلاق وجب عليهم تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر والانكفاف عما عنه زجر وهؤلاء هم المؤمنون حقا وسميت أمة محمد ﷺ مؤمنين لكثرة إيمانهم وشدة إيقانهم ولأنهم يؤمنون بجميع الأنبياء الماضية والغيوب الآتية. ثم قال ﵀ في تفسير آية المائدة: والمقصود أن كل فرقة آمنت بالله وباليوم الآخر وهو الميعاد والجزاء يوم الدين وعملت عملا صالحا ولا يكون ذلك كذلك حتى يكون موافقا للشريعة المحمدية بعد إرسال صاحبها المبعوث إلى جميع الثقلين فمن اتصف بذلك فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه ولا على ما تركوا وراء ظهورهم ولا هم يحزنون. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 1274

من ضلالات اليهود في العقيدة [السُّؤَالُ] ـ[نحن نعلم أين وقع الخطأ عند النصارى, فأين وقع الخطأ عند اليهود؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لاشك أن ما وقع فيه اليهود أعظم مما وقع فيه النصارى وإن كان كلاهما على خطأ وكفر وفي القرآن ذِكر لعدد من ضلالات اليهود الكفرية. ١. فمنهم طائفة يدعون أن لله ولدا كما قال تعالى: ﴿وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهؤون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون﴾ [التوبة / ٣٠] . ٢. وقد وصفوا الله بالنقائص، وقتلوا أنبياء الله ورسله كما قال الله تعالى: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء﴾ [المائدة / ٦٤] ، وقال تعالى: ﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق﴾ [آل عمران / ١٨١] . ٣. وقد حرفوا كلام الله وهي التوراة، قال الله تعالى: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه﴾ [المائدة / ١٣] ، وقال تعالى: ﴿فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون﴾ [البقرة / ٧٩] . ٤. وقد استحقوا لعنة الله، وذلك بسبب ما ذكره الله عنهم بقوله تعالى: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾ [المائدة / ٧٨] . وأما افتراءهم على أنبيائهم فكثير ومن ذلك ١- نسبت اليهود الردة إلى نبي الله " سليمان " وأنه عبد الأصنام كما في " سفر الملوك " الإصحاح ١١ / عدد ٥. ٢- نسبت اليهود إلى " لوط " ﵇ شرب الخمر وأنه زنى بابنتيه كما في " سفر التكوين " الإصحاح ١٩ / العدد ٣٠. ٣- ونسبت اليهود السرقة إلى نبي الله " يعقوب " كما في " سفر التكوين " الإصحاح ٣١ / العدد ١٧. ٤- ونسبت اليهود الزنى إلى نبي الله " داود " فوُلد له " سليمان " كما في " سفر صموئيل الثاني " الإصحاح ١١ العدد / ١١. إلى غير ذلك قبحهم الله وأخزاهم. وقد لعنهم الله ورسوله من أجل مخازيهم الكثيرة في عدد من المواضع في الكتاب والسنة ومن ذلك: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)) (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَءَامِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا (٤٧)) (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ) (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)) (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)) وقال النَّبِيِّ ﷺ لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ وقال: لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ فَجَمَّلُوهَا فَبَاعُوهَا. والحديثان في صحيح الإمام البخاري وقد أحسن ابن القيم ﵀ -في وصفهم إذ يقول: فالأمة الغضبية هم: اليهود أهل الكذب، والبهت، والغدر، والمكر، والحيل، قتلة الأنبياء، وأكلة السحت وهو الربا والرشا، أخبث الأمم طوية، وأرداهم سجية، وأبعدهم من الرحمة، وأقربهم من النقمة، عادتهم البغضاء، وديدنهم العداوة والشحناء، بيت السحر والكذب والحيل، لا يرون لمن خالفهم في كفرهم وتكذيبهم الأنبياء حرمة، ولا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة، ولا لمن وافقهم حق ولا شفقة، ولا لمن شاركهم عندهم عدل ولا نصفة، ولا لمن خالطهم طمأنينة ولا أمنة، ولا لمن استعملهم عندهم نصيحة، بل أخبثهم: أعقلهم، وأحذقهم: أغشهم، وسليم الناصية - وحاشاه أن يوجد بينهم -: ليس بيهودي على الحقيقة، أضيق الخلق صدورا، وأظلمهم بيوتا، وأنتنهم أفنية، وأوحشهم سجية، تحيتهم لعنة، ولقاؤهم طيرة، شعارهم: الغضب، ودثارهم: المقت. " هداية الحيارى " (ص ٨) . وهذا غيض من فيض ومن يبحث يجد الكثير من مخازيهم وأنواع كفرهم وانحلالهم نسأل الله أن يكبتهم ويخزيهم ويذلّهم ويهزمهم وينصر المسلمين عليهم عاجلا غير آجل وصلى الله على نبينا محمد. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 1275

قول اليهود عزير ابن الله [السُّؤَالُ] ـ[إلى أي شيء تشير سورة التوبة /٣٠ وقالت اليهود عزير ابن الله ...) نرجو الإفادة بالمصادر حتى العربية.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لما أمر الله تعالى بقتال أهل الكتاب من اليهود والنصارى وذلك في قوله تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ماحرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون) . ذكر بعد ذلك ما يوجب قتالهم، وهو كفرهم بالله وشركهم، ومن ذلك تنقصهم لله بنسبة الولد إليه، وهو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد. فاليهود قالت عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله. وعزير رجل صالح من بني اسرائيل، معظَّم عند اليهود، قيل من أسباب تعظيمه أنه حفظ التوراة، فغلت اليهود أو بعضهم فيه، فزعموا أنه ابن الله فذمهم الله لذلك وأخبرهم أنهم يضاهئون بهذا القول قول المشركين الذين قالوا الملائكة بنات الله. وكذلك النصارى تنقصوا الله حيث قالوا المسيح ابن الله فشابهوا بذلك اليهود والمشركين. قال تعالى: (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون) . راجع تفسير ابن كثير، الجزء الثاني في تفسير سورة التوبة. وتفسير ابن جرير وتفسير القرطبي. [الْمَصْدَرُ] الشيخ عبد الرحمن البراك.

стр. 1276

صحة حديث قتال اليهود [السُّؤَالُ] ـ[هل هذا الحديث صحيح " أنه سيأتي يوم ينتصر فيه المسلمون على اليهود، حتى الحجر الذي يختفي فيه يهودي يتكلم وينادي بأنه تحتي يهودي فاقتله "؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " تقاتلكم اليهود فتسلطون عليهم ثم يقول الحجر يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله " (رواه البخاري برقم ٣٥٩٣) ، وعن ابن عمر أيضاً ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " تقاتلكم اليهود فتسلطون عليهم حتى يقول الحجر يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله " رواه أحمد والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. وعن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ينزل الدجال بهذه السبخة بمر قناة فيكون أكثر من يخرج إليه النساء، حتى إن الرجل ليرجع إلى حميمه وإلى أمه وابنته وأخته وعمته يوثقها رباطاً مخافة أن تخرج إليه ثم يسلط الله المسلمين عليه فيقتلونه ويقتلون شيعته حتى إن اليهودي ليختبئ تحت شجرة أو حجر فيقول الحجر أو الشجرة للمسلم هذا يهودي تحتي فاقتله " رواه أحمد في مسنده وكذا رواه ابن ماجه عن أبي أمامة الباهلي عن النبي ﷺ في شأن المسيح الدجال. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. [الْمَصْدَرُ] فتاوى اللجنة الدائمة ٣/٩١

стр. 1277

حكم النظر في كتب أهل الكتاب، ومحاورتهم عبر الإنترنت [السُّؤَالُ] ـ[خوفي من الأفكار الخاطئة التي يبثها بعض المسيحيين من خلال الانترنت، فهم يرسلون رسائل يدعون فيها المسلمين إلى المسيحية عن طريق القصص الملفقة، أريد أن أعرف بماذا يجب أن نرد عليهم فيما يتعلق بالأكسندر الأعظم الذي يزعمون أنه توفي عن ٣٣ سنة بينما في القرآن ثابت أنه توفي في سن الكهولة.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا يجوز قراءة ما يبثه النصارى من شبهات عبر الإنترنت وغيرها من الوسائل، ولا الدخول معهم في شيء من الحوارات والمناقشات الدينية إلا لمن كان أهلا لذلك، ممن لديه العلم والحجة والمعرفة بطرق المحاجة والمناظرة، وقد جزم جمع من أهل العلم بتحريم النظر في شيء من كتب أهل الكتاب إلا للراسخين في العلم؛ لأننا مأمورون ألا نصدقهم وألا نكذبهم فيما يحكونه من أخبار لا وجود لها في شريعتنا، والعامي لا يؤمن عليه أن يصدق بما هو باطل أو يكذب بما هو حق، ولأن القلوب ضعيفة، والشبه خطافة، وقد تستقر الشبهة في القلب، فيعسر إخراجها. جاء في فتاوى اللجنة الدائمة ما نصه: (الكتب السماوية السابقة وقع فيها كثير من التحريف والزيادة والنقص كما ذكر الله ذلك، فلا يجوز للمسلم أن يقدم على قراءتها والاطلاع عليها إلا إذا كان من الراسخين في العلم ويريد بيان ما ورد فيها من التحريفات والتضارب بينها) ٣/٣١١ فما جاءك من رسائل النصارى فبادر بالتخلص منها. وأما ما ذكرت عن الاسكندر الأكبر فهي شبهة تدل على غباء النصارى وجهلهم، وجوابها من وجوه: الأول: أنه ليس في القرآن الكريم ذكر لعمر ذي القرنين (الإسكندر) ولا للعصر الذي عاش فيه. الثاني: أن ذي القرنين المذكور في القرآن ليس هو الاسكندر المقدوني اليوناني الذي بنى الإسكندرية، فهذا هو المتوفى عن ٣٣ سنة، كما في كتب النصارى، وقد عاش قبل مولد المسيح ﵇ ب ٣٢٣ سنة. أما ذو القرنين المذكور في القرآن فكان في زمن إبراهيم ﵇، ويقال إنه أسلم على يدي إبراهيم ﵇، وحج البيت ماشيا. وقد اختلف الناس فيه هل كان نبيا أم كان عبدا صالحا وملكاً عادلاً، مع اتفاقهم على أنه مسلم موحد طائع لله تعالى. والصواب: هو التوقف في شأنه، لقول النبي ﷺ : " ما أدري أتبع نبيا كان أم لا، وما أدري ذا القرنين نبيا كان أم لا " رواه الحاكم والبيهقي وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم ٥٥٢٤ الثالث: أن الفرق بين هذا العبد الصالح، وبين الاسكندر المقدوني الكافر أمر معروف لدى علماء المسلمين، قال ابن كثير ﵀ في البداية والنهاية (١/٤٩٣) : (عن قتادة قال: اسكندر هو ذو القرنين وأبوه أول القياصرة وكان من ولد سام بن نوح ﵇. فأما ذو القرنين الثاني فهو اسكندر بن فيلبس ... بن رومي بن الأصفر بن يقز بن العيص بن إسحق بن إبراهيم الخليل كذا نسبه الحافظ ابن عساكر في تاريخه، المقدوني اليوناني المصري باني إسكندرية الذي يؤرخ بأيامه الروم وكان متأخرا عن الأول بدهر طويل، كان هذا قبل المسيح بنحو من ثلاثمائة سنة وكان أرطاطاليس الفيلسوف وزيره وهو الذي قتل دارا بن دارا وأذل ملوك الفرس وأوطأ أرضهم. وإنما نبهنا عليه لأن كثيرا من الناس يعتقد أنهما واحد وأن المذكور في القرآن هو الذي كان أرطاطاليس وزيره فيقع بسبب ذلك خطأ كبير وفساد عريض طويل كثير، فإن الأول كان عبدا مؤمنا صالحا وملكا عادلا ... ، وأما الثاني فكان مشركا وكان وزيره فيلسوفا وقد كان بين زمانهما أزيد من ألفي سنة فأين هذا من هذا لا يستويان ولا يشتبهان إلا على غبي لا يعرف حقائق الأمور) انتهى كلام ابن كثير ﵀. الرابع: أن النصارى ليس في كتابهم المقدس معلومات وافية عن الاسكندر الثاني، فضلا عن الأول، وغاية ما عندهم رؤيا لدانيال، زعموا أن فيها إشارة لحكم هذا الاسكندر الكافر وانقسام مملكته من بعده. الخامس: أنه لو فرض وجود اختلاف بين القرآن وكتابهم حول شخصية أو حدث، فأي غرابة في هذا؟ ّ! وما أكثر هذه الاختلافات، لاسيما حول قصص أنبياء الله كإبراهيم ونوح ولوط وموسى وداود وعيسى ﵈. فالنصارى لا يملكون سندا متصلا لهذه الكتب التي يؤمنون بها، ولا معرفة بحال الذين قاموا بترجمتها، مع اشتمالها على عشرات المواضع المتناقضة والمختلفة التي ينتفي معها دعوى العصمة وأنها كتبت بالإلهام من الروح القدس، وحسبك باختلافهم في نسب عيسى ﵇! فكيف يجعل ما في هذه الكتب المحرفة حكما على القرآن العظيم، المحفوظ بحفظ الله تعالى؟! والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1278

بعض طائفة المورمون يزورونه ويشككونه بدينه [السُّؤَالُ] ـ[أنا مسلم أعيش في أمريكا وفي المدرسة تهان عقيدتي من النصارى حتى أن بعض النصارى جاءوا إلي لدعوتي إلى النصرانية وهم من طائفة المورمون. فهل هم نصارى أم طائفة أقل؟ هم يقولون: أنه لو كان الإسلام هكذا لفند كتابهم. كيف أفعل؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أيها الأخ الفاضل يجب أن تعلم علم اليقين بأن دين الإسلام هو الدين الحق المرضي لله، الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه، وهو يقوم على عبادة الله وحده لا شريك له ومتابعة الرسول محمد ﷺ ، وهذا مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وإذا استقر هذا الاعتقاد في قلب المسلم، فإنه لا يهمه اعتراض المعارضين، واستهزاء المستهزئين، بل يدعو إلى الله ويعمل بدين الله، ويقول إنني من المسلمين. كما قال تعالى: (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين) . وقال تعالى: (فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين، إنا كفيناك المستهزئين، الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون) . والنصارى من هؤلاء المشركين لأنهم يعبدون المسيح وأمه، ويعبدون الصليب فلا تبال بهم، ولا باستهزائهم، بل أعرض عنهم ولا تدخل في جدل معهم لئلا يشوشوا عليك بشبهاتهم. وإذا أمكنك التحول من هذه المدرسة إلى مدرسة أخرى لا تتعرض فيها للأذى فافعل. وطائفة المورمون يظهر أنها من النصارى بدليل ذكرهم لكتابهم وهو الإنجيل، وقولهم: لو كان الإسلام هكذا، يعنون أنه ضد دينهم لفنّد كتابهم، هذا جهل أو تلبيس منهم، فالإسلام لم يفنّد الإنجيل الذي أنزله الله على عيسى، بل القرآن مصدق له ولما قبله من الكتب، ولكن الإسلام يفند دين النصارى الذين اتخذوا المسيح وأمه إلهين من دون الله كما يفند الإسلام الأناجيل المحرفة التي في أيدي النصارى، قال الله تعالى بعد ذكر التوراة والإنجيل: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب) . يعني أن القرآن مصدق لما قبله من الكتب كالتوراة والإنجيل وهؤلاء النصارى المشركون قد تبرأ المسيح منهم في الدين، ويتبرء منهم يوم القيامة كما قال تعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني اسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم) . وقال تعالى: (وإذ قال الله ياعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ... إلى قوله ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنتُ عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيءٍ شهيد) . نسأل الله أن يثبتك على الإسلام وأن يكفيك شرَّ الأشرار، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. [الْمَصْدَرُ] الشيخ عبد الرحمن البراك

стр. 1279

التثليث عند النصارى هل له وجود في الإسلام ؟ [السُّؤَالُ] ـ[في النصرانية يستخدمون كلمة " التثليث " على أنها الركن الأساس لذلك الدين، فهل ورد ذكر لذلك الاعتقاد في القرآن؟ وإذا كان ذلك اعتقاداً صحيحاً، أفلا يندرج ذلك تحت مقدمات الشرك؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله نعم ورد ذكر لهذا الاعتقاد في القرآن الكريم، ولكنه ورد ببطلانه والمنادة على صاحبه بالكفر والشرك، قال الله تعالى: (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) المائدة / ١٧، وقال تعالى: (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَاّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) المائدة / ٧٣، وقال تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ، اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلَاّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لَاّ إِلَهَ إِلَاّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) التوبة / ٣١ وصار هذا من الأمور المنتشرة علمها بين المسلمين، ولذلك أجمعوا على كفر النصارى، بل أجمعوا على كفر من لم يكفرهم، قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نواقض الإسلام المجمع عليها: (من لم يُكَفِّر المشركين، أو شَكَّ في كفرهم، أو صحّح مذهبهم كفر) . راجع السؤال رقم ٣١٨٠٧ وإننا لنعجب من هذا السؤال والذي يظن صاحبه أن الشرك الذي عند النصارى له وجود في دين المسلمين، ولذلك فإننا ننصح السائل بالقراءة في كتب العقائد والتي تبين التوحيد ومعناه وأحكامه، وتبين أيضاً الشرك وأنواعه، وسماع الأشرطة المفيدة في ذلك، فإن هذا من أوجب الواجبات على العبد، وهذا التثليث الذي يعتقده النصارى ليس من مقدمات الشرك، بل هو الشرك بعينه، والتثليث الذي اخترعه النصارى المتأخرون لا يستدل عليه بشيء من العقل والفطرة ولا بشيء من الكتب الإلهية التي أنزلها الله . قال ابن القيم: وهذا شأن جميع أهل الضلال مع رؤسائهم ومتبوعيهم، فجهَّال النصارى إذا ناظرهم الموحِّد في تثليثهم وتناقضه وتكاذبه قالوا: الجواب على القسيس، والقسيس يقول: الجواب على المطران، والمطران يحيل الجواب على البترك، والبترك على الأسقف، والأسقف على الباب، والباب على الثلاثمائة والثمانية عشر أصحاب المجْمَع الذي اجتمعوا في عهد " قسطنطين "، ووضعوا للنصارى هذا التثليث والشرك المناقض للعقول والأديان ... " مفتاح دار السعادة " (٢ / ١٤٨) . ومن حيث اللفظ فإنه لم يأت في القرآن ولا في السنة، بل جاء لفظ " التثليث " في كلام العلماء عند كلامهم على التثليث في " الاستجمار بالحجارة، الوضوء، الغسل، غسل الميت، التسبيح في الركوع والسجود، الاستئذان للدخول للبيت، وغير ذلك. والمعنى في كل ما سبق إنما هو فعل الأمر ثلاث مرات، ولا علاقة له بتثليث النصارى، والذي بيَّن الله تعالى أنه قولهم وأمرهم بتوحيده تعالى والاعتقاد بعيسى أنه رسول وليس بإله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: قال تعالى: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيراً لكم﴾ ، فذكر سبحانه في هذه الآية " التثليث والاتحاد "، ونهاهم عنهما وبيَّن أن المسيح إنما هو ﴿رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه﴾ ، وقال: ﴿فآمنوا بالله ورسله﴾ ، ثم قال: ﴿ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيراً لكم﴾ . " الجواب الصحيح " (٢ / ١٥) . وقد ظن بعض النصارى – لجهلهم – أن ضمير الجمع الدال على التعظيم في نحو قوله تعالى: (إنا فتحنا لك) ، (إنا أنزلناه) أنه يدل على عقيدتهم الفاسدة عقيدة التثليث. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومذهب سلف الأمَّة وأئمَّتها وخلفها: أن النَّبي ﷺ سمع القرآن من جبريل، وجبريل سمعه من الله ، وأما قوله ﴿نتلوا﴾ و ﴿نقص﴾ ﴿فإذا قرأناه﴾ : فهذه الصيغة في كلام العرب للواحد العظيم الذي له أعوان يطيعونه، فإذا فعل أعوانه فعلاً بأمره قال: نحن فعلنا، كما يقول الملك: نحن فتحنا هذا البلد، وهزمنا هذا الجيش، ونحو ذلك؛ لأنه إنما يفعل بأعوانه، والله تعالى رب الملائكة وهم لا يسبقونه بالقول، وهم بأمره يعملون، ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وهو مع هذا خالقهم وخالق أفعالهم وقدرتهم، وهو غني عنهم، وليس هو كالملِك الذي يفعل أعوانه بقدرة وحركة يستغنون بها عنه، فكان قوله لِما فعله بملائكته: نحن فعلنا: أحق وأولى من قول بعض الملوك. وهذا اللفظ هو من " المتشابه " الذي ذكر أن النصارى احتجوا به على النبي ﷺ على التثليث لمَّا وجدوا في القرآن ﴿إنا فتحنا لك﴾ ونحو ذلك، فذمَّهم الله حيث تركوا المحكَم من القرآن أن الإله واحد، وتمسكوا بالمتشابه الذي يحتمل الواحد الذي معه نظيره، والذي معه أعوانه الذين هم عبيده وخلقه، واتبعوا المتشابه يبتغون بذلك الفتنة، وهي فتنة القلوب بتوهم آلهة متعددة، وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم. " مجموع الفتاوى " (٥ / ٢٣٣، ٢٣٤) . وللمزيد عن هذا الموضوع راجع سؤال رقم ٦٠٦. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1280

أقسام الديانات [السُّؤَالُ] ـ[ما هي أنواع الأديان الموجودة في العالم؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله تنقسم البشرية بحسب أديانها إلى قسمين: قسم له كتاب منزل من عند الله كاليهود والنصارى والمسلمين , فاليهود والنصارى بسبب عدم عملهم بما ورد في كتبهم , وبسبب اتخاذهم البشر أرباباً من دون الله , وبسبب تطاول العهد.. فُقدت كتبهم التي أنزلها الله على أنبيائهم؛ فكتب الأحبار لهم كتباً زعموا أنها من عند الله , وما هي من عند الله , إنما هي انتحال المبطلين وتحريف الغالين. أما كتاب المسلمين (القرآن العظيم) فهو آخر الكتب الإلهية عهداً , وأوثقهم عقداً وتكفل الله بحفظه؛ ولم يكل ذلك إلى البشر قال تعالى: (إنَّا نحن نزلنا الذّكر وإنَّا له حافظون) سورة الحجر/٩ , فهو محفوظ في الصدور والسطور؛ لأنه الكتاب الأخير الذي ضمنه الله الهدى لهذه البشرية , وجعله حجة عليهم إلى قيام الساعة , وكتب له البقاء , وهيأ له في كل زمان من يقيمون حدوده وحروفه , ويعملون بشريعته ويؤمون به , وسيأتي مزيد من التفصيل عن هذا الكتاب العظيم في فقرة قادمة – انظر: ص: ١١٣. ١١٩ ـ ١٤٣. ١٣٧ من هذا الكتاب -. وقسم ليس لهم كتاب منزل من عند الله , وإن كان لديهم كتاب متوارث منسوب إلى صاحب ديانتهم كالهندوس والمجوس والبوذيين والكنفوشيسيين وكالعرب قبل مبعث محمد ﷺ . وما من أمة إلا ولها علم وعمل بحسب ما تقوم به مصالح دنياهم , وهذا من الهداية العامة التي جعلها الله لكل إنسان , بل لكل حيوان , كما يهدي الحيوان إلى جلب ما ينفعه من الأكل والشرب , ودفع ما يضره , وقد خلق الله فيه حباً لهذا , وبغضاً لهذا , قال تعالى: (سبح اسم ربك الأعلى – الذي خلق فسوى – والذي قدر فهدى) سورة الأعلى/١–٣ , وقال موسى ﵇ لفرعون: (ربنا الذي أعطى كل شيئاً خلقه ثم هدى) سورة طه/٥٠ , وقال الخليل ﵇: (الذي خلقني فهو يهدين) سورة الشعراء/٨٧ , وانظر: الجواب الصحيح فيمن بدل دين المسيح , ج ٤ , ص: ٩٧. ومن المعلوم لكل عاقل – له أدنى نظر وتأمل – أن أهل الملل أكمل في العلوم النافعة , والأعمال الصالحة , ممن ليسوا من أهل الملل , فما من خير يوجد عند غير المسلمين من أهل الملل إلا وعند المسلمين ما هو أكمل منه وعند أهل الأديان ما لا يوجد عند غيرهم؛ وذلك أن العلوم والأعمال نوعان: النوع الأول: يحصل بالعقل كعلم الحساب والطب والصناعة , فهذه الأمور عند أهلل الملل كما هي عند غيرهم , بل هم فيها أكمل , أما ما لا يعلم بمجرد العقل كالعلوم الإلهية , وعلوم الديانات فهذه مختصة بأهل الأديان , وهذه منها ما يمكن أن يقام عليه أدلة عقلية , والرسل هدوا الخلق وأرشدوهم إلى دلالة العقول عليها فهي عقلية شرعية. النوع الثاني: ما لا يعلم إلا بخبر الرسل – فهذا لا سبيل إلى تحصيله من طريق العقول – كالخبر عن الله وأسمائه وصفاته وما في الدار الآخرة من النعيم لمن أطاعه , والعذاب لمن عصاه , وبيان شرعه , وخبر الأنبياء السابقين مع أممهم وغير ذلك – انظر: مجموع فتاوي شيخ الإسلام ابن تيمية , ج٤ , ص: ٢١٠ – ٢١١. [الْمَصْدَرُ] من كتاب الإسلام أصوله ومبادؤه تأليف د. محمد بن عبد الله بن صالح السحيم.

стр. 1281

هل الإسلام كان موجوداً قبل النبي ﷺ ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل قبل النبي ﷺ كان هناك دين اسمه الإسلام؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لتعلم يا أخي أن الإسلام يطلق على معنيين: معنى عام، ومعنى خاص. أما الإسلام بالمعنى العام فهو الاستسلام لله وحده، وذلك يتضمن عبادته وحده، وطاعته وحده. فكل من آمن بالله تعالى ووحَّدَه وعبده بشريعة صحيحة غير منسوخة فهو مسلم. قال شيخ الإسلام في "التدمرية" (ص: ١٦٨-١٧٠) : " وهذا الدين هو دين الإسلام، الذي لا يقبل الله ديناً غيره، لا من الأولين ولا من الآخرين، فإن جميع الأنبياء على دين الإسلام، قال تعالى عن نوح: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ* فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) يونس /٧١-٧٢. وقال عن إبراهيم: (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) البقرة /١٣٠-١٣٢. وقال عن موسى: (وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ) يونس /٨٤. وقال في خبر المسيح: (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ) المائدة/١١١. وقال فيمن تقدم من الأنبياء: (يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا) المائدة/٤٤. وقال عن بلقيس أنها قالت: (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) النمل/٤٤. . . وهذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله غيره، وذلك إنما يكون بأن يطاع في كل وقت بفعل ما أمر به في ذلك الوقت، فإذا أمر في أول الأمر باستقبال الصخرة، ثم أمر ثانياً باستقبال الكعبة، كان كل من الفعلين حين أمر به داخلاً في دين الإسلام، فالدين هو الطاعة والعبادة له في الفعلين، وإنما تنوع بعض صور الفعل وهو وجهة المصليِّ، فكذلك الرسل دينهم واحد، وإن تنوعت الشرعة " اهـ باختصار. وبهذا المعنى العام للإسلام يصح أن يقال: كان هناك دين اسمه الإسلام قبل بعثة النبي محمد ﷺ . فجميع الأنبياء المرسلين مسلمون، وأتباعهم على دينهم الصحيح قبل أن يحرف أن ينسخ هم مسلمون. وكان قبل النبي ﷺ يوجد أفراد قليلون من النصارى على الدين الصحيح الذي بعث الله به عيسى ﵇. ويدل لذلك ما رواه مسلم (٢٨٦٥) عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ: (وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَالَ: إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ. . . الحديث) . قال النووي ﵀: " الْمَقْت: أَشَدّ الْبُغْض , وَالْمُرَاد بِهَذَا الْمَقْت وَالنَّظَر مَا قَبْل بَعْثَة رَسُول اللَّه ﷺ ، وَالْمُرَاد بِبَقَايَا أَهْل الْكِتَاب الْبَاقُونَ عَلَى التَّمَسُّك بِدِينِهِمْ الْحَقّ مِنْ غَيْر تَبْدِيل " اهـ. وأما الإسلام بالمعنى الخاص فهو الدين الذي بعث الله به رسوله محمداً ﷺ . وبهذا المعنى الخاص للإسلام لا يصح أن يقال كان هناك دين اسمه الإسلام قبل بعثة النبي محمد ﷺ . قال شيخ الإسلام في "التدمرية" (ص ١٧٣-١٧٤) : " وقد تنازع الناس فيمن تقدم من أمة موسى وعيسى هل هم مسلمون أم لا؟ وهو نزاع لفظي، فإن الإسلام الخاص الذي بعث الله به محمداً ﷺ المتضمن لشريعة القرآن ليس عليه إلا أمة محمد ﷺ ، والإسلام اليوم عند الإطلاق يتناول هذا، وأما الإسلام العام المتناول لكل شريعة بعث الله بها نبياً من الأنبياء فإنه يتناول إسلام كل أمة متبعة لنبي من الأنبياء " اهـ. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1282

الفروق بين النصرانية والإسلام [السُّؤَالُ] ـ[ما هي العوامل التي توسع الفارق بين المسلمين والنصارى؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله العوامل التي توسِّع الفارق بين المسلمين والنصارى كثيرة وعظيمة، والخلاف العقدي الذي بيننا وبينهم لا يسمح بالتقارب إلا أن يتركوا ما هم فيه من كفر وضلال، ويلتحق بركب الموحدين لرب وإله واحد، والشهادة للنبي محمد ﷺ بالرسالة، والاعتقاد ببشرية عيسى ﵇. وهذه أبرز الانحرافات في دينهم والتي توسع الفارق بيننا نحن المسلمين وبينهم. ١. اعتقاد النصارى أن المسيح ابن الله. ٢. اعتقاد النصارى أن المسيح ﵇ إله مع الله، بل هو الأقنوم الثاني من الثالوث المقدس عندهم. ٣. اعتقاد أن اللاهوت حلّ في الناسوت. ٤. اعتقاد أن الله يتكون من ثلاثة أقانيم وهو ما يعرف بـ "عقيدة الثليث ". ٥. اعتقاد النصارى أن المسيح ﵇ صلبته اليهود بأمر بيلاطس النبطي وتوفي على الصليب. ٦. اعتقاد النصارى أن المسيح مات مصلوباً فداءاً للبشرية وكفارة للخطيئة الموروثة. ٧. موقف النصارى من اليهود الذين يكذبون عيسى ﵇، ويزعمون أنهم صلبوه وقتلوه، ويتهمون أمه " مريم " بالزنى – وهي المبرأة من ذلك -، ومع هذا فإن موقف النصارى منهم اليوم موقف النصرة والولاء، وموقفهم من المسلمين الذين يعظمون عيسى ﵇ وأمه موقف العداء والبراء. ٨. تحريفهم لكتاب الله تعالى الإنجيل، سواء تحريف اللفظ بالتغيير أو الزيادة أو تحريف المعنى، وفي ذلك من نسبة السوء والشر لله تعالى ولدينه ما فيه. ٩. عقيدة الخلاص، وهي اعتقادهم أن الله أرسل ابنه الوحيد ليخلص الناس من إثم ارتكبه أبو البشرية ﵇ فعجز الله عن مغفرة ذنبه فأرسل ابنه الوحيد الذي لا ذنب له ليضحي بنفسه من أجل زوال الخطيئة. وهذا انتقاص لرب العالمين وتكذيب للحقائق من توبة آدم ﵇ وتنجية الله تعالى للمسيح ﵇ من القتل. ١٠. كفرهم بنبوة محمد ﷺ ، مع أنه منصوص عليه في العهدين الجديد والقديم. ١١. إيمانهم بصحة التوراة المحرفة التي بين أيديهم اليوم، وفيها من سب الله تعالى ووصفه بالنقائص وسب الأنبياء والمرسلين ما يتعاظم المرء أن يتكلم به، لكننا نذكره ليُعلم شناعة ما هم عليه من الكفر. فيصفون الله تعالى أنه بكى ندماً على الطوفان الذي أغرق قوم نوح حتى رمد وعادته الملائكة تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. ويصفون لوطاً ﵇ بأنه زنى بأبنيته، ونوحاً بأنه شرب الخمر حتى ثمل وبدت عورته، ومخازيهم أكثر من ذلك. انظر " هداية الحيارى في أوبة اليهود والنصارى " لابن القيم، و " نقض النصرانية " للدكتور محمد بن عبد الله السحيم. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1283

الإسلام والغرب بين القوة والضعف [السُّؤَالُ] ـ[أنظر إلى مآسي المسلمين في كل مكان، وأريد أن أعرف ما الفرق بين الحياة الإسلامية وحياة الغنى والتقدم والقوة في الغرب؟ وأحكام المرأة في المجتمعين، أسأل لأني أحزن لحال المسلمين في تلك البلاد.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: ما يحصل للمسلمين من مآسٍ وآلام إنما هو بسبب تركهم لشرع الله تعالى في أنفسهم ومجتمعاتهم ودولهم، فهم لم ينصروا الله تعالى فكيف سينصرهم؟ . وعندما عصى بعض المسلمين النبيَّ ﷺ في " غزوة أُحد " عاقبهم الله تعالى بالهزيمة، وقد كان بينهم النبي ﷺ وكبار أصحابه، فكيف يكون حال المسلمين الآن وهم يعصون الله تعالى ليل نهار، وينتهكون حرماته، إلا من رحم الله. ثانياً: ومع ما يعيشه المسلمون من مآسٍ ويقاسونه من آلام فإن ما عند الغرب في مجتمعاتهم وأحوال أنفسهم أكثر وأشد، من حيث الإيمان والأمن والأسرة، وخاصة فيما يتعلق بالمرأة. وإذا نظر الإنسان إلى إحصائيات حديثة في بلاد الغرب يجد أنهم هم أحق بالشفقة والعطف على ما وصلت إليهم أحوالهم، ولنأخذ على ذلك أمثلة: ٦٥ % من العاملات يتعرضن للتحرش الجنسي في أماكن عملهن في بعض الدول الأوربية. ١٨% من النساء في أمريكا اغتصبن أو تعرضن لمحاولة اغتصاب في مرحلة من مراحل عمرهن. أكثر من نصف النساء المغتصبات تحت سن الـ ١٧ سنة. " إحصاءات، دراسات، أرقام " (ص ١٤٠) . وفي إحصائية جرت في كندا عن طريق الهاتف في الفترة ما بين فبراير إلى يونيو ١٩٩٣ على: ١٢.٣٠٠ امرأة في أنحاء كندا: نصف نساء كندا تعرضن إلى حادثة عنف (جنحة إجرامية) على الأقل جسدي أو جنسي بعد السن ١٦ عام ٤٥% تعرضن للاعتداء من (رجال) معروفين لديهن. ٢٣% منهن تعرضن لاعتداء من غرباء. ٢٣% من المشادات بين الأزواج تم فيها استخدام السلاح. " إحصاءات، دراسات، أرقام " (ص ١٤١) . في أمريكا: مليون طفل يولدون سنويا من السفاح. ١٢ مليون طفل مشرد في ظروف غير صحية. مليون حالة إجهاض سنويا في أمريكا. في بريطانيا: ٢٥ مليون معاكسة هاتفية سجلت في عام واحد. ٤٠ مليون طفل مشرد في أمريكا اللاتينية. أباح القانون في السويد زواج الأشقاء. " إحصاءات، دراسات، أرقام " (ص ١٥٠) . ثالثاً: وإننا لنشكر لك غيرتك على دين الله تعالى، وعلى المسلمين، ونسأل الله لنا ولك التوفيق. والله الموفق. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1284

بيع المحرم والمشكوك في تحريمه [السُّؤَالُ] ـ[أنا اعرف أن بيع الأشياء المحرمة لا يجوز، فإذا كان لدي دكان وأبيع فيه أنواع الشوربة ومعجون الأسنان ...الخ وبعض هذه الأشياء تحوي في مكوناتها على أشياء محرمة أو فيها شك، فهل بيعي لها يعتبر معصية؟ وشكرا]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا يجوز بيعها لأن الله تعالى إذا حرم شيئاً حرم ثمنه، كما روى ابن عباس ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ أَكْلَ شَيْءٍ حَرَّمَ ثَمَنَهُ. " رواه الإمام أحمد ٢٥٤٦، أما المشكوك فيه فالأولى تركه إبراءً للذمة، كما قال النبي ﷺ : " عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ الْحَلالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ.. رواه مسلم ٢٩٩٦. والله الموفق [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 1285

تحديد المفصلّ من القرآن وطواله وقصاره [السُّؤَالُ] ـ[ما هو المفصل من القران الكريم؟ ومن سماه هكذا؟ ولماذا سمي به؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: المفصّل هو سور القرآن القصيرة التي كثر الفصل بينها بالبسملة، سمي مفصلا لكثرة فواصله. وقد اختلف في تحديده هل يبدأ من سورة ق أو من الحجرات، واختلف كذلك في طواله وأوساطه وقصاره على أقوال: جاء في "الموسوعة الفقهية" (٣٣/ ٤٨) : " اختلفوا في المفصل: فذهب الحنفية إلى أن طوال المفصل من (الحجرات) إلى (البروج) , والأوساط منها إلى (لم يكن) , والقصار منها إلى آخر القرآن. وعند المالكية: طوال المفصل من (الحجرات) إلى (النازعات) , وأوساطه من (عبس) إلى (الضحى) , وقصاره من (الضحى) إلى آخر القرآن. وقال الشافعية: طوال المفصل كالحجرات واقتربت والرحمن , وأوساطه كالشمس وضحاها والليل إذا يغشى , وقصاره كالعصر وقل هو الله أحد. وذهب الحنابلة إلى أن أول المفصل سورة ق؛ لحديث أوس بن حذيفة قال: " سألت أصحاب رسول الله ﷺ كيف يحزبون القرآن؟ قالوا: ثلاث وخمس , وسبع , وتسع , وإحدى عشرة , وثلاث عشرة , وحزب المفصل وحده " [رواه أبو داود (١٣٩٥) وابن ماجه (١٣٤٥) وحسنه إسناده ابن كثير في فضائل القرآن (٨٣) ، وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود] . قالوا: وهذا يقتضي أن أول المفصل السورة التاسعة والأربعون من أول البقرة لا من الفاتحة. وآخر طواله سورة عم , وأوساطه منها للضحى , وقصاره منها لآخر القرآن " انتهى. وينظر: "فتح الباري" (٢/٢٤٩) ، الإتقان في علوم القرآن، للسيوطي (١/١٨٠) . قال الحافظ ابن حجر ﵀: " أول المفصل من ق إلى آخر القرآن على الصحيح، وسمي مفصلا لكثرة الفصل بين سوره بالبسملة على الصحيح " انتهى، باختصار يسير من "فتح الباري" (٢/٢٥٩) ، وينظر أيضا: "فتح الباري" (٩/٤٣) . ثانيا: وأما أول تسمية ذلك بالمفصل: فقد كان هذا الاسم معلوما شائعا بين الصحابة، وردت به أحاديث كثيرة منوعة عن عدد من الصحابة. جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ: قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ اللَّيْلَةَ فِي رَكْعَةٍ؟ فَقَالَ: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ؟! لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرُنُ بَيْنَهُنَّ؛ فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنْ الْمُفَصَّلِ، سُورَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. رواه البخاري (٧٧٥) ومسلم (٨٢٢) . والأحاديث التي ذكر فيها التسمية بالمفصل كثيرة جدا، ومتنوعة، في الصحيحين وغيرهما، مما يرجح أن التسمية بذلك توقيفية عن النبي ﷺ عن جَابِر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ فَقَرَأَ بِالْبَقَرَةِ، فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ، فَكَأَنَّ مُعَاذًا تَنَاوَلَ مِنْهُ. فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: (فَتَّانٌ، فَتَّانٌ، فَتَّانٌ) ثَلَاثَ مِرَارٍ، وَأَمَرَهُ بِسُورَتَيْنِ مِنْ أَوْسَطِ الْمُفَصَّلِ. قَالَ عَمْرٌو ـ راوي الحديث ـ: لَا أَحْفَظُهُمَا. رواه البخاري (٧٠١) ومسلم (٤٦٥) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1286

تشغيل القران في السيارة من سماعات بجانب الأرجل [السُّؤَالُ] ـ[لدي سؤال عن حكم تشغيل القران في السيارة، علما بأن مخارج الصوت بجانب الأرجل مباشرة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الاستماع إلى القرآن الكريم في السيارة عمل صالح، وقربة نافعة، ووجود السماعات بجانب الأرجل مباشرة بحيث يسمع صوت القرآن من أسفل أمر لا يليق، فينبغي الاقتصار على السماعات الخلفية إن وجدت، أو العمل على تغيير موضع السماعات. وقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: " في بعض السيارات تكون سماعات المسجل محاذية للأقدام، وقد توضع الأقدام والحذاء على السماعة. والسؤال هو: عندما يشغل القرآن فهل يكون في هذا امتهان لكتاب الله تعالى؟ وهل يقاس هذا الفعل على فتواكم على من يمد أقدامه أمام كتاب الله تعالى، نرجو التوجيه والله يحفظكم؟ فأجاب: إذا كانت السماعات كما ذكر تحت الأقدام، أو عند حذاء الأقدام، فإنه لا يفتحه على القرآن الكريم؛ لأن كون القرآن الكريم يسمع من تحت قدم الإنسان لا شك أن فيه إهانة للقرآن، وإذا كان الإنسان لا بد أن يستمع إلى القرآن فليرفع السماعة عن محاذاة الأقدام " انتهى من "لقاء الباب المفتوح" (٥٧/ ١٣) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1287

ما هو الترجيع في قراءة القرآن ؟ [السُّؤَالُ] ـ[قرأت في " زاد المعاد " عن قراءة النبي ﷺ للقرآن أنه كان يُرَجِّع. فما هو الترجيع؟ وهل نفعل الترجيع عند تلاوتنا للقرآن؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الحديث الوارد في ترجيع النبي ﷺ عند التلاوة هو ما يرويه عبد الله بن مغفل المزني ﵁ فيقول: (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ - أَوْ مِنْ سُورَةِ الْفَتْحِ - قَالَ: فَرَجَّعَ فِيهَا. قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ مُعَاوِيَةُ يَحْكِي قِرَاءَةَ ابْنِ مُغَفَّلٍ. وَقَالَ: لَوْلَا أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَيْكُمْ لَرَجَّعْتُ كَمَا رَجَّعَ ابْنُ مُغَفَّلٍ يَحْكِي النَّبِيَّ ﷺ . فَقُلْتُ لِمُعَاوِيَةَ: كَيْفَ كَانَ تَرْجِيعُهُ؟ قَالَ: آآ آثَلَاثَ مَرَّاتٍ) رواه البخاري (٧٥٤٠) والمقصود بالترجيع ههنا هو تحسين الصوت والتغني بالقرآن الكريم عند الإتيان بالمدود، من خلال ترديد الصوت بالحلق وإشباع المد. قال الحافظ ابن حجر ﵀: " الترجيع: هو تقارب ضروب الحركات في القراءة، وأصله الترديد، وترجيع الصوت ترديده في الحلق. وقد فسره كما سيأتي في حديث عبد الله بن مغفل المذكور في هذا الباب في كتاب التوحيد بقوله: (أاأ) بهمزة مفتوحة، بعدها ألف ساكنة، ثم همزة أخرى. ثم قالوا: يحتمل أمرين: أحدهما: أن ذلك حدث من هز الناقة. والآخر: أنه أشبع المد في موضعه فحدث ذلك. وهذا الثاني أشبه بالسياق، فإن في بعض طرقه: (لولا أن يجتمع الناس لقرأت لكم بذلك اللحن) أي: النغم. وقد ثبت الترجيع في غير هذا الموضع: فأخرج الترمذي في " الشمائل " والنسائي وابن ماجه وابن أبي داود واللفظ له من حديث أم هانئ: كنت أسمع صوت النبي ﷺ وهو يقرأ وأنا نائمة على فراشي يرجع القرآن. والذي يظهر أن في الترجيع قدرا زائدا على الترتيل: فعند ابن أبي داود من طريق أبي إسحاق، عن علقمة قال: بِتُّ مع عبد الله بن مسعود في داره، فنام ثم قام، فكان يقرأ قراءة الرجل في مسجد حيه لا يرفع صوته ويسمع من حوله، ويرتل ولا يرجع. وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: معنى الترجيع: تحسين التلاوة، لا ترجيع الغناء؛ لأن القراءة بترجيع الغناء تنافي الخشوع الذي هو مقصود التلاوة " انتهى. " فتح الباري " (٩/٩٢) وقال ابن القيم ﵀: " إذا جمعت هذه الأحاديث إلى قوله: (زينوا القرآن بأصواتكم) ، وقوله: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن) ، وقوله: (ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقران) ، علمت أن هذا الترجيع منه ﷺ كان اختيارا، لا اضطرارا لهز الناقة له، فإن هذا لو كان لأجل هز الناقة، لما كان داخلا تحت الاختيار، فلم يكن عبد الله بن مغفل يحكيه ويفعله اختيارا ليؤتسى به، وهو يرى هز الراحلة له حتى ينقطع صوته، ثم يقول كان يرجع في قراءته، فنسب الترجيع إلى فعله، ولو كان من هز الراحلة لم يكن منه فعل يسمى ترجيعا " انتهى. " زاد المعاد " (١/٤٨٣-٤٨٤) وقال ابن بطال ﵀: " ومعنى حديث ابن مغفل في هذا الباب التنبيه على أن القرآن أيضا رواية النبي رواية النبي عن ربه. وفيه من الفقه: إجازة قراءة القرآن بالترجيع والألحان الملذة للقلوب، بحسن الصوت ... ، ألا ترى أن النبي ﷺ أراد أن يبالغ في تزيين قراءته لسورة الفتح التي كان وعده الله فيها بفتح مكة، فأنجزه له؛ ليستميل قلوب المشركين العتاة على الله لفهم ما يتلوه من إنجاز وعد الله له فيهم، بإلذاذ أسماعهم بحسن الصوت المرجَّع فيه بنغم ثلاث، في المدة الفارغة من التفصيل. وقول معاوية: (لولا أن يجتمع الناس إلي لرجعت كما رجَّع ابن مغفل، يحكي عن النبي ﷺ يدل أن القراءة بالترجيع والألحان تجمع نفوس الناس إلى الإصغاء والتفهم، ويستميلها ذلك حتى لا تكاد تصبر عن استماع الترجيع المشوب بلذة الحكمة المفهومة منه " انتهى. " شرح صحيح البخاري " (١٠/٥٣٧-٥٣٨) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1288

حكم التخاطب مع الغير أثناء قراءة القرآن [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز التخاطب مع الغير أثناء قراءة القرآن؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "لا نعلم حرجاً في ذلك، فلا نعلم حرجاً في أن يتكلم المسلم وهو يقرأ القرآن، لكن كونه يستمر في قراءته ولا ينشغل بالكلام أولى، حتى يحضر بقلبه للتدبر والتعقل، فهذا أفضل إذا لم تدع الحاجة إلى الكلام. أما إذا دعت الحاجة إلى الكلام فلا حرج إن شاء الله أن يتكلم ثم يرجع إلى قراءته، مثل أن يرد السلام على من سلم عليه، مثل أن يجيب المؤذن إذا سمع الأذان وينصت له؛ لأن هذه سنن ينبغي للمؤمن أن يأخذ بها ولا يتساهل فيها، فإذا سمع الأذان أنصت للأذان وأجاب المؤذن ثم عاد إلى قراءته، وهذا هو الأفضل. كذا إذا سلم عليه إنسان فيرد ﵇، أو سمع عاطساً حمد الله يشمته، أو جاءه إنسان يسأله حاجة فيعطيه، فكل هذا لا بأس به. أما إذا كان كلاماً ليس له حاجة فالأولى له تركه حتى يشتغل بالقراءة وحتى يتدبر ويتعقل؛ لأن هذا هو المطلوب، فالله يقول: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ) ص/٢٩، ومعلوم أن الكلام الذي ليس له حاجة يكون فيه شغل للقلب، وفيه أيضاً إضعاف للتدبر، فالأولى تركه" انتهى. [الْمَصْدَرُ] الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ "فتاوى نور على الدرب" (١/٣٣٥)

стр. 1289

هل قراءة سورة البقرة من المسجل يطرد الشيطان من المنزل ؟ [السُّؤَالُ] ـ[يقول الرسول ﷺ ، فيما رواه الإمام مسلم في صحيحه: (لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة) . وسؤالي: هل يكفي أن يأتي الإنسان بالمسجل، ويضع فيه شريطا مسجلا عليه سورة البقرة، ويقوم بتشغيله حتى يقرأ كامل السورة؟ أو لا بد أن يقرأ الإنسان بنفسه أو من ينوب عنه السورة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الأظهر- والله أعلم- أنه يحصل بقراءة سورة البقرة كلها من المذياع أو من صاحب البيت ما ذكره النبي ﷺ من فرار الشيطان من ذلك البيت، ولكن لا يلزم من فراره أن لا يعود بعد انتهاء القراءة، كما أنه يفر من سماع الأذان والإقامة ثم يعود حتى يخطر بين المرء وقلبه، ويقول له: اذكر كذا، واذكر كذا. . كما صح بذلك الخبر عن النبي ﷺ ، فالمشروع للمؤمن أن يتعوذ بالله من الشيطان دوما، وأن يحذر من مكائده ووساوسه وما يدعو إليه من الإثم، والله ولي التوفيق " انتهى. "مجموع فتاوى ابن باز" (٢٤/٤١٣) . [الْمَصْدَرُ] فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز فتاوى نور على الدرب

стр. 1290

أيهما أفضل قراءة القرآن أم استماعه عبر الأشرطة المسجلة ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أيهما أفضل قراءة القرآن أم الاستماع إلى أحد القراء عبر الأشرطة المسجلة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله كل من قراءة القرآن أو استماعه عمل صالح، يثاب عليه المسلم. وقد كان النبي ﷺ أحيانا يحب أن يستمع القرآن من غيره، روى البخاري (٤٥٨٢) (٥٠٤٩) ومسلم (٨٠٠) عن عبد الله بن مسعود ﵁ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : (اقْرَأْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ. قُلْتُ: آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ! قَالَ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي. قَالَ: فَقَرَأْتُ النِّسَاءَ حَتَّى إِذَا بَلَغْتُ: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) قَالَ: لِي كُفَّ، أَوْ أَمْسِكْ، فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَذْرِفَانِ) . ولمسلم: (فَرَأَيْتُ دُمُوعَهُ تَسِيلُ) . فـ"الأفضل أن يعمل بما هو أصلح لقلبه، وأكثر تأثيراً فيه من القراءة أو الاستماع، لأن المقصود من القراءة هو التدبر والفهم للمعنى والعمل بما يدل عليه كتاب الله ، كما قال الله سبحانه: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ) ص/٢٩، وقال : (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) الإسراء/٩، وقال سبحانه: (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ) فصلت/٤٤" انتهى. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] "فتاوى الشيخ ابن باز" (١١/٣٦٤)

стр. 1291

هل يجوز قراءة القرآن بدون فهم معناه [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز قراءة القرآن دون فهم معانيه؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "نعم، يجوز أن يقرأ المؤمن والمؤمنة القرآن وإن لم يفهم المعنى، لكن يشرع له التدبر والتعقل حتى يفهم، ويراجع كتب التفسير إذا كان له فهم يستطيع به المراجعة، يراجع كتب التفسير وكتب اللغة العربية حتى يستفيد من ذلك، ويسأل أهل العلم عما أشكل عليه، والمقصود أنه يتدبر، لأن الله قال: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ) ص/٢٩. فالمؤمن يتدبر، يعني: يعتني بالقراءة ويفكر في معناها، ويتعقل معناها وبهذا يستفيد، وإن لم يستفد المعنى كاملاً فقد يستفيد معاني كثيرة، فيقرأ بتدبر وتعقل، والمرأة كذلك؛ حتى يستفيد من كلام ربه، وحتى يعرف مراده وحتى يعمل بذلك، والله سبحانه يقول: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) محمد/٢٤. فربنا حثنا وحرضنا على التعقل والتدبر بكلامه سبحانه، فإذا قرأ المؤمن أو قرأت المؤمنة كتاب الله فمشروع لهما التدبر والتعقل والعناية بما يقرأ؛ حتى يستفيد من كلام الله وحتى يعقل كلام الله، وحتى يعمل بما عرف من كلام الله، ويستعين في ذلك بكتب التفسير التي ألفها العلماء مثل تفسير ابن كثير، وتفسير ابن جرير، وتفسير البغوي، وتفسير الشوكاني، وغيرها من التفاسير، ويستفيد من كتب اللغة العربية، وهكذا يسأل أهل العلم المعروفين عنده بالعلم والفضل، يسألهم عما قد يشكل عليه" انتهى. سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ "فتاوى نور على الدرب" (١/٣٣٢) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1292

هل أسماء سور القرآن الكريم توقيفية ؟ [السُّؤَالُ] ـ[متى وضعت أسماء سور القرآن في زمن نزول الوحي، هل النبي محمد ﷺ هو من قام بتسمية تلك السور في حياته، أم الصحابة من بعده عند جمعهم للقرآن في المصحف خلال فترة حكم عمر وعثمان ﵃؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ثبت أن النبي ﷺ سَمَّى بعض سور القرآن، كالفاتحة، والبقرة، وآل عمران، والكهف. واختلف العلماء، هل أسماء سور القرآن الكريم كلها ثابتة عن النبي ﷺ ، أم أن بعضها ثبت اجتهاداً عن الصحابة ﵃؟ فذهب أكثر العلماء إلى أن أسماء سور القرآن كلها توقيفية عن النبي ﷺ . قال الإمام ابن جرير الطبري ﵀: "لِسوَر القرآن أسماءٌ سمّاها بها رسول الله ﷺ " انتهى. "جامع البيان" (١/١٠٠) . وقال الزركشي ﵀: "ينبغي البحث عن تعداد الأسامي: هل هو توقيفي، أو بما يظهر من المناسبات؟ فإن كان الثاني فلن يعدم الفَطِنُ أن يستخرج من كل سورة معاني كثيرة تقتضي اشتقاق أسمائها، وهو بعيد" انتهى. "البرهان في علوم القرآن" (١/٢٧٠) . وقال السيوطي ﵀: "وقد ثبتت جميع أسماء السور بالتوقيف من الأحاديث والآثار، ولولا خشية الإطالة لبينت ذلك" انتهى. "الإتقان" (١/١٤٨) . وقال الشيخ سليمان البجيرمي ﵀: "أسماء السور بتوقيف من النبيّ ﷺ ؛ لأن أسماء السور وترتيبها وترتيب الآيات كل من هذه الثلاثة بتوقيف من النبيّ ﷺ ، أخبره جبريل ﵇ بأنها هكذا في اللوح المحفوظ" انتهى باختصار. "تحفة الحبيب على شرح الخطيب" (٢/١٦٣) . وقال العلامة الطاهر بن عاشور ﵀: "وأما أسماء السور فقد جُعلت لها من عهد نزول الوحي، والمقصود من تسميتها تيسير المراجعة والمذاكرة" انتهى. "التحرير والتنوير" (١/٨٨) . وهذا ما اختاره بعض المعاصرين الذين كتبوا في علوم القرآن، مثل الدكتور فهد الرومي في "دراسات في علوم القرآن" (ص/١١٨) ، والدكتور إبراهيم الهويمل في بحث "المختصر في أسماء السور" في "مجلة جامعة الإمام" (ع٣٠، ص١٣٥) . وقد ذهب بعض أهل العلم إلى القول بأن بعض أسماء سور القرآن الكريم كان بتسمية النبي ﷺ لها، وبعضها كان باجتهاد من الصحابة رضوان الله عليهم. جاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (٤/١٦) : "لا نعلم نصا عن رسول الله ﷺ يدل على تسمية السور جميعها، ولكن ورد في بعض الأحاديث الصحيحة تسمية بعضها من النبي ﷺ ، كالبقرة، وآل عمران، أما بقية السور فالأظهر أن تسميتها وقعت من الصحابة ﵃" انتهى. وهو الذي رجحته الدكتور منيرة الدوسري في رسالتها: "أسماء سور القرآن الكريم وفضائلها". والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1293

سمة الآيات المكية مخاطبة جميع الناس [السُّؤَالُ] ـ[في كل موضع من القرآن يرد فيه كلمة عن " الحج " أو " مكة " أو " الكعبة " يكون المخاطبون هم الناس، حتى رسولنا الكريم ﷺ في حجة الوداع كان يقول: أيها الناس! ما السر الذي يربط مكة بالناس، ففي كل التكاليف والخطابات يكون المخاطبون هم المؤمنون؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: النداء في القرآن الكريم بـ (يا أيها الناس) ورد في عشرين موضعا في القرآن الكريم، اثنان منها في سورة البقرة، وأربعة في النساء، وواحد في الأعراف، وأربعة في يونس، وأربعة في الحج، وواحد في لقمان، وثلاثة في فاطر، وواحد في الحجرات. والمتأمل في هذه الآيات جميعا يجد أنها تخاطب جميع الناس، مؤمنهم وكافرهم، صالحهم وفاسقهم، تدعوهم إلى التأمل فيما ينفعهم في آخرتهم، وتذكرهم بربوبية الله لهم، وفقرهم إليه سبحانه، كي يكون ذلك دافعا إلى عبادته وحده لا شريك له، وإخلاص الدين له، ولما كان المقصود من هذا الخطاب جميع الخلق، ولم يكن محصورا بفئة معينة، ناسب أن يكون بصيغة (يا أيها الناس) ، دون النداء بـ (يا أيها الذين آمنوا) . وليس لذلك علاقة بذكر الكعبة أو مكة أو الحج خاصة، بل إن معظم السور السابقة التي ورد فيها النداء بـ (يا أيها الناس) ليس فيها ذكر الكعبة أو مكة أو الحج مطلقا، فلا نرى أن هذا النداء قد خص عند ذكر الكعبة أو مكة دون سائر التكاليف الشرعية. وقد ذكر بعض العلماء من الفروق بين السور المكية والسور المدنية، أن الخطاب بـ (ياأيها الناس) يكون في السور المكية، والخطاب بـ (ياأيها الذين آمنوا) يكون في السور المدنية. وهذا هو الغالب، فقد ورد في السور المكية كالبقرة والنساء الخطاب بـ (ياأيها الناس) ، وورد في بعض السور المكية كالحج الخطاب بـ (ياأيها الذين آمنوا) . ثانياً: أما ما جاء في القرآن الكريم من اقتران خطاب عموم " الناس " عند ذكر الحج ومناسكه فلعل سببه هو أن أول ما فرض الحج كان بنداء إبراهيم ﵇ أهل الأرض جميعا، يدعوهم إلى زيارة بيت الله الحرام والتنسك فيه، وذلك في قوله : (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) الحج/٢٧. قال الحافظ ابن كثير ﵀: " أي: ناد في الناس داعيا لهم إلى الحج إلى هذا البيت الذي أمرناك ببنائه. فَذُكر أنه قال: يا رب، وكيف أبلغ الناس وصوتي لا ينفذهم؟ فقيل: ناد وعلينا البلاغ. فقام على مقامه، وقيل: على الحِجْر، وقيل: على الصفا، وقيل: على أبي قُبَيس [جبل عند الكعبة] ، وقال: يا أيها الناس، إن ربكم قد اتخذ بيتا فحجوه. فيقال: إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمَعَ مَن في الأرحام والأصلاب، وأجابه كل شيء سمعه من حَجَر ومَدَر وشجر، ومن كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة: " لبيك اللهم لبيك ". هذا مضمون ما روي عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جُبَير، وغير واحد من السلف، والله أعلم. أوردها ابن جَرير، وابن أبي حاتم مُطَوّلة " انتهى. " تفسير القرآن العظيم " (٥/٤١٤) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1294

إذا نسي الإمام بعض آيات فكيف يأتي بها ليكون قد ختم القرآن ؟ [السُّؤَالُ] ـ[إذا نسي الإمام آية أو شيئا من القرآن أثناء صلاة التراويح، ثم تذكرها فيما بعد، فماذا يفعل؟ هل يمكن أن يكون ختم القرآن في الصلاة مع أنه لم يقرأ هذه الآية؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا ينال القارئ ثواب ختم القرآن الكريم إلا إذا قرأه جميعاً، ولم يترك منه شيئاً، فلو أسقط آية ولم يقرأها لم يكن قد ختم القرآن الكريم. حتى ذكر العلماء أنه ينبغي أن يأتي بالبسملة في أول كل سورة إلا سورة براءة، ويعتني بذلك حتى يكون خاتما للقرآن. قال النووي ﵀: "وينبغي أن يحافظ على قراءة (بسم الله الرحمن الرحيم) في أول كل سورة سوى براءة، فإن أكثر العلماء قالوا: إنها آية، حيث كتبت في المصحف، وقد كتبت في أوائل السور سوى براءة، فإن قرأها كان مثبتاً قراءة الختمة أو السورة، وإذا أخل بالبسملة كان تاركاً بعض القرآن عند الأكثرين" انتهى. "التبيان" (صـ ٦١، ٦٢) . وعلى هذا، فلابد أن يأتي القارئ بما نسيه من الآيات حتى ينال ثواب الختمة. وقد ذكر العلماء ﵏ طريقتين عند السلف، في الإتيان بالآية أو الآيات التي نسيها الإمام في صلاة التراويح: الأولى: أن يجمع كل هذه الآيات ويقرأها جميعاً في آخر ليلة من ليالي رمضان، وهذا كان فعل الأئمة في مكة قديماً. الثانية: أنه متى تذكر الآية التي نسيها رجع إليها [وهذا إذا كان لا يزال في القراءة في الصلاة] ثم يكمل بعدها من حيث انتهى، وهذا روي عن علي ﵁. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهو يذكر أن الترتيب فيما شُرع فيه الترتيب يسقط بالنسيان، قال: "ومنها: إذا نسى بعض آيات السورة في قيام رمضان، فإنه لا يعيدها، ولا يعيد ما بعدها، مع أنه لو تعمد تنكيس آيات السورة وقراءة المؤخر قبل المقدم لم يجز بالاتفاق.... سئل الإمام أحمد ﵀ عن الإمام في شهر رمضان يدع الآيات من السورة، ترى لمن خلفه أن يقرأها؟ قال: نعم، ينبغي له أن يفعل، قد كانوا بمكة يوكلون رجلاً يكتب ما ترك الإمام من الحروف وغيرها، فإذا كان ليلة الختمة أعاده. قال الأصحاب ـ كأبي محمد (ابن قدامة) ـ: وإنما استحب ذلك لتتم الختمة، ويكمل الثواب. فقد جعل أهل مكة وأحمد وأصحابه إعادة المنسي من الآيات وحده يكمل الختمة والثواب، وإن كان قد أخل بالترتيب هنا، فإنه لم يقرأ تمام السورة، وهذا مأثور عن علي أنه نسي آية من سورة ثم أثناء القراءة قرأها، وعاد إلى موضعه ولم يشعر أحد أنه نسي إلا من كان حافظاً" انتهى. "مجموع الفتاوى" (٢١/٤١٠، ٤١١) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1295

كل القرآن فاضل، ولكن بعضه أفضل من بعض [السُّؤَالُ] ـ[ما هي أهمية سور القرآن؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أنزل الله سبحانه القرآن على نبيه، وجعله سورا مجموعها ١١٤ سورة،، وبين هذه السور تفاضل كما جاءت الأحاديث الصحيحة بفضل سورة الفاتحة، والإخلاص، وسورة الكافرون، والمعوذتين، والزلزلة، والأعلى، وسورة البقرة وآل عمران. أما بقيت القرآن فله مزية وفضل أيضا. سميت السورة بذلك لأن السورة تتميز بموضوع تختص به ويكون فيها أحكام ومواعظ وآداب ولها أهميتها بحيث إن الذي يقرأها له أجر بحسب ما تضمنته تلك السور من مواعظ وأحكام تختص بها. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] سماحة الشيخ عبد الله بن جبرين رحمه الله

стр. 1296

اختلاف العلماء في عدِّ البسملة آية من الفاتحة لا يدخل في تحريف القرآن ؟ [السُّؤَالُ] ـ[القرآن الكريم نقل إلينا بالتواتر، من غير نقص، ولا زيادة , ولا شك فيه، ولا ريب , ولا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه , وهذا ما تعلمناه وتربينا عليه. سؤالي هو: كيف اختلف أهل العلم من السلف على أن البسملة آية من سورة الفاتحة، أو أنها ليست بآية؟ وهل هذا الخلاف معتبر؟ وأنا هنا لا أبحث في أدلة هذا الفريق، وذلك الفريق , ولا أبحث عن معلومات إضافية في هذه المسألة من ناحية فقهية , فلقد قرأت فيها الكثير والكثير من الأبحاث , ولكن بحثي وسؤالي هو: كيف نسوِّغ الاختلاف في آية من القرآن الكريم الذي نقل إلينا بالتواتر، جمع عن جمع، وهكذا، على أنها آية، أو ليست بآية؟ هل يجب أن لا يكون هناك خلاف في هذه المسألة؟ . أرجو أن تنفِّسوا عنِّي كربة هذا الهم الذي أصابني من هذه المسألة.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لم يختلف المسلمون في أن الله تعالى قد حفظ كتابه من الزيادة والنقصان؛ تحقيقاً لقوله : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) الحِجر/ ٩. وقد أجمع المسلمون على كفر كل من يخالف هذا فيزعم أن كتاب الله تعالى فيه ما ليس منه، أو نقص منه ما أنزل الله فيه. قال القاضي عياض ﵀: "وقد أجمع المسلمون أن القرآن المتلو في جميع أقطار الأرض، المكتوب في المصحف بأيدى المسلمين، مما جمعه الدفتان من أول (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) إلى آخر (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) أنه كلام الله، ووحيه المنزَّل على نبيه محمد ﷺ ، وأن جميع ما فيه حق، وأن من نقص منه حرفاً قاصداً لذلك، أو بدَّله بحرف آخر مكانه، أو زاد فيه حرفاً مما لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع الإجماع عليه، وأُجمع على أنه ليس من القرآن، عامداً لكل هذا: أنه كافر" انتهى. "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" (٢/٣٠٤، ٣٠٥) . وأما اختلاف العلماء في عد البسملة آية من القرآن أم لا؟ فلا يدخل في هذا، لأن أئمة القراءات لم يختلفوا في قراءتها في أوائل السور، وقد اتفق الصحابة ﵃ على إثباتها في أوائل السور إلا سورة التوبة، وذلك في المصحف الذي كتبه عثمان بن عفان ﵁ وبعث به إلى الأمصار. قال الشوكاني ﵀ في الكلام عن البسملة: واعلم أن الأمة أجمعت أنه لا يكفر من أثبتها، ولا من نفاها؛ لاختلاف العلماء فيها، بخلاف ما لو نفى حرفاً مُجمعاً عليه، أو أثبت ما لم يقل به أحد: فإنه يكفر بالإجماع. ولا خلاف أنها آية في أثناء سورة " النمل "، ولا خلاف في إثباتها خطّاً في أوائل السور في المصحف، إلا في أول سورة " التوبة ". "نيل الأوطار" (٢/٢١٥) . وقد جعل بعض العلماء الاختلاف في عد البسملة آية من القرآن، كاختلاف أئمة القراءات في بعض الكلمات والحروف، فقد يثبت في بعض القراءات ما لا يثبت في غيرها. قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: "اختلف العلماء في البسملة، هل هي آية من أول كل سورة، أو من الفاتحة فقط، أو ليست آية مطلقاً، أما قوله في سورة النمل: (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِاِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) : فهي آية من القرآن إجماعاً. وأما سورة " براءة ": فليست البسملة آية منها اجماعاً، واختُلف فيما سوى هذا، فذكر بعض أهل الأصول أن البسملة ليست من القرآن، وقال قوم: هي منه في الفاتحة فقط، وقيل: هي آية من أول كل سورة، وهو مذهب الشافعي رحمه الله تعالى. ومِن أحسن ما قيل في ذلك: الجمع بين الأقوال: بأن البسملة في بعض القراءات - كقراءة ابن كثير - آية من القرآن، وفي بعض القرآءات: ليست آية، ولا غرابة في هذا. فقوله في سورة "الحديد" (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) لفظة (هُوَ) من القرآن في قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وليست من القرآن في قراءة نافع، وابن عامر؛ لأنهما قرءا (فإن الله الغني الحميد) ، وبعض المصاحف فيه لفظة (هُوَ) ، وبعضها ليست فيه. وقوله: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) ، (وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا) الآية، فالواو من قوله (وقالوا) في هذه الآية من القرآن على قراءة السبعة غير ابن عامر، وهي في قراءة ابن عامر ليست من القرآن لأنه قرأ (قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا) بغير واو، وهي محذوفة في مصحف أهل الشام، وقس على هذا. وبه تعرف أنه لا إشكال في كون البسملة آية في بعض الحروف دون بعض، وبذلك تتفق أقوال العلماء " انتهى. " مذكرة في أصول الفقه " (ص ٦٦، ٦٧) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1297

هل يجوز الاقتباس من القرآن في الشعر عامة، وفي الأناشيد خاصة ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم الأناشيد التي يكون فيها قصة دينية ولكنها تكون على شكل أناشيد، وفيها أحياناً كلمات من القرآن الكريم؟ . هذه الأناشيد الموجودة حاليّاً بالأسواق]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: الأناشيد هي كلام ملحَّن، وفيه الغث والسمين، وفيه الطيب والخبيث، وهو وإن كان في الأصل جائزاً لكن قد طرأ عليه ما أفسده، من الانشغال به أكثر الوقت، ومن تأثيره على المنشغلين به بما يؤدي إلى قلة أو انعدام حفظ القرآن والسنة، ومن التشبه بالفسَّاق في اللباس، والهيئات، والألحان، ومن التكسر والتغنج في الألفاظ، وغير ذلك من المفسدات. وعليه: فما كان من الأناشيد جادّاً، يحتوي على كلمات لها هدف سامٍ، وما كان يسمع منه بقدر معيَّن من غير إفراط، وكان يخلو من المعازف، كالدفوف والطبول: فلا بأس به، إن شاء الله. وللوقوف على الضوابط الشرعية للنشيد المباح، وللوقوف على المفاسد التي وُجدت في أناشيد زماننا هذا: نرجو الاطلاع على جوابي السؤالين: (٩١١٤٢) و (١١٥٦٣) ، ففيهما كفاية للمستفيد. ثانياً: وأما بخصوص اقتباس كلمات من القرآن الكريم لوضعها في تلك الأناشيد: فهو داخل في حكم الاقتباس من القرآن في الشِّعر، وقد اختلف العلماء في أصل الاقتباس من القرآن، فالجمهور على الجواز، ومنهم من منع منه مطلقاً، وذهبت طائفة من العلماء إلى المنع من الاقتباس في الشعر، دون النثر. وفي " الموسوعة الفقهية " (٦ / ١٧) : يرى جمهور الفقهاء جواز الاقتباس في الجملة، إذا كان لمقاصد لا تخرج عن المقاصد الشرعية، تحسيناً للكلام، أما إن كان كلاماً فاسداً: فلا يجوز الاقتباس فيه من القرآن، وذلك ككلام المبتدعة، وأهل المجون والفحش. انتهى وفيها – أيضاً - (٦ / ١٨) : وقد اشتهر عند المالكية تحريمه – أي: الاقتباس -، وتشديد النكير على فاعله، لكن منهم من فرَّق بين الشِّعر فكره الاقتباس فيه، وبين النثر فأجازه، وممن استعمله في النثر من المالكية: القاضي عياض، وابن دقيق العيد، وقد استعمله فقهاء الحنفية في كتبهم الفقهية. انتهى وقد نقل السيوطي ﵀ الإجماع على جواز الاقتباس في النثر، فقال: ولا أعلم بين المسلمين خلافاً في جوازه في النثر، في غير المجون، والخلاعة، وهزل الفساق، وشربة الخمر، واللاطة، ونحو ذلك. وقد نصَّ على جوازه: أئمة مذهبنا بأسرهم، واستعملوه في الخطب، والرسائل، والمقامات، وسائر أنواع الإنشاء، ونقلوا استعماله عن أبي بكر الصدِّيق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابنه الحسن، وعبد الله بن مسعود، وغيرهم من الصحابة، والتابعين، فمن بعدهم، وأوردوا فيه عدة أحاديث صحيحة عن النبي ﷺ أنه استعمله. " تنوير الحوالك شرح موطأ مالك " (١ / ٣١٢) . والراجح: جواز الاقتباس من القرآن، إذا كان لغرض صحيح، دون ما يُقصد به المزاح والسخرية، ويستعمل في البدعة والمجون، ويشمل هذا الاقتباس ما كان في النثر، أو الشعر. وينظر تفصيل القول في الاقتباس مع بيان الراجح في جواب السؤال رقم: (١١٩٦٧٣) . وعليه: فالاقتباس من القرآن للنشيد جائز، بشرط أن يكون نشيداً مباحاً، جادّاً. وللدكتور عبد المحسن العسكر – حفظه الله – دراسة موسعة في الاقتباس، وقد أسماها " الاقتباس، أنواعه، وأحكامه، دراسة شرعية، بلاغية "، وبعد أن عرض الخلاف في الاقتباس من القرآن في الشعر قال – (ص ٦٦) -: والحق الذي يجب المصير إليه: ما ذهب إليه الأكثرون، من جواز الاقتباس في النظم؛ لعدم الدليل المانع من ذلك، ثم إن القول بمنع الاقتباس في الشعر: موجب للتفريق بين النثر، والشعر، وهما سواء، كما قال الإمام الشافعي ﵀: " الشِّعر كلام، حسَنُه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام ". انتهى وقد بيَّن – حفظه الله – بعض الوجوه مما لا يجوز الاقتباس من القرآن فيها، لا شعراً، ولا نثراً، ومنها: ١. ما أضافه الله إلى نفسه مما تكلم به ، مثل (إني أنا ربك فاخلع نعليك) . ٢. ما أقسم الله به من مخلوقاته، كما في قول بعضهم: " والتين والزيتون ... وطور سينين ... وهذا البلد المحزون ". ٣. ما خوطب به الرب جل وعلا، كما وقع في كتابٍ لعبد الرحمن المرشدي إلى القضاة، جاء فيه: " يا أعدل قاضٍ به عماد الدين , آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ". ٤. ما يتبادر إلى السامع أنه من القرآن، مع تغيير بعض الكلمات، كقول أحدهم: " والنجم إذا هوى ... ما ضل يراعك وما غوى ... علَّمه شديد القوى , ذو مرة فاستوى ". ٥. ومنه ما يعد محاكاة للقرآن واستعمالا له في غير معناه، كقول النبيه يمدح القاضي الفاضل: " لا تسمِّه وعداً بغير نوال ... إنه كان وعده مفعولاً ". انتهى باختصار، من " الاقتباس، أنواعه، وأحكامه " للعسكر (٧٤ – ٧٦) . وقد ذكرنا في جواب السؤال رقم (١٠٣٩٢٣) جواز الاقتباس من الحديث النبوي. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1298

هل يأثم من نسي ما حفظه من القرآن بسبب ضعف ذاكرته ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم من حفِظ شيئاً من القرآن الكريم، أو الأسماء الحسنى، ثم نسيها، أو نسي بعضاً منها بسبب ذاكرته الضعيفة، هل سيعذبه الله على ذلك؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: لا ينبغي للمسلم أن يقول " نسيتُ " فيما ضاع من ذاكرته في حفظه للقرآن، بل " أُنسيتُ " أو " نُسِّيت ". عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مسعود قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (بِئْسَمَا لأَحَدِهِمْ يَقُولُ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ بَلْ هُوَ نُسِّيَ، اسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ، فَلَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ بِعُقُلِهَا) . رواه البخاري (٤٧٤٤) ومسلم (٧٩٠) . وفي لفظ لمسلم: (لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ بَلْ هُوَ نُسِّيَ) . وهو الذي فعله النبي ﷺ . عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَمِعُ قِرَاءَةَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: ﵀، لَقَدْ أَذْكَرَنِي آيَةً كُنْتُ أُنْسِيتُهَا) . رواه البخاري (٤٧٥١) ومسلم (٧٨٨) . قال أبو العباس القرطبي – ﵀: قوله في آخر الحديث: (بل هو نُسِّي) ، وهذا اللفظ رويناه مشدَّدًا مبنيًّا لما لم يسم فاعله، وقد سمعناه من بعض من لقيناه بالتخفيف، وبه ضُبِط عن أبي بحر، والتشديد لغيره، ولكل منهما وجهٌ صحيح، فعلى التشديد يكون معناه: أنه عوقب بتكثير النسيان عليه؛ لما تمادى في التفريط، وعلى التخفيف يكون معناه: تُرِك غير مُلْتَفَتٍ إليه، ولا مُعْتَنىً به، ولا مرحوم، كما قال الله تعالى: (نسوا الله فنسيهم) ؛ أي: تركهم في العذاب، أو تركهم من الرحمة. " المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم " (٢ / ٤١٩) . ثانياً: وقد اختلف العلماء في حكم نسيان القرآن ممن كان حفظه، وقد ذهب طائفة من الشافعية إلى أنه من الكبائر! وقال بعضهم إنه من الذنوب. قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀: فإن نسيان القرآن من الذنوب. " مجموع الفتاوى " (١٣ / ٤٢٣) . وقال الشيخ زكريا الأنصاري – ﵀: (ونسيانه كبيرة) , وكذا نسيان شيء منه؛ لخبر (عُرضت عليَّ ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها) ، وخبر (من قرأ القرآن ثم نسيه لقي الله يوم القيامة أجذم) رواهما أبو داود) ا. هـ. وفي حاشية " الرملي " عليه: قوله: (ونسيانه كبيرة) موضعه إذا كان نسيانه تهاوناً وتكاسلاً. " أسنى المطالب " (١ / ٦٤) . والأظهر أن نسيان القرآن: ليس كبيرة، بل ولا ذنبا، ولكنه مصيبة، أو عقوبة، والغالب أن يكون هذا بسبب إعراضه عن العمل به، وعدم تعاهده، وقد أمِر بكلا الأمرين، فلما لم يستجب للأمر عوقب بما فيه سلب لخيرٍ عظيم، وقد يكون نسيانه له بسبب معاصٍ وذنوب، فيأثم عليها، ويعاقب بسلب القرآن منه، وأما إن كان نسيانه لما حفِظَ بسبب ضعفٍ في ذاكرته: فلا شيء عليه، لكن عليه المداومة على تنشيطها بكثرة القراءة، وبالقيام بما يحفظ؛ فإنه من أعظم السبل للبقاء على ما يحفظ. ١. من قال إن نسيان القرآن مصيبة: قال الحافظ ابن حجر – ﵀: وأخرج أبو عبيد من طريق الضحاك بن مزاحم موقوفاً قال: " ما مِن أحد تعلم القرآن ثم نسيه إلا بذنب أحدثه؛ لأن الله يقول: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) ، ونسيان القرآن من أعظم المصائب. " فتح الباري " (٩ / ٨٦) . ٢. من قال إنه عقوبة: قال الحافظ ابن حجر – ﵀: قال أبو العباس القرطبي – ﵀: مَن جمع القرآن: فقد علت رتبته، ومرتبته، وشرف في نفسه، وقومه شرفاً عظيماً، وكيف لا يكون ذلك و " من حفظ القرآن فكأنما أدرجت النبوة بين كتفيه " [قاله عبد الله بن عمرو بن العاص، وانظر " السلسلة الضعيفة " (٥١١٨) ] ، وقد صار ممن يقال فيه: " هو مِن أهلِ الله تعالى وخاصته " [رواه ابن ماجه (٢١٥) وهو صحيح] ، وإذا كان كذلك: فمِن المناسب تغليظ العقوبة على من أخلَّ بمزيته الدينية، ومؤاخذته بما لا يؤاخذ به غيره، كما قال تعالى: (يا نساء النبي من يأتِ منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين) ؛ لاسيما إذا كان ذلك الذنب مما يحط تلك المزية ويسقطها؛ لترك معاهدة القرآن المؤدي به إلى الرجوع إلى الجهالة. " المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم " (٢ / ٤١٩) . وبكل حال: فهي مصيبة أو عقوبة، لكن لا نجزم بالإثم لمجرد النسيان. قال علماء اللجنة الدائمة: فلا يليق بالحافظ له أن يغفل عن تلاوته، ولا أن يفرط في تعاهده، بل ينبغي أن يتخذ لنفسه منه ورداً يوميّاً يساعده على ضبطه، ويحول دون نسيانه؛ رجاء الأجر، والاستفادة من أحكامه، عقيدة، وعملاً، ولكن مَن حفظ شيئاً مِن القرآن ثم نسيه عن شغل، أو غفلة: ليس بآثم، وما ورد من الوعيد في نسيان ما قد حفظ: لم يصح عن النبي ﷺ . الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. " فتاوى اللجنة الدائمة " (٤ / ٩٩) . والظاهر أن من قال إن نسيان القرآن من الذنوب، أو الكبائر: قد استدل بحديثين وردا في ذلك – كما نقلناه عن زكريا الأنصاري -، لكن كلا الحديثين لا يصحان، فلا يصلح الاستدلال بهما. ١. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ آيَةٍ أُوتِيَهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا) . رواه الترمذي (٢٩١٦) وضعفه، ونقل عن البخاري استغرابه، وأبو داود (٤٦١) ، وضعفه الألباني في " ضعيف الترمذي ". ٢. عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَا مِنْ امْرِئٍ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ثُمَّ يَنْسَاهُ إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَجْذَمَ) . رواه أبو داود (١٤٧٤) وضعفه الألباني في " ضعيف أبي داود ". والظاهر أن من قال إن النسيان كبيرة، أو أنه ذنب: لم يرِد ما يكون بسبب ضعف الذاكرة، بل ما كان النسيان بسبب التهاون، والكسل، كما صرَّح به الرملي الشافعي. سئل الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين ﵀: نحن طلاب العلم نحفظ الكثير من الآيات على سبيل الاستشهاد، وفي نهاية العام نكون قد نسينا الكثير منها، فهل ندخل في حكم من يعذبون بسبب نسيان م حفظوه؟ . فأجاب: نسيان القرآن له سببان: الأول: ما تقتضيه الطبيعة. والثاني: الإعراض عن القرآن، وعدم المبالاة به. فالأول: لا يأثم به الإنسان، ولا يعاقب عليه، فقد وقع من رسول الله ﷺ حين صلى بالناس، ونسي آية، فلما انصرف ذكَّره بها أبيّ بن كعب، فقال له النبي ﷺ : (هلا كنت ذكرتنيها) ، وسمع رسول الله قارئاً يقرأ، فقال: (يرحم الله فلاناً فقد ذكرني آية كنت أنسيتها) . وهذا يدل على أن النسيان الذي يكون بمقتضى الطبيعة: ليس فيه لوم على الإنسان. أما ما سببه الإعراض، وعدم المبالاة: فهذا قد يأثم به، وبعض الناس يكيد له الشيطان، ويوسوس له أن لا يحفظ القرآن لئلا ينساه ويقع في الإثم! والله يقول: (فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً) النساء/ ٧٦، فليحفظ الإنسان القرآن؛ لأنه خير، وليؤمل عدم النسيان، والله سبحانه عند ظن عبده به. " كتاب العلم " (٩٦، ٩٧) . وما سبق من الجواب هو في " نسيان القرآن "، ولم نجد شيئاً من كلام العلماء في " نسيان أسماء الله الحسنى "، وليسا سواءً. وانظر أجوبة الأسئلة: (٣٧٠٤) و (٨٣٢٨٧) و (١٢١٢٤٦) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1299

يريد معاونة في " الإعجاز العلمي " في القرآن ليستعمله في دعوة الكفار [السُّؤَالُ] ـ[أنا مؤمن - بلا شك - أن القرآن الكريم الذي بين أيدينا اليوم هو نفسه الذي كان أُنزل على قلب النبي ﷺ ؛ لأن الله تعالى قال في كتابه العزيز: (إنّا نحن نزلنا الذِّكْر وإنّا له لحافظون) . أقول ذلك لأن عندي بعض الأصدقاء الكفرة، وأود أن أتكلم معهم في " فضائل الإسلام "، على أمل أن يسلموا، وإن أحد الأمور المهمة التي أريد طرحها لهم عن الإسلام هي عن معجزات القرآن الكريم , مثل أن أقول لهم: إن القرآن الكريم الذي بين أيدنا هو نفسه الذي كان قبل ١٤٢٩ سنة , فأقول لهم: إن القرآن الكريم يُثبت أنه لا يوجد تشابه بين بصمتين لأصبعين في العالم , وأقول لهم أيضا الكثير من العلوم الحديثة التي تم اكتشافها، مثل كروية الأرض، أنه قد أثبتها القرآن الكريم , والكثير من المعجزات. فكيف لي أن أُثبت أصالة القرآن الكريم لأنني أشعر أن أحدهم سيجادل ويقول: إن أحداً ما قد أدخل على القرآن مثل تلك الحقائق؟ . وجزاكم الله خيراً على الإجابة سلفاً.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: نشكر لك أخي السائل حرصك على الخير، وعلى هداية الناس لهذا الدين العظيم، ونبشرك أن ما تفعله هو من أجلِّ العبادات، والطاعات، وهو مما يميز هذه الأمة الخيِّرة، أن جعلها الله تعالى آمرة بالمعروف، وناهية عن المنكر، قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) آل عمران/ ١١٠. فاستمر – بارك الله فيك – على نشر الخير في الأرض، وابذل ما تستطيع من جهد لهداية من ضل عن الطريق. وفي الوقت نفسه ننبهك إلى ضرورة طلب العلم، والسعي في تحصيله؛ لأن ما تقوم به هو من مهمات الأنبياء، ولا بدَّ لمن قام بهذا الجهد أن يكون على دراية بما يتكلم به، وخاصة أنك تتكلم في شرع الله، وهو ما ينبغي التأني فيه حتى تتقن العلوم الشرعية، وخاصة المتعلقة بموضوع الدعوة، وهو المسائل العلمية في الإعجاز القرآني. ثانياً: ينبغي أن نتنبه في سياق الكلام عن " الإعجاز العلمي " في القرآن الكريم إلى أمور منهجية مهمة: ١. القرآن الكريم كتاب هداية، احتوى على ما يُصلح حال الفرد، والأسرة، والمجتمع، والدولة، وهو ليس كتاب " كيمياء "، أو " جيولوجيا "، أو " طب "، وما فيه من إشارات لعلوم الطبيعة لا ننكرها، لكن لا نعطيها أكبر من حجمها. وإعجاز القرآن في أصله هو إعجاز لغوي، بياني، ومن هنا فقد تحداهم النبي صلى الله عليهم بالإتيان بمثله، فعجزوا، مع أنهم أهل فصاحة، وبيان. ٢. ينبغي التفريق بين " النظريات " و " الحقائق " في هذا الباب، فكثيراً ما يُخلط بينهما، فتُجعل النظريات حقائق ثابتة، فيحمل المتحمسون آيات القرآن عليها، ثم سرعان ما تُنقض بنظرية أخرى! فيقع في قلب المسلم من الشك والريب ما يكون سببه جهل من تكلم في هذا العلم، وخلط بين الأمور. كما أنه توجد حقائق لا شك فيها، لكن ليس من اللازم أن يكون في القرآن حديث عنها بنفسها، ويأتي بعض المتحمسين ليتكلف حمل نصوص من القرآن أو السنة عليها، وقد نهينا عن التكلف. ٣. وللأخذ بما يقوله بعض العلماء المعاصرين بما تدل عليه بعض الآيات القرآنية من أوجه الإعجاز العلمي ينبغي مراعاة أمور: أ. عدم الجزم بالنظريات العلمية على أنها حقائق علمية لا تقبل المناقشة. ب. عدم الجزم بأن ما يقولونه هو تفسير للآية القرآنية، ولا هو بالمرجح بين الأقوال المختلفة فيها. ج. يجب مطابقة المعنى المذكور للغة العربية؛ لأنها لغة القرآن. د. أن يكون المتكلم في دلالة الآية من أصحاب العلم الشرعي. هـ. أن لا يخالف المعنى المذكور آية، أو حديثاً صحيحاً، أو إجماعاً. و. الابتعاد عن التكلف والتمحل في الاستنباط من الآية القرآنية. انظر " التفسير العلمي للقرآن بين المجيزين والمانعين " للشيخ محمد الأمين ولد الشيخ. ثالثاً: وأما قولك في احتمال أن يزعم زاعم أنه ثمة من وضع هذه الأشياء في القرآن: فهو احتمال بعيد أن يلجأ إليه إنسان عاقل جاد في مناقشته؛ لأن وجود هذا الاحتمال مرفوض حتى عند أعداء الدين، وهم يعلمون قطعاً أن ما تلاه جبريل على النبي ﷺ ، وما تلاه النبي على أصحابه: هو الذي بين أيدينا الآن، ليس فيه حرف زائد، ولا ناقص، فلو أدخل أحد حرفاً فيه: لانكشف أمره، وافتُضح، وقد تكفل الله تعالى بحفظه، ولا نظن أنك قصدت أن أحداً من المتقدمين قد يكون هو الذي وضع مثل هذه الزيادات في القرآن؛ فبالإضافة لما ذكرناه من حفظ الله له من التحريف: فقد كان المتقدمون في غفلة وبُعد عن العلم التجريبي هذا، وعن اكتشافه بالأدوات والآلات المخترعة حديثاً. ثم إن النسخ الخطية المكتوبة من قديم، محفوظة في مكتبات العالم، على صورة واحدة، وكتب التفسير القديمة محفوظة في مكتبات المشرق والمغرب، والعرب والعجم، وكلها تحتوي على تلك الآيات، بصورة واحدة. والمسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، عربهم وعجمهم، علماؤهم وعامتهم، يحفظون القرآن على هيئة واحدة. فقد تواتر نقل القرآن تواترا قطعيا، بما لم يتواتر به علم كتاب آخر، ولا كلام آخر، واللجوء إلى هذه السفسطة في الحوار، يعني أنه لا فائدة منه، ولا سبيل إلى الاقتناع بحقيقة، وبإمكان المناقش أن يرد عليها بنفس الرد في جميع ما يعتقده مخالفه من النصوص والكتب العلمية والدينية. وانظر جواب السؤال رقم: (٥١٠٥) ففيه تفصيل إثبات القرآن، وعدم تعرضه للتحريف، والتبديل. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1300

هل يجوز له تعليم الأطفال القرآن مع أنه ليس من العلماء ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أنا شخص بفضل الله أستطيع أن أقرأ القرآن الكريم، وأقوم بتدريسه لولدي وابناء أختي؛ مع أنني لست عالما ولا شيخا؛ فهل يجوز لي ذلك؟ وما الأجر المترتب عليه؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله تعليم تلاوة القرآن الكريم التلاوة الصحيحة من أفضل الأعمال وأزكاها عند الله ، لأن القرآن كلام الله، صفة من صفاته، وهو سبحانه يحب أن يتعبد إليه المسلمون بصفاته. ولذلك جاء في السنة النبوية الحديث المشهور الذي يحفظه الصغار والكبار، عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان ﵁ أن النبي ﷺ قال: (خَيرُكُم مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ) . قال: وأقرأ أبو عبد الرحمن في إمرة عثمان حتى كان الحجاج، قال: وذاك الذي أقعدني مقعدي هذا. رواه البخاري (٥٠٢٧) قال الحافظ ابن حجر "فتح الباري" (٩/٩٦) : " بين أول خلافة عثمان وآخر ولاية الحجاج اثنتان وسبعون سنة إلا ثلاثة أشهر " انتهى. يدل هذا الحديث على الخيرية التي ينالها من يشتغل بتعليم الناس قراءة القرآن وتلاوته، والمقام الرفيع الذي يكتبه الله له، جزاء اشتغاله بصفة الله التي يعظمها وهي كلامه . ولذلك ورد عن سفيان الثوري أنه كان يقدم تعليم القرآن على الغزو لهذا الحديث. انظر " فتح الباري " (٨/٦٩٤) قال الحافظ ابن حجر ﵀: " مِن أشرف العمل تعليم الغير، فمعلم غيره يستلزم أن يكون تعلمه، وتعليمه لغيره عمل وتحصيل نفع متعد، والقرآن أشرف العلوم، فيكون من تعلمه وعلمه لغيره أشرف ممن تعلم غير القرآن، ولا شك أن الجامع بين تعلم القرآن وتعليمه مكمِّلٌ لنفسه ولغيره، جامع بين النفع القاصر والنفع المتعدي، ولهذا كان أفضل، وهو من جملة مَنْ عنى بقوله: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) ، والدعاء إلى الله يقع بأمور شتى من جملتها تعليم القرآن، وهو أشرف الجميع " انتهى باختصار. " فتح الباري " (٩/٧٦) وقد ورد في القرآن الكريم حث خاص على الاشتغال بتعليم القرآن الكريم، وذلك في قوله تعالى: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) آل عمران/٧٩. وإن كان المقصود بتعليم الكتاب في الآية ليس تعليم التلاوة فقط، بل تفسيره وأحكامه وتعليم العمل به أيضا، غير أننا نرجو أن يدخل فيها أيضا من يعلم تلاوته وقراءته القراءة السليمة، فهي أول درجة من تعلم الكتاب والتفقه فيه. وعلى كل حال ننصحك بلزوم ما بدأته من تعليم القرآن الكريم وإقرائه الصغار والكبار، بشرط أن تكون قد أتقنت أنت تلاوته وأحسنت قراءته، أو ـ على الأقل ـ أن تكون أتقنت قراءة القدر الذي تعلمه لهم. وعليك ألا تخوض في تفسيره وبيان أحكامه حتى تدرسه وتصبح متقنا فيه، وبإمكانك، إن أحببت الوقوف معهم على بعض معانيه، أن تقرأ شيئا من كتب أهل العلم الثقات في ذلك الباب؛ مثل: تفسير الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، أو تفسير الحافظ ابن كثير، رحمهما الله. أما إن اقتصرت على تعليم التلاوة السليمة، فذلك عمل عظيم مأجور عليه إن شاء الله، تسهم به في بناء الجيل الصالح، وتشارك في غرس القرآن الكريم في قلوب الناس، ولا يشترط لذلك أن تكون شيخا، يعني: متخصصا في ذلك، أو عالما في علوم الشريعة الأخرى. قال الشيخ ابن باز ﵀: " أنت على كل حال مشكور على هذا العمل الطيب , وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) ، فأنت مشكور على عملك , وأنت على أجر عظيم، ولا حرج عليك ما دمت مخلصا لله في عملك هذا " انتهى. " مجموع فتاوى ابن باز " (٥/٣٨٧) وانظر جواب السؤال رقم: (٣٦٠١) ، (٢٠٢٣) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →