Полный текст (16 344 стр.). Показаны 12426–12465 · переход к 12431.
стр. 12426
والده يرفض تزويجه إلا بعد إكمال الدراسة
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا شاب عمري ٢٠ عاما أعمل وأدرس وحالتي المادية جيدة جدا والحمد لله وأريد الزواج ولكن والدي لا يريد مني أن أتزوج بحجة إكمال الدراسة ولا أدري ما أفعل؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
يستحب التعجيل بالزواج لمن كان قادرا عليه؛ لقوله تعالى: (وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ) النور/٣٢.
قال ابن كثير ﵀:
"هذا أمر بالتزويج، وقد ذهب طائفة من العلماء إلى وجوبه على كل من قدر عليه. واحتجوا بظاهر قوله ﷺ : (يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء) أخرجاه في الصحيحين من حديث ابن مسعود.
وقد جاء في السنن من غير وجه أن رسول الله ﷺ قال: (تزوجوا توالدوا تناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة) .
الأيامى: جمع أيِّم، ويقال ذلك للمرأة التي لا زوج لها، وللرجل الذي لا زوجة له، سواء كان قد تزوج ثم فارق أو لم يتزوج واحد منهما " انتهى بتصرف.
ثانياً:
ينبغي للولد أن يصارح أباه برغبته في الزواج، وينبغي للأب أن يقدّر ذلك، وأن يعين ابنه عليه، بل ذهب كثير من الفقهاء إلى أن ذلك واجب عليه عند القدرة.
قال ابن قدامة ﵀: " قال أصحابنا: وعلى الأب إعفاف ابنه إذا كانت عليه نفقته، وكان محتاجا إلى إعفافه، وهو قول بعض أصحاب الشافعي " انتهى من "المغني" (٨/١٧٢) .
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " حاجة الإنسان إلى الزواج ملحة قد تكون في بعض الأحيان كحاجته إلى الأكل والشرب، ولذلك قال أهل العلم: إنه يجب على من تلزمه نفقة شخص أن يزوجه إن كان ماله يتسع لذلك، فيجب على الأب أن يزوج ابنه إذا احتاج الابن للزواج ولم يكن عنده ما يتزوج به، لكن سمعت أن بعض الآباء الذي نسوا حالهم حال الشباب إذا طلب ابنه منه الزواج قال له: تزوج من عرق جبينك. وهذا غير جائز وحرام عليه إذا كان قادراً على تزويجه، وسوف يخاصمه ابنه يوم القيامة إذا لم يزوجه مع قدرته على تزويجه " انتهى من "مجموع فتاوى ابن عثيمين" (١٨/٤١٠) .
ومن الأخطاء الشائعة: إعراض الأب عن الاستماع إلى ابنه في هذه القضية، وتجاهله لحاجة الولد، وقد تكون حاجته إلى الزواج ملحّة، مما يترتب على تأخير زواجه وقوعه في نوع من الانحراف، ومعلوم أن الناس يتفاوتون في هذه الحاجة، وفي مدى ضبط النفس تجاهها، وقد يأثم الأب بامتناعه عن تزويج ابنه المحتاج لذلك، كما سبق.
ومن الآباء من يقدم أمر الدراسة والوظيفة على الزواج مطلقا، فليس لديه مجال للنظر أو التفكير في زواج ابنه قبل ذلك، وهذا خطأ أيضا، بل ينبغي أن يدرس الأمر، وأن يقارن بين المصالح والمفاسد، وأن يتعرف على مدى حاجة ابنه للزواج، ومدى قدرته على الجمع بينه وبين الدراسة، وأيهما أولى بالتقديم عند تعذر الجمع، فإنّ حفظ الدين معتبر، بل مقدم على حفظ البدن والمال، ومن باب أولى يقدم على الدراسة.
ثالثا:
قد يكون الأب معذورا في رفضه تزويج ابنه قبل إكمال الدراسة، إما لأنه يرى الابن غير منضبط في تصرفاته، لا يتحمل مسئولية نفسه، فضلا عن تحمل مسئولية غيره، أو يراه مهملا في دراسته، ويغلب على ظنه أنه بعد الزواج سيزداد إهمالا، أو لا يرى حاجته الماسة للزواج، وإنما هي مجرد رغبة عابرة، أو تقليد لغيره، فعلى الابن أن يلتمس العذر لأبيه، وأن يسعى لإقناعه، وأن يبين له مدى حاجته للزواج، ومدى قدرته على رعاية أهله بعد ذلك.
نسأل الله لك التوفيق والسداد.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12427
هل يلزم الزوج أجرة سكن ولده المحضون عند مطلقته ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[لدي صديق زوجته ناشز وعادت إلى بيت أهلها وبقيت هناك مدة سنة أو أكثر حيث أنجبت خلالها طفلة كانت بها حاملا ساعة خروجها من البيت , وخلال تلك السنة رفعت على صديقي قضية في المحاكم الشرعية هنا لتثبت أنها تضررت وهي في ذمته ولكن لم تصل إلى نتيجة حيث إنها وجدت غير متضررة حتى من قبل آخر محامي لديها، والذي أقنعها بخلع نفسها عوضا عن ذلك، مع محاولة ثني عزم صديقي عن المطالبة بالمهر ومصاريف الزواج، وإلزامه بدفع نفقة الطفلة ما قيمته ٩٠ دينارا ليبيا، وهو مبلغ كبير بالنسبة لصديقي العاطل عن العمل حاليا. سؤالي: هل يوجد من ضمن نفقة الطفلة ما يسمى بأجرة السكن والتي يجب أن تدفع للأم مع باقي قيمة النفقة؟ أفيدونا أفادكم الله حيث إن الأمر متوقف على مدى شرعية هذه المسألة، وما يدخل تحت اسم النفقة تحديدا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نفقة الولد واجبة على أبيه، ولا تسقط بنشوز أمه أو طلاقها، فإن كان الولد في حضانة أمه فالنفقة تعطى لها.
وكذلك للأم الحاضنة أن تطالب بأجر رضاعها للولد، لقول الله تعالى: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ) الطلاق/٦.
وانظر: "المغني" (١١/٤١١، ٤٣٢) .
ويدخل في النفقة: الطعام والكسوة وما يحتاج إليه الولد من نفقات أخرى كالتعليم، ويراعى في ذلك حال الأب، من الغنى أو الفقر، لقول الله تعالى: (لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) الطلاق/٧.
واختلف العلماء في الطفل الصغير الذي في حضانة أمه. هل يدخل في النفقة الواجبة له: السكن أم لا؟
فذهب بعض العلماء إلى أنه يلزم الأب نفقات سكن ولده، لأنه لابد له من السكن.
وذهب آخرون إلى أنه لا يحتاج إلى السكن اكتفاءً بسكن أمه، فإنه في حضانتها.
واختار ابن عابدين ﵀ قولاً وسطاً بين القولين، وهو قول حسن، وهو: وجوب أجرة السكن للولد إذا كانت الأم ليس لها سكن، فإن كان لها سكن فلا يلزم الأب أجرة سكنه. فقال: "والحاصل: أن الأوجه لزوم السكن للولد، لكن هذا إنما يظهر لو لم يكن للأم مسكن، أما لو كان لها مسكن يمكنها أن تحضن فيه الولد ويسكن تبعاً لها فلا، لعدم احتياجه إليه ... ولا يخفى أن هذا هو الأرفق بالجانبين، فليكن عليه العمل " انتهى بتصرف.
"حاشية ابن عابدين" (٣/٥٦٢) .
ونظراً لاختلاف العلماء في هذه المسألة، فالمرجع في ذلك إلى القاضي، فيحكم بما ظهر له أنه الحق، ويلزم الطرفين الانقياد له.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12428
هل يجب على الزوج علاج زوجته ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا مرضت الزوجة سواء مرضا عارضا أو مزمنا فهل تجب على الزوج نفقة علاجها؟ أو مثلا أرادت الإنجاب وتعاني من مشاكل في ذلك فهل يجب عليه شرعا أن يسعى معها في علاجها بما في ذلك من النفقات؟ وإذا لا يجب شرعا - لأني سمعت ذلك - فماذا تفعل المرأة -التي ليس لها مال ولا يعطيها زوجها مالا تدخره لها- إذا مرضت وأرادت العلاج؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ذهب جمهور الفقهاء من المذاهب الأربعة إلى أن الزوج لا يجب عليه نفقة العلاج والدواء لزوجته. ومنهم من علل ذلك بأنه ليس من الحاجات الضرورية المعتادة، بل هو أمر طارئ.
قال الإمام الشافعي ﵀ في "الأم" (٨/٣٣٧) : " وليس على رجل أن يضحي لامرأته ولا يؤدي عنها أجر طبيب ولا حجام " انتهى.
وقال في "شرح منتهى الإرادات" (٣/٢٢٧) : " ولا يلزمه دواء ولا أجرة طبيب إن مرضت ; لأن ذلك ليس من حاجتها الضرورية المعتادة بل لعارض فلا يلزمه " انتهى.
وينظر: "حاشية ابن عابدين" (٣/٥٧٥) ، "شرح الخرشي على مختصر خليل" (٤/١٨٧) .
وسئلت "اللجنة الدائمة للإفتاء" (٢١/١٦٩) عن علاج الرجل لزوجته، فأجابت:
" وردت الأدلة من الكتاب والسنة بالأمر بالإحسان وفعل المعروف إلى الناس عموما وإلى الأقربين خاصة، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى) النحل/٩٠، وقال: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً) النساء/٣٦، وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) فالواجب على المسلم إحسان عشرته لأهل بيته وصنع المعروف إليهم. وأما نفقة العلاج ومصاريفه فليست واجبة على الزوج، كالنفقة والسكنى، ولكن يشرع له بذلها مع القدرة؛ لعموم قوله : (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) النساء/١٩، ولعموم الحديث السابق " انتهى. وذهب بعض العلماء إلى وجوب نفقة العلاج على الزوج؛ لأن ذلك داخل في المعاشرة بالمعروف، ولأن الحاجة إلى الدواء قد لا تقل عن الحاجة للطعام والشراب.
قال الدكتور وهبة الزحيلي: " قرر فقهاء المذاهب الأربعة أن الزوج لا يجب عليه أجور التداوي للمرأة المريضة من أجرة طبيب وحاجم وفاصد وثمن دواء، وإنما تكون النفقة في مالها إن كان لها مال، وإن لم يكن لها مال وجبت النفقة على من تلزمه نفقتها [كالابن والأب ومن يرثها من أقاربها] لأن التداوي لحفظ أصل الجسم، فلا يجب على مستحق المنفعة، كعمارة الدار المستأجرة، تجب على المالك لا على المستأجر ... ويظهر لي أن المداواة لم تكن في الماضي حاجة أساسية، فلا يحتاج الإنسان غالبا إلى العلاج، لأنه يلتزم قواعد الصحة والوقاية، فاجتهاد الفقهاء مبني على عرف قائم في عصرهم. أما الآن فقد أصبحت الحاجة إلى العلاج كالحاجة إلى الطعام والغذاء، بل أهم؛ لأن المريض يفضل غالبا ما يتداوى به على كل شيء، وهل يمكنه تناول الطعام وهو يشكو ويتوجع من الآلام والأوجاع التي تبرح به وتجهده وتهدده بالموت؟! لذا فإني أرى وجوب نفقة الدواء على الزوج كغيرها من النفقات الضرورية ... وهل من حسن العشرة أن يستمتع الزوج بزوجته حال الصحة، ثم يردها إلى أهلها لمعالجتها حال المرض؟! " انتهى من "الفقه الإسلامي وأدلته" (١٠/٧٣٨٠) .
وقال الشيخ حمد بن عبد الله الحمد في "شرح زاد المستقنع": " والقول الثاني في المسألة وهو قول في المذهب: وجوب ذلك على الزوج وهو أظهر؛ لأن ذلك من المعاشرة بالمعروف وقد قال تعالى: (وعاشروهن بالمعروف) فليس في المعاشرة بالمعروف أن تمرض المرأة فلا يأتي لها بطبيب ولا يدفع له أجرة، وقد قال تعالى: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) فالصحيح وجوب ذلك عليه " انتهى.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال
стр. 12429
إذا خالع زوجته الحامل فمن يتحمل مصاريف الولادة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا انفصل الزوجان بخلع وكانت الزوجة حاملا، فهل يتحمل الزوج مصاريف الولادة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا خالع الرجل زوجته أو طلقها طلاقاً بائناً وهي حامل فإنه يلزمه نفقتها ونفقة الحمل بإجماع العلماء، ويدخل في ذلك مصاريف الولادة.
قال ابن قدامة ﵀: "إذا طلق الرجل امرأته طلاقا بائنا , فإما أن يكون ثلاثا , أو بخلع , أو بانت بفسخ , وكانت حاملا فلها النفقة والسكنى , بإجماع أهل العلم ; لقول الله تعالى: (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن) ، وفي بعض أخبار فاطمة بنت قيس: (لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملا) ، ولأن الحمل ولده , فيلزمه الإنفاق عليه , ولا يمكنه النفقة عليه , إلا بالإنفاق عليها , فوجب , كما وجبت أجرة الرضاع " انتهى من "المغني" (٨/١٨٥) .
فحيث كانت الزوجة حاملا، فلها النفقة، إلا أن تبرئ زوجها من النفقة، كأن تخالعه على أن تتحمل هي النفقة على نفسها أثناء الحمل، أو النفقة على الحمل حتى يولد، أو حتى يفطم. قال ابن قدامة: "وإذا خالعت المرأة زوجها , وأبرأته من حملها , لم يكن لها نفقة , ولا للولد , حتى تفطمه، أما إذا خالعته ولم تبرئه من حملها , فلها النفقة , كما لو طلقها ثلاثا، وهي حامل ; لأن الحمل ولده , فعليه نفقته" انتهى من "المغني" (٨/١٨٨) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12430
هل تجب طاعة زوجها إذا أمرها بالعمل خارج البيت
[السُّؤَالُ]
ـ[أسلمت قبل ١٥ سنة بعد أن سمعت عن حقوق المرأة في الإسلام.
وسؤالي هو:
يجب على الرجال أن ينفقوا على زوجاتهم، والمرأة ليست ممنوعة من بعض الأشياء المعينة إذا أذن زوجها، فكيف للمرأة أن تحمي نفسها من أن تُستغل من قبل زوجها؟
مثلا يريد منها أن تعمل في تجارته وأن ترعى الأطفال وأن تنجب أطفالاً أكثر وأن أحضر الرضيع معي للعمل بعد الولادة بأسبوع، تكون مسئوليتي بيع الأشياء في البقالة وتوصيل الولد الأكبر للحضانة والعمل معه وتجهيز وجبات الأكل في البيت وتنظيف البيت، يساعدني أحياناً ولكن لا يعمل دون أن يذكرني بأن هذا عملي وواجب علي فعله.
هل أستطيع أن أرفض الخروج للعمل وأن أبقى في البيت وأن يقوم هو بالإنفاق علي؟ أم يجب أن أطيع زوجي بما أنه لم يطلب مني أن أفعل شيئاً محرماً؟
تعبت من محاولة إقناعه بأن مكاني في البيت وأنه يجب أن يراعي احتياجاتي ولكنه دائما غير راض عن عملها.
آسف على الإطالة، ولكن هذه مشكلة عامة عند كثير من الأخوات وهي سلبهم حقوقهم التي أعطاهم الله إياها؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
جعل الله تعالى القِوامة للرجل على المرأة لأمرين: إحداهما موهبة من الله والآخر مكتسب من قِبَل الرجل، قال الله تعالى: (الرجال قوَّامون على النساء بما فضَّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم) النساء/٣٤.
وتفضيل الله تعالى جنس الرجل على جنس المرأة بالعقل والتدبير والقوة مما لا يُجادل فيه، وهو الأمر الوهبي، وأما الكسبي فهو نفقة الزوج على الزوجة وهو من الواجبات، وهو دليل على قوامته عليها.
عن جابر ﵁ قال: قال النبي ﷺ : " فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ". رواه مسلم (١٢١٨) .
قال النووي ﵀: فيه وجوب نفقة الزوجة وكسوتها، وذلك ثابت بالإجماع. " شرح مسلم " (٨ / ١٨٤) .
ومن أسباب وجوب النفقة على الزوج أن الزوجة محبوسة عن التكسب بسبب ما عليها من واجبات تجاه زوجها وأولادها وبيتها.
قال البخاري ﵀: وجوب النفقة على الأهل والعيال.
وروى حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ " أفضل الصدقة ما ترك غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول " البخاري (١٤٢٦) ومسلم (١٠٣٤) .
قال الحافظ ابن حجر:
الظاهر أن المراد بالأهل في الترجمة الزوجة ... ومن جهة المعنى أنها محبوسة عن التكسب لحق الزوج، وانعقد الإجماع على الوجوب. " الفتح " (٩ / ٦٢٥) .
فالواجب على الزوج أن يتقي الله ربه، وأن يحافظ على من ائتمنه الله عليه من الزوجة والأبناء، ولا يحل له أن يحمِّل زوجته ما لا طاقة لها به، وليس عليها العمل والنفقة على البيت وعليه، بل النفقة واجبة عليه هو حتى لو كانت غنية.
ودور المرأة في بيتها دور عظيم فهي التي تقوم على حفظه والعناية به، وتقوم بحق الزوج من تجهيز البيت من حيث النظافة والترتيب، وعمل الطعام، والقيام على الأبناء وغير ذلك من الأعمال الكثيرة والكبيرة.
ولا يجب على المرأة العمل خارج البيت وخاصة إذا كان في خروجها تعريض لها للخلطة بالأجانب والتفريط أو التقصير في واجبات المنزل والأبناء.
فالنفقة واجبة بالإجماع – كما سبق – على الزوج، فعليه أن يعلم هذا، وأن يجعل المرأة مصونة محفوظة في بيتها لتقوم بما أوجبه الله تعالى عليها.
وانظري جواب السؤال رقم (٥٥٩١) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12431
يعطي أهله ليشتروا كماليات ويقترض من زوجته
[السُّؤَالُ]
ـ[ما رأي الشرع في الزوج الذي يعطي من أمواله لأهله ليشتروا أشياء غير أساسية وهو عليه ديون ويقترض من زوجته ليسدد ديونه؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
يتكرر كثيراً في أسئلة الناس قول " رأي الشرع " و " رأي الدين "، وهذه الألفاظ غير صحيحة المعنى، فالأولى للمسلم اجتنابها.
قال الشيخ بكر أبو زيد حفظه الله:
"ومن المصطلحات المولدة الفاسدة:
"رأي الدين": الرأي في أساسه مبني على التدبر والتفكر، ومنها قولهم: " رأي الدين "، " رأي الإسلام "، " رأي الشرع "، وهي من الألفاظ الشائعة في أُخريات القرن الرابع عشر الهجري، وهو إطلاق مرفوض شرعاً؛ لأن الرأي يتردد بين الخطأ والصواب فصار من الواضح منع إطلاقها على ما قضى الله به في كتابه وسنة رسوله ﷺ ، فهذا يقال فيه: " دين الإسلام "، (إِنَّ الدِّينَ عنْدَ الله الإِسلام) والله سبحانه يقول: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) الأحزاب/٣٦.
فتشريع الله لعباده يقال فيه: حكم الله، وأمره، ونهيه وقضاؤه، وهكذا، وما كان كذلك فلا يقال فيه " رأي "، والرأي مدرجة الظن والخطأ والصواب.
أما إذا كان بحكمٍ صادر عن اجتهاد فلا يقال فيه: " رأي الدين "، ولكن يقال: " رأي المجتهد " أو " العالم "؛ لأن المختلف فيه بحق يكون الحق فيه في أحد القولين أو الأقوال.
وانظر بحثاً مهماً في كتاب " تنوير الأفهام لبعض مفاهيم الإسلام " للشيخ محمد بن إبراهيم شقرة ص / ٦١ – ٧٣" انتهى باختصار يسير.
" معجم المناهي اللفظية " (ص ٢٢٣، ٢٢٤) الطبعة الأولى.
ثانياً:
يجب على الأولاد أن ينفقوا على والديهم، وهذا الوجوب ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، وانظر جواب السؤال رقم (١١١٨٩٢) .
وهذه النفقة الواجبة للوالدين لها شروط، منها: أن يكون الولد قادراً على الإنفاق، والوالد محتاجاً لعجزه أو فقره أو عدم استطاعته للكسب.
وليعلم هذا الزوج أن أجره عند الله تعالى عظيم إن كان ينفق على والديه المحتاجين للنفقة الضرورية، حتى لو أدى ذلك لاستلافه للمال، أما إن كان والداه غير محتاجين للنفقة الضرورية، وهو ينفق عليهم من أجل شراء سلع كمالية: فالواجب عليه أن ينتبه لنفسه، ولا ينبغي له أن يحمل نفسه ديونا من غير ضرورة أو حاجة ملحة؛ لأن شأن الدين عند الله عظيم، وقد صح عن النبي ﷺ (أن الشهيد يغفر له كل شيء إلا الدَّين) فكيف بمن لقي الله تعالى غير مقتول في سبيله؟!
نعم، لو كان عنده فضل مال وأراد أن يوسع على والديه بالنفقة لشراء حاجات مباحة غير ضرورية لكان محسناً لهما غير مسيء لنفسه، أما أن يفعل ذلك بأموال غيره – زوجته أو غيرها – فإنه يكون مسيئاً لنفسه لأنه حمَّلها ما لا طاقة لها به.
وعليه أن يعتذر لهما بألطف عبارة أنه غير قادر على إعطائهم ما يريدون، ويعدهم أنه إن تيسر له مال فائض عن حاجة أبنائه وزوجته الضرورية أنه سيعطيهم.
قال الله تعالى: (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً) الإسراء/٢٨.
قال ابن كثير ﵀:
"أي: إذا سألك أقاربك ومَن أمرناك بإعطائهم وليس عندك شيء وأعرضت عنهم لفقد النفقة (فقل لهم قولاً ميسوراً) أي: عِدْهم وعداً بسهولة ولين إذا جاء رزق الله: فسنصلكم إن شاء الله" انتهى.
" تفسير ابن كثير " (٣ / ٥٢) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12432
هل يجوز للزوجة أن تدخر من مالها ومال زوجها دون علمه ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا امرأة عاملة، وأدخر بعضاً من راتبي دون علم زوجي، وأيضا أدخر بعضاً يسيراً من مصروف البيت الذي يعطيني إياه، وأنا أفعل هذا لصالحنا، وبِنِيَّة استخدامها في المستقبل، فهل أنا أخادع زوجي بهذه الطريقة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
إذا كان الرجل يعطي زوجته مبلغا معينا من المال لتنفقه على البيت، واستطاعت بحسن تدبيرها أن توفر جزء من هذا المال للاستفادة منه في المستقبل، فإن هذا التصرف لا حرج فيه، بل هي مشكورة على هذا، ولكن بشرط:
١- ألا يكون في هذا مخادعة أو كذب على الزوج، كما لو طلبت منه أشياء لا تريدها، ثم لا تشتريها وتدخر ثمنها، أو تبالغ في طلب الكميات التي تطلبها ثم تشتري جزء منها وتدخر باقي الأموال، فهذا كذب وخداع لا يجوز.
٢- ألا تُضيّق بسبب ذلك الادخار على الزوج أو الأولاد، لأن الزوج إنما أعطاها هذا المال لتنفق منه على البيت ما يحتاجون إليه.
٣- أن يكون هذا الادخار لمصلحة البيت عموماً، لا لمصلحتها الشخصية، أو لتنفق هذا المال في أشياء لا يرضاها الزوج.
٤- ألا يمنعها الزوج من هذا الادخار، لأن المال ملك له، وهو حر التصرف فيه.
فإذا توفرت هذه الشروط فلا حرج عليها فيما فعلت، بل ذلك من حسن التدبير.
وأما ادخارها من راتبها فهذا لا حرج فيه لأن الراتب ملك لها وليس ملكاً للزوج، فلها التصرف فيه كما تشاء.
وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال رقم (٢١٦٨٤) و (٤٨٩٥٢) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12433
حكم أخذ الوصي من أموال الأيتام
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا الوكيل لورثة أخي وأقوم بمراجعة مستحقاتهم ومصالحهم كما أقوم بزيارتهم أسبوعيّاً وذلك لإسعاد أولاده مع أولادي، والسؤال عن طلباتهم (راتبهم ١٥٠٠٠ ألف، وحقوقهم ٤٠٠٠٠٠) وأنا لدي ديون مؤقتة ٤ سنوات بسبب البنيان، فأيهما أفضل أن أضغط على نفسي وأولادي قليلا أو أن آخذ من دون علمهم مصاريف البنزين وغيره (بسبب العادات) ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
جعل الشرع أكل مال اليتيم بالباطل من السبع الموبقات المهلكات – كما روى ذلك البخاري (٢٦١٥) ومسلم (٨٩) عن النبي ﷺ : ولكونه أمانة عظيمة قد يعجز عنها كثيرون قال النبي ﷺ لأبي ذر – ضمن نصائح له –: (ولا تولينَّ مال يتيم) رواه مسلم (١٨٢٦) .
وقد أوجب الشرع على من قام بالوصاية على الأيتام أن يحسن رعايتهم وتربيتهم، وإذا كان لهم أموال أن يحسن حفظها وتنميتها، وأن يؤدي زكاتها، وإن كان غنيّاً فالأولى له أن يستعفف عن أموالهم، وإن كان فقيراً أن يأكل بالمعروف، وإن كان عاملاً بأموالهم أن يأخذ أجرة المثل، هذه أحكام الشرع، وهي غايةٌ في الحكمة والعدل.
قال الله تعالى: (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا. وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) النساء /٥،٦.
قال ابن كثير:
وقوله: (ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا) ينهى تعالى عن أكل أموال اليتامى من غير حاجة ضرورية (إسرافاً وبداراً) أي: مبادرة قبل بلوغهم، ثم قال تعالى: (ومن كان غنيّاً فليستعفف) عنه ولا يأكل منه شيئاً، وقال الشعبي: هو عليه كالميتة والدم، (ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف) نزلت في والي اليتيم الذي يقوم عليه ويصلحه إذا كان محتاجاً أن يأكل منه، عن عائشة قالت: أنزلت هذه الآية في والي اليتيم (ومن كان غنيّاً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف) بقدر قيامه عليه.
قال الفقهاء: له أن يأكل من أقل الأمرين أجرة مثله أو قدر حاجته، واختلفوا هل يرد إذا أيسر؟ على قولين: أحدهما: لا؛ لأنه أكل بأجرة عمله وكان فقيراً، وهذا هو الصحيح عند أصحاب الشافعي؛ لأن الآية أباحت الأكل من غير بدل ... .
والثاني: نعم؛ لأن مال اليتيم على الحظر، وإنما أبيح للحاجة، فيرد بدله كأكل مال الغير للمضطر عند الحاجة ... .
(ومن كان غنياً فليستعفف) يعني: من الأولياء، (ومن كان فقيراً) أي: منهم، (فليأكل بالمعروف) أي: بالتي هي أحسن، كما قال في الآية الأخرى: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده) أي: لا تقربوه إلا مصلحين له، فإن احتجتم إليه أكلتم منه بالمعروف.
" تفسير ابن كثير " (١ / ٤٥٤، ٤٥٥) باختصار.
وعن عبد الله بن عمرو أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: إني فقير، ليس لي شيء، ولي يتيم، قال: كُل من مال يتيمك غير مسرف ولا مباذر ولا متأثل ".
رواه أبو داود (٢٨٧٢) والنسائي (٣٦٦٨) وابن ماجه (٢٧١٨) . والحديث: حسَّنه الألباني في " صحيح الجامع " (٤٤٩٧) .
مباذر: مسرف للمال تبذيراً له.
متأثل: آخذ من أصل المال.
فإن أردت أن تأخذ مالا مقابل ما تعمله لهم، من مراعاة مصالحهم، وكان عملك هذا يستحق أجرة فلا حرج عليك في ذلك، أما إن أردت أن تأخذ أجرة الزيارة فلا، لأنه لم تجرِ العادة بجعل مصاريف زيارة الأيتام عليهم من أموالهم، وهذا بخلاف ما تنفقه عليهم من لباس وأثاث وطعام لهم، فإنه يكون من أموالهم.
وحيث إنك في بلد يوجد بها قضاء شرعي فلا بد من مراجعة المحكمة الشرعية في ذلك، حتى يحكم القاضي بما يراه من مصلحة الأيتام، والله أعلم.
ونرجو منك التأمل كثيراً في قول النبي ﷺ فيما رواه البخاري (١٤٠٠) ومسلم (١٠٥٣) : (من يستعفف يعفَّه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يصبر يصبِّره الله وما أعطي أحد من عطاء خير وأوسع من الصبر) لتعلم أن الطريق إلى قضاء دينك هو الاستعفاف والاستغناء والصبر.
قال المباركفوري:
(ومن يستغن) أي: يظهر الغنى بالاستغناء عن أموال الناس، والتعفف عن السؤال حتى يحسبه الجاهل غنيا من التعفف.
(يغنه الله) أي: يجعله غنيّاً أي: بالقلب ففي الحديث: (ليس الغني عن كثرة العرَض إنما الغني غنى النفس) ، أو يعطيه ما يغنيه عن الخلق.
(ومن يستعفف) الاستعفاف: طلب العفاف والتعفف وهو الكف عن الحرام والسؤال من الناس , أي: من طلب العفة وتكلفها أعطاه الله إياها.
(يعفه الله) : أي يجعله عفيفا، فيحفظه عن الوقوع في المناهي، يعني: من قنع بأدنى قوت وترك السؤال تسهل عليه القناعة وهي كنز ل يفنى.
(ومن يتصبَّر) أي: يطلب توفيق الصبر من الله؛ لأنه قال تعالى: (واصبر وما صبرك إلا بالله) ، أو: يأمر نفسه بالصبر ويتكلف في التحمل عن مشاقه.
" يصبِّره الله ": أي يسهل عليه الصبر.
"تحفة الأحوذي" (٦/١٤٣، ١٤٤) باختصار.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12434
هل يجوز قضاء دين الولد المحتاج وعنده أولاد آخرون
[السُّؤَالُ]
ـ[اعرف أن العدل بين الأولاد واجب ولكن أحد أولادي فقير وعليه ديون، هل يجوز أن أقضي بعض ديونه من أموالي؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يجب العدل بين الأولاد انظر سؤال رقم ٢٢١٦٩
ويجب العدل بين الأولاد في الهبة ويحرم التخصيص أو التفضيل ما لم يكن ثِمّ سبب موجب لذلك.
فإن كان هناك ما يدعو إلى التفضيل أو التخصيص فلا بأس كأن يكون أحدهم مريضاً أو أعمى أو زمناً (ذو عاهة) ، أو كان ذا أسرة كبيرة أو طالب علم ونحو ذلك من الأسباب فلا بأس بتفضيله لشيء من هذه المقاصد.
وقد أشار إلى ذلك الإمام أحمد بقوله _ في تخصيص بعضهم بالوقف _: لا بأس إذا كان لحاجة، وأكرهه إذا كان على سبيل الأثرة.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والحديث والآثار تدل على وجوب العدل ... ثم هنا نوعان:
١- نوع يحتاجون إليه من النفقة في الصحة، والمرض، ونحو ذلك، فالعدل فيه أن يُعطي كل واحد ما يحتاج إليه، ولا فرق بين محتاج قليل أو كثير.
٢- ونوع تشترك حاجتهم إليه، من عطية أو نفقة أو تزويج فهذا لا ريب في تحريم التفاضل فيه.
وينشأ من بينهما نوع ثالث، وهو أن ينفرد أحدهم بحاجة غير معتادة، مثل أن يقضي عن أحدهم ديناً وجب عليه من أرش جناية (وهي عقوبة مالية تدفع مقابل كل جناية بدنية) أو يعطي عنه المهر، أو يعطيه نفقة الزوجة، ونحو ذلك، ففي وجوب إعطاء الآخر مثل ذلك نظر) ا. هـ من " الاختيارات.
[الْمَصْدَرُ]
تسير العلام شرح عمدة الأحكام ص ٧٦٧
стр. 12435
هل للوالدين حق في مال البنت المتزوجة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل مال البنت يعود لوالديها كمال الولد؟ وهل يجب عليها أن تنفق على والديها بنفس الطريقة؟
العديد من الناس يعتقدون بأنه بمجرد أن تتزوج الفتاة، فإنه لا يجب عليها أن تنفق على والديها إذا كان اخوتها يستطيعون الإنفاق عليهما. وهل للزوج حق في مال زوجته؟ ليس ليصرف على نفسه، لكن ليكون ذلك للزوجة تنفقه حيثما شاءت، وإذا رأى الزوج أن مال زوجته يجب ألا يصرف على والديها، فهل للزوجة أن تطيع زوجها في ذلك؟
وإذا كان الوالدان فقيرين ولم يكن عند الزوجة مال يخصها، فهل على زوجها أن ينفق عليهما، حيث أنه يجوز لهما أخذ الزكاة من ابنتهما، لكن لا يجوز ذلك من الزوج لوالديه، لأنه يجب عليه أن ينفق على والديه؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأولاد اسم يعمّ الذكور والإناث، والوالد له حقّ التصرف بأموال أولاده لقوله ﵊: " أنت ومالك لأبيك "، فإذا أراد الوالد أن يأخذ من أموالهم فله ذلك على أن لا يكون فيه ضررٌ عليهم، ولا يجوز أن يأخذ من مال أحدهم ويعطيه الآخر.
وإذا افتقر الوالدان وعند البنت مال زائد عن حاجتها فيلزمها أن تنفق على والديها قدر حاجتهما دون أن تنقص من حاجاتها. ونفقة المرأة على زوجها، فيجب على الزوج أن يقوم بنفقتها الواجبة. وفي حالة إذا كان لها وظيفة فمالها لها، ويختص بها، إلا إذا اشترط الزوج الحصول على المال أو بعضه مقابل الخروج من البيت وفوات شيء من حقه، وإذا توفر لها المال فتحتفظ به لحاجتها أو لحاجة أولادها أو والديها.
وإذا كان معها اخوة ذكور وإناث وقام أحدهم بالنفقة على الوالدين سقط ذلك الواجب عن الباقين وله الأجر أو أن يتفق الجميع على كل منهم مبلغ معين.
وأما زوج المرأة فلا يلزمه أن ينفق على والديها إلا من زكاة أمواله، أما هي فلا تنفق عليهم من مال الزكاة لأنه واجب عليها فتعطيهم من غير مال الزكاة.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ عبد الله بن جبرين.
стр. 12436
لا نفقة للزوجة إذا رفضت العودة إلى بيت زوجها
[السُّؤَالُ]
ـ[حصل خلاف بينه وبين زوجته فقالت: اذهب بي إلى أهلي لا أريد البقاء معك فذهب بها إلى أهلها فمكثت عندهم شهورا. فهل تجب عليه نفقتها؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ليس عليه نفقتها لأن النفقة مقابل تمكينه من نفسها وقد فات بإصرارها على الذهاب وعدم البقاء معه.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ ابن جبرين
стр. 12437
تصرف الزوجة في مالها بدون علم زوجها
[السُّؤَالُ]
ـ[أختي تعمل في السعودية وتريد أن تستثمر جزءاً من راتبها في مشروع على أن هذا المال مالي أنا وتعطيني الربح ولها رأس المال على أساس أني اقترضت منها هذا المال واستثمرته ولكن بدون علم زوجها، فهل هناك حرمة عليها أو علي؟ نرجو الإفادة..]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا حرج على أختك أن تعطيك مالاً قرضاً تستثمره وتستفيد من ناتجه على أن يبقى رأس المال لأختك، لكن لو أرادت أختك أن تشاركك في الربح مع الحفاظ على رأس المال فلا يجوز، لأن هذا يكون من باب " كل قرض جر نفعاً فهو ربا "، ولا يشترط علم زوجها بإعطائك المال، لأن المال مالها ولا يحل له منه شيء إلا عن طيب نفس منها، قال تعالى: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً) النساء/٤، لكن من باب العشرة بالمعروف ولكون الرجل أكثر خبرة وحنكة في أمور التجارة فإننا ننصح أن يكون الزوج على علم بما تفعله الزوجة من التصرف بمالها.
قال الشيخ عبد الله الجبرين:
تملك الزوجة مالها، ولها حق التصرف فيه، فتهدي منه وتتصدق وتبرئ غريمها، وتتنازل عن حق لها كدين وميراث لمن تشاء من قريب أو من بعيد، وليس لزوجها حق الاعتراض عليها إذا كانت رشيدة عاقلة، ولا يملك زوجها حق التصرف في مالها إلا برضاها. (فتاوى المرأة المسلمة ٢/٦٧٤) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12438
الاستفادة من مال الأب المرابي
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا شاب مسلم والحمد لله، أبي لديه مبلغ من المال وقد سمع فتوى الشيخ طنطاوي بتحليل فوائد البنك ووضع أمواله في البنك وبدأ يأخذ الفوائد، وأنا مقتنع أن هذه الفوائد حرام، وحاولت كثيراً إقناعه بالعدول عن هذه الفكرة ولكن دون جدوى.
فهل علي وعلى إخوتي وأمي أي ذنب حيث أني قد استحلفت أبي قبل ذلك ألا ينفق علينا من هذا المال الذي هو من الفوائد؟ وماذا يجب علينا أن نفعل؟ وإذا عاد إلينا هذا المال ماذا يجب أن نفعل؟ لقد رزقني الله بعمل في السعودية وقد دفع لي أبي تكاليف السفر ولا أعلم هل هذا المال من الفوائد أم لا؟ فهل ما يرزقني به الله من هذا العمل حرام أم لا؟ نرجو الإفادة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ليس على أولاد المرابي إثم إذا أكلوا من ماله الربوي البحت أو لبسوا منه أو سافروا به إذا لم يوجد لهم طريق آخر يتكسبون منه، وعليهم نصح والدهم بالطريق التي يغلب على ظنهم نفعها، فإذا تيسرت طرق أخرى للكسب أو لم يتحاجوا إلى هذا المال في ضروريات حياتها: وجب عليهم الاستغناء عنه.
قال الشيخ ابن عثيمين – ﵀:
إذا كان مكسب الوالد حراماً، فإن الواجب نصحه، فإما أن تقوموا بنصحه بأنفسكم إن استطعتم إلى ذلك سبيلاً، أو تستعينوا بأهل العلم ممن يمكنهم إقناعه أو بأصحابه لعلهم يقنعونه حتى يتجنب هذا الكسب الحرام، فإذا لم يتيسر ذلك فلكم أن تأكلوا بقدر الحاجة ولا إثم عليكم في هذه الحالة، لكن لا ينبغي أن تأخذوا أكثر من حاجتكم للشبهة في جواز الأكل ممن كسبه حرام. (فتاوى إسلامية ٣/٤٥٢) .
وإذا مات الوالد المرابي وجب على ورثته التخلص من المال الربوي بإرجاعه إلى أهله إن عرفوهم وإلا فعليهم التخلص منه بتوزيعه في المصارف العامة والخاصة، فإن تعسر عليهم تحديد المبلغ الربوي في مال والدهم: قسموه نصفين فيأخذون النصف ويوزعون النصف الآخر.
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن رجل مرابٍ خلف مالاً وولداً، وهو يعلم بحاله، فهل يكون المال حلالاً للولد بالميراث أم لا؟
فأجاب: أما القدْر الذي يعلم الولد أنه ربا: فيخرجه، إما أن يرده إلى أصحابه إن أمكن، وإلا تصدق به، والباقي لا يحرم عليه، لكن القدْر المشتبه يستحب له تركه إذا لم يجب صرفه في قضاء دين أو نفقة عيال، وإن كان الأب قبضه بالمعاملات الربوية التي يرخص فيها بعض الفقهاء، جاز للوارث الانتفاع به، وإن اختلط الحلال بالحرام وجهل قدر كل منهما، جعل ذلك نصفين. (مجموع الفتاوى ٢٩/٣٠٧) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12439
هل يلزم الزوج نفقة حج زوجته
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجب على المسلم أن يرسل زوجته للحج إذا كان يملك من المال ما يكفي لذلك؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يجب على الزوج أن يتحمل عن زوجته نفقة الحج ولو كان غنياً، وإنما ذلك مستحب يؤجر عليه ولا يأثم بتركه.
إذ لم يوجب ذلك كتاب ولا سنة، والزوجة جعل الإسلام لها المهر حقّاً خالصاً لها، وأباح لها التصرف في مالها.
وإنما أوجب الشرع على الزوج أن ينفق على زوجته بالمعروف، ولم يوجب عليه قضاء ديْنها، ولا دفع الزكاة عنها، ولا دفع ما تتكلفه في الحج وغيره.
وقد سئل الشيخ ابن عثيمين: هل يؤجر الزوج إذا وكل من يحج عن زوجته وقد توفيت ولم تحج ........؟ .
فقال: الأفضل أن يقوم هو بالحج عنها من أجل أن يقوم بالنسك على الوجه الأكمل الذي يحب ..... ثم قال: أما الوجوب فلا يجب عليه.
" اللقاء الشهري " (٣٤) رقم السؤال (٥٧٩) .
فما دام أنه لا يجب القضاء عنها بعد موتها فكذلك لا يجب عليه حجها في حياتها.
هذا من حيث الوجوب، أما من حيث البر بها والعشرة بالمعروف: فإنه إن فعل فإن الله لا يضيع أجر المحسنين، ويكتب الله تعالى له أجر حجها.
وقد ذكر الفقهاء ﵏ أنه يجب على الزوج نفقة زوجته في حالة أن يتعمد إفساد حجها كمن أكرهها على الجماع قبل التحلل الأول – مثلاً -.
قال الشيخ عبد الكريم زيدان:
وليس من حقوق الزوجة على زوجها أن يتحمل نفقة حجها، أو يشاركها في هذه النفقة.
" المفصل في أحكام المرأة " (٢ / ١٧٧) .
وقد سئل الشيخ الألباني ﵀ عن هذه المسألة بعينها فأجاب: أنه لا يجب على الزوج دفع نفقات حج زوجته. هذا بالنسبة للرجل أما المرأة فإن كان عندها من الأموال ما يكفيها للحج وجب عليها الحج، وإن لم يكن عندها لم يجب عليها الحج.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12440
هل تتبرع المرأة بشيء من مالها بدون إذن زوجها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد أن أساعد أهلي أبي وأمي وإخوتي بالمال، فأنا أعمل وعندي أموال كثيرة والحمد لله وأستطيع أن أساعدهم، ولكن زوجي يمنعني من ذلك بشدة، فماذا أفعل؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
إذا كان أهلك فقراء (أبوك وأمك وإخوتك) وتستطيعين أن تنفقي عليهم فيجب عليك ذلك، ولا يجوز لك أن تطيعي زوجك في ترك النفقة عليهم.
انظر السؤال رقم (٤٤٩٩٥) .
ثانياً:
إذا كانت نفقتك على أهلك من باب التبرع أي أنهم غير محتاجين لهذه الأموال منك وإنما تريدين أنت الإحسان إليهم وصلتهم بهذه الأموال، فقد اختلف أهل العلم في حكم تبرع المرأة بشيء من مالها بدون إذن زوجها.
فذهب جمهور العلماء إلى أنه لا تمنع الزوجة من التبرع من مالها، فلها أن تتصرف فيه كما شاءت دون إذن زوجها. واستدلوا بعدة أدلة، منها:
١- ما ثبت أَنَّ أم المؤمنين مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ ﵂ أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً (أي جارية) وَلَمْ تَسْتَأْذِنْ النَّبِيَّ ﷺ ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُهَا الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهَا فِيهِ قَالَتْ: أَشَعَرْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنِّي أَعْتَقْتُ وَلِيدَتِي؟ قَالَ: أَوَفَعَلْتِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: أَمَا إِنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لأَجْرِكِ. رواه البخاري (٢٥٩٢) ومسلم (٩٩٩) .
قال النووي:
فِيهِ: جَوَاز تَبَرُّع الْمَرْأَة بِمَالِهَا بِغَيْرِ إِذْن زَوْجهَا اهـ.
٢- وروى البخاري (٩٧٨) ومسلم (٨٨٥)
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَامَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْفِطْرِ فَصَلَّى فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ خَطَبَ فَلَمَّا فَرَغَ نَزَلَ فَأَتَى النِّسَاءَ فَذَكَّرَهُنَّ وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى يَدِ بِلالٍ وَبِلالٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ يُلْقِي فِيهِ النِّسَاءُ الصَّدَقَةَ. وفي رواية: (قَالَ: فَجَعَلْنَ يَتَصَدَّقْنَ مِنْ حُلِيِّهِنَّ) .
قال الحافظ:
فِي هَذَا الْحَدِيث صَدَقَة الْمَرْأَة مِنْ مَالهَا بِغَيْرِ إِذْن زَوْجهَا اهـ.
وقال النووي:
فِي هَذَا الْحَدِيث جَوَاز صَدَقَة الْمَرْأَة مِنْ مَالهَا بِغَيْرِ إِذْن زَوْجهَا وَلا يَتَوَقَّف ذَلِكَ عَلَى ثُلُث مَالهَا , هَذَا مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور , وَقَالَ مَالِك: لا يَجُوز الزِّيَادَة عَلَى ثُلُث مَالهَا إِلا بِرِضَاءِ زَوْجهَا. وَدَلِيلنَا مِنْ الْحَدِيث أَنَّ النَّبِيّ ﷺ لَمْ يَسْأَلهُنَّ أَسْتَأْذَنَّ أَزْوَاجهنَّ فِي ذَلِكَ أَمْ لا؟ وَهَلْ هُوَ خَارِج مِنْ الثُّلُث أَمْ لا؟ وَلَوْ اِخْتَلَفَ الْحُكْم بِذَلِكَ لَسَأَلَ اهـ.
وذهب بعض العلماء إلى أن الزوجة لا تتبرع بشيء من مالها إلا بإذن زوجها واستدلوا بقول النبي ﷺ : (لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها) رواه الإمام أحمد في مسنده (٦٦٤٣) وأبو داود (٣٥٤٧) وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
وحمل جمهور العلماء هذا الحديث إما على السفيهة التي لا تحسن التصرف في المال، أو أن استئذان المرأة زوجها في ذلك على سبيل الاستحباب لا الوجوب وهو من حسن العشرة.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ:
عِنْد أَكْثَرِ الْفُقَهَاء هَذَا عَلَى مَعْنَى حُسْن الْعِشْرَة وَاسْتِطَابَة نَفْس الزَّوْج بِذَلِكَ , إِلا أَنْ يَكُون ذَلِكَ فِي غَيْر الرَّشِيدَة. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ لِلنِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ , فَجَعَلَتْ الْمَرْأَة تُلْقِي الْقُرْط وَالْخَاتَم وَبِلال يَتَلَقَّاهَا بِكِسَائِهِ , وَهَذِهِ عَطِيَّة بِغَيْرِ إِذْن أَزْوَاجهنَّ اهـ.
وقال الشوكاني في "نيل الأوطار" (٣/٤١٤) :
"وقد استدل بهذا الحديث على أنه لا يجوز للمرأة أن تعطي عطية من مالها بغير إذن زوجها، ولو كانت رشيدة. وقد اختلف في ذلك، فقال الليث: لا يجوز ذلك مطلقا، لا في الثلث ولا فيما دونه، إلا في الشيء التافه، وقال طاوس ومالك: إنه يجوز لها أن تعطي مالها بغير إذنه في الثلث، لا فيما فوقه، فلا يجوز إلا بإذنه، وذهب الجمهور إلى أنه يجوز لها مطلقا من غير إذن من الزوج إذا لم تكن سفيهة، فإن كانت سفيهة لم يجز. قال في الفتح: وأدلة الجمهور من الكتاب والسنة كثيرة" اهـ.
وعلى هذا فلا تمنع المرأة من التصدق بشيء من مالها ولو لم يرض زوجها.
والأحسن في هذا أن تستأذنه تطييبا لخاطره، ودفعا لما قد يحدث في نفسه من كراهة لتصرف زوجته، وعليه أن يأذن لها ولا يكون مانعاً لزوجته من فعل الخير والإحسان إلى الناس.
والله تعالى أعلم.
انظر السؤال رقم (٢١٦٨٤) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12441
ماذا يفعل إذا طلب أبوه الكافر منه مالا
[السُّؤَالُ]
ـ[ (لقد أسلمت حديثا) ، لكن بدأت أفكر لاحقا في العلاقة المالية بيني وبين والدي، فهل علي إعطائه ما أملك إذا طلب مني ذلك؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
عرضنا السؤال التالي على فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين:
أسلمت حديثا وأفكر في العلاقة المالية بيني وبين والدي، هل يجب علي إعطاؤه لحديث أنت ومالك لأبيك؟
فأجاب حفظه الله:
نفقة أم ماذا؟
- يقول يطلب أشياء مختلفة ليست فقط نفقة، ما يزيد عن النفقة.
جواب: ما يزيد عن النفقة لا يلزمه.
فلا يجب عليه إلا النفقة وأما الصدقة فليست مشكلة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد بن صالح العثيمين
стр. 12442
محتاج وأخوه يعمل في تلحين الأغاني
[السُّؤَالُ]
ـ[أخي يشتغل ملحنا للأغاني وليس له مصدر إلا هذا العمل، ولا أستطيع الكسب وأبي متوفى هل يجوز أن آكل من ماله؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
عرضنا هذا السؤال على فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين فأجاب حفظه الله:
نعم يجوز أن تأكل من ماله مادمت في حاجة، فهو يجب عليه أن ينفق عليك. انتهى
فأنت تأخذ بقدر حاجتك ولا تزيد، وعليك أن تنصحه بترك هذا العمل المحرّم والبحث عن عمل آخر وتبيّن له حكم الشريعة في الغناء والموسيقى وحرمة التعاون والمشاركة في الإثم والعدوان والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 12443
من يفضل الأم أم الزوجة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[إنسان له زوجة وأم، هل له تفضيل الزوجة على الأم في النفقة وغيرها من المؤن والكسوة، وهل يأثم بذلك؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يأثم بذلك إذا قام بكفاية الأم إن كانت ممن يلزمه كفايتها بالمعروف، لكن الأفضل أن يستطيب قلب الأم، وأن يفضلها، وإن كان لا بد من ترجيح الزوجة فينبغي له أن يخفيه عن الأم. والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
فتاوى الإمام النووي ص ٢١٢
стр. 12444
زوجها مقتدر ويأمرها بالعمل
[السُّؤَالُ]
ـ[تزوجت قبل ٨ أشهر، أحب زوجي وأحترمه كثيراً، ولم أعصه أبداً، قبل أن نتزوج أعطاني الخيار إذا كنت أريد الخروج للعمل أو لا.
بعد أن تزوجنا يعتقد الآن بأنني يجب أن أعمل وأحصل على المال، أنا لا أريد أن أعمل ولسنا بحاجة للمال فهو يحصل على المال الكافي لنا، لست أؤمن بأن المال هو الحل لكل شيء.
أرجو أن تساعدني، كيف أتصرف في مثل هذه الحالة؟ هل يجب أن أطيعه وأخرج للعمل؟ نحن نعيش في الغرب وعملي سيتطلب الاختلاط بالعامة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
عرضنا السؤال التالي على فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين:
إذا أمرها زوجها بالعمل خارج البيت في وظيفة لتحصل على راتب، فهل يلزمها أن تطيعه؟
فأجاب حفظه الله:
لا يلزمها، لأن الإنفاق عليه هو، (و) لا يلزمها أن تنفق على نفسها. انتهى
فكيف إذا كان هذا العمل يتضمّن أمرا محرّما وهو الاختلاط بالرجال، فلا تطيعيه فيما يأمر به إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وذكّريه بأنّه هو الرجل وأنّه قوام عليك بما أنفق من ماله، وأنّه لا يصحّ أن يحمله الطّمع في الدنيا وطلب المزيد من المال على أن يكلّف زوجته بعمل لا يجب عليها شرعا ويعرّضها للفتنة من أجل مزيد من متاع الدنيا الفاني، نسأل الله له الهداية وصلى الله على نبينا محمد.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 12445
حكم النفقة على الأقارب
[السُّؤَالُ]
ـ[والدي راتبه ١٠ آلاف ريال في الشهر ولا نصرف منه على أنفسنا إلا القليل وتدخر والدتي البقية لأن أختي لم تتزوج بعد وأنا وأخي لم نكمل دراستنا بعد، جدتي أرملة وتعيش مع أحد أعمامي في بيت جدي مع عماتي الثلاث (أرملة واثنتان لم يتزوجا) ، تعيش في مستوى معيشة جيد كما نعيش نحن هنا، والدي يدفع لهم معونة شهرية، مزرعة والدي تحت رعاية عمي ويأخذون جميع المال الناتج منها، أود أن أعرف كم يجب على والدي أن يدفع لهم شهرياً علماً بأنهم يعيشون حياة مرفهة وجميع أخواته وأمه لهم كمية معتبرة من الذهب وأملاك خاصة بكل منهم.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
النفقة على الأقارب تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: ما يسمى بعمودي النسب وهم الأباء وإن علوا والأولاد وإن نزلوا فالنفقة تجب لهم عند شرطين:
الأول: أن يكون المنفَق عليه منهم فقيراً لا يملك شيئاً أولا يملك ما يكفيه ولا يقدر على التكسب.
الثاني: أن يكون المنفِق غنياً عنده ما يكفيه ويفضل عن قوته وقوت زوجته.
وشرط ثالث: أن يكون الدّين واحداً (أي الكل مسلمون مثلاً) .
القسم الثاني: بقية الأقارب غير عمودي النسب المذكورين ويشترط لوجوب الإنفاق عليهم زيادة على الشرطين السابقين شرط ثالث وهو أن يكون المنفِق وارثاً للمنفَق عليه، أي يمكن أن يرثه.
وبناء عليه فإذا كان أبوك وأعمامك قادرين على الإنفاق فالإنفاق على جدتك وعمتيك واجب عليهم جميعاً.
ولكن لا تنس باب الإحسان، وأن الصدقة على القريب صدقة وصلة ففيها أجران، ولا تنس قول الله : (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين) فالإنفاق على القريب لا سيما الوالدة من أعظم أسباب الرزق ومن أعظم أسباب البركة فيه مع الثواب الجزيل عند الله .
إذاً فيجب أن تفرح بإنفاق أبيك على والدته وأختيه وأن تشجعه على ذلك، وأن تُسابق أعمامك على هذه الفضيلة.
وأما مقدار النفقة فهي بحسب قدرة المنفِق وحاجة المنفَق عليه، قال تعالى: (يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين بالمعروف حق على المتقين) . والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 12446
الابن صاحب عائلة وأبوه يرهقه بكثرة الطلبات المالية
[السُّؤَالُ]
ـ[أبي يطلب مني مالا باستمرار ويرهقني بكثرة طلباته وأنا صاحب عائلة وعليّ التزامات فإلى أي حدّ يجب عليّ أن أعطيه وما معنى حديث (أنت ومالك بأبيك) ]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
حديث أنت ومالك لأبيك رواه ابن ماجة رحمه الله تعالى في سننه عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَجُلا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي مَالا وَوَلَدًا وَإِنَّ أَبِي يُرِيدُ أَنْ يَجْتَاحَ مَالِي فَقَالَ أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيك. " سنن ابن ماجة رقم ٢٢٨٢، قال في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله ثقات على شرط البخاري.
ومعنى قوله (يجتاح) أي يستأصله أي يصرفه في حوائجه بحيث لا يبقى شيء.
وقال الإمام عبد الرزاق ﵀ في مصنفه باب:
فِي الرَّجُلِ يَأْخُذُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿إنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ , وَوَلَدُهُ مِنْ كَسْبِهِ﴾ .
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ أَنَّ ﴿رَجُلا خَاصَمَ أَبَاهُ فِي مَالٍ كَانَ أَصَابَهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ﴾ .
وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: يَأْكُلُ الرَّجُلُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ مَا شَاءَ , وَلا يَأْكُلُ الْوَلَدُ مِنْ مَالِ وَالِدِهِ إلا بِإِذْنِهِ. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: يَأْكُلُ الْوَالِدُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ مَا شَاءَ , وَلا يَأْكُلُ الْوَلَدُ مِنْ مَالِ وَالِدِهِ إلا بِطِيبِ نَفْسِهِ.
وعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: كَانَ عَطَاءٌ لا يَرَى بَأْسًا بِأَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ مَا شَاءَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ.
ثم قال ﵀
مَنْ قَالَ: لا يَأْخُذُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ إلا بِإِذْنِهِ.
عَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: عَلَى الْوَلَدِ أَنْ يَبَرَّ وَالِدَهُ , وَكُلُّ إنْسَانٍ أَحَقُّ بِاَلَّذِي لَهُ
عَنْ سَالِمٍ أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ نَحَرَ جَزُورًا فَجَاءَ سَائِلٌ فَسَأَلَ ابْنَ عُمَرَ , فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: مَا هِيَ لِي؟ فَقَالَ لَهُ حَمْزَةُ: يَا أَبَتَاهُ، فَأَنْتَ فِي حِلٍّ، فَأَطْعِمْ مِنْهَا مَا شِئْتَ.
وقال ابن قدامة ﵀ في كتابه المغني شارحا هذه المسألة: وَلأَبٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ مَا شَاءَ، وَيَتَمَلَّكَهُ، مَعَ حَاجَةِ الأَبِ إلَى مَا يَأْخُذُهُ، وَمَعَ عَدَمِهَا، صَغِيرًا كَانَ الْوَلَدُ أَوْ كَبِيرًا، بِشَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ لا يُجْحِفَ بِالابْنِ، وَلا يَضُرَّ بِهِ، وَلا يَأْخُذَ شَيْئًا تَعَلَّقَتْ بِهِ حَاجَتُهُ. الثَّانِي أَنْ لا يَأْخُذَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ فَيُعْطِيَهُ الآخَرَ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.. وَذَلِكَ لأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ تَخْصِيصِ بَعْضِ وَلَدِهِ بِالْعَطِيَّةِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، فَلأَنْ يُمْنَعَ مِنْ تَخْصِيصِهِ بِمَا أَخَذَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ الآخَرِ أَوْلَى.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ إلا بِقَدْرِ حَاجَتِهِ ; لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ ﴿: إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا﴾ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.. وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ ﴿: لا يَحِلُّ مَالُ امْرِئِ مُسْلِمٍ إلا عَنْ طِيبِ نَفْسِهِ﴾ . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. وَلأَنَّ مِلْكَ الابْنِ تَامٌّ عَلَى مَالِ نَفْسهِ فَلَمْ يَجُزْ انْتِزَاعُهُ مِنْهُ كَاَلَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ حَاجَتُهُ. وَلَنَا (أي ودليلنا) مَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿: إنَّ أَطْيَبِ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ , وَإِنَّ أَوْلادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ﴾ . أَخْرَجَهُ سَعِيدٌ , وَالتِّرْمِذِيُّ , وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدِّهِ , قَالَ ﴿: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إنَّ أَبِي اجتاح مَالِي. فَقَالَ: أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيك﴾ . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي " مُعْجَمِهِ " مُطَوَّلا , وَرَوَاهُ غَيْرُهُ , وَزَادَ ﴿: إنَّ أَوْلادَكُمْ مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِكُمْ , فَكُلُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ . وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، وَالْمُطْلِبُ بْنُ حَنْطَبٍ، قَالَ: ﴿جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إنَّ لِي مَالا وَعِيَالا، وَلأَبِي مَالٌ وَعِيَالٌ، وَأَبِي يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ مَالِيَ , فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيك﴾ . أَخْرُجَهُ سَعِيدٌ، فِي " سُنَنِهِ " وَلأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْوَلَدَ مَوْهُوبًا لأَبِيهِ , فَقَالَ: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ . وَقَالَ: ﴿وَوَهَبنَا لَهُ يَحْيَى﴾ . وَقَالَ زَكَرِيَّا: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيَّا﴾ . وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ . وَمَا كَانَ مَوْهُوبًا لَهُ، كَانَ لَهُ أَخْذُ مَالِهِ كَعَبْدِهِ.. المغني ج٥
وفي رسائل وفتاوى الشيخ المفتي محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ ما يلي:
يجوز للوالد أن يأخذ من مال ولده، لقوله ﷺ : (أنت مالك لأبيك) أخرجه الخمسة وصححه الترمذي.وقوله: (إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم) أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه عن عائشة. ويشترط للأخذ من ماله (ستة شروط) : أحدهما: أن يأخذ ما لا يضر الوالد ولا يحتاجه. (والثاني) : أن لا يعطيه لولد آخر. (والثالث) : أن لا يكون في مرض موت أحدهما. (والرابع) : أن لا يكون الأب كافراً والابن مسلماً. (والخامس) : أن يكون عيناً موجوداً، (والسادس) : تملكه ما يأخذه من مال الولد بقبض مع قول أو نية. هذا معنى كلام فقهائنا ﵏. وعليه الفتوى. أ. هـ
فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ص: ٢٢٠
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 12447
هل تتصدق من نفقة بيتها دون علم زوجها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[زوجي يعطيني مصروفاً لي ولبناتي كل شهر، فأُخرج منه مبلغاً معيَّناً صدقة دون الرجوع إليه، فهل يجوز هذا العمل أم يجب أن أرجع له وأسأله إن كان يوافق أن أخرج من هذا المال صدقة أم لا؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا حرج على المرأة أن تتصدق من مال زوجها إذا أذن لها بذلك، وهذا الإذن قد يكون لفظياً (بالكلام) كما لو قال لها: لك أن تتصدقي من مالي بكذا أو بما شئت.
وقد يكون الإذن عرفياً، بمعنى أنه قد جَرَت عادة الناس الرضى بهذا، أو تعلم من خُلُق زوجها أنه يرضى بهذا ولا يمنعه.
فلا حرج عليها في هذه الحال أن تتصدق من مال زوجها، ولها أجر الصدقة، ولزوجها أيضاً.
أما إذا منعها، أو كانت تعلم أنه لا يرضى بهذا فلا يجوز لها حينئذ الصدقة من ماله بشيء.
قال ابن قدامة ﵀ في "المغني" (٤ / ٣٠١) :
"وَهَلْ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ الصَّدَقَةُ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ , بِغَيْرِ إذْنِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ; إحْدَاهُمَا , الْجَوَازُ ; لأَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَا أَنْفَقَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا , غَيْرَ مُفْسِدَةٍ , كَانَ لَهَا أَجْرُهَا , وَلَهُ مِثْلُهُ بِمَا كَسَبَ , وَلَهَا بِمَا أَنْفَقَتْ , وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ , مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْتَقَصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ) . وَلَمْ يَذْكُرْ إذْنًا.
وَعَنْ أَسْمَاءَ , أَنَّهَا جَاءَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ لِي شَيْءٌ إلا مَا أَدْخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيْرُ , فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ أَنْ أَرْضَخَ مِمَّا يُدْخِلُ عَلَيَّ؟ فَقَالَ: (ارْضَخِي مَا اسْتطَعْتِ) والرضخ هو العطاء. وفي رواية للبخاري: قال: (تَصَدَّقِي) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَلأَنَّ الْعَادَةَ السَّمَاحُ بِذَلِكَ , وَطِيبُ النَّفْسِ , فَجَرَى مَجْرَى صَرِيحِ الإِذْنِ.
وَالرِّوَايَة الثَّانِيَة , لا يَجُوزُ. . . . وَالأَوَّلُ أَصَحُّ. . .
فَإِنْ مَنَعَهَا ذَلِكَ , وَقَالَ: لا تَتَصَدَّقِي بِشَيْءٍ , وَلا تَتَبَرَّعِي مِنْ مَالِي بِقَلِيلٍ , وَلا كَثِيرٍ. لَمْ يَجُزْ لَهَا ذَلِكَ اهـ بتصرف واختصار.
ويدل على عدم جواز تصدق المرأة من مال زوجها إلا بإذنه ما رواه أبو داود (٣٥٦٥) عن أَبي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (لا تُنْفِقُ الْمَرْأَةُ شَيْئًا مِنْ بَيْتِهَا إِلا بِإِذْنِ زَوْجِهَا. فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلا الطَّعَامَ؟ قَالَ: ذَاكَ أَفْضَلُ أَمْوَالِنَا) . صححه الألباني في صحيح أبي داود.
(إِلا بِإِذْنِ زَوْجِهَا) أي الإذن الصريح، أو بدلالة الحال. قاله في عون المعبود.
وسئلت اللجنة الدائمة عن امرأة تتصدق من مال زوجها بدون إذنه
فأجابت: " الأصل أنه ليس للمرأة أن تتصدق من مال زوجها بدون إذن منه، إلا ما كان يسيراً قد جرت العادة به، كصلة الجيران والسائلين بشيء يسير لا يضر زوجها، والأجر بينهما؛ لقول النبي ﷺ :.. ثم ذكرت حديث عائشة المتقدّم " اهـ.
فتاوى اللجنة الدائمة (١٠/٨١)
وسئل الشيخ ابن عثيمن ﵀: هل يجوز للمرأة أن تتصدق من مال زوجها لنفسها أو لأحد من أمواتها؟
فأجاب: " من المعلوم أن مال الزوج للزوج، ولا يجوز لأحد أن يتصدق من مال أحد إلا بإذنه، فإذا أذن الزوج لها أن تتصدق به لنفسها، أو لمن شاءت من أمواتها فلا حرج عليها، فإن لم يأذن فإنه لا يحل له أن تتصدق بشيء، لأنه ماله، ولا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه " اهـ.
مجموع فتاوى ابن عثيمين (١٨/٤٧٢)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12448
لا يعمل وزوجته تنفق عليه فهل يعتبر دينا عليه
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا كان الزوج لا يعمل والزوجة تعمل وهي تنفق كل نفقات المنزل، مثلا: (تشتري الطعام، تشتري الأشياء وتسدد الفواتير) هل تكون هذه النفقات دين على الزوج إذا لم يكن هناك اتفاق على أنها صدقة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
عرضنا هذا السؤال على فضيلة الشيخ عبد الله بن جبرين فأجاب حفظه الله قائلا:
إذا لم يكن هناك اتفاق فتعتبر هبة وتبرعا فليس لها أن تطالبه بها وقد بذلته باختيارها، أما إذا كان هناك شرط بالرجوع عليه فالمسلمون على شروطهم فلها مطالبته إذا أيْسر بكلّ ما أنفقت على بيته وعلى أولاده.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ عبد الله بن جبرين
стр. 12449
نفقة الولد من كسب أبيه المحرم
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا كنت صغيرا وأبواك يدخل عليهم أموال قد تكون حراما، مثلا يعملون في أعمال منها البارات ويتعاملون بالربا عند دفع تأمين على البيت الذي يستأجرونه. سؤالي هو: حسب علمي فإن هناك مجموعة من الأحاديث التي تذكر أن الله لا يقبل أدعية وصلوات الذين يتحصلون على أموالهم من مصادر محرمة. إذا كان قليل من المال من مصدر محرم وأنت مازلت صغيرا فهل ينطبق هذا الحديث عليك؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
تجب النفقة للولد على أبيه شرعا فيما يحتاجه من مسكن وملبس ومطعم ومشرب ونحو ذلك وإذا احتاج الولد جاز له أن يأخذ نفقته الواجبة من مال الأب ولو كان كسبه حراما ولا يتأثّر دعاء الولد حينئذ لأنّه لا حول له ولا قوّة وعلى الولد أن يراعي في هذه الحالة ما يلي:
١- أن لا يتوسّع في الأخذ من مال أبيه المحرّم
٢- أن يحاول إذا استطاع الاستغناء بكسب حلال يستقلّ به ويستغني عن نفقة أبيه
٣- أن يسعى جاهدا في النصح والموعظة لعل الله أن يهدي والديه فيتوبا من الكسب الحرام. والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 12450
أكل الزوجة والأولاد من كسب أبيهم المحرّم
[السُّؤَالُ]
ـ[كثير من العائلات المسلمة يعمل رجالها في بيع الخمور والخنزير وما شابه ذلك، وزوجاتهم وأولادهم كارهون لذلك علماً بأنهم يعيشون بمال الرجل، فهل عليهم من حرج في ذلك؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) وقال : (لا يكلّف الله نفسا إلا وسعها) ، فللزوجة والأولاد غير القادرين على الكسب الحلال أن يأكلوا للضرورة من كسب الزوج المحرم شرعاً، كبيع الخمر والخنزير وغيرهما من المكاسب الحرام بعد بذل الجهد في إقناعه بالكسب الحلال والبحث عن عمل آخر. فلهم أن يأخذوا النفقة الواجبة لهم على أبيهم وأن يكون ذلك بقدر الحاجة والكفاية دون توسّع والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 12451
متى يجب على الإنسان أن ينفق على والديه ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[متى يجب على الإنسان أن ينفق على والديه؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأصل في النفقة على الأقارب - كالوالدين والأبناء - الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) البقرة / ٢٣٣، وقوله تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً) الإسراء / ٢٣، ومن الإحسان الإنفاق عليهما عند حاجتهما.
وأما الإجماع فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن نفقة الوالدين الفقيرين اللذين لا كسب لهما ولا مال واجبة في مال الولد.
ويشترط لوجوب النفقة يسار المنفق، وإعسار المنفق عليه، واحتياجه إلى النفقة، وهذا باتفاق في الجملة.
[الْمَصْدَرُ]
الموسوعة الفقهية - ج/٣٩، ص ٢٢.
стр. 12452
ارتد زوجها فهل لها نفقة في وقت العدة
[السُّؤَالُ]
ـ[تزوجت شخصاً كان نصرانياً ثم ادَّعى الإسلام وصار يصلي فعشت معه فترة ثم خرج من الإسلام وترك الصلاة ففسخت النكاح وبدأت في العدة فهل أستحق نفقة منه في زمن العدة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نعم تستحقين النفقة وقت العدة لأن الفرقة إنما كانت بسبب الزوج لأنه ارتد عن الإسلام. قال الإمام الشافعي ﵀ في كتابه الأم ج٦: " وإن ارتد هو ـ أي الزوج ـ أنفق عليها ـ أي على زوجته ـ في عدتها لأنها لم تبن منه إلا بمضي عدتها " أ. هـ
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 12453
إذا كانت المرأة تعمل فهل يلزمها دفع مصاريف البيت
[السُّؤَالُ]
ـ[هل على المرأة الموظفة أن تتحمل مصاريف البيت لأن زوجها يقول إذا لم تدفعي مصاريف البيت فلا عمل لك مطلقا؟ وهل لزوجها حق في مرتبها الذي تتقاضاه مقابل عملها، وإذا كان عليها أن تتحمل مصاريف البيت فما هي النسبة بينها وبين زوجها؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
فهذه المسألة وهي مصاريف البيت بين الزوج والزوجة الذين تغربا للعمل وطلب الرزق ينبغي فيها المصالحة بينهما وعدم النزاع.
أما من حيث الواجب فهذا يختلف وفيه تفصيل:
١- إن كان الزوج قد شرط عليك أن المصاريف بينك وبينه وإلا لم يسمح لك بالعمل فالمسلمون على شروطهم يقول النبي ﷺ ﴿المسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرم حلالا، أو أحل حراما﴾ ويقول ﷺ ﴿إن أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج﴾ فأنتما على شروطكما إن كان بينكما شروط.
٢- أما إذا لم يكن بينكما شروط فالمصاريف كلها على الزوج، وليس على الزوجة مصاريف البيت، فهو الذي ينفق؛ قال الله جل وعلا ﴿لينفق ذو سعة من سعته﴾ وقال النبي ﷺ " وعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ".
فالإنفاق على الزوج، فهو الذي يقوم بحاجات البيت وشؤون البيت له ولزوجته وأولاده. ومعاشها لها وراتبها لها؛ لأنه في مقابل عملها وتعبها، وقد دخل على هذا ولم يشرط عليها أن المصاريف عليها أو نصفها أو نحو ذلك، إلا إذا سمحت بشيء من الراتب عن طيب نفس قال تعالى: ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا﴾ .
أما إن كان دخل على شيء مثل ما تقدم فالمسلمون على شروطهم.
وأنا أنصحك أن تسمحي ببعض الراتب لزوجك تطيبا لنفسه وحلاً للنزاع، وإزالة للإشكال حتى تعيشا في هدوء وراحة وطمأنينة، فاتفقا على شيء بينكما كنصف الراتب أو ثلثه أو ربعه أو نحو ذلك حتى تزول المشاكل وحتى يحل الوئام والراحة والطمأنينة محل النزاع، أو يسمح هو وأن يرضى بما قسمه الله له ويقوم بالنفقة حسب طاقته ويسمح عن راتبك كله ويترفع عن ذلك، أما إذا لم يتيسر ذلك فلا مانع من التحاكم إلى المحكمة في البلد التي أنتم فيها وفيما تراه المحكمة الشرعية كفاية إن شاء الله. وفق الله الجميع.
[الْمَصْدَرُ]
من فتاوى الشيخ عبد العزيز ابن باز.
стр. 12454
هل يؤجر المسلم على ما ينفق في البنيان
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يؤجر المرء على نفقة البناء؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: أما إنَّ كل بناءٍ وبالٌ على صاحبه إلا ما لا، إلا ما لا، يعني: ما لا بد منه.
رواه أبو داود (٥٢٣٧) وابن ماجه (٤١٦١) .
والحديث: صححه الشيخ الألباني في " السلسلة الصحيحة " (٢٨٣٠) .
عن خبَّاب بن الأرت قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: يؤجر الرجل في نفقته كلها إلا التراب - أو قال: في البناء -.
رواه الترمذي (٢٤٨٣) وابن ماجه (٤١٦٣) .
والحديث: صححه الشيخ الألباني في " السلسلة الصحيحة " (٢٨٣١) .
قال الشيخ الألباني:
واعلم أن المراد من هذا الحديث والذي قبله - والله أعلم - إنما هو صرف المسلم عن الاهتمام بالبناء وتشييده فوق حاجته، وإن مما لا شكَّ فيه أن الحاجة تختلف باختلاف عائلة الباني قلَّة وكثرة، ومَن يكون مضيافاً، ومن ليس كذلك، فهو مِن هذه الحيثية يلتقي تماماً مع الحديث الصحيح " فراش للرجل، وفراش لامرأته، وفراش للضيف، والرابع للشيطان ".
رواه مسلم (٦ / ١٤٦) وغيره، وهو مخرَّج في " صحيح أبي داود ".
ولذلك قال الحافظ بعد أن ساق حديث الترجمة وغيره:
" وهذا كله محمول على ما لا تمسّ الحاجة إليه مما لا بدَّ منه للتوطن، وما يقي الحرَّ والبرد ".
ثم حكى عن بعضهم ما يوهم أنَّ في البناء كله الإثم! فعقَّب عليه الحافظ بقوله:
" وليس كذلك، بل فيه التفصيل، وليس كل ما زاد منه على الحاجة يستلزم الإثم.. فإن في بعض البناء ما يحصل به الأجر، مثل الذي يحصل به النفع لغير الباني؛ فإنه يحصل للباني به الثواب، والله أعلم ".
" السلسلة الصحيحة " (حديث رقم ٢٨٣١) .
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 12455
هل تجب نفقة الابن على أبيه ولو كان غنياً
[السُّؤَالُ]
ـ[والد زوجي ساعد زوجي في الزواج، ثم سافر زوجي للعمل في إحدى دول الخليج، ولأن عليه ديوناً كثيرة يريد سدادها لم يرسل لوالده نقوداً.
الآن يطالبه والده بالنقود التي أنفقها على زواجه، مع أن والد زوجي طبيب ودخله جيد بما فيه الكفاية.
سؤالي:
أليس من الواجب على الأب أن يزوج ابنه، وما هو الواجب عمله في مثل هذه الظروف؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الوالد ملزم بتزويج ابنه إذا كان الوالد غنياً والابن فقيراً لا يستطيع الزواج؛ لان الزواج من النفقة الواجبة لقوله تعالى (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) البقرة / ٢٣٣، فيجب على الأب أن يزوج أبناءه إذا كان مستطيعاً وهم لا قدرة لهم، وأن ينفق عليهم فيما يتعلق بالطعام والشراب والدراسة ونحو ذلك لان النفقة واجبه على الأب.
ثانياً:
لا يجب على الابن أن يُنفق على أبيه إلا إذا توفر شرطان:
١- أن يكون الولد غنيا. (بأن يكون عنده ما يحتاج وزيادة)
٢- أن يكون الأب فقيرا.
فإذا توفر هذان الشرطان فإنه يجب عليه أن ينفق على والده؛ وهنا ذكرت السائلة أن والد زوجها طبيب وان دخله جيد؛ فإذا كان كذلك فإنه لا يجب عليه أن ينفق عليه، ولكن إذا طلب الوالد من ولده شيئا حتى لو كان غنياً؛ وكان الابن لا يحتاج إلى هذا المال ولا يتضرر بإعطاء والده؛ فإنه يعطي أباه لئلا يكون عاقاً لأبيه؛ وأما إن كان الابن محتاجاً للمال فلا يلزمه أن يعطي والده، وليبين لوالده ما يمرّ به من أزمة مالية، وأنه بعد سداد ديونه واستقراره المادي فإن سيقوم بإرسال المال لوالده بقدر استطاعته (ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها) .
والله اعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12456
هل تنفق على والديها الفقراء بدون رضى زوجها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[والدي بحاجة إلى مساعدة مالية لأن راتبه ضعيف ليصرف على نفسه وعلى والدتي، وأنا أعمل ووضعي المادي جيد جدا وأستطيع أن أصرف وأساعد والدي. لكن زوجي يمنعني من مساعدتهم ماديا بحجة أن لي إخواناً ذكوراً، وهم المسؤولون عن مصروف والديهم وليست مسؤولية البنات. علما بأن إخواني الثلاثة أوضاعهم المادية مستورة ولكنهم لا يستطيعون أن ينفقوا على والديّ. ونحن أربع بنات وأنا الوحيدة التي تعمل وتستطيع مساعدة أهلي ولكن زوجي يمنعني بشدة. ماذا علي أن أعمل هل أطيع زوجي وأسمع كلامه؟ أم أطيع أهلي وأساعدهم حتى لو كان هذا من دون علم زوجي؟ أرجو منكم أن تنصحوني، وهل يجب علي الزوجة إن كانت تريد أن تصرف على أهلها أن تستأذن زوجها في ذلك؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يجب على الولد المستطيع – ذكراً كان أم أنثى – أن ينفق على والديه الفقراء المحتاجين لما يكفيهم.
قال الله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) الإسراء/٢٣. ومن الإحسان الإنفاق عليهما عند حاجتهما.
وقال ابن المنذر ﵀:
أجمع أهل العلم على أن نفقة الوالدين الفقيرين اللذين لا كسب لهما ولا مال واجبة في مال الولد اهـ.
ووجود إخوة لك لا يمنع وجوب نفقة الوالدين عليك لأن إخوتك لا يستطيعون أن ينفقوا على والديك كما ذكرت.
انظر: "المغني" (١١/٣٧٥-٣٧٦)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "الاختيارات" ص ٤٨٧:
وعلى الولد الموسر (أي الغني) أن ينفق على أبيه المعسر (أي الفقير) وزوجة أبيه، وعلى إخوته الصغار اهـ.
وعلى هذا فقول زوجك إن ذلك مسؤولية إخوانك الذكور ليس بصحيح.
وإذا كانت نفقتك عليهم واجبة فلا يجوز لك أن تطيعي زوجك في هذا لأن النبي ﷺ يقول: (لا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ) . رواه البخاري (٤٣٤٠) ومسلم (١٨٤٠) .
ومع ذلك. . فعليك أن تتلطفي مع زوجك وتحاولي إقناعه بذلك، وأن ذلك أمر فرضه الله عليك، وأن عليه أن يعينك على بر الوالدين والإحسان إليهما.
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12457
نفقة الوالد على ولده إلى متى ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ابن أختي انتقل إلى السكن معي بعد أن كان يعيش في كنف أبيه، وقبلت ذلك على أن يرسل مبلغاً شهريّاً وقدره ٥٠٠ ريال، وبعد فترة قطع إرسال المبلغ واحتج أن ابنه لا يقوم بخدمته بحكم البعد عنه وأن علينا أن نتكلف بجميع احتياجاته من أكل وشرب وملبس وزواج وسيارة ووو ... وقد رفض والده أن يرسل ملف ابنه ليتعالج بالمجان على حساب الشركة التي يعمل بها، فهل يحق لنا المطالبة شرعا بالنفقة على ابنه الذي يبلغ من العمر ١٦ عاما وهو يدرس بالمرحلة الثانوية؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يجب على الرجل أن ينفق على والديه وأولاده إذا احتاجوا وكانوا فقراء.
قال الخرقي – ﵀:
(ويجبر الرجل على نفقة والديه، وولده، الذكور والإناث، إذا كانوا فقراء، وكان له ما ينفق عليهم) .
قال ابن قدامة – ﵀:
الأصل في وجوب نفقة الوالدين والمولودين الكتاب والسنة والإجماع؛ أما الكتاب فقول الله تعالى: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ، أوجب أجر رضاع الولد على أبيه، وقال سبحانه: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) ، وقال سبحانه: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) ، ومن الإحسان الإنفاق عليهما عند حاجتهما.
ومن السنة قول النبي ﷺ لهند: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) متفق عليه.
وروت عائشة أن النبي ﷺ قال: (إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه) رواه أبو داود (٣٥٢٨) وصححه الألباني في إرواء الغليل.
وأما الإجماع: فحكى ابن المنذر قال: أجمع أهل العلم على أن نفقة الوالدين الفقيرين اللذين لا كسب لهما، ولا مال، واجبة في مال الولد، وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن على المرء نفقة أولاده الأطفال الذين لا مال لهم.
" المغني " (٨ / ١٦٩، ١٧٠) .
وهذه النفقة الواجبة على الأب لها شروط، منها: أن يكون الابن محتاجاً إلى المال ولا يستطيع الاكتساب عاجزاً عن الكسب لصغره أو مرضه أو غير ذلك، وأن يكون الأب قادراً على الإنفاق.
قال ابن قدامة – ﵀:
ويشترط لوجوب الإنفاق ثلاثة شروط:
أحدها: أن يكونوا فقراء , لا مال لهم ولا كسب يستغنون به عن إنفاق غيرهم، فإن كانوا موسرين بمال أو كسب يستغنون به: فلا نفقة لهم؛ لأنها تجب على سبيل المواساة، والموسر مستغن عن المواساة.
الثاني: أن يكون لمن تجب عليه النفقة ما ينفق عليهم , فاضلا عن نفقة نفسه، إما من ماله وإما من كسبه، فأما من لا يفضل عنه شيء , فليس عليه شيء لما روى جابر أن رسول الله ﷺ – قال: (إذا كان أحدكم فقيرا فليبدأ بنفسه , فإن فضل فعلى عياله فإن كان فضل , فعلى قرابته) وفي لفظ: (ابدأ بنفسك ثم بمن تعول) حديث صحيح، وروى أبو هريرة (أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ – فقال: يا رسول الله عندي دينار قال: تصدق به على نفسك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على ولدك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على زوجك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على خادمك، قال: عندي آخر قال: أنت أبصر) رواه أبو داود (١٦٩١) قال الشيخ الألباني: حسن في سنن أبي داود.
ولأنها مواساة فلا تجب على المحتاج كالزكاة.
الثالث: أن يكون المنفِق وارثا لقول الله تعالى: (وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ) ؛ ولأن بين المتوارثين قرابة تقتضى كون الوارث أحق بمال الموروث من سائر الناس فينبغي أن يختص بوجوب صلته بالنفقة دونهم.
" المغني " (٨ / ١٦٨، ١٦٩) .
فالواجب على الأب أن ينفق على ابنه ما يحتاجه حتى يستغنى وقد نص العلماء ﵏ على أن من النفقة الواجبة للابن على أبيه أن يزوجه إذا احتاج إلى الزواج.
قال ابن قدامة – ﵀:
قال أصحابنا: وعلى الأب إعفاف ابنه إذا كانت عليه نفقته , وكان محتاجا إلى إعفافه، وهو قول بعض أصحاب الشافعي.
" المغني " (٨ / ١٧٢) .
وقال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:
حق الابن على أبيه ينتهي بمجرد استغنائه عنه، إذا كبر واستطاع أن يكتسب لنفسه وأن يستغني بكسبه: فإنه ينتهي حقه على والده في الإنفاق، أما مادام أنه صغير أو كبير ولكنه لم يستغن ولم يقدر على الاكتساب: فإنه يبقى على والده حق الإنفاق عليه حتى يستغني، وذلك بموجب القرابة.
" المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان " (٣ / ٢٤٠) .
فالخلاصة: أنه يجب على الوالد أن يتقي الله فيما استرعاه من رعية، فإن كان قادراً على نفقة ولده في التعليم والعلاج وغير ذلك مما يحتاجه الابن فلا يجوز له التقصير فيها.
والنصيحة لكم قبل رفع القضية إلى المحكمة أن توسطوا أهل الخير والصلاح ليقوموا بنصح الأب ووعظه، والإصلاح بينه وبين ولده، فبذله للنفقة عن طيب نفسي بعيداً عن المحاكم أقرب إلى سلامة قلب الأب ورضاه عن ولده.
والنصيحة كذلك للابن أن يبحث عن عمل يستغني به عن نفقة والده – لاسيما وقد بلغ الابن مبلغ الرجال – ويحاول الجمع بين العمل والدراسة، وهو أمر يسير، قد فعله من قبل كثيرون، ومن يستغن يغنه الله.
فإن تعذر ذلك وأصر الأب على موقفه، فلا بأس في هذه الحال من رفع الأمر إلى القاضي الشرعي ليقوم بإلزام الأب بما يجب عليه شرعاً. وكلما كان الأمر أبعد عن المحاكم والخصومات كان أولى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12458
هل يردُّ السلام على طائر الببغاء ؟!
[السُّؤَالُ]
ـ[في بيت جدِّي " ببغاء " حقيقي، إذا مررتُ بجانبه يلقي عليك السلام، فيقول: " السلام عليكم "، ففي هذه الحالة هل يجب عليَّ رد السلام على هذا الطائر؟ . وجزاكم الله خيراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
قال الفيومي ﵀:
البَبْغَاءُ:
طائر معروف، والتأنيث للفظ لا للمسمَّى، كالهاء في حمامة، ونعامة، ويقع على الذكر والأنثى، فيقال: " بَبْغَاءُ " ذكر، و" ببْغَاءُ " أنثى، والجمع: " بَبْغَاوَاتٌ "، مثل صحراء وصحراوات.
" المصباح المنير في غريب الشرح الكبير " (١ / ٣٥) .
ثانياً:
الذي يظهر: أنه لا يشرع رد السلام على " الببْغاء " - وقد تُشَدَّدُ الباءُ الثانيةُ - التي تعلَّم إلقاء السلام؛ لأن السلام عبادة، ودعاء، يحتاج لقصد من قائله، ولا قصد لذلك الحيوان المعلَّم، فيمتنع الرد عليه، وحكمه حكم الشريط الذي يسجَّل عليه سلام قائله، فيُسمع، فهو حكاية صوت، وليس له حكم السلام إن كان من صاحبه على الهواء مباشرة؛ فإنه يردُّ عليه وجوباً كفائيّاً.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
أحياناً يكون - أي: السلام - مسجَّلاً، ويضعونه على الشريط، ويسحبون عليه، إن كان مسجَّلاً: فلا يجب أن ترد؛ لأن هذا حكاية صوت ... .
" لقاء الباب المفتوح " (٢٢٩ / ٢٨) .
وانظر تتمة الفتوى، وتفصيل المسألة في جواب السؤال رقم: (١٢٨٧٣٧) .
وعليه: فطائر " الببغاء " لا يقصد السلام؛ لأنه لا عقل له، وما يقوله من ألفاظ فهي ترداد مجرد لما يتعلمه، غير مراد منه، وفيه يقول الشاعر:
ملأ الأرض هتافًا بحياة قاتليه ... يا له من ببغاء عقله في أذنيه
وقد صرح بعض أهل العلم بعدم مشروعية السجود، في حال سُمعت الآية من " ببغاء "، أو سمعت من شريط تسجيل.
وفي نتائج كتاب " بهجة الأسماع في أحكام السماع في الفقه الإسلامي " للأستاذ علي بن ذريان بن فارس الحسن العنزي - طبعة دار المنار في الكويت -:
" لا يسجد السامع بسماع سجدة التلاوة من غير الآدمي، كالطيور المعلَّمة، مثل " الببغاء "، وكسماعها مِن الصدى ". انتهى
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12459
التعليق على مقولة " أعذرُ ربي يوم أن فعل بي كذا وكذا "!!
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز قول الرجل: (بعذر الله بي يوم أنه سوى بي كذا وكذا) ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إن الإسلام عظَّم شأن الكلمة التي يتكلم بها المرء , ولذلك جاء التحذير من إلقاء الكلام على عواهنه، قال تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) ق/ ١٨.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِى لَهَا بَالاً، يَرْفَعُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِى لَهَا بَالاً يَهْوِى بِهَا فِي جَهَنَّمَ) رواه البخاري (٦١١٣) .
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ) رواه البخاري (٥٦٧٢) ومسلم (٤٧) .
قال النووي ﵀:
إذا أراد أن يتكلم: فإن كان ما يتكلم به خيراً محقّقاً يثاب عليه، واجباً، أو مندوباً: فليتكلم , وإن لم يظهر له أنه خيرٌ يثاب عليه: فليمسك عن الكلام، سواء ظهر له أنه حرام، أو مكروه، أو مباح مستوي الطرفين، فعلى هذا: يكون الكلام المباح مأموراً بتركه، مندوباً إلى الإمساك عنه، مخافة من انجراره إلى المحرم، أو المكروه , وهذا يقع في العادة كثيراً، أو غالباً، وقد قال الله تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) .
"شرح مسلم" (٢/١٩) .
وهذه الجملة الوارد ذِكرها في السؤال: قبيحة اللفظ، سيئة المعنى، وهي تحتمل في طياتها معنى لا يليق بالله سبحانه , وكأن العبد له أن يعذر الله، أو لا يعذره! أو ربما لا يعذره في بعض الأمور؛ لأن الله – في ظنه – يظلمه - والعياذ بالله- , والله تعالى يقول: (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) الأنبياء/٢٣، وذلك لكمال حكمته وعلمه وعدله ومشيئته، ويقول: (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) يونس/٤٤.
قال ابن كثير ﵀ في بيان حكمة الله فيما يشرع:
فهو الحاكم، المتصرف في ملكه بما يشاء، الذي لا يُسْأل عما يفعل وهم يسألون؛ لعلمه، وحكمته، وعدله، ولهذا قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) يونس/ ٤٤، وفي الحديث عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ فيما يرويه عنه ربه : (يَا عِبَادي إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمُ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُم مُحَرَّماً فَلَا تَظَالَمُوا) – رواه مسلم -
"تفسير ابن كثير" (٤/٢٧١) .
ومن اعتقد في ربه تعالى أن له كمال العلم، وكمال العدل، وكمال الحكمة: لم تصدر منه هذه الكلمة، ولا مثيلاتها، وليعلم كل عبدٍ أن الله تعالى لا يؤاخذه على كل ما يعمل، وأنه لو آخذ تعالى الناس بكل ما عملوا ما ترك على ظهر الأرض أحداً، ولذا فإنه تعالى يعفو عن كثير، وما يؤاخذ به فهو القليل من أفعال العباد، قال تعالى: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) النحل/٦١، وقال تعالى: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً) فاطر/ ٤٥.
والصحيح في هذه الآيات ومثيلاتها أنها عامة في الكفار والمسلمين، كما حققه العلَاّمة الشنقيطي في "أضواء البيان" (٢/٣٩٠ – ٣٩٣) .
وبه يعلم المسلم أن ما أصابه من مصائب وعقوبات إنما هو بسبب ذنوبه، وما اكتسبته يداه، ولم يظلمه ربه تعالى، بل قد عفا عن كثيرٍ من زلاته، كما قال تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) الشورى/٣٠.
قال ابن كثير ﵀:
وقوله: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) أي: مهما أصابكم أيها الناس من المصائب: فإنما هو عن سيئات تقدمت لكم، (وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) أي: من السيئات، فلا يجازيكم عليها بل يعفو عنها، (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ) فاطر/ ٤٥.
"تفسير ابن كثير" (٤/٤٣٣) .
فالله تعالى لا يحتاج أن يعذره عباده، فهم الظالمون لأنفسهم، والمقصرون في شكر نعمه، والقيام بحقه.
فعلى المسلم ألا يتلفظ بهذه الكلمة، ومن تلفظ بها فعليه أن يتوب منها ويستغفر، ويندم على قولها، ويعزم على عدم العود لها.
وهذا الذي قلناه إنما هو بحسب ما ظهر لنا من معنى الكلمة، فإن كان المتكلم بها يريد معنىً آخر، فالله أعلم.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12460
حديث: (لا تكونوا إمعة) لا يصح سندا، ومعناه صحيح
[السُّؤَالُ]
ـ[ما مدى صحّة حديث سيدنا محمد ﷺ حين قال: (لا يكون المؤمن إمّعة، ذا أساء النّاس أساء معهم، وإذا أحسنوا أحسن معهم) ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الحديث روي من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً، تَقُولُونَ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ، إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا) رواه الترمذي (٢٠٠٧) بإسناد ضعيف.
وقد ضعفه الشيخ الألباني ﵀ في "ضعيف الترمذي" غير أنه صححه من قول عبد الله بن مسعود ﵁.
ولا شك أن المعنى الذي تضمنه الحديث صحيح، فالذي ينبغي للمؤمن أن يحسن اعتقاداته وأقواله وأعماله، سواء أحسن الناس أم أساؤوا.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
"الواجب على المسلم أن يعتز بدينه ويفتخر به، وأن يقتصر على ما حده الله تعالى ورسوله ﷺ في هذا الدين القيم الذي ارتضاه الله تعالى لعباده، فلا يزيد فيه ولا ينقص منه، والذي ينبغي للمسلم أيضا ألا يكون إمَّعَةً يتبع كلَّ ناعق، بل ينبغي أن يُكَوِّن شخصيته بمقتضى شريعة الله تعالى حتى يكون متبوعا لا تابعا، وحتى يكون أسوة لا متأسيا، لأن شريعة الله - والحمد لله - كاملة من جميع الوجوه كما قال الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً) المائدة/٣" انتهى.
"مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين" (٢/٣٠١) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12461
حكم التلقب في المنتديات بمثل " القرآن والسنَّة " أو " الله ربي " أو القرآن منهجي "
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم الشرع في امرأة، أو رجل يتسمَّى بـ " القرآن والسنَّة " في المنتديات، ويطلب دليلاً من القرآن والسنَّة على تحريم التسمِّي للبشر بالقرآن والسنَّة؟ . وهل يصح مناداته بـ " أخي "، ثم يتبعها بالقرآن والسنَّة؟ . وما حكم الشرع في التسمِّي بأسماء تبدأ بلفظ الجلالة مثل: " الله المستعان "، " الله أعلم "، " الله ربي "، " الله كريم "؟ . ومثل " القرآن طريقي "، " القرآن حياة القلوب "، " القرآن منهجي ". وهل يجوز مناداتهم بـ " أخي "، ثم يتبعونها بهذه الأسماء؟ . أفيدونا جزاكم الله تعالى كل خير.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا شك أن التسمية من المطالب الشرعية التي عمل الشرع على ضبطها، ووضع القواعد لها؛ فقد كان النبي ﷺ ينهى عن التسمية بالأسماء القبيحة , وبالأسماء التي تقتضي تزكية، ومدحاً، كـ " برَّة "، و " تقية "، وغيرها , وحث على التسمية ببعض الأسماء كـ " عبد الله " و " عبد الرحمن "، وكره التسمية ببعض الأسماء، كـ " حرب "، و " مُرَّة ".
وسبب هذا الاهتمام من الشرع أن المسلم مطلوب منه التميز في كل الأمور، حتى في مثل هذه الأمور التي قد يستقلها بعض الناس.
وينظر أجوبة الأسئلة: (٧١٨٠) و (١٦٩٢) و (١٠١٤٠١) ففيها ضوابط تسمية الذكور، والإناث، وإطلاق الألقاب، وفيها بيان الأسماء المحرَّمة، والمكروهة.
ثانياً:
الذي يظهر: أن التسمية بـ " القرآن والسنَّة "، أو " القرآن طريقي "، أو " القرآن حياة القلوب"، أو " القرآن منهجي ": لا يصح، وذلك لأسباب:
١. سبق في الأجوبة المحال عليها أنه من الأسماء المكروهة التي تشتهر في بعض بلاد المسلمين، الأسماء المضافة إلى لفظ " الدين "، أو " الإسلام "، مثل: نور الدين، أو عماد الدين، أو نور الإسلام، ونحو ذلك فقد كرهها أهل العلم للذكور والإناث، لما فيها من تزكية صاحبها تزكية عظيمة
قال الشيخ بكر أبو زيد ﵀:
وذلك لعظيم منزلة هذين اللفظين - " الدين "، و " الإسلام " -، فالإضافة إليهما على وجه التسمية: فيها دعوى فجَّة تُطل على الكذب.
" تسمية المولود " (ص ٢٢) .
فهذا الكاتب، وذاك: ليسا هما الكتاب، ولا السنَّة، لا حقيقة ولا حالا.
ومثله، بل أشد منه في المنع، التلقب بـ " سبحان الله "! ، أو " سبحان الله وبحمده "!
سئل علماء اللجنة الدائمة:
مقدَّم لسعادتكم السيد " سبحان الله ميانقل "، باكستاني الجنسية، والمقيم بالمملكة العربية السعودية، بمدينة جدة، وأعمل مؤذناً في وزارة الأوقاف، ولقد تم الاعتراض من قبل إدارة الحج والأوقاف بخصوص اسمي، وكل ما أرجوه من سعادتكم هو إفتاؤنا عن هذا الاسم من الناحية الإسلامية والشرعية، هل هو اسم جائز أم لا؟ وإن كان غير جائز: فالرجاء إفادتنا بمعروض من قبلكم حتى يتسنى لي تغيير الاسم من الجوازات، ولكم جزيل الشكر، والعرفان.
فأجابوا:
يجب عليك تغيير هذا الاسم؛ لأن شخصك ليس هو سبحان الله، وإنما " سبحان الله " ذِكر من الأذكار الشرعية.
ويجب أن يغيَّر إلى اسم جائزٍ شرعاً، كعبد الله، ومحمد، وأحمد، ونحوها.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١١ / ٤٧٧، ٤٧٨) .
٢. أن في تلك الأسماء تزكية للمتسمي، أو المتلقب بها، وقد نهى الله ﵎ عن تزكية النفس، وقد ذكرنا التفصيل في الأجوبة المحال عليها.
وقد سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
ما حكم هذه الألقاب " حجة الله "، " حجة الإسلام "، " آية الله "؟ .
فأجاب:
هذه الألقاب " حجة الله "، " حجة الإسلام ": ألقاب حادثة، لا تنبغي؛ لأنه لا حجة لله على عباده إلا الرسل ... .
" مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " (٣ / ٨٨) .
٣. أن فيها منافاة لأسلوب لغة العرب؛ فإن هذه العبارات قد وضعت لمعان مقصودة شرعا، معروفة في لغة العرب، ولا يعرف في لغة العرب التسمي، أو التلقب بـ " الله المستعان "، أو " الله أعلم "، أو " الله ربي "، أو " الله كريم "، ومثيلاتها.
٤. أنه ربما يترتب على أولئك الأعضاء الذين تسموا، وتلقبوا بتلك الأسماء، والألقاب: ردودٌ، وتعقبات، فيها إنقاص لقدر القرآن، والسنَّة، والرب ﵎، كقولهم لهم: (أخطأت يا " الكتاب والسنة "!) ، و (لم تصب يا " القرآن طريقي "!) ، هذا عدا عما يمكن أن يكون من سب، وشتم، مما يؤدي إلى امتهان هذه المسمَّيات , والقدح بها.
٥. أنه قد يُذكر وفاة من تسمى أو تلقب بتلك الألقاب! فماذا سيقال في ذلك المنتدى، وغيره؟! سيقال: وفاة " الله ربي!! "، وسيقال: توفي اليوم "القرآن والسنَّة!! "، ولا شك أن هذا قبيح أشد القبح، ومحرَّم أشد التحريم.
والخلاصة:
أنه يحرم التسمية والتلقب، بتلك الأسماء والألقاب الوارد ذِكرها في السؤال، والنصيحة لأولئك، بل الواجب الشرعي: أن يجتنبوا هذه التسميات والألقاب، وعليهم أن يقتصروا على ما هو صحيح ومباح من الأسماء والألقاب، ويخلو من المخالفة الشرعية.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12462
متابعة أخبار الممثلين فراغ وضياع
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم متابعة أخبار الممثلين والممثلات والفساق وإن لم يقلدهم، وخاصة إن كانوا من الكفار أيضا، لكن لا يتأثر بهم، فقط للتسلية؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ثمة كثير من الأمور التي يتجاوز خطرها الفرد إلى خطورة كامنة على المجتمع كله: على ثقافته، وأخلاقه، وقيمه، وعلى مستقبله المرهون بحاضره وماضيه، ولكنَّ كُمونَ خطورتها تغرُّ بعض الناس حين يقيسها على مستواه الشخصي، وهي في الحقيقة تؤثر فيه أوَّلًا، ثم في غيره ثانيا.
ولعل من أخطر الجوانب الثقافية التي تواجهها مجتمعاتنا اليوم هي " الفن والتمثيل "، فقد غدت البيوت اليوم رهينةَ تلك الشاشات الفضائية المشبعة بالمسلسلات، والأفلام، والمسرحيات، وأبطال السينما والغناء والطرب، ولا يكاد ينجو أحد من هذه البؤر المظلمة إلا القليل، فلكِ أن تتخيلي أختي السائلة حجم الضخ الثقافي الهائل الذي يتدفق من هذه الفئة من الناس!
ولو سألنا أنفسنا من أين وفدت علينا ثقافة الغرب الكافر بل الملحد، ومن أين وفدت إلينا فنون العلاقات المحرمة بين الجنسين، وما الذي أوقد سعار الشهوة والفتنة، وكيف تسلَّلت إلينا عادات أمم تخبطت في الجهل واللذة والشهوة، بل من أين تعلَّمَ أبناؤُنا الجريمة والقطيعة والتيه والضياع، وما الذي حوَّلَ عقول وقلوب كثير من الناس إلى مسرحٍ للأوهام والأحلام الضائعة والأماني الكاذبة.
ولو سألنا أنفسنا أين ذهبت طاقات الشباب، وفي أي شيء صرفت الأعمار، ولماذا ضعف البناء، وكثر الهدم، وماتت الهمم، وطغى سلطان الغفلة، ما الذي تربى أبناؤنا عليه، وشغل فكر فتياتنا، بل وحتى كهولنا، وما الذي خدَّر أمتنا عن العمل والإنتاج والريادة، وساقها إلى واقعٍ مليئ بالحسرات والضعف والهوان، لو بحثنا عن أجوبة تلك الأسئلة لوجدنا الجواب متمثلا وشاخصا في أقبح صوره في الملايين من الأفلام والمسرحيات والمسلسلات والأغاني التي استحوذت على عقول كثير من الناس اليوم.
أليس لهذه الشاشات الدور الأكبر في طغيان هذا السلطان، وهو طغيان يتضاعف مع الأيام نتيجة سيطرة النظرة المادية للكون كله، حيث تقرر المفاهيم الغربية السائدة اليوم، أن العالم مادة استعمالية للشهوة واللذة، فينبغي استيفاء أكبر قدر من اللذة قبل الموت، ولن يكون ذلك إلا بتفجير طاقات العالم لابتكار الفجور في أبشع وأشنع صوره التي عرفها التاريخ.
هل يريد المتابع لهذه الفئة من الناس أن يساهم في المسخ لكرامة الإنسان، فضلا عن قيمه ودينه ومبادئه.
أليس لنا – ونحن المسلمون الموحدون لله من الطموح والأماني ما يشغل علينا أوقاتنا وجهودنا وأفكارنا عن متابعة أمثال هؤلاء؟!
ألم يفتح الله لنا أبواب الحلال الكثيرة التي تبهج أنفسنا، وتسعدنا وأهلينا السعادة الحقيقية البعيدة عن غضب الله وسخطه؟!
أين هي الغيرة على محارم الله أن تنتهك؟! وأين هي الحمية للفضيلة التي أصبح كثير منا مشاركا في حربها تحت أعذار التسلية وقطع الأوقات؟!!
من يصدق زعم من يزعم من المتابعين أنه لا يحب هؤلاء الممثلين ولا يتشبه بهم، أو لا يتأثر بهم، وإنما يبحث عن التسلية فقط!!
إن كان المتابع شابا فأين سيذهب ببصره عن الصور شبه العارية، وإن كانت المتابعة فتاة فأين ستذهب بنظرها، وقلبها عن صور الرجال الفاتنة ومناظر العلاقات المحرَّمة؟!
يقول الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ. وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ. لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ. وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) الحشر/١٨-٢١.
ألا نعلم جميعا أننا محاسبون على أعمارنا، مسؤولون أمام الله عن أوقاتنا وسني شبابنا، فكيف سيجيبه من قضى الساعات الطوال منها في متابعة الساقطين من البشر، وكيف سيكون موقف المسلم بين يدي الله تعالى حين يسأله عن قلبه كيف امتلأ بحب أصحاب المعاصي، وخلا من حب الله .
هل يبحث هؤلاء الذين يلهثون وراء أخبار الممثلين والممثلات عن السعادة في جنبات كلامهم وعاداتهم، فإن كان كذلك فليشفق على نفسه، وليوقن أنه لن يرجع إلا بالضيق والهم والنكد، كحال هؤلاء الممثلين الذين نسمع عن انتحار بعضهم، وغرق آخرين في المخدرات، وتفكك أسرهم وأمراض آخرين منهم أمراضا نفسية، وهم يتسترون بالابتسامات العريضة أمام شاشات التلفاز.
ولسنا نقول هذا من عند أنفسنا، بل هي الحقائق تتحدث، والقرآن يقرر ذلك في قوله : (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) طه/١٢٤.
إن المحسنين والمصلحين والمخلصين ينتظرون اليوم الذي تقبل فيه الأمة بأغلبيتها على البناء والعمل، وتنتشر بينهم الديانة والفضيلة، وتستتر فيه المعصية أو تنعدم، فلنكن جميعا عونا على قرب ذلك اليوم، ولا نسخر أنفسنا في نصرة الشيطان وجنوده.
وننقل هنا بيانا كتبته اللجنة الدائمة للفتوى (١٧/١١٧) في شأن خطر المجلات الخليعة، رأيناه مناسبا ومنطبقا تماما على شأن متابعة أخبار الممثلين، ننقله هنا، ونرجو أن يستفيد القارئ منه:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:
فقد أصيب المسلمون في هذا العصر بمحن عظيمة، وأحاطت بهم الفتن من كل جانب، ووقع كثير من المسلمين فيها، وظهرت المنكرات، واستعلن الناس بالمعاصي بلا خوف ولا حياء، وسبب ذلك كله: التهاون بدين الله، وعدم تعظيم حدوده وشريعته، وغفلة كثير من المصلحين عن القيام بشرع الله، والأمر المعروف والنهي عن المنكر، وإنه لا خلاص للمسلمين، ولا نجاة لهم من هذه المصائب والفتن إلا بالتوبة الصادقة إلى الله تعالى، وتعظيم أوامره ونواهيه، والأخذ على أيدي السفهاء، وأطرهم على الحق أطرا.
وإن من أعظم الفتن التي ظهرت في عصرنا هذا ما يقوم به تجار الفساد، وسماسرة الرذيلة، ومحبو إشاعة الفاحشة في المؤمنين: من إصدار مجلات خبيثة تحاد الله ورسوله في أمره ونهيه، فتحمل بين صفحاتها أنواعا من الصور العارية، والوجوه الفاتنة المثيرة للشهوات، الجالبة للفساد، وقد ثبت بالاستقراء: أن هذه المجلات مشتملة على أساليب عديدة في الدعاية إلى الفسوق والفجور، وإثارة الشهوات، وتفريغها فيما حرمه الله ورسوله، ومن ذلك أن فيها:
١- الصور الفاتنة على أغلفة تلك المجلات وفي باطنها.
٢- النساء في كامل زينتهن يحملن الفتنة ويغرين بها.
٣- الأقوال الساقطة الماجنة، والكلمات المنظومة والمنثورة، البعيدة عن الحياء والفضيلة الهادمة للأخلاق المفسدة للأمة.
٤- القصص الغرامية المخزية، وأخبار الممثلين والممثلات، والراقصين والراقصات، من الفاسقين والفاسقات.
٥- في هذه المجلات الدعوة الصريحة إلى التبرج والسفور، واختلاط الجنسين، وتمزيق الحجاب.
٦- عرض الألبسة الفاتنة الكاسية العارية على نساء المؤمنين؛ لإغرائهن بالعري والخلاعة، والتشبه بالبغايا والفاجرات.
٧- في هذه المجلات العناق والضم والقبلات بين الرجال والنساء.
٨- في هذه المجلات المقالات الملتهبة، التي تثير موات الغريزة الجنسية قي نفوس الشباب والشابات، فتدفعهم بقوة ليسلكوا طريق الغواية والانحراف، والوقوع في الفواحش والآثام
والعشق والغرام.
فكم شغف بهذه المجلات السامة من شباب وشابات، فهلكوا بسببها، وخرجوا عن حدود الفطرة والدين.
ولقد غيرت هذه المجلات في أذهان كثير من الناس كثيرا من أحكام الشريعة، ومبادئ الفطرة السليمة بسبب ما تبثه من مقالات ومطارحات، فاستمرأ كثير من الناس المعاصي والفواحش، وتعدى حدود الله بسبب الركون إلى هذه المجلات، واستيلائها على عقولهم وأفكارهم. والحاصل: أن هذه المجلات قوامها التجارة بجسد المرأة، التي أسعفها الشيطان بجميع أسباب الإغراء ووسائل الفتنة؛ للوصول إلى نشر الإباحية، وهتك الحرمات، وإفساد نساء المؤمنين، وتحويل المجتمعات الإسلامية إلى قطعان بهيمية، لا تعرف معروفا ولا تنكر منكرا، ولا تقيم لشرع الله المطهر وزنا، ولا ترفع به رأسا، كما هو الحال في كثير من المجتمعات، بل وصل الأمر ببعضها إلى التمتع بالجنسين عن طريق العري الكامل فيما يسمونه: (مدن العراة) عياذا بالله من انتكاس الفطرة، والوقوع فيما حرمه الله ورسوله.
هذا وإنه بناء على ما تقدم ذكره من واقع هذه المجلات، ومعرفة آثارها وأهدافها السيئة، وكثرة ما يرد إلى اللجنة من تذمر الغيورين من العلماء وطلبة العلم، وعامة المسلمين من انتشار عرض هذه المجلات في المكتبات والبقالات والأسواق التجارية - فإن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ترى ما يلي:
أولا: يحرم إصدار مثل هذه المجلات الهابطة، سواء كانت مجلات عامة، أو خاصة بالأزياء النسائية، ومن فعل ذلك، فله نصيب من قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) .
ثانيا: يحرم العمل في هذه المجلات على أي وجه كان، سواء كان العمل في إدارتها، أو تحريرها، أو طباعتها، أو توزيعها؛ لأن ذلك من الإعانة على الإثم والباطل والفساد، والله -جل وعلا- يقول: (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) .
ثالثا: تحرم الدعاية لهذه المجلات وترويجها بأية وسيلة؛ لأن ذلك من الدلالة على الشر والدعوة إليه، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا) أخرجه مسلم في صحيحه. رابعا: يحرم بيع هذه المجلات، والكسب الحاصل من ورائها كسب حرام، ومن وقع في شيء من ذلك وجب عليه التوبة إلى الله تعالى، والتخلص من هذا الكسب الخبيث.
خامسا: يحرم على المسلم شراء هذه المجلات واقتناؤها؛ لما فيها من الفتنة والمنكرات، كما أن في شرائها تقوية لنفوذ أصحاب هذه المجلات، ورفعا لرصيدهم المالي، وتشجيعا لهم على الإنتاج والترويج، وعلى المسلم أيضا أن يحذر من تمين أهل بيته - ذكورا وإناثا - من هذه المجلات؛ حفظا لهم من الفتنة والافتتان بها، وليعلم المسلم أنه راع ومسئول عن رعيته يوم القيامة.
سادسا: على المسلم أن يغض بصره عن النظر في تلك المجلات الفاسدة؛ طاعة لله ولرسوله ﷺ ، وبعدا عن الفتنة ومواقعها، وعلى الإنسان ألا يدعي العصمة لنفسه، فقد أخبر النبي ﷺ أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: كم نظرة ألقت في قلب صاحبها البلاء، فمن تعلق بما في تلك المجلات من صور وغيرها أفسدت عليه قلبه وحياته، وصرفته إلى ما لا ينفعه في دنياه وآخرته؛ لأن صلاح القلب وحياته إنما هو في التعلق بالله ﷻ ، وعبادته وحلاوة مناجاته، والإخلاص له، وامتلاؤه بحبه سبحانه.
سابعا: يجب على من ولاه الله على أي من بلاد الإسلام أن ينصح للمسلمين، وأن يجنبهم الفساد وأهله، ويباعدهم عن كل ما يضرهم في دينهم ودنياهم، ومن ذلك منع هذه المجلات المفسدة من النشر والتوزيع، وكف شرها عنهم، وهذا من نصر الله ودينه، ومن أسباب الفلاح والنجاح والتمكين في الأرض، كما قال الله سبحانه: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) .
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم " انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12463
أمه نصرانية وأبوه مسلم سيء فهل يهاجر من بلده دون إذنهما ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أمي مسيحية، وأبي مسلم سيئ، وأريد - إن شاء الله - أن أهاجر - فقط – إن شاء الله ـ لبلد مسلم، فهل من الجائز، أو من الواجب عليَّ تركهما حتى أقوم بواجباتى تجاه الله؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
كل من يعيش في بلاد لا يستطيع فيها القيام بشعائر الإسلام، وبما أوجبه الله عليه: فلا يحل له البقاء فيها، مع توفر بلاد أخرى يستطيع فيها القيام بذلك، ويتحتم ذلك إن كان البدل الذي يعيش فيه من بلاد الكفر، ورأس مال المسلم هو دينه، فيجب الحفاظ عليه، وعدم التفريط فيه، وإذا اختار البقاء في البلاد التي لا يستطيع إظهار دينه والقيام بما أوجبه الله عليه، مع استطاعته الخروج منها إلى بلاد المسلمين: فهو آثم على بقائه، وعلى تفريطه في الواجبات الشرعية، ولن يكون من المعذورين يوم الحساب فيما فرط فيه من دينه.
قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً) النساء/٩٧.
قال القرطبي – ﵀:
والمراد بقوله (ألم تكن أرض الله واسعة) : المدينة، أي: ألم تكونوا متمكنين قادرين على الهجرة والتباعد ممن كان يستضعفكم؟ وفي هذه الآية دليل على هجران الأرض التي يُعمل فيها بالمعاصي.
" تفسير القرطبي " (٥ / ٣٤٦) .
وقال ابن كثير – ﵀:
وقال الضحاك: نزلت في ناس من المنافقين، تخلفوا عن رسول الله ﷺ بمكة، وخرجوا مع المشركين يوم بدر، فأصيبوا فيمن أصيب، فنزلت هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنا من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه مرتكب حراماً بالإجماع، وبنص هذه الآية، حيث يقول تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ) أي: بترك الهجرة، (قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ) أي: لم مكثتم هاهنا وتركتم الهجرة؟ (قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ) أي: لا نقدر على الخروج من البلد، ولا الذهاب في الأرض (قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً [فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً) .
" تفسير ابن كثير " (٢ / ٣٨٩) .
وقال علماء اللجنة الدائمة:
إذا كنتَ تستطيع الانتقال إلى بلاد المسلمين: فإنه يجب عليك ذلك؛ فراراً بدينك؛ لأن الله سبحانه قد أوجب على المسلم الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، وتوعد من لم يفعل ذلك، وهو قادر عليه، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) النساء/٩٧.
وأما إذا كنت لا تستطيع الهجرة: فإنك معذور، بشرط التمسك بدين الإسلام، والثبات عليه؛ لقوله تعالى بعد الآية السابقة: (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا. فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً) النساء/ ٩٨، ٩٩.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٢ / ٥٧، ٥٨) .
وقالوا – أيضاً -:
لا تجوز الإقامة في بلد يحال فيه بين المسلم وإظهاره شعائر الإسلام وإعلانها، فعلى من يستطيع الهجرة أن يهاجر منه إلى بلد يتمكن فيها من إقامة شعائر دين الإسلام وإعلانها، ويتم له التعاون مع المسلمين على البر والتقوى، ويكثر به سواد المسلمين، وسوف لا يعدم رزقاً؛ فإنه من يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدراً، ومن بقي في تلك الأماكن وأمثالها مما فيه حجر على المسلمين في إعلان شعائر دينه، بعد قدرته على الهجرة منه: فهو آثم، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) النساء/٩٧.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٢ / ٥٤، ٥٥) .
ومن هاجر في سبيل الله تعالى فراراً من الفتن، وإقامة لشعائر الدين: فإن الله قد وعده بالهداية والتوفيق والرزق.
قال تعالى: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) النساء/١٠٠.
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) الأنفال/٧٤.
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) النحل/٤١.
وقال تعالى: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) النحل/١١٠.
وانظر جواب السؤال رقم: (٣٢٢٥) ففيه بيان المواصفات الواجب توافرها في البلاد المهاجر إليها.
ثانياً:
بالنسبة لوالديك: فإنه إن كان وجودك عندهما يمنعك من إقامة شعائر دينك، والقيام بما أوجبه الله تعالى عليك: فإنه لا يجب عليه الاستئذان منهما، وبخاصة أن والدتك كافرة، ووالدك إن كان لا يصلي ـ البتة ـ فهو يلحق بها في الحكم؛ لأنه يكون بتركه للصلاة مرتداً، وقد نصَّ العلماء أن الذي يُستأذن هما الأبوان المسلمان، وحتى لو كانا مسلميْن: فإنه لا ينبغي اختيار البقاء معهما على حساب القيام بالواجبات الشرعية؛ لأن الهجرة تصير في حقك واجبة.
عَن عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: أَقْبَلَ رَجُلٌ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ أَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنْ اللَّهِ، قَالَ: فَهَلْ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ، بَلْ كِلَاهُمَا، قَالَ: فَتَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنْ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا.
رواه البخاري (١٦٧١) ومسلم (٢٥٤٩) .
قال الخطابي – ﵀:
إن كان الخارج فيه متطوعاً: فإن ذلك لا يجوز إلا بإذن الوالدين، فأما إذا تعيَّن عليه فرض الجهاد: فلا حاجة إلى إذنهما، هذا إذا كانا مسلميْن، فإن كانا كافريْن: يخرج بدون إذنهما، فرضاً كان الجهاد، أو تطوعا.
انظر " عون المعبود " (٥ / ٤٢٤) .
وفي " دليل الفالحين لطرُق رياض الصالحين " (٢ / ٤٦٣) لمحمد بن علان الصديقي – ﵀:
أسقط الشارع عنه وجوب الهجرة تقديماً لحق أبويه، فإن الهجرة إن كانت واجبة عليه: فقد عارضها ما هو أوجب منها، وهو حق الوالدين، وإن لم تكن واجبة: فالواجب أولى، لكن هذا إنما يصح ممن يسلم له دينه في موضعهما، أما لو خاف على دينه: وجب عليه الفرار به، وترك آبائه، وأبنائه، كما فعل المهاجرون الذين هم صفوة الله من العباد.
انتهى.
ولا ننسى في النهاية أن نذكرك بدعوة والديك للحق، فهما أحوج ما يكون لذلك؛ إنقاذاً لهما من الكفر والإثم، وعليك سلوك الطرق الحكيمة في دعوتهما، وبما أنك تحتاج للهجرة من أجل دينك، ولا يظهر أن والديك يحتاجانك، وهما على ما هما عليه من الكفر والضلال: فلا تتحرج من الهجرة لبلاد تنقذ بها نفسك، مع ضرورة التنبه لدعوة أهلك، والإحسان إليهم، وحتى لو سافرت وهاجرت فلا تقطع الصلة بهما، وداوم على دعوتهما، فلعل الله أن ينقذهما بك.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12464
خلافات أدت إلى قطيعة الرحم
[السُّؤَالُ]
ـ[هناك خلافات عائلية بين أبي وعمتي مما جعل صلة الرحم تنقطع بيننا، هل في ذلك إثم؟ علما أن العمة تقوم بزيارتنا من جهتها.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا شك أن قطيعة الرحم من كبائر الذنوب، والنصوص الكثيرة في الكتاب والسنة التي جاءت في الأمر بصلة الرحم تدل على عظم شأن هذا الموضوع في شريعتنا السمحة، فإن من أعظم مقاصد الشريعة التأليف بين الناس، وحفظ روابط الأخوة والصلة بينهم.
يقول الله :
(وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ) الرعد/٢١
ومما جاء في السنة النبوية من التشديد في قطيعة الرحم:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
(إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ قَامَتْ الرَّحِمُ فَقَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ مِنْ الْقَطِيعَةِ. قَالَ: نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى. قَالَ: فَذَاكِ لَكِ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) رواه البخاري (٥٩٨٧) ومسلم (٢٥٥٤)
ولو تأمل الناس فيما يسبب قطيعة الرحم بينهم لوجدوه شيئا من حطام الدنيا الزائل، مما لا يغني عند الله شيئا يوم القيامة، أو يكون بسبب ما ينزغ الشيطان بينهم، فيوقع بينهم العداوة والبغضاء بأسباب تافهة لا تستحق الالتفات إليها أصلا.
وذلك مع أن الشريعة تأمر بالصلة ولو كان ثمة سبب معتبر للقطيعة، وتحث المؤمنين على تجاوز الأخطاء والتعامل بالعفو والصفح والمسامحة، وليس بتصيد الأخطاء واكتناز الحقد والبغض والحسد.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁:
(أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ؟
فَقَالَ: لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمْ الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنْ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ) رواه مسلم (٢٥٥٨)
يقول النووي في "شرح مسلم" (١٦/١١٥) :
" المَل: الرماد الحار. ويجهلون أي يسيئون. ومعناه كأنما تطعمهم الرماد الحار، وهو تشبيه لما يلحقهم من الألم بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم، ولا شيء على هذا المحسن بل ينالهم الإثم العظيم في قطيعته، وإدخالهم الأذى عليه. وقيل: معناه أنك بالإحسان إليهم تخزيهم وتحقرهم في أنفسهم لكثرة إحسانك وقبيح فعلهم والله أعلم " انتهى.
ويقول النبي ﷺ :
(لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ وَلَكِنْ هُوَ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا)
رواه البخاي (٥٩٩١)
هذه هي الأخلاق التي يدعو لها الإسلام أخي الكريم، ولا ينبغي لأحد أن يتردد في الإنكار على من يقطع أخته أو أمه من صلته، ولا يجوز لك أخي السائل أن توافق والدك في قطيعته لأخته، بل يجب عليك صلتها والإحسان إليها، ومحاولة الإصلاح بينها وبين والدك، وبذل كل الجهود في ذلك.
ويمكنك مراجعة موقعنا في جواب السؤال رقم (٤٦٣١) ، (٧٥٧١) ، (٧٥٤١١)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12465
فسخ الخطبة بسبب رؤيا منام
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز فسخ الخطوبة بعد سنتين لأن الخطيب رؤي في حلم سيء بعد الاستخارة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
المسلم ينطلق في أحكامه وفهمه لواقعه ومعايشته لتجارب زمانه من منطلقات العقل والحكمة، والأسباب التي أمر الله بمراعاتها والأخذ بها، وبذلك جاءت الشريعة الإسلامية، تأمر بالنظر والتفكر واستعمال موازين العقل والتجربة، ثم الحكم بعد ذلك على الأشخاص أو الأعمال.
يقول الله :
(كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) البقرة/٢٤٢
وليس في شريعتنا أبدا الركون إلى الرؤى والأحلام والمنامات، لا في معايش الدنيا ولا في أحكام الدين، فإن المعرفة المتحصلة عن طريق الرؤى والمنامات غير منضبطة ولا متيقنة، بل يداخلها الشك والريبة، ولا يمكن أن تُرجع الشريعة الناس في معارفهم إلى مصادر موهومة لا تحقق أدنى مستويات العلم.
عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال:
(الرُّؤْيَا ثَلَاثَةٌ: فَرُؤْيَا الصَّالِحَةِ بُشْرَى مِنَ اللَّهِ، وَرُؤْيَا تَحْزِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَرُؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ الْمَرْءُ نَفْسَهُ) رواه مسلم (٢٢٦٣)
فالشيطان له نصيب مما يراه الإنسان في منامه، كما للنفس نصيب أيضا، وتمييز ذلك قد لا يكون واضحا في جميع الأحيان، فكيف يطمئن المسلم إلى منام رآه ثم يبني عليه اختياره وهو يعلم أن الشيطان قد يكون له منه أوفر حظ ونصيب؟!
ومن ذلك أمر الزواج أيضا، فقد حدد لنا النبي ﷺ الصفات التي ينبغي أن ينبني عليها الحكم بالقبول أو الرفض فيمن يتقدم للخطبة فقال:
(إذا جاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ قَالَ إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ)
رواه الترمذي (١٠٨٥) وقال حسن غريب، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي.
فجعل الخلق والدين هو المقياس الذي ينبغي أن يتحاكم إليه الناس في رفضهم أو قبولهم، وينبغي للسائلة الكريمة ألا تلتفت إلا إليه، ولا تستجيب لما تراه في منامها من أمور قد يكون للشيطان فيها نصيب، يريد بها التفريق بين الزوجين وإحداث الشقاق والنزاع.
وقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ في "لقاء الباب المفتوح" (لقاء رقم ٥/سؤال رقم ١٧) ما يلي:
خطب رجل امرأة، فرأته في المنام حالق اللحية، فهل توافق عليه أم لا؟ وفي اليقظة ظاهره طيب، لم يحلق اللحية، وهو شخص ملتزم ولا نزكي على الله أحدا ً.
فأجاب ﵀:
" المرأة التي رأت الرجل الذي خطبها في المنام حالق اللحية وهو في الواقع ليس بحالق لها لا يضرها ما رأت في المنام، ولا ينبغي أن يمنعها من التزوج به ما دام مستقيماً في دينه وخلقه " انتهى.
ثم يجب التنبه إلى أن الاستخارة لا علاقة لها برؤيا المنام – كما يظن كثير من الناس -، فإن المقصود من الاستخارة هو سؤال الله تعالى تيسير خير الأمرين، والالتجاء إليه سبحانه في الإرشاد إلى أحسن الأمور، والاستخارة دعاء إذا استجاب الله له يسر الأمر الذي اختاره المستخير – بعد التفكير والتأمل – ولا يرتبط الدعاء من قريب أو بعيد برؤيا المنام.
فالنصيحة للأخت السائلة الكريمة أن تراجع أمرها، ولا تسعى في خراب رابطتها الزوجية بمجرد رؤيا منامية، بل ينبغي أن تحكم الدين والعقل في أمر خطيبها، ثم تتخذ بعد ذلك الموقف المناسب.
وانظري جواب السؤال رقم (٢٥٧٩٣) ، (٣٤٧٢٦)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →