Полный текст (16 344 стр.). Показаны 12461–12500 · переход к 12466.
стр. 12461
حكم التلقب في المنتديات بمثل " القرآن والسنَّة " أو " الله ربي " أو القرآن منهجي "
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم الشرع في امرأة، أو رجل يتسمَّى بـ " القرآن والسنَّة " في المنتديات، ويطلب دليلاً من القرآن والسنَّة على تحريم التسمِّي للبشر بالقرآن والسنَّة؟ . وهل يصح مناداته بـ " أخي "، ثم يتبعها بالقرآن والسنَّة؟ . وما حكم الشرع في التسمِّي بأسماء تبدأ بلفظ الجلالة مثل: " الله المستعان "، " الله أعلم "، " الله ربي "، " الله كريم "؟ . ومثل " القرآن طريقي "، " القرآن حياة القلوب "، " القرآن منهجي ". وهل يجوز مناداتهم بـ " أخي "، ثم يتبعونها بهذه الأسماء؟ . أفيدونا جزاكم الله تعالى كل خير.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا شك أن التسمية من المطالب الشرعية التي عمل الشرع على ضبطها، ووضع القواعد لها؛ فقد كان النبي ﷺ ينهى عن التسمية بالأسماء القبيحة , وبالأسماء التي تقتضي تزكية، ومدحاً، كـ " برَّة "، و " تقية "، وغيرها , وحث على التسمية ببعض الأسماء كـ " عبد الله " و " عبد الرحمن "، وكره التسمية ببعض الأسماء، كـ " حرب "، و " مُرَّة ".
وسبب هذا الاهتمام من الشرع أن المسلم مطلوب منه التميز في كل الأمور، حتى في مثل هذه الأمور التي قد يستقلها بعض الناس.
وينظر أجوبة الأسئلة: (٧١٨٠) و (١٦٩٢) و (١٠١٤٠١) ففيها ضوابط تسمية الذكور، والإناث، وإطلاق الألقاب، وفيها بيان الأسماء المحرَّمة، والمكروهة.
ثانياً:
الذي يظهر: أن التسمية بـ " القرآن والسنَّة "، أو " القرآن طريقي "، أو " القرآن حياة القلوب"، أو " القرآن منهجي ": لا يصح، وذلك لأسباب:
١. سبق في الأجوبة المحال عليها أنه من الأسماء المكروهة التي تشتهر في بعض بلاد المسلمين، الأسماء المضافة إلى لفظ " الدين "، أو " الإسلام "، مثل: نور الدين، أو عماد الدين، أو نور الإسلام، ونحو ذلك فقد كرهها أهل العلم للذكور والإناث، لما فيها من تزكية صاحبها تزكية عظيمة
قال الشيخ بكر أبو زيد ﵀:
وذلك لعظيم منزلة هذين اللفظين - " الدين "، و " الإسلام " -، فالإضافة إليهما على وجه التسمية: فيها دعوى فجَّة تُطل على الكذب.
" تسمية المولود " (ص ٢٢) .
فهذا الكاتب، وذاك: ليسا هما الكتاب، ولا السنَّة، لا حقيقة ولا حالا.
ومثله، بل أشد منه في المنع، التلقب بـ " سبحان الله "! ، أو " سبحان الله وبحمده "!
سئل علماء اللجنة الدائمة:
مقدَّم لسعادتكم السيد " سبحان الله ميانقل "، باكستاني الجنسية، والمقيم بالمملكة العربية السعودية، بمدينة جدة، وأعمل مؤذناً في وزارة الأوقاف، ولقد تم الاعتراض من قبل إدارة الحج والأوقاف بخصوص اسمي، وكل ما أرجوه من سعادتكم هو إفتاؤنا عن هذا الاسم من الناحية الإسلامية والشرعية، هل هو اسم جائز أم لا؟ وإن كان غير جائز: فالرجاء إفادتنا بمعروض من قبلكم حتى يتسنى لي تغيير الاسم من الجوازات، ولكم جزيل الشكر، والعرفان.
فأجابوا:
يجب عليك تغيير هذا الاسم؛ لأن شخصك ليس هو سبحان الله، وإنما " سبحان الله " ذِكر من الأذكار الشرعية.
ويجب أن يغيَّر إلى اسم جائزٍ شرعاً، كعبد الله، ومحمد، وأحمد، ونحوها.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١١ / ٤٧٧، ٤٧٨) .
٢. أن في تلك الأسماء تزكية للمتسمي، أو المتلقب بها، وقد نهى الله ﵎ عن تزكية النفس، وقد ذكرنا التفصيل في الأجوبة المحال عليها.
وقد سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
ما حكم هذه الألقاب " حجة الله "، " حجة الإسلام "، " آية الله "؟ .
فأجاب:
هذه الألقاب " حجة الله "، " حجة الإسلام ": ألقاب حادثة، لا تنبغي؛ لأنه لا حجة لله على عباده إلا الرسل ... .
" مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " (٣ / ٨٨) .
٣. أن فيها منافاة لأسلوب لغة العرب؛ فإن هذه العبارات قد وضعت لمعان مقصودة شرعا، معروفة في لغة العرب، ولا يعرف في لغة العرب التسمي، أو التلقب بـ " الله المستعان "، أو " الله أعلم "، أو " الله ربي "، أو " الله كريم "، ومثيلاتها.
٤. أنه ربما يترتب على أولئك الأعضاء الذين تسموا، وتلقبوا بتلك الأسماء، والألقاب: ردودٌ، وتعقبات، فيها إنقاص لقدر القرآن، والسنَّة، والرب ﵎، كقولهم لهم: (أخطأت يا " الكتاب والسنة "!) ، و (لم تصب يا " القرآن طريقي "!) ، هذا عدا عما يمكن أن يكون من سب، وشتم، مما يؤدي إلى امتهان هذه المسمَّيات , والقدح بها.
٥. أنه قد يُذكر وفاة من تسمى أو تلقب بتلك الألقاب! فماذا سيقال في ذلك المنتدى، وغيره؟! سيقال: وفاة " الله ربي!! "، وسيقال: توفي اليوم "القرآن والسنَّة!! "، ولا شك أن هذا قبيح أشد القبح، ومحرَّم أشد التحريم.
والخلاصة:
أنه يحرم التسمية والتلقب، بتلك الأسماء والألقاب الوارد ذِكرها في السؤال، والنصيحة لأولئك، بل الواجب الشرعي: أن يجتنبوا هذه التسميات والألقاب، وعليهم أن يقتصروا على ما هو صحيح ومباح من الأسماء والألقاب، ويخلو من المخالفة الشرعية.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12462
متابعة أخبار الممثلين فراغ وضياع
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم متابعة أخبار الممثلين والممثلات والفساق وإن لم يقلدهم، وخاصة إن كانوا من الكفار أيضا، لكن لا يتأثر بهم، فقط للتسلية؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ثمة كثير من الأمور التي يتجاوز خطرها الفرد إلى خطورة كامنة على المجتمع كله: على ثقافته، وأخلاقه، وقيمه، وعلى مستقبله المرهون بحاضره وماضيه، ولكنَّ كُمونَ خطورتها تغرُّ بعض الناس حين يقيسها على مستواه الشخصي، وهي في الحقيقة تؤثر فيه أوَّلًا، ثم في غيره ثانيا.
ولعل من أخطر الجوانب الثقافية التي تواجهها مجتمعاتنا اليوم هي " الفن والتمثيل "، فقد غدت البيوت اليوم رهينةَ تلك الشاشات الفضائية المشبعة بالمسلسلات، والأفلام، والمسرحيات، وأبطال السينما والغناء والطرب، ولا يكاد ينجو أحد من هذه البؤر المظلمة إلا القليل، فلكِ أن تتخيلي أختي السائلة حجم الضخ الثقافي الهائل الذي يتدفق من هذه الفئة من الناس!
ولو سألنا أنفسنا من أين وفدت علينا ثقافة الغرب الكافر بل الملحد، ومن أين وفدت إلينا فنون العلاقات المحرمة بين الجنسين، وما الذي أوقد سعار الشهوة والفتنة، وكيف تسلَّلت إلينا عادات أمم تخبطت في الجهل واللذة والشهوة، بل من أين تعلَّمَ أبناؤُنا الجريمة والقطيعة والتيه والضياع، وما الذي حوَّلَ عقول وقلوب كثير من الناس إلى مسرحٍ للأوهام والأحلام الضائعة والأماني الكاذبة.
ولو سألنا أنفسنا أين ذهبت طاقات الشباب، وفي أي شيء صرفت الأعمار، ولماذا ضعف البناء، وكثر الهدم، وماتت الهمم، وطغى سلطان الغفلة، ما الذي تربى أبناؤنا عليه، وشغل فكر فتياتنا، بل وحتى كهولنا، وما الذي خدَّر أمتنا عن العمل والإنتاج والريادة، وساقها إلى واقعٍ مليئ بالحسرات والضعف والهوان، لو بحثنا عن أجوبة تلك الأسئلة لوجدنا الجواب متمثلا وشاخصا في أقبح صوره في الملايين من الأفلام والمسرحيات والمسلسلات والأغاني التي استحوذت على عقول كثير من الناس اليوم.
أليس لهذه الشاشات الدور الأكبر في طغيان هذا السلطان، وهو طغيان يتضاعف مع الأيام نتيجة سيطرة النظرة المادية للكون كله، حيث تقرر المفاهيم الغربية السائدة اليوم، أن العالم مادة استعمالية للشهوة واللذة، فينبغي استيفاء أكبر قدر من اللذة قبل الموت، ولن يكون ذلك إلا بتفجير طاقات العالم لابتكار الفجور في أبشع وأشنع صوره التي عرفها التاريخ.
هل يريد المتابع لهذه الفئة من الناس أن يساهم في المسخ لكرامة الإنسان، فضلا عن قيمه ودينه ومبادئه.
أليس لنا – ونحن المسلمون الموحدون لله من الطموح والأماني ما يشغل علينا أوقاتنا وجهودنا وأفكارنا عن متابعة أمثال هؤلاء؟!
ألم يفتح الله لنا أبواب الحلال الكثيرة التي تبهج أنفسنا، وتسعدنا وأهلينا السعادة الحقيقية البعيدة عن غضب الله وسخطه؟!
أين هي الغيرة على محارم الله أن تنتهك؟! وأين هي الحمية للفضيلة التي أصبح كثير منا مشاركا في حربها تحت أعذار التسلية وقطع الأوقات؟!!
من يصدق زعم من يزعم من المتابعين أنه لا يحب هؤلاء الممثلين ولا يتشبه بهم، أو لا يتأثر بهم، وإنما يبحث عن التسلية فقط!!
إن كان المتابع شابا فأين سيذهب ببصره عن الصور شبه العارية، وإن كانت المتابعة فتاة فأين ستذهب بنظرها، وقلبها عن صور الرجال الفاتنة ومناظر العلاقات المحرَّمة؟!
يقول الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ. وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ. لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ. وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) الحشر/١٨-٢١.
ألا نعلم جميعا أننا محاسبون على أعمارنا، مسؤولون أمام الله عن أوقاتنا وسني شبابنا، فكيف سيجيبه من قضى الساعات الطوال منها في متابعة الساقطين من البشر، وكيف سيكون موقف المسلم بين يدي الله تعالى حين يسأله عن قلبه كيف امتلأ بحب أصحاب المعاصي، وخلا من حب الله .
هل يبحث هؤلاء الذين يلهثون وراء أخبار الممثلين والممثلات عن السعادة في جنبات كلامهم وعاداتهم، فإن كان كذلك فليشفق على نفسه، وليوقن أنه لن يرجع إلا بالضيق والهم والنكد، كحال هؤلاء الممثلين الذين نسمع عن انتحار بعضهم، وغرق آخرين في المخدرات، وتفكك أسرهم وأمراض آخرين منهم أمراضا نفسية، وهم يتسترون بالابتسامات العريضة أمام شاشات التلفاز.
ولسنا نقول هذا من عند أنفسنا، بل هي الحقائق تتحدث، والقرآن يقرر ذلك في قوله : (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) طه/١٢٤.
إن المحسنين والمصلحين والمخلصين ينتظرون اليوم الذي تقبل فيه الأمة بأغلبيتها على البناء والعمل، وتنتشر بينهم الديانة والفضيلة، وتستتر فيه المعصية أو تنعدم، فلنكن جميعا عونا على قرب ذلك اليوم، ولا نسخر أنفسنا في نصرة الشيطان وجنوده.
وننقل هنا بيانا كتبته اللجنة الدائمة للفتوى (١٧/١١٧) في شأن خطر المجلات الخليعة، رأيناه مناسبا ومنطبقا تماما على شأن متابعة أخبار الممثلين، ننقله هنا، ونرجو أن يستفيد القارئ منه:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:
فقد أصيب المسلمون في هذا العصر بمحن عظيمة، وأحاطت بهم الفتن من كل جانب، ووقع كثير من المسلمين فيها، وظهرت المنكرات، واستعلن الناس بالمعاصي بلا خوف ولا حياء، وسبب ذلك كله: التهاون بدين الله، وعدم تعظيم حدوده وشريعته، وغفلة كثير من المصلحين عن القيام بشرع الله، والأمر المعروف والنهي عن المنكر، وإنه لا خلاص للمسلمين، ولا نجاة لهم من هذه المصائب والفتن إلا بالتوبة الصادقة إلى الله تعالى، وتعظيم أوامره ونواهيه، والأخذ على أيدي السفهاء، وأطرهم على الحق أطرا.
وإن من أعظم الفتن التي ظهرت في عصرنا هذا ما يقوم به تجار الفساد، وسماسرة الرذيلة، ومحبو إشاعة الفاحشة في المؤمنين: من إصدار مجلات خبيثة تحاد الله ورسوله في أمره ونهيه، فتحمل بين صفحاتها أنواعا من الصور العارية، والوجوه الفاتنة المثيرة للشهوات، الجالبة للفساد، وقد ثبت بالاستقراء: أن هذه المجلات مشتملة على أساليب عديدة في الدعاية إلى الفسوق والفجور، وإثارة الشهوات، وتفريغها فيما حرمه الله ورسوله، ومن ذلك أن فيها:
١- الصور الفاتنة على أغلفة تلك المجلات وفي باطنها.
٢- النساء في كامل زينتهن يحملن الفتنة ويغرين بها.
٣- الأقوال الساقطة الماجنة، والكلمات المنظومة والمنثورة، البعيدة عن الحياء والفضيلة الهادمة للأخلاق المفسدة للأمة.
٤- القصص الغرامية المخزية، وأخبار الممثلين والممثلات، والراقصين والراقصات، من الفاسقين والفاسقات.
٥- في هذه المجلات الدعوة الصريحة إلى التبرج والسفور، واختلاط الجنسين، وتمزيق الحجاب.
٦- عرض الألبسة الفاتنة الكاسية العارية على نساء المؤمنين؛ لإغرائهن بالعري والخلاعة، والتشبه بالبغايا والفاجرات.
٧- في هذه المجلات العناق والضم والقبلات بين الرجال والنساء.
٨- في هذه المجلات المقالات الملتهبة، التي تثير موات الغريزة الجنسية قي نفوس الشباب والشابات، فتدفعهم بقوة ليسلكوا طريق الغواية والانحراف، والوقوع في الفواحش والآثام
والعشق والغرام.
فكم شغف بهذه المجلات السامة من شباب وشابات، فهلكوا بسببها، وخرجوا عن حدود الفطرة والدين.
ولقد غيرت هذه المجلات في أذهان كثير من الناس كثيرا من أحكام الشريعة، ومبادئ الفطرة السليمة بسبب ما تبثه من مقالات ومطارحات، فاستمرأ كثير من الناس المعاصي والفواحش، وتعدى حدود الله بسبب الركون إلى هذه المجلات، واستيلائها على عقولهم وأفكارهم. والحاصل: أن هذه المجلات قوامها التجارة بجسد المرأة، التي أسعفها الشيطان بجميع أسباب الإغراء ووسائل الفتنة؛ للوصول إلى نشر الإباحية، وهتك الحرمات، وإفساد نساء المؤمنين، وتحويل المجتمعات الإسلامية إلى قطعان بهيمية، لا تعرف معروفا ولا تنكر منكرا، ولا تقيم لشرع الله المطهر وزنا، ولا ترفع به رأسا، كما هو الحال في كثير من المجتمعات، بل وصل الأمر ببعضها إلى التمتع بالجنسين عن طريق العري الكامل فيما يسمونه: (مدن العراة) عياذا بالله من انتكاس الفطرة، والوقوع فيما حرمه الله ورسوله.
هذا وإنه بناء على ما تقدم ذكره من واقع هذه المجلات، ومعرفة آثارها وأهدافها السيئة، وكثرة ما يرد إلى اللجنة من تذمر الغيورين من العلماء وطلبة العلم، وعامة المسلمين من انتشار عرض هذه المجلات في المكتبات والبقالات والأسواق التجارية - فإن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ترى ما يلي:
أولا: يحرم إصدار مثل هذه المجلات الهابطة، سواء كانت مجلات عامة، أو خاصة بالأزياء النسائية، ومن فعل ذلك، فله نصيب من قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) .
ثانيا: يحرم العمل في هذه المجلات على أي وجه كان، سواء كان العمل في إدارتها، أو تحريرها، أو طباعتها، أو توزيعها؛ لأن ذلك من الإعانة على الإثم والباطل والفساد، والله -جل وعلا- يقول: (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) .
ثالثا: تحرم الدعاية لهذه المجلات وترويجها بأية وسيلة؛ لأن ذلك من الدلالة على الشر والدعوة إليه، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا) أخرجه مسلم في صحيحه. رابعا: يحرم بيع هذه المجلات، والكسب الحاصل من ورائها كسب حرام، ومن وقع في شيء من ذلك وجب عليه التوبة إلى الله تعالى، والتخلص من هذا الكسب الخبيث.
خامسا: يحرم على المسلم شراء هذه المجلات واقتناؤها؛ لما فيها من الفتنة والمنكرات، كما أن في شرائها تقوية لنفوذ أصحاب هذه المجلات، ورفعا لرصيدهم المالي، وتشجيعا لهم على الإنتاج والترويج، وعلى المسلم أيضا أن يحذر من تمين أهل بيته - ذكورا وإناثا - من هذه المجلات؛ حفظا لهم من الفتنة والافتتان بها، وليعلم المسلم أنه راع ومسئول عن رعيته يوم القيامة.
سادسا: على المسلم أن يغض بصره عن النظر في تلك المجلات الفاسدة؛ طاعة لله ولرسوله ﷺ ، وبعدا عن الفتنة ومواقعها، وعلى الإنسان ألا يدعي العصمة لنفسه، فقد أخبر النبي ﷺ أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: كم نظرة ألقت في قلب صاحبها البلاء، فمن تعلق بما في تلك المجلات من صور وغيرها أفسدت عليه قلبه وحياته، وصرفته إلى ما لا ينفعه في دنياه وآخرته؛ لأن صلاح القلب وحياته إنما هو في التعلق بالله ﷻ ، وعبادته وحلاوة مناجاته، والإخلاص له، وامتلاؤه بحبه سبحانه.
سابعا: يجب على من ولاه الله على أي من بلاد الإسلام أن ينصح للمسلمين، وأن يجنبهم الفساد وأهله، ويباعدهم عن كل ما يضرهم في دينهم ودنياهم، ومن ذلك منع هذه المجلات المفسدة من النشر والتوزيع، وكف شرها عنهم، وهذا من نصر الله ودينه، ومن أسباب الفلاح والنجاح والتمكين في الأرض، كما قال الله سبحانه: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) .
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم " انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12463
أمه نصرانية وأبوه مسلم سيء فهل يهاجر من بلده دون إذنهما ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أمي مسيحية، وأبي مسلم سيئ، وأريد - إن شاء الله - أن أهاجر - فقط – إن شاء الله ـ لبلد مسلم، فهل من الجائز، أو من الواجب عليَّ تركهما حتى أقوم بواجباتى تجاه الله؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
كل من يعيش في بلاد لا يستطيع فيها القيام بشعائر الإسلام، وبما أوجبه الله عليه: فلا يحل له البقاء فيها، مع توفر بلاد أخرى يستطيع فيها القيام بذلك، ويتحتم ذلك إن كان البدل الذي يعيش فيه من بلاد الكفر، ورأس مال المسلم هو دينه، فيجب الحفاظ عليه، وعدم التفريط فيه، وإذا اختار البقاء في البلاد التي لا يستطيع إظهار دينه والقيام بما أوجبه الله عليه، مع استطاعته الخروج منها إلى بلاد المسلمين: فهو آثم على بقائه، وعلى تفريطه في الواجبات الشرعية، ولن يكون من المعذورين يوم الحساب فيما فرط فيه من دينه.
قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً) النساء/٩٧.
قال القرطبي – ﵀:
والمراد بقوله (ألم تكن أرض الله واسعة) : المدينة، أي: ألم تكونوا متمكنين قادرين على الهجرة والتباعد ممن كان يستضعفكم؟ وفي هذه الآية دليل على هجران الأرض التي يُعمل فيها بالمعاصي.
" تفسير القرطبي " (٥ / ٣٤٦) .
وقال ابن كثير – ﵀:
وقال الضحاك: نزلت في ناس من المنافقين، تخلفوا عن رسول الله ﷺ بمكة، وخرجوا مع المشركين يوم بدر، فأصيبوا فيمن أصيب، فنزلت هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنا من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه مرتكب حراماً بالإجماع، وبنص هذه الآية، حيث يقول تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ) أي: بترك الهجرة، (قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ) أي: لم مكثتم هاهنا وتركتم الهجرة؟ (قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ) أي: لا نقدر على الخروج من البلد، ولا الذهاب في الأرض (قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً [فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً) .
" تفسير ابن كثير " (٢ / ٣٨٩) .
وقال علماء اللجنة الدائمة:
إذا كنتَ تستطيع الانتقال إلى بلاد المسلمين: فإنه يجب عليك ذلك؛ فراراً بدينك؛ لأن الله سبحانه قد أوجب على المسلم الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، وتوعد من لم يفعل ذلك، وهو قادر عليه، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) النساء/٩٧.
وأما إذا كنت لا تستطيع الهجرة: فإنك معذور، بشرط التمسك بدين الإسلام، والثبات عليه؛ لقوله تعالى بعد الآية السابقة: (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا. فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً) النساء/ ٩٨، ٩٩.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٢ / ٥٧، ٥٨) .
وقالوا – أيضاً -:
لا تجوز الإقامة في بلد يحال فيه بين المسلم وإظهاره شعائر الإسلام وإعلانها، فعلى من يستطيع الهجرة أن يهاجر منه إلى بلد يتمكن فيها من إقامة شعائر دين الإسلام وإعلانها، ويتم له التعاون مع المسلمين على البر والتقوى، ويكثر به سواد المسلمين، وسوف لا يعدم رزقاً؛ فإنه من يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدراً، ومن بقي في تلك الأماكن وأمثالها مما فيه حجر على المسلمين في إعلان شعائر دينه، بعد قدرته على الهجرة منه: فهو آثم، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) النساء/٩٧.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٢ / ٥٤، ٥٥) .
ومن هاجر في سبيل الله تعالى فراراً من الفتن، وإقامة لشعائر الدين: فإن الله قد وعده بالهداية والتوفيق والرزق.
قال تعالى: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) النساء/١٠٠.
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) الأنفال/٧٤.
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) النحل/٤١.
وقال تعالى: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) النحل/١١٠.
وانظر جواب السؤال رقم: (٣٢٢٥) ففيه بيان المواصفات الواجب توافرها في البلاد المهاجر إليها.
ثانياً:
بالنسبة لوالديك: فإنه إن كان وجودك عندهما يمنعك من إقامة شعائر دينك، والقيام بما أوجبه الله تعالى عليك: فإنه لا يجب عليه الاستئذان منهما، وبخاصة أن والدتك كافرة، ووالدك إن كان لا يصلي ـ البتة ـ فهو يلحق بها في الحكم؛ لأنه يكون بتركه للصلاة مرتداً، وقد نصَّ العلماء أن الذي يُستأذن هما الأبوان المسلمان، وحتى لو كانا مسلميْن: فإنه لا ينبغي اختيار البقاء معهما على حساب القيام بالواجبات الشرعية؛ لأن الهجرة تصير في حقك واجبة.
عَن عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: أَقْبَلَ رَجُلٌ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ أَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنْ اللَّهِ، قَالَ: فَهَلْ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ، بَلْ كِلَاهُمَا، قَالَ: فَتَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنْ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا.
رواه البخاري (١٦٧١) ومسلم (٢٥٤٩) .
قال الخطابي – ﵀:
إن كان الخارج فيه متطوعاً: فإن ذلك لا يجوز إلا بإذن الوالدين، فأما إذا تعيَّن عليه فرض الجهاد: فلا حاجة إلى إذنهما، هذا إذا كانا مسلميْن، فإن كانا كافريْن: يخرج بدون إذنهما، فرضاً كان الجهاد، أو تطوعا.
انظر " عون المعبود " (٥ / ٤٢٤) .
وفي " دليل الفالحين لطرُق رياض الصالحين " (٢ / ٤٦٣) لمحمد بن علان الصديقي – ﵀:
أسقط الشارع عنه وجوب الهجرة تقديماً لحق أبويه، فإن الهجرة إن كانت واجبة عليه: فقد عارضها ما هو أوجب منها، وهو حق الوالدين، وإن لم تكن واجبة: فالواجب أولى، لكن هذا إنما يصح ممن يسلم له دينه في موضعهما، أما لو خاف على دينه: وجب عليه الفرار به، وترك آبائه، وأبنائه، كما فعل المهاجرون الذين هم صفوة الله من العباد.
انتهى.
ولا ننسى في النهاية أن نذكرك بدعوة والديك للحق، فهما أحوج ما يكون لذلك؛ إنقاذاً لهما من الكفر والإثم، وعليك سلوك الطرق الحكيمة في دعوتهما، وبما أنك تحتاج للهجرة من أجل دينك، ولا يظهر أن والديك يحتاجانك، وهما على ما هما عليه من الكفر والضلال: فلا تتحرج من الهجرة لبلاد تنقذ بها نفسك، مع ضرورة التنبه لدعوة أهلك، والإحسان إليهم، وحتى لو سافرت وهاجرت فلا تقطع الصلة بهما، وداوم على دعوتهما، فلعل الله أن ينقذهما بك.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12464
خلافات أدت إلى قطيعة الرحم
[السُّؤَالُ]
ـ[هناك خلافات عائلية بين أبي وعمتي مما جعل صلة الرحم تنقطع بيننا، هل في ذلك إثم؟ علما أن العمة تقوم بزيارتنا من جهتها.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا شك أن قطيعة الرحم من كبائر الذنوب، والنصوص الكثيرة في الكتاب والسنة التي جاءت في الأمر بصلة الرحم تدل على عظم شأن هذا الموضوع في شريعتنا السمحة، فإن من أعظم مقاصد الشريعة التأليف بين الناس، وحفظ روابط الأخوة والصلة بينهم.
يقول الله :
(وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ) الرعد/٢١
ومما جاء في السنة النبوية من التشديد في قطيعة الرحم:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
(إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ قَامَتْ الرَّحِمُ فَقَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ مِنْ الْقَطِيعَةِ. قَالَ: نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى. قَالَ: فَذَاكِ لَكِ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) رواه البخاري (٥٩٨٧) ومسلم (٢٥٥٤)
ولو تأمل الناس فيما يسبب قطيعة الرحم بينهم لوجدوه شيئا من حطام الدنيا الزائل، مما لا يغني عند الله شيئا يوم القيامة، أو يكون بسبب ما ينزغ الشيطان بينهم، فيوقع بينهم العداوة والبغضاء بأسباب تافهة لا تستحق الالتفات إليها أصلا.
وذلك مع أن الشريعة تأمر بالصلة ولو كان ثمة سبب معتبر للقطيعة، وتحث المؤمنين على تجاوز الأخطاء والتعامل بالعفو والصفح والمسامحة، وليس بتصيد الأخطاء واكتناز الحقد والبغض والحسد.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁:
(أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ؟
فَقَالَ: لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمْ الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنْ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ) رواه مسلم (٢٥٥٨)
يقول النووي في "شرح مسلم" (١٦/١١٥) :
" المَل: الرماد الحار. ويجهلون أي يسيئون. ومعناه كأنما تطعمهم الرماد الحار، وهو تشبيه لما يلحقهم من الألم بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم، ولا شيء على هذا المحسن بل ينالهم الإثم العظيم في قطيعته، وإدخالهم الأذى عليه. وقيل: معناه أنك بالإحسان إليهم تخزيهم وتحقرهم في أنفسهم لكثرة إحسانك وقبيح فعلهم والله أعلم " انتهى.
ويقول النبي ﷺ :
(لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ وَلَكِنْ هُوَ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا)
رواه البخاي (٥٩٩١)
هذه هي الأخلاق التي يدعو لها الإسلام أخي الكريم، ولا ينبغي لأحد أن يتردد في الإنكار على من يقطع أخته أو أمه من صلته، ولا يجوز لك أخي السائل أن توافق والدك في قطيعته لأخته، بل يجب عليك صلتها والإحسان إليها، ومحاولة الإصلاح بينها وبين والدك، وبذل كل الجهود في ذلك.
ويمكنك مراجعة موقعنا في جواب السؤال رقم (٤٦٣١) ، (٧٥٧١) ، (٧٥٤١١)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12465
فسخ الخطبة بسبب رؤيا منام
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز فسخ الخطوبة بعد سنتين لأن الخطيب رؤي في حلم سيء بعد الاستخارة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
المسلم ينطلق في أحكامه وفهمه لواقعه ومعايشته لتجارب زمانه من منطلقات العقل والحكمة، والأسباب التي أمر الله بمراعاتها والأخذ بها، وبذلك جاءت الشريعة الإسلامية، تأمر بالنظر والتفكر واستعمال موازين العقل والتجربة، ثم الحكم بعد ذلك على الأشخاص أو الأعمال.
يقول الله :
(كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) البقرة/٢٤٢
وليس في شريعتنا أبدا الركون إلى الرؤى والأحلام والمنامات، لا في معايش الدنيا ولا في أحكام الدين، فإن المعرفة المتحصلة عن طريق الرؤى والمنامات غير منضبطة ولا متيقنة، بل يداخلها الشك والريبة، ولا يمكن أن تُرجع الشريعة الناس في معارفهم إلى مصادر موهومة لا تحقق أدنى مستويات العلم.
عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال:
(الرُّؤْيَا ثَلَاثَةٌ: فَرُؤْيَا الصَّالِحَةِ بُشْرَى مِنَ اللَّهِ، وَرُؤْيَا تَحْزِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَرُؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ الْمَرْءُ نَفْسَهُ) رواه مسلم (٢٢٦٣)
فالشيطان له نصيب مما يراه الإنسان في منامه، كما للنفس نصيب أيضا، وتمييز ذلك قد لا يكون واضحا في جميع الأحيان، فكيف يطمئن المسلم إلى منام رآه ثم يبني عليه اختياره وهو يعلم أن الشيطان قد يكون له منه أوفر حظ ونصيب؟!
ومن ذلك أمر الزواج أيضا، فقد حدد لنا النبي ﷺ الصفات التي ينبغي أن ينبني عليها الحكم بالقبول أو الرفض فيمن يتقدم للخطبة فقال:
(إذا جاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ قَالَ إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ)
رواه الترمذي (١٠٨٥) وقال حسن غريب، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي.
فجعل الخلق والدين هو المقياس الذي ينبغي أن يتحاكم إليه الناس في رفضهم أو قبولهم، وينبغي للسائلة الكريمة ألا تلتفت إلا إليه، ولا تستجيب لما تراه في منامها من أمور قد يكون للشيطان فيها نصيب، يريد بها التفريق بين الزوجين وإحداث الشقاق والنزاع.
وقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ في "لقاء الباب المفتوح" (لقاء رقم ٥/سؤال رقم ١٧) ما يلي:
خطب رجل امرأة، فرأته في المنام حالق اللحية، فهل توافق عليه أم لا؟ وفي اليقظة ظاهره طيب، لم يحلق اللحية، وهو شخص ملتزم ولا نزكي على الله أحدا ً.
فأجاب ﵀:
" المرأة التي رأت الرجل الذي خطبها في المنام حالق اللحية وهو في الواقع ليس بحالق لها لا يضرها ما رأت في المنام، ولا ينبغي أن يمنعها من التزوج به ما دام مستقيماً في دينه وخلقه " انتهى.
ثم يجب التنبه إلى أن الاستخارة لا علاقة لها برؤيا المنام – كما يظن كثير من الناس -، فإن المقصود من الاستخارة هو سؤال الله تعالى تيسير خير الأمرين، والالتجاء إليه سبحانه في الإرشاد إلى أحسن الأمور، والاستخارة دعاء إذا استجاب الله له يسر الأمر الذي اختاره المستخير – بعد التفكير والتأمل – ولا يرتبط الدعاء من قريب أو بعيد برؤيا المنام.
فالنصيحة للأخت السائلة الكريمة أن تراجع أمرها، ولا تسعى في خراب رابطتها الزوجية بمجرد رؤيا منامية، بل ينبغي أن تحكم الدين والعقل في أمر خطيبها، ثم تتخذ بعد ذلك الموقف المناسب.
وانظري جواب السؤال رقم (٢٥٧٩٣) ، (٣٤٧٢٦)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12466
هل يجوز الدعاء لعموم المسلمين بالمغفرة مع علمنا بحصول العذاب لبعضهم ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أستفسر عن بعض الأدعية، مثلاً: " اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات "، " اللهم اغفر لنا جميعاً "، هل تجوز مثل تلك الأدعية مع أن تحققها مخالف لإرادة الله؟ وكيف نرد على من يشكك في مثل تلك الدعوات عند صدورها في أوقات الإجابة؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الدعاء بالمغفرة للمسلمين والمسلمات على سبيل العموم: لا حرج فيه، ويدل على هذا الجواز بضعة أدلة، منها:
١. قوله تعالى (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) محمد/ ١٩.
عن عاصِم الأحول عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَأَكَلْتُ مَعَهُ خُبْزًا وَلَحْمًا - أَوْ قَالَ: ثَرِيدًا - قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: أَسْتَغْفَرَ لَكَ النَّبِيُّ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَكَ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) .
رواه مسلم (٢٣٤٦) .
وفي تفسير قوله تعالى (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) أقوال، وأحد هذه الأقوال فيه إيجاب الاستغفار لجميع المسلمين.
قال القرطبي – ﵀:
وقيل: الخطاب له، والمراد به: الأمَّة، وعلى هذا القول توجب الآية استغفار الإنسان لجميع المسلمين.
" تفسير القرطبي " (١٦ / ٢٤٢) .
وعن ابن جريج قال: قلتُ لعطاء: أَستَغفرُ للمؤمنين والمؤمنات؟ قال: نعم، قد أُمر النبيُّ ﷺ بذلك، فإنَّ ذلك الواجبَ على الناس، قال الله لنبيِّه ﷺ : (اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ) ، قلتُ: أفتدع ذلك في المكتوبة أبداً؟ قال: لا، قلت: فبِمَن تبدأ، بنفسك أم بالمؤمنين؟ قال: بل بنفسي، كما قال الله: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ) .
٢. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى جَنَازَةٍ فَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِسْلَامِ اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ.
رواه الترمذي (١٠٢٤) وأبو داود (٣٢٠١) النسائي (١٩٨٦) .
قال ابن علان الصدِّيقي – ﵀:
(اللهم اغفر لحيِّنا وميِّتنا) أي: لجميع أحيائنا، وأمواتنا، معشر المسلمين، لأن المفرد المضاف حيث لا عهد: للعموم.
" دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين " (٦ / ٢٤٠) .
٣. وهو فعل الملائكة ﵈، كما قال تعالى عنهم: (وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأَرْضِ) الشورى/ ٥.
٤. وهو فعل الأنبياء، والصحابة، والتابعين، وجماهير العلماء، من المتقدمين، والمتأخرين.
أ. قال نوح ﵇: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) نوح/ ٢٨.
ب. وقال إبراهيم ﵇: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) إبراهيم/ ٤١.
ج. وهو فعل عمر بن الخطاب ﵁:
روى عبد الرزاق في " المصنف " (٣ / ١١١) عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء أنه سمع عبيد بن عمير يأثر عن عر بن الخطاب في القنوت أنه كان يقول: " اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات وألف بين قلوبهم وأصلح ذات بينهم ... ".
رَوَاهُ البَيْهَقِيّ في " السنن الكبرى " (٢ / ٢١٠) وَقَالَ: صَحِيح مَوْصُول.
" تحفة المحتاج إلى أدلة المنهاج " (١ / ٤١٠) .
د. وهو وصية ابن عباس ﵄:
ففي " فضل الصلاة على النبي " لإسماعيل القاضي (ص ٦٧) - وصححه الشيخ الألباني - عن ابن عباس أنه قال: لا تصلوا صلاة على أحد إلا على النبي ﷺ ، ولكن يدعى للمسلمين والمسلمات بالاستغفار.
هـ. وهو قول عموم المؤمنين، كما أخبر الله عنهم في قوله: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) الحشر/ ١٠.
وفي جواب السؤال رقم (١٠٤٤٦٠) نص في جواز ذلك الدعاء – بل والحث عليه – عن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وفي الجواب نفسه تخريج لأحاديث مرفوعة ضعيفة في الباب.
ثانياً:
أما قول من عارض هذا الدعاء بأن الله تعالى قد قدَّر أن لا تكون مغفرة لعموم المسلمين، وأنه لا شك سيدخل منهم طائفة النار: فهي معارضة لا تسلم لقائلها؛ لأنه خلط " القدر " بـ " الشرع "، فنحن مأمورون – أو يستحب لنا – بالشرع: الدعاء لعموم المسلمين بالمغفرة، وهو لا يتعارض مع ما ليس لنا به تعلق مما قدَّره الله تعالى على طائفة من المسلمين، ومما يدل على ذلك أن نبينا ﷺ قد علَّمنا أدعية الاستغفار، وأوصى المسلمين بذكرها وقولها، ونحن على علم أنه لن يستجاب لطائفة من قائليها، وما ذكرناه من أدلة – أيضاً - يؤكد خطأ من منع منها، ويؤكد سلامة الدعاء بعموم المغفرة للمسلمين والمسلمات.
وأقدم من رأيناه يعترض على هذا الدعاء هو أبو العباس القرافي – توفي ٦٨٤ هـ - حيث جعل الدعاء بذلك من المحرمات! فقال:
الفروق مع هوامشه - (٤ / ٤٦٣)
القسم الخامس في المحرم الذي ليس بكفر: أن يطلب الداعي من الله تعالى نفي ما دل السمع الوارد بطريق الآحاد على ثبوته، وقولي " بطريق الآحاد ": احتراز من المتواتر؛ فإن طلب نفي ذلك من قبيل الكفر - كما تقدم -، وله أمثلة:
الأول: أن يقول " اللهم اغفر للمسلمين جميع ذنوبهم "، وقد دلت الأحاديث الصحيحة أنه لا بدَّ من دخول طائفة من المسلمين النار، وخروجهم منها، بشفاعة وبغير شفاعة، ودخولهم النار إنما هو بذنوبهم، فلو غفر للمسلمين كلِّهم ذنوبَهم كلها: لم يدخل أحد النار، فيكون هذا الدعاء مستلزماً لتكذيب تلك الأحاديث الصحيحة! فيكون معصية، ولا يكون كفراً؛ لأنها أخبار آحاد والتكفير إنما يكون بجحد ما علم ثبوته بالضرورة أو بالتواتر ... .
طلب الملائكة المغفرة للمؤمن بقولهم (فاغفر للذين تابوا) وقوله تعالى (ويستغفرون لمن في الأرض) : لا عموم في تلك الألفاظ؛ لكونها أفعالاً في سياق الثبوت، فلا تعم، إجماعاً، ولو كانت للعموم: لوجب أن يُعتقد أنهم أرادوا بها الخصوص، وهو المغفرة من حيث الجملة؛ للقواعد الدالة على ذلك ... .
" الفروق مع هوامشه " (٤ / ٤٦٣ - ٤٦٥) .
وقد تعقبه " أبو القاسم بن الشاط المالكي " ﵀ – توفي ٧٢٣ هـ - فقال – كما في هامش " الفروق " المسمى " إدرار الشروق " (٤ / ٤٨٨) -:
وما قاله من الدعاء بهذه الأدعية ونحوها معصية: مجرد دعوى، ومِن أين يلزم أن لا يُدعى إلا بما يجوز وقوعه؟! لا أعرف لذلك وجهاً، ولا دليلاً.
وما المانع من أن يكلِّف الله خلقه أن يطلبوا منه المغفرة لذنوب كلِّ واحدٍ من المؤمنين، مع أنه قد قضى بأن منهم من لا يغفر له؟! ومِن أين يلزم المنافاة بين طلب المغفرة ووجوب نقيضها؟! هذا أمر لا أعرف له وجهاً إلا مجرد التحكم بمحض التوهم.
وما قاله من أنه لا عموم في قوله تعالى (فاغفر للذين تابوا) ، وقوله تعالى (ويستغفرون لمن في الأرض) لكونها أفعالاً في سياق الثبوت: خطأ فاحش؛ لأنه التفت إلى الأفعال دون ما بعدها من معمولاتها، والمعمولات في الآيتن لفظاً: عموم.
وبالجملة: فقد كلَّف هذا الإنسان نفسَه شططاً، وادَّعى دعوى لا دليل عليها، ولا حاجة إليها؛ وهماً منه وغلطاً.
انتهى
وسئل الشيخ عبد الكريم الخضير – حفظه الله -:
ما وجهة من يقول: إن الدعاء على الكافرين فيه تعدي؛ لأن في علم الله أنهم موجودون إلى يوم القيامة؟ .
فأجاب:
المسلم مطالب بأن يدور مع الإرادة الشرعية، أما الإرادة الكونية القدرية: ليس مطالباً بها، لقائل أن يقول: لماذا تدعو لعموم المسلمين والله يعلم أن منهم من يموت وهو مرتكب كبيرة؟ نعم، وُجد مَن يمنع حتى هذا من أهل العلم، من يقول: لا يجوز الدعاء لعموم المسلمين، وُجد مَن يمنع الدعاء لعموم المسلمين لأن في علم الله أن من يموت وهو مرتكب كبيرة، هذا مخالف الإرادة الكونية! إذاً لا تدعو لنفسك، الله أعلم بما يختم لك به! ولا تدعو لولدك، الله أعلم بما يستمر عليه! أنت مطالب بالدعاء، وهذه المطالبة إرادة شرعية، إما الإرادة الكونية: فهي لله جل وعلا ليست لك.
" شرح الموطأ " كتاب الجنائز، بَاب: " النَّهْيِ عَنْ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ ".
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12467
هل قلب المسلم يُطبع عليه كما يطبع على قلب الكافر ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[من المعلوم أن الله يطبع على قلب الكافر فلا يرى الحق , أو يرى الباطل حقا , ولكن هل يمكن أن يطبع الله على قلب مسلم , وكيف يكون ذلك , وما دلالاته , وهل لذلك علاج. بارك الله فيكم ونفعنا بكم وبعلمكم.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الطبع على القلوب يكون على قلوب الكفار، وعلى قلوب المسلمين العاصين، فأما الطبع على قلوب الكفار: فهو طبعٌ على القلب كله، وأما الطبع على قلوب المسلمين العاصين: فيكون طبعاً جزئيّاً، بحسب معصيته، وفي كل الأحوال ليس الطبع ابتداء من الرب تعالى، بل هو عقوبة لأولئك المطبوع على قلوبهم، أولئك بما كفروا، والآخرون بما عصوا، كما قال تعالى في حق الكفار: (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَاّ قَلِيلاً) النساء/ ١٥٥.
ثانياً:
من الطبع الوارد في الشرع في حق عصاة المسلمين:
١. الطبع بسبب كثرة الذنوب والمعاصي على العموم.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: (إِنَّ العَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ سُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ (كَلَاّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) .
رواه الترمذي (٣٣٣٤) وقال: حسن صحيح، وحسَّنه الألباني.
والريْن هو الطبع.
قال الحافظ ابن حجر – ﵀:
عن مجاهد في قوله (بل ران على قلوبهم) قال: ثبتت على قلوبهم الخطايا حتى غمرتها.
انتهى
والران، والرين: الغشاوة، وهو كالصدأ على الشيء الصقيل.
... .
عن مجاهد قال: كانوا يرون الرين هو الطبع.
" فتح الباري " (٨ / ٦٩٦) .
وقال ابن القيم ﵀:
الذنوب إذا تكاثرت: طُبع على قلب صاحبها، فكان من الغافلين، كما قال بعض السلف في قوله تعالى (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) قال: هو الذنب بعد الذنب، وقال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يعمي القلب، حتى قال: وأصل هذا أن القلب يصدأ من المعصية، فاذا زادت: غلب الصدأ حتى يصير راناً، ثم يغلب حتى يصير طبْعاً، وقفلاً، وختماً، فيصير القلب في غشاوة وغلاف، فاذا حصل له ذلك بعد الهدى والبصيرة: انتكس، فصار أعلاه أسفله، فحينئذ يتولاه عدوه، ويسوقه حيث أراد.
" الجواب الكافي " (ص ١٣٩) .
٢. التعرض لفتن الشهوات، والشبهات.
عن حُذَيْفَة قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ: عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ) .
رواه مسلم (١٤٤) .
مرباداً: الذي في لون رُبدة، وهي بين السواد والغبرة.
كالكوز مجخياً: كالإناء المائل عن الاستقامة والاعتدال.
قال النووي – ﵀:
قال القاضي ﵀ – أي: القاضي عياض -: شبَّه القلب الذى لا يعي خيراً: بالكوز المنحرف الذي لا يثبت الماء فيه.
وقال " صاحب التحرير " – وهو محمد بن إسماعيل الأصبهاني -: معنى الحديث: أن الرجل إذا تبع هواه، وارتكب المعاصي: دخل قلبَه بكل معصية يتعاطاها: ظلمةٌ، وإذا صار كذلك: افتُتن، وزال عنه نور الإسلام، والقلب مثل الكوز، فإذا انكب: انصب ما فيه، ولم يدخله شيء بعد ذلك.
" شرح مسلم " (٢ / ١٧٣) .
وقال ابن القيم – ﵀:
والفتن التي تُعرض على القلوب هي أسباب مرضها، وهي فتن الشهوات، وفتن الشبهات، فتن الغي والضلال، فتن المعاصي والبدع، فتن الظلم والجهل، فالأولى: توجب فساد القصد والإرادة، والثانية: توجب فساد العلم والاعتقاد.
" إغاثة اللهفان " (١ / ١٢) .
٣. الطبع بسبب التخلف عن صلاة الجمعة.
أ. عَنْ أَبِي الْجَعْدِ الضَّمْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا بِهَا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ) .
رواه الترمذي (٥٠٠) وأبو داود (١٠٥٢) والنسائي (١٣٦٩) وابن ماجه (١١٢٦) .
قال ابن الجوزي – ﵀:
أَصْلُ الطَّبْعِ: الوَسَخُ، والدَّرَنُ، ويحتمل أَنْ يُراد به: الخَتْمُ عَلَى القَلْبِ، حَتَّى لَا يَفْهَمَ الصَّوابَ.
" غريب الحديث " (٢ / ٢٦، ٢٧) .
والمعني الثاني هو الأظهر عند عامة الشرَّاح.
قال السيوطي:
قال الباجي: معنى الطبع على القلب: أن يُجعل بمنزلة المختوم عليه، لا يصل إليه شيء من الخير.
" تنوير الحوالك شرح موطأ مالك " (١ / ١٠٢) .
وقال المباركفوري – ﵀:
قوله (تهاوناً بها) قال العراقي: المراد بالتهاون: الترك عن غير عذر، والمراد بالطبع: أنه يصير قلبُه قلبَ منافق. انتهى.
" تحفة الأحوذي " (٣ / ١١) .
ب. وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأَبي هُرَيْرَةَ أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمْ الْجُمُعَاتِ أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنْ الْغَافِلِينَ) .
رواه مسلم (٨٦٥) .
قال الصنعاني – ﵀:
(لينتهين أقوام عن وَدْعهم) بفتح الواو وسكون الدال المهملة وكسر العين المهملة أي: تركهم الجمعات.
(أو ليختمن الله على قلوبهم) الختم: الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه؛ كتماً له، وتغطية؛ لئلا يتوصل إليه، ولا يطلع عليه، شبهت القلوب بسبب إعراضهم عن الحق واستكبارهم عن قبوله وعدم نفوذ الحق إليها: بالأشياء التي استوثق عليها بالختم، فلا ينفذ إلى باطنها شيء، وهذه عقوبة على عدم الامتثال لأمر الله، وعدم إتيان الجمعة من باب تيسير العسرى.
(ثم ليكونن من الغافلين) بعد ختمه تعالى على قلوبهم، فيغفلون عن اكتساب ما ينفعهم من الأعمال، وعن ترك ما يضرهم منها.
وهذا الحديث من أعظم الزواجر عن ترك الجمعة والتساهل فيها.
وفيه إخبار بأن تركها من أعظم أسباب الخذلان بالكلية.
" سبل السلام " (٢ / ٤٥) .
ومعنى " من باب تيسير العسرى ": من بخل بطاعة ربه، وتأخر عنها: صار ذلك الكسل والتأخر عن الطاعة عادة ملازمة له، يسهل عليه إتيانها، ويشق عليه تركها، وهي طريق موصلة للعسرى. قال ابن كثير ﵀:
" ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ أي: لطريق الشر، كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١] ، والآيات في هذا المعنى كثيرة دالة على أن الله يُجازي من قصد الخير بالتوفيق له، ومن قصد الشر بالخذلان. وكل ذلك بقدر مُقدّر. " انتهى. "تفسير ابن كثير" (٨/٤١٧) .
والخلاصة:
أن الناس أربعة أصناف: كافر، ومنافق، ومؤمن، ومسلم عاصٍ، ولكل واحدٍ من أولئك قلبه الخاص به، ومن طبع عليه من الكفار والمنافقين: فهو طبع كلي، لا يدخل إليهم نور الإسلام، ولا يخرج منهم ظلمة الكفر، وأما الطبع على قلب المسلم العاصي: فهو بحسب ما ارتكب من ذنوب يكون حاله، وهو دائر بين قلبين، وقد يصل حاله لقلب المنافق - أو الكافر -، وذلك بحسب زيادة المعاصي تأثير المعاصي في قلبه، وتكاثرها عليه.
قال ابن القيم – ﵀:
وقد قسَّم الصحابة رضي الله تعالى عنهم القلوبَ إلى أربعة، كما صح عن حذيفة بن اليمان: " القلوب أربعة: قلب أجرد، فيه سراج يُزهِر، فذلك قلب المؤمن، وقلب أغلف، فذلك قلب الكافر، وقلب منكوس، فذلك قلب المنافق، عَرفَ ثم أنكر، وأبصر ثم عمى، وقلبٌ تُمِدُّه مادتان: مادة إيمان، ومادة نفاق، وهو لما غلب عليه منهما ".
فقوله: " قلب أجرد " أي: متجرد مما سوى الله ورسوله، فقد تجرد وسلِم مما سوى الحق، و " فيه سراج يزهر " وهو مصباح الإيمان، فأشار بتجرده إلى سلامته من شبهات الباطل، وشهوات الغي، وبحصول السراج فيه إلى إشراقه، واستنارته بنور العلم، والإيمان.
وأشار بالقلب الأغلف: إلى قلب الكافر؛ لأنه داخل في غلافه، وغشائه، فلا يصل إليه نور العلم والإيمان، كما قال تعالى حاكياً عن اليهود: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ) البقرة/ ٨٨، وهو جمع أغلف، وهو الداخل في غلافه، كقُلف وأقلف، وهذه الغشاوة هي الأكِنَّة التي ضربها الله على قلوبهم عقوبة لهم على رد الحق، والتكبر عن قبوله، فهي أكنة على القلوب، ووقْر في الأسماع، وعمًى في الأبصار، وهي الحجاب المستور عن العيون في قوله تعالى: (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً. وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً) الإسراء/ ٤٥، ٤٦، فإذا ذكر لهذه القلوب تجريد التوحيد وتجريد المتابعة ولى أصحابها على أدبارهم نفورا
وأشار بالقلب المنكوس، وهو المكبوب: إلى قلب المنافق، كما قال تعالى: (فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا) النساء/ ٨٨، أي: نكسهم، وردهم في الباطل الذي كانوا فيه بسبب كسبهم، وأعمالهم الباطلة، وهذا شر القلوب، وأخبثها؛ فإنه يعتقد الباطل حقّاً، ويوالي أصحابه، والحقَّ باطلاً، ويعادي أهله، فالله المستعان.
وأشار بالقلب الذي له مادتان: إلى القلب الذي لم يتمكن فيه الإيمان، ولم يزهر فيه سراجه، حيث لم يتجرد للحق المحض الذي بعث الله به رسوله، بل فيه مادة منه، ومادة من خلافه، فتارة يكون للكفر أقرب منه للإيمان، وتارة يكون للإيمان أقرب منه للكفر، والحكم للغالب، وإليه يرجع.
" إغاثة اللهفان " (١ / ١٢، ١٣) .
ثالثا:
ليعلم أن معرفة أسباب النجاة من ذلك البلاء، وفك قفل القلوب، وفتحها لأسباب الهدى: ليعلم أن ذلك هو أهم ما ينبغي للعبد أن يصرف همته إليه، فإن ذلك هو نجاته في الدنيا والآخرة.
وقد مر معنا في حديث أبي هريرة: (فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ سُقِلَ قَلْبُهُ) ؛ فهذا أول ما يعمل العبد إذا أراد لنفسه النجاة: أن يعلم الذنب الذي أتي من قبله، والباب الذي دخل عليه البلاء منه، ثم يطهر نفسه من رجس ذلك الذنب، ويغلق عن نفسه باب ذلك البلاء.
وفي الحديث الآخر، عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:
(تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا: نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ: عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ) رواه مسلم (١٤٤) .
فقد بين أن صمود القلب أمام ما يطرقه من فتن الشبهات والشهوات، وثباته في مواقف الفتن: هو من أعظم أسباب هدايته، وحفظ صحته، وأن تعرضه للفتن، واستجابته لها: هو من أعظم أسباب ضلاله وفساد حاله.
وفوق ذلك كله، وقبل ذلك كله، وأيضا: بعد ذلك كله: أن يلازم الافتقار إلى من بيده مقاليد كل شيء: أن يزيل عنه ما أصابه، وأن يفتح قلبه للهدى والنور.
قال ابن القيم ﵀:
" ومما ينبغي أن يعلم: أنه لا يمتنع مع الطبع والختم والقفل حصول الإيمان؛ بأن يفَك الذي ختم على القلب وطبع عليه وضرب عليه القفلَ، ذلك الختمَ والطابع والقفل، ويهديه بعد ضلاله، ويعلمه بعد جهله، ويرشده بعد غيه، ويفتح قفل قلبه بمفاتيح توفيقه التي هي بيده، حتى لو كتب على جبينه الشقاوة والكفر: لم يمتنع أن يمحوها ويكتب عليه السعادة والإيمان. وقرا قارئ عند عمر بن الخطاب: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) وعنده شاب فقال: (اللهم عليها أقفالها، ومفاتيحها بيدك لا يفتحها سواك) ، فعرفها له عمر وزادته عنده خيرا. وكان عمر يقول في دعائه: (اللهم إن كنت كتبتني شقيا فامحني واكتبني سعيدا، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت) ...
والمقصود: أنه مع الطبع والختم والقفل، لو تعرض العبد أمكنه فك ذلك الختم والطابع وفتح ذلك القفل؛ يفتحه من بيده مفاتيح كل شيء.
وأسباب الفتح مقدورة للعبد غير ممتنعة عليه، وإن كان فك الختم وفتح القفل غير مقدور له؛ كما أن شرب الدواء مقدور له، وزوال العلة وحصول العافية غير مقدور، فإذا استحكم به المرض وصار صفة لازمة له، لم يكن له عذر في تعاطي ما إليه من أسباب الشفاء، وإن كان غير مقدور له، ولكن لما ألف العلة وساكنها، ولم يحب زوالها ولا آثر ضدها عليها، مع معرفته بما بينها وبين ضدها من التفاوت: فقد سد على نفسه باب الشفاء بالكلية ...
فإذا عرف الهدى فلم يحبه ولم يرض به، وآثر عليه الضلال مع تكرار تعريفه منفعة هذا وخيره، ومضرة هذا وشره: فقد سد على نفسه باب الهدى بالكلية.
فلو أنه في هذه الحال تعرض وافتقر إلى من بيده هداه، وعلم أنه ليس إليه هدى نفسه، وأنه إن لم يهده الله فهو ضال، وسأل الله أن يُقبِل بقلبه، وأن يقيه شر نفسه: وفَّقَه وهداه، بل لو علم الله منه كراهيةً لما هو عليه من الضلال، وأنه مرض قاتل، إن لم يشفه منه أهلكه: لكانت كراهته وبغضه إياه، مع كونه مبتلي به، من أسباب الشفاء والهداية؛ ولكن من أعظم أسباب الشقاء والضلال: محبته له ورضاه به، وكراهته الهدى والحق.
فلو أن المطبوع على قلبه، المختوم عليه، كره ذلك ورغب إلى الله في فك ذلك عنه، وفعل مقدوره: لكان هداه أقرب شيء إليه، ولكن إذا استحكم الطبع والختم حال بينه وبين كراهة ذلك، وسؤال الرب فكه وفتح قلبه ". انتهى.
" شفاء العليل"، لابن القيم (١٩٢-١٩٣) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12468
ما هو مقدار " الساعة " الواردة في الآيات والأحاديث؟ وهل هو ستون دقيقة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ذكر أن هناك ساعة في يوم الجمعة الدعاء فيها مستجاب، وأن هذه الساعة تكون قبل المغرب على الرأي الأرجح، فهل معنى الساعة هو المعنى المتعارف عليه ٦٠ دقيقة؟ أم أن المقصود مدة زمنية فقط؟ وهل يصح أن أنظر إلى وقت أذان المغرب فأحسب ساعة من قبلها فأبدأ الدعاء؟ أم أنه يلزم الجلوس بين العصر والمغرب آملاً في أن أوافق هذه الساعة؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
جاءت لفظة " ساعة " في كتاب الله تعالى، وفي سنَّة النبي ﷺ ، وفي كلام الصحابة الأجلاء ﵃، والأئمة من بعدهم، وليس المراد بها قطعا الساعة بمعناها العرفي الحديث، وهي " ستون دقيقة "؛ لأن الساعة بهذا المقدار لم تكن تُعرف في زمانهم، والساعة في وضعها الحالي لم تكن مصنوعة أصلاً، فلا اليوم كان مقسَّماً على أربع وعشرين ساعة، ولا الساعة كانت محسوبة بالدقائق، بل إن معنى " الساعة " في أكثر استعمالاتها هي بمعنى " الجزء من النهار "، أو " الجزء من الليل "، وقد تطول أو تقصر، بحسب السياق والمراد في استعمالها، كما أنها تطلق تلك اللفظة على " القيامة "، وقد جمع المعنيان في سياق واحد، وذلك في قوله تعالى (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ) الروم/ ٥٥، فلفظة " الساعة " الأولى بمعنى: " القيامة "، والآخر بمعنى: " الجزء من الزمان ".
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀:
يُخبر تعالى عن يوم القيامة، وسرعة مجيئه، وأنه إذا قامت الساعة: (يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ) بالله أنهم (مَا لَبِثُوا) في الدنيا إلا (سَاعَة) ؛ وذلك اعتذار منهم، لعله ينفعهم العذر، واستقصار لمدة الدنيا.
" تفسير السعدي " (ص ٦٤٥) .
وتطلق – أيضاً – ويراد بها: " الوقت الحاضر ".
قال الفيروزآبادي – ﵀:
والساعَةُ: جُزْءٌ من أجْزاءِ الجَديدَيْنِ، والوَقْتُ الحاضِرُ، (والجمع) : ساعاتٌ، وساعٌ، والقيامَةُ، أو الوَقْتُ الذي تقومُ فيه القيامةُ.
" القاموس المحيط " (ص ٩٤٤) .
والجديدان هما: الليل والنهار.
ثانياً:
بناء على ذلك يتبين أن " الساعة " المقصودة في حديث النبي ﷺ في ساعة الجمعة، وما يشبهه: أن المراد بها: جزء من الوقت، وقد يقصر ذلك الجزء، أو يطول، ويُعرف ذلك من خلال سياق الحديث، فساعة الاستجابة يوم الجمعة قصيرة الزمن، ووقت ساعة الاستجابة كل ليلة أطول منه.
والأحاديث بنصوصها، وفهمها يدلان على ذلك:
أ. عن أبي هريرة ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: (فِيهِ سَاعَةٌ لا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا إِلا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ.
وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا) .
رواه البخاري (٨٩٣) ومسلم (٨٥٢) .
وزاد مسلم في لفظ عنده (وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ) .
قال الشيخ محمد بن علان الصديقي – ﵀:
(بيده يقللها) أي: يبين أنها لحظة، لطيفة، خفيفة، وزاد مسلم: (وهي ساعة خفيفة) .
" دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين " (٦ / ٤٧٩) .
ب. عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: (إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ) .
رواه مسلم (٧٥٧) .
قال الشيخ محمد بن علان الصديقي – ﵀:
وفيه على كل وجه: إيماء إلى اتساع زمنها، بخلاف ساعة الإجابة يوم الجمعة، ويؤيد ذلك: أنه أشار لضيق ساعة الجمعة بقول الصحابي (وأشار) - أي النبي ﷺ – (بيده يقللها) ، ولم يقل مثل ذلك في الساعة التي في الليل.
" دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين " (٧ / ٤) .
وهكذا يُعرف قصر الزمان وطوله في معنى لفظ " الساعة "، ففي آية سورة " الروم " يدل معناها على سنوات! ، وفي بعض الأحاديث والآثار تدل على زمان يسير جدّاً، نحو: " فسكت ساعة "، و " فأطرق ساعة "، و " فلبث ساعة "، وما يشبه ذلك من السياقات.
ثالثاً:
ورد تقسيم النهار إلى اثنتي عشرة ساعة، في حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (يَوْمُ الْجُمُعَةِ ثِنْتَا عَشْرَةَ - يُرِيدُ: سَاعَةً - لَا يُوجَدُ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا أَتَاهُ اللَّهُ فَالْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ) .
رواه أبو داود (١٠٤٨) والنسائي (١٣٨٩) ، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ".
والمراد بالحديث: تقسيم نهار الجمعة – من الفجر إلى الغروب – إلى اثني عشر جزءً، حزء واحد منها هو الساعة التي يستجاب فيها الدعاء.
قال الحافظ ابن رجب – ﵀:
وظاهر الحديث: يدل على تقسيم نهار الجمعة إلى اثنتي عشرة ساعةً، مع طول النهار، وقصره، فلا يكون المراد به الساعات المعروفة من تقسيم الليل والنهار إلى أربعة وعشرين ساعة؛ فإن ذَلِكَ يختلف باختلاف طول النهار، وقصره.
" فتح الباري " لابن رجب (٥ / ٣٥٦) .
وقال الشيخ عبد المحسن العبَّاد حفظه الله – وقد شرح الحديث فأوعب -:
وقوله: (ثنتا عشرة ساعة) : يدل على أن النهار مقداره اثنتا عشرة ساعة، ومعلوم أن النهار في اصطلاح الشرع: من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وليس من طلوع الشمس إلى غروبها؛ ولهذا فإن صيام الأيام إنما يكون من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والليل أيضاً اثنتا عشرة ساعة، لكن الساعات ليست مستقرة، ثابتة، على طول الأيام، وإنما هي تزيد وتنقص بطول اليوم وقصَره، فمعنى هذا: أن الوقت من طلوع الفجر إلى غروب الشمس يقسَّم إلى اثني عشر جزءاً، وجزء من هذه الاثني عشر هو مقدار الساعة التي جاء ذكرها في هذا الحديث، فليست الساعة شيئاً ثابتاً في كل أيام السنَة - كما اصطلح عليه الناس في هذا الزمان، حيث يجعلون الليل والنهار أربعاً وعشرين ساعة -، ولكن أحياناً يصير النهار تسع ساعات والليل خمس عشرة ساعة، وأحياناً يكون العكس، فيجعلون مجموع اليوم أربعاً وعشرين ساعة، ولا يكون الليل له نصفها والنهار له نصفها، بل هذا على حسب طول الزمان وقصره، لكن في هذا الحديث: (النهار اثنتا عشرة ساعة) سواءً في الشتاء، أو في الصيف، سواء طال النهار أو قصر، فتقسم اليوم في كل وقت على اثنتي عشرة ساعة، فتنقص الساعة وتزيد، وبالتوزيع عليهما يختلف مقدار الساعة من وقت لآخر، فمقدار الساعة في الصيف حيث يطول النهار: أطول من الساعة في الشتاء حيث يقصر النهار، وقد كان النهار عند العرب اثنتا عشرة ساعة، والليل اثنتا عشرة ساعة، وقد ذكر ذلك الثعالبي في كتابه " فقه اللغة " (ص ٤٦٨) ، فذكر ساعات الليل، وساعات النهار، وأسماءها، ولكن في تسميتها عندهم ما يدل على أن النهار يبدأ بطلوع الشمس، وينتهي بغروبها، ولكن في اصطلاح الشرع: النهار يبدأ بطلوع الفجر، ولهذا سبق أن مر بنا من فقه أبي داود أنه ذكر عند غسل الجمعة: أن الإنسان إذا كان عليه جنابة واغتسل بعد طلوع الفجر يوم الجمعة: أجزأه عن غسل الجمعة؛ لأن اليوم يبدأ بطلوع الفجر.
فعلى هذا: تكون ساعة الإجابة آخر جزء من اثنتي عشر جزءاً، وقد تطول في الصيف، وتقصر في الشتاء، على حسب توزيع مجمل الساعات.
" شرح سنن أبي داود " (شريط رقم ٨٩) ، (٦ / ٢٤٤، ٢٤٥) – ترقيم الشاملة -.
وأما بخصوص حديث الذهاب إلى الجمعة في الساعة الأولى، والثانية، إلى الخامسة، وأجر كل واحدة منها: فيقسَّم الزمان من طلوع الشمس إلى الزوال خمسة أجزاء، ويكون كل جزء هو المراد بالساعة، وقد تطول مدتها عن الستين دقيقة، وقد تقصر، بحسب طول النهار، وقصره، كما سبق توضيحه، وينظر في ذلك جواب السؤال رقم (٦٠٣١٨) .
وفي مسألة ساعة الإجابة يوم الجمعة انظر جوابي السؤالين: (٨٢٦٠٩) و (٢١٧٤٨) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12469
من هو الذي تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[في القرآن الكريم نجد الآية الكريمة: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) العنكبوت/٤٥، بينما أجد الكثير من المصلين من يملك أسوأ الأخلاق , نجده مرتشيا، وحراميا، ولصا، وكذابا، وكل شيء من هذا القبيل , فاستغربت لهذا. أود منكم الإيضاح.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا نجد داعيا لاستغرابك أخي السائل، فالصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر هي الصلاة الحقيقية التي يقبل صاحبها إليها بقلبه وروحه ونفسه، يتذلل بها بين يدي الله، إظهارا للعبودية واعترافا بالفقر بين يديه، وهو في ذلك راغب فيما عنده ، صادق التوبة والإنابة، مخلص السريرة له سبحانه.
فمن لم تقم في قلبه هذه المعاني حين يقف بين يدي الله للصلاة، لم تثمر صلاته الثمار الحقيقية المرجوة، التي من أهمها التذكير بالله والنهي عن الفحشاء والمنكر، ولم يكتب له من أجرها إلا بقدر ما حققه من معانيها ومقاصدها.
يقول الله فيها: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) العنكبوت/٤٥
وعن أبي هريرة ﵁ قال:
(قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ فُلَانَةَ - يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا - غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا؟ قَالَ: هِيَ فِي النَّارِ.
قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَإِنَّ فُلَانَةَ - يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلَاتِهَا - وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنْ الْأَقِطِ وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا؟ قَالَ: هِيَ فِي الْجَنَّةِ)
رواه أحمد في "المسند" (٢/٤٤٠) وصححه المنذري في "الترغيب والترهيب" (٣/٣٢١) ، والشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة" (رقم/١٩٠)
قال الإمام القرطبي ﵀:
" في الآية تأويل ثالث، وهو الذي ارتضاه المحققون، وقال به المشيخة الصوفية، وذكره المفسرون، فقيل المراد بـ (أقم الصلاة) : إدامتها، والقيام بحدودها.
ثم أخبر حكما منه بأن الصلاة تنهى صاحبها وممتثلها عن الفحشاء والمنكر، وذلك لما فيها من تلاوة القرآن المشتمل على الموعظة، والصلاة تشغل كل بدن المصلي، فإذا دخل المصلي في محرابه، وخشع، وأخبت لربه، وادكر أنه واقف بين يديه، وأنه مطلع عليه ويراه: صلحت لذلك نفسه، وتذللت، وخامرها ارتقاب الله تعالى، وظهرت على جوارحه هيبتها، ولم يكد يفتر من ذلك حتى تظله صلاة أخرى يرجع بها إلى أفضل حالة.
فهذا معنى هذه الأخبار؛ لأن صلاة المؤمن هكذا ينبغي أن تكون.
قلت – أي القرطبي -: لا سيما وإن أشعر نفسه أن هذا ربما يكون آخر عمله، وهذا أبلغ في المقصود، وأتم في المراد، فإن الموت ليس له سن محدود، ولا زمن مخصوص، ولا مرض معلوم، وهذا مما لا خلاف فيه.
وروي عن بعض السلف أنه كان إذا قام إلى الصلاة ارتعد واصفر لونه، فكُلم في ذلك فقال: إني واقف بين يدي الله تعالى، وحق لي هذا مع ملوك الدنيا، فكيف مع ملك الملوك؟!
فهذه صلاة تنهى - ولا بد - عن الفحشاء والمنكر.
ومن كانت صلاته دائرة حول الإجزاء، لا خشوع فيها، ولا تذكر، ولا فضائل – كصلاتنا، وليتها تجزي - فتلك تترك صاحبها من منزلته حيث كان، فإن كان على طريقة معاص تبعده من الله تعالى: تركته الصلاة يتمادى على بعده، وعلى هذا يخرج الحديث المروي عن ابن مسعود وابن عباس والحسن والأعمش قولهم: (من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم تزده من الله إلا بعدا) " انتهى.
" الجامع لأحكام القرآن " (١٣/٣٤٨) .
والحديث المشار إليه في آخر كلامه: ضعفه الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة، رقم (٢) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" الصلاة إذا أتى بها كما أمر نهته عن الفحشاء والمنكر، وإذا لم تنهه: دل على تضييعه لحقوقها وإن كان مطيعاً، وقد قال تعالى: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة) مريم/٥٩، وإضاعتها: التفريط في واجباتها وإن كان يصليها " انتهى.
" مجموع الفتاوى " (٢٢/٦)
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
" فإن قال قائل: كيف تكون الصلاة عوناً للإنسان؟
فالجواب: تكون عوناً إذا أتى بها على وجه كامل، وهي التي يكون فيها حضور القلب، والقيام بما يجب فيها.
أما صلاة غالب الناس اليوم فهي صلاة جوارح لا صلاة قلب؛ ولهذا تجد الإنسان من حين أن يكبِّر ينفتح عليه أبواب واسعة عظيمة من الهواجس التي لا فائدة منها؛ ولذلك من حين أن يسلِّم تنجلي عنه وتذهب.
لكن الصلاة الحقيقية التي يشعر الإنسان فيها أنه قائم بين يدي الله، وأنها روضة فيها من كل ثمرات العبادة: لا بد أن يَسلوَ بها عن كل همّ؛ لأنه اتصل بالله الذي هو محبوبه، وأحب شيء إليه؛ ولهذا قال النبي ﷺ : (جعلت قرة عيني في الصلاة) .
أما الإنسان الذي يصلي ليتسلى بها، لكن قلبه مشغول بغيرها: فهذا لا تكون الصلاة عوناً له؛ لأنها صلاة ناقصة؛ فيفوت من آثارها بقدر ما نقص فيها، كما قال الله تعالى: (اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) العنكبوت/٤٥، وكثير من الناس يدخل في الصلاة ويخرج منها لا يجد أن قلبه تغير من حيث الفحشاء والمنكر، هو على ما هو عليه،؛ لا لانَ قلبه لذكر، ولا تحول إلى محبة العبادة" انتهى.
" تفسير سورة البقرة " (١ / ١٦٤، ١٦٥) .
وينظر: " اللقاء الشهري "، للشيخ ابن عثيمين ﵀ (١/سؤال رقم/١٧) .
ويقول الشيخ صالح الفوزان حفظه الله:
" للصلاة الصحيحة تأثير في سلوك العبد وأعماله الأخرى، قال تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) العنكبوت/٤٥.
فالذي يصلي بحضور قلبه وخشوع واستحضار لعظمة الله؛ هذا يخرج بصلاة مفيدة نافعة، تنهاه عن الفحشاء والمنكر، ويحصل بها على الفلاح.
أما الذي يصلي صلاة صورية؛ من غير حضور قلب، ومن غير خشوع، قلبه في واد وجسمه في واد آخر؛ فهذا لا يحصل من صلاته على طائل " انتهى.
" المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان " (٣ / ٥٣، ٥٤) .
وينظر: فتاوى اللجنة الدائمة (٢٦/٨٦) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12470
هل يصح حديث (لن يغلب عسر يسرين) ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[في قوله تعالى: (إن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا) قال الرسول ﷺ بما معناه-: (اصبروا فلا يهزم عسر يسرين) ، هل هذا الحديث صحيح؟ وإن كان، فما هو نص الحديث الصحيح؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
ورد هذا الحديث من طريقين عن النبي ﷺ ، ـ فيما نعلم ـ وكلاهما ضعيف.
الأول: من مراسيل الحسن البصري، ومراسيله ـ كما هو معلوم ـ ضعيفة، بل من أضعف المراسيل.
قال الشيخ الألباني ﵀:
"ضعيف: أخرجه الحاكم (٢/ ٥٢٨) عن إسحاق بن إبراهيم الصنعاني: أنبأ عبد الرزاق: أنبأ معمر، عن أيوب، عن الحسن: في قول الله : (إن مع العسر يسراً) قال: خرج النبي صلي الله عليه وسلم يوماً مسروراً فرحاً، وهو يضحك وهو يقول: (لن يغلب عسر يسرين)
وقال هو والذهبي: مرسل. فعلة الحديث الإرسال.
كذلك أخرجه ابن جرير في "التفسير" (٣٠/ ١٥١) من مرسل الحسن وقتادة، ولا يقوي أحدهما الآخر؛ لاحتمال أن يكونا تلقياه من شيخ واحد، واحتمال أن يكون تابعياً مثلهما، واحتمال أن يكون ضعيفاً أو مجهولاً، وهو السبب في عدم الاحتجاج بالحديث المرسل وجعلهم إياه من أقسام الحديث الضعيف، كما هو مقرر في علم المصطلح " انتهى باختصار.
"السلسلة الضعيفة" (٤٣٤٢) .
الثاني: من حديث جابر بن عبد الله ﵄.
رواه ابن مردويه – كما عزاه إليه الزيلعي في " تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف " (٤/٢٣٦) – قال:
" فيه مرفوع آخر رواه ابن مردويه في تفسيره فقال:
حدثنا أحمد بن محمد بن السري، ثنا المنذر بن محمد بن المنذر، ثني أبي، ثنا يحيى بن محمد بن هانئ، عن محمد بن إسحاق، ثني الحسن بن عطية العوفي، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال: (لما نزلت: (فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا) قال رسول الله ﷺ : ابشروا لن يغلب عسر يسرين) " انتهى.
وهذا إسناد ضعيف بسبب الحسن بن عطية العوفي، فقد اتفق أهل العلم على تضعيفه. انظر: "تهذيب التهذيب" (٢/٢٩٤) ، ولذلك ضعف الحافظ ابن حجر حديث جابر هذا في "فتح الباري" (٨/٧١٢) .
ثانيا:
ثبت هذا من كلام بعض الصحابة رضوان الله عليهم، أصحها ما رواه الحاكم في "المستدرك" (٢/٣٢٩) بسند صحيح، قال فيه الحاكم: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي في "التلخيص"، عن عمر بن الخطاب ﵁: (أنه بلغه أن أبا عبيدة حصر بالشام، وقد تألب عليه القوم، فكتب إليه عمر: سلام عليك، أما بعد: فإنه ما ينزل بعبد مؤمن من منزلة شدة إلا يجعل الله له بعدها فرجا، ولن يغلب عسر يسرين، و (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون) قال: فكتب إليه أبو عبيدة: سلام عليك. وأما بعد: فإن الله يقول في كتابه: (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد) إلى آخرها. قال: فخرج عمر بكتابه فقعد على المنبر فقرأ على أهل المدينة ثم قال: يا أهل المدينة! إنما يعرض بكم أبو عبيدة أن ارغبوا في الجهاد) .
وقال ابن القيم ﵀:
" قوله تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) فالعسر - وإن تكرر مرتين - فتكرر بلفظ المعرفة، فهو واحد، واليسر تكرر بلفظ النكرة، فهو يسران، فالعسر محفوف بيسرين، يسر قبله، ويسر بعده، فلن يغلب عسر يسرين " انتهى.
" بدائع الفوائد " (٢/١٥٥) .
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
" قال تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً. إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) قال ابن عباس عند هذه الآية: (لن يغلب عسر يسرين) قال أهل البلاغة: توجيه كلامه: أن العسر لم يذكر إلا مرة واحدة، (فإن مع العسر يسراً) ، (إن مع العسر يسرا) العسر الأول أعيد في الثانية بأل، فأل هنا للعهد الذكري، وأما اليسر فإنه لم يأت معرفاً بل جاء منكراً، والقاعدة: أنه إذا كرر الاسم مرتين بصيغة التنكير أن الثانية غير الأول إلا ما ندر، والعكس إذا كرر الاسم مرتين وهو معرف فالثاني هو الأول إلا ما ندر، إذاً: في الآيتين الكريمتين يسران، وفيهما عسر واحد؛ لأن العسر كرر مرتين بصيغة التعريف.
(فإن مع العسر يسرا) هذا الكلام خبر من الله ، وخبره أكمل الأخبار صدقاً، ووعده لا يخلف، فكلما تعسر عليك الأمر فنتظر التيسير " انتهى باختصار.
" لقاءات الباب المفتوح " (لقاء رقم/٨٠)
وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) رواه أحمد (٥/١٩) طبعة مؤسسة الرسالة وصححه المحققون، وقال ابن رجب: حسن جيد. " جامع العلوم والحكم " (١/٤٥٩) .
فينبغي للعبد أن يحسن ظنه بالله، وأن يقوى يقينه بفرج من عنده سبحانه، فهو عند حسن ظن عبده به، وأن يبذل أسباب الفرج من الصبر والتقوى وحمد الله على كل حال، قال الله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا. ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا) الطلاق/٤- ٥.
قال الحافظ ابن رجب ﵀:
" ومن لطائف أسرار اقتران الفرج بالكرب، واليسر بالعسر: أن الكرب إذا اشتد وعظم وتناهى وحصل للعبد اليأس من كشفه من جهة المخلوقين، وتعلق قلبه بالله وحده، وهذا هو حقيقة التوكل على الله، وهو من أعظم الأسباب التي تطلب بها الحوائج - فإن الله يكفي مَن توكل عليه، كما قال تعالى: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) " انتهى.
" جامع العلوم والحكم " (ص/١٩٧) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12471
هل يجوز لي أن أدعو على نفسي بالوفاة قبل بلوغ الأجل ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أدعو ربي أن يتوفني قبل أجلي، وأنا في شهر رمضان، وفي سجودي، فهل يجوز لي أن أدعو بذلك أم لا يجوز؟ وجزاكم الله خيرا، وبارك فيكم، وكثر من أمثالكم.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
من دعا على نفسه بالموت قبل حلول الأجل فقد اعتدى في دعائه من جهتين:
من جهة عدم الإيمان بمضمون قوله تعالى: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) النحل/٦١،
عن أبي أمامة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (نفث روح القدس في روعي: أن نفسا لن تخرج من الدنيا حتى تستكمل أجلها، وتستوعب رزقها؛ فأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعصية الله؛ فإن الله لا ينال ما عنده إلا بطاعته) . رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (٨/١٦٦) ، وصححه الألباني.
فكل شيء عند الله بأجل معلوم محدود، وإذا دعا أحد على نفسه بالموت قبل الأجل دل على وجود الخلل في إيمانه بالقضاء والقدر وفهمه له.
ومن جهة الوقوع فيما نهى عنه النبي ﷺ ، فقد نهى أن يدعو المسلم بالموت على نفسه في أحاديث كثيرة، اتفق على صحتها أهل العلم جميعا.
هذا وإن كان أهل العلم يذكرون لتمني الموت حالات كثيرة، ولكل حالة حكمها، إلا أن الغالب في تمني الناس الموت إنما هو في الجانب المحظور الممنوع، ونحن ننقل هنا كلام أهل العلم في أقسام وحالات تمني الموت.
قال الحافظ ابن رجب ﵀:
" خرج الإمام أحمد من حديث جابر عن النبي ﷺ قال: (لَا تَمَنَّوْا الْمَوْتَ فَإِنَّ هَوْلَ الْمَطْلَعِ شَدِيدٌ وَإِنَّ مِنْ السَّعَادَةِ أَنْ يَطُولَ عُمْرُ الْعَبْدِ وَيَرْزُقَهُ اللَّهُ الْإِنَابَةَ) – " مسند أحمد " (٢٢/٤٢٦) وحسنه المحققون في طبعة مؤسسة الرسالة -.
فتمني الموت يقع على وجوه:
١- منها: تمنيه لضر دنيوي ينزل بالعبد: فينهى حينئذ عن تمني الموت، وفي الصحيحين عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
(لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا لِلْمَوْتِ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي) - رواه البخاري (٦٣٥١) ، ومسلم (٢٦٨٠) -. ووجه كراهيته في هذا الحال أن المتمني للموت لضر نزل به إنما يتمناه تعجيلا للاستراحة من ضره، وهو لا يدري إلى ما يصير بعد الموت، فلعله يصير إلى ضر أعظم من ضره، فيكون كالمستجير من الرمضاء بالنار، وفي الحديث عن النبي ﷺ قال: (إنما يستريح من غفر له) – صحيح بطرقه، انظر " السلسلة الصحيحة " (١٧١٠) -، فلهذا لا ينبغي له أن يدعو بالموت، إلا أن يشترط أن يكون خيرا له عند الله ، فكذلك كل ما يعلم العبد فيه الخيرة له، كالغنى والفقر وغيرهما، كما يشرع له استخارة الله تعالى فيما يريد أن يعمله مما لا يعلم وجه الخيرة فيه، وإنما يسأل الله على وجه الجزم والقطع مما يعلم أنه خير محض، كالمغفرة والرحمة والعفو والعافية والتقى والهدى ونحو ذلك.
٢- ومنها: تمنيه خوفَ الفتنة في الدين: فيجوز حينئذ، وقد تمناه ودعا به خشية فتنة الدين خلق من الصحابة وأئمة الإسلام، وفي حديث المنام: (وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون) .
٣- ومنها: تمني الموت عند حضور أسباب الشهادة اغتناما لحضورها: فيجوز ذلك أيضا، وسؤال الصحابة الشهادة وتعرضهم لها عند حضور الجهاد كثير مشهور، وكذلك سؤال معاذ لنفسه وأهل بيته الطاعون لما وقع بالشام.
٤- ومنها: تمني الموت لمن وثق بعمله شوقا إلى لقاء الله : فهذا يجوز أيضا، وقد فعله كثير من السلف: قال أبو الدرداء: أحب الموت اشتياقا إلى ربي. وقال بو عنبسة الخولاني: كان مَنْ قَبْلكم لقاء الله أحب إليه من الشهد. وقال بعضهم: طال شوقي إليك فعجِّل قدومي عليك. وقد دل على جواز ذلك قول الله : (قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ) البقرة/٩٤، وقوله: (قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ) الجمعة/٦، فدل ذلك على أن أولياء الله لا يكرهون الموت، بل يتمنونه، ثم أخبر أنهم: (لا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) الجمعة/٧ فدل على أنه يكره الموت من له ذنوب يخاف القدوم عليها، كما قال بعض السلف: ما يكره الموت إلا مُريب. وفي حديث عمار بن ياسر عن النبي ﷺ : (أسألك لذة النظر إلى وجهك، وشوقا إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة) فالشوق إلى لقاء الله تعالى إنما يكون بمحبة الموت، وذلك لا يقع غالبا إلا عند خوف ضراء مضرة في الدنيا، أو فتنة مضلة في الدين، فأما إذا خلا عن ذلك كان شوقا إلى لقاء الله ، وهو المسؤول في هذا الحديث، فالمطيع لله مستأنس بربه، فهو يحب لقاء الله، والله يحب لقاءه، والعاصي مستوحش، بينه وبين مولاه وحشة الذنوب، فهو يكره لقاء ربه، ولا بد له منه. قال ذو النون: كل مطيع مستأنس، وكل عاص مستوحش.
قال أبو بكر الصديق لعمر ﵄ في وصيته له عند الموت: إن حفظت وصيتي لم يكن غائب أحب إليك من الموت ولا بد لك منه، وإن ضيَّعتها لم يكن غائب أكره إليك من الموت ولن تعجزه. قال أبو حازم: كل عمل تكره الموت من أجله فاتركه، ثم لا يضرك متى مت.
٥- ومنها: تمني الموت على غير الوجوه المتقدمة: فقد اختلف العلماء في كراهيته واستحبابه، وقد رخص فيه جماعة من السلف، وكرهه آخرون.
وقد علل النهي عن تمني الموت في حديث جابر بعلتين:
إحداهما: أن هول المطلع شديد، وهول المطلع: هو ما يكشف للميت عند حضور الموت من الأهوال التي لا عهد له بشيء منها في الدنيا، من رؤية الملائكة، ورؤية أعماله من خير أو شر، وما يبشر به عند ذلك من الجنة والنار، هذا مع ما يلقاه من شدة الموت وكربه وغصصه. قال الحسن: لو أعلم ابن آدم أن له في الموت راحة وفرحا لشق عليه أن يأتيه الموت، لما يعلم من فظاعته وشدته وهوله، فكيف وهو لا يعلم ما له في الموت: نعيم دائم، أو عذب مقيم. فالمتمني للموت كأنه يستعجل حلول البلاء، وإنما أمرنا بسؤال العافية.
وسمع ابن عمر رجلا يتمنى الموت فقال: لا تتمنى الموت فإنك ميت ولكن سل الله العافية.
قال إبراهيم بن أدهم: إن للموت كأسا، لا يقوى عليها إلا خائف وجل مطيع لله، كان يتوقعها.
حتى قال عمر عند موته: لو أن لي ما في الأرض لافتديت به من هول المُطَّلع.
والعلة الثانية: أن المؤمن لا يزيده عمره إلا خيرا، فمن سعادته أن يطول عمره ويرزقه الله الإنابة إليه، والتوبة من ذنوبه السالفة، والاجتهاد في العمل الصالح، فإذا تمنى الموت فقد تمنى انقطاع عمله الصالح، فلا ينبغي له ذلك.
وفي المعنى أحاديث كثيرة، وكلها تدل على النهي عن تمني الموت بكل حال، وأن طول عمر المؤمن خير له، فإنه يزداد فيه خيرا.
" انتهى باختصار.
" لطائف المعارف " (٢٩٥-٣٠٥) ، وينظر: "شرح حديث عمار بن ياسر"، للحافظ ابن رجب الحنبلي، ﵀.
وقد سبق التوسع في الجواب على هذا السؤال تحت الرقم: (٤٦٥٩٢)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12472
يخبر زوجته بما يعمله من عمل صالح لتقتدي به
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا متزوج وعندما أقوم بعمل صالح مثل التصدق أو مساعدة الآخرين أرغب بإخبار زوجتي بذلك وذلك لكي أشجعها على مثل هذه الأعمال، فهل يجوز ذلك؟ أم إنني بهذا الشيء أفسد الأجر ويعتبر ذلك رياءً؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
كلما كان عمل العبد في السر كان أقرب للإخلاص، وأبعد عن آفات القلوب من طلب الرياء والسمعة والجاه ونحو ذلك.
قال البخاري ﵀ في صحيحه:
" بَاب صَدَقَةِ السِّرِّ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : (وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ) وَقَوْلِهِ: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) الْآيَةَ " انتهى.
وروى الطبراني في "الكبير" (١٠١٨) عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: (إن صدقة السر تطفئ غضب الرب) وصححه الألباني في "الصحيحة" (١٩٠٨)
وروى الترمذي (٢٩١٩) عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (الْجَاهِرُ بِالْقُرْآنِ كَالْجَاهِرِ بِالصَّدَقَةِ، وَالْمُسِرُّ بِالْقُرْآنِ كَالْمُسِرِّ بِالصَّدَقَةِ) صححه الألباني في صحيح الترمذي.
قَالَ الترمذي: "وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ الَّذِي يُسِرُّ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أَفْضَلُ مِنْ الَّذِي يَجْهَرُ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ صَدَقَةَ السِّرِّ أَفْضَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ صَدَقَةِ الْعَلَانِيَةِ، وَإِنَّمَا مَعْنَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ لِكَيْ يَأْمَنَ الرَّجُلُ مِنْ الْعُجْبِ، لِأَنَّ الَّذِي يُسِرُّ الْعَمَلَ لَا يُخَافُ عَلَيْهِ الْعُجْبُ مَا يُخَافُ عَلَيْهِ مِنْ عَلَانِيَتِهِ " انتهى.
ولكن.. متى كان في إظهار العمل مصلحة شرعية كاقتداء الناس به، وتشجيعهم على الخير، وخلا عن طلب الرياء والشهرة فلا حرج من الجهر به.
قال ابن كثير ﵀:
" قوله: (وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُم) فيه دلالة على أن إسرار الصدقة أفضل من إظهارها؛ لأنه أبعد عن الرياء، إلا أن يترتب على الإظهار مصلحة راجحة، من اقتداء الناس به، فيكون أفضل من هذه الحيثية......
والأصل أن الإسرار أفضل، لهذه الآية ... " انتهى.
"تفسير ابن كثير" (١/٧٠١)
وقال الحافظ في الفتح (١١/٣٣٧) :
" قَدْ يُسْتَحَبّ إِظْهَاره – يعني العمل - مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ عَلَى إِرَادَته الِاقْتِدَاءَ بِهِ، وَيُقَدَّرُ ذَلِكَ بِقَدْرِ الْحَاجَة. قَالَ اِبْن عَبْد السَّلَام: يُسْتَثْنَى مِنْ اِسْتِحْبَاب إِخْفَاء الْعَمَل مَنْ يُظْهِرُهُ لِيُقْتَدَى بِهِ أَوْ لِيُنْتَفَعَ بِهِ كَكِتَابَةِ الْعِلْمِ، " قَالَ الطَّبَرِيُّ: كَانَ اِبْن عُمَر وَابْن مَسْعُود وَجَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ يَتَهَجَّدُونَ فِي مَسَاجِدِهِمْ وَيَتَظَاهَرُونَ بِمَحَاسِنِ أَعْمَالِهِمْ لِيُقْتَدَى بِهِمْ، قَالَ: فَمَنْ كَانَ إِمَامًا يُسْتَنُّ بِعَمَلِهِ عَالِمًا بِمَا لِلَّهِ عَلَيْهِ قَاهِرًا لِشَيْطَانِهِ اِسْتَوَى مَا ظَهَرَ مِنْ عَمَلِهِ وَمَا خَفِيَ لِصِحَّةِ قَصْدِهِ، وَمَنْ كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَالْإِخْفَاءُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ، وَعَلَى ذَلِكَ جَرَى عَمَل السَّلَف " انتهى.
وقال ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى:
" فِي كَتْمِ الْعَمَلِ فَائِدَةَ الْإِخْلَاصِ وَالنَّجَاةَ مِنْ الرِّيَاءِ، وَفِي إظْهَارِهِ فَائِدَةَ الِاقْتِدَاءِ وَتَرْغِيبَ النَّاسِ فِي الْخَيْرِ وَلَكِنْ فيهِ آفَةُ الرِّيَاءِ، وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَى الْقِسْمَيْنِ فَقَالَ - عَزَّ قَائِلًا -: (إنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) لَكِنَّهُ مَدَحَ الْإِسْرَارَ لِسَلَامَتِهِ مِنْ تِلْكَ الْآفَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي قَلَّ مَنْ يَسْلَمُ مِنْهَا.
وَقَدْ يُمْدَحُ الْإِظْهَارُ فِيمَا يَتَعَذَّرُ الْإِسْرَارُ فِيهِ كَالْغَزْوِ وَالْحَجِّ وَالْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ، فَالْإِظْهَارُ الْمُبَادَرَةُ إلَيْهِ، وَإِظْهَارُ الرَّغْبَةِ فِيهِ لِلتَّحْرِيضِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ شَائِبَةُ رِيَاءٍ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ مَتَى خَلَصَ الْعَمَلُ مِنْ تِلْكَ الشَّوَائِبِ وَلَمْ يَكُنْ فِي إظْهَارِهِ إيذَاءٌ لِأَحَدٍ فَإِنْ كَانَ فِيهِ حَمْلٌ لِلنَّاسِ عَلَى الِاقْتِدَاءِ وَالتَّأَسِّي بِهِ فِي فِعْلِهِ ذَلِكَ الْخَيْرَ وَالْمُبَادَرَةِ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَوْ الصُّلَحَاءِ الَّذِينَ تُبَادِرُ الْكَافَّةُ إلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِمْ، فَالْإِظْهَارُ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ مَقَامُ الْأَنْبِيَاءِ وَوُرَّاثِهِمْ وَلَا يُخَصُّونَ إلَّا بِالْأَكْمَلِ، وَلِأَنَّ نَفْعَهُ مُتَعَدٍّ وَلِقَوْلِهِ ﷺ : (مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ يَعْمَلُ بِهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) ، وَإِنْ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ فَالْإِسْرَارُ أَفْضَلُ" انتهى.
"الزواجر" (١/١١٨)
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
"من تمام الإخلاص: أن يحرص الإنسان على ألا يراه الناس في عبادته، وأن تكون عبادته مع ربه سراً، إلا إذا كان في إعلان ذلك مصلحة للمسلمين أو للإسلام، مثل أن يكون رجلاً متبوعاً يقتدى به، وأحب أن يبين عبادته للناس ليأخذوا من ذلك نبراساً يسيرون عليه، أو كان هو يحب أن يظهر العبادة ليقتدي بها زملاؤه وقرناؤه وأصحابه ففي هذا خير، وهذه المصلحة التي يلتفت إليها قد تكون أفضل وأعلى من مصلحة الإخفاء، لهذا يثني الله على الذين ينفقون سراً وعلانية، فإذا كان السر أصلح وأنفع للقلب وأخشع وأشد إنابة إلى الله أسروا، وإذا كان في الإعلان مصلحة للإسلام بظهور شرائعه، وللمسلمين يقتدون بهذا الفاعل وهذا العامل أعلنوه.
والمؤمن ينظر ما هو الأصلح، كلما كان أصلح وأنفع في العبادة فهو أكمل وأفضل " انتهى.
"مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين" (٣/ ١٦٥) .
وعلى هذا، فلا حرج من إخبار زوجتك ببعض أعمالك الصالحة حتى تنشطها إلى الاقتداء بك، واجتهد في إخلاص العمل لله تعالى، وتنقيه من الرياء.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12473
هل ثمة دعاء خاص يحفظ من موت الفجأة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يوجد دعاء يحفظك من موت الفجأة ? وما هو؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
موت الفجأة من أقدار الله التي يقضي بها في عباده، بأن يصيب الموتُ العبدَ مفاجأة من غير إمهال ولا إخطار، وإنما هجوما تنسل به الروح من غير معاناة سكرات الموت ومقدماته.
وهو صورة من صور الموت التي وجدت قديما، وزاد انتشارها حديثا بسبب حوادث السير المعروفة اليوم، والعدوان على الشعوب والأفراد بآلات القتل الحديثة الفاتكة.
وقد جاء في بعض الآثار والأحاديث أن انتشار موت الفجأة من علامات الساعة، حسَّن هذه الآثار الحافظ السخاوي في " المقاصد الحسنة " (ص/٥٠٦) وقال: له طرق يقوي بعضها بعضا، والألباني في " السلسلة الصحيحة " (٥/٣٧٠) ، ويمكن الاطلاع عليها في كتاب: "إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة " (٢/٢٣٦) للشيخ حمود التويجري.
ثانيا:
ثم إن موت الفجأة يحتمل أن يكون خيرا، ويحتمل أن يكون شرا، وذلك بحسب اختلاف حال المتوفى، وما له عند الله :
١- فإذا كان المتوفَّى من أهل الصلاح والخير، وله عند الله من الحسنات والأعمال الصالحة ما يُرجَى أن تكون نورا بين يديه يوم القيامة: فجميع صور الموت بالنسبة له من الخير، سواء موت الفجأة، أو بعد معاناة سكرات الموت: موت الفجأة رحمة وتخفيف وعفو من رب العباد، فلا يجد من ألم الموت وشدة سكراته ومعاناة مرضه شيئا يذكر، وإن وقع له ذلك ولم يكن موته فجأة كان تكفيرا لسيئاته، ورفعة لدرجاته عند الله، وذلك تصديق لما أخبر النبي ﷺ أن أمر المؤمن كله له خير، وأن موت المؤمن راحة له من نصب الدنيا وعذابها، إلى نعيم الآخرة.
٢- أما إذا كان المتوفَّى من المقصرين أو الفسقة الظلمة أو الكفرة: فموت الفجأة بالنسبة له نقمة وغضب، إذ عوجل بالموت قبل التوبة، ولم يمهل كي يستدرك ما مضى من تفريطه وتقصيره، فأُخِذَ أخذةَ انتقام وغضب كما وصف النبي ﷺ فقال: (مَوْتُ الْفَجْأَةِ أَخْذَةُ أَسَفٍ) رواه أبو داود (رقم/٣١١٠) .
ولما كان الجزم بصلاح النفس أو تقصيرها من الأمور العسرة، وتتفاوت فيها القلوب، وتتنازعها أسباب الورع والخوف أو الثبات واليقين، وجدنا في الآثار عن السلف بعض الاختلاف في نظرتهم لموت الفجأة، فمَن غَلَّبَ جانب الخوف من الله، وظنَّ في نفسه التقصير: كان يستعيذ من موت الفجأة، ويرجو أن يكفر الله خطاياه بمعالجة سكرات الموت، ومَن غَلَّب جانب الرجاء، وسعة رحمة الله: رأى في موت الفجأة فرجا ورحمة وعفوا من الله .
فإذا قرأنا عن السلف كلاما عن موت الفجأة ظاهره التعارض، فهو في الحقيقة والباطن ليس اختلاف تعارض، وإنما اختلاف تنوع.
عن عبد الله بن مسعود وعائشة ﵄ قالا:
" أسف على الفاجر وراحة للمؤمن: يعني الفجأة " انتهى.
" مصنف ابن أبي شيبة " (٣/٣٧٠) ، " السنن الكبرى " للبيهقي (٣/٣٧٩) .
وعن تميم بن سلمة، قال: مات منا رجل بغتة، فقال رجل من أصحاب النبي ﷺ أخذة غضب , فذكرته لإبراهيم - وقل ما كنا نذكر لإبراهيم حديثا إلا وجدنا عنده فيه - فقال: كانوا يكرهون أخذة كأخذة الأسف.
" مصنف ابن أبي شيبة " (٣/٣٧٠)
ثالثا:
أما الأحاديث المرفوعة فلم يصح منها شيء سوى الحديث المذكور سابقا: (موت الفجأة أخذة أسف) ، مع أن بعض أهل العلم تكلم فيه، وأشار الحافظ ابن حجر ﵀ إلى أنه روي مرفوعا وموقوفا، وذكر أنه الإمام البخاري ﵀ أشار بترجمته إلى أنه في إسناده مقالا.
ينظر: فتح الباري، للحافظ ابن حجر (٣/٢٥٤) .
أما غيره من الأحاديث المتعلقة بموت الفجأة مدحا أو ذما، وأن النبي ﷺ كان يستعيذ منها: فلم يصح منه شيء.
ولذلك قال الفيروزأبادي ﵀:
" ما ثبت فيه شيء " انتهى.
" سفر السعادة " (ص/٣٥٣)
رابعاً:
لم يثبت عن النبي ﷺ دعاء خاص يحفظ من موت الفجأة، وما ينتشر في المنتديات عن ذلك الدعاء الذي يكتب لمن قاله أجر (٣٦٠) حجة، ويحفظ من موت الفجأة وغير ذلك، إنما هو كذب موضوع لا أصل له في كتب السنة، وقد سبق أن بينا ذلك في جواب السؤال رقم: (١٢٦٦٣٥) ، (١٢٧٦١٥) .
والأولى أن يدعو الإنسان بما كان النبي ﷺ يدعو به:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:
كَانَ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ)
رواه مسلم (٢٧٣٩)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12474
كيف يتخلص الإنسان من ذنوب الخلَوات ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما المقصود بـ " ذنوب الخلوات "؟ وكيف يستطيع الإنسان التخلص منها؟ . ولدي استفسار: حديث (الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس) المفهوم من الحديث: أن الإنسان بفطرته يخجل من الإثم، ويخفيه عن الناس، فكيف الرابط بين كون الإثم مجرد إثم يرتكبه الإنسان وهو غير معصوم، وكون هذا الإثم يعدُّ من ذنوب الخلوات؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
المسلم في هذه الدنيا معرَّض للوقوع في الذنب، والمعصية , والواجب عليه – إن وقع فيهما - أن يسارع إلى التوبة، والاستغفار، قال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) الزمر/ ٥٣، وقال تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا) النساء/ ١١٠، وقال تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا. إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا. وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا) الفرقان/ ٦٨ – ٧١.
والله تعالى يفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه، كما جاء في الحديث عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِى ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِى وَأَنَا رَبُّكَ. أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ) رواه البخاري (٥٩٥٠) ومسلم (٢٧٤٧) - واللفظ له -.
وانظر جواب السؤال رقم: (٢٠٦٦١) للوقوف على شروط التوبة.
ثانياً:
الواجب على المسلم أن يحذر من ذنوب الخلوات , فالله تعالى قد ذم من يستخفي بذنبه من الناس، ولا يستخفي من الله، قال تعالى: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً) النساء/١٠٨.
وقد حذر النبي ﷺ من ذنوب الخلوة والسر، كما جاء في الحديث عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (لأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: (أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا) رواه ابن ماجه (٤٢٤٥) ، وصححه الألباني في "صحيح ابن ماجه".
ثالثاً:
أما كيف يتخلص الإنسان من ذنوب الخلوات، فيكون ذلك بـ:
١- الالتجاء إلى الله تعالى بالدعاء , والتضرع إليه، أن يصرف عنه الذنوب والمعاصي، قال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) البقرة/ ١٨٦.
٢- مجاهدة النفس، ودفع وسوستها، ومحاولة تزكيتها بطاعة الله، قال تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) الشمس/٧ – ١٠، وقال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) العنكبوت/٦٩.
٣- تأمل الوعيد الشديد الوارد في حديث ثَوْبَانَ السابق ذِكره، وخشية انطباقه على فاعل تلك الذنوب في خلواته.
٤- استشعار مراقبة الله تعالى، وأنه رقيب، ومطلع على المسلم في كل حال.
قال ابن كثير ﵀:
وقد ذُكر عن الإمام أحمد ﵀ أنه كان ينشد هذين البيتين، إما له، أو لغيره:
إذَا مَا خَلَوتَ الدهْرَ يَومًا فَلا َقُل ... خَلَوتُ وَلكن قُل عَليّ رَقيب
وَلا تَحْسَبَن الله يَغْفُل ساعةً ... وَلا أن مَا يَخْفى عَلَيْه يَغيب
"تفسير ابن كثير" (٦ / ٢١٩) .
٥- أن يتخيل المسلم من يجلهم، ويحترمهم، ينظرون إليه وهو يفعل ذلك الذنب!
ويستشعر استحياءه من الله أكثر من استحيائه من الخلق , وفي الحديث عن النبي ﷺ : (واستحي من الله استحياءك رجلاً مِنْ أهلكَ) صححه الألباني ﵀ في "السلسلة الصحيحة" (٣٥٥٩) ، وعزاه للبزار، والمروزي في "الإيمان".
٦- تذكر الموت لو أنه جاءه وهو في حال فعل المعصية، وارتكاب الذنب , فكيف يقابل ربه وهو في تلك الحال؟! .
٧- تذكر ما أعده الله لعباده الصالحين من جنة عرضها السموات والأرض , والتفكر في عذاب الله تعالى، قال تعالى: (أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فصلت/٤٠.
رابعاً:
أما حديث النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الأَنْصَارِىِّ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ فَقَالَ: (الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ) : فقد رواه مسلم (٢٥٥٣) ، وهو ميزان يدل على معرفة الذنب، والمعصية، عند الاشتباه في أمرهما.
قال النووي ﵀ في شرح الحديث:
وَمَعنَى (حَاكَ فِي صَدْرك) أَي: تَحَرَّكَ فِيه، وَتَرَدَّدَ، وَلَمْ يَنشَرح لَهُ الصَّدر، وَحَصَل في القَلب مِنه الشَّكّ، وَخَوْف كَونه ذَنبًا.
"شرح مسلم" (١٦/١١١) .
وقال ابن رجب ﵀:
إشارةٌ إلى أنَّ الإثم: ما أثَّر في الصدر حرجاً، وضيقاً، وقلقاً، واضطراباً، فلم ينشرح له الصَّدرُ، ومع هذا: فهو عندَ النَّاسِ مستنكرٌ، بحيث ينكرونه عند اطلاعهم عليه، وهذا أعلى مراتب معرفة الإثم عندَ الاشتباه.
"جامع العلوم والحكَم" (ص ٢٥٤) .
وقال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀:
"وهذه الجملة (الْإِثْمُ مَا حَاك فِي صَدْرك) إنما هي لمن كان قلبه صافياً سليماً، فهذا هو الذي يحوك في نفسه ما كان إثماً، ويكره أن يطلع عليه الناس.
أما المتمردون الخارجون عن طاعة الله الذين قست قلوبهم فهؤلاء لا يبالون ـ بل ربما يتبجحون بفعل المنكر والإثم، فالكلام هنا ليس عاماً لكل أحد، بل هو خاص لمن كان قلبه سليماً طاهراً نقياً، فإنه إذا هم بإثم وإن لم يعلم أنه إثم من قِبَلِ الشرع تجده متردداً يكره أن يطلع الناس عليه، وهذا ضابط وليس بقاعدة، أي علامة على الإثم في قلب المؤمن" انتهى.
شرح الأربعين النووية" (ص٢٩٤) .
وعلى هذا، فليس في الحديث إقرار العبد على فعل المعصية في الخلوة، وإنما هذا الميزان الدقيق لما يشتبه أمره على المسلم بالقلب هل هو معصية أم لا؟
فإن كان يستحي من فعله أمام الناس فهو معصية، وإن كان لا يستحي منه فهو جائز ولا حرج فيه.
ونسأل الله أن يحفظنا وإياكم من الذنوب والمعاصي، وأن يعيننا على أنفسنا.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
موقع الإسلام سؤال وجواب
стр. 12475
مواضع استحباب قول لا إله إلا الله
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي المواضع التي سن فيها قول لا إله إلا الله؟ وجزاكم الله خير الجزاء.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
كلمة التوحيد أعظم كلمة في الوجود، لأجلها خُلقت الخليقةُ، وأُرسلت الرسلُ، وأُنزلت الكتبُ، وهي كلمة التقوى وأساس الملة وركن الإيمان، وهي العروة الوثقى التي من تمسك بها نجا، ومن مات عليها سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا، وفضائل هذه الكلمة وموقعها من الدين فوق ما يصفُه الواصفون ويعرفه العارفون.
عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
(أَفْضَلُ الذِّكْرِ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ الحَمْدُ لِلَّهِ)
رواه الترمذي (٣٣٨٣) وقال: حسن غريب. ورواه النسائي في " السنن الكبرى " (٦/٢٠٨) وبوب عليه بقوله: (باب أفضل الذكر وأفضل الدعاء) ، ورواه ابن حبان في صحيحه (٣/١٢٦) وبوب عليه بقوله: ذكر البيان بأن الحمد لله جل وعلا من أفضل الدعاء، والتهليل له من أفضل الذكر. وحسنه الحافظ ابن حجر في " نتائج الأفكار " (١/٦٣) والشيخ الألباني في " صحيح الترمذي ".
يقول المباركفوري ﵀:
" لأنها كلمة التوحيد، والتوحيد لا يماثله شيء، وهي الفارقة بين الكفر والإيمان، ولأنها أجمع للقلب مع الله، وأنفى للغير، وأشد تزكية للنفس، وتصفية للباطن، وتنقية للخاطر من خبث النفس، وأطرد للشيطان " انتهى.
" تحفة الأحوذي " (٩/٣٢٥)
ولذلك فالفائز من أهل الدنيا من يكثر من هذه الكلمة في كل زمان ومكان، ولا يفتر لسانه ولا يكلُّ قلبه عن اللهج بها، وتذكر معانيها، واستحضار مقاصدها، وهي من الأذكار التي لم يرد تخصيص استحباب الذكر بها في مكان معين أو زمان، بل جاءت مطلقة ليذهب المسلم في الذكر بها كل مذهب قريب وبعيد، في حال شغله وفراغه، وعند نومه ويقظته، وفي حال حله وترحاله، في صلاته وقيامه وصيامه وحجه وعمرته، في قعوده وقيامه، ولو استطاع أن يأتي به مع كل نفس من أنفاسه فهو الرابح الفائز.
يقول ابن حجر الهيتمي ﵀:
" أفضل الأذكار التي لم يخصها الشارع بحال أو زمن القرآن، وبعده التهليل لخبر: (أفضل الذكر لا إله إلا الله) " انتهى.
" الفتاوى الحديثية " (ص/١٠٩) .
ومع ذلك فقد وردت أحاديث عديدة في الحث على هذا الذكر في أحوال أو أوقات مخصوصة، فمن ذلك:
١- بعد الوضوء: (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ أَوْ فَيُسْبِغُ الْوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ) . رواه مسلم (٢٣٤) من حديث عقبة بن عامر، ﵁.
٢- إذا استيقظ من نومه، أثناء الليل: (مَنْ تَعَارَّ مِنْ اللَّيْلِ فَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي أَوْ دَعَا اسْتُجِيبَ لَهُ فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلَاتُهُ) . رواه البخاري (١١٥٤) من حديث عبادة بن الصامت، ﵁.
٣- في أول النهار [عند الصباح] : (مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنْ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَمَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ) . رواه البخاري (٣٢٩٣) ومسلم (٢٦٩١) ، واللفظ له، من حديث أبي هريرة.
٤- بعد السلام من الصلاة: (كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ إِذَا سَلَّمَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ) رواه البخاري (٦٣٣٠) ومسلم (٥٩٣) .
٥- عند الكرب والضيق: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو عِنْدَ الْكَرْبِ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) . رواه البخاري (٦٣٤٥) ومسلم (٢٧٣٠) من حديث ابن عباس ﵄.
٦- يوم عرفة: (أفضل ما قلت أنا والنبيون عشية عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير) . رواه الطبراني في فضل عشر ذي الحجة، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٥٠٣) .
وقد ورد ـ أيضا ـ الحث على الإكثار من قول لا إله إلا الله في بعض الأحاديث التي فيها ضعف، ويحسنها بعض أهل العلم؛ فمن ذلك:
١- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
(جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَيْفَ نُجَدِّدُ إِيمَانَنَا؟ قَالَ: أَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)
" مسند أحمد " (٢/٣٥٩) وصححه الحاكم في " المستدرك " (٤/٢٨٥) ، وحسنه المنذري في " الترغيب والترهيب " (٢/٣٤٢) ، وضعفه الألباني في " السلسلة الضعيفة " (رقم/٨٩٦) .
٢- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
(أكثروا من شهادة أن لا إله إلا الله قبل أن يحال بينكم وبينها) .
رواه أبو يعلى في " المسند " (١١/٨) ، قال الحافظ ابن حجر – كما في " الفتوحات الربانية " (٤/١١٠) -: حسن غريب. وحسنه الشيخ الألباني في " السلسة الصحيحة " (رقم/٤٦٧)
وقد جمع الأحاديث الواردة في فضائلها الإمام المنذري في كتابه " الترغيب والترهيب " (٢/٢٦٥-٢٧١)
وانظر: " فتح الباري " (١١/٢٠٧) ، ورسالة بعنوان " كلمة الإخلاص وتحقيق معناها " للحافظ ابن رجب الحنبلي ﵀، وكتاب " فقه الأدعية والأذكار " (١/١٦٧-١٧٩) ، ورسالة بعنوان: " معنى لا إله إلا الله ومقتضاها وآثارها في الفرد والمجتمع " لفضيلة الشيخ صالح الفوزان حفظه الله، وهو بحث منشور في " مجلة البحوث الإسلامية " العدد (١٣)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12476
قول العامة: ما أحد صلى إلا نال الغفران
[السُّؤَالُ]
ـ[والدتي دوما تستخدم مقولة: ما أحد مصلي إلا طال الغفران، وأنا أعتقد أن هذا من أقوال النصارى، أو الكفار، وأنه لا يجوز استخدام هذا القول بحكم أن الصلاة واجبه على العبد، وليس لطلب مقابل. فما حكم استخدام هذه الأقوال أو نحوها، مما يتداوله الناس؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يظهر لنا مانع من إطلاق هذه العبارة، فهي حث على الصلاة وإخبار بأن فاعلها ينال الغفران، ولا يتعارض هذا مع كونها واجبة، وأن العبد يفعلها امتثالا لأمر ربه، فهي واجبة وركن عظيم من أركان الإسلام، وهي سبب لغفران الذنوب، وتكفير السيئات، ورفع الدرجات، وقد جاءت النصوص بجميع ذلك.
روى البخاري (٥٢٨) ومسلم (٦٦٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا مَا تَقُولُ ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ قَالُوا لَا يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا قَالَ فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا.
وروى مسلم (٦٦٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ مَشَى إِلَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ
اللَّهِ كَانَتْ خَطْوَتَاهُ إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً , وَالأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً) .
فقول والدتك: ما أحد مصلي إلا طال الغفران، لا يخرج عن هذا، لكن هذا الوعد مشروط بالقبول، فمن صلى صلاة مقبولة كانت سببا لغفران ذنوبه؛ ولذلك لا يجوز تعيين شخص صلى الصلوات الخمس، مثلا، والقطع بأنه قد نال مغفرة ذنبه من الله تعالى؛ فإن القبول من الغيب الذي لا يطلع عليه أحد من البشر، وإنما الشأن في مثل ذلك، أن نقول ما يقول أهل السنة: " ونرجو لمحسنهم، ونخاف على مسيئهم "؛ فمن حافظ على الصلوات الخمس، وصلى الجمعة بعد الجمعة، فهو على رجاء أن يتقبل الله منه عمله ذلك، وأن يكافئه عليه مغفرة لذنبه، كما وعد سبحانه.
ولا يضر استعمال النصارى أو غيرهم لمثل هذا، إن كانوا يقولون ذلك فعلا ويعتقدونه؛ فإن أتباع الملل المؤمنين بالمعاد يعتقدون أن عباداتهم لربهم سبب للغفران، وهذا حق لو كانوا يعبدون الإله الحق، ويتعبدون له بما شرع، لا بالبدع والمحدثات.
ومن تعبد لله تعالى مريدا تكفير سيئاته ورفع درجاته، لا يعتبر طالبا لمقابل ممنوع، فهذا مما أثنى الله به على عباده، أنهم يعبدونه، ويرجون رحمته ويخافون عذابه.
قال تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا) الإسراء/٥٧
وقال سبحانه: (وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) الأنبياء/٨٩، ٩٠
قال سفيان الثوري ﵀: " (رَغَبًا) فيما عندنا، (وَرَهَبًا) مما عندنا " انتهى من تفسير ابن كثير (٥/٣٧٠) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12477
أي الصدقتين أفضل: تفطير الصائم أم كفالة اليتيم ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[لو معي من المال لأتصدق به في رمضان ففي أي باب أتصدق: إفطار الصائمين، أم كفالة اليتيم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
المفاضلة بين العبادات من أدق أبواب الفقه التي ينبغي أن يتأمل فيها الفقيه؛ لأن العبادات طاعات لله تعالى، والمفاضلة بين الطاعات مفاضلة في درجات ما يحبه الله ، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالنص الصحيح الصريح، أو القياس المستقيم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" وأما ما سألت عنه من أفضل الأعمال بعد الفرائض؛ فإنه يختلف باختلاف الناس فيما يقدرون عليه، وما يناسب أوقاتهم، فلا يمكن فيه جواب جامع مفصل لكل أحد، لكن مما هو كالإجماع بين العلماء بالله وأمره: أن ملازمة ذكر الله دائما هو أفضل ما شغل العبد به نفسه في الجملة " انتهى.
" مجموع الفتاوى " (١٠/٦٦٠)
ويقول ابن القيم ﵀:
" تفاضل الأعمال ليس بكثرتها وعددها، وإنما بإكمالها وإتمامها وموافقتها لرضا الرب وشرعه " انتهى.
" المنار المنيف " (ص/٤١)
ويقول العلامة المقبلي ﵀:
" إن الخوض في المفاضلة من دون توقيف مجازفة وتخمين، إذ مواقع الأعمال متركبة من عدة أمور، وملاحظة جهات وكيفيات بعيدة عن إحاطة العقول بها " انتهى.
" العلم الشامخ " (ص/٥٠)
ثانيا:
وقد بين العلماء مسائل وأوجه دقيقة في مسائل المفاضلة بين العبادات، من أهمها قاعدة المفاضلة بحسب المنفعة المتعدية المتحققة من هذه العبادة، فالعبادة الأكثر نفعا هي العبادة الأعظم أجرا وفضلا، وهذا ما ينبغي على العامل المتعبد أن يراعيه.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:
" ولو قيل: (الأجر على قدر منفعة العمل وفائدته) لكان صحيحا " انتهى.
" مجموع الفتاوى " (١٠/٦٢١)
ثالثا:
ولذلك، فالذي نراه في مسألة المفاضلة بين تفطير الصائم، وكفالة اليتيم: أن ينظر الأخ السائل في الظرف والحال من حوله:
فقد يكون أكثر توجه الناس نحو كفالة الأيتام ونسيان سد جوعة الفقراء الصائمين، أو قد تقوم مؤسسات كبرى على رعاية الأيتام ولكن الصائمين الفقراء لا يجدون من يطعمهم، أو قد يكون الفقير الصائم من قرابته أو جيرانه أو أصحابه، أو يتعرض له السائل الصائم لحاجة عاجلة من طعام أو شراب يسد به رمقه ورمق عياله، ففي كل هذه الحالات ينبغي تقديم تفطير الصائم على كفالة اليتيم.
أما إذا كان الحال عكس الظروف السابقة، كأن يكثر الأيتام، وخاصة في أيام الجهاد حيث يكثر أبناء الشهداء، وتصيب المسغبة الصغار والأطفال، فهم أولى حينئذ من الصدقة على الصائمين الكبار.
وهذا التفصيل بناء على أن تفطير الصائم وكفالة اليتيم يشتملان على إطعام الطعام، بل إن كفالة اليتيم تتضمن أمرا زائدا على ذلك: وهي الرعاية والتربية:
يقول النووي ﵀:
" كافل اليتيم القائم بأموره من نفقة وكسوة وتأديب وتربيه وغير ذلك " انتهى.
" شرح مسلم " (١٣/١١٨) .
يقول ابن العربي ﵀:
" إطعام الطعام مع السغب، الذي هو الجوع: أفضل من إطعامه لمجرد الحاجة، أو على مقتضى الشهوة، وإطعام اليتيم الذي لا كافل له: أفضل من إطعام ذي الأبوين لوجود الكافل وقيام الناصر " انتهى.
" أحكام القرآن " (٤/٣٧٠)
ويقول ابن القيم ﵀:
" أفضل الصدقة ما صادفت حاجة من المتصدق عليه وكانت دائمة مستمرة، ومنه قول النبي ﷺ : (أفضل الصدقة سقي الماء) – رواه أبو داود بإسناد حسن -، وهذا في موضع يقل فيه الماء ويكثر فيه العطش، وإلا فسقي الماء على الأنهار والقنى لا يكون أفضل من إطعام الطعام عند الحاجة " انتهى.
" الروح " (ص/١٤٢)
ويقول الشيخ سليمان النجران:
" والصدقة من العبادات الفاضلة، وأفضل الصدقات ما اجتمع فيها أكثر أسباب التفضيل، فتزداد فضيلتها مع شدة الحاجة للمتصدق عليه، وتكون أفضل مع كونه قريبا، وتكون أفضل مع كون القريب مبطنا للعداوة، وتكون أفضل مع كون المتصدق صحيحا شحيحا، وتكون أفضل إذا كانت عن ظهر غنى، وتكون أفضل مع كون الصدقة في زمان ومكان فاضلين ... فبحسب استطاعة المكلف تكميل أسباب التفضيل يكون علو منزلة العمل عند الله "
" المفاضلة بين العبادات " (ص/١٦٢)
رابعا:
ينبغي أن نعلم أن من أهم أسباب تفاضل الأعمال في الأجور ما يقوم في قلب العامل من إقبال على الله، وصدق في سؤاله ، واستسلام وانقياد تامَّيْن لأمره، فمن قام في قلبه استشعار العبادة كان أعظم أجرا من غيره.
يقول ابن القيم ﵀:
" تفاضل الأعمال عند الله تعالى بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والإخلاص والمحبة وتوابعها " انتهى.
" الوابل الصيب " (ص/١٥) .
وانظر جواب السؤال رقم: (١٢٥٩٨) ، (٦٧٢٨٠)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12478
هل هناك آية معينة تبعث النور في وجه قارئها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي الأعمال التي إذا أداها الشخص يظهر النور على وجهه؟ قرأت أنه إذا قرأ الشخص آية/٢٨ من سورة " الطور " إحدى عشرة مرة، فإن وجهه يُشرِق إلى يوم القيامة. أرجو إخباري هل هذا صحيح أم لا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
طاعة الله تعالى نور يضيء باطن العبد وظاهره، وذلك من نور الله الذي ملأ السماوات والأرض، فقد أحب سبحانه الخير والعبادة والاستقامة، وألقى عليها من نوره وضيائه الذي يظهر في وجوه العباد بهجة وسرورا.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" قال ابن عباس ﵄: إن للحسنة لنورا في القلب، وضياء في الوجه، وقوة في البدن، وزيادة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة لظلمة في القلب، وغبرة في الوجه، وضعفا في البدن، ونقصا في الرزق، وبغضة في قلوب الخلق.
وهذا يوم القيامة يكمل حتى يظهر لكل أحد، كما قال تعالى: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) آل عمران/١٠٦-١٠٧ ...
وهذا أمر محسوس لمن له قلب، فإن ما في القلب من النور والظلمة والخير والشر يسري كثيرا إلى الوجه والعين، وهما أعظم الأشياء ارتباطا بالقلب.
ولهذا يروى عن عثمان أو غيره أنه قال: ما أسر أحد بسريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه.
وقد يقوى السواد حتى يظهر لجمهور الناس، وربما مسخ قردا أو خنزيرا كما في الأمم قبلنا، وكما في هذه الأمة أيضا، وهذا كالصوت المطرب إذا كان مشتملا على كذب وفجور، فإنه موصوف بالقبح والسوء الغالب على ما فيه من حلاوة الصوت " انتهى.
"الاستقامة" (١/٣٥١-٣٥٢)
ولعل من أكثر الأعمال تأثيرا في نضارة الوجه ونوره قيام الليل وقراءة القرآن، وتعليم الناس حديث رسول الله ﷺ .
أما قيام الليل وقراءة القرآن فتجد ذلك في قوله واصفا أصحاب النبي ﷺ : (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ) الفتح/٢٩
يقول الحافظ ابن كثير ﵀:
" قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ) يعني: السمت الحسن.
وقال السدي: الصلاة تحسن وجوههم.
وقال بعض السلف: من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار.
وقال أمير المؤمنين عثمان: ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صَفَحَات وجهه، وفَلتَات لسانه.
والغرض أن الشيء الكامن في النفس يظهر على صفحات الوجه، فالمؤمن إذا كانت سريرته صحيحة مع الله أصلح الله ظاهره للناس، كما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: من أصلح سريرته أصلح الله علانيته.
وقال مالك ﵀: بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة الذين فتحوا الشام يقولون: " والله لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا "
وصدقوا في ذلك، فإن هذه الأمة معظمة في الكتب المتقدمة، وأعظمها وأفضلها أصحاب رسول الله ﷺ " انتهى باختصار.
"تفسير القرآن العظيم" (٧/٣٦١-٣٦٢)
أما تعليم حديث النبي ﷺ ، فتجد ذلك في دعائه ﷺ لمن يبلغ الناس كلامه بالنضارة، يقول ﷺ : (نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ) رواه أبو داود (٣٦٦٠) والترمذي (٢٦٥٦) وقال: حديث حسن.
يقول سفيان بن عيينة ﵀:
" ما من أحد يطلب الحديث إلا وفي وجهه نضرة؛ لقول النبي ﷺ : (نَضَّرَ اللهُ امرأً سمع منا حديثا فبلَّغه) " انتهى.
رواه الخطيب البغدادي في "شرف أصحاب الحديث" (رقم/٢٢)
وبالجملة فالحسنة والطاعة هي التي تنير الوجه، وتضيء القلب، وتشرح الصدر، وليست آية معينة، ولا سورة مخصوصة، بل القرآن الكريم والعمل الصالح بعمومه، ولا يجوز تخصيص شيء من الدين بفضل خاص إلا بدليل، وإلا أصاب العبدَ نصيبٌ من الابتداع المذموم.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12479
هل الفتور معصية ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف نجمع بين قولنا: إذا لم يكن المسلم في زيادة فهو في نقصان، وبين أن المسلم يفتر أوقاتا عن الطاعات؟ وأيضا هل الفتور معصية؟ وإذا مات وهو في فتور هل يعتبر كمن يعمل ويجتهد ثم يختم له بسوء؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الفتور هو الكسل والتراخي بعد الجد والنشاط، ولا شك أنه من الآفات التي تعرض للنفس بين الحين والآخر، سواء في شؤون الدين، أم في شؤون الدنيا، وذلك من طبيعتها التي خلقها الله تعالى عليها.
وكل مسلم – بل كل إنسان – يجد ذلك في نفسه تراه مجتهدا في العبادة والتأدب بالأخلاق الحسنة وفي طلب العلم والدعوة إليه، ثم بعدَ حينٍ يَدِب إليه الفتور، فتضعف همته عن الخير الذي كان فيه إلى مغريات الكسل والراحة.
وكل امرئ بقدر فترته محاسب.
فمن أداه فتوره إلى ترك الفرائض والوقوع في المحرمات، فهو على خطر عظيم، وفتوره حينئذ معصية تستوجب الخوف من سوء الخاتمة نسأل الله العافية.
أما من كان فتوره في الفضائل والنوافل، وهو مع ذلك محافظ على الفرائض والواجبات، مجتنب للكبائر والمحرمات، ولكن قلَّ نصاب الساعات التي كان يقضيها في طلب العلم مثلا، أو في قيام الليل، أو في قراءة القرآن الكريم، فمِثلُه يُرجَى له أن تكون فترته عَرضا زائلا، وآفةً مؤقتة، تنتهي بعد مدة قصيرة إن شاء الله، ولكن تحتاج إلى شيء من السياسة الحكيمة في العلاج والمداواة.
وهذا هو معنى ما رواه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رِجَالٌ يَجْتَهِدُونَ فِي الْعِبَادَةِ اجْتِهَادًا شَدِيدًا فَقَالَ: (تِلْكَ ضَرَاوَةُ الْإِسْلَامِ وَشِرَّتُهُ؛ وَلِكُلِّ ضَرَاوَةٍ شِرَّةٌ، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ، فَتْرَةٌ فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى اقْتِصَادٍ وَسُنَّةٍ: فَلِأُمٍّ مَا هُوَ، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى الْمَعَاصِي: فَذَلِكَ الْهَالِكُ) رواه أحمد (٢/١٦٥) وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (رقم/٢٨٥٠) .
قوله: (فَلِأُمٍّ مَا هُوَ) أي: قد رجع في فترته إلى أصل عظيم، يعني: السنة، أو: إنه ما زال على الصراط المستقيم، ما دام متمسكاً بالكتاب والسنة، وفي بعض الروايات: (فقد أفلح) .
يقول أبو عبد الرحمن السلمي ﵀: " ومن عيوبها – أي النفس - فَتَرٌ فيها في حقوق كان يقوم بها قبل ذلك، وأتم منه عيبا من لا يهتم بتقصيره وفترته، وأكثر من ذلك عيبا من لا يرى فترته وتقصيره، ثم أكثر منه عيبا من يظن أنه متوفر [يعني: مجتهد] مع فترته وتقصيره، وهذا من قلة شكره في وقت توفيقه للقيام بهذه الحقوق، فلما قل شكره أزيل عن مقام التوفر إلى مقام التقصير، ويستر عليه نقصانه، واستحسن قبايحه، قال الله تعالى: (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا) .
والخلاص من ذلك داوم الالتجاء إلى الله تعالى، وملازمة ذكره، وقراءة كتابه، وتعظيم حرمة المسلمين، وسؤال أولياء الله الدعاء له بالرد إلى الحالة الأولى، لعل الله تعالى أن يمن عليه بأن يفتح عليه سبيل خدمته وطاعته " انتهى "عيوب النفس" (ص/٨) .
والمسلم القائم بحقوق الله تعالى، المبتعد عن نواهيه، هو على خير إن شاء الله تعالى، وإن جاءه ملك الموت على ذلك الحال فليستبشر بفضل الله ورحمته، ويكفيه أنه يحمل في قلبه كلمة التوحيد متحققا بها عمله أيضا.
وما ورد عن شقيق بن عبد الله ﵀ قال: (مَرِضَ عبدُ الله بن مسعود، فعدناهُ، فجعل يَبكي، فعوتب، فقال: إني لا أبكي لأجل المرض، لأني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: المرض كفارة.
وإنما أبكي أنه أصابَني على حال فترة، ولم يُصِبْني في حال اجتهاد، لأنه يُكتَب لِلْعبد من الأجر إذا مَرِض ما كان يُكتب له قبل أن يَمرض فَمَنَعَهُ منه المرض " انتهى.
عزاه ابن الأثير في "جامع الأصول" لـ "رزين".
فلا يفسر ذلك على أن الموت في حال الفتور يعني سوء الخاتمة، وإنما هي رغبة في الكمال، وحرص على أفضل الأحوال، ولكن قد لا يتيسر لكل مسلم أن يموت على الحال التي يتمنى.
وعلى كل حال فقد بشر الله تعالى المؤمنين المقتصدين بالأجر والخير، فقال سبحانه:
(إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) البقرة/٢٧٧، وقال : (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) الأحقاف/١٣-١٤.
قال ابن القيم ﵀: " فتخلل الفترات للسالكين أمرٌ لازمٌ لا بد منه، فمن كانت فترته إلى مقاربة وتسديد، ولم تُخرجه من فرض، ولم تدخله في محرَّم، رُجي له أن يعود خيرا مما كان.
قال عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه:
إن لهذه القلوب إقبالا وإدبارا، فإذا أقبلت فخذوها بالنوافل، وإن أدبرت فألزموها الفرائض. وفي هذه الفترات والغيوم والحجب التي تعرض للسالكين مِن الحَِم ما لا يعلم تفصيله إلا الله، وبها يتبين الصادق من الكاذب:
فالكاذب ينقلب على عقبيه ويعود إلى رسوم طبيعته وهواه.
والصادق ينتظر الفرج ولا ييأس من روح الله، ويُلقي نفسه بالباب طريحا ذليلا مسكينا مستكينا، كالإناء الفارغ الذي لا شيء فيه البتة، ينتظر أن يضع فيه مالك الإناء وصانعه ما يصلح له، لا بسبب من العبد - وإن كان هذا الافتقار من أعظم الأسباب - لكن ليس هو منك، بل هو الذي مَنَّ عليك به، وجرَّدَك منك، وأخلاك عنك، وهو الذي يحول بين المرء وقلبه، فإذا رأيته قد أقامك في هذا المقام فاعلم أنه يريد أن يرحمك ويملأ إناءك، فإن وضعت القلب في غير هذا الموضع فاعلم أنه قلبٌ مضيَّع، فسل ربه ومن هو بين أصابعه أن يرده عليك، ويجمع شملك به، ولقد أحسن القائل:
إذا ما وضعت القلب في غير موضع ... بغير إناء فهو قلب مضيع " انتهى "مدارج السالكين" (٣/١٢٦) .
وليس ثمة تعارض بين تأخر منزلة مَن فَتَرَ عن الكمالات، وبين تعرُّضِ المؤمنين للفتور، من وجهين اثنين:
١- أن المؤمن الذي يكون فتوره إلى اقتصاد والتزام، يرجى له أن يرجع بعده أنشط على الخير، وأحرص على الأجر، فيعوض ما فاته من درجات المعالي وأسباب الكمال.
٢- أنه إن بقي بعد ذلك تفاوت بين المؤمنين بسبب فتور بعضهم وَهِمَّةِ آخرين، فذلك فضل الله تعالى، يفاضل به بين درجات المؤمنين في الجنة.
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: " إضاعة الوقت الصحيح يدعو إلى درك النقيصة، إذ صاحب حفظه مترق على درجات الكمال، فإذا أضاعه لم يقف موضعه، بل ينزل إلى درجات من النقص، فإن لم يكن في تقدم فهو متأخر ولا بد، فالعبد سائر لا واقف، فإما إلى فوق، وإما إلى أسفل، إما إلى أمام، وإما إلى وراء، وليس في الطبيعة ولا في الشريعة وقوف ألبتة، ما هو إلا مراحل تطوى أسرع طي، إلى الجنة أو إلى النار، فمسرع ومبطئ، ومتقدم ومتأخر، وليس في الطريق واقف ألبتة، وإنما يتخالفون في جهة المسير وفي السرعة والبطء، قال تعالى: (إنها لإحدى الكبر. نذيرا للبشر. لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر) ، ولم يذكر واقفا، إذ لا منزل بين الجنة والنار، ولا طريق لسالك إلى غير الدارين ألبتة، فمن لم يتقدم إلى هذه الأعمال الصالحة، فهو متأخر إلى تلك بالأعمال السيئة.
فإن قلت: كل مُجِدٍّ في طلب شيء لا بد أن يعرض له وقفة وفتور ثم ينهض إلى طلبه؟
قلت: لا بد من ذلك، ولكن صاحب الوقفة له حالان:
إما أن يقف ليجم نفسه، ويعدها للسير: فهذا وقفته سير، ولا تضره الوقفة، فإن لكل عمل شرَّة، ولكل شرَّة فترة.
وإما أن يقف لداع دعاه من ورائه، وجاذب جذبه من خلفه، فإن أجابه أخره ولا بد، فإن تداركه الله برحمته، وأطلعه على سبق الركب له وعلى تأخره: نهض نهضة الغضبان الآسف على الانقطاع، ووثب، وجمز – أي: [قفز] ، واشتد سعيا ليلحق الركب.
وإن استمر مع داعي التأخر، وأصغى إليه، لم يُرض برده إلى حالته الأولى من الغفلة وإجابة داعي الهوى، حتى يرده إلى أسوأ منها، وأنزل دركا، وهو بمنزلة النكسة الشديدة عقيب الإبلال من المرض، فإنها أخطر منه وأصعب.
وبالجملة: فإن تدارك الله هذا العبد بجذبة منه مِن يَدِ عدوِّه وتخليصه، وإلا فهو في تأخر إلى الممات، راجع القهقرى، ناكص على عقيبه، أو مُوَلٍّ ظهره، ولا قوة إلا بالله، والمعصوم من عصمه الله " انتهى.
"مدارج السالكين" (١/٢٦٧-٢٦٨) .
وانظر جواب السؤال رقم: (٤٧٥٦٥) ، (٢٠٠٥٩)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12480
هل يظهر أنه حافظ للقرآن لتشجيع الناس
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا حافظ للقرآن ولله الحمد. فهل التحدث بذلك لمصلحة تشجيعية جائز , أما أنها خبيئة بين الإنسان وربه؟ أي أن كتمان ذلك أفضل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يجوز للإنسان أن يتحدث بما أنعم الله عليه من علم أو حفظ إذا كان ذلك لدفع الضر عنه، أو لجلب المصلحة للناس كما لو كان يريد تشجيعهم إلى الحفظ وطلب العلم، ولا يعد ذلك من تزكية النفس المنهي عنها، فقد قال تعالى على لسان يوسف ﵇: (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) يوسف/٥٥.
وقَالَ عَبْدِ اللَّهِ بْن مَسْعُود ﵁: (لَقَدْ قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً، وَلَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَعْلَمُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا أَعْلَمُ مِنِّي لَرَحَلْتُ إِلَيْهِ) رواه مسلم (٤٥٠٢) .
قال النووي ﵀ في شرحه لهذا الحديث: "وَفِي هَذَا الْحَدِيث جَوَاز ذِكْر الْإِنْسَان نَفْسه بِالْفَضِيلَةِ وَالْعِلْم وَنَحْوه لِلْحَاجَةِ.
وَأَمَّا النَّهْي عَنْ تَزْكِيَة النَّفْس فَإِنَّمَا هُوَ لِمَنْ زَكَّاهَا وَمَدَحَهَا لِغَيْرِ حَاجَةٍ، بَلْ لِلْفَخْرِ وَالْإِعْجَاب، وَقَدْ كَثُرَتْ تَزْكِيَة النَّفْس مِنْ الْأَمَاثِل عِنْد الْحَاجَة كَدَفْعِ شَرٍّ عَنْهُ بِذَلِكَ، أَوْ تَحْصِيل مَصْلَحَة لِلنَّاسِ، أَوْ تَرْغِيب فِي أَخْذ الْعِلْم عَنْهُ، أَوْ نَحْو ذَلِكَ. فَمِنْ الْمَصْلَحَةِ قَوْل يُوسُف ﷺ : (اِجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) وَمِنْ دَفْع الشَّرّ قَوْل عُثْمَان ﵁ فِي وَقْت حِصَاره إنَّهُ جَهَّزَ جَيْش الْعُسْرَة، وَحَفَرَ بِئْر رُومَة. وَمِنْ التَّرْغِيب قَوْل اِبْن مَسْعُود هَذَا، وَقَوْل سَهْل بْن سَعْد: مَا بَقِيَ أَحَد أَعْلَم بِذَلِكَ مِنِّي، وَقَوْل غَيْره: عَلَى الْخَبِير سَقَطْت، وَأَشْبَاهه" انتهى.
ولكن.. كلما أمكن للإنسان أن يخفي عمله فهو أفضل، فقد يكون إظهاره والتحدث به باباً من أبواب الشيطان، ليوقع الإنسان في الفخر والإعجاب بعمله.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12481
حكم من نوى بالصدقة والزكاة نماء ماله فقط
[السُّؤَالُ]
ـ[بعض الناس يقول: إني لا أزكي مالي أو لا أتصدق إلا بقصد نماء هذا المال والبركة فيه فما توجيهكم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"لا بأس بذلك، وقد نبه الله على مثل ذلك في قول نوح ﵇ لقومه: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مُدْرَاراً) ، وقال النبي ﷺ : (ما نقصت صدقة من مال) . وقال ﷺ : (من أحب أن يُنسأ له في أثره، ويبسط له في رزقه فليصل رحمه) ، ولم يجعل الله هذه الفوائد الدنيوية إلا ترغيباً للناس، وإذا كانوا يرغبون فيها فسوف يقصدونها، لكن من قصد الآخرة حصلت له الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ) الشورى/٢٠، يعني نعطيه الدنيا والآخرة، أما الاقتصار في أداء العبادة على رجاء الفوائد الدنيوية فقط فلا شك أن هذا قصور في النية سببه تعظيم الدنيا ومحبتها في قلب من يفعل ذلك" انتهى.
فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀.
"لقاءات الباب المفتوح" (٣/٥٠٥) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12482
ما المقصود بـ " محارم الله "؟
[السُّؤَالُ]
ـ[السؤال: ما المقصود بمحارم الله، وما هو انتهاك محارم الله الواردة بحديث النبي ﷺ : (لأعلمن أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بأعمال أمثال جبال تهامة بيضاء، فيجعلها الله هباء منثورا. قال ثوبان: يا رسول الله! صفهم لنا، جَلِّهِم لنا لا نكون منهم ونحن لا نعلم. قال: أما إنهم إخوانكم، ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها) هل المقصود بانتهاك محارم الله الزنا، وهل انتهاك محارم الله يستلزم الحد عملا بقول الله تعالى: (والحرمات قصاص) ؟ هل من ينتهك محارم الله ومات ولم يتب جزاؤه النار؟ هل الخلوة والوقوع بالفاحشة هي انتهاك لمحارم الله؟ هل الشخص الذي لا يغض البصر هو منتهك لمحارم الله؟ وهل المرأة غير المتحجبة والمبتذلة في لبسها والمتعطرة التي تفتن شباب المسلمين هي منتهكه لمحارم الله؟ هل انتهاك محارم الله المقصود به الخيانة الزوجية أخذا بقول الرسول ﷺ : (أيما امرأة خلعت ثيابها في غير بيت زوجها فقد برئت منها ذمة الله ورسوله) وقوله أيضا: (أيما امرأة وضعت ثيابها في غير بيت زوجها فقد هتكت ستر ما بينها وبين الله) ؟ هل من ينتهك محارم الله هو خائن لله وللرسول وللأمانة؟ هل قول رسول الله ﷺ : (اتق المحارم تكن أعبد الناس) المقصود به هم الأقارب فقط، أم أنه مصطلح عام يشمل المسلم والكافر؟ هل محارم الله هي اقتراف السيئات وعدم التناهي عنها، وهذا نجده في قول الله تعالى: (كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه) ؟ هل محارم الله اتباع الشهوات وترك العبادات، وهذا نجده في قول الله تعالى: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا) ]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
محارم الله: هي كل ما حرمه الله تعالى من الصغائر والكبائر، كالنظر والاختلاط والتبرج المحرم، ومثله الزنا والربا والرشوة والظلم والسرقة والغيبة والنميمة، ونقض ما أمر الله بالوفاء به، وقطع ما أمر الله به أن يوصل؛ فهو لفظ عام تدخل فيه المعاصي بجميع أنواعها. قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) الرعد:٢٥.
وقد جاء استعمال لفظ " محارم الله " في أحاديث كثيرة، منها:
ما رواه الإمام مسلم في صحيحه برقم (٢٣٢٨) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
(مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا خَادِمًا، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ، إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ
ومنها ما رواه الإمام أحمد في "المسند" (٤/١٨٢) عَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَعَلَى جَنْبَتَيْ الصِّرَاطِ سُورَانِ فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَعَلَى بَابِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ! ادْخُلُوا الصِّرَاطَ جَمِيعًا، وَلَا تَتَفَرَّجُوا، وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ جَوْفِ الصِّرَاطِ، فَإِذَا أَرَادَ يَفْتَحُ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ قَالَ: وَيْحَكَ لَا تَفْتَحْهُ! فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ، وَالصِّرَاطُ الْإِسْلَامُ، وَالسُّورَانِ حُدُودُ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْأَبْوَابُ الْمُفَتَّحَةُ مَحَارِمُ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ الدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ كِتَابُ اللَّهِ ، وَالدَّاعِي فَوْقَ الصِّرَاطِ وَاعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ) .
صححه الحاكم في "المستدرك" (١/١٤٤) على شرط مسلم، وكذا الذهبي في التلخيص، وحسنه محققو مسند أحمد، والشيخ الألباني في "صحيح الجامع" (٣٨٨٧) .
وأما حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
(مَنْ يَأْخُذُ عَنِّي هَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ فَيَعْمَلُ بِهِنَّ أَوْ يُعَلِّمُ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ!
فَأَخَذَ بِيَدِي فَعَدَّ خَمْسًا وَقَالَ:
اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا، وَلَا تُكْثِرِ الضَّحِكَ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ القَلْبَ) .
رواه أحمد (٢/٣١٠) والترمذي (٢٣٠٥) والطبراني في "الأوسط" (٧/١٢٥) وغيرهم من طريق جعفر بن سليمان عن أبي طارق عن الحسن عن أبي هريرة.
قال الطبراني: " لم يرو هذا الحديث عن الحسن إلا أبو طارق، تفرد به جعفر بن سليمان " انتهى.
وقال الترمذي: " هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث جعفر بن سليمان، والحسن لم يسمع عن أبي هريرة شيئا، هكذا روي عن أيوب ويونس بن عبيد وعلي بن زيد قالوا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة، وروى أبو عبيدة الناجي عن الحسن هذا الحديث قوله، ولم يذكر فيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ " انتهى.
وفيه علة أخرى هي جهالة أبي طارق السعدي، إذ لم يرد فيه توثيق ولا تجريح عن أحد من أهل العلم، فقال فيه الذهبي في "الميزان" (٤/٥٤٠) : " لا يعرف " انتهى.
ولبعض جمل هذا الحديث شواهد اقتضت تصحيح الحديث عند بعض أهل العلم، كالشيخ الألباني ﵀ في "السلسلة الصحيحة" (برقم/٩٣٠) ، غير أن جملة الشاهد وهي (اتق المحارم تكن أعبد الناس) لم يرد ما يشهد لها، والله أعلم بالصواب.
يقول المناوي في "فيض القدير" (١/١٦١) :
" أي: احذر الوقوع في جميع ما حرم الله عليك تكن أعبد الناس، أي: مِن أعبدهم، لما أنه يلزم من ترك المحارم فعل الفرائض، فباتقاء المحارم تبقى الصحيفة نقية من التبعات، فالقليل من التطوع مع ذلك ينمو وتعظم بركته، فيصير ذلك المتقي من أكابر العباد، وقال الذهبي: هنا والله تسكب العبرات، فيلزم أن يكون بصيرا بكل واجب فيقوم به، وعارفا بكل محرم فيجتنبه " انتهى بتصرف يسير.
وقد جاء في الكتاب الكريم من التحذير والترهيب من الوقوع في محارم الله ما يغني ويكفي،
يقول الله تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) البقرة/٢٢٩
ويقول : (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ) النساء/١٤
على أننا ننبه أخانا الكريم على أن حديث (اتق المحارم تكن أعبد الناس) ليس له علاقة بالأقارب أو الأهل، أو المسلم والكافر؛ وإنما اختلط عليك المحارم المشار إليها في هذه الأحاديث وأمثالها، والتي يقصد بها: ما حرمه الله على عباده، والمحارم في باب النكاح، كالأم والأخت ونحو ذلك؛ وهذا لا علاقة له بما نحن فيه.
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12483
توفيت والدته وهو غير متخيل بُعدها عنه
[السُّؤَالُ]
ـ[توفيت أمي رحمة الله عليها، ولكني غير قادر أتخيل أنها بعدت عني، فهل هذا اعتراض على أمر الله؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نسأل الله تعالى أن يتغمد والدتك بواسع رحمته، وأن يعاملها بعظيم لطفه ومغفرته، وأن يجمعك بها في جنة الخلد عند مليك مقتدر.
ونوصيك - أخانا السائل - بالتصبر والتحلم، وأنت المؤمن بالله العظيم، المسلِّمُ بقضائه وقدره، تعلم أن الدنيا دار ممر وليست دار مقر، وتدرك أن الموت حق، والساعة حق، والله حق، والنبي ﷺ حق، فأي شيء يطلب الإنسان وراء ذلك اليقين الذي قامت عليه السماوات والأرض ومن فيهن.
يقول الله : (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ) الإنشقاق/٦
ويقول سبحانه: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) آل عمران/١٨٥
فمن آمن بهذه المعاني، وصدق بأن القدر محتوم، والأجل مكتوب، لم يضره ما تعانيه نفسه من تقلب أو تردد في احتمال المصائب والبلايا، ما لم ينقض إيمانه هذا، أو ينطق بما يسخط الله .
وقد قال الله تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) التغابن/١١.
قال الشيخ ابن سعدي ﵀ تفسير السعدي (٨٧٦) ـ:
" هذا عام لجميع المصائب، في النفس، والمال، والولد، والأحباب، ونحوهم، فجميع ما أصاب العباد، فبقضاء الله وقدره، قد سبق بذلك علم الله تعالى، وجرى به قلمه، ونفذت به مشيئته، واقتضته حكمته، والشأن كل الشأن، هل يقوم العبد بالوظيفة التي عليه في هذا المقام، أم لا يقوم بها؟ فإن قام بها، فله الثواب الجزيل، والأجر الجميل، في الدنيا والآخرة، فإذا آمن أنها من عند الله، فرضي بذلك، وسلم لأمره، هدى الله قلبه، فاطمأن ولم ينزعج عند المصائب، كما يجري لمن لم يهد الله قلبه، بل يرزقه الثبات عند ورودها، والقيام بموجب الصبر، فيحصل له بذلك ثواب عاجل، مع ما يدخر الله له يوم الجزاء من الثواب، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ وعلم من هذا أن من لم يؤمن بالله عند ورود المصائب، بأن لم يلحظ قضاء الله وقدره، بل وقف مع مجرد الأسباب، أنه يخذل، ويكله الله إلى نفسه، وإذا وكل العبد إلى نفسه، فالنفس ليس عندها إلا الجزع والهلع الذي هو عقوبة عاجلة على العبد، قبل عقوبة الآخرة، على ما فرط في واجب الصبر.
هذا ما يتعلق بقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ في مقام المصائب الخاص، وأما ما يتعلق بها من حيث العموم اللفظي، فإن الله أخبر أن كل من آمن أي: الإيمان المأمور به، من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وصدَّق إيمانَه بما يقتضيه الإيمان من القيام بلوازمه وواجباته، أن هذا السبب الذي قام به العبد أكبر سبب لهداية الله له في أحواله وأقواله وأفعاله، وفي علمه وعمله.
وهذا أفضل جزاء يعطيه الله لأهل الإيمان، كما قال تعالى في الأخبار: أن المؤمنين يثبتهم الله في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
وأصل الثبات: ثبات القلب وصبره، ويقينه عند ورود كل فتنة، فقال: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ فأهل الإيمان أهدى الناس قلوبًا، وأثبتهم عند المزعجات والمقلقات، وذلك لما معهم من الإيمان ". انتهى كلامه ﵀.
ويقول العلامة محمد ابن عاصم الغرناطي الأندلسي في كتابه "جنة الرضا في التسليم لما قدَّر الله وقضى" (٣/٢٠-٢٩) :
" إن كان المفقود الوالدين، فَقَدْ فَقَدَ هو ﷺ والِدَيه في حال الطفولة، وكم منا من تمتع بهما إلى زمن الكهولة! وفي الله عِوضٌ مِن كل ذاهب، وما وهب الله من عظيم الأجر أفضل هبة من أكرم واهب.
قال المتنبي:
وقد فارق الناسُ الأحبةَ قبلنا وأعيا دواءُ الموت كلَّ طبيب
وقال أبو نواس:
وما الناس إلا هالك وابن هالك وذو نسب في الهالكين عريض " انتهى.
والقضية ليست في أن تتخيل وجود أمك معك، أو أن يصعب عليك نسيان حياتها، وذكراها معك، فمع الأيام تعتاد النفس الصبر والسلوان:
والعهد في الليالي تُنَسّي
والذكي من خرج من مصابه بأجر الصابرين، فمن لم يصبر صبر الكرام، سلا سلو البهائم.
وإنما عليك أن ترقب قلبك وتحفظه: ألا يكون فيه شيء من الجزع والهلع، أو الاعتراض والتسخط على ما قدر الله وقضى، وأن يحفظ لسانه فلا ينطق بما يغضب الرب سبحانه:
حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ قَالَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ، فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَجَدَهُ فِي غَشِيَّةٍ، فَقَالَ: أَقَدْ قَضَى؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَكَوْا، فَقَالَ: أَلَا تَسْمَعُونَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا، وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ، أَوْ يَرْحَمُ.
رواه البخاري (١٠٣٤) ومسلم (٩٢٤) واللفظ له.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12484
فوائد الشدائد
[السُّؤَالُ]
ـ[لقد شاهدت على شاشات التلفاز الكثير من المصائب والمآسي التي تمر بها الأمة الإسلامية، في فلسطين جراحنا تنزف، وفي الشيشان أجسادنا تقطع، وفي أفغانستان بيوتنا تهدم، وفي الفلبين وكشمير.. واليوم في العراق..
وغداً الله أعلم بمن سيلاقي هذا المصير..
فهل هذه المصائب والمآسي التي نراها خيرٌ أم شر؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
خلق المصائب والآلام فيه من الحكم ما لا يحيط بعلمه إلا الله، ومما أطلعنا الله عليه مما هو دال على ذلك:
١- أن في الآلام والمصائب امتحاناً لصبر المؤمن قال تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) البقرة / ٢١٤.
٢- أن فيها دليلاً على ضعف الإنسان، وافتقاره الذاتي إلى ربه، ولا فلاح له إلا بافتقاره إلى ربه، وانطراحه بين يديه.
٣- المصائب سبب لتكفير الذنوب ورفعة الدرجات قال ﷺ : " ما من شيء يصيب المؤمن حتى الشوكة تصيبه إلا كتب الله له بها حسنة، أو حطّت عنه بها خطيئة " رواه مسلم (٢٥٧٢)
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ) رواه الترمذي (٢٣٩٩) صححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٢٢٨٠) .
وعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ الْبَلاءِ الثَّوَابَ لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالْمَقَارِيضِ. رواه الترمذي (٢٤٠٢) انظر: السلسلة الصحيحة برقم (٢٢٠٦) .
٤- ومن حكم المصائب عدم الركون إلى الدنيا، فلو خلت الدنيا من المصائب لأحبها الإنسان أكثر ولركن إليها وغفل عن الآخرة، ولكن المصائب توقظه من غفلته وتجعله يعمل لدار لا مصائب فيها ولا ابتلاءات.
٥- ومن أعظم حكم المصائب والإبتلاءات: التنبيه والتحذير عن التقصير في بعض الأمور ليتدارك الإنسان ما قصر فيه، وهذا كالإنذار الذي يصدر إلى الموظف أو الطالب المقصر، والهدف منه تدارك التقصير، فإن فعل فبها ونعمت، وإلا فإنه يستحق العقاب، ولعل من الأدلة على ذلك قوله تعالى: (فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون. فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون) .
ومن الحكم المترتبة على سابقتها الإهلاك عقاباً لمن جاءته النذر، ولكنه لم يستفد منها ولم يغير من سلوكه، واستمر على ذنوبه قال تعالى: ﴿فأهلكناهم بذنوبهم﴾ .
وقال تعالى: (ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين) ، وقال تعالى: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً)
قال ابن تيمية رحمة الله: " قد يقترن بالحزن ما يثاب صاحبه عليه ويحمد عليه، فيكون محموداً من تلك الجهة لا من جهة الحزن، كالحزين على مصيبة في دينه، وعلى مصائب المسلمين عموماً، فهذا يثاب على ما في قلبه، من حب الخير وبغض الشر، وتوابع ذلك، ولكن الحزن على ذلك إذا أفضى إلى ترك مأمور من الصبر والجهاد وجلب منفعة ودفع مضرة، نهي عنه، وإلا كان حسب صاحبه رفع الإثم عنه "
فافهم هذا يا من تتمنى أن يغير الله الأحوال بلا عمل منك ومن أمثالك.
٦- قال الله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ) الأنعام / ٤٢
قال السعدي ﵀: لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك من الأمم السالفين والقرون المتقدمين فكذبوا رسلنا وجحدوا بآياتنا. فأخذناهم بالبأساء والضراء أي بالفقر والمرض والآفات والمصائب رحمة منا بهم. لعلهم يتضرعون إلينا ويلجأون عند الشدة إلينا.
وقال تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) الروم / ٤١.
أي استعلن الفساد في البر والبحر، أي فساد معايشهم ونقصانها وحلول الآفات بها.
وفي أنفسهم من الأمراض والوباء وغير ذلك. وذلك بسبب ما قدمت أيديهم، من الأعمال الفاسدة المفسدة بطبعها.
هذه المذكورة (ليذيقهم بعض الذي عملوا) أي ليعلموا أنه المجازي على الأعمال فعجل لهم نموذجاً من جزاء أعمالهم في الدنيا (لعلهم يرجعون) عن أعمالهم التي أثرت لهم من الفساد ما أثرت. فتصلح أحوالهم، ويستقيم أمرهم.
فسبحان من أنعم ببلائه وتفضل بعقوبته، وإلا فلو أذاقهم جميع ما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة.
٧- والعبادة في الشدائد والفتن لها طعم خاص وأجر خاص:
عن مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ أن النَّبِيّ ﷺ قَالَ: (الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ) . رواه مسلم (٢٩٤٨) .
قال النووي: قَوْله ﷺ : (الْعِبَادَة فِي الْهَرْج كَهِجْرَةِ إِلَيَّ) الْمُرَاد بِالْهَرْجِ هُنَا الْفِتْنَة وَاخْتِلَاط أُمُور النَّاس. وَسَبَب كَثْرَة فَضْل الْعِبَادَة فِيهِ أَنَّ النَّاس يَغْفُلُونَ عَنْهَا , وَيَشْتَغِلُونَ عَنْهَا , وَلا يَتَفَرَّغ لَهَا إِلا أَفْرَاد.
قَالَ الْقُرْطُبِيّ: أَنَّ الْفِتَن وَالْمَشَقَّة الْبَالِغَة سَتَقَعُ حَتَّى يَخِفّ أَمْر الدِّين وَيَقِلّ الاعْتِنَاء بِأَمْرِهِ وَلَا يَبْقَى لأَحَدٍ اِعْتِنَاء إِلا بِأَمْرِ دُنْيَاهُ وَمَعَاش نَفْسه وَمَا يَتَعَلَّق بِهِ , وَمِنْ ثَمَّ عَظُمَ قَدْر الْعِبَادَة أَيَّام الْفِتْنَة كَمَا أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث مَعْقِل بْن يَسَار رَفَعَهُ " الْعِبَادَة فِي الْهَرْج كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ "
٨- أن حصول النعمة بعد ألم ومشقة ومصيبة أعظم قدراً عند الإنسان.
فيعرف الإنسان قدر نعمة الله عليه في الصحة والعافية، ويقدرها حق قدرها.
فمن فوائد المصائب: التذكير بنعم الله تعالى على الإنسان، لأن الإنسان الذي خلق مبصراً – مثلاً – ينسى نعمة البصر ولا يقدرها حق قدرها، فإن ابتلاه الله بعمى مؤقت ثم عاد إليه بصره أحس بكل مشاعره بقيمة هذه النعمة، فدوام النعم قد ينسي الإنسان هذه النعم فلا يشكرها، فيقبضها الله ثم يعيدها إليه تذكيراً له بها ليشكرها.
بل إن في المصائب تذكيراً للإنسان المصاب ولغيره بنعم الله، فإذا رأى الإنسان مجنوناً أحس بنعمة العقل، وإن رأى مريضاً أحس بالصحة، وإن رأى كافراً يعيش كالأنعام أحس بنعمة الإيمان، وإن رأى جاهلاً أحس بنعمة العلم، هكذا يشعر من كان له قلب متفتح يقظ، أما الذين لا قلوب لهم فلا يشكرون نعم الله بل يبطرون، ويتكبرون على خلق الله.
٩- فوائد المصيبة أنها تنقذ الإنسان من الغفلة، وتنبه العبد على تقصيره في حق الله تعالى، حتى لا يظن في نفسه الكمال فيكون سبباً لقسوة القلب والغفلة قال تعالى: (فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) الأنعام / ٤٣.
١٠- ومن حكم الابتلاءات والشدائد: التمحيص
فالشدائد تكشف حقائق الناس وتميز الطيب من الخبيث، والصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق، يقول الله الباري جلا شانه عن غزوة أحد وما نال المسلمين فيها، مبيناً جانباً من الحكمة في هذا الابتلاء: (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب)
فينكشف كلٌ على حقيقته:
جزى الله الشدائد كل خير وإن كانت تغصصني بريقي
وما شكري لها إلا لأني عرفت بها عدوي من صديقي
١١- وليقوم المسلمون بإغاثة من تصيبهم المصائب من المسلمين فيؤجرون على ذلك قال النبي ﷺ : (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) . رواه البخاري (٦٠١١) ومسلم (٢٥٨٦) وقال: (لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) رواه البخاري (١٣) ومسلم (٤٥) .
١٢- وفي الشدائد والحروب يظهر الأثر الحقيقي لقول الله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى)
فمن صور التعاون في مجال الدعوة ونصرة الدين: جهاد الكفار والمنافقين في سبيل الله ، ومشاركة أهل الدعوة الإسلامية في الحروب ضد أهل الكفر والضلال، وتهيئة جميع الوسائل والعدة والعتاد من أجل الجهاد في سبيل الله.
ومن صور التعاون في نصرة الدين التي حدثت في عهد النبي ﷺ : التعاون على قتل مدعي النبوة، وقتل رؤوس أهل الشرك والمرتدين ومنهم الذين يسبون النبي ﷺ .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12485
طريق التقرب إلى الله
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد أن تدلوني على الطريق الصحيح للتقرب إلى الله .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله:
طريق التقرب إلى الله قد بينه الله لنا في كتابه أوضح بيان، وبعث إلينا نبيه محمدا ﷺ ، فلم يترك خيرا إلا ودلنا عليه، ولا ترك شرا إلا وحذرنا منه، ونحن نذكر هنا حديثا واحدا من الأحاديث الجامعة النافعة التي بَيَّن فيها النبي ﷺ الطريق التي تقربنا إلى الله جل شأنه بأوجز عبارة، وأحسن أسلوب وأبينه، فقد روى البخاري (٦٥٠٢) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ) .
فهذا الحديث بيان شافٍ وكافٍ لطريق ولاية الله تعالى لمن أراد أن يكون من أولياء الله تعالى.
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي ﵀ في "جامع العلوم والحكم" (٢/٣٣٥) : "ذكر في هذا الحديث ما يتقرب به إليه، وأصل الولاية القرب، وأصل العداوة البعد، فأولياء الله هم اللذين يتقربون إليه بما يقربهم منه" انتهى بتصرف.
فهذا الحديث بيان للطريق التي تقرب من الله تعالى، وما على المؤمن إلا أن يتدبر هذا الحديث جيدا، ويتفهمه ثم يتبع ذلك بالعمل بما فيه، وهو بإذن الله بعد ذلك صائر إلى ولاية الله تعالى، والقرب منه بقدر ما عمل مبتغيا بعمله وجه الله تعالى، متبعاً سنة رسوله ﷺ ، وفي بيان ما تضمنه الحديث يقول الحافظ ابن رجب ﵀ في الموضع السابق من كتابه "جامع العلوم والحكم": "فَقَسَّم أولياءه المقربين قسمين: أحدهما: من تقرب إليه بأداء الفرائض، ويشمل ذلك فعل الواجبات، وترك المحرمات، لأن ذلك كله من فرائض الله التي افترضها على عباده. والثاني: من تقرب إليه بعد الفرائض بالنوافل" انتهى.
فالمسلم عليه أن يجاهد نفسه أولا للقيام بالفرائض التي افترضها الله عليه، كالصلوات الخمس، وهي أعظم الفرائض العملية، وأداء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت إن كان مستطيعا، وكذا باقي الفرائض العملية الأخرى كبر الوالدين، وصلة الأرحام، وأداء حق الزوجة، والأبناء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيما يقدر عليه، ونحو ذلك من العبادات الجليلة التي لا تزيده من الله إلا قربا، وكذا العبادات القلبية من الإخلاص لله تعالى وحبه، وحب رسوله وشرعه وحب المؤمنين والتوكل على الله والخوف منه إلى غير ذلك من عبادات القلب المفروضة عليه.
وعليه أن يجاهد نفسه أيضا للقيام بحق الله تعالى في النوع الثاني من الفرائض، وهي فرائض الترك، أي: التي فرض الله علينا فيها الترك، كترك الزنى، والربا وشرب الخمر والسرقة والظلم والغيبة والنميمة إلى غير ذلك من المحرمات، فإذا فعل شيئا من ذلك بادر بالتوبة والإصلاح.
وهو في كل ذلك محتاج إلى العلم الشرعي ليعبد الله على بصيرة.
ثم ينبغي للمؤمن بعد ذلك أن يكثر من نوافل الأعمال، فإنه بها ينال الدرجة الرفيعة عند الله، ويحصل بذلك محبة الله تعالى كما سبق في الحديث.
وهذه النوافل كثيرة ينبغي للمسلم أن يبدأ بالأهم فالأهم منها، وأفضلها وأجلها تعلم العلم الشرعي وتعليمه للناس.
ومن ذلك: النوافل المؤكدة من الصلوات كالرواتب وقيام الليل وصلاة الوتر.
وكذا الإكثار من ذكر الله تعالى والصدقات، ومما يعين المسلم على القيام بهذا أن يرتب ساعات يومه وليلته فيجعل للفريضة وقتها وللنافلة وقتها ويستعين على ذلك بمجالسة الصالحين والأخيار. وفقنا الله وإياك لما يحب ويرضى.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12486
حديث (مَن استغفر للمؤمنين كتب له بكل مؤمن حسنة)
[السُّؤَالُ]
ـ[جاء في الحديث (مَن استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب له بكل مؤمن حسنة) ما المقصود بالحديث؟ وهل هو على ظاهره؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
لم يصح حديث في تعيين فضل معين للاستغفار للمؤمنين والمؤمنات، وما ورد في ذلك لا يثبت، وفي أسانيدها ضعف وفي متونها نكارة، إذ فيها مبالغة في الأجر لا تتناسب مع العمل، وهذه هي الأحاديث الواردة في ذلك:
١- عن عبادة ﵁ قال رسول الله ﷺ : (من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة) رواه الطبراني في "مسند الشاميين" (٣/٢٣٤) من طريق بكر بن خنيس عن عتبة بن حميد عن عيسى بن سنان عن يعلى بن شداد بن أوس عن عبادة بن الصامت.
وعيسى بن سنان: ضعفه أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي وابن معين في رواية. انظر "تهذيب التهذيب" (٨/٢١٢)
وعتبة بن حميد: قال فيه أحمد: ضعيف ليس بالقوي. وقال أبو حاتم: صالح الحديث.
وأما بكر بن خنيس فأكثر كلمة المحدثين على تضعيفه ونكارة حديثه. انظر "تهذيب التهذيب" (١/٤٢٨)
فلا وجه لقول الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/٢١٠) : إسناده جيد. وعليه اعتمد الشيخ الألباني في تحسينه في "صحيح الجامع" (٦٠٢٦) لأنه لم يطلع على سنده في "مسند الشاميين" إذ لم يكن قد طبع بعد.
٢- عن أم سلمة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال:
(من قال كل يوم اللهم اغفر لى وللمؤمنين والمؤمنات ألحق به من كل مؤمن حسنة)
رواه الطبراني في الكبير (٢٣/٣٧٠) وفي إسناده أبو أمية إسماعيل بن يعلى الثقفي، جاء في ترجمته في "ميزان الاعتدال" (١/٢٥٥) : " قال يحيى: ضعيف، ليس حديثه بشيء، وقال مرة: متروك الحديث.
وقال النسائي والدارقطني: متروك. وقد مشاه شعبة، وقال: اكتبوا عنه، فإنه شريف. وقال البخاري: سكتوا عنه. وذكره ابن عدى وساق له بضعة عشر حديثا معروفة، لكنها منكرة الاسناد " انتهى.
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/٢١٠) : " فيه أبو أمية بن يعلى وهو ضعيف " انتهى.
٣- عن أنس ﵁، جاء عنه من طريقين:
- من طريق عمر بن عبيد الطنافسي عن شعيب بن كيسان عن أنس عن النبي ﷺ بلفظ:
(من استغفر للمؤمنين والمؤمنات رد الله عليه من آدم فما دونه) .
رواه البخاري في "التاريخ الكبير" (٤/٢١٩) والعقيلي في "الضعفاء" (٢/١٨٢) وابن بشران في "الأمالي" (برقم/٢٤٤) وغيرهم.
قلت: فيه علتان: الأولى: ضعف شعيب بن كيسان، والثاني: الانقطاع بينه وبين أنس، فقد قال البخاري عقب إخراجه له: " لا يعرف له سماع من أنس، ولا يتابع عليه "
لذلك ذكره الذهبي في "ميزان الاعتدال" (٢/٢٧٧) في منكراته، وقال العراقي في "تخريج الإحياء" (١/ ٣٢١) : وسنده ضعيف.
وقال الشيخ الألباني في "السلسلة الضعيفة" (٥٩٧٦) : " منكر " انتهى.
- من طريق معمر عن أبان عن أنس مرفوعا بلفظ:
(ما من عبد يدعو للمؤمنين والمؤمنات إلا رد الله عليه عن كل مؤمن ومؤمنة مضى أو هو كائن إلى يوم القيامة بمثل ما دعا به)
رواه عبد الرزاق في "المصنف" (٢/٢١٧)
قلت: وأبان الذي يروي عنه معمر بن راشد هو ابن أبي عياش اتفقت كلمة المحدثين على تضعيفه وتركه. انظر "تهذيب التهذيب" (١/٩٩)
٤- عن أبى الدرداء قال سمعت رسول الله ﷺ يقول:
(من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كل يوم سبعا وعشرين مرة أو خمسا وعشرين مرة أحد العددين كان من الذين يستجاب لهم ويرزق بهم أهل الأرض)
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/٢١٠) :
" رواه الطبراني وفيه عثمان بن أبى العاتكة، وقال فيه حدثت عن أم الدرداء، وعثمان هذا وثقه غير واحد وضعفه الجمهور، وبقية رجاله المسمين ثقات " انتهى.
٥- عن أبى هريرة قال رسول الله ﷺ :
(من لم يكن عنده مال يتصدق به فليستغفر للمؤمنين والمؤمنات فانها صدقة)
رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٣/١٢٨) قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/٢١٠) : " فيه من لم أعرفهم " انتهى.
٦- عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ قال:
(أيما رجل مسلم لم يكن عنده صدقة فليقل في دعائه: اللهم صل على محمد عبدك ورسولك، وصل على المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، فإنها زكاة)
رواه ابن حبان (٣/١٨٥) في صحيحه، وإسناده ضعيف؛ لأنه من رواية دراج عن أبي الهيثم، وقد ضعفها أحمد وأبو داود وغيرهما، انظر "تهذيب التهذيب" (٣/٢٠٩)
ثانيا:
الاستغفار للمؤمنين والمؤمنات من دعاء الرسل والأنبياء الكرام، فقد دعا به نوح ﵇: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) نوح/٢٨
ودعا به إبراهيم ﵇ فقال: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) إبراهيم/٤١
وأمر الله نبيه أن يدعو به فقال: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمؤْمِنَاتِ) محمد/١٩
وحكاه الله عن المؤمنين الصادقين المخلصين فقال: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) الحشر/١٠
فيستحب لجميع المسلمين الدعاء بالمغفر لإخوانهم المسلمين، الأحياء منهم والميتين، ولا شك أن الملائكة ستؤمن على دعائه وسيأتيه مثل ما دعا به.
روى عبد الرزاق في "المصنف" (٢/٢١٧) :
" عن ابن جريج قال: قلتُ لعطاء: أَستَغفرُ للمؤمنين والمؤمنات؟
قال: نعم، قد أُمر النبيُّ ﷺ بذلك، فإنَّ ذلك الواجبَ على الناس، قال الله لنبيِّه ﷺ : (اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ)
قلتُ: أفتدع ذلك في المكتوبة أبداً؟ قال: لا.
قلت: فبِمَن تبدأ، بنفسك أم بالمؤمنين؟
قال: بل بنفسي، كما قال الله: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ) " انتهى.
يقول ابن القيم في "مفتاح دار السعادة" (١/٢٩٨-٢٩٩) :
" والجميعُ مشتركون في الحاجة بل في الضرورة إلى مغفرةِ الله وعفوِه ورحمتِه، فكما يُحبُّ - أي المسلم - أن يَستغفرَ له أخوه المسلمُ، كذلك هو أيضاً ينبغي أن يستغفرَ لأخيه المسلم، فيصير هِجِّيراه: ربِّ اغفر لي ولوالديَّ وللمسلمين والمسلمات وللمؤمنين والمؤمنات، وقد كان بعضُ السلف يستحبُّ لكلِّ أحدٍ أن يُداوم على هذا الدعاء كلَّ يوم سبعين مرَّة، فيجعل له منه وِرداً لا يُخلُّ به.
وسمعتُ شيخَنا - أي ابن تيمية – يذكرُه، وذكر فيه فضلاً عظيماً لا أحفظه، وربَّما كان مِن جملة أوراده التي لا يُخلُّ بها، وسمعتُه يقول: إنَّ جعلَه بين السجدتين جائزٌ، فإذا شهدَ العبدُ أنَّ إخوانه مصابون بمثل ما أُصيب به، محتاجون إلى ما هو محتاجٌ إليه لَم يمتنع من مساعدتهم إلَاّ لفرطِ جهله بمغفرة الله وفضلِه، وحقيقٌ بهذا أن لا يُساعَد، فإنَّ الجزاءَ من جنس العمل " انتهى.
فتضعيف الأحاديث السابقة هو تضعيف لأن تكون من كلام النبي ﷺ ، ولخصوص الأجور المذكورة فيها، وذلك لا يعني عدم استحباب الاستغفار لجميع المسلمين والمسلمات.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12487
طاعة الله مجلبة للرزق
[السُّؤَالُ]
ـ[عمري ثلاثون سنة، قبل خمسة سنوات كنت أعيش مع المعاصي ويا للخيبة، إلا أنني كنت محافظاً على الصلاة، ثم تزوجت وسافرت للعيش في فرنسا، وحصلت لي بعض المشاكل فلم أجد الحل إلا في العودة إلى الله، فتبت والحمد لله، وبدأت بحفظ القرآن، وتعلم العلم، وأصبحت أصوم النافلة طوال العام، ولا أضيع الصلاة في المسجد إلا نادرا حتى إني لا تفوتني تكبيرة الإحرام أكثر من أربعين يوماً، والحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. وكان من نتائج ذلك أن تحسنت أحوالي المادية، والمعنوية، وكلما زدت في الطاعات زادت الخيرات والله على ما أقول شهيد، المشكلة هي أنني الآن لا أدري لماذا أجتهد في الطاعات هل من أجل الآخرة أم من أجل الدنيا؟ مثلاً: إذا تصدقت أرجو أجر الصدقة، ولكن كذلك لعلمي بأن الله سيخلفها لي مضاعفة وهكذا حتى بدأت أشك في نفسي هل أنا منافق أم ماذا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أهنئك أخي على أن وُفِّقت للتوبة إلى الله، والرجوع إلى الصواب، فتلك نعمة أسبغت عليك، ومِنَّة أسديت لك، ينبغي عليك شكرها، لأنها غاية كل مؤمن، وبداية الأمر وخاتمته، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "لم يجعل الله تعالى محبته للتوابين إلا وهم خواصُّ الخلق لديه، ولولا أن التوبة اسم جامع لشرائع الإسلام وحقائق الإيمان لم يكن الرب تعالى يفرح بتوبة عبده ذلك الفرح العظيم" انتهى.
"مدارج السالكين" (١/٣٤٣) .
وكونك كلما اجتهدت في الطاعات كثرت عليك أسباب الرزق الحلال، فلأن تقوى الله وطاعته مجلبة للرزق، كما قال جل وعلا: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) الطلاق/٢-٣. كما أن المعصية مجلبة للفقر، فإن العبد يحرم الرزق بالذنب يصيبه، وما استُجْلب الرزق بمثل فعل الطاعات وترك المعاصي، ولكن ينبغي عليك أن تراقب إخلاصك قبل الشروع في العمل بحيث يكون الباعث على فعل الخير ابتداء وجه الله تعالى، وأن تراقب إخلاصك وتحفظه مما يفسده أثناء العمل وبعده فتخلِّصَه من العُجْب والرياء ورؤية النفس وطلب المحمدة والمنزلة في قلوب الخلق من أجله أو أن تعمله لما يدر عليك من الخيرات، بحيث لو ضُيِّق عليك الرزق لتركته، فهذه أمور منافية للإخلاص، مفسدة للطاعات.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "ومحبطات الأعمال ومفسداتها أكثر من أن تحصر، وليس الشأن في العمل، إنما الشأن في حفظ العمل مما يفسده ويحبطه" انتهى.
"الوابل الصيب" (ص٢٠) .
ويجب أن يُعلم أن الإنسان إذا قصد بعبادته وجه الله تعالى، وثوابه في الدار الآخرة، وقصد مع ذلك ثواب الطاعة العاجل في الدنيا، كسعة الرزق والحياة الطيبة ونحو ذلك أنه لا حرج عليه.
وقد رغَّبنا الله تعالى في طاعته والابتعاد عن معصيته، بذكر ثواب ذلك في الدنيا، مما يدل على أنه لا حرج على المؤمن إذا قصد ذلك.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "إذا أراد الإنسان بعمله الحسنيين: حسن الدنيا، وحسن الآخرة، فلا شيء في ذلك. [أي لا حرج عليه ولا إثم] لأن الله يقول: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) الطلاق/٢-٣" انتهى.
"القول المفيد" (٢/٢٤٤) .
فلا يلقينَّ الشيطان في نفسك أنك منافق أو غير مخلص، فإن قصده صرفك عن أعمال البر وتثبيطك عن سبل الخير، ولا يَكُن الحامل لك على فعل الطاعة ما يجره لك من الرزق بحيث لو جفَّت منابعه لتركته، ولكن أخلص لربك أعمالك، واشكره على ما يتفضل به عليك من الخيرات: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) إبراهيم/٧.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12488
يحب الهداية ولكن نفسه تغلبه
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد الهداية وطريق الصلاح ولا أعرف. أحاول ولا أستطيع. كلما أحاول نفسي الأمارة بالسوء تغلبني، والشيطان يُذَلِّلُ لِيَ المعصية. ماذا أفعل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أصدقك القول – أخي السائل – أنني أحسست بالمشاعر التي يكنها قلبك من خلال كلماتك المعدودة في السؤال، رأيت فيها صدقا ورغبة ورهبة، ولمست فيها حرصا وحبا وخوفا، كما سمعت لها أنينا أحدثته قيود الهوى والشيطان.
ولكنني سرعان ما تعجبتُ من هذه النفس، وتساءلتُ إن كانت تنتظر اللحظة الفاصلة التي تنتقل بها فجأة نحو الهداية، من غير أن تسعى أنت أو تتعب في هذه السبيل؟!!
أو كانت تتنظر اللحظة الفاصلة حقا، بين وقت الإمهال، ووقت النهاية، وضياع الفرصة بهجمة الموت:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا أَوْ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ أَوْ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ) رواه الترمذي (٢٣٠٦) وقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وضعفه الألباني.
والحقيقة التي يجب عليك إدراكُها، والإيمانُ بها، والتأملُ فيها أولا وأخيرا، هي أن التغيير يبدأ منك، ومنك فقط، من أعماق نفسك، وإرادتك وسعيك، وليس بكلمات يكتبها لك المفتي، ولا بتعليمات يرسلها إليك ناصح، بل ولا بعزيمةٍ مترددةٍ فاترةٍ على الهداية، تحركها العاطفة المؤقتة، فلا تلبث أن تنطفئ وترجع إلى عهدها الأول.
فإذا وعيت ذلك أدرَكتَ أنك تعيشُ في هذه الحياة في معركةٍ واحدةٍ، أو لِنَقُل في تحدٍّ واحد، يُحَتِّمُ عليك أن تجمع له همَّكَ وفكرَك وجهدَك، وتبذلَ في سبيل الفوز فيه كلَّ حيلةٍ ووسيلةٍ، وستجد نفسك مضطرةً إلى السؤال كثيرا، والبحث كثيرا، والقراءة كثيرا، كي تصل إلى السر الذي تتحكم فيه بداخلك، فتطفئ َمن خلاله نوازعَ الشر والكسل والفشل، وتوقظَ به قيم الخير والنجاح والعطاء.
وملخص ذلك في جملة سهلةٍ يسيرةٍ على من يسَّرها الله عليه، بل في كلمة واحدة، هي:
" القوة " القوة في العزيمة، والقوة في الضبط والسيطرة، والقوة في الاحتمال.
وأكاد أجزم لك أخي السائل أنك إن تفكرت في هذا المعنى " قوة النفس " ملكت به مفاتح الخير كلَّها إن شاء الله.
والموعظة إنما يقصد بها بعث هذا المعنى مِن جديد، كي يتخلَّصَ القلب من أغلال الوهن والضعف التي تحول بينه وبين الهدى والنجاة، ولعلي هنا أرسل لك ببعض الكلمات التي تخاطب بها نفسك، لعلها تبث فيها روح الهداية والثبات:
" يا نفس! أما تعرفين ما بين يديك من الجنة والنار، وأنك صائرةٌ إلى إحداهما على القرب؟! فما لك تفرحين وتضحكين وتشتغلين باللهو، وأنت مطلوبة لهذا الخطب الجسيم!؟ وعساك اليوم تُختطفين أو غدا، فأراك تَرَينَ الموت بعيدا، ويراه الله قريبا.
أما تعلمين أنَّ كلَّ آتٍ قريب، وأن البعيدَ ما ليس بآت؟!
أما تعلمين أن الموت يأتي بغتة من غير تقديم رسول، ومن غير مواعدة ومواطأة؟ وأن كلَّ نَفَسٍ من الأنفاس يمكن أن يكون فيه الموت فجأة، فإن لم يكن الموت فجأة فيكون المرض فجأة، ثم يفضي إلى الموت، فما لك لا تستعدين للموت وهو أقرب إليك من كل قريب؟!
أما تتدبرين قوله تعالى: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ) الأنبياء/١-٣
فإن كنتِ يا نفسُ قد عرفت ذاك وآمنتِ به، فما لك تُسوِّفين العمل، والموتُ لك بالمرصاد؟!
أرأيتِ لو سافر رجل لِيتفَقَّهَ في الغربة، فأقام فيها سنين متعطِّلاً بَطَّالاً، يَعِدُ نفسَه بالتفقه في السنة الأخيرة عند رجوعه إلى وطنه، هل كنت تضحكين من عقله؟!
ثم هبي أن الجهد في آخر العمر نافع، وأنه موصل إلى الدرجات العلا، فلعل اليوم آخر عمرك، فلم لا تشتغلين فيه بذلك؟
أفتنتظرين يوما يأتيك لا تعسُرُ فيه مخالفةُ الشهوات؟ هذا يومٌ لم يخلقه الله قَطُّ، ولا يخلقه، فلا تكون الجنةُ قَطُّ إلا محفوفةً بالمكاره، ولا تكون المكارهُ قَطُّ خفيفةً على النفوس، وهذا محالٌ وجوده.
أما تتأملين مذ كم تَعِدين نفسك وتقولين: غدًا، غدًا؟ فقد جاء الغد وصار يوما، فكيف وجدتِهِ؟ أما علمتِ أن الغد الذي جاء وصار يوما كان له حكم الأمس، لا بل الذي تعجزين عنه اليوم، فأنت غدا عنه أعجز وأعجز، لأنَّ الشهوةَ كالشجرة الراسخة التي تعب العبد بقلعها، فإذا عجز العبد عن قلعها للضعف وأخَّرها، كان كمن عجز عن قلع شجرة وهو شاب قوي، فأخرها إلى سنة أخرى، مع العلم بأن طول المدة يزيد الشجرة قوة ورسوخا، ويزد القالع ضعفا ووهنا.
ويحكِ يا نفسُ! لا ينبغي أن تغرك الحياة الدنيا، ولا يغرنك بالله الغرور، فانظري لنفسك، فما أمرُك بمهمٍّ لغيرِك، ولا تُضيِّعي أوقاتك، فالأنفاسُ معدودة، فإذا مضى منك نَفَسٌ فقد ذهب بعضك، فاغتنمي الصحة قبل السقم، والفراغَ قبل الشغل، والغنى قبل الفقر، والشباب قبل الهرم، والحياةَ قبل الموت، واستعدي للآخرة على قدرِ بقائِك فيها.
ويحكِ يا نفسُ! ما أراكِ إلا ألفت الدنيا وأنست بها، فعسُرَ عليكِ مفارقتُها وأنت مقبلة على مقاربتها، وتؤكدين في نفسك مودتها، فحسبي أنك غافلةٌ عن عقاب الله وثوابه، وعن أهوال القيامة وأحوالِها، فما أنت مؤمنةٌ بالموت المفرِّق بينك وبين محابِّكِ.
ويحكِ يا نفسُ! أتعلمين أن كل من يلتفت إلى ملاذ الدنيا ويأنس بها مع أن الموت من ورائه، فإنما يستكثر من الحسرة عند المفارقة، وإنما يتزود من السم المهلك وهو لا يدري؟
أوَمَا تنظرين إلى الذين مضوا كيف بنوا وعلوا ثم ذهبوا وخلوا؟ وكيف أورث الله أرضهم وديارهم أعداءهم؟ أما ترينهم كيف يجمعون ما لا يأكلون، ويبنون ما لا يسكنون، ويؤملون ما لا يدركون؟ فهل في الدنيا حمق وانتكاس أعظم من هذا؟ يعمر الواحد دنياه وهو مرتحل عنها يقينا، ويخرب آخرته وهو صائر إليها قطعا؟
ويحكِ يا نفسُ! ما لك إلا أيامٌ معدودة، هي بضاعتك إن اتجرت فيها، وقد ضيعتِ أكثرَها، فلو بكيت بقيةَ عمرك على ما ضيعت منها لكنت مقصرة في حق نفسك، فكيف إذا ضيعت البقية وأصررت على عادتك؟ أما تعلمين يا نفس أن الموت موعدُك، والقبرَ بيتُك، والترابَ فراشُك، والدودَ أنيسُك، والفزعَ الأكبرَ بين يديك؟
فاحذري أيتها النفس المسكينة يوما آلى الله فيه على نفسه أن لا يترك عبدا أَمَرَه في الدنيا ونهاه حتى يسأله عن عمله دقيقه وجليله، سره وعلانيته، فانظري يا نفس بأي بدن تقفين بين يدي الله، بأي لسان تجيبين، وأعدي للسؤال جوابا، وللجواب صوابا، واعملي بقية عمرك في أيام قصار لأيام طوال، وفي دارِ زوالٍ لدار مقامة، وفي دار حزن ونَصَبٍ لدار نعيم وخلود، اعملي قبل أن لا تعملي، اخرجي من الدنيا اختيارا خروج الأحرار، قبل أن تخرجي منها على الاضطرار، ولا تفرحي بما يساعدك من زهرات الدنيا، فرب مسرور مغبون، ورب مغبون لا يشعر، فويل لمن له الويل ثم لا يشعر، يضحك ويفرح ويلهو ويمرح ويأكل ويشرب، وقد حق له في كتاب الله أنه من وقود النار.
فليكن نظرك يا نفس إلى الدنيا اعتبارا، وسعيك لها اضطرارا، ورفضك لها اختيارا، وطلبك للآخرة ابتداءا، ولا تكوني ممن يعجز عن شكر ما أُتِي، ويبتغي الزيادةَ فيما بَقي.
واعلمي يا نفس أنه ليس للدين عِوض، ولا للإيمان بَدَل، ولا للجسد خلف، ومن كانت مطيته الليل والنهار، فإنه يُسار به وإن لم يسر.
فاتعظي يا نفس بهذه الموعظة، واقبلي هذه النصيحة، فإن من أعرض عن الموعظة فقد رضي بالنار، وما أراك بها راضية، ولا لهذه الموعظة واعية.
فإن كانت القساوة تمنعك عن قبول الموعظة فاستعيني عليها بدوام التهجد والقيام، فإن لم تزل فبالمواظبة على الصيام، فإن لم يزل فبقلة المخالطة والكلام، فإن لم يزل فبصلة الأرحام واللطف بالأيتام، واستعيني بأرحم الراحمين، واشتكي إلى أكرم الأكرمين، وأدمني الاستغاثة، ولا تملي طول الشكاية، لعله أن يرحم ضعفك ويغيثك، فإنَّ مصيبَتَك قد عظمت، وبليتَك قد تفاقمت، وتماديك قد طال، وقد انقطعت منك الحيل، وراحت عنك العلل، فلا مذهب ولا مطلب، ولا مستغاثَ ولا مهرب، ولا ملجأَ ولا منجا إلا إلى مولاكِ، فافزعي إليه بالتضرع، واخشعي في تضرعك على قدر عظم جهلك وكثرة ذنوبك؛ لأنه يرحم المتضرع الذليل، ويغيث الطالب المتلهف، ويجيب دعوة المضطر، وقد أصبحت اليوم مضطرة، وإلى رحمته محتاجة، وقد ضاقت بك السبل، وانسدت عليك الطرق، وانقطعت منك الحيل، والمطلوب كريم، والمسؤول جواد، والمستغاث به بر رؤوف، والرحمة واسعة، والكرم فائض، والعفو شامل." اختصارا من "إحياء علوم الدين" (٤/٤١٦-٤٢٢)
أسأل الله أن ينفعنا وإياكم بكلام الصالحين، وموعظة الصادقين.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12489
الأذكار بين الأذان والإقامة
[السُّؤَالُ]
ـ[أود أن أعرف الدعاء الذي نقوله قبل الأذان وقبل الإقامة وبعد الأذان وبعد الإقامة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
١. أما عن الدعاء قبل الأذان فليس هناك دعاء قبل الأذان - فيما أعلم - ولو خصص ذلك بقول خاص أو غير خاص في ذلك الوقت فهو بدعة منكرة ولكن إن جاء اتفاقاً وصدفة فلا بأس به.
٢. أما قبل الإقامة عندما يهم المؤذن بالإقامة بالذات فهذا أيضاً لا نعلم فيه قولاً مخصوصاً ففعله مع عدم ثبوت دليل عليه بدعة منكرة.
٣. أما ما بين الأذان والإقامة فالدعاء عندئذٍ مرغّب فيه ومستحب.
عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة فادعوا ". رواه الترمذي (٢١٢) وأبو داود (٤٣٧) وأحمد (١٢١٧٤) – واللفظ له – وصححه الألباني في صحيح أبي داود ٤٨٩.
والدعاء بعد الأذان مباشرة له صيغ مخصوصة:
- منها: عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: " من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة ". رواه البخاري (٥٨٩) .
٤. وأما الدعاء بعد الإقامة فلا نعلم له دليلاً، وإن خصص الدعاء بشيء من غير دليل صحيح كان بدعة.
٥. وأما الدعاء حين الأذان فإنه يسن لك أن تقول كما يقول المؤذن إلا عند قوله: حي على الصلاة – حي على الفلاح. فإنك تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا قال المؤذن الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم الله أكبر الله أكبر ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله قال أشهد أن لا إله إلا الله ثم قال أشهد أن محمدا رسول الله قال أشهد أن محمدا رسول الله ثم قال حي على الصلاة قال لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال حي على الفلاح قال لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال الله أكبر الله أكبر قال الله أكبر الله أكبر ثم قال لا إله إلا الله قال لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة ". رواه مسلم (٣٨٥) .
٦- أما الدعاء حين الإقامة: فبعض العلماء أجراه على العموم باعتباره أذاناً فاستحب الترديد، ولم يستحبه علماء آخرون لضعف الحديث الوارد في الترديد مع الإقامة الذي سيأتي تخريجه، ومنهم الشيخ محمد بن إبراهيم في الفتاوى (٢/١٣٦) والشيخ العثيمين في الشرح الممتع (٢/٨٤)
ـ ومن الخطأ قول: أقامها الله وأدامها الله عند قول المؤذن: قد قامت الصلاة لأن الحديث الوارد في ذلك ضعيف.
عن أبي أمامة أو عن بعض أصحاب النبي ﷺ : " أن بلالا أخذ في الإقامة فلما أن قال قد قامت الصلاة قال النبي ﷺ " أقامها الله وأدامها " وقال في سائر الإقامة كنحو حديث عمر ﵁ في الأذان ". رواه أبو داود (٥٢٨) . والحديث: ضعفه الحافظ ابن حجر في " التلخيص الحبير " (١ / ٢١١) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12490
حكم دخول غرف المحادثة على شبكة (الإنترنت) للتسلية
[السُّؤَالُ]
ـ[أرجو أن تفيدني بحكم دخولي لـ (الشات) وصفحات (الدردشة) ، حيث إن دخولي لها هو فقط للتسلية والنظر في بعض الموضوعات المطروحة ومناقشتها، ولا يخفاكم شيخنا ما يتخلل هذه الأماكن من كلام فاحش وبذيء ... أفدني حفظك الله بهذا الخصوص، ولك مني جلّ محبتي ودعائي.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إن مما ينبغي على العبد المسلم: الحرص على تقويم النفس وتهذيبها، والارتقاء بها إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب وذلك يعني منه طول المجاهدة وحسن السياسة، وأهم ما يمكن أن يعينه على ذلك: تجنب أماكن الفساد، وموارد الهلاك، فقد اتفق علماء السلوك على أن النفس مجبولة على الضعف والميل في أصل تكوينها، وأن العقل هو الذي يضبطها ويوجه طاقتها، فإذا أسلم العقلُ النفسَ إلى مراتع الفساد والهوى: فقد لا يملك بعد ذلك أن يعيدها إلى حياض النجاة والخلاص.
وهكذا هي مجالس اللهو والعبث – أخي السائل - فقد كانت – وما زالت بصورتها المعاصرة على الإنترنت – مصارف لاستنفاد الطاقات وتضييع المواهب وإهدار الإنجازات، يجتمع عليها أهل البطالة ممن لا يحملون رسالة العمل والنجاح في حياتهم، فيهدرون فيها أوقاتهم وأعمارهم التي هي أغلى ما يملكون، ويقضون أيامهم في القيل والقال، فلا هم أقاموا دنيا ولا التزموا بدين.
والمسلم حين يستشعر نعمة الفراغ التي أكرمه الله بها لا يملك إلا أن يبحث عن أفضل عمل يملأ به أيامه وساعاته، وليس فقط عن عمل حسن يسد عنه ذلك، ولذلك تجد الصحابة الكرام رضوان الله عليهم يسألون النبي ﷺ في أحاديث كثيرة عن أفضل الأعمال التي ينالون بها أرقى المراتب عند الله تعالى، فيجيبهم النبي ﷺ عما يسألون.
يقول النبي ﷺ : (نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ) .
رواه البخاري (٦٤١٢) .
مغبون: أي: ذو خسران فيهما كثير من الناس.
قال ابن القيم ﵀ وهو يتحدث عن الغيرة على الوقت -:
غيْرة على وقت فات! وهي غيرة قاتلة، فإن الوقت وَحِيُّ التقضي – أي: سريع الانقضاء – أبيُّ الجانب، بطيء الرجوع ...
والوقت عند العابد: هو وقت العبادة والأوراد، وعند المريد هو وقت الإقبال على الله، والجمعية عليه، والعكوف عليه بالقلب كله.
والوقت أعز شيء عليه، يغار عليه أن ينقضي بدون ذلك، فإذا فاته الوقت: لا يمكنه استدراكه البتة؛ لأن الوقت الثاني قد استحق واجبه الخاص، فإذا فاته وقت: فلا سبيل له إلى تداركه.
" مدارج السالكين " (٣ / ٤٩) .
وإن أهم ما يساعد على اغتنام الأوقات الهروب من المجالس الخاوية، وترك فضول الكلام، والنأي عن أهل الكسل والبطالة، ومصاحبة المجدين النبهاء الأذكياء المتيقظين للوقت والدقائق، والانغماس في متعة المطالعة والاستزادة من المعرفة.
فالعاقل الموفق من يملأ حاضر عمره ووقته بفائدة وعمل صالح نافع، فيترقى في مدارج السمو والرفعة، يطلب علما أو يكتب درسا أو يتعلم صنعة أو يزور رحما أو يعود مريضا أو ينصح ضالا أو يتكسب رزقا يقوم به على عياله يكفهم عما في أيدي الناس.
يقول عمر بن الخطاب ﵁:
إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللا – أي: فارغا – لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة.
ذكره أبو عبيد القاسم بن سلَاّم في " الأمثال " (٤٨) .
وليس في حياة المسلم تسلية في سماع المعاصي ورؤية المنكرات، وأنت تعلم أن هذه المحادثات فيها ما يخالف الشرع من الفحش في القول، والسوء في الخلق، فهل الدخول في هذه المستنقعات الآسنة هو مما ينفع المسلم، ومن الذي يحرص عليه في حياته.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ) . رواه مسلم (٢٦٦٤) .
ولو سألك الله تعالى يوم القيامة عن هذه الأوقات التي أضعتها في القيل والقال، والكتابة والمحادثة فيما لا ينفعه، بل هو يضرك: فماذا سيكون جوابك؟ .
عن أَبي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيّ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : (لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعن عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وعن مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفيمَ أَنْفَقَهُ، وعن جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ) . رواه الترمذي (٢٤١٧) وصححه الشيخ الألباني في " صحيح الترغيب والترهيب " (١٢٦) .
واعلم – أخي – أخيراً:
أن هذه غرف المحادثة قد أفسدت أخلاق كثيرين، وقد فرَّقت بين أحبة، وطلَّق رجال زوجاتهم بسببها، وخسرت نساء شرفهن بسببها، واغتر ضعاف الإيمان وقليلو العلم بما فيها من شبهات وانحرافات فزلت أقدامهم، والواجب على المسلم إذا سمع عن بيئة فتنة أو معصية أن ينكر على أهلها ويصلح حالهم – إن كان على ذلك من القادرين -، أو ينأى بنفسه عن تلك البيئات ولا يغتر بقوة إيمانه، أو أنه عارف بأحوالهم، وإنما هو يتسلى!
فحذار أخي السائل الكريم من الانغماس في مجالس المحادثة على شبكة (الإنترنت) ، وانأ بنفسك عما فيها من الفحش والبذاءة، فهي مجالس قليلة النفع كثيرة الضرر، لا تنفع في دنيا ولا تنجي في الآخرة.
وإذا وجدت في نفسك انجراراً نحو الفتنة والمعصية، من محادثة النساء من غير حاجة، وتوسع في الحديث مع هذه وتلك: فاعلم أنك على خطر عظيم، نرجو أن تنجو بنفسك منه
وتعتقها من قيود الشيطان الرجيم.
وقد سبق في موقعنا التنبيه على خطر مجالس المحادثة هذه في أجوبة كثيرة، منها:
(٣٤٨٤١) و (٧٨٣٧٥) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12491
يبكي لسماع القرآن ويمارس العادة السرية ويسيء لوالديه فهل هذا نفاق ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[قرأت في أحد المواقع الإسلامية عن صفات الحبيب المصطفى، وقد أدى ذلك إلى بكائي بعض الشيء، وهذا يقع لي - أي البكاء - حتى في بعض الصلوات في المسجد، خصوصا إذا كان للإمام صوت شجي، ولكن على الرغم من هذا فإني أقع في بعض المعاصي كالعادة السرية، ورفع صوتي شيئاً ما على والداي، وقد قرأت في موقعكم أسباب هذه المعاصي وكيفية التخلص منها، وسؤالي هل ما أقوم به من أعمال قبيحة أُعدُّ منافقا؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نرى – أخي الفاضل – أن سؤالك عن نفسك إن كنت منافقاً أم لا: يدل على خيرٍ عظيم عندك إن شاء الله؛ وذلك أن خوف المسلم على نفسه من أن يكون واقعاً في النفاق يدل على حياة قلبه، وعلى حرصه على إيمانه أن يُخدش، َقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذِّبًا، وقال الحسن البصري – عن النفاق -: مَا خَافَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِقٌ.
قال ابن القيم ﵀:
وبحسب إيمان العبد ومعرفته يكون خوفه أن يكون من أهل هذه الطبقة، ولهذا اشتد خوف سادة الأمة وسابقيها على أنفسهم أن يكونوا منهم، فكان عمر يقول لحذيفة: ناشدتك الله هل سماني رسول الله مع القوم؟ فيقول: لا، ولا أزكي بعدك أحداً، يعني: لا أفتح عليّ هذا الباب في تزكية الناس، وليس معناه أنه لم يَبرأ من النفاق غيرك.
" طريق الهجرتين " (ص ٦٠٤) .
وقد خاف كبار الأولياء على أنفسهم من هذا:
١. قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ.
قال الحافظ ابن حجر – ﵀:
والصحابة الذين أدركهم ابن أبي مليكة من أجلِّهم: عائشة، وأختها أسماء، وأم سلمة، والعبادلة الأربعة، وأبو هريرة، وعقبة بن الحارث، والمسور بن مخرمة , فهؤلاء ممن سمع منهم , وقد أدرك بالسن جماعة أجل من هؤلاء: كعلي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص , وقد جزم بأنهم كانوا يخافون النفاق في الأعمال , ولم ينقل عن غيرهم خلاف ذلك فكأنه إجماع؛ وذلك لأن المؤمن قد يعرض عليه في عمله ما يشوبه مما يخالف الإخلاص، ولا يلزم من خوفهم من ذلك وقوعه منهم , بل ذلك على سبيل المبالغة منهم في الورع والتقوى ﵃.
" فتح الباري " لابن حجر (١ / ١١٠، ١١١) .
٢. قال الحافظ ابن رجب الحنبلي – ﵀:
وقال الجعد أبو عثمان: قلت لأبي رجاء العطاردي: هل أدركت من أدركت من أصحاب النبي ﷺ يخشون النفاق؟ قال: نعم، إني أدركت بحمد الله منهم صدراً حسناً، نعم، شديداً، نعم، شديداً، وكان قد أدرك عمر.
٣. وقال – ﵀:
وممن كان يتعوذ من النفاق من الصحابة: حذيفة، وأبو الدرداء، وأبو أيوب الأنصاري، وأما التابعون: فكثير، قال ابن سيرين: ما علي شيء أخوف من هذه الآية (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ) البقرة/ ٨، وقال أيوب: كل آية في القرآن فيها ذكر النفاق أخافها على نفسي، وقال معاوية بن قرة: كان عمر يخشاه وآمنه أنا؟ ، وكلام الحسن في هذا المعنى كثير جدّاً، وكذلك كلام أئمة الإسلام بعدهم.
وقال الإمام أحمد - في رواية ابن هانيء وسئل: ما تقول فيمن لا يخاف النفاق على نفسه؟ ، - فقال: ومن يأمن على نفسه النفاق؟ .
" فتح الباري " لابن رجب (١ / ١٧٨، ١٧٩) .
وانتبه – أخي الفاضل – إلى أمرين مهمين:
الأول: أن أولئك الأئمة من الصحابة ومن بعدهم كان النفاق الذين يخشونه هو نفاق العمل، وهو الطريق إلى نفاق القلب الذي يودي بصاحبه إلى النار – والعياذ بالله -، وهذا النفاق هو الوارد في جملة من الأحاديث تحذر المسلم من التخلق بأخلاقهم، ومنها:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خََصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ.
رواه البخاري (٣٤) ومسلم (٥٨) .
ورواه الترمذي – ﵀ (٢٦٣٢) وقال بعده:
وإنما معنى هذا عند أهل العلم: نفاق العمل، وإنما كان نفاق التكذيب على عهد رسول الله ﷺ ، هكذا روي عن الحسن البصري شيء من هذا أنه قال: النفاق نفاقان: نفاق العمل، ونفاق التكذيب.
انتهى
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي – ﵀:
وأصل هذا يرجع إلى ما سبق ذكره: أن النفاق أصغر، وأكبر؛ فالنفاق الأصغر: هو نفاق العمل، وهو الذي خافه هؤلاء على أنفسهم؛ وهو باب النفاق الأكبر، فيُخشى على من غلب عليه خصال النفاق الأصغر في حياته أن يخرجه ذلك إلى النفاق الأكبر حتى ينسلخ من الإيمان بلكلية، كما قال تعالى (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) الصف/ ٥، وقال: (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّة) الأنعام/ ١١٠.
" فتح الباري " لابن رجب (١ / ١٧٩) .
وللإمام النووي شرح مستوفى لهذا الحديث لا يخرج عن هذا، فلينظر في " شرح مسلم " له (٢ / ٤٦ – ٤٨) .
والأمر الثاني: أن هؤلاء الكبار كانوا أبر الناس قلوباً، وأشدهم تعظيماً لحرمات، وأبعدهم عن انتهاك حدوده، لكن الواحد منهم لكمال علمه بربه، وخوفه من مقامه، يرى الذنب الصغير – إن وقع فيه – كبيراً، بل كان بعضهم يخاف من الرياء، وآخر يخاف أن يكون مقصراً في العمل فيكون قوله مخالفاً لفعله، وآخرون ظنوا أن اشتغالهم بالمباح في بيوتهم مع زوجاتهم، وأولادهم مع وجود الخشوع والرقة في مجالس الذكر ظنوا ذلك من النفاق.
عَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ فَنَسِينَا كَثِيرًا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
رواه مسلم (٢٧٥٠) .
قال النووي – ﵀:
قوله: (عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات)
قال الهروي وغيره: معناه حاولنا ذلك ومارسناه واشتغلنا به , أي: عالجنا معايشنا وحظوظنا , والضيعات: وهي: معاش الرجل من مال، أو حرفة، أو صناعة.
قوله: (نافق حنظلة) معناه: أنه خاف أنه منافق , حيث كان يحصل له الخوف في مجلس النبي ﷺ , ويظهر عليه ذلك مع المراقبة والفكر , والإقبال على الآخرة , فإذا خرج اشتغل بالزوجة والأولاد ومعاش الدنيا , وأصل النفاق إظهار ما يكتم خلافه من الشر , فخاف أن يكون ذلك نفاقا , فأعلمهم النبي ﷺ أنه ليس بنفاق , وأنهم لا يكلفون الدوام على ذلك , (ساعة وساعة) أي: ساعة كذا وساعة كذا.
" شرح مسلم " (١٧ / ٦٦، ٦٧) .
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي – ﵀:
ولما تقرر عند الصحابة ﵃ أن النفاق هو اختلاف السر والعلانية: خشي بعضهم على نفسه أن يكون إذا تغير عليه حضور قلبه ورقته وخشوعه عند سماع الذكر برجوعه إلى الدنيا والاشتغال بالأهل، والأولاد، والأموال أن يكون ذلك منه نفاقاً، كما في صحيح مسلم عن حنظلة الأسدي ... – وساق الحديث -.
" فتح الباري " لابن رجب (١ / ١١١) .
وأما بالنسبة لحالك: فإنك يجب عليك أن تخاف أكثر من خوف أولئك الأولياء الأطهار من الصحابة والتابعين ومن بعدهم؛ وذلك لأنك تعصي الله تعالى بفعل العادة السرية، وبإساءتك لوالديك، وقولك " ورفع صوتي شيئاً ما على والداي "! : لا ينجيك من التوعد بالعقوبة، وأنت قد نهيت أن تقول لوالديك " أف " فكيف برفع الصوت عليهما؟! فالواجب عليك الحذر من أن تؤدي معاصيك لخاتمة سوء! .
والبخاري – ﵀ – بوَّب على ما رواه عن إبراهيم التيمي وابن أبي مليكة والحسن البصري – مما ذكرناه عنهم آنفاً – بقوله " قال البخاري – ﵀: " بَاب خَوْفِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ ".
وختم تبويبه بقوله:
" وَمَا يُحْذَرُ مِنْ الْإِصْرَارِ عَلَى النِّفَاقِ وَالْعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) ".
انتهى
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي – ﵀:
وقول البخاري بعد ذلك: " وما يحذر من الإصرار عل النفاق والعصيان من غير توبة لقول الله تعالى (وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُون) : فمراده: أن الإصرار على المعاصي وشعب النفاق من غير توبة يُخشى منها أن يعاقب صاحبها بسلب الإيمان بالكلية، وبالوصول إلى النفاق الخالص، وإلى سوء الخاتمة، نعوذ بالله من ذلك، كما يقال: " إن المعاصي بريد الكفر ".
" فتح الباري " لابن رجب (١ / ١٨١) .
ثانياً:
إننا ندعوك للاستمرار على رقة القلب والبكاء عند سماع القرآن، وسماع المواعظ، وفي الوقت نفه ندعوك للتوبة من فعل المعاصي، وندعوك للكف عن العادة السيئة، وندعوك للكف عن الإساءة لوالديك، والمسارعة للتأسف منهما، والبر بهما، والإحسان إليهما بالقول والفعل، واحذر من الاستمرار على المعاصي دون توبة، واعلم أنه ليس الخائف من بكى وعصر عينيه، ولكن الخائف من ترك الأمر الذي يخاف أن يعاقب عليه.
وما نقلناه لك من الوعيد على ذلك كافٍ لك – إن شاء الله – لأن تبادر إلى التوبة والإنابة إلى الله.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12492
ينسى استحضار النية في معظم الأعمال
[السُّؤَالُ]
ـ[أنسى أن أنوي في معظم أعمالي، ماذا أفعل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
النية أمرها عظيم، وهي روح الأعمال، وبها صلاح الأعمال، كما قال النبي ﷺ : (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) رواه البخاري (١) ومسلم (١٩٠٧) .
والنية تحِّول المباحات إلى طاعات وقربات، فلهذا ينبغي العناية والاهتمام بها، وجعلها لله تعالى، خالصة من شوائب الرياء والسمعة.
واعلم أن النية نوعان:
١- نية مفروضة، ولا تصح العبادة إلا بها، كالنية في الوضوء والصلاة والزكاة والصوم والحج، وهذه النية لا يكاد يغفل عنها أحد، فإذا توضأ الإنسان ليصلي أو ليمس المصحف أو ليكون طاهرا، فقد أتى بالنية. فقصد الصلاة، أو قصد رفع الحدث، هذا هو النية في الوضوء.
وإذا قام المرء للصلاة، وهو يعلم أنها صلاة الظهر مثلا، فقصدَ أن يصليها وأقبل عليها، فقد أتى بالنية، ولا يجب – بل ولا يشرع – أن يقول بلسانه نويت أن أصلي صلاة الظهر حاضرة ... إلخ، كما يفعله بعض الناس، فإن هذا لم يرد عن النبي ﷺ ، بل النية محلها القلب.
وهكذا إذا عزم الإنسان من الليل على أنه سيصوم غدا، فقد نوى الصوم، بل تناوله طعام السحور، يدل على قصده الصوم وإرادته له.
فالنية بهذا المعنى يصعب أن ينساها الإنسان.
٢- والنوع الثاني: نية مستحبة، لتحصيل الأجر والثواب، وهذه التي يغفل عنها بعض الناس، وهي استحضار النية في المباحات، لتكون طاعاتٍ وقربات، كأن يأكل ويشرب وينام بنية التقوي على الطاعة، كما قال ﷺ : (إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فَمِ امْرَأَتِكَ) رواه البخاري (٥٦) .
وقال معاذ ﵁: (أما أنا فأنام وأقوم فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي) رواه البخاري (٤٠٨٨) .
فكان ﵁ يحتسب الأجر في النوم، كما يحتسبه في قيام الليل، لأنه أراد بالنوم التقوّي على العبادة والطاعة.
قال الحافظ ابن حجر في الفتح: " ومعناه أنه يطلب الثواب في الراحة كما يطلبه في التعب؛ لأن الراحة إذا قصد بها الإعانة على العبادة حصلت الثواب " انتهى.
والذي يعين على استحضار هذه النية: التأني والتدبر وعدم العجلة، فيفكر الإنسان فيما يأتي ويذر، ويحاسب نفسه قبل العمل، فينظر هل هو حلال أو حرام، ثم ينظر في نيته: ماذا أراد بذلك؟ فكلما حاسب نفسه، وعودها النظر قبل العمل، كلما كان ذلك أدعى لتذكره أمر النية، حتى يصير ذلك ملكةً له، وعادة يعتادها، فلا يخرج ولا يدخل، ولا يأكل ولا يشرب، ولا يعطي ولا يمنع، إلا وله نية في ذلك، وبهذا تتحول عامة أوقاته إلى أوقات عبادة وقربة.
نسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياك لذلك.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12493
يتصدق بثيابه الشتوية بعد انتهاء الشتاء، ويشتري غيرها في العام القادم
[السُّؤَالُ]
ـ[عندما ينتهي الشتاء أقوم بالتصدق بثيابي الشتوية، حيث إني لا أعلم إن كنت أعيش للعام المقبل، وعندما يحل الشتاء المقبل أقوم بالشراء مرة أخرى، حيث إني ميسور ولله الحمد، فهل فعلي صحيح؟ وهل يوجد ما هو أصح منه؟ وهل يعد ذلك إسرافاً بحيث أني ألبس دائما الجديد كل شتاء؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله:
لا بأس أن يتصدق المسلم بثيابه كل عام، ويشتري غيرها، أو يبيعها ويتصدق بثمنها، ولا يدخل هذا في الإسراف، ولا التبذير إن كان الله تعالى قد وسَّع عليه في المال، بل هذا أمر حسن ممدوح من صاحبه. قال الله تعالى: (وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا) الإسراء/٢٦-٢٧.
" قال ابن مسعود ﵁: التبذير: الإنفاق في غير حق، وكذا قال ابن عباس ﵄.
وقال مجاهد: لو أنفق إنسان ماله كله في الحق، لم يكن مبذرًا، ولو أنفق مُدًا في غير حقه كان تبذيرًا.
وقال قتادة: التبذير: النفقة في معصية الله تعالى، وفي غير الحق، وفي الفساد ".
تفسير ابن كثير (٥/٦٨) .
وفي صحيح البخاري (٧٣) ومسلم (٨١٦) عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا) .
قال الحافظ ابن حجر ﵀: " قَوْله: (أَيْ: إِهْلَاكه , وَعَبَّرَ بِذَلِكَ لِيَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُبْقِي مِنْهُ شَيْئًا. وَكَمَّلَهُ بِقَوْلِهِ: " فِي الْحَقّ "، أَيْ: فِي الطَّاعَات لِيُزِيلَ عَنْهُ إِيهَام الْإِسْرَاف الْمَذْمُوم."
وقال القرطبي – ﵀:
وروي عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - شيخ مالك ﵃ أنه كان يلبس كساء خزٍّ بخمسين ديناراً، يلبسه في الشتاء، فإذا كان في الصيف: تصدَّق به، أو باعه فتصدق بثمنه، وكان يلبس في الصيف ثوبين من متاع بمصر ممشقين – أي: مصبوغيْن بـ " المشق "، وهو صبغ أحمر - ويقول: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) .
" تفسير القرطبي " (٧ / ١٩٥، ١٩٦) .
ثم إن ما ذكرته في سؤالك من أنك لا تعلم أنك لا تعيش إلى العام المقبل، هو أمر تحمد عليه؛ أعني: إذا عودت نفسك قِصَر الأمل في الدنيا، وترك التعلق بها.
وفي صحيح البخاري (٦٤١٦) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَنْكِبِي فَقَالَ: (كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ)
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ. ٍ
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12494
طرق النجاح في الحياة
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف أحصل على النجاح والتوفيق "أو الازدهار أو الرخاء" في الدنيا والآخرة.. وما نوع النجاح والازدهار الذي يريده الإسلام للأمة الإسلامية في هذا العالم.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
فإن راحة القلب وطمأنينته، وسروره وزوال همومه وغمومه، هو المطلب لكل أحد، وبه تحصل الحياة الطيبة، ويتم السرور والابتهاج، ولذلك أسباب دينية، وأسباب طبيعية، وأسباب عملية، ولا يمكن اجتماعها كلها إلا للمؤمنين، وأما من سواهم فإنها وإن حصلت لهم من وجه فاتتهم من وجوه أخرى.
وبين يديك - أيها القارئ – جملة من الأسباب لهذا المطلب الأعلى الذي يسعى له كل أحد، فمنهم من أصاب كثيراً منها فعاش عيشة هنيئة، وحيي حياةً طيبة، ومنهم من أخفق فيها كلها فعاش عيشة الشقاء، وحيي حياة التُعساء، ومنهم من هو بين بين، بحسب ما وفق له. فمن تلك الأسباب والوسائل:
١- الإيمان والعمل الصالح....
وهو أعظم الأسباب وأصلها وأُسها؛ قال تعالى: (من عمل صالحاً من ذكر أو أُنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياةً طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) النحل/ ٩٧ فأخبر تعالى ووعد من جمع بين الإيمان والعمل الصالح بالحياة الطيبة والجزاء الحسن في الدنيا والآخرة.
وسبب ذلك واضح: فإن المؤمنين بالله – الإيمان الصحيح المثمر للعمل الصالح المصلح للقلوب والأخلاق والدنيا والآخرة – معهم أصول وأُسس يتلقون فيها جميع ما يرد عليهم من أسباب السرور والابتهاج، وأسباب القلق والهم والأحزان..
فيتلقون المحاب والمسارّ بقبولٍ لها، وشكر عليها، واستعمال لها فيما ينفع، فإذا استعملوها على هذا الوجه أحدث لهم من الابتهاج بها، والطمع في بقائها وبركاتها، ورجاء ثواب الشاكرين، أموراً عظيمة تفوق بخيراتها وبركاتها هذه المسرَّات التي هذه ثمراتها، ويتلقون المكاره والمضار والهم والغم بالمقاومة لما يمكنهم مقاومته، وتخفيف ما يمكنهم تخفيفه، والصبر الجميل لما ليس لهم منه بُدٌّ، وبذلك يحصل لهم من آثار المكاره من المقاومات النافعة، والتجارب والقوة، ومن الصبر واحتساب الأجر والثواب أمورٌ عظيمة تضمحل معها المكاره، وتحل محلها المسار والآمال الطيبة، والطمع في فضل الله وثوابه، كما عبَّر النبي ﷺ عن هذا في الحديث الصحيح فقال: " عجباً لأمر المؤمن إن أمره كلَّه خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن " رواه مسلم رقم (٢٩٩٩) .
فأخبر النبي ﷺ أن المؤمن يتضاعف غنمه وخيره وثمرات أعماله في كل ما يطرقه من السرور والمكاره.
٢- الإحسان إلى الخلق بالقول والفعل وأنواع المعروف ... وهذا من الأسباب التي تزيل الهم والغم والقلق، وبها يدفع الله عن البَرِّ والفاجر الهموم والغموم بحسبها، ولكن للمؤمن منها أكمل الحظ والنصيب، ويتميز بأن إحسانه صادر عن إخلاص واحتساب لثوابه فيُهون الله عليه بذل المعروف لما يرجوه من الخير، ويدفع عنه المكاره بإخلاصه واحتسابه، قال تعالى: (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاحٍ بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً) النساء/١١٤ ومن جملة الأجر العظيم: زوال الهم والغم والأكدار ونحوها.
٣- ومن أسباب دفع القلق الناشئ عن توتر الأعصاب، واشتغال القلب ببعض المكدرات: الاشتغال بعمل من الأعمال أو علم من العلوم النافعة، فإنها تلهي القلب عن اشتغاله بذلك الأمر الذي أقلقه، وربما نسي بسبب ذلك الأسباب التي أوجبت له الهم والغم، ففرحت نفسه وازداد نشاطه، وهذا السبب أيضاً مشترك بين المؤمن وغيره، ولكن المؤمن يمتاز بإيمانه وإخلاصه واحتسابه في اشتغاله بذلك العلم الذي يتعلمه أو يعلمه، وبعمل الخير الذي يعمله.
وينبغي أن يكون الشغل الذي يشتغل فيه مما تأنس به النفس وتشتاقه فإن هذا أدعى لحصول المقصود النافع والله أعلم.
٤- ومما يُدفع به الهم والقلق اجتماع الفكر كله على الاهتمام بعمل اليوم الحاضر، وقطعه عن الاهتمام في الوقت المستقبل، وعن الحزن على الوقت الماضي، ولهذا استعاذ النبي ﷺ من الهم والحزن، فالحزن على الأمور الماضية التي لا يمكن ردها ولا استدراكها، والهم الذي يحدث بسبب الخوف من المستقبل، فيكون العبد ابن يومه، يجمع جِدَّه واجتهاده في إصلاح يومه ووقته الحاضر، فإن جم القلب على ذلك يُوجب تكميل الأعمال، ويتسلى به العبد عن الهم والحزن، والنبي ﷺ إذا دعا بدعاء أو أرشد أمته إلى دعاء، فهو يحث مع الاستعانة بالله والطمع في فضله على الجد والاجتهاد في التحقق لحصول ما يدعو بحصوله، والتخلي عما كان يدعو لدفعه؛ لأن الدعاء مقارنٌ للعمل، فالعبد يجتهد فيما ينفعه في الدين والدنيا، ويسأل ربه نجاح مقصده، ويستعينه على ذلك كما قال ﷺ : " احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإذا أصابك شيءٌ فلا تقل لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قدَّر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان " رواه مسلم. جمع ﷺ بين الأمر بالحرص على الأمور النافعة في كل حال، والاستعانة بالله وعدم الانقياد للعجز الذي هو الكسل الضار، وبين الاستسلام للأمور الماضية النافذة، ومشاهدة قضاء الله وقدره، وجعل الأمور قسمين:
١- قسم يمكن العبد السعي في تحصيله أو تحصيل ما يمكن منه أو دفعه أو تخفيفه فهذا يبذل فيه العبد مجهوده ويستعين بمعبوده.
٢- وقسم لا يمكن فيه ذلك فهذا يطمئن له العبد ويرضى ويُسلم.
ولا ريب أن مراعاة هذا الأصل سبب للسرور وزوال الهم والغم.
٥- ومن أكبر الأسباب لانشراح الصدر وطمأنينته الإكثار من ذكر الله، فإن لذلك تأثيراً عجيباً في انشراح الصدر وطمأنينته، وزوال همه وغمه، قال تعالى: " ألا بذكر الله تطمئن القلوب " الرعد/٢٨ فلذكر الله أثرٌ عظيمٌ في حصول هذا المطلوب لخاصيته، ولما يرجوه العبد من ثوابه وأجره.
٦- ومن الأسباب الموجبة للسرور وزوال الهم والغم، السعي في إزالة الأسباب الجالبة للهموم، وفي تحصيل الأسباب الجالبة للسرور، وذلك بنسيان ما مضى عليه من المكاره التي لا يمكنه ردها، ومعرفته أن اشتغال فكره فيه من باب العبث والمحال، فيُجاهد قلبه عن التفكر فيها، وكذلك يجاهد قلبه عن قلقه لما يستقبله مما يتوهمه من فقر أو خوف أو غيرهما من المكاره التي يتخيلها في مستقبل حياته، فيعلم أن الأمور المستقبلة مجهولٌ ما يقع فيها من خير وشر، وآمال وآلام، وأنها بيد العزيز الحكيم، ليس بيد العباد منها شيء إلا السعي في تحصيل خيراتها، ودفع مضراتها، ويعلم العبد أنه إذا صرف فكره عن قلقه من أجل مستقبل أمره، واتكل على ربه في إصلاحه، واطمأن إليه في ذلك، إذا فعل ذلك اطمأن قلبه وصلحت أحواله وزال عنه همه وقلقه.
ومن أنفع ما يكون في ملاحظة مستقبل الأمور استعمال هذا الدعاء الذي كان النبي ﷺ يدعو به: " اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادةً لي في كل خير، والموت راحةً لي من كلِّ شر " رواه مسلم (٢٧٢٠) .
وكذلك قوله: " اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كلَّه، لا إله إلا أنت " رواه أبو داود بإسناد صحيح رقم ٥٠٩٠ وحسنه الألباني في صحيح الكلم الطيب ص ٤٩. فإذا لهج العبد بهذا الدعاء الذي فيه صلاح مستقبله الديني والدنيوي بقلب حاضر، ونيةٍ صادقة، مع اجتهاده فيما يُحقق ذلك، حقق الله له ما دعاه ورجاه وعمل له، وانقلب همه فرحاً وسروراً.
٧- إذا حصل لإنسان قلق وهموم بسبب النكبات، فإن من أنفع الأسباب لزوالها أن يسعى في تخفيفها عن نفسه بأن يُقدر أسوأ الاحتمالات التي ينتهي إليها الأمر , ويوطن على ذلك نفسه، فإذا فعل ذلك فليَسْعَ إلى تخفيف ما يمكن تخفيفه بحسب الإمكان، فبهذا التوطين وهذا السعي النافع، تزول همومه وغمومه، ويكون بدل ذلك السعي في جلب المنافع، وفي رفع المضار الميسورة للعبد، فإذا حلت به أسباب الخوف , وأسباب الأسقام، وأسباب الفقر فليتلق ذلك بطمأنينة وتوطين للنفس عليها، بل على أشد ما يمكن منها، فإن توطين النفس على احتمال المكاره يهونها ويزيل شدتها، وخصوصاً إذا أشغل نفسه بمدافعتها بحسب مقدوره، فيجتمع في حقه توطين النفس مع السعي النافع الذي يشغل عن الاهتمام بالمصائب، ويُجاهد نفسه على تجديد قوته المقاومة للمكاره، مع اعتماده في ذلك على الله، وحسن الثقة به، ولا ريب أن لهذه الأمور فائدتها العظمى في حصول السرور وانشراح الصدور مع ما يؤمله العبد من الثواب العاجل والآجل، وهذا مُشاهد مُجرب، ووقائعه ممن جربه كثيرة جداً.
٨- قوة القلب وعدم انزعاجه وانفعاله للأوهام والخيالات التي تجلبها الأفكار السيئة؛ لأن الإنسان متى استسلم للخيالات، وانفعل قلبه للمؤثرات، من الخوف من الأمراض وغيرها، ومن الغضب والتشوش من الأسباب المؤلمة، ومن توقع حدوث المكاره وزوال المحاب، أوقعه ذلك في الهموم والغموم والأمراض القلبية والبدنية، والانهيار العصبي الذي له آثاره السيئة، التي قد شاهد الناس مضارها الكثيرة، ومتى اعتمد القلب على الله وتوكل عليه، ولم يستسلم لأوهام , ولا ملكته الخيالات السيئة، ووثق بالله، وطمع في فضله، اندفعت عنه بذلك الهموم والغموم، وزالت عنه كثير من الأسقام البدنية والقلبية، وحصل للقلب من القوة والانشراح والسرور ما لا يمكن التعبير عنه، فكم ملئت المستشفيات من مرضى الأوهام والخيالات الفاسدة، وكم أثرت هذه الأمور على قلوب كثير من الأقوياء، فضلاً عن الضعفاء، وكم أدت إلى الحمق والجنون.
واعلم أن حياتك تبع لأفكارك، فإن كانت أفكاراً فيما يعود عليك نفعه في دين أو دنيا فحياتك طيبة سعيدة. وإلا فالأمر بالعكس.
والمُعافى من عافاه الله ووفقه لجهاد نفسه لتحصيل الأسباب النافعة المقوية للقلب، الدافعة لقلقه، قال تعالى: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) الطلاق/٣. أي كافيه جميع ما يُهمه من أمر دينه ودنياه، فالمتوكل على الله قوي القلب لا تؤثر فيه الأوهام، ولا تُزعجه الحوادث، لعلمه أن ذلك من ضعف النفس، ومن الخور والخوف الذي لا حقيقة له، ويعلم مع ذلك أن الله قد تكفل لمن توكل عليه بالكفاية التامة، فيثق بالله ويطمئن لوعده، فيزول همه وقلقه، ويتبدل عُسره يُسرا، وترحه فرحا، وخوفه أمنا، فنسأله تعالى العافية، وأن يتفضل علينا بقوة القلب وثباته، وبالتوكل الكامل الذي تكفل الله لأهله بكل خير، ودفع كل مكروه وضير.
وينبغي أيضاً إذا أصابه مكروه أو خاف منه أن يقارن بين بقية النعم الحاصلة له دينية أو دنيوية، وبين ما أصابه من مكروه فعند المقارنة يتضح كثرة ما هو فيه من النعم، واضمحلال ما أصابه من المكاره.
أنظر كتاب الوسائل المفيدة للحياة السعيدة للشيخ عبد الرحمن بن سعدي.
* وقد لخص ابن القيم خمسة عشر نوعاً من الدواء يذهب الله بها الهم والحزن وهي:
الأول: توحيد الربوبية.
الثاني: توحيد الإلهية.
الثالث: التوحيد العلمي الاعتقادي (وهو توحيد الأسماء والصفات) .
الرابع: تنزيه الرب تعالى عن أن يظلم عبده، أو يأخذه بلا سبب من العبد يوجب ذلك.
الخامس: اعتراف العبد بأنه هو الظالم.
السادس: التوسل إلى الرب تعالى بأحب الأشياء، وهو أسماؤه وصفاته، ومن أجمعها لمعاني الأسماء والصفات: الحي القيوم.
السابع: الاستعانة به وحده.
الثامن: إقرار العبد له بالرجاء.
التاسع: تحقيق التوكل عليه، والتفويض إليه، والاعتراف له بأن ناصيته في يده، يصرفه كيف يشاء، وأنه ماض فيه حكمه، عدل فيه قضاؤه.
العاشر: أن يرتع قلبه في رياض القرآن، ويتعزى به عن كل مصيبة، ويستشفي به من أدواء صدره، فيكون جلاء حزنه، وشفاء همه وغمه.
الحادي عشر: الاستغفار.
الثاني عشر: التوبة.
الثالث عشر: الجهاد.
الرابع عشر: الصلاة.
الخامس عشر: البراءة من الحول والقوة وتفويضهما إلى من هما بيده.
نسأل الله تعالى أن يعافينا من الهموم وأن يفرج عنا الكروب ويزيل عنا الغموم إنه هو السميع المجيب، وهو الحي القيوم.
أنظر للأهمية رسالة علاج الهموم – وهي موجودة في الموقع – قسم الكتب.
والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 12495
لا يجد مكاناً نظيفاً للوضوء والصلاة فهل يؤخر الصلاة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أعمل في شركة جميع من فيها غير مسلمين وأنا المسلم الوحيد فيها، ولا يوجد مكان نظيف وملائم للوضوء خلال النهار، ولا يوجد مكان خاص للصلاة، هل يجوز أن أنتظر حتى أصل للبيت وأصلي الظهر والعصر؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يجب أن يعلم المسلم أهمية الصلاة، وضرورة المحافظة عليها من حيث أوقاتها وشروطها وأركانها وواجباتها، قال الله تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا﴾ النساء / ١٠٣.
عن عبد الله بن مسعود قال: سألتُ النبي ﷺ أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها، قال: ثم أي؟ قال: ثم بر الوالدين، قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله.
رواه البخاري (٥٠٤) ومسلم (٨٥) .
فلا يحل لمسلم أن يؤخر الصلاة عن وقتها، والوضوء لا يحتاج إلى مكانٍ نظيف ليفعله، ولو فرضنا أنه يحتاج له فإن على الأخ السائل أن يحتاط قبل مجيئه للعمل ويكون على وضوء ليصلي الصلاة في وقتها.
ويجب عليه أن يصلي الصلاة في وقتها، والبحث عن مكان نظيف ليؤدي الصلاة فيه ليس أمراً صعباً ولا متعسِّراً، والصلاة تصح في أي مكان من الأرض ما دام طاهراً، قال النبي ﷺ : (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل) رواه البخاري (٣٣٥) ومسلم (٥٢١) ، ولم يستثن الشرع إلا أماكن معينة لا تصح الصلاة فيها، منها المقبرة والحمام، قال النبي ﷺ : (الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام) رواه أبو داود (٤٩٢) وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
فمكان عمله الذي يعمل فيه هو مكان الصلاة إن كان طاهراً، فإن لم يتيسر فليبحث عن غيره، ولو أن يطلب من أصحاب العمل تخصيص زاوية يصلي بها فهو ليس من الأمور الصعبة والمتعذرة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وإذا تعمَّد تأخير الصلاة حتى ضاق الوقت عن فعل شروطها وأركانها مثل أن تكون عليه نجاسة أو هو جنب وأخَّر الصلاة بحيث متى اشتغل بالطهارة خرج الوقت: فعليه أن يشتغل بالطهارة أيضاً، وهو آثم بفعلها في غير الوقت؛ لأنه كان يجب عليه الطهارة قبل ضيق الوقت والصلاة فيه، فمتى أخَّر ذلك: فعليه أن يفعله كما وجب عليه مع إثمه بالتأخير.
" شرح العمدة " (٤ / ٥٨) .
وإذا عجز عن شرط من شروط صحة الصلاة - كالطهارة - فإنه يصلي في الوقت ويسقط عنه هذا الشرط، ولا يجوز له تأخير الصلاة عن وقتها من أجل أن يحصل هذا الشرط.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
... لأن من خوطب بالصلاة في أول الوقت وهو عاجز عن شرط أو ركن في الحال، ويقدر على تحصيله بعد الوقت: لم يجز له تأخير الصلاة عن وقتها، ولو جاز هذا لكان من عجز عن الطهارة أو السترة أو الركوع أو السجود وغير ذلك من الشرائط والأركان يؤخر الصلاة إلى أن يقدر على ذلك إذا علم أو غلب على ظنه أنه يقدر على ذلك، وهذا خلاف الكتاب والسنة والإجماع؛ فإن رعاية الشرع للوقت أعظم من رعايته لجميع الشرائط والأركان المعجوز عنها، ولهذا لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها البتة للعجز عن بعض الأركان، ومتى ضاق وقت الوجوب عن تحصيل الشرط والفعل: قدم الفعل في الوقت بدون الشرط، وإنما تكون المحافظة على الشرط أولى إذا كان الوجوب في آخر الوقت، مثل نائم يستيقظ آخر الوقت فإن الصلاة واجب عليه حينئذ فعلها بشروطها كما لو استيقظ بعد الوقت.
" شرح العمدة " (٤ / ٣٤٧، ٣٤٨) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12496
شروط قبول الأعمال عند الله
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي الشروط التي تجعل العمل الذي يقوم به المسلم مقبولا، ومن ثَم يأجره الله عليه؟ هل الجواب ببساطة هو أن ينوي المسلم اتباع القرآن والسنة، وذلك يؤهله للحصول على الأجر، مع أنه ربما يكون قد أخطأ في عمله ذاك؟ أم أن عليه أن تكون عنده النية، وبالإضافة إلى ذلك فإن عليه أن يتبع السنة الصحيحة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يشترط في العبادات حتى تقبل عند الله ويؤجر عليها العبد أن يتوفر فيها شرطان:
الشرط الأول: الإخلاص لله ، قال تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء) سورة البينة/٥، ومعنى الإخلاص هو: أن يكون مراد العبد بجميع أقواله وأعماله الظاهرة والباطنة ابتغاء وجه الله تعالى، قال تعالى: (وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى) سورة الليل/١٩
وقال تعالى: (إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً) الإنسان/٩
وقال تعالى: (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب) سورة الشورى/٢٠
وقال تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) سورة هود/١٥-١٦
وعن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ " رواه البخاري (بدء الوحي/١)
وجاء عند مسلم من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَالَ اللَّهُ ﵎: " أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ " رواه مسلم (الزهد والرقائق/٥٣٠٠)
الشرط الثاني: موافقة العمل للشرع الذي أمر الله تعالى أن لا يُعبد إلا به وهو متابعة النبي ﷺ فيما جاء به من الشرائع فقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ : " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " رواه مسلم (الأقضية/٣٢٤٣) ،
قال ابن رجب ﵀: هذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام وهو كالميزان للأعمال في ظاهرها، كما أن حديث " إنما الأعمال بالنيات " ميزان للأعمال في باطنها، فكما أن كل عمل لا يُراد به وجه الله تعالى، فليس لعامله فيه ثواب، فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو مردود على عامله، وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله، فليس من الدين في شيء. جامع العلوم والحكم ج ١ ص ١٧٦. وأمر النبي ﷺ باتباع سنته وهديه ولزومهما قال ﵊: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ " وحذَّر من البدع فقال: " وإياكم ومحدثات الأمور فإن كلَّ بدعة ضلالة " رواه الترمذي (العلم /٢٦٠٠) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي برقم ٢١٥٧
قال ابن القيم: فإن الله جعل الإخلاص والمتابعة سببا لقبول الأعمال فإذا فقد لم تقبل الأعمال.
الروح ١/١٣٥
قال تعالى: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً) قال الفُضَيْل: أحسن عملاً، أخلصه وأصوبه. والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 12497
يريد أن يعمل بعض أيام الأسبوع والباقي في العبادة
[السُّؤَالُ]
ـ[أعرف أخا في الإسلام، ترك وظيفته المحرمة-والحمد لله- بعد أن علم أن طبيعة العمل محرمة.
هذا الأخ الآن يبحث عن عمل يدر عليه ما يكفي لإطعام عائلته وكسوتهم. إنه متحمس للعمل من أيام الأسبوع ما يكفي لحصوله على ذلك الدخل المذكور وحسب. وهو يريد أن يقضي باقي أيام الأسبوع في المسجد يقرأ القرآن ويصلي.. الخ.
هل سلوكه هذا جائز؟ ألا يقول الإسلام بأن النهار هو لكسب العيش والليل للصلوات؟ أليس من الأفضل بالنسبة لهذا الأخ أن يبحث عن عمل جيد يدر عليه مالا ويتصدق بما زاد عن حاجته للفقراء؟ أليس لأهله حقوق عليه فيما يتعلق بالوقت؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
على المسلم القادر على الكسب أن يسعى في كسب ما يعفّه ومن تحت يده من زوجة وأولاد، وسائر من تلزمه نفقتهم، فإذا حصل على ذلك فشغل باقي الوقت سواء كان في الليل أو النهار في عبادة الله من صلاة وصيام وتلاوة قرآن كان أفضل. وليس للعبادة المطلقة وقت مخصص، لكن نعم قيام الليل أفضل من الصلاة في النهار، ولا يعني هذا أن نوافل العبادة في النهار لا أجر فيها. فعليه أن يبدأ بفعل الواجبات سواء منها ما كان لله وما كان لخلقه، ثم يصرف باقي الوقت في المستحب، وإن زاول بعض المباحات للاستجمام والراحة فلا بأس.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ عبد الكريم الخضير.
стр. 12498
لماذا النساء في النار أكثر من الرجال
[السُّؤَالُ]
ـ[لماذا عدد النساء أكبر من عدد الرجال في جهنم؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ثبت عن النبي ﷺ أن النساء هن أكثر أهل النار فعن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاء) َ. رواه البخاري ٣٢٤١ ومسلم ٢٧٣٧.
أما سبب ذلك فقد سُئل عنه النبي ﷺ وبَيَّن الجواب:
فعَنْ عَبْد ِاللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قال قال رسول الله ﷺ : (َأُرِيتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ) قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (بِكُفْرِهِنَّ) قِيلَ: يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ، قَالَ: (يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ) رواه البخاري ١٠٥٢.
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ إِلَى الْمُصَلَّى فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ: (يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ) فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِير مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ) قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ) قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: (فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ) قُلْن َ: بَلَى، قَالَ: (فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا) رواه البخاري ٣٠٤.
وعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّلاةَ يَوْمَ الْعِيدِ فَبَدَأَ بِالصَّلاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلا إِقَامَةٍ ثُمَّ قَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى بِلالٍ فَأَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَحَثَّ عَلَى طَاعَتِهِ وَوَعَظَ النَّاسَ وَذَكَّرَهُمْ ثُمَّ مَضَى حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ فَقَالَ: (تَصَدَّقْنَ فَإِنَّ أَكْثَرَكُنَّ حَطَبُ جَهَنَّمَ) فَقَامَتِ امْرَأَةٌ مِنْ سِطَةِ النِّسَاءِ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ فَقَالَتْ: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (لأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ الشَّكَاةَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ) قَالَ: فَجَعَلْنَ يَتَصَدَّقْنَ مِنْ حُلِيِّهِنَّ يُلْقِينَ فِي ثَوْبِ بِلالٍ مِنْ أَقْرِطَتِهِنَّ وَخَوَاتِمِهِنَّ. رواه مسلم ٨٨٥.
وينبغي على الأخوات المؤمنات اللاتي يعلمن بهذا الحديث أن يكون تصرفهن كتصرف هؤلاء الصحابيات اللاتي لما علمن بهذا عملن من الخير ما يكون بإذن الله سبباً في إبعادهن من أن يدخلن ضمن هؤلاء الأكثر.
فنصيحتنا للأخوات الحرص على التمسك بشعائر الإسلام وفرائضه لاسيما الصلاة والبعد عما حرمه الله وبخاصة الشرك بصوره المتعددة التي تنتشر في أوساط النساء مثل طلب الحاجات من غير الله وإتيان السحرة والعرافين ونحو ذلك.
نسأل الله أن يبعدنا وجميع إخواننا وأخواتنا عن النار وما قرّب إليها من قول أو عمل.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12499
يصلي ويعبد الله، لكنه مفتتن بالنساء
[السُّؤَالُ]
ـ[ما العمل فيمن يصلي ويصوم ويعبد الله كثيراً ويخافه ويتقيه (قدر المستطاع) ولا يقوى على كبح جماح غرائزه، ومنع نفسه من العلاقات النسائية المتعددة، وإن كانت لا تخلو من ارتكاب المعاصي، أحيانا، مع أنه كثيرا ما يقاوم ذلك، في حين أنه متزوج وله ثلاثة أبناء؛ منهم بنتان، وعلاقته طيبة مع زوجته؟! .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إن أصل الأصول الذي تنبني عليه حياة العبد: إيمانه بالله، وما يستلزمه من العمل الصالح؛ فهذا فقط هو العصمة من الخسران في هذه الحياة، قال الله تعالى: (وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣) سورة العصر. وهذا أيضا هو سبب الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة؛ قال الله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) النحل/٩٧.
غير أن عبادة العبد لربه ليست موسمية، أو آنية؛ بحيث يطيع ربه في وقت أو موسم، ثم هو يحيا بعد ذلك كيفما شاء أو شاء له هواه، وإنما هي عبادة شاملة لحياته كلها، قال الله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) الأنعام/١٦٢-١٦٣. ولأجل ذلك ينبغي أن يظهر أثر هذا الإيمان وتلك الطاعات في سلوك العبد وحياته؛ فالمؤمن لا يكون كذابا، ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، فالإيمان الصادق حاجز عن ذلك، والصلاة الحقيقية تنهى صاحبها عن القاذورات؛ قال الله تعالى: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) العنكبوت/٤٥.
ثم إنني أدعوك أخي الكريم لتشاركنا ساعة صدق وهدوء، لنتأمل سويا ما رواه أبو أُمَامَةَ ﵁ أنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا!!
فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ؛ قَالُوا: مَهْ مَهْ!!
فَقَالَ رسول الله ﷺ : ادْنُهْ، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا. قَالَ: فَجَلَسَ.
قَالَ: أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟!
قَالَ: لا وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ.
قَالَ وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأُمَّهَاتِهِمْ.
قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لابْنَتِكَ؟!
قَالَ: لا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ.
قَالَ وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ.
قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لأُخْتِكَ؟!
قَالَ: لا وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ.
قَالَ: وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأَخَوَاتِهِمْ.
قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟!
قَالَ: لا وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ.
قَال:َ وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ. قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟! قَالَ: لا وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ. قَال:َ وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالاتِهِمْ
قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ.
فَلَمْ يَكُنْ الْفَتَى بَعْدَ ذَلِكَ يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ) مسند أحمد ٢١٧٠٥ وصحح الألباني إسناده في الصحيحة ٣٧٠.
وأسألك في هذه الوقفة الهادئة الصادقة بالله: أتحب ذلك لابنتيك؟! أم تحبه لزوجتك؟
فلم ترضاه في بنت غيرك، أو زوجته، أو ... ؟؟
لا تقل: إن معصيتك التي أقررت بها لم تصل بك إلى حد الزنا، لأن السؤال باق عليك أيضا: أترضاه لنسائك وأهل بيتك؟! ولتعلم أن من حام حول الحمى، أوشك أن يواقعه؛ كذا قال الصادق المصدوق!!
فإن كنت فتيا ففي الناس غيرك فتيان، وإن كنت رجلا، ففي الناس أيضا رجال:
جاء شقيقٌ عارضا رمحه إن بني عمك فيهم رماح
ولئن ظننت أن عندك غيرة على عرضك، وغيرك لا يغار، فأنت غالط واهم، وهب أنك صادق، وهذا ما لا يكون، فأين منك غيرة الله على حرماته؛ لقدْ خَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ ثُمَّ ذكر الحديث، وفيه: ... ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ انْجَلَتْ الشَّمْسُ فَخَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَال: ... َ (يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلا وَلبَكَيْتُمْ كَثِيرًا) البخاري ١٠٤٤ ومسلم ٩٠١
ألا تحمد الله على زوجتك التي تحيا معك حياة طيبة؟! ألا تخشى..؟! ألا تخشى ... ؟!
أعرفت الآن أنك لم تتق الله، ولا قدر المستطاع؟
نعم، فالله تعالى حد لك الحلال في أمرين: زوجتك أو ما ملكت يمينك، لمن عنده ملك اليمين، وقال لك: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ) (٧) المؤمنون، وها قد ابتغيت ما وراء ذلك!! ثم تسأل عن العمل؟!
هل غضضت من بصرك كما أمرك الله؟!
وهل ابتعدت عن الخلوة بالنساء، والدخول عليهن، كما أمرك النبي ﷺ ؟!
وهل حميت نفسك عن مصافحة النساء، وأن تمس امرأة لا تحل لك، كما أمرك النبي، ﷺ ؟!
أعرفت أنك لم تتق الله، ولا قدر المستطاع؟!
فإن فعلت ما أمرك الله ورسوله، واتقيت ربك، واتقيت فتن النساء، ففي الطهر الحلال من زوجك ما يكفيك.
فإن احتجت، فقد أحل الله لك أن تنكح ما طاب لك من النساء؛ مثنى وثلاث ورباع.
فإن لم تقنع، فعليك بالصوم، فإنه لك وجاء!!
ولا يهلك على الله إلا هالك.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12500
هل يصلِّي المسلم ويصوم لأجل الدعاء ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز للشخص أن يذهب للحرم للصلاة لكي يدعو الله أن يحقق له شيئاً معيناً يريده، كأن يدعو الله أن يشفي مريضه أو أن يرزقه الله أولاداً؟
وهل يجوز له أن يصوم بعض الأيام لنفس الغرض؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا مانع أن يذهب المسلم لأداء الصلاة في المسجد الحرام من أجل الدعاء، ولكن الأفضل أن لا يقتصر قصده على الصلاة من أجل الدعاء، بل يكون قصده التعبد لله تعالى بهذه الصلاة، ورجاء ثواب الآخرة، ثم الصلاة مشتملة على الذكر وقراءة قرآن والركوع والسجود والدعاء فيكون الدعاء وتابعاً للصلاة وليس هو المقصود الأعظم؛ والمسجد الحرام من الأماكن المباركة المعظمة، فإذا صلَّى ودعا الله تعالى في سجوده – مثلاً - فيكون قد جمع بين فضل المكان وفضل الهيئة، فإذا كان هذا في الثلث الأخير من الليل فيكون أضاف إليه شرف الزمان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
فأمَّا قوله ﷺ " أما الركوع فعظِّموا فيه الربَّ، وأمَّا السجود فاجتهدوا في الدعاء فَقَمِنٌ (أي: حقيق وجدير) أنْ يستجاب لكم " – رواه مسلم (٤٧٩) من حديث ابن عباس -: ففيه الأمر في الركوع بالتعظيم، وأمره بالدعاء في السجود بيانٌ منه أنَّ الدعاء في السجود أحق بالإجابة من الركوع، ولهذا قال: " فقمِنٌ أنْ يُستجاب لكم " كما قال: " أقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجدٌ " – رواه مسلم (٤٨٢) من حديث أبي هريرة - فهو أمرٌ بأنْ يكون الدعاء في السجود.
" مجموع الفتاوى " (٢٢ / ٣٧٨) .
وقال – ﵀:
والدعاء مستجاب عند نزول المطر، وعند التحام الحرب، وعند الأذان والإقامة، وفي أدبار الصلوات، وفي حال السجود، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم، وأمثال ذلك، فهذا كله مما جاءت به الأحاديث المعروفة في الصحاح والسنن، والدعاء بالمشاعر كعرفة ومزدلفة ومنى والملتزم ونحو ذلك من مشاعر مكة، والدعاء بالمساجد مطلقاً، وكلما فضل المسجد كالمساجد الثلاثة: كانت الصلاة والدعاء فيه أفضل.
" مجموع الفتاوى " (٢٧ / ١٢٩ – ١٣٠) .
ومن باب آخر يقال:
التوسل بالأعمال الصالحة مشروع، ولذا يمكن جعل الوضوء والصلاة في المسجد الحرام من الأعمال الصالحة التي يتوسل بها بين يدي الدعاء.
عن عثمان بن حنيف أن رجلاً ضرير البصر أتى النبيَّ ﷺ فقال: ادع الله لي أن يعافيني فقال: إن شئتَ أخرت لك وهو خير وإن شئتَ دعوت، فقال: ادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء " اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بمحمد نبي الرحمة، يا محمد إني قد توجهتُ بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى، اللهم شفعه في ".
رواه الترمذي (٣٥٧٨) وابن ماجه (١٣٨٥) – واللفظ له -.
والحديث: صححه الترمذي والألباني في " صحيح الجامع " (١٢٧٩) .
فأمره النبي ﷺ أن يتوضأ ويصلي ركعتين قبل أن يدعو، فدل ذلك على أن الصلاة من الأعمال الصالحة التي يتوسل بها إلى الله بين يدي الدعاء، ويكون ذلك من أسباب إجابة الدعاء.
وأما الصيام: فما قيل في الصلاة يقال في الصيام، فينبغي أن يكون قصده التعبد لله تعالى بهذه العبادة العظيمة، وتحصيل الثواب الأخروي والوصول إلى تقوى الله ومرضاته، ثم إذا صام فإن الصائم يستحب له الإكثار من الدعاء فإن دعوة الصائم مستجابة لاسيما عند فطره.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →