Полный текст (16 344 стр.). Показаны 12496–12535 · переход к 12501.
стр. 12496
شروط قبول الأعمال عند الله
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي الشروط التي تجعل العمل الذي يقوم به المسلم مقبولا، ومن ثَم يأجره الله عليه؟ هل الجواب ببساطة هو أن ينوي المسلم اتباع القرآن والسنة، وذلك يؤهله للحصول على الأجر، مع أنه ربما يكون قد أخطأ في عمله ذاك؟ أم أن عليه أن تكون عنده النية، وبالإضافة إلى ذلك فإن عليه أن يتبع السنة الصحيحة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يشترط في العبادات حتى تقبل عند الله ويؤجر عليها العبد أن يتوفر فيها شرطان:
الشرط الأول: الإخلاص لله ، قال تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء) سورة البينة/٥، ومعنى الإخلاص هو: أن يكون مراد العبد بجميع أقواله وأعماله الظاهرة والباطنة ابتغاء وجه الله تعالى، قال تعالى: (وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى) سورة الليل/١٩
وقال تعالى: (إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً) الإنسان/٩
وقال تعالى: (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب) سورة الشورى/٢٠
وقال تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) سورة هود/١٥-١٦
وعن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ " رواه البخاري (بدء الوحي/١)
وجاء عند مسلم من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَالَ اللَّهُ ﵎: " أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ " رواه مسلم (الزهد والرقائق/٥٣٠٠)
الشرط الثاني: موافقة العمل للشرع الذي أمر الله تعالى أن لا يُعبد إلا به وهو متابعة النبي ﷺ فيما جاء به من الشرائع فقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ : " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " رواه مسلم (الأقضية/٣٢٤٣) ،
قال ابن رجب ﵀: هذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام وهو كالميزان للأعمال في ظاهرها، كما أن حديث " إنما الأعمال بالنيات " ميزان للأعمال في باطنها، فكما أن كل عمل لا يُراد به وجه الله تعالى، فليس لعامله فيه ثواب، فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو مردود على عامله، وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله، فليس من الدين في شيء. جامع العلوم والحكم ج ١ ص ١٧٦. وأمر النبي ﷺ باتباع سنته وهديه ولزومهما قال ﵊: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ " وحذَّر من البدع فقال: " وإياكم ومحدثات الأمور فإن كلَّ بدعة ضلالة " رواه الترمذي (العلم /٢٦٠٠) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي برقم ٢١٥٧
قال ابن القيم: فإن الله جعل الإخلاص والمتابعة سببا لقبول الأعمال فإذا فقد لم تقبل الأعمال.
الروح ١/١٣٥
قال تعالى: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً) قال الفُضَيْل: أحسن عملاً، أخلصه وأصوبه. والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 12497
يريد أن يعمل بعض أيام الأسبوع والباقي في العبادة
[السُّؤَالُ]
ـ[أعرف أخا في الإسلام، ترك وظيفته المحرمة-والحمد لله- بعد أن علم أن طبيعة العمل محرمة.
هذا الأخ الآن يبحث عن عمل يدر عليه ما يكفي لإطعام عائلته وكسوتهم. إنه متحمس للعمل من أيام الأسبوع ما يكفي لحصوله على ذلك الدخل المذكور وحسب. وهو يريد أن يقضي باقي أيام الأسبوع في المسجد يقرأ القرآن ويصلي.. الخ.
هل سلوكه هذا جائز؟ ألا يقول الإسلام بأن النهار هو لكسب العيش والليل للصلوات؟ أليس من الأفضل بالنسبة لهذا الأخ أن يبحث عن عمل جيد يدر عليه مالا ويتصدق بما زاد عن حاجته للفقراء؟ أليس لأهله حقوق عليه فيما يتعلق بالوقت؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
على المسلم القادر على الكسب أن يسعى في كسب ما يعفّه ومن تحت يده من زوجة وأولاد، وسائر من تلزمه نفقتهم، فإذا حصل على ذلك فشغل باقي الوقت سواء كان في الليل أو النهار في عبادة الله من صلاة وصيام وتلاوة قرآن كان أفضل. وليس للعبادة المطلقة وقت مخصص، لكن نعم قيام الليل أفضل من الصلاة في النهار، ولا يعني هذا أن نوافل العبادة في النهار لا أجر فيها. فعليه أن يبدأ بفعل الواجبات سواء منها ما كان لله وما كان لخلقه، ثم يصرف باقي الوقت في المستحب، وإن زاول بعض المباحات للاستجمام والراحة فلا بأس.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ عبد الكريم الخضير.
стр. 12498
لماذا النساء في النار أكثر من الرجال
[السُّؤَالُ]
ـ[لماذا عدد النساء أكبر من عدد الرجال في جهنم؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ثبت عن النبي ﷺ أن النساء هن أكثر أهل النار فعن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاء) َ. رواه البخاري ٣٢٤١ ومسلم ٢٧٣٧.
أما سبب ذلك فقد سُئل عنه النبي ﷺ وبَيَّن الجواب:
فعَنْ عَبْد ِاللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قال قال رسول الله ﷺ : (َأُرِيتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ) قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (بِكُفْرِهِنَّ) قِيلَ: يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ، قَالَ: (يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ) رواه البخاري ١٠٥٢.
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ إِلَى الْمُصَلَّى فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ: (يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ) فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِير مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ) قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ) قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: (فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ) قُلْن َ: بَلَى، قَالَ: (فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا) رواه البخاري ٣٠٤.
وعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّلاةَ يَوْمَ الْعِيدِ فَبَدَأَ بِالصَّلاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلا إِقَامَةٍ ثُمَّ قَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى بِلالٍ فَأَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَحَثَّ عَلَى طَاعَتِهِ وَوَعَظَ النَّاسَ وَذَكَّرَهُمْ ثُمَّ مَضَى حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ فَقَالَ: (تَصَدَّقْنَ فَإِنَّ أَكْثَرَكُنَّ حَطَبُ جَهَنَّمَ) فَقَامَتِ امْرَأَةٌ مِنْ سِطَةِ النِّسَاءِ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ فَقَالَتْ: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (لأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ الشَّكَاةَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ) قَالَ: فَجَعَلْنَ يَتَصَدَّقْنَ مِنْ حُلِيِّهِنَّ يُلْقِينَ فِي ثَوْبِ بِلالٍ مِنْ أَقْرِطَتِهِنَّ وَخَوَاتِمِهِنَّ. رواه مسلم ٨٨٥.
وينبغي على الأخوات المؤمنات اللاتي يعلمن بهذا الحديث أن يكون تصرفهن كتصرف هؤلاء الصحابيات اللاتي لما علمن بهذا عملن من الخير ما يكون بإذن الله سبباً في إبعادهن من أن يدخلن ضمن هؤلاء الأكثر.
فنصيحتنا للأخوات الحرص على التمسك بشعائر الإسلام وفرائضه لاسيما الصلاة والبعد عما حرمه الله وبخاصة الشرك بصوره المتعددة التي تنتشر في أوساط النساء مثل طلب الحاجات من غير الله وإتيان السحرة والعرافين ونحو ذلك.
نسأل الله أن يبعدنا وجميع إخواننا وأخواتنا عن النار وما قرّب إليها من قول أو عمل.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12499
يصلي ويعبد الله، لكنه مفتتن بالنساء
[السُّؤَالُ]
ـ[ما العمل فيمن يصلي ويصوم ويعبد الله كثيراً ويخافه ويتقيه (قدر المستطاع) ولا يقوى على كبح جماح غرائزه، ومنع نفسه من العلاقات النسائية المتعددة، وإن كانت لا تخلو من ارتكاب المعاصي، أحيانا، مع أنه كثيرا ما يقاوم ذلك، في حين أنه متزوج وله ثلاثة أبناء؛ منهم بنتان، وعلاقته طيبة مع زوجته؟! .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إن أصل الأصول الذي تنبني عليه حياة العبد: إيمانه بالله، وما يستلزمه من العمل الصالح؛ فهذا فقط هو العصمة من الخسران في هذه الحياة، قال الله تعالى: (وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣) سورة العصر. وهذا أيضا هو سبب الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة؛ قال الله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) النحل/٩٧.
غير أن عبادة العبد لربه ليست موسمية، أو آنية؛ بحيث يطيع ربه في وقت أو موسم، ثم هو يحيا بعد ذلك كيفما شاء أو شاء له هواه، وإنما هي عبادة شاملة لحياته كلها، قال الله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) الأنعام/١٦٢-١٦٣. ولأجل ذلك ينبغي أن يظهر أثر هذا الإيمان وتلك الطاعات في سلوك العبد وحياته؛ فالمؤمن لا يكون كذابا، ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، فالإيمان الصادق حاجز عن ذلك، والصلاة الحقيقية تنهى صاحبها عن القاذورات؛ قال الله تعالى: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) العنكبوت/٤٥.
ثم إنني أدعوك أخي الكريم لتشاركنا ساعة صدق وهدوء، لنتأمل سويا ما رواه أبو أُمَامَةَ ﵁ أنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا!!
فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ؛ قَالُوا: مَهْ مَهْ!!
فَقَالَ رسول الله ﷺ : ادْنُهْ، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا. قَالَ: فَجَلَسَ.
قَالَ: أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟!
قَالَ: لا وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ.
قَالَ وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأُمَّهَاتِهِمْ.
قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لابْنَتِكَ؟!
قَالَ: لا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ.
قَالَ وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ.
قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لأُخْتِكَ؟!
قَالَ: لا وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ.
قَالَ: وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأَخَوَاتِهِمْ.
قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟!
قَالَ: لا وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ.
قَال:َ وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ. قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟! قَالَ: لا وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ. قَال:َ وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالاتِهِمْ
قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ.
فَلَمْ يَكُنْ الْفَتَى بَعْدَ ذَلِكَ يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ) مسند أحمد ٢١٧٠٥ وصحح الألباني إسناده في الصحيحة ٣٧٠.
وأسألك في هذه الوقفة الهادئة الصادقة بالله: أتحب ذلك لابنتيك؟! أم تحبه لزوجتك؟
فلم ترضاه في بنت غيرك، أو زوجته، أو ... ؟؟
لا تقل: إن معصيتك التي أقررت بها لم تصل بك إلى حد الزنا، لأن السؤال باق عليك أيضا: أترضاه لنسائك وأهل بيتك؟! ولتعلم أن من حام حول الحمى، أوشك أن يواقعه؛ كذا قال الصادق المصدوق!!
فإن كنت فتيا ففي الناس غيرك فتيان، وإن كنت رجلا، ففي الناس أيضا رجال:
جاء شقيقٌ عارضا رمحه إن بني عمك فيهم رماح
ولئن ظننت أن عندك غيرة على عرضك، وغيرك لا يغار، فأنت غالط واهم، وهب أنك صادق، وهذا ما لا يكون، فأين منك غيرة الله على حرماته؛ لقدْ خَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ ثُمَّ ذكر الحديث، وفيه: ... ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ انْجَلَتْ الشَّمْسُ فَخَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَال: ... َ (يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلا وَلبَكَيْتُمْ كَثِيرًا) البخاري ١٠٤٤ ومسلم ٩٠١
ألا تحمد الله على زوجتك التي تحيا معك حياة طيبة؟! ألا تخشى..؟! ألا تخشى ... ؟!
أعرفت الآن أنك لم تتق الله، ولا قدر المستطاع؟
نعم، فالله تعالى حد لك الحلال في أمرين: زوجتك أو ما ملكت يمينك، لمن عنده ملك اليمين، وقال لك: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ) (٧) المؤمنون، وها قد ابتغيت ما وراء ذلك!! ثم تسأل عن العمل؟!
هل غضضت من بصرك كما أمرك الله؟!
وهل ابتعدت عن الخلوة بالنساء، والدخول عليهن، كما أمرك النبي ﷺ ؟!
وهل حميت نفسك عن مصافحة النساء، وأن تمس امرأة لا تحل لك، كما أمرك النبي، ﷺ ؟!
أعرفت أنك لم تتق الله، ولا قدر المستطاع؟!
فإن فعلت ما أمرك الله ورسوله، واتقيت ربك، واتقيت فتن النساء، ففي الطهر الحلال من زوجك ما يكفيك.
فإن احتجت، فقد أحل الله لك أن تنكح ما طاب لك من النساء؛ مثنى وثلاث ورباع.
فإن لم تقنع، فعليك بالصوم، فإنه لك وجاء!!
ولا يهلك على الله إلا هالك.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12500
هل يصلِّي المسلم ويصوم لأجل الدعاء ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز للشخص أن يذهب للحرم للصلاة لكي يدعو الله أن يحقق له شيئاً معيناً يريده، كأن يدعو الله أن يشفي مريضه أو أن يرزقه الله أولاداً؟
وهل يجوز له أن يصوم بعض الأيام لنفس الغرض؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا مانع أن يذهب المسلم لأداء الصلاة في المسجد الحرام من أجل الدعاء، ولكن الأفضل أن لا يقتصر قصده على الصلاة من أجل الدعاء، بل يكون قصده التعبد لله تعالى بهذه الصلاة، ورجاء ثواب الآخرة، ثم الصلاة مشتملة على الذكر وقراءة قرآن والركوع والسجود والدعاء فيكون الدعاء وتابعاً للصلاة وليس هو المقصود الأعظم؛ والمسجد الحرام من الأماكن المباركة المعظمة، فإذا صلَّى ودعا الله تعالى في سجوده – مثلاً - فيكون قد جمع بين فضل المكان وفضل الهيئة، فإذا كان هذا في الثلث الأخير من الليل فيكون أضاف إليه شرف الزمان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
فأمَّا قوله ﷺ " أما الركوع فعظِّموا فيه الربَّ، وأمَّا السجود فاجتهدوا في الدعاء فَقَمِنٌ (أي: حقيق وجدير) أنْ يستجاب لكم " – رواه مسلم (٤٧٩) من حديث ابن عباس -: ففيه الأمر في الركوع بالتعظيم، وأمره بالدعاء في السجود بيانٌ منه أنَّ الدعاء في السجود أحق بالإجابة من الركوع، ولهذا قال: " فقمِنٌ أنْ يُستجاب لكم " كما قال: " أقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجدٌ " – رواه مسلم (٤٨٢) من حديث أبي هريرة - فهو أمرٌ بأنْ يكون الدعاء في السجود.
" مجموع الفتاوى " (٢٢ / ٣٧٨) .
وقال – ﵀:
والدعاء مستجاب عند نزول المطر، وعند التحام الحرب، وعند الأذان والإقامة، وفي أدبار الصلوات، وفي حال السجود، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم، وأمثال ذلك، فهذا كله مما جاءت به الأحاديث المعروفة في الصحاح والسنن، والدعاء بالمشاعر كعرفة ومزدلفة ومنى والملتزم ونحو ذلك من مشاعر مكة، والدعاء بالمساجد مطلقاً، وكلما فضل المسجد كالمساجد الثلاثة: كانت الصلاة والدعاء فيه أفضل.
" مجموع الفتاوى " (٢٧ / ١٢٩ – ١٣٠) .
ومن باب آخر يقال:
التوسل بالأعمال الصالحة مشروع، ولذا يمكن جعل الوضوء والصلاة في المسجد الحرام من الأعمال الصالحة التي يتوسل بها بين يدي الدعاء.
عن عثمان بن حنيف أن رجلاً ضرير البصر أتى النبيَّ ﷺ فقال: ادع الله لي أن يعافيني فقال: إن شئتَ أخرت لك وهو خير وإن شئتَ دعوت، فقال: ادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء " اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بمحمد نبي الرحمة، يا محمد إني قد توجهتُ بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى، اللهم شفعه في ".
رواه الترمذي (٣٥٧٨) وابن ماجه (١٣٨٥) – واللفظ له -.
والحديث: صححه الترمذي والألباني في " صحيح الجامع " (١٢٧٩) .
فأمره النبي ﷺ أن يتوضأ ويصلي ركعتين قبل أن يدعو، فدل ذلك على أن الصلاة من الأعمال الصالحة التي يتوسل بها إلى الله بين يدي الدعاء، ويكون ذلك من أسباب إجابة الدعاء.
وأما الصيام: فما قيل في الصلاة يقال في الصيام، فينبغي أن يكون قصده التعبد لله تعالى بهذه العبادة العظيمة، وتحصيل الثواب الأخروي والوصول إلى تقوى الله ومرضاته، ثم إذا صام فإن الصائم يستحب له الإكثار من الدعاء فإن دعوة الصائم مستجابة لاسيما عند فطره.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12501
مواجهة فتنة النساء
[السُّؤَالُ]
ـ[قرأت قول النبي ﷺ : " مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ " رواه البخاري (٥٠٩٦) ومسلم (٢٧٤٠) .
سؤالي كيف لي أن أنجو بنفسي من هذه الفتنة، وأنا أراها في كل مكان: الشارع.. التلفاز.. الانترنت.. العمل..]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
فإن الله خلق الإنسان في دار ابتلاء وامتحان، وجعل الجنة مقراً لأوليائه وأحبابه – الذين يؤثرون رضاه على رضى أنفسهم، وطاعته على راحة أبدانهم – وجعل النار مستقراً لمن عصاه من عباده , وآثر هوى النفس على رضى الرب ، قال تعالى: ﴿تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا﴾ مريم / ٦٣، وقال: ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى﴾ النازعات / ٤٠-٤١، وقال عن أهل النار ﴿فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا﴾ مريم / ٥٩ وقال: ﴿ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا﴾ الكهف / ١٠٦، وقال: ﴿فأما من طغى. وآثر الحياة الدنيا. فإن الجحيم هي المأوى﴾ النازعات / ٣٧- ٣٩.
فعلى المسلم أن يجاهد نفسه في عبادة الله، والابتعاد عما يغضب الله، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين﴾ العنكبوت / ٣٩
وإن من الفتن التي ابتلينا بها فتنة النساء بنص كلام رسول الله ﷺ : " ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء "، وهذه بعض الطرق التي تعين على تجنب هذه الفتنة نسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين..
١- الإيمان بالله :
إن الإيمان بالله والخوف من الله صمام الأمان والعاصم للعبد من مواقعة الحرام والانسياق وراء شهوة عارضة.
فالمؤمن إذا تربى على مراقبة الله ومطالعة أسرار أسمائه وصفاته كالعليم والسميع والبصير والرقيب والشهيد والحسيب والحفيظ والمحيط، أثمر ذلك خوفاً منه سبحانه في السر والعلن، وانتهاءً عن معصية الله، وصدوداً عن داعي الشهوة الذي يؤز كثيراً من العباد إلى الحرام أزاًّ.
٢- غض البصر عن المحرمات:
إن النظر يثمر في القلب خواطر سيئة رديئة ثم تتطور تلك الخواطر إلى فكرة ثم إلى شهوة وهو بيت القصيد ثم إلى إرادة فعزيمة ففعل للحرام ولا بد.. وتأمل في هذه الآية التي ربطت بين أول خطوات الحرام وآخرها يقول تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ .
يقول ابن كثير: " هذا أمر الله تعالى لعباده المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم عما حرم عليهم فلا ينظروا إلا إلى ما أباح لهم النظر إليه وأن يغضوا أبصارهم عن المحارم، فإن اتفق أن وقع البصر على محرم من غير قصد فليصرف بصره عنه سريعا ".
٣- مدافعة الخواطر:
إن الخاطرة السيئة في القلب خطر.. ومتى انساق العبد معها ولم يدافعها تطورت إلى فكرةٍ، فَهَمٍّ وإرادةٍ، فعزيمةٍ فإقدامٍ وفعلٍ للحرام.. فحذار من الاسترسال مع الخطرة بل الواجب مدافعتها ومزاحمتها بالخواطر الطيبة.
فالعلاج إذاً هو مدافعة الخطرات، وإشغال النفس بالفكر فيما ينفعها.
٤- النكاح:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود قال: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ رواه البخاري ٥٠٦٥
٥- الصيام لمن لم يستطع الزواج؛ للحديث السابق وفيه: " وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ ". رواه البخاري ٥٠٦٥
وقال القرطبي:
كلما قل الأكل ضعفت الشهوة، وكلما ضعفت الشهوة قلت المعاصي اهـ.
٦- البعد عن رفقاء السوء:
يقول النبي ﷺ : " المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل " رواه أبو داوود ٨٤٣٣ وحسنه الألباني في صحيح أبي داود ٤٠٤٦
٧- البعد عن أماكن الفتن
فلا يخفى أننا نعيش اليوم في مجتمع قد ملئ بالفتن –إعلانات من جميع الأشكال – مجلات – معاكسات في الأسواق – فضائيات –إنترنت ... الخ، فعليك بالفرار منها جميعا ليسلم لك دينك.
٨- لا تجعلوا بيوتكم قبورا:
اجعل من بيتك مذكرا لك بالطاعة لا بالمعصية، فإن ارتباط الغرفة بالمعصية مثلا يجعل العبد يقع في المعصية مراراً، إذ إنه كلما دخلها تذكر المعصية فلعله يستثار فيقع المحظور فليجعل من غرفته ومن بيته مذكرا للطاعة فإذا دخل رأى المصحف الذي يقرأ منه وتذكر قيامه بالليل لله وسننه الرواتب التي أداها في هذه الحجرة، إن تكثير الطاعات في بيتك يربطه في نفسك بالخير وبفعل الخير فتستزيد من ذلك ويقل ورود المعصية على ذهنك، ويخف نداء الشهوة.
٩- الحرص على استغلال الوقت في طاعة الله :
إن الوقت نعمة عظيمة من نعم الله على العبد، لكن المغبون فيها ومنقوص الحظ منها كثير فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ) رواه البخاري ٦٤١٢.
أنظر السؤال (٣٢٣٤)
١٠- تذكر نعيم الآخرة: ومن أخصها في هذا المقام تذكر الحور العين وأوصافهن التي أعدها الله لمن صبر عن معاصيه بما يعين المسلم على الزهد في هذا الفاني المحرم الذي لا يورث إلا الندم والحسرات.
نسأل الله أن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.. والحمد لله رب العالمين ...
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12502
حكم الاشتياق للميت
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز أن نشتاق لشخص ميت؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا نرى مانعاً من الاشتياق للميت، وإن كان الذي يشتاق لشيء يتمنى لقاءه والقرب منه، وهذا حي وذاك ميت فماذا يريد باشتياقه؟ لكن قد نقول إننا نشتاق لرؤية النبي ﷺ والصحابة ﵃ والتابعين والعلماء، وهذا الشوق هو شوق للقائهم في الجنة، وعليه: فمن اشتاق لرؤية أولئك العِظام فإن عليه أن يعمل حتى يرضى ربُّه عنه ويدخله الجنة معهم فيترجم شوقه إلى واقع يكون فيه مشاهدة ومحادثة وهو المقصود من ثمرة الاشتياق، ومن هذا النوع من الاشتياق اشتياق الصحابة للنبي ﷺ بعد وفاته ومن أمثلته ما رواه مسلم عن أَنَسٍ قَالَ (قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعُمَرَ انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ نَزُورُهَا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزُورُهَا فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ فَقَالا لَهَا مَا يُبْكِيكِ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ ﷺ فَقَالَتْ مَا أَبْكِي أَنْ لا أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ ﷺ وَلَكِنْ أَبْكِي أَنَّ الْوَحْيَ قَدْ انْقَطَعَ مِنْ السَّمَاءِ فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ فَجَعَلا يَبْكِيَانِ مَعَهَا) مسلم ٢٤٥٤
أما إن كان هذا الاشتياق للميت من صديق أو قريب مما يبعث في الإنسان الحزن والكآبة – والجزع أحياناً – والاعتراض على قضاء الله وقدره فإن هذا مما يُمنع وينهى عنه لما يؤدي إليه من هذه الأخلاق التي يسعى الإسلام لإبعادها عن أتباعه حتى يعيش المسلم بروح منشرحة مطمئنة مؤمنة بقضاء الله وقدره وحكمه وشرعه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12503
يشعر بالحزن الدائم لحادث سقوط طائرة
[السُّؤَالُ]
ـ[لقد هُديت إلى الدين الإسلامي منذ فترة قصيرة وأنا في راحة عظيمة عندما أعرف الله وأعرف أن الله معنا دائماً،على الرغم من ذلك لقد اندهشت جداً عندما سمعت اصطدام الطائرة JFK jr.,، لم أستطع التوقف عن البكاء، إنني لم أفهم لما يجعل الله الأشياء بذلك الغموض. إنني أشعر بأننا كبشر بالفعل لا نملك السيطرة على حياتنا " (معيشتنا) عندما أكون في موقف صعب غالباً أدعو الله حتى يساعدني لاجتياز هذا الوقت العصيب، أحياناً أشعر أن دعواتي مستجابة وأن الله قريب مني جداً في حين أن أوقاتاً أخرى أشعر أنه بعيد عنا كثيراً إن الدعوات إلى الله هى الطريقة الوحيدة لي حتى أشعر بالراحة من (العظيم) ولكنني لا زلت لا أفهم لما تلك الحادثة المحزنة التي حدثت.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الحمد لله على إسلامك وهذا من فضل الله عليك أن جعلك مسلما، ثم الحمد لله على شعورك بمعية الله تعالى التي بها تطمئن القلوب وتستقيم الأعمال.
اعلم أن البلاء يُنْزله الله تعالى على الناس ليميزهم فيعْلم الصابر المحتسب ويعْلم القانط الذي يسخط على قضاء الله تعالى فيجزي الصابرين الجنة ويجزي القانطين عذاباً وهمّاً وألماً في الدنيا قبل الآخرة.
وما اصطدام الطائرة التي سميتَ إلا مِن هذا، فالذين على متنها إما يكونوا من أهل الدين فيكون هذا المصاب كفّارة لذنوبهم ورفعة لدرجاتهم ونوعا من أنواع الشهادة ينالون أجره وكذلك ينال أهلوهم الأجر العظيم إذا صبروا على مصابهم فيهم، وإما أن يكون فيهم الكافر والفاسق غير المطيع لربه فتكون الحادثة عقاباً لهم وانتقاما من الله.
والمسلم يجب عليه أن لا يحزن لهلاك من ليس بمسلم، لأن من ليس بمسلم فمصيره النار، فليس موته سببا للحزن عليه، لأن كل حي مصيره الموت، لكن كونه مات على الكفر قبل أن نتمكن نحن المسلمين من إرشاده إلى دين الحق هو الذي ينبغي أن يكون مصدر حزننا.
وليس في الأمر غموض كما قلتَ، بل هو قَدَرُ الله واقع في كل لحظة وساعة يجب علينا أن نصبر عليه وألا يذهب بنا الحُزن كلَّ مذهب؛ لأن في سقوط هذه الطائرة آية للناس ليتفكروا في عظيم قدرة الله.
كما قال تعالى عن السّفن: ﴿ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام، إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور، أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير، ويعلم الذين يجادلون في ءاياتنا مالهم من محيص، فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين ءامنوا وعلى ربهم يتوكلون﴾ [الشورى / ٣٢-٣٦] .
وفي سقوط الطائرات وغيرها تذكير للبشر أنهم مهما بلغوا من التقدّم والتطوّر الدنيوي وحصّلوا من أسباب القوة ما حصّلوا فإنّ الله أقوى منهم وأقدر، وليس ما يصنعونه ويطوّرونه بمنجيهم من بأس الله وقدره إن جاء وحلّ بهم، فيرجع العباد إلى أنفسهم ويرون الحقيقة في عجزهم وضعفهم وقوّة الله تعالى وبطشه وقدرته.
واعلم أن الله قريب يجيب دعوة المضطر، والله تعالى لا يبعد عن الإنسان إلا إذا أبعد هو عن الله تعالى ونأى بجانبه.
قال تعالى: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون﴾ [البقرة / ١٨٦] .
ولا يشعر أحد ببعد الله تعالى عنه إلا لأنه خرّب ما بينه وبين الله، فإن أصلح ما بينه وبين ربه فإنه لا يشعر بتلك المحزنة ولا بذلك البعد.
وإنَّ الحزن الذي أحل بك والوحشة التي غشت قلبك هي من الشيطان الرجيم الذي يريد أن يُحزن الذين آمنوا، ولا يحب أن يراهم نشيطين للطاعة طيبي النفوس.
قال الإمام ابن كثير ﵀:
قال تعالى: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم﴾ ، وقال تعالى: ﴿خذ العفو وأْمُر بالعرف وأعرض عن الجاهلين، وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم﴾ ، وقال تعالى: ﴿ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون، وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون﴾ ، وقال تعالى: ﴿ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم، وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم﴾ فهذه ثلاث آيات ليس لهن رابعة في معناها، وهو أن الله تعالى يأمر بمصانعة العدو الإنسي والإحسان إليه ليردعه طبعه الطيب الأصل إلى الموالاة والمصافاة، ويأمر بالاستعاذة من العدو الشيطاني لا محالة إذ لا يقبل مصانعة ولا إحساناً ولا يبتغي غير هلاك ابن آدم لشدة العداوة بينه وبين أبيه آدم من قبل، كما قال تعالى: ﴿يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة﴾ ، وقال تعالى: ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير﴾ ، وقال: ﴿أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا﴾ ، وقد أقسم للوالد آدم ﵇ أنه له لمن الناصحين وكذب فكيف معاملته لنا وقد قال: ﴿فبعزتك لأغوينهم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين﴾ ، وقال تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون﴾ .
" تفسير ابن كثير " (١ / ١٤) .
فارجع إلى الله وأقبل على ذِكْره واجتهد في عبادته لعل نفسك تصفو وتثبت محبته في قلبك وترتاح من الهمّ والحزن وتذكّر حديث النبي ﷺ : مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلا حَزَنٌ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجِلاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي إِلا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجًا رواه الإمام أحمد ٣٧٠٤ وهو حديث صحيح، وصلى الله على نبينا محمد.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 12504
حكم استخدام المسبحة
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم استخدام المسبحة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ذهب بعض العلماء في مسألة السبحة إلى جواز استعمالها مع قولهم بأنّ التسبيح باليد أفضل وعدّها بعضهم من البدع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (٢٢/١٨٧) : وربما تظاهر أحدهم بوضع السجادة على منكبه وإظهار المسابح في يده وجعله من شعار الدين والصلاة. وقد علم بالنقل المتواتر أن النبي ﷺ وأصحابه لم يكن هذا شعارهم وكانوا يسبحون ويعقدون على أصابعهم كما جاء في الحديث " اعقدن بالأصابع فإنهن مسؤولات، مستنطقات " وربما عقد أحدهم التسبيح بحصى أو نوى. والتسبيح بالمسابح من الناس من كرهه ومنهم من رخّص فيه لكن لم يقل أحد: أن التسبيح به أفضل من التسبيح بالأصابع وغيرها.ا. هـ. ثمّ تكلّم ﵀ عن مدخل الرياء في التسبيح بالمسبحة وأنّه رياء بأمر ليس بمشروع وهو أسوأ من الرياء بالأمر المشروع.
وفي سؤال لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين (اللقاء المفتوح ٣/٣٠) عن التسبيح بالمسبحة هل هي بدعة فأجاب: التسبيح بالمسبحة تركه أولى وليس ببدعة لأن له أصلا وهو تسبيح بعض الصحابة بالحصى، ولكن الرسول ﷺ أرشد إلى أن التسبيح بالأصابع أفضل وقال " اعقدن - يخاطب النساء - بالأنامل فإنهن مستنطقات " فالتسبيح بالمسبحة ليس حراما ولا بدعة لكن تركه أولى لأن الذي يسبح بالمسبحة ترك الأولى وربما يشوب تسبيحه شيء من الرياء لأننا نشاهد بعض الناس يتقلد مسبحة فيها ألف خرزة كأنما يقول للناس: انظروني إني أسبح ألف تسبيحة، ثالثا: أن الذي يسبح بالمسبحة في الغالب يكون غافل القلب ولهذا تجده يسبح بالمسبحة وعيونه في السماء وعلى اليمين وعلى الشمال مما يدل على غفلة قلبه فالأولى أن يسبح الإنسان بأصابعه والأولى أن يسبح باليد اليمنى دون اليسرى لأن النبي ﷺ كان يعقد التسبيح بيمينه ولو سبح بيديه جميعا فلا بأس لكن الأفضل أن يسبح بيده اليمنى فقط.ا. هـ.
وقال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في السلسلة الضعيفة (١/١١٠) عند تخريجه لحديث " نعم المذكّر السبحة": ثم إن الحديث من حيث معناه باطل عندي لأمور:
الأول أن السبحة بدعة لم تكن على عهد النبي ﷺ إنما حدثت بعده ﷺ فكيف يعقل أن يحض ﷺ أصحابه على أمر لا يعرفونه؟ والدليل على ما ذكرت ما روى ابن وضاح في " البدع والنهي عنها" عن الصلت بن بهرام قال: مر ابن مسعود بامرأة معها تسبيح تسبح به فقطعه وألقاه، ثم مر برجل يسبح بحصا فضربه برجله ثم قال: لقد سَبقتم، ركبتم بدعة ظلما، ولقد غلبتم أصحاب محمد ﷺ علما، وسنده صحيح إلى الصلت، وهو ثقة من اتباع التابعين.
الثاني: أنه مخالف لهديه ﷺ قال عبد الله بن عمرو: رأيت رسول الله ﷺ يعقد التسبيح بيمينه. وقال أيضا (١/١١٧) : ولو لم يكن في السبحة إلا سيئة واحدة وهي أنها قضت على سنة العد بالأصابع أو كادت مع اتفاقهم على أنها أفضل لكفى فإني قلما أرى شيخا يعقد التسبيح بالأنامل!
ثم إن الناس قد تفننوا في الابتداع بهذه البدعة، فترى بعض المنتمين لإحدى الطرق يطوق عنقه بالسبحة! وبعضهم يعدُّ بها وهو يحدثك أو يستمع لحديثك! وآخِر ما وقعت عيني عليه من ذلك منذ أيام أنني رأيت رجلا على دراجة عادية يسير بها في بعض الطرق المزدحمة بالناس وفي إحدى يديه سبحة! يتظاهرون للناس بأنهم لا يغفلون عن ذكر الله طرفة عين وكثيرا ما تكون هذه البدعة سببا لإضاعة ما هو واجب فقد اتفق لي مرارا - وكذا لغيري - أنني سلمت على أحدهم فرد عليّ السلام بالتلويح دون أن يتلفظ بالسلام ومفاسد هذه البدعة لا تحصى فما أحسن ما قال الشاعر:
وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 12505
الهداية بيد الله
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف نجمع بين قوله تعالى: (إنك لا تهدي من أحببت) وبين قوله: (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
خلق الله الإنسان وزوده بالعقل وأنزل لأجله الوحي وأرسل إليه الرسل ودعاه إلى الحق وحذره من الباطل ثم تركه يختار ما يريد (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) الكهف/٢٩.
وقد أمر الله رسوله محمداً ﷺ أن يبين الحق للناس كافة ولهم الخيار فيما يرغبون فمن أطاع نفع نفسه ومن عصى ضر نفسه كما قال سبحانه: (قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل) يونس/١٠٨.
والإسلام دين الفطرة دين العقل والفكر وقد بين الله الحق من الباطل وأمر بكل خير وحذر من كل شر وأحل الطيبات وحرم الخبائث ولا إكراه في الدين لأن المصلحة أو المفسدة تعود إلى الخلق لا إلى الخالق، قال تعالى: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى) البقرة/٢٥٦.
وقال سبحانه (من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد) فصلت/٤٦.
والهداية بيد الله ولو شاء الله لهدى الناس جميعاً , فإنه سبحانه لا يعجزه شيء في الأرض , ولا في السماء ولا يجري في ملكه إلاّ ما يريد (قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين) الأنعام/١٤٩، ولكن حكمته سبحانه , اقتضت أن يخلقنا مختارين وينزل علينا الهدى والفرقان فمن أطاع الله ورسوله دخل الجنة ومن عصى الله ورسوله دخل النار كما قال سبحانه: (قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ) الأنعام/١٠٤.
وليس للرسول ﷺ من الهداية شيء وإنما عليه وعلى المسلمين البيان البلاغ والدلالة على الهدي وعدم الإكراه عليه كما قال سبحانه لرسوله ﷺ : (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) يونس/٩٩.
وقال سبحانه (وما على الرسول إلا البلاغ المبين) العنكبوت/١٨.
والهداية إلى الحق بيد الله وحده وليس لأحد من البشر فيها من نصيب كما قال سبحانه لرسوله ﵊ (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) القصص/٥٦.
والله يهدي من يشاء ويضل من يشاء وقد أخبرنا سبحانه أنه يهدي من أطاعه , وأقبل عليه كما قال سبحانه: (والذين اهتدوا زادهم هدىً وآتاهم تقواهم) محمد/١٧.
ومن عصى الله , وأعرض عنه , فإن الله لا يهديه كما قال سبحانه: (إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار) الزمر/٣.
والله بكل شيء عليم يعلم ما كان , وما يكون , وما سيكون وقد علم الله المؤمنين والكافرين وأعمالهم , ومصيرهم في الآخرة وكتب ذلك كله في اللوح المحفوظ كما قال سبحانه: (وكل شيء أحصيناه كتاباً) النبأ/٢٩.
وقد خلق الله الإنسان مختاراً وخلقه صالحاً للعمليتين الإيمان أو الكفر كما قال سبحانه: (إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً) الإنسان/٣.
والإنسان يكون مختاراً في دائرة العقل فقط فإذا فقد العقل الذي يميز به البدائل بين الخير والشر بين الحق والباطل , ارتفع التكليف ولذلك رفع القلم في الشريعة الإسلامية عن المجنون حتى يفيق , وعن الصبي حتى يدرك , وعن النائم حتى يستيقظ فلا تكليف على أحد من هؤلاء حتى يجد العقل الذي يميز به البدائل كالإيمان والكفر والحق والباطل وهكذا.
وحيثما اتجهت النفس كان الثواب والعقاب فإن أطاعت فلها الجنة (قد أفلح من زكاها) الشمس/٩.
وإن عصت فلها النار (وقد خاب من دساها) الشمس/١٠.
والتوجه إلى أحد الطريقين هو محل الحساب عند رب العالمين، وبهذا يتبين أن الإيمان والكفر والطاعة والمعصية باختيار العبد وقد جعل الله الثواب والعقاب على هذا الاختيار: (من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد) فصلت/٤٦.
فمن أحب الله ورسوله ورغب في السعادة في الدنيا والآخرة فليدخل في الإسلام ومن رغب عن ذلك ورضى بالدنيا عن الآخرة ولم يسلم فمأواه جهنم فالمنفعة للإنسان والمضرة عليه ولا إكراه على أحدهما كما قال سبحانه: (إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً) الإنسان/٢٩.
[الْمَصْدَرُ]
من كتاب أصول الدين الإسلامي للشيخ محمد بن إبراهيم التويجري.
стр. 12506
كان يحرم بعض الموظفين من الزيادة أو الترقية فكيف يتوب ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ي هو عن رد المظالم إلى أهلها وهو الشرط الرابع من شروط التوبة , إذا كان الشخص الظالم لا يستطيع رد المظالم إلى أهلها مثلا كأن يكون رئيسا على موظفين وظلم أحدهم بحيث قلل الزيادة أو لم يمنحه الدرجة التي يستحقها وبعد ذلك تقاعد هذا الرئيس فهل له من توبة وإذا تاب كيف يرد إلى هذا الموظف حقه؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يشترط لقبول التوبة من الذنوب المتعلق بحقوق العباد: رد المظالم لأهلها؛ لقوله ﷺ : (مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لِأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ) رواه البخاري (٦٥٣٤) .
فإن كان أخذ منه مالا غصبا أو حيلة، تحلل منه واستسمحه، أو رده إليه بأي وسيلة ممكنة، ولا يشترط إعلامه بذلك، فإن مات دفعه إلى ورثته.
وإن عجز عن الوصول إلى المظلوم، تصدق بالمال عنه.
وإن عجز عن دفع المال، ولم يمكنه التحلل من المظلوم، فليتب فيما بينه وبين ربه، ولعل الله أن يؤدي عنه يوم القيامة.
قال النووي ﵀ في "روضة الطالبين" (١١/ ٢٤٦) : " وإن تعلق بها – أي: بالمعصية - حق مالي كمنع الزكاة والغصب والجنايات في أموال الناس: وجب مع ذلك –أي: مع التوبة - تبرئة الذمة عنه بأن يؤدي الزكاة ويرد أموال الناس إن بقيت ويغرم بدلها إن لم تبق أو يستحل المستحق فيبرئه.
ويجب أن يُعلم المستحق إن لم يعلم به وأن يُوصله إليه إن كان غائباً إن كان غصبه منه هناك، فإن مات سلَّمه إلى وارثه، فإن لم يكن له وارث وانقطع خبره: دفعه إلى قاضٍ تُرضى سيرته وديانته، فإن تعذر: تصدَّق به على الفقراء بنية الغرامة له إن وجده ...
وإن كان معسراً: نوى الغرامة إذا قدر فإن مات قبل القدرة: فالمرجو من فضل الله تعالى المغفرة.
قال النووي: قلت: ظواهر السنن الصحيحة تقتضي ثبوت المطالبة بالظلامة وإن مات معسراً عاجزاً إذا كان عاصياً بالتزامها.
فأما إذا استدان في مواضع يباح له الاستدانة واستمر عجزه عن الوفاء حتى مات أو أتلف شيئاً خطأ وعجز عن غرامته حتى مات: فالظاهر أن هذا لا مطالبة في حقه في الآخرة إذ لا معصية منه، والمرجو أن الله تعالى يعوِّض صاحب الحق ...
وأما الغيبة إذا لم تبلغ المغتاب: فرأيت في فتاوى الحناطي أنه يكفيه الندم والاستغفار، وإن بلغته ... فالطريق أن يأتي المغتاب ويستحل منه، فإن تعذر لموته أو تعسر لغيبته البعيدة: استغفر الله تعالى، ولا اعتبار بتحليل الورثة، هكذا ذكره الحناطي " انتهى.
فالحقوق المادية يلزم ردها للمظلوم، والحقوق المعنوية يكفي فيها الندم والاستغفار إذا لم تبلغ المظلوم.
وما ذكرت من " تقليل زياة الموظف " أو عدم منحه الدرجة التي يستحقها فيه اعتداء مادي وهو حرمانه من مال كان يستحقه، وفيه اعتداء معنوي بتأخيره عن درجته.
وعليه؛ فيلزمك تجاه الحق المادي: التحلل من صاحبه، أو دفع المال إليه، وهو مقدار ما حرم منه بسبب ظلمك له.
ولك أن تستعين بمن يشفع لك عند المظلوم ويطلب العفو منه.
فإن عجزت عن الأمرين فأكْثِرْ من الندم والاستغفار، وسل الله تعالى أن يؤدي عنك يوم القيامة.
وأما الحق المعنوي، فإن كان لم يعلم بظلمك له، فيكفيك الندم والاستغفار، وإن كان قد علم به لزمك التحلل منه، ما لم تخش حدوث مفسدة أكبر إذا علم.
ونسأل الله أن يتقبل توبتك ويبرئ ذمتك ويعينك على طاعته.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12507
يعترض على مغفرة الله لسيئات الكافر إن هو أسلم، ومحاسبة الله للمسلم العاصي !
[السُّؤَالُ]
ـ[إنني قد ولدت مسلماً - والحمد لله -، أريد أن أسأل سؤالاً أزعجني كثيراً في الآونة الأخيرة، كنت أتناقش وزميل لي في العمل حول مغفرة الله للكافر إذا ما أسلم عند موته، فقال زميلي: بأن الله يغفر للكافر إذا ما نطق بالشهادة عند موته، وقد قلت له: كيف يغفر الله له كل هذه الآثام؟ وأقصد بقولي أنه قد جمع جميع الملذات أيام كفره، فلا حصر لما مارسه من زنا، مع نساء، أو رجال، وقد كان يشرب الخمر، ويقتل، ثم إنه بعد ذلك يسلم عند موته؟ فلماذا يغفر الله له؟! فهذا ليس عدلاً في منظور أي فرد وخاصة المسلمين، أليس كذلك؟ وإنني أعني أنه لو قال كافر: " إنني سوف أشرب الخمر، وأزني بالنساء دونما زواج، وإذا ما قرُبت منيتي: أسلمت لله "، أو إنه حتى لم يفكر في ذلك، ولكنه أسلم في النهاية، على أية حال (وكان إسلامه صادقاً) ، فلماذا يغفر الله له؟ كما أنني مسلم صادق، وأعبد الله وحده، وقد قال زميلي: إن الله سوف يغفر له لأنه لم يكن على معرفة بالإسلام، ولكنني لم أصدق مثل هذا القول، ولا أرضى به؛ لأنه لو غفر الله له فماذا عن سيئاتي أنا وهل يغفرها الله؟ وإذا ما كان الله يغفر للكافر في آخر لحظات حياته: فإن هذا غير عادل تماماً بأن لا يحاسبه على جميع أعماله، ولماذا أُسأل أنا (المسلم) عن سيئاتي بينما يغفر للكافر؟ . برجاء الإجابة على هذا السؤال؛ حيث إنه أقضَّ مضجعي، ليلاً، ونهاراً، ولا أريد أن تجيبني بأنه ليس لنا أن نحكم في هذا، لأن هذه كانت ضمن الإجابات التي قيلت لي كثيراً، ولكنني أريد إجابة أفضل، وأكثر إيضاحاً. جزاك الله خيراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
قبل الإجابة لا بد من التنبيه على أمرٍ جلل، وهو أنه يحرم الكلام في دين الله تعالى بغير علم وهدى.
قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) الأعراف/ ٣٣.
كما أنه يحرم الاعتراض على شرع الله في أحكامه، بل يجب التسليم، ولا مانع من السؤال عما خفي حكمه، أو حكمته، لكن ليس أن يبدأ بالاعتراض والرد، فيقول القائل: كيف هذا، وأنا لا أرضى به؟! حتى لكأنه يتحكم في أمر من ملكه، أو يحكم على صبي من بني جنسه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قال تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) النساء/ ٦٥.
فنحن وإن كنا فرحين بمراسلتك لنا، واستفسارك عن المسألة، لكن قد أحزننا، بل أفزعنا، ذلك الكلام، وذلك الحوار بينك وبين صاحبك، فهلا سألتما ـ قبل الاعتراض، والرد والتكذيب ـ عما جهلتما؛ فإنما شفاء العيّ السؤال؟!
وهل علمتما خطر الرد والتكذيب بأمر، لم تحيطا به علماً؟! قال الله تعالى: (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) يونس/٣٩.
قال الشيخ ابن سعدي ﵀:
" والذي حملهم على التكذيب بالقرآن المشتمل على الحق الذي لا حق فوقه، أنهم لم يحيطوا به علمًا؛ فلو أحاطوا به علمًا وفهموه حق فهمه، لأذعنوا بالتصديق به ... وهذا التكذيب الصادر منهم، من جنس تكذيب من قبلهم، ولهذا قال: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ وهو الهلاك الذي لم يبق منهم أحدًا.
فليحذر هؤلاء أن يستمروا على تكذيبهم، فيحل بهم ما أحل بالأمم المكذبين والقرون المهلكين.
وفي هذا دليل على التثبت في الأمور، وأنه لا ينبغي للإنسان أن يبادر بقبول شيء أو رده، قبل أن يحيط به علمًا ".
ثانياً:
أيها الأخ السائل:
لنا مع كلامك الذي سطرته آنفاً وقفات، نرجو تأملها، والتفكر بها:
١. ما كان ينبغي لك الاعتراض على رحمة الله، وفضله، وكرمه، وأنت أحوج ما تكون لذلك؛ لأنه لا بدَّ أن يقع منك تقصير في حق الله، ما تحتاج معه لرحمة ربك تعالى، واعلم أن ما تقدمه من أعمال لا يؤهلك لدخول الجنة به، ولا يدخل أحدٌ الجنَّة – حتى النبي محمد ﷺ – إلا برحمته .
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ. قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلا أَنَا، إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ) . رواه البخاري (٦٠٩٨) .
٢. اعلم أن مقارنتك المذكورة ليست أكثر من مغالطة، أو وسوسة لفظية من وسوسات الشيطان؛ فالله ﷻ لا يغفر للكافر حين كفره: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً) النساء/٤٨. وإنما يغفر الله تعالى للكافر إذا أسلم وآمن، يعني: أنه حين كفره قد صار مسلماً، تائباً من أعمال الجاهلية والكفر، قد بدأ صفحة جديدة مع ربه، وعفا الله له عما سلف، لأجل إسلامه؛ فأنت توازن في حقيقة الأمر بين مسلم تاب من ذنب سابق، ومسلم آخر مقيم على ذنب في الحاضر!!
٣. اعلم أن فضل الله تعالى على الناس عظيم، فهو يغفر الذنب مهما عظم، ويقبل التوب من التائب، بل ويفرح بتوبة عبده - مع استغنائه عن جميع خلقه -، ليس هذا فحسب، بل ويبدل سيئاته حسنات! ولا فرق في هذا بين كافر أسلم، وبين عاصٍ تاب.
قال تعالى: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً. إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) الفرقان/ ٦٨ – ٧٠.
ومما لا شك فيه أن أمر التوبة من المعصية أهون من إسلام الكافر، فأنت تتقلب في نعم الله تعالى، والتوفيق للتوبة والاستغفار توجد له أسبابه الكثيرة وأنت في دائرة الإسلام، وأنَّى يكون مثل هذا لكافر يحتاج أولاً أن يتخلى عن دينه، ثم يدخل في الإسلام؟! ولعظم أمر التخلي عن التدين بغير الإسلام، وعظم التخلي عن المعصية: وعد الله تعالى جميع هؤلاء بمغفرة ذنوبهم، وإبدالها حسنات إن هم فعلوا الصواب، فأسلم الكافر، وتاب العاصي، وهذا من عظيم فضل الله تعالى ورحمته.
فاعتراضك على أن الله يسألك عن ذنوبك، ولا يسأل الكافر إذا أسلم: في غير محله؛ لأنه جاء بما يمحو ذنوبه كلها، فبماذا جئت أنت؟ وما هو مطلوب منك أنت أيسر مما هو مطلوب منه، فمن يقال له: دع دينك الذي أنت عليه: يُغفر لك ذنبك: أتساويه بمن يقال له من المسلمين: تب من معصيتك: يُغفر لك ذنبك؟! فمن جاء بما يمحو به ذنبه من إسلام، أو هجرة، أو توبة، أو حد يقام عليه: غفر له ذنبه، ومن لم يأت من ذلك بشيء فهو إلى الله إن شاء غفر له، وإن شاء عذَّبه، إلا أن يلقى الله تعالى بالكفر، فمثله لا يغفر الله له.
قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً) النساء/ ٤٨.
وهذا وجه آخر في الرد على كلامك: وهو أن لقاء المسلم ربه بذنوبه لا يعني الجزم بتعذيبه عليها، بل قد يغفرها الله له، بخلاف الكافر فإنه محروم من المغفرة حرماناً أبدياً، ومخلد في النار أبد الآبدين، إذا لم يتب من شركه.
٤. وهل تظن الأمر بهذه السهولة حتى تعترض عليه؟! فهل كل من جاء بالكفر، والمعاصي الكبيرة والصغيرة هل تظن مثل هؤلاء يوفق للإسلام قبل وفاته، حتى تظن أنه سوف يقول: أنا أزني، وأقتل..، ثم أتوب قبل أن أموت؟ وهل يعلم أحد متى تأتيه منيته؟ وهل يجزم أحد بتوبته قبل لقاء ربه؟ هذا أبو طالب مثال، فقد كان مدافعاً عن النبي ﷺ ، ومقتنعاً بصدقه، وكان النبي ﷺ هو بنفسه الداعي له للدخول في الإسلام بكلمة واحدة، فهل قالها؟ هل وُفِّق لقولها؟ وهل انتفع والد إبراهيم بدعوة ابنه ﵇؟ وهل انتفعت امرأة نوح وولدها بدعوة نبي الله نوح ﵇؟ ليس الأمر كما ظننته أخي السائل بهذه السهولة، أن يكفر الكافر ثم يسلم وقتما شاء، أو يعصي العاصي ثم يتوب وقتما شاء، إن المسألة متعلقة بتوفيق الله، وهدايته، وبما تكنه صدورهم من حب الخير لأنفسهم، والبحث عن الحق، فاجعل قلبك معلقا بربك أن يوفقك، ويحسن ختامك، ويصلح لك شأنك.
٥. وكما أن الله تعالى يقبل توبة العاصي، وإسلام الكافر، قبل موتهما – ما لم يغرغرا -: فإنه يُحبط عمل المسلم إذا ختم حياته بردة، ولو قضى عمره كله في الطاعة، فعاد الأمر إلى صدق الباطن وكذبه عند الطرفين، ولا علاقة لحياة الأول المليئة بالكفر والمعاصي، ولا حياة الثاني المليئة بالطاعة، بل العبرة بالخواتيم، ولا تغتر بما يظهر لك من نفسك، ومن الناس، واحرص على صلاح الباطن، فالأمر بما يعلمه الله بما في بواطن الناس لا بما ظهر لنا منها.
عَنْ سَهْل بنِ سَعْد ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَإِنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ النَّارِ وَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) .
رواه البخاري (٢٧٤٢) ومسلم (١١٢) .
وفي رواية للبخاري (٦٢٣٣) بزيادة في آخره: (وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ) .
قال ابن رجب الحنبلي – ﵀:
وقوله (فيما يبدو للناس) إشارة إلى أن باطن الأمر يكون بخلاف ذلك، وأن خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنة للعبد، لا يطلع عليها الناس، إما من جهة عمل سييء، ونحو ذلك، فتلك الخصلة الخفية توجب سوء الخاتمة عند الموت، وكذلك قد يعمل الرجل عمل أهل النار وفي باطنه خصلة خفية من خصال الخير، فتغلب عليه تلك الخصلة في آخر عمره، فتوجب له حسن الخاتمة.
" جامع العلوم والحِكََم " (١ / ٥٧) .
فتأمل أخي السائل حكمة الرب الجليل من هذا التشريع، فالطائع لا ينبغي له أن يغتر بعمله، فإنه لا يدري بم يُختم له، والعاصي لا يقنط من رحمة ربه؛ فإنه لعله أن يوفق للتوبة.
قال النووي – ﵀ – في فوائد الحديث الأخير -:
ففيه التحذير من الاغترار بالأعمال، وأنه ينبغي للعبد أن لا يتكل عليها، ولا يركن إليها؛ مخافة من انقلاب الحال للقدر السابق، وكذا ينبغى للعاصي أن لا يَقنَط، ولغيره أن لا يقنِّطه من رحمة الله تعالى.
" شرح مسلم " (٢ / ١٢٦، ١٢٧) .
٦. واعلم أخيراً: أن ما ذكرناه من قبول الله تعالى لإسلام الكافر، وتوبة العاصي: إنما هو في حال أن يكون ذلك منهم قبل حضور الموت، وقبل الغرغرة.
قال تعالى: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً) النساء/ ١٨.
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ.
رواه الترمذي (٣٥٣٧) وابن ماجه (٤٢٥٣) ، وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ".
ومن رحمة الله تعالى بعباده أنه يقبل التوبة حتى ممن جُهزت الحجارة لرجمه، وجهز السيف للقصاص منه، وأصيب بمرضٍ أيس من شفائه - كما بيناه في جواب السؤال رقم: (١٨٠٧) - وكل ذلك لا يصدق عليه أنه في حال الغرغرة، ولا حضره الموت، وهذا من لطف الله تعالى، ورحمته، وعظيم فضله، وبالغ كرمه، وقد سبقت رحمته تعالى غضبه، وادخر تعالى للخلق تسعاً وتسعين رحمة في الآخرة، فهذا الرب تعالى الذي آمنَّا به، وعلمنا أسماءه وصفاته، ونرجوه أن يغفر لنا زلاتنا، ويستر علينا ذنوبنا، ويتجاوز عنها، ونرجوه عظيم فضله، وواسع جنانه يوم نلقاه.
ولتعلم يا عبد الله أن أمر الله في عباده دائر بين العدل والفضل؛ فالله حكم قسط، لا يظلم الناس شيئاً، ولكن الناس أنفسهم يظلمون: (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً) النساء/٤٠؛ فتأمل كيف أن الله ﷻ وعد، وهو ﷻ لا يخلف الميعاد، ألا يظلم مثقال ذرة، وهذا عدله سبحانه، وأما فضله: فيضاعف الحسنات: الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة. فتعرض لنفحات ربك، وتعرض لرحمته وفضله، ودع عنك الوساوس ومغاليط الكلام.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12508
هل تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على ذنب آخر ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل تصح التوبة من ذنب معيّن دون آخر؟ وهل تقبل توبة العبد من ذنب معيّن، إذا كان يعمل ذنباً آخر أم لا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أمر الله تعالى عباده المؤمنين بالتوبة فقال: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) النور/٣١، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا) التحريم/٨.
وأمرنا رسوله ﷺ بالتوبة فقَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ، فَإِنِّي أَتُوبُ فِي الْيَوْمِ إِلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ) رواه مسلم (٢٧٠٢) .
ولهذا اتفق العلماء ﵏ على أن التوبة من المعاصي واجبة.
قال ابن جزي في "التسهيل" (١٢٣٢) :
" التوبة واجبة على كل مؤمن مكلف بدليل الكتاب والسنة وإجماع الأمة " انتهى.
وقال النووي ﵀:
" وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ التَّوْبَة مِنْ جَمِيع الْمَعَاصِي وَاجِبَة , وَأَنَّهَا وَاجِبَة عَلَى الْفَوْر , لَا يَجُوز تَأْخِيرهَا , سَوَاء كَانَتْ الْمَعْصِيَة صَغِيرَة أَوْ كَبِيرَة. وَالتَّوْبَة مِنْ مُهِمَّات الْإِسْلَام وَقَوَاعِده الْمُتَأَكِّدَة " انتهى.
"شرح مسلم" (١٧/٥٩) .
أما التوبة من ذنب مع الإقامة على غيره فتصح على الراجح من أقوال أهل العلم، وإن كانت توبة قاصرة غير كاملة.
قال النووي ﵀:
"وَتَصِحّ التَّوْبَة مِنْ ذَنْب , وَإِنْ كَانَ مُصِرًّا عَلَى ذَنْب آخَر , وَإِذَا تَابَ تَوْبَة صَحِيحَة بِشُرُوطِهَا , ثُمَّ عَاوَدَ ذَلِكَ الذَّنْب , كُتِبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الذَّنْب الثَّانِي , وَلَمْ تَبْطُل تَوْبَته , هَذَا مَذْهَب أَهْل السُّنَّة فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ" انتهى.
"شرح مسلم" (١٧/٥٩-٦٠) .
وقال ابن القيم ﵀:
"هل تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره؟ فيه قولان لأهل العلم، وهما روايتان عن الإمام أحمد ﵁.
والذي عندي في هذه المسألة: أن التوبة لا تصح من ذنب مع الإصرار على آخر من نوعه. وأما التوبة من ذنب مع مباشرة آخر لا تعلق له به ولا هو من نوعه فتصح، كما إذا تاب من الربا ولم يتب من شرب الخمر مثلا فإن توبته من الربا صحيحة، وأما إذا تاب من ربا الفضل ولم يتب من ربا النسيئة وأصر عليه أو بالعكس، أو تاب من تناول الحشيشة وأصر على شرب الخمر أو بالعكس: فهذا لا تصح توبته، وهو كمن يتوب عن الزنا بامرأة وهو مصر على الزنا بغيرها غير تائب منها، أو تاب من شرب عصير العنب المسكر وهو مصر على شرب غيره من الأشربة المسكرة. فهذا في الحقيقة لم يتب من الذنب، وإنما عدل عن نوع منه إلى نوع آخر، بخلاف من عدل عن معصية إلى معصية أخرى غيرها في الجنس " انتهى مختصرا.
"مدارج السالكين" (١/٢٧٣-٢٧٥) .
وقال القرطبي:
"اتفقت الأمة على أن التوبة فرض على المؤمنين؛ لقوله تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ) . وتصح من ذنب مع الإقامة على غيره من غير نوعه، خلافاً للمعتزلة في قولهم: لا يكون تائباً من أقام على ذنب. ولا فرق بين معصية ومعصية - هذا مذهب أهل السنة" انتهى.
"الجامع لأحكام القرآن" (٥/٩٠) .
وقال في "غذاء الألباب" (٤/٢٠٧) :
" وَتَصِحُّ مِنْ بَعْضِ ذُنُوبِهِ فِي الْأَصَحِّ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ.
نَعَمْ، لَا تَصِحُّ التَّْبَةُ مِنْ ذَنْبٍ أَصَرَّ عَلَى مِثْلِهِ، مِثْلُ: أَنْ يَتُوبَ مِنْ زِنَاهُ يَوْمَ كَذَا أَوْ فِي فُلَانَةَ، وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى الزِّنَا بِغَيْرِهَا أَوْ بِهَا، وَإِنَّمَا تَابَ مِنْ الزِّنَا الَّذِي صَدَرَ مِنْهُ أَوَّلًا دُونَ مَا يَفْعَلُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى أَصْلِ فِعْلِ الزِّنَا، فَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ مِنْهُ حِينَئِذٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ " انتهى.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
"وهل تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره؟ للعلماء في هذا ثلاثة أقوال: الأول: أنها تصح، والثاني: أنها تصح إن كان الذنب من غير الجنس، والثالث: لا تصح.
والصحيح: أنها تصح من ذنب مع الإصرار على غيره، لكن لا يستحق اسم التائبين على سبيل الإطلاق؛ فلا يستحق وصف التائب، ولا يدخل في مدح التائبين؛ لأن توبته مقيدة من هذا الذنب المعين. ومثال ذلك: إذا تاب رجل من الزنا لكنه يتتبع النساء بالنظر المحرم فإن توبته من الزنا تصح على القول الراجح؛ لكن لا يستحق وصف التائب على سبيل الإطلاق. وعلى القول بأنها تصح إذا كانت من غير الجنس: فإنها لا تصح.
وإذا تاب من الزنا مع الإصرار على الربا فإنها تصح؛ لأن الربا ليس من جنسه" انتهى.
"تفسير القرآن للعثيمين" (٤/١٦١) .
فهذا من حيث صحة التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره، والواجب على المسلم أن يتوب من جميع ذنوبه، وأن يستقيم على أمر الله، لينجو من عذاب الله.
أما التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره فهي وإن كانت توبة صحيحة من ذلك الذنب، لكنها توبة ناقصة، وقاصرة، وليست هي التوبة النصوح التي وعد الله تعالى أهلها بالمغفرة والجنة، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) التحريم/٤.
قال ابن القيم ﵀:
"النصح في التوبة يتضمن ثلاثة أشياء:
الأول: تعميم جميع الذنوب بحيث لا تدع ذنبا إلا تناولته.
والثاني: إجماع العزم والصدق بكليته عليها بحيث لا يبقى عنده تردد ولا تلوم ولا انتظار، بل يجمع عليها كل إرادته وعزيمته مبادرا بها.
الثالث: تخليصها من الشوائب والعلل القادحة في إخلاصها، ووقوعها لمحض الخوف من الله وخشيته والرغبة فيما لديه والرهبة مما عنده، لا كمن يتوب لحفظ جاهه وحرمته ومنصبه ورياسته ولحفظ حاله أو لحفظ قوته وماله أو استدعاء حمد الناس أو الهرب من ذمهم أو لئلا يتسلط عليه السفهاء أو لقضاء نهمته من الدنيا أو لإفلاسه وعجزه ونحو ذلك من العلل التي تقدح في صحتها وخلوصها لله " انتهى.
"مدارج السالكين" (١/٣٧٧) .
نسأل الله تعالى أن يوفقنا للتوبة النصوح وأن يتقبل منا.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12509
هل يجوز للزاني الزواج من مؤمنة
[السُّؤَالُ]
ـ[أرجو أن تخبرني ما إذا كان يجوز لي أن أتزوج بمؤمنة إن أنا مارست الجنس مع امرأة غير مسلمة في الماضي.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا تاب الزاني توبة نصوحاً، فإن الله يتوب عليه، لأن الله تعالى قال: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابا (٧١) الفرقان.
يراجع سؤال ٧٢٨، وإذا تاب فله أن يتزوج بمؤمنة، وينبغي على الزاني إذا تاب أن يستر على نفسه، ولا ينشر ذلك. والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 12510
لم يكن يعلم أن العمل في البنك حرام
[السُّؤَالُ]
ـ[لم أكن أعلم أن العمل في البنك حرام، وقد تبت إلى الله تعالى وتركت العمل، فما حكم الأموال التي جمعتها من عملي في البنك؟ هل هو مال حرام؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ما دمت لم تكن تعلم أن هذا العمل حرام، وقد تركت العمل بمجرد علمك بأنه حرام، فلا يلزمك التخلص من هذه الأموال، ولا حرج عليك من الانتفاع بها، لقول الله تعالى بعد ما بَيَّن تحريم الربا: (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ) البقرة/٢٧٥.
قال الشيخ ابن عثيمين: "من فوائد الآية: أن ما أخذه الإنسان من الربا قبل العلم بالتحريم فهو حلال له، بشرط أن يتوب وينتهي" انتهى.
"تفسير سورة البقرة" (٣/٣٧٧) .
وقال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:
"المدة التي جلستها في البنك للعمل فيها: نرجو من الله أن يغفر إثمها عنك، وما جمعتَه من نقود وقبضتها بسبب العمل في البنك عن المدة الماضية: لا إثم عليك فيها؛ إذا كنت تجهل الحكم في ذلك".
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٥ / ٤٦) .
وقالوا أيضاً:
"إذا كان الواقع كما ذكرت، من أنك تركت العمل به بعد أن أخبرت أنه لا يجوز العمل في البنك: فلا حرج عليك فيما قبضته من البنك مقابل عملك لديه مدة الأشهر المذكورة، ولا يلزمك التصدق بها، وتكفي التوبة عن ذلك، عفا الله عنا وعنك؛ لقول الله سبحانه: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ) " انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٥ / ٥٠، ٥١) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12511
تابت من العمل في البنك ويريد أهلها وزوجها أن تبقى فيه !
[السُّؤَالُ]
ـ[لي صديقة عمرها ٤٣ سنة، متزوجة، وأم لثلاثة أطفال، تعمل في بنك ربوي مند ٢٠ سنة، في السنة الأخيرة - والحمد لله - هداها الله إلى الاقتناع بأن هذا العمل حرام شرعاً؛ لما فيه من تعاملات ربوية، ومساعدة على نشرها، واتخذت قرارها بتركه، لكن الأمور لم تجرِ بهذه السهولة، اصطدمت بمعارضة قوية من عائلتها، من جهة أولى زوجها، حاول المستحيل لمنعها لدرجة أن الأمر وصل للتهديد بالطلاق إن هي أصرت على موقفها، فهو لا يريدها أن تترك العمل؛ لأنها تساهم – تقريباً- بنصف راتبها في مستلزمات البيت، وما يعزز أكثر رفضه - في نظره - أنه يتحجج بأن عملها يمنح لأطفالهما تأميناً صحيّاً لا يمكنه أن يوفره من خلال عمله (يعمل في عمل مند أكثر من ١٥ سنة بعقد قابل للتجديد كل سنة) تخبره بأنها ستقنع بما يجنيه هو، وأن الله هو المؤمن وكل شيء بيده، لكن لا فائدة، ومن جهة أخرى والدها الذي وصل به الأمر بتخييرها بين رضاه، وسخطه إن تركت العمل، يقول لها: يمكنك تركه ولكن بشرط أن تجدي عملا آخر قبل ذلك، وهذا نراه شرطاً تعجيزيّاً، وذلك لسببين: أولاً: مشكلة السن، عمرها ٤٣ سنة، ثانياً: استفحال مشكلة البطالة في بلادنا، هناك صعوبة في إيجاد عمل آخر، كما أنه عمل على إقناع شقيقيها على عدم مساعدتها سواء ماديّاً، أو معنوياً. مع العلم: أسرتها أسرة ملتزمة بتعاليم ديننا الإسلامي، لكن عملها هو نقطة خلافهم، هي الآن حائرة، لا تدري ما تفعل، زوجها يخبرها أن الله أمر الزوجة بطاعة زوجها، وهذا هو فوزها الأكبر أكثر من أي شيء، وبين والدها الذي يهدد إن لم تطعه سيسخط عليها دنيا وآخرة، وبأن بر الوالدين وطاعتهما فوق كل ما تريد أن تفعله، وأنها يجب عليها المحافظة على عملها لأنه هو مستقبلها، وأنها يمكن أن تمر بظروف قاسية إن تركته. نرجو من فضيلتكم أن تنصحوها، وأن تضعوها على الطريق الصحيح، وأن تبينوا لها حكم ما يقول زوجها، وأبوها.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نحمد الله تعالى أن وفقها للتوبة من الكسب المحرَّم، ومن الإعانة على ما يسخط الرب تعالى من العمل في الربا، وهو من كبائر الذنوب التي توعد الله أصحابها بالمحق والعذاب، إلا أن يتوبوا ويعودوا لربهم بصدق وإخلاص.
ثانياً:
لا تخلو هذه الدنيا من ابتلاء، فيبتلى المسلم فيها بأنواع شتى من الابتلاءات، وقد يُبتلى التائب من ذنبه، والمقبل على ربه تعالى فعليه أن يصبر ويثبت فإنه الآن في محطة الاختبار ليُرى صدقه في توبته وإقباله على ربه تعالى من عدمه، لذا فإنه يجب على صديقتك أن تعلم أن ابتلاءها هو في صالحها إن صبرت عليه وتحملته، وأنه أمرٌ يعرض للتائبين من ذنوبهم، والمقبلين على ربهم تعالى، فلا تجزع، ولا تفزع، ولا تضجر، ولتكن مع ربها تعالى بالإنابة، والدعاء، والعمل الصالح، وستجد ما يسرها إن شاء الله، من التثبيت على الطاعة، والتوفيق للعمل الصالح.
وطريق الجنة محفوف بالمكاره، ومن صبر على قطع هذا الطريق فإن نهايته ستكون سعيدة، وطريق النار محفوف بالشهوات، ولو استمتع العاصي بدنياه بتلك الشهوات فإنه سيندم على ذلك أشد الندم، وسيجد من الحسرة والسخط والعذاب ما يُنسيه استمتاعه ذاك.
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (حُجِبَتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ، وَحُجِبَتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ) . رواه البخاري (٦١٢٢) ومسلم (٢٨٢٣) .
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (حُفَّتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ) . رواه مسلم (٢٨٢٢) .
قال النووي ﵀:
"قال العلماء: هذا من بديع الكلام، وفصيحه، وجوامعه، التي أوتيها ﷺ ، من التمثيل الحسن، ومعناه: لا يوصل الجنة إلا بارتكاب المكاره، والنار بالشهوات، وكذلك هما محجوبتان بهما، فمن هتك الحجاب: وصل إلى المحجوب، فهتك حجاب الجنة: باقتحام المكاره، وهتك حجاب النار: بارتكاب الشهوات، فأما المكاره: فيدخل فيها: الاجتهاد في العبادات، والمواظبة عليها، والصبر على مشاقها، وكظم الغيظ، والعفو، والحلم، والصدقة، والإحسان إلى المسيء، والصبر عن الشهوات، ونحو ذلك.
وأما الشهوات التي النار محفوفة بها: فالظاهر أنها: الشهوات المحرمة، كالخمر، والزنا، والنظر إلى الأجنبية، والغيبة، واستعمال الملاهي، ونحو ذلك.
وأما الشهوات المباحة: فلا تدخل في هذه، لكن يكره الإكثار منها؛ مخافة أن يجر إلى المحرمة، أو يقسي القلب، أو يشغل عن الطاعات، أو يحوج إلى الاعتناء بتحصيل الدنيا للصرف فيها، ونحو ذلك" انتهى.
" شرح مسلم " (١٧ / ١٦٥، ١٦٦) .
ثالثاً:
من الواجب على هذه الأخت أن تلتزم الصدق في توبتها، فتندم على ما فات من عمرها الذي قضته في العمل المحرَّم، وتعزم عزماً مؤكداً على عدم العود للعمل في البنوك الربوية، ولا في غيرها من الأماكن المحرَّمة.
قال علماء اللجنة الدائمة للإتاء:
"العمل في البنوك التي تتعامل بالربا: من الأمور المحرمة، ولا يجوز لك أن تستمر فيه؛ لأنه من التعاون على الإثم والعدوان، وقد نهى الله عنه بقوله: (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) ، وقد ثبت عن رسول الله ﷺ من حديث جابر ﵁: (أن رسول الله ﷺ لعن آكلَ الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه) ، وعليك التوبة إلى الله من ذلك" انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٥ / ٤٥، ٤٦) .
وقالوا أيضاً:
"ثبت تحريم الربا بالكتاب، والسنَّة، والإجماع، وثبت أن التعاون عليه بالكتابة، والشهادة، ونحوهما: حرام، وعلى هذا: فالعمل في البنوك الربوية محرم؛ لما فيه من التعاون على الإجراءات الربوية من حساب، وصرف، وقبض، وتقييد، وكتابة، وحراسة، ونحو ذلك، وقد قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) " انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٥ / ٤٦، ٤٧) .
رابعاً:
أما ما قاله زوجها ووالدها من أن الله تعالى أمر بطاعة الزوج، وطاعة الوالدين وبرهما، فهو حق، قد أمر الله تعالى بذلك، لكن. . إذا تعارض أمر الله تعالى مع أمر الزوج أو الوالد بحيث أمرا بما يخالف أمر الله، فلا يشك مؤمن في أن الواجب هو تقديم أمر الله تعالى، ومن قال غير ذلك فهو على خطر عظيم، وعليه أن يراجع إيمانه.
ولذلك قال النبي ﷺ : (لَا طَاعَةَ في مَعْصِيَةِ الله، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ) رواه البخاري (٦٨٣٠) ومسلم (١٨٤٠) .
وجاء في " الموسوعة الفقهية " (٢٨ / ٣٢٧) :
"طاعة المخلوقين - ممّن تجب طاعتهم – كالوالدين، والزّوج، وولاة الأمر: فإنّ وجوب طاعتهم مقيّد بأن لا يكون في معصية، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" انتهى.
وقال الشيخ الفوزان حفظه الله:
"المرأة مأمورة بطاعة الله ، ومأمورة بطاعة زوجها، وبطاعة والديها، ضمن طاعة الله .
أمَّا إذا كان في طاعة المخلوق: من والد، أو زوج، معصية للخالق: فهذا لا يجوز؛ لقوله ﷺ : (إنما الطاعة في المعروف) - رواه البخاري -؛ وقوله ﷺ : (لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصية الخالق) - رواه أحمد – " انتهى.
" المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان " (١ / ٢٦٥، ٢٦٦، سؤال ١٦١) .
فأعلمي صديقتك بحرمة طاعتها لوالديها وزوجها في الرجوع للعمل في البنك الربوي، وأن غضب والدها عليها لا وزن له عند الله تعالى؛ لأنه والحالة هذه يكون هو الآثم الظالم لها، وإن أمكنها أن تتقاعد مبكراً، وتحصل على راتب شهري بعد تقاعدها، فذلك خير، ولا حرج عليها من أخذ هذا الراتب إن شاء الله.
وإن وُفِّقَت إلى الجمع بين إرضاء الله تعالى وعدم إسخاط الوالدين والزوج بالعمل في مكان مباح: فذلك أفضل، وأجمع للشمل، وإن عجزت عن التوفيق بين الأمرين: فلتقدم مرضاة الله على رضا أي أحدٍ سواه، وإن أصابها سوء أو أذى أو ضرر: فلتصبر، ولتحتسب.
وعليها أن تلين مع زوجها وأبيها وتحاول إقناعهما بأن الحرام مهما كان كثيرا فإنه لا بركة فيه، وعاقبته إلى زوال.
ونسأل الله أن ييسر لها أمرها ويهدي أهلها.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12512
هل تتخلص من المال الذي أخذته من العمل الحرام ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[طوال عملي في المصانع التابعة لشركات أجنبية، طوال ٦ سنوات تقريبا، والمختلطة من حيث التوقيت في العمل، ومن حيث الجنسين وما يتبع ذلك من محادثات ومزح وما إلى ذلك ومشاهدة أشياء محرمة وفواحش تقع بين بعض الشبان وبعض الفتيات، وذلك على سبيل الصدفة، خصوصا عند العمل ليلا، وطبعا كنت أحصل على أجري كل شهر، والآن وقد تركت العمل منذ سنتين بقي لدي أشياء كنت قد اشتريتها من تلك الرواتب التي كنت أتقاضاها، منها آلة خياطة كنت أيضا أخيط عليها الملابس للفتيات، وقد كنت لا أهتم لاحتشام هذه الملابس، بل كنت أخيط كل ما تريده زبوناتي، ولكن الآن تبت إلى الله ، ولم أعد أفعل ذلك. سؤالي هو: ما حكم تلك الأموال التي كنت أتقاضاها، وما حكم ما بقي من الأشياء التي اشتريتها بذاك المال، وكيف أتصرف فيها، ومنها آلة الخياطة، وبعض الذهب، وبعض الأثاث والمفروشات؟ أفيدوني لما فيه مرضات الله عني؛ لأني أريد أن تكون توبتي خالصة لله، ونقية من كل شائبة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
نحمد الله تعالى أَنْ مَنَّ عليك بالتوبة، ورزقك الإنابة، فوالله إن خير ما يكسبه المرء في دنياه صدق الرجوع إلى الله، ومن أراد الله به خيرا فتح له باب الذل والانكسار والافتقار، وأراه عيوب نفسه وجهلها وظلمها وتعديها حدوده، وألان قلبه إلى التوبة والاستغفار والندم على الذنب والتفريط.
فقد كان عملك في الأماكن المختلطة وفي صنع وإنتاج ما يستعمل على الوجه الحرام من المحرمات التي تمنعها الشريعة الإسلامية، حفظا للدين، وصيانة لمجتمعات المسلمين، والتزاماً بحدود الله، وتعظيماً لشرعه، ومعرفةً لقدره .
قال ابن القيم في "الوابل الصيب" (ص/٣٢) :
" وأما علامات تعظيم المناهي: فالحرص على التباعد من مظانها وأسبابها وما يدعو إليها، ومجانبة كل وسيلة تقرب منها، كمن يهرب من الأماكن التي فيها الصور التي تقع بها الفتنة خشية الافتتان بها، وأن يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس، وأن يجانب الفضول من المباحات حشية الوقوع في المكروهات، ومجانبة مَن يجاهر بارتكابها ويحسنها ويدعو إليها ويتهاون بها ولا يبالي ما ركب منها، فإن مخالطة مثل هذا داعية إلى سخط الله تعالى وغضبه، ولا يخالطه إلا من سقط من قلبه تعظيم الله تعالى وحرماته " انتهى.
ثانيا:
خياطة الملابس النسائية الفاضحة - لمن تلبسها في المعصية وتستعملها في الفتنة – من الأعمال المحرمة؛ لما فيها من الإعانة على المنكر، والواجب على المسلم تعظيم حدود الله فلا يرضى أن يعصى الرب تعالى من طريقه، ولا يقبل أن يكون من أعوان الشيطان وحزبه.
قال ابن تيمية في "شرح العمدة" (٤/٣٨٧) :
" وكل لباس يغلب على الظن أن يستعان بلبسه على معصية فلا يجوز بيعه وخياطته لمن يستعين به على المعصية والظلم، وكذلك كل مباح في الأصل علم أنه يستعان به على معصية " انتهى.
وقال أيضا – كما في "مجموع الفتاوى" (٢٢/١٤١) -:
" إذا أعان الرجل على معصية الله كان آثما؛ لأنه أعان على الإثم والعدوان، ولهذا لعن النبى ﷺ الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومشتريها، وساقيها، وشاربها، وآكل ثمنها.
وأكثر هؤلاء كالعاصر والحامل والساقي إنما هم يعاونون على شربها، ولهذا ينهى عن بيع السلاح لمن يقاتل به قتالا محرما: كقتال المسلمين، والقتال فى الفتنة " انتهى.
وقال ابن حزم في "المحلى" (٧/٥٢٢) :
" ولا يحل بيع شيء ممن يوقن أنه يعصي الله به أو فيه , وهو مفسوخ أبدا:
كبيع كل شيء يعصر ممن يوقن بها أنه يعمله خمرا. وكبيع المملوك ممن يوقن أنه يسيء ملكته. أو كبيع السلاح أو الخيل: ممن يوقن أنه يعدو بها على المسلمين. أو كبيع الحرير ممن يوقن أنه يلبسه , وهكذا في كل شيء ; لقول الله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) .
والبيوع التي ذكرنا تعاون ظاهر على الإثم والعدوان بلا تطويل , وفسخها تعاون على البر والتقوى.
فإن لم يوقن بشيء من ذلك فالبيع صحيح ; لأنه لم يعن على إثم , فإن عصى المشتري الله تعالى بعد ذلك فعليه " انتهى باختصار.
وجاء في "الموسوعة الفقهية" (٢/٧٣) :
" لا يجوز احتراف ما يؤدي إلى الحرام أو ما يكون فيه إعانة عليه , كالوشم: لما فيه من تغيير خلق الله، وككتابة الربا: لما فيه من الإعانة على أكل أموال الناس بالباطل، ونحو ذلك " انتهى.
ثالثا:
التوبة من المال الحرام شرطها التخلص منه، وذلك بصرفه في مصالح المسلمين، وفي أوجه البر المختلفة.
قال ابن تيمية – كما في "مجموع الفتاوى" (٢٢/١٤٢) :
" ومن أخذ عِوضًا (أجرة) عن عين محرمة، أو نفع استوفاه، مثل: أجرة حَمَّال الخمر، وأجرة صانع الصليب، وأجرة البَغِيّ، ونحو ذلك، فليتصدق بها، وليتب من ذلك العمل المحرم، وتكون صدقته بالعوض (الأجرة) كفارة لما فعله؛ فإن هذا العوض لا يجوز الانتفاع به؛ لأنه عوض خبيث " انتهى.
وجاء في "الفروع" (٢/٦٦٦) لابن مفلح:
" والواجب في المال الحام التوبة وإخراجه على الفور " انتهى.
فالواجب عليكِ تقدير ما حصلته من أجرة خياطة ثياب النساء المتبرجات، ثم إخراجه للفقراء والمساكين رجاء تكفير الإثم والمعصية السابقة.
أما الأموال التي حصلتِها من العمل في المصنع – ومنها آلة الخياطة - فلا يجب عليك إخراجها ولا التخلص منها؛ لأن الحرام لم يتعلق بأصل العمل، بل بالاختلاط الذي صاحبَه، وهو أمر خارجٌ عن أصله، اللهم إلا إذا كان عمل المصنع في الحرام، كمصانع الخمور والدخان والآلات المحرمة، فيجب عليك حينذ إخراج الأجرة التي أخذتها منه.
وإن ضاق عليك الحال، ولم تتمكني من إخراج جميع المال الذي حصلته من خياطة الملابس المحرمة، فلا حرج عليك من إبقاء ما تحتاجين إليه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – كما في "مجموع الفتاوى" (٢٩/٣٠٨) :
" فإن تابت هذه البغي وهذا الخَمَّار وكانوا فقراء، جاز أن يُصرف إليهم من هذا المال قدر حاجتهم، فإن كان يقدر يتجر أو يعمل صنعة كالنسج والغزل، أعطي ما يكون له رأس مال " انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12513
كفارة الغيبة
[السُّؤَالُ]
ـ[في كفارة الغيبة، هل يجزئ قول: (رب اغفر لي وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات) عن الاستغفار لمن اغتبته، أم يجب الدعاء له بالاسم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الغيبة من كبائر الذنوب، ولا شك أن جميع المسلمين يدركون هذا، ويعلمون ما للمغتاب من عذاب عند الله تعالى، والخطورة في هذا الذنب تأتي من وجهين اثنين:
١- أنه متعلق بحقوق العباد، فهي لذلك أشد خطرا، إذ يتعدى فيها الظلم إلى الناس.
٢- أنها معصية سهلة ينقاد إليها غالب الناس إلا من رحم الله، والشيء السهل يحسبه الناس – في العادة – هينا وهو عند الله عظيم.
وفي أمر كفارة الغيبة لا بد من التنبيه إلى بعض الجوانب المهمة:
أولا: سبق في موقعنا في العديد من الفتاوى بيان أن كفارة الغيبة هي الاستغفار لمن اغتبته، والدعاء له، والثناء عليه في غيبته. وللتذكير بهذه الفتاوى وقراءة كلام أهل العلم يرجى من القارئ الكريم مراجعة الأرقام الآتية: (٦٣٠٨) ، (٢٣٣٢٨) ، (٥٢٨٠٧) ، (٦٥٦٤٩)
ثانيا: إلا أن تقرير كون الاستغفار كفارة للغيبة لا يعني وقوعها كافيةً في ذلك، فإن الأصل أن الذنوب لا تُمحى إلا بالتوبة الصادقة التي يصحبها الإقلاع، والندم، وعدم العود، وصدق القلب في معاملة الخالق سبحانه، ثم يُرجى لمن جاء بهذه التوبة أن يغفر الله له ذنبه، ويعفو عنه خطيئته.
أما حقوق العباد، ومظالم الخلق، فلا يكفرها إلا عفوُ أصحابها عنها ومغفرتهم لها، دليل ذلك في سنة النبي ﷺ حين يقول:
(مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ) رواه البخاري (٢٤٤٩)
فقد جاء الأمر بالتحلل من المظالم قبل أن يوافيَ الناسُ يومَ الحساب، فيكون التحلل يومئذ بالحسنات والسيئات، وتكون الخسارة الحقيقية على من ظلم الناس في أموالهم أو أعراضهم أو دمائهم.
ثالثا: فالواجب على من أراد أن يستبرئ لنفسه من إثم الغيبة أن يسعى جاهدا في التحلل ممن اغتابه، فيطلب منه العفو والصفح، ويعتذر إليه بالكلام اللين والحسن، ويبذل في ذلك ما يستطيع، حتى إن اضطر إلى شراء الهدايا القيمة الغالية، أو تقديم المساعدة المالية، فقد نص العلماء على جواز ذلك كله في سبيل التحلل من حقوق العباد.
ولما رأى أهل العلم من السلف الصالحين والفقهاء الربانيين أن التحلل من العباد في أمر الغيبة قد يؤدي – في بعض الحالات - إلى مفسدة أعظم، فيوغر الصدور، ويقطع الصلات، وقد يُحمِّلُ القلوب من الأحقاد والأضغان ما الله به عليم، رخص أكثر أهل العلم في ترك التحلل، ورجوا أن يكفي في ذلك الاستغفار للمغتاب والدعاء له والثناء عليه في غيبته.
وإن كان آخرون من أهل العلم ذهبوا إلى أن الغيبة لا يكفرها إلا عفو صاحب المظلمة عنها.
لكن الصواب أنه إذا صدقت توبة مرتكب الغيبة، لم يلزمه أن يخبر بذلك من اغتابه، لاسيما إن خاف مفسدة ذلك، كما هو الغالب.
إذا فالاستغفار لمن اغتبته إنما هو عذر طارئ، وحالة ضرورة اقتضتها الشريعة التي تقدم درء المفاسد على جلب المصالح.
وفهم ما سبق يبين خطأ من يتساهل في إثم الغيبة معتمدا على أن الاستغفار كافٍ في تكفير تلك المعصية، ولم يدرِ أنه أخطأ في ذلك من ثلاثة وجوه:
١- أنه نسي أن شرط التوبة الأساسي هو الندم والإقلاع وصدق الإنابة إلى الله تعالى، وهذا الشرط قد لا يوفق لتحقيقه كثير من الناس.
٢- أن الأصل في تكفير حقوق العباد السعي في طلب العفو منهم، فإن كان التقدير أن إخباره بالغيبة سيؤدي إلى مفسدة أعظم، فيلجأ إلى الاستغفار حينئذ، وإلا فالأصل أنه يذهب ليطلب الصفح ممن ظلمه.
٣- وذلك يدلك على أن المغتاب إن كان قد بلغه ما اغتابه به رجل آخر، فإنه - والحالة هذه - لا بد من طلب العفو منه مباشرة، كي يزيل ما أصاب قلب المغتاب من أذى، وما حمله من كره أو حقد عليه، فإن لم يعف ولم يصفح، فليس ثمة حيلة بعد ذلك إلا الاستغفار والدعاء.
رابعا:
ثم بعد ذلك كله، هل يظن السائل أن الاستغفار بصيغةٍ عموميةٍ (اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات) كافٍ في تكفير إثم الغيبة؟!!
نحن نقول إننا حين نرجو من الله أن يكون الدعاء والاستغفار مكفرا للسيئات، لا بد أن نصدق الله في هذا الدعاء، فنخلص فيه المسألة، ونبتغي إليه الوسيلة فيه، ونكرره في مواطن الإجابة، وندعو فيه بكل خير وبركة له في الدنيا والآخرة، ولا شك أن هذه الحالة من الدعاء تقتضي تخصيص المدعو له: إما بذكر اسمه، أو بذكر وصفه فتقول: اللهم اغفر لي ولمن اغتبته وظلمته، اللهم تجاوز عنا وعنه..إلى آخر ما يمكن أن تدعو به.
أما الصيغ العامة فلا تبدو كافية في تحقيق ما ترجو من الله تعالى، فكما أنك اغتبته باسمه أو وصفه، وخصصته بالأذى، فكذلك ينبغي أن يكون الاستغفار والدعاء مخصصا حتى تقابل السيئات بالحسنات.
خامسا:
ينبغي التنبه إلى أن المقصد من الاستغفار والدعاء هو دفع السيئة بالحسنة، ومقابلتها بها، ولذلك فلا يتحتم الاستغفار دون غيره من الأعمال، بل يمكن أن تعمل العمل الصالح ليكون ثوابُه مقدَّما لمن اغتبته، كأن تتصدق عنه أو تقدم له المساعدة، وتقف معه في محنه، فتحاول تعويضه عن ذلك الأذى بما تستطيع.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كما في "مجموع الفتاوى" (١٨/١٨٧-١٨٩) :
" وأما حق المظلوم فلا يسقط بمجرد التوبة، وهذا حق، ولا فرق فى ذلك بين القاتل وسائر الظالمين، فمن تاب من ظلم لم يسقط بتوبته حق المظلوم، لكن من تمام توبته أن يعوضه بمثل مظلمته، وإن لم يعوضه فى الدنيا فلا بد له من العوض فى الآخرة، فينبغى للظالم التائب أن يستكثر من الحسنات، حتى إذا استوفى المظلومون حقوقهم لم يبق مفلسا، ومع هذا فإذا شاء الله أن يعوض المظلوم من عنده فلا راد لفضله، كما إذا شاء أن يغفر ما دون الشرك لمن يشاء، ولهذا فى حديث القصاص الذى ركب فيه جابر بن عبد الله إلى عبد الله بن أنيس شهرا حتى شافهه به، وقد رواه الإمام أحمد – (٣/٤٩٥) - وغيره، واستشهد به البخارى فى صحيحه، وهو من جنس حديث الترمذى صحاحه أو حسانه، قال فيه: (إذا كان يوم القيامة فإن الله يجمع الخلائق فى صعيد واحد، يسمعهم الداعى وينفذهم البصر، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده حق حتى أقصه منه)
وفى صحيح مسلم من حديث أبى سعيد: (أن أهل الجنة إذا عبروا الصراط وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة) وقد قال لما قال (ولا يغتب بعضكم بعضا) - والإغتياب من ظلم الأعراض - قال: (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم)
فقد نبههم على التوبة من الاغتياب، وهو من الظلم.
وهذا فيما علمه المظلوم من العوض، فأما إذا اغتابه أو قذفه ولم يعلم بذلك، فقد قيل: مِن شرط توبته إعلامه. وقيل: لا يشترط ذلك. وهذا قول الأكثرين، وهما روايتان عن أحمد، لكن قوله مثل هذا أن يفعل مع المظلوم حسنات: كالدعاء له، والاستغفار، وعمل صالح يهدى إليه يقوم مقام اغتيابه وقذفه. قال الحسن البصري: كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته " انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12514
إذا تاب المرتد قبلت توبته
[السُّؤَالُ]
ـ[أتاني أحد الإخوة في أحد الأيام نادماً خجلاً من نفسه على ما بدر منه من سوء أدب مع الله - وهذا أفضل ما استطاع أن يسميه هو نفسه - حيث أقدم في أحد الأيام في ثورة غضب من خطيبته على سب الله! نسأل الله العفو والعافية، وقد أتاني في وضع يرثى له من الندم، وأخبرني أنه خجل من نفسه، وخجل الآن من أداء صلاته، فهو إنسان - والحمد لله - ملتزم بأمور دينه وشرعه الحنيف.
فأرجو من فضيلتكم أن تفيدونا بشأنه بالنصيحة، وبيان الحكم الشرعي لما حدث معه، وكفارة ذلك - إن وجد -.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا شك أن ما فعله صاحبك هو سوء أدب مع ربه ، فربه تعالى الذي خلقه في أحسن صورة، وهداه للدين الصحيح، وأكرمه بالعقل والسمع والبصر، ثم يسبه ويشتمه؟! إن هذا الأمر لو فُعل مع واحدٍ من الخلق ممن أكرمه بتفاهات الدنيا أو سقط متاعها لعدَّ منقصة له، وسوء أدب، فكيف والأمر مع الله تعالى، ولا مقارنة – أصلاً – بين إكرام الخلق وإكرام الخالق تعالى له؟! .
وهذا السب يخرج صاحبه من الإسلام، ويجعله مرتدّاً، وليس بين العلماء خلاف في هذا الحكم.
قال ابن قدامة المقدسي ﵀:
ومَن سب الله تعالى: كفر، سواءَ كان مازحاً أو جادّاً، وكذلك من استهزأ بالله تعالى أو بآياته أو برسله أو كتبه، قال تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ) التوبة/٦٥.
" المغني " (١٢ / ٢٩٨) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
إن سب الله أو سب رسوله كفرٌ ظاهراً وباطناً، سواء كان السابُّ يعتقد أن ذلك محرم، أو كان مستحلا له، أو كان ذاهلاً عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء، وسائر أهل السنَّة القائلين بأن الإيمان قول وعمل.
" الصارم المسلول " (١ / ٥١٣) .
وفي " الموسوعة الفقهية " (٢٢ / ١٨٤) :
اتّفق الفقهاء على أنّ من سبّ الله تعالى كفر، سواء كان مازحاً أو جادّاً أو مستهزئاً.
وفي (٢٤ / ١٣٩) :
اتّفق الفقهاء على أنّ من سبّ ملّة الإسلام أو دين المسلمين يكون كافراً.
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀:
سب الدين من أعظم الكبائر، ومن أعظم المنكرات، وهكذا سب الرب ، وهذان الأمران من أعظم نواقض الإسلام، ومن أسباب الردة عن الإسلام، فإذا كان مَن سبَّ الرب أو سب الدين ينتسب إلى الإسلام: فإنه يكون بذلك مرتدّاً عن الإسلام، ويكون كافراً، يستتاب، فإن تاب وإلا قتل من جهة ولي أمر البلد بواسطة المحكمة الشرعية، وقال بعض أهل العلم: إنه لا يستتاب، بل يقتل؛ لأن جريمته عظيمة، ولكن الأرجح أنه يستتاب لعل الله يمنُّ عليه بالهداية فيلزم الحق، ولكن ينبغي أن يعزر بالجلد والسجن حتى لا يعود لمثل هذه الجريمة العظيمة، وهكذا لو سب القرآن أو سب الرسول أو غيره من الأنبياء فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل؛ فإنَّ سبَّ الدين أو سب الرسول أو سب الرب من نواقض الإسلام، وهكذا الاستهزاء بالله أو برسوله أو بالجنة أو بالنار أو بأوامر الله كالصلاة والزكاة، فالاستهزاء بشيء من هذه الأمور من نواقض الإسلام، قال الله : (قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ. لَا تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) التوبة/٦٦،٦٥، نسأل الله العافية.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٦ / ٣٨٧) .
وقال – ﵀:
كلُّ مَن سبَّ الله سبحانه بأي نوع من أنواع السب، أو سب الرسول محمدا ﷺ ، أو غيره من الرسل بأي نوع من أنواع السب أو سب الإسلام، أو تنقص أو استهزأ بالله أو برسوله ﷺ : فهو كافر مرتد عن الإسلام إن كان يدَّعي الإسلام، بإجماع المسلمين؛ لقول الله : (قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) الآية.
وقد بسط العلامة الإمام أبو العباس ابن تيمية ﵀ الأدلة في هذه المسألة في كتابه " الصارم المسلول على شاتم الرسول "، فمن أراد الوقوف على الكثير من الأدلة في ذلك فليراجع هذا الكتاب لعظم فائدته ولجلالة مؤلفه، واتساع علمه بالأدلة الشرعية ﵀.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٧ / ٧٧، ٨٧) .
وفي جواب السؤال رقم (٤٢٥٠٥) تجد فتوى الشيخ العثيمين في حكم سب الله ورسوله وسب الدين.
ثانياً:
ومع عِظم الذنب الذي فعله صاحبك، ومع شدة ما يترتب عليه من أحكام إلا أن الله تعالى قد فتح باب التوبة لمن رغب بالرجوع عن ذنبه، وأراد أن يتوب ويستغفر، ولا ينبغي له أن يستبعد عفو الله تعالى ومغفرته، وودَّ الشيطان لو ظفر بهذا من العاصي والمرتد.
نعم، يجب أن يندم وأن يؤرقه ذنبه، لكن لا ينبغي أن يجعل بينه وبين الله تعالى حائلا يمنعه من التوبة والاستغفار.
قال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) الزمر/٥٣.
وعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا) .
رواه مسلم (٢٧٥٩) .
قال ابن رجب الحنبلي – ﵀:
قيل للحسن – أي: البصري -: ألا يستحيى أحدنا من ربه يستغفر من ذنوبه ثم يعود، ثم يستغفر ثم يعود؟ فقال: ودَّ الشيطان لو ظفر منكم بهذا، فلا تملوا من الاستغفار.
وروي عنه أنه قال: ما أرى هذا إلا من أخلاق المؤمنين - يعني: أن المؤمن كلما أذنب: تاب -.
" جامع العلوم والحكم " (١ / ١٦٥) .
فالنصيحة له بالتوبة والندم على ما فعل، والإكثار من الأعمال الصالحة، وليحرص أن يكون حاله بعد التوبة خيرا من حاله قبل ارتكاب هذه المعصية الكبيرة، والله تعالى يتوب على من تاب.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12515
ماذا يفعل التائب إذا اختلطت أمواله الحرام بأمواله الحلال
[السُّؤَالُ]
ـ[ماذا يفعل بالمال الذي ربحه من تجارة الدخان، وكذلك إذا احتفظ بأمواله الأخرى الحلال؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
من تاجر بالمحرمات كبيع آلات اللهو والأشرطة المحرمة والدخان وهو يعلم حكمها ثم تاب يصرف أرباح هذه التجارة المحرمة في وجوه الخير تخلصاً لا صدقة، لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً.
وإذا اختلط هذا المال الحرام بأموال أخرى حلال كصاحب البقالة الذي يبيع الدخان مع السلع المباحة، فإنه يقدر هذا المال الحرام تقديراً باجتهاده، ويخرجه بحيث يغلب على ظنه أنه نقى أمواله من الكسب الحرام، والله يعوضه خيراً وهو الواسع الكريم.
وعلى وجه العموم فإن من لديه أموالاً من كسب حرام، وأراد أن يتوب فإن كان:
١- كافراً عند كسبها فلا يُلزم عند التوبة بإخراجها لأن رسول الله ﷺ لم يُلزم الصحابة بإخراج ما لديهم من الأموال المحرمة لما أسلموا.
٢- وأما إن كان عند كسبه للحرام مسلماً عالماً بالتحريم فإنه يُخرج ما لديه من الحرام إذا تاب.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 12516
هل تصح التوبة ممن أصيب بمرض لا يرجى شفاؤه ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[رجل له ذنوب كثيرة، أصيب بمرض خطير وحاول العلاج فلم يستفيد وقال له الأطباء إنه لا علاج لديهم لحالته، وهو الآن نادم ويريد التوبة فهل تصح توبته وهو مصاب بهذا المرض القاتل الذي لا يرجى شفاؤه؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نعم تصح التوبة من إنسان أيس من حياته، إما بمرض لا يرجى شفاؤه كمرض السرطان مثلاً، وإما بتقديمه للقتل كرجل قدم ليقتص منه، حتى ولو كان السياف على رأسه، وإما من إنسان محصن زنى واستحق الرجم، وحتى لو كانت الحجارة قد جمعت لرجمه، فإنه تصح توبته، لأن الله تعالى يقبل توبة الإنسان ما لم يغرغر بروحه، لقوله تعالى: (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليماً حكيماً) ومعنى قوله: يتوبون من قريب: أي يتوبون قبل الموت، لقوله تعالى بعد هذه الآية: (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن) ، ولكن التوبة لابد لها من شروط خمسة: الإخلاص، والندم على ما فعل، والإقلاع عنه في الحال، والعزم على أن لا يعود في المستقبل، وأن تكون التوبة في الوقت الذي تقبل فيه، أي بأن تكون قبل الموت أو قبل طلوع الشمس من مغربها.
[الْمَصْدَرُ]
لقاء الباب المفتوح لابن عثيمين ٥٣/٧٣
стр. 12517
هل يجزم التائب النادم بأنّ توبته قد قُبلت
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا استكمل التائب شروط التوبة بينه وبين نفسه، فهل يجزم أن توبته قد قبلت أم يرجو فقط؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
عرضنا هذا السؤال على فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين فأجاب حفظه الله بقوله:
لا، يرجو فقط، ولا أحد يجزم بقبول التوبة. انتهى، والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد بن صالح العثيمين
стр. 12518
هل القسم شرط في التوبة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل هناك أمل في أن يُغفر لنا إذا لم نقسم أو ننذر بأننا لن نفعل هذا الذنب مرة ثانية أبداً؟
أنا أسأل هذا لأنك إذا كنت تعلم أنك يمكن أن تفعل نفس الذنب ثانية فهل هناك فائدة من القسم أو النذر على أنك لن تفعل الذنب مرة أخرى؟ مع العلم أن الحنث باليمن مع الله يتطلب صيام ٣ أيام.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
فإن المولى جلت قدرته، وعظم سلطانه، لا يتعاظمه ذنب أن يغفره مهما كان هذا الذنب، ما دام أن العبد قد تاب منه , قال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) الزمر / ٥٣
فباب التوبة مفتوح ما لم يعاين المرء الموت، وما لم تطلع الشمس من مغربها.
عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " أخرجه أحمد (٢ / ١٣٢، ١٥٣) والترمذي (٣٥٣٧) وحسنه، وحسنه أيضا الألباني في صحيح الترغيب (٣ / ٣١٨) (٣٤١٣) .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه " أخرجه مسلم (٣٠٧٣) .
فعلى المسلم أن يغتنم هذه الفرصة وهذا الفضل العظيم من الله ﷻ ويعجل بالتوبة ما دام في زمن الإمهال ولا يسوف بالتوبة.
ولكن يجب أن تكون هذه التوبة توبة نصوحا , كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) التحريم / ٨.
وذكر العلماء أن التوبة النصوح هي التي جمعت خمسة شروط:
١- أن تكون خالصة لله .
٢- أن يكون نادماً حزنا على ما سلف من ذنبه , يتمنى أنه لم يحصل منه.
٣- أن يقلع عن المعصية فوراً، فإن كانت المعصية بفعل محرم تركه في الحال , وإن كانت المعصية بترك واجب فعله في الحال , وإذا كانت المعصية فيما يتعلق بحقوق الخلق لم تصح التوبة منها حتى يتخلص من تلك الحقوق.
٤- أن يعزم على أن لا يعود في المستقبل إلى المعصية.
٥- أن لا تكون بعد انتهاء وقت قبول التوبة , كما سبق. [ينظر: مجالس شهر رمضان لابن عثيمين ١٤٣] .
وبهذا يعلم أنه ليس من شرط التوبة عدم العود إلى الذنب , وإنما شرطه العزم الجازم الصادق على أن لا يعود،
فإن تاب العبد من الذنب الذي هو عليه ثم لعب به الشيطان ونكص على عقبيه ـ ولا حول ولا قوة إلا بالله ـ فلا ييأس من روح الله، وليجدّ في التوبة مرة أخرى فإن الله يقبله، فهو سبحانه واسع الفضل عظيم المغفرة.
عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل؛ حتى تطلع الشمس من مغربها " أخرجه مسلم (٢٧٥٩) .
وعن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ فَاغْفِرْ لِي. فَقَالَ رَبُّهُ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ غَفَرْتُ لِعَبْدِي. ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا، فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ فَاغْفِرْهُ. فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ غَفَرْتُ لِعَبْدِي. . . الحديث. رواه البخاري (٧٥٠٥) ومسلم (٢٧٥٣) .
ولكن ينبغي على المسلم العاقل أن يكون صادق التوبة مع الله، صادق العزم على عدم العودة مرة أخرى، نادمًا على ما قد جناه، ولا تكون توبته بلسانه فقط دون جوارحه، فهذه توبة الكذابين.
وأما القسم أو النذر بأن لا يفعل العبد هذا الذنب مرة أخرى , فلا حاجة إليه , فالتوبة النصوح تحصل باجتماع الشروط السابقة.
بقي أن يشار إلى ما ذكره السائل من أن من حنث في يمينه فعليه صيام ثلاثة أيام , فهذا ليس على إطلاقه , وإنما الواجب على من حنث في يمينه هو: عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم , فإن لم يجد صام ثلاثة أيام , فالصيام يكون عند تعذر الأمور الثلاثة الأولى , أما مع إمكان الإتيان بأحدها فإنه لا يجوز له الانتقال إلى الصيام، كما دل عليه قوله تعالى: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) المائدة / ٨٩.
هذا والله تعالى أعلم , وصل الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12519
اشترى شقة بالربا فكيف يتوب من فعله ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[كنت قد اشتريت شقة قبل عامين عن طريق أحد البنوك الربوية، فدفعت خمسة آلآف دينار أردني والباقي دفعهم البنك، وكان سعر الشقة ٢٧ ألف دينار، وتم الاتفاق على دفع أقساط شهرية لمدة (٩٢) شهراً، وقيمة القسط الواحد (٢٠٨) دينار أردني، والآن أريد أن أتخلص من البنك وأتوب إلى الله، مع العلم أن الأقساط المدفوعة حتى الآن (١٣٠٠٠) دينار أردني. فما هو الحل الأنسب للتخلص من هذا الذنب؟ مع العلم أني لا أملك أن أدفع باقي سعر الشقة، وأن سعر الشقق في الأردن تضاعف هذه الأيام، أي: أني لو عرضت شقتي للبيع ستباع بسعر مضاعف -؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نسأل الله أن يوفقك للتوبة من التعامل بالربا؛ فإن الربا من كبائر الذنوب، والمتعامل به مستحق للوعيد الشديد.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ) البقرة/ ٢٧٨،٢٧٩.
وعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: (لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ) رواه مسلم (١٥٩٨) .
ثانياً:
ومن تمام توبتك أن تتخلص من الفوائد الربوية التي تدفعها للبنك، فإن كانت تلك الفوائد يمكن أن تزول عنك أو يزول بعضها: فينبغي أن تعجل دفع أقساطهم ولو ببيع بيتك، أما إن كانت الفوائد الربوية قد لزمتك ولم يعد بإمكانك الفكاك منها، ولا تقليلها، فلا حرج عليك من الانتفاع بالبيت، إما بالسكن فيه، أو تأجيره، أو غير ذلك من أوجه الانتفاع.
ونسأل الله تعالى أن يتقبل توبتك ويوفقك لما يجبه ويرضاه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12520
الحكم في من سب دين رجل مسلم
[السُّؤَالُ]
ـ[هل تجب الكفارة على من سب مسلما.كالقول لمسلم: لعن دين أمك؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
سب الدين أو الملة أو الإسلام كفر أكبر، بإجماع أهل العلم، يُستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل، عياذا بالله من ذلك. وانظر السؤال رقم (٤٢٥٠٥) ، (٦٥٥٥١)
وأما سب دينِ شخصٍ مسلمٍ معين، كقوله: يلعن دينك، أو دين أمك – والحال أن أمّه مسلمة - فظاهره سب الدين أيضا، وهو كفر كما سبق، وأبدى بعض أهل العلم احتمالا، وهو أن يكون مراده حالة الشخص وتدينه، وهذا قد يؤخذ من القرائن المحيطة، فحينئذ يعزر ويؤدب، وبكل حال فإنه يستتاب ويراجع.
جاء في "الموسوعة الفقهية" (٢٤/١٣٩) : " اتفق الفقهاء على أن من سب ملة الإسلام أو دين المسلمين يكون كافرا , أما من شتم دين مسلم، فقد قال الحنفية كما جاء في جامع الفصولين: ينبغي أن يكفر من شتم دين مسلم , ولكن يمكن التأويل بأن المراد أخلاقه الرديئة ومعاملته القبيحة لا حقيقة دين الإسلام فينبغي أن لا يكفر حينئذ " انتهى.
وقال الشيخ عليش المالكي: " وفيه أيضا [أي البرزلي] نزلت مسألة وهي أن رجلا كان يزدري الصلاة وربما ازدرى المصلين وشهد عليه ملأ كثير من الناس منهم من زكي ومنهم من لم يزك، فمن حمله على الازدراء بالمصلين لقلة اعتقاده فيهم فهو من سباب المسلم فيلزمه الأدب على قدر اجتهاد الحاكم، ومن يحمله على ازدراء العبادة فالأصوب أنه ردة لإظهاره إياه وشهرته به كهذه المسألة المذكورة، لا زندقة ويجرى على أحكام المرتد اهـ.
قلت: يؤخذ من هذا الحكم فيمن سب الدين أو الملة أو المذهب وهو يقع كثيرا من بعض سفلة العوام كالحمّارة والجمّالة والخدامين وربما وقع من غيرهم وذلك أنه إن قصد الشريعة المطهرة والأحكام التي شرعها الله تعالى لعباده على لسان نبيه ﷺ فهو كافر قطعا، ثم إن أظهر ذلك فهو مرتد يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وإن لم يظهره فهو زنديق يقتل ولو تاب.
وإن قصد حالة شخص وتديّنه فهو سب المسلم ففيه الأدب باجتهاد الحاكم، ويفرق بين القصدين بالإقرار والقرائن، وبعضهم يجعل القصد الثاني كالأول في الحكم، ففي البدر عن بهرام في مبحث الردة: إذا قال تارك الصلاة لمن قال له صل: إذا دخلت الجنة فأغلق الباب خلفك، فإن أراد أن الصلاة لا تأثير لها في الدين فقد ارتد اتفاقا، وإن أراد أن صلاة القائل لا تأثير لها لكونها لم تنهه عن الفحشاء والمنكر ففي ردته قولان اهـ. ومن المعلوم أن من الدين والملة القرآن العزيز، وسبه كفر كما ذكره البرزلي في مواضع " انتهى من "فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك" (٢/٣٤٦) .
والاحتمال الذي ذكره، ربما وقع نادرا، وإلا فالأصل أن لعن دين الشخص هو لعن للإسلام، ولا يقدم على هذا إلا متهور مجترئ على حدود الله، مقتحم لهذه المهلكة العظيمة، ولندرة هذا الاحتمال فإن الشيخ عليش ﵀ لم يذكره في موضع آخر، حيث سئل ما نصه: " (ما قولكم) في رجل لعن دين آخر، وفي آخر لعن مذهبه، وفي آخر قال له: يلعن مذهبك مذهب القطط، هل يرتدون أفيدوا الجواب.
فأجبت بما نصه: الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، نعم قد ارتدوا بذلك، واستحقوا القتل إن لم يتوبوا اتفاقا؛ لأن سب الدين أو المذهب لا يقع إلا من كافر، ولأنه أشد من الاستخفاف به الموجب للكفر، ولأنه داخل في القسم الثاني المتقدم عن ابن عبد السلام والقرافي وابن رشد وغيرهم، والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم ". انتهى من "فتح العلي المالك" (٢/٣٥٥) .
ثانيا:
كفارة السب، سواء كان سبا للدين أو للشخص، هي التوبة النصوح، فمن تاب تاب الله عليه، إلا أن الساب يستحق التعزير والتأديب. سئل النووي ﵀: " ماذا يجب على من يقول للمسلم: يا كلب، أو يا خنزير، ونحوه من الألفاظ القبيحة هل يأثم؟.
فأجاب: الحمد لله، يأثم ويعزر، وعليه التوبة. والله أعلم ". انتهى من "فتاوى النووي" ص ٢٢٤
وانظر السؤال رقم (٤٢٥٠٥) ففيه تفصيل الكلام في توبة من سب الدين.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12521
من تاب وعليه حقوق مالية ولم يستطع أداءها كيف يكون مصيره في الآخرة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[في كتاب " التوابين " جاء في توبة شاب وامرأته أنه عندما قال لسري: عليّ مظالم. قال سري في الخبر: " إنه يؤتى بالتائب يوم القيامة معه خصومه فيقال لهم: خلوا عنه فإن الله تعالى يعوضكم ".
السؤال هو:
إذا تاب شخص بصدق ويريد رد المظالم سواء المالية وغيرها ولم يستطع لسبب أو لآخر فهل يردها الله عنه ولا يعذبه أبداً لا في القبر ولا في الآخرة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
التوبة هي الرجوع إلى الله تعالى من المعصية إلى الطاعة، وإرجاع الحقوق إلى أهلها، ويجب أن نَعلم أن التوبة واجبة على كل مسلم لقوله تعالى: (يَا أيُّها الذين آمَنوا تُوبُوا إِلى الله توبةً نصوحاً) التحريم/٨، وأن الله تعالى يفرح بتوبة التائبين مع غناه عن طاعتهم، وأخبر أنه يحب التوابين , فقال تعالى: (إِنَّ الله يُحبُّ التَّوابين وَيُحبُّ المتطَهِّرين) البقرة/٢٢٢.
والمعتدي على الناس إما أن يكون اعتداؤه على حقوقهم المادية وإما على حقوقهم المعنوية، وفي كلتا الحالتين هو متعدٍّ على أحكام الشرع.
وعليه: فيحتاج لتوبة صادقة فيما بينه وبين ربه تعالى، ويحتاج لإرجاع الحقوق إلى أهلها، أما المعنوية فيكفيه – مع التوبة الصادقة – أن يستغفر لهم ويدعو لهم بخير إن كانوا لم يعلموا بظله لهم , كما لو اغتابهم , فإن وصلت إليهم فعليه الاعتذار لهم وطلب العفو.
وأما الحقوق المادية فلا تكفي التوبة بينه وبين ربه ولا يكفي معها الدعاء له، بل يجب إرجاع هذه الحقوق المادية لأصحابها، فإن لم يجدهم ردها لورثتهم.
فإن عجز عن إرجاعها لعدم معرفته بصاحب هذه الحقوق فليتصدق بها عنه، وإن كان عجزه لفقرٍ فيُرجى إن كانت توبته صادقة أن يؤدي الله تعالى، ويرضي صاحب الحق، وإن شاء الله ذلك لم يعاقبه لا في القبر ولا في الآخرة.
وأما مع عدم التوبة فإن الله تعالى يعطي صاحب الحق من حسنات المعتدي، فإن فنيت حسناته أُخذ من سيئات المظلوم وألقيت على المعتدي، وهذا هو الإفلاس الحقيقي، مع ما قد يعاقبه الله تعالى به بسبب تعديه على الشرع.
جاء في "روضة الطالبين" (١١/٢٤٧,٢٤٦) :
" وإن تعلق بها – أي: بالمعصية - حق مالي كمنع الزكاة والغصب والجنايات في أموال الناس: وجب مع ذلك –أي: مع التوبة - تبرئة الذمة عنه بأن يؤدي الزكاة ويرد أموال الناس إن بقيت ويغرم بدلها إن لم تبق أو يستحل المستحق فيبرئه.
ويجب أن يَعلم المستحق إن لم يعلم به وأن يُوصله إليه إن كان غائباً إن كان غصبه منه هناك، فإن مات سلَّمه إلى وارثه، فإن لم يكن له وارث وانقطع خبره: دفعه إلى قاضٍ تُرضى سيرته وديانته، فإن تعذر: تصدَّق به على الفقراء بنية الغرامة له إن وجده ...
وإن كان معسراً: نوى الغرامة إذا قدر فإن مات قبل القدرة: فالمرجو من فضل الله تعالى المغفرة.
قال النووي: قلت: ظواهر السنن الصحيحة تقتضي ثبوت المطالبة بالظلامة، وإن مات معسراً عاجزاً إذا كان عاصياً بالتزامها.
فأما إذا استدان في مواضع يباح له الاستدانة واستمر عجزه عن الوفاء حتى مات أو أتلف شيئاً خطأ وعجز عن غرامته حتى مات: فالظاهر أن هذا لا مطالبة في حقه في الآخرة إذ لا معصية منه، والمرجو أن الله تعالى يعوِّض صاحب الحق ...
وأما الغيبة إذا لم تبلغ المغتاب: فرأيت في فتاوى الحناطي أنه يكفيه الندم والاستغفار، وإن بلغته ... فالطريق أن يأتي المغتاب ويستحل منه، فإن تعذر لموته أو تعسر لغيبته البعيدة: استغفر الله تعالى، ولا اعتبار بتحليل الورثة، هكذا ذكره الحناطي " انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12522
تاب من الذهاب إلى النوادي الليلة وعليه فاتورة حساب فماذا يفعل ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا قام شخص بالذهاب إلى نادي ليلي ولم يدفع الحساب – الفاتورة - حيث إنه خرج من هذا المكان فجأة نتيجة حدوث " هوشة " في هذا المكان فماذا يفعل الآن وقد تاب ولم يعد يذهب إلى تلك الأماكن الآن إطلاقاً؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نحمد الله تعالى أن وفقك للتوبة، ونسأل الله أن تكون توبة صادقة، يحصل بها الندم على ما فعلتَ، وتعزم بها على عدم العوْدة له.
ولو كان الحق الذي في ذمتك مباح الكسب كشرائك لطعام أو استئجارك لمنزل لوجب عليك رد الثمن والمال المترتب في ذمتك لأصحابه، لكن لمَّا كان ما فعلتَه محرماً لم يكن لصاحب النادي الليلي الحق في مالك، وليس لك أن تنتفع بالمال الذي ترتب عليك.
لذا فإن الواجب عليك أن تتصدق بهذا المال الذي في ذمتك للناس.
وقد سبق في جواب السؤال رقم (٤٦٤٢) عن الشيخ ابن عثيمين أنه أفتى بذلك من حلق لحيته – وهو أمر محرم – ولم يدفع للحلاق ثمن حلاقته.
وهذا الأمر تفعله إذا لم يترتب عليك ضرر، فإن علموا بك ورفعوا أمرك للمحكمة، وألزموك بالدفع لهم: فادفع لهم وهم الذين يأثمون بالأخذ منك، ولا يلزمك التصدق إن دفعت لهم.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12523
في خِصامٍ حادٍّ، أخبر عن نفسِه أنَّه كفر، فما الحُكمُ ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[حينَما ازدادَ نقاشِي مع أحدِ أقاربي لفظت بقولِ: "أنا كفرت "، ولطمتُ على وجهي، مع العِلمِ أَنِّي نادمٌ على ما حدث، فأريدُ التوجيهَ والإرشادَ، وما حكمُ الدينِ في ذلك؟ وهل عليَّ كفارة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إنَّا للهِ وإنَّا إليه راجعون، ونسألُ الله العفوَ والعافيةَ في الدنيا والآخرة، ونسألُه حسنَ الختامِ والوفاةَ على الإيمان.
اعلم - أخي السائل - بأنَّك وقعتَ في أعظمِ ذنبٍ وأقبحِ معصيةٍ، وهي معصيةُ الكفرِ والردَّةِ، والعياذ بالله تعالى.
وهذه الكلمةُ التي ذكرتَ عن نفسِك، صريحةٌ في الكفرِ والردةِ، والعلماءُ يقولون:
عندَ ظهورِ لفظِ الكفرِ يُحكَمُ بالردةِ (إن كان يعلم معنى الكلمة) ، ولا يُسأل عن نيته، كما قالَ تعالى:
(وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ) التوبة/٦٥.
فأخبرَ سبحانَه أنهم كفروا بعدَ إيمانهم، مع قولِهم: إنا تكلمنا من غيرِ اعتقاد، بل كنَّا نخوض ونلعب.
قال ابنُ نُجَيم:
" إنَّ من تكلَّمَ بكلمةِ الكفرِ هازلا أو لاعبًا كفرَ عند الكلِّ، ولا اعتبارَ باعتقادِه " انتهى.
"البحر الرائق" (٥/١٣٤) ، وانظر: "نواقض الإيمان القولية والعملية" (ص٩٥) .
وقال الشيخُ ابنُ عثيمين:
" وإن أتى بقولٍ يُخرجُه عن الإسلامِ، مثلَ أن يقول: هو يهوديٌّ أو نصرانيٌّ أو مجوسيٌّ أو بريءٌ من الإسلام، أو من القرآنِ أو النبيِّ ﵊ فهو كافرٌ مرتدٌ، نأخذه بقولِه هذا " انتهى.
"الشرح الممتع" (٦/٢٧٩) .
والردُّة أمرُها خطيرٌ وشأنُها عظيم، فقد اختلفَ العلماءُ فيمن ارتدَّ ثم تاب، هل يبقى له من ثوابِ أعمالِه السابقةِ شيءٌ، أم تحبط كلُّها بالردة؟
وقد سئلَ الشيخُ الفوزانُ السؤالَ التالي:
ما الحكمُ فيمن ارتدَّ عن الإسلامِ ثم عاد إليه، هل يعيدُ ما فاتُه من أعمالٍ من أركانِ الإسلامِ، كالحجِّ والصومِ والصلاةِ، أم تكفي توبتُه وعودتُه إلى الإسلامِ؟
فأجابَ:
" الصحيحُ من قولي العلماء: أن المرتدَّ إذا عادَ إلى الإسلامِ، ودخلَ في الإسلامِ مرةً أخرى تائبًا منيبًا للهِ تعالى، فإنه لا يعيدُ الأعمالَ التي أدَّاها قبلَ الردةِ؛ لأنَّ اللهَ اشترطَ لحبوطِ الأعمالِ بالردَّةِ أن يموتَ الإنسانُ عليها.
قالَ تعالى: (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) البقرة/٢١٧.
فَشَرَطَ لحبوطِ الأعمالِ استمرارَ الإنسانِ على الردةِ حتى يموتَ الإنسانُ عليها، فدلت الآيةُ بمفهومِها على أنَّ الإنسانَ لو تابَ فإنَّ أعمالَه التي أدَّاها قبلَ الردةِ تكونُ صحيحةً ومُجزيةً إن شاءَ الله تعالى " انتهى.
"المنتقى من فتاوى الفوزان" (٥/٤٢٩) .
وأما لطم الوجه فهو من أعمال الجاهلية التي حذرنا منها النبي ﷺ , وقد ثبت أن النبي ﷺ تبرأ من فاعله فقال: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ , وَشَقَّ الْجُيُوبَ , وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ) رواه البخاري (١٢٩٤) , وهذا يدل على أن لطم الخدود كبيرة من كبائر الذنوب.
وحيث قد ندمت على ما فعلت فنرجو من الله تعالى أن يقبل توبتك , فعليك أن تنطق الشهادتين لتدخل بذلك في الإسلام بعد أن خرجت منه , ولْتحسن العمل , وعليك بحفظ اللسان , فإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً فيهوى بها في النار سبعين خريفاً.
وأما الكفارة، فليس هناك كفارة لما بدر منك إلا التوبة والندم والعزم على عدم العودة إلى ذلك.
ونسأل الله أن يتقبل توبتك , ويرزقك الاستقامة على دينه.
والله اعلم.
راجع الأسئلة التالية: (١٠٧٩) (٥٧٣٣) (٤٢٥٠٥) .
واللهُ أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12524
حصل بينها وبين خطيبها بعض المنكرات فهل بزواجهما تغتفر ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[منذ سنة تقريبا قد تمت خطبتي من شاب صالح، والآن قد عقد قراننا، ولكن كان قبل عقد القران كان يمسك يدي ويقبلني، وأنا أعلم أنه حرام شرعاً، فهل الآن قد غفر الله لي من بعد عقد قراننا أم سيظل ذنبا ويجب الاستغفار منه والتكفير عنه؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يطلق لفظ " الخطوبة " عند كثير من الناس على ما بعد العقد وقبل الدخول، فإن كان هذا هو المراد في السؤال، فلا حرج عليكما مما حدث بينكما، لأنه بمجرد العقد تصير المرأة زوجة للرجل، فلا حرج على كل منهما أن يستمتع بصاحبه.
وإن كان قصدكِ بالخطبة مجرد الوعد بالزواج والاتفاق عليه من غير حصول للعقد، فإنَّ ما حصل بينكما محرَّم، ولم تُبِح الشريعة في تلك الفترة أكثر من النظر حتى يعزم كل من الرجل والمرأة على الخطبة.
والواجب عليكما – في هذه الحال – التوبة والاستغفار والندم على هذه الأفعال، ولا يكفي عقد القران بينكما لتكفير هذه السيئات، بل الواجب التوبة والاستغفار.
وأما الكفارة؛ فليس هناك كفارة معينة لما حصل بينكما، غير أنه من المشروع لمن تاب أن يكثر من الأعمال الصالحة من صلاة النافلة والصيام والصدقة ونحو ذلك، قال الله تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى) طه/٨٢
وللاستزادة: يمكن الرجوع إلى أجوبة الأسئلة: (٣٢١٥) و (١٢١٨٢) و (٢٥٧٢) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12525
هل فعل الكبائر يمنع قبول التوبة والطاعات ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا مسلمة، ولكن تملَّكني الشيطان فترة، وارتكبت الكبائر، ولكني الآن نادمة، ولجأت إلى الله، وتبت إليه، ولكن سمعت أنه لا ينفع لي صوم ولا صلاة لأني فعلت أكبر الكبائر، فهل هذا صحيح؟ وهل فعلاً أن الله لن يقبل توبتي؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نحمد الله تعالى أن وفقكِ للتوبة، ونسأله أن يثبتكِ على دينه، وأن يحسن عاقبتكِ، واعلمي أنك في نعمة عظيمة تحتاج إلى شكر الله تعالى، فكم من عاصٍ مات ولم يتب، وكم من ضال هلك قبل أن يرجع إلى ربه، ولا شك أن توفيق الله لك للتوبة أمر عظيم في حياتك فينبغي أن يكون هذا الوقت وقت انطلاق في الطاعة، وبذل لمزيد من الجهد في العبادة.
واعلمي أن ما سمعتيه من عدم قبول التوبة والصلاة والصيام لمن عمل الكبائر قول منكر، وهو قول على الله بغير علم، فقد دلت الأدلة الكثيرة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على أن الله تعالى يقبل من عبده التوبة من جميع الذنوب مهما عظمت، وأنه لا يجوز لأحدٍ أن يحول بين العبد وبين التوبة مهما بلغت ذنوبه كثرة وقبحاً.
قال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) الزمر/٥٣.
وقال – في بيان مغفرته لأعظم الذنوب -: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) الفرقان/٦٨– ٧٠.
وهي واضحة الدلالة على مغفرة الله تعالى للذنوب جميعاً – ولو كانت شركاً – بل إن فيها بياناً لفضل عظيم وهو تبديل السيئات حسنات.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" والله سبحانه لا يتعاظمه ذنب أن يغفره لمن تاب بل يغفر الشرك وغيره للتائبين كما قال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) ، وهذه الآية عامَّة مطلقة لأنَّها للتائبين " انتهى. "مجموع الفتاوى" (٢/٣٥٨) .
وروى البخاري ومسلم (٢٧٦٦) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لا. فَقَتَلَهُ فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ، انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدْ اللَّهَ مَعَهُمْ، وَلا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ، فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلائِكَةُ الْعَذَابِ، فَقَالَتْ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلا بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ، وَقَالَتْ مَلائِكَةُ الْعَذَابِ: إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ (يعني حكماً) فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الأَرْضَيْنِ فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ، فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ.
وروى الترمذي (٣٥٤٠) عن أَنَس بْن مَالِكٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ ﵎: (يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلا أُبَالِي) صححه الألباني في صحيح الترمذي.
وروى ابن ماجه (٤٢٥٠) عَنْ عبد الله بن مسعود ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لا ذَنْبَ لَهُ) . حسنه الألباني في صحي ابن ماجه.
فهذه الآيات والأحاديث تدل على ن الله تعالى يغفر جميع الذنوب مهما عظمت وكثرت لمن تاب إليه.
فاحرصي على العبادة والطاعة، واندمي على ما فات من تفريط ومعاص، واعلمي أن الله تعالى غني عن عباده ومع ذلك يفرح بتوبتهم، بل ويبدل سيئاتهم حسنات.
ونسأل الله تعالى أن يعينكِ على ذِكره وشكره وحسن عبادته.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12526
فضائل الأعمال لا تكفر حقوق العباد
[السُّؤَالُ]
ـ[سمعت أن رسول الله ﷺ قال: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه) هل يدخل في ذلك الذنوب التي ارتكبها المرء متعمداً في حق إخوانه المسلمين وندم عليها أشد الندم ولكنه لا يستطيع أن يعترف لهم بما فعله معهم لأن ذلك سيؤدي إلى الكثير من المشاكل؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
مكفرات الذنوب كثيرة، منها: التوبة والاستغفار والقيام بالطاعات، وإقامة الحدود على من فعل ما يوجب حدّاً، وغير ذلك.
وفضائل الأعمال كالصلاة الصيام والحج وغيرها لا تكفر إلا الصغائر عند جمهور أهل العلم، وتكفر حقوق الله فقط.
أما المعاصي المتعلقة بحقوق العباد فإنها لا تُكَفَّر إلا بالتوبة منها، ومن شروط التوبة منها: رَدُّ المظلم إلى أهلها.
روى مسلم (١٨٨٦) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلا الدَّيْنَ) .
قال النووي في "شرح مسلم":
" وَأَمَّا قَوْله ﷺ : (إِلا الدَّيْن) فَفِيهِ تَنْبِيه عَلَى جَمِيع حُقُوق الآدَمِيِّينَ , وَأَنَّ الْجِهَاد وَالشَّهَادَة وَغَيْرهمَا مِنْ أَعْمَال الْبِرّ لا يُكَفِّر حُقُوق الآدَمِيِّينَ , وَإِنَّمَا يُكَفِّر حُقُوق اللَّه تَعَالَى " انتهى.
وقال ابن مفلح في "الفروع" (٦/١٩٣) :
" وتكفر الشهادة غيرَ الدين. قال شيخنا (يعني شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ : وغير مظالم العباد كقتل وظلم " انتهى.
وجاء في "الموسوعة الفقهية" (١٤/١٢٩) :
" التوبة بمعنى الندم على ما مضى والعزم على عدم العود لمثله لا تكفي لإسقاط حق من حقوق العباد، فمن سرق مال أحد أو غصبه أو أساء إليه بطريقة أخرى لا يتخلص من المسائلة بمجرد الندم والإقلاع عن الذنب والعزم على عدم العود , بل لا بد من رد المظالم , وهذا الأصل متفق عليه بين الفقهاء " انتهى.
هذا فيما يتعلق بالحقوق المادية كالمال المأخوذ غصباً أو باحتيال، أما الحقوق المعنوية كالقذف والغيبة فإن كان المظلوم قد علم بالظلم فلا بد من الاعتذار إليه وطلب المسامحة، وإن لم يكن علم بذلك فإنه لا يُعْلِمُه، بل يدعو ويستغفر له، لأن إخباره بذلك قد يسبب نفوراً ويوقع بينهما العداوة والبغضاء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
" وفي الحديث الصحيح: (من كان عنده لأخيه مظلمة في دم أو مال أو عرض فليأته فليستحل منه قبل أن يأتي يوم ليس فيه درهم ولا دينار إلا الحسنات والسيئات. فإن كان له حسنات وإلا أُخِذَ من سيئات صاحبه فطرحت عليه ثم يلقى في النار) أو كما قال. وهذا فيما علمه المظلوم، فأما إذا اغتابه أو قذفه ولم يعلم بذلك فقد قيل: من شرط توبته إعلامه. وقيل: لا يشترط ذلك، وهذا قول الأكثرين وهما روايتان عن أحمد. لكن قوله (في) مثل هذا أن يفعل مع المظلوم حسنات كالدعاء له والاستغفار وعمل صالح يُهدى إليه يقوم مقام اغتيابه وقذفه. قال الحسن البصري: كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته " انتهى.
"مجموع الفتاوى" (١٨/١٨٩) .
وقال علماء اللجنة الدائمة في رجل سرق مالا من عبدٍ:
إن كان يعرف العبدَ أو يعرف من يعرفه: فيتعين عليه البحث عنه ليسلم له نقوده فضة أو ما يعادلها أو ما يتفق معه عليه، وإن كان يجهله وييأس من العثور عليه: فيتصدق بها أو بما يعادلها من الورق النقدي عن صاحبها، فإن عثر عليه بعد ذلك فيخبره بما فعل فإن أجازه فبها ونعمت، وإن عارضه في تصرفه وطالبه بنقوده: ضمنها له وصارت له الصدقة، وعليه أن يستغفر الله ويتوب إليه ويدعو لصاحبها. "فتاوى إسلاميَّة" (٤/١٦٥) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12527
التوبة من الاقتراض بالربا
[السُّؤَالُ]
ـ[لقد قمت بأخذ قرض من بنك وذلك لظروف مادية شديدة لأني أردت أن أجهز شقة الزوجية مع العلم بأن هذه الشقة لا يوجد بها أدنى أنواع التظاهر فهي شقة بسيطة جدا. وأنا مدرس وتم تحويل راتبي إلي هناك علي أن يخصم منه مبلغ كل شهر وذلك خلال ٥ سنوات حتى ينتهي القرض ومر عامان ونصف وعزمت على أن أذهب إلي البنك وأغلق هذا القرض لأني أشعر أن كل ما يحدث أي شئ أشعر أنه بسب هذا القرض. ولكن اكتشفت أن المبلغ المراد سداده ما زال فوق قدراتي بالإضافة إلي أني كنت أنوي العمرة هذا العام أنا وزوجتي وابني وابنتي فهل يجوز أن أسافر لأداء العمرة متمنيا من الله شفاء ابني المريض وأعود لأنهي ذلك القرض في شهر ١١ القادم إن شاء الله أم ماذا أفعل؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يجوز الاقتراض بالربا، من البنك أو غيره، ولو كان ذلك لتجهيز منزل الزوجية؛ لما ورد في الربا من التحريم المؤكد، والوعيد الشديد، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) البقرة/٢٧٨- ٢٧٩.
وروى مسلم (١٥٩٨) عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: (لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ , وَقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ) .
قال ابن قدامة ﵀: " وكل قرض شرط فيه أن يزيده فهو حرام بغير خلاف. قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المُسلف إذا شرط على المستلف زيادة أو هدية، فأسلف على ذلك أن أخذ الزيادة على ذلك ربا " انتهى من "المغني" (٦/٤٣٦) .
والواجب على من اقترض بالربا أن يتوب إلى الله تعالى، ويندم على ما فات، ويعزم عزما أكيدا على عدم العود إلى هذا الذنب العظيم، والجرم الخطير، الذي ورد فيه من الوعيد ما لم يرد في غيره، نسأل الله العافية.
ثم إنه لا يلزمك شرعا إلا سداد رأس المال، أما الزيادة المحرمة فلا تلزمك، ولا يجوز للمقرض أخذها منك؛ لقوله تعالى: (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) . لكن إن خشيت الضرر والمساءلة بعدم دفع الفائدة، فادفعها، مع توبتك إلى الله تعالى وكراهتك لهذا المنكر العظيم.
سئل الشيخ صالح الفوزان حفظه الله ما نصه: اقترضت من أحد الأصدقاء مبلغ مائة جنيه على أن أوفيه بعد سنة مائة وخمسين، وحينما حان وقت الوفاء حاولت إعطاءه مائة فقط ولكنه أصر على أخذ زيادةٍ قدرها خمسون جنيهًا مقابل التأجيل، فما الحكم في هذه الزيادة؟ وإن كان هذا من قبيل الربا فهل علي أنا إثم وكيف أتخلص من ذلك علمًا أن تلك النقود التي اقترضتها منه قد اختلطت مع مالي فماذا عليَّ أن أفعل؟
فأجاب: " الله حرم الربا وشدد الوعيد فيه، قال : (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) البقرة/٢٧٥ , إلى أن قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) البقرة/ ٢٧٨، ٢٧٩.
والربا له صور وأنواع ومن أنواعه هذا الذي ذكرته في السؤال وهو القرض بالفائدة؛ لأن القرض الشرعي هو القرض الحسن الذي تقرض به أخاك لينتفع بالقرض ثم يرد عليك بدله من غير زيادة مشترطة ولا نقص , هذا هو القرض الحسن، أما القرض الذي يجر نفعًا أو القرض الذي يقصد من وراءه الزيادة الربوية فهذا حرام بإجماع المسلمين، حرام بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين وعلى فاعله الوعيد الشديد، فالواجب هو رد مثل المبلغ الذي اقترضه أما الزيادة التي اشترطها عليك وأخذها منك فهي حرام وربًا، والنبي ﷺ لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه، فلعن ﷺ من أكل الربا ومن أعانه على أكله من هؤلاء، فهذا الذي فعلتموه حرام وكبيرة من كبائر الذنوب وعليكم التوبة إلى الله ، وعليه هو أن يرد عليك هذه الزيادة التي أخذها منك لأنها لا تحل له، وأنت فعلت محرمًا بإعطائه الزيادة، وكان الواجب عليك أن تمتنع من إعطائه الزيادة. . . . فهذا الذي أقدمتما عليه هو صريح الربا، فعليكما جميعًا التوبة إلى الله وعدم الرجوع إلى هذا التعامل، وعلى الآخر أن يرد الزيادة التي أخذها، والله أعلم " انتهى من "المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان " (٥/٢١٠) .
واعلم أنه كلما عجلت بالتخلص من هذا القرض كان ذلك أفضل وأحسن وأبرأ؛ لتتخلص من الربا وآثاره.
ولذلك فالأولى لك أن تبادر بسداده، وأن توفر الأموال التي ستنفقها لأداء العمرة للتخلص من هذا الدين.
نسأل الله أن يشفي ولدك، ويفرج كربك، ويغنيك بالحلال عن الحرام.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12528
زنا ويؤنبه ضميره ويريد التخلص من الجنين
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا مسلم أعزب، لكني أعيش في أمريكا. لقد وقعت في الزنا عدة مرات مع نفس المرأة. والآن، فإنها حامل. وأريد أن أعرف إن كان علي أن أتزوج بها كي أحل المشكلة (أعني أغطي الفضيحة) وحتى يجد المولود أبا يعطيه اسمه. الواقع أني أفضل أن تتخلص المرأة من الحمل، للأسف، وأتمنى أن أقنعها بذلك، لكني لا أعرف إن كان ذلك يعتبر قتلا للنفس. وإذا كان كذلك، فسأشعر بالذنب من جرائه. أنا أظن أن الجنين في أسبوعه السادس إلى الثامن تقريبا. أرجوك، فأنا أحتاج إلى مساعدتك في هذا الخصوص في أسرع وقت ممكن.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً: أخي المسلم، أحسن الله عزاءك في إيمانك الذي فقدته حال ارتكابك للزنا فقد قال النبي ﷺ : (لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ولا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ) رواه البخاري رقم (٢٤٧٥) .
ألم يمر بك قول ربك في كتابه: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً) الإسراء/٣٢.
ألم تعلم بأن الله يراك حيث كنت.. ويسمعك إن تكلمت..
ألا تتذكر نعم الله العظيمة عليك فهو الذي يشفيك إن مرضت.. ويُطعمك إن جعت.. ويسقيك إن ظَمِئْت ووفقك لأعظم نعمة أنعم بها على الناس، نعمة الإسلام. فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟
أخي.. تأمل في نفسك.. تعيش في مُلْكِ مَنْ؟.. تأكل مِنْ رزق مَنْ؟ .. تعيش بأمر مَنْ؟
أليس مُلك الله؟ أليس رزق الله؟ أليس أمر الله؟ .. فكيف تعصي الله؟
لعلك غفلت عن الحديث العظيم والذي فيه: ( ... فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى مِثْلِ التَّنُّورِ قَالَ فَأَحْسِبُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فَإِذَا فِيهِ لَغَطٌ وَأَصْوَاتٌ قَالَ فَاطَّلَعْنَا فِيهِ فَإِذَا فِيهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ وَإِذَا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ فَإِذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَوْا قَالَ قُلْتُ لَهُمَا مَا هَؤُلاءِ قَالَ قَالا لِي انْطَلِقْ انْطَلِقْ ... قَالَ قُلْتُ لَهُمَا فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ عَجَبًا فَمَا هَذَا الَّذِي رَأَيْتُ قَالَ قَالا لِي أَمَا إِنَّا سَنُخْبِرُكَ ... َأَمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ الْعُرَاةُ الَّذِينَ فِي مِثْلِ بِنَاءِ التَّنُّورِ فَإِنَّهُمْ الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي) رواه البخاري في باب إثم الزناة رقم (٧٠٤٧) .
فعليك يا أخي أن تبادر بالتوبة النصوح قبل أن يَحِلَّ بك الموت، فإن باب التوبة مفتوح إلى طلوع الشمس من مغربها أو بلوغ الروح الحلقوم.وإن الله ليفرح بتوبة عبده، ويبدل سيئاته إلى حسنات قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً، إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً، وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً) سورة الفرقان/٦٨-٧١.
ثانياً: أما قولك " هل يجب علي أن أتزوجها "
فهذه مسألة: (زواج الزاني بالمزني بها) والجواب: أنه لا يجوز زواجه منها ولا زواجها منه حتى يرتفع وصف الزنا عن كل منهما ولا يرتفع إلا بالتوبة.
فلا يجوز لك نكاحها ولو كانت يهودية أو نصرانية لأنها زانية، وإن كانت مسلمة فلا يجوز لك نكاحها أيضاً لأنها زانية، ولا يجوز لها أن تقبلك زوجاً؛ لأنك زانٍ؛ وقد قال الله تعالى: (الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) سورة النور/٣.
فقوله تعالى (وَحُرِّمَ ذلك على المؤمنين) دليل على حرمة هذا النكاح.
" والواجب على كل منكما أن يتوب إلى الله فيقلع عن هذه الجريمة ويندم على ما حصل من فعل الفاحشة، ويعزم على ألا يعود إليها، ويكثر من الأعمال الصالحة، عسى الله أن يتوب عليه ويبدل سيئاته حسنات، قال تعالى: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَاَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً، إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً، وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً) سورة الفرقان/٦٨-٧١.
وإذا أردت أن تتزوجها وجب عليك أن تستبرئها بحيضة قبل أن تعقد عليها النكاح وإن تبين حملها لم يجز لك العقد عليها إلا بعد أن تضع حملها عملاً بحديث نهي النبي ﷺ أن يسقي الإنسان ماءه زرع غيره." ا. هـ. فتاوى اللجنة الدائمة في مجلة البحوث الإسلامية (ج/٩، ص/٧٢) .
ثالثاً: قولك "حتى يجد الولد أباً يعطيه اسمه " هذه مسألة نسب ولد الزنى بمن يُلحق؟
والجواب:
ذهب جمهور العلماء إلى أن ولد الزنا لا يلحق الزاني؛ لقول النبي ﷺ : (الولد للفراش وللعاهر الحجر) متفق عليه (البخاري ٢٠٥٣ - مسلم ١٤٥٧) المغني لابن قدامة (ج/٧، ص/١٢٩) .
رابعاً: قولك "أُفضل أن تتخلص المرأة من الحمل" هذه مسألة الإجهاض وحكمه كما قرر مجلس هيئة كبار العلماء رقم/١٤٠، وتاريخ ٢٠/٦/١٤٠٧هـ ما يلي:
١- لا يجوز إسقاط الحمل في مختلف مراحله إلا لمبرر شرعي وفي حدود ضيقة جداً.
٢- إذا كان الحمل في الطور الأول وهي مدة الأربعين يوماً وكان في إسقاطه مصلحة شرعية أو دفع ضرر جاز إسقاطه، أما إسقاطه في هذه المدة خشية المشقة في تربية الأولاد أو خوفاً من العجز عن تكاليف معيشتهم وتعليمهم أو من أجل مستقبلهم أو اكتفاءً بما لدى الزوجين من الأولاد فغير جائز.
٣- لا يجوز إسقاط الحمل إذا كان علقة أو مضغة حتى تقرر لجنة طبية موثوقة أن استمراره خطر على سلامة أُمه بأن يُخشى عليها الهلاك من استمراره جاز إسقاطه بعد استنفاذ كافة الوسائل لتلافي تلك الأخطار.
بعد الطور الثالث وبعد إكمال الأربعة أشهر لا يحل لك إسقاطه حتى يقرر جمع من الأطباء المتخصصين الموثوقين من أن بقاء الجنين في بطن أمه يسبب موتها، وذلك بعد استنفاذ كافة الوسائل لإبقاء حياته، وإنما رخص في الإقدام على إسقاطه بهذه الشروط دفعاً لأعظم الضررين وجلباً لعظمى المصلحتين." ا. هـ. نقلاً من الفتاوى الجامعة (ج/٣، ص/١٠٥٥) .
نسأل الله السلامة والعافية وأن يتوب علينا، وصلى الله على نبينا محمد.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 12529
حكم أخذ أموال الكفار غدراً
[السُّؤَالُ]
ـ[نعيش في إحدى الدول الغربية، وكان أحد الإخوة يتلقى مالاً من قبل الحكومة تحت نظام يسمى " الخدمة الاجتماعية "، وقد تعاقد معهم على شروط معينة منها: أن يخبرهم بأي مبلغ يدخل عليه من أي جهة، ولكنه بعد مدة تحصل على عمل ولم يستلم أي مبلغ من صاحب العمل إلا بعد أربعة أشهر، وفي خلال هذه الأربعة أشهر لم يبلغهم بشيء لأنه لم يستلم شيئاً، ولكنه في الشهر الخامس استلم ماله من صاحب العمل كاملاً، ولكنه أنفقه كله في سداد ديْن عليه، ثم بعد ذلك أخبر المسئول عليه في " الخدمة الاجتماعية " أنه تحصل على عمل وترك الخدمة، فما حكم المال الذي استلمه في الأربعة الأشهر؟ هل عليه رده للحكومة - علما بأنه كان مشروطا عليه أن يخبرهم عن ديْنه ولم يفعل -؟ والأمر الآخر أنه لا يملك المبلغ الذي أخذه كاملاً، والثالث: أنه إذا أخبرهم الآن قد يصل الأمر إلى الشرطة ويكون في مشكلة كبيرة وقد يعفى عنه، وذلك حسب الشخص الذي يكون مسئولا على ذلك، علما بأن الأخ نادمٌ على ذلك ويريد الخلاص.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أخذ أموال الكفار على سبيل الغدر والخيانة محرَّم؛ لأن الغدر محرم في الإسلام سواء مع المسلم أم مع الكافر.
والواجب على المسلم احترام العقد الذي بينه وبين تلك البلاد، حتى لو كانت كافرة، فإن كفرها لا يبيح نقض عهدها ولا خيانتها وأكل أموالها بالباطل.
وكان الواجب على الأخ أن يعترف بعمله بغض النظر عن ديْنه الذي كتمه عنهم.
وإذا وفق اللهُ المسلمَ للتوبة من أخذ أموال الناس بغير حق، فمن شروط هذه التوبة إرجاع الحقوق إلى صاحبها وإن كان كافراً، فإن كان هناك خوف من الفضيحة أو مضايقات جنائية في رد الحق إلى مكتب الخدمة الاجتماعية: فإنه يجوز له أن يبحث عن الطريقة المناسبة التي تحفظ له كرامته ويُرجع فيه الحق لأهله من غير أن يحرج نفسه بأن يرسل له المبلغ بالبريد أو يوكل أحداً بإبلاغها دون أي يذكر اسمه وما فعله معهم؛ وذلك لأنه لا يشترط على من أراد أن يرجع الحقوق لأهلها أن يكشف عن نفسه وهويته؛ إذ المقصود هو رجوع الحق إلى صاحبه.
ولمعرفة الأدلة على هذا الحكم، وأقوال العلماء، وما يجب عليه بعد التوبة: انظر أجوبة الأسئلة: (٤٧٠٨٦) و (٧٥٤٥) و (١٤٣٦٧) و (٣١٢٣٤) .
وكونه لا يملك هذا المبلغ كاملاً، فإنه يرد ما معه الآن ويكون الباقي دَيْناً لذمته يلزمه رده متى استطاع.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12530
كان يأخذ أغراضاً من العمل فكيف يتصرف بعد التوبة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا موظف بمؤسسة حكومية، وكنت آخذ بعض الأقلام والورق الأبيض الفارغ وبعض الدباسات والطامس الأبيض وأذهب بها إلى المنزل، وبعد ذلك منَّ الله عليَّ بالتوبة والاستقامة والحمد لله، ولكن كيف أعمل بهذه الأدوات حتى يرتاح ضميري، علماً أني لا أتذكر من أي مكتب أخذتها. فماذا أفعل؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أوجب الله تعالى حفظ الأمانة، وحرَّم أخذ أموال الناس بغير حق.
قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) النساء/٥٨
وعن أبي حميد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ " ... والله لا يأخذ أحدٌ منكم شيئاً بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة، فلأعرفن أحداً منكم لقي الله يحمل بعيراً له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر، ثم رفع يده حتى رئي بياض إبطه يقول اللهم هل بلغت؟ ". رواه البخاري (٦٥٧٨) ومسلم (١٨٣٢) .
والحمد لله الذي منّ عليك ووفقك للتوبة، وهذا من نِعم الله تعالى عليك التي يستحق الشكر عليها، فاحمد الله تعالى واسأله المزيد من فضله وتوفيقه.
ولا يلزمك أن تكشف نفسك للمؤسسة، بل يكفيك أن تُعيد الأغراض نفسها أو ما يُماثلها بأي طريقة كانت، فإن لم تتمكّن من ردّها فإنك تتصدق بقيمتها في أعمال البر.
وعليك تحرّي المكتب الذي أخذتها منه، فإن لم يمكنك معرفته فيكفيك – إن شاء الله تعالى – إعادتها إلى المؤسسة نفسها.
سئلت اللجنة الدائمة عن رجل كان يعمل بالقوات المسلّحة وأخذ معطفاً بدون إذن المسؤول. فأجابت:
يجب عليك ردّ مثيل للمعطف الذي أخذت أو قيمته إلى الجهة التي أخذت منها، وإذا لم تستطع فتصدّق بذلك على فقير. اهـ. فتاوى اللجنة الدائمة (٢٣/٤٣٠)
وانظر- للاستزادة - أجوبة الأسئلة: (٤٣١٠٠) و (٤٠٠١٩) و (٣٣٨٥٨) و (٢٠٠٦٢) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12531
هل يقبل الله توبة العبد كلما أذنب وتاب حتى لو عاد مرات كثيرة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[إلى متى يغفر الله تعالى لعبده الذنب، فإذا تاب واستغفر من ذنبه وعاد وفعل نفس الذنب مرة أخرى ثم عاد واستغفر وأذنب بعد فترة نفس الذنب وهكذا، أقصد هل الله تعالى يغفر له أم أن ذلك يعد أنه لم يصدق الله تعالى، خصوصا إذا عاد للذنب بعد فترة بسيطة لكنه لا يترك الاستغفار؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ. أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) آل عمران/١٣٥، ١٣٦
قال ابن كثير:
وقوله ﴿ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾ أي: تابوا من ذنوبهم ورجعوا إلى الله عن قريب ولم يستمروا على المعصية ويصروا مقلعين عنها ولو تكرر منهم الذنب تابوا منه.
" تفسير ابن كثير " (١ / ٤٠٨) .
عن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يقول: (إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا وَرُبَّمَا قَالَ أَذْنَبَ ذَنْبًا فَقَالَ رَبِّ أَذْنَبْتُ وَرُبَّمَا قَالَ أَصَبْتُ فَاغْفِرْ لِي فَقَالَ رَبُّهُ أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا أَوْ أَذْنَبَ ذَنْبًا فَقَالَ رَبِّ أَذْنَبْتُ أَوْ أَصَبْتُ آخَرَ فَاغْفِرْهُ فَقَالَ أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا وَرُبَّمَا قَالَ أَصَابَ ذَنْبًا قَالَ قَالَ رَبِّ أَصَبْتُ أَوْ قَالَ أَذْنَبْتُ آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي فَقَالَ أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثَلاثًا....الحديث)
رواه البخاري (٧٥٠٧) ومسلم (٢٧٥٨) .
وقد بوَّب النووي – ﵀ – على هذا الحديث قوله: باب " قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة ".
وقال في شرحه:
هذه المسألة تقدمت في أول كتاب التوبة , وهذه الأحاديث ظاهرة في الدلالة لها , وأنه لو تكرر الذنب مائة مرة أو ألف مرة أو أكثر , وتاب في كل مرة: قبلت توبته , وسقطت ذنوبه , ولو تاب عن الجميع توبة واحدة بعد جميعها: صحت توبته.
" شرح مسلم " (١٧ / ٧٥) .
وقال ابن رجب الحنبلي:
قال [عمر بن عبد العزيز] : " أيها الناس مَن ألمَّ بذنبٍ فليستغفر الله وليتب، فإن عاد فليستغفر الله وليتب، فإن عاد فليستغفر وليتب، فإنما هي خطايا مطوَّقة في أعناق الرجال، وإن الهلاك في الإصرار عليها ".
ومعنى هذا: أن العبد لا بد أن يفعل ما قدِّر عليه من الذنوب، كما قال النبي ﷺ : كُتب على ابن آدم حظه من الزنا فهو مدرك ذلك لا محالة ... " ولكن الله جعل للعبد مخرجاً مما وقع فيه من الذنوب، ومحاه بالتوبة والاستغفار، فإن فعل فقد تخلص من شر الذنوب، وإن أصر على الذنب هلك.
" جامع العلوم الحِكَم " (١ / ١٦٥) .
وكما يُبغض الله تعالى المعصية ويتوعد عليها بالذنب: فإنه لا يحب أن يقنط عباده من رحمته ، وهو يحب أن يستغفره العاصي ويتوب إليه، ويود الشيطان أن لو يقع يأس وقنوط من العبد العاصي حتى يصده عن التوبة والإنابة.
قيل للحسن البصري: ألا يستحيى أحدنا من ربه يستغفر من ذنوبه ثم يعود، ثم يستغفر ثم يعود؟ فقال: ود الشيطان لو ظفر منكم بهذا، فلا تملُّوا من الاستغفار.
انظر جواب السؤال: (٩٢٣١) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12532
سب الدين وهو في حالة غضب شديد
[السُّؤَالُ]
ـ[رجل سب الدين هو في حالة غضب شديد، فما حكمه؟ وما هي شروط التوبة من هذا الفعل؟ وهل ينفسح نكاح زوجته؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" الحكم فيمن سب الدين الإسلامي أنه يكفر، فإن سب الدين والاستهزاء به ردة عن الإسلام وكفر بالله وبدينه، وقد حكى الله عن قوم استهزؤوا بدين الإسلام حكى الله عنهم أنهم كانوا يقولون: إنما كنا نخوض ونلعب، فبين الله أن خوضهم هذا ولعبهم استهزاء بالله وآياته ورسوله، وأنهم كفروا به فقال تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) التوبة/٦٥، ٦٦.
فالاستهزاء بدين الله، أو سب دين الله، أو سب الله ورسوله، أو الاستهزاء بهما كفر مخرج عن الملة
ومع ذلك فإن هناك مجالاً للتوبة منه، لقول الله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) الزمر/٥٣.
فإذا تاب الإنسان من أي ردة كانت توبةً نصوحاً استوفت شروط التوبة الخمسة، فإن الله يقبل توبته. وشروط التوبة الخمسة هي:
الشرط الأول: الإخلاص لله بتوبته، بأن لا يكون الحامل له على التوبة رياء أو سمعة، أو خوفاً من مخلوق، أو رجاء لأمر يناله من الدنيا فإذا أخلص توبته لله وصار الحامل له عليها تقوى الله والخوف من عقابه ورجاء ثوابه، فقد أخلص لله تعالى فيها.
الشرط الثاني: أن يندم على ما فعل من الذنب، بحيث يجد في نفسه حسرة وحزناً على ما مضى، ويراه أمراً كبيراً يجب عليه أن يتخلص منه.
الشرط الثالث: أن يقلع عن الذنب وعن الإصرار عليه؛ فإن كان ذنبه تَرْكَ واجبٍ قام بفعله وتَدَارَكَه إن أمكن، وإن كان ذنبُه بإتيانِ محرمٍ أقلع عنه، وابتعد عنه، ومن ذلك إذا كان الذنب يتعلق بالمخلوقين، فإنه يؤدي إليهم حقوقهم أو يستحلهم منها.
الشرط الرابع: العزم على أن لا يعود في المستقبل، بأن يكون في قلبه عزم مؤكد ألا يعود إلى هذه المعصية التي تاب منها.
الشرط الخامس: أن تكون التوبة في وقت القبول، فإن كانت بعد فوات وقت القبول لم تقبل، وفوات وقت القبول عام وخاص:
أما العام؛ فإنه طلوع الشمس من مغربها، فالتوبة بعد طلوع الشمس من مغربها لا تقبل، لقول الله تعالى: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلْ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ) الأنعام/١٥٨.
وأما الخاص؛ فهو حضور الأجل، فإذا حضر الأجل فإن التوبة لا تنفع لقول الله تعالى: (وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ) النساء/١٨.
أقول: إن الإنسان إذا تاب من أي ذنب - ولو كان ذلك سب الدين - فإن توبته تقبل إذا استوفت الشروط التي ذكرناها.
ولكن ليعلم أن الكلمة قد تكون كفراً وردة، ولكن المتكلم بها قد لا يكفر بها، لوجود مانع يمنع من الحكم بكفره، فهذا الرجل الذي ذكر عن نفسه أنه سب الدين في حال غضب، نقول له: إن كان غضبك شديداً بحيث لا تدري ماذا تقول، ولا تدري حينئذ أأنت في سماء أم في أرض، وتكلمت بكلام لا تستحضره ولا تعرفه، فإن هذا الكلام لا حكم له، ولا يحكم عليك بالردة، لأنه كلام حصل عن غير إرادة وقصد، وكل كلام حصل عن غير إرادة وقصد فإن الله لا يؤاخذ به، يقول: الله تعالى في الأيمان: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ) المائدة/٨٩.
فإذا كان هذا المتكلم بكلمة الكفر في غضب شديد لا يدري ما يقول، ولا يعلم ماذا خرج منه، فإنه لا حكم لكلامه، ولا يحكم بردته حينئذ، وإذا لم يحكم بالردة فإن الزوجة لا ينفسخ نكاحها منه، بل هي باقية في عصمته.
ولكن ينبغي للإنسان إذا أحس بالغضب أن يحرص على مداواة هذا الغضب بما أوصى به النبي ﷺ ، حين سأله رجل، فقال له: يا رسول الله، أوصني قال: (لا تغضب) فردد مراراً، قال: (لا تغضب) . فلْيُحْكِم الضبط على نفسه، وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، وإذا كان قائماً فليجلس، وإذا كان جالساً فليضطجع، وإذا اشتد به الغضب فليتوضأ، فإن هذه الأمور تذهب غضبه. وما أكثرَ الذين ندموا ندماً عظيماً على تنفيذ ما اقتضاه غضبهم، ولكن بعد فوات الأوان" اهـ.
[الْمَصْدَرُ]
"مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين" (٢/١٥٢) .
стр. 12533
مدمن مخدرات ويريد التوبة
[السُّؤَالُ]
ـ[زوج أختي يتعاطى المخدرات ويريد أن يتوقف ولكنه لا يستطيع لأنه مدمن ولكنه والحمد لله يخشى الله .
أختي تريد أن تعرف ما تفعل فلديها ٣ أبناء منه وتخشى أن تتركه فقد يسوء الحال ويتعاطى أكثر أو ينتحر.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ننصح أختك أن تقف بجانب زوجها في توبته ومحاولته التخلص من إدمان المخدرات، وأن لا تتركه للذئاب البشرية التي تدمر كيانه وتحطم أركانه، فهو أحوج ما يكون إليها الآن.
ولا بدَّ من أن تستعين بالمراكز الطبيَّة المتخصصة في معالجة الإدمان، ولن يؤثر ذلك عليه، بل سيعينه على التخلص مما هو فيه من بلاء وشر.
فينبغي لها أن لا تتردد في هذا، وأن تسارع للاتصال بالمختصين في معالجة هذه القضايا، مع تذكيرها الدائم له بتقوى الله والخوف منه، وتذكيره بالموت ولقاء الله تعالى، مع ترغيبه بترك ما هو عليه، وإعطائه الأمل بالشفاء وقبول توبته من ربه ﵎.
ونرجو مراجعة جواب السؤال (٦٥٤٠) .
والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12534
لماذا كان النبي ﷺ وأصحابه يخافون من ربهم مع تبشيرهم بالجنة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[لماذا كان الصحابة المبشَّرون بالجنة يخافون الله أشد الخوف، على الرغم أن الرسول ﷺ بشرهم بالجنة، بل الرسول ﷺ نفسه كان أخوفهم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا شك أن أصحاب النبي ﷺ هم خير هذه الأمة وأفضلها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
ومِن المعلوم بالضرورة لمن تدبر الكتاب والسنَّة , وما اتفق عليه أهل السنَّة والجماعة من جميع الطوائف: أن خير قرون هذه الأمة في الأعمال، والأقوال، والاعتقاد , وغيرها من كل فضيلة: أن خيرها: القرن الأول، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ من غير وجه , وأنهم أفضل من الخلَف في كل فضيلة، من علم وعمل، وإيمان، وعقل، ودين، وبيان، وعبادة , وأنهم أولى بالبيان لكل مشكل، هذا لا يدفعه إلا مَن كابر المعلوم بالضرورة من دين الإسلام , وأضله الله على علم، كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: " مَن كان منكم مستنّاً فليستنَّ بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد أبرُّ هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم؛ فإنهم كانوا على الهدى المستقيم ".
وما أحسن ما قال الشافعي ﵀ في رسالته: " هم فوقنا في كل علم، وعقل، ودين، وفضل، وكل سبب ينال به علم، أو يدرك به هدى ".
" مجموع الفتاوى " (٤ / ١٥٧، ١٥٨) .
ثانياً:
عبادة الله تعالى تتضمن الخوف، والرجاء، والمحبة له سبحانه تعالى؛ وهذا هو كمال الإيمان.
قال ابن القيم ﵀:
وسبب هذا: اقتران الخوف من الله تعالى بحبِّه، وإرادته , ولهذا قال بعض السلف: " مَن عبد الله تعالى بالحب وحده: فهو زنديق , ومن عبده بالخوف وحده: فهو حروري – أي: من الخوارج - , ومن عبده بالرجاء وحده: فهو مرجئ , ومن عبده بالحب والخوف والرجاء: فهو مؤمن.
وقد جمع الله تعالى هذه المقامات الثلاثة بقوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَه) الإسراء/ ٥٧، فابتغاء الوسيلة هو محبته، الداعية إلى التقرب إليه، ثم ذكر بعدها الرجاء والخوف , فهذه طريقة عباده، وأوليائه.
" بدائع الفوائد " (٣ / ٥٢٢) .
ثالثاً:
لا يستغرب أن يكون الصحابة أشد الناس خوفاً من الله، فكلما ازداد العبد إيماناً: ازداد خوفه من الله، ألا ترى أن الله تعالى أثنى على أنبيائه، ورسله بهذه الصفة، قال تعالى: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) الأحزاب/ ٣٩،
وقال عن الملائكة الكرام: (وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) الأنبياء/ ٢٨، وقال: (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) النحل/ ٥٠.
وعن جابر ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي بِالمَلإ الأَعْلَى وَجِبْريلُ كَالحِلْسِ البَالِي ِنْ خَشْيَةِ الله رواه الطبراني في " الأوسط " (٥ / ٦٤) ، وصححه الألباني في " السلسلة الصحيحة " (٢٢٨٩) .
والحلس البالي: الثوب البالي.
وهكذا كان حال نبينا محمد ﷺ ، فقد قال عن نفسه: (إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا) رواه البخاري (٢٠) ومسلم (١١٠٨) .
قال ابن القيم ﵀:
والمقصود: أن الخوف من لوازم الإيمان، وموجباته، فلا يتخلف عنه، وقال تعالى: (فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ) المائدة/ ٤٤ , وقد أثنى سبحانه على أقرب عباده إليه بالخوف منه، فقال عن أنبيائه بعد أن أثنى عليهم ومدحهم: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا) الأنبياء/ ٩٠، فالرغَب: الرجاء , والرغبة، والرهَب: الخوف، والخشية.
وقال عن ملائكته الذين قد أمَّنهم من عذابه: (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) النحل/ ٥٠، وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إني أعلمكم بالله وأشدكم له خشية) ، وفي لفظ آخر: (إني أخوفكم لله وأعلمكم بما أتقي) – رواه مسلم -، وكان يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء – رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود " -.
وقد قال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) فاطر/ ٢٨، فكلما كان العبد بالله أعلم: كان له أخوف، قال ابن مسعود: وكفى بخشية الله علماً.
ونقصان الخوف من الله: إنما هو لنقصان معرفة العبد به؛ فأعرف الناس: أخشاهم لله , ومن عرف الله: اشتد حياؤه منه، وخوفه له، وحبه له , وكلما ازداد معرفة: ازداد حياء، وخوفاً، وحبّاً، فالخوف من أجلِّ منازل الطريق , وخوف الخاصة: أعظم من خوف العامَّة , وهم إليه أحوج، وهم بهم أليق، ولهم ألزم.
" طريق الهجرتين " (٤٢٣، ٤٢٤) .
فعلى ذلك فلما كان الصحابة أعلم، وأتقى لله، وأعرف به: استلزم ذلك عظم خوفهم منه تعالى، مع الرجاء، والمحبة، وهكذا حال الأنبياء الذين هم أعرف، وأعلم، وأتقى لله تعالى من غيرهم من الناس.
ويمكن تلخيص أسباب خوف النبي ﷺ ، وصحابته الكرام ممن بشِّر بالجنة، بما يلي:
١. أنهم عرفوا معنى عبادة ربهم تعالى، وكان خوفهم من الله تعالى هو تحقيق لركن من أركانها، مع تحقيق ركني الرجاء، والمحبة.
٢. أنهم كانوا علماء بالله تعالى، ومن كان بالله أعلم كان منه أخوف.
٣. بحثاً عن مزيد ثواب، وعظيم أجر، من ربهم تعالى، قال تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) الرحمن/ ٤٦.
فنسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل الخوف، والرجاء، والمحبة.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12535
كيف يقوم العبد المسلم بشكر ربه تعالى على نعمِه الكثيرة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو أفضل شيء يقوم به الإنسان لشكر الله على نعمه التي منّ بها علينا؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الشكر هو: المجازاة على الإحسان، والثناء الجميل على من يقدم الخير والإحسان، وأجل من يستحق الشكر والثناء على العباد هو الله ﷻ ؛ لما له من عظيم النعَم والمنن على عباده في الدِّين والدنيا، وقد أمرنا الله تعالى بشكره على تلك النعم، وعدم جحودها، فقال: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ) البقرة/ ١٥٢.
ثانياً:
أعظم من قام بهذا الأمر، فشكر ربَّه، حتى استحق وصف " الشاكر " و " الشكور " هم الأنبياء والمرسلون ﵈:
قال تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. شَاكِراً لَأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) النحل/ ١٢٠، ١٢١.
وقال تعالى: (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً) الإسراء:/ ٣.
ثالثاً:
ذكر الله تعالى بعض نعمه على عباده، وأمرهم بشكرها، وأخبرنا تعالى أن القليل من عباده من قام بشكره .
١. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) البقرة/ ١٧٢.
٢. وقال تعالى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ) الأعراف/ ١٠.
٣. وقال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) الروم/ ٤٦.
٤. ومن النعم الدينية: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) المائدة/ ٦.
وغير ذلك كثير، وإنما ذكرنا هنا بعض تلك النِّعَم، وأما حصرها: فيستحيل، كما قال الله تعالى: (وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) إبراهيم/ ٣٤، ثم منَّ الله علينا فغفر لنا تقصيرها في شكر تلك النعم، فقال: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) النحل/ ١٨.
والمسلم دائم الطلب من ربِّه تعالى أن يعينه على شكره تعالى؛ إذ لولا توفيق الله لعبده، وإعانته: لما حصل الشكر، ولذا شرع في السنَّة الصحيحة طلب الإعانة من الله على شكره تعالى.
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ: (يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فَقَالَ: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ) .
رواه أبو داود (١٥٢٢) والنسائي (١٣٠٣) ، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ".
وكان الشكر على النِّعَم سبباً في زيادتها، كما قال تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) إبراهيم/ ٧.
رابعاً:
كيف يكون شكر العبد ربَّه على نعمه الجليلة؟ يكون الشكر بتحقيق أركانه، وهي شكر القلب، وشكر اللسان، وشكر الجوارح.
قال ابن القيم ﵀:
الشكر يكون: بالقلب: خضوعاً واستكانةً، وباللسان: ثناءً واعترافاً، وبالجوارح: طاعةً وانقياداً.
" مدارج السالكين " (٢ / ٢٤٦) .
وتفصيل ذلك:
١. أما شكر القلب: فمعناه: أن يستشعر القلب قيمة النعم التي أنعمها الله على عبده، وأن ينعقد على الاعتراف بأن المنعم بهذه النعَم الجليلة هو الله وحده لا شريك له، قال تعالى: (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ) النحل/ ٥٣.
وليس هذا الاعتراف من باب الاستحباب، بل هو واجب، ومن نسب هذه النعم لغيره تعالى: كفر.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀:
الواجب على الخلق إضافة النعم إلى الله قولاً، واعترافاً، وبذلك يتم التوحيد، فمن أنكر نعَم الله بقلبه، ولسانه: فذلك كافر، ليس معه من ادين شيء.
ومَن أقر بقلبه أن النعَم كلها من الله وحده، وهو بلسانه تارة يضيفها إلى الله، وتارة يضيفها إلى نفسه، وعمله، وإلى سعي غيره - كما هو جارٍ على ألسنة كثير من الناس -: فهذا يجب على العبد أن يتوب منه، وأن لا يضيف النعم إلا إلى موليها، وأن يجاهد نفسه على ذلك، ولا يتحقق الإيمان، والتوحيد إلا بإضافة النعَم إلى الله، قولاً، واعترافاً.
فإن الشكر الذي هو رأس الإيمان مبني على ثلاثة أركان: اعتراف القلب بنعَم الله كلها عليه، وعلى غيره، والتحدث بها، والثناء على الله بها، والاستعانة بها على طاعة المنعم، وعبادته.
" القول السديد في مقاصد التوحيد " (ص ١٤٠) .
وقال تعالى مبيناً حال من يجحد نسبة النعم لله تعالى: (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ) النحل/ ٨٣.
قال ابن كثير ﵀:
أي: يعرفون أن الله تعالى هو المسدي إليهم ذلك، وهو المتفضل به عليهم، ومع هذا ينكرون ذلك، ويعبدون معه غيره، ويسندون النصر والرزق إلى غيره.
" تفسير ابن كثير " (٤ / ٥٩٢) .
٢. وأما شكر اللسان: فهو الاعتراف لفظاً – بعد عقد القلب اعتقاداً – بأن المنعَم على الحقيقة هو الله تعالى، واشتغال اللسان بالثناء على الله .
قال تعالى في سياق بيان نعمه على عبد محمد ﷺ : (وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى) الضحى/ ٨، ثم أمره في مقابل ذلك بقوله: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) الضحى/ ١١.
قال ابن كثير – ﵀:
أي: وكما كنت عائلا فقيراً فأغناك الله: فحدِّث بنعمة الله عليك.
" تفسير ابن كثير " (٨ / ٤٢٧) .
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنْ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا) .
رواه مسلم (٢٧٣٤) .
قال أبو العباس القرطبي – ﵀:
والحمد هنا بمعنى الشكر، وقد قدمنا: أن الحمد يوضع موضع الشكر، ولا يوضع الشكر موضع الحمد، وفيه دلالة على أن شكر النعمة - وإن قلَّت -: سببُ نيل رضا الله تعالى، الذي هو أشرف أحوال أهل الجنة، وسيأتي قول الله لأهل الجنة حين يقولون: " أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، فيقول: (ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟) فيقولون: ما هو؟ ألم تبيض وجوهنا، وتدخلنا الجنة، وتزحزحنا عن النار؟ ، فيقول: (أحلُّ عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبداً) .
وإنما كان الشكر سبباً لذلك الإكرام العظيم لأنَّه يتضمَّن معرفة المنْعِم، وانفراده بخلق تلك النعمة، وبإيصالها إلى المنعَم عليه، تفضلاًّ من المنعِم، وكرماً، ومنَّة، وأن المنعَم عليه فقيرٌ، محتاجٌ إلى تلك النعَم، ولا غنى به عنها، فقد تضمَّن ذلك معرفة حق الله وفضله، وحقّ العبد وفاقته، وفقره، فجعل الله تعالى جزاء تلك المعرفة: تلك الكرامة الشريفة.
" المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم " (٧ / ٦٠، ٦١) .
ومن هنا قال بعض السلف: " مَن كتم النعمة: فقد كفَرها، ومن أظهرها ونشرها: فقد شكرها ".
قال ابن القيم – تعليقاً على هذا -:
وهذا مأخوذ من قوله: (إن الله إذا أنعم على عبد بنعمة: أحب أن يَرى أثر نعمته على عبده) .
" مدارج السالكين " (٢ / ٢٤٦) .
ويروى عن عمر بن عبد العزيز ﵀ قوله: تذاكروا النِّعَم، فإنَّ ذِكرها شكرٌ.
٣. وأما شكر الجوارح: فهو أن يسخِّر جوارحه في طاعة الله، ويجنبها ارتكاب ما نهى الله عنه من المعاصي والآثام.
وقد قال الله تعالى: (اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً) سبأ/ من الآية ١٣.
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى قَامَ حَتَّى تَفَطَّرَ رِجْلَاهُ قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَصْنَعُ هَذَا وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ فَقَالَ: (يَا عَائِشَةُ أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا) .
رواه البخاري (٤٥٥٧) ومسلم (٢٨٢٠) .
قال ابن بطَّال – ﵀:
قال الطبري: والصّواب في ذلك: أن شكر العبد هو: إقراره بأن ذلك من الله دون غيره، وإقرار الحقيقة: الفعل، ويصدقه العمل، فأما الإقرار الذي يكذبه العمل، فإن صاحبه لا يستحق اسم الشاكر بالإطلاق، ولكنه يقال شكر باللسان، والدليل على صحة ذلك: قوله تعالى: (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا) سبأ/ ١٣، ومعلوم أنه لم يأمرهم، إذ قال لهم ذلك، بالإقرار بنعمه؛ لأنهم كانوا لا يجحدون أن يكون ذلك تفضلاًّ منه عليهم، وإنما أمرهم بالشكر على نعمه بالطاعة له بالعمل، وكذلك قال ﷺ حين تفطرت قدماه في قيام الليل: (أفلا أكون عبدًا شكوراً) .
" شرح صحيح البخارى " (١٠ / ١٨٣، ١٨٤) .
وقال أبو هارون: دخلتُ على أبي حازم، فقلت له: يرحمك الله، ما شكرُ العينين؟ قال: إذا رأيتَ بهما خيراً: ذكرته، وإذا رأيتَ بهما شرّاً: سترته، قلت: فما شكر الأذنين؟ قال: إذا سمعتَ بهما خيراً: حفظته، وإذا سمعتَ بهما شرّاً: نسيتَه.
قال ابن رجب الحنبلي – ﵀:
الشكر على درجتين: إحداهما واجب، وهو أن يأتي بالواجبات، ويتجنب المحرمات، فهذا لا بد منه، ويكفي في شكر هذه النعم، ... .
ومن هنا قال بعض السلف:
" الشكر: ترك المعاصي ".
وقال بعضهم: " الشكر أن لا يُستعان بشيءٍ من النعَم على معصيته ".
وذكر أبو حازم الزاهد شكرَ الجوارح كلها: " أن تكف عن المعاصي، وتستعمل في الطاعات "، ثم قال: " وأما مَن شكر بلسانه ولم يشكر بجميع أعضائه: فمثَلُه كمثل رجل له كساء فأخذ بطرفه، فلم يلبسه، فلم ينفعه ذلك من البرد، والحر، والثلج، والمطر ".
الدرجة الثانية من الشكر: الشكر المستحب، وهو أن يعمل العبد بعد أداء الفرائض، واجتناب المحارم: بنوافل الطاعات، وهذه درجة السابقين المقربين ... .
" جامع العلوم والحكم " (ص ٢٤٥، ٢٤٦) .
والخلاصة:
أنه حتى تكون شاكراً لربك تعالى على ما أنعم عليك: فإنه يجب عليك الاعتراف بقلبك أن واهب هذه النعم، ومسديها هو الله تعالى، فتعظمه، وتنسبها إليه، وأن تعترف بذلك بلسانك، فتشكره بعد الاستيقاظ من النوم أن وهب لك الحياة، وبعد الطعام والشراب أن رزقك إياهما وتفضل بهما عليك، وهكذا في كل نعمة تراها على نفسك.
وتشكره بجوارك بأن لا تجعلها ترى، ولا تسمع، معصية، أو منكراً، كغناء، أو غيبة، ولا تمش برجليك إلى أماكن محرَّمة، ولا تستعمل يديك في منكر، ككتابة محرمة في علاقة مع نساء أجنبيات، أو كتابة عقود محرمة، أو القيام بصنعة أو عمل محرَّم،
ومن شكر النعم بالجوارح: تسخيرها في طاعة الله تعالى، بقراءة القرآن، وكتب العلم، وسماع النافع والمفيد، وهكذا باقي الجوارح تسخرها في الطاعات المختلفة.
واعلم أن شكر النعَم نعمة تحتاج لشكر، وهكذا يبقى العبد متقلباً في نعَم ربِّه، وهو يشكر ربه على تلك النعم، ويحمده أن وفقه إلى أن يكون من الشاكرين.
نسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياك لما يحب ويرضى.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →