Полный текст (16 344 стр.). Показаны 12531–12570 · переход к 12536.
стр. 12531
هل يقبل الله توبة العبد كلما أذنب وتاب حتى لو عاد مرات كثيرة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[إلى متى يغفر الله تعالى لعبده الذنب، فإذا تاب واستغفر من ذنبه وعاد وفعل نفس الذنب مرة أخرى ثم عاد واستغفر وأذنب بعد فترة نفس الذنب وهكذا، أقصد هل الله تعالى يغفر له أم أن ذلك يعد أنه لم يصدق الله تعالى، خصوصا إذا عاد للذنب بعد فترة بسيطة لكنه لا يترك الاستغفار؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ. أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) آل عمران/١٣٥، ١٣٦
قال ابن كثير:
وقوله ﴿ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾ أي: تابوا من ذنوبهم ورجعوا إلى الله عن قريب ولم يستمروا على المعصية ويصروا مقلعين عنها ولو تكرر منهم الذنب تابوا منه.
" تفسير ابن كثير " (١ / ٤٠٨) .
عن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يقول: (إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا وَرُبَّمَا قَالَ أَذْنَبَ ذَنْبًا فَقَالَ رَبِّ أَذْنَبْتُ وَرُبَّمَا قَالَ أَصَبْتُ فَاغْفِرْ لِي فَقَالَ رَبُّهُ أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا أَوْ أَذْنَبَ ذَنْبًا فَقَالَ رَبِّ أَذْنَبْتُ أَوْ أَصَبْتُ آخَرَ فَاغْفِرْهُ فَقَالَ أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا وَرُبَّمَا قَالَ أَصَابَ ذَنْبًا قَالَ قَالَ رَبِّ أَصَبْتُ أَوْ قَالَ أَذْنَبْتُ آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي فَقَالَ أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثَلاثًا....الحديث)
رواه البخاري (٧٥٠٧) ومسلم (٢٧٥٨) .
وقد بوَّب النووي – ﵀ – على هذا الحديث قوله: باب " قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة ".
وقال في شرحه:
هذه المسألة تقدمت في أول كتاب التوبة , وهذه الأحاديث ظاهرة في الدلالة لها , وأنه لو تكرر الذنب مائة مرة أو ألف مرة أو أكثر , وتاب في كل مرة: قبلت توبته , وسقطت ذنوبه , ولو تاب عن الجميع توبة واحدة بعد جميعها: صحت توبته.
" شرح مسلم " (١٧ / ٧٥) .
وقال ابن رجب الحنبلي:
قال [عمر بن عبد العزيز] : " أيها الناس مَن ألمَّ بذنبٍ فليستغفر الله وليتب، فإن عاد فليستغفر الله وليتب، فإن عاد فليستغفر وليتب، فإنما هي خطايا مطوَّقة في أعناق الرجال، وإن الهلاك في الإصرار عليها ".
ومعنى هذا: أن العبد لا بد أن يفعل ما قدِّر عليه من الذنوب، كما قال النبي ﷺ : كُتب على ابن آدم حظه من الزنا فهو مدرك ذلك لا محالة ... " ولكن الله جعل للعبد مخرجاً مما وقع فيه من الذنوب، ومحاه بالتوبة والاستغفار، فإن فعل فقد تخلص من شر الذنوب، وإن أصر على الذنب هلك.
" جامع العلوم الحِكَم " (١ / ١٦٥) .
وكما يُبغض الله تعالى المعصية ويتوعد عليها بالذنب: فإنه لا يحب أن يقنط عباده من رحمته ، وهو يحب أن يستغفره العاصي ويتوب إليه، ويود الشيطان أن لو يقع يأس وقنوط من العبد العاصي حتى يصده عن التوبة والإنابة.
قيل للحسن البصري: ألا يستحيى أحدنا من ربه يستغفر من ذنوبه ثم يعود، ثم يستغفر ثم يعود؟ فقال: ود الشيطان لو ظفر منكم بهذا، فلا تملُّوا من الاستغفار.
انظر جواب السؤال: (٩٢٣١) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12532
سب الدين وهو في حالة غضب شديد
[السُّؤَالُ]
ـ[رجل سب الدين هو في حالة غضب شديد، فما حكمه؟ وما هي شروط التوبة من هذا الفعل؟ وهل ينفسح نكاح زوجته؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" الحكم فيمن سب الدين الإسلامي أنه يكفر، فإن سب الدين والاستهزاء به ردة عن الإسلام وكفر بالله وبدينه، وقد حكى الله عن قوم استهزؤوا بدين الإسلام حكى الله عنهم أنهم كانوا يقولون: إنما كنا نخوض ونلعب، فبين الله أن خوضهم هذا ولعبهم استهزاء بالله وآياته ورسوله، وأنهم كفروا به فقال تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) التوبة/٦٥، ٦٦.
فالاستهزاء بدين الله، أو سب دين الله، أو سب الله ورسوله، أو الاستهزاء بهما كفر مخرج عن الملة
ومع ذلك فإن هناك مجالاً للتوبة منه، لقول الله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) الزمر/٥٣.
فإذا تاب الإنسان من أي ردة كانت توبةً نصوحاً استوفت شروط التوبة الخمسة، فإن الله يقبل توبته. وشروط التوبة الخمسة هي:
الشرط الأول: الإخلاص لله بتوبته، بأن لا يكون الحامل له على التوبة رياء أو سمعة، أو خوفاً من مخلوق، أو رجاء لأمر يناله من الدنيا فإذا أخلص توبته لله وصار الحامل له عليها تقوى الله والخوف من عقابه ورجاء ثوابه، فقد أخلص لله تعالى فيها.
الشرط الثاني: أن يندم على ما فعل من الذنب، بحيث يجد في نفسه حسرة وحزناً على ما مضى، ويراه أمراً كبيراً يجب عليه أن يتخلص منه.
الشرط الثالث: أن يقلع عن الذنب وعن الإصرار عليه؛ فإن كان ذنبه تَرْكَ واجبٍ قام بفعله وتَدَارَكَه إن أمكن، وإن كان ذنبُه بإتيانِ محرمٍ أقلع عنه، وابتعد عنه، ومن ذلك إذا كان الذنب يتعلق بالمخلوقين، فإنه يؤدي إليهم حقوقهم أو يستحلهم منها.
الشرط الرابع: العزم على أن لا يعود في المستقبل، بأن يكون في قلبه عزم مؤكد ألا يعود إلى هذه المعصية التي تاب منها.
الشرط الخامس: أن تكون التوبة في وقت القبول، فإن كانت بعد فوات وقت القبول لم تقبل، وفوات وقت القبول عام وخاص:
أما العام؛ فإنه طلوع الشمس من مغربها، فالتوبة بعد طلوع الشمس من مغربها لا تقبل، لقول الله تعالى: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلْ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ) الأنعام/١٥٨.
وأما الخاص؛ فهو حضور الأجل، فإذا حضر الأجل فإن التوبة لا تنفع لقول الله تعالى: (وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ) النساء/١٨.
أقول: إن الإنسان إذا تاب من أي ذنب - ولو كان ذلك سب الدين - فإن توبته تقبل إذا استوفت الشروط التي ذكرناها.
ولكن ليعلم أن الكلمة قد تكون كفراً وردة، ولكن المتكلم بها قد لا يكفر بها، لوجود مانع يمنع من الحكم بكفره، فهذا الرجل الذي ذكر عن نفسه أنه سب الدين في حال غضب، نقول له: إن كان غضبك شديداً بحيث لا تدري ماذا تقول، ولا تدري حينئذ أأنت في سماء أم في أرض، وتكلمت بكلام لا تستحضره ولا تعرفه، فإن هذا الكلام لا حكم له، ولا يحكم عليك بالردة، لأنه كلام حصل عن غير إرادة وقصد، وكل كلام حصل عن غير إرادة وقصد فإن الله لا يؤاخذ به، يقول: الله تعالى في الأيمان: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ) المائدة/٨٩.
فإذا كان هذا المتكلم بكلمة الكفر في غضب شديد لا يدري ما يقول، ولا يعلم ماذا خرج منه، فإنه لا حكم لكلامه، ولا يحكم بردته حينئذ، وإذا لم يحكم بالردة فإن الزوجة لا ينفسخ نكاحها منه، بل هي باقية في عصمته.
ولكن ينبغي للإنسان إذا أحس بالغضب أن يحرص على مداواة هذا الغضب بما أوصى به النبي ﷺ ، حين سأله رجل، فقال له: يا رسول الله، أوصني قال: (لا تغضب) فردد مراراً، قال: (لا تغضب) . فلْيُحْكِم الضبط على نفسه، وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، وإذا كان قائماً فليجلس، وإذا كان جالساً فليضطجع، وإذا اشتد به الغضب فليتوضأ، فإن هذه الأمور تذهب غضبه. وما أكثرَ الذين ندموا ندماً عظيماً على تنفيذ ما اقتضاه غضبهم، ولكن بعد فوات الأوان" اهـ.
[الْمَصْدَرُ]
"مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين" (٢/١٥٢) .
стр. 12533
مدمن مخدرات ويريد التوبة
[السُّؤَالُ]
ـ[زوج أختي يتعاطى المخدرات ويريد أن يتوقف ولكنه لا يستطيع لأنه مدمن ولكنه والحمد لله يخشى الله .
أختي تريد أن تعرف ما تفعل فلديها ٣ أبناء منه وتخشى أن تتركه فقد يسوء الحال ويتعاطى أكثر أو ينتحر.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ننصح أختك أن تقف بجانب زوجها في توبته ومحاولته التخلص من إدمان المخدرات، وأن لا تتركه للذئاب البشرية التي تدمر كيانه وتحطم أركانه، فهو أحوج ما يكون إليها الآن.
ولا بدَّ من أن تستعين بالمراكز الطبيَّة المتخصصة في معالجة الإدمان، ولن يؤثر ذلك عليه، بل سيعينه على التخلص مما هو فيه من بلاء وشر.
فينبغي لها أن لا تتردد في هذا، وأن تسارع للاتصال بالمختصين في معالجة هذه القضايا، مع تذكيرها الدائم له بتقوى الله والخوف منه، وتذكيره بالموت ولقاء الله تعالى، مع ترغيبه بترك ما هو عليه، وإعطائه الأمل بالشفاء وقبول توبته من ربه ﵎.
ونرجو مراجعة جواب السؤال (٦٥٤٠) .
والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12534
لماذا كان النبي ﷺ وأصحابه يخافون من ربهم مع تبشيرهم بالجنة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[لماذا كان الصحابة المبشَّرون بالجنة يخافون الله أشد الخوف، على الرغم أن الرسول ﷺ بشرهم بالجنة، بل الرسول ﷺ نفسه كان أخوفهم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا شك أن أصحاب النبي ﷺ هم خير هذه الأمة وأفضلها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
ومِن المعلوم بالضرورة لمن تدبر الكتاب والسنَّة , وما اتفق عليه أهل السنَّة والجماعة من جميع الطوائف: أن خير قرون هذه الأمة في الأعمال، والأقوال، والاعتقاد , وغيرها من كل فضيلة: أن خيرها: القرن الأول، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ من غير وجه , وأنهم أفضل من الخلَف في كل فضيلة، من علم وعمل، وإيمان، وعقل، ودين، وبيان، وعبادة , وأنهم أولى بالبيان لكل مشكل، هذا لا يدفعه إلا مَن كابر المعلوم بالضرورة من دين الإسلام , وأضله الله على علم، كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: " مَن كان منكم مستنّاً فليستنَّ بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد أبرُّ هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم؛ فإنهم كانوا على الهدى المستقيم ".
وما أحسن ما قال الشافعي ﵀ في رسالته: " هم فوقنا في كل علم، وعقل، ودين، وفضل، وكل سبب ينال به علم، أو يدرك به هدى ".
" مجموع الفتاوى " (٤ / ١٥٧، ١٥٨) .
ثانياً:
عبادة الله تعالى تتضمن الخوف، والرجاء، والمحبة له سبحانه تعالى؛ وهذا هو كمال الإيمان.
قال ابن القيم ﵀:
وسبب هذا: اقتران الخوف من الله تعالى بحبِّه، وإرادته , ولهذا قال بعض السلف: " مَن عبد الله تعالى بالحب وحده: فهو زنديق , ومن عبده بالخوف وحده: فهو حروري – أي: من الخوارج - , ومن عبده بالرجاء وحده: فهو مرجئ , ومن عبده بالحب والخوف والرجاء: فهو مؤمن.
وقد جمع الله تعالى هذه المقامات الثلاثة بقوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَه) الإسراء/ ٥٧، فابتغاء الوسيلة هو محبته، الداعية إلى التقرب إليه، ثم ذكر بعدها الرجاء والخوف , فهذه طريقة عباده، وأوليائه.
" بدائع الفوائد " (٣ / ٥٢٢) .
ثالثاً:
لا يستغرب أن يكون الصحابة أشد الناس خوفاً من الله، فكلما ازداد العبد إيماناً: ازداد خوفه من الله، ألا ترى أن الله تعالى أثنى على أنبيائه، ورسله بهذه الصفة، قال تعالى: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) الأحزاب/ ٣٩،
وقال عن الملائكة الكرام: (وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) الأنبياء/ ٢٨، وقال: (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) النحل/ ٥٠.
وعن جابر ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي بِالمَلإ الأَعْلَى وَجِبْريلُ كَالحِلْسِ البَالِي ِنْ خَشْيَةِ الله رواه الطبراني في " الأوسط " (٥ / ٦٤) ، وصححه الألباني في " السلسلة الصحيحة " (٢٢٨٩) .
والحلس البالي: الثوب البالي.
وهكذا كان حال نبينا محمد ﷺ ، فقد قال عن نفسه: (إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا) رواه البخاري (٢٠) ومسلم (١١٠٨) .
قال ابن القيم ﵀:
والمقصود: أن الخوف من لوازم الإيمان، وموجباته، فلا يتخلف عنه، وقال تعالى: (فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ) المائدة/ ٤٤ , وقد أثنى سبحانه على أقرب عباده إليه بالخوف منه، فقال عن أنبيائه بعد أن أثنى عليهم ومدحهم: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا) الأنبياء/ ٩٠، فالرغَب: الرجاء , والرغبة، والرهَب: الخوف، والخشية.
وقال عن ملائكته الذين قد أمَّنهم من عذابه: (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) النحل/ ٥٠، وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إني أعلمكم بالله وأشدكم له خشية) ، وفي لفظ آخر: (إني أخوفكم لله وأعلمكم بما أتقي) – رواه مسلم -، وكان يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء – رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود " -.
وقد قال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) فاطر/ ٢٨، فكلما كان العبد بالله أعلم: كان له أخوف، قال ابن مسعود: وكفى بخشية الله علماً.
ونقصان الخوف من الله: إنما هو لنقصان معرفة العبد به؛ فأعرف الناس: أخشاهم لله , ومن عرف الله: اشتد حياؤه منه، وخوفه له، وحبه له , وكلما ازداد معرفة: ازداد حياء، وخوفاً، وحبّاً، فالخوف من أجلِّ منازل الطريق , وخوف الخاصة: أعظم من خوف العامَّة , وهم إليه أحوج، وهم بهم أليق، ولهم ألزم.
" طريق الهجرتين " (٤٢٣، ٤٢٤) .
فعلى ذلك فلما كان الصحابة أعلم، وأتقى لله، وأعرف به: استلزم ذلك عظم خوفهم منه تعالى، مع الرجاء، والمحبة، وهكذا حال الأنبياء الذين هم أعرف، وأعلم، وأتقى لله تعالى من غيرهم من الناس.
ويمكن تلخيص أسباب خوف النبي ﷺ ، وصحابته الكرام ممن بشِّر بالجنة، بما يلي:
١. أنهم عرفوا معنى عبادة ربهم تعالى، وكان خوفهم من الله تعالى هو تحقيق لركن من أركانها، مع تحقيق ركني الرجاء، والمحبة.
٢. أنهم كانوا علماء بالله تعالى، ومن كان بالله أعلم كان منه أخوف.
٣. بحثاً عن مزيد ثواب، وعظيم أجر، من ربهم تعالى، قال تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) الرحمن/ ٤٦.
فنسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل الخوف، والرجاء، والمحبة.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12535
كيف يقوم العبد المسلم بشكر ربه تعالى على نعمِه الكثيرة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو أفضل شيء يقوم به الإنسان لشكر الله على نعمه التي منّ بها علينا؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الشكر هو: المجازاة على الإحسان، والثناء الجميل على من يقدم الخير والإحسان، وأجل من يستحق الشكر والثناء على العباد هو الله ﷻ ؛ لما له من عظيم النعَم والمنن على عباده في الدِّين والدنيا، وقد أمرنا الله تعالى بشكره على تلك النعم، وعدم جحودها، فقال: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ) البقرة/ ١٥٢.
ثانياً:
أعظم من قام بهذا الأمر، فشكر ربَّه، حتى استحق وصف " الشاكر " و " الشكور " هم الأنبياء والمرسلون ﵈:
قال تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. شَاكِراً لَأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) النحل/ ١٢٠، ١٢١.
وقال تعالى: (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً) الإسراء:/ ٣.
ثالثاً:
ذكر الله تعالى بعض نعمه على عباده، وأمرهم بشكرها، وأخبرنا تعالى أن القليل من عباده من قام بشكره .
١. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) البقرة/ ١٧٢.
٢. وقال تعالى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ) الأعراف/ ١٠.
٣. وقال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) الروم/ ٤٦.
٤. ومن النعم الدينية: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) المائدة/ ٦.
وغير ذلك كثير، وإنما ذكرنا هنا بعض تلك النِّعَم، وأما حصرها: فيستحيل، كما قال الله تعالى: (وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) إبراهيم/ ٣٤، ثم منَّ الله علينا فغفر لنا تقصيرها في شكر تلك النعم، فقال: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) النحل/ ١٨.
والمسلم دائم الطلب من ربِّه تعالى أن يعينه على شكره تعالى؛ إذ لولا توفيق الله لعبده، وإعانته: لما حصل الشكر، ولذا شرع في السنَّة الصحيحة طلب الإعانة من الله على شكره تعالى.
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ: (يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فَقَالَ: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ) .
رواه أبو داود (١٥٢٢) والنسائي (١٣٠٣) ، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ".
وكان الشكر على النِّعَم سبباً في زيادتها، كما قال تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) إبراهيم/ ٧.
رابعاً:
كيف يكون شكر العبد ربَّه على نعمه الجليلة؟ يكون الشكر بتحقيق أركانه، وهي شكر القلب، وشكر اللسان، وشكر الجوارح.
قال ابن القيم ﵀:
الشكر يكون: بالقلب: خضوعاً واستكانةً، وباللسان: ثناءً واعترافاً، وبالجوارح: طاعةً وانقياداً.
" مدارج السالكين " (٢ / ٢٤٦) .
وتفصيل ذلك:
١. أما شكر القلب: فمعناه: أن يستشعر القلب قيمة النعم التي أنعمها الله على عبده، وأن ينعقد على الاعتراف بأن المنعم بهذه النعَم الجليلة هو الله وحده لا شريك له، قال تعالى: (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ) النحل/ ٥٣.
وليس هذا الاعتراف من باب الاستحباب، بل هو واجب، ومن نسب هذه النعم لغيره تعالى: كفر.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀:
الواجب على الخلق إضافة النعم إلى الله قولاً، واعترافاً، وبذلك يتم التوحيد، فمن أنكر نعَم الله بقلبه، ولسانه: فذلك كافر، ليس معه من ادين شيء.
ومَن أقر بقلبه أن النعَم كلها من الله وحده، وهو بلسانه تارة يضيفها إلى الله، وتارة يضيفها إلى نفسه، وعمله، وإلى سعي غيره - كما هو جارٍ على ألسنة كثير من الناس -: فهذا يجب على العبد أن يتوب منه، وأن لا يضيف النعم إلا إلى موليها، وأن يجاهد نفسه على ذلك، ولا يتحقق الإيمان، والتوحيد إلا بإضافة النعَم إلى الله، قولاً، واعترافاً.
فإن الشكر الذي هو رأس الإيمان مبني على ثلاثة أركان: اعتراف القلب بنعَم الله كلها عليه، وعلى غيره، والتحدث بها، والثناء على الله بها، والاستعانة بها على طاعة المنعم، وعبادته.
" القول السديد في مقاصد التوحيد " (ص ١٤٠) .
وقال تعالى مبيناً حال من يجحد نسبة النعم لله تعالى: (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ) النحل/ ٨٣.
قال ابن كثير ﵀:
أي: يعرفون أن الله تعالى هو المسدي إليهم ذلك، وهو المتفضل به عليهم، ومع هذا ينكرون ذلك، ويعبدون معه غيره، ويسندون النصر والرزق إلى غيره.
" تفسير ابن كثير " (٤ / ٥٩٢) .
٢. وأما شكر اللسان: فهو الاعتراف لفظاً – بعد عقد القلب اعتقاداً – بأن المنعَم على الحقيقة هو الله تعالى، واشتغال اللسان بالثناء على الله .
قال تعالى في سياق بيان نعمه على عبد محمد ﷺ : (وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى) الضحى/ ٨، ثم أمره في مقابل ذلك بقوله: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) الضحى/ ١١.
قال ابن كثير – ﵀:
أي: وكما كنت عائلا فقيراً فأغناك الله: فحدِّث بنعمة الله عليك.
" تفسير ابن كثير " (٨ / ٤٢٧) .
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنْ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا) .
رواه مسلم (٢٧٣٤) .
قال أبو العباس القرطبي – ﵀:
والحمد هنا بمعنى الشكر، وقد قدمنا: أن الحمد يوضع موضع الشكر، ولا يوضع الشكر موضع الحمد، وفيه دلالة على أن شكر النعمة - وإن قلَّت -: سببُ نيل رضا الله تعالى، الذي هو أشرف أحوال أهل الجنة، وسيأتي قول الله لأهل الجنة حين يقولون: " أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، فيقول: (ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟) فيقولون: ما هو؟ ألم تبيض وجوهنا، وتدخلنا الجنة، وتزحزحنا عن النار؟ ، فيقول: (أحلُّ عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبداً) .
وإنما كان الشكر سبباً لذلك الإكرام العظيم لأنَّه يتضمَّن معرفة المنْعِم، وانفراده بخلق تلك النعمة، وبإيصالها إلى المنعَم عليه، تفضلاًّ من المنعِم، وكرماً، ومنَّة، وأن المنعَم عليه فقيرٌ، محتاجٌ إلى تلك النعَم، ولا غنى به عنها، فقد تضمَّن ذلك معرفة حق الله وفضله، وحقّ العبد وفاقته، وفقره، فجعل الله تعالى جزاء تلك المعرفة: تلك الكرامة الشريفة.
" المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم " (٧ / ٦٠، ٦١) .
ومن هنا قال بعض السلف: " مَن كتم النعمة: فقد كفَرها، ومن أظهرها ونشرها: فقد شكرها ".
قال ابن القيم – تعليقاً على هذا -:
وهذا مأخوذ من قوله: (إن الله إذا أنعم على عبد بنعمة: أحب أن يَرى أثر نعمته على عبده) .
" مدارج السالكين " (٢ / ٢٤٦) .
ويروى عن عمر بن عبد العزيز ﵀ قوله: تذاكروا النِّعَم، فإنَّ ذِكرها شكرٌ.
٣. وأما شكر الجوارح: فهو أن يسخِّر جوارحه في طاعة الله، ويجنبها ارتكاب ما نهى الله عنه من المعاصي والآثام.
وقد قال الله تعالى: (اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً) سبأ/ من الآية ١٣.
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى قَامَ حَتَّى تَفَطَّرَ رِجْلَاهُ قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَصْنَعُ هَذَا وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ فَقَالَ: (يَا عَائِشَةُ أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا) .
رواه البخاري (٤٥٥٧) ومسلم (٢٨٢٠) .
قال ابن بطَّال – ﵀:
قال الطبري: والصّواب في ذلك: أن شكر العبد هو: إقراره بأن ذلك من الله دون غيره، وإقرار الحقيقة: الفعل، ويصدقه العمل، فأما الإقرار الذي يكذبه العمل، فإن صاحبه لا يستحق اسم الشاكر بالإطلاق، ولكنه يقال شكر باللسان، والدليل على صحة ذلك: قوله تعالى: (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا) سبأ/ ١٣، ومعلوم أنه لم يأمرهم، إذ قال لهم ذلك، بالإقرار بنعمه؛ لأنهم كانوا لا يجحدون أن يكون ذلك تفضلاًّ منه عليهم، وإنما أمرهم بالشكر على نعمه بالطاعة له بالعمل، وكذلك قال ﷺ حين تفطرت قدماه في قيام الليل: (أفلا أكون عبدًا شكوراً) .
" شرح صحيح البخارى " (١٠ / ١٨٣، ١٨٤) .
وقال أبو هارون: دخلتُ على أبي حازم، فقلت له: يرحمك الله، ما شكرُ العينين؟ قال: إذا رأيتَ بهما خيراً: ذكرته، وإذا رأيتَ بهما شرّاً: سترته، قلت: فما شكر الأذنين؟ قال: إذا سمعتَ بهما خيراً: حفظته، وإذا سمعتَ بهما شرّاً: نسيتَه.
قال ابن رجب الحنبلي – ﵀:
الشكر على درجتين: إحداهما واجب، وهو أن يأتي بالواجبات، ويتجنب المحرمات، فهذا لا بد منه، ويكفي في شكر هذه النعم، ... .
ومن هنا قال بعض السلف:
" الشكر: ترك المعاصي ".
وقال بعضهم: " الشكر أن لا يُستعان بشيءٍ من النعَم على معصيته ".
وذكر أبو حازم الزاهد شكرَ الجوارح كلها: " أن تكف عن المعاصي، وتستعمل في الطاعات "، ثم قال: " وأما مَن شكر بلسانه ولم يشكر بجميع أعضائه: فمثَلُه كمثل رجل له كساء فأخذ بطرفه، فلم يلبسه، فلم ينفعه ذلك من البرد، والحر، والثلج، والمطر ".
الدرجة الثانية من الشكر: الشكر المستحب، وهو أن يعمل العبد بعد أداء الفرائض، واجتناب المحارم: بنوافل الطاعات، وهذه درجة السابقين المقربين ... .
" جامع العلوم والحكم " (ص ٢٤٥، ٢٤٦) .
والخلاصة:
أنه حتى تكون شاكراً لربك تعالى على ما أنعم عليك: فإنه يجب عليك الاعتراف بقلبك أن واهب هذه النعم، ومسديها هو الله تعالى، فتعظمه، وتنسبها إليه، وأن تعترف بذلك بلسانك، فتشكره بعد الاستيقاظ من النوم أن وهب لك الحياة، وبعد الطعام والشراب أن رزقك إياهما وتفضل بهما عليك، وهكذا في كل نعمة تراها على نفسك.
وتشكره بجوارك بأن لا تجعلها ترى، ولا تسمع، معصية، أو منكراً، كغناء، أو غيبة، ولا تمش برجليك إلى أماكن محرَّمة، ولا تستعمل يديك في منكر، ككتابة محرمة في علاقة مع نساء أجنبيات، أو كتابة عقود محرمة، أو القيام بصنعة أو عمل محرَّم،
ومن شكر النعم بالجوارح: تسخيرها في طاعة الله تعالى، بقراءة القرآن، وكتب العلم، وسماع النافع والمفيد، وهكذا باقي الجوارح تسخرها في الطاعات المختلفة.
واعلم أن شكر النعَم نعمة تحتاج لشكر، وهكذا يبقى العبد متقلباً في نعَم ربِّه، وهو يشكر ربه على تلك النعم، ويحمده أن وفقه إلى أن يكون من الشاكرين.
نسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياك لما يحب ويرضى.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12536
كيف تبكي من خشية الله
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا رجل لي عين لا تدمع فكيف أجعلها تدمع من خشيه الله تحقيقا للحديث " عينان لا تمسهما النار - وذكر " عين بكت من خشية الله "؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا شك أخي السائل أن هذا الشعور منك بالتأسف على فوات هذا الخير علامة ومؤشر على خير كبير، وأعلم ـ أخي ـ أن المسلم يستطيع أن يعوِّد نفسه على البكاء من خشية الله، وذلك من خلال هذه المحطات:
١. استشعار الخوف من الله تعالى.
إن هذا البكاءُ ثمرةُ العلمِ النافع، كما قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: (وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ) الإسراء/١٠٩:
" هذه مبالغةٌ في صفتهم ومدحٌ لهم؛ وحُقَّ لكلّ من توسّم بالعلم وحصّل منه شيئاً أن يجري إلى هذه المرتبة؛ فيخشع عند استماع القرآن ويتواضع ويذلّ، وفي مسند الدّارميّ عن أبي محمد عن التَّيْميّ قال: من أُوتيَ من العلم ما لم يبُْكِهِ لخليقٌ ألا يكون أُوتي علماً؛ لأن الله تعالى نعت العلماء، ثم تلا هذه الآية، ... ". " الجامع لأحكام القرآن " ١٠/٣٤١-٣٤٢.
٢. قراءة القرآن وتدبر معانيه.
قال تعالى: (قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً) الاسراء/١٠٧-١٠٩ وقال : (أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرائيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً) مريم/٥٨ عَن ابن مَسعودٍ ﵁ – قالَ: قال لي النبيُّ ﷺ : " اقْرَأْ علَّي القُرآنَ " قلتُ: يا رسُولَ اللَّه، أَقْرَأُ عَلَيْكَ، وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ ، قالَ: " إِني أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي " فقرَأْتُ عليه سورَةَ النِّساء، حتى جِئْتُ إلى هذِهِ الآية: (فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّة بِشَهيد وِجئْنا بِكَ عَلى هَؤلاءِ شَهِيداً) قال: " حَسْبُكَ الآن " فَالْتَفَتَّ إِليْهِ، فَإِذَا عِيْناهُ تَذْرِفانِ. رواه البخاري (٥٠٥٠) ومسلم (٨٠٠) .
٣. معرفة عظيم الأجر على البكاء وخاصة في الخلوة.
عن أبي هريرة ﵁ – قال: قالَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لا َيَلِجُ النَّارَ رَجْلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّه حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ في الضَّرْع، وَلا يَجْتَمعُ غُبَارٌ في سَبِيلِ اللَّه ودُخانُ جَهَنَّمَ ". رواه الترمذي (١٦٣٣) والنسائي (٣١٠٨) . وصححه الألباني.
وقوله " حتى يعود اللبن في الضرع ": هذا من باب التعليق بالمحال كقوله تعالى: (حتى يلج الجمل في سم الخياط) "تحفة الأحوذي "
وعنه قالَ: قالَ رسُولُ اللَّه ﷺ : " سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلا ظلُّهُ: إِمامٌ عادِلٌ، وشابٌّ نَشَأَ في عِبَادَةِ اللَّه تَعالى، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّق بالمَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا في اللَّه، اجتَمَعا عَلَيهِ وتَفَرَّقَا عَلَيهِ، وَرَجَلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمالٍ فَقَالَ: إِنّي أَخافُ اللَّه، ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةَ فأَخْفاها حتَّى لَا تَعْلَمَ شِمالهُ ما تُنْفِقُ يَمِينهُ، ورَجُلٌ ذَكَرَ اللَّه خالِياً فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ". رواه البخاري (٦٦٠) ومسلم (١٠٣١) .
ويمتاز البكاء في الخلوة على غيره، لأن الخلوة مدعاة إلى قسوة القلب، والجرأة على المعصية، وبعيدة عن احتمال الرياء، فإذا ما جاهد الإنسان نفسه فيها، واستشعر عظمة الله فاضت عيناه، فاستحق أن يكون تحت ظل عرش الرحمن يوم لا ظل إلا ظله.
٤. التفكر في حالك وتجرؤك على المعصية والخوف من لقاء الله على هذه الحال.
كان بعض الصالحين يبكي ليلاً ونهاراً، فقيل له في ذلك، فقال: أخاف أن الله تعالى رآني على معصية، فيقول: مُرَّ عنى فإني غضبان عليك، ولهذا كان سفيان يبكي ويقول أخاف أن أسلب الأيمان عند الموت.
وهذا إسماعيل بن زكريا يروي حال حبيب بن محمد - وكان جاراً له – يقول: كنت إذا أمسيت سمعت بكاءه وإذا أصبحت سمعت بكاءه، فأتيت أهله، فقلت: ما شأنه؟ يبكي إذا أمسى، ويبكي إذا أصبح؟! قال: فقالت لي: يخاف والله إذا أمسى أن لا يصبح وإذا أصبح أن لا يمسي.
لقد كان السلف كثيري البكاء والحزن، فحين عوتب يزيد الرقاشى على كثرة بكائه، وقيل له: لو كانت النار خُلِقتْ لك ما زدت على هذا؟! قال: وهل خلقت النار إلا لي ولأصحابي ولإخواننا من الجن والإنس؟ وحين سئل عطاء السليمي: ما هذا الحزن؟ قال: ويحك، الموت في عنقي، والقبر بيتي، وفي القيامة موقفي، وعلى جسر جهنم طريقي لا أدري ما يُصنَع بي.
وكان فضالة بن صيفي كثير البكاء، فدخل عليه رجل وهو يبكي فقال لزوجته: ما شأنه؟ قالت: زعم أنه يريد سفراً بعيداً وماله زاد.
وانتبه الحسن ليلة فبكى، فضج أهل الدار بالبكاء، فسألوه عن حاله فقال: ذكرت ذنبا لي فبكيت.
وعن تميم الداري رضى الله عنه أنه قرأ هذه الآية: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) فجعل يرددها إلى الصباح ويبكي.
وكان حذيفة ﵁ يبكي بكاءً شديداً، فقيل له: ما بكاؤك؟ فقال: لا أدري على ما أقدم، أعلى رضا أم على سخط؟ .
وقال سعد بن الأخرم: كنت أمشي مع ابن مسعود فمَّر بالحدَّادين وقد أخرجوا حديداً من النار فقام ينظر إلى الحديد المذاب ويبكي.
٥. استشعار الندم والشعور بالتفريط في جنب الله.
فدموعُ التائبين في جُنْحِ الليلِ تروي الغليل، وتشفي العليل، كما قال شيخ المفسِّرين أبو جعفر الطبري في تأويل قوله تعالى: (أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ) النجم/٥٩ – ٦١:
" لا تبكون مما فيه من الوعيد لأهل معاصي الله؛ وأنتم من أهل معاصيه، (وأنْتُمْ سامِدُونَ) يقول: وأنتم لاهون عما فيه من العِبَر والذِّكْر، مُعْرِضُون عن آياته! ". " جامع البيان عن تأويل آي القرآن " ٢٧/٨٢.
٦. البكاء من الشفقة من سوء الخاتمة.
عن ابن عمر ﵄ قال: لما مرّ رسول الله ﷺ بالحِجْر قال: " لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسَهم أن يُصيبكم ما أصابهم؛ إلا أن تكونوا باكين "، ثم قنّع رسول الله ﷺ رأسه، وأسرع المشيَ حتى أجاز الوادي) . رواه البخاري (٣٣٨٠) ومسلم (٢٩٨٠) .
وقد ترجم النووي لهذا الحديث بقوله: (باب البكاء والخوف عند المرور بقبور الظالمين ومصارعهم، وإظهار الافتقار إلى الله تعالى، والتحذير من الغفلة عن ذلك) . " رياض الصالحين " ص٣٧٣.
٧. سماع المواعظ المؤثرة والمحاضرات المرققة للقلب.
عن العرباض بن سارية ﵁ وهو أحد البكّائين ـ قال: (وَعَظَنا رسول الله ﷺ موعظةً بليغةً ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب) . رواه الترمذي (٢٦٧٦) وأبو داود (٤٦٠٧) وابن ماجه (٤٢) .وصححها الألباني
وفقنا الله وإياك لما يحب ربنا ويرضاه.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12537
ما هي علامات حب الله للعبد ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي علامات حب الله للعبد؟ . وكيف يكون العبد على يقين تام بأن الله جل وعلا يحبه وعلى رضا تام لهذا العبد؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لقد سألت عن عظيم.. وأمرٍ جسيم.. لا يبلغه إلا القلائل من عباد الله الصالحين..
فمحبة الله " هي المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون.. وإليها شخص العاملون.. إلى عَلَمها شمر السابقون.. وعليها تفانى المحبون.. وبِرَوحِ نسيمها تروَّح العابدون.. فهي قوت القلوب وغذاء الأرواح.. وقرة العيون..
وهي الحياة التي من حُرِمها فهو من جملة الأموات.. والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات.. والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه الأسقام.. واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام..
وهي روح الإيمان والأعمال.. والمقامات والأحوال.. التي متى خَلَت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه "
فاللهم اجعلنا من أحبابك
ومحبة الله لها علامات وأسباب كالمفتاح للباب، ومن تلك الأسباب:
١ - اتباع هدي النبي ﷺ ؛ قال تعالى في كتابه الكريم ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم﴾ .
٢ – ٥ - الذل للمؤمنين، والعزة على الكافرين، والجهاد في سبيل الله، وعدم الخوف إلا منه سبحانه.
وقد ذكر الله تعالى هذه الصفات في آية واحدة، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم﴾ .
ففي هذه الآية ذكر الله تعالى صفات القوم الذين يحبهم، وكانت أولى هذه الصفات: التواضع وعدم التكبر على المسلمين، وأنهم أعزة على الكافرين: فلا يذل لهم ولا يخضع، وأنهم يجاهدون في سبيل الله: جهاد الشيطان، والكفار، والمنافقين والفساق، وجهاد النفس، وأنهم لا يخافون لومة لائم: فإذا ما قام باتباع أوامر دينه فلا يهمه بعدها من يسخر منه أو يلومه.
٦ - القيام بالنوافل: قال الله – في الحديث القدسي -: " وما زال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه "، ومن النوافل: نوافل الصلاة والصدقات والعمرة والحج والصيام.
٨ - ١٢ - الحبّ، والتزاور، والتباذل، والتناصح في الله.
وقد جاءت هذه الصفات في حديث واحد عن الرسول ﷺ فيما يرويه عن ربه قال: " حقَّت محبتي للمتحابين فيَّ، وحقت محبتي للمتزاورين فيَّ، وحقت محبتي للمتباذلين فيَّ، وحقت محبتي للمتواصلين فيَّ ". رواه أحمد (٤ / ٣٨٦) و (٥ / ٢٣٦) و " التناصح " عند ابن حبان (٣ / ٣٣٨) وصحح الحديثين الشيخ الألباني في " صحيح الترغيب والترهيب " (٣٠١٩ و ٣٠٢٠ و ٣٠٢١) .
ومعنى " َالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ " أي أَنْ يَكُونَ زِيَارَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ مِنْ أَجْلِهِ وَفِي ذَاتِهِ وَابْتِغَاءِ مَرْضَاتِهِ مِنْ مَحَبَّةٍ لِوَجْهِهِ أَوْ تَعَاوُنٍ عَلَى طَاعَتِهِ.
وَقَوْلُهُ ﵎ " وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ " أي يَبْذُلُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي مَرْضَاتِهِ مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى جِهَادِ عَدُوِّهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أُمِرُوا بِهِ." انتهى من المنتقى شرح الموطأ حديث ١٧٧٩
١٣- الابتلاء، فالمصائب والبلاء امتحانٌ للعبد، وهي علامة على حب الله له؛ إذ هي كالدواء، فإنَّه وإن كان مُرّاً إلا أنَّك تقدمه على مرارته لمن تحب - ولله المثل الأعلى - ففي الحديث الصحيح: " إنَّ عِظم الجزاء من عظم البلاء، وإنَّ الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط " رواه الترمذي (٢٣٩٦) وابن ماجه (٤٠٣١) ، وصححه الشيخ الألباني.
ونزول البلاء خيرٌ للمؤمن من أن يُدَّخر له العقاب في الآخرة، كيف لا وفيه تُرفع درجاته وتكفر سيئاته، قال النبي ﷺ : " إذا أراد الله بعبده الخير عجَّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافيه به يوم القيامة " رواه الترمذي (٢٣٩٦) ، وصححه الشيخ الألباني.
وبيَّن أهل العلم أن الذي يُمسَك عنه هو المنافق، فإن الله يُمسِك عنه في الدنيا ليوافيه بكامل ذنبه يوم القيامة.
فاللهم اجعلنا من أحبابك
فإذا أحبك الله فلا تسل عن الخير الذي سيصيبك.. والفضل الذي سينالك.. فيكفي أن تعلم بأنك " حبيب الله ".. فمن الثمرات العظيمة لمحبة الله لعبده ما يلي:
أولاً: حبُّ الناسِ له والقبول في الأرض، كما في حديث البخاري (٣٢٠٩) : " إذا أحبَّ الله العبد نادى جبريل إن الله يحب فلاناً فأحببه فيحبه جبريل فينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض ".
ثانياً: ما ذكره الله سبحانه في الحديث القدسي من فضائل عظيمة تلحق أحبابه فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ " رواه البخاري ٦٥٠٢
فقد اشتمل هذا الحديث القدسي على عدة فوائد لمحبة الله لعبده:
١- " كنت سمعه الذي يسمع به " أي أنه لا يسمع إلا ما يُحبه الله..
٢- " وبصره الذي يبصر به " فلا يرى إلا ما يُحبه الله..
٣- " ويده التي يبطش بها " فلا يعمل بيده إلا ما يرضاه الله..
٤- " ورجله التي يمشي بها " فلا يذهب إلا إلى ما يحبه الله..
٥- " وإن سألني لأعطينه " فدعاءه مسموع وسؤاله مجاب..
٦- " وإن استعاذني لأعيذنه " فهو محفوظٌ بحفظ الله له من كل سوء..
نسأل الله أن يوفقنا لمرضاته.......
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12538
اللجوء إلى المدينة من الفتن
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف اللجوء إلى المدينة النبوية للنجاة من الفتن التي ظهرت واستفحلت ?.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
فقد ثبت في حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال:" المدينة كالكير تنفي خبثها وتنصع طيبها " رواه البخاري برقم ٦٧٨٥، ومسلم برقم ١٣٨٣
قال النووي:
وَمَعْنَى الْحَدِيث: " أَنَّهُ يَخْرُج مِنْ الْمَدِينَة مَنْ لَمْ يَخْلُص إِيمَانه , وَيَبْقَى فِيهَا مَنْ خَلَصَ إِيمَانه "
وثبت في حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة ليس له من نقابها نقب إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات فيخرج الله كل كافر ومنافق) رواه البخاري برقم ١٧٨٢، ومسلم برقم ١٦٠، وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (يأتي على الناس زمان يدعو الرجل بن عمه وقريبه هلم إلى الرخاء هلم إلى الرخاء، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، والذي نفسي بيده لا يخرج منهم أحد رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خيرا منه، ألا إن المدينة كالكير تخرج الخبيث، لا تقوم الساعة حتى تنفى المدينة شرارها كما ينفى الكير خبث الحديد) رواه مسلم برقم ١٣٨١
فهذه الأحاديث تبين أن المدينة لا يبقى فيها الخبث، وأنها تنفي خبثها، وأن الدجال لا يدخلها، وأنها خير لأصحابها الذين يخرجون منها رغبة عنها.
لكن لا يعني هذا أن من كان خارج المدينة فإنه مفتون، فإن الله جعل أسبابا للثبات على الحق والهدى، كما جعل أسبابا للضلالة والغي، والأمر كله أولا وأخيرا بيد الله، إلا أن الله جعل لكل شيء سببا.
فمن أسباب الثبات على الهداية ما يلي:
١- كثرة ذكر الله تعالى، والصلاة وقراءة القرآن.
٢- المداومة على الدعاء وسؤال الله الثبات.
٣- مصاحبة الأخيار، ومجالسة الصالحين.
٤- البعد عن مواطن الشبهات والفتن.
٥- التسلح بالعلم الشرعي.
٦- الدعوة إلى الله تعالى، وبذل الغالي والنفيس في سبيل الله تعالى.
وعليك بمراجعة كتاب وسائل الثبات على دين الله في مكتبة الموقع، وكتاب ٣٣ سببا للخشوع، وفقك الله لكل خير.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12539
متى تكون محبّة الله منجية من العذاب
[السُّؤَالُ]
ـ[هل من يحبّ الله سيدخل النار يوجد كثير من الكفار كاليهود والنصارى يحبون الله وكذلك المسلم الفاسق يحبّ الله ولا يقول أبدا إنه يبغض ربه، هل من إيضاح للقضية؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال ابن القيم ﵀ موضّحا هذه المسألة:
ها هنا أربعة أنواع من الحب يجب التفريق بينها وإنما ضل من ضل بعدم التمييز بينهما:
أحدهما: محبة الله ولا تكفي وحدها في النجاة من الله من عذابه والفوز بثوابه فإن المشركين وعباد الصليب واليهود وغيرهم يحبون الله.
الثاني: محبة ما يحب الله وهذه هي التي تدخله في الإسلام وتخرجه من الكفر وأحب الناس إلى الله أقومهم بهذه المحبة وأشدهم فيها.
الثالث: الحب لله وفيه وهي من لوازم محبة ما يحب الله ولا يستقيم محبة ما يحب الله إلا بالحب فيه وله.
الرابع: المحبة مع الله وهى المحبة الشركية وكل من أحب شيئا مع الله لا لله ولا من أجله ولا فيه فقد اتخذه ندا من دون الله وهذه محبة المشركين.
وبقى قسم خامس ليس مما نحن فيه وهى المحبة الطبيعية وهي ميل الإنسان إلى ما يلائم طبعه كمحبة العطشان للماء والجائع للطعام ومحبة النوم والزوجة والولد فتلك لا تذم إلا إن ألهت عن ذكر الله وشغلته عن محبته كما قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله) وقال تعالى: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) الجواب الكافي ١/١٣٤.
وقال رحمه الله تعالى: والفرق بين الحب في الله والحب مع الله وهذا من أهم الفروق وكل أحد محتاج بل مضطر إلى الفرق بين هذا وهذا، فالحب في الله هو من كمال الإيمان، والحب مع الله هو عين الشرك، والفرق بينهما أن المحب في الحب تابع لمحبة الله فإذا تمكنت محبته من قلب العبد أوجبت تلك المحبة، أن يحب ما يحبه الله فإذا أحب ما أحبه ربه ووليه كان ذلك الحب له وفيه كما يحب رسله وأنبياءه وملائكته وأولياءه لكونه تعالى يحبهم ويبغض من يبغضهم لكونه تعالى يبغضهم، وعلامة هذا الحب والبغض في الله أنه لا ينقلب بغضه لبغيض الله حبا لإحسانه إليه وخدمته له وقضاء حوائجه ولا ينقلب حبه لحبيب الله بغضا إذا وصل إليه من جهته من يكرهه ويؤلمه، إما خطأ وإما عمدا مطيعا لله فيه أو متأولا أو مجتهدا أو باغيا نازعا تائبا.
والدين كله يدور على أربع قواعد حب وبغض ويترتب عليهما فعل وترك فمن كان حبه وبغضه وفعله وتركه لله فقد استكمل الإيمان بحيث إذا أحب أحب لله، وإذا أبغض أبغض لله، وإذا فعل فعل لله، وإذا ترك ترك لله، وما نقص من أصناف هذه الأربعة نقص من إيمانه ودينه بحسبه.
وهذا بخلاف الحب مع الله فهو نوعان: نوع يقدح في أصل التوحيد وهو شرك، ونوع يقدح في كمال الإخلاص ومحبة الله ولا يخرج من الإسلام.
فالأول: كمحبة المشركين لأوثانهم وأندادهم قال تعالى: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله) وهؤلاء المشركون يحبون أوثانهم وأصنامهم وآلهتهم مع الله كما يحبون الله فهذه محبة تأله وموالاة يتبعها الخوف والرجاء والعبادة والدعاء وهذه المحبة هي محض الشرك الذي لا يغفره الله ولا يتم الإيمان إلا بمعاداة هذه الأنداد وشدة بغضها وبغض أهلها ومعاداتهم ومحاربتهم وبذلك أرسل الله جميع رسله وأنزل جميع كتبه وخلق النار لأهل هذه المحبة الشركية وخلق الجنة لمن حارب أهلها وعاداهم فيه وفي مرضاته فكل من عبد شيئا من لدن عرشه إلى قرار أرضه فقد اتخذ من دون الله إلها ووليا وأشرك به كائنا ذلك المعبود ما كان ولا بد أن يتبرأ منه أحوج ما كان إليه.
والنوع الثاني: محبة ما زينه الله للنفوس من النساء والبنين والذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث فيحبها محبة شهوة كمحبة الجائع للطعام والظمآن للماء فهذه المحبة ثلاثة أنواع:
فإن أحبها لله توصلا بها إليه واستعانة على مرضاته وطاعته أثيب عليها وكانت من قسم الحب لله توصلا بها إليه ويلتذ بالتمتع بها وهذا حالة أكمل الخلق الذي حبب إليه من الدنيا النساء والطيب وكانت محبته لهما عونا له على محبة الله وتبليغ رسالته والقيام بأمره.
وإن أحبها لموافقة طبعه وهواه وإرادته ولم يؤثرها على ما يحبه الله ويرضاه بل نالها بحكم الميل الطبيعي كانت من قسم المباحات ولم يعاقب على ذلك ولكن ينقص من كمال محبته لله والمحبة فيه.
وإن كانت هي مقصودة ومراده وسعيه في تحصيلها والظفر بها وقدمها على ما يحبه الله ويرضاه منه كان ظالما لنفسه متبعا لهواه.
فالأولى محبة السابقين، والثانية محبة المقتصدين، والثالثة محبة الظالمين. الروح لابن القيم ١/٢٥٤، وصلى الله على نبينا محمد، والله تعالى اعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 12540
حكم تسخط زوجها على القدَر، وتنقيصه من قدْر الله تعالى، وما يترتب على ذلك
[السُّؤَالُ]
ـ[لدي مشكلة غريبة جدّاً، زوجي الذي يتميز بطبعه الحريص جدّاً، لديه طابع سيء جدّاً، فعندما تواجهنا بعض الصعوبات: يقول أشياء مثل: " لماذا يفعل الله معنا نحن هكذا من دون الناس؟ "، و " إن الله تعالى يستهزئ بنا، وهو الآن يضحك علينا!! " (أستغفر الله) ، ولكنني أرى هذه الصعوبات كفارة لسيئاتنا، أما هو فليس عنده سوى هذه الكلمات، وإنني في هذه الحالة أظل صامتة؛ لأنني من خلال تجربتي معه: رأيت أن محاولة إسكاته تزيد الطين بلة، أما إن بقيت صامتة: فإنه يسكت بعد جملة، أو جملتين. وسؤالي هو: هل أفعل الصواب؟ أشعر أنه عليَّ إسكاته بطريقة ما، وأن أجعله يظل صامتاً، ولكنني بالفعل لا أدري ماذا أفعل؟ أسأل الله تعالي أن يغفر لزوجي، ولكن ماذا ترى أني فاعلة؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
ما قاله الزوج عظيم في حق الله، يبعث على الأسى، ويصيب القلب بالكمد، فكيف لمسلم أنعم الله تعالى بخير دين، وأنعم الله بنعَم لا يمكنه إحصاءها، ثم يأتي ويعترض على قدر الله تعالى، ويطعن بحكمته؟! إنها لإحدى الكُبَر، ثم لا يكتفي بهذا حتى يجعل ربه تعالى في موقف الساخر منه، المستهزئ به، الضاحك عليه! فكيف يجرؤ من أنعم الله عليه بلسان يتكلم أن ينطق بهذا؟! وكيف لمنتسب للإسلام أن يتفوه بذلك الكلام العظيم في حق ربه ؟! .
إن ما قاله الزوج من الاعتراض على قدر الله تعالى، والطعن بحكمته، وسؤاله لماذا يفعل الله معنا هكذا ": فهو من التسخط على قدر الله، وهو من كبائر الذنوب، وقد يؤدي به إلى الكفر المخرج من الملة؛ فهو طريق موصل إلى الردة، والله تعالى له الحكمة البالغة فيما يفعل ويقدِّر، وهو تعالى (لاً يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلونَ) الأنبياء/ ٢٣.
عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاءِ، وَإِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ) .
رواه الترمذي (٢٣٩٦) وابن ماجه (٤٠٣١) ، وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ".
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
الناس حال المصيبة على مراتب أربع:
المرتبة الأولى: التسخط وهو على أنواع:
النوع الأول: أن يكون بالقلب، كأن يتسخط على ربه، يغتاظ مما قدَّره الله عليه: فهذا حرام، وقد يؤدي إلى الكفر، قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ) .
النوع الثاني: أن يكون باللسان، كالدعاء بالويل، والثبور، وما أشبه ذلك، وهذا حرام.
النوع الثالث: أن يكون بالجوارح، كلطم الخدود، وشق الجيوب، ونتف الشعور، وما أشبه ذلك، وكل هذا حرام مناف للصبر الواجب.
" مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " (٢ / ١١٠) .
ثانيا:
إذا ابتلى الله عبده بالمصائب لم يكن ذلك علامة على أنه غير مرضي عند الله، وقد صحح الله تعالى هذا الظن الخاطئ عند الناس، فقال تعالى: (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا) الفجر/١٥-٢٠.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀:
" يخبر تعالى عن طبيعة الإنسان من حيث هو، وأنه جاهل ظالم، لا علم له بالعواقب، يظن الحالة التي تقع فيه تستمر ولا تزول، ويظن أن إكرام الله في الدنيا وإنعامه عليه يدل على كرامته عنده وقربه منه، وأنه إذا ﴿قدر عَلَيْهِ رِزْقهُ﴾ أي: ضيقه، فصار بقدر قوته لا يفضل منه، أن هذا إهانة من الله له، فرد الله عليه هذا الحسبان بقوله ﴿كَلا﴾ أي: ليس كل من نَعَّمْتُه في الدنيا فهو كريم عليَّ، ولا كل من قَدَرْتُ عليه رزقه فهو مهان لدي، وإنما الغنى والفقر، والسعة والضيق: ابتلاء من الله، وامتحان يمتحن به العباد، ليرى من يقوم له بالشكر والصبر، فيثيبه على ذلك الثواب الجزيل، ممن ليس كذلك فينقله إلى العذاب الوبيل " انتهى. " تفسير السعدي" (٩٢٤) .
وهذا نبينا محمد ﷺ خير الناس، وأعلم الناس، وأخشاهم، وأتقاهم، قد ابتلي كثيراً، فاتهم في عقله، وطعن في عرضه، وجُرح وكُسرت رَباعيته، مع ما لاقاه ﷺ من الأذى من كفار قريش، وسفهاء الطائف، وغيرهم، بل إنه ﷺ قد صحَّ عنه أنه قال (إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءَ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) رواه أحمد.
قال الشيخ الألباني – ﵀ – تعليقاً على الحديث السابق وما في معناه -:
وفي هذه الأحاديث: دلالة صريحة على أن المؤمن كلما كان أقوى إيماناً: ازداد ابتلاء، وامتحاناً، والعكس بالعكس، ففيها رد على ضعفاء العقول والأحلام، الذين يظنون أن المؤمن إذا أصيب ببلاء، كالحبس، أو الطرد، أو الإقالة من الوظيفة، ونحوها: أن ذلك دليل على أن المؤمن غير مرضي عند الله تعالى! وهو ظن باطل، فهذا رسول الله ﷺ وهو أفضل البشر: كان أشد الناس - حتى الأنبياء - بلاءً، فالبلاء – غالباً - دليل خير، وليس نذير شر.
" السلسلة الصحيحة " (١ / ١٤٤) .
وينظر جواب السؤال رقم (٧١٢٣٦) ففيه بيان موقف المؤمن من الابتلاء.
وينظر جواب السؤال رقم (١١٢٩٠٥) ففيه بيان كيف يعرف المصاب إن كانت مصيبته عقوبة أو ابتلاء لرفع درجاته.
ثالثا:
إن تصوير زوجكِ الربَّ تعالى بما قاله في حقه: من استهزائه به، وضحكه عليه: من ظن السوء بالله ﷻ ، الذي هو أولى بكل جميل؛ بل ذلك من الكفر المخرج من الملة؛ لدخوله في تنقص قدر الرب تعالى، ولدخوله في حكم الاستهزاء به ، ولتشبيه الله تعالى بأفعال الناقصين من البشر، وكل ذلك كفر بالله تعالى، لا يُختلف فيه.
قال تعالى: (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ. لَا تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ) التوبة/ ٦٥.
وليس شرطاً أن يكون ذلك الزوج عالماً أنه قد جاء بالكفر المخرج من الملة، فالحكم على فعله وقوله هو للشرع، وليس له.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ – في شرح الآيات السابقة -:
فدل على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفراً، بل ظنوا أن ذلك ليس بكفرٍ، فبيَّن أن الاستهزاء بالله، وآياته، ورسوله: كفرٌ، يكفر به صاحبه بعد إيمانه، فدلَّ على أنه كان عندهم إيمان ضعيف، ففعلوا هذا المحرم الذي عرَفوا أنَّه محرم، ولكن لم يظنوه كفراً، وكان كفراً كفروا به، فإنهم لم يعتقدوا جوازه.
" مجموع الفتاوى " (٧ / ٢٧٣) .
رابعا:
على الأخت السائلة أن تعلم هذا، وأن تُخبر به زوجها، وعليها أن تطلب منه أن يتلفظ بالشهادتين، ويتوب على ما صدر منه من كلمات، ويندم عليها، ويعزم على عدم العود لها، أو لمثلها.
وإذا كان زوجك بهذه الحال التي وردت في السؤال، من الجهل والتمادي في غيه عند نصحك له: فحاولي أن تكلميه في وقت هدوئه وراحة باله، وبيني له عاقبة ما يقول ويفعل، وإذا كان في إمكانك أن تستعيني عليه بشيخ ثقة، يبين له سوء ما هو عليه: فهو حسن إن شاء الله، ولعل احتشامه من شخص غريب له هيئة ومنزلة: لعل ذلك أن يمنعه عن المبالغة في غيه وضلاله عند نصحه.
بل لا تمكنيه من نفسك حتى يتوب، وأعلميه أنه لا يحل لك البقاء مع زوج يقول مثل ذلك في حق الله تعالى.
فإن أصر على ما هو فيه من سوء الطباع، ورذيل الأقوال والأفعال، ولم يبد ندما على ما بدر منه، ولا توبة إلى الله ، وانتهاء عما يقول ويفعل: فلا خير لك في البقاء مع زوج هذه حاله، فاتركيه وما هو فيه، واحفظي ـ أنت عليك ـ دينك، وعرضك.
وانظري أجوبة الأسئلة: (١٠٣٠٨٢) و (٢١٦٩٠) و (٨٩٧٢٢) .
(١٢٦٠١٩) كلمات وأمثال فيها اعتراض على أفعال الله، وطعن في حكمته، وعدله.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12541
حكم ما يُسمى بـ " حرية الكلام "، و " حرية الرأي "؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو رأي الإسلام في حرية الكلام وحرية الرأي؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
معرفة الحكمة من وجود الإنسان فيه الجواب على هذا السؤال , فإنَّ مَن علم المقصد من خلقه ووجوده: يعلم أنَّ فعله، وكلامه، ورأيه، منضبط بما أراده الله، ورضيه , وأما الماديون، ودعاة التفسخ والانحلال: فينطلقون من مبدأ: قل ما تشاء، وافعل ما تشاء، واعبد ما تشاء.
فالحكمة من خلق الإنسان ووجوده على الأرض: أن يعبد الله وحده لا شريك له، وأن يستسلم لأوامر الله تعالى، كما قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ. مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ. إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) الذاريات/ ٥٦ – ٥٨، وقال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) المؤمنون/ ١١٥،١١٦.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀:
أي: (أَفَحَسِبْتُمْ) أيها الخلق، (أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا) أي: سدى، وباطلا، تأكلون، وتشربون، وتمرحون، وتتمتعون بلذات الدنيا، ونترككم لا نأمركم، ولا ننهاكم، ولا نثيبكم، ولا نعاقبكم؟ ولهذا قال: (وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ) لا يخطر هذا ببالكم، (فَتَعَالَى اللَّهُ) أي: تعاظم وارتفع عن هذا الظن الباطل، الذي يرجع إلى القدح في حكمته (الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ)
" تفسير السعدي " (ص ٥٦٠) .
فمن علم أنه عبد لله: فلا بد أن يتقيد بما أمر الله به، وينتهي عما نهى الله عنه , وهذا ينافي دعوة حرية الكلام، والرأي، والأفعال , فالله لا يرضى من العبد التكلم بكلمة الكفر , أو أن يتكلم بالفسق، والفجور , أو أن يدعو إليها , وأما دعاة الحرية: فالأمر سيان عندهم، تكلم بما شئت، واعمل ما شئت , في حق الله، وفي حق الدين.
ثانياً:
لا شك أن الإسلام عظَّم خطورة الكلمة التي يتكلم بها المرء , قال تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) ق/ ١٨.
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِى لَهَا بَالاً يَرْفَعُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِى لَهَا بَالاً يَهْوِى بِهَا فِي جَهَنَّمَ) رواه البخاري (٦١١٣) .
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ – أيضاً - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ) رواه البخاري (٥٦٧٢) ومسلم (٤٧) .
قال النووي ﵀:
وقد ندب الشرع إلى الإمساك عن كثير من المباحات؛ لئلا ينجر صاحبها إلى المحرمات، أو المكروهات , وقد أخذ الإمام الشافعي ﵁ معنى الحديث فقال: " إذا أراد أن يتكلم: فليفكر , فإن ظهر له أنه لا ضرر عليه: تكلم , وإن ظهر له فيه ضرر، أوشك فيه: أمسك ".
" شرح مسلم " (٢ / ١٩) .
ثالثاً:
إن حرية الكلام ليست مطلقة ـ حتى عند دعاتها ـ بل مقيدة بأمور، منها:
١. القانون.
ومن العجب أن ترى اجتماع دول الغرب على تجريم من يشكك في محرقة اليهود، بل يحاكمون من يثبتها لكن يشكك في أرقام قتلاها! دون أن يسمحوا لأهل التاريخ، ولأهل الفكر، أن يبحثوا القضية، ويتم مناقشتها وفق الأدلة والبراهين، ولا يزال بعض الكتَّاب والمفكرين قابعين في سجون تل البلدان بسبب موقفهم من ثبوت المحرقة، أو موقفهم من المبالغة في عدد قتلاها من اليهود.
ومنها: العرف، والذوق العام، والاصطدام بحرية الآخرين.
فإن كنا قد اتفقنا على تقيد حرية الكلام والتعبير عن الرأي، فليكن الحكم في ذلك، لحكم الله، الذي هو أعدل الأحكام وأحسنها، ولا يكون الحكم لقانون من وضع البشر، يعتيريه ما يعتري غيره من أنظمة البشر من الهوى والظلم والجهل.
وإنه لتناقض عند هؤلاء أن يكون القانون يُلجم أفواههم عن الكلام عن محرقة اليهود، وأخبار جنودهم القتلى في أرض المسلمين – بينما يستنكرون علينا أن نمنع من يسب الله أو رسوله أو دينه أو يقذف المحصنات المؤمنات أو غير ذلك مما حرم الله النطق به؛ لما يترتب عليه من مفاسد ومضار.
إن المسلم مطلوب منه أن لا يسكت على الخطأ والزلل، وعليه واجب التذكير والنصيحة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر , وهذا منافٍ لدعوة حرية الكلام , فمن تكلم بكلام محرم، فالواجب منعه من هذا الكلام، ونهيه عن هذا المنكر.
والإسلام لا يمنع الناس من التعبير عن آرائهم فيما يجري حولهم في السياسة والاقتصاد، والمسائل الاجتماعية، ولا يمنع من الكلام في نقد الأخطاء، ونصح المخطئين، وكل ذلك ينبغي أن يكون مقيَّداً بشروط الشرع، وآدابه، فلا تهييج للعامة، ولا دعوة للفوضى، ولا اتهام للأبرياء، ولا قذف للأعراض، وغير ذلك مما هو معروف من أحكام الشرع التي تضبط هذه المسائل.
وقد وجدنا أن أكثر أصحاب دعاوى حرية الكلام، والرأي: مقصدهم من ذلك: حرية التطاول على الدِّين الإسلامي، وشرائعه , فيصلون إلى مقصدهم من خلال ـ حرية الرأي ـ.
فتطاولوا على حكم الله بدعوى حرية الكلام , وطعنوا في القرآن والسنَّة بدعوى حرية الكلام , ودعوا إلى الزنا والفجور والخنا بدعوى حرية الكلام.
وقد تبع هؤلاء بعض المنافقين في بلاد الإسلام، الذين يطعنون في أحكام الشريعة الإسلامية، ويطعنون في القرآن وفي السنة النبوية الصحيحة.
والواجب على حكام المسلمين الأخذ على أيدي هؤلاء، ومنعهم من هذا المنكر، حفاظاً على دين الأمة، وقياماً بما أوجب الله عليهم من حماية الدين والدفاع عنه.
والحاصل: أننا ـ نحن المسلمين ـ ليس عندنا ما يسمى بـ "حرية الرأي" أو "حرية التعبير" وإنما عندنا الخضوع لحكم الله تعالى، وعدم الخروج عن شرعه، فمن تكلم بالحق وجب أن يعان، ومن تكلم بالباطل وجب أن يمنع.
وقد سئل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀:
هل يجوز أن يكون هناك ما يسمَّى بـ " حرية الرأي "، أي: يُفتح المجال لأهل الخير، وأهل الشر، كلٌّ يدلي بدلوه في المجتمع؟ .
فأجاب:
"هذا باطل، لا أصل له في الإسلام، بل يجب أن يُمنع الباطل، ويُسمح للحق، ولا يجوز أن يُسمح لأحد يدعو إلي الشيوعية، أو الوثنية، أو يدعو إلى الزنا، أو القمار، أو غير ذلك، سواء بالأسلوب المباشر، أم غير المباشر، بل يُمنع، ويؤدب، بل إن هذه هي: " الإباحية المحرمة " انتهى.
" فتاوى إسلامية " (٤ / ٣٦٧، ٣٦٨) .
وانظر لمزيد الفائدة جوابي السؤالين: (٩٨١٣٤) و (٩٤١٠) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12542
حكم الشتم في السر
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز أن أشتم أحدا، ولكن أشتم في قلبي وفي السر، لا أحد يعلم أني شتمت فلانا، مثلا أن أقول في نفسي يا فلان يا ... لماذا فعلت بي كذا. وهل أنا آثم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
السب والشتم إما أن يكون بوجه حق، أو بغير وجه حق:
أولا:
إن كان بحق: كأن يقع على المسلم ظُلمٌ ظاهر، وأذى بالغ لا يمتري فيه أحد: فليس على مَن دفع عن نفسه الظلم والعدوان بالسب والشتم مِن حرج، سرا كان الشتم أو جهرا، من غير اعتداء ولا تجاوز، وإن كان الأولى والأفضل ألا يفعل ذلك.
يقول الله تعالى:
(لَاْ يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَاّ مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيْعًا عَلِيْمًا) النساء/١٤٨
يقول السعدي ﵀:
" يخبر تعالى أنه لا يحب الجهر بالسوء من القول، أي: يبغض ذلك، ويمقته، ويعاقب عليه، ويشمل ذلك جميع الأقوال السيئة التي تسوء وتحزن: كالشتم، والقذف، والسب ونحو ذلك، فإن ذلك كله من المنهي عنه الذي يبغضه الله.
ويدل مفهومها أنه يحب الحسن من القول: كالذكر، والكلام الطيب الليِّن.
وقوله: (إِلا مَن ظُلِمَ) أي: فإنه يجوز له أن يدعو على من ظلمه ويتشكى منه، ويجهر بالسوء لمن جهر له به، من غير أن يكذب عليه، ولا يزيد على مظلمته، ولا يتعدى بشتمه غير ظالمه، ومع ذلك فعفوه وعدم مقابلته أولى، كما قال تعالى: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) " انتهى.
" تيسير الكريم الرحمن " (ص/٢١٢) .
وقال تعالى:
(وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيْلٍ، إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَىْ الّذِيْنَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِيْ الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ، أُوْلئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ) الشورى/ ٤١-٤٢
وعن أبي هريرة ﵃ أنّ رسول الله ﷺ قال:
(الْمُسْْتَبّانِ: مَا قَالَاْ فَعَلَىْ البَادِئِ مِنْهُمَا، مَا لَمْ يَعْتَدِ المَظْلُومُ) رواه مسلم (٢٥٨٧)
وخير ما دعا به المظلوم على الظالم، هو ما جاء عن النبي ﷺ عن جابرٍ ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: (الَّلهُمّ أَصْلِحْ لِيْ سَمْعِي وَبَصَرِيْ، وَاجْعَلْهُمَا الوَارِثَيْنِ مِنّي، وَانصُرنِي عَلَى مَنْ ظَلَمَنِي، وَأَرِنِي مِنْهُ ثَأْرِي)
رواه البخاري في الأدب المفرد (١/٢٢٦) ، وصححه الألباني، وانظر الدعاء للطبراني (١/٤٢١، ٤٢٦)
يقول الخطيب الشربيني ﵀:
" إذا سب إنسانٌ إنسانا جاز للمسبوب أن يسب الساب بقدر ما سبه، لقوله تعالى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها) ، ولا يجوز أن يسب أباه ولا أمه، وروي أن زينب لما سبت عائشة قال لها النبي ﷺ – كما في سنن ابن ماجة وصححه الألباني -: (دونك فانتصري) فأقبلت عليها حتى يبس ريقها في فيها، فتهلل وجه النبي ﷺ . وإنما يجوز السب بما ليس كذبا ولا قذفا، كقوله: يا ظالم، يا أحمق، لأن أحدا لا يكاد ينفك عن ذلك، وإذا انتصر بسبه فقد استوفى ظلامته، وبرئ الأول من حقه، وبقي عليه إثم الابتداء، أو الإثم لحق الله تعالى " انتهى.
" مغني المحتاج " (٤/١٥٧)
والأولى والأكمل والأفضل هو العفو والصفح والتجاوز، لعل الله أن يتجاوز عنا يوم القيامة، فالجزاء من جنس العمل.
يقول الله :
(وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) الشورى/٤٠
وقال ﷺ :
(يَا عُقبَةَ بنَ عَامِر: صِلْ مَنْ قَطَعَكَ، وَأَعْطِ مَنْ حَرَمَكَ، وَاعْفُ عَمَّن ظَلَمَكَ)
رواه أحمد (٤/١٥٨) وصححه الألباني (السلسلة الصحيحة/٨٩١)
وعنْ عائشة ﵂ قالت:
(سُرِقَتْ مِلْحفةٌ لَهَا، فَجَعَلَتْ تَدْعُو عَلَى مَن سَرَقَهَا، فَجَعَلَ النَّبيّ ﷺ يقولُ: لَاْ تُسَبِّخِي عَنْهُ) قال أبو داود: لا تسبخي: أي: لا تخففي عنه.
رواه أبو داود برقم (١٤٩٧) وصححه الألباني في (صحيح الترغيب/٢٤٦٨)
كما جاء من الآثار عن التابعين ما يدلّ على فضيلة العفو والصفح في الدنيا:
قال الهيثم بن معاوية:
" من ظُلِمَ فلمْ ينتصرْ بيدٍ ولا لسانٍ، ولم يحقدْ بقلبٍ، فذاك يضيء نوره في الناس " انتهى.
رواه البيهقي في شعب الإيمان (٦/٢٦٤)
ثانيا:
أما إن وقع السب والشتم بغير وجه حق، وإنما كرها شخصيا أو بغضا يدفع إليه الحسد، أو استقباح الهيئة أو النسب أو التصرف أو غير ذلك مما يقع بسببه الناسُ في السب والشتم: فذلك من المحرمات الظاهرة، ومن سقطات اللسان التي تأكل الحسنات، وتأتي بالسيئات، سواء كان في السر أو في العلن.
عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال:
(سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ) رواه البخاري (رقم/٤٨) ، ومسلم (٦٤)
وعنه أيضا ﵁ أن النبي ﷺ قال:
(لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الْفَاحِشِ وَلَا الْبَذِيءِ)
رواه الترمذي (١٩٧٧) وقال: حسن غريب. وصححه الألباني في صحيح الترمذي
يقول المباركفوري ﵀:
" قوله: (ليس المؤمن) أي: الكامل.
(بالطعان) أي: عيَّاباً الناس.
(ولا اللعان) ولعل اختيار صيغة المبالغة فيها لأن الكامل قل أن يخلو عن المنقصة بالكلية.
(ولا الفاحش) أي: فاعل الفحش أو قائله. وفي " النهاية ": أي: من له الفحش في كلامه وفعاله، قيل: أي: الشاتم، والظاهر أن المراد به الشتم القبيح الذي يقبح ذكره.
(ولا البذيء) قال القاري: هو الذي لا حياء له." انتهى باختصار.
" تحفة الأحوذي " (٦/١١١)
ثالثا:
فإذا وقع السب في القلب كحديث نفس، ولم يقصده صاحبه، ولم ينطق به، إنما هي بعض الوساوس التي تراوده في شتم فلان وعلان، ولكنه لا يمتثل لها ولا يعقد العزم عليها، فتلك أحاديث نفس وخواطر معفو عنها بإذن الله، لقول النبي ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ) .
رواه البخاري (٤٩٦٨) ومسلم (١٢٧) .
على أنه يُخْشى من إضمار ذلك: أن يتحرك القلب بما استقر فيه، رغبة فيه، وحرصا عليه، ومحبة له، وهذا من أعمال القلب التي يؤاخذ العبد بمثلها.
قال القاسمي ﵀:
" وأما أثره ـ أي: الغضب ـ في القلب: فالحقد والحسد، وإضمار السوء، والشماتة بالمساءات، والحزن بالسرور، والعزم على إفشاء السر، وهتك الستر، والاستهزاء، وغير ذلك من القبائح؛ فهذه ثمرة الغضب المفرط " انتهى من "تهذيب موعظة المؤمنين" (٣١٢) .
وقال الغزالي ﵀:
" اعلم أن سوء الظن حرام مثل سوء القول؛ فكما يحرم عليك أن تحدث غيرك بلسانك بمساويء الغير، فليس لك أن تحدث نفسك وتسيء الظن بأخيك. ولست أعني به إلا عقد القلب وحكمه على غيره بالسوء، فأما الخواطر وحديث النفس فهو معفو عنه ... ، والظن عبارة عما تركن إليه النفس، ويميل إليه القلب ". انتهى.
"إحياء علوم الدين" (٣/١٥٠) ، وانظر: الأذكار للنووي (٣٤٤) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12543
تفصيل القول في هجاء المسلم والكافر والمبتدع
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم هجاء المشركين والفسَّاق؟ أرجو التفصيل، فقد أعجبني تفصيلكم في سؤال عن حكم الرثاء في الإسلام، فقد كانت إجابة شافية، ومؤصلة، ومعزوة. وشكراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
" الهجاء " ضد " المدح "، وقد اتفق الفقهاء على أن الأصل في عرض المسلم أنه مصون، وأنه لا يجوز هجوه من غير أن يكون مستحقّاً لذلك.
ففي " الموسوعة الفقهية " (٤٢ / ١٥٩، ١٦٠) :
"وقد استدل الفقهاء على عدم جواز هجو المسلم بقول الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) الأحزاب/ ٥٨، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالأَْلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِْيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) الحجرات/ ١١، وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : (الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ) – متفق عليه -، وَقَوْلِهِ ﷺ : (لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا بِاللَّعَّانِ وَلَا الْفَاحِشِ وَلَا الْبَذِيءِ) – رواه الترمذي، وصححه الألباني –" انتهى.
ثانياً:
ذهب الشافعية إلى جواز هجو المبتدع، والمعلن بفسقه، وذهب الحنفية إلى جواز هجو المنافق.
قال الشربيني الشافعي ﵀:
"ومثله في جواز الهجو: المبتدع، كما ذكره الغزالي في " الإحياء "، والفاسق المعلِن، كما قاله العمراني، وبحَثه الإسنوي" انتهى.
"مغني المحتاج" (٤/٤٣٠) .
وفي "الموسوعة الفقهية" (٤٢/١٥٩) :
"ذهب الفقهاء إلى عدم جواز هجو المسلم، واستثنى الشافعية المبتدع، والفاسق المعلِن بفسقه، فيجوز هجوهم، وعند الحنفية: يجوز هجو المسلم المنافق" انتهى.
وكلما ازداد قبح البدعة، وبُعدها عن الصراط المستقيم: تحتم على أهل السنَّة كشف عوارها، وتبيين ضلالها، وهو من الجهاد في سبيل الله باللسان.
قال ابن القيم ﵀ في بيان شرِّ بدعة التعطيل، والتأويل، وذم أهليهما -:
"فكشْف عورات هؤلاء، وبيان فضائحهم، وفساد قواعدهم: مِن أفضل الجهاد في سبيل الله، وقد قال النبي ﷺ لحسان بن ثابت: (إِنَّ رُوحَ القُدُسِ مَعَكَ مَا دُمْتَ تُنَافِحُ عَنْ رَسُولِهِ) ، وقال: (أُهْجُهُم - أَوْ هَاجِهِم - وَجِبْرِيلُ معك) ، وقال: (اللهمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ القُدُسِ مَا دَامَ يُنَافِحُ عَنْ رَسُولِكَ) ، وقال عن هجائه لهم: (والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ فِيهم من النَّبْل) ، وكيف لا يكون بيان ذلك من الجهاد في سبيل الله: وأكثر هذه التأويلات المخالفة للسلف الصالح من الصحابة، والتابعين، وأهل الحديث قاطبة، وأئمة الإسلام الذين لهم في الأمَّة لسان صدق: يتضمن من عبث المتكلم بالنصوص، وسوء الظن بها من جنس ما تضمنه طعن الذين يلمزون الرسول، ودينه، وأهل النفاق، والإلحاد؛ لما فيه من دعوى أن ظاهر كلامه إفك، ومحال، وكفر، وضلال، وتشبيه، وتمثيل، أو تخييل، ثم صرْفها إلى معانٍ يعلم أن إرادتها بتلك الألفاظ من نوع الأحاجي، والألغاز، لا يصدر ممن قصْدُه نصح، وبيان، فالمدافعة عن كلام الله ورسوله، والذب عنه: من أفضل الأعمال، وأحبها إلى الله، وأنفعها للعبد" انتهى.
"الصواعق الرسلة" (١/٣٠١، ٣٠٢) .
ثالثاً:
أما الكافر، والمشرك، والمرتد: فظاهر النصوص تدل على جواز هجائهم، بل قد دلَّت سنَّة النبي ﷺ على أن ذلك من الجهاد في سبيل الله.
عَنْ أَنَس بن مالك أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ) . رواه أبو داود (٢٥٠٤) والنسائي (٣٠٦٩) ، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
"عيب ديننا، وشتم نبيِّنا: مجاهدة لنا، ومحاربة، فكان نقضاً للعهد، كالمجاهدة، والمحاربة بالأَوْلى.
يبين ذلك: أن الله سبحانه قال في كتابه: (وَجَاهِدُوا بِأَمْوالِكم وَأَنْفِسكم فِي سَبيلِ الله) التوبة/٤١، والجهاد بالنفس: يكون باللسان، كما يكون باليد، بل قد يكون أقوى منه، قال النبي ﷺ : (جَاهِدُوا المُشْرِكين بِأَيْدِيكُم وَأَلْسِنَتِكُم وَأَمْوالِكُم) رواه النسائي وغيره، وكان ﷺ يقول لحسان بن ثابت: (أهْجُهُم وَهَاجِهِم) ، (وكان يُنصب له منبر في المسجد ينافح عن رسول الله ﷺ بشعره، وهجائه للمشركين) – رواه البخاري تعليقا، ورواه أبو داود والترمذي متصلاً، وحسنه الألباني -، وقال النبي ﷺ : (اللهمَّ أَيِّدْهُ بِرُوح القُدُس) – متفق عليه -، وقال: (إِنَّ جِبرائيلَ مَعَكَ مَا دُمْتَ تُنَافِحُ عَنْ رسول الله ﷺ – وهو الحديث قبل السابق -، وقال: (هِيَ أَنْكَى فِيهُم مِن النَّبْل) – رواه مسلم – " انتهى.
"الصارم المسلول" (١/٢١٣) .
وينبغي أن يكون ذلك ردّاً على هجاء أولئك الكفار للإسلام، أو لنبينا محمد ﷺ ؛ وقد دلَّ النص القرآني على عدم جواز ابتدائهم بالسب، والهجاء؛ خشيةً من تعرضهم لله تعالى، أو لدينه، أو لرسوله ﷺ ، بالسب والشتم، فقال الله تعالى: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) الأنعام/ ١٠٨.
ومما يدل على جواز هجاء الكفار والمشركين ردّاً عليهم: ما ثبت من أن النبي ﷺ قال لحسان بن ثابت ﵁: (اهْجُهُمْ - أَوْ قَالَ: هَاجِهِمْ - وَجِبْرِيلُ مَعَكَ) رواه البخاري (٥٨٠١) ومسلم (٢٤٨٦) .
قال العيني ﵀:
"قوله (اهجهم) : أمرٌ مِن هجا، يهجو، هجواً، وهو نقيض المدح.
قوله (أو هاجهم) : شك من الراوي، من المهاجاة، ومعناه: جازهم بهجوهم.
قوله (وجبريل معك) : يعني: يؤيدك، ويعينك عليه" انتهى.
"عمدة القاري" (١٥/١٣٤) .
وفي "مغني المحتاج" (٤/٤٣٠) :
"محل تحريم الهجاء إذا كان لمسلم فإن كان لكافر أي غير معصوم جاز، كما صرح به الروياني وغيره؛ لأنه ﷺ أمر حسَّان بهجو الكفار، بل صرح الشيخ أبو حامد بأنه مندوب.
وظاهر كلامهم: جواز هجو الكافر غير المحترم [يعني غير المعصوم] المعين" انتهى.
وجاء في "الموسوعة الفقهية" (٤٢/١٦٠) :
"ذهب الفقهاء إلى جواز هجو الكافر غير المعصوم، وكذا المرتد؛ لأن النبي ﷺ أمر حسان بن ثابت ﵁ بهجو الكفار" انتهى.
وفي ذِكر جبريل ﵇ في الحديث دون غيره من الملائكة حكمة بالغة.
قال ابن رجب الحنبلي ﵀:
"وإنما خصَّ النبي ﷺ جبريل، وهو روح القدس، بنصرة من نصره، ونافح عنه؛ لأن جبريل صاحب وحي الله إلى رسله، وَهُوَ يتولى نصر رسله، وإهلاك أعدائهم المكذبين لهم، كما تولى إهلاك قوم لوط، وفرعون، في البحر.
فمَن نصر رسول الله، وذب عنه أعداءه، ونافح عنه: كان جبريل معه، ومؤيِّداً له، كما قال لنبيه ﷺ : (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ) التحريم/٤" انتهى.
"فتح الباري" لابن رجب (٢/٥٠٩) .
وبالتأمل في سبب ورود الحديث: يتبين أن النبي ﷺ أمر حسان بن ثابت بهجاء المشركين ردّاً على طعنهم، لا أن ذلك كان ابتداءً.
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
"وفي الحديث: جواز سب المشرك، جواباً عن سبه للمسلمين , ولا يعارض ذلك مطلق النهي عن سب المشركين لئلا يسبوا المسلمين: لأنه محمول على البداءة به , لا على من أجاب منتصراً" انتهى.
"فتح الباري" (١٠/٥٤٧) .
وفي "حاشية السندى على صحيح البخارى" (٤/١٤١) :
"وقوله: (بِرُوحِ القُدُس) هو جبريل، في ذلك إشارة إلى أن هجو الكفار من أفضل الأعمال، ومحله: إذا كان جواباً، كما هنا، وإلا فهو منهي عنه لآية: (وَلَا تَسُبُّوا الذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دِونِ اللهِ) " انتهى.
فالخلاصة:
١. تحريم هجاء المسلم من حيث الأصل.
٢. جواز هجاء الكافر، والمشرك، والمرتد.
٣. مراعاة أن يكون هجاء الكافر ردّاً عليه، لا ابتداء من المسلم.
٤. أن يكون الناظم للهجاء على قدر من البلاغة والفصاحة؛ لاختيار النبي ﷺ لحسان بن ثابت دون غيره، ولما قد يسببه نظم الجاهل والضعيف من سخرية الشعراء والفصحاء.
٥. جواز ابتداء المبتدع، والمعلِن بفسقه، بالهجاء.
٦. مراعاة عدم الشطط في الهجاء، وعدم التعدي على العرض، وعدم القذف.
٧. من هجا مسلماً بغير حق: فإنه يستحق التعزير.
ففي "الموسوعة الفقهية" (٤٢/١٦٢) :
"للإمام أن يعزِّر مَن يهجو الناس بغير حق؛ وذلك لأن هذا النوع من الهجاء محرم، وفعله معصية، وكل معصية ليس فيها حد: وجب فيها التعزير" انتهى.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12544
هل يجوز للطالب أن ينظر إلى المدرسة وهي تشرح الدرس ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أدرس في مدرسة مختلطة والسبب في ذلك إصرار والدي، وكثيراً ما أتغيب بسبب المعاصي التي أواجهها هناك يومياً فأقوم بتلفيق بعض الأعذار لوالدي كأن أقول ذهبت المستشفى وأقصد بذلك أني ذهبت يوما ما في الماضي وليس اليوم.. فهل هذا جائز؟ وإذا كان هناك في طاقم التدريس بعض المدرسات فكيف يمكن غض البصر في هذه الحالة؟ أم أنه يجوز النظر بقدر الحاجة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
يحرم الاختلاط بين الرجال والنساء في أماكن العمل والدراسة وغيرها، وهو أشد تحريماً في الدراسة، لما يحتاج إليه الشاب في تلك الفترة من مزيد عناية بدينه والوقاية من الفتن.
وانظر جواب السؤال رقم (١٢٠٠) .
فالذي ينبغي عليك فعله أن تقنع والدك بضرورة الانتقال من هذه المدرسة إلى مدرسة أخرى لا اختلاط فيها، وتستعين في ذلك بعد الله تعالى بالعقلاء من أهلك: أعمامك وأخوالك، لعل الله أن يشرح صدر والدك ويوافق على ذلك.
ثانياً:
لا بأس باستعمال التورية والمعاريض في الكلام للتخلص مما قد تقع فيه من حرج، ولكن بمقدار الحاجة أو المصلحة، وخاصة مع والدك، الذي يجب أن يكون ما بينك وبينه قائما على أساس الصدق والمصارحة.
وقد ذهب بعض العلماء إلى تحريم التعريض لغير حاجة أو مصلحة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
انظر جواب السؤال رقم: (٢٧٢٦١) .
وقال النووي ﵀:
" قال العلماء: فإن دعَت إلى ذلك مصلحة شرعيَّة راجحة على خداع المخاطب، أو دعت إليه حاجة لا مندوحة عنها إلا بالكذب: فلا بأس بالتعريض" انتهى.
" الأذكار " (ص ٣٨٠) .
وليعلم والدك أنه هو الذي أوقعك في هذا الحرج، وألجأك إلى خداعه لإصراره على بقائك في هذه المدرسة المختلطة.
ثالثاً:
لا يجوز للرجل أن ينظر إلى امرأة أجنبية إلا للحاجة أو الضرورة، كالنظر إلى المخطوبة،
ونظر الطبيب إلى المريضة عند الحاجة، ونحو ذلك.
فعلى الطالب أن يجتهد في غض البصر، ويشغل نفسه بالنظر إلى الكتاب أو السبورة، ولا ينظر إلى المدرسة، ويتأكد المنع إذا كانت المدرسة متبرجة، تظهر محاسنها وتتزين بأدوات التجميل، وإذا رأى الطالب من نفسه انزلاقا أو بداية انحراف، فالواجب عليه الامتناع من الحضور، فإن سلامة دينه أولى وأهم من الدراسة، ولا يمكن لعاقل أن يقدم الدراسة على الدين.
وقد سألنا الشيخ عبد الله بن جبرين: ماذا يفعل طلاب الطب في محاضرات المدرسات من النساء؟
فأجاب: " مثل هؤلاء لا مفّر لهم من هذا، وعليهم أن يحرصوا على غضّ البصر، وعلى تحصين أنفسهم والبعد عن المغريات التي توقع في الحرام، وإذا لاحظ أن نفسه بدأت تنزلق في محرم امتنع عن الحضور " انتهى.
راجع السؤال رقم: (٦١١٨) .
وينبغي نصح مثل هؤلاء المدرسات بتقوى الله، والتزام الحجاب الشرعي.
أعاذنا الله والمسلمين من الفتن، ما ظهر منها وما بطن.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12545
حكم التمادح برسائل الجوال المبالغ فيها
[السُّؤَالُ]
ـ[الرسائل المبالغ فيها التي نرسلها لمجرد الإرسال وللرد على رسائلهن برسائل شعرية وتكون فيها مبالغة في الكلام هل يعد من النفاق؟ وهل إذا أكثرت من الرسائل وصرف رصيد جوالي لدرجة ينقضي شحن الجوال بسبب الرسائل يعد إسرافاً؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
دين الله دين وسط، لا إفراط فيه ولا تفريط، والاعتدال في كل شيء خير.
وقد وصف الله تعالى عباده بقوله: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) الفرقان/٦٧، وقال تعالى: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا) الإسراء/٢٩.
فتجاوز الحد في الرسائل هو من الإسراف المذموم المنهي عنه، ومن تأمل كثيراً من الرسائل المتداولة لوجدها لا فائدة منها، وكثير من المرسل إليهم لا يقرؤونها، بل يحذفونها بمجرد أن تقع أعينهم عليها.
ثانياً:
أما رسائل المدح المبالغ فيها، فقد نهى النبي ﷺ عن مدح الشخص، وذم المداحين، فكيف بالمبالغة في مدحه!
وسبب هذا النهي: أنه قد يكون سبباً في إعجاب الممدوح بنفسه، أو تكبره، فيهلك بسبب ذلك.
روى مسلم (٣٠٠٢) عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ رَجُلًا جَعَلَ يَمْدَحُ عُثْمَانَ، فَعَمِدَ الْمِقْدَادُ فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَكَانَ رَجُلًا ضَخْمًا فَجَعَلَ يَحْثُو فِي وَجْهِهِ الْحَصْبَاءَ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِذَا رَأَيْتُمْ الْمَدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمْ التُّرَابَ) .
وروى البخاري (٦٠٦١) ومسلم (٣٠٠٠) عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَجُلٌ خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ - يَقُولُهُ مِرَارًا - إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًا لَا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ كَذَا وَكَذَا إِنْ كَانَ يُرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ وَحَسِيبُهُ اللَّهُ، وَلَا يُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا) .
قال الحافظ:
" قَالَ اِبْن بَطَّال: حَاصِل النَّهْي: أَنَّ مَنْ أَفْرَطَ فِي مَدْح آخَر بِمَا لَيْسَ فِيهِ لَمْ يَأْمَن عَلَى الْمَمْدُوح الْعُجْب لِظَنِّهِ أَنَّهُ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَة , فَرُبَّمَا ضَيَّعَ الْعَمَل وَالِازْدِيَاد مِنْ الْخَيْر اِتِّكَالًا عَلَى مَا وُصِفَ بِهِ
وَقَالَ الْغَزَالِيّ فِي " الْإِحْيَاء ": آفَة الْمَدْح فِي الْمَادِح أَنَّهُ قَدْ يَكْذِب، وَقَدْ يُرَائِي الْمَمْدُوح بِمَدْحِهِ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ فَاسِقًا أَوْ ظَالِمًا " انتهى.
وروى الإمام أحمد (١٦٣٩٥) وابن ماجه (٣٧٤٣) عن مُعَاوِيَة ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (َإِيَّاكُمْ وَالتَّمَادُحَ فَإِنَّهُ الذَّبْحُ) وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجة.
قال المناوي:
" لما فيه من الآفة في دين المادح والممدوح، وسماه ذبحا لأنه يميت القلب فيخرج من دينه، وفيه ذبح للممدوح فإنه يغره بأحواله ويغريه بالعجب والكبر ويرى نفسه أهلا للمدحة سيما إذا كان من أبناء الدنيا أصحاب النفوس وعبيد الهوى، وفي رواية: (فإنه من الذبح) وذلك لأن المذبوح هو الذي يفتر عن العمل والمدح يوجب الفتور، أو لأن المدح يورث العجب والكبر وهو مهلك كالذبح، فلذلك شبه به. قال الغزالي ﵀: فمن صنع بك معروفا فإن كان ممن يحب الشكر والثناء فلا تمدحه؛ لأن قضاء حقه أن لا تقره على الظلم، وطلبه للشكر ظلم، وإلا فأظهر شكره ليزداد رغبة في الخير " انتهى.
"فيض القدير" (٣/١٢٩) .
أما قولك: هل يعد ذلك من النفاق؟
فالجواب: إذا كان المدح فيه شيء من الكذب فهو من صفات المنافقين، لقول النَّبِيِّ ﷺ : (آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ) متفق عليه.
وروى الترمذي (٢٠٢٧) عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لْبَذَاءُ وَالْبَيَانُ شُعْبَتَانِ مِنْ النِّفَاقِ) وصححه الألباني في "صحيح الترمذي".
قال المناوي:
" البيان: فصاحة اللسان، والمراد: ما فيه إثم منها كهجو أو مدح بغير حق.
(شعبتان من النفاق) أي: هما خصلتان منشؤهما النفاق أو مؤديان إليه. وأراد بالبيان هنا كثرة الكلام والتكلف للناس بكثرة التملُّق والثناء عليهم وإظهار التفصُّح، وذلك ليس من شأن أهل الإيمان. وقد يتملق الإنسان إلى حد يخرجه إلى صريح النفاق وحقيقته " انتهى.
"التيسير بشرح الجامع الصغير" (١/ ١٠٣٦) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12546
كلمات وأمثال فيها اعتراض على أفعال الله وطعن في حكمته وعدله
[السُّؤَالُ]
ـ[لماذا ربنا يعطي الذي ليس محتاجاً، والمحتاج لحاجه لا تأتي له؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
أمر الله تعالى بحفظ اللسان، وأن لا يتكلم العبد بالكلمة إلا وهو يعلم أنه ليس فيها إثم، وأخبرنا نبينا محمد ﷺ أنه الناس يُكبون في جهنم بحصائد ألسنتهم، وما أكثر ما يخترع الناس أمثالاً، أو تجري ألسنتهم بكلمات تكون فيها مهلكتهم، إن لم يتداركهم ربهم تعالى برحمته.
وإن العبد الموفَّق ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يثيبه الله عليها أعظم الثواب، وإن العبد المخذول ليتكلم بالكلمة لا يظن أنها تبلغ به شيئاً تهوي به في نار جهنم.
قال تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) ق/ ١٨.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ) .
رواه البخاري (٦١١٣) .
وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ) .
رواه البخاري (٦١٠٩) .
وقال بعض السلف: " ما على وجه الأرض شيء أَحوج إلى طول حَبْس من اللسان "! .
ثانياً:
مثل هذا الكلام القبيح يدرج في أمثال بعض البلاد، وتتناقله الألسن، دون أن يعي أحدهم أنه وقع بقوله في مخالفات شرعية، تتعلق بصفات الله تعالى، وأسمائه، وأفعاله، ففي هذا القول الوارد في السؤال اعتراض على أفعال الله تعالى، وتقديراته، وعلمه، وحكمته، وعدله.
ومن تلك الأمثال الدارجة " يعطي الحلَق للذي ليس له أُذُن! " و " يعطي اللحم للذي ليس له أسنان "، ويعنون به: الله تعالى.
وفي هذا الكلام ما لا يخفى من سوء الأدب مع الله تعالى، وسوء الظن به، فيقال فيه:
١. في كلام السوء هذا يعني أن الله تعالى أعطى النعمة من لا يستحقها، وأن هناك مَن هو أولى بهذه النعمة مِن هذا المُعطَى! وهذا من أعظم الطعن في حكمة الله، وعدله.
وليس أحدٌ في غنى عن فضل الله وعطائه، وقد قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) فاطر/ ١٥.
والله تعالى يقدِّر ما يشاء لحكَم جليلة، فمن أغناه الله فلحكمة، ومن أفقره الله فلحكمة، فهو يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر لحكَمة، قال تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) التوبة/من الآية ٢٨، وقال تعالى: (فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) الحجرات/ ٨.
ولله خزائن السموات والأرض، وما يهبه تعالى لخلقه: فهو بقدَرٍ معلومٍ، قال تعالى: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) الحِجر/ ٢١.
٢. وما يظنه الإنسان القاصر في فهمه وإدراكه أن الخير له هو في غناه، وسلطانه، وجاهه: خطأ، وقصور، يتناسب مع طبيعة الإنسان القاصرة، فقد يكون الخير في نزع تلك الأشياء منه، كما قد يكون الذل خيراً له! نعم، فلربما ذلُّه قاده إلى إسلام بعد كفر، أو طاعة بعد معصية، كما أن المال، والملك، والجاه، والعز قد يكون شرّاً له، فيكون هذا المسكين يعترض على قدر الله وحكمته، ويسعى لما فيه تلفه، وهلاكه.
قال تعالى: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) آل عمران/ ٢٦.
ومن تأمل حديث الأقرع والأبرص والأعمى: علم أن القَرَعَ والبَرَصَ كانا خيراً لصاحبيهما من المال الذي طلباه، فلما طلب الأول شعراً حسناً فأُعطيه، وطلب الثاني جلداً حسناً فأُعطيه، بل وأُعطي كل واحد منهما مالاً وفيراً: كان ذلك سبباً في فتنتهما، وسخط الله عليهما، حيث أنكرا نعمة الله عليهما، وبخلا بما أعُطيا من مال.
والحديث رواه البخاري (٣٢٧٧) ومسلم (٢٩٦٤) .
٣. ثم إن الله تعالى هو المتفرد بالملك، والخلق، والرزق، ولا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولم يحصل الاعتراض على هبة النعمة من الله إلا من المشركين وإخوانهم.
قال ابن كثير – ﵀ – تعليقاً على آية (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ) -:
أي: أنت المتصرف في خلقك، الفعَّال لما تريد، كما ردَّ ﵎ على من يتحكم عليه في أمره، حيث قال: (وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) الزخرف / ٣١، قال الله تعالى ردّاً عليهم: (أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات) الآية، الزخرف/ ٣٢، أي: نحن نتصرف في خلقنا كما نريد، بلا ممانع، ولا مدافع، ولنا الحكمة، والحجة في ذلك، وهكذا نعطي النبوة لمن نريد، كما قال تعالى: (الله أعلم حيث يجعل رسالته) الأنعام/ ١٢٤، وقال تعالى: (انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا) .
" تفسير ابن كثير " (٢ / ٢٩) .
ولما ذكر الله تعالى اعتراض بعض الناس على مُلكٍ آتاه الله بعض خلقه: أرجع الله تعالى الأمر إلى علمه، وحكمته، وفضله، وأن الأمر لا يرجع إلا إليه ، وذلك في قوله تعالى: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) البقرة/ ٢٤٧.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
قوله تعالى: (والله يؤتي ملكه من يشاء) أي: يُعطي ملكَه من يشاء، على حسب ما تقتضيه حكمته، كما قال تعالى: (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير) آل عمران/ ٢٦.
قوله تعالى: (والله واسع) أي: ذو سعة في جميع صفاته: واسع في علمه، وفضله، وكرمه، وقدرته، وقوته، وإحاطته بكل شيء، وجميع صفاته وأفعاله.
و (عليم) أي: ذو علم بكل شيء، ومنه: العلم بمن يستحق أن يكون ملِكاً، أو غيرَه من الفضل الذي يؤتيه الله من يشاء.
" تفسير سورة البقرة " (٣ / ٢١٣، ٢١٤) .
٤. أن قائل مثل هذه العبارات وقع في الفتنة من حيث يشعر أو لا يشعر، فالله تعالى جعل الناس بعضهم لبعض فتنة، منهم الغني، ومنهم الفقير، ومنهم الشريف، ومنهم الوضيع، فمن رضي بما قسم الله، ولم يسخطه: نجا من الفتنة، ومن اعترض وسخط: فله السخط، قال تعالى: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً) الفرقان/ من الآية ٢٠، وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ) الأنعام/ ٥٣.
قال القرطبي – ﵀:
قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ) أي: إن الدنيا دار بلاء، وامتحان، فأراد سبحانه أن يجعل بعض العبيد فتنة لبعض على العموم في جميع الناس، مؤمن، وكافر، فالصحيح فتنة للمريض، والغني فتنة للفقير، والفقير الصابر فتنة للغني، ومعنى هذا أن كل واحد مختبر بصاحبه؛ فالغني ممتحن بالفقير، عليه أن يواسيه ولا يسخر منه، والفقير ممتحن بالغني، عليه ألا يحسده، ولا يأخذ منه إلا ما أعطاه، وأن يصبر كل واحد منهما على الحق، كما قال الضحاك في معنى (أَتَصْبِرُونَ) : أي: على الحق.
وأصحاب البلايا يقولون: ِلمَ لمْ نُعَافَ؟ والأعمى يقول: لمَ لمْ أُجعل كالبصير؟ وهكذا صاحب كل آفة، والرسول المخصوص بكرامة النبوة فتنة لأشراف الناس من الكفار في عصره، وكذلك العلماء، وحكام العدل، ألا ترى إلى قولهم (لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) الزخرف/ ٣١، فالفتنة: أن يَحسد المبتلى المعافى، ويَحقر المعافى المبتلى، والصبر: أن يحبس كلاهما نفسه، هذا عن البطر، وذاك عن الضجر. (أَتَصْبِرُونَ) محذوف الجواب، يعني: أم لا تصبرون؟ .
" تفسير القرطبي " (١٣ / ١٨) .
٥. أن مثل هذه الكلمات الدارجة على الألسنة فيها سوء ظن بالله تعالى، وهي فتنة لم يَنج منها كثير من الناس، فيظن الواحد منهم أنه يستحق أكثر مما قدِّر له، وأنه أولى بكثرة الخير والصرف عن السوء والشر من غيره، وفي ذلك من الاعتراض على قدر الله تعالى ما يخلخل به المرء ركناً من أركان الإيمان، وهو الإيمان بالقدر شرِّه وخيره، وأنه كله من عند الله، قدَّره، وكتبه، وشاءه، ثم خلقه، بحكمته تعالى، وعدله.
قال ابن القيم – ﵀:
فأكثر الخلق، بل كلهم، إلا مَن شاء الله: يظنون باللهِ غيرَ الحقِّ ظنَّ السَّوْءِ، فإن غالبَ بني آدم يعتقد أنه مبخوسُ الحق، ناقصُ الحظ، وأنه يستحق فوقَ ما أعطاهُ اللهُ، ولِسان حاله يقول: ظلمني ربِّي، ومنعني ما أستحقُه، ونفسُه تشهدُ عليه بذلك، وهو بلسانه يُنكره، ولا يتجاسرُ على التصريح به، ومَن فتَّش نفسَه، وتغلغل في معرفة دفائِنها، وطواياها: رأى ذلك فيها كامِناً كُمونَ النار في الزِّناد، فاقدح زنادَ مَن شئت: يُنبئك شَرَارُه عما في زِناده، ولو فتَّشت مَن فتشته: لرأيت عنده تعتُّباً على القدر، وملامة له، واقتراحاً عليه خلاف ما جرى به، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقِلٌّ، ومستكثِر، وفَتِّشْ نفسَك هل أنت سالم مِن ذلك؟ .
فَإنْ تَنجُ مِنْهَا تنج مِنْ ذِى عَظِيمَةٍ ... وَإلَاّ فَإنِّى لَا إخَالُكَ نَاجِيَاً
فليعتنِ اللبيبُ الناصحُ لنفسه بهذا الموضعِ، وليتُبْ إلى الله تعالى، وليستغفِرْه كلَّ وقت من ظنه بربه ظن السَّوْءِ، وليظنَّ السَّوْءَ بنفسه التي هي مأوى كل سوء، ومنبعُ كل شرٍّ، المركَّبة على الجهل، والظلم، فهي أولى بظن السَّوْءِ من أحكم الحاكمين، وأعدلِ العادلين، الراحمين، الغنيِّ الحميد، الذي له الغنى التام، والحمدُ التام، والحكمةُ التامة، المنزّهُ عن كل سوءٍ في ذاته، وصفاتِهِ، وأفعالِه، وأسمائه، فذاتُه لها الكمالُ المطلقُ مِن كل وجه، وصفاتُه كذلك، وأفعالُه كذلك، كُلُّها حِكمة، ومصلحة، ورحمة، وعدل، وأسماؤه كُلُّها حُسْنَى.
فَلا تَظْنُنْ بِرَبِّكَ ظَنّ سَؤْءِ ... فَإنَّ اللهَ أَوْلَى بِالجَمِيلِ
وَلا تَظْنُنْ بِنَفْسِكَ قَطُّ خَيْراً ... وَكَيْفَ بِظَالِمٍ جَانٍ جَهُولِ
وَقُلْ يَا نَفْسُ مَأْوَى كُلِّ سُوءِ ... أَيُرجَى الخَيْرُ مِنْ مَيْتٍ بَخيلِ
وظُنَّ بِنَفّسِكَ السُّوآى تَجِدْهَا ... كَذَاكَ وخَيْرُهَا كَالمُسْتَحِيلِ
وَمَا بِكَ مِنْ تُقىً فِيهَا وَخَيْرٍ ... فَتِلْكَ مَوَاهِبُ الرَّبِّ الجَلِيلِ
وَلَيْسَ بِهَا وَلَا مِنْهَا وَلَكِنْ ... مِنَ الرَّحْمن فَاشْكُرْ لِلدَّلِيلِ
" زاد المعاد في هدي خير العباد " (٣ / ٢٣٥، ٢٣٦) .
وبنصيحة ابن القيم الرائعة نختم كلامنا، فلعلَّ كلَّ واحدٍ منَّا أن يفتِّش نفسه، ويتأمل في حالها، ونرجو الله تعالى أن يصلح أحوالنا، وأن يسدد أقولنا، وأعمالنا.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
موقع الإسلام سؤال وجواب
стр. 12547
حكم من تلفظ بكلمة الكفر غير مدرك معناها
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم من قال: " أنا شيوعي "، غير مدرك له؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
للكلمة شأن في دين الله عظيم؛ إذ بكلمة يقولها العبد يرفعه الله بها درجات، وبكلمة أيضا يهوي بها في جهنم.
قال الله تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) ق/١٨.
وروى البخاري (٥٩٩٦) ومسلم (٥٣٠٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيهَا يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) .
وروى الترمذي (٢٢٤١) وصححه، عن بِلَال بْن الْحَارِثِ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ فَيَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ. وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، فَيَكْتُبُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ) .
وروى النسائي (٣٧١٢) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا لَمْ يَعُدْ إِلَى الْإِسْلَامِ سَالِمًا) .
صححه الألباني في الإرواء (٢٥٧٦)
والشيوعية مذهب إلحادي قائم على إنكار وجود الله، وتقديس المادة، واعتبارها أساسا لكل شيء. ولا يقيم وزنا للدين، بصفة عامة، أي دين؛ بل يعتبرون الدين آفة من آفات الشعوب، أو ـ على حد قولهم: مخدرا للشعوب؛ يعني: أنه يلهيها عن مقاصدها المادية التي هي أساس مذهبهم.
ولا شك أن هذا أحد أخطر المذاهب الكفرية في العصر الحديث، والتي فتنت بها أناسا كثيرين، واضطهدت كثيرا من أهل الدين والإيمان.
ولا شك أن الواجب على من سمع بهذا المذهب، وعلم حاله: أن يكفر به، ويبرأ إلى الله منه، ومن أهله؛ فلا يجتمع تعظيم هذا المذهب، والإيمان به، أو الدعوة إليه، أو محبته ومحبة أهله: مع الإيمان في قلب عبد.
فالمنتسب إليهم وهو على معرفة بأمرهم، وما هم عليه من الضلال: كافر بالله العظيم.
فإن كان قائل هذا الكلام قد جهل أصل مذهبهم، أو اغتر بدعايتهم في النواحي الاجتماعية والاقتصادية، إلى مراعاة الفقراء، أو العناية بهم، وكفالة حقوقهم: فالواجب تعريفه بحقيقة المذهب، وخطره على الدين والإيمان، وأن الله قد أغنى عباده، بما أوحى إليهم من شرعه، عن كل دين وملة، ومذهب سواه.
وننصح أن يكون توجيه من اغتر بمذهب القوم برفق ولين، وحسن حوار وبيان لأدلة ذلك من الشرع الحنيف. وينبغي أن يكون من يتعرض لذلك على إلمام كاف بذلك المذهب الكفري، وقدرة على الحوار والنقاش؛ لأن أكثر المفتونين بذلك المذهب ذوو جدل وخصومة.
فإن كان حقا، جاهلا بذلك المذهب وأصوله، أو جاهلا بمصادمته للإيمان الواجب على العبيد، فهو معذور بجهله. وإن أصر ـ بعد البيان والتعريف ـ فهو كافر مرتد.
نسأل الله تعالى أن يحفظ علينا إيماننا، وأن يجنبنا الفتن، ما ظهر منها وما بطن.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12548
حكم شعر الغزل
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم شعر الغزل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
الشعر في أصله مباح، فهو كلام موزون، والأصل في الكلام الإباحة والجواز، ولكن تجري فيه الأحكام الفقهية الخمسة بحسب موضوعه ومقصوده والغاية منه. ولذلك قال الإمام الشافعي كلمته المشهورة: " الشعر كلام، حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام " انتهى.
"الأم" (٦/٢٢٤) ، ورويت هذه الكلمة مرفوعة مرسلة، ورويت عن بعض السلف أيضا.
ثانيا:
لا حرج في شعر الغزل بالضوابط الآتية:
١- ألا يكون تشبيبا بامرأة معينة، ينتهك فيها الشاعر حرمة من حرمات المسلمين، ويعتدي على عرض مصون من أعراضهم، فإذا كان تغزلا معروفا بامرأة معينة كان من كبائر الذنوب، فقد قال الله : (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) الأحزاب/٥٨.
٢- ألا يكون من الغزل الفاحش الذي يشتمل على وصف جسد المرأة بما يثير شهوة السامع والقارئ، أو يصف فيه الشاعر شيئا من علاقته الآثمة مع تلك المرأة، فهذا كله من فاحش الكلام الذي جاء الإسلام لصيانة ألسنة الناس وأسماعهم عنه، حفظا للمجتمعات من انتشار الرذيلة والافتخار بها كما هي عادة أهل الجاهلية القديمة والمعاصرة.
٣- ألا يرافقه الغناء والمعازف على الطريقة المعروفة اليوم مما يعتاده أهل المعاصي والشهوات.
٤- وإذا كان الشاعر يتغزل بمن يحل له التغزل بها كالزوجة: فلا حرج إذا كان الشعر محصورا بينه وبينها ولا يطلع عليه أحد، فإذا أراد نشره فلا يجوز أن ينشر منه ما يصف فيه جمال زوجته، فقد نهى النبي ﷺ أن تنعت المرأة المرأة لزوجها كأنه ينظر إليها، فمن باب أولى عدم جواز نعت الرجل زوجته للسامعين.
فإذا عرفت هذه الضوابط تبين أن الكثير مما ينتشر اليوم من أشعار الغزل الفاحش، كأشعار نزار قباني وغيره، هو من قبيح الكلام الذي لا ينشر في المجتمعات إلا لغة الشهوة والرذيلة، وأنه من الشعر الذي أخبر عنه النبي ﷺ بقوله: (لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا) رواه البخاري (٦١٥٤) ومسلم (٢٢٥٧) .
قال ابن القيم ﵀: " غالب التغزل والتشبيب إنما هو في الصور المحرمة، ومن أندر النادر تغزل الشاعر وتشبيبه فى امرأته وأمَته وأُمُّ ولده، مع أن هذا واقع، لكنه كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود " انتهى.
"مدارج السالكين" (١/٤٨٦) .
ثالثا:
ننقل هنا بعض نصوص الفقهاء الدالة على التفصيل السابق:
قال ابن قدامة ﵀: " التشبيب بامرأة بعينها والإفراط في وصفها ذكر أصحابنا أنه محرم، وهذا إن أريد به أنه محرم على قائله فهو صحيح، وأما على راويه فلا يصح، فإن المغازي تروى فيها قصائد الكفار الذين هاجوا بها أصحاب رسول الله ﷺ ، لا ينكر ذلك أحد، وقد روي أن النبي ﷺ أذن في الشعر الذي تقاولت به الشعراء في يوم بدر وأحد وغيرهما، إلا قصيدة أمية بن أبي الصلت الحائية، وكذلك يروى شعر قيس بن الحطيم في التشبيب بعمرة بنت رواحة أخت عبد الله بن رواحة، وأم النعمان بن بشير، وقد سمع النبي ﷺ قصيدة كعب بن زهير، وفيها التشبيب بسعاد، ولم يزل الناس يروون أمثال هذا ولا ينكر، وروينا أن النعمان بن بشير دخل مجلسا فيه رجل يغنيهم بقصيدة قيس بن الحطيم، فلما دخل النعمان سكتوه من قبل أن فيها ذكر أمه، فقال النعمان: دعوه، فإنه لم يقل بأسا، إنما قال:
وعمرة من سروات النساءِ تنفح بالمسك أردانها
وكان عمران بن طلحة في مجلس، فغناهم رجل بشعر فيه ذكر أمه، فسكتوه من أجله، فقال: دعوه، فإن قائل هذا الشعر كان زوجها " انتهى.
"المغني" (١٢/٤٤) .
وقال الخطيب الشربيني ﵀ – في ذكر صور من الشعر المحرم المستثنى من الجواز الأصلي -: " (أو) إلا أن (يُعَرِّض) وفي " المحرر " وغيره: يُشَبِّب (بامرأة معينة) غير زوجته وأمته، وهو ذكر صفاتها من طول وقصر وصدغ وغيرها، فيحرم، وترد به الشهادة، لما فيه من الإيذاء.
واحترز بالمعينة عن التشبيب بمبهمة، فلا ترد شهادته بذلك، كذا نص عليه، ذكره البيهقي في سننه، ثم استشهد بحديث كعب بن زهير وإنشاده قصيدته بين يدي النبي ﷺ ، ولأن التشبيب صنعته، وغرض الشاعر تحسين الكلام، لا تخصيص المذكور.
أما حليلته من زوجته أو أمته فلا يحرم التشبيب بها، كما نص عليه في " الأم "، خلافا لما بحثه الرافعي، وهو قضية إطلاق المصنف، ونقل في " البحر " عدم رد الشهادة عن الجمهور، ويشترط أن لا يكثر من ذلك، وإلا ردت شهادته، قاله الجرجاني.
ولو شبب بزوجته أو أمته مما حقه الإخفاء ردت شهادته لسقوط مروءته، وكذا لو وصف زوجته أو أمته بأعضائها الباطنة، كما جرى عليه ابن المقري تبعا لأصله، وإن نوزع في ذلك " انتهى.
"مغني المحتاج" (٤/٤٣١)
وجاء في "الموسوعة الفقهية" (١٢/١٤) : " يحرم التشبيب بامرأة معينة محمة على المشبب أو بغلام أمرد، ولا يعرف خلاف بين الفقهاء في حرمة ذكر المثير على الفحش من الصفات الحسية والمعنوية لامرأة أجنبية محرمة عليه، ويستوي في ذلك ذكر الصفات الظاهرة والباطنة، لما في ذلك من الإيذاء لها ولذويها، وهتك الستر والتشهير بمسلمة.
أما التشبب بزوجته أو جاريته فهو جائز، ما لم يصف أعضاءها الباطنة، أو يذكر ما من حقه الإخفاء، فإنه يسقط مروءته، ويكون حراما أو مكروها، على خلاف في ذلك.
وكذا يجوز التشبيب بامرأة غير معينة، ما لم يقل فحشا أو ينصب قرينة تدل على التعيين؛ لأن الغرض من ذلك هو تحسين الكلام وترقيقه لا تحقيق المذكور، فإن نصب قرينة تدل على التعيين فهو في حكم التعيين.
وليس ذكر اسم امرأة مجهولة كليلى وسعاد تعيينا، لحديث: كعب بن زهير: وإنشاده قصيدته المشهورة " بانت سعاد. . بين يدي الرسول ﷺ " انتهى.
وانظر جواب السؤال رقم: (١٠١٧٢٠) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12549
حكم وصف الممرضات بملائكة الرحمة
[السُّؤَالُ]
ـ[نقرأ ونسمع كثيراً من عامة الناس وكتابهم وشعرائهم من يصف في كتابه أو شعره الممرضات بأنهن ملائكة الرحمة؟ هل يجوز ذلك؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الوصف لا يجوز إطلاقه على الممرضات، لأن الملائكة ذكور وليسوا إناثاً، وقد أنكر الله سبحانه على المشركين وصفهم الملائكة بالأنوثية، ولأن ملائكة الرحمة لهم وصف خاص لا ينطبق على الممرضات ولأن الممرضات فيهن الطيب والخبيث , فلا يجوز إطلاق هذا الوصف عليهن. والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
كتاب مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀. م/٨ ص / ٤٢٣.
стр. 12550
شروح صحيح البخاري المختصرة
[السُّؤَالُ]
ـ[أسأل عن كتاب شرح صحيح البخاري، أريد أسهل كتاب لشرح الصحيح، ومختصر، وسهل لغير طالب العلم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
شروح صحيح البخاري كثيرة ومتنوعة، وهي في أغلبها متخصصة يصعب استيعابها على غير المتخصصين في دراسة العلوم الشرعية، سبب ذلك صعوبة الطريقة التي كتب فيها البخاري صحيحه، حيث اهتم كثيرا بتعدد الطرق وتكرار الحديث وكثرة التبويبات، مما فرق على القارئ أو الحافظ ذهنه وشتت عليه فكره.
ولذلك جاء العلامة أحمد بن أحمد بن عبد اللطيف الزبيدي (٨٩٣هـ) فاختصر صحيح البخاري من الأسانيد والمكررات، وسمى مختصره "التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح"، وقد طبع بتحقيق إبراهيم بركة طبعة جيدة فيها شرح مختصر لهذه الأحاديث.
فمن أراد أن يقرأ صحيح البخاري من غير المتخصصين فعليه بمختصر الزبيدي له، وليحرص على قراءته والاستفادة منه، ثم ليحاول تفهم الأحاديث الموجودة فيه من كتب الشروح المختلفة، ومن أيسرها:
١- كتاب "أعلام السنن" للعلامة الخطابي (٣٨٨هـ) ، وهو شرح مختصر للصحيح.
٢- حاشية العلامة السندي، على صحيح البخاري، وهي حاشية مختصرة جدا، وفيها فوائد نافعة.
٣- "عون الباري شرح التجريد الصريح" لصديق حسن خان (١٣٠٧هـ) ، وهو شرح لمختصر الزبيدي، اعتمد فيه على فتح الباري، فهو كالملخص له.
وهذه الشروح من أخصر شروح الصحيح وأسهلها، فهي تعتني بمعاني الألفاظ والعبارات والفوائد المستنبطة من الحديث، ولا تعرج على الأسانيد ومشكلات المسائل والدقائق، ولا يصعب قراءتها على عامة الناس في الأغلب، وإن كانت أحيانا تخوض في بعض التفصيلات اللغوية وغيرها، فعلى القارئ أن يتجاوز ما يصعب فهمه عليه.
على أنه الأقرب من هذه الشروح، لغير المتخصص، أن يستعين ببعض الشروح الصوتية لهذه الكتب، ومنها شرح الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀، للصحيح.
وشرح الشيخ عبد الكريم الخضير، حفظه الله، لمختصر الزبيدي.
نسأل الله أن ييسر للكتاب من يقربه إلى عامة الأمة، ويزيد نفع الناس به.
وانظر عن صحيح الإمام البخاري ومؤلفه (٢٠١٥٣) ، (٢١٥٢٣)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12551
حكم الكذب الذي لا يوقع أحداً في مضرة
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم الكذب الذي لا يوقع أحداً في مضرة أبداً؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"يحرم الكذب مطلقاً، إلا ما استثناه الشارع، وليس ما ذكر منها؛ لعموم الأدلة، كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) التوبة/١١٩، وفي الصحيحين وغيرهما عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب حتى يكتب عند الله كذاباً) . وعن عبد الله بن مسعود أيضاً أنه قال: الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل، اقرأوا إن شئتم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) التوبة/١١٩، ثم قال: هل تجدون لأحد فيه رخصة؟
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... الشيخ عبد الرزاق عفيفي ... الشيخ عبد الله بن غديان ... الشيخ عبد الله بن قعود.
"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" (٢٦/٥١) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12552
هل يجوز إطلاق لفظ " الجاهلية " على المجتمعات بعد البعثة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز إطلاق لفظ الجاهلية على مجتمعات بعد البعثة سواء منها الكافرة أو المسلمة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
يُطلق لفظ " الجاهلية " ويُراد به فترة ما قبل بعثة النبي ﷺ ، وهي نسبة لأمرين اثنين يجتمعان في هذه الحقبة، وهما: الجهل، والجهالة – أي: السفاهة -.
ولفظ الجاهلية لفظ مذموم، ويكفي الجهل والجهالة سوءً أن يتبرأ منهما الإنسان ولو كان من أهلهما، ويكفي العلم والرشد فخراً أن ينتسب إليهما أهلهما، ولو كان من غير أهلهما.
وفي " المعجم الوسيط " (١ / ٣٠٠) :
" الجاهلية ": ما كان عليه العرب قبل الإسلام من الجهالة، والضلالة.
انتهى
وقال الحافظ ابن حجر – ﵀:
والجاهلية: ما كان قبل الإسلام.
" فتح الباري " (١٠ / ٤٦٨) .
وقال المنَّاوي – ﵀:
والجاهلية: ما قبل البعثة، سُمُّوا به لفرط جهلهم.
" فيض القدير " (١ / ٤٦٢) .
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
المراد بالجاهلية ما قبل البعثة؛ لأن الناس كانوا فيها على جهل عظيم، فجهلهم شامل للجهل في حقوق الله، وحقوق عباده.
" القول المفيد على كتاب التوحيد " (٢ / ١٤٦) و " مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (١٠ / ص ٦٠١) .
وقال:
والنياحة من أمر الجاهلية، ولابد أن تكون في هذه الأمة، وإنما كانت من أمر الجاهلية:
إما من الجهل الذي هو ضد العلم.
أو من الجهالة التي هي السفه، وهي ضد الحكمة.
" القول المفيد على كتاب التوحيد " (٢ / ١٤٩) و " مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (١٠ / ص ٦٠٣) .
ثانياً:
وقد أرسل الله تعالى نبيَّه محمَّداً ﷺ بالهدى ودين الحق، فأنار الله تعالى به الكون، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، فبدَّد الله به ظلمات الجهل والكفر، وانتهى ببعثته ﷺ عهد الجاهلية، ولكن هل رُفعت الجاهلية عن الأمكنة كلها، وفي جميع الأزمنة؟! بالطبع لا، ولذا فإنه لا يجوز وصف جميع المجتمعات بالجاهلية بعد بعثته ﷺ ، ولا نزعها عن جميع المجتمعات ـ أيضا ـ، فما تزال بعض المجتمعات تعيش في مستنقعات الجاهلية، فلا يرفع عنها هذا الوصف، وأما من استنار بنور الإسلام من المجتمعات فلا يجوز وصفها بهذا اللفظ، ولو حصل تقصير في بعض جوانب الإسلام منها فهذا لا يبيح وصفها بالجاهلية، وعلى هذا التفصيل اتفقت كلمة العلماء المحققين.
١. قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
فالناس قبل مبعث الرسول ﷺ كانوا في حال جاهلية منسوبة إلى الجهل، فإن ما كانوا عليه من الأقوال والأعمال إنما أحدثه لهم جاهل، وإنما يفعله جاهل.
وكذلك كل ما يخالف ما جاءت به المرسلون من يهودية، ونصرانية: فهي جاهلية، وتلك كانت الجاهلية العامة، فأما بعد مبعث الرسول ﷺ قد تكون في مصر دون مصر - كما هي في دار الكفار -، وقد تكون في شخص دون شخص، كالرجل قبل أن يسلم فإنه في جاهلية وإن كان في دار الإسلام.
فأما في زمان مطلق: فلا جاهلية بعد مبعث محمد ﷺ ؛ فإنه لا تزال من أمته طائفة ظاهرين على الحق إلى قيام الساعة.
والجاهلية المقيدة قد تقوم في بعض ديار المسلمين، وفي كثير من الأشخاص المسلمين كما قال ﷺ : (أربع في أمتي من أمر الجاهلية) وقال لأبي ذر: (إنك امرؤ فيك جاهلية) ، ونحو ذلك.
فقوله في هذا الحديث: (ومبتغ في الإسلام سنَّة جاهلية) : يندرج فيه كل جاهلية مطلقة، أو مقيدة، يهودية، أو نصرانية، أو مجوسية، أو صابئة، أو وثنية، أو مركبة من ذلك، أو بعضه، أو منتزعة من بعض هذه الملل الجاهلية فإنها جميعها مبتدعها ومنسوخها صارت جاهلية بمبعث محمد ﷺ ، وإن كان لفظ الجاهلية لا يقال غالباً إلا على حال العرب التي كانوا عليها فإن المعنى واحد.
اقتضاء الصراط المستقيم " (ص ٧٨، ٧٩) .
٢. وفي بيان خطأ مصطلح " جاهلية القرن العشرين " قال الشيخ بكر أبو زيد – حفظه الله -: بيَّن العلامة الألباني ما في هذا التعبير منْ تسمُّحٍ، وغضٍّ من ظهور الإسلام على الدِّين كله، فجاء في كتاب: " حياة الألباني " ما نصه:
مصطلح " جاهلية القرن العشرين " في نظر الألباني:
السؤال: تناول الداعية " سيد قطب " ﵀ مصطلحاً متداولاً بكثرة في إحدى المدارس الإسلامية التي يمثلها، ألا وهو مصطلح " جاهلية القرن العشرين " فما مدى الدقة والصواب في هذه العبارة؟ وما مدى التقائها مع الجاهلية القديمة وفقاً لتصوركم؟ .
فأجاب العلامة الألباني:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد: الذي أراه أن هذه الكلمة " جاهلية القرن العشرين " لا تخلو من مبالغة في وصف القرن الحالي - القرن العشرين - فوجود الدِّين الإسلامي في هذا القرن وإن كان قد دخل فيه ما ليس منه: يمنعنا من القول بأن هذا القرن يمثل جاهليةً كالجاهلية الأُولى، فنحن نعلم أن الجاهلية الأولى إن كان المعني بها العرب فقط: فهم كانوا وثنيين، وكانوا في ضلال مبين، وإن كان المعني بها ما كان حول العرب من أديان كاليهودية والنصرانية: فهي أديان محرفة، فلم يبق في ذلك الزمان دين خالص منزه عن التغيير والتبديل، فلا شك في أن وصف الجاهلية على ذلك العهد وصف صحيح، وليس الأمر كذلك في قرننا هذا، ما دام أن الله ﵎ قد منَّ على العرب أولاً، ثم على سائر الناس ثانياً، بأن أرسل إليهم محمداً ﷺ خاتم النبيين، وأنزل عليه دين الإسلام، وهو خاتم الأديان، وتعهد الله بحفظ شريعته هذه بقوله : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ونبيه ﷺ قد أخبر أن الأُمة الإسلامية وإن كان سيصيبها شيء من الانحراف الذي أصاب الأُمم من قبلهم في مثل قوله ﷺ : (لتتبعن سَنَن من قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا: من هم يا رسول الله؟ اليهود والنصارى؟ فقال ﵊ فمنِ الناس؟!) أقول: وإن كان الرسول ﷺ قد أخبر بهذا الخبر المفيد أن المسلمين سينحرفون إلى حد كبير ويقلدون اليهود والنصارى في ذلك الانحراف، لكن ﵊ في الوقت نفسه قد بشَّر أتباعه بأنهم سيبقون على خطه الذي رسمه لهم، فقال ﵊ في حديث التفرقة: (وستفترق أُمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة) ، قال ﵊: (كلها في النار إلا واحدة) ، قالوا: ما هي يا رسول الله؟ قال: (هي الجماعة) وفي رواية قال: (هي التي تكون على ما أنا عليه وأصحابي) .
وأكد ذلك ﵊ في قوله في الحديث المتفق عليه بين الشيخين: (لا تزال طائفة من أُمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله) .
فإذن لا تزال في هذه الأُمة جماعة مباركة طيبة قائمة على هدي الكتاب والسنة، فهي أبعد ما تكون عن الجاهلية القديمة أو الحديثة؛ ولذلك فإن الذي أراه: أن إطلاق " الجاهلية " على القرن العشرين فيه تسامح، قد يُوهم الناس بأن الإسلام كله قد انحرف عن التوحيد وعن الإخلاص في عبادة الله انحرافاً كليّاً، فصار هذا القرن - القرن العشرون - كقرن الجاهلية الذي بُعِثَ رسول الله ﷺ إلى إخراجه من الظلمات إلى النور، حينئذ: هذا الاستعمال، أو هذا الإطلاق يحسن تقييده في الكفَّار أولاً، الذين كما قال تعالى في شأنهم: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) .
وصْف القرن العشرين بـ " الجاهلية " إنما ينطبق على غير المسلمين الذين لم يتبعوا الكتاب والسنَّة، ففي هذا الإطلاق إيهام بأنه لم يبق في المسلمين خير، وهذا خلاف ما سبق بيانه من أحاديث الرسول ﵊ المبشرة ببقاء طائفة من الأُمة على الحق، ومن ذلك قوله ﵊: (إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً فطوبي للغرباء ... ) قالوا: من هم يا رسول الله؟ جاء الحديث على روايات عدة في بعضها يقول الرسول ﷺ واصفاً الغرباء -: (هم الذين يُصلحون ما أفسد الناس من سنَّتي من بعدي) ، وفي رواية أُخرى قال ﵊: (هم أُناس قليلون صالحون بين أُناس كثيرين من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم) فلذلك لا يجوز هذا الإطلاق في العصر الحاضر على القرن كله؛ لأنَّ فيه - والحمد لله - بقية طيبة لا تزال على هدي النبي ﷺ ، وعلى سنته، وستظل كذلك حتى تقوم الساعة، ثم إن في كلام سيد قطب ﵀ وفي بعض تصانيفه ما يشعر الباحث أنه كان قد أصابه شيء من التحمس الزائد للإسلام في سبيل توضيحه للناس، ولعل عذره في ذلك أنه كان يكتب بلغة أدبية؛ ففي بعض المسائل الفقهية كحديثه عن حق العمال في كتابه: " العدالة الاجتماعية " أخذ يكتب بالتوحيد، وبعبارات كلها قوية تحيي في نفوس المؤمنين الثقة بدينهم وإيمانهم، فهو من هذه الخلفية في الواقع قد جدّد دعوة الإسلام في قلوب الشباب، وإن كنَّا نلمس أحياناً أن له بعض الكلمات تدل على أنه لم يساعده وقته على أن يحرر فكره من بعض المسائل التي كان يكتب حولها أو يتحدث فيها، فخلاصة القول أن إطلاق هذه الكلمة في العصر الحاضر لا يخلو من شيء من المبالغة التي تدعو إلى هضم حق الطائفة المنصورة، وهذا ما عنَّ في البال فذكرته.انتهى.
" معجم المناهي اللفظية " (ص ٢١٢ – ٢١٥) .
٣. وسئل الشيخ صالح بن فوزان الفوزان – حفظه الله -:
هل يجوز إطلاق لفظ " الجاهلية " على المجتمعات الإسلامية المعاصرة؟ .
فأجاب:
الجاهلية العامة قد زالت ببعثة الرسول ﷺ ؛ فلا يجوز إطلاقها على المجتمعات الإسلامية بصفة العموم، وأما إطلاق شيء من أمورها على بعض الأفراد، أو بعض الفِرق، أو بعض المجتمعات: فهذا ممكن، وجائز، وقد قال النبي ﷺ لبعض أصحابه: (إنك امرؤٌ فيك جاهلية) ، وقال ﷺ : (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة) .
" الأجوبة المفيدة عن أسئلة المناهج الجديدة " (٨٦، رقم السؤال: ٣١) .
ثالثاً:
لا يجوز للمسلم أن ينظر للمجتمعات الإسلامية بعين الكبر في نفسه، والاحتقار لهم، ومن ذلك: تعميم الحكم بالجهل والانحراف والهلاك.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا قَالَ الرَّجُلُ هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ) رواه مسلم (٢٦٢٣) .
قال الأمام ابن عبد البر – ﵀:
معناه عند أهل العلم: أن يقولها الرجل احتقاراً للناس، وإزراء عليهم، وإعجاباً بنفسه، وأما إذا قال ذلك تأسفاً، وتحزناً، وخوفاً عليهم لقبح ما يرى من أعمالهم: فليس ممن عني بهذا الحديث، والفرق بين الأمرين أن يكون في الوجه الأول راضياً عن نفسه، معجباً بها، حاسداً لمن فوقه، محتقراً لمن دونه، ويكون في الوجه الثاني ماقتاً لنفسه، موبخاً لها، غير راضٍ عنها.
" التمهيد " (٢١ / ٢٤٢) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12553
يجبرها زوجها على نقل كل ما تسمعه من أهلها والناس له !
[السُّؤَالُ]
ـ[زوجي يجبرني على أن أخبره بكل ما تحدثتُ به مع أمي، وإخوتي، أو أي إنسان آخر؛ بحجة أن أمي – مثلاً - تقول كلاماً ممكن أن يؤدي إلى خراب البيت، وإذا لم أقل له تحصل مشكلات بيني وبينه، فهل أستجيب له؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
١. الواجب على هذا الزوج – إن صح ما تقوله زوجته عنه – أن يتقي ربه تعالى في طلبه ذلك من زوجته، وأن يعلم أنه آثم بفعله هذا، وأنه لا يحل لزوجته أن تطيعه في طلبه هذا.
٢. ونوصي هذا الزوج أن يشتغل بنفسه عن الناس، وينظر لعيوبه فيصلحها، ولتقصيره فيجد ويجتهد في بلوغ كمال نفسه الأمارة بالسوء، فهو خير له وأولى من الاشتغال بالناس ماذا قالوا، وماذا فعلوا، قال ابن القيم ﵀: " أخسر الناس صفقة: مَن اشتغل عن الله بنفسه، بل أخسر منه: مَن اشتغل عن نفسه بالناس ". "الفوائد" (ص ٥٨) .
٣. ولا ينبغي له إساءة الظن بالناس، واعتقاد الكمال في نفس، وليس كل ما يقوله الناس يهمه ويتعلق به، وإنما هي الشهوة في سماع قصص الناس وأحوالهم، والتفكه بأعراضهم.
٤. وكان المرجو من ذلك الزوج ألا يقبل من زوجته إن نقلت هي ما يقوله أهلها ويقوله الناس لها، حتى لو كان الكلام فيه، لأنها بذلك تكون نمَّامة، وقد قال بعض السلف: " يُفسد النمَّام والكذَّاب في ساعة ما لا يُفسد الساحر في سنَة "، فكيف له أن يقبل لنفسه أن يكون هو الموصي لها بذلك، بل الآمر، بل والمتوعد بالعقوبة إن لم تفعل!؟ .
قال النووي – نقلا عن أبي حامد الغزالي رحمهما الله:
" وكل من حُملت إليه نميمة، وقيل له: فلان يقول فيك، أو يفعل فيك كذا: فعليه ستة أمور:
الأول: أن لا يصدِّق؛ لأن النمام فاسق.
الثاني: أن ينهاه عن ذلك، وينصحه، ويقبح له فعله.
الثالث: أن يبغضه في الله تعالى؛ فإنه بغيض عند الله تعالى، ويجب بغض مَن أبغضه الله تعالى.
الرابع: أن لا يظن بأخيه الغائب السوء.
الخامس: أن لا يحمله ما حكي له على التجسس، والبحث عن ذلك.
السادس: أن لا يرضى لنفسه ما نهى النمام عنه، فلا يحكي نميمته عنه، فيقول: فلان حكى كذا، فيصير به نمَّاماً، ويكون آتياً ما نهى عنه " انتهى.
" الأذكار " (٢٧٥) .
٥. ما يريده الزوج من زوجته هو من " النميمة "، وهي من كبائر الذنوب، ومما لا شك فيه أن هذا النقل سيسبب مفسدة وقطيعة وبغضاً وعداوة، ولا شك أن أهل الزوجة يكرهون نقل كلامهم، وليعلم أن النميمة ليست فقط نقل الكلام من أجل الإفساد، بل قد تكون للاستمتاع.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀:
" مما ينبغي اجتنابه، والابتعاد عنه، والتحذير منه: " النميمة "، التي هي نقل الكلام من شخص إلى آخر، أو من جماعة إلى جماعة، أو من قبيلة إلى قبيلة، لقصد الإفساد، والوقيعة بينهم، وهي كشف ما يُكره كشفه، سواء أكره المنقول عنه، أو المنقول إليه، أو كره ثالث، وسواء أكان ذلك الكشف بالقول، أو الكتابة، أو الرمز، أو بالإيماء , وسواء أكان المنقول من الأقوال، أو الأعمال , وسواء كان ذلك عيباً، أو نقصا في المنقول عنه، أو لم يكن، فيجب أن يسكت الإنسان عن كل ما يراه من أحوال الناس، إلا ما في حكايته منفعة لمسلم أو دفع لشر.
والباعث على النميمة: إما إرادة السوء للمحكي عنه، أو إظهار الحب للمحكي عليه، أو الاستمتاع بالحديث والخوض في الفضول والباطل، وكل هذا حرام.
...
وأدلة تحريم النميمة كثيرة من الكتاب والسنة، منها: قوله تعالى: (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ. هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ) القلم/ ١٠، ١١، وقوله تعالى: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) الهمزة/ ١، وعن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يدخل الجنة نمَّام) متفق عليه، وعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ألا أنبئكم ما العَضْهُ؟ هي النميمة، القالة بين الناس) رواه مسلم.
والنميمة من الأسباب التي توجب عذاب القبر؛ لما روى ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ مرَّ بقبرين فقال: (إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير) ، ثم قال: (بلى، كان أحدهما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة) متفق عليه.
وإنما حرمت الغيبة والنميمة لما فيهما من السعي بالإفساد بين الناس، وإيجاد الشقاق، والفوضى، وإيقاد نار العداوة، والغل، والحسد، والنفاق، وإزالة كل مودة، وإماتة كل محبة، بالتفريق، والخصام، والتنافر بين الإخوة المتصافين، ولما فيهما أيضا من الكذب، والغدر، والخيانة، والخديعة، وكيْل التهم جزافاً للأبرياء، وإرخاء العنان للسب والشتائم وذكر القبائح، ولأنهما من عناوين الجبن والدناءة والضعف، هذا إضافة إلى أن أصحابهما يتحملون ذنوباً كثيرة، تجر إلى غضب الله وسخطه وأليم عقابه ".
" فتاوى الشيخ ابن باز " (٣ / ٢٣٧ – ٢٣٩) باختصار.
و" العَضَّة " قيل: هو السحر بلسان قريش. وقيل: هو الكذب والبهتان.
وسئل الشيخ عبد الله بن جبرين حفظه الله:
زوجي ينقل كلامي لأهله، ثم يأتي إليَّ بكلامهم، فيترتب على ذلك مشاكل كثيرة، ولقد طلبت منه كثيراً ترك ذلك لكنه لم متثل، فكيف أصنع؟ .
فأجاب:
" هذا الفعل يسمَّى نميمة، وهي نقل الكلام على وجه التحريش والإفساد ... وأما الوعيد: فقد قال تعالى (همَّاز مشَّاء بنميم) القلم/ ١١، هذا في وصف بعض أهل النار، وقال تعالى: (ويل لكل همزة لمزة) الهمزة/ ١، وهو النمَّام، وقال النبي ﷺ : (لا يدخل الجنة نمَّام) ، وفي الأثر: " إن النمام يفسد في الساعة ما لا يفسد الساحر في السنة "، وأخبر النبي ﷺ (أن النمام يعذب في قبره) ، ولا شك أن التحريم يكون أشد إذا كان بين الرجل وزوجته وأقاربه، فعليه الخوف من الله تعالى والمراقبة له، والبعد عن الأسباب التي توقعه في العذاب العاجل والآجل، وعليه أن يجتنب الكذب، والغيبة، والنميمة، والبهتان، والتحريش بين الناس، وأن يعدل إلى الصدق، وصيانة الأعراض، والخوف من الله، ومراقبته، فهو شديد العقاب " انتهى.
" الحلول الشرعية للخلافات والمشكلات الزوجية والأسرية " للشيخ عبد الله بن جبرين (فتوى رقم ٤٢) .
فعلى الزوج أن يتراجع عن طلبه هذا من زوجته، فإن أصرَّ فلا يحل للزوجة الاستجابة لطلبه، ففي الموافقة على نقل الكلام استمرار للمعصية والسماع لها، وفي الامتناع كف عنها وقطع لوجودها.
وإذا خشيت الزوجة من حصول مشكلات بينها وبين زوجها، فلا حرج عليها إن أصرّ زوجها على أن تنقل له كلام أهلها، أن تقول له: إنهم يثنون عليك ويذكرونك بخير، ونحو ذلك من الكلمات التي تنشر المحبة والألفة وتطفئ نار الفتنة والخلافات بين زوجها وأهلها.
ونسأل الله تعالى أن يُصلح لك زوجك ويجمع بينكما في خير.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12554
حُكم مزحة الكترونية! فيها ادعاء علم الغيب وكذب وترويع
[السُّؤَالُ]
ـ[ظهرت مؤخراً خدعة أو ما يسمَّى " مزحة الكترونية "، وهي عبارة عن رابط الكتروني لموقع أجنبي يُرسل للشخص من قبل أصدقائه - عادةً - يطلب منك كتابة اسمك و ٣ أسماء تحبهم ليعطيك نتيجة افتراضية لمقدار محبتهم لك، أو العكس، على سبيل المرح لا غير، المشكلة هي أنك بعد كتابة اسمك و٣ أسماء أخرى تفتح لك صفحة تخبرك بأنك خُدِعت، وأن الشخص الذي أرسل لك الرسالة (ويظهر لك إيميله) تم إرسال الأسماء إليه!! هل تجوز هذه الخدعة أو المزحة؟ وإذا حاججته بعدم جوازها وأن فيها خداعاً للمسلمين وقد يكون فيها خصوصيات، كأن يكتب اسم زوجته أو شخص محبب له , يقول لك: أنا لم أجبره على المشاركة! يذكرني ذلك بقول الله تعالى على لسان إبليس - أعوذ بالله منه -: (وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم) الآية.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
هذه المزحة السخيفة فيها مخالفة للشرع أعظم من الكذب، وهي " الكهانة "! وهذا الأمر لم ينتبه له الأخ السائل في سؤاله، ولذا لم يتعرض للسؤال عنه.
وهذه المخالفة وقع فيها أصحاب تلك المزحة السخيفة، ووقع فيها – كذلك – من شارك في كتابة اسمه وأسماء ثلاثة ممن يريد معرفة درجة محبته لهم، أو درجة محبتهم له، وهذا الأمر غيبي لا يعلمه أحد إلا الله ، فادعاء أصحاب الموقع أنهم يستطيعون معرفة ذلك: كذبٌ في نفسه، وتصديق ذلك من قبَل المشارك ومشاركته فيه: يدخل في إثم إتيان الكهان وسؤالهم وتصديقهم، وهو إثم عظيم يصل بصاحبه إلى الكفر، فالعرَّافون والكهنة كذبة فجرة، ومع ذلك فقد نُهي المسلم عن إتيانهم وسؤالهم حتى لو لمجرد السؤال، ورتَّب على ذلك وعيداً، وإذا جاءهم وصدَّقهم: فالوعيد أعظم.
أما الوعيد الأول: فهو عدم قبول أجر صلاة أربعين يوماً.
عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) .
رواه مسلم (٢٢٣٠) .
وأما الوعيد الثاني: فهو الكفر.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ) .
رواه الترمذي (١٣٥) وأبو داود (٣٩٠٤) وابن ماجه (٦٣٩) ، وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ".
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
ومن ادعى علم الغيب: فهو كافر، ومن صدَّق مَن يدَّعي علمَ الغيب: فإنه كافر أيضاً؛ لقوله تعالى: (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) - النمل/من الآية ٦٥ -، فلا يعلم غيبَ السماوات والأرض إلا الله وحده، وهؤلاء الذين يدَّعون أنهم يعلمون الغيب في المستقبل: كل هذا من الكهانة، وقد ثبت عن النبي ﷺ : (أن مَن أتى عرافاً فسأله لم تقبل له صلاة أربعين يوماً) ، فإنْ صدَّقه: فإنَّه يكون كافراً؛ لأنه إذا صدَّقه بعلم الغيب: فقد كذَّب قوله تعالى: (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) .
"مجموع فتاوى الشيخ العثيمين" (١/٢٩٢) .
ثانياً:
ولو لم تكن تلك المزحة السخيفة تتعلق بادعاء علم الغيب: فإنها محرَّمة أيضاً؛ لأن فيها كذباً، وقد حثنا شرعنا الحنيف على الصدق في شأننا كله، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) التوبة/ ١١٩، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُود ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا) رواه البخاري (٥٧٤٣) ومسلم (٢٦٠٧) .
والمزاح في الإسلام مباح، والكذب فيه محرَّم، وقد كان نبينا محمد ﷺ يمزح، ولا يقول في مزحه إلا حقّاً.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ تُدَاعِبُنَا، قَالَ: (إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا) .
رواه الترمذي (٩٩٠) ، وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ".
ولذا: فإنه يحرم الكذب في المزاح.
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَه) .
رواه أبو داود (٤٨٠٠) وحسَّنه الألباني في " صحيح أبي داود ".
ويحرم الكذب من أجل إضحاك الناس.
قالُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : (وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَه) .
رواه الترمذي (٢٣١٥) وأبو داود (٤٩٩٠) ، وحسَّنه الألباني في " صحيح الترمذي ".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ عقب هذا الحديث -:
وقد قال ابن مسعود: " إن الكذب لا يصلح في جَدٍّ، ولا هزل " ... .
وأما إن كان في ذلك ما فيه عدوان على المسلمين، وضرر في الدين: فهو أشد تحريماً من ذلك، وعلى كل حال: ففاعل ذلك – أي: مضحك القوم بالكذب - مستحق للعقوبة الشرعية التي تردعه عن ذلك.
" مجموع الفتاوى " (٣٢ / ٢٥٦) .
وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀ –:
ما حكم النكت في ديننا الإسلامي، وهل هي من لهو الحديث، علماً بأنها ليست استهزاء بالدين، أفتونا مأجورين؟ .
فأجاب:
" التفكه بالكلام والتنكيت إذا كان بحق وصدق: فلا بأس به، ولا سيما مع عدم الإكثار من ذلك، وقد كان النبي ﷺ يمزح ولا يقول إلا حقّاً ﷺ ، أما ما كان بالكذب: فلا يجوز؛ لقول النبي ﷺ : (ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم ويل له ثم ويل له) أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي بإسنادٍ جيِّدٍ " انتهى.
" فتاوى الشيخ ابن باز " (٦ / ٣٩١) .
ويحرم المزاح إن كان يؤدي إلى ترويع المسلم.
عنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (لا يَأْخُذْ أَحَدُكُمْ عَصَا أَخِيهِ لاعِبًا أَوْ جَادًّا، فَمَنْ أَخَذَ عَصَا أَخِيهِ، فَلْيَرُدَّهَا إِلَيْهِ) .
رواه الترمذي (٢٠٨٦) وأبو داود (٥٠٠٣) ، وحسَّنه الألباني في " صحيح الترمذي ".
وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسِيرُونَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي مَسِيرٍ، فَنَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إِلَى نبْلٍ مَعَهُ، فَأَخَذَهَا، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ الرَّجُلُ فَزِعَ، فَضَحِكَ الْقَوْمُ، فَقَالَ: مَا يُضْحِكُكُمْ؟ ، فَقَالُوا: لا، إلا أَنَّا أَخَذْنَا نبْلَ هَذَا فَفَزِعَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا) .
رواه أحمد (٢٣٠٦٤) – واللفظ له - وأبو داود (٤٣٥١) ، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ".
وينظر جواب السؤال رقم (٢٢١٧٠) ففيه بيان شروط المزاح الشرعي بالتفصيل.
ويتبين لك أخي السائل المحاذير التي وقع فيها أولئك القوم جميعاً:
١. ادعاء علم الغيب من أصحاب الرسالة المرسَلة.
٢. والكذب الحاصل منهم.
٣. ترويع المرسَل له.
٤. تصديق المرسِل لوجود من يدَّعي علم الغيب.
٥. مشاركته في إرسال اسمه وأسماء غيره.
فالواجب على الجميع: التوبة النصوح، والكف عن هذه الأفعال السخيفة، والالتفات لأنفسهم ومعرفة جوانب التقصير عندهم ليكملوها، والاشتغال بالطاعات، ولا حرج في المزاح – كما سبق – على أن يكون وفق الضوابط الشرعية، لا وفق الأهواء.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12555
نقد قصة موضوعة، والتحذير من القصَّاص الجهلة
[السُّؤَالُ]
ـ[نرجو الإفادة في صحة هذه الرواية (سمعتها من أحد الوعاظ) استيقظ الساعة الرابعة والثلث ليجهز نفسه لأداء صلاة الفجر , قام وتوضأ ولبس ثوبه وتهيأ للخروج من المنزل والذهاب إلى المسجد , كان معتاداً على ذلك فمنذ صغره اعتاد أن يصلي صلواته جماعة في المسجد حتى صلاة الفجر , خرج من منزله وأخذ طريقه إلى المسجد , وبينما هو في طريقه إليه تعثّر وسقط وتمزّق جزء من ثوبه , فعاد إلى المنزل يغيّر ثوبه ويلبس ثوباً آخر , لم يغضب ولم يسب ولم يلعن، فقط عاد إلى منزله وغيَّر ثوبه بكل بساطة , ثم عاد مرة أخرى يسلك طريق المسجد وإذ به يتعثّر مرة أخرى ويسقط وانقطع جزء من هذا الثوب أيضاً , عاد إلى منزله وقام بتغيير ثوبه , لقد تمزّق كلا ثوبيه ومع ذلك لم يعقه ذلك عن رغبته في أداء الصلاة جماعة في المسجد , عاد مرة أخرى يأخذ طريقه إلى المسجد، وإذا به يتعثر للمرة الثالثة , ولكن شعر فجأة أنه لم يسقط، وأن هناك أحداً أسنده ومنعه من أن يسقط على الأرض , تعجب الرجل ونظر حوله فلم يجد أحداً , وقف حائراً لحظة ثم أكمل طريقه إلى المسجد، وإذا به يسمع صوتاً يقول له أتدري من أنا؟ فقال الرجل: لا، فرد الصوت: أنا الذي منعك من السقوط , فأعقبه الرجل وقال: فمن أنت؟ فأجاب: أنا الشيطان، فسأله الرجل: ما دمتَ الشيطان لم منعتني من السقوط؟ فرد الشيطان: في المرة الأولى عندما تعثرت وعدت إلى منزلك وغيَّرت ثوبك غفر الله لك كل ذنبك، وفي المرة الثانية عندما تعثرت وعدت إلى منزلك وغيَّرت ثوبك غفر الله لأهل بيتك , وعندما تعثرت في المرة الثالثة خفت أن تعود إلى المنزل وتغير ثوبك فيغفر الله لأهل حيّك , فأسندتك ومنعتك السقوط! .
ما يحيرني في القصة أنه هل يمكن للشيطان أن يكلم الإنسان وأن يمسك يده ويمنعه من السقوط كما ورد في القصة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
هذه القصة لا أصل لها في كتب السنة والحديث والتاريخ، وهي مخالفة للشرع مخالفة صريحة، وذلك من وجوه:
١. المحادثة بين الرجل والشيطان، فمن الممكن أن يوسوس الشيطان للإنسان، وهو على هيئته الحقيقية، وأما أن يكلمه فهذا غير ممكن، إلا أن يكون الشيطان متشكلا على هيئة البشر.
٢. قول الشيطان إنه أسند الرجل عندما تعثَّر، وهذا الأمر لا يصدَّق وليس في مقدور الشيطان أن يفعله، وقد جعل الله تعالى الملائكة حافظة وحارسة للإنسان من ضرر الجن وأذيته؛ لأنهم يروننا ولا نراهم، قال تعالى: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ) الرعد/١١، وواضح من القصة المكذوبة أن الشيطان له قدرة على حفظ الإنسان مما يمكن أن يؤذيه، أو أن الشيطان قادر على المنع من قدر الله تعالى.
٣. والأخطر في القصة المكذوبة هو في قول الشيطان إن الله تعالى في المرة الأولى غفر للإنسان كل ذنبه، وأنه في المرة الثانية غفر الله لأهل بيته، وزعْمه أنه لو سقط في المرة الثالثة لغفر الله لأهل حيِّه! وهذا كله من الكذب على الله تعالى وادعاء علم الغيب، وليس جرح المجاهد في المعركة مع الكفار بموجب لمثل هذه الفضائل، فكيف تُجعل للذاهب للمسجد، وهي ليست لمن تعثر وسقط في الدعوة إلى الله أو في طريقه لصلة الرحم وغيرها من الطاعات، فكيف تُجعل هذه الفضائل لمن سقط في ذهابه للمسجد؟! .
ثم إنه ليس في السقوط والتعثر شيء يوجب هذه الفضائل، وقد سقط وتعثر وجرح كثير من الصحابة في زمن النبي ﷺ ولم يأتِ حرف في السنة في مثل هذه الفضائل بل ولا في جزء منها، ولا يغفر الله تعالى لأهل البيت أو الحي أو المدينة لفعل واحد من الصالحين أو طاعته، فضلاً عن سقوط لا يقرِّب إلى الله وليس هو طاعة في نفسه، ولو كان أحدٌ ينتفع بفعل غيره لانتفع والد إبراهيم ﵇ بنبوة ابنه، ولانتفع ابن نوح بنبوة أبيه، ولانتفع أبو طالب بنبوة ابن أخيه محمد ﷺ .
ثم من أين علم الشيطان بذلك كله حتى أخبر هذا الرجل، وهل يملك الشيطان أن يمنع رحمة أرادها الله تعالى بأحد من عباده؟
كلا؛ قال الله تعالى: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) فاطر/٢
ثانياً:
لا شك أن هذه القصص المكذوبة الباطلة هي مما يروج عند من لم يفهم دينه، ولا يعرف توحيد ربه تعالى، ويروجها أساطين الكذب من الخرافيين المفترين على شرع الله تعالى، وقد توعد الله تعالى هؤلاء الكاذبين بأشد الوعيد، فقال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) الأعراف/٣٣.
والواجب على الخطباء والمدرسين أن ينزهوا أنفسهم أن يكونوا من القصَّاص الذين يقصون على العامة ما يخالف الشرع والعقل، وقد حذَّر سلف هذه الأمة من هؤلاء القصَّاص أشد التحذير لما فيه كثير من قصصهم من آثار سيئة على العامة ولما فيها من مضادة لشرع الله.
وقد جاء في حديث حسَّنه الشيخ الألباني في " السلسلة الصحيحة " (١٦٨١) عن النبي ﷺ قال: (إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لمَّا هَلَكُوا قَصُّوا) .
قال الشيخ الألباني – ﵀:
قال في " النهاية ": (لما هلكوا قصوا) : أي: اتكلوا على القول وتركوا العمل، فكان ذلك سبب هلاكهم، أو بالعكس: لما هلكوا بترك العمل أخلدوا إلى القصص.
وقال الألباني – معقِّباً -:
ومن الممكن أن يقال: إن سبب هلاكهم اهتمام وعاظهم بالقصص والحكايات دون الفقه والعلم النافع الذي يعرف الناس بدينهم، فيحملهم ذلك على العمل الصالح؛ لما فعلوا ذلك هلكوا.
" السلسلة الصحيحة " (٤ / ٢٤٦) .
وهذا هو حال القصَّاص: الاهتمام بالحكايات والخرافات، وسردها على العامة، دون الفقه والعلم، ويسمع العامي كثيراً ولا يفقه حكماً ولا يستفيد علماً.
قال ابن الجوزي في " تلبيس إبليس " (ص ١٥٠) :
والقصاص لا يُذمون من حيث هذا الاسم لأن الله قال: (نَحْنُ نَقصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القَصَص) وقال: (فَاقْصُص القَصَص) .
وإنما ذُمَّ القصاص لأن الغالب منهم الاتساع بذكر القصص دون ذكر العلم المفيد، ثم غالبهم يخلط فيما يورد وربما اعتمد على ما أكثره محال.
انتهى
وعن أبي قلابة عبد الله بن زيد قال: (ما أمات العلم إلا القصاص، يجالس الرجلُ الرجلَ سنةً فلا يتعلق منه شيء، ويجلس إلى العلم فلا يقوم حتى يتعلق منه شيء) .
" حلية الأولياء " (٢ / ٢٨٧) .
وكم أحدث هؤلاء القصاص من آثار سيئة على العامة، وسردهم لتلك الخرافات جعلت لهم منزلة عند العامة الذين يصدِّقون كل ما يسمعون حتى أصبحوا مقدَّمين على العلماء وطلبة العلم.
قال الحافظ العراقي – ﵀:
ومن آفاتهم: أن يحدِّثوا كثيراً من العوام بما لا تبلغه عقولهم , فيقعوا في الاعتقادات السيئة , هذا لو كان صحيحاً , فكيف إذا كان باطلاً؟! .
" تحذير الخواص " للسيوطي (ص ١٨٠) نقلاً عن " الباعث على الخلاص " للعراقي.
يقول ابن الجوزي:
والقاص يروي للعوام الأحاديث المنكرة , ويذكر لهم ما لو شم ريح العلم ما ذكره , فيخرج العوام من عنده يتدارسون الباطل، فإذا أنكر عليهم عالم قالوا: قد سمعنا هذا بـ " أخبرنا " و " حدثنا "، فكم قد أفسد القصاص من الخلق بالأحاديث الموضوعة , كم لون قد اصفر من الجوع , وكم هائم على وجهة بالسياحة، وكم مانع نفسه ما قد أبيح , وكم تارك رواية العلم زعماً منه مخالفة النفس في هواها، وكم موتم أولاده [يعني: جعلهم يتامى] بالزهد وهو حي، وكم معرض عن زوجته لا يوفيها حقها؛ فهي لا أيم ولا ذات بعل " اهـ. الموضوعات " (١ / ٣٢) .
ومن هنا جاء الذم لهؤلاء القصاص في كلام كثير من السلف:
قال ميمون بن مهران ﵀:
القاص ينتظر المقت من الله، والمستمع ينتظر الرحمة.
قال الألباني ﵀ تحت حديث رقم (٤٠٧٠) من " السلسلة الضعيفة " -:
رواه ابن المبارك في كتابه " الزهد " بسندٍ صحيحٍ.
وقال الإمام أحمد بن حنبل ﵀:
أكذب الناس القُصَّاص والُّسوَّال، وما أحوج الناس إلى قاص صدوق؛ لأنهم يذكرون الموت وعذاب القبر، قيل له: أكنت تَحضر مجالسهم؟ قال: لا.
" الآداب الشرعية " لابن مفلح الحنبلي (٢ / ٨٢) .
فنسأل الله أن يصلح أحوال الأئمة والخطباء، وأن يهديهم لما فيه صلاحهم وإصلاح غيرهم.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12556
لا يجوز التنازل عن حد القذف مقابل تعويض مادي
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يلزمني إحضار شهود إذا قذفني شخص ما وأردت أن أشتكي عليه؟ . وهل لي أن أتنازل عن حد القذف مقابل تعويض مالي؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
جاء الشرع بحماية الضرورات الخمس وهي: الدين، والعقل، والعِرْض، والنسب، والمال.
والقذف: هو تعرضٌ للعرض برميه بزنى أو لواط، وقد كُلِّفَ القاذف أن يأتي بما يثبت قوله بأربعة شهداء، فإن لم يفعل أقيم عليه حد القذف، وهو ثمانون جلدة، ولا تُقبل له شهادة، وهو من الفاسقين إلا أن يتوب أو يقام عليه الحد فإنه يرتفع عنه لقب " الفسق " وتقبل شهادته، ولا فرق بين أن يكون القاذف أو المقذوف رجلا أو امرأة.
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
"وقد انعقد الإجماع على أن حكم قذف المحصن من الرجال حكم قذف المحصنة من النساء" انتهى.
" فتح الباري " (١٢ / ١٨٨) .
وأما إذا قذفه بغير الزنا، كما لو اتهمه بأنه سارق أو آكل للحرام ... فلا يُحد حد القذف، وإنما يعزره الحاكم بما يردعه عن هذا العدوان.
وقذف الأعراض محرَّم في الكتاب والسنة والإجماع، وهو من كبائر الذنوب، وقد أوجب الله على القاذف عقوبات مغلظة في الدنيا والآخرة:
١. قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ) النور/٤.
قال ابن كثير ﵀:
فأوجب على القاذف إذا لم يقم البينة على صحة ما قال ثلاثة أحكام: أحدها: أن يُجلد ثمانين جلدة، الثاني: أنه ترد شهادته أبداً، الثالث: أن يكون فاسقاً ليس بعدل لا عند الله، ولا عند الناس.
" تفسير القرآن العظيم " (٣ / ٢٩٢) .
٢. وقال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) النور/٢٣.
٣. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله، وما هنَّ؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات) رواه البخاري (٢٦١٥) ومسلم (٨٩) .
ولا يثبت حد القذف على القاذف، إلا بإقراره بالقذف، أو شهادة رجلين عدلين بأنه قاذف، وأما مجرد الدعوى فلا يثبت بها القذف أو غيره، لقول النبي ﷺ : (البينة على المدعي) رواه الترمذي (١٣٤١) وصححه الألباني في "إرواء الغليل" (١٩٣٨) .
وانظر: "المغني" (١٤/١٢٦) .
ثانياً:
أما التنازل عن حد القذف مقابل مبلغ مالي: فهو غير جائز؛ لأن العِرْض لا تجوز المعاوضة عليه بالمال.
قال الحطاب المالكي ﵀:
"ومن صالح من قذفٍ على مال: لم يجز، ورُدَّ، بلغ الإمام أو لا ... لأنه من باب الأخذ على العرض مالاً" انتهى بتصرف.
" مواهب الجليل " (٦ / ٣٠٥) .
وقال ابن قدامة الحنبلي ﵀:
"وإن صالحه عن حد القذف: لم يصح الصلح؛ لأنه إن كان لله تعالى: لم يكن له أن يأخذ عوضه لكونه ليس بحق له، فأشبه حد الزنا والسرقة، وإن كان حقّاً له: لم يجز الاعتياض عنه؛ لكونه حقّاً ليس بمالي، ولهذا لا يسقط إلى بدل، بخلاف القصاص؛ ولأنه شرع لتنزيه العرض فلا يجوز أن يعتاض عن عرضه بمال" انتهى.
" المغني " (٥ / ٣٣) .
وسئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:
ما حكم تقويم عقوبة ثابتة بنصوص القرآن والسنَّة بقيمة (مبلغ) معينة، كأن يُقوَّم قطع يد السارق، فبدلاً من أن تُقطع يده يطالِب هو بقيمة (مبلغ) ، وكأن يقوَّم الرجم أو الجلد، فلا يُرجم أو يُجلد الزاني، بل يطالِب هو بدفع قيمة معينة (مبلغ معين) ؟ .
فأجابوا:
"لا يجوز تقويم عقوبات الحدود بمبالغ نقدية؛ لأن الحدود توقيفية، ولا يجوز تغييرها عما حدَّه الشارع" انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٢٢ / ١٧) .
كما لا يجوز بعد إقامة الحد على القاذف أن يطالب المقذوف بتعويض مالي؛ إذ عامة العلماء على عدم جواز أخذ تعويض مالي مقابل ضرر معنوي – ويسمى كذلك " الضرر الأدبي ".
وقد جاء في قرار " مجمع الفقه الإسلامي " رقم ١٠٩ (٣ / ١٢) بشأن موضوع " الشرط الجزائي " ما نصه:
"الضرر الذي يجوز التعويض عنه يشمل الضرر المالي الفعلي ... ولا يشمل الضرر الأدبي أو المعنوي" انتهى.
وجاء في " الموسوعة الفقهية " (١٣ / ٤٠) تحت عنوان " التعويض عن الأضرار المعنوية:
"لم نجد أحداً من الفقهاء عبَّر بهذا، وإنما هو تعبير حادث، ولم نجد في الكتب الفقهية أن أحداً من الفقهاء تكلم عن التعويض المالي في شيء من الأضرار المعنوية" انتهى.
فتبين بهذا أنه لا يجوز استبدال حد القذف بمال، ولا يجوز المطالبة بتعويض بعد إقامة الحد على القاذف، ولك أن تعفو عمن قذفك ولا تطالب بإقامة الحد عليه.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12557
في خِصامٍ حادٍّ، أخبر عن نفسِه أنَّه كفر، فما الحُكمُ ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[حينَما ازدادَ نقاشِي مع أحدِ أقاربي لفظت بقولِ: "أنا كفرت "، ولطمتُ على وجهي، مع العِلمِ أَنِّي نادمٌ على ما حدث، فأريدُ التوجيهَ والإرشادَ، وما حكمُ الدينِ في ذلك؟ وهل عليَّ كفارة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إنَّا للهِ وإنَّا إليه راجعون، ونسألُ الله العفوَ والعافيةَ في الدنيا والآخرة، ونسألُه حسنَ الختامِ والوفاةَ على الإيمان.
اعلم - أخي السائل - بأنَّك وقعتَ في أعظمِ ذنبٍ وأقبحِ معصيةٍ، وهي معصيةُ الكفرِ والردَّةِ، والعياذ بالله تعالى.
وهذه الكلمةُ التي ذكرتَ عن نفسِك، صريحةٌ في الكفرِ والردةِ، والعلماءُ يقولون:
عندَ ظهورِ لفظِ الكفرِ يُحكَمُ بالردةِ (إن كان يعلم معنى الكلمة) ، ولا يُسأل عن نيته، كما قالَ تعالى:
(وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ) التوبة/٦٥.
فأخبرَ سبحانَه أنهم كفروا بعدَ إيمانهم، مع قولِهم: إنا تكلمنا من غيرِ اعتقاد، بل كنَّا نخوض ونلعب.
قال ابنُ نُجَيم:
" إنَّ من تكلَّمَ بكلمةِ الكفرِ هازلا أو لاعبًا كفرَ عند الكلِّ، ولا اعتبارَ باعتقادِه " انتهى.
"البحر الرائق" (٥/١٣٤) ، وانظر: "نواقض الإيمان القولية والعملية" (ص٩٥) .
وقال الشيخُ ابنُ عثيمين:
" وإن أتى بقولٍ يُخرجُه عن الإسلامِ، مثلَ أن يقول: هو يهوديٌّ أو نصرانيٌّ أو مجوسيٌّ أو بريءٌ من الإسلام، أو من القرآنِ أو النبيِّ ﵊ فهو كافرٌ مرتدٌ، نأخذه بقولِه هذا " انتهى.
"الشرح الممتع" (٦/٢٧٩) .
والردُّة أمرُها خطيرٌ وشأنُها عظيم، فقد اختلفَ العلماءُ فيمن ارتدَّ ثم تاب، هل يبقى له من ثوابِ أعمالِه السابقةِ شيءٌ، أم تحبط كلُّها بالردة؟
وقد سئلَ الشيخُ الفوزانُ السؤالَ التالي:
ما الحكمُ فيمن ارتدَّ عن الإسلامِ ثم عاد إليه، هل يعيدُ ما فاتُه من أعمالٍ من أركانِ الإسلامِ، كالحجِّ والصومِ والصلاةِ، أم تكفي توبتُه وعودتُه إلى الإسلامِ؟
فأجابَ:
" الصحيحُ من قولي العلماء: أن المرتدَّ إذا عادَ إلى الإسلامِ، ودخلَ في الإسلامِ مرةً أخرى تائبًا منيبًا للهِ تعالى، فإنه لا يعيدُ الأعمالَ التي أدَّاها قبلَ الردةِ؛ لأنَّ اللهَ اشترطَ لحبوطِ الأعمالِ بالردَّةِ أن يموتَ الإنسانُ عليها.
قالَ تعالى: (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) البقرة/٢١٧.
فَشَرَطَ لحبوطِ الأعمالِ استمرارَ الإنسانِ على الردةِ حتى يموتَ الإنسانُ عليها، فدلت الآيةُ بمفهومِها على أنَّ الإنسانَ لو تابَ فإنَّ أعمالَه التي أدَّاها قبلَ الردةِ تكونُ صحيحةً ومُجزيةً إن شاءَ الله تعالى " انتهى.
"المنتقى من فتاوى الفوزان" (٥/٤٢٩) .
وأما لطم الوجه فهو من أعمال الجاهلية التي حذرنا منها النبي ﷺ , وقد ثبت أن النبي ﷺ تبرأ من فاعله فقال: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ , وَشَقَّ الْجُيُوبَ , وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ) رواه البخاري (١٢٩٤) , وهذا يدل على أن لطم الخدود كبيرة من كبائر الذنوب.
وحيث قد ندمت على ما فعلت فنرجو من الله تعالى أن يقبل توبتك , فعليك أن تنطق الشهادتين لتدخل بذلك في الإسلام بعد أن خرجت منه , ولْتحسن العمل , وعليك بحفظ اللسان , فإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً فيهوى بها في النار سبعين خريفاً.
وأما الكفارة، فليس هناك كفارة لما بدر منك إلا التوبة والندم والعزم على عدم العودة إلى ذلك.
ونسأل الله أن يتقبل توبتك , ويرزقك الاستقامة على دينه.
والله اعلم.
راجع الأسئلة التالية: (١٠٧٩) (٥٧٣٣) (٤٢٥٠٥) .
واللهُ أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12558
حكم التورية
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم التورية؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" التورية أن يريد الإنسان بكلامه ما يخالف ظاهر الكلام. وهي جائزة بشرطين: الأول: أن يكون اللفظ محتملاً لها.
والثاني: ألا تكون ظلماً. فلو قال رجل: أنا لا أنام إلا على وتد. والوتد عود يوضع في الجدار ويعلق عليه المتاع. وقال الرجل: أنا أريد بالوتد الجبل، فهذه تورية صحيحة، لأن اللفظ يحتملها وليس فيها ظلمٌ لأحد.
وكذلك لو أن رجلاً قال: والله لا أنام إلا تحت السقف. ثم نام فوق السقف وقال: أردت بالسقف السماء. فهذا صحيح، فقد سميت السماء سقفاً في قوله سبحانه: (وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً) الأنبياء /٣٢.
وكذلك لو استخدمت التورية للظلم فلا تجوز، كمن أخذ حقاً من إنسان ثم ذهب إلى القاضي، ولم تكن للمظلوم بيّنة فطلب القاضي من آخذ الحق أن يحلف أن ليس له عندك شيء، فحلف وقال: والله ما له عندي شيء، فحكم له القاضي، ثم كلمه بعض الناس في ذلك وعرفه أن هذه يمين غموس تغمس صاحبها في النار، وقد جاء في الحديث: (من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان) . فقال هذا الحالف: أنا ما أردت النفي، وإنما أردت الإثبات. ونيتي في كلمة "ما له" أن (ما) اسم موصول أي: والله الذي له عندي شيء. فهذا وإن كان اللفظ يحتمله إلا أنه ظلم فلا يجوز، ولهذا جاء في الحديث: (يمينك على ما يصدقك به صاحبك) ولا ينفعك التأويل عند الله، وأنت الآن حالف على يمين فاجرة.
ولو أن رجلاً اتهمت زوجته بالخيانة وهي بريئة منها فحلف وقال: والله إنها أختي وقال: أردت أنها أختي في الإسلام. فهذا تعريض صحيح لأنه أخته في الإسلام. وهي مظلومة " اهـ.
"مجموع دروس وفتاوى الحرم المكي" (٣/٣٦٧) للشيخ ابن عثيمين.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12559
متى تصح التورية؟ وما هي الضرورة فيها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[متى تصح التورية؟ وإذا كانت للضرورة فقط فما المعتبر في الضرورة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
التورية لغةً هي: إخفاء الشيء.
قال الله : ﴿فَبَعَثَ اللهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ المائدة / ٣١.
وقال عَزَّ من قائل: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ الأعراف / ٢٦.
وأما معناها الاصطلاحي فهو أن يقول القائل كلاماً يظهر منه معنى يفهمه السامع ولكن القائل يريد معنى آخر يحتمله الكلام، كأن يقول له ليس معي درهم في جيبي فيُفهم منه أنّه ليس معه أي مال أبداً، ويكون مراده أنه لا يملك درهماً لكن يملك ديناراً مثلاً، ويسمى هذا الكلام تعريضاً أو تورية.
وتُعد التورية من الحلول الشرعية لتَجَنُّب حالات الحرج التي قد يقع الإنسان فيها عندما يسأله أحدٌ عن أمرٍ وهو لا يريد إخباره بالواقع من جهة، ولا يريد أن يكذب عليه من جهة أخرى.
وتصح التورية من القائل إذا دعت الحاجة أو المصلحة الشرعية لها، ولا ينبغي أن يكثر منها بحيث تكون ديدناً له، ولا أن يستعملها لأخذ باطل أو دفع حق.
قال النووي:
قال العلماء: فإن دعَت إلى ذلك مصلحة شرعيَّة راجحة على خداع المخاطب، أو دعت إليه حاجة لا مندوحة عنها إلا بالكذب: فلا بأس بالتعريض، فإن لم تدع إليه مصلحة ولا حاجة: فهو مكروه وليس بحرام، فإن توصل به إلى أخذ باطل أو دفع حق فيصير حينئذ حراماً، وهذا ضابط الباب.
" الأذكار " (ص ٣٨٠) .
وذهب بعض العلماء إلى تحريم التعريض لغير حاجة أو مصلحة، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. انظر الاختيارات ص ٥٦٣.
وهناك حالات أرشد النبي ﷺ فيها إلى استخدام التورية، فعلى سبيل المثال:
إذا أحدث الرجل في صلاة الجماعة فماذا يفعل في هذا الموقف المحرج؟ .
الجواب: عليه أن يأخذ بأنفه فيضع يده عليه ثم يخرج.
والدليل: عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : " إذا أحدث أحدكم في صلاته فليأخذ بأنفه ثم لينصرف " - سنن أبي داود (١١١٤) ، وهو في " صحيح سنن أبي داود " (٩٨٥) .
قال الطيبي: أمر بالأخذ ليخيل أنه مرعوف (والرعاف هو النزيف من الأنف) ، وليس هذا من الكذب، بل من المعاريض بالفعل، ورُخِّص له في ذلك لئلا يسوِّل له الشيطان عدم المضي استحياء من الناس ا. هـ " مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح " (٣ / ١٨) .
وهذا من التورية الجائزة والإيهام المحمود رفعاً للحرج عنه، فيظن من يراه خارجاً بأنه أصيب برعاف في أنفه ...
وكذلك إذا واجه المرء المسلم ظروفاً صعبة محرجة يحتاج فيها أن يتكلم بخلاف الحقيقة لينقذ نفسه، أو ينقذ معصوماً، أو يخرج من حرج عظيم، أو يتخلص من موقف عصيب.
فهناك طريقة شرعية ومخرجٌ مباح يستطيع أن يستخدمه عند الحاجة ألا وهو " التورية " أو " المعاريض "، وقد بوَّب البخاري ﵀ في صحيحه " باب المعاريض مندوحة عن الكذب " - صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب (١١٦) -.
وفيما يلي التوضيح بأمثلة من المعاريض التي استخدمها السلف والأئمة أوردها العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه " إغاثة اللهفان ":
ذُكر عن حماد ﵀ أنه إذا أتاه من لا يريد الجلوس معه قال متوجعاً: ضرسي، ضرسي، فيتركه الثقيل الذي ليس بصحبته خير.
وأحضر سفيان الثوري إلى مجلس الخليفة المهدي فاستحسنه، فأراد الخروج فقال الخليفة لا بد أن تجلس فحلف الثوري على أنه يعود فخرج وترك نعله عند الباب، وبعد قليل عاد فأخذ نعله وانصرف فسأل عنه الخليفة فقيل له إنه حلف أن يعود فعاد وأخذ نعله.
وكان الإمام أحمد في داره ومعه بعض طلابه منهم المروذي فأتى سائل من خارج الدار يسأل عن المروذي والإمام أحمد يكره خروجه فقال الإمام أحمد: ليس المروذي هنا وما يصنع المروذي ها هنا وهو يضع إصبعه في كفه ويتحدث لأن السائل لا يراه.
ومن أمثلة التورية أيضاً:
لو سألك شخص هل رأيت فلاناً وأنت تخشى لو أخبرته أن يبطش به فتقول ما رأيته وأنت تقصد أنك لم تقطع رئته وهذا صحيح في اللغة العربية أو تنفي رؤيته وتقصد بقلبك زماناً أو مكاناً معيناً لم تره فيه، وكذلك لو استحلفك أن لا تكلم فلاناً: فقلت: والله لن أكلمه، وأنت تعني أي لا أجرحه لأن الكلم يأتي في اللغة بمعنى الجرح. وكذلك لو أرغم شخص على الكفر وقيل له اكفر بالله، فيجوز أن يقول كفرت باللاهي. يعني اللاعب. إغاثة اللهفان: ابن القيم ١/٣٨١ وما بعدها ٢/١٠٦-١٠٧، وانظر بحثاً في المعاريض في الآداب الشرعية لابن مفلح ١/١٤. هذا مع التنبيه هنا أن لا يستخدم المسلم التورية إلا في حالات الحرج البالغ وذلك لأمور منها:
١- أن الإكثار منها يؤدي إلى الوقوع في الكذب.
٢- فقدان الإخوان الثقة بكلام بعضهم بعضاً لأن الواحد منهم سيشك في كلام أخيه هل هو على ظاهره أم لا؟ .
٣- أن المستمع إذا اطلع على حقيقة الأمر المخالف لظاهر كلام الموري ولم يدرك تورية المتكلم يكون الموري عنده كذاباً وهذا مخالف لاستبراء العرض المأمور به شرعاً.
٤- أنه سبيل لدخول العجب في نفس صاحب التورية لإحساسه بقدرته على استغفال الآخرين.
انتهى من كتاب " ماذا تفعل في الحالات الآتية؟ ".
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12560
حكم ظهار المرأة من زوجها وهل عليها الكفارة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[زوجي كثير الاستهزاء والسخرية بي وصبرت عليه كثيراً، وذات يوم شتمني بشتى ألوان الشتائم فأثار بكائي وغضبي فقلت له بالحرف الواحد: أنت عليّ مثل أخي، عليّ مثل ظهر أخي. فهل يعتبر هذا ظهاراً وما هي الكفارة الواجبة عليّ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يحل لمسلمٍ أن يسخر من أخيه، قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون﴾ الحجرات / ١١.
والواجب على الزوج أن يحسن معاشرة أهله، قال الله تعالى: (وعاشروهن بالمعروف) النساء / ١٩، وقال النبي صلى الله عليه: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) رواه الترمذي (٣٨٩٥)
والنصيحة لك بقاؤك على الصبر على أذى زوجك، والدعاء له بالخير والهدى، واستمرار الوعظ والتذكير له بواجباته.
وأما قولكِ لزوجكِ " أنتَ حرام عليَّ مثل أخي ... " فليس بظهار، بل هو يمين مكفَّرة، لأن الظهار يكون من الرجل لأمرته وليس العكس قال الله تعالى: (الذي يظاهرون منكم من نسائهم) المجادلة / ٢.
سئل الشيخ محمد الصالح العثيمين:
إن زوجتي تقول لي دائماً " أنت زوجي، وأنت أخي، وأنت أبي، وكل شيء لي في الدنيا " هل هذا الكلام يحرمني عليها أم لا؟
فأجاب:
هذا الكلام منها لا يحرمها عليك؛ لأن معنى قولها " أنت أبي وأخي " وما أشبه ذلك: معناها: أنت عندي في الكرامة والرعاية بمنزلة أبي وأخي، وليست تريد أن تجعلك في التحريم بمنزلة أبيها وأخيها.
على أنها لو فُرض أنها أرادت ذلك: فإنكَ لا تحرم عليها؛ لأن الظهار لا يكون من النساء لأزواجهن، وإنما يكون من الرجال لأزواجهم، ولهذا إذا ظاهرت المرأة من زوجها بأن قالت له " أنتَ عليَّ كظهر أبي، أو كظهر أخي " أو ما أشبه ذلك: فإن ذلك لا يكون ظهاراً، ولكن حكمه حكم اليمين، بمعنى أنها لا يحل لها أن تمكنه من نفسها إلا بكفارة اليمين، فإن شاءت دفعت الكفارة قبل أن يستمتع بها، وإن شاءت دفعتها بعد ذلك.
وكفارة اليمين: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو عتق رقبة، فإن لم يجد: فصيام ثلاثة أيام.
" فتاوى المرأة المسلمة " (٢ / ٨٠٣) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12561
حكم لعن الأبناء والزوجة، وهل يعد لعنها طلاقاً ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم من يلعن زوجته أو بعض أبنائه؟ وهل يعد لعن المرأة طلاقاً أم لا؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لعن المرأة لا يجوز وليس بطلاقاً لها، بل هي باقية في عصمته وعليه التوبة إلى الله من ذلك واستسماحه لها من سبه إياها. وهكذا لا يجوز لعنه لأبنائه ولا غيرهم من المسلمين لقول النبي ﷺ : (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) متفق على صحته، وقوله ﵊: (لعن المؤمن كقتله) خرجه البخاري في صحيحه.
وهذان الحديثان الصحيحان يدلان على أن لعن المسلم لأخيه من كبائر الذنوب فالواجب الحذر من ذلك، وحفظ اللسان من هذه الجريمة الشنيعة.
ولا تطلق المرأة بلعنها بل هي باقية في عصمة زوجها كما تقدم.
[الْمَصْدَرُ]
كتاب مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀. م/٨ ص ٣٩٨.
стр. 12562
عبارة (الباقي على الله) لا تصح
[السُّؤَالُ]
ـ[ما مدى صحة عبارة بذلت (قصارى جهدي والباقي على الله) ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا القول لا يصلح لأنه يعني أن الفاعل اعتمد على نفسه أولاً.
لكن القول: (بذلت جهدي واسأل الله المعونة) هذا الصواب، وهذه العبارة: (بذلت جهدي والباقي على الله) ربما يريد بها الإنسان هذا المعنى الذي ذكرت أي ما استطعته فعلته وما لا أستطيعه فعلى الله، ولكن أصل العبارة غلط، بل يقول: (بذلت جهدي واسأل الله المعونة)
[الْمَصْدَرُ]
فتوى الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ في مجلة الحسبة العدد ٥٠ ص ١٧.
стр. 12563
الكلام الذي ينبغي الإمساك عنه
[السُّؤَالُ]
ـ[أعرف أن هناك كلاماً نمسك عن الخوض فيه كحديث النبي ﷺ فما هي أنواع الحديث التي نمسك عنها؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ينبغي للمسلم أن يحفظ لسانه، فلا يتكلم إلا بخير.
روى البخاري (٦٠١٨) ومسلم (٤٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ. . . الحديث.
قال النووي ﵀:
مَعْنَاهُ: أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّم فَإِنْ كَانَ مَا يَتَكَلَّم بِهِ خَيْرًا مُحَقَّقًا يُثَاب عَلَيْهِ , وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا فَلْيَتَكَلَّمْ. وَإِنْ لَمْ يَظْهَر لَهُ أَنَّهُ خَيْر يُثَاب عَلَيْهِ , فَلْيُمْسِك عَنْ الْكَلَام سَوَاء ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ حَرَام أَوْ مَكْرُوه أَوْ مُبَاح مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ. فَعَلَى هَذَا يَكُون الْكَلَام الْمُبَاح مَأْمُورًا بِتَرْكِهِ مَنْدُوبًا إِلَى الإِمْسَاك عَنْهُ مَخَافَةً مِنْ اِنْجِرَاره إِلَى الْمُحَرَّم أَوْ الْمَكْرُوه. وَهَذَا يَقَع فِي الْعَادَة كَثِيرًا أَوْ غَالِبًا. وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) . . . وَقَدْ أَخَذَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁ مَعْنَى الْحَدِيث فَقَالَ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّم فَلْيُفَكِّرْ ; فَإِنْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ لا ضَرَر عَلَيْهِ تَكَلَّمَ , إِنْ ظَهَرَ لَهُ فِيهِ ضَرَر , أَوْ شَكَّ فِيهِ أَمْسَكَ اهـ.
وقد أمر النبي ﷺ بحفظ اللسان في أكثر من حديث، منها ما رواه الترمذي (٢٤٠٦) عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا النَّجَاةُ؟ قَالَ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ. صححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٣٣١) .
وروى الترمذي (٢٦١٦) قول النبي ﷺ لمعاذ بعد ما علمه بعض شرائع الإسلام:
أَلا أُخْبِرُكَ بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ. فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ وقَالَ: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا. فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ! فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟
صححه الألباني في صحيح الترمذي (٢١١٠) .
وجاء في الحديث الأمر بالإمساك عن الخوض في أشياء معينة؛ لأن ذلك مما لا يفيد الإنسان شيئاً بل يضره ضرراً عظيماً في دينه ودنياه.
عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: (إذا ذُكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا) . رواه الطبراني في "الكبير" (٢ / ٩٦) . والحديث: صححه الشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٣٤) .
وهذا الحديث دليل على أنه لا يجوز للإنسان أن يذكر أصحاب النبي ﷺ بسوء وأنه يجب عليه أن يسكت عما وقع بينهم من خلاف؛ لأن ذكرهم بسوء وجرحهم يتضمن تكذيب الله تعالى في القرءان الذي زكاهم وأثنى عليهم بقوله: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم) التوبة/ ١٠٠.
وقال سبحانه: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركَّعا سجَّداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود) الفتح/ ٢٩.
فهذا وصف الله لهم في كتابه فلله درهم ما أعدلهم وما أحسنهم وأعظمهم فلا يبغضهم إلا منافق ولا يحبهم إلا مؤمن.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
ومن أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله كما وصفهم الله بذلك في قوله: (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غِلاًّ للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم) الحشر / ١٠، وطاعة رسول الله ﷺ في قوله: " لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحُدٍ ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه " – متفق عليه -.
" مجموع الفتاوى " (٣ / ١٥٢) .
وقال أبو زرعة ﵀:
إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من الصحابة فاعلم أنَّه زنديق، وذلك لأن القرءان حق، والرسول حق، وما جاء به حق، وما أدى إلينا ذلك كله إلا الصحابة فمن جرحهم إنما أراد إبطال الكتاب والسنة فيكون الجرح به أليق والحكم عليه بالزندقة والضلال أقوم وأحق.
" الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة " (٢ / ٦٠٨) .
وأما الشق الثاني من الحديث وهو: الإمساك عن الكلام في النجوم، فالمقصود به والله أعلم هو: الاهتداء بها على أشياء مغيبات كما كان يفعله أهل الجاهلية الكهنة عن طريق التنجيم وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية كأوقات هبوب الريح أو مجيء المطر وتغير الأسعار وغير ذلك من الأمور التي يزعمون أنها تدرك معرفتها بسير الكواكب في مجاريها واجتماعها وافتراقها ويقولون من تزوج بنجم كذا وكذا حصل له كذا وكذا ومن سافر بنجم كذا حصل له كذا ومن ولد نجم كذا وكذا حصل له كذا من السعود والنحوس.
وانظر " كتاب التوحيد " للشيخ صالح الفوزان، باب ادعاء علم الغيب في قراءة الكف والفنجان وغيرهما.
وانظر " فتاوى العقيدة " (٢ / ١٨٥-١٨٦-١٨٧-١٩٠) للشيخ ابن عثيمين حفظه الله فله كلام نفيس جدّاً.
وأما الشق الثالث: وهو الإمساك عن الكلام في القدر فقد قال أبو جعفر الطحاوي رحمه الله تعالى:
وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب، ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظراً وفكراً ووسوسةً، فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال تعالى في كتابه: (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) الأنبياء/٢٣. فمن سأل لِمَ فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين.
شرح العقيدة الطحاوية ص ٢٧٦.
فعلى العبد المسلم أن يسلم لله في كل أموره، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. والكلام في هذا الباب طويل، ورحم الله امرءاً آمن بقضاء الله وقدره من غير خوض ولا فلسفة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12564
غضب فسب دين وسماء القلم والورقة
[السُّؤَالُ]
ـ[رجل يكتب على ورقة، وفي أثناء الكتابة أخطأ في بعض الكلمات فانزعج كثيراً ومن شدة غضبه سب دين وسماء القلم والورقة، فهل يعتبر سب دين القلم أو الورقة أو الحجر أو الشجر أو الكرسي أو الكأس أو ... الخ من هذه الأشياء هل يعتبر كفراً؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
لا شك أن هذا السب حرام، ولو قيل أن القلم والورقة لا يدينان بالدين الذي هو العبادات، لكن معلوم أن الدين واحد، وأن الله تعالى هو الذي سخر هذه الأقلام والأدوات، ويسر استعمالها، فيخاف أن السب يرجع إلى الله تعالى، فعليه التوبة والاستغفار، وعدم العودة إلى مثل هذا.
[الْمَصْدَرُ]
من كتاب اللؤلؤ المكين في فتاوى ابن جبرين ص ٣٤
стр. 12565
عبارة الباقي على الله لا تصح
[السُّؤَالُ]
ـ[ما مدى صحة عبارة (بذلت قصارى جهدي والباقي على الله) ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا القول لا يصح، لأنه يعني أن الفاعل اعتمد على نفسه أولاً. ولكن يقول: بذلت جهدي وأسأل الله المعونة) هذا الصواب.
وهذه الكلمة (بذلت جهدي والباقي على الله) ربما يريد بها الإنسان هذا المعنى الذي ذكرت، أي ما أستطيعه فعلته وما لا أستطيعه فعلى الله، ولكن أصل العبارة غلط، بل يقول: (بذلت جهدي وأسأل الله المعونة) .
[الْمَصْدَرُ]
مجلة الدعوة العدد/١٧٩٨ ص/٦١
стр. 12566
كذبة إبريل
[السُّؤَالُ]
ـ[يشتهر بين بعض الناس في الخارج - الدول الكافرة - كذبة إبريل في أول يوم من شهر إبريل الميلادي ويقلدهم بعض المسلمين في ذلك حيث يرون جواز الكذب في هذا اليوم.. كيف ترون هذا الاعتقاد وهذا التقليد؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الكذب لا يجوز مطلقاً في كل الأوقات، ولا يجوز تقليد الكفار والتشبه بهم في هذا وغيره لقول النبي ﷺ : (من تشبه بقوم فهو منهم) .
وللمزيد يراجع مقال كذبة إبريل الموجود في قسم مواضيع في المناسبات.
[الْمَصْدَرُ]
من فتاوى الشيخ صالح الفوزان لمجلة الشقائق العدد ٣٢ لشهر صفر.
стр. 12567
هل يأثم من سب أخاه المسلم
[السُّؤَالُ]
ـ[ماذا يجب على من يقول للمسلم: يا كلب، أو يا خنزير، ونحوه من الألفاظ القبيحة هل يأثم؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يأثم ويعزر، وعليه التوبة. والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
فتاوى الإمام النووي ص ٢٢٤
стр. 12568
حكم من يسب الحياة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز لإنسان أن يشتم الحياة إذا غضب أو ضاق منها نرجو منكم التوجيه في ذلك؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يحل للإنسان إذا ضاق من الحياة أن يشتم الحياة لقول النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه أنه قال تعالى: (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي أقلب الليل والنهار) وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر) أي هو المصرف للدهر وعلى الإنسان إذا ابتلي ببلية أن يصبر ويحتسب فإن الله أمر بالصبر.
وقال لنبيه ﷺ : (تلك من أنباء الغيب نُوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين) هود /٤٩، وليعلم الإنسان أنه ما من مصيبة إلا في الدنيا أعظم منها فإذا علم ذلك هانت عليه مصيبته.
[الْمَصْدَرُ]
من فتاوى فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين لمجلة الدعوة العدد ١٧٥٧ ص ٤٥.
стр. 12569
تغضب بسرعة وتسبّ وتدعو على من أغضبها
[السُّؤَالُ]
ـ[أغضب بسرعة وأستمر في الغضب حتى أبدأ بسب الشخص الذي أغضبني في نفسي. عندما أهدأ أستغفر الله وأعزم على عدم العودة لهذا، أعلم بأن السب حرام وأنا أكره ما أفعل وأتمنى أن أتمالك نفسي وأريد أن أعرف كيف يتوب المرء من السب في حالة الغضب. الشخص لم يسمعني ولكنني أشعر بالأسف لهذا فهل يجب أن أخبره بأنني سببته في نفسي؟ هل يمكن أن أحتفظ بهذا لنفسي حتى لا أخلق عداء بيني وبينه؟ هل يمكن أن أتصدق لأكفر عن ذنبي؟ ماذا أفعل لأنهي هذه المشكلة؟ أريد التوقف عن هذا وقد دعوت كثيراً ولا زلت أدعو ولكنني الآن أريد أن أتوب عن المرات السابقة التي سببت فيها أحد حين الغضب. هل يقبل الله دعائي عليهم حين الغضب؟ أشعر بحزن شديد بسبب هذا الموضوع وأشعر بالألم حين أقف للصلاة، أريد حقيقة أن أتوب وأشعر بالرضى عن توبتي. جزاك الله خيرا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
عليك - أيتها الأخت المسلمة - أن تكظمي غيظك وغضبك لقوله تعالى: (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين) ، وقال (والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، وإذا ما غضبوا هم يغفرون) الشورى:٣٧ ذلك أن الإنسان إذا لم يكظم غضبه سبّ ولعن وشتم وضرب فيكون الغضب بابا لكل الشرور لذا كان النبي كثيرا ما يوصي بعدم الغضب فقد روى البخاري في الصحيح ٦١١٦ عن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً قال للنبي ﷺ أوصني قال: لا تغضب فرددّ مراراً قال: لا تغضب
لذا اعتبر النبي ﷺ من يمتلك نفسه عند الغضب من أشد الناس روى البخاري في الصحيح ٦١١٤، ومسلم ٤٧٢٣ عن رسول الله ﷺ قال: ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري (١٠/٥٢٠) كلاما مهما في في شرح حديث لا تغضب، فقال: فِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث سُفْيَان بْن عَبْد اللَّه الثَّقَفِيّ " قُلْت يَا رَسُول اللَّه قُلْ لِي قَولاً أَنْتَفِع بِهِ وَأَقْلِلْ , قَالَ: لا تَغْضَب , وَلَك الْجَنَّة " وَفِيهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء " قُلْت: يَا رَسُول اللَّه دُلَّنِي عَلَى عَمَل يُدْخِلنِي الْجَنَّة , قَالَ: لا تَغْضَب ".. قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَى قَوْله " لا تَغْضَب " اِجْتَنِبْ أَسْبَاب الْغَضَب وَلا تَتَعَرَّض لِمَا يَجْلِبهُ. وَأَمَّا نَفْس الْغَضَب فَلا يَتَأَتَّى النَّهْي عَنْهُ لأَنَّهُ أَمْر طَبِيعِيّ لا يَزُول مِنْ الْجِبِلَّة , وَقَالَ غَيْره: مَا كَانَ مِنْ قَبِيل مَا يُكْتَسَب بِالرِّيَاضَةِ فَهُوَ الْمُرَاد.. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لا تَفْعَل مَا يَأْمُرك بِهِ الْغَضَب. وَقَالَ اِبْن بَطَّال: فِي الْحَدِيث.. أَنَّ مُجَاهَدَة النَّفْس أَشَدُّ مِنْ مُجَاهَدَة الْعَدُوّ ; لأَنَّهُ ﷺ جَعَلَ الَّذِي يَمْلِك نَفْسه عِنْدَ الْغَضَب أَعْظَم النَّاس قُوَّة. وَقَالَ غَيْره: لَعَلَّ السَّائِل كَانَ غَضُوبًا , وَكَانَ النَّبِيّ ﷺ يَأْمُر كُلّ أَحَد بِمَا هُوَ أَوْلَى بِهِ , فَلِهَذَا اِقْتَصَرَ فِي وَصِيَّته لَهُ عَلَى تَرْك الْغَضَب. وَقَالَ اِبْن التِّين: جَمَعَ ﷺ فِي قَوْله " لا تَغْضَب " خَيْر الدُّنْيَا وَالآخِرَة لأَنَّ الْغَضَب يَئُولُ إِلَى التَّقَاطُع وَمَنْع الرِّفْق , وَرُبَّمَا آلَ إِلَى أَنْ يُؤْذِي الْمَغْضُوب عَلَيْهِ فَيُنْتَقَص ذَلِكَ مِنْ الدِّين. ..
وَقَالَ بَعْض الْعُلَمَاء: خَلَقَ اللَّه الْغَضَب مِنْ النَّار وَجَعَلَهُ غَرِيزَة فِي الإِنْسَان , فَمَهْمَا قَصَدَ أَوْ نُوزِعَ فِي غَرَض مَا اِشْتَعَلَتْ نَار الْغَضَب وَثَارَتْ حَتَّى يَحْمَرّ الْوَجْه وَالْعَيْنَانِ مِنْ الدَّم ; لأَنَّ الْبَشَرَة تَحْكِي لَوْن مَا وَرَاءهَا.. وَيَتَرَتَّب عَلَى الْغَضَب تَغَيُّر الظَّاهِر وَالْبَاطِن كَتَغَيُّرِ اللَّوْن وَالرِّعْدَة فِي الْأَطْرَاف وَخُرُوج الأَفْعَال عَنْ غَيْر تَرْتِيب وَاسْتِحَالَة الْخِلْقَة حَتَّى لَوْ رَأَى الْغَضْبَان نَفْسه فِي حَال غَضَبه لَكَانَ غَضَبه حَيَاء مِنْ قُبْح صُورَته وَاسْتِحَالَة خِلْقَته , هَذَا كُلّه فِي الظَّاهِر , وَأَمَّا الْبَاطِن فَقُبْحه أَشَدُّ مِنْ الظَّاهِر ; لأَنَّهُ يُوَلِّد الْحِقْد فِي الْقَلْب وَالْحَسَد وَإِضْمَار السُّوء عَلَى اِخْتِلَاف أَنْوَاعه , بَلْ أَوْلَى شَيْء يَقْبُح مِنْهُ بَاطِنه , وَتَغَيُّر ظَاهِره ثَمَرَة تَغَيُّر بَاطِنه , وَهَذَا كُلّه أَثَره فِي الْجَسَد , وَأَمَّا أَثَره فِي اللِّسَان فَانْطِلَاقه بِالشَّتْمِ وَالْفُحْش الَّذِي يَسْتَحْيِي مِنْهُ الْعَاقِل وَيَنْدَم قَائِله عِنْدَ سُكُون الْغَضَب وَيَظْهَر أَثَر الْغَضَب أَيْضًا ِي الْفِعْل بِالضَّرْبِ أَوْ الْقَتْل , وَإِنْ فَاتَ ذَلِكَ بِهَرَبِ الْمَغْضُوب عَلَيْهِ رَجَعَ إِلَى نَفْسه فَيُمَزِّق ثَوْبه وَيَلْطِم خَدَّهُ , وَرُبَّمَا سَقَطَ صَرِيعًا , وَرُبَّمَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ , وَرُبَّمَا كَسَرَ الآنِيَة وَضَرَبَ مَنْ لَيْسَ لَهُ فِي ذَلِكَ جَرِيمَة. وَمَنْ تَأَمَّلَ هَذِهِ الْمَفَاسِد عَرَفَ مِقْدَار مَا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْكَلِمَة اللَّطِيفَة مِنْ قَوْله ﷺ " لا تَغْضَب " مِنْ الْحِكْمَة وَاسْتِجْلَاب الْمَصْلَحَة فِي دَرْء الْمَفْسَدَة مِمَّا يَتَعَذَّر إِحْصَاؤُهُ وَالْوُقُوف عَلَى نِهَايَته , وَهَذَا كُلّه فِي الْغَضَب الدُّنْيَوِيّ لا الْغَضَب الدِّينِيّ.. (فإنّ الغضب لله محمود ومطلوب كالغضب عند رؤية منكر) , وَيُعِين عَلَى تَرْك الْغَضَب اِسْتِحْضَار مَا جَاءَ فِي كَظْم الْغَيْظ مِنْ الْفَضْل , وَمَا جَاءَ فِي عَاقِبَة ثَمَرَة الْغَضَب مِنْ الْوَعِيد , وَأَنْ يَسْتَعِيذ مِنْ الشَّيْطَان.. , وَأَنْ يَتَوَضَّأ.. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وتذكّري أيتها الأخت المسلمة أن النبي ﷺ لم يكن سبابا ولا لعانا فقد جاء في صحيح البخاري ٦٠٣١ عن أنس بن مالك ﵁ قال لم يكن النبي ﷺ سباباً ولا فحاشاً ولا لعاناً كان يقول لأحدنا عند المعتبة: ما له ترب جبينه.
وعليك أن تتوبي إلى الله مما حصل منك من السبّ والاعتداء، ولا حاجة لإخبار من سببتيه درءاً للمفاسد ويمكن طلب السماح منه بشكل عام، وأما الناس الذين دعوتِ عليهم بالشرِّ فادعِ لهم بالخير وخصوصا إذا كنت قد ظلمتيهم بدعائكِ عليهم وهم لا يستحقّون ذلك وسلي الله اللطف بكِ فإنّ الإنسان قد ترجع عليه الدّعوة إذا دعا بها على شخص لا يستحقّها، وعليك بإشغال لسانك بالدعاء والذكر إذ أن في ذلك طمأنينة للقلوب (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) وصرْفا عن استعمال اللسان في أذية الخلق، وصلى اللهم على محمد وصحبه وسلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 12570
تحريم الكذب على كل حال
[السُّؤَالُ]
ـ[إن والدتي ما زالت على قيد الحياة وقد تعدى عمرها مائة سنة، وأصبحت بحالة صعبة حيث أنها لا تستطيع إدراك الأشياء، وتسأل عن المساء وقت الصباح، وتكرر الكلمة أكثر من خمس مرات، ولا تطيق أن تتحرك من مكانها، فإن كانت نائمة فلا تستطيع أن تجلس، وهكذا.
وأولادها يجيبونها على كل ما تسأل عنه، ولكن قد يكون جوابهم لها كذبا كأن تسألهم وقت المساء: هل نحن في الصباح؟ فيجيبونها بنعم وهم في المساء، وغير ذلك من الأسئلة، فالسؤال هو: إذا كذبوا عليها هل هم مخطئون أم لا؟
والسؤال الثاني: هل عليهم كفارة يدفعونها بدل صيامها وصلاتها أم لا؟ أفيدونا جزاكم الله خيرا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا ينبغي الكذب عليها، بل يجب إخبارها بالواقع؛ لأنه لا مصلحة في الكذب عليها ولا فائدة فيه، فإنه لا يدخل عليها شيئا من الأنس والسرور.
أما بالنسبة للصلاة والصوم فلا كفارة ولا إثم عليها، لأنها أصبحت كالطفل، فما دام أنها لا تميز وقد تغيرت مشاعرها وعقلها تغير، فإنه لا صلاة عليها ولا صيام لأنها غير مكلفة فهي الآن كالطفل الصغير وذمتها خالية ولا حرج في ذلك إن شاء الله والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
فتاوى سماحة الشيخ عبد الله بن حميد ص ٤٣.
следующие страницы →