Полный текст (16 344 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
اختلاف العلماء في عدِّ البسملة آية من الفاتحة لا يدخل في تحريف القرآن ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[القرآن الكريم نقل إلينا بالتواتر، من غير نقص، ولا زيادة , ولا شك فيه، ولا ريب , ولا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه , وهذا ما تعلمناه وتربينا عليه. سؤالي هو: كيف اختلف أهل العلم من السلف على أن البسملة آية من سورة الفاتحة، أو أنها ليست بآية؟ وهل هذا الخلاف معتبر؟ وأنا هنا لا أبحث في أدلة هذا الفريق، وذلك الفريق , ولا أبحث عن معلومات إضافية في هذه المسألة من ناحية فقهية , فلقد قرأت فيها الكثير والكثير من الأبحاث , ولكن بحثي وسؤالي هو: كيف نسوِّغ الاختلاف في آية من القرآن الكريم الذي نقل إلينا بالتواتر، جمع عن جمع، وهكذا، على أنها آية، أو ليست بآية؟ هل يجب أن لا يكون هناك خلاف في هذه المسألة؟ . أرجو أن تنفِّسوا عنِّي كربة هذا الهم الذي أصابني من هذه المسألة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لم يختلف المسلمون في أن الله تعالى قد حفظ كتابه من الزيادة والنقصان؛ تحقيقاً لقوله : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) الحِجر/ ٩.
وقد أجمع المسلمون على كفر كل من يخالف هذا فيزعم أن كتاب الله تعالى فيه ما ليس منه، أو نقص منه ما أنزل الله فيه.
قال القاضي عياض ﵀:
"وقد أجمع المسلمون أن القرآن المتلو في جميع أقطار الأرض، المكتوب في المصحف بأيدى المسلمين، مما جمعه الدفتان من أول (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) إلى آخر (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) أنه كلام الله، ووحيه المنزَّل على نبيه محمد ﷺ ، وأن جميع ما فيه حق، وأن من نقص منه حرفاً قاصداً لذلك، أو بدَّله بحرف آخر مكانه، أو زاد فيه حرفاً مما لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع الإجماع عليه، وأُجمع على أنه ليس من القرآن، عامداً لكل هذا: أنه كافر" انتهى.
"الشفا بتعريف حقوق المصطفى" (٢/٣٠٤، ٣٠٥) .
وأما اختلاف العلماء في عد البسملة آية من القرآن أم لا؟ فلا يدخل في هذا، لأن أئمة القراءات لم يختلفوا في قراءتها في أوائل السور، وقد اتفق الصحابة ﵃ على إثباتها في أوائل السور إلا سورة التوبة، وذلك في المصحف الذي كتبه عثمان بن عفان ﵁ وبعث به إلى الأمصار.
قال الشوكاني ﵀ في الكلام عن البسملة:
واعلم أن الأمة أجمعت أنه لا يكفر من أثبتها، ولا من نفاها؛ لاختلاف العلماء فيها، بخلاف ما لو نفى حرفاً مُجمعاً عليه، أو أثبت ما لم يقل به أحد: فإنه يكفر بالإجماع.
ولا خلاف أنها آية في أثناء سورة " النمل "، ولا خلاف في إثباتها خطّاً في أوائل السور في المصحف، إلا في أول سورة " التوبة ".
"نيل الأوطار" (٢/٢١٥) .
وقد جعل بعض العلماء الاختلاف في عد البسملة آية من القرآن، كاختلاف أئمة القراءات في بعض الكلمات والحروف، فقد يثبت في بعض القراءات ما لا يثبت في غيرها.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀:
"اختلف العلماء في البسملة، هل هي آية من أول كل سورة، أو من الفاتحة فقط، أو ليست آية مطلقاً، أما قوله في سورة النمل: (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِاِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) : فهي آية من القرآن إجماعاً.
وأما سورة " براءة ": فليست البسملة آية منها اجماعاً، واختُلف فيما سوى هذا، فذكر بعض أهل الأصول أن البسملة ليست من القرآن، وقال قوم: هي منه في الفاتحة فقط، وقيل: هي آية من أول كل سورة، وهو مذهب الشافعي رحمه الله تعالى.
ومِن أحسن ما قيل في ذلك: الجمع بين الأقوال: بأن البسملة في بعض القراءات - كقراءة ابن كثير - آية من القرآن، وفي بعض القرآءات: ليست آية، ولا غرابة في هذا.
فقوله في سورة "الحديد" (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) لفظة (هُوَ) من القرآن في قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وليست من القرآن في قراءة نافع، وابن عامر؛ لأنهما قرءا (فإن الله الغني الحميد) ، وبعض المصاحف فيه لفظة (هُوَ) ، وبعضها ليست فيه.
وقوله: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) ، (وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا) الآية، فالواو من قوله (وقالوا) في هذه الآية من القرآن على قراءة السبعة غير ابن عامر، وهي في قراءة ابن عامر ليست من القرآن لأنه قرأ (قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا) بغير واو، وهي محذوفة في مصحف أهل الشام، وقس على هذا.
وبه تعرف أنه لا إشكال في كون البسملة آية في بعض الحروف دون بعض، وبذلك تتفق أقوال العلماء " انتهى.
" مذكرة في أصول الفقه " (ص ٦٦، ٦٧) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1297
هل يجوز الاقتباس من القرآن في الشعر عامة، وفي الأناشيد خاصة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم الأناشيد التي يكون فيها قصة دينية ولكنها تكون على شكل أناشيد، وفيها أحياناً كلمات من القرآن الكريم؟ . هذه الأناشيد الموجودة حاليّاً بالأسواق]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الأناشيد هي كلام ملحَّن، وفيه الغث والسمين، وفيه الطيب والخبيث، وهو وإن كان في الأصل جائزاً لكن قد طرأ عليه ما أفسده، من الانشغال به أكثر الوقت، ومن تأثيره على المنشغلين به بما يؤدي إلى قلة أو انعدام حفظ القرآن والسنة، ومن التشبه بالفسَّاق في اللباس، والهيئات، والألحان، ومن التكسر والتغنج في الألفاظ، وغير ذلك من المفسدات.
وعليه: فما كان من الأناشيد جادّاً، يحتوي على كلمات لها هدف سامٍ، وما كان يسمع منه بقدر معيَّن من غير إفراط، وكان يخلو من المعازف، كالدفوف والطبول: فلا بأس به، إن شاء الله.
وللوقوف على الضوابط الشرعية للنشيد المباح، وللوقوف على المفاسد التي وُجدت في أناشيد زماننا هذا: نرجو الاطلاع على جوابي السؤالين: (٩١١٤٢) و (١١٥٦٣) ، ففيهما كفاية للمستفيد.
ثانياً:
وأما بخصوص اقتباس كلمات من القرآن الكريم لوضعها في تلك الأناشيد: فهو داخل في حكم الاقتباس من القرآن في الشِّعر، وقد اختلف العلماء في أصل الاقتباس من القرآن، فالجمهور على الجواز، ومنهم من منع منه مطلقاً، وذهبت طائفة من العلماء إلى المنع من الاقتباس في الشعر، دون النثر.
وفي " الموسوعة الفقهية " (٦ / ١٧) :
يرى جمهور الفقهاء جواز الاقتباس في الجملة، إذا كان لمقاصد لا تخرج عن المقاصد الشرعية، تحسيناً للكلام، أما إن كان كلاماً فاسداً: فلا يجوز الاقتباس فيه من القرآن، وذلك ككلام المبتدعة، وأهل المجون والفحش.
انتهى
وفيها – أيضاً - (٦ / ١٨) :
وقد اشتهر عند المالكية تحريمه – أي: الاقتباس -، وتشديد النكير على فاعله، لكن منهم من فرَّق بين الشِّعر فكره الاقتباس فيه، وبين النثر فأجازه، وممن استعمله في النثر من المالكية: القاضي عياض، وابن دقيق العيد، وقد استعمله فقهاء الحنفية في كتبهم الفقهية.
انتهى
وقد نقل السيوطي ﵀ الإجماع على جواز الاقتباس في النثر، فقال:
ولا أعلم بين المسلمين خلافاً في جوازه في النثر، في غير المجون، والخلاعة، وهزل الفساق، وشربة الخمر، واللاطة، ونحو ذلك.
وقد نصَّ على جوازه: أئمة مذهبنا بأسرهم، واستعملوه في الخطب، والرسائل، والمقامات، وسائر أنواع الإنشاء، ونقلوا استعماله عن أبي بكر الصدِّيق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابنه الحسن، وعبد الله بن مسعود، وغيرهم من الصحابة، والتابعين، فمن بعدهم، وأوردوا فيه عدة أحاديث صحيحة عن النبي ﷺ أنه استعمله.
" تنوير الحوالك شرح موطأ مالك " (١ / ٣١٢) .
والراجح: جواز الاقتباس من القرآن، إذا كان لغرض صحيح، دون ما يُقصد به المزاح والسخرية، ويستعمل في البدعة والمجون، ويشمل هذا الاقتباس ما كان في النثر، أو الشعر.
وينظر تفصيل القول في الاقتباس مع بيان الراجح في جواب السؤال رقم: (١١٩٦٧٣) .
وعليه: فالاقتباس من القرآن للنشيد جائز، بشرط أن يكون نشيداً مباحاً، جادّاً.
وللدكتور عبد المحسن العسكر – حفظه الله – دراسة موسعة في الاقتباس، وقد أسماها " الاقتباس، أنواعه، وأحكامه، دراسة شرعية، بلاغية "، وبعد أن عرض الخلاف في الاقتباس من القرآن في الشعر قال – (ص ٦٦) -:
والحق الذي يجب المصير إليه: ما ذهب إليه الأكثرون، من جواز الاقتباس في النظم؛ لعدم الدليل المانع من ذلك، ثم إن القول بمنع الاقتباس في الشعر: موجب للتفريق بين النثر، والشعر، وهما سواء، كما قال الإمام الشافعي ﵀: " الشِّعر كلام، حسَنُه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام ".
انتهى
وقد بيَّن – حفظه الله – بعض الوجوه مما لا يجوز الاقتباس من القرآن فيها، لا شعراً، ولا نثراً، ومنها:
١. ما أضافه الله إلى نفسه مما تكلم به ، مثل (إني أنا ربك فاخلع نعليك) .
٢. ما أقسم الله به من مخلوقاته، كما في قول بعضهم:
" والتين والزيتون ... وطور سينين ... وهذا البلد المحزون ".
٣. ما خوطب به الرب جل وعلا، كما وقع في كتابٍ لعبد الرحمن المرشدي إلى القضاة، جاء فيه:
" يا أعدل قاضٍ به عماد الدين , آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ".
٤. ما يتبادر إلى السامع أنه من القرآن، مع تغيير بعض الكلمات، كقول أحدهم:
" والنجم إذا هوى ... ما ضل يراعك وما غوى ... علَّمه شديد القوى , ذو مرة فاستوى ".
٥. ومنه ما يعد محاكاة للقرآن واستعمالا له في غير معناه، كقول النبيه يمدح القاضي الفاضل:
" لا تسمِّه وعداً بغير نوال ... إنه كان وعده مفعولاً ".
انتهى باختصار، من " الاقتباس، أنواعه، وأحكامه " للعسكر (٧٤ – ٧٦) .
وقد ذكرنا في جواب السؤال رقم (١٠٣٩٢٣) جواز الاقتباس من الحديث النبوي.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1298
هل يأثم من نسي ما حفظه من القرآن بسبب ضعف ذاكرته ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم من حفِظ شيئاً من القرآن الكريم، أو الأسماء الحسنى، ثم نسيها، أو نسي بعضاً منها بسبب ذاكرته الضعيفة، هل سيعذبه الله على ذلك؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا ينبغي للمسلم أن يقول " نسيتُ " فيما ضاع من ذاكرته في حفظه للقرآن، بل " أُنسيتُ " أو " نُسِّيت ".
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مسعود قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (بِئْسَمَا لأَحَدِهِمْ يَقُولُ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ بَلْ هُوَ نُسِّيَ، اسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ، فَلَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ بِعُقُلِهَا) . رواه البخاري (٤٧٤٤) ومسلم (٧٩٠) .
وفي لفظ لمسلم: (لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ بَلْ هُوَ نُسِّيَ) .
وهو الذي فعله النبي ﷺ .
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَمِعُ قِرَاءَةَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: ﵀، لَقَدْ أَذْكَرَنِي آيَةً كُنْتُ أُنْسِيتُهَا) . رواه البخاري (٤٧٥١) ومسلم (٧٨٨) .
قال أبو العباس القرطبي – ﵀:
قوله في آخر الحديث: (بل هو نُسِّي) ، وهذا اللفظ رويناه مشدَّدًا مبنيًّا لما لم يسم فاعله، وقد سمعناه من بعض من لقيناه بالتخفيف، وبه ضُبِط عن أبي بحر، والتشديد لغيره، ولكل منهما وجهٌ صحيح، فعلى التشديد يكون معناه: أنه عوقب بتكثير النسيان عليه؛ لما تمادى في التفريط، وعلى التخفيف يكون معناه: تُرِك غير مُلْتَفَتٍ إليه، ولا مُعْتَنىً به، ولا مرحوم، كما قال الله تعالى: (نسوا الله فنسيهم) ؛ أي: تركهم في العذاب، أو تركهم من الرحمة.
" المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم " (٢ / ٤١٩) .
ثانياً:
وقد اختلف العلماء في حكم نسيان القرآن ممن كان حفظه، وقد ذهب طائفة من الشافعية إلى أنه من الكبائر! وقال بعضهم إنه من الذنوب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
فإن نسيان القرآن من الذنوب.
" مجموع الفتاوى " (١٣ / ٤٢٣) .
وقال الشيخ زكريا الأنصاري – ﵀:
(ونسيانه كبيرة) , وكذا نسيان شيء منه؛ لخبر (عُرضت عليَّ ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها) ، وخبر (من قرأ القرآن ثم نسيه لقي الله يوم القيامة أجذم) رواهما أبو داود) ا. هـ.
وفي حاشية " الرملي " عليه:
قوله: (ونسيانه كبيرة) موضعه إذا كان نسيانه تهاوناً وتكاسلاً.
" أسنى المطالب " (١ / ٦٤) .
والأظهر أن نسيان القرآن: ليس كبيرة، بل ولا ذنبا، ولكنه مصيبة، أو عقوبة، والغالب أن يكون هذا بسبب إعراضه عن العمل به، وعدم تعاهده، وقد أمِر بكلا الأمرين، فلما لم يستجب للأمر عوقب بما فيه سلب لخيرٍ عظيم، وقد يكون نسيانه له بسبب معاصٍ وذنوب، فيأثم عليها، ويعاقب بسلب القرآن منه، وأما إن كان نسيانه لما حفِظَ بسبب ضعفٍ في ذاكرته: فلا شيء عليه، لكن عليه المداومة على تنشيطها بكثرة القراءة، وبالقيام بما يحفظ؛ فإنه من أعظم السبل للبقاء على ما يحفظ.
١. من قال إن نسيان القرآن مصيبة:
قال الحافظ ابن حجر – ﵀:
وأخرج أبو عبيد من طريق الضحاك بن مزاحم موقوفاً قال: " ما مِن أحد تعلم القرآن ثم نسيه إلا بذنب أحدثه؛ لأن الله يقول: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) ، ونسيان القرآن من أعظم المصائب.
" فتح الباري " (٩ / ٨٦) .
٢. من قال إنه عقوبة:
قال الحافظ ابن حجر – ﵀:
قال أبو العباس القرطبي – ﵀:
مَن جمع القرآن: فقد علت رتبته، ومرتبته، وشرف في نفسه، وقومه شرفاً عظيماً، وكيف لا يكون ذلك و " من حفظ القرآن فكأنما أدرجت النبوة بين كتفيه " [قاله عبد الله بن عمرو بن العاص، وانظر " السلسلة الضعيفة " (٥١١٨) ] ، وقد صار ممن يقال فيه: " هو مِن أهلِ الله تعالى وخاصته " [رواه ابن ماجه (٢١٥) وهو صحيح] ، وإذا كان كذلك: فمِن المناسب تغليظ العقوبة على من أخلَّ بمزيته الدينية، ومؤاخذته بما لا يؤاخذ به غيره، كما قال تعالى: (يا نساء النبي من يأتِ منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين) ؛ لاسيما إذا كان ذلك الذنب مما يحط تلك المزية ويسقطها؛ لترك معاهدة القرآن المؤدي به إلى الرجوع إلى الجهالة.
" المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم " (٢ / ٤١٩) .
وبكل حال: فهي مصيبة أو عقوبة، لكن لا نجزم بالإثم لمجرد النسيان.
قال علماء اللجنة الدائمة:
فلا يليق بالحافظ له أن يغفل عن تلاوته، ولا أن يفرط في تعاهده، بل ينبغي أن يتخذ لنفسه منه ورداً يوميّاً يساعده على ضبطه، ويحول دون نسيانه؛ رجاء الأجر، والاستفادة من أحكامه، عقيدة، وعملاً، ولكن مَن حفظ شيئاً مِن القرآن ثم نسيه عن شغل، أو غفلة: ليس بآثم، وما ورد من الوعيد في نسيان ما قد حفظ: لم يصح عن النبي ﷺ .
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٤ / ٩٩) .
والظاهر أن من قال إن نسيان القرآن من الذنوب، أو الكبائر: قد استدل بحديثين وردا في ذلك – كما نقلناه عن زكريا الأنصاري -، لكن كلا الحديثين لا يصحان، فلا يصلح الاستدلال بهما.
١. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ آيَةٍ أُوتِيَهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا) .
رواه الترمذي (٢٩١٦) وضعفه، ونقل عن البخاري استغرابه، وأبو داود (٤٦١) ، وضعفه الألباني في " ضعيف الترمذي ".
٢. عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَا مِنْ امْرِئٍ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ثُمَّ يَنْسَاهُ إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَجْذَمَ) .
رواه أبو داود (١٤٧٤) وضعفه الألباني في " ضعيف أبي داود ".
والظاهر أن من قال إن النسيان كبيرة، أو أنه ذنب: لم يرِد ما يكون بسبب ضعف الذاكرة، بل ما كان النسيان بسبب التهاون، والكسل، كما صرَّح به الرملي الشافعي.
سئل الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين ﵀:
نحن طلاب العلم نحفظ الكثير من الآيات على سبيل الاستشهاد، وفي نهاية العام نكون قد نسينا الكثير منها، فهل ندخل في حكم من يعذبون بسبب نسيان م حفظوه؟ .
فأجاب:
نسيان القرآن له سببان:
الأول: ما تقتضيه الطبيعة.
والثاني: الإعراض عن القرآن، وعدم المبالاة به.
فالأول: لا يأثم به الإنسان، ولا يعاقب عليه، فقد وقع من رسول الله ﷺ حين صلى بالناس، ونسي آية، فلما انصرف ذكَّره بها أبيّ بن كعب، فقال له النبي ﷺ : (هلا كنت ذكرتنيها) ، وسمع رسول الله قارئاً يقرأ، فقال: (يرحم الله فلاناً فقد ذكرني آية كنت أنسيتها) .
وهذا يدل على أن النسيان الذي يكون بمقتضى الطبيعة: ليس فيه لوم على الإنسان.
أما ما سببه الإعراض، وعدم المبالاة: فهذا قد يأثم به، وبعض الناس يكيد له الشيطان، ويوسوس له أن لا يحفظ القرآن لئلا ينساه ويقع في الإثم! والله يقول: (فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً) النساء/ ٧٦، فليحفظ الإنسان القرآن؛ لأنه خير، وليؤمل عدم النسيان، والله سبحانه عند ظن عبده به.
" كتاب العلم " (٩٦، ٩٧) .
وما سبق من الجواب هو في " نسيان القرآن "، ولم نجد شيئاً من كلام العلماء في " نسيان أسماء الله الحسنى "، وليسا سواءً.
وانظر أجوبة الأسئلة: (٣٧٠٤) و (٨٣٢٨٧) و (١٢١٢٤٦) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1299
يريد معاونة في " الإعجاز العلمي " في القرآن ليستعمله في دعوة الكفار
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا مؤمن - بلا شك - أن القرآن الكريم الذي بين أيدينا اليوم هو نفسه الذي كان أُنزل على قلب النبي ﷺ ؛ لأن الله تعالى قال في كتابه العزيز: (إنّا نحن نزلنا الذِّكْر وإنّا له لحافظون) . أقول ذلك لأن عندي بعض الأصدقاء الكفرة، وأود أن أتكلم معهم في " فضائل الإسلام "، على أمل أن يسلموا، وإن أحد الأمور المهمة التي أريد طرحها لهم عن الإسلام هي عن معجزات القرآن الكريم , مثل أن أقول لهم: إن القرآن الكريم الذي بين أيدنا هو نفسه الذي كان قبل ١٤٢٩ سنة , فأقول لهم: إن القرآن الكريم يُثبت أنه لا يوجد تشابه بين بصمتين لأصبعين في العالم , وأقول لهم أيضا الكثير من العلوم الحديثة التي تم اكتشافها، مثل كروية الأرض، أنه قد أثبتها القرآن الكريم , والكثير من المعجزات. فكيف لي أن أُثبت أصالة القرآن الكريم لأنني أشعر أن أحدهم سيجادل ويقول: إن أحداً ما قد أدخل على القرآن مثل تلك الحقائق؟ . وجزاكم الله خيراً على الإجابة سلفاً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نشكر لك أخي السائل حرصك على الخير، وعلى هداية الناس لهذا الدين العظيم، ونبشرك أن ما تفعله هو من أجلِّ العبادات، والطاعات، وهو مما يميز هذه الأمة الخيِّرة، أن جعلها الله تعالى آمرة بالمعروف، وناهية عن المنكر، قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) آل عمران/ ١١٠.
فاستمر – بارك الله فيك – على نشر الخير في الأرض، وابذل ما تستطيع من جهد لهداية من ضل عن الطريق.
وفي الوقت نفسه ننبهك إلى ضرورة طلب العلم، والسعي في تحصيله؛ لأن ما تقوم به هو من مهمات الأنبياء، ولا بدَّ لمن قام بهذا الجهد أن يكون على دراية بما يتكلم به، وخاصة أنك تتكلم في شرع الله، وهو ما ينبغي التأني فيه حتى تتقن العلوم الشرعية، وخاصة المتعلقة بموضوع الدعوة، وهو المسائل العلمية في الإعجاز القرآني.
ثانياً:
ينبغي أن نتنبه في سياق الكلام عن " الإعجاز العلمي " في القرآن الكريم إلى أمور منهجية مهمة:
١. القرآن الكريم كتاب هداية، احتوى على ما يُصلح حال الفرد، والأسرة، والمجتمع، والدولة، وهو ليس كتاب " كيمياء "، أو " جيولوجيا "، أو " طب "، وما فيه من إشارات لعلوم الطبيعة لا ننكرها، لكن لا نعطيها أكبر من حجمها.
وإعجاز القرآن في أصله هو إعجاز لغوي، بياني، ومن هنا فقد تحداهم النبي صلى الله عليهم بالإتيان بمثله، فعجزوا، مع أنهم أهل فصاحة، وبيان.
٢. ينبغي التفريق بين " النظريات " و " الحقائق " في هذا الباب، فكثيراً ما يُخلط بينهما، فتُجعل النظريات حقائق ثابتة، فيحمل المتحمسون آيات القرآن عليها، ثم سرعان ما تُنقض بنظرية أخرى! فيقع في قلب المسلم من الشك والريب ما يكون سببه جهل من تكلم في هذا العلم، وخلط بين الأمور.
كما أنه توجد حقائق لا شك فيها، لكن ليس من اللازم أن يكون في القرآن حديث عنها بنفسها، ويأتي بعض المتحمسين ليتكلف حمل نصوص من القرآن أو السنة عليها، وقد نهينا عن التكلف.
٣. وللأخذ بما يقوله بعض العلماء المعاصرين بما تدل عليه بعض الآيات القرآنية من أوجه الإعجاز العلمي ينبغي مراعاة أمور:
أ. عدم الجزم بالنظريات العلمية على أنها حقائق علمية لا تقبل المناقشة.
ب. عدم الجزم بأن ما يقولونه هو تفسير للآية القرآنية، ولا هو بالمرجح بين الأقوال المختلفة فيها.
ج. يجب مطابقة المعنى المذكور للغة العربية؛ لأنها لغة القرآن.
د. أن يكون المتكلم في دلالة الآية من أصحاب العلم الشرعي.
هـ. أن لا يخالف المعنى المذكور آية، أو حديثاً صحيحاً، أو إجماعاً.
و. الابتعاد عن التكلف والتمحل في الاستنباط من الآية القرآنية.
انظر " التفسير العلمي للقرآن بين المجيزين والمانعين " للشيخ محمد الأمين ولد الشيخ.
ثالثاً:
وأما قولك في احتمال أن يزعم زاعم أنه ثمة من وضع هذه الأشياء في القرآن: فهو احتمال بعيد أن يلجأ إليه إنسان عاقل جاد في مناقشته؛ لأن وجود هذا الاحتمال مرفوض حتى عند أعداء الدين، وهم يعلمون قطعاً أن ما تلاه جبريل على النبي ﷺ ، وما تلاه النبي على أصحابه: هو الذي بين أيدينا الآن، ليس فيه حرف زائد، ولا ناقص، فلو أدخل أحد حرفاً فيه: لانكشف أمره، وافتُضح، وقد تكفل الله تعالى بحفظه، ولا نظن أنك قصدت أن أحداً من المتقدمين قد يكون هو الذي وضع مثل هذه الزيادات في القرآن؛ فبالإضافة لما ذكرناه من حفظ الله له من التحريف: فقد كان المتقدمون في غفلة وبُعد عن العلم التجريبي هذا، وعن اكتشافه بالأدوات والآلات المخترعة حديثاً.
ثم إن النسخ الخطية المكتوبة من قديم، محفوظة في مكتبات العالم، على صورة واحدة، وكتب التفسير القديمة محفوظة في مكتبات المشرق والمغرب، والعرب والعجم، وكلها تحتوي على تلك الآيات، بصورة واحدة. والمسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، عربهم وعجمهم، علماؤهم وعامتهم، يحفظون القرآن على هيئة واحدة. فقد تواتر نقل القرآن تواترا قطعيا، بما لم يتواتر به علم كتاب آخر، ولا كلام آخر، واللجوء إلى هذه السفسطة في الحوار، يعني أنه لا فائدة منه، ولا سبيل إلى الاقتناع بحقيقة، وبإمكان المناقش أن يرد عليها بنفس الرد في جميع ما يعتقده مخالفه من النصوص والكتب العلمية والدينية.
وانظر جواب السؤال رقم: (٥١٠٥) ففيه تفصيل إثبات القرآن، وعدم تعرضه للتحريف، والتبديل.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1300
هل يجوز له تعليم الأطفال القرآن مع أنه ليس من العلماء ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا شخص بفضل الله أستطيع أن أقرأ القرآن الكريم، وأقوم بتدريسه لولدي وابناء أختي؛ مع أنني لست عالما ولا شيخا؛ فهل يجوز لي ذلك؟ وما الأجر المترتب عليه؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
تعليم تلاوة القرآن الكريم التلاوة الصحيحة من أفضل الأعمال وأزكاها عند الله ، لأن القرآن كلام الله، صفة من صفاته، وهو سبحانه يحب أن يتعبد إليه المسلمون بصفاته.
ولذلك جاء في السنة النبوية الحديث المشهور الذي يحفظه الصغار والكبار، عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان ﵁ أن النبي ﷺ قال:
(خَيرُكُم مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ) .
قال: وأقرأ أبو عبد الرحمن في إمرة عثمان حتى كان الحجاج، قال: وذاك الذي أقعدني مقعدي هذا. رواه البخاري (٥٠٢٧)
قال الحافظ ابن حجر "فتح الباري" (٩/٩٦) :
" بين أول خلافة عثمان وآخر ولاية الحجاج اثنتان وسبعون سنة إلا ثلاثة أشهر " انتهى.
يدل هذا الحديث على الخيرية التي ينالها من يشتغل بتعليم الناس قراءة القرآن وتلاوته، والمقام الرفيع الذي يكتبه الله له، جزاء اشتغاله بصفة الله التي يعظمها وهي كلامه . ولذلك ورد عن سفيان الثوري أنه كان يقدم تعليم القرآن على الغزو لهذا الحديث. انظر " فتح الباري " (٨/٦٩٤)
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
" مِن أشرف العمل تعليم الغير، فمعلم غيره يستلزم أن يكون تعلمه، وتعليمه لغيره عمل وتحصيل نفع متعد، والقرآن أشرف العلوم، فيكون من تعلمه وعلمه لغيره أشرف ممن تعلم غير القرآن، ولا شك أن الجامع بين تعلم القرآن وتعليمه مكمِّلٌ لنفسه ولغيره، جامع بين النفع القاصر والنفع المتعدي، ولهذا كان أفضل، وهو من جملة مَنْ عنى بقوله: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) ، والدعاء إلى الله يقع بأمور شتى من جملتها تعليم القرآن، وهو أشرف الجميع " انتهى باختصار.
" فتح الباري " (٩/٧٦)
وقد ورد في القرآن الكريم حث خاص على الاشتغال بتعليم القرآن الكريم، وذلك في قوله تعالى:
(مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) آل عمران/٧٩.
وإن كان المقصود بتعليم الكتاب في الآية ليس تعليم التلاوة فقط، بل تفسيره وأحكامه وتعليم العمل به أيضا، غير أننا نرجو أن يدخل فيها أيضا من يعلم تلاوته وقراءته القراءة السليمة، فهي أول درجة من تعلم الكتاب والتفقه فيه.
وعلى كل حال ننصحك بلزوم ما بدأته من تعليم القرآن الكريم وإقرائه الصغار والكبار، بشرط أن تكون قد أتقنت أنت تلاوته وأحسنت قراءته، أو ـ على الأقل ـ أن تكون أتقنت قراءة القدر الذي تعلمه لهم.
وعليك ألا تخوض في تفسيره وبيان أحكامه حتى تدرسه وتصبح متقنا فيه، وبإمكانك، إن أحببت الوقوف معهم على بعض معانيه، أن تقرأ شيئا من كتب أهل العلم الثقات في ذلك الباب؛ مثل: تفسير الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، أو تفسير الحافظ ابن كثير، رحمهما الله.
أما إن اقتصرت على تعليم التلاوة السليمة، فذلك عمل عظيم مأجور عليه إن شاء الله، تسهم به في بناء الجيل الصالح، وتشارك في غرس القرآن الكريم في قلوب الناس، ولا يشترط لذلك أن تكون شيخا، يعني: متخصصا في ذلك، أو عالما في علوم الشريعة الأخرى.
قال الشيخ ابن باز ﵀:
" أنت على كل حال مشكور على هذا العمل الطيب , وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) ، فأنت مشكور على عملك , وأنت على أجر عظيم، ولا حرج عليك ما دمت مخلصا لله في عملك هذا " انتهى.
" مجموع فتاوى ابن باز " (٥/٣٨٧)
وانظر جواب السؤال رقم: (٣٦٠١) ، (٢٠٢٣) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1301
أوجه الاستعاذة والبسملة عند الانتقال بين أواسط السور
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي أوجه قراءة البسملة بين أواسط السور: كالانتقال من وسط سورة البقرة، ثم البسملة والانتقال إلى وسط سورة الحشر. هل هناك وجه وصل البسملة بالمقطع الأول بالبسملة مع المقطع الثالث، ما يسمى وصل الجميع، وما هي الأوجه الأخرى؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لم نقف – بعد البحث والتفتيش – على كلام لعلماء التجويد والقراءات في هذه المسألة الدقيقة، في شروح الشاطبية، والجزرية، والدرر اللوامع وغيرها، وهي مسألة أوجه الاستعاذة والبسملة عند الانتقال بين أواسط السور، وحينئذ فلا يمكننا إجابة السائل بأسماء المصادر والمراجع، غير أن الذي وجدناه لدى بعض المعاصرين المتخصصين في التجويد، هو النص على الانتقال بين أواسط السور من غير استعاذة ولا بسملة، وإنما بسكتة يسيرة.
يقول الشيخ حسام الكيلاني:
" ولا حاجة إلى الاستعاذة والبسملة عند الانتقال من سورة إلى بعض آيات من سورة أخرى ليس من أولها " انتهى.
" البيان في أحكام تجويد القرآن " (ص/٢٧) .
ويمكن الاستئناس بخطبة الحاجة التي كان النبي ﷺ يخطب بها ويعملها أصحابه لذلك القول؛ فقد كان النبي ﷺ يقرأ فيها مجموعة من الآيات الواردة في سور عدة، ولم يرد فيها ذكر الاستعاذة والبسملة.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود ﵁ قَالَ:
(عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خُطْبَةَ الْحَاجَةِ: إَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) ، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) ، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)) رواه أبو داود (رقم/٢١١٨) وصححه الشيخ الألباني في " صحيح أبي داود ".
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1302
هدي النبي ﷺ في قراءة القرآن
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد أن أعرف سنة الرسول ﷺ في قراءة القرآن.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سنة النبي ﷺ في القرآن هي العمل به، والتخلق بأخلاقه، والتأدب بآدابه، ودعوة الناس إليه، كما وصفته عائشة ﵂ بقولها: (إِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ كَانَ الْقُرْآنَ) رواه مسلم (٧٤٦) .
وهكذا يجب أن يكون هدي المسلم مع القرآن الكريم، السعي الدائم في العمل به والاهتداء بهداه، فهو نور من الله مبين، من تمسك به نجا، ومن اعتصم به هدي إلى صراط مستقيم.
وأما هديه ﷺ في تلاوة القرآن: فقد شرحه العلامة ابن قيم الجوزية ﵀ في كتابه العظيم " زاد المعاد "، جمع فيه الأحاديث الواردة في الموضوع، واختصرها في جمل وعبارات من عنده توضح المقصود، وهي كلها أحاديث صحيحة يمكن الرجوع إلى الكتاب نفسه محققا للتأكد منها، ونحن ننقل كلامه هنا اكتفاء به، خشية الإطالة على السائل والقارئ.
يقول العلامة ابن قيم الجوزية ﵀:
" فصل: في هديه ﷺ في قراءة القرآن، واستماعه، وخشوعه، وبكائه عند قراءته واستماعه، وتحسين صوته به، وتوابع ذلك.
كان له ﷺ حِزب يقرؤه ولا يُخِلُّ به، وكانت قراءتُه ترتيلاً لا هذَّا ولا عجلة، بل قِراءةً مفسَّرة حرفاً حرفاً، وكان يُقَطِّع قراءته آية آية، وكان يمدُّ عند حروف المد، فيمد (الرحمن) ، ويمد (الرحيم) ، وكان يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم في أول قراءته، فيقول: (أعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَجِيم) ، ورُبَّما كان يقول: (اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم من هَمْزِهِ ونَفْخِهِ، ونَفثِهِ) وكان تعوّذُه قبلَ القراءة، وكان يُحبُّ أن يسمع القراَنَ مِن غيره، وأمر عبد الله بن مسعود، فقرأ عليه وهو يسمع، وخَشَع ﷺ لسماع القرآن مِنه حتى ذرفت عيناه.
وكان يقرأ القراَن قائماً، وقاعداً، ومضطجعاً، ومتوضئاً، ومُحْدِثاً، ولم يكن يمنعه من قِراءته إلا الجنابة.
وكان ﷺ يتغنَّى به، ويُرجِّع صوتَه به أحياناً كما رجَّع يوم الفتح في قراءته: (إنَّا فتَحْنَا لَكَ فَتْحَاً مُبِيناً) الفتح/١.
وحكى عبد الله بن مغفَّل ترجِيعَه، آاآ ثلاث مرات، ذكره البخاري، وإذا جمعت هذه الأحاديثَ إلى قوله: (زَيِّنُوا القُرآن بأصْواتِكُم) ، وقوله: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآن) ، وقوله: (ما أَذِنَ اللهُ لِشَيء، كأَذَنِهِ لِنَبيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالقُرْان) ، علمت أن هذا الترجيعَ منه ﷺ كان اختياراً لا اضطراراً لهزِّ الناقة له، فإن هذا لو كان لأجل هزِّ الناقة لما كان داخلاً تحت الاختيار، فلم يكن عبدُ الله بن مغفَّل يحكيه ويفعلُه اختياراً لِيُؤتسى به، وهو يرى هزَّ الراحلة له حتى ينقطع صوتُه ثم يقول: (كان يُرجِّعُ في قراءته) فنسب التَّرجيع إلى فعله. ولو كان مِن هزِّ الراحلة، لم يكن منه فعل يسمى ترجيعاً " انتهى.
" زاد المعاد " (١/٤٨٢-٤٨٤) .
وقد ذكر الإمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجري ﵀، في كتابه النافع "أخلاق حملة القرآن"، بابا في (أدب القراء عند تلاوتهم القرآن مما لا ينبغي لهم جهله) ، لخص فيه جملة من آداب قارئ القرآن، من أدب السنة، وهدي السلف، فقال ﵀:
" وأحب لمن أراد قراءة القرآن، من ليل أو نهار أن يتطهر، وأن يستاك، وذلك تعظيم للقرآن؛ لأنه يتلو كلام الرب ؛ وذلك أن الملائكة تدنو منه عند تلاوته للقرآن، ويدنو منه الملك، فإن كان متسوكا وضع فاه على فيه، فكلما قرأ آية أخذها الملك بفيه، وإن لم يكن تسوك تباعد منه؛ فلا ينبغي لكم يا أهل القرآن أن تباعدوا منكم الملك، استعملوا الأدب، فما منكم من أحد إلا وهو يكره إذا لم يتسوك أيجالس إخوانه.
وأحب أن يكثر القراءة في المصحف لفضل من قرأ في المصحف، ولا ينبغي له أن يحمل المصحف إلا وهو طاهر، فإن أحب أن يقرأ في المصحف على غير طهارة فلا بأس، ولكن لا يمسه، ولكن يصفح المصحف بشيء، ولا يمسه إلا طاهرا.
وينبغي للقارئ إذا كان يقرأ فخرجت منه ريح أمسك عن القراءة، حتى تنقضي الريح، ثم إن أحب أن يتوضأ ثم يقرأ طاهرا فهو أفضل، وإن قرأ غير طاهر فلا بأس منه.
وإذا تثاءب وهو يقرأ، أمسك عن القراءة حتى ينقضي التثاؤب ...
وأحب للقارئ أن يأخذ نفسه بسجود القرآن كلما مر بسجدة سجد فيها، وفي القرآن خمس عشرة سجدة، وقد قيل: أربع عشرة، وقد قيل: إحدى عشرة سجدة، والذي أختار له أن يسجد كلما مرت به سجدة؛ فإنه يرضي ربه ويغيظ عدوه الشيطان. روي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار» [رواه مسلم في صحيحه (٨١) ] ...
وأحب لمن كان جالسا يقرأ أن يستقبل بوجهه القبلة، إذا أمكن ...
وأحب لمن تلا القرآن أن يقرأه بحزن، ويبكي إن قدر، فإن لم يقدر تباكى.
وأحب له أن يتفكر في تلاوته، ويتدبر ما يتلوه، ويستعمل غض الطرف عما يلهي القلوب، ولو ترك كل شيء حتى ينقضي درسه كان أحب إلي؛ ليحضر فهمه، فلا يشتغل بغير كلام مولاه.
وأحب إذا درس فمرت به آية رحمة سأل مولاه الكريم، وإذا مرت به آية عذاب استعاذ بالله من النار، وإذا مر بآية تنزيه لله عما قال أهل الكذب سبح الله وعظمه. وإذا كان يقرأ فأدركه النعاس، فحكمه أن يقطع القرآن حتى يرقد، حتى يقرأه وهو يعقل ما يتلو.. "
وذكر ﵀ طرفا من الآثار التي تشهد لما ذكره، ثم قال في آخر الفصل:
" جميع ما ذكرته ينبغي لأهل القرآن أن يتأدبوا به ولا يغفلوا عنه، فإذا انصرفوا عن تلاوة القرآن: اعتبروا نفوسهم بالمحاسبة لها:
فإن تبينوا منها قبول ما ندبهم إليه مولاهم الكريم،مما هو واجب عليهم من أداء فرائضه، واجتناب محارمه: حمدوه في ذلك، وشكروا الله على ما وفقهم له.
وإن علموا أن النفوس معرضة عما ندبهم إليه مولاهم الكريم، قليلة الاكتراث به، استغفروا الله من تقصيرهم، وسألوه النُّقلة من هذه الحال التي لا تحسن بأهل القرآن، ولا يرضاها لهم مولاهم، إلى حال يرضاها، فإنه لا يقطع من لجأ إليه.
ومن كانت هذه حاله وجد منفعة تلاوة القرآن في جميع أموره
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1303
حكم الرجوع إلى سورة الفاتحة وأوائل البقرة بعد ختم القرآن
[السُّؤَالُ]
ـ[هناك بعض النساء يجتمعن لتدارس تفسير القرآن، وعندما ينتهين من قراءة المصحف فإنهن يبدأن بالفاتحة، وبداية سورة البقرة، من أجل تبيين أن القراءة متواصلة، وأن القرآن لا ينتهي، فما رأيكم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
اختلف العلماء في حكم ما يعتاده كثير من القراء عند ختم المصحف من الشروع في ختمة جديدة، وذلك بالرجوع إلى سورة الفاتحة وقراءتها مع الآيات الخمس الأول من سورة البقرة فقط، فكان خلافهم على قولين اثنين:
القول الأول: مشروعية ذلك العمل، واستحبابه. وهو ما ذهب إليه القراء ونص عليه بعض العلماء،
واستُدِل لهذا القول بأدلة، منها:
الدليل الأول: حديث عن عبد الله بن عباس، عن أبي بن كعب، عن النبي ﷺ :
أنه كان إذا قرأ: (قل أعوذ برب الناس) افتتح من الحمد، ثم قرأ من البقرة إلى: (وأولئك هم المفلحون) ، ثم دعاء بدعاء الختمة، ثم قام.
رواه الدارمي – كما عزاه إليه السيوطي في " الإتقان " (١/٢٩٥) وقال بسند حسن -، والحافظ أبو عمرو الداني، والحافظ أبو العلاء الهمذاني – كما نقل عنهما ابن الجزري في " النشر " (٦٨٨-٦٩٤) ، والحسن بن علي الجوهري في " فوائد منتقاة " (٢/٢٩) ، جميعهم من طريق:
العباس بن أحمد البرتي، ثنا عبد الوهاب بن فليح المكي، ثنا عبد الملك بن عبد الله بن شعوة، عن خاله وهب بن زمعة بن صالح، عن زمعة بن صالح، عن عبد الله بن كثير، عن درباس مولى ابن عباس وعن مجاهد، عن عبد الله بن عباس، عن أبي بن كعب، عن النبي ﷺ به.
قال الشيخ الألباني ﵀:
" هذا إسناد ضعيف؛ وله علتان:
الأولى: أن مداره على زمعة بن صالح، قال الذهبي في " الكاشف ": " ضعفه أحمد، قرنه مسلم بآخر ". وقال الحافظ في "التقريب": " ضعيف، وحديثه عند مسلم مقرون ".
والأخرى: الاضطراب في إسناده عليه على وجهين: الأول: هذا: عن درباس وعن مجاهد؛ قرنه معه.
الثاني: عن درباس وحده؛ لم يذكر مجاهداً معه. وقد ساق ابن الجزري في "النشر" (٢/ ٤٢٠ - ٤٢٥) الأسانيد بذلك.
وفي رواية له عن وهب بن زمعة بن صالح عن عبد الله بن كثير عن درباس عن عبد الله بن عباس ... به مرفوعاً؛ لم يذكر في إسناده زمعة.
وقال عَقِبَه: "حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسناده حسن؛ إلا أن الحافظ أبا الشيخ الأصبهاني وأبا بكر الزينبي روياه عن وهب عن أبيه زمعة ... ، وهو الصواب ".
فأقول: هذا التصويب صواب؛ لأنه عليه أكثر الروايات، وعليه فلا وجه لتحسين إسناده؛ لأن مداره على - زمعة بن صالح الضعيف - كما تقدم -.
وكيف يكون حسناً وفيه درباس مولى ابن عباس، وَهُوَ مَجْهُولٌ - كما قال أبو حاتم، وتبعه الذهبي والعسقلاني -؟! نعم قد قُرِنَ به مجاهد في بعض الروايات - كما في رواية الجوهري وغيره -، فإن كان محفوظاً؛ فالعلة واحدة وهي زمعة. والله أعلم " انتهى.
" السلسلة الضعيفة " (رقم/٦١٣٤)
الدليل الثاني: حديث مرفوع جاء فيه:
(قال رجل: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: الْحَالُّ الْمُرْتَحِلُ. قَالَ: وَمَا الْحَالُّ الْمُرْتَحِلُ؟ قَالَ: الَّذِي يَضْرِبُ مِنْ أَوَّلِ الْقُرْآنِ إِلَى آخِرِهِ كُلَّمَا حَلَّ ارْتَحَلَ)
وقد وي هذا الحديث على وجهين:
١- مسندا متصلا: من طريق صالح المري، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن ابن عباس به. رواه عن صالح المري على هذا الوجه الهيثم بن الربيع – كما عند الترمذي (رقم/٢٩٤٨) -، وعمرو بن عاصم – كما عند البزار (٢/٢١٣) -، وعاصم الكلابي، وعمرو بن مرزوق، وزيد بن الحباب في " المستدرك " (١/٧٥٧) ، وإبراهيم بن أبي سويد الذارع – كما في " معجم الطبراني " (١٢/١٦٨) -
٢- مرسلا من طريق صالح المري، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن النبي ﷺ ، من غير ذكر ابن عباس. رواه عن صالح المري على هذا الوجه مسلم بن إبراهيم، كما عند الترمذي (رقم/٢٩٤٨) . وإسحاق بن عيسى – كما عند الدارمي (٢/٥٦٠) -، وعبد الله بن معاوية الجمحي – كما في " النشر " لابن الجزري (ص/٦٩٩) -، وقد رجح الترمذي رواية من أرسله فقال: " هذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث ابن عباس إلا من هذا الوجه وإسناده ليس بالقوي ... وهذا – يعني المرسل - عندي أصح من حديث نصر بن علي عن الهيثم بن الربيع " انتهى.
وله شاهد مرفوع من حديث أبي هريرة يرويه الحاكم في " المستدرك " (١/٧٥٨) وفيه مقدام بن داود ضعيف الحديث، انظر: " لسان الميزان " (٦/٨٤) ، وله شاهد آخر من رواية زيد بن أسلم عن النبي ﷺ مرسلا، أسنده أبو عمرو الداني – كما في " النشر " (ص/٧٠٠) -.
وقد ضعف هذا الحديث جمع من أهل العلم، منهم: راويه الإمام الترمذي، والحافظ ابن حجر – كما في " الفتوحات الربانية " (٣/٢٤٨) -، وكذا الشيخ الألباني في " السلسلة الضعفة " (رقم/١٨٣٤) .
الدليل الثالث: عمل السلف الصالحين، ونقل هذه السنة من عادتهم.
قالابن الجزري ﵀:
" روى الحافظ أبو عمرو أيضا بإسناد صحيح عن الأعمش، عن إبراهيم قال: كانوا يستحبون إذا ختموا القرآن أن يقرؤوا من أوله آيات. وهذا صريح في صحة ما اختاره القراء وذهب إليه السلف " انتهى.
" النشر " (٢/٤٤٩) (ص/٧٠٣)
وقال الحافظ أبو عمرو الداني:
" لابن كثير – يعني المقرئ المشهور - في فعله هذا دلائل من آثار مروية ورد التوقيف فيها عن النبي ﷺ ، وأخبار مشهورة مستفيضة جاءت عن الصحابة والتابعين والخالفين " انتهى.
نقلا عن " النشر في القراءات العشر " لابن الجزري (ص/٦٨٨)
الدليل الرابع: عمل المسلمين بهذه السنة في الأمصار عامة.
قال ابن الجزري ﵀:
" وصار العمل على هذا في أمصار المسلمين في قراءة ابن كثير وغيرها، وقراءة العرض وغيرها، حتى لا يكاد أحد يختم ختمة إلا ويشرع في الأخرى، سواء ختم ما شرع فيه أو لم يختمه، نوى ختمها أو لم ينوه، بل جعل ذلك عندهم من سنة الختم، ويسمون من يفعل هذا " الحال المرتحل "، أي الذي حل في قراءته آخر الختمة، وارتحل إلى ختمة أخرى " انتهى.
" النشر " (ص/٦٩٤) .
وقال النووي ﵀:
" يستحب إذا فرغ من الختمة أن يشرع في أخرى عقيب الختمة؛ فقد استحبه السلف والخلف، واحتجوا فيه بحديث أنس ﵁ ... " انتهى.
"التبيان في آداب حملة القرآن" (ص/١١٠) .
وقال السيوطي ﵀:
" يسن إذا فرغ من الختمة أن يشرع في أخرى عقب الختم لحديث الترمذي وغيره ... " انتهى.
" الإتقان " (١/٢٩٥) ، وانظر: " سنن القراء ومناهج المجودين " (ص/٢٢٧)
القول الثاني: المنع وعدم الاستحباب، نص عليه الإمام أحمد ﵀.
ووجه ذلك القول عدم ورود ذلك الفعل عن النبي ﷺ ، فقد كان ﷺ يعرض القرآن على جبريل في كل عام مرة، وعرضه مرتين في العام الذي توفي فيه، ولم ينقل لنا أحد شيئا عن هذه السنة المتبعة اليوم.
قال ابن قدامة ﵀:
" قال أبو طالب: سألت أحمد إذا قرأ: (قل أعوذ برب الناس) يقرأ من البقرة شيئا؟ قال: لا. فلم يستحب أن يصل ختمته بقراءة شيء، ولعله لم يثبت فيه عنده أثر صحيح يصير إليه " انتهى.
" المغني " (١/٨٣٨)
وجاء في " الفروع " (١/٥٥٤) :
" ولا يقرأ الفاتحة وخمسا من البقرة نص عليه، قال الآمدي: يعني قبل الدعاء، وقيل يستحب " انتهى.
وقال ابن مفلح في " الآداب الشرعية " (٢/٣١٦) :
" إذا فرغ من قراءة الناس لم يزد الفاتحة وخمسا من البقرة، نص عليه، وذلك إلى قوله: (وأولئك هم المفلحون) قال في الشرح: ولعله لم يثبت فيه عنده أثر صحيح، وقيل: يجوز بعد الدعاء، وقيل: يستحب.
قال القاضي بعد ذكره لمعنى هذا الخبر من حديث أنس رواه ابن أبي داود – يعني حديث الحال المرتحل - قال: وظاهر هذا أنه يستحب ذلك، والجواب أن المراد به الحث على تكرار الختم ختمة بعد ختمة، وليس في هذا ما يدل على أن الدعاء لا يتعقب الختمة " انتهى.
وقال الإمام ابن القيم ﵀:
" وفَهِمَ بعضهم من هذا: أنه كلما فرغ من ختم القرآن؛ قرأ فاتحة الكتاب، وثلاث آيات من سورة البقرة؛ لأنه حل بالفراغ، وارتحل بالشروع!
وهذا لم يفعله أحد من الصحابة، ولا التابعين، ولا استحبه أحد من الأئمة ...
وقد جاء تفسير الحديث متصلا به: أن يضرب من أول القرآن إلى آخره كلما حل ارتحل. وهذا له معنيان: أحدهما: أنه كلما حل من سورة أو جزء ارتحل في غيره. والثاني: أنه كلما حل من ختمة ارتحل في أخرى " انتهى.
" إعلام الموقعين " (٤/٣٠٦)
والقول الثاني أظهر من حيث الأدلة، إن شاء الله، لعدم ثبوت دليل على استحباب مثل ذلك، بل ظاهر السنة خلافه، كما تقدم بيانه، وقد سبق اختيار هذا القول في جواب رقم: (١٢٠٣٢)
على أننا ننبه ـ هنا ـ إلى أن المسألة، رغم ما رجحناه، هي مسألة اجتهادية، وليست من المسائل القطعية؛ فمن صح عنده أن السلف كانوا يفعلون ذلك، أو اعتقد صحة الحديث الوارد فيه: فإنه لا يبدع ولا يضلل؛ بل لا ينكر عليه.
وهكذا من ترجح عند القول الذي اخترناه، فإنه لا ينكر عليه؛ بل إن الإمام ابن الجزري، ﵀، وهو من القائلين بمشروعية ذلك، يقول:
" وعلى كل تقدير فلا نقول: إن ذلك لازم كل قارئ، بل نقول كما قال أئمتنا فارس بن أحمد وغيره: من فعله فحسن، ومن لم يفعله فلا حرج عليه " انتهى.
" النشر " (ص/٧٠٤)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1304
تحريم قراءة القرآن بأجرة
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم قراءة القرآن للناس بأجرة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"إن كان المقصود تعليم القرآن للناس وتحفيظهم إياه فلا حرج في أخذ الأجرة على ذلك في أصح قولي العلماء، للحديث الصحيح في القراءة على اللديغ بشرط أجرة معلومة، ولقوله ﷺ ، في الحديث نفسه: (إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله) أخرجه البخاري ﵀ في صحيحه.
أما إن كان المراد أخذ الأجرة على مجرد التلاوة في أي مناسبة فهذا لا يجوز أخذ الأجرة عليه.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه لا يعلم نزاعا بين أهل العلم في تحريم ذلك" انتهى.
"مجموع فتاوى الشيخ ابن باز" (٢١/٢١١) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1305
جمع عثمان ﵁ المصحف على حرف واحد
[السُّؤَالُ]
ـ[هل صحيح أن عثمان ﵁ عندما جمع القرآن في مصحف واحد حذف بعض الأحرف أم أنه أثبت بعض القراءات دون بعض؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"ثبت عن رسول الله ﷺ قوله: (إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه) . وقال المحققون من أهل العلم: إنها متقاربة في المعنى مختلفة في الألفاظ.
وعثمان ﵁ لما بلغه اختلاف الناس وجاءه حذيفة ﵁ وقال: أدرك الناس. استشار الصحابة الموجودين في زمانه كعلي وطلحة والزبير وغيرهم فأشاروا بجمع القرآن على حرف واحد حتى لا يختلف الناس، فجمعه ﵁ , وكَوَّن لجنة رباعية لهذا , ويرأسهم زيد بن ثابت ﵁ , فجمعوا القرآن على حرف واحد وكتبه ووزعه في الأقاليم حتى يعتمده الناس وحتى ينقطع النزاع.
أما القراءات السبع أو القراءات العشر فهي موجودة في نفس ما جمعه عثمان ﵁ في زيادة حرف أو نقص حرف أو مد أو شكل للقرآن , كل هذا داخل في الحرف الواحد الذي جمعه عثمان ﵁. والمقصود من ذلك حفظ كلام الله ومنع الناس من الاختلاف الذي قد يضرهم ويسبب الفتنة بينهم. والله جل وعلا لم يوجب القراءة بالأحرف السبعة ; بل قال النبي ﷺ : (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ) فجمع الناس على حرف واحد عمل طيب، ويشكر عليه عثمان والصحابة ﵃ وأرضاهم، لما فيه من التيسير والتسهيل، وحسم مادة الخلاف بين المسلمين" انتهى.
"مجموع فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز" (٩/٣٦٢) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1306
تحريم أخذ أجرة على تلاوة القرآن الكريم
[السُّؤَالُ]
ـ[نشاهد في كثير من بلاد المسلمين استئجار قارئ يقرأ القرآن، فهل يجوز للقارئ أن يأخذ أجرا على قراءته، وهل يأثم من يدفع له الأجر على ذلك؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"قراءة القرآن عبادة محضة، وقربة يتقرب بها العبد إلى ربه، والأصل فيها وفي أمثالها من العبادات المحضة أن يفعلها المسلم ابتغاء مرضاة الله، وطلبا للمثوبة عنده، لا يبتغي بها من المخلوق جزاء ولا شكورا، ولهذا لم يعرف عن السلف الصالح استئجار قوم يقرؤون القرآن للأموات أو في ولائم أو حفلات، ولم يؤثر عن أحد من أئمة الدين أنه أمر بذلك أو رخص فيه، ولم يعرف أيضا عن أحد منهم أنه أخذ أجرة على تلاوة القرآن، بل كانوا يتلونه رغبة فيما عند الله سبحانه، وقد أمر النبي ﷺ من قرأ القرآن أن يسأل الله به، وحذر من سؤال الناس، روى الترمذي في سننه عن عمران بن حصين أنه مر على قارئ يقرأ ثم سأل؛ فاسترجع ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من قرأ القرآن فليسأل الله به، فإنه سيجيء أقوام يقرؤن القرآن يسألون به الناس) .
وأما أخذ الأجرة على تعليمه أو الرقية به ونحو ذلك مما نفعه متعدِّ لغير القارئ فقد دلت الأحاديث الصحيحة على جوازه؛ لحديث أبي سعيد في أخذه قطيعا من الغنم جُعْلاً (يعني: أجرة) على رقية اللديغ، الذي رقاه بسورة الفاتحة، وحديث سهل في تزويج النبي ﷺ امرأة لرجل بتعليمه إياها ما معه من القرآن، فمن أخذ أجرا على نفس التلاوة أو استأجر جماعة لتلاوة القرآن فهو مخالف للسنة، ولما أجمع عليه السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن منيع، الشيخ عبد الله بن غديان.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (٩/٤٠) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1307
قراءة القرآن للمستلقي على السرير
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم قراءة القرآن من المصحف في أثناء الاستلقاء على السرير للشخص الذي لا يعاني من أي مشاكل صحية وجسدية؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا حرج في قراءة القرآن من المصحف والإنسان مستلقي.
وقد روى البخاري (٧٥٤٩) ومسلم (٣٠١) أن النبي ﷺ كان يتكئ في حجر عائشة ويقرأ القرآن.
قال النووي ﵀ في "شرح صحيح مسلم":
"فيه جواز قراءة القرآن مضطجعا ومتكئاً" انتهى.
وقال الشيخ صالح الفوزان:
"قراءة القرآن من المضطجع لا بأس بها سواء كان مضطجعًا على السرير أو على الأرض. لا بأس بذلك فيتلو الإنسان القرآن على أي حال كان. قائمًا أو قاعدًا أو مضطجعًا. وسواء كان متوضئًا أو محدثًا حدثًا أصغر. إذا كانت القراءة عن ظهر قلب. أما إذا كانت القراءة من المصحف فإن المحدث لا يجوز له مس المصحف حتى يتوضأ" انتهى.
"المنتقى من فتاوى الفوزان".
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1308
عقيدة السلف في القرآن الكريم
[السُّؤَالُ]
ـ[نود أن نعرف عقيدة السلف في القرآن الكريم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" عقيدة السلف في القرآن الكريم كعقيدتهم في سائر أسماء الله وصفاته، وهي عقيدة مبنية على ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وكلنا يعلم أن الله وصف القرآن الكريم بأنه كلامه، وأنه منزل من عنده، قال تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) التوبة/٦، والمراد بلا ريب بكلام الله هنا القرآن الكريم، وقال تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) النمل/٧٦، فالقرآن كلام الله تعالى لفظاً ومعنىً، تكلم الله به حقيقة، وألقاه إلى جبريل الأمين، ثم نزل به جبريل على قلب النبي ﷺ ليكون من المنذرين، بلسان عربي مبين.
ويعتقد السلف أن القرآن منزل، نزله الله على محمد ﷺ منجماً، أي: مفرقاً، في ثلاث وعشرين سنة حسب ما تقتضيه حكمة الله .
ثم إن النزول يكون ابتدائياً، ويكون سببياً، بمعنى: أن بعضه ينزل لسبب معين اقتضى نزوله، وبعضه ينزل بغير سبب، وبعضه ينزل في حكاية حال مضت للنبي ﷺ وأصحابه، وبعضه ينزل في أحكام شرعية ابتدائية على حسب ما ذكره أهل العلم في هذا الباب.
ثم إن السلف يقولون: إن القرآن من عند الله ابتداءً وإليه يعود في آخر الزمان، هذا قول السلف في القرآن الكريم.
ولا يخفى علينا أن الله تعالى وصف القرآن الكريم بأوصاف عظيمة، وصفه بأنه حكيم، وبأنه كريم، وبأنه عظيم، وبأنه مجيد، وهذه الأوصاف التي وصف الله بها كلامه تكون لمن تمسك بهذا الكتاب، وعمل به ظاهراً وباطناً، فإن الله تعالى يجعل له من المجد، والعظمة، والحكمة، والعزة، والسلطان، ما لا يكون لمن لم يتمسك بكتاب الله ، ولهذا أدعو من هذا المنبر جميع المسلمين حكاما ًومحكومين، علماء وعامة إلى التمسك بكتاب الله ظاهراً وباطناً، حتى تكون لهم العزة، والسعادة، والمجد، والظهور في مشارق الأرض ومغاربها " انتهى.
فضيلة الشيخ ابن عثيمين ﵀.
"فتاوى كبار علماء الأمة" ص (٤٥) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1309
هل تغيير الراديو من القرآن إلى الأخبار يعتبر إعراضاً عن سماع القرآن ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أثناء السير بالسيارة أو الجلوس بالمنزل كثيراً ما نسمع آيات القرآن الكريم تتلى، ولكن يكون الإنسان في حاجة إلى استماع شيء آخر مثل الأخبار أو قراءة الجريدة، فهل إقفال الراديو أو غيره لغرض استماع الأخبار أو قراءة الصحف يعتبر إعراضاً عن ذكر الله، وما هو الحل في مثل ذلك؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" لا حرج من سماع الأخبار وقراءة الصحف بدلاً من فتح الإذاعة على القرآن؛ لأن كل شيء له وقته، ولا يتضمن ذلك الإعراض عن القرآن ولا هجره إذا كان للمؤمن أوقات أخرى يقرأ فيها القرآن أو يستمع فيها إذاعة القرآن.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم " انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... الشيخ عبد الرزاق عفيفي ... الشيخ عبد الله بن غديان ... الشيخ عبد الله بن قعود.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (٤/١٠٣) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1310
تفسير قوله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا)
[السُّؤَالُ]
ـ[قال الله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) وهذا يعني أنه سبحانه ألزم نفسه بنفسه إطعام كل ما يدب على هذه الأرض من إنسان أو حيوان أو حشرات إلخ، فبماذا نفسر المجاعة التي تجتاح بعض بلدان قارة أفريقيا وغيرها؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"الآية على ظاهرها، وما يُقَدِّر الله سبحانه من الكوارث والمجاعات لا تضر إلا من تم أجله، وانقطع رزقه، أما من كان قد بقي له حياة أو رزق فإن الله يسوق له رزقه من طرق كثيرة، قد يعلمها وقد لا يعلمها، لقوله سبحانه: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) وقوله: (وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ) ، وقول النبي ﷺ : (لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها) .
وقد يعاقب الإنسان بالفقر وحرمان الرزق لأسباب فعلها من كسل وتعطيل للأسباب التي يقدر عليها، أو لفعله المعاصي التي نهاه الله عنها، كما قال الله سبحانه: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) . وقال : (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) ، وصح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه) رواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة بإسناد جيد.
وقد يبتلى العبد بالفقر والمرض وغيرهما من المصائب لاختبار شكره وصبره لقول الله سبحانه: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) وقوله : (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) والمراد بالحسنات في هذه الآية: النعم، وبالسيئات: المصائب. وقول النبي ﷺ : (عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه.
والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. وبالله التوفيق" انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (٢٤/٢٤١) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1311
تفسير قوله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)
[السُّؤَالُ]
ـ[ما تفسير قول الله ﵎ في سورة الرعد: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"الآية الكريمة آية عظيمة تدل على أن الله ﵎ بكمال عدله وكمال حكمته لا يُغير ما بقوم من خير إلى شر، ومن شر إلى خير، ومن رخاء إلى شدة، ومن شدة إلى رخاء حتى يغيروا ما بأنفسهم، فإذا كانوا في صلاح واستقامةَ وغَيّروا غَيَّر الله عليهم بالعقوبات والنكبات والشدائد والجدب والقحط، والتفرق وغير هذا من أنواع العقوبات جزاء وفاقا، قال سبحانه: (وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ) .
وقد يمهلهم سبحانه ويملي لهم ويستدرجهم لعلهم يرجعون، ثم يؤخذون على غرة، كما قال سبحانه: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) يعني آيسون من كل خير، نعوذ بالله من عذاب الله ونقمته، وقد يؤجلون إلى يوم القيامة فيكون عذابهم أشد، كما قال سبحانه: (وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ) والمعنى: أنهم يؤجلون ويمهلون إلى ما بعد الموت، فيكون ذلك أعظم في العقوبة وأشد نقمة.
وقد يكونون في شر وبلاء ومعاصٍ ثم يتوبون إلى الله ويرجعون إليه ويندمون ويستقيمون على الطاعة فيغير الله ما بهم من بؤس وفرقة، ومن شدة وفقر إلى رخاء ونعمة واجتماع كلمة وصلاح حال بأسباب أعمالهم الطيبة وتوبتهم إلى الله ، وقد جاء في الآية الأخرى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) فهذه الآية تبين لنا أنهم إذا كانوا في نعمة ورخاء وخير ثم غيروا بالمعاصي غير عليهم - ولا حول ولا قوة إلا بالله - وقد يمهلون كما تقدم، والعكس كذلك: إذا كانوا في سوء ومعاص، أو كفر وضلال ثم تابوا وندموا واستقاموا على طاعة الله غيَّر الله حالهم من الحالة السيئة إلى الحالة الحسنة، غَيَّر تفرقهم إلى اجتماع ووئام، وغَيَّر شدتهم إلى نعمة وعافية ورخاء، وغَيَّر حالهم من جدب وقحط وقلة مياه ونحو ذلك إلى إنزال الغيث ونبات الأرض وغير ذلك من أنواع الخير" انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (٢٤/٢٤٩-٢٥١) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1312
حكم المساجلة بآيات القرآن الكريم
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم المساجلة بآيات القرآن الكريم من أجل تذكار آيات القرآن الكريم وملئ الوقت بشيء مفيد، وليس المقصود امتهان آيات الله تعالى.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا حرج في استعمال الوسائل المعينة على حفظ وإتقان القرآن الكريم، كالمسابقات، واختبار الحفاظ، والعناية بالمتشابهات، بل ذلك من الأمور المستحبة، لما فيها من تثبيت الحفظ وتقويته والإعانة عليه.
ويدخل في ذلك ما يسمى بالمساجلات، بأن تتلى على الحافظ آية، ثم يطلب منه أن يأتي بآية تبدأ بالحرف الذي ختمت به تلك الآية.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1313
ما سر العدد ٧ ومضاعفاته في القرآن الكريم والسنة النبوية ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما سر العدد ٧ ومضاعفاته في القرآن والحديث]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا شك أن القرآن معجز، وأن أوجه إعجازه كثيرة , فمنها: الإعجاز البياني , والإعجاز التشريعي , والإعجاز الغيبي , وغير ذلك , وأن تحديه للإنس والجن أن يأتوا بمثله ما زال موجودا، قال الله تعالى: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) الإسراء/٨٨.
وقد تعرض ابن القيم ﵀ في كتابه "زاد المعاد في هدى خير العباد" (٤/٩٠) للعدد سبعة عند كلامه على حديث الصحيحين: (من تصبح بسبع تمرات من تمر العالية لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر) فقال: وأما خاصية السبع فإنها وقعت قَدَراً وشرعاً، فخلق الله السموات سبعا، والأرضين سبعا، والأيام سبعا، والإنسان كمل خلقه في سبعة أطوار، وشرع الله لعباده الطواف سبعا، والسعي بين الصفا والمروة سبعا، ورمي الجمار سبعا سبعا، وتكبيرات العيدين سبعا في الأولى، وقال ﷺ : (مروهم بالصلاة لسبع) وإذا صار للغلام سبعُ سنين خُيِّر بين أبويه في رواية، وفى رواية أخرى: أبوه أحق به من أمه وفى ثالثة: أمه أحق به، وأمر النبي ﷺ في مرضه أن يصب عليه من سبع قرب، وسخَّر الله الريح على قوم عاد سبع ليال، ودعا النبي ﷺ أن يعينه الله على قومه بسبع كسبع يوسف، -أي سبع سنوات من الجدب - ومَثَّل الله سبحانه ما يضاعف به صدقة المتصدق بحبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، والسنابل التي رآها صاحب يوسف سبعا، والسنين التي زرعوها سبعا، وتضاعف الصدقة إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ويدخل الجنة من هذه الأمة بغير حساب سبعون ألفا.
ثم عَلَّق ابن القيم قائلا: فلا ريب أن لهذا العدد خاصية ليست لغيره، والسبعة جمعت معاني العدد كله وخواصه، فإن العدد شفع ووتر، والشفع أول وثان، والوتر كذلك، فهذه أربعة مراتب، شفع أول وثان، ووتر أول وثان، ولا تجتمع هذه المراتب فى أقل من سبعة، وهى عدد كامل جامع لمراتب العدد الأربعة، ثم قال: والله تعالى أعلم بحكمته وشرعه وقَدَره في تخصيص هذا العدد هل هو لهذا المعنى أو لغيره" انتهى.
وعلى هذا؛ فالصواب التوقف عن الخوض في علة تخصيص هذا العدد بالذكر إلا بدليل صحيح صريح.
ولمزيد الفائدة يراجع جواب السؤال رقم (٦٩٧٤١) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1314
تفسير قوله تعالى الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار
[السُّؤَالُ]
ـ[الآية رقم: (١٦) من سورة آل عمران، والآية التي تليها: (الذين يقولون ربنا إننا ءامنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار) . أريد منكم أعزكم الله تفسير الآيتين، وتفسير الآية (١٥) التي بدايتها (قل أؤنبئكم) وربط المعنى العام، وهل الصبر يليه في المنزلة الصدق، ثم القنوت، ثم الإنفاق في سبيل الله، ثم الاستغفار، أم ماذا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً: تفسير السياق.
هذه الآيات جاءت في سياق المقارنة بين شهوات الدنيا ونعيم الآخرة، فبعد أن ذكر الله متاع الدنيا وما زين للناس فيها من ملذات، شرع في ذكر نعيم الآخرة، وأنه هو النعيم الحقيقي، والسعادة الأبدية، وقد بدأ الله هذا السياق بصيغة الاستفهام التشويقي، فقال : (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ. الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ) آل عمران/١٥-١٧.
فمتاع الآخرة خالٍ من كل أذى وكدر، فإذا كان في الدنيا نساء وبنين، ففي الآخرة أزواج مطهرة من كل ما ينفر من نساء الدنيا، وفي هذا الوصف ارتفاع حقيقي على شهوات الأرض وملذاتها.
وأعظم من ذلك كله (رضوان من الله) يعدل الحياة الدنيا والحياة الأخرى، فهو أعظم نعيم يتنعم به أهل الجنة، أن يحل عليهم رضوان الله وحبه ولطفه فلا يشقون بعده أبدا.
ثم شرع سبحانه في بيان حقيقة العباد الذي يستحقون هذا النعيم الكبير، وهو سبحانه بصير بهم جميعا، فقال سبحانه: (الذين يقولون ربنا إننا آمنا، فاغفر لنا ذنوبنا، وقنا عذاب النار)
وقولهم هذا ليس مقصودا لذاته، وإنما المقصود ذلك الإيمان والإقبال على الله تعالى، الذي يحيل حياة المؤمنين إلى تعلق تام بالله ، وذل وانكسار بين يديه سبحانه، حتى تغدو مغفرة الذنوب، والوقاية من النار أغلى أماني هؤلاء العباد المؤمنين.
يقول ابن القيم ﵀: " أخبر سبحانه أن ذلك كله متاع الحياة الدنيا، ثم شوَّق عباده الى متاع الآخرة، وأعلمهم أنه خير من هذا المتاع وأبقى فقال: (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) .
ثم ذكر سبحانه من يستحق هذا المتاع ومن هم أهله الذين هم أولى به فقال: (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ) ، فأخبر سبحانه أن ما أعد لأوليائه المتقين من متاع الآخرة خير من متاع الدنيا، وهو نوعان: ثواب يتمتعون به، وأكبر منه وهو رضوانه عليهم، قال تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً) ، فأخبر سبحانه عن حقيقة الدنيا بما جعله مشاهَدا لأولي البصائر، وأنها لعب ولهو تلهو بها النفوس وتلعب بها الأبدان، واللعب واللهو لا حقيقة لهما، وأنهما مشغلة للنفس، مضيعة للوقت، يُقطع بها الجاهلون، فيذهب ضائعا في غير شيء " انتهى. "عدة الصابرين" (ص/١٦٨) .
ثانيا: تفسير المفردات.
ذكر أوصاف عباده المتقين الذين أعد لهم في الجنة من النعيم ما لا يقارن بنعيم الدنيا، وذكر هذه الأوصاف ترغيبا في التحلي بها، والمحافظة على مضامينها.
يقول الحافظ ابن كثير ﵀: " يصف تعالى عباده المتقين الذين وعدهم الثواب الجزيل، فقال تعالى: (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا) أي: بك، وبكتابك، وبرسولك.
(فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا) أي: بإيماننا بك وبما شرعته لنا، فاغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا من أمرنا بفضلك ورحمتك. (وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
ثم قال: (الصَّابِرِين) أي: في قيامهم بالطاعات وتركهم المحرمات.
(وَالصَّادِقِينَ) فيما أخبروا به من إيمانهم بما يلتزمونه من الأعمال الشاقة.
(وَالقَانِتِينَ) والقنوت: الطاعة والخضوع.
(والْمُنفِقِينَ) أي: من أموالهم في جميع ما أمروا به من الطاعات، وصلة الأرحام والقرابات، وسد الخَلّات، ومواساة ذوي الحاجات.
(وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحَارِ) دل على فضيلة الاستغفار وقت الأسحار، وقد قيل: إن يعقوب ﵇ لما قال لبنيه: (سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي) يوسف/٩٨، أنه أخرهم إلى وقت السحر، وثبت في الصحيحين وغيرهما من المساند والسنن من غير وجه، عن جماعة من الصحابة، أن رسول الله ﷺ قال: (ينزلُ الله ﵎ في كُلِّ لَيْلَةٍ إلَى سمَِاءِ الدُّنيا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِر. فيقولُ: هَلْ مِنْ سَائل فأعْطِيَه؟ هَلْ مِنْ دَاع فَأسْتجيبَ له؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِر فأغْفِرَ لَهُ) الحديث " انتهى.
ثالثا: البلاغة والبيان.
ونبين هنا بعض الأمور البلاغية والبيانية في قوله سبحانه: (الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار) ، على طريقة السؤال والجواب، مسترشدين بكلام أهل العلم المفسرين.
١- لماذا ذكر الله تعالى هذه الأوصاف دون غيرها من أوصاف المؤمنين؟
يبين بعض المفسرين أن هذه الأوصاف الخمسة هي التي تجمع وتشمل جميع مقامات العبودية والمعاملة مع الله تعالى.
يقول الإمام البيضاوي ﵀: " (الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار) : حصرٌ لمقامات السالك على أحسن ترتيب.
فإن معاملته مع الله تعالى: إما توسل، وإما طلب.
والتوسل: إما بالنفس: وهو منعها عن الرذائل وحبسها على الفضائل، والصبر يشملهما. وإما بالبدن: وهو إما قولي: وهو الصدق.
وإما فعلي: وهو القنوت الذي هو ملازمة الطاعة.
وإما بالمال: وهو الإِنفاق في سبل الخير.
وأما الطلب: فبالاستغفار؛ لأن المغفرة أعظم المطالب، بل الجامع لها.
"تفسير البيضاوي" (٢/١٦)
ويقول العلامة الطاهر ابن عاشور ﵀: " ذكر هنا أصول فضائل صفات المتدينين، وهي:
الصبر: الذي هو ملاك فعل الطاعات وترك المعاصي.
والصدق: الذي هو ملاك الاستقامة وبث الثقة بين أفراد الأمة.
والقنوت: وهو ملازمة العبادات في أوقاتها، وإتقانها، وهو عبادة نفسية جسدية.
والإنفاق: وهو أصل إقامة أَوَد الأمة بكفاية حاجة المحتاجين، وهو قربة مالية، والمال شقيق النفس.
وزاد الاستغفار بالأسحار: وهو الدعاء والصلاة المشتملة عليه في أواخر الليل، والسحر سدس الليل الأخير؛ لأن العبادة فيه أشد إخلاصا، لما في ذلك الوقت من هدوء النفوس، ولدلالته على اهتمام صاحبه بأمر آخرته، فاختار له هؤلاء الصادقون آخر الليل لأنه وقت صفاء السرائر، والتجرد عن الشواغل " انتهى. "التحرير والتنوير" (٣/٤٣) .
٢- لماذا جاءت هذه الأوصاف بالترتيب المذكور، هل لذلك سبب معين، وهل يدل ذلك على تفاضل هذه المقامات، أم أنها مقامات متساوية؟
قد يبدو للمتأمل أن هذا الترتيب جاء بسبب تفاضل المقامات المذكورة:
فالصبر يقتضي حبس النفس على الطاعات وترك المعاصي، ولكن حبس النفس لا يؤجر عليه المرء إلا إذا كان صادقا مخلصا لله تعالى، فبدأ بـ " الصابرين " ثم: " والصادقين ".
ثم قد ينقطع العبد عن صبره وصدقه، فيكسل عن العبادة، ويتأخر عن الترقي في مراتبها، فجاء وصف القنوت، وهو الدوام على العبادة والاستقامة، فقال سبحانه: " والقانتين "، ثم سمى بعض الطاعات التي أوجبت لهم أوصاف التقوى والصبر والمرتبة العالية: فذكر : (المنفقين والمستغفرين بالأسحار) .
يقول الفخر الرازي ﵀: " اعلم أن لله تعالى على عباده أنواعاً من التكليف، والصابر هو من يصبر على أداء جميع أنواعها.
وكمال هذه المرتبة أنه إذا التزم طاعة أن يصدق نفسه في التزامه، وذلك بأن يأتي بذلك للملتزم من غير خلل ألبتة، ولما كانت هذه المرتبة متأخرة عن الأولى، لا جرم ذكر سبحانه الصابرين أولاً، ثم قال: (الصادقين) ثانياً.
ثم إنه تعالى ندب إلى المواظبة على هذين النوعين من الطاعة، فقال: (والقانتين) .
فهذه الألفاظ الثلاثة للترغيب في المواظبة على جميع أنواع الطاعات.
ثم بعد ذلك ذكر الطاعات المعينة، وكان أعظم الطاعات قدراً أمران:
أحدهما: الخدمة بالمال، فذكر هنا بقوله: (والمنفقين) .
والثاني: الخدمة بالنفس، فذكره هنا بقوله: (والمستغفرين بالأسحار) .
فإن قيل: فلم قدم ههنا ذكر المنفقين على ذكر المستغفرين؟
قلنا: لأن هذه الآية في شرح عروج العبد من الأدنى إلى الأشرف، فلا جرم وقع الختم بذكر المستغفرين بالأسحار " انتهى باختصار. "مفاتيح الغيب" (٧/١٧٦-١٧٧) .
هذا وقد ذكر المفسرون كلاما دقيقا في سر العطف بالواو بين هذه الأوصاف، لا نحب أن نطيل به على القارئ الكريم، فمن أحب الاستزادة منه فليرجع إلى التفاسير السابق ذكرها في هذا الجواب.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1315
معنى حديث قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن
[السُّؤَالُ]
ـ[فيما يخص جوابك على السؤال رقم ٤١٥٦ البند رقم ٢، إذن فلن يكون هناك حاجة لتعلم القرآن بكامله , أو حتى لقراءته في شهر رمضان.. إلخ، كل ما تحتاج إليه هو أن تقرأ سورة الإخلاص. أظن أنك أخطأت. فسورة الإخلاص تعادل ثلث القرآن. إنه من المدهش أن نعتقد أن قراءة سورة الإخلاص ٣ مرات تمنحك بركة قراءة القرآن "بأكمله"، وإذن فلن تكون هناك فائدة من قراءة القرآن كاملا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً: هذه بعض الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ، والتي فيها أن سورة (قل هو الله أحد) تعدل ثلث القرآن.
روى البخاري (٦٦٤٣) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ يُرَدِّدُهَا فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا [أي يراها قليلة] فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ) .
وروى مسلم (٨١١) عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ فِي لَيْلَةٍ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؟ قَالُوا: وَكَيْفَ يَقْرَأْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ. قَالَ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ.
وروى مسلم (٨١٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : احْشُدُوا فَإِنِّي سَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فَحَشَدَ مَنْ حَشَدَ، ثُمَّ خَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ثُمَّ دَخَلَ، فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: إِنِّي أُرَى هَذَا خَبَرٌ جَاءَهُ مِنْ السَّمَاءِ، فَذَاكَ الَّذِي أَدْخَلَهُ، ثُمَّ خَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي قُلْتُ لَكُمْ سَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، أَلَا إِنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ.
ثانياً: فضل الله واسع، فقد تفضَّل الله على الأمة، وعوَّض قِصَر عمرها بمزيد من الأجر على أعمال يسيرة. والعجيب أن بعض الناس بدلاً من أن يكون ذلك دافعاً له على الازدياد من الخير والحرص عليه تحوَّل هذا عنده إلى فتور وكسل عن أداء الطاعات، أو تَعَجُّبٍ واستبعادٍ لهذا الفضل والثواب.
وأما معنى الحديث:
فهناك فرق بين الجزاء والإجزاء. والذي أوقع الأخ السائل في الإشكال هو عدم التفريق بينهما.
فالجزاء: هو الثواب الذي يعطيه الله تعالى على الطاعة.
والإجزاء: هو أن يسدَّ الشيء عن غيره ويجزئ عنه.
فقراءة ﴿قل هو الله أحد﴾ لها جزاء قراءة ثلث القرآن، لا أنها تجزئ عن قراءة ثلث القرآن.
فمن نذر – مثلاً – أن يقرأ ثلث القرآن، فلا يجزئه قراءة ﴿قل هو الله أحد﴾ لأنها تعدل ثلث القرآن في الجزاء والثواب لا في الإجزاء والإغناء عن قراءة ثلث القرآن.
ومثل هذا يقال في قراءتها ثلاث مرات، فمن قرأها في صلاته ثلاث مرات لا تجزئه عن قراءة الفاتحة، مع أنه يُعطى جزاء وأجر قراءة القرآن كاملاً، لكن لا يعني هذا أنها أجزأته عن الفاتحة.
ومثل هذا في الشرع: ما أعطاه الشارع لمن صلَّى صلاة واحدة في الحرم المكي، وأنه له أجر مائة ألف صلاة، فهل يفهم أحد من هذا الفضل الرباني أنه لا داعي للصلاة عشرات السنين لأنه صلَّى صلاة واحدة في الحرم تعدل مائة ألف صلاة؟ .
بل هذا في الجزاء والثواب، أما الإجزاء فشيء آخر.
ثم إنه لم يقل أحد من أهل العلم إنه ليس بنا حاجة لقراءة القرآن، وأن ﴿قل هو الله أحد﴾ كافية عنه؛ ذلك أن القول الصحيح من أقوال أهل العلم أن هذه السورة كان لها هذا الفضل لأن القرآن أُنزل على ثلاثة أقسام: ثلث منها للأحكام، وثلث منها للوعد والوعيد، وثلث منها للأسماء والصفات.
وهذه السورة جمعت الأسماء الصفات.
هذا قول أبي العباس بن سريج واستحسنه شيخ الإسلام ابن تيمية في " مجموع الفتاوى " (١٧ / ١٠٣) .
والمسلم لا غنى له عن الأمرين الآخرين وهما الأحكام والوعد والوعيد، ولا يتم له معرفتهما إلا بالنظر في كتاب الله كاملاً، ولا يمكن لمن يقف عند سورة " الصمد " أن يعرف هذين الأمرين.
قال شيخ الإسلام ﵀:
والثواب أجناس مختلفة كما أن الأموال أجناس مختلفة من مطعوم ومشروب وملبوس ومسكون ونقد وغير ذلك، وإذا ملك الرجل من أحد أجناس المال ما يعدل ألف دينار مثلا لم يلزم من ذلك أن يستغنيَ عن سائر أجناس المال، بل إذا كان عنده مال وهو طعام فهو محتاج إلى لباس ومسكن وغير ذلك، وكذلك إن كان من جنس غير النقد فهو محتاج إلى غيره، وإن لم يكن معه إلا النقد فهو محتاج إلى جميع الأنواع التي يحتاج إلى أنواعها ومنافعها، والفاتحة فيها من المنافع: ثناء ودعاء مما يحتاج الناس إليه ما لا تقوم ﴿قل هو الله أحد﴾ مقامه في ذلك، وإن كان أجرها عظيماً فذلك الأجر العظيم إنما ينتفع به صاحبه مع أجر فاتحة الكتاب ولهذا لو صلى بها وحدها بدون الفاتحة: لم تصح صلاته، ولو قدِّر أنه قرأ القرآن كله إلا الفاتحة: لم تصح صلاته لأن معاني الفاتحة فيها الحوائج الأصلية التي لابد للعباد منها. " مجموع الفتاوى " (١٧ / ١٣١) .
وقال ﵀:
فالقرآن يحتاج الناس إلى ما فيه من الأمر والنهي والقصص، وإن كان التوحيد أعظم من ذلك، وإذا احتاج الإنسان إلى معرفة ما أُمر به وما نهي عنه من الأفعال أو احتاج إلى ما يؤمر به ويعتبر به من القصص والوعد والوعيد: لم يسدَّ غيرُه مسدَّه، فلا يسدُّ التوحيدُ مسدَّ هذا، ولا تسدُّ القصص مسدَّ الأمر والنهي ولا الأمر والنهي مسدَّ القصص، بل كل ما أنزل الله ينتفع به الناس ويحتاجون إليه.
فإذا قرأ الإنسان ﴿قل هو الله أحد﴾ : حصل له ثوابٌ بقدر ثواب ثلث القرآن لكن لا يجب أن يكون الثواب من جنس الثواب الحاصل ببقية القرآن، بل قد يحتاج إلى جنس الثواب الحاصل بالأمر والنهي والقصص، فلا تسد ﴿قل هو الله أحد﴾ مسد ذلك ولا تقوم مقامه.
ثم قال ﵀:
فالمعارف التي تحصل بقراءة سائر القرآن لا تحصل بمجرد قراءة هذه السورة فيكون من قرأ القرآن كله أفضل ممن قرأها ثلاث مرات من هذه الجهة لتنوع الثواب، وإن كان قارئ ﴿قل هو الله أحد﴾ ثلاثاً يحصل له ثواب بقدر ذلك الثواب لكنه جنس واحد ليس فيه الأنواع التي يحتاج إليها العبد كمن معه ثلاثة آلاف دينار وآخر معه طعام ولباس ومساكن ونقد يعدل ثلاثة آلاف دينار فإن هذا معه ما ينتفع به في جميع أموره وذاك محتاج إلى ما مع هذا، وإن كان ما معه يعدل ما مع هذا، وكذلك لو كان معه طعام من أشرف الطعام يساوي ثلاثة آلاف دينار فإنه محتاج إلى لباس ومساكن وما يدفع به الضرر من السلاح والأدوية وغير ذلك مما لا يحصل بمجرد الطعام.
" مجموع الفتاوى " (١٧ / ١٣٧ – ١٣٩) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1316
القرآن الكريم هل هو من أنواع الشِّعْر أم من النثر أم هو شيء آخر ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يمكن القول بأن القرآن شكل من أشكال الشعر، مع العلم أنه يقال إن في القرآن مذكور أنه ليس بقول شاعر؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
ليس القرآن شعراً، ولم يكن نبينا محمد ﷺ شاعراً، بل وما ينبغي له، قال تعالى: (فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ. وَمَا لا تُبْصِرُونَ. إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ. وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ. وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ. تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) الحاقة/٣٨-٤٣، وقال تعالى: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ) يس/٦٩.
ثانياً:
كلام العرب لا يخرج عن كونه شعراً ونثراً، ولا يعرف العرب غيرهما، وما يذكره بعض العلماء من وجود قسم ثالث وهو " السجع ": فهو داخل في النثر، وليس قسماً مستقلاًّ، حتى جاء الله تعالى بالقرآن، وأنزله على نبيه محمد ﷺ ، فبهرت كلماته عقول العرب، وأخذ أسلوبه بألبابهم، فتركهم في حيرة، فلا هو بالشعر الذي ينظمونه، ولا هو بالنثر الذي يقولونه، ومن قال منهم إنه " شعر ": فهو مكابر، كاذب، يعرف نفسه أنه غير صادق، أو أنه لا يعرف الشعر، ولو كان شعراً فما الذي منعهم من النظم على منواله؟! .
ولذلك رأينا اعتراف الصادقين منهم أن القرآن ليس بشعر، ومن هؤلاء المعترفين بذلك:
١. أبو الوليد عتبة بن ربيعة:
روى ابن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي قال: حُدثت أن عتبة بن ربيعة - وكان سيِّداً -، قال يوماً - وهو في نادي قريش، ورسول اللَّه ﷺ جالس في المسجد وحده -: يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه، وأعرض عليه أموراً لعله يقبل بعضها، فنعطيه أيها شاء ويكف عنَّا؟ وذلك حين أسلم حمزة ﵁، ورأوا أصحاب رسول اللَّه ﷺ يكثرون، ويزيدون، فقالوا: بلى، يا أبا الوليد قم إليه، فكلمه، فقام إليه عتبة، حتى جلس إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: يا ابن أخي إنك منَّا حيث قد علمت من السطة في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها، لعلك تقبل منها بعضها، قال: فقال رسول اللَّه ﷺ : قل يا أبا الوليد أسمع، قال: يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً: جمعنا لك من أموالنا كيْ تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفاً: سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكاً: ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رِئياً تراه لا تستطيع رده عن نفسك: طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه - أو كما قال له - حتى إذا فرغ عتبة، ورسول اللَّه ﷺ يستمع منه، قال: أقد فرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم، قال: فاسمع مني، قال: أفعل، فقال: بسم اللَّه الرحمن الرحيم (حم. تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ. كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ. وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ) فصلت/ ١ – ٥، ثم مضى رسول اللَّه ﷺ فيها يقرؤها عليه، فلما سمعها منه عتبة أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليهما يسمع منه، ثم انتهى رسول اللَّه ﷺ إلى السجدة منها فسجد، ثم قال: قد سمعتَ يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك، فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف باللَّه لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني سمعت قولاً واللَّه ما سمعت مثله قط، واللَّه ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي، خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فو اللَّه ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب: فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب: فمُلكه ملككم، وعزُّه عزكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك واللَّه يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم.
رواه البيهقي في " دلائل النبوة " (٢ / ٢٠٥) ، وأبو نعيم في " الدلائل " (١ / ٣٠٤) وحسَّنه الألباني في التعليق على " فقه السيرة " للغزالي (ص ١١٣) .
٢. الشاعر أنيس الغفاري:
قد روى مسلم (٢٤٧٣) من حديث أبي ذر ﵁: قصة إسلامه وإسلام أنيس أخيه، وفيها قال: (فقال أنيس: إن لي حاجة بمكة فاكفني - أي: ابق مع أمي - فانطلق أنيس، حتى أتى مكة، فراث علىَّ، ثم جاء، فقلت ما صنعت؟ قال: لقيت رجلا بمكة على دينك، يزعم أن الله أرسله، قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون: شاعر، كاهن، ساحر وكان أنيس أحد الشعراء.
قال أنيس لقد سمعت قول الكهة فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر - (أي على أنواع الشعر وطرقه وأوزانه، واحدها: قَرْء) - فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر - أي: إنه ليس بشعر - والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون ... ) .
قال أبو العباس القرطبي – ﵀:
ومعنى الكلام: أنه لما اعتبر القرآن بأنواع الشعر: تبيَّن له أنه ليس من أنواعه، ثم قطع: بأنه لا يصح لأحد أن يقول: إنه شِعر.
" المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم " (٦ / ٣٩٤) .
ثالثاً:
إذا كان القرآن ليس شعراً، كما نفاه الله تعالى عنه، ونفاه عنه الشعراء الصادقون، فهل هو من النثر؟ والجواب: لا، ولا هو من النثر، ومن تأمل في كتاب الله تعالى حق التأمل، وكان له ذوق لغوي وبلاغي: علم أنه ليس من النثر، بل هو قسم ثالث من أقسام الكلام في لغة العرب، وقد اعترف بهذا كبار الأدباء قديماً وحديثاً، ونذكر هنا شهادة رجل من الأدباء، وله موقف معروف من الشرع، وهو " طه حسين " وشهادته هنا مهمة؛ لأنه من أهل الاختصاص من جهة، ومن جهة أخرى فهو لن يجامل أحداً!
ومما قاله طه حسين:
ولكنكم تعلمون أن القرآن ليس نثراً، كما أنه ليس شعراً، إنما هو قرآن، ولا يمكن أن يسمَّى بغير هذا الاسم، ليس شعراً، وهذا وضع، فهو لم يتقيد بقيود الشعر، وليس نثراً؛ لأنه مقيّد بقيود خاصة به، لا توجد في غيره، فهو ليس شعراً، ولا نثراً، ولكنه: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) ، فلسنا نستطيع أن نقول: إنه نثر، كما نص على أنه ليس شعراً.
كان وحيدا في بابه، لم يكن قبله، ولم يكن بعده مثله، ولم يحاول أحد أن يأتي بمثله، وتحدى الناس أن يحاكوه، وأنذرهم أن لن يجدوا إلى ذلك سبيلاً ... .
" من حديث الشعر والنثر " - الأعمال الكاملة – (٥ / ٥٧٧) بواسطة مقال " حول إعجاز القرآن الكريم، الابتداء بالأسلوب " (من ص ٧٥ - ٨٤) للدكتور علي حسن العماري، نشر في مجلة " الجامعة الإسلامية " العدد ٢٤،، ربيع الثاني ١٣٩٤هـ.
وهذا المقال نفيس، وفيه بيان المسألة بوضوح وجلاء، ومما قاله الدكتور الفاضل فيه:
فمشركو العرب ادَّعوا أن القرآن شعر، وادعوا أنه كهانة، ومعنى هذا: أن شبه القرآن عندهم بالشعر، وبكلام الكهان هو الذي يمكن أن يذيعوه، وهم حريصون على أن يقولوا ما يمكن أن يُصدّقوا فيه، فهم - بذلك - يقرون أنه ليس كسائر الكلام، وإنما هو نوع خاص منه، وقد نفى بعض فصحائهم أن يكون القرآن شعراً، أو أن يكون قول كاهن، كما نفى القرآن الكريم ذلك، فثبت أن القرآن في أسلوبه وطريقة أدائه ومبناه الكلي: مخالف لكلام العرب، ومتميز عنه، وإن كانت ألفاظه ألفاظهم، وتراكيبه تراكيبهم.
وقال:
ذكر " عيسى بن علي الرماني " (متوفى ٣٨٦ هـ) في رسالته " النكت في إعجاز القرآن " أن القرآن جاء بأسلوب جديد حيث قال: " وأما نقض العادة: فإن العادة كانت جارية بضروب من أنواع الكلام معروفة: منها الشعر، ومنها السجع، ومنها الخطب، ومنها الرسائل، ومنها المنثور الذي يدور بين الناس في الحديث، فأتى القرآن بطريقة مفردة خارجة عن العادة لها منزلة في الحسن، تفوق كل طريقة " انتهى.
وقال الدكتور الفاضل:
وسار على هذا المنهج أبو بكر الباقلاني، فأطال القول في هذا المعنى، ومن ذلك قوله: " إنه نظم خارج عن جميع وجوه النظم المعتاد في كلامهم، ومباين لأساليب خطابهم، ومن ادعى ذلك: لم يكن له بدٌّ من أن يصحح أنه ليس من قبيل الشعر، ولا من قبيل السجع، ولا الكلام الموزون غير المقفى؛ لأن قوماً من كفار قريش ادعوا أنه شعر، ومن الملحدة من يزعم أن فيه شعراً، ومن أهل الملة من يقول: إنه كلام مسجع، إلا أنه أفصح مما قد اعتادوه من أسجاعهم، ومنهم من يدعي أنه كلام موزون، فلا يخرج بذلك عما يتعارفونه من الخطاب " انتهى.
فتبين مما سبق أن القرآن كلام الله تعالى، أحكم آياته، وفصَّلها، وبيَّنها، بكلام عربي مبين، وليس هو على طريقة ما عرفه العرب من الشعر، والنثر، بل هو قرآن، قسم خاص، لا يشبه الشعر والنثر، ولا يشبهانه.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1317
علم المكي والمدني من سور القرآن الكريم
[السُّؤَالُ]
ـ[ما الفرق بين السور المكية والسور المدنية؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
عناية المسلمين بالقرآن الكريم عناية فائقة، ولا يعرف كتاب على وجه الأرض نال من الدراسة والشرح والبيان ما ناله القرآن، حتى أنشأ العلماء مئات العلوم المستقلة المتعلقة به، كان من أهمها علم: " المكي والمدني ".
ويمكن أن نوجز ببيان هذا العلم من علوم القرآن الكريم في المسائل الآتية:
أولا: بيان معنى مصطلح: " المكي والمدني ".
هو اصطلاح أطلقه العلماء ليميزوا بين الآيات والسور التي نزلت في المرحلة المكية للدعوة الإسلامية، وبين ما نزل في المرحلة المدنية، فاشتهر بين أكثر أهل العلم هذا التقسيم، وجعلوا مناطه ومداره على الزمان، وليس على المكان:
فالمكي من الآيات والسور: ما نزل قبل الهجرة النبوية، سواء كان في مكة أو ضواحيها.
والمدني من الآيات والسور: ما نزل بعد الهجرة النبوية، سواء كان مكان نزوله المدينة، أو مكة بعد فتحها، أو أي مكان في الجزيرة ذهب إليه النبي ﷺ .
ثانيا: أهمية هذا العلم وفوائده.
١- معرفة الناسخ من المنسوخ: وهذه فائدة عظيمة مفيدة في فهم القرآن وبيانه، فالنسخ – وهو إزالة حكم الآية بحكم جديد – واقع في القرآن، ولتحديد الآية الناسخة لا بد من معرفة زمان نزولها، هل هو قديم في بداية الإسلام، أو متأخر، فتكون الآية المدنية ناسخة للمكية، إذا ثبت وقوع النسخ في حكمها.
٢- معرفة تاريخ التشريع ومراحله، وتلمس الحكمة في تدرج أحكامه وآياته، حتى بلغت الكمال في آخر العهد النبوي، ولا شك أن معرفة مراحل التشريع مفيدة جدا في فهم الشريعة ومقاصد القرآن وحكمته.
٣- الوصول إلى الفهم الصحيح لآيات القرآن وسوره، لأن معرفة تاريخ النزول وظرف الآيات يساعد كثيرا على فهمها واستجلاء مقاصدها، فمن قطع النصوص عن سياقها الزماني أو المكاني فقد قطع على نفسه سبيل الحقيقة والفهم السليم.
٤- ومن فوائده بيان عظيم عناية المسلمين بالقرآن الكريم، حيث لم يحفظوا نصوصه فقط، بل حفظوا ونقلوا الزمن الذي نزلت فيه، ليكون ذلك شاهدا على الثقة المطلقة التي يمنحها المؤمنون لهذا الكتاب العظيم.
٥- التذوق اللغوي لأساليب البيان العالية في القرآن الكريم، فقد تميزت سور كل مرحلة مكية أو مدنية بأساليب بيانية تناسب ما تضمنته من معاني ومقاصد، وكل هذه الأساليب لها من الرونق والبريق ما يأخذ الألباب ويدهش الأسماع، ومعرفة المكي والمدني يساعد على هذا التذوق ويقربه للأذهان.
٦- معرفة السيرة النبوية، فقد استغرق تنزل القرآن الكريم ثلاثة وعشرين عاما، رافق فيها جميع الأحداث التي مر بها النبي ﷺ ، فكان فهم " المكي والمدني " رافدا من روافد علم السيرة النبوية، ومكملا لدراساته.
ثالثا: الفرق بين المكي والمدني.
تبين للعلماء – بعد تأمل السور المكية والسور المدنية – أن ثمة فرقا في الغالب بينهما من جهتين اثنتين: المضمون، والأسلوب.
يقول الشيخ ابن عثيمين ﵀:
" يتميز القسم المكي عن المدني من حيث الأسلوب والموضوع:
أ- أما من حيث الأسلوب فهو:
١- الغالب في المكي قوة الأسلوب، وشدة الخطاب؛ لأن غالب المخاطبين معرضون مستكبرون، ولا يليق بهم إلا ذلك، أقرأ سورتي المدثر، والقمر.
أما المدني: فالغالب في أسلوبه اللين، وسهولة الخطاب؛ لأن غالب المخاطبين مقبلون منقادون، أقرا سورة المائدة.
٢- الغالب في المكي قصر الآيات، وقوة المحاجة؛ لأن غالب المخاطبين معاندون مشاقون، فخوطبوا بما تقتضيه حالهم، أقرا سورة الطور.
أما المدني: فالغالب فيه طول الآيات، وذكر الأحكام مرسلة بدون محاجة؛ لأن حالهم تقتضي ذلك، أقرأ آية الدين في سورة البقرة.
ب- وأما من حيث الموضوع فهو:
١- الغالب في المكي تقرير التوحيد والعقيدة السليمة، خصوصا ما يتعلق بتوحيد الألوهية والإيمان بالبعث؛ لأن غالب المخاطبين ينكرون ذلك.
أما المدني: فالغالب فيه تفصيل العبادات والمعاملات؛ لأن المخاطبين قد تقرر في نفوسهم التوحيد والعقيدة السليمة، فهم في حاجة لتفصيل العبادات والمعاملات.
٢- الإفاضة في ذكر الجهاد وأحكامه والمنافقين وأحوالهم في القسم المدني لاقتضاء الحال، ذلك حيث شرع الجهاد وظهر النفاق، بخلاف القسم المكي " انتهى.
"أصول التفسير" (ص/١٣)
ويقول الدكتور مناع القطان ﵀:
" استقرأ العلماء السور المكية والسور المدنية، واستنبطوا ضوابط قياسية لكل من المكي والمدني، تبين خصائص الأسلوب والموضوعات التي يتناولها، وخرجوا من ذلك بقواعد ومميزات:
ضوابط المكي ومميزاته الموضوعية:
١- كل سورة فيها سجدة فهي مكية.
٢- كل سورة فيها لفظ " كلا " فهي مكية، ولم ترد إلا في النصف الأخير من القرآن. وذُكرت ثلاثًا وثلاثين مرة في خمس عشرة سورة.
٣- كل سورة فيها: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) ، وليس فيها: (يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواُ) فهي مكية، إلا سورة الحج، ففي أواخرها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا) ، ومع هذا فإن كثيرًا من العلماء يرى أن هذه الآية مكية كذلك.
٤- كل سورة فيها قصص الأنبياء والأمم الغابرة فهي مكية، سوى البقرة.
٥- كل سورة فيها آدم وإبليس فهي مكية، سوى البقرة كذلك.
ضوابط المدني ومميزاته الموضوعية:
١- كل سورة فيها فريضة أو حد فهي مدنية.
٢- كل سورة فيها ذكر المنافقين فهي مدنية، سوى العنكبوت، فإنها مكية.
٣- كل سورة فيها مجادلة أهل الكتاب فهي مدنية.
هذا من ناحية الضوابط، أما من ناحية المميزات الموضوعية، وخصائص الأسلوب، فيمكن إجمالها فيما يأتي:
١- بيان العبادات، والمعاملات، والحدود، ونظام الأسرة، والمواريث، وفضيلة الجهاد، والصلات الاجتماعية، والعلاقات الدولية في السلم والحرب، وقواعد الحكم، ومسائل التشريع.
٢- مخاطبة أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ودعوتهم إلى الإسلام، وبيان تحريفهم لكتب الله، وتجنيهم على الحق، واختلافهم من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم.
٣- الكشف عن سلوك المنافقين، وتحليل نفسيتهم، وإزاحة الستار عن خباياهم، وبيان خطرهم على الدين.
٤- طول المقاطع والآيات في أسلوب يقرر الشريعة ويوضح أهدافها ومراميها " انتهى.
"مباحث في علوم القرآن" (٦٢-٦٤)
وأخيرا:
من أراد التفصيل في هذا العلم، والاطلاع على كلام العلماء وتعدادهم للسور المكية والمدنية، واختلافهم في بعضها، وكذلك الجواب على الشبه الساقطة التي أوردها المستشرقون حول هذا الموضوع، فنحيله إلى المراجع الآتية:
"البرهان في علوم القرآن" للزركشي (١/١٨٧-٢٠٦) ، "الإتقان في علوم القرآن" (١/٣٤-٥٩) ، "مناهل العرفان في علوم القرآن" لمحمد عبد العظيم الزرقاني (١/١٣٥-١٦٧)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1318
حكم الإنصات لقارئ القرآن من المسجل، وهل يقرأ مع القارئ ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[عادة إذا كنت أسمع لشيخ يقرأ القرآن في الإذاعة، أو المسجل، أو التلفاز: أردد معه الآيات في نفس وقت قراءته، وأسترجع بذلك حفظي، أو أشجع نفسي، ويكون بذلك إنصاتي أقوى، وتدبري أفضل، مع تعلمي للقراءة الصحيحة، إلا أن هناك من نهاني من ذلك مستشهداً بقوله تعالى: (لا تحرك به لسانك لتعجل به) ، وقوله: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) فهل عملي خاطئ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
سبق في جواب السؤال رقم: (٨٨٧٢٨) أن ذكرنا اختلاف العلماء في حكم الإنصات لقراءة قارئ القرآن خارج الصلاة، وأن من العلماء من قال بالوجوب، ومنهم من قال بالاستحباب، وهو ما رجحناه.
وعلى هذا؛ فإذا كانت القراءة مسجلة فلا يجب الإنصات لها.
وقد سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
هل السامع للقارئ في الشريط له حكم سامع القارئ العادي تلاوةً، من وجوب الإنصات إليه؟
فأجاب:
"إذا سجل الإنسان في الشريط: فقد انتهى من أول مرة , وانقطع أجره وثوابه , اللهم إلا أن ينتفع أحد بالاستماع إلى صوته عبر الشريط، فيؤجر على هذا الانتفاع , أما بالنسبة للاستماع إليه: فلا يجب الاستماع إليه، ولا إلى القارئ مباشرة، قال الإمام أحمد ﵀ في قوله تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) الأعراف/ ٢٠٤: قال: أجمعوا على أن هذا في الصلاة، يعني: إذا كان المأموم خلف الإمام , أما الإنسان يقرأ إلى جنبك، وأنت مشغول بذكرك الخاص: فإنه لا يجب عليك الإنصات، ثم إذا فرض أن هذا القارئ عبر الشريط مر بآية سجدة هل تسجد؟ الجواب: لا تسجد إذا مر بآية سجدة.
أولاً: لأنه لم يسجد هو....
فالحاصل: أن الاستماع إلى القراءة من الشريط ليست كالاستماع من القارئ المباشر , وأيضاً لا يجب الإنصات، لا للشريط، ولا للقارئ المباشر؛ لأن قوله تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) الأعراف/ ٢٠٤ - كما سمعتم - قال الإمام أحمد: أجمعوا أن ذلك في الصلاة" انتهى.
" لقاءات الباب المفتوح " (١١٨ / السؤال رقم ٤) .
ثانياًَ:
الترديد مع القارئ من أجل إتقان القراءة، أو من أجل مراجعة الحفظ: أمرٌ لا حرج في فعله.
فقد سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
ما حكم القراءة مع القارئ الذي من المسجل، وهل هذا يخالف قول الله تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) الأعراف/ ٢٠٤؟ .
فأجاب:
"إذا كان للحفظ: فلا بأس به، وإذا كان لغيره: فيقال: الأفضل أن تنصت" انتهى.
" الفتاوى الثلاثية ".
وأما قوله تعالى: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) القيامة/ ١٦، ١٧: فإن الذي نهى عنه الله تعالى رسولَه ﷺ هو العجلة بالقراءة مع جبريل من أجل أن يحفظ ما يُلقى إليه من الوحي، فليس في الآية ما يدل على النهي عن القراءة مع القارئ إذا كان ذلك من أجل المراجعة أو إتقان التلاوة.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀:
"قوله تعالى: (وَلَا تَعْجَلْ بالقرآن مِن قَبْلِ إَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً) : كان النَّبي ﷺ إذا جاءه جبريل بالوحي كلما قال جبريل آية قالها معه ﷺ ، من شدة حرصه على حفظ القرآن، فأرشده الله في هذه الآية إلى ما ينبغي، فنهاه عن العجلة بقراءة القرآن مع جبريل، بل أمره أن ينصت لقراءة جبريل حتى ينتهي، ثم يقرؤه هو بعد ذلك، فإن الله ييسر له حفظه، وهذا المعنى المشار إليه في هذه الآية أوضحه الله في غير هذا الموضع، كقوله في " القيامة ": (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) القيامة/ ١٦- ١٩، وقال البخاري في صحيحه: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا أبو عوانة قال: حدثنا موسى بن أبي عائشة قال: حدثنا سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ) قال: كان رسول الله صلى الله لعيه وسلم يعالج من التنزيل شدة، وكان مما يحرك شفتيه، فقال ابن عباس: فأنا أحركهما لكم كما كان رسول الله ﷺ يحركهما. وقال سعيد: أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما، فحرك شفتيه. فأنزل الله تعالى: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) قال: جمعه لك في صدرك، ونقرأه (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ) قال: فاستمع له وأنصت (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) ثم علينا أن نقرأه، فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النَّبي ﷺ كما قرأه" انتهى.
" أضواء البيان " (٤ / ١٧٤) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1319
هل يترك قراءة القرآن اكتفاءاً بقراءة سورة الإخلاص ثلاث مرات ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا كانت قراءة سورة الإخلاص ثلاث مرات تعادل ثواب قراءة القرآن فهل على المسلم إثم إذا ترك تلاوة القرآن اكتفاء بقراءة هذه السورة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: (الدين النصيحة) ثلاثا، فقيل: لمن يا رسول الله؟ قال: (لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) .
والنصيحة لكتاب الله تعالى تكون بتلاوته، وتدبر آياته، والاتعاظ بمواعظه، والوقوف عند حدوده، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ولا شك أن الاكتفاء بقراءة سورة الإخلاص دون سائر كتاب الله لا يتفق مع النصيحة لكتاب الله، ولا يتأتى لمن يكتفي بذلك النصح لنفسه بما يحصل له من تلاوة كتاب الله من الأجر والمثوبة، وزيادة الإيمان، ومعرفة الأحكام من الحلال والحرام، والواجب والمسنون والمكروه، والتأدب بآداب القرآن، والتخلق بأخلاقه، وكفى بانتقاص العبد هذه الأمور زاجرا عن ترك تلاوة كتاب الله، والرسول ﷺ مع علمه بفضل هذه السورة، وإخباره بأنها تعدل ثلث القرآن، وزيادة حرصه على عظم الأجر والثواب، لم يقتصر على تلاوة هذه السورة، بل كان يداوم على تلاوة سائر كتاب الله، وقد قال الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) الأحزاب/٢١.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم" انتهى.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن منيع.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (٤/٢٩-٣٠) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1320
كتابة آيات من القرآن ومحوها بالماء ثم شربها
[السُّؤَالُ]
ـ[بعض الناس يكتبون آيات من القرآن ويمحونها بالماء ويشربونها، وإذا اعترض عليهم قالوا: إنه كلام الله نستشفي به. هل يجوز هذا العمل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"هذا العمل جائز، يجوز للإنسان أن يكتب القرآن بمداد يجوز شربه، ثم يوضع هذا المكتوب في ماء ويرج ثم يشرب، وقد كان بعض السلف يفعلون هذا، ويفعلونه في الأواني كالصحون وما أشبهها، إذا فعل الإنسان ذلك فله سلف فيه، وقد يستدل لهذا بعموم قول الله ﵎: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) الإسراء/٨٢، فإذا استشفي بالقرآن على هذا الوجه، وجُرِّبَ وصار نافعاً فإنه يدخل في عموم هذه الآية الكريمة" انتهى.
فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀.
"اللقاء المفتوح" (ص١١٢) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1321
هل تقرأ البسملة في وسط السورة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[البسملة في وسط السورة بعض الفقهاء ﵏ قالوا: إنها مستحبة؛ لأنه كما قال الرسول ﷺ : (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع أو أبتر) فهل هي مستحبة، أو غير مشروعة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"الصحيح أن البسملة إذا قرأ الإنسان من أثناء السورة لا تستحب؛ لأن الله قال في كتابه: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) النحل/٩٨، ولم يأمر بسوى ذلك، فما دامت المسألة فيها نص خاص بأن المطلوب ممن أراد قراءة القرآن أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم فإن هذا يخصص العام وهو قوله: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر) " انتهى.
فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀.
"لقاءات الباب المفتوح" (١/١٧٧) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1322
أخوف آية في القرآن العظيم
[السُّؤَالُ]
ـ[ما صحة هذا الكلام، وما مدى صدقه، فقد ذكر بمنتديات كثيرة، واختلفنا بين مؤيد ومعارض، ولم نجد مصدرا لصحة هذا الكلام ... فالرجاء إفادتنا بأسرع وقت ممكن، وجزاكم الله كل خير. السؤال هو: أكثر آيات القرآن تخويفا للمؤمنين، أتعلمون ما هي أخوف آية في القرآن؟ أتعلمون أن أخوف آية في القرآن هي قوله تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا) الفرقان/٢٣، إنها حقا من أكثر آيات القرآن تخويفا للمؤمنين.. وتتحدث عن فئة من المسلمين تقوم بأعمال كجبال تهامة من حج، وصدقات، وقراءة قرآن، وأعمال بر كثيرة، وقيام ليل، ودعوة، وصيام، وغيرها من الأعمال.. وإذا بالله تعالى ينسف هذه الأعمال فيكون صاحبها من المفلسين! وذلك لأن عنصر الإخلاص كان ينقص تلك الأعمال، فليس لصاحب تلك الأعمال إلا التعب والسهر والجوع، ولا خلاص يوم القيامة من العذاب والفضيحة إلا بالإخلاص، ولا قبول للعمل إلا بالإخلاص. هذا ما يتم تناقله عبر المنتديات، وكثيرون يعارضون هذا الكلام، وأنه لا صحة له، ولا مصدر يصدقه، وآخرون يوافقونه. فما مدى صدقه، رجاء الإفادة، جزاكم الله كل خير.]ـ
[الْجَوَابُ]
أولا:
التعبد لله مبني على الإخلاص والاتباع، فهو أساس كل العبادات، وهو مقصد جميع الأنبياء، وعليه مدار الثواب والعقاب يوم القيامة، فمن عمل صالحا يقصد به وجه الله تعالى، من غير التفات إلى حظوظ دنيوية عاجلة كان من الفائزين، أما من راقب الجاه والمال والسمعة كان عمله وبالا عليه يوم القيامة.
يقول ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (٦/١٠٣) :
" وقوله تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) ، هذا يوم القيامة، حين يحاسب الله العباد على ما عملوه من خير وشر، فأخبر أنه لا يتحصل لهؤلاء المشركين من الأعمال - التي ظنوا أنها منجاة لهم – شيء؛ وذلك لأنها فقدت الشرط الشرعي: إما الإخلاص فيها، وإما المتابعة لشرع الله. فكل عمل لا يكون خالصا وعلى الشريعة المرضية فهو باطل. فأعمال الكفار لا تخلو من واحد من هذين، وقد تجمعهما معا، فتكون أبعد من القبول حينئذ؛ كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا) البقرة/٢٦٤ " انتهى مختصرا.
وقد اتفق أهل العلم على أن الرياء يحبط ثواب العمل المراءى به، لقوله ﵊: (قَالَ اللَّهُ ﵎: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ) رواه مسلم (٢٩٨٥)
يقول النووي في "شرح مسلم" (١٨/١١٦) :
" والمراد: أن عمل المرائي باطل لا ثواب فيه، ويأثم به " انتهى.
فلا شك أن مثل هذا الوعيد مخوف للمسلم أشد التخويف، ودافع له نحو مراقبة الإخلاص لله في قلبه، وقطع كل أسباب المراءاة والتسميع، وإلا فقد خسر أعماله التي راءى بها ولو كانت كأمثال الجبال.
وللنظر في تفصيلات الفقهاء حول موضوع إحباط الثواب بالرياء ينظر "إحياء علوم الدين" للغزالي (٤/٣٨٤)
أما حديث ثوبان ﵁ المشهور، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ هَبَاءً مَنْثُورًا.
قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا، أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ.
قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا) ، فهذا رواه ابن ماجه في سننه (رقم/٤٢٤٥) ، والروياني في "المسند" (١/٤٢٥) ، والطبراني في "الأوسط" (٥/٤٦) و"الصغير" (١/٣٩٦) ، وقال المنذري في "الترغيب والترهيب" (٣/٢٤٢) : " رواته ثقات " انتهى، وقال الألباني في "السلسلة الصحيحة": " إسناده صحيح " انتهى.
والذي يبدو من حال هؤلاء هو الجرأة على معاصي السر، حين يستخفون من الناس، مع إظهار الصلاح والاستقامة أمام الناس.
ثانيا:
أما الأعمال التي أخلص العبد فيها لله سبحانه، ولم يقصد بها غير وجهه ، فهذه يكتب الله له به الحسنات، ويثيبه عليها في الجنة، ولا يحبطها وقوع الرياء في أعمال أخرى، ولا ارتكابه المعاصي في أبواب أخرى، فهو سبحانه لا يضيع أجر المحسنين، ولا يظلم مؤمنا حسنة عملها، وقد قرر ذلك في قاعدة عامة في سورة الزلزلة فقال:
(فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) الزلزلة/٧-٨
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – كما في "مجموع الفتاوى" (١٠/٣٢١) -:
" صاحب الكبيرة إذا أتى بحسنات يبتغي بها رضا الله أثابه الله على ذلك وإن كان مستحقا للعقوبة على كبيرته. وعند أهل السنة والجماعة يُتقبل العمل ممن اتقى الله فيه فعمله خالصا لله موافقا لأمر الله، فمن اتقاه في عمل تقبله منه وإن كان عاصيا في غيره، ومن لم يتقه فيه لم يتقبله منه وإن كان مطيعا في غيره " انتهى باختصار.
ثالثا:
في القرآن الكريم الكثير من آيات الترهيب التي تتضمن من المعاني الثقيلة العظيمة التي تحدث في قلوب المؤمنين من تقوى الله والخوف من عقابه ما يكون له أكبر الأثر في ارتقائهم مدارج السالكين، وفوزهم بأعلى درجات النعيم.
عن سفيان قال: " ما في القرآن آية أشد علي مِن (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) المائدة/٦٨. " انتهى.
وعن ابن سيرين: " لم يكن شيء عندهم أخوف من هذه الآية: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) البقرة/٨ " انتهى.
وعن أبي حنيفة: " أخوف آية في القرآن: (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) آل عمران/١٣١ " انتهى.
وعن الشافعي قوله تعالى (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) العصر/٢-٣.
وقيل إن أخوف آية في القرآن: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) آل عمران/٢٨، وقيل: (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ) الرحمن/٣١، وقيل: (فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ) التكوير/٢٦، وقيل: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) النساء/١٢٣، وقيل: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) المؤمنون/١١٥، وقيل: (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ) البروج/١٢، وقيل: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) الجاثية/٢١
يمكن مراجعة هذه الأقوال في "الإتقان في علوم القرآن" للسيوطي (٢/٤٣٠) وفي "الحاوي" له أيضا.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1323
حكم مس المصحف من الغلاف من غير وضوء
[السُّؤَالُ]
ـ[أود سؤالكم عن حكم لمس غلاف المصحف وأنا غير طاهرة؟ لأني سمعت أن المصحف الذي يكون مغلف بأخضر يجوز لمس غلافه إذا لم أكن طاهرة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
غلاف المصحف المتصل به إما بالخياطة أو اللصق أو غير ذلك له حكم المصحف فلا يجوز لغير المتوضئ أن يمسه، أما الغلاف المنفصل عن المصحف، كالجراب الذي يوضع فيه المصحف لحفظه، فلا حرج في مسه من غير وضوء.
جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: "ذهب جمهور الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يمتنع على غير المتطهّر مس جلد المصحف المتّصل , والحواشي الّتي لا كتابة فيها من أوراق المصحف , والبياض بين السطور , وكذا ما فيه من صحائف خاليةٍ من الكتابة بالكلّيّة , وذلك لأنّها تابعة للمكتوب وذهب بعض الحنفيّة والشّافعيّة إلى جواز ذلك" انتهى.
وقال الشيخ ابن باز ﵀: "لا يجوز مس المصحف للمسلم إلا على طهارة من الحدثين الأكبر والأصغر، وهكذا نقله من مكان إلى مكان، إذا كان الناقل على غير طهارة.
لكن إذا مسه أو نقله بواسطة، كأن يأخذه في لفافة أو في جرابه، أو بعلاقته فلا بأس، أما أن يمسه مباشرة وهو على غير طهارة فلا يجوز على الصحيح الذي عليه جمهور أهل العلم؛ لما تقدم، وأما القراءة فلا بأس أن يقرأ وهو محدث عن ظهر قلب، أو يقرأ ويمسك له القرآن من يرد عليه ويفتح عليه فلا بأس بذلك" انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (١٠/١٤٩، ١٥٠) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1324
نسخ التلاوة في القرآن الكريم
[السُّؤَالُ]
ـ[أعرف أن آيات من القرآن قد نسخت بآيات أخرى، بعض الآيات نسخت نسخ تلاوة، كآية الرجم مثلا، أريد أن أعرف كم آية في القرآن نسخت نسخ تلاوة؟ قرأت حديثا ورد في صحيح مسلم، أن سورا كاملة نسخت نسخ تلاوة، كانت تلك السور طويلة، ربما في طول سورة التوبة. (رجاء النظر في صحيح مسلم: كتاب الزكاة، باب لو كان لابن آدم وادٍ من ذهب أحب أن يكون له واديا آخر) . أريد أيضا أن أعرف هل تحدي الكفار في أن يأتوا بمثل القرآن متضمن للآيات المنسوخة؟ أسأل لأن الآية المذكورة في حديث صحيح مسلم لا تبدو لي كآية من القرآن إطلاقا!]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
ذهب جماهير الأصوليين والفقهاء والمحدثين والمفسرين إلى جواز وقوع نسخ التلاوة والرسم مع بقاء الحكم الشرعي المتضمن في الآية ثابتا.
واستدلوا على ذلك بما نقل عن الصحابة رضوان الله عليهم من نصوص تدل على ذلك، ونحن نذكر هنا بعض ما وقفنا عليه من الأمثلة المنقولة:
١- نسخ تلاوة آية الرجم.
دليله قول عمر بن الخطاب ﵁ – وهو يخطب الناس على المنبر -:
(إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَرَأْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا، رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: وَاللَّهِ مَا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ فِى كِتَابِ اللَّهِ. فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ. وَالرَّجْمُ فِى كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أُحْصِنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوْ الاِعْتِرَافُ) رواه البخاري (٦٨٣٠) ومسلم (١٦٩١) .
يقول أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي ﵀:
" وقول عمر: (كان مما أنزل الله تعالى على نبيه ﷺ آية الرَّجم، فقرأناها، ووعيناها، وعقلناها) ، هذا نصٌّ من عمر رضى الله عنه على أنَّ هذا كان قرآنًا يُتلى. وفي آخره ما يدلُّ على أنَّه نُسخً كَونُها من القرآن، وبقي حُكْمُها معمولاً به، وهو الرَّجم. وقال ذلك عمر بمحضرِ الصحابة رضى الله عنهم، وفي مَعْدن الوحي، وشاعت هذه الخطبة في المسلمين، وتناقلها الرُّكبان، ولم يسمع في الصحابة ولا فيمن بعدهم من أنكر شيئًا مِمَّا قاله عمر، ولا راجعه في حياته ولا بعد موته، فكان ذلك إجماعًا منهم على صحة هذا النوع من النسخ، وهو نسخ التلاوة مع بقاء الحكم، ولا يلتفت لخلاف من تأخر زمانه، وقل علمه في ذلك، وقد بيَّنا في الأصول: أن النسخ على ثلاثة أضرب: نسخ التلاوة، ونسخ الحكم مع بقاء التلاوة، ونسخ التلاوة مع بقاء الحكم " انتهى.
"المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" (٥/٨٥)
وانظر جواب السؤال رقم: (١١١٣٨٢) .
٢- نسخ تلاوة آية: (لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم) .
دليله قول عمر بن الخطاب ﵁ – في تكملة الحديث السابق -: (ثُمَّ إِنَّا كُنَّا نَقْرَأُ فِيمَا نَقْرَأُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ: " أَنْ لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، فَإِنَّهُ كُفْرٌ بِكُمْ أَنْ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، أَوْ إِنَّ كُفْرًا بِكُمْ أَنْ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ ") رواه البخاري (٦٨٣٠) ومسلم (١٦٩١) .
يقول الحافظ ابن حجر ﵀:
" قوله: (ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله) أي: مما نسخت تلاوته، قوله: (لا ترغبوا عن آبائكم) ، أي: لا تنتسبوا إلى غيرهم " انتهى.
"فتح الباري" (١٢/١٤٨) .
٣- نسخ تلاوة آية: (ألا بلغوا عنا قومنا بأنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا) .
دليله ما رواه قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ رضى الله عنه: (أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَتَاهُ رِعْلٌ وَذَكْوَانُ وَعُصَيَّةُ وَبَنُو لِحْيَانَ، فَزَعَمُوا أَنَّهُمْ قَدْ أَسْلَمُوا، وَاسْتَمَدُّوهُ عَلَى قَوْمِهِمْ، فَأَمَدَّهُمُ النَّبِىُّ ﷺ بِسَبْعِينَ مِنَ الأَنْصَارِ. قَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نُسَمِّيهِمُ الْقُرَّاءَ، يَحْطِبُونَ بِالنَّهَارِ وَيُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ، فَانْطَلَقُوا بِهِمْ حَتَّى بَلَغُوا بِئْرَ مَعُونَةَ غَدَرُوا بِهِمْ وَقَتَلُوهُمْ، فَقَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَبَنِى لِحْيَانَ.
قَالَ قَتَادَةُ: وَحَدَّثَنَا أَنَسٌ أَنَّهُمْ قَرَءُوا بِهِمْ قُرْآنًا: " أَلَا بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا بِأَنَّا قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِىَ عَنَّا وَأَرْضَانَا "، ثُمَّ رُفِعَ ذَلِكَ بَعْدُ) انتهى.
رواه البخاري (٣٠٦٤) .
٤- نسخ تلاوة سورة طويلة، ذُكر أن مِن آياتها: (لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا) .
دليله عن أبي الأسود ﵀ قال: (بَعَثَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ إِلَى قُرَّاءِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ ثَلَاثُ مِائَةِ رَجُلٍ قَدْ قَرَءُوا الْقُرْآنَ، فَقَالَ:
أَنْتُمْ خِيَارُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَقُرَّاؤُهُمْ، فَاتْلُوهُ، وَلَا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمْ الْأَمَدُ فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ كَمَا قَسَتْ قُلُوبُ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَإِنَّا كُنَّا نَقْرَأُ سُورَةً كُنَّا نُشَبِّهُهَا فِي الطُّولِ وَالشِّدَّةِ بِبَرَاءَةَ فَأُنْسِيتُهَا، غَيْرَ أَنِّي قَدْ حَفِظْتُ مِنْهَا: " لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى وَادِيًا ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ "، وَكُنَّا نَقْرَأُ سُورَةً كُنَّا نُشَبِّهُهَا بِإِحْدَى الْمُسَبِّحَاتِ فَأُنْسِيتُهَا، غَيْرَ أَنِّي حَفِظْتُ مِنْهَا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ) فَتُكْتَبُ شَهَادَةً فِي أَعْنَاقِكُمْ فَتُسْأَلُونَ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) رواه مسلم (١٠٥٠) ، يقول الحافظ ابن حجر في معرض الحديث عن إحدى الروايات التي تذكر هذه الآية (لو كان لابن آدم ... ) : " وهذا يحتمل أن يكون النبي ﷺ أخبر به عن الله تعالى على أنه من القرآن، ويحتمل أن يكون من الأحاديث القدسية، والله أعلم، وعلى الأول فهو مما نسخت تلاوته جزما، وإن كان حكمه مستمرا. ويؤيد هذا الاحتمال ما أخرج أبو عبيد في "فضائل القرآن" من حديث أبي موسى قال: " قرأت سورة نحو براءة فغبت وحفظت منها: ولو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى واديا ثالثا" الحديث، ومن حديث جابر: " كنا نقرأ لو أن لابن آدم ملء واد مالا لأحب إليه مثله " انتهى. "فتح الباري" (١١/٢٥٨) .
يقول أبو العباس القرطبي ﵀:
" قوله: (كنا نقرأ سورة نشبهها في الطول والشدّة ببراءة فأنسيتها) وهذا ضرب من النسخ، فإن النسخ على مانقله علماؤنا على ثلاثة أضرب: أحدها: نسخ الحكم وبقاء التلاوة. والثاني: عكسه، وهو نسخ التلاوة وبقاء الحكم. والثالث: نسخ الحكم والتلاوة، وهو كرفع هاتين السورتين اللتين ذكرهما أبو موسى، فإنهما رُفِعَ حُكْمَهُما وتلاوتُهما. وهذا النسخ هو الذي ذكر الله تعالى حيث قال: (مَا نَنْسخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا) ، على قراءة من قرأها بضم النون، وكسر السين، وكذلك قوله تعالى: (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى إلا ما شاء الله)
وهاتان السورتان مما شاء الله تعالى أن يُنْسِيَه بعد أن أنزله، وهذا لأن الله تعالى فعال لما يريد، قادر على ما يشاء؛ إذ كل ذلك ممكن.
ولا يتوهم متوهم من هذا وشبهه أن القرآن قد ضاع منه شيء، فإن ذلك باطل؛ بدليل قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزْلَنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ، وبأن إجماع الصحابة ومن بعدهم انعقد على أن القرآن الذي تعبدنا بتلاوته وبأحكامه هو ما ثبت بين دفتي المصحف، من غير زيادة ولا نقصان، كما قررناه في أصول الفقه " انتهى.
"المفهم" (٣/٩٣-٩٤)
ويقول السيوطي ﵀:
" هذا من المنسوخ تلاوة الذي أشير إليه بقوله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها) ، فكان الله ينسيه الناس بعد أن حفظوه، ويمحوه من قلوبهم، وذلك في زمن النبي ﷺ خاصة، إذ لا نسخ بعده " انتهى.
"الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج" (٣/١٢٩)
٥- وأشياء آخرى متفرقة:
يقول الحافظ ابن حجر ﵀:
" ثبت عن جماعة من الصحابة من ذكر أشياء نزلت من القرآن فنسخت تلاوتها وبقي حكمها أو لم يبق، مثل ... حديث أبي بن كعب: (كانت الأحزاب قدر البقرة) ، وحديث حذيفة: (ما يقرءون ربعها) يعني براءة، وكلها أحاديث صحيحة.
وقد أخرج ابن الضريس من حديث ابن عمر ﵄ أنه " كان يكره أن يقول الرجل قرأت القرآن كله، ويقول: إن منه قرآنا قد رفع ".
وليس في شيء من ذلك ما يعارض حديث الباب؛ لأن جميع ذلك مما نسخت تلاوته في حياة النبي ﷺ " انتهى.
"فتح الباري" (٩/٦٥)
ثانيا:
يجب الإيمان بأن لله الحكمة البالغة في هذا الشأن، فهو سبحانه منزه عن العبث، وله في خلقه وأمره حكم عالية رفيعة، قد نعلمها، وقد لا نعلمها، ولكن العلماء يحاولون دائما تلمس الحكم وتأملها استجابة لأمر الله سبحانه بالتفكر والتدبر في آياته .
يقول الزرقاني ﵀ – في معرض الجواب عن الشبه التي يذكرها بعضهم في نسخ التلاوة دون الحكم -:
" يقولون: إن الآية دليل على الحكم، فلو نسخت دونه لأشعر نسخها بارتفاع الحكم، وفي ذلك ما فيه من التلبيس على المكلف والتوريط له في اعتقاد فاسد.
وندفع هذه الشبهة بان تلك اللوازم الباطلة، تحصل لو لم ينصب الشارع دليلا على نسخ التلاوة وعلى إبقاء الحكم، أما وقد نصب الدليل على نسخ التلاوة وحدها، وعلى إبقاء الحكم وتقرير استمراره، كما في رجم الزناة المحصنين، فلا تلبيس من الشارع على عبده ولا توريط.
يقولون: إن نسخ التلاوة مع بقاء الحكم عبث لا يليق بالشارع الحكيم؛ لأنه من التصرفات التي لا تعقل لها فائدة؟
وندفع هذه الشبهة بجوابين:
أحدهما: أن نسخ الآية مع بقاء الحكم ليس مجردا من الحكمة، ولا خاليا من الفائدة حتى يكون عبثا، بل فيه فائدة أي فائدة، وهي حصر القرآن في دائرة محدودة تيسر على الأمة حفظه واستظهاره، وتسهل على سواد الأمة التحقق فيه وعرفانه، وذلك سور محكم وسياج منيع يحمي القرآن من أيدي المتلاعبين فيه بالزيادة أو النقص؛ لأن اكلام إذا شاع وذاع وملأ البقاع ثم حاول أحد تحريفه سرعان ما يعرف، وشد ما يقابل بالإنكار، وبذلك يبقى الأصل سليما من التغيير والتبديل، مصداقا لقوله سبحانه: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) والخلاصة أن حكمة الله قضت أن تنزل بعض الآيات في أحكام شرعية عملية، حتى إذا اشتهرت تلك الأحكام نسخ سبحانه هذه الآيات في تلاوتها فقط، رجوعا بالقرآن إلى سيرته من الإجمال، وطردا لعادته في عرض فروع الأحكام من الإقلال، تيسيرا لحفظه، وضمانا لصونه، والله يعلم وأنتم لا تعلمون.
ثانيهما: أنه على فرض عدم علمنا بحكمة ولا فائدة في هذا النوع من النسخ، فإن عدم العلم بالشيء لا يصلح حجة على العلم بعدم ذلك الشيء، وإلا فمتى كان الجهل طريقا من طرق العلم، ثم إن الشأن في كل ما يصدر عن العليم الحكيم الرحمن الرحيم أن يصدر لحكمة أو لفائدة نؤمن بها، وإن كنا لا نعلمها على التعيين، وكم في الإسلام من أمور تعبدية استأثر الله بعلم حكمتها، أو أطلع عليها بعض خاصته من المقربين منه، والمحبوبين لديه، وفوق كل ذي علم عليم، وما أوتيتم من العلم إلا قليلا.
ولا بدع في هذا، فرب البيت قد يأمر أطفاله بما لا يدركون فائدته لنقص عقولهم، على حين أنه في الواقع مفيد، وهم يأتمرون بأمره، وإن كانوا لا يدركون فائدته، والرئيس قد يأمر مرؤوسيه بما يعجزون عن إدراك سره وحكمته، على حين أن له في الواقع سرا وحكمة وهم ينفذون أمره، وإن كانوا لا يفهمون سره وحكمته.
كذلك شأن الله مع خلقه فيما خفي عليهم من أسرار تشريعه، وفيما لم يدركوا من فائدة نسخ التلاوة دون الحكم، ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم " انتهى.
"مناهل العرفان" (٢/١٥٦-١٥٨)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1325
هل يقل الأجر إذا قرأ القرآن من الجوال أو من حفظه ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يقل الأجر إذا قرأت القرآن من الجوال أو من حفظي ولم أقرأ القرآن من المصحف؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأفضل في حال القراءة أن يفعل الإنسان ما يزداد به خشوعه، فإن كان يزيد خشوعه بالقراءة من حفظه، فهو أفضل، وإن كان يزيد خشوعه بالقراءة من المصحف أو من الجوال فهو أفضل.
قال النووي ﵀ في: "الأذكار" (ص ٩٠-٩١) :
" قراءة القرآن من المصحف أفضل من القراءة من حفظه، هكذا قال أصحابنا، وهو مشهور عن السلف ﵃، وهذا ليس على إطلاقه، بل إن كان القارئ من حفظه يحصل له من التدبر والتفكر وجمع القلب والبصر أكثر مما يحصل من المصحف فالقراءة من الحفظ أفضل، وإن استويا فمن المصحف أفضل، وهذا مراد السلف " انتهى.
وقد رويت عن النبي ﷺ أحاديث ضعيفة لا يصح الاستدلال بها في فضل النظر في المصحف، وينظر في ذلك جواب السؤال رقم ٣٢٥٩٤.
وسئل الشيخ ابن باز ﵀: هل هناك فرق في الأجر بين قراءة القرآن من المصحف أو عن ظهر قلب؟ وإذا قرأت القرآن في المصحف فهل تكفي القراءة بالعينين أم لابد من تحريك الشفتين؟ وهل يكفي تحريك الشفتين أم لا بد من إخراج الصوت؟
فأجاب: "لا أعلم دليلا يفرق بين القراءة في المصحف أو القراءة عن ظهر قلب، وإنما المشروع التدبر وإحضار القلب، سواء قرأ من المصحف أو عن ظهر قلب، وإنما تكون قراءة إذا سمعها. ولا يكفي نظر العينين ولا استحضار القراءة من غير تلفظ. والسنة للقارئ أن يتلفظ ويتدبر، كما قال الله : (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)
وقال : (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) وإذا كانت القراءة عن ظهر قلب أخشع لقلبه وأقرب إلى تدبر القرآن، فهي أفضل، وإن كانت القراءة من المصحف أخشع لقلبه، وأكمل في تدبره كانت أفضل، والله ولي التوفيق " انتهى من "مجموع فتاوى الشيخ ابن باز" (٢٤/٣٥٢) .
وبهذا يتبين أنه إذا قرأت القرآن في الجوال بخشوع وتدبر، لم ينقص أجرك عن قراءته في المصحف إن شاء الله، فالمدار كله على حضور القلب وانتفاعه بالقرآن.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1326
معنى التغني بالقرآن
[السُّؤَالُ]
ـ[ما معنى التغني بالقرآن؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"جاء في السنة الصحيحة الحث على التغني بالقرآن، يعني تحسين الصوت به، وليس معناه أن يأتي به كالغناء، وإنما المعنى تحسين الصوت بالتلاوة، ومنه الحديث الصحيح: (مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ) وحديث: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ، يَجْهَرُ بِهِ) ومعناه: تحسين الصوت بذلك كما تقدم.
ومعنى الحديث المتقدم: (ما أذن الله) أي: ما استمع الله (كإذنه) أي: استماعه، وهذا استماع يليق بالله لا يشابه صفات خلقه، مثل سائر الصفات، يقال في استماعه سبحانه وإذنه مثل ما يقال في بقية الصفات، على الوجه اللائق بالله ، لا شبيه له في شيء ، كما قال : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) الشورى/١١، والتغني: الجهر به مع تحسين الصوت والخشوع فيه، حتى يحرك القلوب، لأن المقصود تحريك القلوب بهذا القرآن، حتى تخشع، وحتى تطمئن، وحتى تستفيد، ومن هذا قصة أبي موسى الأشعري ﵁ لما مر عليه النبي ﷺ وهو يقرأ، فجعل يستمع له ﵊، وقال: (لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ) فلما جاء أبو موسى أخبره النبي ﵊ بذلك، قال أبو موسى: لو علمت يا رسول الله أنك تستمع إليّ لحبرته لك تحبيراً. ولم ينكر عليه النبي ﵊ ذلك، فدل على أن تحبير الصوت وتحسين الصوت والعناية بالقراءة أمر مطلوب، ليخشع القارئ والمستمع، ويستفيد هذا وهذا" انتهى.
"مجموع فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀" (١١/٣٤٨- ٣٥٠) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1327
ترديد الإمام لبعض آيات الرحمة أو العذاب
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم ترديد الإمام لبعض آيات الرحمة أو العذاب؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"لا أعلم في هذا بأساً، لقصد حث الناس على التدبر والخشوع والاستفادة، فقد روي عنه ﵊ أنه ردد قوله تعالى: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) المائدة/١١٨، رددها كثيراً ﵊.
فالحاصل: أنه إذا كان لقصدٍ صالحٍ لا لقصد الرياء، فلا مانع من ذلك، لكن إذا كان يرى أن ترديده لذلك قد يزعجهم ويحصل به أصوات مزعجة من البكاء فترك ذلك أولى، حتى لا يحصل تشويش، أما إذا كان ترديد ذلك لا يترتب عليه إلا خشوع وتدبر وإقبال على الصلاة، فهذا كله خير" انتهى
"مجموع فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀" (١١/٣٤٣، ٣٤٤) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1328
وضع دعاء أو قرآن أو أذان لانتظار الرد على الاتصال
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم (خدمة صدى) وأقصد تحديدا وضع دعاء أو قرآن أو أذان لانتظار الرد أثناء الاتصال بشخص ما؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
خدمة "صدى" تسمح باختيار صوت معين يسمعه المتصل فقط، وبعض الناس يختار أن يكون هذا الصوت قرآناً أو أذاناً، أو دعاء ًَ، أو نشيداً مفيداً، وبعضهم يختار أن يكون أغنية أو موسيقى..... إلخ.
ولا بأس من حيث الأصل بهذه الخدمة، على أن يكون الصوت المختار ليسمعه المتصل شيئاً مباحاً أو مفيداً.
ولا يجوز أن يكون هذا الصوت موسيقى أو أغنية هابطة، لما ثبت من تحريم الأغاني والموسيقى، وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال رقم (٥٠٠٠) .
وأما اختيار صوت قارئ يقرأ القرآن، فهذا قد يكون فيه نوع امتهان للقرآن الكريم، فإن الله تعالى أنزل القرآن ليُقرأ ويُتدبر ويُتعبد بتلاوته ويُعمل بما فيه.
وكلام الله تعالى أعظم من أن نجعله مجرد وسيلة لشغل الفراغ أو التنبيه.
وكذلك الأذان فإنه شرع للإعلام بأفضل وأهم عبادات الإسلام وهي الصلاة، فله من التعظيم والإجلال ما يليق به، فلا ينبغي استعماله في هذه الخدمة.
أما الدعاء فالأمر فيه أهون.
وقد سئل الشيخ صالح الفوزان حفظه الله: ما رأيكم فيمن يضع في الجوال بدلا من الموسيقى أذان أو قراءة القرآن الكريم؟
فأجاب: "هذا امتهان للأذان والذكر والقرآن الكريم، فلا يتخذ لأجل التنبيه، ما يتخذ القرآن لأجل التنبيه.
يقال: هذا خير من الموسيقى! فهل الموسيقى أنت ملزم بها؟! اترك الموسيقى، ضع شيئا منبها، لا فيه موسيقى ولا فيه قرآن، منبه فقط " انتهى من "مجلة الدعوة" عدد ٢٠٩٧.
وينظر جواب السؤال رقم (٣٤٤٩٤) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1329
ضرب الأمثلة من القرآن
[السُّؤَالُ]
ـ[نسمع كثيراً من الناس يستخدمون الآيات القرآنية لضرب أمثلة أو ما شابه ذلك، كقوله: (لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ) الغاشية/٧، وقوله: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ) طه/٥٥، ومن تلك الآيات القرآنية الكريمة التي لا يمكن التلفظ بها إلا لما يفيد وينفع، لا للسخرية والاستهتار، كالدارج على ألسنة بعض الناس، وما نسمعه أو نقرأه، فهل هذا جائز أم لا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" لا بأس بالتمثيل بالقرآن، إذا كان ذلك لغرض صحيح، كأن يقول: هذا الشيء لا يسمن ولا يغني من جوع، أو يقول: منها خلقناكم وفيها نعيدكم، إذا أراد التذكير بحالة الإنسان مع الأرض وأنه خُلق منها ويعود إليها، فالتمثيل بالقرآن إذا لم يكن على وجه السخرية والاستهزاء فلا بأس به، أما إذا كان على وجه السخرية والاستهزاء - كما يقول السائل، فهذا يعتبر ردة عن الإسلام، لأن من استهزأ بالقرآن أو بشيء من ذكر الله ، فإنه يرتد عن دين الإسلام، كما قال تعالى: (قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) التوبة/٦٥، ٦٦، فيجب تعظيم القرآن واحترامه، ولا يمنع هذا أن الإنسان يتمثل به على وجه نزيه، وعلى وجه طيب، لا مانع من ذلك، أما استعماله من باب السخرية والاستهزاء، فهذا ردة عن الإسلام" انتهى. والله تعالى أعلم.
"مجموع فتاوى الشيخ صالح الفوزان" (١/١٢٧) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1330
حرق أوراق المصحف الذي تمزق
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز حرق أوراق من المصحف الشريف إذا خيف عليها الامتهان؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نعم، إذا تمزَّق المصحف وخُشي عليه من الامتهان وأصبح في حالة لا يمكن الانتفاع به والقراءة فيه، فلا بأس أن يُحرق أو أن يُدفن في أرض طاهرة، لأنَّ كلاً من الأمرين فعله الصحابة ﵃ فقد دفنوا المصاحف، وكذلك حرَّقوا المصاحف لمَّا جمعوا النَّاس على مصحفٍ واحد، وهو مصحف عثمان رضى الله عنه، حرَّقوا ما عداه من بقية المصاحف.
فالمصحف إذا كان في حالةٍ لا يُمكن الانتفاع به لتمزقه، فإنَّه إمَّا أن يُدفن في مكان طاهر، وإمَّا أن يُحرق، وكلا الأمرين فعله صحابة رسول الله ﷺ ".
"مجموع فتاوى الشيخ صالح الفوزان" (١/١٢٧) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1331
بداية الاحتفالات والندوات بقراءة القرآن الكريم
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم بداية الاحتفالات والندوات والاجتماعات بقراءة شيء من القرآن الكريم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ليس ذلك من السنة، فلم يكن من هدي النبي ﷺ وأصحابه ـ فيما نعلم ـ، فالمداومة على ذلك يدخل في الابتداع في الدين. وخير الهدي هدي النبي محمد ﷺ .
وقد سُئل الشيخ ابن عثيمين ﵀:
عن إدارة مدرسة تريد أن تبدأ الإذاعة المدرسية يومياً بقراءة شيء من القرآن الكريم.
فأجاب:
"الذي ينبغي أن لا يتخذ ذلك سنة دائمة - أعني: البداءة بالقرآن الكريم عند فتح الإذاعة -، لأن البداءة بالقرآن الكريم عبادة، والعبادة تحتاج إلى توقيف من الشرع، ولا أعلم أن الشرع سن للأمة أن تبتدأ خطاباتها ومحاضراتها وما أشبه ذلك بالقرآن الكريم، لكن إّذا ابتدأ أحد بقراءة ما يناسب المحاضرة مثلا تقدمةً لها، ولعل المحاضر يتكلم على معاني الآيات التي قرأها فإن هذا طيب لا بأس به، مثل أن تكون المحاضرة عن الصيام فيقوم أحد الناس يقرأ آيات الصيام قبل بدأ المحاضرة، أو تكون المحاضرة في الحج فيقوم أحد ويقرأ آيات الحج، فإن هذا لا بأس به، لأنه مناسب، فهو كالتقدمة لهذه المحاضرة التي تتناسب مع هذه الآيات، أما اتخاذ هذا سنة راتبة كلما أراد المحاضرة، أو كلما أردنا كلاما قرأنا القرآن، فهذا ليس بسنة" انتهى.
http://www.ibnothaimeen.com/all/noor/article_٨٢٩٦.shtml
وقال الشيخ بكر أبو زيد:
"ومن المحدثات التي لم تكن في هدي من مضى من صالح سلف هذه الأمة: التزام افتتاح المؤتمرات، والاجتماعات، والمجالس والمحاضرات، والندوات بآيات من القرآن الكريم، ولا أعلم حدوث هذا في تاريخ المسلمين إلا بعد عام ١٣٤٢ من هجرة النبي ﷺ ، أما قبل ذلك فلا، فهذا قدوة الأمة رسول رب العالمين لم يعهد من هديه فعل ذلك ولا مرة واحدة، لا سيما في حال جمعه لوجوه الصحابة ﵃ للمشورة في مهمات الأمور، وهكذا الخلفاء الراشدون من بعده ﵃ من اجتماع السقيفة إلى الآخر، وهكذا في حياة من تبعهم بإحسان.
هذا إذا كان الأمر المفتتح مشروعاً، أما إذا كان محظوراً أو محرماً أو مكروهاً؛ فيحرم شرعاً افتتاحه بالقرآن لعدم شرعية السبب، ولما فيه من تعريض كلام الله تعالى للامتهان في مجلس محظور مثل دورات الرهان المحرم على لعب محرم في ميادين الكرة، والمصارعة، والملاكمة، ونطاح الحيوانات، وسباق السيارات، والدراجات، إلى غير ذلك من أمور مبنية على الرهان المحرم، وما تفضي إليه من محرمات أخرى" انتهى.
"تصحيح الدعاء" (ص ٢٩٨) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1332
المحكم والمتشابه في القرآن الكريم
[السُّؤَالُ]
ـ[ما معنى قول الله تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات) الآية، وماذا يفعل من لبس عليه بسبب تشابه القران؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) آل عمران/٧
المراد منه أن القرآن الكريم فيه المحكم والمتشابه، والمحكم هو البيّن الواضح الذي لا يلتبس أمره، وهذا هو الغالب في القرآن، فهو أمّ الكتاب وأصل الكتاب، وأما المتشابه، فهو الذي يشتبه أمره على بعض الناس دون بعض، فيعلمه العلماء ولا يعلمه الجهال، ومنه ما لا يعلمه إلا الله تعالى.
وأهل الحق يردون المتشابه إلى المحكم، وأما أهل الزيغ فيتبعون المتشابه، ويعارضون به المحكم، ابتغاء الفتنة، وجريا خلف التحريف والتضليل.
قال ابن كثير ﵀ في تفسيره (٢/٦) : " يخبر تعالى أن في القرآن آيات محكمات هن أم الكتاب، أي: بينات واضحات الدلالة، لا التباس فيها على أحد من الناس، ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم، فمن ردّ ما اشتبه عليه إلى الواضح منه، وحكم محكمه على متشابهه عنده، فقد اهتدى. ومن عكس انعكس؛ ولهذا قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي: أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ أي: تحتمل دلالتها موافقة المحكم، وقد تحتمل شيئًا آخر من حيث اللفظ والتركيب، لا من حيث المراد ...
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ أي: ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ أي: إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرّفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، وينزلوه عليها، لاحتمال لفظه لما يصرفونه، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه؛ لأنه دامغ لهم وحجة عليهم، ولهذا قال: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أي: الإضلال لأتباعهم، إيهامًا لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهذا حجة عليهم لا لهم، كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى هو روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وتركوا الاحتجاج بقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ٥٩] وبقوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] وغير ذلك من الآيات المحكمة المصرحة بأنه خلق من مخلوقات الله، وعبد، ورسول من رسل الله.
وقوله: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ أي: تحريفه على ما يريدون " انتهى.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " قسم الله ﵎ القرآن الكريم إلى قسمين: محكم ومتشابه، والمراد بالمحكم هنا الواضح البين الذي لا يخفى على أحدٍ معناه مثل السماء والأرض والنجوم والجبال والشجر والدواب وما أشبهها، هذا محكم؛ لأنه لا اشتباه في معناه، وأما المتشابهات فهي الآيات التي يشتبه معناها ويخفى على أكثر الناس ولا يعرفها إلا الراسخون في العلم، مثل بعض الآيات المجملة التي ليس فيها تفصيل، فتفصلها السنة مثل قوله تعالى (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) فإن إقامة الصلاة غير معلومة، والمعلوم من هذه الآية وجوب إقامة الصلاة فقط، لكن كيف الإقامة، هذا يعرف من دليل آخر، والحكمة من أن القرآن نزل على هذين الوجهين الابتلاء والامتحان؛ لأن من في قلبه زيغ يتبع المتشابه، فيبقى في حيرةٍ من أمره، وأما الراسخون في العلم فإنهم يؤمنون به كله، متشابهه ومحكمه، ويعلمون أنه من عند الله وأنه لا تناقض فيه. ومن أمثلة المتشابه: قول الله ﵎ (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَاّ أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) مع قوله (يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوْا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمْ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً) فيأتي الإنسان ويقول: هذا متناقض كيف يقولون (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَاكُنَّا مُشْرِكِينَ) ثم يقال عنهم إنهم (لا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً) فيضرب الآيات بعضها ببعض؛ ليوقع الناس في حيرة، لكنّ الراسخين في العلم يقولون: كله من عند الله ولا تناقض في كلام الله، ويقولون: إن يوم القيامة يومٌ مقداره خمسون ألف سنة، فتتغير الأحوال وتتبدل، فتُنزّل هذه على حال وهذه على حال " انتهى من "فتاوى نور على الدرب".
وقال أيضا: " وأما أهل الضلال والزيغ فاتبعوا المتشابه وجعلوه مثاراً للشك والتشكيك فضلوا، وأضلوا وتوهموا بهذا المتشابه مالا يليق بالله ولا بكتابه ولا برسوله.
مثال الأول: قوله تعالى: (إنا نحن نحيي الموتى) . وقوله: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) ونحوهما مما أضاف الله فيه الشيء إلى نفسه بصفة الجمع، فاتبع النصراني هذا المتشابه وادعى تعدد الآلهة وقال: إن الله ثالث ثلاثة، وترك المحكم الدال على أن الله واحد.
وأما الراسخون في العلم: فيحملون الجمع على التعظيم لتعدد صفات الله وعظمها، ويردون هذا المتشابه إلى المحكم في قوله تعالى: (وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو) . ويقولون للنصراني: إن الدعوى التي ادعيت بما وقع لك من الاشتباه قد كفّرك الله بها وكذبك فيها فاستمع إلى قوله تعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد) أي كفروا بقولهم: إن الله ثالث ثلاثة.
ومثال الثاني: قوله تعالى: لنبيه ﷺ : (إنك لا تهدي من أحببت) وقوله: (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) ففي الآيتين موهم تعارض، فيتبعه من في قلبه زيغ ويظن بينهما تناقضاً وهو النفي في الأولى، والإثبات في الثانية. فيقول: في القرآن تناقض.
وأما الراسخون في العلم فيقولون: لا تناقض في الآيتين فالمراد بالهداية في الآية الأولى هداية التوفيق، وهذه لا يملكها إلا الله وحده فلا يملكها الرسول ولا غيره. والمراد بها في الآية الثانية هداية الدلالة وهذه تكون من الله تعالى، ومن غيره فتكون من الرسل وورثتهم من العلماء الربانيين ... " انتهى من "مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين" (٤/١٨٦) .
وهذه كلها أمثلة للمتشابهة النسبي الذي يخفى على بعض الناس، ويعلمه الراسخون في العلم، وأما المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله فمثل حقيقة وكيفية صفات الله تعالى، وحقيقة ما يكون عند الله تعالى من نعيم لأهل الجنة، وعذاب لمن عصاه؛ فهذا كله لا يعلمه إلا الله.
ثانيا:
من التبس عليه أمر شيء من المتشابه، فليرده إلى المحكم، إن كان من أهل العلم القادرين على الاستدلال والاستنباط، وإلا فليسأل أهل العلم، كما قال تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) النحل/٤٣
وليقل في كل حال: (آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) .
وقد عمد قوم من أهل الزيغ والزندقة قديما وحديثا إلى تتبع المتشابه من القرآن والسنة، ابتغاء الفتنة والتشكيك، وتصدى أهل العلم لذلك، وألفوا مؤلفات نافعة في رد هذا التشكيك، ومن ذلك ما ألفه الإمام ابن قتيبة ﵀ بعنوان: تأويل مختلف الحديث. وما ألفه الشيخ الأمين الشنقيطي ﵀ بعنوان: دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب.
فليس بحمد الله بين آيات الكتاب تناقض ولا اضطراب، وليس بين السنة والقرآن تعارض؛ لأن الأمر كله من عند الله، وقد قال سبحانه: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) النساء/٨٢
ونسأل الله لنا ولك التوفيق والسداد والعلم النافع والعمل الصالح.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1333
حكم مس الكافر للمصحف
[السُّؤَالُ]
ـ[سمعت أحد الدعاة في الصين يقول: إن مس المصحف بغير طهارة حرام بالنسبة للمسلم، وأما الكافر فيجوز له ذلك، حتى يتمكن من معرفة الإسلام، فهل هذا الكلام صحيح.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يجوز للمحدث مس المصحف؛ لما جاء في كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه النبي ﷺ إلى أهل اليمن وفيه: (ألا يمس القرآن إلا طاهر) رواه مالك (٤٦٨) وابن حبان (٧٩٣) والبيهقي (١/٨٧) . قال الحافظ ابن حجر: " وقد صحح الحديث بالكتاب المذكور جماعة من الأئمة لا من حيث الإسناد بل من حيث الشهرة، فقال الشافعي في رسالته: لم يقبلوا هذا الحديث حتى ثبت عندهم أنه كتاب رسول الله ﷺ .
وقال ابن عبد البر: هذا كتاب مشهور عند أهل السير معروف ما فيه عند أهل العلم معرفة يستغنى بشهرتها عن الإسناد لأنه أشبه التواتر في مجيئه لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة" انتهى من "التلخيص الحبير" (٤/١٧) .
والحديث صححه الشيخ الألباني في "إرواء الغليل" (١/١٥٨) .
وهذا يشمل المحدث حدثا أصغر أو أكبر، والكافر جامع للحدثين، إذ تصيبه الجنابة، فلا يغتسل منها، ولو اغتسل لم يصح غسله.
ولهذا ذهب جمهور الفقهاء إلى منع الكافر من مس المصحف، وتحريم تمكينه منه، وهو أولى بالمنع من المسلم؛ لأنه يُخشى من امتهانه له، ولهذا نهي النبي ﷺ عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو، كما روى البخاري (٢٩٩٠) ومسلم (١٨٦٩) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ.
قال النووي ﵀ في "المجموع" (٢/٨٥) : " قال أصحابنا: لا يمنع الكافر سماع القرآن، ويمنع مس المصحف " انتهى.
وقال الرملي ﵀: " ويمنع الكافر من وضع يده على المصحف لتجليده، كما قاله ابن عبد السلام، وإن رجي إسلامه " انتهى من "نهاية المحتاج" (٣/٣٨٩) .
وقال الباجي في "المنتقى" (٣/١٦٥) : " ولو أن أحدا من الكفار رغب أن يرسل إليه بمصحف يتدبره لم يرسل إليه به؛ لأنه نجس جنب ولا يجوز له مس المصحف، ولا يجوز لأحد أن يسلمه إليه ذكره ابن الماجشون " انتهى.
وجاء في "الموسوعة الفقهية": " مس الكافر المصحف وعمله في نسخ المصاحف وتصنيعها: يمنع الكافر من مسّ المصحف , كما يمنع منه المسلم الجنب , بل الكافر أولى بالمنع " انتهى.
وفيها أيضا: " ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وأبو يوسف من الحنفيّة إلى أنّه لا يجوز للكافر مس المصحف لأنّ في ذلك إهانةً للمصحف.
وقال محمّد بن الحسن: لا بأس أن يمسّ الكافر المصحف إذا اغتسل , لأنّ المانع هو الحدث وقد زال بالغسل , وإنّما بقي نجاسة اعتقاده وذلك في قلبه لا في يده " انتهى.
وسئل الشيخ ابن باز ﵀: ما حكم مس النصراني للمصحف، وكذلك مسه لترجمة معاني القرآن الكريم؟
فأجاب: " هذا فيه نزاع بين أهل العلم، والمعروف عند أهل العلم منع النصراني واليهودي وسائر الكفرة؛ لأن الرسول ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، قال: لئلا تناله أيديهم، فدل ذلك على أنهم لا يمكنون منه، وإنما يمكنون من السماع، قال تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ) الآية، يعني: يتلى عليهم حتى يسمعوه ولكن لا يدفع إليهم القرآن. وذهب بعض أهل العلم إلى جواز ذلك إذا رجي إسلام الكافر واحتجوا على هذا بأنه ﷺ كتب إلى هرقل عظيم الروم قوله جل وعلا: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) الآية،
قالوا: هذه الآية العظيمة آية من كتاب الله وقد كتبها إلى هرقل.
والصواب أنه ليس بحجة، وإنما يدل على جواز الكتابة للآية والآيتين من كتاب الله. أما تسليم المصحف فليس بثابت عنه ﷺ .
أما بالنسبة لكتاب ترجمة معاني القرآن فلا حرج في أن يمسه الكافر؛ لأن المترجم معناه أنه كتاب تفسير وليس بقرآن، أي أن الترجمة تفسير لمعاني القرآن، فإذا مسه الكافر أو من ليس على طهارة فلا حرج؛ لأنه ليس له حكم القرآن، وحكم القرآن يختص بما إذا كان مكتوبا بالعربية وحدها وليس فيه تفسير، أما إذا كان معه الترجمة فحكمه حكم التفسير، والتفسير يجوز أن يحمله المحدث والمسلم والكافر؛ لأنه ليس كتاب القرآن ولكنه يعتبر من كتب التفسير " انتهى من "مجموع فتاوى الشيخ ابن باز" (٢٤/٣٤٠) .
وعُلم من هذا جواز مس الكافر للترجمة، لأن الترجمة ليست قرآنا، فإذا أريد دعوته أعطي ترجمةً لمعاني القرآن الكريم.
وانظر جواب السؤال رقم (٩٦٦٤٦)
وفق الله الجيع لما يحب ويرضى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1334
الوصايا العشر
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يوجد في القرآن شيء شبيه بالوصايا العشرة الموجودة في الإنجيل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
شكرا لك على توجيه هذا السؤال الذي يظهر منه الاهتمام بالقرآن الكريم ونقدّم لك جواب سؤالك بكلّ سرور:
في القرآن الكريم آيات أطلق عليها بعض العلماء آيات الوصايا العشر نظرا لاشتمالها على عشر وصايا عظيمة من الله للبشرية، وهذه الآيات في موضعين من القرآن الكريم:
الأول في سورة الأنعام في قول الله تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣) سورة الأنعام
والموضع الثاني في سورة الإسراء ويكاد أن يكون شرحا للموضع الأول، قال الله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥) وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلا مَيْسُورًا (٢٨) وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠) وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١) وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً (٣٢) وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣) وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (٣٥) وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً (٣٦) وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً (٣٧) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨) ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًاءَاخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩) .
ولعلك أيها السّائل بعد تمعّنك في هذه الآيات يكون لك موقف من القرآن أجود بكثير من ذي قبل، وأن يكون ذلك فاتحة لتغيّر جذري في حياتك، وسبيلاً كريماً لاعتناق دين الإسلام ونتمنى لك التوفيق دائما، والسلام على من اتّبع الهدى.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1335
كتابة القرآن في الجوال بغير الرسم العثماني
[السُّؤَالُ]
ـ[نحن شركة كمبيوتر تقوم بتطوير برنامج أذكار ليعمل على أجهزة الهاتف المحمولة. ضمن مواصفات البرنامج: عرض بعض الأذكار وبعض الآيات والأحاديث التي تحث على الذكر والدعاء وذلك على شاشة الجهاز. يوجد بعض الصعوبات الفنية في عرض الآيات بالرسم العثماني وبالتشكيل. السؤال هو هل يجوز عرض بعض الآيات القليلة بدون رسم عثماني وبدون تشكيل وذلك على شاشة جهاز الهاتف لتذكير صاحبه بالذكر والدعاء؟ وجزاكم الله خيرا]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله:
المصحف لا تجوز كتابته بغير الرسم العثماني المتفق عليه منذ عهد الصحابة:
قال أشهب: " سئل مالك ﵀: هل تَكتب المصحف على ما أخذتْه الناس من الهجاء؟ فقال: لا؛ إلا على الكِتْبة الأولى.
رواه أبو عمرو الداني في المقنع، ثم قال: " ولا مخالف له من علماء الأمة " ...
وقال الإمام أحمد ﵀: " تحرم مخالفة خط مصحف عثمان فى ياء أو واو أو ألف أو غير ذلك " ...
وقد قال البيهقي في شعب الإيمان: " من كتب مصحفا فينبغي أن يحافظ على حروف الهجاء التي كتبوا بها تلك المصاحف، ولا يخالفهم فيها، ولا يغير مما كتبوه شيئا؛ فإنهم أكثر علما، وأصدق قلبا ولسانا، وأعظم أمانة منا؛ فلا ينبغي أن نظن بأنفسنا استدراكا عليهم.
وروى بسنده عن زيد قال: القراءة سنة. قال سليمان بن داود الهاشمى يعنى ألا تخالف الناس برأيك في الاتباع.
قال: وبمعناه بلغني عن أبى عبيد في تفسير ذلك وترى القراء لم يلتفوا إلى مذهب العربية في القراءة إذا خالف ذلك خط المصحف واتباع حروف المصاحف عندنا كالسنن القائمة التى لا يجوز لأحد أن يتعداها. " انتهى.
[انظر: البرهان في علوم القرآن، للزركشي (١/٣٧٩) والإتقان للسيوطي (٤/١٤٦) ]
وقال السيوطي ﵀ في الإتقان: " أجمعوا على لزوم اتباع رسم المصاحف العثمانية في الوقف إبدالا وإثباتا وحذفا ووصلا وقطعا " انتهى من الإتقان في علوم القرآن (١/٢٥٠) .
وهذا كله فيما إذا كان الغرض كتابة المصحف، يعني: كاملا.
وأما كتابة آية منه، أو بعض آيات، ونقلها في كتب العلم، أو المجلات النافعة، أو نحو ذلك، فلا بأس به، وعليه جرى عمل الناس في كتبهم، وإن كان الأحسن مراعاة رسم المصحف، متى أمكن ذلك، بنقله من المصحف مباشرة.
وقد سبق بيان حكم ذلك في السؤال رقم (٩٧٧٤١)
وعليه:
فلا حرج فيما ذكرت من عرض بعض الآيات الكريمة على شاشة الجوال بغير الرسم العثماني، إذا تعذّر عرضها بالرسم العثماني، مع مراعاة أن تكون الآيات المكتوبة بهذه الطريقة مما يسهل قراءتها عادة، ولا يحصل فيها الغلط، ومراعاة ضبط ما يشكل منها حتى لا يحصل الخطأ في قراءتها ونشرها.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →