Полный текст (16 344 стр.). Показаны 12741–12780 · переход к 12746.
стр. 12741
ذهب إلى ساحر لفك السحر فهل له من توبة
[السُّؤَالُ]
ـ[قلبي يعتصر ألما وعقلي كاد يشت أصبحت لا أدري ما الصواب وما الخطأ أشياء كثيرة كنت أتحاشا فعلها وقعت فيها، بل أكثر من ذلك فقد فعلت أشياء أخاف أن تكون شركاً , أخاف أن يكون قد حبط عملي. أشعر بأن صلاتي , صومي, حجي , كل عمل قد يكون صالحا قد أحبط كلما قرأت قوله تعالى: (لئن أشركت ليحبطن عملك) قلبي يعتصر ألما والله، ما أقوله ليس من باب الرياء ولكنه حقيقة في نفسي أذهب إلى الصلاة أجر قدمي أصبحت لا أستطيع أن أفتح القرآن أشعر بأن القرآن يلعنني لأني لم أعمل بما أحفظ وحتى إذا قرأت لا أستطيع أن أكمل فأغلقه أقول لنفسي كيف أقف أمامه وأقول وإياك نستعين أين هذه الاستعانة قد كنت كلما أهمني أمر لا أتعلق إلا به سبحانه وأدعوه وألح في الدعاء كنت أشعر بأني قريب منه حتى في هذا الأمر الذي ألم بي كنت أدعوه كثيرا ولكن لم أصبر أشعر بأن الله امتحنني فما صبرت ورسبت , أشعر أن أعمالي ليست مقبولة كأن هناك صوتاً يقول لي: لم العمل وما فائدته؟ بعد الذي فعلت إذا كان كل ما تعمله ليس متقبلا وكل ما فعلته أصبح هباءً منثوراً, ما فعلته يتلخص في أني ذهبت إلى رجل ليفك لي سحراً أصبت به بعد الزواج استمر معي أكثر من شهر وأنا كاره لذلك ولكن أعطاني أشياء لا أفهمها أخذتها وأنا كاره لكل ذلك أخذتها ونفسيتي محطمة وعقلي غائب أليس هذا نوعاً من الشرك المحبط للعمل المخرج من الملة ألم يقل الرسول ﷺ : (الرقى والتمائم والتولة شرك) وقال: (من ذهب إلى عراف فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد) أخبرني والله أنا في عذاب والله في عذاب، دنياي لا حظ لي فيها كل أمنياتي فيها لم يتحقق فيها شيء وأخاف أن تكون آخرتي آخرة سوء فأكون قد خسرت كل شيء.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
إن شعورك بالذنب، وتألّم قلبك من أجله، دليل على صحة إيمانك، وطهارة نفسك، وهذا من فضل الله عليك، فإن أصحاب القلوب الحية هم الذين يتأثرون بالذنوب، ويفزعون إلى الله تائبين مستغفرين، وأما أصحاب القلوب الميتة فلا تؤثر فيهم جراحات المعاصي، كما قيل: ما لجرح بميتٍ إيلامُ.
قال الله تعالى في شأن أهل الإيمان: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) الأعراف/٢٠١.
والمعنى أنهم إذا أصابوا الذنوب، تذكروا " عقاب الله وجزيل ثوابه، ووعده، ووعيده، فتابوا وأنابوا، واستعاذوا بالله، ورجعوا إليه من قريب (فإذا هم مبصرون) أي قد استقاموا وصحوا مما كانوا فيه " انتهى من "تفسير ابن كثير".
فما عليك إلا أن تتوب وتستغفر، وتعلم أنك تقبل على رب رحيم، يفرح بتوبة عبده، ويتقبلها منه، ويبدل سيئاته حسنات، مهما كانت هذه السيئات.
وكأنك لا تعلم أن الله يتوب على أهل الكفر والإلحاد والبغي والفساد، إذا تابوا ورجعوا إليه، فكيف لا يتوب على أهل الإيمان إذا وقعوا في المعصية، وأصابهم الذنب، وهم المحبّون له، المقبلون عليه، الراكعون الساجدون، المتوضئون المتطهرون، علموا أنه لا يغفر ذنبهم غيرُه، ولا يجبر كسرهم سواه، فسارعوا نادمين مستغفرين، يقولون: ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، فيقول الرحمن لملائكته: علم عبدي أنه لا يغفر الذنب غيري، أشهدكم أني قد غفرت له، فتذهب الأحزان، وتزول الهموم، ويعود الوصل، ويزيد الأنس، فلله ما أحلى فرحة التائبين، وما أجمل عودة المذنبين.
قال الرب الرحيم: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) التوبة/١٠٤.
وقال سبحانه: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا. إِلا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) الفرقان/٦٨- ٧٠.
وروى البخاري (٧٥٠٧) ومسلم (٢٧٥٨) عن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا فَقَالَ: رَبِّ، أَذْنَبْتُ فَاغْفِرْ لِي، فَقَالَ رَبُّهُ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا أَوْ أَذْنَبَ ذَنْبًا فَقَالَ: رَبِّ، أَذْنَبْتُ أَوْ أَصَبْتُ آخَرَ فَاغْفِرْهُ، فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا، وَرُبَّمَا قَالَ أَصَابَ ذَنْبًا وقَالَ: رَبِّ، أَصَبْتُ أَوْ قَالَ أَذْنَبْتُ آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي فَقَالَ أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ غَفَرْتُ لِعَبْدِي) .
وروى مسلم (٢٧٤٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ) .
فبادر بالتوبة والندم والاستغفار، وأكثر من الأعمال الصالحة، وأبشر بالخير والفلاح.
ثانيا:
من مكر الشيطان بالإنسان أن يزين له المعصية، ويوقعه فيها، ثم يقنطه من التوبة، وينصح له بالزور: كيف تعود إلى الله وقد فعلت ما فعلت؟ أما تستحي منه؟ هل تظن أنه يقبل منك؟
فربما كانت معصية الإنسان كبيرة كالزنا، فجره بذلك إلى ما هو كفر كترك الصلاة، فتأمل كيف يتلاعب الشيطان بهذا الإنسان.
وأما المؤمن فلا سبيل للشيطان عليه في هذا الباب، لأنه يعلم ما قدمنا من لزوم التوبة، وفرح الله تعالى بها، وتكريمه لأهلها، وتبديل سيئات أصحابها حسنات.
ثالثا:
لا يجوز الذهاب للسحرة والكهنة والعرافين، ولو كان ذلك لحل السحر، وهو ما يسمى بالنُّشْرة، بل السحر يعالج بالآيات القرآنية والأدعية النبوية واللجوء إلى خالق البرية ، وينظر جواب السؤال رقم (١١٢٩٠) ورقم (٤٨٩٦٧)
وقد قال النبي ﷺ : (مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) رواه مسلم (٢٢٣٠) .
وقال: (مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ رواه أحمد (٩٧٧٩) وأبو داود (٣٩٠٤) والترمذي (١٣٥) وابن ماجه (٩٣٦) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه.
وهذا محمول على الكفر الأصغر عند كثير من أهل العلم، إلا إذا اعتقد أن الساحر أو الكاهن يعلم الغيب.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " قوله: (فسأله؛ لم تقبل له صلاة أربعين يوما) . ظاهر الحديث أن مجرد سؤاله يوجب عدم قبول صلاته أربعين يوما، ولكنه ليس على إطلاقه؛ فسؤال العراف ونحوه ينقسم إلى أقسام:
القسم الأول: أن يسأله سؤالا مجردا؛ فهذا حرام لقول النبي ﷺ : (من أتى عرافا ...) ؛ فإثبات العقوبة على سؤاله يدل على تحريمه؛ إذ لا عقوبة إلا على فعل محرم.
القسم الثاني: أن يسأله فيصدقه، ويعتبر قوله؛ فهذا كفر لأن تصديقه في علم الغيب تكذيب للقرآن، حيث قال تعالى: (قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله) (النمل: من الآية٦٥) .
القسم الثالث: أن يسأله ليختبره: هل هو صادق أو كاذب، لا لأجل أن يأخذ بقوله؛ فهذا لا بأس به، ولا يدخل في الحديث. وقد سأل النبي ﷺ ابن صياد؛ فقال: (ماذا خبأت لك؟ قال: الدخ.
فقال: (اخسأ؛ فلن تعدو قدرك) ؛ فالنبي ﷺ سأله عن شيء أضمره له؛ لأجل أن يختبره؛ فأخبره به.
القسم الرابع: أن يسأله ليظهر عجزه وكذبه، فيمتحنه في أمور، وهذا قد يكون واجبا أو مطلوبا.
وإبطال قول الكهنة لاشك أنه أمر مطلوب، وقد يكون واجبا؛ فصار السؤال هنا ليس على إطلاقه، بل يفصل فيه هذا التفصيل على حسب ما دلت عليه الأدلة الشرعية الأخرى " انتهى من "القول المفيد" (٢/٤٩) .
وعليه فإذا لم تعتقد أن الساحر يعلم الغيب، فقد سلمت من الكفر الأكبر والحمد لله.
وقد ذهب بعض العلماء إلى جواز حل السحر بالسحر، لكنه قول ضعيف، يفتح باب الشر، ويغري السحرة بالبقاء على باطلهم، ويشجع غيرهم على تعلم السحر بحجة نفع الناس.
وتعليق التميمة إن اعتقد فيها النفع والضر، فهذا هو الشرك الأكبر، وإن اعتقد أنها سبب، فهو شرك أصغر، وينظر السؤال رقم: (٣٤٨١٧)
نسأل الله تعالى أن يتقبل توبتك، ويغسل حوبتك، ويمحو خطيئتك، ويعافيك في دينك ودنياك.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12742
أخذ من مال صاحبه دون علمه ويريد أن يرده مع زيادة عليه
[السُّؤَالُ]
ـ[هناك شخص أعطاني مالا لأضعه له في حساب التوفير الخاص بي في بنك إسلامي على أن تكون الأرباح له واحتجت إلى جزء من هذا المال وأنا بنيتي أنه عندما يتم توزيع الأرباح في نهاية الربع السنوي أن أقدر نسبة الربح الذي يأتي على المال الذي استخدمته وأضيفه إلى الأرباح التي ستأتي من البنك على المال الموجود فعلا في البنك وأعطيها إلى صاحب المال؟ فهل فعلي هذا صائب وهل فيه شبهة الربا؟ مع العلم أن صاحب المال لا يعلم بذلك وأنا أعطيه ما أعطيه من عندي عن طيب نفس وكهدية مني له؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
لقد أخطأت في أخذك من المال دون علم صاحبه؛ لأنه أمانة في يدك، فلا يجوز لك التعدي عليها. وباعتدائك على الأمانة تصبح ضامنا لها، فيلزمك رد المثل، ولا يلزمك شيء فوق ذلك، إلا إذا أخذت المال وربحت فيه، فإن الربح يعود لصاحب المال في قول بعض الفقهاء الذين يرون أن ربح المال المغصوب وما في حكمه لا يأخذه الغاصب بل يكون لصاحب المال
، ولك أن تخبر صاحب المال بما وقع، ثم تتفقان على كيفية توزيع الربح.
وانظر جواب السؤال رقم (٨٧٦٩٥)
وإذا أخذت المال ولم تربح من ورائه، لزمك رد المثل فقط، ولا حرج في دفع زيادة عليه من قبيل الهبة والتبرع.
ثانيا:
يلزمك التوبة إلى الله تعالى من التعدي على الأمانة، ومن شروط التوبة: العزم على عدم فعل ذلك مرة أخرى، فلا تصح التوبة مع استمرارك في أخذ مال صاحبك بدون علمه، كما يلزمك إخبار صاحبك والتحلل منه، إلا أن تخشى مفسدة بإخباره كحصول القطيعة مثلا، فتكتفي برد المال فقط.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12743
العمل في تدريب النساء على الرقص
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم مكان تعمل فيه النساء فقط لتدريب الرقص، مثل: الباليه والرقصات الأخرى كهواية وليس كحرفة للنساء؟ وما حكم المكسب من هذه الحرفة؟ مع العلم أن التدريب يكون على الأغاني، وإذا كان هذا المكسب حرامًا فماذا عليه أن يفعل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يجوز أن يشتبه مسلمٌ يعيش في ديار الإسلام في حرمة العمل في أماكن رقص النساء وكشف العورات والوقوع في المنكرات، فإنَّ تحريمَ ذلك معلومٌ من الدين بالضرورة والبديهة، وإذا لم يكن ذلك الفعل حراما فما هو المحرَّمُ إذن؟!
ولا شك أنَّ مَن يتعرَّضُ لمثل هذه الأعمال إنما يتعرَّضُ لسخط الله وعقوبته ومقته وغضبه، إذ كيف يقتحم مثل هذه المعاصي ويجاهر بها على الملأ، بل ويساعد على نشرها وتعليمها والتدريب عليها، وهو يدرك في قرارة نفسه أن هذا العمل من وحي الشيطان ونتن تلك الحضارة الغربية المزعومة، التي تتخذ من العري والمجون شعارا لها، والله يمهل ولا يهمل، وقد أعد لمن ينشر الفسق والفساد في الأرض عذابا عظيما.
يقول الله : (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ. إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ. وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ. وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ. الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ. فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ. فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ. إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) الفجر/٦-١٤
وهذه قضايا معلومة بداهة من الدين، لا تحتاج إلى إقامة برهان عليها، ومن يرضى بها أو يستحلها فهو على خطر عظيم، نسأل الله لنا ولكم السلامة والعافية.
وإذا كان كذلك فالكسب الذي يأخذه من يدرب النساء على الرقص المتعري، ويشارك في نشر الفساد والمعصية في الأرض كسب خبيث ومال حرام، لا يحل له أكله ولا أخذه ولا استعماله، بل يجب عليه أن يبادر إلى التوبة منه.
جاء في "الموسوعة الفقهية" (٢٣/١٠-١١) :
" – إذا صحب - الرّقصَ أمر محرّم كشرب الخمر، أو كشف العورة ونحوهما، فيحرم اتّفاقًا ... ولا خلاف بين الفقهاء في عدم جواز الاستئجار على المنافع المحرّمة وغير المتقوّمة، فحيث كان الرّقص حرامًا لا يجوز الاستئجار عليه " انتهى باختصار.
والتوبة من المال المحرم لكسبه تكون بالتخلص منه في وجوه البر والخير، فيتصدق بجميع ماله الذي كسبه من الحرام، ولا حرج عليه في إبقاء ما نتج من ذلك المال الحرام بالتجارة المباحة، أو يبقي ما يسد حاجته حتى يجد عملا مباحا يكسب منه الكسب الطيب.
وقد سبق في موقعنا الحديث عن كيفية التوبة من المال الحرام في أجوبة الأسئلة الآتية:
(٧٨٢١٠) ، (٧٨٢٨٩) ، (٨١٩١٥)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12744
اليمين الغموس لا تكفرها إلا التوبة الصادقة
[السُّؤَالُ]
ـ[سمعت أن يمين الغموس تَغمِسُ صاحبها في النار، وأنها ليس لها كفارة، هل هذا يعني أن لا توبة من هذا الذنب؟ وهل الله يغفر كل الذنوب إذا كانت التوبة صحيحة وصادقة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
اليمين الغموس هي اليَمين الكاذِبة الفاجرة، كالتي يَقْتَطِع بها الحالفُ مالَ غيره، سُمِّيت غَمُوسا لأنها تَغْمِس صاحِبَها في الإثْمِ ثم في النار. كذا قال ابن الأثير في "النهاية" (٣/٧٢٤) .
ثانيا:
جاء في "الموسوعة الفقهية" (٣٥/٤١) :
" اختلف الفقهاء في وجوب الكفّارة في اليمين الغموس، على قولين:
القول الأوّل: عدم وجوب الكفّارة في اليمين الغموس: وإليه ذهب جمهور الفقهاء: الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة.
القول الثّاني: وجوب الكفّارة في اليمين الغموس: وإليه ذهب الشّافعيّة....وقد استدلّ كل فريقٍ بأدلّة تؤيّد ما ذهب إليه " انتهى.
وانظر: "بدائع الصنائع" (٣/٣) ، "التاج والإكليل" (٣/٢٦٦) ، "كشاف القناع" (٦/٢٣٥) .
وجاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (٢٣/١٣٣) :
" اليمين الغموس من كبائر الذنوب، ولا تجدي فيها الكفارة لعظيم إثمها، ولا تجب فيها الكفارة على الصحيح من قولي العلماء، وإنما تجب فيها التوبة والاستغفار " انتهى.
وسواء قيل بوجوب الكفارة أم لا؟ فإن الكفارة لا تكفر إثم اليمين الغموس، بل لا بد من التوبة النصوح.
ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٣٤/١٣٩) بعد أن نقل الخلاف في كفارة اليمين الغموس:
" واتفقوا على أن الإثم لا يسقط بمجرد الكفارة " انتهى.
ثالثاً:
واليمين الغموس كغيرها من الذنوب تكفرها التوبة الصادقة، وليس هناك ذنب لا تقبل التوبة
منه، فقد فتح الله تعالى باب التوبة أمام كل عاصٍ، والله تعالى يتوب على من تاب
قال : (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) الزمر/٥٣
قال ابن كثير ﵀: هذه الآية دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار بأن الله يغفر الذنوب جميعاً لمن تاب منها ورجع عنها، وإن كانت مهما كانت، وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر.... والآيات من هذا كثيرة جداً انتهى.
وانظر جواب السؤال رقم (٤٦٦٨٣) ففيه زيادة بيان.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12745
متحجبة! دخلت جامعة مختلطة وتصادق الشباب وتفعل الزنا على الهاتف !
[السُّؤَالُ]
ـ[يا ليت يكون لك معي صبر وافر لسماع حكايتي، وأن تنصحني بما فيه خير لي، وسوف أكون إن شاء لله مطيعة لنصائحك. قصتي لا أعرف كيف أبدأها ولكنها كالآتي: أنا متحجبة، وألبس الجلباب، وأصادق في الجامعة بنات في مثل تديني، بل أكثر مني، ولكن لا أعرف ما الذي يحدث لي بين الفترة والأخرى، بل وأحيانا لا أمتّ لديني بأي صلة، فأُصبح أتكلم مع الشباب في أمور غير لائقة، ونمارس أفعالاً غير محتشمة، وذلك بمجرد بُعد صديقاتي عنِّي، وأحياناً يصل الأمر إلى الزنا! والقصد هنا زنا عن طريق الهاتف! إذ لم يمسسني أي شخص مباشرة، وصدقني عندما ينتهي الأمر أكره نفسي، وأكره ما فعلت، وأتذكر الباري الذي يراني، ويسمعني، وأقول في نفسي إن هذه المرة هي آخر مرة، وإني سوف أتوب للباري، وتمر الأيام وأنا تائبة ونادمة، ولكن سرعان ما أعود لنفس القصة، وعندما تنتهي أندم مرة أخرى، وهكذا، والمشكلة في الأمر: لا أعرف لمن أشتكي، ومن ينصحني، لا أعرف إذا كان هذا مرضاً أو انفصاماً في الشخصية، أو حتى هل بإمكاني أن أرجع مثل الأول، وأعود لحياتي الطبيعية، علماً بأن هذه المسألة بدأت معي منذ دخولي إلى الجامعة، وما مراسلتي لك إلا لأنني أريد فعلا أن أتبدل، وأغير نمط حياتي، فهل لي من عطفك وإرشادك لي على الطريق الصحيح، وأن أبدأ حياتي نظيفة تائبة، حياة لا رجوع فيها إلى الوراء؟ أتمنى أن ترشدني إلى ما هو صحيح برأيك.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
آلمتنا رسالتك أشد الألم، وأصابنا الغم والهم بسببها، وإننا لفي عجبٍ من كل من يرضى على عرضه أن يكون بين ذئابٍ بشرية، وكم نادينا بما نادت به الشريعة الغراء من ضرورة الفصل بين النساء والرجال، وكم بَيَّنا تحريم الاختلاط بين الجنسين، وكم نبهنا على أن الشريعة لم تأذن للمرأة أن تؤذن ولا أن تؤم وتخطب الجمعة، ورغبت في صلاتها في بيتها، وحرَّمت على المرأة أن تسافر من غير محرَم، ومن أن تخلو برجل أجنبي عنها، ومن أن تخضع بالقول وتلين فيه، أو تصافح الرجال الأجانب عنها أو تمازحهم، وكل ذلك – وغيره - من أجل الحفاظ على الأعراض، ومن أجل سلامة القلوب من الفتنة.
وها هم المسلمون وللأسف – إلا من رحم الله – يفرطون في تلك الأوامر، ويرتكبون تلك النواهي، حرصاً منهم على مشابهة الغرب في تصرفاتهم، أو حرصاً على تحصيل شهادة، ولو دُفع مقابلها أغلى الأثمان، وهو العِرض! نعم، العِرض هو الثمن في حالات كثيرة، ونحن نتلقى مئات الرسائل والاتصالات والحالات لشباب وشابات على الطاعة والاستقامة سرعان ما يذوب أحدهم في مجتمعه المختلط، ويتأثر بالبيئة الفاسدة التي حوله، فينسى استقامته، ويتخلى عن طاعته، ويبيعها بثمن بخسٍ، إرضاءً لشهوته البهيمية الزائلة.
وانظري لنفسكِ أيتها السائلة، أين تدينكِ؟ أين استقامتك وطاعتك لربك؟ وضعتِ على رأسك حجاباً استجابة لأمرِ الله وفرَّطتِ في عرضك تسلمينه للذئاب تنهش به؟! وهل الزنا على الهاتف هو نهاية المطاف وآخر الأمر؟! لا، ولن تزال الشهوة تلتهب وتحرق قلبك وبدنك حتى تطفئيها بما هو أشد إثماً وفحشاً وسوءً! كيف رضيتِ لنفسك وأنت على هذه الحال من التدين والحجاب أن تكلمي أجانب عنك بكلمات غير لائقة؟! وأين أنتِ عن رقابة الله تعالى لك وسماعه وإبصاره لك وأنت تمارسين الزنا على الهاتف؟! ماذا لو رآكِ أهلك وأنت تفعلين هذا؟ وماذا لو قبض الله تعالى روحك وأنت تفعلين هذا فكانت هذه خاتمة حياتك؟ هل تضمنين الحياة بعد تلك الأفعال المشينة؟ وهل تضمنين التوفيق للتوبة بعدها؟! .
وإذا كنتِ تتوقعين منا حلاًّ لمشكلتك ينهيها لك: فليس عندنا حل إلا في الاستجابة لأوامر الله تعالى، والكف عن نواهيه، ليس عندنا حل لك إلا بخروجك من الجامعة فوراً ودون تردد أو تأخر والانتقال إلى جامعة أخرى ليس فيها اختلاط محرم، فهذه بيئة موبوءة، وقعتِ بسببها في معاصٍ وارتكبتِ فيها آثاماً، فكيف تكون النجاة من غضب الله وسخطه؟ لا نجاة إلا بترك البيئة الفاسدة، ولا نجاة إلا بالتوبة الصادقة، والإقبال على الطاعات.
إن باب التوبة مفتوح أمامكِ أيتها السائلة، وفضل الله ورحمته على عباده عظيمة جليلة، فسارعي إلى إرضاء ربك بتوبة صادقة، وأعمال يحبها ويرضاها، وتجنبي سخطه ، ولا تقدِّمي شيئاً على نعيم الآخرة، ولا تجعلي لك همّاً غير أن يرضى عنك ربك .
ولقد لمسنا من رسالتك تنازع جوانب الخير والشر، فتغلبك الشهوة ويغلبك الشيطان فتفعلين المحرمات، ثم يأتيك داعي الخير ليُحدث عندك ندماً وأسفاً على الحال التي وصلتِ لها، فاستثمري داعيَ الخير، وأخرجي داعي الشر من نفسك ومن حياتك، فالنفس اللوامة التي تلومك على فعل المنكرات والآثام خير من النفس الأمَّارة بالسوء، لكن إن لم تتداركي نفسك لتكون نفسك نفساً خيِّرة مطمئنة فإنها ستصير نفساً أمَّارة بالسوء، وهنا سيكون الهلاك والفضيحة والخزي في الدنيا والآخرة، وهو ما لا نتمنى حصوله، ونثق بكِ أنك ستنقذين نفسك من الآثام والمعاصي، وستسارعين إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدَّت للمتقين الذين يتقون الله بفعل الطاعات وترك المنكرات.
ومع تخلصك من الجامعة وخروجكِ منها: اقطعي كل صلة لك بكل من تعرفين من الشباب والشابات الذين سهلوا لك الوقوع في المنكر، ولا يحل لك الاتصال بشاب أجنبي عنك، ولا تتصلي بأي صديقة يمكن أن تجرك لمعصية أو فاحشة، واحرصي على الصحبة الصالحة من النساء المتدينات، والزمي كتاب الله تعالى قراءة وحفظا وتدبراً، واحرصي على طلب العلم من الأشرطة والكتب وحلقات العلم، وتداركي نفسك قبل فوات الأوان.
وفي حال عدم خروجك من الجامعة – بسبب ضغط أهلك -: فاعلمي أنه لا يحل مصادقة أحد من الشباب، وأن عليك البحث عن الأخوات المستقيمات الملتزمات لصحبتهن، وتعاهدي إيمانك بتقويته بأوراد يومية من القرآن والأذكار، وألزمي نفسك بالاستقامة على أمر الله تعالى، واسأليه أن يعينك ويوفقك لما يحب ويرضى.
وعليك أن تقللي ذهابك إلى الكلية بقدر الإمكان، وألا تنفردي فيها عن أخواتك المستقيمات، حتى لا تتركي مجالاً للشيطان أو النفس الأمارة بالسوء، أن تزين لك المعصية، فعليك بمعالجة أسباب المعصية، واستحضري دائماً، اطلاع الله عليك، وسمعه وبصره، وهل إذا اطلع عليك أحد من أهلك، أكنت تفعلين ما تفعلين أمامه! فهل يكون نظر الله وسمعه واطلاعه عليك أهون عندك من نظر أهلك؟!
وأكثري من دعاء الله تعالى الثبات والاستقامة والهداية (اهدنا الصراط المستقيم) وكان من دعاء النبي ﷺ (اللهم يا ولي الإسلام وأهله مسكني الإسلام حتى ألقاك عليه) رواه الطبراني وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٨٢٣)
(اللهم يا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ) رواه الترمذي (٢١٤٠) وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
فالمشكلة منكِ، والحل عندكِ، وما تختارينه لنفسك يدل على صدقك أو كذبك، فإن اخترتِ التوبة الصادقة: فأنت صادقة في ندمك وأسفك، وصادقة في رسالتك أنك تريدين النجاة والخلاص من المعاصي والآثام، وإن اخترتِ الصحبة الفاسدة: فأنت لستِ صادقة في ندمك وأسفك، ولستِ صادقة في البحث عن النجاة من همومك وغمومك ومعاصيك، ونرجو أن تكوني من الصادقات.
وأما عن سؤالك أنه هل يمكن أن ترجعي لحالك الأول: فنبشرك بأنه يمكن أن ترجعي لأحسن منه! لكن على أن تصدقي في التوبة والإنابة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
لكن قد يفعل الإنسانُ المحرَّمَ ثم يتوب، وتكون مصلحته أنه يتوب منه، ويحصل له بالتوبة خشوع ورقّة وإنابة إلى الله تعالى، فإن الذنوب قد يكون فيها مصلحة مع التوبة منها؛ فإن الإنسان قد يحصل له بعدم الذنوب كِبْر وعُجب وقَسوة، فإذا وقع في ذنب أذله ذلك وكسر قلبه وليَّن قلبَه بما يحصل له من التوبة.
" مجموع الفتاوى " (١٤ / ٤٧٤) .
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
وما أكثر ما يكون الإنسان منَّا بعد المعصية خيراً منه قبلها، وفي كثير من الأحيان يخطئ الإنسان ويقع في معصية، ثم يجد مِن قلبه انكساراً بين يدي الله وإنابة إلى الله، وتوبة إليه حتى إن ذنبه يكون دائما بين عينيه يندم عليه ويستغفر، وقد يرى الإنسان نفسه أنه مطيع، وأنه من أهل الطاعة فيصير عنده من العجب والغرور وعدم الإنابة إلى الله ما يفسد عليه أمر دينه، فالله حكيم قد يبتلي الإنسان بالذنب ليصلح حاله، كما يبتلي الإنسان بالجوع لتستقيم
صحته، وهل حصل لآدم الاجتباء إلا بعد المعصية والتوبة منها، كما قال: (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) طه/ ١٢٢، أي: بعد أن أذنب وتاب؛ اجتباه ربه فتاب عليه وهداه، وانظر إلى الذين تخلفوا في غزوة تبوك ماذا حصل لهم؟ لا شك أنه حصل لهم من الإيمان، ورفعة الدرجات، وعلو المنزلة ما لم يكن قبل ذلك، وهل يمكن أن تنزل آيات تتلى إلى يوم القيامة في شأنهم لولا أنهم حصل منهم ذلك ثم تابوا إلى الله.
" الشرح الممتع " (٣ / ٥١، ٥٢) .
فلا تستعظمي ذنوبك مقابل رحمة الله، واعلمي أن الله تعالى يقبل التوبة عن عباده، ويحب التوابين.
قال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ) الزمر/ ٥٣،٥٤.
وقال : (إنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) البقرة/ ٢٢٢.
ونسأل الله تعالى أن يطهر سمعك وبصرك وجوارحك من الآثام والمنكرات، ونسأله تعالى أن يحبب إليكِ الإيمان وأن يزينه في قلبك، وأن يكرِّه إليك الكفرَ والفسوق والعصيان.
وانظري كلاماً مفصلاً حول التوبة وشروطها في جواب السؤال رقم: (١٣٩٩٠) .
وللوقوف على كيفية التخلص من المعاصي: انظري جواب السؤال رقم: (١٠٢٨٠) .
والله الموفق
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12746
يسمع الأغاني، ويسمع القرآن فهل يكون منافقا ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا شاب أسمع الأغاني، وأعلم أنها حرام، ولكن إن شاء الله يهديني وأترك سماعها السؤال: أنا أسمع محاضرات دينية كثيرة وكذلك القرآن الكريم عبر الأشرطة الإسلامية، المشكلة أن هناك أناساً كثيرين يحتجون علي يقولون كيف تسمع الأغاني وتسمع الدين؟ كأنك ما تفهم ولا تعي وتأثم لأنك تسمع المحاضرة ولا تستفيد، لذلك خيروني إما أن تسمع الأغاني أو تسمع الدين، لكن أن تسمع الاثنين غلط. لذلك أنا في حيرة من أمري لأني أصبحت أحس كأني علماني أو كمن ينصح الناس وهو عاصٍ وأيضا كالمنافق.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ابتداء نشكر لك صراحتك وحرصك على الخير والسؤال عن أمور دينك.. ونسأل الله أن يمن عليك بالهداية والتوفيق لما فيه الخير..
اعلم وفقك الله.. أن تحذير زملائك لك من سماع أشرطة القرآن أو المحاضرات الدينية أو غيرها.. مما يقرب إلى الخير بحجة أنك تسمع الأغاني؛ خطأ كبير منهم.. فإن المؤمن الذي تسول له نفسه الوقوع في بعض المعاصي.. يبقى مطالبا بفعل ما يستطيع من الطاعات.. ويبقى مطالبا باجتناب جميع المعاصي والموبقات مادام أنه يؤمن بالله رباً وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا.. فإذا حصل منه تقصير بترك بعض الواجبات لم يكن هذا مسوغا لأن يترك الواجبات الأخرى بل يجب عليه أن يبادر بالتوبة من تقصيره في تلك الواجبات، مع استمراره في فعل ما أقدره الله عليه من الطاعات، وكذلك وقوعه في بعض المعاصي ليس مسوغا لأن يقع في غيرها، بل الواجب عليه المبادرة بالتوبة من تقصيره.. فإذا لم يستطع ترك بعض الذنوب لقوة الشهوة وضعفت نفسه عن مقاومتها فليجتهد في فعل الطاعات، فإن الله يقول: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) هود/١١٤، ولذا فيتصور أن يجتمع في الشخص المؤمن الطاعة والمعصية.. وليس هذا من النفاق ولا العلمانية في شيء.. ما دام أن الإنسان لا يبطن في قلبه الفساد.. ويقر بخطأ ما يفعله، ويستغفر الله ويطلب غفرانه، ويجتهد في اجتناب المعصية.
ولعل حرصك على سماع القرآن والمحاضرات الدينية يكون سبيلاً لإعراضك عن سماع الأغاني والمحرمات الأخرى.. فإِنَّ (هذا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) الإسراء/٩
ولو فرض أنك بقيت على ما أنت عليه.. فهو خير بلا شك من تركك لسماع القرآن والخير.. لأنك تعلم أن الله يقول: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ) الزلزلة/٧-٨
ويقول جل شأنه: (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً) النساء/٤٠.
ويوم القيامة توزن أعمال العباد (فأما مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَة * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُه * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ) القارعة/٦-١١ فعليك أخي الكريم أن تحرص على كل ما يثقل ميزانك من الحسنات والطاعات ولو كان شيئا يسيرا فإن الله واسع الكرم والمغفرة والرحمة، يضاعف القليل حتى يكون مثل الجبل أو أعظم فـ (لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق) , و (تبسمك في وجه أخيك صدقة) كما أرشدنا لذلك نبينا ﷺ في الأحاديث الصحيحة.
وليس معنى ذلك إقرارك على سماع الأغاني، ولكن.. إن كان لا بد فكن ممن (اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) التوبة/١٠٢.
وعليك أن تحذر من كل ما يخفف ميزانك من المعاصي والسيئات فإن الله سبحانه شديد العقاب لمن عصاه وتجرأ على حدوده فالبدار البدار بالتوبة النصوح.. والابتهال الابتهال إلى الله سبحانه بأن يوفقك إلى ذلك..
وداوم على فعل الخيرات واستكثر منها ما استطعت وانصح أصحابك بأن يتقوا الله ويبادروا كذلك إلى فعل الخيرات وترك المنكرات..
وختاما.. نوصيك بأن تحرص أن يكون لك رفقة صالحة يعينونك على الخير، ويحببونه إليك وأن تبتعد عن رفقاء السوء الذين يزينون لك الشر ويصدونك عن الخير، مع دعاء الله لك ولهم بالهداية التوبة.. هذا والله المسئول أن يتوب علينا جميعا توبة صادقة نصوحا يكفر بها سيئاتنا ويهدي بها قلوبنا إنه خير مسئول..
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12747
من كان بينه وبين أخيه شحناء هل تقبل توبته
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا كان الشخص متشاحنا مع أحد لا يكلمه هل تقبل توبته إذا تاب من أي ذنب وهل إذا قال لهم السلام عليكم يكون قد تصالح معهم.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
هجر المسلم لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ قال: (لا يحل لرجل أن يهجر أخاه المسلم فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) رواه البخاري (٥٧٢٧) ومسلم (٢٥٦٠) .
ويستثنى من جواز الهجر كما ذكر أهل العلم من كان في هجره مصلحة كصاحب المعصية إذا عُلم أن هجره فيه مصلحة له أو لغيره، كأن يترك المعصية، ولا يغتر به غيره.
والهجر يرتفع حكمه بالسلام، فإذا سلم شخص على شخصٍ، فقد زال الهجر؛ للحديث السابق " وخيرهما الذي يبدأ بالسلام "، وانظر السؤال رقم (٩٣٨٨٨) .
ثانياً:
من تاب من ذنبه تاب الله عليه؛ كما قال سبحانه: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) الشورى/٢٥، وقال تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) التوبة/١٠٤.
والتوبة صالحة في كل وقت إلا عند الغرغرة، وعند طلوع الشمس من مغربها؛ لما روى الترمذي (٣٥٣٧) وابن ماجه (٤٢٥٣) عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ.
قال النووي ﵀ في "شرح مسلم": " وَقَدْ أَجْمَع الْعُلَمَاء ﵃ عَلَى قَبُول التَّوْبَة مَا لَمْ يُغَرْغِر , كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث. وَلِلتَّوْبَةِ ثَلَاثَة أَرْكَان: أَنْ يُقْلِع عَنْ الْمَعْصِيَة وَيَنْدَم عَلَى فِعْلهَا وَيَعْزِم أَنْ لَا يَعُود إِلَيْهَا فَإِنْ تَابَ مِنْ ذَنْب ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ لَمْ تَبْطُل تَوْبَته وَإِنْ تَابَ مِنْ ذَنْب وَهُوَ مُتَلَبِّسٌ بِآخَر صَحَّتْ تَوْبَته، هَذَا مَذْهَب أَهْل الْحَقّ. وَخَالَفَتْ الْمُعْتَزِلَة فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ " انتهى.
وروى مسلم (٢٧٠٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ) .
وأما ما جاء في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا) ، فالذي يظهر أن هذا في بيان مغفرة الله لعباده تفضلا منه، من غير توبة منهم.
ولا يعني عدم قبول توبة المشاحن من ذنوبه الأخرى، فمن كان بينه وبين أخيه شحناء، وتاب إلى الله تعالى من ذنب آخر كالكذب مثلا، فإن الله تعالى يتوب عليه، كما دلت النصوص.
وسبق في كلام النووي ﵀ أن من تاب من ذنب وهو متلبس بآخر صحت توبته عند أهل السنة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12748
تاب من سماع الموسيقى فماذا يعمل بالاسطوانات ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[عدت مؤخرا للتدين والحمد لله، ولكني قمت قبل ذلك بالاستماع للكثير من الموسيقى ولذلك فإن لدي عدداً كبيراً جدا من الاسطوانات. وسؤالي هو: هل يجوز لي أن أعطي تلك الاسطوانات لمحل خيري أو لغيري (دون أن آخذ مالا لذلك) لأن لدي انطباعاً أنه يجب ألا أعطي لغيري أشياء محرمة لأنني أكون بذلك أساعد على عمل الحرام.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نحمد لله أن منّ عليك بالتوبة وهداك إلى الطريق المستقيم ونسأل الله لنا ولك مزيدا من التوفيق والثبات.
ثانياً:
ما ذكرته من أنه لا يجوز إعطاء الغير ما فيه إعانة على المحرم صحيح.
وعليه؛ فالواجب عليك هو إزالة ما على هذه الاسطوانات من الموسيقى، ثم تستفيد منها بأن تنسخ عليها أشياء مفيدة، أو تعطيها لمحل خيري ينسخ عليها أشياء مفيدة.
فإن لم يمكن النسخ عليها، فليس أمامك إلا إتلافها، ولا يجوز إعطاؤها لمن يستمع إليها، سواء كان عن طريق البيع أو الهبة، لشخص أو محل، لما في ذلك من التعاون على الإثم والعداون.
وللفائدة راجع جواب السؤال (١٣٧٥٤) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12749
كان ملتزماً وعمله مختلط وصار على علاقة محرَّمة مع امرأة فهل يتزوجها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[لي ابن كان ملتزماً، وفي عمله اختلاط، وتعرَّف على بنت، وصار بينهم علاقة محرمة، هل يجوز منعه من الزواج بها أم نتركه يتزوجها؟ ولكن نخشى منها عليه، علماً أن سلوكها كأي بنت ترتبط بشباب، ولكن لم يتم أي شيء مع أي شاب إلا هو وهو متمسك بها جدّاً، وهل يجوز أن نتركه يتزوجها ثم يطلقها؟ وهل نية الطلاق في هذه الحالة تفسد العقد وأنا أخشى الله؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
ذكرنا في فتاوى متعددة حرمة الاختلاط المستهتر، الذي لا ينضبط بضوابط الشرع في الحجاب، وأدب المعاملة المتبادلة، وذكرنا حرمة العمل والدراسة إن كان فيهما اختلاط، ونأسف أنه يوجد من المفتين من يتساهل في هذا الأمر، ويقر هذه الفوضى العارمة في أماكن الدراسة والعمل، وكأنَّ هؤلاء يعيشون في عالم آخر، لا يرون فيه أثر الاختلاط المحرَّم من إتلافٍ للقلوب، وذَهابٍ للعقول، وضَياع للأديان.
وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال (١٢٠٠)
ولم ينج من هذا الأثر أحدٌ، فالمرأة العفيفة المصونة وقعت في مستنقع الاختلاط الآسن، فجاءها من قَذَرِهِ وقبح منظره ورديء رائحته شيء كثير، وقُلْ مثل ذلك في الشباب المستقيم على طاعة الله، كيف كان وكيف صار.
وقد جعل الله تعالى في الرجال ميلاً نحو الإناث، وجعل في الإناث ميلاً نحو الرجال، ولم يبح الله تعالى من العلاقة بين الأجانب منهم إلا بالنكاح، ولذا فإن في الشريعة من الأحكام شيئاً كثيراً يغلَق فيه الطريق على السائر فيه نحو الفاحشة، فجاء تحريم النظر إلى الأجنبية، وتحريم مصافحتها، والخلوة بها، وجاء تحريم سفر المرأة وحدها، وغير ذلك من الأحكام التي تقطع على الشيطان طريقه في إيقاع المسلم في فاحشة الزنا.
ثانياً:
قلتِ - أختنا الفاضلة –: " وصار بينهما علاقة محرمة "، ولا ندري معنى هذه الجملة، وهي تحتمل أمرين:
الأول: الزنا – والعياذ بالله -.
والثاني: المصاحبة والخلوة، وما دون الزنا.
فإن كان الاحتمال الأول هو الواقع: فقد وقعا في ذنب عظيم، وجريمة منكرة، وقد حكم الله تعالى على الزاني والزانية غير المحصنين بالجلد مائة جلدة، وعلى المحصن منهما الرجم حتى الموت، وأخبر النبي ﷺ عن سلب الإيمان عن الزاني، ورأى في منامه الزناة والزانيات في تنور في نار جهنم.
ومن الأحكام المترتبة على الزناة: أنه يحرم على الزاني تزوج الزانية، ويحرم عليها تزوجه؛ لأن نكاح الزاني والزانية محرَّم، إلا أن يتوبا توبة صادقة من أجل ما وقعا فيه من الذنب العظيم.
فإن تابا وأصلحا، واعتدت المرأة حيضة واحدة: جاز لهما النكاح، ونسأل الله أن يعفو عنهما بمنه وكرمه.
وينظر للزيادة: أجوبة الأسئلة (١٤٣٨١) و (٨٥٣٣٥) و (٩٦٤٦٠) و (٨٧٨٩٤) .
وإن كان الاحتمال الثاني هو الواقع – كما هو الغالب في مثل هذه العلاقات، خاصة وهو يريد الزواج بها - فلا يوجد ما يمنع من نكاحه لها من حيث بطلان العقد، لكن قد يُمنع من باب أنه لا يُرضى دينها، وخلُقها، ولا تصلح زوجة تحافظ على بيته، وتربي له ولده، ولكننا لا نستطيع أن نقول هذا في حال ابنكما، فإذا كانت متهاونة، فهو مثلها؛ وهكذا كل ما نقدره فيها من العيب والخلل، هو موجود فيه.
وإذا كان الدين يأمره بأن يبحث عن المرأة الصالحة التقية الطيبة، فهكذا يأمرها: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ) النور/٢٦) ، (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ) النور/٣٢.
فلنكن ـ أيتها السائلة الكريمة ـ واقعيين، ومنصفين!! ولا تنظري في المقارنة بينهما إلى ما كان عليه حال ابنك، بل انظري إلى حاله الآن.
وحينئذ فإذا رأيت أنهما قد تعلق كل منهما بصاحبه واشتدت رغبتهما في الزواج، فإن أقرب طريق لإصلاحهما، وإتقاء الشر من علاقتهما، أن يتزوجها، وقد روى ابن ماجة (١٨٤٧) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَمْ نَرَ لِلْمُتَحَابَّيْنِ مِثْلَ النِّكَاحِ) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة.
وربما تكون هذه فرصة مناسبة لمساومتهما على التوبة والاستقامة والصلاح،قبل إتمام زواجهما.
ثالثاً:
والزواج بنية الطلاق محرَّم، ولا يجوز لمسلم أن ينويه قبل عقد النكاح.
وينظر – للأهمية -: جوابي السؤالين (٢٧١٠٤) و (٩١٩٦٢) .
ونحن معك، ونأمرك بخشية الله في مثل ذلك، لو كانت هذه ابنتك يا أمة الله، أترضين لأحد أن يتزوجها بهذه النية؟!
أيليق بك أن تفكري في مصلحة ابنك، وتبحثي عن الخير له، ولو على حساب الناس؟!
عن عبد الله بن عمرو بن العاص َقَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فقال ﵊: (َمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنْ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ.. الحديث) رواه مسلم برقم (١٨٤٤) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12750
بيع المسلم على بيع أخيه هل يصح ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[يحرم بيع الرجل بيع أخيه، لكن هل يصح البيع أولاً؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا يجوز للمسلم أن يبيع على بيع أخيه، ولا أن يشتري على شرائه؛ لما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (لا يبع الرجل على بيع أخيه) رواه البخاري (٢١٣٩) ومسلم (١٤١٢) .
والحكمة من هذا النهي ما فيه من إثارة العداوة والبغضاء بين المسلمين، وكل ما أوجب العداوة والبغضاء بين المسلمين، فهو محرم لعموم قوله تعالى (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر) المائدة / ٩١ فجعل الله تعالى علة تحريم الخمر والميسر هي حصول العداوة والبغضاء من فعلهما.
ثانياً:
لو باع المسلم على بيع أخيه فهل يصح البيع أو لا؟ فيه قولان لأهل العلم، فمنهم من ذهب إلى عدم الصحة، وهو المذهب عند الحنابلة، ومنهم من ذهب إلى صحة البيع مع الإثم، وهو مذهب الشافعي ﵀.
قال ابن قدامة ﵀ في "المغني" (٤/١٤٩) : " فإن خالف وعقد , فالبيع باطل ; لأنه منهي عنه , والنهي يقتضي الفساد. ويحتمل أنه صحيح ; لأن المحرّم هو عرض سلعته على المشتري , أو قوله الذي فسخ البيع من أجله , وذلك سابق على البيع , ولأنه إذا صح الفسخ الذي حصل به الضرر , فالبيع المحصل للمصلحة أولى , ولأن النهي لحق آدمي , فأشبه بيع النجش. وهذا مذهب الشافعي " انتهى.
وقال المرداوي في الإنصاف (٤/٣٣١) : " ولا يجوز بيع الرجل على بيع أخيه. وهو أن يقول لمن اشترى سلعة بعشرة: أنا أعطيك مثلها بتسعة. ولا شراء الرجل على شراء أخيه. وهو أن يقول لمن باع سلعة بتسعة: عندي فيها عشرة , ليفسخ البيع ويعقد معه. وهذا بلا نزاع فيهما. ويتصور ذلك في مسألتين: الأولى: في خيار المجلس، والثانية: في خيار الشرط. ... وأما قبل العقد: فهو سومه على سوم أخيه على ما يأتي. قوله (فإن فعل فهل يصح؟ على وجهين) . وهما روايتان في الفروع وغيره. وأطلقهما في الهداية , والمحرر , والرعايتين , والحاويين , والمستوعب:
أحدهما: لا يصح أعني البيع الثاني، وهو المذهب. صححه في التصحيح. قال في المذهب , ومسبوك الذهب: البيع باطل في ظاهر المذهب. قال في الفروع: لم يصح على الأصح. قال في الرعاية الكبرى: أشهرهما: البطلان. واختاره أبو بكر , وغيره. وجزم به في الخلاصة , والوجيز , وتذكرة ابن عبدوس. وقدمه في الشرح , والكافي.
والوجه الثاني: يصح. اختاره القاضي , وأبو الخطاب. وقال الشيخ تقي الدين: يحرم الشراء على شراء أخيه. فإن فعل كان للمشتري الأول مطالبة البائع بالسلعة , وأخذ الزيادة. أو عوضها " انتهى.وينظر: الموسوعة الفقهية (٩/٢١٤) .
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " وقوله: (ويبطل العقد) نص على بطلان العقد، لأن بعض أهل العلم يقول: إن العقد صحيح، لأن النهي هنا لا يعود إلى ذات المعقود عليه، وإنما يعود إلى أمر خارج وهو العدوان على المسلم فيكون العقد حراما، ولكنه صحيح. ويدل على ذلك أن هذا الذي باع على بيع أخيه لو أذن له الذي بيع على بيعه لكان العقد صحيحا ولا شيء فيه، فإذاً يكون التحريم غير عائد إلى ذات المنهي عنه، ويكون العقد صحيحا مع الإثم.
ولكن القول بالمذهب من باب السياسة ويمنع العدوان على الناس، فيكون قولا جيدا " انتهى من "الشرح الممتع" (٨/٢٠٦) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12751
زنى في إحدى ليالي رمضان ويريد التوبة
[السُّؤَالُ]
ـ[أحد أصدقائي مارس الجنس مع فتاة في أحد ليالي شهر رمضان مع العلم أنه أعزب ويسأل عن الحكم وما يجب عليه فعله.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا كان المقصود أنه زنى – عياذا بالله – فإن الزنى ذنب عظيم، وجرم كبير، حذر الله تعالى منه، وبَيَّن سوء عاقبته، فقال: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا) الإسراء/٣٢، وجعل سبحانه عقوبة الزاني الرجم بالحجارة إن كان محصنا، والجلد إن كان بكرا، وذلك لشناعة ما أقدما عليه من الاستمتاع المحرم، قال سبحانه: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) النور/٢.
ولكن من رحمة الله تعالى أن باب التوبة مفتوح، وأنه سبحانه غفور رحيم يحب توبة عبده ويقبلها إذا جاء إليه، قال سبحانه: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) التوبة/١٠٤ وقال سبحانه: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) النساء/١٧.
وقال سبحانه: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) الفرقان/٦٨- ٧٠.
فما أحلم الله، وما أكرمه. خيره إلى العباد نازل، وشرهم إليه صاعد، يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، وما على المذنب إلا أن يقرّ بذنبه ويقلع عنه، ويطلب من ربه العفو والمغفرة، ويعزم على عدم العود إليه، ويصلح أعماله، ويجتهد فيما يرضي ربه ﵎.
فمن فعل هذا فليثق بالفرج، فإن الرحمن الرحيم يفرح بتوبة عبده، ويقبلها منه، ويثيبه عليها، ويمحو بها سيئاته، ويرفع بها درجاته، لأنه الحليم الكريم البر الرحيم جل في علاه.
قال الله تعالى: (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى) طه/٨٢.
ثم نقول لهذا الأخ: إياك ثم إياك أن تهتك ستر الله عليك، وأن تخبر أحدا بما صدر منك، فإن النبي ﷺ يقول: (اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها، فمن ألمّ بشيء منها فليستتر بستر الله وليتب إلى الله) رواه البيهقي وصححه الألباني صحيح الجامع برقم (١٤٩) .
وروى مسلم (٢٥٩٠) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا يستر الله على عبد في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة) .
فبادر بالتوبة والندم، وابك على خطيئتك وذنبك، واستتر بستر الله تعالى ولا تجاهر بمعصيتك، وأكثر من الأعمال الصالحة من صلاة وصدقة وذكر وتسبيح، فإن ذلك من أسباب المغفرة.
واحذر من التسويف في التوبة، أو الاغترار بحلم الله وستره، فإنه سبحانه يمهل ولا يهمل، ويغضب فينتقم، ولربما نظر إلى عبده المجترئ على معصيته فقال: اذهب فلن أقبل منك عملا، فيبوء بالخسران، وتكون عاقبته النيران، نسأل الله العفو والعافية، والسلامة والنجاة.
ونسأله سبحانه أن يصلح أحوال المسلمين، وأن يردهم إليه ردا جميلا.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12752
المقيم على المعصية وارتكاب الكبائر هل له أن يسأل الله أمرا دنيويا
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز للمسلم أن يسأل الله أمرا دنيويا وهو يعصي الله ويرتكب الكبائر؟ علما أنه يعزم على التوبة ولكن يخاف أن تكون توبته لأجل هذا الغرض الدنيوي.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الواجب على من يعصي الله تعالى ويرتكب الكبائر، أن يبادر بالتوبة، وأن يحذر التسويف والتأجيل، فلربما فاجأه الأجل، ونزلت به مصيبة الموت، وأُغلق في وجهه باب التوبة، فيبوء بالخسران، كما قال : (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) النساء/١٨.
وما الذي يحول بينه وبين التوبة؟ ولمَ الإصرار والتمادي والتردد والترقب؟ ورب العالمين يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويفرح بتوبة عبده، ويقبلها منه، ويثيبه عليها.
فهل يليق بالعبد المذنب أن يعرض ويتمادى، وربه يبسط يده؟
وهل يليق بالعبد المذنب أن يقول يارب يارب، يسأل لعاعة من الدنيا، ولسانه حاله يقول: لكني مصر على معصيتك يا رب! فوالله لو استحينا من الله، وعرفنا عظمة الله، لما فعلنا ذلك.
وأما الخوف من أن تكون التوبة لأجل الأمر الدنيوي، فهذا قد يكون من وسواس الشيطان، ليستمر العبد في المعصية، ويؤخر التوبة.
فالواجب هو التوبة، وإخلاصها لله تعالى، رجاء عفوه ومغفرته، ثم يسأل العبد ربه ما أحب من خيري الدنيا والآخرة.
ومع ذلك نقول: لو استمر العبد في معصيته، فلا يحرم عليه أن يسأل ربه، ولو كان السؤال في أمر من أمور الدنيا، وقد يعطيه الله تعالى سؤله، فهو الكريم الجواد، ولطالما أحسن إلى عبده مع تقصيره وتفريطه، ولكن هذا السلوك لا يليق بالمؤمن المحب لله، المعظّم له، المدرك لخطر الذنوب والتمادي فيها. فإن المعاصي قد تكون سبباً للحرمان، وعدم إجابة الدعاء.
ولهذا ذكر النبي ﷺ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ ثم قال: فَأَنَّى يُسْتَجَابُ له) رواه مسلم (١٠١٥) .
نسأل الله تعالى أن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين أجمعين.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12753
زنت وهي متزوجة فلمن ينسب الولد ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[استغفر الله وأتوب إليه لقد ارتكبت أعظم وأكبر الكبائر وهي الزنا وأنا متزوجة وحملت بطفلة والآن عمرها ٦ سنوات ونسبت إلى زوجي، لم أستطع أن أعترف لزوجي بالقذارة التي فعلتها، خفت على أهلي وابني منه وقد تبت إلى الله توبة نصوحة وتحجبت والتزمت بصلاتي، طلبت المغفرة والعفو من الله على هذا الجرم الذي ارتكبته فهل يغفر الله لي؟ ماذا أفعل حتى تكتمل توبتي أرجوكم أفيدوني هل أعترف لزوجي حتى يغفر الله لي؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نسأل الله تعالى أن يغفر لك وأن يتجاوز عنك، فإن الزنا ذنب عظيم، وجرم كبير، لا سيما ممن أنعم الله عليها بالزواج، فبدلت نعمة الله كفرا، وخانت زوجها، ودنست عرضه، ولوثت فراشه. ولهذا كان عقاب هذه المتزوجة أن ترجم بالحجارة حتى تموت، نكالا من الله ، والله عزيز حكيم.
لكن من رحمته سبحانه أنه يلطف بعبده، ويمهله، ويدعوه للتوبة، ويقبلها منه، ويثيبه عليها، فما أرحمه، وما أعظمه، وما أكرمه .
قال :) وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) الفرقان/٦٨- ٧٠
فاستمري في توبتك وإنابتك، وتضرعي إلى الله تعالى أن يقبلها منك، والله تعالى يتوب على من تاب.
وإن من مبشرات قبول التوبة أن يستر الله عبده، ولا يفضحه، وأن يمد له في العمر حتى يتقرب إليه، ويصلح حاله معه، ونحمد الله تعالى أن وفقك للالتزام والحجاب، والطاعة والإنابة، ولعل الله الكريم الرحيم أن يكون قد عفى عنك وغفر لك، نسأل الله ذلك.
وإذا كان الله قد سترك، فلا تهتكي ستر الله عليك، ولا تخبري زوجك ولا أحداً غيره بشيء مما كان، وتوبتك هي الندم والاستقامة وإصلاح الأعمال.
وأما الولد، فإنه ينسب لزوجك، ولا ينتفي نسبه منه إلا إذا نفاه باللعان، لأن الأصل أن الولد للفراش كما قال النبي ﷺ .
وقد سئل علماء اللجنة الدائمة: امرأة متزوجة زنت وهي في عصمة زوج، ومن ثم حملت ووضعت حملها بولد ذكرا كان أو أنثى، فلمن يبقى معه ذلك الولد، أيبقى مع زوجها بدليل الحديث: (الولد للفراش وللعاهر الحجر) أم لا؟ وإن بقي مع زوج أمه الشرعي أيتبنى به ويحسبه كأحد أولاده في جميع الحقوق أم يكون عنده في ملكه فقط، أما إذا لحقه بالعاهر أيحسبه بأولاده الحقيقي أم يمسكه معهم وهو لم يزل على حالة ولد زنا؟
فأجابوا: "إذا زنت امرأة متزوجة وحملت فالولد للفراش؛ للحديث الصحيح، وإن أراد صاحب الفراش نفيه بالملاعنة فله ذلك أمام القضاء الشرعي، ولا يكون مملوكا لأحد بإجماع المسلمين، وأما التبني فلا يجوز ولا يصير به الولد المتبنَّى ولدا لمن تبناه. وبالله التوفيق " انتهى. "فتاوى اللجنة الدائمة" (٢٠/٣٣٩) .
وينظر جواب السؤال رقم (٨٥٠٤٣) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12754
الحب والمراسلة قبل الزواج
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا شاب أغرمت ببنت جارنا، واستمر لمدة سنتين بدون أن تعلم أو أخبرها أو أخبر أحدا من أهلي ولم أقابلها وكنت أطمح للارتباط بها كزوجة، ثم حصل لي حادث سير سبب لي إصابات بليغة وحصل لي شبه إعاقة، كنت مهموما جدا لأن الحلم الذي عشته وهو الارتباط بتلك الفتاة بدأ يتلاشى، فجأة طلبت أختي أن أصارحها بهمي فحكيت لها ما بداخلي، فقالت لي أختي: سوف أخبرها بحبك لها وهي بعد ذلك تختار، وكانت المفاجأة أنها كذلك كانت تحبني، فبدأت رسائل الحب تتبادل بيننا عن طريق أختي (رسائل والله في غاية الشرف والعفة) وبعد سنتين تقدمت وخطبتها وتمت الموافقة ولله الحمد وبعد سنة تزوجنا وعشنا سعداء وخلال هذه المدة والله لم أرها إلا من بعيد، بحكم أنهم جيراننا وتجمعنا بهم الصدف، ولم أكلمها قط إلا ليلة الزواج، فسمعت أنا ارتكبنا بحبنا لبعضنا إثما فهل هذا صحيح؟ وما هي كفارة هذا الإثم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
نسأل الله تعالى أن يأجرك في مصابك، وأن يزيد ما بينك وبين أهلك من الألفة والمودة.
ثانيا:
الحب الذي لا يتسبب فيه الإنسان، لا يلام عليه، كأن يرى فتاة فجأة، فيقع حبها في قلبه، ثم لا يكون منه عمل محرم، كتكرار نظر، أو مصافحة، أو خلوة، أو كلام عاطفي بينهما.
وأما الحب الذي ينشأ عن تكرار النظر، أو المخالطة المحرمة، أو المراسلة، فهذا يأثم صاحبه، بقدر ما يرتكب من الحرام في علاقته وحبه.
ثالثا:
لا تجوز المراسلة بين الجنسين؛ لما في ذلك من إثارة الفتة وحصول الشر غالبا، فإن مخاطبة الرجل لامرأة أجنبية عبر رسالة لا يطلع عليها غيرهما، يؤدي إلى مفاسد كثيرة، وقد حرم الشارع خلوة المرأة برجل غير محرم لما يترتب على ذلك من حصول الفتنة والمكروه، من تعلق القلب وانبعاث الرغبة في النظر والمس وما وراء ذلك. وهذا كله يحصل غالبا بمخاطبة الرجل للمرأة عبر هذه الرسائل أو المحادثات الخاصة، لا سيما إذا كانا في سن الشباب والشهوة والرغبة.
وقد سئل الشيخ ابن جبرين حفظه الله: ما حكم المراسلة بين الشبان والشابات علما بأن هذه المراسلة خالية من الفسق والعشق والغرام؟
فأجاب: " لا يجوز لأي إنسان أن يراسل امرأة أجنبية عنه؛ لما في ذلك من فتنة، وقد يظن المراسل أنه ليست هناك فتنة، ولكن لا يزال به الشيطان حتى يغريه بها، ويغريها به. وقد أمر ﷺ من سمع بالدجال أن يبتعد عنه، وأخبر أن الرجل قد يأتيه وهو مؤمن ولكن لا يزال به الدجال حتى يفتنه.
ففي مراسلة الشبان للشابات فتنة عظيمة وخطر كبير يجب الابتعاد عنها وإن كان السائل يقول: إنه ليس فيها عشق ولا غرام " انتهى، نقلا عن: فتاوى المرأة، جمع محمد المسند، ص ٩٦
والمرأة ممنوعة من الخضوع بالقول مع من لا يحل لها، كما قال سبحانه: (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا) الأحزاب/٣٢. والرجل يحرم عليه أن يتلذذ بكلام المرأة الأجنبية أو بصوتها.
ثم إن جعل الأخت وسيطا في نقل الرسائل منكر آخر؛ لما في ذلك من تشجيعها على مثل هذه المراسلات.
وبناء على هذا فالواجب عليكما هو التوبة إلى الله تعالى، والإكثار من العمل الصالح، ولا يلزمكما غير ذلك.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12755
هل المجاهرة بالمعصية من الكفر المخرج من الملة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل من الكفر اقتراف الذنب جهاراً، وتحدثنا عن فعل المعصية كمشاهدة الأفلام أو استماع الأغاني؟ وهل هذا الحكم ينطبق على صغائر الذنوب وكبائرها؟ .
أرجو أن تهتم بهذا السؤال لأن عدداً من الإخوة والأخوات الحديثي الإسلام يواجهون هذه المشكلة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
مما لا شك فيه أن المجاهرة بالمعاصي والكبائر ذنبٌ فوق الذنب، وقد تؤدي بصاحبها إلى الكفر في حال المجاهرة بها استهانة بتحريمها وافتخاراً بفعلها، ولا فرق بين الصغائر والكبائر في هذا الحكم.
عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله عليه فيقول يا فلان عملت البارحة كذا وكذا وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه ".
رواه البخاري (٥٧٢١) ومسلم (٢٩٩٠) .
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
هناك قسم ثالث فاسق مارد ماجن، يتحدث بالزنى افتخاراً والعياذ بالله، يقول: إنه سافر إلى البلد الفلاني، وإلى البلد الفلاني، وفجر وفعل وزنى بعدة نساء، وما أشبه ذلك، يفتخر بهذا.
هذا يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل؛ لأن الذي يفتخر بالزنى مقتضى حاله أنه استحل الزنى والعياذ بالله، ومن استحل الزنى فهو كافر. " شرح رياض الصالحين " (١ / ١١٦) .
ولا شك أن المعاصي درجات والإثم يتفاوت فيها بحسب حال العاصي أثناء المعصية وحاله بعدها، فليس المتخفي بمعصيته المستتر بها كالمجاهر، وليس النادم بعدها كالمفتخر بها.
قال ابن القيم:
وبالجملة فمراتب الفاحشة متفاوتة بحسب مفاسدها، فالمتخذ خدناً من النساء والمتخذة خدناً من الرجال أقل شرّاً من المسافح والمسافحة مع كل أحدٍ، والمستخفي بما يرتكبه أقل إثماً من المجاهر المستعلن، والكاتم له أقل إثماً من المخبِر المحدِّث للناس به، فهذا بعيد من عافية الله تعالى وعفوه كما قال النبي ﷺ : " كل أمتي معافى إلا المجاهرين ... ".
" إغاثة اللهفان " (٢ / ١٤٧) .
الخدن والخدنة: العشيق والعشيقة.
والأصل: أن يُعقب المسلمُ ذنبه بتوبة واستغفار وندم وعزم على عدم العوْد لها، لا أن يُعقبها بافتخار ومجاهرة وحديث بها.
روى أحمد (٨٧٩٢) والترمذي (٣٣٣٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ حَتَّى يَعْلُوَ قَلْبَهُ، فَذَاكَ الرَّيْنُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ [كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ] ) . حسنه الألباني في صحيح الترمذي (٢٦٥٤) .
بقي هناك مسألة ذكرتها في سؤالك وهي حصول المجاهرة من حديثي الإسلام، وهؤلاء لا زالوا يجهلون شرائع الإسلام، فهم يُعذرون إن كانوا يجهلون الأحكام الشرعية، ولكنهم يٌعلّمون.
فاحرص على إرشادهم، وعرض هذا الجواب عليهم.
وفقنا الله لما يحب ويرضى
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12756
الاستئذان للانصراف من العمل بعد إنجاز المطلوب
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي وجهة نظركم تجاه هذه الفتنة العظيمة في أفغانستان وما يحدث فيها من تقتيل للأبرياء وظلم للمدنيين هل إذا استأذنت من مديري المباشر لاختصار العمل هل يجوز لي ذلك؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
بالنسبة للسؤال الأول: فالذي يجب على المسلم اتجاه هذه الأحداث تقديم العون لإخوانه في أفغانستان والدعاء لهم بالنصر والتمكين، وموالاتهم.
بالنسبة للسؤال الثاني: فإن كان مقصدك أنك موظف مطالب بالعمل ساعات محددة، كسبع ساعات في اليوم مثلا وتستطيع أن تنهي عملك المطلوب منك إنجازه في تلك الساعات السبع في خمس ساعات مثلا، ثم تنصرف وأذن لك مديرك المباشر، فالظاهر أنه لا بأس بذلك بالشروط التالية:
١- أن لا يترتب على بقائك استفادة العمل منك، كملاقاة المراجعين مثلا، أو نحو ذلك، وإنما سيكون بقائك إضاعة للوقت فقط.
٢- أن لا يترتب على إسراعك إخلال بالعمل الذي تؤديه، وإنما تقوم به كاملا غير منقوص.
٣- أن لا يكون نظام الجهة التي تعمل بها يمنع من مثل هذا التصرف. (لأن أكثر الجهات والشركات تشترط الحضور بعدد ساعات العمل واليسير إنجازه فقط)
فإذا توفرت هذه الشروط، فأرجو أن لا يكون بذلك بأس.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ: سعد الحميد.
стр. 12757
توبة تارك الصلاة
[السُّؤَالُ]
ـ[كنت ردحا من عمري لا أصلي وقد تبت إلى الله في هذه السنين المتأخرة وانتظمت في أداء الصلاة، فما الحكم فيما مضى من عمري بلا صلاة]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
اذكر نعمة الله عليك بأن ردّك إلى الإسلام بعد أن كنت تاركا للصلاة، فواظب على الصلاة في أوقاتها وأكثر من النوافل لتكون عوضا عما فاتك من الفرائض كما جاء في الحديث الصحيح عَنْ حُرَيْثِ بْنِ قَبِيصَةَ قَالَ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَقُلْتُ اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِي جَلِيسًا صَالِحًا قَالَ فَجَلَسْتُ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فَقُلْتُ إِنِّي سَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنِي جَلِيسًا صَالِحًا فَحَدِّثْنِي بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَنِي بِهِ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلاتُهُ فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ فَإِنِ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ قَالَ الرَّبُّ انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَيُكَمَّلَ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنَ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ رواه الترمذي رقم ٤١٣ وهو في صحيح الجامع ٢٠٢٠
ورواه أبو داود عَنْ أَنَسِ بْنِ حَكِيمٍ الضَّبِّيِّ أنه أَتَى الْمَدِينَةَ فَلَقِيَ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ فَنَسَبَنِي فَانْتَسَبْتُ لَهُ فَقَالَ يَا فَتَى أَلا أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا قَالَ قُلْتُ بَلَى رَحِمَكَ اللَّهُ قَالَ يُونُسُ وَأَحْسَبُهُ ذَكَرَهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ النَّاسُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الصَّلاةُ قَالَ يَقُولُ رَبُّنَا جَلَّ وَعَزَّ لِمَلائِكَتِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ انْظُرُوا فِي صَلاةِ عَبْدِي أَتَمَّهَا أَمْ نَقَصَهَا فَإِنْ كَانَتْ تَامَّةً كُتِبَتْ لَهُ تَامَّةً وَإِنْ كَانَ انْتَقَصَ مِنْهَا شَيْئًا قَالَ انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ قَالَ أَتِمُّوا لِعَبْدِي فَرِيضَتَهُ مِنْ تَطَوُّعِهِ ثُمَّ تُؤْخَذُ الأَعْمَالُ عَلَى ذَاكُمْ. صحيح الجامع ٢٥٧١
ولمزيد من التفصيل في توبة تارك الصلاة راجع جواب السؤال رقم (٢١٨٢)
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 12758
تاب من ترك الصلاة والصيام فهل يلزمه القضاء
[السُّؤَالُ]
ـ[كنت بعيداً عن الدين ولا أعرف عن الإسلام إلا أني ولدت لأبوين مسلمين، أقمت علاقة مع فتاة لمدة عامين، وبعد ذلك منَّ الله علي وعرفت طريق الالتزام وأسأل الله أن يجعلني وإياكم من العالمين العاملين بأحكام شرعنا الحنيف.
وأنا الآن تائب من ذنوبي جميعاً بإذن الله تعالى عازماً على عدم الرجوع إليها مطلقاً. الذي أود أن أستفسر عنه منكم هو أنني علمت أن من شروط التوبة الندم والعزم على عدم الرجوع إلى الإثم ورد مظالم الناس إليهم، فماذا أفعل بخصوص صلاتي وصيامي الذي انقضى قبل التزامي؟ وما المفروض أن أقوم به لأصلح ما أفسدته مع هذه الفتاة مع العلم أنها إلى الآن لم تتزوج وباقية على عدم التزامها الديني؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
نحمد الله تعالى أن من عليك بالهداية والاستقامة، ونسأله سبحانه أن يزيدك علما وهدى. ونذكرك بشكر الله تعالى على هذه النعمة العظيمة، فإن الشكر يزيد النعم، قال تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) إبراهيم/٧.
ثانيا:
ما ذكرت من شروط التوبة صحيح، وأما قضاء العبادات المتروكة من صلاة وصيام، ففيه قولان لأهل العلم، فمنهم من يلزم بقضائها، وهو مذهب الجمهور.
ومن العلماء من لا يلزم تارك الصلاة بقضاء ما تركه من الصلاة، بناء على القول بكفره، فتكون التوبة حينئذ إسلاما يهدم ما قبله من الذنوب.
ومن العلماء من لا يرى القضاء على تارك الصلاة عمدا، سواء قيل بكفره أولا، لأن النص إنما جاء في المعذور الذي نام عن الصلاة أو نسيها.
والذي دلت عليه الأدلة الصحيحة هو كفر تارك الصلاة، سواء تركها كسلا أو جحودا، وانظر أدلة ذلك في الجواب رقم (٥٢٠٨) .
وإلزام التائب بقضاء ما فات، فيه تعسير للتوبة، وتنفير منها، لكن ينبغي للتائب أن يكثر من الأعمال الصالحة، لقوله تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) طه/٨٢.
وقد سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء: لقد سافرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية لغرض الدراسة وأمضيت هناك خمس سنوات تركت فيها الصلاة والصيام، وقد هداني الله واستقمت والحمد لله، فكيف أقضي تلك الصلاة والصيام؟
فأجابت:
" إذا كان الواقع كما ذكرت من التوبة وسلوكك طريق الهدى فليس عليك قضاء ما تركته عمداً من الصلاة والصيام، لأن ترك الصلاة كفر أكبر، وردة عن الإسلام، وإن لم يجحد التارك وجوبها في أصح قولي العلماء، والمرتد إذا أسلم لا يؤمر بقضاء ما ترك من الصلاة والصيام في ردته، لقول النبي ﷺ : (الإسلام يهدم ما كان قبله، والتوبة تهدم ما كان قبلها) ، وعليك أن تحافظ مستقبلاً على أداء الصلاة جماعة في وقتها مع المسلمين في المساجد، وأداء صيام رمضان، ويشرع لك الإكثار من الأعمال الصالحة ونوافل العبادة من صلاة وصيام وصلة رحم وصدقات وغير ذلك من أعمال الخير حسب الاستطاعة، لقول الله تعالى: (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى) . ونسأل الله لنا ولك الثبات على الحق والتوفيق إلى أقوم طريق " انتهى. "فتاوى اللجنة الدائمة" (٦/٤١) .
وراجع السؤال رقم (٦١٠) .
ثالثا:
أما الفتاة، فينبغي أن تقطع كل علاقة بها، حتى لا يجد الشيطان سبيلا لاستدراجك إلى إعادة العلاقة معها، وإن وجدت من النساء الصالحات من يمكنها دعوتها فحسن.
نسأل الله لك مزيدا من التوفيق والثبات.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12759
تاب من التحرش ببنات أخواته فماذا يلزمه ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا شاب ٢٨ سنة كنت في صغري أتحرش بالبنات وكان ذلك بتحريض من أخي الأكبر دون أن أفهم أي شئ واستمر الأمر عندي حتى أصبحت عادة وبدأت بالتحرش ببنات أخواتي وهن صغيرات حتى كبرن وامتنعن عني ووصلت إلى السنوات الأولى من الجامعة والتزمت وندمت كثيرا حتى أصبحت الوحيد في الأسرة الملتزم وأصلي جماعة وأنصح وأفعل كل ما هو خير لكني عاجز عن نصح بنات أخواتي إن فعلن أي خطأ , وأسال هل لي من توبة؟ علما أن ذلك الأمر قد يكون ظلما وقع على بنات أخواتي وأخواتي والعائلة فكيف أرد تلك المظالم وأنقي نفسي؟ علما أن أمثالي متوعدون بالعقاب الشديد في الدنيا والوعيد الشديد في الآخرة، وأنا في خوف شديد وندم أشد ولا حول ولا قوة إلا بالله.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نحمد الله أن منّ عليك بالالتزام والاستقامة والتوبة، ونسأله سبحانه أن يتجاوز عنك فيما ذكرت من الظلم المتعلق بأخواتك وبناتهن، وعليك بالإكثار من الاستغفار والأعمال الصالحة، مع البعد عن أسباب المعصية.
وباب التوبة مفتوح، مهما عظم الذنب، كما قال سبحانه: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) التوبة/١٠٤.
وقال تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) طه/٨٢.
والتوبة تهدم ما قبلها من الذنوب مهما كانت عظيمة أو كثيرة، قال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) الزمر/٥٣.
وأما رد المظالم فعليك بالدعاء والاستغفار لمن ظلمت والله تعالي يتوب على من تاب.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12760
نزلت به مصيبة فارتد عن الإسلام فهل له من توبة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[كنت محافظا على الصلاة كلما تيسر لي ذلك، وكنت من المتفوقين في دراستي مما مكنني من دخول مدرسة الهندسة وكنت من الحامدين لله. وكباقي الشباب كنت طموحا في نيل بيت وزوجة جميلة ومرتب محترم وكنت كثير الدعاء في الليل والنهار. فابتليت في دراستي بفشلي في نيل رتبة تمكنني من المواصلة في دراسة الهندسة فأحسست أنني ظلمت فرحت أقول فلان لا يصلي ويسر له الله ليصبح مهندسا وأنا من أصلي لم أنجح؟ ولم أصبر فقلت في نفسي أقوالا تخرجني من الملة كسب الله والدين وبالضبط سب القدر وانقطعت عن الصلاة مدة قصيرة وأنا كاره أن لا ألبي الأذان فقلبي أصبح معلقا بالصلاة. وبعد أن انزاح الغضب أدركت عظمة ما اقترفت في حق الله وخفت أن أموت والله غاضب عني فبكيت ولم أستطع أن أواصل دراستي لأني دائما مشغول بذنوبي. فرحت أبحث عن فتوى تريحني هل يغفر لي الله ذنبا قال فيه: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) . فاستفتيت في هذا الأمر ففرحت بقول الله: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ... ) فبحثت ووجدت أن هذه الآية نزلت في قوم لم يكونوا مسلمين وسألوا الرسول هل لهم من توبة؟ أما أنا فمسلم وبالتالي فرحتي سرعان ما تحطمت.
ففقدت الأمل بالمغفرة، فلم أبق محافظا على الصلاة كما كنت وعلى النوافل وصيام الاثنين. وأسئلتي هي كالتالي: هل ورغم توبتي لن أبقى مع أمة محمد لما روى البخاري أن الرسول قال يأخذ الله يوم القيامة أناسا عن يميني فأقول أصحابي.. فيقول الله إنهم ليسوا أصحابك إنهم أناس ارتدوا من بعدك؟ وهل صحيح أني وإن أصدق في توبتي ورغم استعدادي لإقامة الحد عن نفسي وإن أفعل ما أفعل لن يغفر الله لي؟ لأنه لا يغفر أن يشرك به؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
إن كان ما ذكرت من السب للدين والقدر، قد تلفظت به، فلا شك أن ما صدر منك أمر عظيم، وهو ردة عن الإسلام، وقد أسأت بذلك إلى الله العظيم الذي أنعم عليك، وخلقك، وهداك، وهو أرحم بك من كل أحد، ولعله صرفك عن الهندسة، لخير عظيم أراد أن يسوقه إليك، أو شر كبير، أراد أن يصرفه عنك، فكان عليك أن تسلّم وترضى.
وإن كان مجرد حديث في النفس، لم تتلفظ به، ولم يستقر في قلبك، فكان عليك أن تبادر برفضه، واستحضار نعمة الله وفضله عليك.
وفي كل حال، تركك للصلاة ذنب آخر، ومصيبة أخرى، ومعلوم أن تارك الصلاة كسلا، مختلف في كفره بين أهل العلم، والراجح أنه كافر، لدلالة النصوص على ذلك.
ثانيا:
مهما عظم ذنبك فإن حلم الله تعالى أعظم.
ومهما كان ذنبك، ثم تبت منه، فإن الله تعالى يتقبل توبتك، ويعفو عنك، وقد وعد بذلك، وهو أصدق القائلين .
والآية الكريمة التي ذكرتها، وهو قوله سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) النساء/٤٨، هي في حق من لقي ولم يتب من الشرك، فالله لا يغفر له، وأما من تاب قبل الغرغرة وقبل طلوع الشمس من مغربها، فإن الله تعالى يتقبل منه، ويبدل سيئاته حسنات، سواء وقع في الكفر والشرك أو في الكبائر أو الصغائر، والمهم أن يتوب توبة صادقة، يندم على ما فات، ويعزم على عدم العود إليه أبدا.
والدليل على ذلك قوله سبحانه: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) الفرقان/٦٨- ٧٠.
وقال سبحانه: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) طه/٨٢.
وقال: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) التوبة/١٠٤.
ولا فرق في ذلك بين من كان كافرا في الأصل ثم هداه الله، وبين من كان مسلما ثم ارتد – عياذا بالله – ثم تاب وأناب، فالتوبة تهدم ما قبلها من الذنوب، والإسلام يهدم ما كان قبله.
وقوله سبحانه: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) الزمر/ ٥٣، عام في كل من أذنب ثم تاب، سواء كان كافرا من الأصل أو كان مسلماً وارتد، بل تشمل كل أصحاب المعاصي.
قال ابن كثير ﵀: " هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار بأن الله ﵎ يغفر الذنوب جميعاً لمن تاب منها ورجع عنها وإن كانت مهما كانت، وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر، ولا يصح حمل هذه على غير توبةٍ لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتب منه " انتهى من "تفسير كثير" (٤/٧٥) .
وأما الذين يزادون عن الحوض، ويقال فيهم: (إنهم أحدثوا بعدك) فهذا في حق من لم يتب، بل لقي الله تعالى محدِثا مرتدا.
فإذا كنت قد تبت إلى الله تعالى، فأبشر، واحمد الله تعالى أن مدّ في عمرك حتى رجعت إلى الإسلام، وأكثر من الصالحات، واجتهد في الطاعات، ليكون حالك بعد التوبة أفضل من حالك قبلها، واحذر من التهاون في الصلاة أو تأخيرها عن أوقاتها، فإن الصلاة شأنها عظيم، وهي صلة بين العبد وربه، وباب إلى السعادة والراحة وانشراح الصدر، نسأل الله أن يتقبل منك، وأن يتجاوز عن ذنبك.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12761
موقفنا من الاستهزاء بالنبي ﷺ
[السُّؤَالُ]
ـ[كلنا سمع بما قام به الغربيون من الاستهزاء بالنبي ﷺ والسخرية منه، فما هو موقفنا من ذلك؟ وكيف ندافع عن النبي ﷺ ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لقد ساءنا وساء كلّ مسلم غيور على دينه ما قام به هؤلاء السفهاء المجرمون من الاستهزاء بنبينا محمد ﷺ وهو أفضل من وطئت قدماه الثرى، وهو سيد الأولين والآخرين صلوات ربي وسلامه عليه.
وهذه الوقاحة ليست غريبة عنهم، فهم أحق بها وأهلها.
ثم هذه الجريمة النكراء – مع أنها تمزق قلوبنا، وتملؤها غيظاً وغضباً، ونود أن نفدي رسول الله ﷺ بأنفسنا - إلا أنها مع ذلك مما نستبشر به بهلاك هؤلاء، وقرب زوال دولتهم، قال الله تعالى: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) الحجر/٩٥، فالله تعالى يكفي نبيه ﷺ المستهزئين المجرمين، وقال تعالى: (إِنَّ شَانِئَكَ – أي: مبغضك - هُوَ الأَبْتَرُ) الكوثر/٣، أي: الحقير الذليل المقطوع من كل خير.
وقد كان المسلمون إذا حاصروا أهل حصن واستعصى عليهم، ثم سمعوهم يقعون في النبي ﷺ ويسبونه، يستبشرون بقرب الفتح، ثم ما هو إلا وقت يسير، ويأتي الله تعالى بالفتح من عنده انتقاماً لرسوله ﷺ .
"الصارم المسلول" (ص ١١٦-١١٧) .
وشواهد التاريخ كثيرة على هلاك وفضيحة المستهزئين بالنبي محمد ﷺ .
ثم ماذا ينقم هؤلاء من سيد البشر محمد ﷺ ؟!
ينقمون منه أنه دعا إلى توحيد الله تعالى، وهم لا يؤمنون لله بالوحدانية.
ينقمون منه أنه عَظَّمَ ربه ﵎، ونزهه عما يقوله هؤلاء المفترون، وهم ينسبون إليه الصاحبة والولد.
ينقمون منه أنه دعا إلى معالي الأخلاق، وترك سفاسفها، ودعا إلى الفضيلة، وسد كل باب يؤدي إلى الرذيلة، وهم يريدونها فوضى أخلاقية وجنسية عارمة.
يريدون أن يغرقوا في مستنقع الشهوات والرذيلة، وقد كان لهم ما أرادوا!
ينقمون منه أنه رسول الله!! والله تعالى هو الذي اصطفاه على الناس برسالته ووحيه.
ودلائل نبوته ﷺ أكثر من أن تحصر.
ألم يسمعوا عن حادثة انشقاق القمر؟ أم لم يسمعوا عن نبوع الماء من بين أصابعه ﷺ مرات ومرات؟
أم لم يسمعوا عن آيته الكبرى، هذا القرآن الكريم، كلام رب العالمين، الذي حفظه الله تعالى فلم تمتد إليه يد العابثين المحرفين، أما كتبهم المنزلة على أنبيائهم فتلاعبوا بها أيما تلاعب، (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ) البقرة/٧٩.
بل من أعظم الأدلة على صدق نبينا محمد ﷺ ، بقاء دينه هذه القرون الطويلة ظاهراً منصوراً، وقد كان أمره ﷺ في حياته دائماً إلى ظهور وعلو على أعدائه، وحكمة الله تعالى تأبى أن يُمَكِّن كاذباً عليه وعلى دينه من العلو في الأرض هذه المدة الطويلة، بل في كتبهم التي كتمها علماؤهم وحرفوها أن الكذاب (مدعي النبوة) لا يمكن أن يبقى إلا ثلاثين سنة أو نحوها ثم يضمحل أمره.
كما ذكر عن أحد ملوكهم أنه أتى برجل من أهل دينه (نصراني) كان يسب النبي ﷺ ، ويرميه بالكذب، فجمع الملك علماء ملته، وسألهم: كم يبقى الكذاب؟ فقالوا: كذا وكذا، ثلاثين سنة، أو نحوها، فقال الملك، وهذا دين محمد له أكثر من خمسمائة سنة، أو ستمائة سنة [يعني: في أيام هذا الملك] ، وهو ظاهر مقبول متبوع، فكيف يكون هذا كذابا؟؟ ثم ضرب عنق ذلك الرجل!!
"شرح العقيدة الأصفهانية" لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
ألم يعلموا أن كثيراً من عقلائهم وملوكهم وعلمائهم لما وصلت إليهم دعوة الإسلام بيضاء نقية لم يملكوا إلا الإقرار بصحة هذا الدين، وعَظَّموا النبي ﷺ ، وكثير منهم أعلن الدخول في الإسلام.
فقد أقر ملك الحبشة النجاشي بذلك، ودخل في الإسلام.
ولما أرسل النبي ﷺ كتاباً إلى هرقل ملك الروم يدعوه فيه إلى الإسلام أقرّ هرقل بصحة نبوته، وهمّ أن يُعلن إسلامه وتمنى أن يذهب إلى الرسول ﷺ ويكون خادماً عنده، إلا أنه خاف على نفسه من أهل ملته، وبقي على الكفر ومات عليه.
ولم يزل الكثير من معاصريهم يعلن ذلك.
١- يقول مايكل هارت في كتابه "الخالدون مئة" ص١٣، وقد جعل على رأس المئة نبينا محمداً ﷺ , يقول:
"لقد اخترت محمدا ﷺ في أول هذه القائمة ... لأن محمدا ﵇ هو الإنسان الوحيد في التاريخ الذي نجح نجاحا مطلقا على المستوى الديني والدنيوي ".
٢- برناردشو الإنكليزي , له مؤلف أسماه (محمد) ، وقد أحرقته السلطات البريطانية، يقول:
" إن العالم أحوج ما يكون إلى رجلٍ في تفكير محمد، وإنّ رجال الدين في القرون الوسطى، ونتيجةً للجهل أو التعصّب، قد رسموا لدين محمدٍ صورةً قاتمةً، لقد كانوا يعتبرونه عدوًّا للمسيحية، لكنّني اطّلعت على أمر هذا الرجل، فوجدته أعجوبةً خارقةً، وتوصلت إلى أنّه لم يكن عدوًّا للمسيحية، بل يجب أنْ يسمّى منقذ البشرية، وفي رأيي أنّه لو تولّى أمر العالم اليوم، لوفّق في حلّ مشكلاتنا بما يؤمن السلام والسعادة التي يرنو البشر إليها ".
٣- ويقول آن بيزيت:
" من المستحيل لأي شخص يدرس حياة وشخصية نبي العرب العظيم ويعرف كيف عاش هذا النبي وكيف علم الناس، إلا أن يشعر بتبجيل هذا النبي الجليل، أحد رسل الله العظماء ".
٤- شبرك النمساوي:
" إنّ البشرية لتفتخر بانتساب رجل كمحمد إليها، إذ إنّه رغم أُمّيته، استطاع قبل بضعة عشر قرنًا أنْ يأتي بتشريع، سنكونُ نحنُ الأوروبيين أسعد ما نكون، إذا توصلنا إلى قمّته ".
٥- الدكتور زويمر (مستشرق كندي) :
" إن محمداً كان مصلحاً قديراً، وبليغاً فصيحاً، وجريئاً مغواراً، ومفكراً عظيماً، ولا يجوز أن ننسب إليه ما ينافي هذه الصفات، وهذا قرآنه الذي جاء به وتاريخه يشهدان بصحة هذا الادعاء ".
٦- الفيلسوف الإنجليزي توماس كارليل الحائز على جائزة نوبل يقول في كتابه " الأبطال ":
" لقد أصبح من أكبر العار على أي فرد متحدث في هذا العصر أن يصغي إلى ما يقال من أن دين الإسلام كذب، وأن محمداً خدّاع مزوِّر.
وقد رأيناه طول حياته راسخ المبدأ، صادق العزم، كريماً بَرًّا، رؤوفاً، تقياً، فاضلاً، حراً، رجلاً، شديد الجد، مخلصاً، وهو مع ذلك سهل الجانب، ليِّن العريكة، جم البشر والطلاقة، حميد العشرة، حلو الإيناس، بل ربما مازح وداعب.
كان عادلاً، صادق النية، ذكي اللب، شهم الفؤاد، ذكياًّ، سريع الخاطر، كأنما بين جنبيه مصابيح كل ليل بهيم، ممتلئاً نوراً، رجلاً عظيماً بفطرته، لم تثقفه مدرسة، ولا هذبه معلم، وهو غني عن ذلك".
٧- ويقول جوته الأديب الألماني: " "إننا أهل أوروبه بجميع مفاهيمنا، لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد، وسوف لا يتقدم عليه أحد، ولقد بحثت في التاريخ عن مثل أعلى لهذا الإنسان، فوجدته في النبي محمد، وهكذا وجب أن يظهر الحق ويعلو، كما نجح محمد الذي أخضع العالم كله بكلمة التوحيد".
فإن كان ذلك كذلك فإن من واجب العالم كله – ولا محيص لهم عن ذلك – أن يجعل عظمة محمد ﷺ في الخلق جميعًا فوق كل عظمة، وفضله فوق كل فضل، وتقديره أكبر من كل تقدير، ويجب على العالم أجمع أن يؤمن برسالة محمد ﷺ ، وأنه خاتم أنبياء الله الكرام.
ونحن نغتنم هذه الفرصة وندعو هؤلاء إلى الإسلام، فإن ما اقترفته أيديهم الآثمة لا يمحوه إلا الإسلام، فإن عاندوا وكابروا وأصروا على ما هم عليه فليبشروا بعذاب النار خالدين فيها أبداً، قال الله تعالى: (إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) المائدة/٧٢، وقال تعالى: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) آل عمران/٨٥.
وقال النبي ﷺ : (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) رواه مسلم (١٥٣) .
ثانياً:
والله تعالى حكيم لا يقّدر شيئاً وهو شر محض، بل لا بد أن يكون فيه الخير لعباده المؤمنين، مهما ظهر للناس أنه شر، وصدق الرسول ﷺ القائل: (عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) رواه مسلم (٢٩٩٩) .
وفي حادثة الإفك – وهي معروفة – قال الله تعالى: (لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) النور/١١.
وهذه جملة من المصالح المترتبة على هذه الجريمة الآثمة:
١. ظهور ما تنطوي عليه قلوب هؤلاء المجرمين من الحقد والكره للمسلمين، حتى وإن تظاهروا في كثير من الأحيان أنهم مسالمون، (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) آل عمران/١١٨.
٢. انكشاف تزوير الغرب في معاييره، فهنا يحتجون بحرية الرأي، وكل عاقل يعلم أن حرية الرأي المزعومة تقف عند المساس بحرمة الآخرين والاعتداء عليهم، وهم كاذبون في دعواهم حرية الرأي، فكلنا يذكر ما حدث من سنوات قريبة لما أقدمت إحدى الحكومات على تكسير وثان وأصنام عندها، أقاموا الدنيا وما أقعدوها!! فأين كانت حرية الرأي المزعومة؟! فلماذا لم يعتبروا هذا أيضاً من حرية الرأي؟!
٣. بيان بطلان ما يدعو إليه بعض المتغربين من أبناء جلدتنا: (لا تقولوا على غير المسلمين كفار، بل قولوا " الآخر " حتى لا تشعلوا نار الفتنة بيننا وبينهم) .
ألا فليعلم الجميع من هو الذي يكره الآخر، ولا يراعي حرمته ويعلن الحرب عليه كلما سنحت له الفرصة.
٤. كذب دعاويهم التي ملأوا بها الدنيا من (حوار الحضارات) القائم على احترام الآخر، وعدم الاعتداء عليه!! فأي حوار يريدون؟ وأي احترام يزعمون؟ إنهم يريدون أن نحترمهم ونوقرهم ونعظمهم، بل ونركع لهم ونسجد، أما هم فلا يزدادون منا إلا استهزاءاً وسخرية وظلماً!!!
٥. إحياء جذوة الإيمان في قلوب المسلمين، فقد رأينا ردة فعل المسلمين دالة على رسوخ الإيمان في قلوبهم، ومدى حبهم للنبي ﷺ ، حتى من عنده تفريط في بعض واجبات الدين، ثار دفاعاً عن رسولنا الكريم ﷺ .
٦. توحيد صفوف المسلمين، فرأينا – ولله الحمد – تكاتف المسلمين وتبنّيهم لنفس المواقف، وإن اختلفت البلدان، واللغات.
٧. ظهور اتحاد الغرب على الإسلام، فما أن استنجدت تلك الدولة باتحادهم حتى وقفوا جميعاً بجانبها، وتواصى المجرمون على نشر هذه الصور في صحافتهم، حتى يعلموا المسلمين أنهم جميعاً في خندق واحد، وأننا لا نستطيع مواجهتهم جميعاً.
٨. حرص بعض المسلمين على دعوة هؤلاء إلى الإسلام، وبيان الصورة المشرقة الحقيقية لهذا الدين، فقد رأينا تسابق المسلمين إلى طباعة الكتب بلغة هؤلاء حتى نزيل الغشاوة من على أعينهم، لعلهم يبصرون.
٩. ظهور جدوى تلك المقاطعة التي قام بها المسلمون لمنتجات المعتدين على رسول الله ﷺ ، فلم تتحرك دولتهم لمطالب رسمية أو سياسية، ولو كانت على أعلى المستويات، ولكن لم تمض على المقاطعة إلا أيام قليلة حتى هبت الصحيفة الآثمة ورئيس تحريرها للاعتذار، وتغير أسلوب كلامهم، فلان شيئاً ما مع المسلمين.
وبهذا يظهر سلاح جديد للمسلمين يمكن أن يستخدموه للتأثير على أعدائهم، وإلحاق الضرر بهم.
١٠. إرسال رسالة واضحة للغرب، أننا – نحن المسلمين – لا نرضى أبداً أن يمس ديننا أو ينال منه، أو يعتدى على رسولنا ﷺ . فكلّنا فداء له بأبي هو وأمي.
فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم فداء
ثالثاً:
وأما دورنا في هذا.
١. فالواجب علينا الإنكار بشدة، كلٌّ حسب ما يستطيع، بإرسال رسالة أو مقالة، أو اتصال هاتفي، بحكومتهم وخارجيتهم وصحافتهم.
٢. مطالبة هؤلاء بالاعتذار الجاد الواضح، لا الخداع وتبرير الجريمة الذي يسمونه اعتذاراً، فلا نريد اعتذاراً لإهانة المسلمين، وإنما نريد إقراراً بالخطأ واعتذاراً عن ذلك الخطأ.
٣. مطالبتهم بمعاقبة المجرمين على جرمهم.
٤. ومطالبتهم أيضاً بأن تكف حكوماتهم عن العداء للإسلام والمسلمين.
٥. ترجمة الكتب التي تدعو إلى الإسلام بلغة هؤلاء، والكتب الذي تعرّف بالإسلام ونبيّ الإسلام، وبيان سيرته الحسنة العطرة.
٦. استئجار ساعات لبرامج في المحطات الإذاعية والتلفزيونية تدافع عن النبي ﷺ وتذب عن جنابه، ويستضاف فيها ذوو القدرة والرسوخ، والدراية بمخاطبة العقلية الغربية بإقناع، وهم بحمد الله كثر.
٧. كتابة المقالات القوية الرصينة لتنشر في المجلات والصحف ومواقع الإنترنت باللغات المتنوعة.
٨. وأما مقاطعة منتجاتهم، فإذا كانت المقاطعة لها تأثير عليهم – وهذا هو الواقع – فلماذا لا نقاطعهم ونبحث عن شركات بديلة يمتلكها مسلمون؟
٩. التصدي لهذه الحملة الشرسة التي تنال من الإسلام ونبيّه، ببيان حسن الإسلام وموافقته للعقول الصريحة، والرد على شبهات المجرمين.
١٠. التمسك بالسنة والتزام هدي النبي ﷺ في كل شيء والصبر على ذلك (وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا) آل عمران/١٢٠.
١١. الحرص على دعوة هؤلاء، فإننا وإن كنا ننظر إليهم بعين الغضب والسخط والغيظ، إلا أننا أيضاً ننظر إليهم بعين الشفقة عليهم، فهم عما قريب سيموتون ويكونون من أهل النار إن ماتوا على ذلك فندعوهم إلى الإسلام والنجاة رحمة بهم وشفقة عليهم.
ونسأل الله تعالى أن يعلي دينه، وينصر أولياءه، ويذل أعداءه، (والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون) .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12762
أخذ مالا من فيلا صادرتها الدولة فكيف يرد المال ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[طلبت إلي إحدى الأخوات أن أنقل إليكم رسالتها هذه لمعرفة رأي الشرع فيها وهي كالتالي: تقول إن زوجها كان رب العمل في فيلا مصادرة من مسئول سابق، وهي تتبع الدولة حاليا، حيث إنه قام بأخذ بعض الأواني التي كانت موجودة بقبو داخل هذه الفيلا، وزوجها الآن متوفى، فما العمل: هل تقوم بتكسير الأطباق أو تتصدق بثمنها وكيف تقدر ثمنها، أفيدونا رحمكم الله.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
لقد أخطأ الزوج المسئول عنه في أخذ هذه الأواني، سواء كانت مملوكة لشخص أو للدولة، فإن مال الدولة ملك لعامة المسلمين، والاعتداء عليه اعتداء على المال العام، وهو أمر خطير، وذنب كبير، وكان الواجب عليه أن يتوب إلى الله تعالى، وأن يرد ما أخذ، ونسأل الله أن يغفر له، ويتجاوز عنه. وقد روى أحمد (٢٠٠٩٨) عن سمرة بن جندب عن النبي ﷺ قال: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) وقال الأرنؤوط: حسن لغيره.
ثانيا:
يلزم الزوجة أن ترد الأواني إلى محلها، ولو سبب ذلك حرجا لها، لما في هذا من التخفيف عن زوجها، وخلاصها هي من إثم الاحتفاظ بالمال الحرام، ولا يجوز لها تكسير الأواني بحال من الأحوال، فإن لم يمكن إرجاعها، أو غلب على الظن حدوث مفسدة أكبر بإرجاعها، فإنها تجعلها في منفعة عامة للمسلمين، أو تبيعها وتجعل ثمنها في تلك المنافع، أو تتصدق به.
وإذا عُلم أن مصادرة الفيلا وما فيها كان بغير حق، فإن الأواني ترد إلى صاحبها (المسئول السابق) ، إن أمكن، فإن لم يمكن الوصول إليه ولا إلى ورثته، فيُتصدق بها أو بثمنها عنه.
قال في "المجموع" (٩/٤٢٨) : " قال الغزالي: إذا كان معه مال حرام وأراد التوبة والبراءة منه: فإن كان له مالك معين وجب صرفه إليه أو إلى وكيله , فإن كان ميتا وجب دفعه إلى وارثه , وإن كان لمالكٍ لا يعرفه، ويئس من معرفته، فينبغي أن يصرفه في مصالح المسلمين العامة , كالقناطر والربط والمساجد ومصالح طريق مكة , ونحو ذلك مما يشترك المسلمون فيه , وإلا فيتصدق به على فقير أو فقراء , وينبغي أن يتولى ذلك القاضي إن كان عفيفا، فإن لم يكن عفيفا لم يجز التسليم إليه , ... وإذا دفعه إلى الفقير لا يكون حراما على الفقير , بل يكون حلالا طيبا , وله أن يتصدق به على نفسه وعياله إذا كان فقيرا , لأن عياله إذا كانوا فقراء فالوصف موجود فيهم , بل هم أولى من يتصدق عليه , وله هو أن يأخذ منه قدر حاجته لأنه أيضا فقير. وهذا الذي قاله الغزالي في هذا الفرع ذكره آخرون من الأصحاب , وهو كما قالوه , ونقله الغزالي أيضا عن معاوية بن أبي سفيان وغيره من السلف: عن أحمد بن حنبل والحارث المحاسبي وغيرهما من أهل الورع , لأنه لا يجوز إتلاف هذا المال ورميه في البحر , فلم يبق إلا صرفه في مصالح المسلمين , والله أعلم.
قال الغزالي: إذا وقع في يده مال حرام من يد السلطان: قال قوم: يرده إلى السلطان , فهو أعلم بما يملك , ولا يتصدق به , واختار الحارث المحاسبي هذا. وقال آخرون: يتصدق به إذا علم أن السلطان لا يرده إلى المالك؛ لأن رده إلى السلطان تكثير للظلم , قال الغزالي: والمختار أنه إن علم أنه لا يرده على مالكه فيتصدق به عن مالكه.
(قلت) [القائل: الإمام النووي] : المختار أنه إن علم أن السلطان يصرفه في مصرف باطل، أو ظن ذلك ظنا ظاهرا لزمه هو أن يصرفه في مصالح المسلمين، مثل القناطر وغيرها فإن عجز عن ذلك أو شق عليه لخوف أو غيره , تصدق به على الأحوج , فالأحوج , وأهم المحتاجين ضعاف أجناد المسلمين، وإن لم يظن صرف السلطان إياه في باطل، فليعطه إليه أو إلى نائبه، إن أمكنه ذلك من غير ضرر , لأن السلطان أعرف بالمصالح العامة وأقدر عليها , فإن خاف من الصرف إليه ضررا صرفه هو في المصارف التي ذكرناها، فيما إذا ظن أنه يصرفه في باطل " انتهى.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " لو أن إنسانا سرق مالا ثم مات فإنه لا يحل للوارث، ثم إن كان يعلم صاحبه أعطاه إياه، وإلا تصدق به عنه " انتهى من: "لقاءات الباب المفتوح" (١/٣٠٤) .
وقال أيضا: " ... فإذا سرقتَ من شخصٍ أو من جهة ما سرقةً: فإن الواجب عليك أن تتصل بمن سرقت منه وتبلغه، وتقول: إن عندي لكم كذا وكذا، ثم يصل الاصطلاح بينكما على ما تصطلحان عليه، لكن قد يرى الإنسان أن هذا الأمر شاق عليه وأنه لا يمكن أن يذهب - مثلاً - إلى شخص ويقول: أنا سرقت منك كذا وكذا، وأخذت منك كذا وكذا، ففي هذه الحال يمكن أن توصل إليه هذه الدراهم - مثلاً - من طريق آخر غير مباشر، مثل أن يعطيها رفيقاً لهذا الشخص وصديقاً له، ويقول له هذه لفلان ويحكي قصته ويقول أنا الآن تبت إلى الله فأرجو أن توصلها إليه.
وإذا فعل ذلك فإن الله يقول: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً) الطلاق/٢، (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً) الطلاق/٤.
فإذا قُدِّر أنك سرقتَ من شخصٍ لا تعلمه الآن ولا تدري أين هو: فهذا أيضاً أسهل من الأول؛ لأنه يمكنك أن تتصدق بما سرقتَ بنيَّة أنه لصاحبه، وحينئذٍ تبرأ منه " انتهى من " فتاوى إسلاميَّة " (٤ / ١٦٢) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12763
ترك الصلاة سبب كل ضيق
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا فتاة عمري ٢٣ سنة، الصراحة أنا لا أصلي، وإن قمت للصلاة لا أصلي كل الفروض، والصراحة أنا أستمع للأغاني، ولكن - والله شاهد - أن هذا الموضوع يسبب لي حالة نفسية، أريد الصلاة، وأريد أن أطيع الله، وأنا أخافه، أنا أعتز بكوني مسلمة، وربي هو الله وحده لا شريك له، وأحب الحبيب المصطفى وسيرته، وأتأثر عند سماع قصصه، الحمد لله، أكرمني الله بأن ذهبت إلى العمرة هذه السنة، وكنت فرحة لهذا، ولكني أحس أني جاحدة، أو لا فرق بيني وبين الكافرين لأني لا أصلي، حاولت كثيراً أن أداوم على الصلاة، لكن لا أدري لماذا يحدث معي هذا، مع العلم أني كنت لفترة طويلة جدّاً لا أصلي أبداً، وأحس أيضاً أني أجهل أموراً كثيرة بالدِّين، وأشعر أيضاً أن الله لن يتقبل مني أي عمل كان: صلاة أو زكاة أو عمرة أو غير ذلك من أمور الدين الإسلامي، وأن مثواي لا محالة النار، أحتاج إلى من يأخذ بيدي، ينصحني، ينتشلني من حالة الضياع التي أنا فيها، أكره كوني على هذه الحالة!!
وفوق كل هذا هناك مشكلة أخرى، وهي أني أشعر أني لم أصم أياما من رمضان، وأنا لا أعاني من أي شيء، أي لا يوجد هناك مانع من الصوم!!
والصراحة أني لست متأكدة إن كانت أياما من رمضان أو كانت من أيام شوال الستة، فعندنا عادة في منزلنا أن نصوم هذه الأيام الست كل سنة، فاختلطت الأمور علي، وهذه المشكلة حدثت لي في الفتره التي كنت فيها بعيدة عن الله، وأنا أعلم أنه من أفطر رمضان بدون سبب لا يقبل الله له صوما، وعليه كفارة، فماذا أفعل؟
أرجوك ساعدني وأفدني، أرجوك، أنا يائسة جدّاً، جعله الله في ميزان حسناتك إن شاء الله، وجزاك عن المسلمين جميعاً خيراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا بد – أختي الفاضلة – أن تُحَدِّدِي أولا مكان المشكلة ثم تنطلقي في العلاج، وإن طلبتِ منَّا المساعدة في تحديدها فسنقول لكِ: المشكلة في نفسك أنتِ وليس في شيءٍ آخر! ولن تكون المساعدة التي يقدمها لك الآخرون نافعة حتى تأخذي أنتِ بنفسكِ إلى النجاة.
والمشاعر التي بثثتِيها في سؤالك تدل على أن مقومات الاستقامة والصلاح موجودةٌ فيك، فإن المؤمن هو الذي يحاسب نفسه ويعاتبها، ويبدو أنك تقومين بذلك.
والمؤمن يخاف تقصيره وذنوبه، ويراها كأنها جبل يوشك أن يقع عليه، ويظهر أنك تشعرين بذلك أيضا.
والمؤمن يرتفع بإسلامه وإيمانه، ويعتز بانتسابه إلى هذا الدين العظيم، ويحب نبيه الكريم محمداً ﷺ ، ورسالتك تنضح بذلك؟!!
إذاً فكيف اجتمعت هذه الصفات مع التقصير في أعظم واجبات الدين، وهي الصلاة؟!
ليس عندنا تفسير لذلك سوى سوء إدارة النفس وضعف التحكم فيها، وإلا فأداء الصلاة لا يستغرق جهدا ولا وقتا، ما هي إلا دقائق يخلو فيها المرء بربه، يناجيه بحاجته، ويبث إليه ثقل الدنيا، ويشكو إليه شوقه إليه وإلى رحمته.
فإذا كانت أنفسنا لا تحتمل الالتزام بهذه الدقائق المعدودة، فلا أظننا ننجح في حياتنا أبدا، فإن قيادة النفس تحتاج إلى شيء من العزم والحزم، ونحن المسلمين لم يكلفنا ربنا فوق طاقتنا، بل لم يكلفنا ما يشق علينا، وهو سبحانه يحب أن يتوب علينا ويخفف عنا.
قال : (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) البقرة/١٨٥
وقال سبحانه: (يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. وَاللهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً. يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً) النساء/٢٦-٢٨
والصلاة رحمة فرضها الله علينا من جوده وكرمه، من حافظ عليها وقام بحق القيام بها: رأى فضل الله تعالى علينا حين كتبها علينا، وعرف أن الإنسان المحروم هو الذي حرم نفسه لذة الصلة بالله سبحانه.
عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال:
(الصَّلَاةُ خَيرٌ مَوضُوعٌ، فَمَنِ استَطَاعَ أَن يَستَكثِرَ فَلْيَستَكثِرْ)
رواه الطبراني (١ / ٨٤) وصححه الألباني في " صحيح الترغيب " (٣٩٠) .
وانظري كيف عقب الله تعالى آيات فرض الطهارة للصلاة بقوله:
(مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) المائدة/٦.
والنبي المصطفى ﷺ ، الذي تحبينه وتحبين سيرته كان يقول:
(جُعِلَت قُرَّةُ عَينِي فِي الصَّلَاةِ) رواه النسائي (٣٩٤٠) وحسنه الحافظ ابن حجر في " التلخيص الحبير " (٣ / ١١٦) وصححه الألباني في " صحيح النسائي ".
فكيف يرضى المؤمن لنفسه أن تفوته تلك الخيرات والبركات؟.
قال ابن القيم ﵀:
فواأسفاه وواحسرتاه كيف ينقضي الزمان وينفذ العمر والقلب محجوب ما شم لهذا رائحة، وخرج من الدنيا كما دخل إليها، وما ذاق أطيب ما فيها، بل عاش فيها عيش البهائم، وانتقل منها انتقال المفاليس، فكانت حياته عجزاً، وموته كمداً، ومعاده حسرة وأسفاً، اللهم فلك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك.
" طريق الهجرتين " (ص ٣٢٧) .
ولا أذكر لك هذا الكلام لأزيد اليأس الذي تشعرين به، إنما كي تسعي جاهدة للتخلص منه، فهو لم يصبك إلا لعجزك عن أداء أسهل الفرائض، فعرفتِ أنكِ عن سواها أعجز.
ويجب أن لا تجعلي في حياتك مجالاً لليأس في جنب الله؛ ويجب أن تعلمي أنه سبحانه يكره القنطين: (وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ) الحجر/٥٦، ويحب عباده المستبشرين برحمته وفضله، ومن سعة كرمه أنه يغفر السيئات، ويصفح عن الزلات، بل قال : (إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً. وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً) الفرقان/٧٠-٧١، وقد قال بعض الحكماء: " لا يأتي بالأمل إلا العمل "، ولن يخرجك من حالة اليأس التي أوقعك الشيطان فيها إلا البدء بالعمل، ومحاولة الالتزام بالاستقامة،
ولو تخللها في البداية بعض النقص.
قال الله تعالى: (وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) ؛ فإن الرجاء يوجب للعبد السعي والاجتهاد فيما رجاه، والإياس: يوجب له التثاقل والتباطؤ، وأولى ما رجا العباد، فضل الله وإحسانه، ورحمته، وروحه.
" إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون "؛ فإنهم ـ لكفرهم ـ يستبعدون رحمته، ورحمته بعيدة منهم، فلا تتشبهوا بالكافرين. ودل هذا على أنه بحسب إيمان العبد، يكون رجاؤه لرحمة الله وروحه." تفسير ابن سعدي.
وأول ما يجب أن تبدئي به أن توجدي في نفسك همّاً كبيراً وحرصا عظيما للمحافظة على الصلاة، كما هو الهم الذي تستشعرينه لأمور الدنيا الأخرى من طعام وشراب ودراسة وزواج ونحو ذلك، فإن كل عمل يسبقه اهتمام وتفكر، وقد كان بعض السلف يجاهد نفسه على الإكثار من نوافل الصلاة مجاهدة عظيمة، حتى قال ثابت البناني ﵀: كَابَدتُ الصلاة [يعني: قيام الليل] عشرين سنة، واستمتعت بها عشرين سنة.
ولا يكفي هذا الفكر والاهتمام حتى يقوم بموازاته فكر واهتمام بوسائل المحافظة على الصلاة، وكيف تحتالين على نفسك حتى تلتزم بما فرض الله تعالى، والإنسان يملك قدرة كبيرة في حسن اختيار الأساليب التي تعينه على ما يريد.
احرصي أن تقومي مباشرة إذا سمعت صوت المؤذن بالتكبير، واستشعري أنه سبحانه أكبر من كل الدنيا التي أنت منشغلة بها، ثم اعمدي إلى محرابك لتصلي ما كتب الله لك، ولا تنسي أن تقولي الدعاء الذي علمنا إياه نبينا ﷺ دبر كل صلاة: (اللهم أعِنِّي على ذِكْرِك وشُكْرِك وحُسْنِ عِبادتِك) .
وقد ذكرتِ أنكم أهل بيت حريصون على صيام الست من شوال، وهذه أمارة صلاح وإحسان تعينك على أداء الصلاة في وقتها، حين ترين الوالدة والإخوة يقيمونها في وقتها، واحمدي الله تعالى على ذلك، فكم من شكاوى تأتي من أبناء يضربهم أهلهم على ترك الصلاة وخلع الحجاب، وأنت قد أكرمك الله تعالى بالأهل الذين يعينونك على تقوى الله تعالى.
صاحبي الفتيات المصليات المستقيمات، واطلبي منهن العون على الصلاة، وتذكيرك بها، والتواصي عليها، وقد يكون ذلك خير معين لك.
وأخيرا احذري المعاصي، فهي أساس كل داء، والمعصية تأتي بأختها وهكذا حتى تجتمع على الإنسان فتهلكه، فتثقل العبد عن صلاته، وتحرمه من نورها وبركتها، نسأل الله السلامة.
قال ابن القيم ﵀:
المعاصي تزرع أمثالها، وتولد بعضها بعضا، حتى يعِزَّ على العبد مفارقتُها والخروج منها، كما قال بعض السلف: إن من عقوبة السيئة السيئة بعدها، وإن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها.
" الجواب الكافي " (ص ٣٦) .
ثانيا:
أما سؤالك عن صيام رمضان، وأنك تشكين في تركك صيام أيام منه من غير عذر، فنقول لك: لا تلتفتي لهذه الشكوك، إذ يبدو أن الغالب على ظنك أنك أديت تلك العبادة في وقتها مع أسرتكِ، وغلبة الظن كافية لبراءة الذمة، ولا عبرة بالشك بعد ذلك.
وفي " فتاوى اللجنة الدائمة " (٧ / ١٤٣) :
الشك بعد الانتهاء من الطواف والسعي والصلاة لا يلتفت إليه؛ لأن الظاهر سلامة العبادة.
انتهى.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
إذا كان الشك بعد انتهاء العبادة: فإنه لا يلتفت إليه، ما لم يتيقن الأمر.
" مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " (١٤ / السؤال رقم ٧٤٦) .
ثم إن ترك الصيام بغير عذر لا يوجب القضاء ولا الكفارة، وإنما يوجب التوبة والاستغفار، كما سبق بيان ذلك في جواب السؤال رقم (٥٠٠٦٧) .
أسأل الله تعالى أن يكتب لك أجرك، وأن يثبت قلبك على الحق والدين، وأن يعيذك من الشيطان الرجيم.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12764
وقعت في الحرام ثم تقدم لها رجل صالح لكنها تحس بالذنب
[السُّؤَالُ]
ـ[أقمت علاقة غير شرعية مع رجل متزوج وعدني بالزواج لكن كل ما أطلب منه تعجيل الأمر يعتذر بحجج مختلفة ويبتعد عني لمدة ثم يعود ليقضي حاجته. لكن تبت إلى الله وأتضرع إلى الله سبحانه أن يتقبل توبتي لكن لن أسامحه لأنني شابة مسلمة وأخاف الله لكنه أوقعني في الحرام، والآن يتقدم إلى خطبتي رجل تقي عفيف، لكن أحس بالذنب فهل أقبل أم لا؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
إنا لله وإنا إليه راجعون. هذا هو نتيجة الاختلاط والتساهل في إقامة العلاقات المحرمة بين الرجال والنساء، وكم جَرَّ هذا التساهل علينا من مصائب وأحزان وآلام، يكتوي بنارها مَنْ ابتليت في عرضها، وفقدت شرفها، ثم تركها الذئب على قارعة الطريق، فلم تعد صالحة له، وهيهات أن يثق فيها وقد قبلت الخيانة، وهو غير مستعد للزواج أصلا، وإنما الهدف هو المتعة الرخيصة، وقضاء الوقت مع المغفلة المسكينة.
ويكتوي بنارها أهلها إذا افتضح أمرها، ويكتوي بنارها كل مؤمن في قلبه حياة، يسمع مثل هذه المآسي والآلام، ويكتوي بنارها المجتمع كله إذا انتشرت الفاحشة وعمَّت الرذيلة.
ثانياً:
نحمد الله أنك قد تبت من هذه الأفعال الشنيعة، ونسأله سبحانه أن يتقبل منك، وأن يعفو عنك، وأن يصرف عنك السوء والفحشاء. لكن ما حدث معك عبرة لغيرك، وكم نادى العلماء والدعاة والمصلحون بضرورة الحذر من فتنة الرجال بالنساء، والنساء بالرجال، وأهمية الوقوف عند حدود الله تعالى في الكلام والاستماع والنظر والمصافحة والخلوة، حتى تحفظ الأعراض، وتصان الفروج، في حين ظل دعاة الرذيلة يهونون من هذا الأمر، ويرخصون فيه، ويدعون إليه، ويسمونه تحررا وتمدنا ورقيا، والأمر كما قال الله: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً) النساء/٢٧.
والمهم أن تستمري في التوبة والندم، وأن تكثري من التضرع واللجوء إلى الله، لعل الله أن يتجاوز عنك، ويسترك في الدنيا والآخرة.
ولا حرج عليك في قبول الزواج من هذا الرجل التقي الذي تقدم لخطبتك، ما دمت قد تبت إلى الله تعالى مما اقترفت، ولا يلزمك إخباره بشيء مما مضى، بل لا يجوز لك إخباره، واستتري بستر الله تعالى، كما قال النبي ﷺ : (اجتنبوا هذه القاذورة التي نهى الله عنها، فمن ألمّ فليستتر بستر الله رواه البيهقي وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (٦٦٣) .
وروى مسلم (٢٥٩٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لا يَسْتُرُ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ فِي الدُّنْيَا إِلا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) .
وهذا من البشارة للتائب الذي ستره الله تعالى في الدنيا، أن الله سيستره في الآخرة، والمهم ألا يتمادى، وأن لا يغتر بعفو الله وحلمه، فإن الله لو شاء أن يفضحه لفضحه، وهو سبحانه يمهل ولا يهمل.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12765
يقع في المعاصي ويخاف نسيان العلم والقرآن
[السُّؤَالُ]
ـ[هل الوقوع في المعاصي لابد أن ينتج عنه نسيان العلم والقرآن، فأنا أقع في المعاصي وليس عن إصرار مني بل أشعر بندم شديد بعد الوقوع في المعصية وأخاف خوفا شديدا من أن يؤدي وقوعي في المعاصي من نسيان ما حصلته من العلم، وهذه المعاصي بصراحة شديدة أهمها النظر المحرم وما يتبعه من استمناء، ولكن والله لا أفعل ذلك إلا إذا كنت في حالة ضيق وحزن فأجد نفسي أفعل ذلك من خلال مشاهدة الصور أو الفيديو التي يملأ إخوتي بها الجهاز، ومشكلتي أنه منّ الله علي بقوة البنية ولدى رغبة شديدة في الزواج طغت على فكري، ولكن ليس عندي مال وأنا أصوم كل اثنين وخميس والثلاثة أيام القمرية، أرجو منكم أن تردوا علي ولا تتركوني هكذا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
المعاصي لها شؤم وأثر سيء على صاحبها، وقد ذكر ابن القيم ﵀ جملة من آثارها، ونحن نورد لك بعضها:
١- " حرمان العلم، فإن العلم نور يقذفه الله في القلب، والمعصية تُطفئ ذلك النور. ولما جلس الشافعي بين يدي مالك وقرأ عليه أعجبه ما رأى من وفور فطنته، وتوقُّد ذكائه، وكمال فهمه، فقال: إني أرى الله قد ألقى على قلبك نوراً، فلا تُطفئه بظلمة المعصية.
٢- حرمان الرزق ففي مسند الإمام أحمد عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إن الرجل ليُحرم الرزق بالذنب يُصيبه) رواه ابن ماجه (٤٠٢٢) وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه.
٣- وحشة تحصل للعاصي بينه وبين ربه، وبينه وبين الناس. قال بعض السلف: إني لأعصي الله، فأرى ذلك في خلق دابتي وامرأتي.
٤- تعسير أموره عليه، فلا يتوجه لأمرٍ إلا ويجده مغلقاً دونه أو متعسراً عليه، وهذا كما أن من اتقى الله جعل له من أمره يسرا.
٥- أن العاصي يجد ظلمةً في قلبه، يُحس بها كما يحس بظلمة الليل، فتصير ظلمة المعصية لقلبه كالظلمة الحسية لبصره، فإن الطاعة نور، والمعصية ظلمة، وكلما قويت الظلمة ازدادت حيرته حتى يقع في البدع والضلالات والأمور المهلكة وهو لا يشعر، كأعمى خرج في ظلمة الليل يمشي وحده، وتقوى هذه الظلمة حتى تظهر في العين، ثم تقوى حتى تعلو الوجه، وتصير سواداً يراه كل أحد. قال عبد الله بن عباس ﵁: (إن للحسنة ضياءً في الوجه، ونوراً في القلب، وسعةً في الرزق، وقوةً في البدن، ومحبةً في قلوب الخلق، وإن للسيئة سواداً في الوجه، وظلمةً في القلب، ووهناً في البدن , ونقصاً في الرزق، وبغضةً في قلوب الخلق) .
٦- حرمان الطاعة، فلو لم يكن للذنب عقوبةٌ إلا أن يُصدَّ عن طاعةٍ تكون بدله، وتقطع طريق طاعة أخرى، فينقطع عليه بالذنب طريقٌ ثالثة ثم رابعة وهلم جرا، فينقطع عنه بالذنب طاعات كثيرة، كل واحدة منها خير له من الدنيا وما عليها، وهذا كرجل أكل أكلةً أوجبت له مرضاً طويلا منعه من عدة أكلات أطيب منها والله المستعان.
٧- أن المعاصي تزرع أمثالها، ويُولِّد بعضها بعضاً، حتى يعز على العبد مفارقتها والخروج منها.
٨- أن المعاصي تُضعف القلب عن إرادته الخير، فتقوى إرادة المعصية، وتضعف إرادة التوبة شيئاً فشيئاً إلى أن تنسلخ من قلبه إرادة التوبة بالكلية، وهذا من أعظم الأمراض وأقربها إلى الهلاك.
٩- أنه ينسلخ من القلب استقباح المعصية فتصير له عادة، لا يستقبح من نفسه رؤية الناس له، ولا كلامهم فيه.
ثانياً:
كونك تشعر بالضيق من حالك، وتبحث عن المخرج، هو إن شاء الله علامة الصدق، وبداية التوبة بإذن الله.
إذ كل إنسان منا يحتاج أن يقف مع نفسه وقفات، ويصدق العزم حتى يبدأ جهاد نفسه الأمارة بالسوء، ويسلح نفسه بالأسلحة.
وسنعطيك بعض الإرشادات التي نسأل الله أن ينفعنا وإياك بها:
١- ادع الله , وتضرع إليه، واعلم أن الله لا يخيب من دعاه، قال تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) غافر /٦٠، وألِحّ على الله بالدعاء وتحرّ مواطن الإجابة كالسجود وفي آخر ساعة من نهار يوم الجمعة وفي ثلث الليل الأخير حين نزول ربنا تعالى إلى السماء الدنيا فينادي هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ ولا تستبطئ الإجابة فالله قريب يجيب دعوة المضطر إذا دعاه ويكشف السوء.
٢- ينبغي على الإنسان أن يزداد من العبادات، كما قال تعالى: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) هود / ١١٤، واعتن بالصلاة فهي كما قال الله تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) العنكبوت / ٤٥.
٣- ينبغي للإنسان أن يحرص على زيادة معرفته بالله ، وذلك بأن يعرفه من خلال أسمائه وصفاته، ومن خلال التفكر في ملكوت السماوات والأرض، فعند ذلك يشعر الإنسان بالحياء من الله ، وكما قال بعض السلف: لا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت.
٤- أن تعلم أن الطريق إلى الجنة شاق ويحتاج إلى مجاهدة وصبر، وقد قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) العنكبوت / ٦٩.
٥- تدبر في فوائد غض البصر، واجعلها حاديك في الطريق، تسلو بها عن وساوس النفس ونزغات الشيطان، وهذه بعض الفوائد نسوقها إليك لعل الله أن ينفعنا وإياك بها:
• أن غض البصر امتثال لأمر الله، قال تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) النور / ٣٠، وامتثال أمر الله هو غاية سعادة العبد في الدنيا والآخرة.
• أنه طهارة القلب وزكاة النفس والعمل.
• أنه يمنع وصول أثر السهم المسموم؛ فإن النظرة سهم مسموم من سهام إبليس.
• تعويض من غض بصره بحلاوة الإيمان في القلب.
• حصول الفراسة الصادقة التي يميز بها بين الحق والباطل.
• أنه يخلص القلب من ألم الحسرة، فإن من أطلق بصره دامت حسرته.
• أنه يورث القلب سرورا وفرحا ونورا وإشراقا أعظم من اللذة الحاصلة بالنظر.
• أنه يخلص القلب من أسر الشهوة فإن الأسير هو أسير هواه وشهواته.
٦- اشغل نفسك بشيء من العمل النافع المفيد، وحضور الدروس، واستماع المحاضرات، فلا أضر على الإنسان من الفراغ والوحدة.
٧- ابحث عن رفقة صالحة تعينك على طاعة الله، فإن الشيطان من الفرد قريب، ومن الاثنين أبعد، ولا يأكل الذئب من الغنم إلا القاصية.
٧- تجنب الأسباب التي تثير فيك الشهوة، كمشاهدة الصور المحرمة، فإن هذا مع كونه محرم في ذاته، فهو يجرك إلى محرم آخر.
٨- الاستمناء عمل محرم، وغير لائق بالنفس الكريمة السوية، وقد دل على حرمته أدلة تجدها في الجواب رقم (٣٢٩)
فبادر أيها الأخ الكريم بالتوبة إلى الله تعالى، واحذر مقته وغضبه، واعلم أن العلم والاستقامة فضل منه، ولربما غضب على العاصي فسلبه ذلك، كما قال سبحانه: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ) الأعراف/١٧٥. واستحضر عظمة الله تعالى، وتذكر اطلاعه عليك، فإنه لا تخفى عليه خافية من أمرك.
وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى طغيان
فاستح من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني
وتخيل نفسك وقد جلست مع الصالحين من إخوانك، فامتنعت عن المعصية حياء منهم، فلا تجعل الله تعالى أهون الناظرين إليك.
وقد أوصى النبي ﷺ رجلا من أصحابه فقال: (أوصيك أن تستحي من الله تعالى كما تستحي من الرجل الصالح من قومك) رواه الطبراني والبيهقي في شعب الإيمان، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (٢٥٤١) .
نسأل الله تعالى أن يصرف عنك السوء وأن يوفقك لطاعته ومرضاته.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12766
دخلت في الإسلام ثم انحرفت عن طريق الهداية وتريد التوبة
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا أخت لكم، وقد أسلمت منذ ١١ عاما، وكنت قبل ذلك أشعر بالفضول تجاه الإسلام، وذلك لمتابعتي لمالكولم إكس. كنت دائما أرى المسلمات وأكن لهن الاحترام الشديد لأني كنت أرى فيهن الوقار والجمال إلى درجة كبيرة بسبب طريقتهن في اللبس. وعندما غادرت البيت وأنا في السابعة عشرة من العمر انتقلت إلى مدينة أخرى يقطنها عدد كبير من المسلمين. وقد تعرضت مرة أخرى للإسلام وأهدي إلي القرآن. كنت في غاية السعادة وكنت أشعر دائما في قلبي أن هناك شيء خاص جدا حول هذا الطريق، مع أني كنت جاهلة فيما يتعلق بتعاليمه. على أية حال، فقد حصل ذلك في وقت كنت أعاني فيه من ضعف شديد وكنت حينها في حاجة للتوجيه والمساعدة. ولم يكن حولي أحد ولا أهل ولا شيء آخر بل كنت محاطة بكل الأمور السيئة من بغاء ومخدرات وقمار وقتل وسرقة إلخ. كما أن جميع عماتي وأعمامي (أو ربما خالاتي وخالاتي) كانوا مدمني مخدرات، وسرعان ما سار أبناؤهم على نفس خطاهم. وبفضل الله فلم أسمح مطلقا لنفسي بالانخراط في جميع الأشياء الفاسدة التي كانت تحدث من حولي. ثم بدأت مع أختي نقرأ القرآن في المساء ما لامس قلبي على الفور بطريقة غير مسبوقة. كنا نبكي عند قراءتنا للنصوص حول جهنم، لأننا كنا نؤمن بالنار ولم نكن نرغب في دخولها. ونحن نعلم دون أي شك أن هذا الكتاب كان حقا. لقد شعرت أنه مشابه للكتاب المقدس في كثير من الجوانب لكنه كان الخطوة التالية. وبعد مرور أسبوعين ذهبنا للمسجد وأعلنا الشهادة. مرت الأعوام ومررت بمراحل لا يمكن تصديقها. وها أنا الآن قد تزوجت ثلاث مرات من مسلمين كل واحد منهم عاملني بطريقة سيئة جدا وتركت في النهاية. أما أحدهم فقد طلب الطلاق وأنا حامل. وعندما أخبرني أنه لا يحبني أخذت أنزف بغزارة حتى سقط الجنين. أما الآخران فكانا يعانيان من اعتلالات عقلية لم أكن أعلم قبل أن أتزوج بأي منهما. والآن، وبعد أن أصبح كل ذلك قيد الماضي، إلا أني تحطمت تماما. كنت في الماضي قوية جدا وقادرة على التكيف مع المستجدات إلا أني الآن أشعر وكأني أطفو على سحب من الضياع. كيف فقدت ربي وهو قريب جدا؟ كيف يمكن للواحد أن يستعيد ذلك؟ لماذا تركت الله وأنا أعلم أنه يقول إنه سيبتلي من يحب؟ أنا أشعر بضعف شديد وبالتحطيم، وأنه لا قيمة لي أو جمال. والآن وبعد كل هذا الوقت فقد تحطمت وأخذت أقع في أمور كنت قد قلت إني لن أعود لها البتة. أنا أشرب (الخمر) يوميا في البيت بمفردي وأشرب السجائر. أنا لا أريد فعلا أن أعيش كما لا أريد أن أموت لأني أعلم أني لست على طريق صحيحة. وكل ما أتمناه هو لو أني كنت قد حُميت من كل هذه الفتن وبقيت مع الله بجواره. أرجو أن تساعدني.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أيتها الأخت الكريمة، كان الله لك، وجبر مصابك، وأقال عثرتك، وغفر ذنبك!!
وبعد؛ فما زالت روحك فيك، وما زال فيك قلب ينبض، وعقل يفكر، ومن هنا نبدأ!!
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ) رواه الترمذي (٣٥٣٧) ، وحسنه الألباني.
فلست ـ إذًا ـ ضعيفة بدرجة كافية، ولا أنت حطام متراكم، كأهل القبور، بل ما زالت فيك القوة التي تدفعك إلى العودة من جديد؛ بل أنت ـ إن شاء الله ـ أقوى مما تظنين!!
ليس القوي ـ أيتها الأخت الكريمة ـ هو الذي لا يسقط بالمرة؛ بل القوي هو الذي يحسن النهوض، إذا سقط!!
ألم تكوني على دين آبائك وأجدادك من الشرك بالله، والكفر بنبيه ﷺ ، فقواك الله حتى تركت كل ذلك لله، وانتقلت إلى دين جديد، لم تألفيه، ومشيت في سبيل لم تسلكيه؟!! وذلك أشق على النفس ـ ألف مرة ـ من الخروج مما أنت فيه!!
ألم تكن كؤوس الخمر ممتلئة حولك، وسبيل الغواية ممدودة أمامك، ولا رقيب ـ هنالك ـ يعصمك الحياء منه، فقواك الله، وعصمك من أوحال الفاحشة، ونجس الخمور، فكيف تستسلمين ـ الآن ـ لما أنت فيه؟!!
أنت قوية على النهوض، فلا تعيني عدوك على نفسك؛ إذا لطمتك يد آثمة، فلا تلطمي ـ أنت أيضا ـ خدك الآخر: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى، الْجَاهِلِيَّةِ) رواه البخاري (١٢٩٤) .
وشتان بين من سقط في حفرة، فاستسلم لسقوطه، وراح يندب حظه، ويلوم القدر، ويسيء الظن بربه، وبين من سقط فعلم أنه يستحق ذلك السقوط بذنبه، وبسوء فعله، واختياره لنفسه: (وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ) ، فنهض من عثرته، واستعان بربه على الخلاص من ذنبه أولا، وعلى تفريج كربته ثانيا، كما تَعَلَّم أن يقول كل يوم: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ، فهذا هو المؤمن القوي الذي يحبه الله. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
(الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ؛ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ، كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ ُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ) رواه مسلم (٢٦٦٤) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " فإن الإنسان ليس مأمورا أن ينظر إلى القدر عند ما يؤمر به من الأفعال، ولكن عندما يجرى عليه من المصائب التي لا حيلة له في دفعها؛ فما أصابك بفعل الآدميين أو بغير فعلهم، اصبر عليه، وارض وسلم؛ قال تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) التغابن/من الآية١١، قال بعض السلف إما ابن مسعود، وإما علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم " مجموع الفتاوى (٧/٢٧٨) .
وقال ابن القيم ﵀: " فتضمن هذا الحديث الشريف أصولا عظيمة من أصول الإيمان..، ومنها:
أن سعادة الإنسان في حرصه على ما ينفعه في معاشه ومعاده، والحرص هو بذل الجهد واستفراغ الوسع ... ، ولما كان حرص الإنسان وفعله إنما هو بمعونة الله ومشيئته وتوفيقه أمره أن يستعين به، ليجتمع له مقام إياك نعبد وإياك نستعين، فإن حرصه على ما ينفعه عبادة لله، ولا تتم إلا بمعونته؛ فأمره بأن يعبده وأن يستعين به.
ثم قال: (ولا تعجز) ؛ فإن العجز ينافي حرصه على ما ينفعه، وينافي استعانته بالله، فالحريص على ما ينفعه، المستعين بالله، ضد العاجز؛ فهذا إرشاد له قبل وقوع المقدور إلى ما هو من أعظم أسباب حصوله، وهو الحرص عليه مع الاستعانة بمن أزمة الأمور بيده، ومصدرها منه، ومردها إليه؛ فإن فاته ما لم يُقَدَّرْ له، فله حالتان: حالة عجز، وهي مفتاح عمل الشيطان؛ فيلقيه العجز إلى لو، ولا فائدة في لو ههنا، بل هي مفتاح اللوم والجزع والسخط والأسف والحزن، وذلك كله من عمل الشيطان، فنهاه ﷺ عن افتتاح عمله بهذا المفتاح، وأمره بالحالة الثانية، وهي: النظر إلى القدر وملاحظته، وأنه لو قدر له لم يفت ولم يغلبه عليه أحد؛ ... فلهذا قال: (فإن غلبك أمر فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل) ، فأرشده إلى ما ينفعه في الحالتين: حالة حصول مطلوبة، وحالة فواته، فلهذا كان هذا الحديث مما لا يستغني عنه العبد أبدا "
شفاء العليل (٣٧-٣٨) .
فإذا فهمت ذلك ـ أيتها الأخت الكريمة ـ لم يبق هناك وجه للاقتراح على القدر، الذي هو اقتراح على الله في واقع الأمر، لو كان أعفاك من هذه المحنة التي مرت بك، حتى ضعفت قواك، ومادت بك الأرض من تحتك، وتاه منك السبيل، بعدما وجدتيه!!
ألم تعلمي أن الابتلاء والاختبار هو قدر ملازم لوجود الإنسان في هذه الحياة: (إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً) الانسان/٢.
إن الناس معادن يا أمة الله؛ فمنهم الذهب الخالص، ومنهم المشوب، ومنهم دون ذلك، والابتلاء نار، تدل على صدق الذهب الأصيل، وتفصح الزيف الدخيل:
قال الله تعالى: (الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) العنكبوت /١-٣
يقول الشيخ ابن سعدي ﵀:
" يخبر تعالى عن تمام حكمته، وأن حكمته لا تقتضي أن كل من قال: «إنه مؤمن» وادعى لنفسه الإيمان، أن يبقوا في حالة، يسلمون فيها من الفتن والمحن، ولا يعرض لهم ما يشوش عليهم إيمانهم وفروعه. فإنه لو كان الأمر كذلك، لم يتميز الصادق من الكاذب، والمحق من المبطل.
ولكن سنته تعالى وعادته في الأولين، في هذه الأمة، أن يبتليهم بالسراء والضراء، والعسر واليسر، والمنشط والمكره، والغنى والفقر، وإدالة الأعداء عليهم في بعض الأحيان، ومجاهدة الأعداء بالقول والعمل، ونحو ذلك من الفتن، التي ترجع كلها، إلى فتنة الشبهات المعارضة للعقيدة، والشهوات المعارضة للإرادة.
فمن كان عند ورود الشبهات، يثبت إيمانه ولا يتزلزل، ويدفعها بما معه من الحق وعند ورود الشهوات الموجبة والداعية إلى المعاصي والذنوب، أو الصارفة عن ما أمر الله به ورسوله، يعمل بمقتضى الإيمان، ويجاهد شهوته، دل على صدق إيمانه وصحته.
ومن كان عند ورود الشبهات تؤثر في قلبه، شكا وريبا، وعند اعتراض الشهوات، تصرفه إلى المعاصي أو تصدفه (أي تصده) عن الواجبات، دل ذلك على عدم صحة إيمانه وصدقه. والناس في هذا المقام: درجات، لا يحصيها إلا الله، فمستقل ومستكثر. فنسأل الله تعالى، أن يثبتنا بالقول الثابت، في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يثبت قلوبنا على دينه، فالابتلاء والامتحان للنفوس، بمنزلة الكير، يخرج خبثها، وطيبها "
يا أمة الله؛ أنت لا تريدين هذه الحياة، ولا أنت تريدين الموت!!
فنقول: ولا نحن ـ أيضا ـ نحب لك هذه الحياة على المعصية، ولا نرجو لك الموت على تلك الحال، بل إن ربنا، رب العالمين لا يحب لك هذه الحياة، ولا يرضاها، ولا يحب لك ـ أيضا ـ أن تموتي على تلك الحال؟!!
والقضية ليست لغزا محيرا، كما تظنين؛ ولا الحل في أن تستسلمي للضياع، كما هو حالك الآن، فالله تعالى لا يحب لك أن تقابليه، بعد الموت، إلا وأنت على الإسلام:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) آل عمران/١٠٢.
واله تعالى لا يحب لك ـ أيضا ـ أن تعيشي إلا على الإسلام الذي ارتضاه لعباده:
(قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) الأنعام/١٦٢-١٦٣
فكيف الحال إذاً، وأين الطريق؟!!
أن تعودي إليه ـ سبحانه ـ يا أمة الله، وسوف يحبك حين تعودين: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) البقرة/من الآية ٢٢٢.
وسوف يفرح بك إذا عدت إليه، مهما ضللت الطريق:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (قَالَ اللَّهُ : أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حَيْثُ يَذْكُرُنِي، وَاللَّهِ لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ يَجِدُ ضَالَّتَهُ بِالْفَلاةِ، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِذَا أَقْبَلَ إِلَيَّ يَمْشِي أَقْبَلْتُ إِلَيْهِ أُهَرْوِلُ) رواه مسلم (٢٦٧٥) .
وكيف بالذنوب والخطايا، والخمر والإثم؟!!
قال ربنا الرحمن الرحيم: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) الزمر/٥٣ فما زال أمامك الطريق لكي تعود صحيفتك بيضاء نقية، يا أمة الرحمن؛ ولسنا نريدها بيضاء، لا حسنة فيها ولا سيئة، لنبدأ من الصفر، في أول الطريق، لا، بل نريدها بيضاء، لا إثم فيها ولا معصية، ثم هي ـ برحمة أرحم الراحمين ـ مليئة بالحسنات، مكان كل سيئة اقترفتيها، وكل خطيئة وقعت فيها!!
ألم تسمعي إلى كلام الله، يقص علينا صفات عباد الرحمن، فذكر جملة من صفاتهم الجميلة المحبوبة إليه سبحانه، وذكر من صفاتهم:
( ... وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا) سورة الفرقان /٦٨-٧١
أرأيت كيف أن الله تعالى لم يكتف بأن غفر لهم تلك الخطيئات الكبيرات، بل حولها بمنه وكرمه إلى حسنات؟!!
عن أبي طويل شطب الممدود: (أنه أتى رسول الله ﷺ فقال: أرأيت رجلا عمل الذنوب كلها، فلم يترك منها شيئا، وهو في ذلك لم يترك حاجَة ولا داجَة [يعني: صغيرة ولا كبيرة] ، إلا أتاها فهل له من توبة؟!
قال: فهل أسلمت؟
قال: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنك رسول الله.
قال: تعم تفعل الخيرات، وتترك السيئات؛ فيجعلهن الله لك خيرات كلهن!!
قال: وغدراتي وفجراتي؟
قال: نعم
فقال: الله أكبر، فما زال يكبر حتى توارى!!)
رواه الطبراني في الكبير (٧/٣١٤) وصححه الألباني في صحيح الترغيب.
فهيا يا أمة الله؛ هيا لتغيري حالك، فافعلي الخيرات، واتركي السيئات، ليتحول الجميع في صحيفتك إلى حسنات، وحينئذ تعلمين أنك لم تفقدي القرب من ربك، وأنه ما زالت أمامك الفرصة إلى جواره في دار السلام.
قال ابن القيم ﵀:
" هلم إلى الدخول على الله، ومجاورته في دار السلام، بلا نصب ولا تعب ولا عناء، بل من أقرب الطرق وأسهلها؛ وذلك أنك في وقت بين وقتين، وهو في الحقيقة عمرك: وهو وقتك الحاضر، بين ما مضى، وما يستقبل؛ فالذي مضى تصلحه بالتوبة والندم والاستغفار، وذلك شيء لا تعب عليك فيه ولا نصب ولا معاناة عملٍ شاق، إنما هو عمل قلب، وتمتنع فيما يستقبل من الذنوب، وامتناعك ترك وراحة، ليس هو عملا بالجوارح يشق عليك معاناته، وإنما هو عزم ونية جازمه، تريح بدنك وقلبك وسرك ...
ولكن الشأن في عمرك، وهو وقتك الذي بين الوقتين، فإن أضعته أضعت سعادتك ونجاتك، وإن حفظته، مع إصلاح الوقتين اللذين قبله وبعده بما ذكرت، نجوت وفزت بالراحة واللذة والنعيم!!
وحفظه أشق من إصلاح ما قبله وما بعده، فإن حفظه أن تلزم نفسك بما هو أولى بها، وأنفع لها، وأعظم تحصيلا لسعادتها، وفي هذا تفاوت الناس أعظم تفاوت!! " الفوائد (١١٧) .
فاستعيني بالله يا أمة الله على ما أنت فيه، واطوي صفحة الماضي بما فيها، وهيا إلى إصلاح ما بقي من عمرك، واجتهدي في أن تكوني في رفقة صالحة تعينك على ما أنت فيه، وإن استطعت أن تنتقلي إلى مكان آخر، قريب من أهل الخير والصلاح، فافعلي فهو خير لك، واحفظي الله يحفظك، واصدقيه يبدلك خيرا مما فات منك.
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) لأنفال/٧٠ نحن إن شاء الله على ثقة من أنك سوف تفعلين، وفي انتظار رسالة أخرى تبشريننا فيها بالسير الجديد، نحو النور، كما أحزنتنا عثرتك في الطريق.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12767
سرق أموالا من أبيه ومن غيره ويريد التوبة
[السُّؤَالُ]
ـ[ببساطة شديدة أنا شاب من الله ﵎ عليَّ بالالتزام قبل فترة وجيزة فقط بعد فترة حافلة بالمعاصي على عمري القصير نسبياً (٢٠ عاماً) وقد قمت ولله الحمد بالتوبة إلى الله ﵎ من كل ذنوبي التي مارستها وحمدته وشكرت فضله علي أن هداني للالتزام ومن علي به وقد بدأت بالتعرف أكثر على ديني وقد صدمت لما قرأت وسمعت عن التوبة من السرقة -وكنت قد بليت بها - وعلمت أن توبة السارق لا تقبل إلا لو رد إلى العباد حقوقهم وأخبرهم بما ارتكب في حقهم وقبلوا منه ما قال وسامحوه وكذا كل من أكل من مال الناس بالباطل لا تقبل توبته إلا لو رد المال الحرام وهنا تأتى المصيبة التي تواجهني والتي سأحاول تفصيلها في نقاط كي تكون واضحة ويسهل الإجابة عليها في هيئة نقاط: - أول شيء أنا قمت بالسرقة من والدي وأكثر من مرة وبآلاف الريالات وهو ما سبب في بعض الأوقات مشاكل في البيت وخلافا ولو أخبرته أني كنت السارق لربما أحدث هذا بعض المشاكل (وأقول ربما فقد يحدث وقد لا يحدث والله تعالى أعلم) فماذا أفعل هل يجب عليَّ أن أخبره وأتحمل تبعة المشاكل التي ربما أكون في غنى عنها والتي قد أتمكن من تحملها في المستقبل وليس الآن أم أن الإخبار واجب في الحال لأني وكما قلت ربما -والله أعلم- أستطيع تحمل هذه المشاكل في المستقبل ولكني أراها الآن من الصعوبة بمكان أن أتحملها وأن يسامحني والدي أيضاً – ثاني شيء وهو أساس المشكلة أني الآن لا أستطيع تسديد أي مبلغ مما سرقت ولا حتى ريالات محدودة لا آلاف الريالات - فبالطبع كل ما قمت بسرقته قد تم صرفه من وقت قديم- أنا مازلت طالبا ومازلت أتقاضى مصروفي من والدي وأبذل قصارى جهدي في الدعاء وفى بذل الأسباب الدنيوية لفتح أي باب -حلال بالطبع- للرزق أستطيع من خلاله أن أبدأ بسداد ما علي من أموال قمت بسرقتها في الماضي وأرجو الله أن يوفقني في ذلك وإن استطعت فإني لن أستطيع بطبيعة الحال تسديد المال دفعة واحدة ولكنى أعتقد أني سأبدأ بذلك -متى توفر لي عمل ومصدر دخل- على مراحل كلما تجمع لدي مال سددته لوالدي.. وكما ذكرت سلفاً فإني ربما لن أستطيع أن أخبر والدي -ولو أخبرتموني أنه يجب علي إخباره فسأخبره ولن أبالي بالعواقب- بأني سارق أمواله فسوف أقدم له الأموال على دفعات كما ذكرت على أنها من باب الهدية أو المساعدة أو أي طريقة أخرى وبالطبع في نيتي سداد ديوني فهل يجوز هذا أم يجب أن يعلم أن ما يتقاضاه من أموال هي أمواله التي كنت قد سرقتها منه – ثالث شيء بالنسبة للمبالغ لا أستطيع بالضبط تحديد حجم المبالغ التي قمت بسرقتها ولا أستطيع الاقتراب من الرقم لأنه تعدى الآلاف حيث لم يقتصر الأمر على مرة أو اثنتين بل تواصل على مدى سنين وفى كل مرة كان حجم المال المسروق يختلف عن السابقة وقد حاولت أكثر من مرة حساب الكم ولو تقريبياً ولكن أشعر أحياناً بأن المبلغ أكثر بكثير مما سرقت وأحياناً بأنه أقل.. فكيف أقوم بالحساب؟ لأني أخاف إن قربت مهما قربت أن يبقى علي ولو ريال واحد يكون بيني وبين الجنة هو الحائل – رابع شيء هناك أناس لا أتذكر أسماءهم ولا أعرف أماكن إقامتهم بل ربما هناك من أتذكر ومن لا أتذكر ممن قمت بسرقتهم من أناس ربما لم ألقهم إلا قليلاً جداً في حياتي ولم أسرق منهم إلا أموالا من باب الفراغ!! فكيف أرجع إليهم أموالهم وأستسمحهم مع العلم أني الآن لا أعلم عنهم أي شيء ولا أتذكر كم سرقت منهم ولكنى أستطيع التقدير فهل أقدر الأموال -حين أتحصل عليها إن شاء الله- وأخرجها في سبيل الله على سبيل الرد أم ماذا أفعل بالضبط في هذا الشأن؟؟ هناك بالطبع الكثير من الأغراض التي اشتريتها من الأموال التي سرقتها من والدي ربما أستطيع الاستغناء عن بعضها الآن وربما البعض لا -فعلى سبيل المثال لا أستطيع الآن التخلي عن كل ملابسي بدون مقدمات وأطلب من أهلي ملابس كلية جديدة تماما- فعندما أسدد الأموال هل تصبح هذه الأغراض ملكاً خالصاً لي أم يجب عليَّ إخراجها أيضاً وإذا كان هناك بعض الأغراض -أجهزة وأغراض شخصية وكتب وخلافه- أود الإبقاء عليها فماذا أفعل لكي تصبح هذه الأغراض ملكية خاصة لي؟؟ - ما يقلقني وربما بسببه أكتب المشكلة للمرة الثانية ولو اقتضى الأمر أن أكتبها مئات المرات لفعلت هو أني أخشى الموت قبل تسديد ديني لو أتاني الموت فماذا أقول لربى؟؟ وماذا أفعل بين يديه وماذا أقول؟؟ ولو بدأت بتسديد الأموال وقبضت قبل أن أكمل سدادها فكيف سيكون موقفي بين يدي ربى؟؟ العفو أم العقاب؟؟ إني أكاد أدمر عندما سمعت اليوم حديثاً يتحدث عن آكل أموال الناس بالباطل وكيف لا يستجيب الله له دعاءه وانأ منذ التزمت أحاول قدر المستطاع المداومة على الدعاء فمعنى هذا أن دعائي لا يقبل؟؟ ملبسي كله تقريباً من حرام وكم نبت في جسدي نبت تلو نبت تلو نبت من حرام.. أفيدوني بالله عليكم ماذا أفعل أعلم أنى أطلت وتجاوزت حدود الأدب في الإطالة ولكن ما بي من حيرة ومن خوف لا يعلمه إلا الله ويعلم الله أنى لأطرق كل الأبواب لأحصل على أموال أسدد منها ما علي ولا أرجو منكم إلا أن تساعدوني في التخلص من بقايا آثامي وبقايا معاصي الماضي كي أستطيع الوصول إلى ربى وأن يتقبل منى دعائي وأرجو منكم بالله عليكم أستحلفكم بالله أن تصلوا للشباب ما استطعتم فلا يلوا إلى ما وصلت إليه، عوذوهم بالله فلا يتلبسهم الشيطان كما تلبسني ولا يصبحوا شياطين على الأرض تسير وفقنا الله وإياكم واعذروني على ما سببته لكم من صداع من كثرة الكلام فإنما هو غيض من فيض مما يجوس في صدري وجزاكم الله خيراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
نحمد الله تعالى الذي وفقك وهداك وأنعم عليك بنعمة الالتزام، ونسأله سبحانه أن يزيدك إيمانا وهدى وتقى.
ثانيا:
يشترط لصحة التوبة فيما يتعلق بحقوق العباد: رد المظالم أو التحلل منها؛ لما روى البخاري (٢٤٤٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ) .
قال النووي ﵀: " قال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي فلها ثلاثة شروط: أحدها: أن يقلع عن المعصية. والثاني: أن يندم على فعلها. والثالث: أن يعزم أن لا يعود إليها أبدا. فإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته.
وإن كانت المعصية تتعلق بآدمي فشروطها أربعة: هذه الثلاثة، وأن يبرأ من حق صاحبها، فإن كانت مالا أو نحوه رده إليه، وإن كانت حد قذف ونحوه مكّنه منه أو طلب عفوه، وإن كانت غيبة استحله منها " انتهى من "رياض الصالحين" ص ٣٣
وقد جاء في فتاوى اللجنة الدائمة (١٥/٣٥٢) : " س: منذ صغري إذا رأيت أبي وضع شيئا سواء من النقود أو أي انتفاع، وأنا آخذ، ولا يعرف أبي ذلك، وبعد أن أصبحت كبيرا خفت الله وتركت كل هذا العمل، والآن يجوز لي أن أعترف لأبي بذلك الفعل أم لا؟
ج: يجب عليك أن ترد ما أخذت من والدك من النقود وغيرها إلا إذا كان شيئا يسيرا للنفقة فلا حرج " انتهى.
ثانيا:
إذا سرق الإنسان مال غيره، وشق عليه أن يخبره بذلك، أو خشي زيادة المفسدة بإخباره، كأن تحصل القطيعة بينهما، فلا يلزمه إخباره، بل يرد المال إليه بأي طريق ممكن، كأن يدخله في حسابه، أو يعطيه لمن يوصله إليه.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " ... فإذا سرقتَ من شخصٍ أو من جهة ما سرقةً: فإن الواجب عليك أن تتصل بمن سرقت منه وتبلغه وتقول إن عندي لكم كذا وكذا، ثم يصل الاصطلاح بينكما على ما تصطلحان عليه، لكن قد يرى الإنسان أن هذا الأمر شاق عليه وأنه لا يمكن أن يذهب – مثلاً – إلى شخص ويقول أنا سرقت منك كذا وكذا وأخذت منك كذا وكذا، ففي هذه الحال يمكن أن توصل إليه هذه الدراهم – مثلاً – من طريق آخر غير مباشر مثل أن يعطيها رفيقاً لهذا الشخص وصديقاً له، ويقول له هذه لفلان ويحكي قصته ويقول أنا الآن تبت إلى الله – – فأرجو أن توصلها إليه.
وإذا فعل ذلك فإن الله يقول ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ الطلاق / ٢، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ الطلاق / ٤.
فإذا قُدِّر أنك سرقتَ من شخصٍ لا تعلمه الآن ولا تدري أين هو: فهذا أيضاً أسهل من الأول؛ لأنه يمكنك أن تتصدق بما سرقتَ بنيَّة أنه لصاحبه، وحينئذٍ تبرأ منه.
إن هذه القصة التي ذكرها السائل توجب للإنسان أن يبتعد عن مثل هذا الأمر؛ لأنه قد يكون في حال طيش وسفهٍ فيسرق ولا يهتم، ثم إذا منَّ الله عليه بالهداية يتعب في التخلص من ذلك " انتهى من " فتاوى إسلاميَّة " (٤ / ١٦٢) .
ثالثا:
يجب رد المال إلى المسروق منه، أو إلى ورثته في حال موته، فإن تعذرت معرفته أو الوصول إليه، فإنه يتصدق بالمال عنه، على أنه متى جاء يوما من الدهر خيّر بين إمضاء الصدقة، أو إعطائه المال.
جاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" في جندي سرق مالا من عبدٍ: " إن كان يعرف العبدَ أو يعرف من يعرفه: فيتعين عليه البحث عنه ليسلم له نقوده فضة أو ما يعادلها أو ما يتفق معه عليه، وإن كان يجهله وييأس من العثور عليه: فيتصدق بها أو بما يعادلها من الورق النقدي عن صاحبها، فإن عثر عليه بعد ذلك فيخبره بما فعل فإن أجازه فبها ونعمت، وإن عارضه في تصرفه وطالبه بنقوده: ضمنها له وصارت له الصدقة، وعليه أن يستغفر الله ويتوب إليه ويدعو لصاحبها " انتهى من " فتاوى إسلاميَّة " (٤ /١٦٥) .
رابعا:
إذا جهلت قدر المال المسروق، فردّ ما يغلب على ظنك أنك تبرأ به، فتقدر المبلغ تقديرا، وتحتاط فتخرج بأزيد، فإن دار الأمر بين أن يكون المال عشرة – مثلا – أو ثمانية، فأخرج عشرة، حتى تبرأ ذمتك بيقين.
خامسا:
ما عجزت عن رده الآن، فهو دين عليك، لا تبرأ ذمتك إلا بدفعه، والواجب عليك حينئذ أن تثبته في وصية لك، خشية أن يفاجئك الموت قبل سداده؛ لما روى البخاري (٢٧٣٨) ومسلم (١٦٢٧) عن ابن عمر أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ ثَلَاثَ لَيَالٍ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ". قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: مَا مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَلِكَ إِلَّا وَعِنْدِي وَصِيَّتِي) .
واعلم أن التائب الصادق إن عزم على رد المال لأهله، ثم فاجأه الموت، فإنه يرجى من الله تعالى أن يعفو ويتجاوز عنه وأن يرضي عنه أصحاب الأموال يوم القيامة، ويُستأنس لهذا بما رواه البخاري (٢٣٨٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ) .
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح: " قَوْله: (أَدَّى اللَّه عَنْهُ) فِي رِوَايَة الكُشْمِيهَنِيّ " أَدَّاهَا اللَّه عَنْهُ ". وَلِابْن مَاجَهْ وَابْن حِبَّان وَالْحَاكِمِ مِنْ حَدِيث مَيْمُونَة " مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدَّانُ دَيْنًا يَعْلَمُ اللَّه أَنَّهُ يُرِيدُ أَدَاءَهُ إِلَّا أَدَّاهُ اللَّه عَنْهُ فِي الدُّنْيَا " وَظَاهِره يُحِيلُ الْمَسْأَلَةَ الْمَشْهُورَةَ فِيمَنْ مَاتَ قَبْلَ الْوَفَاءِ بِغَيْرِ تَقْصِير مِنْهُ كَأَنْ يُعْسِرَ مَثَلًا أَوْ يَفْجَأَهُ الْمَوْت وَلَهُ مَالٌ مَخْبُوءٌ وَكَانَتْ نِيَّته وَفَاء دَيْنه وَلَمْ يُوَفَّ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا.
وَيُمْكِنُ حَمْل حَدِيث مَيْمُونَة عَلَى الْغَالِبِ , وَالظَّاهِر أَنَّهُ لَا تَبِعَةَ عَلَيْهِ وَالْحَالَة هَذِهِ فِي الْآخِرَةِ بِحَيْثُ يُؤْخَذُ مِنْ حَسَنَاتِهِ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ , بَلْ يَتَكَفَّلُ اللَّهُ عَنْهُ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث الْبَابِ وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ اِبْن عَبْد السَّلَام وَاللَّه أَعْلَمُ " انتهى.
سادسا:
ما كان في يدك من الأمتعة المسروقة يلزمك رده على أهله، أو التصدق به، أو بثمنه بعد بيعه – في حال عدم معرفتهم -.
وما اشتريته من الأمتعة بالمال الحرام، إن قدرت على بيعه ورد ثمنه على أصحابه، أو التصدق به عنهم فافعل، فإنهم أولى بهذا المال وأحق به.
وفي حال توبتك وردك المال لأهله، تصبح هذه الأمتعة المشتراة بالمال المسروق ملكا حلالا لك.
وأخيرا نوصيك بالإكثار من الاستغفار والأعمال الصالحة، والاجتهاد في بر الوالدين، وبذل النفس في خدمتهما والإحسان إليهما، فإن الله تعالى يقول في شأن التوبة: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى) طه/٨٢
وفقنا الله وإياك لطاعته ومرضاته.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12768
حكم من تكررت منه الردة
[السُّؤَالُ]
ـ[تنص سورة النساء على أن الله لن يقبل إسلام من يكفر أكثر من ٣ مرات، ولن يهديه، فهل يشمل ذلك ترك الصلاة على سبيل المثال ٣ مرات؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد للَّه
القاعدة العظيمة التي يقررها الله في وحيه، ويذكر أنها قاعدة الحساب ومبدأ الثواب والعقاب، أن التوبة تَجُبُّ ما قبلها، وأن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن باب التوبة مفتوح لكل عبد، ولو وقع في الذنب والكفر مرّاتٍ ومرّاتٍ، فإنَّ كرمه ورحمته بعباده اقتضت أن تقبل توبة التائب ويغفر له ذنبه.
يقول الله : (قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ) الأنفال/٣٨
ويقول النبي ﷺ : (أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلِهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ) رواه مسلم (١٢١)
كما جاءت الآيات تدل على قبول توبة المرتد إذا عاد إلى الإسلام وصدقت توبته:
يقول : (كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ)
وبعد ذلك كله قال سبحانه: (إِلَاّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ) آل عمران/٨٦-٨٩
أما من ارتد ثم ازداد كفرا وطغيانا، ولم يتب، ولم يرجع إلى الإسلام، فهذا هو الذي جاءت الآية في سورة النساء – التي قصدها السائل الكريم – وجاءت آية آل عمران أيضا بعدم قبول توبته.
يقول : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ) آل عمران/٩٠-٩١
وقال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً) النساء/١٣٧
يقول ابن كثير ﵀ في "تفسير القرآن العظيم" (١/٧٥٣) :
" يخبر تعالى عمن دخل في الإيمان ثم رجع عنه، ثم عاد فيه، ثم رجع واستمر على ضلاله، وازداد حتى مات، فإنه لا توبة بعد موته، ولا يغفر الله له، ولا يجعل له مما هو فيه فرجا ولا مخرجا ولا طريقا إلى الهدى، ولهذا قال: (لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا) قال ابن أبي حاتم.. عن ابن عباس في قوله تعالى: (ثم ازدادوا كفرا) قال: تمادوا على كفرهم حتى ماتوا. وكذا قال مجاهد " انتهى.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "مجموع الفتاوى" (١٦/٢٨-٢٩) :
" وهؤلاء الذين لا تقبل توبتهم قد ذكروا فيهم أقوالا:
قيل لنفاقهم، وقيل: لأنهم تابوا مما دون الشرك ولم يتوبوا منه، وقيل لن تقبل توبتهم بعد الموت، وقال الأكثرون كالحسن وقتادة وعطاء الخراساني والسدى: لن تقبل توبتهم حين يحضرهم الموت، فيكون هذا كقوله (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ) النساء/١٨
وكذلك قوله (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً) النساء/١٣٧
قال مجاهد وغيره من المفسرين: (ازدادوا كفرا) ثبتوا عليه حتى ماتوا.
قلت (هو ابن تيمية) : وذلك لأن التائب راجع عن الكفر، ومن لم يتب فإنه مستمر، يزداد كفرا بعد كفر، فقوله: (ثم ازدادوا) بمنزلة قول القائل: ثم أصروا على الكفر، واستمروا على الكفر، وداموا على الكفر، فهم كفروا بعد إسلامهم، ثم زاد كفرهم وما نقص، فهؤلاء لا تقبل توبتهم، وهي التوبة عند حضور الموت؛ لأن من تاب قبل حضور الموت فقد تاب من قريب، ورجع عن كفره، فلم يزدد، بل نقص، بخلاف المصر إلى حين المعاينة " انتهى.
ولم يختلف أهل العلم في أن المرتد إذا صدقت توبته ورجع إلى الإسلام، فإن الله يقبله عنده ويغفر له ما قد مضى وسلف، وإن تكررت ردته.
هذا بالنسبة لما عند الله تعالى في الآخرة.
وأما بالنسبة لأحكام الظاهر في الدنيا فقد قال بعض أهل العلم بأن من تكررت ردته فإننا نقتله ولا نقبل توبته، فالخلاف بين أهل العلم هو في قبول التوبة من حيث أحكام الظاهر، وليس النسبة لما عند الله .
يقول ابن قدامة في "المغني" (١٢/٢٧١ط هجر) :
" وفي الجملة، فالخلاف بين الأئمة في قبول توبتهم في الظاهر من أحكام الدنيا وترك قتلهم وثبوت أحكام الإسلام في حقهم.
وأما قبول الله تعالى لها في الباطن، وغفرانه لمن تاب وأقلع باطنا وظاهرا، فلا خلاف فيه " انتهى.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ "مجموع الفتاوى" (١٦/٣٠) :
" والفقهاء إذا تنازعوا فى قبول توبة من تكررت ردته أو قبول توبة الزنديق، فذاك إنما هو فى الحكم الظاهر؛ لأنه لا يوثق بتوبته، أما إذا قدر أنه أخلص التوبة لله فى الباطن، فإنه يدخل فى قوله: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) الزمر/٥٣ " انتهى.
على أن الصحيح من قولي أهل العلم أن توبة من تكررت ردته مقبولة في أحكام الظاهر أيضا، وتجري عليه أحكام الإسلام، وهو قول جماهير أهل العلم: الحنفية والشافعية والمشهور عند المالكية، وآخر قولي أحمد بن حنبل.
انظر حاشية تبيين الحقائق (٣/٢٨٤) ، فتح القدير (٦/٦٨) ، الإنصاف (١٠/٣٣٢-٣٣٥)
تحفة المحتاج (٩/٩٦) ، كشاف القناع (٦/١٧٧-١٧٨) ، "الموسوعة الفقهية" (١٤/١٢٧-١٢٨)
وعزا في المبسوط (١٠/٩٩-١٠٠) لعلي وابن عمر عدم قبول توبة من تكررت ردته.
وعليه فإن توبة تارك الصلاة مقبولة إذا صدق، ولو تكرر منه الترك مرات كثيرة، ولكن على العبد أن يحذر، فقد تأتيه المنية قبل أن يوفق للتوبة، وقد يعجل الله تعالى عقوبته في الدنيا قبل الآخرة.
نسأل الله تعالى أن يرحمنا وإياكم برحمته الواسعة.
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12769
أسئلة متعددة لتائب من عمله في قناة فضائية
[السُّؤَالُ]
ـ[بخصوص عملي في مكتبة قناة سي إن بي سي عربية، وأنا - إن شاء الله - على وشك ترك هذا العمل، وأرجو من الله أن يتسع صدركم للسؤال وهو أنه كان راتبي ٦٠٠٠ درهم إماراتي، وادخرت منه عشرين ألف درهم في خلال عام ونصف هي فترة عملي. ١. هل يُعتبر هذا المال مختلطاً حيث القناة كانت اقتصادية إخبارية في المقام الأول، كما كانت تذيع برامج دينية مثل " المال في الإسلام " و " رياض الذِّكر "، ولكن تبث برامج عن السينما والفنانين وظهور المذيعات المتبرجات والموسيقى التصويرية ... إلخ، مع العلم أنها كانت لا تذيع أفلاماً ولا مسلسلات. ٢. مساعدتي في كيفية تحديد مقدار المال الحلال إن كان المال مختلطاً. ٣. كل الذي قبضته من هذا العمل خلال عام ونصف هو ١٠٨,٠٠٠ درهم وادخرت منهم عشرين ألف درهم، والباقي سكن، وسيارة، ومصاريف معيشة، فلو كان المال حراماً هل عليَّ أن أنفق العشرين ألف درهم في مصالح المسلمين (كمساعدة أخي على الزواج) وأن ادَّخر من عملي الجديد باقي ال ١٠٨,٠٠٠ درهم لأخرجهم في مصالح المسلمين حتى أطهر نفسي من ذلك العمل في هذه القناة؟ ٣. هل يجوز لي الاحتفاظ بالعشرين ألف درهم لشراء شقة لي في بلدي، حيث أسكن في شقة ليست ملكي، بل هي ملك أمي ولي أربعة إخوة؟ . ٤. هل عليَّ زكاة في العشرين ألف درهم؟ . ٥. هل سينطبق عليَّ حديث الرسول ﷺ : (من سنَّ سنَّة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها) من حيث إن كل من يشاهد القناة ويشاهد المذيعات المتبرجات أو نساء يظهرن في الأخبار الإخبارية والاقتصادية يكون عليَّ وزر؟ وكيف التوبة منه؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نحمد الله تعالى أن وفقك للتوبة، ونسأل الله تعالى أن يتقبل منك ويزيدك هدى.
ثانياً:
لا شك أن القنوات الفضائية الإخبارية منها وغير الإخبارية فيها من المحرمات الشيء الكثير، كالاختلاط بين الرجال والنساء، وتبرج النساء الفاضح، والموسيقى، والدعايات المحرمة، وذِكر الفوائد الربوية وأخبار البنوك والشركات المحرَّمة، والإعلان عن الأفلام والأزياء والأغاني وغيرها من المحرمات، مع ما فيها من التضليل في الجانب العقائدي والأخلاقي.
لذا فإنه لا يجوز العمل في هذه القنوات لما فيها من منكرات واضحة بيِّنة، ولعل الموظفين بهذه القنوات على علم بخفايا أكثر مما يظهر للناس من محرمات ومنكرات.
وقد حذر الرسول ﷺ من اكتساب المال الحرام.
فعَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ) رواه الترمذي (٢٤١٧) ، وصححه الألباني في "صحيح الترمذي".
وليعلم المسلم أنه يجب عليه البحث عن الرزق الحلال، وقد تكفل الله تعالى برزق الناس، ولن تموت نفس حتى تستوفي رزقها كما تستوفي أجلها.
قال الله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) هود/٦.
وقال تعالى: (هُوَ ?لَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ?لأَرْضَ ذَلُولاً فَ?مْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رّزْقِهِ وَإِلَيْهِ ?لنُّشُورُ) الملك/١٥.
قال ابن كثير ﵀:
أي: فسافروا حيث شئتم من أقطارها، وترددوا في أقاليمها وأرجائها، في أنواع المكاسب والتجارات، واعلموا أن سعيكم لا يجدي عليكم شيئاً إلا أن ييسره الله لكم.
" تفسير القرآن العظيم " (٨ / ١٧٩) .
ثالثاً:
إذا كنت لا تعلم تحريم هذا العمل، أو سألت من تثق في دينه وعلمه فأفتاك بجواز العمل في هذه القناة، فإن ما أخذته من راتب فهو حلال لك، ولا حرج عليك من الانتفاع به، بشرط أن تترك هذا العمل فورا، وتكف عن معصية الله تعالى، فإن الله تعالى قال عمن كان يتعامل بالربا ثم انتهى عنه لما نزل تحريمه: (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) البقرة/٢٧٥.
وقال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء - لمن عمل في بنك وهو جاهل بحكم العمل -:
إذا كان الواقع كما ذكرتَ بعد أن أُخبرت أنه لا يجوز العمل في بنك: فلا حرج عليك فيما قبضته من البنك مقابل عملك لديه مدة الأشهر المذكورة، ولا يلزمك التصدق به، وتكفي التوبة عن ذلك، عفا الله عنا وعنك.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٢ / ٤٠٢) .
أما إذا كنت تعلم أن العمل في هذه القناة محرم، ومع ذلك عملت فيها، فالمال المكتسب منها حرام، لكن التخلص منه ووجوب إنفاقه في أوجه البر والخير يكون حسب التفصيل الآتي:
١- عملك ليس حراما بنسبة مائة في المائة، وإنما هو مختلط، فيه الحلال، وفيه الحرام، فالبرامج الدينية التي ذكرتها، أو الإخبارية أو الاقتصادية التي لا تشجع على الربا ولا على المعاملات المحرمة، فهذه البرامج ليست محرمة، وإن كان يدخل فيها شيء من الحرام بسبب المنكرات التي فيها، كالموسيقى أو تبرج النساء.
أما برامج الغناء أو الموسيقى أو الكلام عن السينما ونحو ذلك، فهذه برامج محرمة.
ولا يلزمك التخلص إلا من المال الذي يقابل العمل المحرم، ويمكن تحديد ذلك عن طريق ساعات الدوام، فتنظر كم من هذه الساعات يكون في عمل مباح، وكم منها يكون في برامج محرمة؟
فإن أعياك الأمر ولم تستطع تحديده لتداخل الحرام مع الحلال، فيلزمك التخلص من نصف المال، باعتبار اقتسام الوقت نصفين بين العمل المباح والعمل المحرم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
"وإن اختلط الحلال بالحرام وجهل قدر كل منهما: جعل ذلك نصفين" انتهى.
" مجموع الفتاوى " (٢٩ / ٣٠٧) .
٢- ما أنفقته من هذا المال الحرام لا يلزمك تقديره ولا التصدق به، وإنما يلزمك التصدق بما هو موجود قد بقي مدخرا معك من هذا المال.
فما أنفقته في السكن ومصاريف المعيشة فهو مما عفا الله عنه، فلا يلزمك أن تتصدق ببدله، ما دمت قد تبت وأقلعت عن العمل المحرم.
وأما السيارة، فإن كنت محتاجاً إليها، وتقع في مشقة شديدة بدونها، فنرجو ألا يكون عليك حرج في إبقائها والانتفاع بها، أما إذا كنت مستغنياً عنها ولست محتاجا لها حاجة ماسة فإما أن تبيعها وتتصدق بثمنها، وإما أن تبقيها وتتصدق بثمنها وتكون السيارة حلالاً لك.
٣- لا مانع من إعطاء أخيك من هذا المال إذا كان محتاجاً لإعانته على الزواج، كما يجوز لك أن تأخذ من هذا المال لنفسك إذا كنت محتاجاً، ولو كان جزءً يكون لك رأس مال تستعمله في الاتجار بعمل مباح.
قال النووي ﵀:
قال الغزالي: وإذا دفعه – أي: المال المحرم بعد التوبة - إلى الفقير: لا يكون حراماً على الفقير , بل يكون حلالاً طيباً , وله أن يتصدق به على نفسه وعياله إذا كان فقيراً؛ لأن عياله إذا كانوا فقراء: فالوصف موجود فيهم , بل هم أولى من يتصدق عليه , وله هو أن يأخذ منه قدر حاجته؛ لأنه أيضا فقير.
" المجموع " (٩ / ٣٥١) .
وقد بسط ابن القيم ﵀ الكلام على هذه المسألة في " زاد المعاد " (٥ / ٧٧٨) وقرر أن طريق التخلص من هذا المال وتمام التوبة إنما يكون: " بالتصدق به، فإن كان محتاجاً إليه: فله أن يأخذ قدر حاجته، ويتصدق بالباقي " انتهى.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
فإن تابت هذه البغي، وهذا الخمَّار، وكانوا فقراء: جاز أن يُصرف إليهم من هذا المال قدر حاجتهم، فإن كان يقدر يتجر أو يعمل صنعة كالنسيج والغزل أُعطي ما يكون له رأس مال.
" مجموع الفتاوى " (٢٩ / ٣٠٨) .
وينظر: جواب السؤال (٧٨٢٨٩) .
وأما الاحتفاظ بالعشرين ألف الباقية معك لشراء شقة، فلا يجوز الاحتفاظ بالمال الحرام من أجل ذلك، ما دمت تجد شقة تسكن فيها، ولو كان ذلك بالإيجار.
فعليك تقدير الحرام من هذا المال المتبقي – حسب التفصيل السابق- والتصدق به.
وأما زكاة العشرين ألف درهم، فما كان منها حراما ستتخلص منه فلا زكاة فيه، لأنه ليس ملكا لك.
قال النووي ﵀:
"قال الغزالي: إذا لم يكن في يده إلا مال حرام محض: فلا حج عليه، ولا زكاة، ولا تلزمه كفارة مالية , فإن كان مال شبهة فليس بحرام محض: لزمه الحج إن أبقاه في يده؛ لأنه محكوم بأنه ملكه , وكذا الباقي" انتهى.
" المجموع " (٩ / ٣٥٢، ٣٥٣) .
وأما دخولك في حديث: (من سن سنة سيئة ... ) فلا تدخل فيه إذا تبت واجتهدت في إصلاح العمل، قال الله تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) طه/٨٢.
وقال تعالى: (فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) المائدة/٣٩.
وقال النبي ﷺ : (التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ) رواه ابن ماجه (٤٢٥٠) وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12770
تشك في صحة صلاتها وصيامها
[السُّؤَالُ]
ـ[أخجل أن أطرح سؤالي من شدة قبح ما كنت أفعله ولا أحب حتى ذكره.
في الحقيقة أنني قبل عدة سنوات كنت أفعل أمرين قبيحين: الأول: هو أنني كنت مع إحدى قريباتي نداعب بعضنا واستمرينا على فعل هذا الأمر لمدة وبعد ذلك توقفنا.
والأمر الثاني: أنني كنت أعامل ابن جيراننا الصغير معاملة قاسية كنت أضربه مرات ومرات وأجعله يقبلني أو يلامس شيئا من أعضائي..لا أحب حتى تذكر هذه الأمور لأنني أشعر كم أنا سيئة وأنا نادمة جداً على فعل هذا الأمور.
ولي عدة أسئلة:
١- هل علي صيام تلك الأيام التي قمت فيها بتلك الأمور مع أنني لم أكن أعلم أنها تبطل صيامي وصلاتي؟
٢- وهل علي أن أعيد أيضا الصلوات؟
٣- أنا لا أتذكر إذا نزل شيء مني أم لا؟
٤- أنا في حيرة وشك ولا أتذكر إذا فعلت هذه الأمور في رمضان أم لا؟
٥- إذا وجب علي الصيام كيف أستطيع تقدير تلك الأيام لأنني حاولت جاهدة تقديرها ولكنني لا أتذكر متى فعلت تلك الأمور بالضبط.
٦- متى تحاسب البنت على صيامها؟ هل بعد بلوغها؟ أقصد هل بعد أن تأتيها الدورة الشهرية أول مرة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
نحمد الله تعالى أن وفقك إلى التوبة من هذه الأفعال المحرمة، ونسأل الله تعالى أن يتقبل توبتك.
ثانيا:
لا يجب عليك قضاء شيء من الصلوات أو الصيام، وذلك للأسباب التالية:
١- أنك لم تكوني تعلمين أن ذلك يفسد الصيام والصلاة، والإنسان إذا فعل شيئا من المحرمات جاهلا فإنه يكون معذوراً، ولا يستحق العقاب على هذا الذنب، قال الله تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) الأحزاب/٥، والجهل نوع من الخطأ، لأن الجاهل لم يتعمد ارتكاب المعصية والمخالفة.
انظري جواب السؤال (٥٠٠١٧) ، (٤٥٦٤٨)
٢- أنك لا تتيقنين نزول شيء منك، والمسلم إذا فعل عبادة من العبادات فالأصل أنه يُحكم بصحتها، ما لم يتيقن أنها كانت غير صحيحة، أما مجرد الشك فلا يبطل العبادة بعد فعلها.
ثالثا:
أما تكليف البنت بالصيام وغيره من الأحكام الشرعية، فيثبت ببلوغ البنت، وبلوغها يحصل إذا وجد أحد أربع علامات وهي:
١. بلوغ خمس عشرة سنة.
٢. نبات الشعر الخشن حول القبل.
٣. نزول المني.
٤. نزول الحيض.
ولا يشترط اجتماع كل هذه العلامات، ولكن يكفي علامة واحدة فقط، لثبوت البلوغ.
وانظري جواب السؤال (٢١٢٤٦)
ونسأل الله تعالى أن يوفقك ِ لكل خير، والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12771
خيره صاحب العمل بين تخفيف اللحية أو ترك العمل
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا أعمل في شركة وصاحب العمل طلب مني تخفيف اللحية (وليس حلاقتها) أو ترك العمل مع العلم بأنه يسمح لي بالصلاة في المسجد في أوقاتها دائما فما حكم تخفيف اللحية؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
حلق اللحية محرم، وكذلك تقصيرها وتخفيفها؛ لما ورد من الأدلة على وجوب إعفائها وتركها.
جاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (٥/١٣٣) : " حلق اللحية حرام لما ورد في ذلك من الأحاديث الصحيحة والصريحة والأخبار ولعموم النصوص الناهية عن التشبه بالكفار، فمن ذلك حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: (خالفوا المشركين وفروا اللحى وأحفوا الشوارب) وفي رواية: (أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى) وفيه أحاديث أخرى بهذا المعنى، وإعفاء اللحية تركها على حالها، وتوفيرها إبقاؤها وافرة من دون أن تحلق أو تنتف أو يقص منها شيء، وحكى ابن حزم الإجماع على أن قص الشارب وإعفاء اللحية فرض، واستدل بجملة أحاديث منها حديث ابن عمر ﵁ السابق وبحديث زيد بن أرقم أن النبي ﷺ قال: (من لم يأخذ من شاربه فليس منا) صححه الترمذي قال في الفروع وهذه الصيغة عند أصحابنا - يعني الحنابلة - تقتضي التحريم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وقد دل الكتاب والسنة والإجماع على الأمر بمخالفة الكفار والنهي عن مشابهتهم في الجملة؛ لأن مشابهتهم في الظاهر سببٌ لمشابهتهم في الأخلاق والأفعال المذمومة بل وفي نفس الاعتقادات، فهي تورث محبة وموالاة في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر، وروى الترمذي أن رسول الله ﷺ قال: (ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى) الحديث، وفي لفظ: (من تشبه بقوم فهو منهم) رواه الإمام أحمد. ورَدَّ عمرُ بن الخطاب شهادة من ينتف لحيته.
وقال الإمام ابن عبد البر في التمهيد: " يحرم حلق اللحية ولا يفعله إلا المخنثون من الرجال " يعني بذلك المتشبهين بالنساء، (وكان النبي ﷺ كثير شعر اللحية) رواه مسلم عن جابر، وفي رواية: (كثيف اللحية) ، وفي أخرى: (كث اللحية) والمعنى واحد، ولا يجوز أخذ شيء منها لعموم أدلة المنع " انتهى.
وسئل الشيخ ابن باز ﵀: ما حكم من يساوي لحيته يجعلها متساوية مع بعضها البعض؟
فأجاب: " الواجب: إعفاء اللحية، وتوفيرها، وإرخاؤها، وعدم التعرض لها بشيء؛ لما ثبت عنه ﷺ أنه قال: (قصوا الشوارب وأعفوا اللحى خالفوا المشركين) متفق على صحته، عن ابن عمر ﵄، وروى البخاري في صحيحه رحمة الله عليه، عن ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: (قصوا الشوارب ووفروا اللحى خالفوا المشركين) وروى مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: (جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس)
وهذه الأحاديث كلها تدل على وجوب إعفاء اللحى وتوفيرها وإرخائها، وعلى وجوب قص الشوارب. هذا هو المشروع، وهذا هو الواجب الذي أرشد إليه النبي ﵊ وأمر به، وفي ذلك تأس به ﷺ وبأصحابه ﵃، ومخالفة للمشركين، وابتعاد عن مشابهتهم وعن مشابهة النساء.
وأما ما رواه الترمذي ﵀، عن النبي ﷺ أنه كان يأخذ من لحيته من طولها وعرضها فهو خبر باطل عند أهل العلم لا يصح عن النبي ﷺ ، وقد تشبث به بعض الناس، وهو خبر لا يصح؛ لأن في إسناده عمر بن هارون البلخي وهو متهم بالكذب. فلا يجوز للمؤمن أن يتعلق بهذا الحديث الباطل، ولا أن يترخص بما يقوله بعض أهل العلم، فإن السنة حاكمة على الجميع، والله يقول جل وعلا: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) ويقول سبحانه: (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) ويقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا) والله ولي التوفيق " انتهى من "مجموع فتاوى الشيخ ابن باز" (٤/٤٤٣) .
ثانيا:
لا يجوز لصاحب العمل أن يأمرك بتخفيف لحيتك؛ لأنه أمر بالمعصية كما سبق، وليس لك أن تطيعه، بل الواجب عليك أن تصبر وتصابر، وتبين له الحكم الشرعي، فإن أصر على رأيه، وكان إعفاؤك للحية يعني ترك العمل، فيُنظر في حالك وعملك، فإن كنت تجد عملا غيره، فاترك العمل، ابتغاء مرضاة الله تعالى، وإن لم تجد عملا آخر، فنرجو أن تكون معذورا في التخفيف من لحيتك؛ لما تقرر عند أهل العلم من جواز ارتكاب المحرم عند الضرورة والحاجة الشديدة، على أن تقتصر على أقل ما يمكن من التخفيف الذي يرضى به صاحب العمل، قال الله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) التغابن/١٦
وراجع السؤال رقم (٧٠٣١٩)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12772
التوبة من القمار
[السُّؤَالُ]
ـ[لعبت القمار كثيراً فكيف أتوب منه؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
عليك الإقلاع فوراً عن القمار وترك أصحابه ومحلاته وأدواته والندم على ما فات والعزم أن لا تعود وأن تتصدق لما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من حلف فقال في حلفه: واللات والعزى فليقل لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك فليتصدق) .
قال النووي: قال العلماء: أمر بالصدقة تكفيراً لخطيئته في كلامه بهذه المعصية، وقال الخطابي: معناه فليتصدق بمقدار ما أمر أن يقامر به.
قال النووي: والصواب الذي عليه المحققون - وهو ظاهر الحديث - أنه لا يختص بذلك المقدار، بل يتصدق بما تيسر مما ينطلق عليه اسم الصدقة، ويؤيده رواية: (فليتصدق بشيء) .
[الْمَصْدَرُ]
الموسوعة الفقهية - ج/٣٩، ص ٤٠٧.
стр. 12773
تحدثت مع رجال عبر الإنترنت ثم تابت من ذلك
[السُّؤَالُ]
ـ[أرجو المساعدة فالأمر في غاية الأهمية!
أسلمت منذ ٤ سنوات وتزوجت من ٣ سنوات تقريباً، وأنا لا أعيش مع زوجي لأننا تزوجنا سرّاً، وأهله لا يعرفون عني شيئاً حتى الآن، وأن لا تتاح لي فرصة رؤية زوجي بالعدد الذي أرغبه، ولذلك فقد أصبحت أشعر بالوحدة، ونتيجة لغبائي وأنانيتي وتعجلي فقد بدأت أتحدث إلى رجال من غير المحارم عبر شبكة الإنترنت!!! (وأسأل الله أن يغفر لي) ، لقد تحدثت مع عدد منهم، وأخبرتهم أني لست متزوجة، وأخبرت بعضهم أني مطلقة أو سأحصل على الطلاق في وقت قريب، كما أني أعطيت أحدهم صورة قديمة أظهر فيها بدون حجاب، حيث يظهر شعر رأسي ورقبتي ويداي!!!! حدث كل هذا قبل أشهر معدودة، وقد تبت الآن من جرائمي، كما أني بكيت خوفا من القبر ويوم الحساب، أنا أخاف الله كثيراً، وقد قطعت جميع العلاقات مع هؤلاء الأشخاص، أنا لا أتحدث الآن إلى أي رجل عبر الإنترنت لأني أعلم أن الشيطان يغري الإنسان، أنا أشعر بالخجل فعلا عما فعلت، وأشعر بالكثير من الذنب لذلك، أنا أحب زوجي وهو يحاول أن يخبر أهله بخصوصي إن شاء الله، أنا لا أريد أن أخسره، هل يجب عليَّ إخباره بما فعلت؟ وماذا عن الصورة؟ أنا أكره ما فعلت لكن ماذا لو أن الشاب لا يزال يحتفظ بها؟ هل سأذهب للنار؟ وفيما يتعلق بإخباري للناس أني كنت مطلقة، أو أني سأطلق، هل يؤثر ذلك على صحة زواجي؟ أعلم أني أفسدت وحطمت حياتي، لكني أرجو المساعدة، فالله يعلم وحده مقاصدي، أنا لا أريد أن أجرح أي شخص، أو أن أرتكب الخطأ في حق الله، أريد أن أعمل الأفضل لجميع الأشخاص، وأريد أن أستر على نفسي، فهل يمكنني ذلك؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الحمد لله الذي هداكِ للإسلام، وقد اختاركِ الله تعالى لتكوني من أتباع هذه الرسالة العظيمة، وهذا أعظم أسباب الخير والسعادة في الدنيا والآخرة، فعليكِ المداومة على تذكر هذه النعمة الجليلة التي حُرمها الكثير، والقيام بشكر الله تعالى عليها بالقلب واللسان والجوارح.
ثانياً:
والحمد لله تعالى أن يسَّر لكِ الزواج من مسلم، وإن كنَّا نودُّ أن يكون زواجاً ليس فيه بعدٌ من زوجك عنكِ، وأن يعلم أهله عنه، وبما أن لإخفاء زوجك هذا الأمر عن أهله وابتعاده عنك دوراً كبيراً فيما حصل معكِ فإن عليك المسارعة في إصلاح هذا الأمر، وذلك بالطلب منه أن يجعل زواجكم علنيّاً، وأن يسارع في إخبار أهله، وأن يبقى إلى جانبك لإعانتك على طاعة الله تعالى، وعليه أن يتقي الله تعالى فيكِ وأن لا يعرضكِ للفتن، وليتنبه لهذه المسئولية الملقاة على عاتقه.
ثالثاً:
والحمد لله تعالى أن وفقكِ للتوبة والرجوع إليه قبل الانغماس في المعصية أو ارتكاب ما هو أشد منها، والمعصية يزينها الشيطان في نفس فاعلها، فإنْ تذكَّر عقوبة فِعلها وتذكَّر ما عند الله من الثواب على تركها، وعلم ما أعدَّه الله في الآخرة للطائعين: علِم أن ما عند الله خير وأبقى، وأن المعاصي مهما بلغ صاحبها في النشوة واللذة فهي إلى غمٍّ وهمٍّ ونكدٍ في الدنيا، وإلى عقوبة في الدار الآخرة، فاستمري على التوبة، وعلى ندمك على ما فعلتِ، واعزمي عزماً مؤكداً على عدم الرجوع إليها، وافعلي الطاعات تعويضاً عما فات وتقرباً إلى الله لزيادة الثواب.
رابعاً:
لا بدَّ أن تغلقي أبواب الفتن التي جاءتك المعاصي من خلالها، ونعني بذلك " تلك المحادثات " فعليك أن تبتعدي بالكلية عن تلك المحادثات الآثمة التي كانت مع الرجال، فلا يحل لك دخول الغرف الصوتية لهم ولا مراسلتهم والحديث معهم، وإن كانوا معك على " الماسنجر " فسارعي بشطب أسمائهم.
وإن خشيت أن يكون دخولك على الإنترنت سيجرك إلى محادثة هؤلاء فامتنعي كليةً عن الدخول على الإنترنت، واكتفي بالأشرطة الصوتية النافعة، وقراءة الكتب النافعة، والبحث عن صحبة صالحة من بنات جنسكِ يدلونك على الخير، ويمنعونك من السوء والشر.
ومن مقتضيات التوبة الصادقة التي يكون معها الندم والعزم على عدم الرجوع إليها أن تبتعدي عن مواضع الفتن الأخرى من مواقع محرمة، أو منتديات اللغو والفحش.
ولو أنك فرَّغتِ نفسكِ لسماع الأشرطة وقراءة الكتب النافعة، وقراءة الأجوبة والمقالات من المواقع الإسلامية المعروفة بصحة الاعتقاد، وسلامة المنهج لما كفتكِ حياتك كلها لو طالت، فكيف تضيِّعين العمر فيما لا ينفع وبين يديك كنوز الخير من الكتب والمقالات والأشرطة؟! وهي حجة عليك يوم القيامة إن فرطتِ فيها، وليس لك أن تقولي إنني وحيدة ولا أعرف كيف أقضي وقتي، وأنتِ بين بساتين الخير فيها الورود والأزهار ذوات الروائح الزكية، فتنقلي بين تلك البساتين واحرصي على الخير لنفسك، واعلمي أن العمر قصير، ولو قضاه الإنسان كلَّه في طاعة الله للقي الله تعالى مقصِّراً فكيف له أن يضيعه في اللغو والمعصية؟!
خامساً:
من عادة كثير من الرجال في مخاطبتهم للنساء أن يحرصوا على الاستمرار معهن حتى إذا قضوا حاجتهم منهن انتقلوا إلى غيرهن، وهذا ما أنقذك الله منه، وهي نعمة لا تقدَّر بمال الدنيا، وتحتاج منكِ إلى المداوة على شكره تعالى، وكذلك يتركونهن إلى غيرهن إذا أيسوا منهن أو انقطعت بينهم الاتصالات، وقد يخطر ببال كثير منهم أن ما حصل من محادثات لم يكن مع امرأة، وأن الصورة ليست لواحدة بعينها، بل قد تكون من أي محل تصوير أو من مجلة أو من جريدة، فإذا قطعتِ الاتصال بهم نهائيّاً – وهذا ما وفقك الله لفعله - فإن الأمر سيكون على تلك الاحتمالات، ولا داعي للاهتمام بالصورة والحرص على تحصيلها، فقد تستخدم وسيلة ابتزاز كما حدث مع كثيرات، فانسي الأمر تماماً وفوِّضي أمرك إلى الله تعالى، فهو " ستِّير يحب الستر " كما قال النبي ﷺ ، وهو الذي وفقك للإسلام والتوبة، وهو الذي أنقذك، فلم تقعي في براثن تلك الذئاب، وهو الذي سيستر عليك، وييسر لك أمرك، بمشيئته ، وصور النساء اللاتي تُظهر أكثر مما في صورتك تملأ الشبكة – عياذاً بالله – فلن يبقى أحدٌ منهم حريصا على صورةٍ مثل تلك، وبين يديه الآلاف غيرها.
سادساً:
وإياكِ أن تخبري زوجكِ بما حصل، بل عليك أن تستتري بستر الله تعالى، وقد يتسبب إخبارك له بعواقب وخيمة، فدعي الأمر بينك وبين الله، توبي إليه ، واطلبي منه العفو والمغفرة، وأكثري من فعل الطاعات، واحرصي على أن يعلن زوجك زواجك لأهله، واطلبي منه أن يبقى إلى جانبك ليعينك على طاعة الله، ولا تفتحي على نفسكِ أبواباً مغلقة بإخباره عما حصل منكِ، فليس هناك فائدة في إخباره، بل قد يترتب عليه آثار ليست في مصلحتك ولا مصلحة بيتكِ.
سابعاً:
ليس في إخبارك لأحدٍ أنك " مطلَّقة " أو " أنك ستطلَّقين " أي أثر على صحة عقد زواجك، فاطمئني ولا تقلقي، ومثل هذه الكلمات قد يترتب عليها أمور أخرى لو قالها الزوج، أما الزوجة فلا أثر لنطقها بتلك الكلمات على عقد الزواج، فلا داعي للقلق من هذه الناحية، وليس هناك حكم يترتب على قولك سوى أن عليك التوبة والاستغفار لأنه إخبار بغير الحقيقة.
ثامناً:
أنتِ لم تفسدي حياتك بل أصلحتيها بإسلامك أولاً، وبتوبتك من تلك المعاصي ثانياً، واعلمي أن الله تعالى غفور رحيم، وأنه يقبل التوبة من عباده، وأنه يبدل سيئات الصادقين في توبتهم حسنات، وأنه تعالى قد يوفقك لصدقك في التوبة لأن تكوني أفضل حالاً وأقوى استقامة بعد ذلك الرجوع الصادق إليه ، فلا يتطرق اليأس والقنوط إلى قلبك، فقد قال نبينا محمد ﷺ : (كل بني آدم خطَّاء، وخير الخطائين التوَّابون) وأنتِ من بنات آدم، وقد أخطأتِ، فكوني من خير الخطائين وهم التوابون، ونرجو من الله تعالى أن يكون قد وفقك للتوبة النصوح، وأن يتقبل منك.
واعلمي أن الله تعالى سيبدل سيئاتك حسنات لو أنك فعلتِ هذا، واسمعي ماذا يقول ربنا في هذا، قال تعالى: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا. إِلا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) الفرقان/٦٨– ٧٠.
والخلاصة:
استمري على توبتك، وأغلقي أبواب الفتنة عليك، واحرصي على الطاعة والصحبة الصالحة، ولا تخبري زوجك بما حصل معك، وثقي بالله تعالى أنه سيستر عليك لو أنك صدقتِ في توبتك.
ونرجو أن نكون قد أجبنا على تساؤلاتك، وستجدين هذا الموقع نصيراً لك، ودالاًّ لك على الخير، إن شاء الله تعالى، ونرجو أن نسمع عن تغير حالك إلى ما هو أحسن، وأن نرى زوجك أعلن زواجك أمام أهله، ونسأل الله تعالى أن يرزقك علماً نافعاً وعملاً صالحاً وذرية طيبة.
والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12774
حكم تقبيل الزوجة في الطريق أمام الناس
[السُّؤَالُ]
ـ[تزوجت مؤخراً وأظن أني وقعت في الزنا مع زوجتي، وإليك التفاصيل: فقد كنا نركب سيارة أختي ثم أوقفنا السيارة في مكان هادئ وتبادلنا القبَل كثيراً، كثيراً جدّاً، وقد مر رجل بقربنا وشاهدنا في تلك الحالة، لكننا لم نمتنع، وأنا أشعر أني اقترفت الزنا علناً، هل علينا كفارة؟ وهل يجب أن نعترف لوالدينا؟
وأنا وزوجتي نتجادل حول الأمر وهي تلومني على اهتمامي (كثيراً) بالمسألة، أنا أرى أنها مسلمة غير صالحة؛ لأنها لا تخاف الله، فهي التي جعلتني أوقف السيارة وأقبلها، وأنا أكرهها لذلك.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
أخي السائل؛ اعلم أنك لن تستطيع أن تعيش عمرك من غير ذنوب وخطايا، فهذه طبيعة البشر، قال النبي ﷺ : (كل بني آدم خطَّاء وخير الخطائين التوابون) رواه الترمذي (٢٤٩٩) وابن ماجه (٤٢٥١) وحسنه الشيخ الألباني في " صحيح الترمذي "، وهذا الحديث يدل بوضوح أن الإنسان لا بد له أن يذنب ويقع منه الذنب، ولكن المهم بعد الذنب ما موقفه من ذنبه؟ فالمؤمن يتوب إلى الله من كل ذنوبه فيقلع عنها ويستغفر الله كلما وقعت منه المعصية ويندم على فعلها ويعزم عزيمة صادقة على عدم الرجوع إليها، فإن فعلت ذلك فاعلم أن الله غفور رحيم يغفر الذنوب جميعها للمؤمن الصالح الذي يتوب التوبة الصادقة ويعترف بالذنب مع الذل والانكسار لله ، قال الله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) الزمر/٥٣.
والذنب الذي اقترفته ليس هو الزنى بزوجتك! وإنما هو تقبيلها أمام الناس، لأنه ليس هناك زنى بالزوجة، وإنما الزنى يكون بامرأة لا يحل للرجل مباشرتها، أما الزوجة فمباشرتها حلال.
ولا يجوز للرجل ولا للمرأة أن يتحدثوا لأحد عما يحصل بينهم في الفراش مما لا ينبغي أن يطلع عليه غيرهما، لما يفضي إليه ذلك من المفاسد والفتن وفتح باب الشيطان، وهذا فيمن تحدث يصف فعله مع زوجته فكيف بمن فعل أمام الناس حتى شاهدوه؟!
وقد أفتى الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ في فتاويه (١٠/٢٧٧) بأن تقبيل الزوجة أمام الناس لا يجوز.
ثانياً:
أما عن كفارة هذه الخطيئة فلا كفارة لها إلا التوبة الصادقة والعزم الأكيد على عدم الرجوع لهذا الذنب والندم الحقيقي على ارتكابه.
وأما عن الاعتراف لوالديكم فلا حاجة إليه، فالذنب الذي اقترفته هو بحق الله ، فالاعتراف به يكون لله، وبينك وبين الله ولا تخبر به أحداً، ولكن اصدق في التوبة مع الله يغفر الله لك، والله غفور رحيم.
وكون زوجتك هي التي أمرتك بهذا الفعل لا يدل على أنها امرأة غير صالحة أو أنها لا تخاف الله، فأنت أيضاً وافقتها على هذا، ولم تمتنع حتى مع رؤية رجل لكما. فينبغي أن تحمِّل نفسك أيضاً مسئولية فعلك هذا.
ونرجو الاطلاع على السؤالين (٦١٠٣) و (٣١٧٧٣) .
وفقكم الله لما يحب ويرضى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12775
زنا ثم أسلم فهل يحد
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا زنى كافر ثم أسلم، فهل يقام عليه الحد؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا زنى الذمي ثم أسلم، وقامت بينة بزناه سقط عنه الحد، فلا يحد ولا يعزر؛ نص عليه الشافعي بقوله الله تعالى: " قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف " سورة الأنفال: ٣٨، ويستدل أيضا بقوله ﷺ : " الإسلام يهدم ما قبله " رواه مسلم من رواية عمرو بن العاص، ولأن نص القرآن يدل على سقوط الحد عن السارق وقاطع الطريق إذا تابا، فعن الكافر أولى، ولأن في إيجاب الحد تنفيرا عن الإسلام، وبمثل هذه العلة عللوا سقوط قضاء الصلاة عنه. والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
فتاوى الإمام النووي ٢٢٣.
стр. 12776
تسبب في موت قطط صغيرة فهل له توبة !؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أقيم في عمارة مشتركة، وفي شقتي التي أتردد عليها بين الفينة والأخرى تركت إحدى النوافذ مفتوحة فولدت قطة أربعة من الصغار، وقد تحدثت بخصوص هذه القطة مع والداي فنصحوني أن أحتفظ بها إلى حين أن يكبروا قليلا ليتمكنوا من الفرار والاختباء وآنذاك أخرجهم لكني احتفظت بها فقط لمدة قصيرة جدّاً حتى تمكنت من الإبصار وأولى خطوات المشي، ثم قمت بطردهم من الشقة، وجعلتهم فوق السطح، مع علمي أن أمهم لن تهتدي إليهم، وهذا ما حدث بالفعل. هذا مع علمي اليقين بحديث الرسول ﷺ بخصوص المرأة التي دخلت النار في هرة، ومع ذلك تركتهم وغادرت المكان لمدة ثلاثة أيام. ما حدث الآن هو أنه بعد أن عدت وجدت القطط غير موجودة وأمهم تبحث عنهم، والظاهر أنهم سقطوا في قناة الصرف الصحي للعمارة. فما حكمي في هذه النازلة لأني كان بإمكاني أن أتفادى ذلك وأحتفظ بهذه القطط ولن يكلفني ذلك شيئا ولأني خالفت نصيحة والداي، فهل أنا آثم؟ وماذا أعمل لأكفر عن خطئي فأفيدوني رحمكم الله، ولكم جزيل الشكر والثواب، فنفسيتي منهارة، فلم أعد أحس بطعم الحياة، فأنا أنتظر الموت فقط لأرتاح من هذا الإحساس، فأنا طول الوقت أفكر في هذه القطط وأقول لم تؤذني وقتلتها فأنا سأدخل النار كتلك المرأة في الحديث الشريف. وأصبحت عبوسا ومعنوياتي في الحضيض كل شيء أفعله بفتور كبير ولا أحس بالفرحة في أي شيء، تمنيت لو أن الزمان يرجع للوراء , أحس بضياع كبير وبأني مشلول ماديّاً ومعنويّاً وبأني لن أنسى هذا الحادث وآلامه دنيا وآخرة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إن الله تعالى قد أمر بالرفق في كل شيء، ففي الحديث: (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله) رواه البخاري (٥٦٧٨) ومسلم (٢١٦٥) .
وروى مسلم (٢٥٩٢) عن حديث جرير ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (من يحرم الرفق يحرم الخير) .
واعلم أنه من كان عنده شيء من الدواب فيجب عليه أن يحميها ويطعمها ويسقيها، ولا يجوز له أن يعرضها للهلاك، وفي الحديث الذي أشرت إليه أن الرسول ﷺ أخبرنا أن امرأة دخلت النار بسبب هرة حبستها، لا هي أطعمتها، ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض، أي حشراتها. رواه البخاري (٢٣٦٥) ومسلم (٩٠٤) .
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ، فَرَأَيْنَا حُمَرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ، فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا، فَجَاءَتْ الْحُمَرَةُ فَجَعَلَتْ تَفْرِشُ (أي: ترفرف بأجنحتها) فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: (مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا؟ رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا) رواه أبو داود (٢٦٧٥) وصححه الشيخ الألباني في " صحيح أبي داود ".
والحمرة – بتشديد الميم وتخفيفها -: طائر صغير كالعصفور.
فحاصل المسألة: أن من استرعاه الله شيئاً من هذه الدواب كأن تكون في حرزه أو يربيها ويبقيها لحاجته وجب عليه رعايتها والإحسان إليها والرفق بها.
وبناء عليه: فإنه يجب عليك أن تتوب إلى الله تعالى من أمور:
أولها: معصية والديك اللذين أمرك الله ببرِّهما، وبطاعتهما فيما لا معصية فيه.
الثاني: أن هذه القطط كانت في حرزك وقصرت في رعايتها حتى أدى ذلك إلى هلاكها.
ثالثها: أنك فجعت أمها بالتفريق بينها وبين أولادها، ثم بموت صغارها.
ولا شك - أخي - أن شعورك بالذنب بهذه الصورة التي ذكرت يدل على حياة قلبك وصدق شعورك بالندم على ما فعلت.
لكنك أيضا ربما بالغت في ذلك حتى وصل بك الأمر إلى اليأس والقنوط، وهذا لا شك أنه لا يجوز فالله تعالى يقول: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) الزمر/٥٣، فأين أنت عن سعة رحمة الله التي وسعت كل شيء، وعن قبول الله تعالى لعباده التائبين حتى من كبار الذنوب؟
وقد أخبرنا النبي ﷺ عن الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسا ثم قتل عابداً فكمل به المائة ثم تاب توبة صادقة فقبل الله توبته – وهي في الصحيحين – فأين أنت منه؟ إنه قتل مائة نفسٍ وتاب وقبل الله منه، فلا يقعنَّ منك يأس ولا قنوط من عفو الله ورحمته، وأقدم على العمل الصالح وتذكر دائما قوله تعالى: (إن الحسنات يذهبن السيئات) هود/١١٤.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12777
مشكلة الحماس أول التوبة ثم الفتور بعدها
[السُّؤَالُ]
ـ[عندما يتوب الإنسان يبدأ بداية قوية ويقول: إن الشيطان يأمرني بالتخفيف، ويزيد من الطاعات، ثم تبرد الهمة فيقول: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) ، وتخف الطاعات حتى يعود كما كان.
وسؤالي: ما هي النصيحة؟ هل يبدأ بداية قوية أم بالتدريج حتى يثبت عليه ويزيد عليه بعد مدة أو يأخذ بالمقولة " إذا هبت رياحك فاغتنمها "؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إن نعمة الهداية والتوبة من أعظم نعَم الله تعالى على المسلم، وتغيير حاله للأحسن مما يقرِّبه إلى الله تعالى أكثر، وفي العادة يُقبل التائب على الطاعة إقبالاً عظيماً يحاول فيها تعويض ما فاته من العمر الذي قضاه في المعصية والضلال.
وهذا الأمر طبيعي بالنسبة لكل صادق في توبته، وقد ذكَره نبينا ﷺ ، وبيَّن ما يحصل بعده من برود وفتور في الهمة، وهذا أمر طبيعي أيضاً، لكن الخطر على صاحب هذه التوبة أن يكون فتوره وبروده في تناقص مستمر إلى أن يرجع إلى حاله الأول، ولذا كان من الواجب الانتباه إلى هذا الأمر، وعلى التائب الطائع إذا فترت همته أن يقف عند الاعتدال والتوسط، والتزام السنة؛ ليحافظ على رأس ماله، ويحسن الانطلاق مرة أخرى إلى الطاعة بقوة ونشاط؛ لأن الانطلاق من التوسط خير من الانطلاق من الصفر.
عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ، فَمَنْ كَانَتْ شِرَّتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدْ أَفْلَحَ، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ) . رواه ابن حبان في "صحيحه" (١/١٨٧) ، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب" (٥٦) .
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً، فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا سَدَّدَ وَقَارَبَ فَارْجُوهُ، وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالأَصَابِعِ فَلا تَعُدُّوهُ) رواه الترمذي (٢٤٥٣) وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب" (٥٧) .
قال المباركفوري ﵀:
" قوله (إن لكل شيء شِرَّةً) أي: حرصا على الشيء ونشاطا ورغبة في الخير أو الشر.
(ولكل شِرَّةٍ فَتْرَةً) أي: وهْناً وضعفاً وسكوناً.
(فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا سَدَّدَ وَقَارَبَ) أي: جعل صاحب الشرة عملَه متوسطاً، وتجنب طرفي إفراط الشرة وتفريط الفترة.
(فَارْجُوهُ) أي: ارجو الفلاح منه؛ فإنه يمكنه الدوام على الوسط , وأحب الأعمال إلى الله أدومها.
(وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالأَصَابِعِ) أي: اجتهد وبالغ في العمل ليصير مشهوراً بالعبادة والزهد وسار مشهوراً مشارا إليه.
(فَلا تَعُدُّوهُ) أي: لا تعتدوا به ولا تحسبوه من الصالحين لكونه مرائيا , ولم يقل فلا ترجوه إشارة إلى أنه قد سقط ولم يمكنه تدارك ما فرط " انتهى.
" تحفة الأحوذي " (٧ / ١٢٦) .
ولكي يتجنب المسلم الإفراط والتفريط فعليه بالقصد، وهو التوسط، فلا يبالغ في فعل العبادة والطاعة؛ لئلا يملَّ فيترك، ولا يتركها كسلاً وتهاوناً لئلا يستمرئ الترك فلا يرجع، وكلا الأمرين ذميم، ومن توسط في الأمر سلك، ومن سلك وصل إلى ما يحبه الله ويرضاه.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ. قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلا أَنَا، إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ، سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاغْدُوا، وَرُوحُوا، وَشَيْءٌ مِنْ الدُّلْجَةِ، وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا) . رواه البخاري (٦٠٩٨) .
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
" قوله: (سددوا) معناه: اقصدوا السداد أي: الصواب.
قوله " وقاربوا " أي: لا تُفْرِطُوا (أي تشددوا) فتُجهدوا أنفسكم في العبادة، لئلا يفضي بكم ذلك إلى الملال فتتركوا العمل فَتُفَرِّطُوا (أي تقصروا) .
قوله " واغدوا وروحوا وشيئا من الدلجة ": والمراد بالغدو السير من أول النهار , وبالرواح السير من أول النصف الثاني من النهار , والدلجة: سير الليل، يقال: سار دلجة من الليل أي ساعة، فلذلك قال: (شيء من الدلجة) لعسر سير جميع الليل.
وفيه إشارة إلى الحث على الرفق في العبادة , وعبر بما يدل على السير لأن العابد كالسائر إلى محل إقامته وهو الجنة.
قوله " والقصدَ القصدَ " أي: الزموا الطريق الوسط المعتدل , واللفظ الثاني للتأكيد " انتهى باختصار.
"فتح الباري" (١١/٢٩٧،) .
والخلاصة: ندعوك للتفكر في الأحاديث السابقة، والتأمل في معناها، واعلم أن التوبة بحاجة إلى شكر، وأعظم الشكر أن تداوم على بقائها، ولا يكون ذلك إلا بالمداومة على العمل والطاعة، واعلم أن (أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ) رواه البخاري ومسلم، فلا تبدأ بقوة ولا تفتر بالمرَّة، بل اقتصد في الطاعة، وهذا في مقدورك، وكلما رأيت من نفسك نشاطا فاجعله في طاعة الله، وكلما رأيتَ فتوراً ومللاً فارجع إلى التوسط، ونسأل الله أن ييسر أمرك، ويهديك لأحسن الأقوال والأعمال والأخلاق.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12778
مسلمة متعلقة بشاب هندوسي وتريد أن تنساه
[السُّؤَالُ]
ـ[مضى علي ٧ أعوام وأنا أحب شابا. وهو يعارض ديني حيث إنه هندوسي. وبعد محاولات كثيرة تمكنت من إقناعه بالإسلام، وقد وافق، لكنه غير رأيه الآن وأخذ يسيء إلي بصورة مستمرة كما أنه يتجاهلني لأنه غني. وأظن أن علي أن أتركه، لكني لا أقدر على ذلك لأني أحبه كثيرا وأخاف من تركه. لقد اهتم بي منذ ٤ سنوات، فأنا أقيم بمفردي بعيدا عن أهلي من أجل الدراسة. أرجو أن تقترحوا علي دعاءً قويا كي أنجح في وظيفتي وحتى أنسى بالكلية هذا الشخص الذي يداوم على إيذائي وتجاهلي.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
يجب أن تبادري بالتوبة إلى الله تعالى، والتضرع إليه أن يغفر لك ويتجاوز عنك، فقد أسأت لنفسك ولدينك، وقضيت هذه الفترة الطويلة من عمرك في معصية الله، وزين لك الشيطان سوء عملك، وزعمت أنك تريدين دعوة هذا العابث إلى الإسلام، وكان عليك أن تدعي نفسك إلى تقوى الله تعالى والخوف منه والحذر من عقابه.
وإنها والله لبلية عظيمة أن يفرط الآباء والأمهات في حفظ بناتهم، ويتركونهن عرضة للذئاب المفترسة، بحجة الدراسة، فأين الغيرة يا أهل الإسلام، وأين أنتم من الأمانة التي ستسألون عنها غدا بين يدي الله؟
إن بقاءك بعيدة عن أهلك كان بداية الشر، ثم تعرفك على هذا الشاب، ومحبتك له، ثم تعلقك به، حتى صرت تخافين من تركه والبعد عنه، كل هذا مما يجب أن تتوبي منه إلى ربك، قبل أن يفجأك الموت وأنت على هذه الحال، واحمدي الله تعالى أن في قلبك بقية من الحياة، دعتك إلى أن تسألي، وتحاولي الخروج من هذا البلاء العظيم، نسأل الله أن ينقذك وأن يسلمك.
ثانيا:
إن أمامك خطوات لابد منها لتتخلصي من هذه العلاقة الآثمة، التي قد توردك المهالك في الدنيا والآخرة:
١- أن تعزمي عزما أكيدا على قطع هذه العلاقة، خوفا من الله تعالى، ورجاء أن يغفر لك ما مضى، وليس لأن الشاب قد تجاهلك وآذاك، بل لأن ربك العظيم له حق عليك، وأنت مؤمنة يجب أن تسعي لمرضاته والبعد عن مخالفته.
٢- أن تقطعي كل وسيلة للاتصال بينكما، وأن تغيري محل إقامتك إن استطعت، بل أن تعودي إلى أهلك حتى ييسر الله لك الانشغال عنه ونسيانه، وثبات قلبك على تركه.
٣- أن تنشغلي بطاعة الله تعالى، من المحافظة على الصلاة والصيام والذكر وقراءة القرآن، فإن النفس إن لم تشغليها بالطاعة، شغلتك بالمعصية. والشيطان قريب من العبد المقصر المفرط في عبادته ودينه.
٤- أن لا تفكري في شأن هذا الشاب مطلقا، ولا في مسألة دعوته إلى الإسلام، فإن هذا من مداخل الشيطان، ليوقعك في غضب الله وسخطه.
٥- أن تتذكري انتماءك لهذا الدين العظيم، فلا تشمِّتي به هذا الفاجر، وأن تعلمي أنه واجب على كل مسلم أن يتبرأ من الكافرين، وألا يكون في قلبه مودة لأحد منهم، كما قال تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) المجادلة/٢٢.
٦- أن تبحثي عن بعض الصديقات الصالحات، ليكنّ عونا لك على طاعة الله، وحاجزا بينك وبين معصية الله، وأن تكثري من سماع أشرطة المواعظ والرقائق، عن الجنة والنار والموت وعذاب القبر، ليزداد يقينك، ويعظم خوفك، وتدركي حقارة الدنيا وما فيها، وعظمة الآخرة وما أعد الله لأهلها.
٧- أن تكثري من دعاء الله تعالى وسؤاله أن يصرف عنك السوء، وينجيك من الفتن، ومن ذلك أن تقولي: اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي. اللهم طهر قلبي وحصن فرجي، اللهم اصرف عني كيد الشيطان. اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. والمهم أن يكون ذلك بتضرع وتذلل وحضور قلب، وأن تختاري أوقات الإجابة، كما بين الأذان والإقامة، وأثناء السجود، وفي الثلث الأخير من الليل، وليس المهم أن يكون الدعاء بألفاظ محفوظة، ولكن سلي الله حاجتك باللغة التي تستطيعين، معلنة فقرك وحاجتك إلى الله، سائلة له أن ينقذك، ويطهرك، ويصرف عنك السوء، ويسترك بستره الجميل في الدنيا والآخرة.
نسأل الله تعالى أن يهديك، ويتوب عليك.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12779
ارتكب معصية يؤنبه ضميره عليها
[السُّؤَالُ]
ـ[شاب يسأل فيقول: إنه كان يرتكب بعض المعاصي وتاب إلى الله ، ولكن هناك معصية ما زالت تؤنب ضميره وهو أنه فعل الزنا في بكر، وهو يسأل ماذا يصنع؟ فهو لا يستطيع أن يتزوجها، وهذا الأمر قد سبب له آلاماً نفسية وعيشة مضطربة، فما رأي فضيلتكم في هذا؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الذي نرى أن الإنسان إذا تاب من أيِّ ذنب فإن الله يتوب عليه، لأن الله ذكر أصول المعاصي وهي الذنوب الكبيرة العظيمة في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ) وهذا الشرك (وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ) وهذا القتل (وَلا يَزْنُونَ) وهذا فعل الفاحشة، عدوان على الله وعلى النفوس وعلى الأعراض، ثم قال: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) الفرقان/٦٨-٧٠.
فالواجب على الإنسان أن يتوب توبة نصوحاً تكتمل فيها الشروط الخمسة المعروفة، وهي الندم والإقلاع والعزم على ألا يعود في المستقبل، والإخلاص وهو الأصل، وأن تكون التوبة قبل فوات الأوان، فإذا استكملت هذه الشروط الخمسة في حقه فهي توبة نصوح، يمحو الله بها كل ما سلف من ذنوبه حتى الزنا.
أما بالنسبة للمزني بها، فإن كان باختيارها فهي تسأل عن ذلك بنفسها، وإن كان إكراهاً فعلى الذي أكرهها أن يتوب إلى الله من هذا الإكراه، وإذا تمكن من أن يستحلها فليفعل، وإذا لم يتمكن فليكثر من الاستغفار لها، والله غفور رحيم.
أما ما حصل من إذهاب بكارتها بهذا الزنا، وأنها ستكون في حرج عظيم، لأنها إذا خطبت على أنها بكر كشف أمرها في ليلة البناء، وأما إذا قالت: إنها زالت بكارتها، تناولتها الألسن وجلبت بذلك الفضيحة لأهلها، وإن سكتت كان في هذا شيء من الغش بالنسبة للزوج الذي يتزوجها، لكن أرجو من الله إن كانت توبة هذا الشاب توبة صادقة، وكانت المرأة أيضاً توبتها صادقة أن يجعل الله لهما فرجاً ومخرجاً.
وأما قولك في السؤال: إنه لا يمكن أن يتزوج بها فلا أدري لماذا؟ فإذا تابا وتيسر له أن يتزوج بها فحسن، وإذا لم يتيسر، فسيجعل الله لها فرجاً ومخرجاً ما دامت توبتها صادقة، لأن الله تعالى قال: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً) الطلاق/ ٢، وهذا عام، وقال تعالى أيضاً: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) الشورى/٢٥.
[الْمَصْدَرُ]
فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين من "لقاءات الباب المفتوح" (٣/٣٣٥-٣٣٦) .
стр. 12780
ضم أخته وهما عاريان
[السُّؤَالُ]
ـ[عندما كان عمري ١٣ سنة وكنت بالغاً قمت بضم أختي وهي عارية وقد تلامس الفرجان ولكن لم يحصل إدخال، الآن وقد أصبح عمري ٢٣ سنة أشعر بالتعاسة بسبب ما حصل وأريد أن أعرف هل يجب أن يطبق على الحد؟ وإذا تبت فهل يجب أن أعترف بما فعلت ليقام علي الحد؟ أم أن التوبة تكفي؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الواجب عليك أن تتوب إلى الله تعالى من هذا العمل القبيح المنكر، وأن تندم عليه، وتعزم على عدم العود لشيء من ذلك، ومن تاب تاب الله عليه، كما قال النبي ﷺ : " ويتوب الله على من تاب" رواه البخاري ٦٤٢٦ ومسلم ١٠٤٨.
والتوبة واجبة من الذنب العظيم الذي أرتكبته، نسأل الله أن يعفو عنا وعنك، وأن يوفقك للتوبة الصادقة النصوح.
وحق لك أن تشعر بالتعاسة والخزي، فإن الرجل يحمي أهله، ويُقاتل دفاعا عن عرضه (ومن قُتل دون عرضه فهو شهيد) ، فكيف يكون هو الجاني المعتدي الآثم، ولعل هذا الحدث يزيدك يقينا بأهمية تربية الأبناء وتنشئتهم على الأخلاق والقيم، والتفريق بينهم في المضاجع، وإبعادهم عن أسباب الرذيلة، ووسائل المنكر التي تهيج فيهم الغريزة، وتقودهم إلى الهاوية.
وننصحك بعد هذا كله أن تستر على نفسك وألا تخبر أحداً بما جرى، وليس عليك حدٌ، بل عليك التوبة النصوح، وأكثر من الأعمال الصالحة فـ (إن الحسنات يذهبن السيئات) .
والله اعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →