Полный текст (16 344 стр.). Показаны 12881–12920 · переход к 12886.
стр. 12881
تعليق الدعاء على الإخلاص في عمل معين
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز أن يدعو الإنسان: اللهم إن كنت مخلصا في عملي هذا فنجحني، مثلا، أو فأتممه لي؟ أي ربط استجابة الدعاء بالإخلاص في العمل، أي إن استجاب الله وتم العمل المعين فهذا دليل على أن الله قد قبله، وأنه مخلص به، وإن لم يستجب الله فهو دليل على عدم إخلاص الداعي؛ لأنه ربط الإخلاص في دعائه بحدوث أو تمام العمل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يجوز أن يدعو الإنسان فيقول في دعائه: اللهم إن كنت مخلصاً في عملي هذا فنجحني فيه، أو: فأتمه لي.
وقد ورد مثل ذلك في حديث الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار، فسألوا الله بأعمالهم الصالحة، فكان كل منهم يقول في دعائه: (اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه) ، فاستجاب الله تعالى دعاءهم. وننقل هنا نص الحديث:
عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:
(انْطَلَقَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَتَّى أَوَوْا الْمَبِيتَ إِلَى غَارٍ، فَدَخَلُوهُ، فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنْ الْجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمْ الْغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ.
فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَكُنْتُ لَا أَغْبِقُ – الغَبُوق: شرب اللبن آخر النهار - قَبْلَهُمَا أَهْلًا وَلَا مَالًا، فَنَأَى – أي: بَعُدَ - بي فِي طَلَبِ شَيْءٍ يَوْمًا، فَلَمْ أُرِحْ عَلَيْهِمَا حَتَّى نَامَا، فَحَلَبْتُ لَهُمَا غَبُوقَهُمَا، فَوَجَدْتُهُمَا نَائِمَيْنِ، وَكَرِهْتُ أَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلًا أَوْ مَالًا، فَلَبِثْتُ وَالْقَدَحُ عَلَى يَدَيَّ أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا، حَتَّى بَرَقَ الْفَجْرُ فَاسْتَيْقَظَا فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا.
اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ.
فَانْفَرَجَتْ شَيْئًا لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ.
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ :
وَقَالَ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ، كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَأَرَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا، فَامْتَنَعَتْ مِنِّي حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنْ السِّنِينَ، فَجَاءَتْنِي فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِهَا فَفَعَلَتْ، حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا قَالَتْ: لَا أُحِلُّ لَكَ أَنْ تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ. فَتَحَرَّجْتُ مِنْ الْوُقُوعِ عَلَيْهَا فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهِيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَيْتُهَا.
اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ.
فَانْفَرَجَتْ الصَّخْرَةُ غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْهَا.
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ :
وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ فَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ، فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الْأَمْوَالُ، فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَدِّ إِلَيَّ أَجْرِي. فَقُلْتُ لَهُ: كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَجْرِكَ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالرَّقِيقِ. فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَسْتَهْزِئُ بي. فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ. فَأَخَذَهُ كُلَّهُ فَاسْتَاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا.
اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِك فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ.
فَانْفَرَجَتْ الصَّخْرَةُ فَخَرَجُوا يَمْشُونَ) رواه البخاري (٢٢٧٢) ، ومسلم (٢٧٤٣) .
ولكن لا يلزم من ذلك أن الله إذا وفقه في عمله أو أتمه له أن هذا الداعي كان مخلصاً في عمله ذلك، وأنه إذا لم يوفق لم يكن مخلصاً.
لأنه قد يكون مخلصاً في عمله ولكن الله تعالى منعه الإجابة لسبب آخر، كعقوبة له على معصبة فعلها، أو أكله الحرام ... ونحو ذلك.
وقد يكون غير مخلص في عمله ولكن الله يتمه له لسبب آخر غير الدعاء، إما استدراج له، أو أن هذا الدعاء وافق القدر المكتوب سابقاً، فحصل ما قدره الله تعالى، ولكن لا بسبب الدعاء.
وقد يكون ذلك قرينة على إخلاصه في العمل وأن الله تعالى قبل دعاؤه، ولكننا لا يمكننا الجزم بذلك.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12882
هل يجوز للداعي أن يقول: " يا رحمن يا الله " أو " يا تواب يا الله "؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أثناء الدعاء بأسماء الله الحسنى هل تصح هذه الصيغة " اللهم يا رحمن يا الله، يا رحيم يا الله، يا غفور يا الله، يا تواب يا الله " تكرار لفظ الجلالة مع كل اسم من أسماء الله الحسنى؟ هل يعتبر ذلك من الاعتداء؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
التوسل إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى، بين يدي الدعاء، من صيغ التوسل المشروعة، ولا يظهر مانع من أن يتوسل بذكر أحد الأسماء الحسنى، ثم يعقبه بلفظ الجلالة " الله "؛ فاسم الله تعالى " الله " يدل على جميع أسمائه تعالى، فمن دعا الله أو توسل بأسمائه الحسنى، فذكر اسماً من أسمائه دون غيره، أو ذكر أكثر من واحد، أو ذكرَ واحداً ثم أعقبه باسم الله تعالى الجامع لكل الأسماء وهو " الله "، أو اكتفى باسم الله تعالى " الله ": فكل ذلك جائز، ولا يظهر ما يمنع منه، ولا حرج في فعله، وإن كان الأفضل أن يأتي بلفظ الجلالة (الله) أولا، ثم يردفه بما يناسب المقام من الأسماء الحسنى، فيُحسن اختيار الاسم المناسب لحاجته، فالرحمن، والغفور، والتواب: يُدعى بها في حال طلب المغفرة، والعفو عن الزلات، والقوي، والقهار، العزيز: يُدعى بها في حال طلب النصرة، وهكذا.
قال الشيخ ابن باز ﵀:
وهكذا استعمال " يا لطيف "، أو " يا الله "، أو نحو ذلك بعدد معلوم يَعتقد أنه سنَّة: لا أصل لذلك، بل هو بدعة، ولكن يُشرع الإكثار من الدعاء بلا عدد معين، كقوله: " يا لطيف الطف بنا، أو اغفر لنا، أو ارحمنا، أو اهدنا "، ونحو ذلك. وهكذا يا الله، يا رحمن، يا رحيم، يا غفور، يا حكيم، يا عزيز، اعف عنا، وانصرنا، وأصلح قلوبنا وأعمالنا، وما أشبه ذلك؛ لقول الله سبحانه: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) غافر/ ٦٠، وقوله : (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) البقرة/ ١٨٦؛ ولكن بدون تحديد عدد لا يزيد عليه ولا ينقص. إلا ما ورد فيه تحديد عن النبي ﷺ .
" فتاوى الشيخ ابن باز " (٢٦ / ١٧٦، ١٧٧) .
وللمزيد حول أسماء الله الحسنى: انظر أجوبة الأسئلة: (١٣٩٢) و (٧٢٨٧٠)
و (٩٩٦٢٤) و (١٠٤٤٨٨) .
على أن ما يفعله بعض الأئمة من المبالغة في ذلك الباب، وتعمد الإتيان بالأسماء الحسنى جميعا، أو بما يقدر عليه منها، ويردد المأمون خلفه ما يقول، فأقل أحوال أنه خلاف السنة، ونخشى أن يكون ذلك من الاعتداء في الدعاء، وفقدان التضرع فيه.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12883
هل يجزم الداعي بإجابة الله له ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي الطرق التي يستطيع الشخص من خلالها أن يقوي ثقته بالله، وأن يدعو وهو متيقن بالإجابة، فعلى سبيل المثال: عندما أدعو الله بأن يعطيني ثروة ومالاً، في الوقت ذاته أشك في أن الله قد لا يعطيني، إما أنه يؤخر لي هذه الدعوة إلى يوم القيامة، أو أنه يصرف عني بها سوءًا، كما جاء الحديث موضحا لذلك. فهل شعوري هذا يخدش التوكل، وهل ينافي تيقني بالإجابة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ينبغي على المسلم أن يعرف فقه الدعاء من جهتين:
١- من جهة نفسه وما كُلِّف أن يستحضر في قلبه: فيكون دائم الطمع في كرم الله، مستحضرا سعة خزائنه وعظيم فضله، مستبشرا بما وعد عباده الصالحين من إجابة سؤلهم ومنحهم رغائبهم، فيستعين بذلك قلبه على الثقة بالله، والإيمان بما أخبر عن نفسه من إجابة دعوة الداعي، فينطلق قلبه بالدعاء الصادق المخلص، ولا يثنيه تأخر الإجابة ولا يستبطئها، وبهذا يمتثل ما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: (ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ) رواه الترمذي (٣٤٧٩) وحسنه الألباني في صحيح الترمذي.
٢- أما الجهة الثانية فهي دخول الدعاء في منظومة أقدار الله وحِكَمه في هذا الكون العظيم، فلله في خلقه وأمره من الحكمة البالغة ما تقتضي أن يقدر من الأحداث ما يكرهه البشر، كالفقر والمرض والحروب والكوارث وغير ذلك، وقد لا يُقَدِّر الرب أن يكون الدعاء المعيَّن سببا مباشرا لدفع هذه الشرور، ولكنه – لوعده المؤمنين بإجابة الدعاء – يدخر ذلك عنده أجرا ومثوبة في الآخرة، أو يصرف به شرا آخر عن الداعي، فلن يكون الدعاء دائما سببا في تغيير القدر، وإلا لفسدت الأرض، ولَما تحققت حكمة الله تعالى في مفردات أقداره في هذا الكون العظيم، ولذلك يقول النبي ﷺ : (ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الأخرى، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها. قالوا: إذا نكثر، قال: الله أكثر) رواه أحمد (٣/١٨) ، والترمذي (٣٥٧٣) وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
وقد وجدنا للعلامة ابن الجوزي ﵀ خواطر دقيقة محكمة، يشرح فيها هذا المعنى الذي نريد تقريره، كي لا يخطئ أحد في فهم حقيقة إجابة الدعاء، فيتسخط إن لم يلق من الله الإجابة المباشرة لسؤاله، أو يظن أن الكون رهن إشارة دعائه، وأن الله سيرفعه أعلى من منزلة الأنبياء الذين ابتلوا وعذبوا وتأخرت عنهم الإجابة.
يقول ﵀:
"رأيت من البلاء العجاب، أن المؤمن يدعو فلا يجاب، فيكرر الدعاء وتطول المدة، ولا يرى أثراً للإجابة، فينبغي له أن يعلم أن هذا من البلاء الذي احتاج إلى الصبر. وما يعرض للنفس من الوسواس في تأخير الجواب مرض يحتاج إلى طب. ولقد عرض لي من هذا الجنس، فإنه نزلت بي نازلة، فدعوت وبالغت، فلم أر الإجابة، فأخذ إبليس يجول في حلبات كيده، فتارة يقول: الكرم واسع والبخل معدوم، فما فائدة تأخير الجواب؟ فقلت: اخسأ يا لعين، فما أحتاج إلى تقاضي، ولا أرضاك وكيلاً. ثم عدت إلى نفسي فقلت: إياك ومساكنة وسوسته، فإنه لو لم يكن في تأخير الإجابة إلا أن يبلوك المقدِّر في محاربة العدو لكفى في الحكمة. قالت: فسلني عن تأخير الإجابة في مثل هذه النازلة؟
فقلت: قد ثبت بالبرهان أن الله مالك، وللمالك التصرف بالمنع والعطاء، فلا وجه للاعتراض عليه.
والثاني: أنه قد ثبتت حكمته بالأدلة القاطعة، فربما رأيت الشيء مصلحة والحق أن الحكمة لا تقتضيه، وقد يخفى وجه الحكمة فيما يفعله الطبيب، من أشياء تؤذي في الظاهر يقصد بها المصلحة، فلعل هذا من ذاك.
والثالث: أنه قد يكون التأخير مصلحة، والاستعجال مضرة، وقد قال النبي ﷺ : (لا يزال العبد في خير ما لم يستعجل، يقول دعوت فلم يستجب لي) .
والرابع: أنه قد يكون امتناع الإجابة لآفة فيك، فربما يكون في مأكولك شبهة، أو قلبك وقت الدعاء في غفلة، أو تزاد عقوبتك في منع حاجتك لذنب ما صدقت في التوبة منه. فابحثي عن بعض هذه الأسباب لعلك توقنين بالمقصود.
والخامس: أنه ينبغي أن يقع البحث عن مقصودك بهذا المطلوب، فربما كان في حصوله زيادة إثم، أو تأخير عن مرتبة خير، فكان المنع أصلح. وقد روي عن بعض السلف أنه كان يسأل الله الغزو، فهتف به هاتف: إنك إن غزوت أسرت، وإن أسرت تنصرت.
والسادس: أنه ربما كان فَقْدُ ما تفقدينه سبباً للوقوف على الباب واللجأ، وحصوله سبباً للاشتغال به عن المسؤول. وهذا الظاهر، بدليل أنه لولا هذه النازلة ما رأيناك على باب اللجأ. فالحق علم من الخلق اشتغالهم بالبر عنه، فلذعهم في خلال النعم بعوارض تدفعهم إلى بابه، يستغيثون به، فهذا من النعم في طي البلاء. وإنما البلاء المحض ما يشغلك عنه، فأما ما يقيمك بين يديه، ففيه جمالك ...
وإذا تدبرت هذه الأشياء تشاغلت بما هو أنفع لك من حصول ما فاتك من رفع خلل، أو اعتذار من زلل، أو وقوف على الباب إلى رب الأرباب " انتهى.
"صيد الخاطر" (ص/٢٠-٢١) .
وقال أيضا:
"يبين إيمان المؤمن عند الابتلاء، فهو يبالغ في الدعاء ولا يرى أثراً للإجابة، ولا يتغير أمله ورجاؤه ولو قويت أسباب اليأس، لعلمه أن الحق أعلم بالمصالح، أو لأن المراد منه الصبر أو الإيمان، فإنه لم يحكم عليه بذلك إلا وهو يريد من القلب التسليم لينظر كيف صبره، أو يريد كثرة اللجأ والدعاء، فأما من يريد تعجيل الإجابة ويتذمر إن لم تتعجل فذاك ضعيف الإيمان، يرى أن له حقاً في الإجابة، وكأنه يتقاضى أجرة عمله، أما سمعت قصة يعقوب ﵇، بقي ثمانين سنة في البلاء ورجاؤه لا يتغير، فلما ضم إلى فقد يوسف فقد بنيامين لم يتغير أمله، وقال: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتيني بهمْ جَميعاً) ، وقد كشف هذا المعنى قوله تعالى: (أَمْ حِسِتْتُمْ أَنْ تَدْخُلوا الْجَنّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِيْنَ خَلَوْ مِنْ قَبْلَكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللُّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيب) ، ومعلوم أن هذا لا يصدر من الرسول والمؤمنين إلا بعد طول البلاء وقرب اليأس من الفرج، ومن هذا قول رسول الله ﷺ : (لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل، قيل له: وما يستعجل؟ قال: يقول: دعوت فلم يستجب لي) ، فإياك أن تستطيل زمان البلاء، وتضجر من كثرة الدعاء، فإنك مبتلى بالبلاء، مُتَعَبَّد بالصبر والدعاء، ولا تيأس من روح الله، وإن طال البلاء" انتهى.
"صيد الخاطر" (ص/١٦٨) .
وقد سبق في جواب السؤال رقم: (١٢٦٩٤٦) نقل آخر عن ابن الجوزي فراجعه فهو مفيد.
فحاصل ما نريد الوصول إليه: هو أن المؤمن مطالب ببذل الأسباب، ومنها: الدعاء الصادق، كما هو مطالب أيضا بالتسليم للأقدار، والإيمان بأن حكمة الله قد تقتضي تأخير إجابة دعائه في الدنيا أو عدم ذلك، فلن يكون أحدنا أفضل من أنبياء الله ورسله الذين تأخر عنهم تحقيق سؤلهم ودعائهم، ولكنهم عرفوا أن الدعاء عبادة، وأنهم بسؤالهم الرب يرتقون عنده في درجات العابدين، مع القطع بأن الله تعالى سيجيبهم، ولكن هذه الإجابة لا يلزم أن تكون بإعطائهم ما سألوا في الدنيا، بل قد تكون الإجابة بصرف شيء من السوء عنهم، أو بادخار ذلك لهم في الآخرة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12884
الإلحاح في الدعاء ليس من الاعتراض على القدر
[السُّؤَالُ]
ـ[منذ فترة طويلة تكون لدي حلم، وهو صعب المنال، لكن إيماني بقدرة الله هو ما شجعني على السعي إليه بشتى الطرق.. وحتى هذه اللحظة لم يتحقق حلمي رغم دعائي المتكرر، وفي كل الأوقات، لأكثر من خمس سنين متواصلة لتحقيقه.. وقد حلمت منذ فترة حلما، وقرأت تفسيره في كتاب: أنني ربما أتطلع لأمر ولن أناله ... الآن لم يزل تعلقي بتحقيق حلمي موجودا، ولم ولن أيأس من رحمة الله بي، وأعلم أن التأخير فيه مصلحة لي.. لكنني أتساءل هل أنا ـ بذلك ـ أعترض على الله؟ هل علي أن أستمر بالدعاء لتحقيق هذا الأمر لي؟ أم أنني من المفترض أن أسلم بتفسير الرؤيا وأتوقف عن الدعاء، لأن هذا الأمر لن يتحقق؟ أنا حائرة ولا أعلم إن كان تكراري للدعاء فيه تعدي وعدم إيمان بالقضاء، وهل وجود أمل في قلبي أن رحمة الله واسعة، وأن هذا الأمر سيتحقق، وإن كان متأخرا، فيه سوء أدب مع الله؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نشكر لك في البداية همتك العالية، وطموحك نحو تحقيق ما تحلمين به، ونذكرك مع ذلك بأمور عدة:
الأمر الأول: ضرورة الأخذ بالأسباب، فقد خلق الله الدنيا بنظام السبب والمسبب، وأوجب على الناس العمل في هذه الدنيا ضمن هذا النظام، فمن ألغى الأسباب فقد تعدى على شرع الله وقدره.
الأمر الثاني: الإلحاح في الدعاء مما يحبه الله ويرضاه، وليس فيه اعتراض على القدر، بل هو إصرار على بلوغ المراد ضمن الأسباب المشروعة، والدعاء أحد هذه الأسباب، فهو من قضاء الله وقدره، وهو علامة العبودية، وأمارة الإيمان.
قال ابن القيم: " ومن أنفع الأدوية: الإلحاح في الدعاء " انتهى.
" الجواب الكافي " (ص/٢٥) .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: (يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ: يَقُولُ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي) رواه البخاري (٦٣٤٠) ومسلم (٢٧٣٥)
يقول الحافظ ابن حجر ﵀:
" في هذا الحديث أدب من آداب الدعاء , وهو أنه يلازم الطلب، ولا ييأس من الإجابة؛ لما في ذلك من الانقياد، والاستسلام، وإظهار الافتقار , حتى قال بعض السلف: لأنا أشد خشية أن أحرم الدعاء من أن أحرم الإجابة. وكأنه أشار إلى حديث ابن عمر رفعه: (من فتح له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة) ، الحديث أخرجه الترمذي بسند لين، وصححه الحاكم فوهم.
قال الداودي: يخشى على من خالف وقال قد دعوت فلم يستجب لي أن يحرم الإجابة، وما قام مقامها من الادخار والتكفير انتهى ... وإلى ذلك أشار ابن الجوزي بقوله: اعلم أن دعاء المؤمن لا يرد، غير أنه قد يكون الأولى له تأخير الإجابة، أو يعوض بما هو أولى له عاجلا أو آجلا، فينبغي للمؤمن أن لا يترك الطلب من ربه، فإنه متعبد بالدعاء كما هو متعبد بالتسليم والتفويض " انتهى.
" فتح الباري " (١١/١٤١) .
الأمر الثالث، وهو الأهم فيما نريد تنبيهك إليه:
إذا كان ما تدعين به من أمور الدنيا الفانية، ومما قد يبتلى به الإنسان في حياته بفقد، أو مرض أو فقر ونحو ذلك، فلا نرى لك الحلم به كثيرا، ولا التعلق القلبي العظيم بتحقيقه، فقد خلق الله الدنيا ناقصة اللذات، لا تصفو لأحد، فلا تظني في قلبك أنها تصفو لك، ولو بكثرة الدعاء، وهذه لفتة دقيقة أشار إليها العلامة ابن الجوزي ﵀، كي يستريح من يدعو ولا يستجاب له، وكي لا يقع المسلم في التسخط في آخر المطاف، بل يرضى بالقضاء، ويحتسب أجره عند الله، ويعلم أن ما عند الله خير وأبقى.
يقول ابن الجوزي ﵀:
" من الجهل أن يخفى على الإنسان مراد التكليف، فإنه موضوع على عكس الأغراض، فينبغي للعاقل أن يأنس بانعكاس الأغراض، فإن دعا وسأل بلوغ غرض، تعبد الله بالدعاء: فإن أعطي مراده، شكر، وإن لم ينل مراده فلا ينبغي أن يلح في الطلب؛ لأن الدنيا ليست لبلوغ الأغراض، وليقل لنفسه: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) البقرة/٢١٦، ومن أعظم الجهل أن يمتعض في باطنه لانعكاس أغراضه، وربما اعترض في الباطن، أو ربما قال: حول غرضي لا يضر، ودعائي لم يستجب، وهذا كله دليل على جهله وقلة إيمانه وتسليمه للحكمة، ومن الذي حصل له غرض ثم لم يكدر؟! هذا آدم، طاب عيشه في الجنة، وأخرج منها، ونوح سأل في ابنه فلم يعط مراده، والخليل ابتلي بالنار، وإسحاق بالذبح، ويعقوب بفقد الولد، ويوسف بمجاهدة الهوى، وأيوب بالبلاء، وداود وسليمان بالفتنة، وجميع الأنبياء على هذا، وأما ما لقي نبينا محمد ﷺ من الجوع والأذى وكدر العيش فمعلوم، فالدنيا وضعت للبلاء، فينبغي للعاقل أن يوطن نفسه على الصبر، وأن يعلم أن ما حصل من المراد فلطف، وما لم يحصل فعلى أصل الخلق والجبلة للدنيا، كما قيل:
طبعت على كدر وأنت تريدها ... صفوًا من الأقذاء والأكدَارِ " انتهى.
" صيد الخاطر " (ص/٣٩٩) .
الأمر الرابع:
لا تعولي كثيرا على الرؤى والأحلام، فهي ظنية الدلالة، لا يعتمد في تأويلها على ما في الكتب، ولا يقبل تأويلها من عابر غير عالم ولا بصير، فكيف تبنين عليها قرارا وتتوقفين بسببها عن سعي ونجاح، بل ننصحك بالتوكل على الله، والإلحاح في الدعاء إذا كان في الأمر خير.
والخلاصة: أن هذا الأمر الذي تحلمين به: إن كان مما يقربك من رضوان ربك وجنته، ويباعدك من سخطه وناره: فلا تتركي الإلحاح في الدعاء به، مع الأخذ بما تطيقينه من الأسباب لبلوغه، وإن كان عرضا من الدنيا، من رزق، أو مال، أو إنسان معين، تريدين الزواج منه: فلا نرى لك أن تتعلقي به كل هذا التعلق، سنين طوالا؛ بل فوضي أمرك إلى الله، وانشغلي بما ينفعك، واسأليه أن يقدر لك الخير في أمرك كله.
وانظري جواب الأسئلة التالية: (٩٣٣٩٩) ، (١١٥٩٤٥) ، (١١٧٦٦٥) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12885
لا حرج في طلب الدعاء من قراء المنتدى لمن يمر بضائقة من المسلمين
[السُّؤَالُ]
ـ[نقوم أحياناً في منتدانا - وهو منتدى إسلامي نسائي - بالإعلان أن إحدى الأخوات تمر ببعض الظروف العسيرة، أو أنها مريضة وبحاجة للدعاء، فتدخل الأخوات ويدعين لها , فهل هذا العمل بدعة؟ وهل يعد من الدعاء الجماعي؟ حيث إننا قد خصصنا ساحة لهذا الغرض، وللتواصل، والاطمئنان على بعضنا البعض فيها.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الذِّكر الجماعي الذي جاء التحذير منه في كلام أهل العلم المحققين له صورتان مشهورتان:
الأولى: أن يذكر جميع الحاضرين وِرداً، أو ذِكراً، بصوت واحد.
والثانية: أن يذكر قائد الحلقة شيئاً، ويكرر وراءه الحضور مثل ما قاله.
وليس من ذلك طلب الدعاء الوارد صورته في السؤال؛ وقد كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: (اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ بِالتَّثْبِيتِ، فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ) رواه أبو داود (٣٢٢١) وصححه الألباني في صحيح أبو داود.
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نَعَى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّجَاشِيَّ صَاحِبَ الْحَبَشَةِ، يَوْمَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَقَالَ: (اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ) رواه البخاري (١٢٦٣) ومسلم (٩٥١) .
وعلى هذا؛ فلا يظهر مانع مما تفعله الأخوات في هذا المنتدى، بل هو من الأمور المشروعة لأن فيه الدلالة على الخير، ومساعدة المحتاج.
وقد رغَّب النبي ﷺ في الدعاء للمسلم بظهر الغيب، فقال: (مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ إِلَّا قَالَ الْمَلَكُ وَلَكَ بِمِثْلٍ) رواه مسلم (٢٧٣٢) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
موقع الإسلام سؤال وجواب
стр. 12886
هل دعاء المجنون مستجاب ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل دعاء المجنون مستجاب؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لم يرد في السنة المطهرة ما يدل على أن دعاء المجنون مستجاب، فلا يجوز ادعاء ذلك حتى يثبت به الدليل، وليس في الأدلة ما يشهد لذلك، ولعل أصل هذه الدعوى وارد من الفكرة الصوفية الغالية في المجانين والمجاذيب، أو من غلو بعض العوام في الطرف المقابل في معاملة هؤلاء المجانين، فكثير من الناس من يظلمهم ويؤذيهم بغير حق، وآخرون يظنون أنهم أفضل من العقلاء، أو أن لهم سرا في العبودية، أو مقاما خاصا عند الله.
بل نزيد فنقول إن دعاء المجنون صادر عن غير فهم وعلم، فهو لا يتضمن على معنى الدعاء الذي هو العبادة، والذي يقتضي من الداعي استحضار معاني الألوهية والربوبية والعظمة لله ، واستحضار فقر الداعي وذله وانكساره بين يدي الله، فالمجنون إذا دعا إنما يهذي بكلمات لا يدري ما تعني ولا يقصد ما تتضمن، فهل يسمى مثل ذلك من الدعاء، فضلا عن دعوى قبوله واستجابته عند الله ؟!
لكن بعض هؤلاء المجانين، غير المكلفين، يكون له إدارك في بعض الأمور، فيميز بين من يحسن إليه ويكرمه، وبين من يؤذيه ويهينه، وربما دعا بكلمات طيبة لمن يكرمه ويحسن إليه، وربما دعا ـ أيضا ـ على من يؤذيه ويهينه، وليس ببعيد أن تستجاب دعوته حينئذ؛ خاصة إذا كان مظلوما، يستنصر على ظالمه.
وأما إطلاق القول بأن دعوة المجنون مستجابة: فلا دليل عليه، بل هو من القول على الله بلا علم.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12887
هل يجوز أن يسأل الله أن تكون الفتاة التي توفيت وكان يريد خطبتها عروسا له في الجنة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[توفيت ابنة خالي في حادث، والتي كنت أنوي خطبتها، فهل يجوز أن أدعو الله أن يجعلها عروسا لي في الجنة، أم أن هذا من التعدي في الدعاء؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد للَّه
بداية نسأل الله تعالى أن يتغمد تلك الفتاة برحمته، وأن يدخلها جنته، وأن يرزق أهلها وجميع ذويها الصبر والسلوان.
ونوصيك أخانا السائل بالإحسان إلى والديها، ومساعدتهم على تجاوز محنتهم، ونوصيك في نفسك بالرضا بقضاء الله وقدره، والإيمان بأن لله سبحانه الأمر من قبل ومن بعد، وهو مقدر كل شيء في هذا العالم، له الحكمة البالغة، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
وأما سؤالك عن الدعاء بأن تكون هذه الفتاة زوجك في الجنة: فليس هناك ما يمنع منه، إن شاء الله، ولك أن تدعو به.
وإن كان الذي نختاره لك أن تدعو الله بالرحمة والمغفرة، ورفعة درجتها في الجنة؛ فهذا هو الذي ينفعها منك، وتؤجر ـ أنت ـ عليه، إن شاء الله.
ونخشى عليك من المبالغة في هذا الأمر، أو اللهج بمثل هذا الدعاء، أن يزداد تعلقك بها، فينغص عليك عيشك، أو يشغلك عن طلب ما يعفك في الدنيا من الزواج الحلال. وننبهك ـ حتى لا تسترسل في تعلقك ـ إلى أنها ماتت وهي أجنبية عنك، فاحذر من الاستغراق في مشهد الحزن، والأسف على ما فاتك منها؛ وقد جعل الله لكل شيء قدرا.
ونذكرك بأدب الله لنا في مثل ذلك: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) البقرة /١٥٥-١٥٧.
قال الشيخ السعدي، ﵀:
" أخبر تعالى أنه لا بد أن يبتلي عباده بالمحن، ليتبين الصادق من الكاذب، والجازع من الصابر، وهذه سنته تعالى في عباده؛ لأن السراء لو استمرت لأهل الإيمان، ولم يحصل معها محنة، لحصل الاختلاط الذي هو فساد، وحكمة الله تقتضي تمييز أهل الخير من أهل الشر. هذه فائدة المحن، لا إزالة ما مع المؤمنين من الإيمان، ولا ردهم عن دينهم، فما كان الله ليضيع إيمان المؤمنين، فأخبر في هذه الآية أنه سيبتلي عباده ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾ من الأعداء ﴿وَالْجُوعِ﴾ أي: بشيء يسير منهما؛ لأنه لو ابتلاهم بالخوف كله، أو الجوع، لهلكوا، والمحن تمحص لا تهلك.
﴿وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوَالِ﴾ وهذا يشمل جميع النقص المعتري للأموال من جوائح سماوية، وغرق، وضياع، وأخذ الظلمة للأموال: من الملوك الظلمة، وقطاع الطريق وغير ذلك.
﴿وَالأنْفُسِ﴾ أي: ذهاب الأحباب من الأولاد، والأقارب، والأصحاب، ومن أنواع الأمراض في بدن العبد، أو بدن من يحبه، ﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾ أي: الحبوب، وثمار النخيل، والأشجار كلها، والخضر ببرد، أو برد، أو حرق، أو آفة سماوية، من جراد ونحوه.
فهذه الأمور، لا بد أن تقع، لأن العليم الخبير، أخبر بها، فوقعت كما أخبر. فإذا وقعت انقسم الناس قسمين: جازعين وصابرين، فالجازع، حصلت له المصيبتان، فوات المحبوب، وهو وجود هذه المصيبة، وفوات ما هو أعظم منها، وهو الأجر بامتثال أمر الله بالصبر، ففاز بالخسارة والحرمان، ونقص ما معه من الإيمان، وفاته الصبر والرضا والشكران، وحصل له السخط الدال على شدة النقصان.
وأما من وفقه الله للصبر عند وجود هذه المصائب، فحبس نفسه عن التسخط، قولا وفعلا واحتسب أجرها عند الله، وعلم أن ما يدركه من الأجر بصبره أعظم من المصيبة التي حصلت له، بل المصيبة تكون نعمة في حقه، لأنها صارت طريقا لحصول ما هو خير له وأنفع منها، فقد امتثل أمر الله، وفاز بالثواب، فلهذا قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ أي: بشرهم بأنهم يوفون أجرهم بغير حساب.
فالصابرون هم الذين فازوا بالبشارة العظيمة، والمنحة الجسيمة، ثم وصفهم بقوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ وهي كل ما يؤلم القلب أو البدن أو كليهما مما تقدم ذكره.
﴿قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ﴾ أي: مملوكون لله، مدبرون تحت أمره وتصريفه، فليس لنا من أنفسنا وأموالنا شيء، فإذا ابتلانا بشيء منها، فقد تصرف أرحم الراحمين، بمماليكه وأموالهم، فلا اعتراض عليه، بل من كمال عبودية العبد، علمه، بأن وقوع البلية من المالك الحكيم، الذي أرحم بعبده من نفسه، فيوجب له ذلك، الرضا عن الله، والشكر له على تدبيره، لما هو خير لعبده، وإن لم يشعر بذلك، ومع أننا مملوكون لله، فإنا إليه راجعون يوم المعاد، فمجاز كل عامل بعمله، فإن صبرنا واحتسبنا وجدنا أجرنا موفورا عنده، وإن جزعنا وسخطنا، لم يكن حظنا إلا السخط وفوات الأجر، فكون العبد لله، وراجعا إليه، من أقوى أسباب الصبر.
﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بالصبر المذكور ﴿عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: ثناء وتنويه بحالهم ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ عظيمة، ومن رحمته إياهم، أن وفقهم للصبر الذي ينالون به كمال الأجر، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ الذين عرفوا الحق، وهو في هذا الموضع، علمهم بأنهم لله، وأنهم إليه راجعون، وعملوا به وهو هنا صبرهم لله.
ودلت هذه الآية، على أن من لم يصبر، فله ضد ما لهم، فحصل له الذم من الله، والعقوبة، والضلال والخسار، فما أعظم الفرق بين الفريقين وما أقل تعب الصابرين، وأعظم عناء الجازعين.
فقد اشتملت هاتان الآيتان على توطين النفوس على المصائب قبل وقوعها، لتخف وتسهل، إذا وقعت، وبيان ما تقابل به، إذا وقعت، وهو الصبر، وبيان ما يعين على الصبر، وما للصابر من الأجر، ويُعْلَم حالُ غير الصابر، بضد حال الصابر. وأن هذا الابتلاء والامتحان، سنة الله التي قد خلت، ولن تجد لسنة الله تبديلا وبيان أنواع المصائب. ". انتهى.
" تفسير السعدي" (ص/٧٥) .
وتأمل معنا ـ أخانا الكريم ـ هذا الأدب النبوي، والهدي السلفي:
عَنْ أم المؤمنين: أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:
(مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا؛ إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا) .
قَالَتْ: فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ، قُلْتُ: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؛ أَوَّلُ بَيْتٍ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟!!
ثُمَّ إِنِّي قُلْتُهَا؛ فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ !!
قَالَتْ: أَرْسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ يَخْطُبُنِي لَهُ.
فَقُلْتُ: إِنَّ لِي بِنْتًا، وَأَنَا غَيُورٌ؟
فَقَالَ: أَمَّا ابْنَتُهَا فَنَدْعُو اللَّهَ أَنْ يُغْنِيَهَا عَنْهَا، وَأَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَذْهَبَ بِالْغَيْرَةِ.
رواه مسلم في صحيحه (٩١٨) .
فادع الله أن يأجرك في مصيبتك، وأن يخلف لك خيرا منها، وادع الله ـ أيضا ـ لهذه الفتاة، ولكل موتى المسلمين، بالرحمة والمغفرة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12888
يكره للإمام تخصيص نفسه بالدعاء المشترك دون المأمومين
[السُّؤَالُ]
ـ[هل دعاء الإمام لنفسه في صلاة الجماعة يعتبر خيانة للمأمومين، وهل ذلك جائز، أم إنه يجب أن يدعو للمأمومين؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الدعاء الذي يشترك فيه الإمام والمأمومون في صلاة الجماعة؛ يعني: أن الإمام يدعو، ويؤمن المأمومون، هو الذي يكره فيه للإمام أن يخص نفسه بالدعاء دون المأمومين، وذلك لما جاء عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (ثَلَاثٌ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَهُنَّ: لَا يَؤُمُّ رَجُلٌ قَوْمًا فَيَخُصُّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ دُونَهُمْ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ. وَلَا يَنْظُرُ فِي قَعْرِ بَيْتٍ قَبْلَ أَنْ يَسْتَأْذِنَ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ دَخَلَ. وَلَا يُصَلِّي وَهُوَ حَقِنٌ حَتَّى يَتَخَفَّفَ) .
رواه أبو داود (رقم/٩٠) والترمذي (٣٥٧) وقال حديث ثوبان حديث حسن.
وقد ضعف هذا الحديث ابن خزيمة، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وغيرهم.
انظر: ضعيف أبي داود، للشيخ الألباني (١٢، ١٣) .
وعلى تقدير ثبوت الحديث، فالمراد به ما ذكرناه أولا: أن يخص نفسه في دعاء يشاركه المأمومون فيه.
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن قوله ﷺ : (لا يحل لرجل يؤمُّ قوما فيخص نفسه بالدعاء دونهم فإن فعل فقد خانهم) هل يستحب للإمام أنه كلما دعا الله أن يشرك المأمومين؟ وهل صح عن النبي ﷺ أنه كان يخص نفسه بدعائه في صلاته دونهم؟ فكيف الجمع بين هذين؟
فأجاب:
" ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أنه قال للنبي ﷺ :
(أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب. اللهم نقني من خطاياي كما يُنَقَّى الثوب الأبيض من الدنس. اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد)
فهذا حديث صحيح صريح في أنه دعا لنفسه خاصة وكان إماما، وكذلك حديث علي في الاستفتاح الذي أوله: (وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض - فيه - فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها فإنه لا يصرف عني سيئها إلا أنت)
وكذلك ثبت في الصحيح أنه كان يقول بعد رفع رأسه من الركوع بعد قوله: (لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت)
وجميع هذه الأحاديث المأثورة في دعائه بعد التشهد مِن فعله ومِن أمره لم يُنقَل فيها إلا لفظ الإفراد، كقوله: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال) .
وكذا دعاؤه بين السجدتين وهو في السنن من حديث حذيفة، ومن حديث ابن عباس، وكلاهما كان النبي ﷺ فيه إماما، أحدهما بحذيفة، والآخر بابن عباس.
وحديث حذيفة: (رب اغفر لي، رب اغفر لي) ، وحديث ابن عباس فيه: (اغفر لي، وارحمني، واهدني، وعافني، وارزقني) ونحو هذا.
فهذه الأحاديث التي في الصحاح والسنن تدل على أن الإمام يدعو في هذه الأمكنة بصيغة الإفراد. وكذلك اتفق العلماء على مثل ذلك، حيث يرون أنه يشرع مثل هذه الأدعية.
وإذا عرف ذلك تبين أن الحديث المذكور - إن صح -: فالمراد به الدعاء الذي يؤمِّنُ عليه المأموم: كدعاء القنوت، فإن المأموم إذا أمَّنَ كان داعيا، قال الله تعالى لموسى وهارون: (قد أجيبت دعوتكما) ، وكان أحدهما يدعو والآخر يؤمِّنُ.
وإذا كان المأموم مؤمِّنًا على دعاء الإمام، فيدعو صيغة الجمع كما في دعاء الفاتحة في قوله: (اهدنا الصراط المستقيم) ، فإن المأموم إنما أمَّن لاعتقاده أن الإمام يدعو لهما جميعا، فإن لم يفعل فقد خانَ الإمامُ المأمومَ.
فأما المواضع التي يدعو فيها كل إنسان لنفسه، كالاستفتاح، وما بعد التشهد، ونحو ذلك، فكما أن المأموم يدعو لنفسه، فالإمام يدعو لنفسه " انتهى باختصار.
" مجموع الفتاوى " (٢٣/١١٦-١١٨)
ويقول العراقي ﵀:
" من أدب الدعاء أنَّ مَن دعا بمجلس جماعةٍ لا يخص نفسه بالدعاء مِن بينهم، أو لا يخص نفسه وبعضَهم دون جميعهم، ويتأكد استيعاب الحاضرين على إمام الجماعة، فلا يخص نفسه دون المأمومين، لما روى أبو داود، والترمذي من حديث ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يؤم رجل قوما فيخص نفسه بدعوة دونهم، فإن فعل فقد خانهم) قال الترمذي: حديث حسن.
والظاهر أن هذا محمول على ما لا يشاركه فيه المأمومون، كدعاء القنوت ونحوه، فأما ما يدعو كل أحد به كقوله بين السجدتين: (اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني) فإن كلا من المأمومين يدعو بذلك، فلا حرج حينئذ في الإفراد، إلا أنه يحتمل أن بعض المأمومين يترك ذلك نسيانا أو لعدم العلم باستحبابه، فينبغي حينئذ أن يجمع الضمير لذلك " انتهى باختصار.
" طرح التثريب " (٢/١٣٦-١٣٧)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12889
يقنت عند النازلة بدعاء مناسب للنازلة، ولا يقنت بدعاء القنوت
[السُّؤَالُ]
ـ[بعض الأئمة يدعو في قنوت النوازل بالمغفرة والرحمة أو بدعاء القنوت: (اللهم اهدنا فيمن هديت..) . فما هو المشروع في مثل هذا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
المشروع في قنوت النوازل أن يكون الدعاء مناسباً للنازلة، فلا يُدعى فيه بدعاء القنوت: (اللهم اهدنا فيمن هديت..إلخ) .
وقد دعا النبي ﷺ في النازلة عدة مرات، وكان دعاؤه مناسباً للنازلة التي يقنت لها، فلما دعا لنجاة المستضعفين في مكة قال: (اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، اللَّهُمَّ نَجِّ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ نَجِّ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ نَجِّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) ولما دعا على بعض قبائل العرب لشدة عداوتهم لله ورسوله، قال: (اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ) رواه مسلم (٦٧٥) .
ولما قنت ﷺ على أحياء من العرب غدروا بسبعين من الصحابة وقتلوهم، دعا عليهم باللعنة، وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: (قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهْرًا مُتَتَابِعًا فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ، فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ، يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ، وَيُؤَمِّنُ مَنْ خَلْفَهُ) أخرجه وأبو داود (١٤٤٣) ، وصححه ابن القيم في "زاد المعاد" (١/٢٨٠) ، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود.
وفي لفظ لمسلم (٦٧٩) : (اللَّهُمَّ الْعَنْ بَنِي لِحْيَانَ، وَرِعْلًا وَذَكْوَانَ، وَعُصَيَّةَ عَصَوْا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) .
وفي لفظ للبخاري (٤٠٧٠) من حديث ابن عمر ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ مِنْ الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِنْ الْفَجْرِ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا بَعْدَ مَا يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
"يشرع أن يقنت عند النوازل، يدعو للمؤمنين، ويدعو على الكفار، في الفجر وفي غيرها من الصلوات، وهكذا كان عمر يقنت لما حارب النصارى بدعائه الذي فيه: (اللهم العن كفرة أهل الكتاب ... إلى آخره) . وكذلك علي ﵁ لما حارب قوما قنت يدعو عليهم، وينبغي للقانت أن يدعو عند كل نازلة بالدعاء المناسب لتلك النازلة، وإذا سمى من يدعو لهم من المؤمنين ومن يدعو عليهم من الكافرين المحاربين كان ذلك حسنا" انتهى.
"مجموع الفتاوى" (٢٢/٢٧١) .
وجاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (٩/٤٩) :
"ثبت أن النبي ﷺ كان يقنت في النوازل، يدعو على المعتدين من الكفار، ويدعو للمستضعفين من المسلمين بالخلاص والنجاة من كيد الكافرين وأسرهم" انتهى.
وقال الشيخ ابن عثيمين في "الشرح الممتع" (٤/٤٥) : "يقنتُ بدُعاءٍ مناسبٍ للنَّازلة التي نزلت، ولهذا كان الرَّسول ﷺ يدعو في هذا القُنُوتِ بما يناسب النَّازلة، ولا يدعو فيقول: (اللَّهُمَّ اهْدِني فيمن هَديت) كما يفعله بعضُ العامَّة، ولم يَرِدْ عن الرَّسول ﷺ أبداً لا في حديث صحيح ولا ضعيف أنه كان يقول: (اللهم اهْدِني فِيمَنْ هَدَيت) في الفرائض، إنما يدعو بالدُّعاء المناسب لتلك النَّازلة، فمرَّةً دعا ﷺ لقوم مِن المستضعفين أنْ ينجِّيهم اللهُ حتى قدموا" انتهى.
فعلى هذا؛ يختار المصلي الدعاء المناسب للنازلة ويدعو به.
ومن دعا بدعاء النبي ﷺ ؛ لأنه يناسب نازلة المسلمين كأن يقول في مثل مصابنا هذه الأيام: (اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين في غزة، اللهم انصرهم، اللهم اشدد وطأتك على اليهود والنصارى، ومن شايعهم وأعانهم، اللهم العنهم، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف) فقد أحسن؛ لأن دعاء النبي ﷺ أفضل وأجمع ما يدعى به.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12890
على المسلمين أن يدعو لإخوانهم في غزة في الصلوات وغيرها
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يستحب القنوت في الصلوات لإخواننا في غزة، حتى يرفع الله عنهم اعتداء اليهود؟ وفي أي صلاة يكون القنوت؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نعم، ينبغي للمسلمين أن يدعو لإخوانهم في غزة، بأن يحفظهم الله وينجيهم، وينصرهم على عدوهم، وأن يهلك اليهود، ومن عاونهم.
فيدعو الإمام جهراً ويؤمن من خلفه، ولو صلى الإنسان الفريضة منفرداً فينبغي أن يقنت أيضاً.
وقد ثبت عن النبي ﷺ القنوت في النوازل في عدة وقائع:
١- فقد غدرت بعض قبائل العرب بسبعين من أصحاب النبي ﷺ وقتلوهم، قال أنس بن مالك ﵁: (فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو فِي الصُّبْحِ عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ وَبَنِي لَحْيَانَ) . أخرجه البخاري (٣٠٦٤) .
٢- وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵄ قَالَ: (كَانَ الْقُنُوتُ فِي الْمَغْرِبِ وَالْفَجْرِ) أخرجه البخاري (٧٩٨) .
٣- وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: (قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهْرًا مُتَتَابِعًا فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ، فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ، يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ، وَيُؤَمِّنُ مَنْ خَلْفَهُ) أخرجه وأبو داود (١٤٤٣) ، وقال ابن القيم: " حديث صحيح " (زاد المعاد ١/٢٨٠) ، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود.
ويستفاد من هذه الأحاديث أمور، منها:
أولاً: مشروعية القنوت في النوازل. قال ابن تيمية ﵀: " القنوت مسنون عند النوازل، وهذا القول هو الذي عليه فقهاء أهل الحديث، وهو المأثور عن الخلفاء الراشدين " انتهى.
"مجموع الفتاوى" (٢٣/١٠٨) .
ثانياً: أن النبي ﷺ قنت في النوازل في الصلوات الخمس كلها، وقنت في الفجر والمغرب، وقنت في الفجر خاصة.
قال ابن تيمية ﵀: " وأكثر قنوته ـ يعني النبي ﷺ كان في الفجر " انتهى.
"مجموع الفتاوى" (٢٢/٢٦٩) .
وقال ابن القيم ﵀: " وكان هديه ﷺ القنوت في النوازل خاصة، وترْكَه عند عدمها، ولم يكن يخصه بالفجر، بل كان أكثر قنوته فيها لأجل ما شرع فيها من التطويل " انتهى.
"زاد المعاد" (١/٢٧٣) .
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
"والحاصل أن القنوت في الفرائض غير مشروع لا في الفجر ولا في غيرها إلا إذا نزلت بالمسلمين نازلة تستحق القنوت لها، فيشرع القنوت لكل مصل في المغرب وفي الفجر، وإن قنت في جميع الصلوات فإن هذا لا بأس به كما رآه بعض أهل العلم فإذا انجلت هذه النازلة توقف عن القنوت" انتهى.
"مجموع فتاوى ابن عثيمين" (١٤/١٧٥) .
ونسأل الله تعالى أن يعجل لإخواننا في غزة بكشف البلاء عنهم، وأن يجعل لهم من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا، وأن يلعن اليهود وأعوانهم ويهلكهم، وأن ينزل بهم بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12891
إلى متى يستمر القنوت في الصلوات عند النازلة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[بعض الأئمة يقنت عند النوازل يوماً أو يومين ثم يتركه، فما هو الوقت الذي ينبغي الاستمرار على الدعاء فيه عند النوازل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
القنوت في الصلوات المفروضة مشروع عند وجود سببه - وهو النازلة تنزل بالمسلمين – فما دامت النازلة موجودة فإنه يُقنت لها، فإذا زال السبب تُرك القنوت؛ لأن النبي ﷺ استمر شهراً يقنت على المشركين، ودعا للمسلمين المستضعفين في مكة، ثم ترك القنوت لما زال سببه بقدوم من قنت لهم، كما يدل على ذلك حديث أبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَنَتَ شَهْرًا إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، يَقُولُ فِي قُنُوتِهِ: (اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، اللَّهُمَّ نَجِّ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ نَجِّ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ نَجِّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ) ثم ذكر أبو هريرة ﵁ أنهم نجوا من أيدي الكفار، وقدموا المدينة، فترك الرسول ﷺ الدعاء لهم. رواه مسلم (٦٧٥) .
قال ابن القيم: " إنما قنت عند النوازل للدعاء لقوم، وللدعاء على آخرين، ثم تركه لما قدم من دعا لهم، وتخلصوا من الأسر، وأسلم من دعا عليهم وجاؤوا تائبين، فكان قنوته لعارض، فلما زال، ترك القنوت " انتهى.
"زاد المعاد" (١/٢٧٢) .
وإذا استمرت النازلة ولم تَزُل، كاحتلال العراق مثلا، أو احتلال فلسطين، فقد ذكر الشيخ ابن عثيمين ﵀ أنه يمكن أن يقال هنا: إنه يدعو شهرا ثم يتركه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12892
يشرع سؤال الله الوقاية من شر ما خلق
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز دعاء الله بأن يحميني من شر ما خلق في هذا الكون , وفي القبر وفي اليوم الآخر؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الالتجاء إلى الله تعالى للحماية والوقاية من كل سوء وشر وأذى من أعظم العبادات، وأفضل الطاعات، فالله يحب المستغيثين به، الملتجئين إليه، المستعيذين بعظمته وقدرته.
قال الله :
(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ. مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ. وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ. وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ. وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ) سورة الفلق/١-٥.
وقوله تعالى: (من شر ما خلق) جاء بصفة العموم، فشمل الاستعاذة من كل شر في الحياة الدنيا كالشيطان ووساوسه، وفي البرزخ كعذاب القبر، وفي الحياة الآخرة كجهنم.
قال الحافظ ابن كثير ﵀:
" (مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ) أي: من شر جميع المخلوقات، وقال ثابت البناني والحسن البصري: جهنم وإبليس وذريته مما خلق " انتهى.
" تفسير القرآن العظيم " (٨/٥٣٥)
وقال العلامة السعدي ﵀:
" أي: (قل) متعوذًا (أَعُوذُ) أي: ألجأ وألوذ وأعتصم (بِرَبِّ الْفَلَقِ) أي: فالق الحب والنوى، وفالق الإصباح. (مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ) وهذا يشمل جميع ما خلق الله من إنس وجن وحيوانات، فيستعاذ بخالقها من الشر الذي فيها، ثم خص بعدما عم، فقال: (وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ) أي: من شر ما يكون في الليل حين يغشى الناس وتنتشر فيه كثير من الأرواح الشريرة والحيوانات المؤذية. (وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ) أي: ومن شر السواحر اللاتي يَسْتعِنّ على سحرِهن بالنفث في العقد التي يعقدنها على السحر. (وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ) والحاسد هو الذي يحب زوال النعمة عن المحسود، فيسعى في زوالها بما يقدر عليه من الأسباب، فاحتيج إلى الاستعاذة بالله من شره وإبطال كيده، ويدخل في الحاسد العاين؛ لأنه لا تصدر العين إلا من حاسد شرير الطبع، خبيث النفس، فهذه السورة تضمنت الاستعاذة من جميع أنواع الشرور عمومًا وخصوصًا. ودلت على أن السحر له حقيقة يخشى من ضرره، ويستعاذ بالله منه ومن أهله " انتهى.
" تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان " (ص/٩٣٧)
وقد علَّمنا النبي ﷺ الاستعاذة بالله من شر ما خلق في بعض الأذكار الشرعية:
عن خولة بنت حكيم أن النبي ﷺ قال: (مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا ثُمَّ قَالَ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ) رواه مسلم (٢٧٠٨)
وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَيَقُولُ: (إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ) .
رواه البخاري (٣٣٧١) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12893
تقييم كتاب " مفاتيح الفرج "
[السُّؤَالُ]
ـ[ما رأيكم في كتاب " مفاتيح الفرج " وقراءة الأدعية الموجودة فيه؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الكتاب اسمه " مِن مفاتيح الفرج لترويح القلوب وتفريج الكروب "، وهو مِن الكتب المعاصرة التي اشتهرت بين كثير من الناس، ولها سوق رائجة في بعض البلدان.
وقد اطلعنا عليه فوجدنا في أصل الكتاب وركنه الكثير من المخالفات الشرعية:
أولا:
مؤلفه غير معروف ولا مشهور، يُسمَّى في بعض الطبعات بـ " محمد عطية خميس، وعبد الوهاب ميت كيس "، وهذه أسماء غير معروفة بالعلم الشرعي والتحقيق، ولا يكاد يعرف عنها خبر ولا أثر، بل لا يظهر اسم المؤلف في كثير من الطبعات، وهذا كاف في الشك في موضوع الكتاب وما فيه من أخبار.
ثانيا:
ركن الكتاب الأول هو التقول على الله بغير علم، فقد ملأه بدعاوى أنَّ مَن قال كذا حصل له كذا وكذا، ومن قرأ الآيات الفلانية وقاه الله من جميع المصائب، وهذا كله من التقول على الله بغير علم، إذ لا يجوز أن ينسب إلى كتاب الله إلا ما نسبه إليه الشرع.
ثالثا:
ركن الكتاب الثاني هو الأحاديث الموضوعة والمكذوبة، بل التي لا أصل لها ولم يروها أهل العلم في كتب السنة المعتمدة، من ذلك مثلا:
(من قرأ في ليلة ثلاثا وثلاثين آية لم يضره في تلك الليلة سبع ضار ولا لص فاجر، وعوفي في نفسه وماله وأهله حتى يصبح) أورده (ص/٨)
(من قرأ آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة عند الكرب أغاثه الله) أورده (ص/١١)
(من قرأ في مصبح أو ممسى قل ادعو الله أو ادعوا الرحمن إلى آخر السورة لم يمت في ذلك اليوم ولا تلك الليلة) أورده (ص/١١)
رابعا:
ركن الكتاب الثالث هي الرؤى والمنامات، وهذه لا يجوز أن تعتمد في الأحكام الشرعية على أنها مصادر تشريع، بل الانسياق وراءها، وشغل الناس بها، وتقديرهم للحق والباطل، والصواب والخطأ، من أعظم أودية الباطل والضلال، دع أن يأخذوا من ذلك حكما شرعيا، في عبادة أو عقيدة، فهذا أولى بالضلال والعياذ بالله.
خامسا:
ركن الكتاب الخامس هو الابتداع في تحديد أعداد المرات التي تقرأ فيها الأذكار والآيات، فقال مثلا: تقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم " (٧٨٦) مرة وذلك لقضاء الحوائج.
وفي (ص/٢٠) قال: " من كانت له حاجة فليقرأ فاتحة الكتاب أربعين مرة بعد صلاة المغرب حتى يتم القراءة، وقبل أن يقوم من مقامه فإن حاجته تقضى لا محالة "
وأيضا قال: " من قرأ (قل هو الله أحد) (٣٦٢٦) مرة، وهو على وضوء مستقبلا القبلة، لم يكلم فيها أحدا قضى الله حاجته بالغة ما بلغت " انتهى.
سادسا:
فيه من العبارات التي تشتبه بعبارات الباطنية التي لا يُعرَف معناها، ولا يشهد لها شيء من الشريعة، كقوله: أسألك بملوك بسم الله الرحمن الرحيم. أسألك بابتداء بسم الله الرحمن الرحيم. أسألك بأسرار بسم الله الرحمن الرحيم. (ص/١٢)
وفي (ص/١٩) : " اللهم إني أسألك باسمك المخزون المكنون ".
سابعا:
يرجع إلى بعض كتب الخرافات، أو السحر والكفر والشعوذة، فينقل في (ص/١٤، ٢٣) عن البوني في: " شمس المعارف ". وينقل في (ص/٧٠) عن أحمد البدوي، وعن أحمد زيني دحلان، وغيرهم.
وابتداعات أخرى كثيرة لا تكاد تحصى في مثل هذا الجواب المختصر:
يقول الشيخ مشهور حسن سلمان:
" هذا الكتاب جمعه مؤلفه من مجموعة من كتب الأوراد الصوفية التي تحتوي على أباطيل وأكاذيب وخرافات.
ففيه صلوات مبتدعة مثل: صلاة الحاجة لألف حاجة، وصلاة دواء الشدة، وصلاة الضائع والآبق، وصلاة جلال، وصلاة الفاتح، وصلاة الحبيب المحبوب، والصلاة التفريجية، والصلاة المنجية ... إلخ.
وفيه توسلات مبتدعة، مثل: توسله بالنبي ﷺ ، وبالأنبياء، وبأهل البيت، وبالسيدة زينب.
وفيه أوراد مخترعة، وتخصيص سور معينة بعدد معين بالشفاء، وأنها منجيات بدون دليل شرعي.
وفيه الشيء الكثير من الأحاديث الموضوعة والمكذوبة على رسول الله ﷺ ، والتي لا تصح نسبتها إليه، مثل حديث: (لما أذنب آدم الذنب الذي أذنبه رفع رأسه إلى العرش فقال: أسألك بحق محمد إلا غفرت لي) موضوع كما قال الذهبي وغيره.
وفيه ادعاءات مزعومة بأن جامع كذا وقبر كذا يستجاب عنده الدعاء، مثل زعمه بأن جامع عمرو بن العاص بالقاهرة من الأماكن التي يستجاب فيها الدعاء، وكذا قبر الإمام أحمد الدردير بالقاهرة، وقبر السيدة زينب " انتهى.
" كتب حذر منها العلماء " (٢/٢١١)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12894
حكم الدعاء بغير العربية
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز له الدعاء باللغة الإنجليزية؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"يجوز للشخص أن يدعو الله جل وعلا باللغة التي يعرفها، من لغة عربية أو انجليزية أو أوردية أو غيرها من اللغات؛ لقوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) البقرة/٢٨٦، وقوله سبحانه: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) التغابن/١٦.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (٧/١١٣) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12895
هل هناك دعاء مشروع عند حدوث الزلزال ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو الدعاء الواجب قوله عند وقوع الزلزال؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الزلازل من آيات الله العظام في هذا الكون، يبتلي بها عباده تذكيرا أو تخويفا أو عقوبة، وعلى الإنسان أن يتذكر حين وقوع هذه الآيات ضعفه وعجزه وذله وافتقاره بين يدي الله تعالى، فيلجأ إلى الله بالدعاء والتضرع والاستكانة لعل الله يكشف هذا البلاء العظيم عن عموم الناس.
يقول الله : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ. فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) الأنعام/٤٢-٤٤.
ولذلك استحب الفقهاء ﵏ الإكثار من الاستغفار والدعاء والتضرع والتصدق عند وقوع الزلازل، كما هو المستحب عند حصول الكسوف والخسوف:
قال العلامة زكريا الأنصاري ﵀:
" ويستحب لكل أحد أن يتضرع بالدعاء ونحوه عند الزلازل ونحوها من الصواعق والريح الشديدة، وأن يصلي في بيته منفردا لئلا يكون غافلا ; لأنه ﷺ كان إذا عصفت الريح قال: (اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به) رواه مسلم " انتهى.
"أسنى المطالب شرح روض الطالب" (١/٢٨٨) ، وانظر: "تحفة المحتاج" (٣/٦٥) .
وانظر جواب السؤال رقم: (٢٥٩٣) .
ولكن ليس في السنة النبوية ـ فيما نعلم ـ دليل على استحباب ذكر أو دعاء معين عند حدوث الزلازل، وإنما يدعو بما يفتح الله عليه مما فيه طلب الرحمة والغوث من الله ، كي يصرف عن الناس هذا البلاء.
قال الشيخ ابن باز ﵀:
" الواجب عند الزلازل وغيرها من الآيات والكسوف والرياح الشديدة والفياضانات البدار بالتوبة إلى الله سبحانه , والضراعة إليه وسؤاله العافية , والإكثار من ذكره واستغفاره، كما قال ﷺ عند الكسوف: (فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره) متفق عليه، ويستحب أيضا رحمة الفقراء والمساكين والصدقة عليهم؛ لقول النبي ﷺ : (ارحموا ترحموا) رواه أحمد، (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) رواه الترمذي، وقوله ﷺ : (من لا يرحم لا يرحم) رواه البخاري، وروي عن عمر بن عبد العزيز ﵀ أنه كان يكتب إلى أمرائه عند وجود الزلزلة أن يتصدقوا.
ومن أسباب العافية والسلامة من كل سوء , مبادرة ولاة الأمور بالأخذ على أيدي السفهاء , وإلزامهم بالحق، وتحكيم شرع الله فيهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال : (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) التوبة/٧١، وقال : (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) الحج/٤٠-٤١، وقال سبحانه: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) الطلاق/٢-٣. والآيات في هذا المعنى كثيرة " انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (٩/١٥٠-١٥٢) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12896
هل يدعو الله قائلاً: يا معين، أو: يا ميسر، أو: يا مسهل ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز قول الإنسان عند الاستعانة بالله : يا معين، يا رب، أو عند طلب التيسير: يا مسهل، أو يا ميسر يا رب، وما الضابط في ذلك؟ وما حكم من يقول: ذلك ناسيا أو جاهلا أو متعمدا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" يجوز لك أن تقول ما ذكرت؛ لأن المقصود من المعين والمسهل والميسر في ندائك هو الله ؛ لتصريحك بقولك: يا رب، آخر النداء، سواء قلت ذلك ناسيا أو جاهلا أو متعمدا.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم " انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (١/١٦٠) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12897
ادع لنفسك ولا تطلب ذلك من غيرك
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز أن أطلب من رجل أظن فيه الصلاح والتقوى أن يدعو لي؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
طلب الدعاء من الغير ـ وإن كان جائزاً ـ، إلا أن الأفضل أن يدعو الإنسان لنفسه، ولا يطلب من أحد أن يدعو له، كما أن طلب الرقية جائز، وليس حراماً، إلا أن الأفضل للمؤمن أن لا يطلب من أحد أن يرقيه، ولهذا أخبر النبي ﷺ عن السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب أنهم لا يسترقون. رواه البخاري (٦٤٧٢) ، ومسلم (٢١٨) .
وإذا طلب المسلم من أخيه أن يدعو له وكان قصده نفع المطلوب منه ذلك، لأنه سيقوم بهذه العبادة وهي (الدعاء) ويحسن إلى أخيه، وقد يدعو له بظهر الغيب، فيكون له مثل ما دعا به، فإن ذلك لا بأس به. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" فالدعاء للغير ينتفع به الداعي والمدعو له ...
فمن قال لغيره: ادع لي، وقصد انتفاعهما جميعاً بذلك كان هو وأخوه متعاونين على البر والتقوى، فهو نبه المسؤول وأشار عليه بما ينفعهما , والمسئول فعل ما ينفعهما، بمنزلة من يأمر غيره ببر وتقوى ; فيثاب المأمور على فعله، والآمر أيضاً يثاب مثل ثوابه ; لكونه دعا إليه ...
وإن كان قصده مصلحة المأمور، أو مصلحته ومصلحة المأمور، فهذا يثاب على ذلك، وإن كان قصده حصول مطلوبه من غير قصد منه لانتفاع المأمور، فهذا من نفسه أُتي، ومثل هذا السؤال لا يأمر الله به قط، بل قد نهى عنه، إذ هذا سؤال محض للمخلوق من غير قصده لنفعه ولا لمصلحته، والله يأمرنا أن نعبده ونرغب إليه، ويأمرنا أن نحسن إلى عباده، وهذا لم يقصد لا هذا، ولا هذا، فلم يقصد الرغبة إلى الله ودعائه، ولا قصد الإحسان إلى المخلوق، وإن كان العبد قد لا يأثم بمثل هذا السؤال، لكن فرق بين ما يؤمر به العبد، وما يؤذن له فيه، ألا ترى أنه قال في حديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب: (إنهم لا يسترقون) . وإن كان الاسترقاء جائزاً " انتهى باختصار من "مجموع الفتاوى" (١/١٣٣، ١٣٤) .
وقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: ما الحكم إذا رأينا شخصاً نتوخى فيه الصلاح وطلبنا منه أن يدعو لنا؟
فأجاب:
" طلب الدعاء من شخص ترجى إجابة دعائه: إن كان لعموم المسلمين - فلا بأس به؛ مثل أن يقول شخص لآخر: ادع الله أن يعز المسلمين، وأن يصلح ذات بينهم، وادع الله أن يصلح ولاتهم وما أشبه ذلك. أما إذا كان خاصًا بالشخص السائل الطالب من أخيه أن يدعو له - فهذا قد يكون من المسألة المذمومة؛ إلا إذا قصد الإنسان بذلك نفع أخيه الداعي له؛ وذلك لأن أخاه إذا دعا له بظهر الغيب قال الملك: آمين ولك بمثله.
وكذلك إذا دعا له أخوه فإنه قد أتى إحسانًا إليه؛ والإحسان يثاب عليه، فينبغي عليه أن يلاحظ َمْن طلب مِنْ أخيه أن يدعو له فائدة الأخ الداعي.
على أن طلب الدعاء من الغير قد يترتب عليه مفسدة: وهي أن هذا الغير يعجب بنفسه ويرى أنه أهل لإجابة الدعاء، وفيه أيضًا: أن هذا الطالب من الغير أن يدعو له قد يعتمد على دعاء المطلوب فلا يلح هو على ربه بالدعاء؛ بل يعتمد على دعاء غيره، وكلا المفسدتين شر.
والذي أنصح به إخواني: أن يكونوا هم الذين يدعون الله ؛ لأن الدعاء عبادة والدعاء مصلح للقلب؛ لما فيه من الالتجاء إلى الله والافتقار إليه وشعور المرء بأن الله تعالى قادر على أن يمده بفضله " انتهى.
فضيلة الشيخ ابن عثيمين ﵀.
"فتاوى علماء البلد الحرام" (١٠٦٠) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12898
هل الأفضل الدعاء برفع الضر أم الأفضل الصبر ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز الدعاء برفع الضر من الله ، أم الأفضل الصبر؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا حرج من الدعاء برفع الضرر، بل ذلك أفضل، فقد حثنا الرسول ﷺ على سؤال العافية، فقَالَ: (لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ) رواه البخاري (٧٢٣٧) ، ومسلم (١٧٤٢) .
وكَانَ من دعائه ﷺ إِذَا عَادَ مَرِيضًا قَالَ: (اللَّهُمَّ أَذْهِبْ الْبَأْسَ رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ، فَأَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا) رواه الترمذي (٣٥٦٥) . وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
وجاء عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ يشكو ألما يجده في بدنه فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ، وَقُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ ثَلَاثًا، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ) رواه مسلم (٢٢٠٢) .
وقد ذكر الله تعالى عن صفوة خلقه، وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أنهم دعوه لرفع الضر، قال الله تعالى: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ) الأنبياء/٣٨، ٨٤.
وقال تعالى: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) الأنبياء/٨٧، ٨٨.
وثبت أن النبي ﷺ لما سحره لبيد بن الأعصم اليهودي دعا رسولُ الله ﷺ ربَّه ﵎ أن يعافيه من هذا البلاء.
روى مسلم (٢١٨٩) عَنْ عَائِشَةَ ﵁ قَالَتْ: سَحَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَهُودِيٌّ مِنْ يَهُودِ بَنِي زُرَيْقٍ، يُقَالُ لَهُ: لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ. قَالَتْ: حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ ذَاتَ لَيْلَةٍ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ دَعَا، ثُمَّ دَعَا، ثُمَّ قَالَ: يَا عَائِشَةُ، أَشَعَرْتِ أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ.....إلخ الحديث) .
قال النووي ﵀:
"قَوْله: (حَتَّى إِذَا كَانَ ذَات يَوْم أَوْ ذَات لَيْلَة دَعَا رَسُول اللَّه ﷺ ثُمَّ دَعَا , ثُمَّ دَعَا) هَذَا دَلِيل لِاسْتِحْبَابِ الدُّعَاء عِنْد حُصُول الْأُمُور الْمَكْرُوهَات , وَتَكْرِيره , وَحُسْن الِالْتِجَاء إِلَى اللَّه تَعَالَى" انتهى.
وبهذا يظهر أنه لا تعارض بين الدعاء برفع البلاء والصبر، فإن الله تعالى أمرنا بدعائه والتضرع إليه، ودعاؤنا له عبادة، قال الله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) غافر/٦٠.
وهو الذي أمرنا بالصبر، ووعدنا عليه بالثواب الجزيل فقال: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) الزمر/١٠.
ودعا الرسول ﷺ ربه، وهو ﷺ أكمل الناس صبراً، وأشدهم رضاً بقضاء الله، مما يدل على أن الدعاء لا ينافي الصبر، لأن الصبر هو حبس النفس عن التسخط والاعتراض على القضاء والقدر.
فليس هناك مانع أن يجمع العبد بين عبادتي الصبر والدعاء، بل ذلك هو الأفضل والأكمل، وهو حال نبينا محمد ﷺ .
نسأل الله تعالى أن يلهمنا الفقه في الدين.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12899
هل هناك دعاء تقوله المرأة الحامل لنفسها أو لجنينها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا علمت المرأة أنها حامل، فماذا تفعل كي يكون الجنين في حالة جيدة، أي: هل هناك أذكار تقال في فترة التسعة أشهر؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا نعلم في السنَّة الصحيحة شيئاً من الأدعية خاصاً بالمرأة الحامل أو الجنين، وما ورد في ذلك فلا يعدو عن كونه موضوعاً، أو اجتهاداً من بعض العلماء في ذِكر آيات، وأدعية تناسب الحال، دون أن يُنسب من ذلك شيء للشريعة المطهرة.
١. ومن أمثلة الموضوع الوارد:
ما يُذكر أن فاطمة ﵂ لما دنا ولادها: أمر رسول الله ﷺ أمَّ سلمة، وزينب بنت جحش أن تأتيا، فتقرآ عندها آية الكرسي، و (إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض) إلى آخر الآية، الأعراف/٥٤ ويونس/٣، ويعوذاها بالمعوذتين.
وهو حديث موضوع، انظر "الكلم الطيب" (ص ١٦١) لابن تيمية، تحقيق الألباني.
٢. ومن أمثلة الاجتهاد في الأمر:
سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: هل هناك آيات واردة تقرأ بغرض تسهيل الولادة بالنسبة للمرأة؟
فأجاب:
" لا أعلم في ذلك شيئاً من السنَّة، لكن إذا قرأ الإنسان على الحامل التي أخذَها الطلق ما يدل على التيسير، مثل: (يُرِيدُ الله بِكُم اليُسْرَ وَلَا يُريدُ بِكُم العُسْرَ) ، ويتحدث عن الحمل، والوضع، كقوله تعالى: (وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِه) ، ومثل قوله تعالى: (إِذَا زُلْزِلَت الأرْضُ زِلْزَالَها. وَأَخْرَجت الأرْضُ أَثْقَالَها) : فإن هذا نافع، ومجرب، بإذن الله، والقرآن كله شفاء، إذا كان القارئ والمقروء عليه مؤمِناً بأثره، وتأثيره: فإنه لا بد أن يكون له أثر؛ لأن الله يقول: (وَنُنزِّلُ مِنَ القُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَاّ خَسَاراً) ، وهذه الآية عامة، شفاء، ورحمة، يشمل شفاء القلوب من أمراض الشبهات، وأمراض الشهوات، وشفاء الأجسام من الأمراض المستصعبات " انتهى.
" فتاوى نور على الدرب " (شريط ٢٥٧، وجه: أ) .
http://www.ibnothaimeen.com/all/noor/article_١٢١٠.shtml
ودعاء الوالدة لولدها مستجاب، ويرجى أن ما تدعوه المرأة لجنينها يتقبله الله تعالى منها، إن هي حققت شروط الدعاء، وانتفت موانع الاستجابة.
فينبغي أن تكثر من الدعاء له بالسلامة والاستقامة والهداية والتوفيق للخير وأن يكون باراً بوالديه.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12900
حكم رفع البصر إلى السماء في الدعاء عقب الصلاة
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم النظر في السماء بالدعاء بعد الصلاة المفروضة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
الدعاء بعد الفريضة إن كان مع التزام رفع اليدين، أو كان جماعيا بصوت واحد، أو يدعو الإمام ويؤمن المأمومون، فهذا لا أصل له، وهو من البدع المنتشرة اليوم، وإن خلا من هذه الأشياء فلا حرج فيه؛ لثبوت الدعاء عنه ﷺ قبل السلام من الصلاة وبعده.
وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: هل الدعاء بعد صلاة الفرض سنة؟ وهل الدعاء مقرون برفع اليدين؟ وهل ترفع مع الإمام أفضل أم لا؟
فأجابوا: " ليس الدعاء بعد الفرائض بسنة إذا كان ذلك برفع الأيدي، سواء كان من الإمام وحده، أو المأموم وحده، أو منهما جميعا، بل ذلك بدعة؛ لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ﵃، أما الدعاء بدون ذلك فلا بأس به لورود بعض الأحاديث في ذلك " انتهى.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (٧/١٠٣) .
وقالوا أيضا: " الدعاء جهرا عقب الصلوات الخمس والسنن والرواتب أو الدعاء بعدها على الهيئة الاجتماعية على سبيل الدوام بدعة منكرة؛ لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ شيء من ذلك، ولا عن أصحابه ﵃ " انتهى نقلا من "فتاوى إسلامية" (١/٣١٩) .
وينظر جواب السؤال رقم (٢٦٢٧٩) .
ثانيا:
جاء في النهي عن رفع المصلي بصره إلى السماء: ما روى البخاري (٧٥٠) عن أَنَس بْن مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلَاتِهِمْ فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ: لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ) .
والعلة في ذلك أن رفع البصر أثناء الصلاة ينافي الخشوع، ويعرض المصلي للانشغال بما يراه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " فلما كان رفع البصر إلى السماء ينافي الخشوع حرمه النبي ﷺ وتوعد عليه" انتهى من "القواعد النورانية" (ص ٤٦) .
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " قوله: (ورفع بصره إلى السماء) ، أي: يكره رفع بصره إلى السماء وهو يصلي، سواء في حال القراءة أو في حال الركوع، أو في حال الرفع من الركوع، أو في أي حال من الأحوال؛ بدليل وتعليل: أما الدليل، فلأن النبي ﷺ قال: (لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء في الصلاة، أو لتخطفن أبصارهم) أي: إما أن ينتهوا، وإما أن يعاقبوا بهذه العقوبة وهي: أن تخطف أبصارهم فلا ترجع إليهم، واشتد قوله ﷺ في ذلك ... وأما التعليل: فلأن فيه سوء أدب مع الله تعالى؛ لأن المصلي بين يدي الله، فينبغي أن يتأدب معه، وأن لا يرفع رأسه، بل يكون خاضعا، ولهذا قال عمرو بن العاص ﵁: إنه كان قبل أن يسلم يكره النبي ﷺ كراهة شديدة، حتى كان يحب أن يتمكن منه فيقتله، فلما أسلم قال: ما كنت أطيق أن أملأ عيني منه؛ إجلالا له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت.
ولهذا كان القول الراجح في رفع البصر إلى السماء في الصلاة أنه حرام، وليس بمكروه فقط " انتهى.
"الشرح الممتع" (٣/٢٢٦) .
وأما رفع البصر إلى السماء خارج الصلاة، فلا حرج فيه؛ لعدم ما يدل على المنع منه، بل ذهب بعض الفقهاء إلى أن الرفع هو الأولى.
جاء في "الموسوعة الفقهية" (٨/٩٩) : " نص الشافعية على أن الأولى في الدعاء خارج الصلاة رفع البصر إلى السماء، وقال الغزالي منهم: لا يرفع الداعي بصره إليها " انتهى.
وقال النووي ﵀ في "شرح مسلم": " قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: وَاخْتَلَفُوا فِي كَرَاهَة رَفْع الْبَصَر إِلَى السَّمَاء فِي الدُّعَاء فِي غَيْر الصَّلَاة فَكَرِهَهُ شُرَيْح وَآخَرُونَ , وَجَوَّزَهُ الْأَكْثَرُونَ " انتهى.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: " ولا يكره رفع بصره إلى السماء في الدعاء؛ لفعله ﷺ ، وهو قول مالك والشافعي، ولا يستحب " انتهى.
"الفتاوى الكبرى" (٥/٣٣٨) .
وبَوَّب البخاري ﵀ في صحيحه: باب رفع البصر إلى السماء، وذكر قوله تعالى: (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت) الغاشية/١٧، ١٨، وقول عائشة ﵂: (رفع النبي ﷺ رأسه إلى السماء) ، أي: عند وفاته ﷺ .
ومراد البخاري ﵀ بيان جواز رفع البصر إلى السماء، وأن النهي خاص بحال الصلاة.
ودل على جواز رفع البصر إلى السماء في الدعاء خارج الصلاة: ما رواه مسلم (٢٠٥٥) في قصة شرب المقداد ﵁ لشراب النبي ﷺ دون علمه وفيه: (ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى ثُمَّ أَتَى شَرَابَهُ فَكَشَفَ عَنْهُ فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ شَيْئًا فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقُلْتُ: الْآنَ يَدْعُو عَلَيَّ فَأَهْلِكُ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِي، وَأَسْقِ مَنْ أَسْقَانِي) .
وروى أبو داود (٣٤٨٨) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا عِنْدَ الرُّكْنِ قَالَ: فَرَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَضَحِكَ، فَقَالَ: (لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ ثَلَاثًا، إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ الشُّحُومَ فَبَاعُوهَا، وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْمٍ أَكْلَ شَيْءٍ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ثَمَنَهُ) ، والحديث صححه النووي في المجموع، والألباني في صحيح أبي داود.
والحاصل: أن رفع البصر إلى السماء عند الدعاء خارج الصلاة، جائز لا حرج فيه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12901
الدعاء بتيسير الحرام هل يكون كفرا ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا طلب المرء المعصية من الله (مثلاً يدعو أن ييسر له الزنا) هل هذا الكلام وهذا الطلب كفر؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يجوز للإنسان أن يطلب من الله تعالى تيسير الحرام من الزنا وغيره، لأن الحرام يجب بغضه وكراهته وإنكاره بالقلب في أضعف الأحوال، وطلبه من الله تيسيره له ينافي ذلك، ولهذا كان هذا الدعاء محرماً، ومن الاعتداء في الدعاء.
قال القرافي ﵀ في "الفروق" (٤/٢٩٦) : " القسم الثاني عشر من الدعاء المحرم الذي ليس بكفر: وهو ما استفاد التحريم من متعلقه وهو المدعو به؛ لكونه طلبا لوقوع المحرمات في الوجود. أمّا الداعي فكقوله: اللهم أمته كافرا أو اسقه خمرا أو أعنه على المَكس الفلاني [جباية المال ظلماً] أو وطء الأجنبية الفلانية أو يسر له الولاية الفلانية وهي مشتملة على معصية، أو يطلب ذلك لغيره إما لعدوه، كقوله: اللهم لا تمت فلانا على الإسلام، اللهم سلط عليه من يقتله أو يأخذ ماله , وإما لصديقه فيقول: اللهم يسر له الولاية الفلانية أو السفر الفلاني أو صحبة الوزير فلان أو الملك فلان , ويكون جميع ذلك مشتملا على معصية من معاصي الله تعالى، فجميع ذلك محرم تحريم الوسائل، ومنزلته من التحريم منزلة متعلقه , فالدعاء بتحصيل أعظم المحرمات أقبح الدعاء، ويروى: (من دعا لفاسق بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله تعالى) ، ومحبة معصيته تعالى محرمة فدل ذلك على أن الدعاء بالمحرم محرم " انتهى.
وقال ابن القيم ﵀: " فالاعتداء بالدعاء تارة بأن يسأل ما لا يجوز له سؤاله من الإعانة على المحرمات، وتارة بأن يسأل ما لا يفعله الله، مثل أن يسأله تخليده إلى يوم القيامة، أو يسأله أن يرفع عنه لوازم البشرية من الحاجة إلى الطعام والشراب، أو يسأله أن يطلعه على غيبه، أو يسأله أن يجعله من المعصومين، أو يسأله أن يهب له ولدا من غير زوجة ولا أمة، ونحو ذلك مما سؤاله اعتداء، فكل سؤال يناقض حكمة الله، أو يتضمن مناقضة شرعه وأمره، أو يتضمن خلاف ما أخبر به، فهو اعتداء، لا يحبه الله، ولا يحب سائله " انتهى من "بدائع الفوائد" (٣/٥٢٤) .
ولكن ... يجب أن يُعلم أن العاصي ـ وإن ارتكب المعصية ـ فإنه يجب عليه أن يكون كارهاً لها بقلبه، خائفاً من عقاب الله تعالى، فإن انسلخ من قلبه كراهة المعصية، والخوف من الله، فهذا لا يكون مؤمناً، ويُخشى على من يدعو بتسهيل المحرم له أن ينتهي أمره إلى هذا والعياذ بالله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الإنسان لا يأتي شيئا من المحرمات كالفواحش ما ظهر منها وما بطن، والإثم والبغي بغير الحق، والشرك بالله ما لم ينزل به سلطانا، والقول على الله بغير علم، إلا لضعف الإيمان في أصله أو كماله، أو ضعف العلم والتصديق، وإما ضعف المحبة والبغض، لكن إذا كان أصل الإيمان صحيحا وهو التصديق، فإن هذه المحرمات يفعلها المؤمن مع كراهته وبغضه لها، فهو إذاً فعلها لغلبة الشهوة عليه، فلا بد أن يكون مع فعلها فيه بغض لها، وفيه خوف من عقاب الله عليها، وفيه رجاء لأن يخلص من عقابها، إما بتوبة وإما حسنات، وإما عفو، وإما دون ذلك، وإلا فإذا لم يبغضها، ولم يخف الله فيها، ولم يرج رحمته، فهذا لا يكون مؤمنا بحال، بل هو كافر أومنافق " انتهى من "قاعدة في المحبة" ص ١٠٤.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
стр. 12902
ضوابط طلب الدعاء من الغير وفضل الدعاء بظهر الغيب
[السُّؤَالُ]
ـ[السؤال: ما هي ضوابط أن نطلب من أي أحد أن يدعو لنا؟ ، فمن المعتاد عندنا أننا إذا مررنا بضائقة من امتحانات أو نحوها نطلب ممن حولنا أن يدعوا لنا , فهل في ذلك شيء؟ ، وهل إذا دعونا لأحد – طلب منا الدعاء له - أمامه أو عبر رسائل الجوال مثلاً هل في ذلك شيء أو ينافي الدعاء بظهر الغيب الذي جاء فضله في السنة؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يجوز للإنسان طلب الدعاء من غيره مع مراعاة ما يلي:
١- ألا يعتاد الإنسان ذلك ويتوانى في الدعاء لنفسه.
٢- أن لا يخشى اغترار المطلوب منه، وإعجابه بنفسه.
٣- أن يقصد بذلك نفع نفسه ونفع المطلوب منه، لأن الملائكة تؤمن على دعائه حين يدعو لأخيه بظهر الغيب.
ولا حرج في الدعاء أمام الشخص، أو كتابة ذلك في رسالة، وفي ذلك تطييب لخاطره، وإدخال السرور على نفسه، لكن الدعاء له بظهر الغيب يختص بالفضل الوارد في قوله ﷺ : (مَنْ دَعَا لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ، وَلَكَ بِمِثْلٍ) رواه مسلم (٢٧٣٢) .
قال النووي ﵀: " أَمَّا قَوْله ﷺ : (بِظَهْرِ الْغَيْب) فَمَعْنَاهُ: فِي غَيْبَة الْمَدْعُوّ لَهُ , وَفِي سِرّه ; لِأَنَّهُ أَبْلَغ فِي الْإِخْلَاص ... وَفِي هَذَا فَضْل الدُّعَاء لِأَخِيهِ الْمُسْلِم بِظَهْرِ الْغَيْب. وَلَوْ دَعَا لِجَمَاعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَصَلَتْ هَذِهِ الْفَضِيلَة , وَلَوْ دَعَا لِجُمْلَةِ الْمُسْلِمِينَ فَالظَّاهِر حُصُولهَا أَيْضًا , وَكَانَ بَعْض السَّلَف إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُو لِنَفْسِهِ يَدْعُو لِأَخِيهِ الْمُسْلِم بِتِلْكَ الدَّعْوَة ; لِأَنَّهَا تُسْتَجَاب , وَيَحْصُل لَهُ مِثْلهَا " انتهى من "شرح مسلم".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " ومن المشروع في الدعاء: دعاء غائب لغائب، ولهذا أمر النبي ﵌ بالصلاة عليه، وطلبنا الوسيلة له، وأخبر بما لنا في ذلك من الأجر إذا دعونا بذلك، فقال في الحديث: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإن من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها درجة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد. فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له شفاعتي يوم القيامة) ...
لكن النبي ﵌ لما أمرنا بالصلاة عليه وطلب الوسيلة له ذكر أن من صلى عليه مرة صلى الله بها عليه عشرا، وأن من سأل له الوسيلة حلت له شفاعته يوم القيامة، فكان طلبه منا لمنفعتنا في ذلك، وفرق بين من طلب من غيره شيئا لمنفعة المطلوب منه، ومن يسأل غيره لحاجته إليه فقط" انتهى من "مجموع الفتاوى" (٢٧/٦٩) .
وينظر للفائدة جواب السؤال رقم (١٩٤٥) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12903
أدعية لحفظ الإنسان بإذن الله
[السُّؤَالُ]
ـ[هل هناك دعاء يحفظني من الناس السيئين في المدرسة أو يحفظني عموماً؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نعم، هناك أدعية كثيرة إذا قالها المسلم كانت سبباً لحفظه من الشر وأهله منها:
أ. عن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ يعوِّذ الحسن والحسين ويقول: إن أباكما كان يعوِّذ بها إسماعيل وإسحاق " أعوذ بكلمات الله التامَّة مِن كل شيطان وهامَّة ومِن كل عين لامَّة.
رواه البخاري (٣١٩١) .
الهامَّة: الحيوانات والحشرات السامَّة.
عين لامَّة: عين حاسدة.
ب. عن أبي هريرة أن النبي ﷺ كان إذا كان في سفر وأسحر يقول سمع سامع بحمد الله وحسن بلائه علينا ربنا صاحبنا وأفضل علينا عائذا بالله من النار.
رواه مسلم (٢٧١٨) .
" أسحر ": أي: قام في السحر , أو انتهى في سيره إلى السحر , وهو آخر الليل.
" سَمِع سامع ": قال الخطابي: معناه: شهد شاهد على حمدنا لله تعالى على نعمه وحسن بلائه.
قال النووي:
وقوله: " ربَّنا صاحِبْنا وأَفْضِل علينا " أي: احفظنا وحطنا واكلأنا , وأفضل علينا بجزيل نعمك , واصرف عنا كل مكروه.
وقوله: " عائذاً بالله من النار " منصوب على الحال، أي: أقول هذا في حال استعاذتي واستجارتي بالله من النار.
" شرح مسلم " (١٧ / ٣٩، ٤٠) .
ت. عن خولة بنت حكيم السلمية قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: مَن نزل منزلاً ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامَّات من شر ما خلق: لم يضرَّه شيءٌ حتى يرتحل من منزله ذلك.
رواه مسلم (٢٧٠٨) .
ث. عن موسى الأشعري أن النبي ﷺ كان إذا خاف قوماً قال: " اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم ".
رواه أبو داود (١٥٣٧) .
والحديث: صححه الشيخ الألباني في " صحيح الجامع " (٤٧٠٦) .
قال الشيخ عبد العظيم آبادي:
يقال: جعلت فلاناً في نحر العدو أي: قبالته وحذاءه ليقاتل منك ويحول بينك وبينه , وخص النحر بالذكر؛ لأن العدو به يستقبل عن المناهضة للقتال.
والمعنى: نسألك أن تصدَّ صدورهم وتدفع شرورهم وتكفينا أمورهم وتحول بيننا وبينهم.
" عون المعبود " (٤ / ٢٧٧) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12904
سؤال الله كرامة من كرامات الأولياء
[السُّؤَالُ]
ـ[من المعلوم أن أولياء الله هم أولئك المؤمنون التقاة الذين يخشون الله ... ومن المعروف أيضا أن هناك بعضا من الأولياء لا يملكون كرامة محسوسة، والبعض الآخر يعطيهم الله إياها.... ولكن أردت أن استفسر إن كان هناك خطأ في أن أطلب الكرامة مباشرة من الله تعالى، مع علمي أن طلب الاستقامة أفضل وأحب إلى الله ... ولكن الغاية المرتجاة منها زيادة الإيمان وفعل الخير بتلك الكرامة، وبنية نشر الدعوة، وما في ذلك من الأعمال الصالحة طبعا، مع مراعاة التستر على هذه الكرامة، وأعود وأؤكد أنني أعلم أن الاستقامة أفضل. وهل يعتبر هذا الدعاء من الأدعية الممنوعة والمستحيلة، وهل يغضب الله من هذا، أقصد هل يعتبر تعديا في الدعاء؟ وما حكم من يتقصى أوقات الدعاء المستجاب، ويبذل جهده ليستجيب الله دعاءه هذا؟ باختصار هل يجوز الدعاء بهذا الدعاء؟ وجزاكم الله خيرا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا نرى حرجا في أن يسأل المسلم ربه أن يكرمه بما يكرم به أولياءه من أمور خارقة للعادة، وذلك لأسباب عدة:
١- لم يرد نهي عن ذلك.
٢- وليست الكرامة مستحيلة الوقوع للمؤمن، بل هي كثيرة يكرم الله عباده المؤمنين بها، ويصيب بها من يشاء منهم، فإذا سأل العبد ربه ذلك لم يسأل ممنوعا، ولم يطلب مستحيلا، فليس على الله ببعيد.
٣- وحديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة في الغار، فدعا كل منهم بعمله الصالح أن يفرج الله عنهم الصخرة، ففرجت عنهم، هو من سؤال الله الكرامة الحقيقية، فإن إزاحة الصخرة العظيمة من غير بذل جهد من عصبة من الناس لا يقع إلا على وجه الكرامة. الحديث رواه البخاري (٢٢٧٢) ، ومسلم (٢٧٤٣)
٤- ونحوه حديث الرجل الذي جعل المال في الخشبة، ثم ألقى بها في البحر، وسأل الله تعالى أن يوصلها إلى صاحب الحق الذي استدانه منه. الحديث رواه البخاري معلقا بصيغة الجزم (٢٢٩١)
٥- وقد ذكر اللالكائي في "كرامات الأولياء" مجموعة من الكرامات التي تحققت للصالحين بعد سؤالهم الله ، ودعائهم بها، مثل دعاء العلاء بن الحضرمي: يا حليم يا عليم يا علي يا عظيم اسقنا. (ص/١٥٠) ودعائه بمثله حتى مشى جيشه على النهر. وغيرها كثير.
فهذه كلها أدلة تدل على جواز سؤال الله خوارق العادات على وجه الكرامة – من حيث الأصل -.
ولكنا ننبه الداعي بذلك على أمور مهمة، لا ينبغي أن يغفل عنها:
الأول: أن يدعو الداعي بالكرامة ينوي أول ما ينوي أن يجعله الله من أوليائه، وأن يقربه إليه سبحانه، فلا يمنعه سؤله، ويكرمه ما طلبه.
الثاني: أن تكون نيته خالصة لوجه الله تعالى، لا يريد بها مفاخرة ولا مكاثرة ولا منافسة، وإنما يريد أقرب المنازل إلى الله، وأحب المراتب إليه، فيسأل الله تعالى ما يجوز له منها، وهي الكرامة، أما المعجزة فلا تجوز إلا للأنبياء.
الثالث: أن تقوم الحاجة الداعية لهذا السؤال، كمن يسأل الله الولد على كبر سنه، أو يسأله المطر والقطر على قحط السماء وجفاف الأرض، وأما سؤال الخوارق تفكها أو سؤال الخوارق التي لا تفيد المرء في دينه ولا دنياه فهذه لا يجوز الدعاء بها.
يقول الإمام القرافي ﵀:
" من المحرم الذي لا يكون كفرا أن يسأل الداعي من الله تعالى المستحيلات العادية، إلا أن يكون نبيا، فإن عادة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام خرق العادة، فيجوز لهم ذلك، كما سألوا نزول المائدة من السماء، وخروج الناقة من الصخرة الصماء.
أو يكون وليا له مع الله تعالى عادة بذلك، فهو جار على عادته، فلا يعد ذلك من الفريقين قلة أدب.
أو لا يكون وليا، ويسأل خرق العادة، ويكون معنى سؤاله أن يجعله وليا من أهل الولاية حتى يستحق خرق العادة.
فهذه الأقسام الثلاثة ليست حراما.
وأما المحرم فله أمثلة: - منها - أن يسأل الله تعالى الاستغناء عن التنفس في الهواء ليأمن الاختناق على نفسه، وقد دلت العادة على استحالة ذلك. – ومنها - أن يسأل الله تعالى الولد من غير جماع أو الثمار من غير أشجار وغراس، وقد دلت العادة على استحالة ذلك فطالب ذلك مسيء الأدب على الله تعالى " انتهى باختصار.
وفي كلامه ﵀ تطويل وتفصيل كثير عليه بعض المؤاخذات والمناقشات، ولكنا نقلنا ما نحتاج إليه في هذه المسألة. "أنوار البروق في أنواع الفروق" (٤/٢٦٨)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12905
لا يشرع السجود المفرد من أجل الدعاء
[السُّؤَالُ]
ـ[بعض الناس إذا أراد أن يدعو الله تعالى بعد الصلاة، سجد ودعا وهو ساجد، فهل هذا السجود سنة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لم ترد الشريعة بالتقرب إلى الله تعالى بالسجود إلا إذا كان السجود في الصلاة، أو لسبب خاص كسجود السهو أو سجود التلاوة، أو سجود الشكر.
أما السجود من أجل الدعاء فلم يرد في الشرع ما يدل على جوازه أو استحبابه، بل الثابت عن النبي ﷺ في الأحاديث المتواترة الكثيرة أنه كان يرفع يديه عند الدعاء، وحث على ذلك ورَغَّب فيه، فقال: (إِنَّ رَبَّكُمْ ﵎ حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا) رواه أبو داود (١٤٨٨) وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
فيكون السجود من أجل الدعاء بدعة، لأن النبي ﷺ لم يفعله، ولأنه يضيع السنة التي حث عليها النبي ﷺ وهي رفع اليدين عند الدعاء.
وقد أنكر العلماء هذا السجود المفرد ونهوا عنه، فقد ذكره أبو شامة ﵀ في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث" (ص٦٢، ٦٣) وقال: "قال إمام الحرمين أبو المعالي ذكر صاحب التقريب عن بعض الأصحاب أن الرجل لو خضع لله تعالى فسجد من غير سبب فله ذلك. قال: وهذا لم أره إلا له، وكان شيخي يكره ذلك، واشتد نكيره على من يفعل ذلك. قال: وهو الظاهر عندي.
قال أبو حامد الغزالي: كان الشيخ أبو محمد رحمه الله تعالى يشدد النكير على فاعل ذلك، وهو الصحيح، وقال في كتاب النذر: ولم يذهب أحد إلى أن السجدة وحدها تلزم بالنذر فإنها ليست عبادة مقرونة بسبب، كالتلاوة.
قال إمام الحرمين: وكان شيخي يقطع بأن السجدة مفردة لا تلزم بالنذر، وإن كان التالي يسجد، فإن السجدة مفردة من غير سبب ليست قربة على الرأي الظاهر.
وقال صاحب التتمة: جرت عادة بعض الناس بالسجود بعد الفراغ من الصلاة يدعو فيه، قال: وتلك سجدة لا يعرف لها أصل، ولا نقلت عن رسول الله ﷺ ، ولا عن أصحابه، والأولى أن يدعو بالصلاة لما روي من الأخبار فيه. والله أعلم.
قلت (أبو شامة) : ولا يلزم من كون السجود قربة في الصلاة أن يكون قربة خارج الصلاة، كالركوع. قال الفقيه أبو محمد: لم ترد الشريعة بالتقرب إلى الله تعالى بسجدة منفردة لا سبب له" انتهى.
وينظر السؤال رقم (٩٨١٥٦)
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12906
تخصيص آيات من بعض السور لقراءتها في أوقات الشدة وضيق الحال
[السُّؤَالُ]
ـ[أردت أن أسألكم سؤالا عن بعض آيات من القرآن، والتي نُصح بقراءتها في أوقات الشدة، والنكبات المالية. إنها تسمى " المنازل " في الأردو. من فضلكم أريد أن أعرف هل يجوز العمل بها، السبب وراء قراءتها هو كأنك تدعو الله. " آية من فاتحة القرآن، والبقرة ١ – ٥، والبقرة ١٦٣، والبقرة ٢٥٥- ٢٥٧، والبقرة ٢٨٤-٢٨٦، وآل عمران ١٨، وآل عمران ٢٦-٢٧، والأعراف ٥٤-٥٦، بني إسرائيل ١١٠-١١١، والمؤمنون ١١٥- ١١٨، والصافات ١-١١، والرحمن ٣٣-٤٠، والحشر ٢١-٢٤، والجن ١-٤، سور الكافرون والفلق والناس والإخلاص".]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا نرى جواز تخصيص قراءة آيات معينة من القرآن الكريم لغرض معين، إلا بدليل شرعي خاص، كأن يرد حديث صحيح عن النبي ﷺ ، في فضائل سورة معينة، فيقرأها المسلم بغرض تحصيل هذه الفضيلة والفائدة.
أما أن يأتي أحدهم إلى آيات من القرآن الكريم متفرقة، ينتقيها بنفسه، وينسب إليها تفريج الكربات والإعانة في الأزمات، بل ويوردها في كتاب على أنها من وظائف المسلم وأوراده المستحبة، فذلك أقرب إلى الابتداع منه إلى الاتباع، وأولى للمسلم اجتناب ذلك وعدم امتثاله والعمل به.
والقرآن كله بركه وأجر وخير، ولكن دعوى أثر معين لآية معينة، خاصة فيما زعمه هذا القائل من تفريج الشدائد والضوائق المالية، فهذا لا بد له من دليل، ولا دليل لمؤلف هذا الكتاب على ما أورده، فيجب التنبه لذلك.
وقد سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء:
في أوغندة إذا أراد شخص أن يدعو ربه – دعاء - خاصا لسعة الرزق، يدعو أشخاصا من المتعلمين، ويحضرون إليه، ويحمل كل واحد مصحفه، ويبدؤون في القراءة، واحد يقرأ سورة يس لأنها قلب القرآن، وثاني سورة الكهف، وثالث سورة الواقعة أو الرحمن، أو الدخان، المعارج، نون، تبارك، يعني الملك، محمد، الفتح، ونحو ذلك من السور القرآنية، وبكرا كذا وبكرا كذا لا يقرءون من البقرة أو النساء، وبعد ذلك الدعاء، فهل هذا الطريق مشروع في الإسلام، وإن كان عكس، فأين الطريق المشروع، مع الدليل عنه؟
فأجابوا: " قراءة القرآن مع تدبر معانيه من أفضل القربات، ودعاء الله واللجأ إليه في التوفيق للخير وفي سعة الرزق ونحو ذلك من أنواع الخير عبادة مشروعة.
لكن القراءة بالصفة التي ذكرت في السؤال - من توزيع سور خاصة من القرآن على عدة أشخاص، كل منهم يقرأ سورة ليدعو بعد ذلك بسعة الرزق ونحوها – بدعة؛ لأن ذلك لم يثبت عن النبي ﷺ قولا ولا فعلا، ولا عن أحد من الصحابة ﵃، ولا عن أئمة السلف ﵏، والخير في اتباع من سلف، والشر في ابتداع من خلف، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) ، ودعاء الله مشروع في كل وقت ومكان، وعلى أي حال، من شدة ورخاء، ومما رغب فيه الشرع، وحث على الدعاء فيه السجود في الصلاة، ووقت السحر، وفي آخر الصلاة قبل السلام، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (ينزل ربنا إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له) رواه البخاري ومسلم.
وقد ثبت عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم) رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود.
وثبت عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال:
(أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء) رواه مسلم وأبو داود والنسائي. وفي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ لما علمه التشهد قال له: (ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو) وبالله التوفيق " انتهى.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (٢/٤٨٦) .
وفي موقعنا، في جواب السؤال رقم: (٧١١٨٣) ذكرنا بعض الأدعية المشروعة الثابتة في طلب الإعانة على قضاء الدين عن النبي ﷺ ، فيرجى مراجعتها هناك والاستفادة منها.
وانظر أيضا: (٣٢١٩) ، (٢٢٤٥٧) ، (٨٧٩١٥) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12907
دعاء الإمام والمأمومين جماعة عقب صلاة الجمعة
[السُّؤَالُ]
ـ[نصلي ركعتي فرض الجمعة، بعدها يستدير الإمام وندعو جميعاً. فهل ما نقوم به صحيح؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الذي ينبغي للمؤمن أن يقتدي بالنبي ﷺ ، في فعله وتركه، فيفعل ما فعله الرسول ﷺ ، ويترك ما تركه الرسول ﷺ ، قال الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ) الأحزاب/٢١.
ودعاء الإمام بعد صلاة الفريضة ـ الجمعة أو غيرها ـ وتأمين المأمومين، لم يفعله الرسول ﷺ ، ولا فعله أحد من أصحابه ﵃، ولو كان خيراً لسبقونا إليه.
وعلى هذا؛ فيدخل هذا الفعل في البدعة المذمومة، وقد قال النبي ﷺ : (فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) رواه أبو داود (٤٦٠٧) وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
وقال النبي ﷺ : (مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) رواه البخاري (٢٦٩٧) ومسلم (١٧١٨) واللفظ له.
وقد ذكر الشاطبي رحمه الله تعالى في كتابه "الاعتصام" (١/٣٤٩-٣٥٥) الدعاء الجماعي بعد الصلوات المكتوبة، وبَيَّن أن ذلك بدعة، لأنه لم يفعله الرسول ﷺ ، ولا أحد من أصحابه ﵃، ولا الأئمة بعدهم.
فالواجب ترك هذه البدعة، والحرص على الأذكار والأدعية التي كان النبي ﷺ يقولها بعد الصلاة، ومن أراد الدعاء فليدع سراً.
وانظر جواب السؤال رقم (١٠٤٩١) و (٢١٩٧٦) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12908
الدعاء بصفات الأنبياء
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم الدعاء بصفات الأنبياء مثل: اللهم ارزقني صبر أيوب، وحكمة يوسف ... إلى آخره]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سؤال العبد أن يحقق الله له شيئا من صفات الأنبياء على قسمين:
القسم الأول:
الدعاء بما اختصهم الله به من معجزات أو كرامات أو فضائل: كأن يسأل العبد ربه أن يهبه ملك سليمان، وقد قال الله تعالى: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) ص/٣٥، أو أن يسأل الله تعالى معجزة لا تتحقق إلا لنبي، كمعجزة عيسى ﵇ حيث ولد من غير أب، أو يسأل الله منزلة الوسيلة في الجنة، وقد قال ﷺ : (ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ) رواه مسلم (٣٨٤) .
فحكم هذا النوع من الدعاء المنع وعدم الجواز، وذلك لما فيه من اعتداء ظاهر، حيث يسأل فيه العبد ما لا يجوز له أن يسأله.
عن عبد الله بن مغفل ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:
(إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الطَّهُورِ وَالدُّعَاءِ) .
رواه أبو داود (٩٦) وصححه ابن حجر في "التلخيص" (١/١٤٤) والألباني في "صحيح أبي داود".
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" ومن الاعتداء في الدعاء أنْ يسأل العبدُ ما لم يكن الربُّ ليفعله، مثل: أنْ يسأله منازلَ الأنبياء وليس منهم، أو المغفرة للمشركين ونحو ذلك، أو يسأله ما فيه معصية لله، كإعانته على الكفر والفسوق والعصيان " انتهى.
"مجموع الفتاوى" (١/١٣٠) .
وانظر جواب السؤال رقم: (٤١٠١٧) .
القسم الثاني:
سؤال الله تعالى أخلاق الأنبياء، وهديهم، والاقتداء بهم، والسير على نهجهم، والتحلي بمكارمهم: كالصبر والحكمة والرحمة ونحو ذلك مما هو مطلوب من العباد أصلا:
فلا يظهر لنا في الدعاء بهذا بأس ولا حرج؛ فإنَّ أَوْلى ما يَقتدي به المسلم تلك المراتب العالية التي حازها الرسل والأنبياء في عباداتهم وأخلاقهم وتقواهم وتعلقهم بالله ، والقرآن مليءٌ بالحث على السير بسيرتهم في جميع أمورهم وأحوالهم، والاقتداء بهم، والتخلق بأخلاقهم، والتشبه بأعمالهم، فقال : (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ) الأنعام/٩٠، وقال تعالى: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) الأحقاف /٣٥.
فإذا دعا العبد ربه بما أمر به وطلب منه، وسأل الله تعالى أن يؤتيه ما آتى الأنبياء من محاسن الأخلاق والأعمال الأقوال، ويعينه على ما أعانه عليهم من الصبر على الطاعة أو عن المعصية، والحكمة في الدعوة، والرفق في الأمر، والثبات والطمأنينة، إذا دعا العبد بذلك كله كان له فيه الأجر والثواب إن شاء الله تعالى على دعائه، ويرجى أن يحقق الله له مطلوبه.
لكننا نخشى من التحكم بالمثلية في مثل هذا الدعاء: كصبر يوسف، وفهم سليمان، وحكمة ... ، نخشى أن يكون هذا التحكم من الاعتداء في الدعاء، لا سيما إذا راح يتتبع ما تفرق في الأنبياء من الفضائل، فهم سليمان، صبر أيوب، بكاء داود ... ، وصار يدعو بها جميعا؛ فإن اجتماع ما تفرق في الأنبياء من الفضائل ومدحهم الله به، لآحاد الناس غيرهم من الممتنع عادة.
والذي ننصح به أن نتواصى بالأدعية المأثورة الثابتة عن النبي ﷺ ، أو المروية عن أصحابه الكرام، أو عرف مخرجه من أئمة العلم والدين، فإن لم يكن، فليدع المرء لنفسه بما أحب من خير الدنيا والآخرة، مع حرصه على التأدب بآداب الدعاء، وتحري أوقات الإجابة.
وأما الأدعية المخترعة التي يتداولها الناس في رسائل الجوال، وما أشبهها، فكم يتسارع الناس فيها، ثم يظهر فيها ما لا ينبغي من الاعتداء أو مخالفة السنة والأدب.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12909
هل يصح شيء في استجابة دعاء المرأة الحامل ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[الحمد لله أنني حامل، وأدعو الله أن يرزقني بولد صالح. هل صحيح أن دعاء المرأة الحامل مستجاب؟ جزاكم الله خيرا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لم نقف – بعد البحث – على ما يدل على استجابة دعاء المرأة الحامل، لا في الأحاديث المرفوعة ولا في الآثار الموقوفة.
ولكن إذا جمع المسلم بين حسن الظن بالله تعالى واليقين بكرمه وعطائه، وبين حسن التذلل والانكسار بين يديه، فنرجو أن يجيب الله دعاءه ورجاءه.
يبقى أن نذكر أن دعاء الوالدة لولدها من الأدعية المستجابة، لقوله ﷺ : (ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِه)
رواه الترمذي (١٩٠٥) وانظر صحيح الأدب المفرد (٣٧٢) .
يقول المناوي ﵀:
" (ودعوة الوالد لولده) لأنه صحيح الشفقة عليه، كثير الإيثار له على نفسه، فلما صحت شفقته: استجيبت دعوته، ولم يذكر الوالدة مع أن آكدية حقها تؤذن بأقربية دعائها إلى الإجابة من الوالد؛ لأنه معلوم بالأولى " انتهى.
"فيض القدير" (٣/٣٠١)
فإذا دعت المرأة الحامل لجنينها بالصلاح والنجابة والأخلاق الحسنة، رجونا أن يستجيب الله لها.
ويمكن الاستعانة بجواب السؤال رقم: (١٣٥٠٦) في بيان شروط الدعاء المستجاب.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12910
هل تختلف ساعة الإجابة يوم الجمعة باختلاف مواقيت الجمعة في البلدان ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف أستطيع أن أضمن ساعة الإجابة من آخر ساعة ليوم الجمعة، فأنا أعيش في الكويت، ولكن – مثلاً - في الإمارات يؤذَّن قبلنا بنصف ساعة، والسعودية تقريباً بعدنا بنصف الساعة، فكيف تتفق ساعة الإجابة بذلك؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
سبق الكلام عن ساعة الاستجابة يوم الجمعة في جواب السؤال رقم: (١١٢١٦٥) ، وهذه الساعة وقت يسير لا يخرج عن كونها من أذان الجمعة إلى انقضاء الصلاة، ومن بعد العصر إلى أن تغرب الشمس، على ما رجحه ابن القيم ﵀، من جملة الأقوال التي قيلت في تحديدها.
ثانياً:
لا شك أن النبي ﷺ يعلم اختلاف الصلوات في البلدان، وهو يعني بكون تلك الساعة مستجابة الدعاء إنما هو باعتبار كل بلدة وحدها، بل كل مسجد، فقد تكون البلدة واحدة، وفيها اختلاف بين في توقيت صلاة الجمعة.
قال شهاب الدين الرملي ﵀: " واعلم أن وقت الخطبة يختلف باختلاف أوقات البلدان، بل في البلدة الواحدة، فالظاهر: أنها ساعة الإجابة في حق كل أهل محل من جلوس خطيبه إلى آخر الصلاة " انتهى. " نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج " (٢ / ٣٤٢) .
وهذا الظاهر الذي ذكره ﵀، وقال به جمع من العلماء هو الذي لا يتوجه غيره، وما ذكره بعده من احتمال إبهام تلك الساعة فقد يصادفها أهل محل دون غيرهم: احتمال بعيد عن الصواب؛ لأنه يعني أنها تكون ساعةَ إجابة لقوم دون غيرهم، وهو ما استبعده ابن حجر الهيتمي الشافعي وغلَّطه.
سئل – ﵀:
صحَّ أن ساعة الإجابة ما بين أن يجلس الخطيب إلى أن تنقضي الصلاة، فهل هذا في كل خطيب، أو لا، فإن أوقات الخطب تختلف فيلزم عليه تعدد ساعة الإجابة؟ .
فأجاب ﵀: " لم يزل في نفسي منذ سنين، حتى رأيت الناشري نقل عن بعضهم أنه قال: يلزم على ذلك أن تكون ساعة الإجابة في جماعة غيرها في حق آخرين.
وهو غلط ظاهر، وسكت عليه.
وفيه نظر.
ومن ثم قال بعض المتأخرين: ساعة الإجابة في حق كل خطيب وسامعيه: ما بين أن يجلس إلى أن تنقضي الصلاة، كما صح في الحديث، فلا دخل للعقل في ذلك، بعد صحة النقل فيه " انتهى. " الفتاوى الفقهية الكبرى " (١ / ٢٤٨) .
والشاهد من النقل أنه بين اختلاف هذه الساعة، بحسب اختلاف المصلين، وأما تحديد الساعة بعينها، فقد سبق البحث فيه من قبل.
ويشبه هذا الحكمَ أحكامٌ كثيرة، منها: وقت النزول الإلهي في الثلث الأخير من الليل، وما فيه من الفضائل، ومنها: فضل الجلوس بعد صلاة الفجر، وصلاة ركعتين بعد شروق الشمس، فإن هذا يختلف باختلاف المساجد، والبلدان، ومنها: أفضلية وقت صلاة الضحى، فقد يشتد الحر في بلد، فيكون أفضل أوقات صلاة الضحى، ولا يكون كذلك في غيره من البلدان، بل قد يكون الوقت ثمة ليلاً! ، وهكذا في أحكام مشابهة كثيرة.
بل هكذا شأن مواقيت الصلوات عامة، ومواقيت الإمساك والإفطار للصائم: تختلف بحسب كل مكان وبلد.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12911
لماذا يمنع بعض أهل العلم من التوسل بجاه النبي ﷺ ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[لماذا يحرم السلفية التوسل بذات النبي ﷺ ، مع أن العلماء كلهم متفقون على جوازه، حتى ظهر ابن تيمية الذي كان أول من حرمه؟ مع أن كل العلماء من جميع المذاهب يجيزون التوسل، فلماذا يُصِرُّون على تحريمه؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله:
أولا:
التوسل بذات النبي ﷺ معناه: أن يدعو الداعي ربه ، لكنه في أثناء دعائه يذكر ذات النبي ﷺ وسيلة لإجابة دعائه، أو تعجيل حاجته، فيقول: أسألك بحق النبي، أو: بجاه النبي، أو نحو ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مجموع الفتاوى (١/٣٣٧-٣٣٨) ـ:
" والسائل لله بغير الله إما أن يكون مقسما عليه، وإما أن يكون طالبا بذلك السبب، كما توسل الثلاثة في الغار بأعمالهم، وكما يتوسل بدعاء الأنبياء والصالحين.
فإن كان إقساما على الله بغيره: فهذا لا يجوز.
وإن كان سؤالا بسبب يقتضى المطلوب، كالسؤال بالأعمال التي فيها طاعة الله ورسوله، مثل السؤال بالإيمان بالرسول ومحبته وموالاته ونحو ذلك: فهذا جائز.
وإن كان سؤالا بمجرد ذات الأنبياء والصالحين: فهذا غير مشروع، وقد نهى عنه غير واحد من العلماء، وقالوا: إنه لا يجوز. ورخص فيه بعضهم، والأول أرجح كما تقدم؛ وهو سؤال بسبب لا يقتضى حصول المطلوب.
بخلاف من كان طالبا بالسبب المقتضى لحصول المطلوب، كالطلب منه سبحانه بدعاء الصالحين وبالأعمال الصالحة: فهذا جائز، لأن دعاء الصالحين سبب لحصول مطلوبنا الذي دَعَوا به.
وكذلك الأعمال الصالحة سبب لثواب الله لنا، وإذا توسلنا بدعائهم وأعمالنا: كنا متوسلين إليه تعالى بوسيلة، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ) المائدة/٣٥، والوسيلة هي الأعمال الصالحة. وقال تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ) الإسراء /٥٧.
وأما إذا لم نتوسل إليه سبحانه بدعائهم ولا بأعمالنا، ولكن توسلنا بنفس ذواتهم: لم يكن نفس ذواتهم سببا يقتضى إجابة دعائنا، فكنا متوسلين بغير وسيلة، ولهذا لم يكن هذا منقولا عن النبي ﷺ نقلا صحيحا، ولا مشهورا عن السلف." انتهى.
ثانيا:
ليس معنى ذلك أن النبي ﷺ ليس له جاه عند الله ، ولا منزلة لديه سبحانه، كما يقوله من يفتري على السلفيين، شيخ الإسلام ومن وافقه على ذلك، وأنهم يتجرؤون على مقام النبي ﷺ ، وحاشاهم من ذلك، وهو صاحب المقام المحمود، والمنزلة الرفيعة، وسيد ولد آدم، ﷺ ، لكن مقامه الكريم على الله ليس معناه أن نسأل أو نتوسل به.
قال شيخ الإسلام ﵀:
" ما بيّن الله ورسوله أنه حق للعباد على الله فهو حق؛ لكن الكلام في السؤال بذلك، فيقال: إن كان الحق الذي سأل به سببا لإجابة السؤال: حسُن السؤال به، كالحق الذي يجب لعابديه وسائليه.
وأما إذا قال السائل: بحق فلان وفلان، فأولئك، إن كان لهم عند الله حق أن لا يعذبهم وأن يكرمهم بثوابه ويرفع درجاتهم كما وعدهم بذلك وأوجبه على نفسه، فليس في استحقاق أولئك ما استحقوه من كرامة الله، ما يكون سببا لمطلوب هذا السائل؛ فإن ذلك استحق ما استحقه بما يسره الله له من الإيمان والطاعة، وهذا لا يستحق ما استحقه ذلك؛ فليس في إكرام الله لذلك سبب يقتضى إجابة هذا.
وإن قال: السبب هو شفاعته ودعاؤه، فهذا حق إذا كان قد شفع له ودعا له، وإن لم يشفع له ولم يدع له لم يكن هناك سبب ". انتهى.
وقال أيضا ـ مجموع الفتاوى (١/٢٧٨) ـ:
" ومعلوم أن الواحد بعد موته إذا قال: اللهم فشفعه في وشفعني فيه، مع أن النبي لم يدع له: كان هذا كلاما باطلا ". انتهى.
ثالثا:
مدار فهم هذه المسألة أن نعلم أن الدعاء عبادة، بل هو من أجل العبادات لله تعالى، كما قال النَّبِيُّ ﷺ : (الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ. قَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) رواه أبو داود (١٤٧٩) وغيره، وصححه الألباني.
والعبادات مبناها على التوقيف، يعني: على ورود الشرع بها، كما قال رَسُول اللَّهِ ﷺ (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ) رواه البخاري (٢٦٩٧) ومسلم (١٧١٨) ، من حديث عائشة ﵂.
وفي رواية لمسلم: (مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) .
قال الإمام النووي ﵀:
" قَالَ أَهْل الْعَرَبِيَّة: (الرَّدّ) هُنَا بِمَعْنَى الْمَرْدُود , وَمَعْنَاهُ: فَهُوَ بَاطِل غَيْر مُعْتَدّ بِهِ.
وَهَذَا الْحَدِيث قَاعِدَة عَظِيمَة مِنْ قَوَاعِد الْإِسْلَام , وَهُوَ مِنْ جَوَامِع كَلِمه ﷺ فَإِنَّهُ صَرِيح فِي رَدّ كُلّ الْبِدَع وَالْمُخْتَرَعَات.
وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة زِيَادَة وَهِيَ أَنَّهُ قَدْ يُعَانِد بَعْض الْفَاعِلِينَ فِي بِدْعَة سَبََ إِلَيْهَا , فَإِذَا اُحْتُجَّ عَلَيْهِ بِالرِّوَايَةِ الْأُولَى يَقُول: أَنَا مَا أَحْدَثْت شَيْئًا فَيُحْتَجّ عَلَيْهِ بِالثَّانِيَةِ الَّتِي فِيهَا التَّصْرِيح بِرَدِّ كُلّ الْمُحْدَثَات , سَوَاء أَحْدَثَهَا الْفَاعِل , أَوْ سَبَقَ بِإِحْدَاثِهَا.
وَفِي هَذَا الْحَدِيث: دَلِيل لِمَنْ يَقُول مِنْ الْأُصُولِيِّينَ: إِنَّ النَّهْي يَقْتَضِي الْفَسَاد. وَمَنْ قَالَ: لَا يَقْتَضِي الْفَسَاد يَقُول هَذَا خَبَر وَاحِد , وَلَا يَكْفِي فِي إِثْبَات هَذِهِ الْقَاعِدَة الْمُهِمَّة , وَهَذَا جَوَاب فَاسِد. وَهَذَا الْحَدِيث مِمَّا يَنْبَغِي حِفْظه وَاسْتِعْمَاله فِي إِبْطَال الْمُنْكَرَات , وَإِشَاعَة الِاسْتِدْلَال بِهِ " انتهى.
فإذا علمنا هذا الأصل، علمنا أنه لا يجوز لنا أن نفعل شيئا على وجه العبادة لله تعالى، إلا شيئا جاء به الشرع من المعصوم ﷺ ، وسواء كان الذي فعلناه اختراعا من عند أنفسنا، أو اتباعا لغيرنا فيه.
قال شيخ الإسلام ﵀ مجموع الفتاوى (١/٢٦٥) ـ:
" ولا يجوز أن يكون الشيء واجبا أو مستحبا إلا بدليل شرعي يقتضى إيجابه أو استحبابه والعبادات لا تكون إلا واجبة أو مستحبة فما ليس بواجب ولا مستحب فليس بعبادة والدعاء لله تعالى عبادة إن كان المطلوب به أمرا مباحا " انتهى.
وقال أيضا ـ الفتاوى (١/٢٧٨) ـ:
" والدعاء المأثور عن النبي ﷺ : لم يأمر به، والذي أمر به: ليس مأثورا عن النبي ﷺ . ومثل هذا لا تثبت به شريعة، كسائر ما ينقل عن آحاد الصحابة في جنس العبادات أو الإباحات أو الإيجابات أو التحريمات، إذا لم يوافقه غيره من الصحابة عليه، وكان ما يثبت عن النبي ﷺ يخالفه لا يوافقه: لم يكن فعله سنة يجب على المسلمين اتباعها، بل غايته أن يكون ذلك مما يسوغ فيه الاجتهاد، ومما تنازعت فيه الأمة، فيجب رده إلى الله والرسول، ولهذا نظائر كثيرة ".
وقد سئلت اللجنة الدائمة عن: مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقول في دعائه: اللهم أعطني كذا وكذا من خيري الدنيا والآخرة، بجاه النبي ﷺ ، أو ببركة الرسول، أو بحرمة المصطفى، أو بجاه الشيخ التيجاني، أو ببركة الشيخ عبد القادر، أو بحرمة الشيخ السنوسي فما الحكم؟
فأجابوا:
" من توسل إلى الله في دعائه بجاه النبي ﷺ أو حرمته أو بركته أو بجاه غيره من الصالحين أو حرمته أو بركته، فقال: (اللهم بجاه نبيك أو حرمته أو بركته أعطني مالا وولدا أو أدخلني الجنة وقني عذاب النار) مثلا، فليس بمشرك شركا يخرج عن الإسلام، لكنه ممنوع سدا لذريعة الشرك، وإبعادا للمسلم من فعل شيء يفضي إلى الشرك.
ولا شك أن التوسل بجاه الأنبياء والصالحين وسيلة من وسائل الشرك التي تفضي إليه على مر الأيام، على ما دلت عليه التجارب وشهد له الواقع، وقد جاءت أدلة كثيرة في الكتاب والسنة تدل دلالة قاطعه على أن سد الذرائع إلى الشرك والمحرمات من مقاصد الشريعة، من ذلك قوله تعالى: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) الأنعام /١٠٨
فنهى سبحانه المسلمين عن سب آلهة المشركين التي يعبدونها من دون الله، مع أنها باطلة؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى سب المشركين الإلهَ الحقَ سبحانه، انتصارا لآلهتهم الباطلة جهلا منهم وعدوانا، ومنها: نهيه ﷺ عن اتخاذ القبور مساجد؛ خشية أن تعبد، ومنها: تحريم خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية، وتحريم إبداء المرأة زينتها للرجال الأجانب ... ولأن التوسل بالجاه والحرمة ونحوهما في الدعاء عبادة، والعبادة توقيفية، ولم يرد في الكتاب ولا في السنة الرسول ﷺ ولا عن أصحابه ما يدل على هذا التوسل، فعلم أنه بدعة ... " انظر: فتاوى اللجنة الدائمة (١/٥٠١-٥٠٢) .
رابعا:
قول السائل في سؤاله إن ابن تيمية أول من حرمه: غير صحيح؛ وإنما هو تلقى ذلك عن أعداء شيخ الإسلام ﵀، وقد تعرض شيخ الإسلام ﵀، في رده على الأخنائي، وهو أحد خصومه الذين رموه بهذه الفرية، فقال في حق شيخ الإسلام: " كم لصاحب هذه المقالة من مسألة خرق فيها الإجماع "، فرد عليه شيخ الإسلام من وجوه عديدة، فقال في ضمن ذلك:
" الوجه السادس: أنه إنما يقبل قول من يدعي أن غيره يخالف الإجماع إذا كان ممن يعرف الإجماع والنزاع، وهذا يحتاج إلى علم عظيم، يظهر به ذلك، لا يكون مثل هذا المعترض الذي لا يعرف نفس المذهب الذي انتسب إليه، ولا ما قال أصحابه..، فكيف يعرف مثل هذا إجماع علماء المسلمين، مع قصوره وتقصيره في النقل والاستدلال؟!
الوجه السابع: أن لفظ (كم) يقتضي التكثير، وهذا يوجب كثرة المسائل التي خرق المجيب فيها الإجماع. والذين هم أعلم من هذا المعترض وأكثر اطلاعا: اجتهدوا في ذلك غاية الاجتهاد، فلم يظفروا بمسألة واحدة خرق فيها الإجماع، بل غايتهم أن يظنوا في المسألة أنه خرق فيها الإجماع، كما ظنه بعضهم في مسألة الحلف بالطلاق، وكان فيها من النزاع نقلا، ومن الاستدلال فقها وحديثا: ما لم يطلع عليه.
الوجه الثامن: أن المجيب [يعني: شيخ الإسلام نفسه]ـ ولله الحمد ـ لم يقل قط في مسألة إلا بقل قد سبقه إليه العلماء؛ فإن كان قد يخطر له ويتوجه له، فلا يقوله ولا ينصره إلا إذا عرف أنه قد قاله بعض العلماء، كما قال الإمام أحمد: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام؛ فمن كان يسلك هذا المسلك، كيف يقول قولا يخرق فيه إجماع المسلمين، وهو لا يقول إلا ما سبقه إليه علماء المسلمين؟! " انتهى. من الرد على الأخنائي (٤٥٧-٤٥٨) .
خامسا:
هذه المسألة المذكورة، والتي زعم السائل فيها، تبعا لغيره، أن شيخ الإسلام خالف فيها الإجماع، قد ثبت فيها النصوص عن غير واحد من العلماء، وخاصة الأحناف بالمنع منها، والنهي عنها.
قال العلامة الحصكفي في الدر المختار (٥/٧١٥) :
" وفي التاترخانية معزيا للمنتقى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، والدعاء المأذون فيه المأمور به ما استفيد من قوله تعالى: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) ".
ونفس النص في المحيط البرهاني (٥/١٤١) .
قال العلامة الكاساني ﵀ في بدائع الصنائع (٥/١٢٦) :
" وَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ فِي دُعَائِهِ أَسْأَلُك بِحَقِّ أَنْبِيَائِك وَرُسُلِك وَبِحَقِّ فُلَانٍ، لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ عَلَى اللَّهِ جَلَّ شَأْنُهُ ".
ونفس النص في تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، للزيلعي (٦/٣١) ونسب القول بذلك إلى الثلاثة، يعني: أبا حنيفة، وصاحبيه: أبا يوسف، ومحمد بن الحسن، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١٠/٦٤) ، وفتح القدير لابن الهمام (١٠/٦٤) ، وفي درر الحكام (١/٣٢١) ، ومجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر (٢٥٥٤) .
قال السيد نعمان خير الدين الآلوسي الحنفي، ﵀ في جلاء العينين (٥١٦-٥١٧) :
" وفي جميع متونهم: أن قول الداعي المتوسل: بحق الأنبياء والأولياء، وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام: مكروه كراهة تحريم، وهي كالحرام في العقوبة بالنار عند محمد، وعللوا ذلك بقولهم: لأنه لا حق للمخلوق على الخالق " انتهى.
وانظر ما نقله السيد نعمان عن العلامة السويدي الشافعي: جلاء العينين (٥٠٥) وما بعدها.
ولعله تبين مما سبق من النقول المستفيضة: لماذا يمنع السلفيون من ذلك النوع من التوسل، وأن شيخ الإسلام ابن تيمية ليس أول من منع من ذلك، ولا هو آخرهم أيضا.
وانظر جواب السؤال رقم (٩٧٩) ، ورقم (٦٠٠٤١) ، ورقم (٢٣٢٦٥) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12912
هل تحتجب المرأة من الولد الذي عمره خمس سنين
[السُّؤَالُ]
ـ[إنني متزوجة بشخص عنده زوجات، وعندي ولد من غير هذا الزوج " عمره خمس سنوات " فهل على الزوجات أن يحتجبن إذا حضر ولدي عندهن؟.
جزاكم الله خيرا]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الولد المذكور سنّه صغيرة ولا يجب تغطية الوجه لحضوره، وقد قال الله تعالى: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءابَائِهِنَّ أَوْ ءابَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابعين غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١) وهذا الولد طفل لم يظهر على عورات النساء فيجوز إبداء الزينة أمامه، قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره: وقوله تعالى " أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء " يعني لصغرهم لا يفهمون أحوال النساء وعوراتهن من كلامهم الرحيم وتعطفهن في المشية وحركاتهن وسكناتهن فإذا كان الطفل صغيرا لا يفهم ذلك فلا بأس بدخوله على النساء فأما إن كان مراهقا أو قريبا منه بحيث يعرف ذلك ويدريه ويفرّق بين الشوهاء والحسناء فلا يمكن من الدخول على النساء. انتهى، والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 12913
الحج فرض على المرأة كما هو فرض على الرجل
[السُّؤَالُ]
ـ[في خطبة مؤخراً , قال الخطيب أنه ليس بفرض على المرأة تأدية الحج وإنها تجب على الرجال فقط. هل يمكن ذكر أي حديث أو آية كدليل على هذه المقولة , وإذا كان هذا غير صحيح فهل يمكن ذكر حديث أو آية تدل على ذلك.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الْحَجُّ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ مُسْتَطِيعٍ فِي الْعُمُرِ مَرَّةً , وَهُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الإِسْلَامِ , ثَبَتَتْ فَرْضِيَّتُهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِجْمَاعِ.
أ - أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلا , وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ﴾ آل عمران / ٩٧. فَهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ فِي إثْبَاتِ الْفَرْضِيَّةِ , حَيْثُ عَبَّرَ الْقُرْآنُ بِصِيغَةِ ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾ وَهِيَ صِيغَةُ إلْزَامٍ وَإِيجَابٍ , وَذَلِكَ دَلِيلُ الْفَرْضِيَّةِ , بَلْ إنَّنَا نَجِدُ الْقُرْآنَ يُؤَكِّدُ تِلْكَ الْفَرْضِيَّةَ تَأْكِيدًا قَوِيًّا فِي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ﴾ فَإِنَّهُ جَعَلَ مُقَابِلَ الْفَرْضِ الْكُفْرَ , فَأَشْعَرَ بِهَذَا السِّيَاقِ أَنَّ تَرْكَ الْحَجِّ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ الْمُسْلِمِ , وَإِنَّمَا هُوَ شَأْنُ غَيْرِ الْمُسْلِمِ.
ب - وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ﴿بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لا إلَهَ إلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ , وَإِقَامِ الصَّلاةِ , وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ , وَصِيَامِ رَمَضَانَ , وَالْحَجِّ﴾ . وَقَدْ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿بُنِيَ الإِسْلامُ. . .﴾ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الإِسْلامِ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ ﴿: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَحُجُّوا فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلاثًا , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ. . .﴾ . وَقَدْ وَرَدَتْ الأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةً جِدًّا حَتَّى بَلَغَتْ مُبْلِعَ التَّوَاتُرِ الَّذِي يُفِيدُ الْيَقِينَ وَالْعِلْمَ الْقَطْعِيَّ الْيَقِينِيَّ الْجَازِمَ بِثُبُوتِ هَذِهِ الْفَرِيضَةِ.
ج - وَأَمَّا الإِجْمَاعُ: فَقَدْ أَجْمَعَتْ الأُمَّةُ عَلَى وُجُوبِ الْحَجِّ فِي الْعُمُرِ مَرَّةً عَلَى الْمُسْتَطِيعِ , وَهُوَ مِنْ الأُمُورِ الْمَعْلُومَةِ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ يَكْفُرُ جَاحِدُهُ. الموسوعة الفقهية ج/١٧ ص/٢٣
وقال النووي: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْحَجّ يَجِب عَلَى الْمَرْأَة إِذَا اِسْتَطَاعَتْهُ. شرح صحيح مسلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12914
حكم لبس الكعب العالي للنساء
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم لبس الكعب العالي للنساء؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لبس الكعب العالي لا يجوز لأنه يُعرض المرأة للسقوط، والإنسان مأمور شرعاً بتجنب المخاطر بمثل عموم قوله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم) النساء/٢٩، وقوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) البقرة/١٩٥ كما أنه يُظهر قامة المرأة وعجيزتها بأكثر مما هي عليه، وفي هذا تدليس وإبداء لبعض الزينة التي نهيت عن إبدائها المرأة المؤمنة بقوله تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو نسائهن) النور/٣١ انتهى من فتاوى اللجنة الدائمة (مجلة البحوث ٩/٤٦)
وكذلك فهو يجعلها مائلة إلى الأمام فيخشى انطباق وعيد المائلات المميلات عليها، وهو يؤذي الظهر وهذا ثبت طبياً. وكذلك يصدر الكعب صوتاً يلفت أسماع الرجال ويفتنهم، نسأل الله السلامة والعافية.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 12915
الفرق بين دعاء المسألة ودعاء العبادة
[السُّؤَالُ]
ـ[ما الفرق بين دعاء المسألة ودعاء العبادة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
تستعمل كلمة "الدعاء" للدلالة على معنيين اثنين:
١- دعاء المسألة، وهو طلب ما ينفع، أو طلب دفع ما يضر، بأن يسأل الله تعالى ما ينفعه في الدنيا والآخرة، ودفع ما يضره في الدنيا والآخرة.
كالدعاء بالمغفرة والرحمة، والهداية والتوفيق، والفوز بالجنة، والنجاة من النار، وأن يؤتيه الله حسنة في الدنيا، وحسنة في الآخرة ... إلخ.
٢- دعاء العبادة، والمراد به أن يكون الإنسان عابداً لله تعالى، بأي نوع من أنواع العبادات، القلبية أو البدنية أو المالية، كالخوف من الله ومحبة رجائه والتوكل عليه، والصلاة والصيام والحج، وقراءة القرآن والتسبيح والذكر، والزكاة والصدقة والجهاد في سبيل الله، والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..... إلخ.
فكل قائم بشيء من هذه العبادات فهو داعٍ لله تعالى.
انظر: "القول المفيد" (١/٢٦٤) ، "تصحيح الدعاء" (ص ١٥- ٢١) .
والغالب أن كلمة (الدعاء) الواردة في آيات القرآن الكريم يراد بها المعنيان معاً؛ لأنهما متلازمان، فكل سائل يسأل الله بلسانه فهو عابد له، فإن الدعاء عبادة، وكل عابد يصلي لله أو يصوم أو يحج فهو يفعل ذلك يرد من الله تعالى الثواب والفوز بالجنة والنجاة من العقاب.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀:
"كل ما ورد في القرآن من الأمر بالدعاء، والنهي عن دعاء غير الله، والثناء على الداعين، يتناول دعاء المسألة، ودعاء العبادة" انتهى.
"القواعد الحسان" (رقم/٥١) .
وقد يكون أحد نوعي الدعاء أظهر قصدا من النوع الآخر في بعض الآيات.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في قول الله : (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) الأعراف/٥٥-٥٦-:
" هاتان الآيتان مشتملتان على آداب نوعَيِ الدُّعاء: دعاء العبادة، ودعاء المسألة:
فإنّ الدُّعاء في القرآن يراد به هذا تارةً وهذا تارةً، ويراد به مجموعهما؛ وهما متلازمان؛ فإنّ دعاء المسألة: هو طلب ما ينفع الدّاعي، وطلب كشف ما يضره ودفعِه، ... فهو يدعو للنفع والضرِّ دعاءَ المسألة، ويدعو خوفاً ورجاءً دعاءَ العبادة؛ فعُلم أنَّ النَّوعين متلازمان؛ فكل دعاءِ عبادةٍ مستلزمٌ لدعاءِ المسألة، وكل دعاءِ مسألةٍ متضمنٌ لدعاءِ العبادة.
وعلى هذا فقوله: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فإنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذَا دَعَانِ) يتناول نوعي الدُّعاء ... وبكل منهما فُسِّرت الآية. قيل: أُعطيه إذا سألني، وقيل: أُثيبه إذا عبدني، والقولان متلازمان.
وليس هذا من استعمال اللفظ المشترك في معنييه كليهما، أو استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه؛ بل هذا استعماله في حقيقته المتضمنة للأمرين جميعاً.
فتأمَّله؛ فإنّه موضوعٌ عظيمُ النّفع، وقلَّ ما يُفطن له، وأكثر آيات القرآن دالَّةٌ على معنيين فصاعداً، فهي من هذا القبيل.
ومن ذلك قوله تعالى: (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ) الفرقان/٧٧ أي: دعاؤكم إياه، وقيل: دعاؤه إياكم إلى عبادته، فيكون المصدر مضافاً إلى المفعول، ومحل الأول مضافاً إلى الفاعل، وهو الأرجح من القولين.
وعلى هذا؛ فالمراد به نوعا الدُّعاء؛ وهو في دعاء العبادة أَظهر؛ أَي: ما يعبأُ بكم لولا أَنّكم تَرْجُونَه، وعبادته تستلزم مسأَلَته؛ فالنّوعان داخلان فيه.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) غافر/٦٠، فالدُّعاء يتضمن النّوعين، وهو في دعاء العبادة أظهر؛ ولهذا أعقبه (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي) الآية، ويفسَّر الدُّعاء في الآية بهذا وهذا.
وروى الترمذي عن النّعمان بن بشير ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول على المنبر: إنَّ الدُّعاء هو العبادة، ثمّ قرأ قوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) الآية، قال الترمذي: حديث حسنٌ صحيحٌ.
وأمَّا قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ) الآية، الحج/٧٣، وقوله: (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَاّ إِنَاثًا) الآية، النّساء/١١٧، وقوله: (وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ) الآية، فصلت/٤٨، وكل موضعٍ ذكر فيه دعاءُ المشركين لأوثانهم، فالمراد به دعاءُ العبادة المتضمن دعاءَ المسألة، فهو في دعاء العبادة أظهر ...
وقوله تعالى: (فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ) غافر/٦٥، هو دعاء العبادة، والمعنى: اعبدوه وحده وأخلصوا عبادته لا تعبدوا معه غيره.
وأمَّا قول إبراهيم ﵇: (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاء) إبراهيم/٣٩، فالمراد بالسّمع ههنا ااء الطّلب، وسَمْعُ الربِّ تعال له إثابته على الثناء، وإجابته للطلب؛ فهو سميعُ هذا وهذا.
وأمَّا قولُ زكريا ﵇: (ولم أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا) مريم/٤، فقد قيل: إنَّه دعاءُ لسّمع الخاص، وهو سمعُ الإجابة والقبول، لا السّمع العام؛ لأنَّه سميعٌ لكل مسموعٍ، وإذا كان كذلك؛ فالدُّعاء: دعاء العبادة ودعالمسألة، والمعنى: أنَّك عودتَّني إجابتَك، ولم تشقني بالرد والحرمان، فهو توسلٌ إليه بما سلف من إجابته وإحسانه، وهذا ظاهرٌ ههنا.
وأمَّا قوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ) الآية، الإسراء/١١٠؛ فهذا الدُّعاء: المشهور أنَّه دعاءُ المسألة، وهو سببُ النّزول، قالوا: كان النّبيُّ ﷺ يدعو ربه فيقول مرَّةً: يا الله. ومرَّةً: يا رحمن. فظنَّ المشركون أنَّه يدعو إلهين، فأنزل اللهُ هذه الآيةَ.
وأمَّا قوله: (إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ) الطّور/٢٨، فهذا دعاءُ العبادة المتضمن للسؤال رغبةً ورهبةً، والمعنى: إنَّا كنَّا نخلص له العبادة؛ وبهذا استحقُّوا أنْ وقاهم الله عذابَ السّموم، لا بمجرد السّؤال المشترك بين النّاجي وغيره: فإنّه سبحانه يسأله من في السّموات والأرض، (لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا) الكهف/١٤، أي: لن نعبد غيره، وكذا قوله: (أَتَدْعُونَ بَعْلاً) الآية، الصّافات/١٢٥.
وأمَّا قوله: (وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ) القصص/٦٤، فهذا دعاءُ المسألة، يبكتهم الله ويخزيهم يوم القيامة بآرائهم؛ أنَّ شركاءَهم لا يستجيبون لهم دعوتَهم، وليس المراد: اعبدوهم، وهو نظير قوله تعالى: (وَيَوْمَ يَقولُ نَادُوا شُرَكائِي الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فلمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ) الكهف/٥٢ " انتهى.
"مجموع فتاوى ابن تيمية" (١٥/١٠-١٤) باختصار. وانظر أمثلة أخرى في "بدائع الفوائد" لابن القيم (٣/٥١٣-٥٢٧) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12916
حديث ضعيف في فضل الدعاء بـ يا أرحم الراحمين
[السُّؤَالُ]
ـ[أرغب في معرفة صحة الحديث التالي: روى الحاكم عن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن لله ملكا موكلا بمن يقول: يا أرحم الراحمين. فمن قالها ثلاثا قال الملك: إن أرحم الراحمين قد أقبل عليك فسل) .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الحديث أخرجه الحاكم في "المستدرك" (١/٧٢٨) قال: حدثنا أبو بكر بن عبد الله العماني، ثنا مسعود بن زكريا التستري، ثنا كامل بن طلحة، ثنا فضال بن جبير، عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن لله ملكا موكلا بمَن يقول: يا أرحم الراحمين. فمن قالها ثلاثا قال الملك: إن أرحم الراحمين قد أقبل عليك فاسأل) .
قال الشيخ الألباني ﵀:
" ضعيف. قال الذهبي: " فضال: ليس بشيء.
قال ابن عدي في "الكامل" (١/٣٢٥) : " ولفضال بن جبير عن أبي أمامة قدر عشرة أحاديث كلها غير محفوظة "....
ثم روى الحاكم من طريق الفضل بن عيسى، عن عمه، عن أنس بن مالك ﵁ قال: مر رسول الله صلي الله عليه وسلم برجل وهو يقول: يا أرحم الراحمين! فقال له رسول الله صلي الله عليه وسلم: " سل؛ فقد نظر الله إليك ". وقال الحاكم: " الفضل بن عيسى هو الرقاشي، وأخشى أن يكون عم يزيد بن أبان، إلا أني قد وجدت له شاهداً من حديث أبي أمامة " انتهى. ثم ساق حديث الترجمة.
قلت – (الألباني) -: ويزيد بن أبان - وهو الرقاشي – متروك. والفضل بن عيسى ضعفوه كما في "المغني"، وقال فيه الحافظ: " منكر الحديث " انتهى.
"السلسلة الضعيفة" (٣٢٠٠) .
فالحديث ضعيف لا يصح، غير أن سؤال الله سبحانه بوصف الرحمة مشروع؛ لأنها من أخص صفاته ، قال الله تعالى: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) الإسراء/١١٠.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12917
إطالة السجدة الأخيرة في الصلاة من أجل الدعاء
[السُّؤَالُ]
ـ[هل إطالة السجدة الأخيرة في الصلاة من أجل الدعاء، سنة؟ حيث إن كثيراً من الأئمة يفعلون ذلك.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إطالة السجدة الأخيرة في الصلاة من أجل الدعاء ليس من السنة، بل هو مخالف للسنة.
روى البخاري (٧٩٢) ومسلم (٤٧١) عن الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: (كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرُكُوعُهُ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَسُجُودُهُ وَمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَرِيبًا مِنْ السَّوَاءِ) .
وقد سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: الإطالة في السجدة الأخيرة عن باقي أركان الصلاة للدعاء فيها والاستغفار، هل في الصلاة خلل في حالة الإطالة في السجدة الأخيرة؟ .
فأجاب:
"الإطالة في السجدة الأخيرة ليست من السنَّة؛ لأن السنَّة أن تكون أفعال الصلاة متقاربة: الركوع، والرفع منه، والسجود، والجلوس بين السجدتين، كما قال ذلك البراء بن عازب ﵁ قال: (رمقتُ الصلاة مع النبي ﷺ فوجدت قيامَه، فركوعَه، فسجودَه، فجلستَه ما بين التسليم والانصراف قريباً من السواء) ، هذا هو الأفضل، ولكن هناك محلٌ للدعاء غير السجود، وهو التشهد، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمَّا علَّم عبد الله بن مسعود التشهد قال: (ثم ليتخير من الدعاء ما شاء) ، فليجعل الدعاء قلَّ، أو كثُر بعد التشهد الأخير قبل أن يسلِّم" انتهى.
" فتاوى نور على الدرب " (شريط رقم ٣٧٦، وجه: ب) .
وقال الشيخ عبد الله الجبرين حفظه الله:
"لا أرى دليلاً، ولا أحفظه، على إطالة السجدة الأخيرة من الصلاة، ولكن لعل بعض الأئمة يفعلون ذلك لينبهوا على أن آخر الصلاة، أو آخر عمل من أعمال الصلاة، فيطولونها، حتى ينتبه المأموم للجلوس الذي هو الجلوس الأخير للتشهد، وإن كان هذا لا يكفي في تبرير هذه الإطالة" انتهى.
" فتاوى الشيخ ابن جبرين " أحكام قطع الصلاة، فتوى رقم (٢٠٤٦) من موقعه.
وفي " فتاوى إسلامية " (١/٢٥٨) قال حفظه الله:
"لا أذكر دليلاً يفيد إطالة السجدة الأخيرة، وإنما في الأحاديث التسوية بين أركان الصلاة أو كونها قريبة من السواء" انتهى.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12918
ماذا يقال في الجلسة بين خطبتي الجمعة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل هناك دعاء معين نقوله إذا جلس الخطيب بين الخطبتين يوم الجمعة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ثبت أن النبي ﷺ كان يخطب يوم الجمعة خطبتين، يفصل بينهما بجلسة يسيرة على المنبر.
فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عمر ﵄ قَالَ: (كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَقْعُدُ بَيْنَهُمَا) رواه البخاري (٩٢٨) .
ولم يَرِد عن النبي ﷺ ، ولا عن الصحابة الكرام – فيما نعلم -: الدعاء أو الذكر بكلام مُعَيَّنٍ بين خطبتي الجمعة، وإنما ذكر بعض أهل العلم استحباب الدعاء بين الخطبتين، تحريًّا لساعة الإجابة التي في يوم الجمعة، ومن أقوى الأقوال في تعيينها: أنها من أول خروج الإمام للخطبة إلى انتهاء الصلاة. وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال رقم (١١٢١٦٥) .
ولكن لما لم يكن هذا الدعاء واردا عن النبي ﷺ ، أو عن الصحابة الكرام، فلا ينبغي تأكيده وجعله سنة لازمة، كما لا يجوز رفع الصوت به والتشويش على الحضور، وقد نبه على ذلك بعض أهل العلم.
فقد نقل ابن حجر الهيتمي عن القاضي أنه قال: والدعاء في هذه الجلسة [بين الخطبتين] مستجاب. ثم قال ابن حجر:
"ويؤخذ مما ذكر عن القاضي: أن السنة للحاضرين الاشتغال وقت هذه الجلسة بالدعاء، لما تقرر أنه مستجاب حينئذ، وإذا اشتغلوا بالدعاء فالأولى أن يكون سرا، لما في الجهر من التشويش على بعضهم، ولأن الإسرار هو الأفضل في الدعاء إلا لعارض " انتهى.
"الفتاوى الفقهية الكبرى" للحافظ ابن حجر الهيتمي (١/٢٥١-٢٥٢) .
قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين ﵀:
" الدعاء حال جلوسه بين الخطبتين – ما - علمت فيه شيئا، ولا ينكر على فاعله الذي يتحرى الساعة المذكورة في يوم الجمعة " انتهى.
"رسائل وفتاوى الشيخ عبد الله أبا بطين" (ص/١٦٣) .
وقال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀:
" أما رفع اليدين والأصوات بالدعاء عند جلوس الخطيب بين الخطبتين فلا نعرف له سنة تؤيده، ولا بأس به لولا التشويش، وأنهم جعلوه سنة متبعة بغير دليل.
والمأثور: طلب السكوت إذا صعد الإمام المِنبر، وإنما السكوت للسماع؛ لذلك نقول: لا بأس بالدعاء في غير وقت السماع، ولكن يدعو خُفية، لا يؤذي غيره بدعائه، ولا يرفع كل الناس أيديهم، فيكون ذلك شعارًا من شعائر الجمعة بغير هداية من السنة فيه؛ بل إنهم يخالفون صريح السنة؛ إذ يقوم الإمام ويشرع في الخطبة الثانية وهم مستمرون على دعائهم، فأَولى لهم سماع وتدبر وقت الخطبة، وفكر وتأثر وقت الاستراحة، وأهون فعلهم هذا أن يكون بدعة مكروهة. والله أعلم " انتهى.
"مجلة المنار" (٦/٧٩٢) .
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ هل هناك دعاء معين وارد، أو ذكر معين يقوله المصلي بين خطبتي الجمعة؟ وهل ورد أن خطيب الجمعة يدعو بين الخطبتين أم لا؟
فأجاب:
"ليس هناك ذكر مخصوص أو دعاء مخصوص، لكن يدعو الإنسان بما أحب، وذلك لأن هذا الوقت وقت إجابة، فإن النبي ﷺ ذكر: (أن في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلى يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه) .
وفي صحيح مسلم من حديث أبي موسى: (أنها ما بين خروج الإمام - يعني دخوله المسجد - إلى أن تقضى الصلاة) .
فهذا الوقت وقت إجابة، فينبغي للإنسان أن يستغل الفرصة بالدعاء بين الخطبتين بما يشاء من خيري الدنيا والآخرة.
وكذلك يقال بالنسبة للإمام: إنه يدعو بين الخطبتين، لكن دعاءً سريا بما يريده من أمر الدنيا والآخرة.
وكذلك أيضا في صلاة الجمعة في السجود بعد أن يذكر الأذكار الواردة عن النبي ﷺ يدعو بما شاء.
وكذلك أيضا في التشهد يدعو قبل السلام بما شاء بعد أن يدعو بما ورد الأمر بالدعاء به" انتهى.
وقال أيضا ﵀:
"أما الدعاء في هذا الوقت فإنه خيرٌ ومستحب؛ لأن هذا الوقت وقتٌ تُرجَى فيه الإجابة، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر أن في الجمعة ساعةً لا يوافقها عبدٌ مسلم وهو قائمٌ يصلى يدعو الله تعالى إلا استجاب له.
وساعة الصلاة هي أقرب الساعات لأن تكون هي ساعة الإجابة، لِما رواه مسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (هي ما بين أن يخرج الإمام إلى أن تُقضَى الصلاة) .
فعلى هذا؛ فينبغي أن ينتهز الفرصة فيدعو بين الخطبتين.
وأما رفع اليدين بذلك فلا أعلم به بأساً؛ لأن الأصل في الدعاء أن مِن آدابه رفع اليدين، فإذا رفع الإنسان يده فلا حرج، وإذا دعا بدون رفع يد فلا حرج، وهذا في الدعاء الذي بين الخطبتين" انتهى.
"فتاوى نور على الدرب" (فتاوى الصلاة/صلاة الجمعة) .
ثالثا:
ذكر بعض الفقهاء استحباب قراءة القرآن في الجلسة بين الخطبتين، وبعضهم يخص سورة الإخلاص، يعتمدون في ذلك على حديث جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: (كَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ خُطْبَتَانِ، يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا، يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيُذَكِّرُ انَّاسَ) رواه مسلم (٨٦٢) ورواه ابن حبان في صحيحه (٧/٤٢) بلفظ قريب، وبوب عليه بقوله: " ذكر ما كان يقول المصطفى ﷺ في جلوسه بين الخطبتين " انتهى
قال الخطيب الشربيني ﵀:
"ويكون جلوسه بين الخطبتين نحو سورة الإخلاص..
وهل يقرأ فيها، أو يذكر، أو يسكت؟
لم يتعرضوا له، لكن في صحيح ابن حبان: (أنه ﷺ كان يقرأ فيها) " انتهى بتصرف.
"مغني المحتاج" (١/٥٥٧) .
والصواب أن قول جابر بن سمرة في الحديث: (يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَيُذَكِّرُ النَّاسَ) لا يعود إلى الجلسة بين الخطبتين، وإنما هي جملة حالية من الجملة الأولى: (كانت للنبي ﷺ خطبتان) يعني أنه ﷺ كان يخطب على المنبر خطبتين، تتضمنان قراءة القرآن ووعظ الناس وتذكيرهم.
ولهذا ذكر الحافظ الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (١٦/١٠٢) ، في ترجمة ابن حبان، مبحثا مهما في أوهام وقعت لابن حبان في صحيحه، فكان مما خَطَّأه فيه الذهبي تبويبه على هذا الحديث، فقال: " وقال – يعني ابن حبان -: ذكر ما كان يقرأ ﵇ في جلوسه بين الخطبتين. فما ذكر شيئا " انتهى. يريد أن الحديث لا يدل على ما بوَّب به.
فالراجح - والله أعلم – أنه ليس هناك سنة لازمة عن النبي ﷺ في هذا الموضع، وأنَّ مَن أراد أن يشغل تلك السكتة اللطيفة بدعاء أو ذكر أو قرءان فله ذلك، على ألا يشوش به على الحاضرين.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12919
حديث ضعيف في فضل الدعاء بـ يا رب يا رب
[السُّؤَالُ]
ـ[أرغب في معرفة صحة الأحاديث الآتية: روى ابن أبي الدنيا عن عائشة وأنس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا قال العبد: يا رب! يا رب! يا رب! قال الله تعالى: لبيك عبدي، سل تعط) . روى البزار عن عائشة ﵂: (إذا قال العبد: يا رب! أربعا، قال الله تعالى: لبيك عبدي، سل تعط) .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
من أسباب إجابة الدعاء سؤال الله تعالى بذكر ربوبيته، فهو سبحانه يحب من عباده الاعتراف بالفقر والذل إليه، فدعاء العبد بقوله: " يا رب "، هو مما يحبه الله ويرضاه.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في كلام له عن أسباب إجابة الدعاء، وذكر منها:
" الإلحاح على الله بتكرير ذكر ربوبيته، وهو من أعظم ما يطلب به إجابة الدعاء ... ثم روي عن أبي الدرداء وابن عباس ﵄ كانا يقولان: اسم الله الأكبر (رب، رب) ، وعن عطاء قال: ما قال عبد: يا رب! يا رب! ثلاث مرات إلا نظر الله إليه، فذكر ذلك للحسن فقال: أما تقرؤون القرآن، ثم تلا قوله تعالى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ. رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ. رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) آل عمران/١٩١-١٩٤.
ومن تأمل الأدعية المذكورة في القرآن وجدها غالبا تفتتح باسم الرب، كقوله تعالى: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) البقرة/٢٠١. (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) البقرة/٢٨٦. وقوله: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) آل عمران/٨، ومثل هذا في القرآن كثير، وسئل مالك وسفيان عمن يقول في الدعاء: يا سيدي؟ فقال: ألا يقول: يا رب. زاد مالك: كما قالت الأنبياء في دعائهم " انتهى.
"جامع العلوم والحكم" (ص١٠٦-١٠٧) .
وقال المناوي ﵀:
"من أسباب الإجابة، بل من أعظمها: الإلحاح عليه تعالى، والترامي على فضله وكرمه وعظيم ربوبيته ونواله. وإنما يقول الداعي في جؤره: " يا رب يا رب " بأداة البعد، مع كونه أقرب إليه من حبل الوريد، احتقارا لنفسه، واستبعادا لها من مظان الزلفى ومنازل المقربين، هضما لنفسه، وإقرارا عليها بالتفريط في جنب الله، مع فرط التهالك على استجابة دعوته. ذكره الزمخشري. وقد احتج بهذا الحديث مَن ذهب إلى أن الاسم الأعظم هو "الرب"." انتهى.
"فيض القدير" (١/٥٢٦) .
غير أن الحديث المذكور في السؤال لا يصح، وهو ما جاء عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (إذا قال العبد: يا رب. أربعا. قال الله ﵎: لبيك عبدي، سل تعط) .
فقد رواه ابن أبي الدنيا في "الدعاء"، وأبو الشيخ في "الثواب" – كما عزاه إليهما السيوطي في "الجامع الكبير" - والبزار في مسنده – كما في "كشف الأستار" (٤/٤١) -، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٥١/١٦٥) ، والديلمي في "مسند الفردوس" (١١٢٢) جميعهم من طريق يعقوب بن محمد الزهري عن الحكم بن سعيد الأموي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ به.
وقال البزار: لا نعلمه بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه. انتهى.
وهذا السند ضعيف، فيه علتان:
إحداهما: يعقوب بن محمد الزهري، فقد قال فيه أبو زرعة: واهي الحديث. وقال أبو حاتم: أدركته فلم أكتب عنه. ومما أُخذ عليه تحديثه عن الضعفاء. انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب" (١١/٣٩٧) .
الثانية: الحكم بن سعيد الأموي، قال فيه البخاري: منكر الحديث. انظر "ميزان الاعتدال" (١/٥٧٠) .
ولذلك قال الهيثمي عن هذا الحديث: " فيه الحكم بن سعيد الأموي وهو ضعيف " انتهى.
"مجمع الزوائد" (١٠/١٥٩) .
وقال الشيخ الألباني ﵀: "ضعيف جدا" انتهى. "السلسلة الضعيفة" (٢٦٩٣) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12920
تفصيل القول في ساعة الإجابة يوم الجمعة وحكم إطالة السجدة الأخيرة من أجل الدعاء
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا كل يوم جمعة الساعة التي قبل غروب الشمس التي يتوقع أنها ساعة الإجابة أتعمد دخول المسجد، وصلاة ركعتين لله ، تحية للمسجد؛ ثم في آخر سجدة من الركعتين أبقى ساجداً حتى الغروب، أدعو في سجودي، حتى يؤذن للمغرب؛ لأنه وقت فرصة آخر ساعة من الجمعة أحرى بالإجابة، وأزيد فرصة التحري للإجابة وأنا ساجد، وأحياناً إذا لم يكن هناك سبب للصلاة، وفي وقت النهي عن الصلاة أتعمد قراءة سورة فيها سجدة، فأسجد ساعة حتى يؤذن للمغرب يوم الجمعة، وحالي: الدعاء، وطول السجود، حتى أتاني في يوم من الأيام شخص بعد أن قمت بهذا الفعل شككني فيه، ولمح لي أنه ابتداع. هل فعلي ذلك ابتداع؟ رغم أن نيتي تحري فرص الإجابة آخر ساعة من يوم الجمعة، وأدعو وأنا ساجد، الفرصتان أحرى بالإجابة، هذا هو أصل نيتي.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
اختلف العلماء في تحديد ساعة الإجابة يوم الجمعة على أقول كثيرة، وأقوى هذه الأقوال من حيث الأدلة: أنها الساعة التي بين أذان الجمعة وانقضاء الصلاة، وكذا الساعة التي بعد العصر إلى أن تغرب الشمس، ولكل واحدة من الساعتين أدلة من السنَّة، وقائل بها من أهل العلم.
أ. أما دليل الساعة الأولى: فهو حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول - يعني في ساعة الجمعة -: (هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الإِمَامُ إِلى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ) رواه مسلم (٨٥٣) .
وأما القائلون بها: فكثير قال الحافظ ابن حجر ﵀:
"وقد اختلف السلف في أيهما أرجح، فروى البيهقي من طريق أبي الفضل أحمد بن سلمة النيسابوري أن مسلماً قال: حديث أبي موسى أجود شيء في هذا الباب وأصحه، وبذلك قال البيهقي، وابن العربي، وجماعة، وقال القرطبي: هو نص في موضع الخلاف فلا يلتفت إلى غيره، وقال النووي: هو الصحيح بل الصواب، وجزم في " الروضة " بأنه الصواب، ورجحه أيضاً بكونه مرفوعاً صريحاً، وفي أحد الصحيحين" انتهى.
" فتح الباري " (٢ / ٤٢١) .
ب. وأما دليل الساعة الثانية: فهو حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (يَوْمُ الجُمُعة ثِنْتَا عَشْرَةَ سَاعَةً، لَا يُوجَد فِيهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ الله شَيْئاً إِلَاّ آتَاهُ إِيَّاهُ، فَالْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ العَصْر) رواه أبو داود (١٠٤٨) والنسائي (١٣٨٩) ، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود "، والنووي في "المجموع" (٤ / ٤٧١) .
وأما القائلون بها: فكثير أيضاً، وعلى رأسهم الصحابيان أبو هريرة، وعبد الله بن سلام ﵄.
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
"وذهب آخرون إلى ترجيح قول عبد الله بن سلام، فحكى الترمذي عن أحمد أنه قال: أكثر الأحاديث على ذلك، وقال ابن عبد البر: إنه أثبت شيء في هذا الباب، وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن: أن ناساً من الصحابة اجتمعوا فتذاكروا ساعة الجمعة، ثم افترقوا، فلم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة، ورجَّحه كثير من الأئمة أيضا، كأحمد، وإسحاق، ومن المالكية: الطرطوشي، وحكى العلائي أن شيخه ابن الزملكاني - شيخ الشافعية في وقته - كان يختاره، ويحكيه عن نص الشافعي" انتهى.
"فتح الباري" (٢/٤٢١) .
وكل واحدة من هاتين الساعتين يُرجى فيها إجابة الدعاء.
قال الإمام أحمد: أكثر الأحاديث في الساعة التي تُرجى فيها إجابة الدعوة: أنها بعد صلاة العصر، وتُرجى بعد زوال الشمس. ونقله عنه الترمذي.
" سنن الترمذي " (٢ / ٣٦٠) .
وقال ابن القيم ﵀:
"وعندي: أن ساعة الصلاة ساعة ترجى فيها الإجابة أيضاً، فكلاهما ساعة إجابة، وإن كانت الساعة المخصوصة هي آخر ساعة بعد العصر، فهي ساعة معينة من اليوم لا تتقدم ولا تتأخر، وأما ساعة الصلاة فتابعة للصلاة تقدمت أو تأخرت؛ لأن لاجتماع المسلمين، وصلاتهم، وتضرعهم، وابتهالهم إلى الله تعالى تأثيراً في الإجابة، فساعة اجتماعهم ساعة ترجى فيها الإجابة.
وعلى هذا تتفق الأحاديث كلها، ويكون النبي ﷺ قد حض أمته على الدعاء والابتهال إلى الله تعالى في هاتين الساعتين" انتهى.
"زاد المعاد" (١/٣٩٤) .
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀:
"جاء في بعض الروايات عند مسلم أنها (حين يجلس الإمام على المنبر يوم الجمعة إلى أن تقضى الصلاة) ، هكذا جاء في صحيح مسلم من حديث أبي موسى مرفوعاً، وعلله بعضهم بأنه من كلام أبي بردة بن أبي موسى وليس مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، والصواب ثبوت رفعه إلى النبي ﷺ ، وجاء أيضا من حديث جابر بن عبد الله وعبد الله بن سلام أنها ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، وجاء في بعض الأحاديث أنها آخر ساعة من يوم الجمعة، وكلها صحيحة لا تنافي بينها، فأحراها وأرجاها: ما بين الجلوس على المنبر إلى أن تقضى الصلاة، وما بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، هذه الأوقات هي الأرجى لساعة الإجابة، وبقية الأوقات ف يوم الجمعة كلها ترجى فيها إجابة الدعاء، لكن أرجاها ما بين جلوس الإمام على المنبر إلى أن تقضى الصلاة، وما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس كما تقدم، وبقية ساعات الجمعة ترجى فيها هذه الإجابة لعموم بعض الأحاديث الواردة في ذلك، فينبغي الإكثار في يوم الجمعة من الدعاء؛ رجاء أن يصادف هذه الساعة المباركة، ولكن ينبغي أن تحظى الأوقات الثلاثة المذكورة آنفا بمزيد من العناية؛ لأن الرسول ﷺ قد نص على أنها ساعة الإجابة" انتهى.
" فتاوى الشيخ ابن باز " (١٢ / ٤٠١، ٤٠٢) .
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
"فأرجى ساعات الجمعة بالإجابة هي وقت الصلاة، وذلك لأمور:
أولاً: لأن ذلك جاء في صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
وثانياً: أن هذا اجتماع من المسلمين على عبادة واحدة بقيادة واحدة، يعني: إمام واحد، وهذا الاجتماع يكون أقرب إلى الإجابة، ولهذا في يوم عرفة حين اجتمع المسلمون على صعيد عرفة ينزل الله إلى السماء الدنيا يباهي بهم الملائكة ويجيب دعاءهم، لذلك احرص يا أخي على الدعاء في هذا الوقت، وهو وقت صلاة الجمعة، لكن متى تدخل هذه الساعة ومتى تخرج؟ تدخل من حين أن يدخل الإمام إلى أن تقضى الصلاة، فلننظر الآن متى ندعو، دخل الإمام وسلم، وبعد ذلك الأذان، الأذان ليس فيه دعاء فيه إجابة للمؤذن، بعد الأذان هناك دعاء، بين الأذان والخطبة هناك دعاء، تقول بعد الأذان: (اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة والقائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه اللهم مقاماً محموداً الذي وعدته، إنك لا تخلف الميعاد) ، ثم تدعو بما شئت، ما دام الخطيب لم يشرع في الخطبة فأنت في حل فادع الله بما شئت، كذلك أيضاً بين الخطبتين تدعو الله بما شئت من خيري الدنيا والآخرة، كذلك أيضاً في أثناء الصلاة في السجود: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) كما ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ ، أقرب ما تكون من الرب وأنت ساجد ... .
ولكن هل هناك محل دعاء ثانٍ في الصلاة؟ بعد التشهد كما في حديث ابن مسعود حين ذكر النبي ﷺ التشهد ثم قال بعده: (ثم ليتخير من الدعاء ما شاء) ، وكلمة: (ما شاء) عند علماء الأصول تفيد العموم.
فصار عندنا الآن في ساعة الإجابة وقت صلاة الجمعة عدة مواطن للدعاء، فانتهز الفرصة يا أخي، انتهز الفرصة في الدعاء في صلاة الجمعة لعلك تصادف ساعة الإجابة.
هناك أيضاً ساعة أخرى ترجى فيها الإجابة من نفس اليوم، وهي: ما بعد العصر إلى أن تغرب الشمس، لكن هذا القول أشكل على بعض العلماء، وقال: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (وهو قائمٌ يصلي) وبعد العصر لا توجد صلاة، أجاب عنهم العلماء، فقالوا: إن منتظر الصلاة في حكم المصلي؛ لقول النبي ﷺ : (ولا يزال في صلاةٍ ما انتظر الصلاة) " انتهى.
" دروس وفتاوى الحرم المدني عام ١٤١٦هـ ".
وأما قول النبي ﷺ : (وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي) وبعد صلاة العصر ليس وقتا للصلاة، فهناك احتمالان في معنى قوله ﷺ : (وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي) :
أ. أن يكون معناه الجلوس وانتظار الصلاة، ويسمى ذلك شرعاً " صلاة ".
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: فَقُلْتُ لَهُ – أي: لعبد الله بن سلام - فَأَخْبِرْنِي بِهَا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَقُلْتُ: كَيْفَ هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي) ، وَتِلْكَ السَّاعَةُ لَا يُصَلِّي فِيهَا؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ) ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: بَلَى، قَالَ: هُوَ ذَاكَ.
رواه الترمذي (٤٩١) وأبو داود (١٠٤٦) والنسائي (١٤٣٠) ، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود".
ب. ويحتمل أن يكون معناه الدعاء، والصلاة في اللغة هي "الدعاء".
قال بدر الدين العيني ﵀:
فهذا دل على أن المراد من الصلاة: الدعاء، ومن القيام: الملازمة، والمواظبة، لا حقيقة القيام.
"عمدة القاري شرح البخاري" (٦/٢٤٢) .
فيكون معنى (وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي) أي: وهو ملازم للدعاء.
فمن أراد أن يتحرى وقت الإجابة بعد العصر يوم الجمعة: فلذلك صور متعددة، منها:
١. أن يبقى بعد صلاة العصر لا يخرج من المسجد يدعو، ويتأكد ذلك منه في آخر ساعة من العصر، وهذه أعلى المنازل.
وكان سعيد بن جبير إذا صلى العصر لم يكلم أحداً حتى تغرب الشمس.
٢. أن يذهب إلى المسجد قبل المغرب بزمن، فيصلي تحية المسجد، ويدعو إلى آخر ساعة من العصر، وهذه أوسط المنازل.
٣. أن يجلس في مجلس – في بيته أو غيره – يدعو ربه تعالى في آخر ساعة من العصر، وهذه أدنى المنازل.
وقد سئل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀:
من أراد إدراك الساعة الأخيرة من يوم الجمعة للدعاء وسؤال الله هل يلزم أن يكون في المكان الذي صلى فيه العصر، أم قد يكون في المنزل، أو في مسجد آخر؟ .
فأجاب:
"ظاهر الأحاديث الإطلاق، وأن من دعا في وقت الاستجابة: يُرجى له أن يجاب في آخر ساعة من يوم الجمعة، يُرجى له أن يجاب، وكن إذا كان ينتظر الصلاة في المسجد الذي يريد فيه صلاة المغرب: فهذا أحرى؛ لأن النبي ﷺ قال: (وَهُوَ قَائِمٌ يُصّلِّي) - رواه البخاري -، والمنتظر في حكم المصلي، فيكون في محل الصلاة أرجى لإجابته، فالذي ينتظر الصلاة في حكم المصلين، وإذا كان مريضاً وفعل في بيته ذلك: فلا بأس، أو المرأة في بيتها كذلك تجلس تنتظر صلاة المغرب في مصلاها، أو المريض في مصلاه ويدعو في عصر الجمعة يرجى له الإجابة، هذا هو المشروع، إذا أراد الدعاء يقصد المسجد الذي يريد فيه صلاة المغرب مبكراً فيجلس ينتظر الصلاة، ويدعو" انتهى.
" فتاوى الشيخ ابن باز " (٣٠ / ٢٧٠ , ٢٧١) .
وعلى هذا فما تفعله – أخي السائل - خطأ من وجهين:
أ. ظنك أن الصلاة في الحديث هي الصلاة ذات الركوع والسجود، وإنما معناها: انتظار الصلاة، أو ملازمة الدعاء كما سبق.
ب. إطالة السجدة الثانية في ركعتي تحية المسجد مخالف لهدي النبي ﷺ في صلاته، حيث كان هديه ﷺ في الصلاة أن أفعالها قريبة من السواء، وقد سبق في جواب السؤال رقم (١١١٨٨٩) أن إطالة السجدة الأخيرة في الصلاة من أجل الدعاء مخالف لهدي النبي ﷺ .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →