Полный текст (16 344 стр.). Показаны 12916–12955 · переход к 12921.
стр. 12916
حديث ضعيف في فضل الدعاء بـ يا أرحم الراحمين
[السُّؤَالُ]
ـ[أرغب في معرفة صحة الحديث التالي: روى الحاكم عن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن لله ملكا موكلا بمن يقول: يا أرحم الراحمين. فمن قالها ثلاثا قال الملك: إن أرحم الراحمين قد أقبل عليك فسل) .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الحديث أخرجه الحاكم في "المستدرك" (١/٧٢٨) قال: حدثنا أبو بكر بن عبد الله العماني، ثنا مسعود بن زكريا التستري، ثنا كامل بن طلحة، ثنا فضال بن جبير، عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن لله ملكا موكلا بمَن يقول: يا أرحم الراحمين. فمن قالها ثلاثا قال الملك: إن أرحم الراحمين قد أقبل عليك فاسأل) .
قال الشيخ الألباني ﵀:
" ضعيف. قال الذهبي: " فضال: ليس بشيء.
قال ابن عدي في "الكامل" (١/٣٢٥) : " ولفضال بن جبير عن أبي أمامة قدر عشرة أحاديث كلها غير محفوظة "....
ثم روى الحاكم من طريق الفضل بن عيسى، عن عمه، عن أنس بن مالك ﵁ قال: مر رسول الله صلي الله عليه وسلم برجل وهو يقول: يا أرحم الراحمين! فقال له رسول الله صلي الله عليه وسلم: " سل؛ فقد نظر الله إليك ". وقال الحاكم: " الفضل بن عيسى هو الرقاشي، وأخشى أن يكون عم يزيد بن أبان، إلا أني قد وجدت له شاهداً من حديث أبي أمامة " انتهى. ثم ساق حديث الترجمة.
قلت – (الألباني) -: ويزيد بن أبان - وهو الرقاشي – متروك. والفضل بن عيسى ضعفوه كما في "المغني"، وقال فيه الحافظ: " منكر الحديث " انتهى.
"السلسلة الضعيفة" (٣٢٠٠) .
فالحديث ضعيف لا يصح، غير أن سؤال الله سبحانه بوصف الرحمة مشروع؛ لأنها من أخص صفاته ، قال الله تعالى: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) الإسراء/١١٠.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12917
إطالة السجدة الأخيرة في الصلاة من أجل الدعاء
[السُّؤَالُ]
ـ[هل إطالة السجدة الأخيرة في الصلاة من أجل الدعاء، سنة؟ حيث إن كثيراً من الأئمة يفعلون ذلك.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إطالة السجدة الأخيرة في الصلاة من أجل الدعاء ليس من السنة، بل هو مخالف للسنة.
روى البخاري (٧٩٢) ومسلم (٤٧١) عن الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: (كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرُكُوعُهُ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَسُجُودُهُ وَمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَرِيبًا مِنْ السَّوَاءِ) .
وقد سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: الإطالة في السجدة الأخيرة عن باقي أركان الصلاة للدعاء فيها والاستغفار، هل في الصلاة خلل في حالة الإطالة في السجدة الأخيرة؟ .
فأجاب:
"الإطالة في السجدة الأخيرة ليست من السنَّة؛ لأن السنَّة أن تكون أفعال الصلاة متقاربة: الركوع، والرفع منه، والسجود، والجلوس بين السجدتين، كما قال ذلك البراء بن عازب ﵁ قال: (رمقتُ الصلاة مع النبي ﷺ فوجدت قيامَه، فركوعَه، فسجودَه، فجلستَه ما بين التسليم والانصراف قريباً من السواء) ، هذا هو الأفضل، ولكن هناك محلٌ للدعاء غير السجود، وهو التشهد، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمَّا علَّم عبد الله بن مسعود التشهد قال: (ثم ليتخير من الدعاء ما شاء) ، فليجعل الدعاء قلَّ، أو كثُر بعد التشهد الأخير قبل أن يسلِّم" انتهى.
" فتاوى نور على الدرب " (شريط رقم ٣٧٦، وجه: ب) .
وقال الشيخ عبد الله الجبرين حفظه الله:
"لا أرى دليلاً، ولا أحفظه، على إطالة السجدة الأخيرة من الصلاة، ولكن لعل بعض الأئمة يفعلون ذلك لينبهوا على أن آخر الصلاة، أو آخر عمل من أعمال الصلاة، فيطولونها، حتى ينتبه المأموم للجلوس الذي هو الجلوس الأخير للتشهد، وإن كان هذا لا يكفي في تبرير هذه الإطالة" انتهى.
" فتاوى الشيخ ابن جبرين " أحكام قطع الصلاة، فتوى رقم (٢٠٤٦) من موقعه.
وفي " فتاوى إسلامية " (١/٢٥٨) قال حفظه الله:
"لا أذكر دليلاً يفيد إطالة السجدة الأخيرة، وإنما في الأحاديث التسوية بين أركان الصلاة أو كونها قريبة من السواء" انتهى.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12918
ماذا يقال في الجلسة بين خطبتي الجمعة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل هناك دعاء معين نقوله إذا جلس الخطيب بين الخطبتين يوم الجمعة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ثبت أن النبي ﷺ كان يخطب يوم الجمعة خطبتين، يفصل بينهما بجلسة يسيرة على المنبر.
فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عمر ﵄ قَالَ: (كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَقْعُدُ بَيْنَهُمَا) رواه البخاري (٩٢٨) .
ولم يَرِد عن النبي ﷺ ، ولا عن الصحابة الكرام – فيما نعلم -: الدعاء أو الذكر بكلام مُعَيَّنٍ بين خطبتي الجمعة، وإنما ذكر بعض أهل العلم استحباب الدعاء بين الخطبتين، تحريًّا لساعة الإجابة التي في يوم الجمعة، ومن أقوى الأقوال في تعيينها: أنها من أول خروج الإمام للخطبة إلى انتهاء الصلاة. وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال رقم (١١٢١٦٥) .
ولكن لما لم يكن هذا الدعاء واردا عن النبي ﷺ ، أو عن الصحابة الكرام، فلا ينبغي تأكيده وجعله سنة لازمة، كما لا يجوز رفع الصوت به والتشويش على الحضور، وقد نبه على ذلك بعض أهل العلم.
فقد نقل ابن حجر الهيتمي عن القاضي أنه قال: والدعاء في هذه الجلسة [بين الخطبتين] مستجاب. ثم قال ابن حجر:
"ويؤخذ مما ذكر عن القاضي: أن السنة للحاضرين الاشتغال وقت هذه الجلسة بالدعاء، لما تقرر أنه مستجاب حينئذ، وإذا اشتغلوا بالدعاء فالأولى أن يكون سرا، لما في الجهر من التشويش على بعضهم، ولأن الإسرار هو الأفضل في الدعاء إلا لعارض " انتهى.
"الفتاوى الفقهية الكبرى" للحافظ ابن حجر الهيتمي (١/٢٥١-٢٥٢) .
قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين ﵀:
" الدعاء حال جلوسه بين الخطبتين – ما - علمت فيه شيئا، ولا ينكر على فاعله الذي يتحرى الساعة المذكورة في يوم الجمعة " انتهى.
"رسائل وفتاوى الشيخ عبد الله أبا بطين" (ص/١٦٣) .
وقال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀:
" أما رفع اليدين والأصوات بالدعاء عند جلوس الخطيب بين الخطبتين فلا نعرف له سنة تؤيده، ولا بأس به لولا التشويش، وأنهم جعلوه سنة متبعة بغير دليل.
والمأثور: طلب السكوت إذا صعد الإمام المِنبر، وإنما السكوت للسماع؛ لذلك نقول: لا بأس بالدعاء في غير وقت السماع، ولكن يدعو خُفية، لا يؤذي غيره بدعائه، ولا يرفع كل الناس أيديهم، فيكون ذلك شعارًا من شعائر الجمعة بغير هداية من السنة فيه؛ بل إنهم يخالفون صريح السنة؛ إذ يقوم الإمام ويشرع في الخطبة الثانية وهم مستمرون على دعائهم، فأَولى لهم سماع وتدبر وقت الخطبة، وفكر وتأثر وقت الاستراحة، وأهون فعلهم هذا أن يكون بدعة مكروهة. والله أعلم " انتهى.
"مجلة المنار" (٦/٧٩٢) .
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ هل هناك دعاء معين وارد، أو ذكر معين يقوله المصلي بين خطبتي الجمعة؟ وهل ورد أن خطيب الجمعة يدعو بين الخطبتين أم لا؟
فأجاب:
"ليس هناك ذكر مخصوص أو دعاء مخصوص، لكن يدعو الإنسان بما أحب، وذلك لأن هذا الوقت وقت إجابة، فإن النبي ﷺ ذكر: (أن في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلى يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه) .
وفي صحيح مسلم من حديث أبي موسى: (أنها ما بين خروج الإمام - يعني دخوله المسجد - إلى أن تقضى الصلاة) .
فهذا الوقت وقت إجابة، فينبغي للإنسان أن يستغل الفرصة بالدعاء بين الخطبتين بما يشاء من خيري الدنيا والآخرة.
وكذلك يقال بالنسبة للإمام: إنه يدعو بين الخطبتين، لكن دعاءً سريا بما يريده من أمر الدنيا والآخرة.
وكذلك أيضا في صلاة الجمعة في السجود بعد أن يذكر الأذكار الواردة عن النبي ﷺ يدعو بما شاء.
وكذلك أيضا في التشهد يدعو قبل السلام بما شاء بعد أن يدعو بما ورد الأمر بالدعاء به" انتهى.
وقال أيضا ﵀:
"أما الدعاء في هذا الوقت فإنه خيرٌ ومستحب؛ لأن هذا الوقت وقتٌ تُرجَى فيه الإجابة، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر أن في الجمعة ساعةً لا يوافقها عبدٌ مسلم وهو قائمٌ يصلى يدعو الله تعالى إلا استجاب له.
وساعة الصلاة هي أقرب الساعات لأن تكون هي ساعة الإجابة، لِما رواه مسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (هي ما بين أن يخرج الإمام إلى أن تُقضَى الصلاة) .
فعلى هذا؛ فينبغي أن ينتهز الفرصة فيدعو بين الخطبتين.
وأما رفع اليدين بذلك فلا أعلم به بأساً؛ لأن الأصل في الدعاء أن مِن آدابه رفع اليدين، فإذا رفع الإنسان يده فلا حرج، وإذا دعا بدون رفع يد فلا حرج، وهذا في الدعاء الذي بين الخطبتين" انتهى.
"فتاوى نور على الدرب" (فتاوى الصلاة/صلاة الجمعة) .
ثالثا:
ذكر بعض الفقهاء استحباب قراءة القرآن في الجلسة بين الخطبتين، وبعضهم يخص سورة الإخلاص، يعتمدون في ذلك على حديث جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: (كَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ خُطْبَتَانِ، يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا، يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيُذَكِّرُ انَّاسَ) رواه مسلم (٨٦٢) ورواه ابن حبان في صحيحه (٧/٤٢) بلفظ قريب، وبوب عليه بقوله: " ذكر ما كان يقول المصطفى ﷺ في جلوسه بين الخطبتين " انتهى
قال الخطيب الشربيني ﵀:
"ويكون جلوسه بين الخطبتين نحو سورة الإخلاص..
وهل يقرأ فيها، أو يذكر، أو يسكت؟
لم يتعرضوا له، لكن في صحيح ابن حبان: (أنه ﷺ كان يقرأ فيها) " انتهى بتصرف.
"مغني المحتاج" (١/٥٥٧) .
والصواب أن قول جابر بن سمرة في الحديث: (يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَيُذَكِّرُ النَّاسَ) لا يعود إلى الجلسة بين الخطبتين، وإنما هي جملة حالية من الجملة الأولى: (كانت للنبي ﷺ خطبتان) يعني أنه ﷺ كان يخطب على المنبر خطبتين، تتضمنان قراءة القرآن ووعظ الناس وتذكيرهم.
ولهذا ذكر الحافظ الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (١٦/١٠٢) ، في ترجمة ابن حبان، مبحثا مهما في أوهام وقعت لابن حبان في صحيحه، فكان مما خَطَّأه فيه الذهبي تبويبه على هذا الحديث، فقال: " وقال – يعني ابن حبان -: ذكر ما كان يقرأ ﵇ في جلوسه بين الخطبتين. فما ذكر شيئا " انتهى. يريد أن الحديث لا يدل على ما بوَّب به.
فالراجح - والله أعلم – أنه ليس هناك سنة لازمة عن النبي ﷺ في هذا الموضع، وأنَّ مَن أراد أن يشغل تلك السكتة اللطيفة بدعاء أو ذكر أو قرءان فله ذلك، على ألا يشوش به على الحاضرين.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12919
حديث ضعيف في فضل الدعاء بـ يا رب يا رب
[السُّؤَالُ]
ـ[أرغب في معرفة صحة الأحاديث الآتية: روى ابن أبي الدنيا عن عائشة وأنس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا قال العبد: يا رب! يا رب! يا رب! قال الله تعالى: لبيك عبدي، سل تعط) . روى البزار عن عائشة ﵂: (إذا قال العبد: يا رب! أربعا، قال الله تعالى: لبيك عبدي، سل تعط) .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
من أسباب إجابة الدعاء سؤال الله تعالى بذكر ربوبيته، فهو سبحانه يحب من عباده الاعتراف بالفقر والذل إليه، فدعاء العبد بقوله: " يا رب "، هو مما يحبه الله ويرضاه.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في كلام له عن أسباب إجابة الدعاء، وذكر منها:
" الإلحاح على الله بتكرير ذكر ربوبيته، وهو من أعظم ما يطلب به إجابة الدعاء ... ثم روي عن أبي الدرداء وابن عباس ﵄ كانا يقولان: اسم الله الأكبر (رب، رب) ، وعن عطاء قال: ما قال عبد: يا رب! يا رب! ثلاث مرات إلا نظر الله إليه، فذكر ذلك للحسن فقال: أما تقرؤون القرآن، ثم تلا قوله تعالى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ. رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ. رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) آل عمران/١٩١-١٩٤.
ومن تأمل الأدعية المذكورة في القرآن وجدها غالبا تفتتح باسم الرب، كقوله تعالى: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) البقرة/٢٠١. (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) البقرة/٢٨٦. وقوله: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) آل عمران/٨، ومثل هذا في القرآن كثير، وسئل مالك وسفيان عمن يقول في الدعاء: يا سيدي؟ فقال: ألا يقول: يا رب. زاد مالك: كما قالت الأنبياء في دعائهم " انتهى.
"جامع العلوم والحكم" (ص١٠٦-١٠٧) .
وقال المناوي ﵀:
"من أسباب الإجابة، بل من أعظمها: الإلحاح عليه تعالى، والترامي على فضله وكرمه وعظيم ربوبيته ونواله. وإنما يقول الداعي في جؤره: " يا رب يا رب " بأداة البعد، مع كونه أقرب إليه من حبل الوريد، احتقارا لنفسه، واستبعادا لها من مظان الزلفى ومنازل المقربين، هضما لنفسه، وإقرارا عليها بالتفريط في جنب الله، مع فرط التهالك على استجابة دعوته. ذكره الزمخشري. وقد احتج بهذا الحديث مَن ذهب إلى أن الاسم الأعظم هو "الرب"." انتهى.
"فيض القدير" (١/٥٢٦) .
غير أن الحديث المذكور في السؤال لا يصح، وهو ما جاء عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (إذا قال العبد: يا رب. أربعا. قال الله ﵎: لبيك عبدي، سل تعط) .
فقد رواه ابن أبي الدنيا في "الدعاء"، وأبو الشيخ في "الثواب" – كما عزاه إليهما السيوطي في "الجامع الكبير" - والبزار في مسنده – كما في "كشف الأستار" (٤/٤١) -، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٥١/١٦٥) ، والديلمي في "مسند الفردوس" (١١٢٢) جميعهم من طريق يعقوب بن محمد الزهري عن الحكم بن سعيد الأموي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ به.
وقال البزار: لا نعلمه بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه. انتهى.
وهذا السند ضعيف، فيه علتان:
إحداهما: يعقوب بن محمد الزهري، فقد قال فيه أبو زرعة: واهي الحديث. وقال أبو حاتم: أدركته فلم أكتب عنه. ومما أُخذ عليه تحديثه عن الضعفاء. انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب" (١١/٣٩٧) .
الثانية: الحكم بن سعيد الأموي، قال فيه البخاري: منكر الحديث. انظر "ميزان الاعتدال" (١/٥٧٠) .
ولذلك قال الهيثمي عن هذا الحديث: " فيه الحكم بن سعيد الأموي وهو ضعيف " انتهى.
"مجمع الزوائد" (١٠/١٥٩) .
وقال الشيخ الألباني ﵀: "ضعيف جدا" انتهى. "السلسلة الضعيفة" (٢٦٩٣) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12920
تفصيل القول في ساعة الإجابة يوم الجمعة وحكم إطالة السجدة الأخيرة من أجل الدعاء
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا كل يوم جمعة الساعة التي قبل غروب الشمس التي يتوقع أنها ساعة الإجابة أتعمد دخول المسجد، وصلاة ركعتين لله ، تحية للمسجد؛ ثم في آخر سجدة من الركعتين أبقى ساجداً حتى الغروب، أدعو في سجودي، حتى يؤذن للمغرب؛ لأنه وقت فرصة آخر ساعة من الجمعة أحرى بالإجابة، وأزيد فرصة التحري للإجابة وأنا ساجد، وأحياناً إذا لم يكن هناك سبب للصلاة، وفي وقت النهي عن الصلاة أتعمد قراءة سورة فيها سجدة، فأسجد ساعة حتى يؤذن للمغرب يوم الجمعة، وحالي: الدعاء، وطول السجود، حتى أتاني في يوم من الأيام شخص بعد أن قمت بهذا الفعل شككني فيه، ولمح لي أنه ابتداع. هل فعلي ذلك ابتداع؟ رغم أن نيتي تحري فرص الإجابة آخر ساعة من يوم الجمعة، وأدعو وأنا ساجد، الفرصتان أحرى بالإجابة، هذا هو أصل نيتي.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
اختلف العلماء في تحديد ساعة الإجابة يوم الجمعة على أقول كثيرة، وأقوى هذه الأقوال من حيث الأدلة: أنها الساعة التي بين أذان الجمعة وانقضاء الصلاة، وكذا الساعة التي بعد العصر إلى أن تغرب الشمس، ولكل واحدة من الساعتين أدلة من السنَّة، وقائل بها من أهل العلم.
أ. أما دليل الساعة الأولى: فهو حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول - يعني في ساعة الجمعة -: (هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الإِمَامُ إِلى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ) رواه مسلم (٨٥٣) .
وأما القائلون بها: فكثير قال الحافظ ابن حجر ﵀:
"وقد اختلف السلف في أيهما أرجح، فروى البيهقي من طريق أبي الفضل أحمد بن سلمة النيسابوري أن مسلماً قال: حديث أبي موسى أجود شيء في هذا الباب وأصحه، وبذلك قال البيهقي، وابن العربي، وجماعة، وقال القرطبي: هو نص في موضع الخلاف فلا يلتفت إلى غيره، وقال النووي: هو الصحيح بل الصواب، وجزم في " الروضة " بأنه الصواب، ورجحه أيضاً بكونه مرفوعاً صريحاً، وفي أحد الصحيحين" انتهى.
" فتح الباري " (٢ / ٤٢١) .
ب. وأما دليل الساعة الثانية: فهو حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (يَوْمُ الجُمُعة ثِنْتَا عَشْرَةَ سَاعَةً، لَا يُوجَد فِيهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ الله شَيْئاً إِلَاّ آتَاهُ إِيَّاهُ، فَالْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ العَصْر) رواه أبو داود (١٠٤٨) والنسائي (١٣٨٩) ، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود "، والنووي في "المجموع" (٤ / ٤٧١) .
وأما القائلون بها: فكثير أيضاً، وعلى رأسهم الصحابيان أبو هريرة، وعبد الله بن سلام ﵄.
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
"وذهب آخرون إلى ترجيح قول عبد الله بن سلام، فحكى الترمذي عن أحمد أنه قال: أكثر الأحاديث على ذلك، وقال ابن عبد البر: إنه أثبت شيء في هذا الباب، وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن: أن ناساً من الصحابة اجتمعوا فتذاكروا ساعة الجمعة، ثم افترقوا، فلم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة، ورجَّحه كثير من الأئمة أيضا، كأحمد، وإسحاق، ومن المالكية: الطرطوشي، وحكى العلائي أن شيخه ابن الزملكاني - شيخ الشافعية في وقته - كان يختاره، ويحكيه عن نص الشافعي" انتهى.
"فتح الباري" (٢/٤٢١) .
وكل واحدة من هاتين الساعتين يُرجى فيها إجابة الدعاء.
قال الإمام أحمد: أكثر الأحاديث في الساعة التي تُرجى فيها إجابة الدعوة: أنها بعد صلاة العصر، وتُرجى بعد زوال الشمس. ونقله عنه الترمذي.
" سنن الترمذي " (٢ / ٣٦٠) .
وقال ابن القيم ﵀:
"وعندي: أن ساعة الصلاة ساعة ترجى فيها الإجابة أيضاً، فكلاهما ساعة إجابة، وإن كانت الساعة المخصوصة هي آخر ساعة بعد العصر، فهي ساعة معينة من اليوم لا تتقدم ولا تتأخر، وأما ساعة الصلاة فتابعة للصلاة تقدمت أو تأخرت؛ لأن لاجتماع المسلمين، وصلاتهم، وتضرعهم، وابتهالهم إلى الله تعالى تأثيراً في الإجابة، فساعة اجتماعهم ساعة ترجى فيها الإجابة.
وعلى هذا تتفق الأحاديث كلها، ويكون النبي ﷺ قد حض أمته على الدعاء والابتهال إلى الله تعالى في هاتين الساعتين" انتهى.
"زاد المعاد" (١/٣٩٤) .
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀:
"جاء في بعض الروايات عند مسلم أنها (حين يجلس الإمام على المنبر يوم الجمعة إلى أن تقضى الصلاة) ، هكذا جاء في صحيح مسلم من حديث أبي موسى مرفوعاً، وعلله بعضهم بأنه من كلام أبي بردة بن أبي موسى وليس مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، والصواب ثبوت رفعه إلى النبي ﷺ ، وجاء أيضا من حديث جابر بن عبد الله وعبد الله بن سلام أنها ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، وجاء في بعض الأحاديث أنها آخر ساعة من يوم الجمعة، وكلها صحيحة لا تنافي بينها، فأحراها وأرجاها: ما بين الجلوس على المنبر إلى أن تقضى الصلاة، وما بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، هذه الأوقات هي الأرجى لساعة الإجابة، وبقية الأوقات ف يوم الجمعة كلها ترجى فيها إجابة الدعاء، لكن أرجاها ما بين جلوس الإمام على المنبر إلى أن تقضى الصلاة، وما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس كما تقدم، وبقية ساعات الجمعة ترجى فيها هذه الإجابة لعموم بعض الأحاديث الواردة في ذلك، فينبغي الإكثار في يوم الجمعة من الدعاء؛ رجاء أن يصادف هذه الساعة المباركة، ولكن ينبغي أن تحظى الأوقات الثلاثة المذكورة آنفا بمزيد من العناية؛ لأن الرسول ﷺ قد نص على أنها ساعة الإجابة" انتهى.
" فتاوى الشيخ ابن باز " (١٢ / ٤٠١، ٤٠٢) .
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
"فأرجى ساعات الجمعة بالإجابة هي وقت الصلاة، وذلك لأمور:
أولاً: لأن ذلك جاء في صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
وثانياً: أن هذا اجتماع من المسلمين على عبادة واحدة بقيادة واحدة، يعني: إمام واحد، وهذا الاجتماع يكون أقرب إلى الإجابة، ولهذا في يوم عرفة حين اجتمع المسلمون على صعيد عرفة ينزل الله إلى السماء الدنيا يباهي بهم الملائكة ويجيب دعاءهم، لذلك احرص يا أخي على الدعاء في هذا الوقت، وهو وقت صلاة الجمعة، لكن متى تدخل هذه الساعة ومتى تخرج؟ تدخل من حين أن يدخل الإمام إلى أن تقضى الصلاة، فلننظر الآن متى ندعو، دخل الإمام وسلم، وبعد ذلك الأذان، الأذان ليس فيه دعاء فيه إجابة للمؤذن، بعد الأذان هناك دعاء، بين الأذان والخطبة هناك دعاء، تقول بعد الأذان: (اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة والقائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه اللهم مقاماً محموداً الذي وعدته، إنك لا تخلف الميعاد) ، ثم تدعو بما شئت، ما دام الخطيب لم يشرع في الخطبة فأنت في حل فادع الله بما شئت، كذلك أيضاً بين الخطبتين تدعو الله بما شئت من خيري الدنيا والآخرة، كذلك أيضاً في أثناء الصلاة في السجود: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) كما ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ ، أقرب ما تكون من الرب وأنت ساجد ... .
ولكن هل هناك محل دعاء ثانٍ في الصلاة؟ بعد التشهد كما في حديث ابن مسعود حين ذكر النبي ﷺ التشهد ثم قال بعده: (ثم ليتخير من الدعاء ما شاء) ، وكلمة: (ما شاء) عند علماء الأصول تفيد العموم.
فصار عندنا الآن في ساعة الإجابة وقت صلاة الجمعة عدة مواطن للدعاء، فانتهز الفرصة يا أخي، انتهز الفرصة في الدعاء في صلاة الجمعة لعلك تصادف ساعة الإجابة.
هناك أيضاً ساعة أخرى ترجى فيها الإجابة من نفس اليوم، وهي: ما بعد العصر إلى أن تغرب الشمس، لكن هذا القول أشكل على بعض العلماء، وقال: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (وهو قائمٌ يصلي) وبعد العصر لا توجد صلاة، أجاب عنهم العلماء، فقالوا: إن منتظر الصلاة في حكم المصلي؛ لقول النبي ﷺ : (ولا يزال في صلاةٍ ما انتظر الصلاة) " انتهى.
" دروس وفتاوى الحرم المدني عام ١٤١٦هـ ".
وأما قول النبي ﷺ : (وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي) وبعد صلاة العصر ليس وقتا للصلاة، فهناك احتمالان في معنى قوله ﷺ : (وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي) :
أ. أن يكون معناه الجلوس وانتظار الصلاة، ويسمى ذلك شرعاً " صلاة ".
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: فَقُلْتُ لَهُ – أي: لعبد الله بن سلام - فَأَخْبِرْنِي بِهَا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَقُلْتُ: كَيْفَ هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي) ، وَتِلْكَ السَّاعَةُ لَا يُصَلِّي فِيهَا؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ) ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: بَلَى، قَالَ: هُوَ ذَاكَ.
رواه الترمذي (٤٩١) وأبو داود (١٠٤٦) والنسائي (١٤٣٠) ، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود".
ب. ويحتمل أن يكون معناه الدعاء، والصلاة في اللغة هي "الدعاء".
قال بدر الدين العيني ﵀:
فهذا دل على أن المراد من الصلاة: الدعاء، ومن القيام: الملازمة، والمواظبة، لا حقيقة القيام.
"عمدة القاري شرح البخاري" (٦/٢٤٢) .
فيكون معنى (وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي) أي: وهو ملازم للدعاء.
فمن أراد أن يتحرى وقت الإجابة بعد العصر يوم الجمعة: فلذلك صور متعددة، منها:
١. أن يبقى بعد صلاة العصر لا يخرج من المسجد يدعو، ويتأكد ذلك منه في آخر ساعة من العصر، وهذه أعلى المنازل.
وكان سعيد بن جبير إذا صلى العصر لم يكلم أحداً حتى تغرب الشمس.
٢. أن يذهب إلى المسجد قبل المغرب بزمن، فيصلي تحية المسجد، ويدعو إلى آخر ساعة من العصر، وهذه أوسط المنازل.
٣. أن يجلس في مجلس – في بيته أو غيره – يدعو ربه تعالى في آخر ساعة من العصر، وهذه أدنى المنازل.
وقد سئل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀:
من أراد إدراك الساعة الأخيرة من يوم الجمعة للدعاء وسؤال الله هل يلزم أن يكون في المكان الذي صلى فيه العصر، أم قد يكون في المنزل، أو في مسجد آخر؟ .
فأجاب:
"ظاهر الأحاديث الإطلاق، وأن من دعا في وقت الاستجابة: يُرجى له أن يجاب في آخر ساعة من يوم الجمعة، يُرجى له أن يجاب، وكن إذا كان ينتظر الصلاة في المسجد الذي يريد فيه صلاة المغرب: فهذا أحرى؛ لأن النبي ﷺ قال: (وَهُوَ قَائِمٌ يُصّلِّي) - رواه البخاري -، والمنتظر في حكم المصلي، فيكون في محل الصلاة أرجى لإجابته، فالذي ينتظر الصلاة في حكم المصلين، وإذا كان مريضاً وفعل في بيته ذلك: فلا بأس، أو المرأة في بيتها كذلك تجلس تنتظر صلاة المغرب في مصلاها، أو المريض في مصلاه ويدعو في عصر الجمعة يرجى له الإجابة، هذا هو المشروع، إذا أراد الدعاء يقصد المسجد الذي يريد فيه صلاة المغرب مبكراً فيجلس ينتظر الصلاة، ويدعو" انتهى.
" فتاوى الشيخ ابن باز " (٣٠ / ٢٧٠ , ٢٧١) .
وعلى هذا فما تفعله – أخي السائل - خطأ من وجهين:
أ. ظنك أن الصلاة في الحديث هي الصلاة ذات الركوع والسجود، وإنما معناها: انتظار الصلاة، أو ملازمة الدعاء كما سبق.
ب. إطالة السجدة الثانية في ركعتي تحية المسجد مخالف لهدي النبي ﷺ في صلاته، حيث كان هديه ﷺ في الصلاة أن أفعالها قريبة من السواء، وقد سبق في جواب السؤال رقم (١١١٨٨٩) أن إطالة السجدة الأخيرة في الصلاة من أجل الدعاء مخالف لهدي النبي ﷺ .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12921
مسح الوجه باليدين بعد الدعاء
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا دعا الإنسان فهل يمسح وجهه بيديه بعد الدعاء؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"دعاء العبد ربه وسؤاله إياه مشروع ومرغب فيه، ورفع اليدين فيه ضراعةً وابتهالاً إلى الله ثابت مشروع أيضاً، وأما مسح الوجه بالكفين عقب الدعاء فقد ورد فيه حديث ضعيف، رواه ابن ماجه من طريق صالح بن حسان النضري، عن محمد بن كعب القرظي، عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : (إذا دعوت الله فادع ببطون كفيك، ولا تدع بظهورهما، فإذا فرغت فامسح بهما وجهك) لضعف صالح بن حسان؛ فقد ضعفه أحمد وابن معين وأبو حاتم والدراقطني، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال أبو نعيم الأصبهاني: منكر الحديث متروك، وقال ابن حبان: كان صاحب قينات وسماع، وكان يروي الموضوعات عن الأثبات، وقال ابن الجوزي في هذا الحديث: لا يصح؛ فيه صالح بن حسان.
وورد فيه حديث آخر رواه الترمذي في سننه قال: حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى وإبراهيم بن يعقوب وغير واحد، قالوا: حدثنا حماد بن عيسى الجهني، عن حنظلة بن أبي سفيان الجحمي عن سالم بن عبد الله، عن أبيه عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه) قال محمد بن المثنى في حديثة: (لم يردهما حتى يمسح بهما وجهه) قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث حماد بن عيسى، وقد انفرد به وهو قليل الحديث، وحنظلة بن أبي سفيان ثقة، وثقة يحيى بن سعيد القطان. اهـ. ولكن فيه حماد بن عيسى وهو ضعيف، وقد تفرد به على ما ذكره الترمذي.
ولما كان الدعاء عبادة مشروعة، ولم يثبت في مسح الوجه بالكفين سنة قولية أو عملية، بل روي ذلك من طرق ضعيفة – فالأولى تركه؛ عملاً بالأحاديث الصحيحة التي لم يذكر فيها المسح" انتهى.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... الشيخ عبد الرزاق عفيفي ... الشيخ عبد الله بن غديان ... الشيخ عبد الله بن قعود.
"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" (٢٤/٢١٥) .
وينظر: جواب السؤال رقم (٣٩١٧٤) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12922
قول بعض الخطباء: في السماء ملكك وفي الأرض سلطانك وفي البحر عظمتك
[السُّؤَالُ]
ـ[يرد على ألسنة بعض الأئمة والخطباء في مستهل خطبهم وبعد حمد الله والثناء عليه قولهم هذه العبارة، وهي: (في السماء ملكك، وفي الأرض سلطانك، وفي البحر عظمتك) فهل ورد نص شرعي من السنة عن النبي ﷺ أو أحد من صحابته الكرام بهذا الدعاء؟ وإن كان لم يرد ألا تدل هذه العبارة على تخصيص ملك الله في السماء فقط؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"حمد الله والثناء عليه بما هو أهله في خطبة الجمعة إنما يكون بما ثبت في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وما لا محذور فيه شرعاً من مطلق المحامد والثناء على الله تعالى.
أما العبارة المذكورة في السؤال فتركها أولى؛ لأن فيها إيهاماً، فقد يظن البعض تخصيص الملك بالسماء فقط، أو السلطان بالأرض فقط، وهكذا.
وعظمة الله وملكه وسلطانه وقهره عام في جميع خلقه، فمن تأمل جميع ما خلقه الله أدرك عظمة الله، وملكه لذلك، وسعة سلطانه، وقهره لجميع خلقه، قال الله تعالى:) لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ) غافر/٥٧، وقال تعالى: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) الذاريات/٢٠، ٢١، وقال تعالى: (أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ) الأعراف/١٨٥، وقال تعالى: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) البقرة/٢٥٥، وقال سبحانه: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) المائدة/١٢٠.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... الشيخ عبد العزيز آل الشيخ ... الشيخ صالح الفوزان ... الشيخ بكر أبو زيد.
"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" (٢٦/٣٦٩) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12923
يسأل عن آيات أو أدعية تسهل عليه حفظ القرآن
[السُّؤَالُ]
ـ[إنني أرغب في حفظ القرآن ولم أستطع، وسمعت أن هناك آيات إذا قرأتها وبعض الأدعية والصلوات يكون ذلك سبباً في تيسيره، هل لي من إفادة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"ليس هناك آيات أو صلوات مخصوصة لحفظ القرآن، وإنما المسلم يجتهد ويحرص على حفظ القرآن الكريم، وقد قال الله تعالى: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) القمر/١٧، فمن اجتهد في حفظ القرآن أعانه الله ويسره عليه، وأما تخصيص آيات أو صلوات من أجل ذلك فلا دليل على ذلك، ولكن عليه أن يدعو الله كثيراً أن يعينه على حفظ القرآن، والله قريب مجيب.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... الشيخ عبد الرزاق عفيفي ... الشيخ عبد الله بن غديان ... الشيخ صالح الفوزان ... الشيخ عبد العزيز آل الشيخ ... الشيخ بكر أبو زيد.
"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" (٢٤/٢٤٥) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12924
الصلاة والسلام على الأنبياء والدعاء لغيرهم بالرضوان والرحمة والسلامة
[السُّؤَالُ]
ـ[المعروف هو أن قولنا: ﷺ مختص بنبينا محمد، فهل يجوز الدعاء بهذا الدعاء بهذا اللفظ لغيره من الأنبياء؟ ومن هم المختصون بكل واحد من هذه الألفاظ: ﵁، ﵀، سلمه الله؟ وهل يجوز الدعاء للعالم الجليل الذي اجتهد طول حياته في دعوة الناس إلى الله ورسوله، مثل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ولأمثاله في عصرنا هذا إذا ماتوا بلفظ: ﵁ أو ﵇ ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً: الدعاء بـ ﷺ ليس خاصاً بنبينا محمد ﷺ ، بل هو لجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
ثانياً: الدعاء بـ: ﵁ اصطلح أهل العلم على جعل هذا الدعاء شعاراً للصحابة ﵃، ولو دعا به الإنسان أحياناًُ لأحد من المسلمين فلا حرج.
ثالثاً: الدعاء بـ: ﵀ و (سلمه الله) دعاء مشروع يدعى به للمسلم الحي والميت.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم"انتهى.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ ... الشيخ عبد الله بن غديان ... الشيخ صالح الفوزان ... الشيخ بكر أبو زيد.
"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" (٢٤/١٦٠) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12925
ما الفائدة من صلاة الاستخارة بما أن الأمور مقدرة من قبل ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[بالنسبة لصلاة الاستخارة: يجول في خاطر الإنسان أحياناً: ما الفائدة من السؤال والدعاء والسعي، ما دام أن قضاء الله هو الذي سيحدث؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
جعل الله تعالى الدعاء سبباً لحصول المطلوب، ونيل المرغوب، وقد أمر به الرب جل وعلا، فقال: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) غافر/٦٠.
إذا فهم هذا لم يبق هناك إشكال؛ لأن الله يقدر الأمور بأسبابها، فحصول الولد - مثلا – حين يكتب لابن آدم لا بد أن يسبقه الزواج والجماع كي يأتي بعده الولد، فلا يمكن أن تقع النتائج دون أسبابها، والكون كله مفطور على هذا النسق من ارتباط الأسباب والمسببات.
وهكذا الدعاء أو (الاستخارة) أيضا:
فقد كتب الله تعالى كثيرا من الأقدار معلقة بدعائه وسؤاله ، فلا يقع المراد من غير سببه، وهو الدعاء، إلى جانب الأسباب الحسية، وقد دلت الأحاديث النبوية على هذا التقرير بكل وضوح.
فعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إِنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ، فَعَلَيْكُمْ عِبَادَ اللهِ بِالدُّعَاءِ) . رواه الترمذي (٣٥٤٨) وحسنه الألباني في "صحيح الجامع" (٣٤٠٩)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – كما في "مجموع الفتاوى" (٨/٦٩) -:
" ومن قال: أنا لا أدعو ولا أسأل اتكالاً على القدر، كان مخطئًا أيضًا؛ لأن الله جعل الدعاء
والسؤال من الأسباب التي ينال بها مغفرته ورحمته وهداه ونصره ورزقه، وإذا قدر للعبد خيرًا يناله بالدعاء لم يحصل بدون الدعاء، وما قدره الله وعلمه من أحوال العباد وعواقبهم فإنما قدره الله بأسباب، يسوق المقادير إلى المواقيت، فليس في الدنيا والآخرة شيء إلا بسبب، والله خالق الأسباب والمسببات.
فمحو الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل " انتهى.
وقال أيضا (٨/٢٨٧) : " قول بعضهم: إن الدعاء ليس هو إلا عبادة محضة؛ لأن المقدور كائن، دعا أو لم يدع.
فيقال له: إذا كان الله قد جعل الدعاء سببًا لنيل المطلوب المقدر، فكيف يقع بدون الدعاء! " انتهى.
وقال ابن القيم في "الجواب الكافي" (ص/٤) :
" الدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء، يدافعه ويعالجه ويمنع نزوله ويرفعه أو يخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن، وله مع البلاء ثلاث مقامات:
أحدها: أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه.
الثاني: أن يكون أضعف من البلاء، فيقوى عليه البلاء، فيصاب به العبد، ولكن قد يخففه وإن كان ضعيفا.
الثالث: أن يتقاوما ويمنع كل واحد منهما صاحبه " انتهى باختصار.
وقال الشيخ ابن عثيمين – كما في "المجموع الثمين من فتاوى فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين" (١/١٥٧) -:
" الدعاء من الأسباب التي يحصل بها المدعو، وهو في الواقع يرد القضاء، ولا يرد القضاء إلا الدعاء، يعني له جهتان، فمثلاً: هذا المريض قد يدعو الله تعالى بالشفاء فيشفى، فهنا لولا هذا الدعاء لبقي مريضاً، لكن بالدعاء شُفي، إلا أنا نقول: إن الله قد قضى بأن هذا المرض يشفى منه المريض بواسطة الدعاء، فهذا هو المكتوب. يظن أنه لولا الدعاء لبقي المرض، ولكنه في الحقيقة لا يرد القضاء؛ لأن الأصل أن الدعاء مكتوب، وأن الشفاء سيكون بهذا الدعاء، هذا هو القدر الأصلي الذي كتب في الأزل، وهكذا كل شيء مقرون بسبب، فإن هذا السبب جعله تعالى سبباً يحصل به الشيء، وقد كتب ذلك في الأزل قبل أن يحدث " انتهى.
وسئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: هل الدعاء يرد القضاء؟
فأجابوا: "شرع الله سبحانه الدعاء وأمر به، فقال: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) ، وقال: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) ، فإذا فعل العبد السبب المشروع ودعا فإن ذلك من القضاء، فهو رد القضاء بقضاء إذا أراد الله ذلك، وقد ثبت في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر) " انتهى. "فتاوى اللجنة الدائمة" (١/١٩٥) .
وسئلوا أيضا (٢٤/٢٤٣) :
هل يخفف الدعاء من المصائب، وهل يلطف الله بنا نتيجة الدعاء؟ كيف يكون ذلك والله ينزل المصائب على الناس على الرغم من أنهم يدعونه؟
فأجابوا:
"الدعاء عبادة لله ، وقد أمر الله بدعائه، فقال تعالى: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) ، وقال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)
والدعاء يخفف المصائب أو يدفعها أو يدفع ما هو أعظم منها، وقد قال النبي ﷺ : (ل يرد القدر إلا الدعاء) ، والمصائب إذا وقعت تكفر الذنوب، وترفع الدرجات، وعلى المسلم إذا وقع في مصيبة أن يصبر عليها ويحتسب الأجر من الله ، ولا يتضجر من القضاء والقدر " انتهى.
فيتحصل من هذه النقول فهم المسألة إن شاء الله تعالى، فالمسلم حين يأخذ أمر الاستخارة والدعاء على أنه سبب من أسباب حصول المطلوب، فلن يفرط فيه، ولن يحاول بلوغ مراده من غير طريقه، فيكون الدعاء مصدر قوة وباب خير للعبد المسلم كما أراده الله تعالى.
وانظر لمزيد فائدة جواب السؤال رقم (١١٧٤٩) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12926
دعاء الله بإعادة اليد المبتورة
[السُّؤَالُ]
ـ[المسلم إذا قدر الله عليه وبترت يده، أو أي شيء كان مستحيلاً - وليس على الله مستحيل -، والله ﵎ قدر هذا الأمر، واقتضت حكمته أن لا يعود في هذه الدنيا، مثل موت الإنسان إلا للبعث والنشور، فهل للمسلم أن يدعو الله أن يعيد يده المبتورة، أو قريبه الذي مات، أو أن هذا يعد اعتراضا على الله بمخالفة الإيمان بالقضاء والقدر؟ أو تعدي في الدعاء وحكمه التحريم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سؤال الله ما لا يقع، مما يخالف السنة الكونية اللازمة، كسؤال إحياء الميت، وسؤال إرجاع سن الشباب، ونحوها من الأمور، هو من الاعتداء في الدعاء المنهي عنه؛ قال الله تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (الأعراف/٥٥) .
قال القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (٧/٢٢٦) :
" الاعتداء في الدعاء على وجوه:
منها: الجهر الكثير والصياح.
ومنها: أن يدعو الإنسان أن تكون له منزلة نبي، أو يدعو في مُحَالٍ، ونحو هذا من الشطط ... وكل هذا يمنع من استجابة الدعاء " انتهى.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – كما في "مجموع الفتاوى" (١٥/٢٢) -:
" الاعتداء في الدعاء: تارة بأن يسأل ما لا يجوز له سؤاله من المعونة على المحرمات. وتارة يسأل ما لا يفعله الله، مثل: أن يسأل تخليده إلى يوم القيامة، أو يسأله أن يرفع عنه لوازم البشرية: من الحاجة إلى الطعام والشراب، ويسأله بأن يطلعه على غيبه، أو أن يجعله من المعصومين، أو يهب له ولدا من غير زوجة، ونحو ذلك مما سؤاله اعتداء لا يحبه الله، ولا يحب سائله " انتهى.
وقال ابن عابدين في "رد المحتار" (١/٥٦١) :
" ويحرم سؤال العافية مدى الدهر، أو خير الدارين، ودفع شرهما، أو المستحيلات العادية، كنزول المائدة " انتهى.
ومنه يتبين لك عدم جواز سؤال الله إحياء القريب الميت، أو إعادة اليد المبتورة؛ لأن الله تعالى أجرى العادة بأن ذلك لا يكون.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12927
رفع اليدين عند بعض أذكار الصباح والمساء
[السُّؤَالُ]
ـ[بعض أذكار طرفي النهار تأتي بصيغة الدعاء , مثل: (اللهم بك أصبحنا ... ) , (اللهم إني أسألك العافية ... ) , (اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل ... ) وغيرها. فهل يشرع رفع اليدين عند قراءتها في الصباح والمساء؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
رفع اليدين في الدعاء عموما هو مِن هدي النبي ﷺ ، وردت فيه أحاديث كثيرة، حتى قال السيوطي في "تدريب الراوي" (٢/١٨٠) :
" ورد عنه ﷺ نحوُ مائة حديث فيه رفعُ يديه في الدعاء، وقد جمعتها في جزء، لكنها في قضايا مختلفة، فكلُّ قضية منها لَم تتواتر، والقدر المشترَك فيه - هو الرفعُ عند الدعاء - تواتَر باعتبار المجموع " انتهى.
ويمكن تقسيم أنواع الأدعية بحسب ثبوت رفع اليدين فيها إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أدعية ثبت في السنة الصحيحة رفع النبي ﷺ يديه فيها، كالاستسقاء، وعند الكسوف، وعند الوقوف بعرفة، ونحوها.
فيستحب رفع اليدين في هذه المواضع باتفاق أهل العلم.
القسم الثاني: أدعية ثبت أن النبي ﷺ لم يرفع يديه بها: كدعاء الخطيب يوم الجمعة، فهذه لا يرفع فيها الإمام يديه، ولا المأموم.
القسم الثالث: أدعية لم يرد فيها خصوص إثبات ولا نفي: فهذه ينظر فيها:
- فإن كانت من المواضع التي ثبتت مِن فعل النبي ﷺ في أحاديث كثيرة، ثم لم يرد في شيء منها ذكر رفع اليدين، فذلك دليل على أن النبي ﷺ لم يكن يرفع يديه فيها: وذلك مثل الدعاء داخل الصلاة، في السجود وبعد التشهد الأخير.
- أما إن لم تكن مِن المواضع التي وردت في وصفها مِن فعلِ النبي ﷺ أحاديثُ كثيرة، فهذه لا نستطيع الجزم بخصوص هدي النبي ﷺ فيها، إلا أننا نقول باستحباب رفع اليدين بها، عملا بعموم الأحاديث التي تستحب رفع اليدين، وقياسا على مئات الأحاديث الواردة في رفع النبي ﷺ يديه في مواضع كثيرة، ومن أمثلة ذلك: رفع اليدين عند أدعية الصباح والمساء، ونحوها.
فإن ثبتت هذه الأذكار عند المرء، من فعل النبي ﷺ ، وثبت عنده ـ أيضا ـ أو غلب على ظنه أنه لم يكن يرفع يديه في هذا الموطن، فلم يرفع يديه، فلا حرج عليه في ذلك، إن شاء الله، لكن ثبوت كل من المقدمتين فيه نوع من الصعوبة.
فالحاصل أنه لا حرج في رفع اليدين عند أدعية الصباح والمساء؛ والأمر فيها واسع، إن شاء الله.
وانظر جواب السؤال رقم: (١١٥٤٣) ، (٢١٣٤١)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12928
الدعاء بالاستخارة من غير صلاة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز الاستخارة: قراءة دعاء الاستخارة بدون صلاة الركعتين قبله، لأننا نكون فى الشارع على سبيل المثال؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الاستخارة هي دعاء الله تعالى، ليختار لك خير الأمرين، ويصرف عنك شرهما. وصلاة الركعتين إنما شرعت بين يدي الدعاء، ليكون أقرب إلى الإجابة، وأحضر للقلب، وأدعى للقبول.
قال ابن أبي جمرة – كما في "فتح الباري" (١١/١٨٦) -:
" الحكمة في تقديم الصلاة على الدعاء أن المراد بالاستخارة حصول الجمع بين خيري الدنيا والآخرة، فيحتاج إلى قرع باب الملك، ولا شيء لذلك أنجع ولا أنجح من الصلاة، لما فيها من تعظيم الله، والثناء عليه، والافتقار إليه مآلا وحالا " انتهى.
والاستخارة التي علمنا إياها الرسول ﷺ تكون بصلاة ركعتين ثم الدعاء بعدها.
وإذا تعذر على المسلم الصلاة، لسبب من الأسباب فلا حرج عليه من دعاء الله تعالى أن ييسر له خير الأمرين من غير صلاة.
قال النووي ﵀ في "الأذكار" (ص/١٢٠) :
" ولو تعذرت عليه الصلاة استخار بالدعاء " انتهى.
وقد نقل كلام النووي هذا جماعة من علماء المذاهب، مقرين ومستشهدين به.
انظر: "حاشية رد المحتار" (٢/٢٧) ، "الفواكه الدواني" (١/٣٥) ، "شرح مختصر خليل للخرشي" (١/٣٧) ، "أسنى المطالب" (١/٢٠٥) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12929
تدعو عليه بزيادة الضلال
[السُّؤَالُ]
ـ[هناك إنسان آذاني كثيرا في حياتي، وأخذ أموالي ... بفضل من الله ابتعدت عنه، لكني دائما أدعو عليه، وأحتسب ذلك عند الله. سؤالي هو أني لا أرجو له التوبة، وأدعو الله أن يزيده ضلالا ... فهل هذا حرام؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
للمظلوم عند الله تعالى شأن عظيم؛ لأن الله يكره من الإنسان الكبرياء والتجبر والطغيان، ويحب منه التذلل إليه وإلى عباده، فهو سبحانه مع المستضعفين ومع المقهورين، وسينتصر للمظلومين من الظالمين.
ولذلك فقد رخص سبحانه للمظلوم أن يدعو على ظالمه، لينتصف منه في الدنيا قبل الآخرة، فيُشفِي شيئا من غيظه، ويستعجل بعضًا من حقه.
قال الله تعالى: (لَاْ يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَاّ مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيْعًا عَلِيْمًا) النساء/١٤٨.
قال ابن كثير في "التفسير" (١/٥٧٢) :
" قال ابن عباسٍ في الآية: يقول: لا يحب الله أن يدعو أحدٌ على أحدٍ، إلا أن يكون مظلومًا، فإنّه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه، وذلك قوله: (إِلّا مَنْ ظُلِمَ) ، وإن صبر فهو خيرٌ له " انتهى.
وفي موقعنا مجموعة من الأدلة على هذه المسألة، يمكن مراجعتها في جواب السؤال رقم: (٧١١٥٢)
ثانيا:
وفي السنة بيان للصيغة التي يفضل أن يدعو بها على الظالم:
فعن جابرٍ ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول:
(الَّلهُمّ أَصْلِحْ لِيْ سَمْعِي وَبَصَرِيْ، وَاجْعَلْهُمَا الوَارِثَيْنِ مِنّي، وَانصُرنِي عَلَى مَنْ ظَلَمَنِي، وَأَرِنِي مِنْهُ ثَأْرِي) .
رواه البخاري في الأدب المفرد (١/٢٢٦) ، وحسنه ابن حجر في "نتائج الأفكار" (٣/٨٧) ، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد.
وعن ابن عمر ﵄: أنّ النبيّ ﷺ قلّما كان يقوم من مجلسٍ حتّى يدْعو بهؤلاء الدّعوات لأصحابه: (الّلهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعْصِيَتِكَ. . . واجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَىْ مَنْ ظَلَمَنَا وَانصُرْنَا عَلَىْ مَنْ عَادَانَا. .)
رواه الترمذي (٣٥٠٢) وقال: حسن غريب، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي.
ثالثا:
أما الدعاء على الظالم بالضلال وعدم الهداية، فهذا لا يجوز، ولا ينبغي أن يصدر هذا الدعاء من المسلم مهما كان الظلم الذي تعرض له، وذلك لأوجه عدة:
١- في الدعاء بزيادة الضلال والغواية طلب لاستمرار الكفر أو الظلم أو المعصية، والواجب على المسلم كره المعصية والسعي في تطهير الأرض منها، وليس في زيادتها واستمرارها.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ) إلى آخر الحديث. رواه مسلم (٢٧٣٥)
٢- وهو من الاعتداء في الدعاء الذي جاء ذمه في الكتاب والسنة الصحيحة.
يقول الله تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) الأعراف/٥٥
قال بعضُ السلف في معنى " المعتدين ":
" هم الذي يدعون على المؤمنين فيما لا يحلُّ، فيقولون: اللَّهمَّ اخزِهم، اللَّهمَّ الْعَنْهم " انتهى. "تفسير البغوي" (٣/٢٣٧)
وقال سعيد بن جبير: " لا تدعوا على المؤمن والمؤمنة بالشَّرِّ: اللَّهمَّ اخْزِه والْعَنه ونحو ذلك، فإنَّ ذلك عدوان " انتهى. "الدر المنثور" (٣/٤٧٥) .
وقال الحسن البصري:
(قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه، من غير أن يعتدي عليه) انتهى. "تفسير ابن كثير" (١/٥٧٢) .
يقول ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (١٥/٢٢) :
" وعلى هذا فالاعتداء في الدعاء: تارة بأن يسأل ما لا يجوز له سؤاله من المعونة على المحرمات، وتارة يسأل ما لا يفعله الله، مثل أن يسأل تخليده إلى يوم القيامة ... ونحو ذلك مما سؤاله اعتداء لا يحبه الله ولا يحب سائله " انتهى.
وانظري جواب السؤال رقم (٤١٠١٧)
٣- وفي هذا الدعاء تحجير لرحمة الله، وتضييق لسعة عفوه ومغفرته، فهو سبحانه يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ويرحم من يشاء ويعذب من يشاء، وقد زجر النبي ﷺ ذلك الأعرابي الذي دعا بما يشبهه، كما جاء عن أبي هريرة ﵁ قَالَ: (قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي صَلَاةٍ وَقُمْنَا مَعَهُ، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا، وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا، فَلَمَّا سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ: لَقَدْ حَجَّرْتَ وَاسِعًا. - يُرِيدُ رَحْمَةَ اللَّهِ -) رواه البخاري (٦٠١٠)
٤- وقد نهى الله تعالى نبيه عن نحو هذه الأدعية التي تتعلق بغواية الكفار وزيادة ضلالهم وعذابهم:
فعن ابن عمر ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ مِنْ الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِنْ لْفَجْرِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا، بَعْدَ مَا يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ) إِلَى قَوْلِهِ (فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ) رواه البخاري (٤٠٦٩)
فالحاصل من هذه الأدلة أن الدعاء على الظالم بما فيه زيادته في الغي والضلال والمعصية لا يجوز، والأصل هو الدعاء بالهداية لجميع الناس، أو ترك أمرهم وشأنهم إلى الله .
قال النووي في "الأذكار" (ص/٣٥٩) :
" لو دعا مسلمٌ على مسلمٍ فقال: اللهم اسلبه الإيمان؛ عصى بذلك. وهل يكفر الداعي بمجرد هذا الدعاء؟ فيه وجهان لأصحابنا، حكاهما القاضي حسين من أئمة أصحابنا في الفتوى، أصحهما: لا يكفر. وقد يحتج لهذا بقول الله تعالى إخباراً عن موسى ﵇: (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا) الآية. وفي هذا الاستدلال نظر وإن قلنا إن شرع من قبلنا شرع لنا ” انتهى.
ويقول الإمام القرافي:
" الدعاء على الظالم له أحوال:
إما بعزله لزوال ظلمه فقط، وهذا حسن.
وثانيها: بذهاب أولاده وهلاك أهله ونحوهم ممن له تعلق به، ولم يحصل منه جناية عليه، وهذا ينهى عنه لأذيته من لم يمُنَّ عليه.
وثالثها: الدعاء بالوقوع في معصيةٍ: كابتلائه بالشرب أو الغيبة أو القذف، فينهى عنه أيضًا؛ لأن إرادة المعصية للغير معصية.
ورابعها: الدعاء عليه بحصول مؤلماتٍ في جسمه أعظم مما يستحقه في عقوبته، فهذا لا يتجه أيضًا، لقوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) البقرة/١٩٤ " انتهى نقلا عن "الفواكه الدواني" (١/٤٧٠) .
ثالثا:
قد يشتبه على بعض الناس دليلان، في ظاهرهما الدلالة على جواز الدعاء على الظالم بالإثم والمعصية.
أحدهما: من القرآن الكريم، وذلك في حكاية الله عن موسى ﵇ دعاءه على فرعون وقومه وفيه: (وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آَتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) يونس/٨٨
فالجواب عن هذا بأن يقال إن دعاء موسى جاء بعد علمه بوحي من الله تعالى أن قوم فرعون لا يؤمنون، ولو جاءتهم كل آية ومعجزة، وليس فيه الدعاء مطلقا على كل كافر أو ظالم بطمس القلب واليأس من الإيمان والتوبة.
يقول ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (٤/٢٩٠) :
" (وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ) قال ابن عباس: أي اطبع عليها، (فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ) وهذه الدعوة كانت من موسى ﵇ غضبًا لله ولدينه على فرعون وملئه الذين تبين له أنه لا خير فيهم، ولا يجيء منهم شيء، كما دعا نوح ﵇ فقال: (رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا) " انتهى.
ويقول القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (٨/٣٧٥) :
" وقد استشكل بعض الناس هذه الآية فقال: كيف دعا عليهم، وحُكْم الرسل استدعاء إيمان قومهم؟
فالجواب: أنه لا يجوز أن يدعو نبي على قومه إلا بإذن من الله، وإعلام أنه ليس فيهم من يؤمن ولا يخرج من أصلابهم من يؤمن، دليله قوله لنوح ﵇: (إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن) وعند ذلك قال: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا) " انتهى.
ويقول الشيخ أحمد النفراوي في "الفواكه الدواني" (١/٤٧٠) :
" اختلف في جواز الدعاء على المسلم العاصي بسوء الخاتمة.
قال ابن ناجي: أفتى بعض شيوخنا بالجواز، محتجا بدعاء موسى على فرعون بقوله تعالى حكايةً عنه: (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ) يونس/٨٨
والصواب عندي أنه لا يجوز، وليس في الآية ما يدل على الجواز؛ لأنه فرق بين الكافر المأيوس من إيمانه كفرعون، وبين المؤمن العاصي المقطوع له بالجنة إما ابتداءً أو بعد عذابٍ " انتهى.
الثاني: حديث جابر بن سمرة ﵁، في قصة شكاية أهل الكوفة سعد بن أبي وقاص إلى عمر، وقيام ذلك الرجل في المسجد واتهامه لسعد بتهم عدة قال:
(قَالَ سَعْدٌ: أَمَا وَاللَّهِ لأدْعُوَنَّ بِثَلَاثٍ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِبًا قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً فَأَطِلْ عُمْرَهُ، وَأَطِلْ فَقْرَهُ، وَعَرِّضْهُ بِالْفِتَنِ.
وَكَانَ بَعْدُ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ: شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ.
قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: فَأَنَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِنْ الْكِبَرِ، وَإِنَّهُ لَيَتَعَرَّضُ لِلْجَوَارِي فِي الطُّرُقِ يَغْمِزُهُنَّ)
رواه البخاري (٧٥٥)
فظن بعض الناس أن سعدا دعا عليه بالمعصية والإثم، ولكن الصواب أنه دعا عليه بتعرضه للفتن والبلايا والمحن في الدين والدنيا – كما قال: " وعرضه بالفتن " - والفتنة لا تعني المعصية، ولكنها تعني الشدة التي قد توقع في المعصية إن لم يصبر عليها، وهذا ما حصل.
يقول الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (٢/٢٤١) :
" وفيه جواز الدعاء على الظالم المعين بما يستلزم النقص في دينه، وليس هو من طلب وقوع المعصية، ولكن من حيث إنه يؤدي إلى نكاية الظالم وعقوبته " انتهى.
ثالثاً:
خيرٌ من ذلك كله: العفو، وترك أمر الظالم له يوم القيامة، وذلك أنّ من عفا عن حقّه في الدنيا، أخذه وافرًا في الآخرة، وأراح قلبه من شوائب الحقد والغيظ.
قال ﷺ : (يَا عُقبَةَ بنَ عَامِر: صِلْ مَنْ قَطَعَكَ، وَأَعْطِ مَنْ حَرَمَكَ، وَاعْفُ عَمَّن ظَلَمَكَ) رواه أحمد (٤/١٥٨) وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٨٩١) .
وفي الختام: نسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرزقك الزوج الصالح، ويسعدك بالأسرة الطيبة، ويفتح عليك من بركاته، ويرزقك خيري الدنيا والآخرة.
وانظري جواب السؤال رقم (٧١١٥٢)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12930
حكم الاجتماع للدعاء في يوم عرفة
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم الاجتماع في الدعاء في يوم عرفة سواء كان ذلك في عرفات أو في غيرها؟ وذلك بأن يدعو إنسان من الحجاج الدعاء الوارد في بعض كتب الأدعية المسمى بدعاء يوم عرفة أو غيره، ثم يردد الحجاج ما يقول هذا الإنسان دون أن يقولوا آمين. هذا الدعاء بدعة أم لا؟ نرجو توضيح ذلك مع ذكر الدليل.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"الأفضل للحاج في هذا اليوم العظيم أن يجتهد في الدعاء والضراعة إلى الله ويرفع يديه؛ لأن الرسول ﷺ اجتهد في الدعاء والذكر في هذا اليوم حتى غربت الشمس، وذلك بعد ما صلى الظهر والعصر جمعاً وقصراً في وادي عرنة , ثم توجه إلى الموقف فوقف هناك عند الصخرات وجبل الدعاء. ويسمى جبل إلال , واجتهد في الدعاء والذكر رافعاً يديه مستقبلاً القبلة وهو على ناقته، وقد شرع الله سبحانه لعباده الدعاء بتضرع وخفية وخشوع لله ورغبة ورهبة، وهذا الموطن من أفضل مواطن الدعاء، قال الله تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) وقال تعالى: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ) ، وفي الصحيحين: قال أبو موسى الأشعري ﵁: رفع الناس أصواتهم بالدعاء. فقال رسول الله ﷺ : (أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبا، إنما تدعون سميعا بصيرا، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) . وقد أثنى الله جل وعلا على زكريا ﵇ في ذلك. قال تعالى: (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا) وقال : (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) والآيات والأحاديث في الحث على الذكر والدعاء كثيرة، ويشرع في هذا الموطن بوجه خاص الإكثار من الذكر والدعاء بإخلاص وحضور قلب ورغبة ورهبة، ويشرع رفع الصوت به وبالتلبية، كما فعل ذلك النبي ﷺ ، وأصحابه ﵃، وقد روي عنه ﷺ أنه قال في هذا اليوم: (خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير) .
أما الدعاء الجماعي فلا أعلم له أصلاً، والأحوط تركه؛ لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ ، ولا عن أصحابه ﵃ فيما علمت، لكن لو دعا إنسان في جماعة وأمنوا على دعائه فلا بأس في ذلك، كما في دعاء القنوت ودعاء ختم القرآن الكريم ودعاء الاستسقاء ونحو ذلك.
أما التجمع في يوم عرفة في عرفة أو في غير عرفة فلا أصل له عن النبي ﷺ ، وقد قال ﷺ : (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) أخرجه مسلم في صحيحه، والله ولي التوفيق " انتهى من "مجموع فتاوى الشيخ ابن باز" (١٧/٢٧٢) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12931
حديث اتخاذ العهد عند الله
[السُّؤَالُ]
ـ[ما مدى صحة هذا الحديث قبل أن أنشره؟ قال ابن مسعود ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول لأصحابه: (أيعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهدا؟ قيل: يا رسول الله! وما ذاك؟ قال: يقول عند كل صباح ومساء: " اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، إني أعهد إليك في هذه الحياة بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمداً عبدك ورسولك، فلا تكلني إلى نفسي، فإنك إن تكلني إلى نفسي تباعدني من الخير، وتقربني من الشر، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل لي عندك عهدا توفينيه يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد " فإذا قال ذلك طبع الله عليها طابعاً، ووضعها تحت العرش، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الذين لهم عند الله عهد؟ فيقوم فيدخل الجنة) ]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
الدعاء بما ورد في هذا الحديث لا بأس به ولا حرج، اقتداء بعبد الله بن مسعود ﵁، فقد صح عنه أنه كان يدعو به، وكلماته جليلة عظيمة لها شواهد من الكتاب والسنة الصحيحة.
غير أن لا يجوز اعتقاد الفضل المذكور في الحديث: أن ملكا يكتبه عنده ويختمه ويحفظه إلى يوم القيامة، لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ ذكر هذا الفضل، بل ولا حتى الدعاء، إنما ورد عن ابن مسعود أنه كان يدعو بكلماته، ولم يرد عنه ذكر ذلك الفضل له، فيجب أن يتنبه إلى الفرق بين الأمرين.
ثانيا:
أما بيان تخريج الحديث ودرجته، فهو كالآتي:
هذا الدعاء جاء عن ثلاثة من الصحابة ﵃:
الأول: عن ابن مسعود ﵁.
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَنْ قَالَ: اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، إِنِّي أَعْهَدُ إِلَيْكَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا أَنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، فَإِنَّكَ إِنْ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي تُقَرِّبْنِي مِنْ الشَّرِّ وَتُبَاعِدْنِي مِنْ الْخَيْرِ، وَإِنِّي لَا أَثِقُ إِلَّا بِرَحْمَتِكَ، فَاجْعَلْ لِي عِنْدَكَ عَهْدًا تُوَفِّينِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ.
إِلَّا قَالَ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: إِنَّ عَبْدِي قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ عَهْدًا فَأَوْفُوهُ إِيَّاهُ. فَيُدْخِلُهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ)
قَالَ سُهَيْلٌ فَأَخْبَرْتُ الْقَاسِمَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَوْنًا أَخْبَرَ بِكَذَا وَكَذَا، قَالَ: مَا فِي أَهْلِنَا جَارِيَةٌ إِلَّا وَهِيَ تَقُولُ هَذَا فِي خِدْرِهَا.
هذا الحديث جاء من طريق مرفوعة، وأخرى موقوفة، وهي الأصح.
أما المرفوعة:
فمن طريق حماد بن سلمة عن سهيل بن أبي صالح وعبد الله بن عثمان عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عبد الله بن مسعود به.
رواه الإمام أحمد في "المسند" (١/٤١٢) قال ابن كثير في تفسيره (٧/١٠٣) : انفرد به الإمام أحمد. قال الهيثمى في "مجمع الزوائد" (١٠/١٧٤) :
" رجاله رجال الصحيح، إلا أن عون بن عبد الله لم يسمع من ابن مسعود " انتهى.
ولذلك ضعفه أيضا محققو المسند (٧/٣٢) ، والشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند (٦/٩) .
أما الموقوفة:
فمن طريق عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي عن عون بن عبد الله عن أبي فاختة عن الأسود بن يزيد عن عبد الله بن مسعود به.
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٦/٦٨) وابن أبي حاتم في "التفسير" – كما عزاه إليه ابن كثير في "التفسير" (٥/٢٦٥) ، والسيوطي في "الدر المنثور" (٥/٥٤٢) – ورواه الطبراني في "المعجم الكبير" (٩/١٨٦) ، والحاكم في "المستدرك" (٢/٤٠٩) ، وأبو نعيم في "الحلية" (٤/٢٧١)
إلا أن الحاكم لم يذكر في سنده أبا فاختة وهو سعيد بن علاقة والد ثوير بن أبي فاختة – ويبدو أنه سقط من المطبوع.
قلت: وهذا سند صحيح، ليس في رجاله مطعن، اللهم إلا في المسعودي، فقد أخذ عليه العلماء أنه اختلط في آخر عمره، ولكن نص ابن معين على أن حديثه عن عون بن عبد الله صحيح قبل الاختلاط. انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب" (٦/٢١١)
وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وقال الذهبي في تلخيصه: صحيح.
وأخرجه محمد بن فضيل الضبي في "الدعاء" (رقم/٥١) موقوفا أيضا من طريق أخرى:
حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق ومالك بن مغول، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسعود، قال: كان يقول: فذكره وفيه (فما قالهن عبد قط إلا كتبن في رق، ثم ختمن بخاتم، حتى يوافيها يوم القيامة، أين أصحاب العهود؟)
قلت: ورواية القاسم بن عبد الرحمن عن جده عبد الله بن مسعود مرسلة، كما في "تهذيب التهذيب" (٨/٣٢٢) ، و"جامع التحصيل" (ص/٢٥٢)
الثاني: عن زيد بن ثابت ﵁:
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَّمَهُ دُعَاءً وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَعَاهَدَ بِهِ أَهْلَهُ كُلَّ يَوْمٍ قَالَ: ُلْ كُلَّ يَوْمٍ حِينَ تُصْبِحُ:
(لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، وَمِنْكَ وَبِكَ وَإِلَيْكَ، اللَّهُمَّ مَا قُلْتُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ نَذَرْتُ مِنْ نَذْرٍ أَوْ حَلَفْتُ مِنْ حَلِفٍ فَمَشِيئَتُكَ بَيْنَ يَدَيْهِ، مَا شِئْتَ كَانَ وَمَا لَمْ تَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ وَمَا صَلَّيْتُ مِنْ صَلَاةٍ فَعَلَى مَنْ صَلَّيْتَ، وَمَا لَعَنْتُ مِنْ لَعْنَةٍ فَعَلَى مَنْ لَعَنْتَ، إِنَّكَ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ، أَسْأَلُكَ اللَّهُمَّ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَبَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَمَاتِ، وَلَذَّةَ نَظَرٍ إِلَى وَجْهِكَ، وَشَوْقًا إِلَى لِقَائِكَ، مِنْ غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، أَعُوذُ بِكَ اللَّهُمَّ أَنْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَعْتَدِيَ أَوْ يُعْتَدَى عَلَيَّ، أَوْ أَكْتَسِبَ خَطِيئَةً مُحْبِطَةً أَوْ ذَنْبًا لَا يُغْفَرُ.
اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، فَإِنِّي أَعْهَدُ إِلَيْكَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَأُشْهِدُكَ وَكَفَى بِكَ شَهِيدًا، أَنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، لَكَ الْمُلْكُ وَلَكَ الْحَمْدُ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ وَعْدَكَ حَقٌّ، وَلِقَاءَكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةَ حَقٌّ، وَالسَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، وَأَنْتَ تَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وَأَشْهَدُ أَنَّكَ إِنْ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي تَكِلْنِي إِلَى ضَيْعَةٍ وَعَوْرَةٍ وَذَنْبٍ وَخَطِيئَةٍ، وَإِنِّي لَا أَثِقُ إِلَّا بِرَحْمَتِكَ، فَاغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)
رواه الإمام أحمد في "المسند" (٥/١٩١) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (٥/١١٩) ، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (١/٤٢١) ، وأخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (رقم/٤٧) بلفظ مختصر.
كلهم من طريق أبي بكر ابن أبي مريم، عن ضَمْرَة بْن حَبِيبِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَن زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ به.
وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (١/٦٩٧) واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" (٣/٤٨٩) من الطريق نفسها إلا أنه لم يذكر فيها أبا الدرداء، بل رواه عن زيد بن ثابت مباشرة.
قلت: وهذا السند له علتان:
الأولى: اتفقت كلمة المحدثين على ضعف أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، انظر "تهذيب التهذيب" (١٢/٢٩) .
الثانية: الانقطاع بين ضمرة بن حبيب - ترجمته في "تهذيب التهذيب" (٤/٤٥٩) وفيها أنه توفي سنة (١٣٠ هـ) - وبين أبي الدرداء توفي سنة (٣٢هـ)
ولذلك علق الذهبي على قول الحاكم " هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه " انتهى.
قال الذهبي في تعليقه: أبو بكر ضعيف فأين الصحة؟
وأخرج الطبراني في "المعجم الكبير" (٥/١٥٧) متابعة لأبي بكر ابن أبي مريم، من طريق بكر بن سهل الدمياطي ثنا عبد الله بن صالح قال حدثني معاوية بن صالح عن ضمرة بن حبيب عن زيد بن ثابت ولم يذكر أبا الدرداء.
إلا أن بكر بن سهل الدمياطي (٢٨٧هـ) قال فيه النسائي: ضعيف. كما في "سير أعلام النبلاء" (١٣/٤٢٦) ، وضمرة بن حبيب (١٣٠هـ) عن زيد بن ثابت (٤٥،٤٨هـ) منقطع أيضا.
لذلك ضعفه الألباني في "ضعيف الترغيب" (٣٩٧)
الثالث: عن أبي بكر الصديق ﵁.
قال رسول الله ﷺ :
(من قال في دبر الصلاة بعد ما يسلم هؤلاء الكلمات، كَتَبَهُ مَلَك في رق، فختم بخاتم، ثم رفعها إلى يوم القيامة، فإذا بعث الله العبد من قبره جاءه الملك ومعه الكتاب ينادي: أين أهل العهود؟ حتى يدفع إليه. والكلمات أن تقول:.. فذكر نحو حديث ابن مسعود)
رواه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول في أحاديث الرسول" (٢/٢٧٢) من المطبوع، وهو بسنده في المخطوط (ورقة/٢٠٧) - حيث إن المطبوع خال من الأسانيد -:
قال الترمذي الحكيم: حدثنا عمر بن أبي عمر، قال ثنا عبد الله بن أبي أمية الفزاري، عن أبي علي الرمَاح، عن عمر بن ميمون، عن مقاتل بن حيان، عن الأسود بن هلال، عن أبي بكر الصديق به.
وفي هذا السند عمر بن أبي عمر شيخ الحكيم الترمذي، فقد جاء في "لسان الميزان" (١/٣١) نقل الحافظ عن الجوزقاني قوله فيه: مجهول، ثم عقب بقول: " عمر معروف، لكنه ضعيف " انتهى.
والواقف على حديثه يرى فيه من المناكير ما يجزم بضعفه ووهنه، ولعله ممن يركب الأسانيد أو يسرقها. كما أن عبد الله بن أبي أمية شيخه لم نجد من يوثقه من أهل العلم.
فالخلاصة أن هذا الدعاء لا يصح رفعه إلى النبي ﷺ ، وأما من أراد أن يدعو بكلماته من غير اعتقاد فضل خاص لها فلا حرج عليه إن شاء الله، لا سيما وقد صح عن عبد الله بن مسعود ﵁، الدعاء به.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12932
الدعاء في الصلاة بالزواج من رجل معين
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز أن أدعو في الصلاة أن أتزوج برجل محدد؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية وبعض الحنابلة إلى جواز الدعاء في الصلاة بحاجات الدنيا المتنوعة، مما يُحِبُّ المُصلي أن يدعوَ به ويحتاج إليه، كأن يدعو بالزواج أو الرزق أو النجاح وغير ذلك.
واستدلوا عليه بحديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ علّم الصحابة التشهد ثم قال في آخره: (ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ المَسْأَلَةِ مَا شَاءَ)
رواه البخاري (٥٨٧٦) ومسلم (٤٠٢)
وقد روى ابن أبي شيبة في "المصنف" (١/٣٣١) عَنْ الْحَسَنِ والشَّعْبِيِّ أَنَّهُمَا قَالَا:
" اُدْعُ فِي صَلَاتِك بِمَا بَدَا لَك " انتهى.
وجاء في "المدونة" (١/١٩٢) :
" قَالَ مَالِكٌ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَدْعُوَ الرَّجُلُ بِجَمِيعِ حَوَائِجِهِ فِي الْمَكْتُوبَةِ، حَوَائِجِ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ، فِي الْقِيَامِ وَالْجُلُوسِ وَالسُّجُودِ. قَالَ: وَأَخْبَرَنِي مَالِكٌ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إنِّي لَأَدْعُو اللَّهَ فِي حَوَائِجِي كُلِّهَا فِي الصَّلَاةِ حَتَّى فِي الْمِلْحِ " انتهى.
وخالف في ذلك الحنفية وأكثر الحنابلة، فقالوا بعدم جواز الدعاء بأمور الدنيا في الصلاة، بل قالوا ببطلان صلاة من دعا بأي شيء من ذلك.
جاء في "الإنصاف" (١/٨١-٨٢) من كتب الحنابلة:
" الدُّعَاءُ بِغَيْرِ مَا وَرَدَ , وَلَيْسَ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ , وَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
وَعَنْهُ – أي عن الإمام أحمد - يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِحَوَائِجِ دُنْيَاهُ , وَعَنْهُ يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِحَوَائِجِ دُنْيَاهُ وَمَلَّاذِهَا. كَقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي جَارِيَةً حَسْنَاءَ , وَحُلَّةً خَضْرَاءَ , وَدَابَّةً هِمْلَاجَةً , وَنَحْوَ ذَلِكَ " انتهى.
وجاء في "الفتاوى الهندية (١/١٠٠) من كتب الحنفية:
" وَلَوْ قَالَ: اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي فُلَانَةَ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَفْسُدُ ; لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ أَيْضًا مُسْتَعْمَلٌ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ " انتهى.
وانظر "فتح القدير" (١/٣١٩) ، "نصب الراية" (١/٥٥٨)
وقد أخذوا ذلك عن جماعة من السلف، روى عنهم ابن أبي شيبة في "المصنف" (١/٣٣٢) أنهم كانوا يستحبون الدعاء في الفريضة بما في القرآن فقط، بل روى عن عَنْ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَدْعُوَ فِي الصَّلَاةِ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا.
جاء في "الموسوعة الفقهية" (٢٠/٢٦٥-٢٦٦) :
" قال الحنفيّة والحنابلة: يسنّ الدّعاء في التّشهّد الأخير بعد الصّلاة على النّبيّ ﷺ بما يشبه ألفاظ القرآن، أو بما يشبه ألفاظ السّنّة، ولا يجوز له الدّعاء بما يشبه كلام النّاس، كأن يقول: اللهمّ زوّجني فلانة، أو أعطني كذا من الذّهب والفضّة والمناصب.
وأمّا المالكيّة والشّافعيّة فذهبوا إلى أنّه: يسنّ الدّعاء بعد التّشهّد وقبل السّلام بخيري الدّين والدّنيا، ولا يجوز أن يدعو بشيء محرّم أو مستحيل أو معلّق، فإن دعا بشيء من ذلك بطلت صلاته، والأفضل أن يدعو بالمأثور " انتهى.
والصحيح هو قول المالكية والشافعية، وذلك لقوة ما استدلوا به، ولضعف حجة ما استدل به أصحاب القول الآخر.
قال النووي ﵀ في "المجموع" (٣/٤٥٤) :
" مذهبنا أنه يجوز أن يدعو فيها بكل ما يجوز الدعاء به خارج الصلاة من أمور الدين والدنيا، وله – أن يقول -: اللهم ارزقني كسبا طيبا، وولدا، ودارا، وجارية حسناء يصفها، و: اللهم خلص فلانا من السجن، وأهلك فلانا، وغير ذلك، ولا يبطل صلاته شيء من ذلك عندنا.
وبه قال مالك والثوري وأبو ثور وإسحق.
وقال أبو حنيفة وأحمد لا يجوز الدعاء إلا بالأدعية المأثورة الموافقة للقرآن.
واحتج لهم بقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن) رواه مسلم.
وبالقياس على رد السلام وتشميت العاطس.
واحتج أصحابنا بقوله ﷺ : (وأما السجود فاجتهدوا فيه من الدعاء)
فأطلق الأمر بالدعاء ولم يقيده، فتناول كل ما يُسَمَّى دعاءً.
ولأنه ﷺ دعا في مواضع بأدعية مختلفة، فدل على أنه لا حجر فيه.
وفى الصحيحين في حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ في آخر التشهد: (ثم ليتخير من الدعاء ما أعجبه) و (أحب إليه) و (ما شاء)
وفى روايه أبى هريرة " ثم يدعو لنفسه ما بدا له " قال النسائي وإسناده صحيح.
وعن أبى هريرة أن النبي صلي الله عليه وسلم كان يقول في قنوته: (اللهم أنج الوليد بن الوليد، وعياش بن أبى ربيعة، وسلمة بن هشام، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلهما عليهم سنين كسني يوسف) رواه البخاري ومسلم.
وفى الصحيحين قوله ﷺ (اللهم العن رِعلاً وذَكوانَ وعُصَيَّةَ عصت الله ورسوله) وهؤلاء قبائل من العرب.
والأحاديث بنحو ما ذكرناه كثيرة.
والجواب عن حديثهم: أن الدعاء لا يدخل في كلام الناس.
وعن التشميت ورد السلام أنهما من كلام الناس؛ لأنهما خطاب لآدمي بخلاف الدعاء.
والله تعالى أعلم " انتهى.
ويقول الشيخ ابن عثيمين ﵀ في "الشرح الممتع" (٣/٢٨٣) :
" وظاهر كلام المؤلِّف – يعني الإمام موسى الحجاوي من الحنابلة -: أنه لا يدعو بغير ما وَرَدَ، فلا يدعو بشيء مِن أمور الدُّنيا مثل أن يقول: اللَّهُمَّ اُرزقني بيتاً واسعاً، أو: اللَّهُمَّ ارزقني زوجة جميلة، أو: اللَّهُمَّ اُرزقني مالاً كثيراً، أو: اللَّهُمَّ اُرزقني سيارة مريحة، وما أشبه ذلك؛ لأن هذا يتعلَّق بأمور الدُّنيا، حتى قال بعض الفقهاء ﵏: لو دعا بشيء مما يتعلَّق بأمور الدنيا بطلت صلاتُه.
لكن هذا قول ضعيف بلا شَكٍّ.
والصحيح: أنه لا بأس أن يدعو بشيء يتعلَّق بأمور الدُّنيا؛ وذلك لأن الدُّعاء نفسه عبادة ولو كان بأمور الدنيا، وليس للإنسان ملجأ إلا الله، وإذا كان الرسول ﷺ يقول: (أقربُ ما يكون العبدُ مِن ربِّه وهو ساجد) ويقول: (أمَّا السُّجودُ فأكثروا فيه مِن الدُّعاء فَقَمِنٌ أن يُستجاب لكم) ويقول في حديث ابن مسعود لما ذَكَرَ التَّشهُّدَ: (ثم ليتخيَّر مِن الدُّعاء ما شاء) والإنسان لا يجد نفسه مقبلاً تمام الإقبال على الله إلا وهو يُصلِّي، فكيف نقول: لا تسأل الله - وأنت تُصلِّي - شيئاً تحتاجه في أمور دنياك! هذا بعيد جدًّا ...
فالصَّواب بلا شَكٍّ أن يدعوَ بعد التشهُّدِ بما شاء مِن خير الدُّنيا والآخرة " انتهى.
والحاصل أنه لا حرج عليك من الدعاء بتيسير الزواج من رجل معين – إذا كان من أهل الصلاح والخير – وإن كان الأولى دائما استعمال جوامع الدعاء وما أُثِرَ عنه ﷺ ، وانظري جواب السؤال رقم (٥٢٣٦) ، (٦٥٨٥) ، (٧٥٠٥٨)
ثانيا:
ثم نحن - وإن كنا أفتينا لك بجواز دعائك في صلاتك بالزواج من رجل معين - إلا أننا ننصحك – من الناحية النفسية والتربوية – ألا تبالغي في تفكيرك وحرصك على ذلك الموضوع، فالزواج قسمةٌ من الله ، ومن رحمته سبحانه بالخلق أن وسَّع عليهم وأغناهم، فلم يقصُرِ المقسومَ برجل معين، وإنما علقه بمقوِّمات الخلق والدين، فحيث حلَّت هذه المقومات، لزم على المسلم الرضا والقبول.
والمسلم المؤمن بقضاء الله وقدره يؤمن بحكمة الله في أمره وتصريفه، وأنه سبحانه قد يدفع عن العبد السوء الذي سعى إليه وأحبه وكان يدعو به، لعلمه سبحانه أن الخيرَ في غيره، يقول الله تعالى: (وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) البقرة/٢١٦
وشعار المسلم في ذلك قول النبي ﷺ في دعاء الاستخارة: (وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ أَرْضِنِي) رواه البخاري (١١٦٢)
فنرجو ألا يأخذ هذا الموضوع – من عقلك وقلبك - مساحة أكبر مما ينبغي، فكثيرون هم – بحمد الله – أصحاب الخلق والدين، ونسأل الله تعالى يقدر لك الخير حيث كان، وأن يرزقك الرضا بما قسم لك وقدر.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12933
دعاء اللهم إنا لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف فيه
[السُّؤَالُ]
ـ[بعض المرات ندعو بهذا الدعاء: اللهم إنا لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف فيه، فهل هذا الدعاء جائز أم فيه مخالفة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" لا نرى الدعاء هذا، بل نرى أنه محرم، وأنه أعظم من قول الرسول ﵊: (لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت) ؛ وذلك لأن الدعاء مما يرد الله به القضاء، كما جاء في الحديث: (لا يرد القضاء إلا الدعاء) والله يقضي الشيء ثم يجعل له موانع، فيكون قاضيا بالشيء، وقاضيا بأن هذا الرجل يدعو فيرد القضاء، والذي يرد القضاء هو الله .
فمثلا: الإنسان المريض، هل يقول: اللهم إني لا أسألك الشفاء، ولكني أسألك أن تهون المرض؟
لا، بل يقول: اللهم إنا نسألك الشفاء، فيجزم بطلب المحبوب إليه، دون أن يقول: يا رب أبق ما أكره لكن الطف بي، هل الله إلا أكرم الأكرمين وأجود الأجودين؟ وهو القادر على أن يرد عنك ما كان أراده أولا بسبب دعائك، فلهذا نحن نرى أن هذه العبارة محرمة، وأن الواجب أن يقول: اللهم إني أسألك أن تعافيني، أن تشفيني، أن ترد علي غائبي، وما أشبه ذلك " انتهى.
"فتاوى نور على الدرب" للشيخ ابن عثيمين ﵀.
http://www.ibnothaimeen.com/all/sound/article_١٧٣٨١.shtml
وسئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء عن هذا الدعاء، فأجابوا:
" هذا الدعاء لا نعلم أنه وارد عن النبي ﷺ ، فتركه أحسن، وهناك أدعية تغني عنه، مثل: (وأسألك ما قضيت لي من أمر أن تجعل عاقبته رشداً) رواه أحمد وابن ماجه وصاحب المستدرك، وقال: صحيح الإسناد، ومثل ما ذكره أبو هريرة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يتعوذ من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء) قال سفيان -وهو أحد رواة الحديث -: (الحديث ثلاث زدت أنا واحدة لا أدري أيتهن هي) رواه البخاري.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم " انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... الشيخ عبد العزيز آل الشيخ ... الشيخ صالح الفوزان ... الشيخ بكر أبو زيد.
"فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء" (٢٤/٢٩١) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12934
الدعاء للكافر بالهداية وإلا أخذه الله
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم الدعاء على بعض الظلمة أو الفجرة أو الكفرة بأن الله يهديهم، فإن لم يهدهم أخذهم أخذ عزيز مقتدر؛ هل هذا الدعاء جائز؟ أو هو من باب التخيير لله ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"ليس هذا تخييراً، وإنما هو طلب الهداية لهم من الله، مع تفويض أمر هدايتهم إلى مشيئته وحكمته، فإن تحقق لهم ذلك فالحمد لله، وإلا كفانا الله شرهم بأخذهم أخذ عزيز مقتدر؛ جزاءً وفاقاً بما ظلموا؛ تطهيراً للأرض من رجسهم، فهو دعاء جائز.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... الشيخ عبد الرزاق عفيفي ... الشيخ عبد الله بن غديان ... الشيخ عبد الله بن قعود.
"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" (٢٤/٢٠٧) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12935
الدعاء بفناء الكفار من الوجود
[السُّؤَالُ]
ـ[سمعت بعض الناس يدعون بهذا الدعاء: اللهم عليك بالكفار والمشركين واليهود، اللهم لا تبق أحداً منهم في الوجود، اللهم أفنهم فناءك عاداً وثمود. فما حكم الدعاء بذلك؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" والدعاء بفناء الكفار اعتداء في الدعاء؛ لأن الله قدر وجودهم وبقاءهم لحكمة، والله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ ... الشيخ عبد الله بن غديان ... الشيخ صالح الفوزان ... الشيخ بكر أبو زيد.
"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" (٢٤/٢٧٦) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12936
التأمين خلف دعاء من شريط مسجل
[السُّؤَالُ]
ـ[هل إذا سمعت شريطاً صدر قبل سنة أو سنتين فيه شيخ يدعو، هل أؤمن على دعائه؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"الدعاء والتأمين عليه عبادة، والمشروع هو التأمين على دعاء الداعي الحاضر، أما الدعاء المسجل على الأشرطة فلا يشرع التأمين عليه؛ لأنه ليس هناك شخص يدعو له على الحقيقة.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ ... الشيخ عبد الله بن غديان ... الشيخ صالح الفوزان ... الشيخ بكر أبو زيد.
"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" (٢٤/٢٥٦) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12937
الدعاء في الصلاة بتيسير الصداقة مع رجل معين
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز لي الدعاء في الصلاة المفروضة بأمر من أمور الدنيا، مع تحديد هذا الأمر بالاسم، كأن أقول: " اللهم اجعل فلان بن فلان صديقا لي "؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا حرج من الدعاء بأمور الدنيا في الصلاة على الصحيح من قولي أهل العلم، وهو ما ذهب إليه المالكية والشافعية وبعض الحنابلة، كأن يسأل الله التوفيق في الدراسة أو الزواج أو يسأله تيسير عمل معين أو شفاء صديق أو قريب أو تيسير صحبة صالحة ونحو ذلك.
والدليل على ذلك: حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ علّم الصحابة التشهد ثم قال في آخره: (ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ المَسْأَلَةِ مَا شَاءَ) رواه البخاري (٥٨٧٦) ومسلم (٤٠٢) .
جاء في "المدونة" (١/١٩٢) :
" قال مالك: ولا بأس أن يدعو الرجل بجميع حوائجه في المكتوبة، حوائج دنياه وآخرته، في القيام والجلوس والسجود " انتهى.
وقال النووي في "المجموع" (٣/٤٥٤) :
" مذهبنا أنه يجوز أن يدعو فيها (يعني: الصلاة) بكل ما يجوز الدعاء به خارج الصلاة من أمور الدين والدنيا، وله – أن يقول -: اللهم ارزقني كسبا طيبا، وولدا، ودارا، وجارية حسناء يصفها، و: اللهم خلص فلانا من السجن، وأهلك فلانا، وغير ذلك، ولا يبطل صلاته شيء من ذلك عندنا.
وبه قال مالك والثوري وأبو ثور وإسحق.
وقال أبو حنيفة وأحمد لا يجوز الدعاء إلا بالأدعية المأثورة الموافقة للقرآن.
واحتج أصحابنا بقوله ﷺ : (وأما السجود فاجتهدوا فيه من الدعاء)
فأطلق الأمر بالدعاء ولم يقيده، فتناول كل ما يُسَمَّى دعاءً.
وفى الصحيحين في حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ في آخر التشهد: (ثم ليتخير من الدعاء ما أعجبه) و (ما أحب) و (ما شاء)
وفى رواية أبى هريرة ﵁: (ثم يدعو لنفسه ما بدا له) قال النسائي: إسناده صحيح.
وعن أبى هريرة ﵁ أن النبي صلي الله عليه وسلم كان يقول في قنوته: (اللهم أنج الوليد بن الوليد، وعياش بن أبى ربيعة، وسلمة بن هشام، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلهما عليهم سنين كسني يوسف) رواه البخاري ومسلم.
وفى الصحيحين قوله ﷺ (اللهم العن رِعلاً وذَكوانَ وعُصَيَّةَ عصت الله ورسوله) وهؤلاء قبائل من العرب.
والأحاديث بنحو ما ذكرناه كثيرة " انتهى بتصرف واختصار.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في "الشرح الممتع" (٣/٢٨٣) :
" وظاهر كلام المؤلِّف – يعني: موسى الحجاوي ﵀ أنه لا يدعو بغير ما وَرَدَ، فلا يدعو بشيء مِن أمور الدُّنيا مثل أن يقول: اللَّهُمَّ ارزقني بيتاً واسعاً، أو: اللَّهُمَّ ارزقني زوجة جميلة، أو: اللَّهمَّ ارزقني مالاً كثيراً، أو: اللَّهُمَّ ارزقني سيارة مريحة، وما أشبه ذلك؛ لأن هذا يتعلَّق بأمور الدُّنيا، حتى قال بعض الفقهاء ﵏: لو دعا بشيء مما يتعلَّق بأمور الدنيا بطلت صلاتُه.
لكن هذا قول ضعيف بلا شَكٍّ.
والصحيح: أنه لا بأس أن يدعو بشيء يتعلَّق بأمور الدُّنيا؛ وذلك لأن الدُّعاء نفسه عبادة ولو كان بأمور الدنيا، وليس للإنسان ملجأ إلا الله، وإذا كان الرسول ﷺ يقول: (أقربُ ما يكون العبدُ مِن ربِّه وهو ساجد) ويقول: (أمَّا السُّجودُ فأكثروا فيه مِن الدُّعاء فَقَمِنٌ أن يُستجاب لكم) ويقول في حديث ابن مسعود لما ذَكَرَ التَّشهُّدَ: (ثم ليتخيَّر مِن الدُّعاء ما شاء) والإنسان لا يجد نفسه مقبلاً تمام الإقبال على الله إلا وهو يُصلِّي، فكيف نقول: لا تسأل الله - وأنت تُصلِّي - شيئاً تحتاجه في أمور دنياك! هذا بعيد جدًّا.
وقد جاء في الحديث عن الرَّسولِ ﵊: (ليسألْ أحدُكم ربَّه حاجته كلها حتى شِسْعَ نَعْلِه) وشِسْع النَّعل: يتعلَّق بأمور الدُّنيا.
فالصَّواب بلا شَكٍّ أن يدعوَ بعد التشهُّدِ بما شاء مِن خير الدُّنيا والآخرة " انتهى.
فيجوز أن تدعو في صلاتك المفروضة أو النافلة بتيسير صحبة الإخوان الصالحين، والأصدقاء الخيرين، ولو كان الدعاء بتعيين الأسماء.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12938
قصة دعاء يستغيث منه الشيطان ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أود السؤال عن دعاء يتناقل الآن في المنتديات بعنوان: " دعاء يستغيث منه الشيطان "، وهو ورد في الأثر عن الإمام محمد بن واسع: " أنه كان يدعو الله كل يوم بدعاء خاص، فجاءه شيطان وقال له: يا إمام! أعاهدك أني لن أوسوس لك أبدا، ولن آتيك ولن آمرك بمعصية، ولكن بشرط أن لا تدعو الله بهذا الدعاء، ولا تعلمه لأحد. فقال له الإمام: كلا! سأعلمه لكل من قابلت وافعل ما شئت. هل تريد معرفه هذا الدعاء؟ كان يدعو فيقول: " اللهم إنك سلطت علينا عدوا عليما بعيوبنا، يرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم، اللهم آيسه منا كما آيسته من رحمتك، وقَنِّطه منا كما قَنَّطته من عفوك، وباعد بيننا وبينه كما باعدت بينه وبين رحمتك وجنتك " فهل يصح هذا الأثر؟ وجزاك الله الجنة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
في هذه الحكاية جانبان اثنان لا بد من التنبيه عليهما:
أولا:
شرعية كلمات الدعاء المذكورة عن محمد بن واسع ﵀، فهي جمل صحيحة المعاني، مستقيمة المقاصد، ليس فيها ما يستنكر ولا ما يستغرب، فالدعاء بتقنيط الشيطان من إغوائك وإضلالك له ما يشهد له، وليس اعتداء في الدعاء، فقد أخبر النبي ﷺ أن الشيطان يصيبه اليأس من العباد في بعض الأزمان والأحيان، فقال:
(إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ)
رواه مسلم (٢٨٢١)
وليس بمستنكر أن يسأل العباد ربهم أن يحقق لهم ذلك ويعصمهم من الشيطان، وهو من جنس الاستعاذة بالله تعالى من الشيطان الرجيم، فلا حرج على مَن دَعا به وسأل الله تعالى بما جاء فيه، من غير اعتقاد فضل خاص أو أثر معين لكلماته، بل يعتقد أنها كغيرها من كلمات الدعاء، الصدق والإخلاص فيها هو سبب قبولها، وليس شيئا غير ذلك.
ثانيا:
أما عن وقوع الحادثة المذكورة ومجيء الشيطان إلى محمد بن واسع ومخاطبته بذلك الكلام، فهذا لا نستطيع أن نؤكده، ولا ننفيه أيضا، والسبب أننا لم نجد سند هذه القصة في كتب الأثر والرواية، كما أننا لا نرى في مقصودها شيئا مستنكرا يستحق التكذيب:
فكلمات الدعاء مقبولة شرعا وهي كالاستعاذة، والشيطان يتصاغر عند الاستعاذة بالله، وأشد ما يجده إذا حالت رحمة الله بينه وبين العباد، فقد استكبر هو عنها فلا يريد أن تنال أحدا من الخلق.
أما تفاصيل القصة فلعل الأقرب أنها رؤيا منام، وليست حقيقة واقعة، وإن كان الشيطان يعرض للبشر بصورة رجل، كما عرض لأبي هريرة ﵁ حين وكَّله النبي ﷺ بحفظ مال الصدقة. رواه البخاري معلقا (٣٢٧٥)
وفي كتب السير كثيرٌ من القصص المشابهة، ولم نر أحدا من أهل العلم يعقب عليها بالتكذيب والنفي. انظر كتاب "سلاح اليقظان لطرد الشيطان" للشيخ عبد العزيز السلمان (ص/١٥)
ومحمد بن واسع من أئمة العلم والدين، توفي سنة (١٢٣هـ) وكان من عباد أهل البصرة وأفضلهم، حتى قال فيه سليمان التيمي: " ما أحد أُحِبُّ أن ألقى الله بمثل صحيفته مثل محمد بن واسع " انظر ترجمته في "سير أعلام النبلاء" (٦/١١٩) ، فلا يستبعد أن الشيطان يئس من إغوائه وإضلاله فجاء يطلب منه الكف عن الدعاء عليه.
ورغم ذلك فالجزم بثبوتها خطأ أيضا، إذ لم نر من ذكرها إلا أبو حامد الغزالي في "إحياء علوم الدين" (٣/٣٨) ومِن المعلوم أن كتاب "الإحياء" يحوي الكثير من الأحاديث والآثار والقصص الضعيفة والموضوعة، فلا يُركن إلى نقله.
جاء في "فتاوى الشيخ ابن باز" ﵀ (٢٦/١٢٩-١٣٠) :
" السؤال:
قال محمد بن واسع ﵀: كنت أقول صباحا ومساء: " اللهم إنك سلطت علينا عدوا بصيرا بعيوبنا، مطلعا على عوراتنا، يرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم , اللهم فآيسه منا كما آيسته من رحمتك , وقنطه منا كما قنطته من عفوك , وباعد بيننا وبينه كما باعدت بينه وبين جنتك.
قال محمد بن واسع: فرأيت إبليس في المنام فقال: لا تعلم هذا الدعاء لأحد فقلت: والله لا أمنعه من مسلم!
فما رأي سماحتكم بهذا الدعاء؟ وهل يجوز الدعاء به؟
فأجاب عنه سماحته بتاريخ ١٨/ ١٢/ ١٤١٤هـ.
محمد بن واسع الأزدي البصري من صغار التابعين، ومن الثقات العباد ﵀.. وهذا الدعاء لا بأس به، ولم أقف عليه في ترجمة محمد المذكور في "البداية" لابن كثير.
ويكفي عن ذلك التعوذ بالله من الشيطان الرجيم، كما قال سبحانه: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) الأعراف/٢٠٠، وقال سبحانه: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) النحل/٩٨
وكان النبي ﷺ يتعوذ بالله من الشيطان في صلاته وغيرها بقوله: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وربما قال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفثه ونفخه.. وقد فسر أهل العلم الهمز بالصرع، والنفخ بالكبر، والنفث بالشعر، يعنون بذلك المذموم، والله ولي التوفيق " انتهى.
والخلاصة: أنه لا ينبغي الجزم بثبوت مثل هذه القصة؛ ذا لم ترد مسندة في كتاب، ولم ترد أيضا في كتاب يتحرى الدقة، وإن كان الدعاء لا بأس به، ولا نكارة في معانيه ولا ألفاظه، من غير اعتقاد أن يترتب عليه فضيلة معينة، لا ما جاء في القصة، ولا غيرها من الفضائل، ومن غير أن يتخذ ـ أيضا ـ وردا ثابتا، كالأوراد التي وردت عن النبي ﷺ .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12939
أنواع التوسل
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي أنواع التوسل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
التوسل والوسيلة يراد به أحد أمور أربعة:
أحدها: لايتم الإيمان إلا به، وهو التوسل إلى الله بالإيمان به وبرسوله وطاعته وطاعة رسوله، وهذا هو المراد بقوله (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه وسيلة) سورة المائدة ٣٥ [ويدخل في هذا؛ التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته والتوسّل إليه بطاعات عملها المتوسّل يسأل الله بها ونحو ذلك]
والثاني: التوسل إلى الله بطلب دعاء الرسول ﷺ في حياته وطلب المؤمنين بعضهم بعضاً أن يدعو لهم؛ فهذا تابع للأول ومرغب فيه.
الثالث:التوسل بجاه المخلوق وذواتهم، مثل قوله: اللهم! إني أتوجه إليك بجاه نبيك أو نحوه؛ فهذا قد أجازه بعض العلماء، ولكنه ضعيف، والصواب الجزم بتحريمه؛ لأنه لا يتوسل إلى الله في الدعاء إلا بأسمائه وصفاته.
الرابع: التوسل في عرف كثير من المتأخرين، وهو دعاء النبي ﷺ والاستغاثة به (والاستغاثة بالأموات والأولياء) ؛ فهذا من الشرك الأكبر؛ لأن الدعاء والاستغاثة فيما لا يقدر عليه إلا الله عبادة، فتوجيهها لغير الله شرك أكبر. والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 12940
صحة حديث: " اللهم فارج الهم وكاشف الغم "
[السُّؤَالُ]
ـ[ما صحة هذا الحديث: (اللهم فارج الهم، وكاشف الغم، ومجيب دعوة المضطرين، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، أنت ترحمني فارحمني برحمة تغنيني بها عن رحمة مَن سواك) ]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
جاء نص هذا الدعاء في حديثين اثنين:
١- في حديث عائشة ﵂ قالت:
(دخل علي أبو بكر، فقال: هل سمعت من رسول الله ﷺ دعاء علمنيه؟ قلت: ما هو؟ قال: كان عيسى بن مريم يعلمه أصحابَه قال: لو كان على أحدكم جبل ذهب دينا فدعا الله بذلك لقضاه الله عنه: " اللهم فارج الهم، كاشف الغم، مجيب دعوة المضطرين، رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما، أنت ترحمني، فارحمني برحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك "
قال أبو بكر الصديق ﵁: وكانت علي بقية من الدين، وكنت للدين كارها، فكنت أدعو بذلك، فأتاني الله بفائدة فقضاه الله عني.
قالت عائشة: كان لأسماء بنت عميس علي دينار وثلاثة دراهم، فكانت تدخل علي فأستحيي أن أنظر في وجهها؛ لأني لا أجد ما أقضيها، فكنت أدعو بذلك، فما لبثت إلا يسيرا حتى رزقني الله رزقا، ما هو بصدقة تصدق بها علي، ولا ميراث ورثته، فقضاه الله عني، وقسمت في أهلي قسما حسنا، وحليت ابنة عبد الرحمن بثلاث أواق ورق، وفضل لنا فضل حسن)
رواه البزار – عزاه إليه السيوطي في "الدر المنثور" (١/٢٤) – وأبو بكر المروزي في "مسند أبي بكر الصديق" (رقم/٤٠) والطبراني في "الدعاء" (١/٣١٧) ، وابن عدي في "الكامل" (٢/٢٠٣) ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٧/٤٧٢) ، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (١/٦٩٦) والبيهقي في "دلائل النبوة" (رقم/٢٤٢٠) وفي "الدعوات الكبير" (رقم/١٦٧) وفي مسند الفردوس للديلمي (رقم/١٩٨٨)
من عدة طريق عن يونس بن يزيد الأيلي، عن الحكم بن عبد الله الأيلي، عن القاسم بن محمد، عن عائشة به.
وقال الحاكم: " وهذا حديث صحيح غير أنهما لم يحتجا بالحكم بن عبد الله الأيلي " انتهى.
والصواب أن الحكم بن عبد الله الأيلي ضعيف الحديث جدا، وكذبه غير واحد من الأئمة، جاء في ترجمته في "لسان الميزان" (٢/٣٣٢) : " كان ابن المبارك شديد الحمل عليه. وقال أحمد: أحاديثه كلها موضوعة. وقال ابن معين: ليس بثقة. وقال السعدي وأبو حاتم: كذاب. وقال النسائي والدارقطني وجماعة: متروك الحديث.
وقال البخاري: تركوه كان ابن المبارك يوهنه البتة وفي رواية يضعفه. وقال مسلم في "الكنى": منكر الحديث " انتهى باختصار فإن تشنيع العلماء على حديثه كثير.
وبهذا يتبين أن الحديث منكر أو موضوع، خلافا لما ذهب إليه الإمام الحاكم ﵀؛ ولهذا وضعفه الإمام المنذري في "الترغيب والترهيب" (٣/٥٧) وذكر له علة أخرى هي عدم سماع القاسم من عائشة، وحكم عليه بالضعف أيضا الإمام السيوطي في "الدر المنثور" (١/٢٤) ، وحكم عليه الشيخ الألباني في "ضعيف الترغيب" (١١٤٣) بالوضع.
٢- عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال:
(يا علي! ألا أعلمك دعاء إذا أصابك غم أو هم تدعو به ربك فيستجاب لك بإذن الله، ويفرج عنك: توضأ، وصل ركعتين، واحمد الله، وأثن عليه، وصل على نبيك، واستغفر لنفسك وللمؤمنين والمؤمنات، ثم قل: اللهم! أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، لا إله إلا الله العلي العظيم، لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب السموات السبع ورب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، اللهم كاشف الغم، مفرج الهم، مجيب دعوة المضطرين إذا دعوك، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، فارحمني في حاجتي هذه بقضائها ونجاحها رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك)
يقول الشيخ الألباني في "السلسلة الضعيفة" (رقم/٥٢٨٧) :
" منكر: أخرجه الأصبهاني (٢/ ٥٣٤/ ١٢٧٨ - ط) عن إسحاق بن الفيض: أخبرنا المضاء: حدثني عبد العزيز عن أنس مرفوعاً.
قلت – الشيخ الألباني -: وهذا إسناد ضعيف مظلم ... " ثم فصل القول في علله ﵀، فانظر الموضع المشار إليه من الضعيفة.
والخلاصة أن نص هذا الدعاء لم يرد من طريق صحيح، بل طرقه شديدة الضعف، لذلك حكم عليه العلماء بالوضع وأوردوه في كتب الموضوعات، كما في "تذكرة الموضوعات" للفتني (ص ٥٣) ، "تنزيه الشريعة" (٢/٣٣٣) ، "الفوائد المجموعة" (ص ٥٩، ٥٢) .
ثانيا:
لا حرج في أن يجعل المرء ذلك من دعاء نفسه، أو أن يسأل الله الحاجات بألفاظه، فهي عبارات صحيحة لها شواهد كثيرة من الكتاب والسنة الصحيحة، فيها تذلل وتقرب وإظهار خضوع لله رب العالمين، كما فيها توسل بصفات الله تعالى ورحمته التي وسعت كل شيء، فمن دعا به – من غير اعتقاد مزيد فضل له ولا خصوص أجر – يرجى له القبول والاستجابة.
عن عبد الرحمن بن سابط قال:
(كان رسول الله ﷺ يدعو بهؤلاء الكلمات ويعظمهن: اللهم فارج الهم، وكاشف الكرب، ومجيب المضطرين، ورحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، ارحمني اليوم رحمة واسعة تغنيني بها عن رحمة من سواك)
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٦/١٠٩) بسند صحيح عن عبد الرحمن بن سابط، لكن عبد الرحمن هذا ن التابعين، ولم يدرك النبي ﷺ ، كما في ترجمته في "تهذيب التهذيب" (٦/١٨١) ، فيكون حديثه مرسلا، والحديث المرسل يستأنس به في الأذكار والدعاء.
بل إن الدعاء، متى استقام معناه، وصح لفظه، جاز الدعاء به، ولو لم يكن مأثورا أصلا، فباب الدعاء مفتوح لمن يجتهد فيه، وإن كان الدعاء المأثور الثابت أعظم بركة، وأسد معنى، وأبعد عن التكلف والعدوان في الدعاء.
وانظر في موقعنا جواب السؤال رقم (٧٠٢٩٥) ، (٨٤٠٣٠)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12941
لا تجزع من عدم إجابة الدعاء !!
[السُّؤَالُ]
ـ[أود أن أسأل فضيلتكم سؤالاً، وأرجو أن يتسع صدركم لي، أنا مسلم عادي، لا أنا بعظيم الإيمان، ولا بضعيف الإيمان , فأنا أؤدي الفرائض مع بعض التقصير- أرجو الله أن يسامحني عليه - وأدرك اليسير من السنن، وأؤمن بالقضاء والقدر خيره وشره , منذ حوالي سبع سنين أصابني همٌّ عظيم بسبب مصيبة ما - لا أشغل فضيلتكم بها - وأصدقكم القول أني في البداية جزعت، وأصابني اليأس والإحباط، ولكن بعد عام تقريباً هداني الله , وأعلمني أهل الخير أن ذلك فيه الخير بأمر الله، وأخبروني إما أن تكون المصيبة بذنب ارتكبته، أو ابتلاء من الله , ونصحوني بالدعاء والاستغفار , وأن أسأل الله من فضله , وأن أتوسل إليه بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، وأن أكثر من عمل الخير , وبإذن الله لن يردَّ سؤالي، فإن الله يستحيي من ذلك , وها أنا ذا قمت بكل هذا، لا أقول على وجه الكمال، ولكن على قدر استطاعتي، فأكثرتُ من الدعاء، وأعمال الخير، وتبت إلى الله توبة نصوحاً من جميع الذنوب، وسألت الله أن يفرج كربي، ويزيل همي , وقد استخرت الله في القيام ببعض الأمور في حياتي لكي أعيد تصحيح الأوضاع , ولكن بعد القيام بكل هذه الأمور ما ازددت إلا همّاً وغمّاً، فزادت المصائب، وكثرت الأحزان، وفشلت كل خطواتي التي استخرت الله فيها، بل وألحقت بي الأذى , وغلقت كل الأبواب في وجهي , حاشا لله أن أكون أشكو الله لفضيلتكم إنما أشكو بثي وحزني إلى الله , ولكنى أريد أن أعرف لماذا لا يستجيب الله لي؟ ولماذا لا أوفق في أي أمر من أمور الدنيا - رغم أني آخذ بالأسباب، وأتوكل على الله، ولا أقوم بشيء إلا وقبله الاستخارة , فالله يوفق الكافر في دنياه الذي يأخذ بالأسباب , ولا آكل الحرام، ولا أضمر الشرَّ لأحدٍ وأدعو للجميع بالتوفيق -؟ وقد سمعت من أحد المشايخ وهو يحكي قصه فرعون أن الله قال لموسى: " وعزتي وجلالي لو استنجد بي لنجدته "، وبدأت بعض الأسئلة تدور في نفسي، هل أنا أهون عند الله من فرعون رغم أني لم أرتكب ذنوبه؟ وإذا لم أكن كذلك لماذا يبتليني الله بهذا الابتلاء رغم أني لست بعظيم الإيمان؟ وإذا كان السبب هو الذنوب فإني تبت من جميع الذنوب، وأكثرت الدعاء، وإن كان الله يريد أن يرفع به درجاتي في الجنة فكيف ذلك والله يعلم أني ليس لي طاقة بهذا البلاء؟ . أسئلة كثيرة تدور في رأسي , أتعبتني وأرهقتني ولم أجد لها إجابة , والحقيقة لقد بدأت عزيمتي تفتر، وقوة إيماني تضعف، وضاقت نفسي بالدنيا، ولم أعد أقوى على تحمل هذه الكوارث , فقد طالت المدة، وأصابني اليأس الشديد، وتسرب الشك إلى قلبي , ولولا أن الله حرم قتل النفس لكنت فعلت وأرحت نفسي، معذرة أني أطلت على فضيلتكم.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نسأل الله تعالى أن يقبل توبتك، ويغفر حوبتك، وأن يوفقك لما يحب ويرضى.
ثانياً:
لا شك – أخي الفاضل – أن ثمة خللاً في تصورك لمسائل الدعاء والإجابة والابتلاء، وما تعاني منه طبيعي إن كنتَ على غير بصيرة في تلك المسائل وغيرها مما يتعلق بها، ونحن شعرنا معك برسالتك، وأحسسنا بآلامك، فنرجو منك التنبه لما سنبينه لك، والعمل به، فنحن رأينا في رسالتك من الاستعداد للقبول ما شجعنا على أن نرد عليك، ونوجهك لما فيه الخير لك دنيا وأخرى.
ثالثاً:
يتصور كثير من الناس أنه بمجرد أن يعلن توبته وإنابته لربه تعالى، أنه سينتقل مباشرة إلى النعيم، فيرتفع عنه البلاء، وتأتيه الأموال، ويعيش في رغد من العيش! وكل ذلك غير لازم البتة، بل إنه ثمة اختبار وابتلاء لتوبة هذا العبد، هل هي صادقة أم لا، وهل هي لله أم ليست له، وكل ذلك سيجعله في ابتلاء جديد؛ بل إن مختصر هذه الحياة وحكمتها: أنها تجربة ابتلاء واختبار. قال الله تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً) (الانسان:٢) ؛ فإذا فهم هذه الحقيقة، فهو حري أن يسلم له قلبه، وإن لم تسلم له جوارحه، وظاهر عيشه، أما بدون وعي ذلك والتنبه إليه، فهو حري ألا يسلم له قلبه، حتى وإن سلمت جوارحه؛ ومن هنا جاء عن بعض السلف قولهم " لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم لجالدونا عليه بالسيوف " وأي نعيم يقصد أولئك العظام؟ إنه نعيم القلب، يقينه بربه تعالى، وفرحه بطاعته، وسعادته بالتقرب إليه، ولو عاش في ضيق من الدنيا، وهذا هو مقياس الحياة الطيبة، كما ذكره الله تعالى في كتابه الكريم حين قال: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) النحل/ ٩٧.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀:
فمَن جمع بين الإيمان والعمل الصالح: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) وذلك بطمأنينة قلبه، وسكون نفسه، وعدم التفاته لما يشوش عليه قلبه، ويرزقه الله رزقاً حلالاً طيِّباً من حيث لا يحتسب، (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ) في الآخرة (أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) من أصناف اللذات مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيؤتيه الله في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة. " تفسير السعدي " (ص ٤٤٨) .
وأما الآخرون من الكفار والعصاة: فاسمع لقول الله تعالى في حقيقة حالهم حين قال: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) طه/ ١٢٤.
قال ابن كثير – ﵀:
(وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي) أي: خالف أمري، وما أنزلته على رسولي، أعرض عنه وتناساه، وأخذ من غيره هداه: (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا) أي: في الدنيا، فلا طمأنينة له، ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق حَرَج لضلاله، وإن تَنَعَّم ظاهره، ولبس ما شاء، وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى: فهو في قلق وحيرة، وشك، فلا يزال في ريبة يتردد، فهذا من ضنك المعيشة.
" تفسير ابن كثير " (٥ / ٣٢٢، ٣٢٣) .
فهل من الحكمة في شيء، أو من العقل الصريح أن تترك ما فتح الله تعالى لك من أبواب العبودية، وشرفك به من الإيمان به، لأجل اغترارك بحال أهل الكفر من السعة في الدنيا والرزق: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ)
ثم أنت تترك البينات الواضحات في كتاب الله وسنة رسوله في شأن الدعاء، وعظم قدره، وأسباب إجابته، وتعلق حالك بمثل هذا الخبر: " وعزتي وجلالي لو استنجد بي لنجدته " ـ الذي يشبه كلام القصاص وأخبار بني إسرائيل.
وهب أنه صحيح ثابث، هل مجرد حصول مطلوب العبد من الدنيا، وسعة عيشه، ووفور رزقه، علامة على قبوله عند ربه.
قال الله تعالى: (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ) الآيات، سورة الفجر.
وهب ـ أيضا ـ أن هذا الرزق إنما أتاه بعد دعاء دعاه؛ أفيدل هذا ـ يا عبد الله ـ على أن هذا العبد مقبول مرضي الحال عند مولاه؟!!
(هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (يونس: ٢٢-٢٣)
قال الشيخ ابن سعدي ﵀:
" عرفوا أنه الهلاك، فانقطع حينئذ تعلقهم بالمخلوقين، وعرفوا أنه لا ينجيهم من هذه الشدة إلا الله وحده، فدَعَوُه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ووعدوا من أنفسهم على وجه الإلزام، فقالوا: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: نسوا تلك الشدة وذلك الدعاء، وما ألزموه أنفسهم، فأشركوا بالله، من اعترفوا بأنه لا ينجيهم من الشدائد، ولا يدفع عنهم المضايق، فهلا أخلصوا لله العبادة في الرخاء، كما أخلصوها في الشدة؟!!
ولكن هذا البغي يعود وباله عليهم، ولهذا قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: غاية ما تؤملون ببغيكم، وشرودكم عن الإخلاص لله، أن تنالوا شيئًا من حطام الدنيا وجاهها النزر اليسير الذي سينقضي سريعًا، ويمضي جميعًا، ثم تنتقلون عنه بالرغم؛ ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ﴾ في يوم القيامة ﴿فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وفي هذا غاية التحذير لهم عن الاستمرار على عملهم " انتهى، تفسير السعدي (٣٦١) .
وتأمل معي قول الله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا * كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا * انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا) الإسراء: ١٨-٢١
لتعلم ـ يا عبد الله ـ أن القضية ليست بالحساب الذي تظنه: من نال حظه، أو أجيب دعاؤه فهو أفضل، ومن لم ينل فهو أقل وأرذل!! كلا، ليست المسألة هكذا.
رابعاً:
ويخطئ كثير من الناس في مسألة الدعاء من وجوه كثيرة، ويهمنا في سؤالك أخي الفاضل أن ننبهك على خطئين اثنين:
الأول: ظنك أن الدعاء يستجاب بمجرد أن تدعو، وهو خطأ؛ إذ للدعاء شروط لاستجابته، وموانع تمنع من استجابته.
وانظر تفصيل ذلك بتمامه وكماله في جواب السؤال رقم (٥١١٣) .
وفي ذلك التفصيل بيان مانع من موانع الاستجابة عندك، وهو تعجل الإجابة، وااستحسار بعده.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الِاسْتِعْجَالُ قَالَ يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ) رواه مسلم (٢٧٣٥) .
والثاني: ظنك أن الاستجابة نوع واحد وهي تحقيق المطلوب في الدعاء من مال أو ولد أو وظيفة، أو غير ذلك، وهو خطأ؛ إذ الاستجابة ثلاثة أنواع، فهي إما أن تكون بتحقيق المطلوب في الدعاء، أو أن يصرف عنه من السوء والشر بقدر دعائه، أو يدَّخر ذلك له أجراً وثواباً يوم القيامة.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنْ السُّوءِ مِثْلَهَا، قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ؟ قَالَ: اللَّهُ أَكْثَرُ) .
رواه أحمد (١٠٧٤٩) ، وصححه الألباني في " صحيح الترغيب والترهيب (١٦٣٣) .
خامساً:
تقصير المسلم في طاعته وعبادته ينبغي أن يُشعره بأنه ليس أهلاً لإجابة دعائه، ولعل ذلك أن يدفعه لأن يعمل بطاعة الله أكثر، ويزداد تقرباً إليه ، فإذا اعتقد الداعي أنه جاء بما يحب الله ويرضى عنه، وأنه أهلٌ للإجابة ولَّد ذلك عنده سوء ظنٍّ بربه تعالى! وولَّد عنده شعور بالإحباط، واليأس، حتى إنه ليود التخلص من الحياة بالانتحار! وكل ذلك – وللأسف – رأيناه – أخي الفاضل – في كلامك.
وهذا بخلاف من علم تقصيره في جانب ربه تعالى، فإن مثل هذا يتولد عنده سوء ظنٍّ بنفسه لا بربه ، ويدفعه ذلك للابتعاد عن المنهيات، والإتيان بالواجبات، ويأخذ بالورع، ويترك التوسع بالمباحات التي قد تلهيه عن طاعة ربه تعالى.
قال ابن رجب الحنبلي - رحمه الله تعالى -:
وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: " بالورع عما حرَّم الله يقبل الله الدعاء والتسبيح "، وعن أبي ذر ﵁ قال: " يكفي مع البِرِّ من الدعاء، مثل ما يكفي الطعام من الملح "، وقال محمد بن واسع: " يكفي من الدعاء مع الورع اليسير " ...
وقال بعض السلف: " لا تستبطئ الإجابة وقد سددتَ طرقها بالمعاصي "، وأخذ بعض الشعراء هذا المعنى فقال:
نحن ندعو الإله في كل كرب ... ثم ننساه عند كشف الكروب
كيف نرجو إجابة لدعاء ... قد سددنا طريقها بالذنوب
" جامع العلوم والحكم " (١ / ١٠٧، ١٠٨) .
وقال القرطبي – ﵀:
وقيل لإبراهيم بن أدهم: ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا؟
قال: لأنكم عرفتم الله فلم تطيعوه، وعرفتم الرسول فلم تتبعوا سنته، وعرفتم القرآن فلم تعملوا به، وأكلتم نعم الله فلم تؤدوا شكرها، وعرفتم الجنة فلم تطلبوها، وعرفتم النار فلم تهربوا منها، وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه ووافقتموه، وعرفتم الموت فلم تستعدوا له، ودفنتم الأموات فلم تعتبروا، وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس.
" تفسير القرطبي " (٢ / ٣١٢) .
وتأمل ـ أخي الكريم ـ هذا الفصل البديع من كلام ابن الجوزي في هذه المسألة، قال ﵀:
" رأيت من البلاء أن المؤمن يدعو فلا يجاب، فيكرر الدعاء وتطول المدة ولا يرى أثرا للإجابة؛ فينبغي له أن يعلم أن هذا من البلاء الذي يحتاج إلى الصبر!!
وما يعرض للنفس من الوسواس في تأخير الجواب مرض يحتاج إلى طب؛ ولقد عرض لي من هذا الجنس؛ فإنه نزلت بي نازلة فدعوت فلم أر الإجابة، فأخذ إبليس يجول في حلبات كيده، فتارة يقول: الكرم واسع، والبخل معدوم، فما فائدة التأخير؟!!
فقلت له: اخسأ يا لعين، فما أحتاج إلى تقاضي، ولا أرضاك وكيلا!!
ثم عدت إلى نفسي فقلت: إياكِ ومساكنةَ وسوسته، فإنه لو لم يكن في تأخير الإجابة إلا أن يبلوك المقدر في محاربة العدو، لكفي في الحكمة.
قالت: فسلِّني عن تأخير الإجابة في مثل هذه النازلة!!
فقلت: قد ثبت بالبرهان أن الله مالك، وللمالك التصرف بالمنع والعطاء؛ فلا وجه للاعتراض عليه.
والثاني: أنه قد ثبتت حكمته بالأدلة القاطعة، فربما رأيتِ الشيء مصلحةً، والحكمة لا تقتضيه، وقد يخفى وجه الحكمة فيما يفعله الطبيب من أشياء تؤذي في الظاهر، يقصد بها المصلحة، فلعل هذا من ذاك.
والثالث: أنه قد يكون التأخير مصلحة، والاستعجال مضرة، وقد قال النبي ﷺ : (لا يزال العبد في خير ما لم يستعجل، يقول دعوت فلم يستجب لي) .
الرابع: أنه قد يكون امتناع الإجابة لآفة فيكِ؛ فربما يكون في مأكولك شبهة، أو قلبك وقت الدعاء في غفلة، أو تزاد عقوبتك، في منع حاجتك، لذنبٍ ما صدقتِ في التوبة منه.
فابحثي [يا نفس] عن بعض هذه الأسباب لعلك تقعين بالمقصود ...
والخامس: أنه ينبغي أن يقع البحث عن مقصودك بهذا المطلوب؛ فربما كان في حصوله زيادة إثم، أو تأخيرٌ عن مرتبة خير، فكان المنع أصلح!!
وقد روي عن بعض السلف أنه كان يسأل الله الغزو، فهتف به هاتف: إنك إن غزوت أُسرت، وإن أُسرت تنصرت!!
والسادس: أنه ربما كان فقد ما فقدته سببا للوقوف على الباب واللجْء [أي: اللجوء إلى الله] ، وحصوله سببا للاشتغال به عن المسؤول، وهذا الظاهر؛ بدليل أنه لولا هذه النازلة ما رأيناك على باب اللجء ... وإنما البلاء المحض ما يشغلك عنه، فأما ما يقيمك بين يديه ففيه جمالك!!
وإذا تدبرت هذه الأشياء تشاغلت بما هو أنفع لك من حصول ما فاتك؛ من رفع خلل، أو اعتذار من زلل، أو وقوف على الباب إلى رب الأرباب!! " انتهى.
صيد الخاطر (٥٩-٦٠) .
والله الموفق
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12942
الدعاء المطلق لا يشترط فيه الورود في السنة
[السُّؤَالُ]
ـ[سمعت أحد الجهلة يدعو ومما قال في دعائه: " رب لا تكلني إلى أحد، وتحوجني إلى أحد، واغنني عن كل أحد، يا من له المستند، وعليه المعتمد، هو الواحد الفرد الصمد، لا شريك له ولا ولد. اللهم ردني من الضلال إلى الرشد، وجنبني من كل خطيئة ونكد " فما رأي فضيلتكم في هذا الدعاء؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ينبغي أن تفرق – أخي السائل – بين نوعين من الدعاء:
النوع الأول: الدعاء المُقَيَّد: نعني به المرتبط بزمان أو مكان أو عبادة، أو جاء الشرع بتقييده بعدد أو فضيلة ونحو ذلك من القيود، كالأدعية الواردة في استفتاح الصلاة، وأذكار الصباح والمساء، وأدعية النوم، والطعام، ونحوها.
فهذا النوع يجب التقيُّدُ فيه بما جاء في الشرع الحكيم، من غير زيادة ولا نقصان، ولا يجوز ابتداع شيء من الأدعية لتحل محل ما ورد في السنة.
وهذا ما علمه النبي ﷺ البراء بن عازب ﵁ حين قال له:
(إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَاّ إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ.
فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ.
قَالَ: فَرَدَّدْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا بَلَغْتُ: اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، قُلْتُ: وَرَسُولِكَ. قَالَ: " لَا، وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ ")
رواه البخاري (٢٤٧) ومسلم (٢٧١٠)
يقول العلامة المعلمي ﵀ في كتابه "العبادة" (ص/٥٢٤) :
" وما أخسر صفقة من يَدَعِ الأدعيةَ الثابتة في كتاب الله أو في سنة رسول الله ﷺ فلا يكاد يدعو بها، ثم يعمد إلى غيرها فيتحراه ويواظب عليه، أليس هذا من الظلم والعدوان؟! " انتهى.
أما النوع الثاني: فهو الدعاء المطلق: وهو سؤال الله الحاجات العامة والخاصة، والتوجه إليه سبحانه بما يحتاجه المرء وما يريده، كالدعاء في السجود، وفي ثلث الليل الآخر، وفي يوم عرفة ونحوه.
فمثل هذه الأدعية لا يُشترط فيها الثبوت ولا الورود، بل يكفي أن تكون كلماتُ الدعاء كلماتٍ شرعيةً صحيحةً، ليس فيها تعدٍّ ولا تجاوز، وليس فيها دعاء بإثم أو قطيعة رحم.
جاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (٢٤/٢٠٣-٢٠٤) :
" باب الأدعية واسع، فليدع العبد ربه بما يحتاجه مما لا إثم فيه.
أما الأدعية والأذكار المأثورة: فالأصل فيها التوقيف من جهة الصيغة والعدد، فينبغي للمسلم أن يراعي ذلك، ويحافظ عليه، فلا يزيد في العدد المحدد، ولا في الصيغة، ولا ينقص من ذلك ولا يحرف فيه " انتهى.
وفيها أيضا (٢٤/٢٧٥) :
" الأدعية الواردة في الكتاب والسنة هي التي يشرع التزامها والعناية بها وحفظها ونشرها، أما غيرها من الأدعية التي ينشئها سائر الناس فليست كذلك؛ لأن أحسن أحوالها كونها مباحة، وقد تحتوي على عبارات موهمة، أو غير صحيحة " انتهى باختصار.
والذي يظهر أن الدعاء الوارد في السؤال هو من الدعاء المطلق، وبالنظر في كلماته وجمله يظهر أيضا أنه دعاء جائز لا حرج فيه، ولا يظهر لنا فيه مخالفة شرعية، بل كلماته سليمة صحيحة، فلا ينبغي لك إنكاره ولا وسم الداعي به بالجهل.
وانظر جواب السؤال رقم (٢١٥٦١) ، (٧٥٠٥٨)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12943
الدعاء أثناء الوضوء بجاه النبي ﷺ
[السُّؤَالُ]
ـ[عندي عادة لا أدري أهي سيئة أم حسنة: مثلا عند غسل رجلي في الوضوء أدعو ربي أن يثبت رجلي على الصراط بجاه النبي ﵊. وكذلك في الصلاة مثلا: رب اغفر لي وارحمني وسامحني بجاه نبيك ﵊. فهل مثل هذا الدعاء يجوز أم لا؟ مع العلم أني اعتَدْتُ على الدعاء بهذه الصفة اعتقادا مني أن الله لا يرد الدعاء لمن توسل إليه بحبيبه ﵊.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
دعاء الله تعالى أن يثبت رجل عبده على الصراط، دعاء حسن لا بأس به، نسأل الله تعالى أن يثبت أقدمنا جميعاً.
ولكن دخل الخطأ في هذا الدعاء من وجهين:
الأول: اعتيادك هذا الدعاء عند غسل الرجلين في الوضوء.
فإنك تعلم – أخي السائل – أن الوضوء عبادة، وأن المسلم ليس له أن يغيِّر صفة العبادة أو يزيد عليها، أو ينقص منها. بل كمال الاتباع للنبي ﷺ أن نفعل كما فعل، من غير زيادة ولا نقصان.
قال ابن تيمية ﵀ "مجموع الفتاوى" (٢٢/٥١٠) :
" وليس لأحد أن يسن للناس نوعا من الأذكار والأدعية غير المسنون، ويجعلها عبادة راتبة يواظب الناس عليها كما يواظبون على الصلوات الخمس، بل هذا ابتداع دين لم يأذن الله به " انتهى.
ولم يكن من هدي النبي ﷺ الدعاء عند غسل أعضاء الوضوء، وقد ورد في ذلك حديث، غير أنه لا يصح عن النبي ﷺ .
قال الحافظ ابن الصلاح:
" لم يصح فيه حديث " انتهى. كذا نقله الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" (١/٢٩٧) .
وقال ابن القيم في "المنار المنيف" (٤٥) :
" وأما الحديث الموضوع في الذكر على كل عضو فباطل " انتهى.
وقال النووي عن دعاء الأعضاء في الوضوء: دعاء الأعضاء لا أصل له"
"الفتوحات الربانية" (٢/٢٧-٢٩)
وفي "فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم" (٢/٤٩) :
" بعض الناس يرى أَن لكل عضو ذكرًا يخصه، ويروى في ذلك شيء من الأَحاديث، لكنها لا تصح أَبدًا، بل هي باطلة " انتهى.
وجاء في " دروس للشيخ عبد العزيز بن باز" (درس رقم/١٣ ش٢) :
" هذه كلها لا أصل لها، ولم يُحفظ فيها شيء عن النبي ﵊، فلا تستحب هذه الدعوات عند هذه الأعضاء، وإنما المستحب شيئان: أولاً: عند البدء بالتسمية. ثانياً: بعد الفراغ بالشهادة. هذا هو المشروع في الوضوء " انتهى.
ولا يقال: إن الحديث الضعيف يُعمل به في فضائل الأعمال.
لأن هذه القاعدة ليس متفقاً عليها، وهناك من ينازع فيها. ثم إن شرط العمل بالضعيف أن لا يكون شديد الضعف، وهذا الشرط مفقود هنا. كما حققه ابن علان في " الفتوحات الربانية " (٢/٢٩) .
وقد كتب السيوطي ﵀ في هذه المسألة رسالة أسماها "الإغضاء عن دعاء الأعضاء" بَيَّن فيها شدة ضعف ما ورد في ذلك وعدم صلاحيته للعمل به ولو في فضائل الأعمال.
وانظر جواب السؤال رقم (٤٥٧٣٠) .
وأما الخطأ الثاني فهو قولك في الدعاء (بجاه النبي ﷺ .
ولا شك أن جاه النبي ﷺ عظيم، ولكن الله تعالى لم يجعل التوسل إليه بذلك من أسباب إجابة الدعاء.
ولم يرشدنا الرسول ﷺ – وهو الذي لم يترك خيراً إلا دلنا عليه – لم يرشدنا إلى التوسل إلى الله بذلك.
فعُلِم من ذلك أن هذا الدعاء ليس مشروعاً.
وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال رقم (٢٣٢٦٥)
فاحرص يا أخي على اتباع سنة النبي ﷺ ، وعدم الزيادة عليها أو النقص منها، وابتعد عن الأمور المحدثة في الدين، كما أوصنا بذلك الرسول ﷺ في قوله: (فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) رواه أبو داود (٤٦٠٧) وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12944
دعاء اللهم إني أسألك الثبات على الرشد
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد أن استفسر عن صحة مقولة للشيخ بن عثيمين في الدعاء (اللهم إني أسألك الأنس بقربك) قال فيها بن عثيمين يتحقق فيها للمؤمن أربع: عز من غير عشيرة، وعلم من غير طلب، وغنى من غير مال، وأنس من غير جماعة. ـ هل هذا القول صحيح؟ خاصة وأنها انتشرت بين الناس. وبالنسبة لدعاء (اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك وأسألك قلباً سليماً ولسانا صادقا وأسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم وأستغفرك لما تعلم) هل هذا الدعاء من الأدعية النبوية؟ وهل صحيح أن بن اباز ﵀ قال فيه إذا كنز الناس الذهب والفضة فاكنزوا هذا الدعاء؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
لم نقف على ما ذكرت من كلام الشيخ ابن عثيمين ﵀، ولم نقف على هذا الدعاء: (اللهم إني أسألك الأنس بقربك) في شيء من كتب السنة. ولا وجدناه منقولاً عن أحد من السلف، ولهذا يبعد صدور هذا الكلام عن الشيخ ﵀.
وقد علم من حاله اقتفاء أثر السلف وتعظيم الأدعية الثابتة، وعدم الجزم بمثل هذه الفضائل إلا بدليل، لا سيما وقد يروج لهذا الدعاء من يزهّد الناس في طلب العلم، ويزعم أنه تلقى العلم من الله مباشرة، كما يقول أحدهم: حدثني قلبي عن ربي!
وقد جاءت النصوص بالحث على طلب العلم والترغيب فيه بل الإخبار بأنه فريضة على كل مسلم.
وقد سألنا الشيخ الدكتور سامي الصقير حفظه الله – وهو من كبار طلاب الشيخ ﵀ الملازمين له- فقال: إن هذا كذب على الشيخ.
ثانيا:
دعاء: (اللهم إني أسالك الثبات في الأمر ... ) من الأدعية النبوية الثابتة، فقد روى أحمد (١٧١٥٥) والترمذي (٣٤٠٧) والنسائي (١٣٠٤) عن شَدَّاد بْن أَوْسٍ ﵁ قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا أَنْ نَقُولَ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ، وَأَسْأَلُكَ عَزِيمَةَ الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ لِسَانًا صَادِقًا، وَقَلْبًا سَلِيمًا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ مِمَّا تَعْلَمُ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) والحديث صححه الألباني في السلسة الصحيحة رقم ٣٢٢٨ وحسنه شعيب الأرنؤوط في تحقيق المسند.
وهو عند أحمد بلفظ: (إِذَا كَنَزَ النَّاسُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ فَاكْنِزُوا هَؤُلَاءِ: الْكَلِمَاتِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ ... )
فهذه الجملة من كلام النبي ﷺ ، لا من كلام الشيخ ابن باز ﵀.
وقَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُك الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ) أَيْ الدَّوَامَ عَلَى الدِّينِ وَلُزُومَ الِاسْتِقَامَةِ عَلَيْهِ.
(وَأَسْأَلُك عَزِيمَةَ الرُّشْدِ) هِيَ الْجِدُّ فِي الْأَمْرِ بِحَيْثُ يُنْجَزُ كُلُّ مَا هُوَ رُشْدٌ مِنْ أُمُورِهِ , وَالرُّشْدُ هُوَ الصَّلَاحُ وَالْفَلَاحُ وَالصَّوَابُ , وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: أَسْأَلُك الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ وَالْعَزِيمَةِ عَلَى الرُّشْدِ. أَيْ: عَقْدَ الْقَلْبِ عَلَى إِمْضَاءِ الْأَمْرِ
(وَأَسْأَلُك شُكْرَ نِعْمَتِك) أَيْ التَّوفيقَ لِشُكْرِ إِنْعَامِك.
(وَحُسْنَ عِبَادَتِك) أَيْ إِيقَاعَهَا عَلَى الْوَجْهِ الْحَسَنِ الْمَرَضِيِّ
(وَأَسْأَلُك لِسَانًا صَادِقًا) أَيْ مَحْفُوظًا مِنْ الْكَذِبِ (وَقَلْبًا سَلِيمًا) أَيْ عَنْ عَقَائِدَ فَاسِدَةٍ وَعَنْ الشَّهَوَاتِ.
(أَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ) أَيْ مَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ وَلَا أَعْلَمُهُ أَنَا.
وهذا سؤال جامع للاستعاذة من كل شر، وطلب كل خير، وختم هذا الدعاء الذي هو من جوامع الكلم بالاستغفار الذي عليه المعول والمدار، فقال: وَأَسْتَغْفِرُك مِمَّا تَعْلَمُ إِنَّك أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ.
وفق الله الجميع لما يحب ويرضى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12945
سؤال الله جمال الصورة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز أن أتمنى من الله القادر على كل شيء سبحانه أن يرزقني جمال الوجه إذا كنت بأمس الحاجة إليه، وهل يتحقق هذا الشيء في الدنيا، فقد يقول بعض الناس إننا لسنا في زمن المعجزات، لكنني أقول إن الله على كل شيء قدير في كل زمان ومكان. فهل يجوز - إن شاء الله - هذا الدعاء؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الجمال نعمة من الله تعالى، تبدأ بباطن نقي السريرة مع الله ، فيظهر نقاؤه وصفاؤه على صفحة النفس البشرية فتكسبها بهاءً وتكسوها جلالا عميقا وسرًّا بديعا.
يقول النبي ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ) رواه مسلم (٢٥٦٤)
يقول ابن القيم في "روضة المحبين" (٢٢١-٢٢٣) :
" اعلم أن الجمال ينقسم قسمين: ظاهر، وباطن:
فالجمال الباطن هو المحبوب لذاته، وهو جمال العلم والعقل والجود والعفة والشجاعة، وهذا الجمال الباطن هو محل نظر الله من عبده، وموضع محبته، وهذا الجمال الباطن يزين الصورة الظاهرة وإن لم تكن ذات جمال، فتكسو صاحبَها من الجمال والمهابة والحلاوة بحسب ما اكتست روحُه من تلك الصفات، فإن المؤمن يُعطَى مهابةً وحلاوةً بحسب إيمانه، فمن رآه هابه، ومن خالطه أحبه، وهذا أمر مشهود بالعيان، فإنك ترى الرجل الصالح المحسن ذا الأخلاق الجميلة من أحلى الناس صورة، وإن كان أسود أو غير جميل، ولا سيما إذا رزق حظا من صلاة الليل، فإنها تُنَوِّرُ الوجه وتحسنه.
ومما يدل على أن الجمال الباطن أحسنُ من الظاهر أن القلوب لا تنفك عن تعظيم صاحبه ومحبته والميل إليه، وأما الجمال الظاهر فزينة خص الله بها بعض الصور عن بعض، وهي من زيادة الخلق التي قال الله تعالى فيها: (يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ) فاطر/١ قالوا: هو الصوت الحسن والصورة الحسنة.
وكما أن الجمال الباطن من أعظم نعم الله تعالى على عبده، فالجمال الظاهر نعمة منه أيضا على عبده، يوجب شكرا، فَإِنْ شَكَرَهُ بتقواه وصيانتِه ازداد جمالا على جماله، وإن استعمل جماله في معاصيه سبحانه قَلَبَه له شيئا ظاهرا في الدنيا قبل الآخرة، فتعود تلك المحاسن وَحشةً وقُبحا وشَيْنا، وينفر عنه من رآه، فكل من لم يتق الله في حسنه وجماله انقلب قبحا وشَيْنا يشينُه به بين الناس، فحسن الباطن يعلو قبح الظاهر ويستره، وقبح الباطن يعلو جمال الظاهر ويستره " انتهى.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" وهذا الحسن والجمال الذي يكون عن الأعمال الصالحة في القلب يسري إلى الوجه، والقبح والشين الذي يكون عن الأعمال الفاسدة في القلب يسري إلى الوجه..، ثم إن ذلك يقوى بقوة الأعمال الصالحة والأعمال الفاسدة؛ فكلما كثر البر والتقوى قوى الحسن والجمال، وكلما قوى الإثم والعدوان قوى القبح والشين، حتى ينسخ ذلك ما كان للصورة من حسن وقبح؛ فكم ممن لم تكن صورته حسنة، ولكن [له] من الأعمال الصالحة ما عظم به جماله وبهاؤه حتى ظهر ذلك على صورته.
ولهذا يظهر ذلك ظهورا بينا عند الإصرار على القبائح في آخر العمر عند قرب الموت، فنرى وجوه أهل السنة والطاعة كلما كبروا ازداد حسنها وبهاؤها، حتى يكون أحدهم في كبره أحسن وأجمل منه في صغره، ونجد وجوه أهل البدعة والمعصية كلما كبروا عظم قبحها وشينها؛ حتى لا يستطيع النظر إليها من كان منبهرا بها في حال الصغر لجمال صورتها، وهذا ظاهر لكل أحد فيمن يعظم بدعته وفجوره، مثل الرافضة وأهل المظالم والفواحش من الترك ونحوهم، فإن الرافضي كلما كبر قبح وجهه وعظم شينه حتى يقوى شبهه بالخنزير، وربما مسخ خنزيرا وقردا، كما قد تواتر ذلك عنهم. ونجد المردان من الترك ونحوهم قد يكون أحدهم في صغره من أحسن الناس صورة، ثم إن الذين يكثرون الفاحشة تجدهم في الكبر أقبح الناس وجوها.. " انتهى. الاستقامة (١/٣٦٤-٣٦٦) .
ثانيا:
إذا كنت ممن تشغله الصورة الظاهرة ـ يا عبد الله ـ فاعلم أن الله تعالى كرّم بني آدم، وصورهم في أحسن صورة، من بين ما حولهم من المخلوقات.
قال الله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) غافر: ٦٤
وقال تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (التين:٤) ، والآيات في هذا المعنى كثيرة. قال الشيخ ابن سعدي ﵀:
" فليس في جنس الحيوانات، أحسن صورة من بني آدم، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ وإذا أردت أن تعرف حسن الآدمي وكمال حكمة الله تعالى فيه، فانظر إليه، عضوًا عضوًا، هل تجد عضوًا من أعضائه، يليق به، ويصلح أن يكون في غير محله؟ وانظر أيضًا، إلى الميل الذي في القلوب، بعضهم لبعض، هل تجد ذلك في غير الآدمين؟ وانظر إلى ما خصه الله به من العقل والإيمان، والمحبة والمعرفة، التي هي أحسن الأخلاق المناسبة لأجمل الصور. " انتهى، تفسير السعدي (٧٤١) .
ثالثا:
إن كنت ترى أنك لم تُرزق حظا من الجمال والوسامة، وتأذيت لدمامة منظرك، وسوء حالك؛ فاعلم ـ يا عبد الله ـ أن كل خلق الله حسن، وكل تقديره لعبده المؤمن خير؛ وهاتان نقطتان مهمتان، نرجو ألا تهملهما وألا تنساهما طرفة عين.
وهذان حديثان يرشدانك إلى ما قلنا في هاتين القاعدتين المهمتين من قواعد الإيمان بقضاء الله وقدره، ومعاملته سبحانه، والسلوك إليه.
أما الأول: فعَنْ صُهَيْبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ؛ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) رواه مسلم (٢٩٩٩) .
وأما الثاني: عن عَمْرو بْن الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَبِعَ رَجُلًا مِنْ ثَقِيفٍ حَتَّى هَرْوَلَ فِي أَثَرِهِ، حَتَّى أَخَذَ ثَوْبَهُ، فَقَالَ: (ارْفَعْ إِزَارَكَ) .
قَالَ: فَكَشَفَ الرَّجُلُ عَنْ رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَحْنَفُ وَتَصْطَكُّ رُكْبَتَايَ!!
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (كُلُّ خَلْقِ اللَّهِ حَسَنٌ) .
قَالَ: وَلَمْ يُرَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إِلَّا وَإِزَارُهُ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ حَتَّى مَاتَ!!
رواه أحمد (١٨٩٧٨) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٤٤١) .
قال الأصمعي ﵀: " الحَنَف: إقبال القدم بأصابعها على الأخرى، هذه على هذه، وهذه على هذه ". اهـ غريب الحديث للحربي (١/٤٣٦) .
فتأمل يا عبد الله، كيف أن النبي ﷺ قوم لهذا الصحابي ما وقع في نفسه من الحياء، أو التأذي من منظر قدميه، بما حمله على إطالة إزاره، ليغطي ما به من العلة والعيب، فقال له رسول الله صلى الله عليه: " كل خلق الله حسن "؛ فمهما أصابك من شيء، أو ألم بك من داء أو عيب، فاعلم أن خلق الله كله حسن، رغم كل ذلك.
فإن استعصت عليك نفسك، وتأبت إلا النظر إلى ما أصابها من داء وعلة، وأبت إلا أن تنظر إلى من هو أحسن صورة منها، وأجمل منظرا مما قسم لك، فذكرها ـ دائما، يا عبد الله ـ بما رواه أبو هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
(إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ)
رواه البخاري (٦٤٩٠) ومسلم (٢٩٦٣) .
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
" قَوْله (فِي الْمَال وَالْخَلْقِ) بِفَتْحِ الْخَاءِ أَيْ الصُّورَةِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَدْخُلَ فِي ذَلِكَ الْأَوْلَادُ وَالْأَتْبَاعُ وَكُلُّ مَا يَتَعَلَّقُ بِزِينَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا..
قَالَ اِبْن بَطَّال: هَذَا الْحَدِيثُ جَامِعٌ لِمَعَانِي الْخَيْرِ لِأَنَّ الْمَرْءَ لَا يَكُون بِحَالٍ تَتَعَلَّق بِالدِّينِ مِنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ مُجْتَهِدًا فِيهَا إِلَّا وَجَدَ مَنْ هُوَ فَوْقَهُ , فَمَتَى طَلَبَتْ نَفْسُهُ اللَّحَاقَ بِهِ اِسْتَقْصَرَ حَالَهُ فَيَكُون أَبَدًا فِي زِيَادَةٍ تُقَرِّبُهُ مِنْ رَبّه , وَلَا يَكُون عَلَى حَال خَسِيسَةٍ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا وَجَدَ مِنْ أَهْلِهَا مَنْ هُوَ أَخَسُّ حَالًا مِنْهُ. فَإِذَا تَفَكَّرَ فِي ذَلِكَ عَلِمَ أَنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ وَصَلَتْ إِلَيْهِ دُونَ كَثِيرٍ مِمَّنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَمْرٍ أَوْجَبَهُ , فَيُلْزِمُ نَفْسَهُ الشُّكْرَ , فَيَعْظُمُ اِغْتِبَاطُهُ بِذَلِكَ فِي مَعَادِهِ " انتهى.
رابعا:
أما إذا كنت تسأل الله تعالى جمال الوجه، تريد بذلك أن يقلب الله صورتك فيتغير أصل خلقة وجهك إلى وجه آخر حسن جميل، فهذا دعاء فاسد، لا يجوز للعبد أن يدعو به ولا بأي دعاء نحوه، فهو من الاعتداء في الدعاء الذي جاء النهي عنه في قوله تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (الأعراف/٥٥ وفي حديث عبد الله بن مغفل ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:
(إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الطَّهُورِ وَالدُّعَاءِ)
رواه أبو داود (٩٦) وصححه ابن حجر في "التلخيص" (١/١٤٤) والألباني في "صحيح أبي داود"
يقول قتادة ﵀: " اعلموا أن في بعض الدعاء اعتداء " انتهى.
وقال الربيع ﵀: " إياك أن تسأل ربك أمرا قد نُهيت عنه، أو ما ينبغي لك " انتهى.
انظر تفسير الطبري (٥/٢٠٧)
ووجه كون هذا القصد من الدعاء اعتداءً أن الله تعالى خلق الدنيا وركَّب فيها من سننه ما لا يقبل التبديل ولا التغيير – إلا في معجزات الرسل -، فخلق الشمس وجعلها سراجا، وخلق الأرض وجعلها مهادا، وأنزل من السماء ماء، وقدر للقمر منازل ومراحل، وأعطى كل شيء خلقه ورِزقه وصورتَه التي صوره بها، وهذه كلها أمور لا تتغير ولا تتبدل، لأنها من السنن الكونية التي قال الله تعالى فيها: (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) الروم/٣٠
يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي في "تيسير الكريم الرحمن" (٦٤٠) :
" أي: لا أحد يبدل خلق الله فيجعل المخلوق على غير الوضع الذي وُضِعَه " انتهى.
فكل من دعا بتغيير شيء من سنن الله الكونية اللازمة الواقعة فقد سأل ما لم يكن الرب ليفعله سبحانه، لا لعجزه، بل لأنه أراد ألا تتغير هذه السنن إذا وقعت، وأنت بسؤالك الله تحويل صورتك تحويلا تاما إنما تسأل نقيض ما أراد، وهذا من الاعتداء.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ "مجموع الفتاوى" (١/١٣٠) :
" وقد قال تعالى:) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (الأعراف/٥٥ - في الدعاء - ومن الاعتداء في الدعاء أنْ يسأل العبدُ ما لم يكن الربُّ ليفعله، مثل: أنْ يسأله منازلَ الأنبياء وليس منهم، أو المغفرة للمشركين ونحو ذلك، أو يسأله ما فيه معصية لله، كإعانته على الكفر والفسوق والعصيان " انتهى.
وقال ﵀ (١٥/٢٢) :
" وعلى هذا فالاعتداء في الدعاء:
تارة بأن يسأل ما لا يجوز له سؤاله من المعونة على المحرمات.
وتارة يسأل ما لا يفعله الله، مثل: أن يسأل تخليده إلى يوم القيامة، أو يسأله أن يرفع عنه لوازم البشرية من الحاجة إلى الطعام والشراب، ويسأله بأن يطلعه على غيبه، أو أن يجعله من المعصومين، أو يهب له ولدا من غير زوجة، ونحو ذلك مما سؤاله اعتداء لا يحبه الله ولا يحب سائله " انتهى.
وانظر جواب السؤال رقم (٤١٠١٧) .
وأما إذا كنت تريد بذلك نوعا من الحسن في وجهك أكثر مما عندك، كالذي يطلبه الناس في "عمليات التجميل ": فيُخشى من مثل ذلك الدعاء أن يكون ـ أيضا ـ من الاعتداء في الدعاء الذي ذكرنا حكمه، فما زال في الناس من يحتاج إلى ذلك، وقد كان غير واحد من الصحابة معروفين به، ولم يؤثر عن أحد من السلف الدعاء بمثل هذا، ولم تجر العادة بحصوله؛ اللهم إلا أن يكون ذلك من إلقاء البهاء عليه، والمحبة له، كالذي يحصل لأهل الصلاح، كما ذكره شيخ الإسلام فيما سبق، وأما أن يتغير شكل أنفه، أو لون عينيه..، أو ما إلى ذلك، فهو مما لم تجر العادة بحصوله، ولا الدعاء به، فأقل ما يقال فيه: إنه ينبغي تركه، والاشتغال بما هو أولى بالعبد من تحسين صورته الباطنة بالإيمان والعمل الصالح، ولعل الحاجة التي
دعتك إلى ذلك، وتظن أنها لا تحصل إلا بهذا التغيير، تحصل لك، هي أو ما هو أفضل منها أضعافا مضاعفة، تحصل لك بما هو أيسر من ذلك من الإقبال على الله، وتعلق القلب به.
قال الله جل وعلا: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً) مريم/٩٦.
قال قتادة ﵀:
" إي والله، في قلوب أهل الإيمان، ذُكر لنا أن هَرِم بن حَيَّان كان يقول: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم..
وكان عثمان بن عفان ﵁ يقول: ما من عبد يعمل خيرًا أو شرًّا، إلا كساه الله رداء عمله ". انتهى. "تفسير ابن كثير" (٥/٢٦٩) .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ قَالَ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ قَالَ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ.
وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ قَالَ فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ قَالَ فَيُبْغِضُونَهُ ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الْأَرْضِ) .
رواه البخاري (٣٢٠٩) ومسلم (٢٦٣٧) واللفظ له.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12946
حكم الدعاء على الأولاد
[السُّؤَالُ]
ـ[هل تستجاب دعوة الوالد على ولده إذا كان الوالد على خطأ والولد على صواب؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا تستجاب دعوتهما ما دام أن الولد على حق والوالد على خطأ، فإن الله لا يستجيب دعوته، فإن العقوق من الولد لوالديه إذا كان لم يقم بواجبهما أو قصر في حقوقهما، أما مجرد أن الأب يأمر ولده أو ينهاه فيما لا مصلحة فيه، هذا لا يلزم الولد قبوله، كما لو قال الأب لابنه: طلق زوجتك بدون سبب فلا يلزم الابن ذلك استجابة لطلب أبيه أو أمه، فامتناعه عن هذا لا يسمى عقوقاً، ولو دعوا عليه فإنه لا يأثم ولا حرج إن شاء الله والله أعلم.
فتاوى سماحة الشيخ عبد الله بن حميد ﵀ ص ٣٠
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12947
حكم الدعاء بغير العربية في الصلاة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يمكن أن ندعو بغير العربية في الصلاة بعد التشهد والدعاء موجود في السنة؟ هل يمكن أن ندعو بدعاء يوجد في القرآن ولا يوجد في السنة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
إذا كان المصلي يُحسن الدعاء باللغة العربية فلا يجوز له الدعاء بغيرها.
لكن إن كان المصلِّي عاجزاً عن الدعاء بالعربية: فلا مانع من الدعاء بلغته، على أن يتعلم اللغة العربية أثناء ذلك.
وأما الدعاء بغير العربية خارج الصلاة: فلا بأس به، ولا حرج فيه لاسيما إذا كان حضور قلب الداعي فيه أعظم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
والدعاء يجوز بالعربية، وبغير العربية، والله سبحانه يعلم قصد الداعي ومراده، وإن لم يقوِّم لسانه، فإنَّه يعلم ضجيج الأصوات، باختلاف اللغات على تنوع الحاجات ...
" مجموع الفتاوى " (٢٢ / ٤٨٨ – ٤٨٩) .
وانظر الجواب على السؤالين: (٣٤٧١) و (١١٥٨٨) .
ثانياً:
لا مانع من الدعاء بالأدعية الواردة في القرآن حتى لو لم ترد في السنَّة، وفي كلٍّ خير وهدى ورشاد، وأكثر دعاء الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام عرفناه من القرآن، ولا شك أن أدعيتهم – عليهم الصلاة والسلام – أبلغ الأدعية وأعظمها معانٍ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
وينبغي للخلق أنْ يدْعوا بالأدعية الشرعيَّة التي جاء بها الكتاب والسنة؛ فإنَّ ذلك لا ريب في فضله وحُسنه وأنَّه الصراط المستقيم، وقد ذكر علماءُ الإسلام وأئمَّة الدين الأدعيةَ الشرعيَّة، وأعرضوا عن الأدعية البدعية فينبغي اتباع ذلك.
" مجموع الفتاوى " (١ / ٣٤٦ و ٣٤٨) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12948
الدعاء الذي أنقذ الصحابي من اللص، وفيه (يا ودود! يا ذا العرش المجيد !)
[السُّؤَالُ]
ـ[أود أن أتبين درجة هذه الأحاديث؛ لأنها تصلني على البريد الإلكتروني ولا أعلم صحتها: اقرأه ٣ مرات والله يستجيب بإذن الله: (يا ودود يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا مبدئ يا معيد، يا فعالا لما يريد، أسألك بنور وجهك الذي ملأ أركان عرشك، وأسألك بقدرتك التي قدرت بها على جميع خلقك، وأسألك برحمتك التي وسعت كل شيء، لا إله إلا أنت، يا مغيث أغثني، ثلاث مرات) ]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الدعاء المذكور ورد في حديث له قصة مشهورة منتشرة في المنتديات، لعل من المناسب ذكرها حتى يتبين أمرها:
عن أنس بن مالك ﵁ قال: (كان رجل من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار يكنى (أبا معلق) ، وكان تاجراً يتجر بماله ولغيره يضرب به في الآفاق، وكان ناسكا ورعا، فخرج مرة فلقيه لص مقنع في السلاح، فقال له: ضع ما معك فإني قاتلك، قال: ما تريد إلى دمي! شأنك بالمال، فقال: أما المال فلي، ولست أريد إلا دمك، قال: أمَّا إذا أبيت فذرني أصلي أربع ركعات؟ قال: صلِّ ما بدا لك، قال: فتوضأ ثم صلَّى أربع ركعات، فكان من دعائه في آخر سجدة أن قال: (يا ودود! يا ذا العرش المجيد! يا فعَّال لما يريد! أسألك بعزك الذي لا يرام، وملكك الذي لا يضام، وبنورك الذي ملأ أركان عرشك، أن تكفيني شرَّ هذا اللص، يا مغيث أغثني! ثلاث مرار) قال: دعا بها ثلاث مرات، فإذا هو بفارس قد أقبل بيده حربة واضعها بين أذني فرسه، فلما بصر به اللص أقبل نحوه فطعنه فقتله، ثم أقبل إليه فقال: قم، قال: من أنت بأبي أنت وأمي فقد أغاثني الله بك اليوم؟ قال: أنا ملَكٌ من أهل السماء الرابعة، دعوت بدعائك الأول فسمعت لأبواب السماء قعقعة، ثم دعوت بدعائك الثاني فسمعت لأهل السماء ضجة، ثم دعوت بدعائك الثالث فقيل لي: دعاء مكروب، فسألت الله تعالى أن يوليني قتله.
قال أنس ﵁: فاعلم أنه من توضأ وصلى أربع ركعات ودعا بهذا الدعاء استجيب له مكروباً كان أو غير مكروب) .
أخرجه ابنُ أبي الدنيا في " مجابي الدعوة " (٦٤) و" الهواتف " (٢٤) ، ومن طريقهِ أخرجه اللالكائي في " شرح أصولِ الاعتقاد " (٥ / ١٦٦) وبوَّب عليه: " سياق ما روي من كراماتِ أبي معلق "، وأخرجه " أبو موسى المديني " – كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في " الإصابة " (٧ / ٣٧٩) في ترجمة " أبي معلق الأنصاري " ونقل عنه أنه أورده بتمامه في كتاب " الوظائف "، وكذا رواه عنه تلميذه ابن الأثير في " أسد الغابة " (٦ / ٢٩٥) -: جميعهم من طريق الكلبي يصله إلى أنس ﵁.
وقد اضطرب فيه الكلبي واختلفت الرواية عنه:
فمرة يرويه عن الحسن عن أنس – كما هي رواية ابن أبي الدنيا -.
ومرة يرويه عن الحسن عن أبي بن كعب – كما ذكر ذلك ابن حجر في الإصابة عن سند أبي موسى المديني -.
ومرة يرويه عن أبي صالح عن أنس – كما في رواية ابن الأثير عن أبي موسى المديني.
قال الشيخ الألباني ﵀:
وهذا إسناد مظلم ... الآفة إما من الكلبي المجهول، وإما ممن دونه، والحسن – وهو البصري – مدلس وقد عنعن، فالسند واهٍ.
فمن الغريب أن يُذكر (أبو معلق) هذا في الصحابة، ولم يذكروا ما يدل على صحبته سوى هذا المتن الموضوع بهذا الإسناد الواهي! ولذلك – والله أعلم – لم يورده ابن عبد البر في " الاستيعاب "، وقال الذهبي في " التجريد " (٢ / ٢٠٤) : له حديث عجيب، لكن في سنده الكلبي، وليس بثقة، وهو في كتاب " مجابو الدعوة "، ويلاحظ القراء أنه قال في الكلبي: " ليس بثقة "، وفي هذا إشارة منه إلى أنه لم يلتفت إلى قوله في الإسناد: " وليس بصاحب التفسير "؛ لأن الكلبي صاحب التفسير هو المعروف بأنه ليس بثقة، وقد قال في " المغني ": " تركوه، كذَّبه سليمان التيمي، وزائدة، وابن معين، وتركه ابن القطان، وعبد الرحمن ".
ومن الغرائب أيضاً: أن يَذكر هذه القصة ابن القيم في أول كتابه " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي " من رواية ابن أبي الدنيا هذه، معلقا إياها على الحسن، ساكتاً عن إسنادها! .
" السلسلة الضعيفة " (٥٧٣٧)
قلت:
وللكلبي متابعة من قبل مالك بن دينار، فقد أخرج القشيري في " الرسالة القشيرية " (٢ / ٨٥، ٨٦ باب الدعاء) القصة بسياق مشابه فقال:
أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن بشران ببغداد قال: حدثنا أبو عمرو عثمان بن أحمد المعروف بابن السماك قال: أخبرنا محمد بن عبد ربه الحضرمي قال: أخبرنا بشر بن عبد الملك قال: حدثنا موسى بن الحجاج قال: قال مالك بن دينار: حدثنا الحسن عن أنس بن مالك ﵁ ... فذكر الحديث.
لكنها متابعة غير صالحة، إذ في هذا السند علتان:
الأولى: محمد بن عبد ربه الحضرمي: لم أقف له على ترجمة.
الثانية: بشر بن عبد الملك الراوي عن موسى بن الحجاج: لم أعرفه أيضا، فكل مَن تُرجم لهم بهذا الاسم ثلاثة:
١. بشر بن عبد الملك الخزاعي مولاهم الموصلي، روى عن: غسان بن الربيع ومحمد بن سليمان لوين وجماعة، وروى عنه: الطبراني.
" تاريخ الإسلام " الذهبي (أحدا سنة ٣٠٠ هـ) .
٢. بشر بن عبد الملك، أبو يزيد الكوفى نزيل البصرة، روى عن: عون بن موسى، وعبد الله بن عبد الرحمن بن إبراهيم الأنصاري، كتب عنه: أبو حاتم بالبصرة، وروى عنه: أبو زرعة، وسئل عنه فقال: شيخ.
" الجرح والتعديل " لابن أبي حاتم (٢ / ٣٦٢) .
٣. بشر بن عبد الملك العتبي، يروى عن: يحيى بن سعيد الانصاري، روى عنه: أبو سعيد الأشج.
" الثقات " لابن حبان (٦ / ٩٧) .
وهم كما ترى لا يبدو أن أحداً منهم هو المذكور في الحديث.
إلا أن الحافظ ابن ماكولا في " الإكمال " (٥ / ١٠١) ذكر راوياً عن موسى بن الحجاج باسم (بشران بن عبد الملك) فقال:
وأما بشران: فهو بشران بن عبد الملك، أظنه موصليّاً، حدَّث عن موسى بن الحجاج بن عمران السمرقندى ببيسان عن مالك بن دينار.
انتهى.
فلعله هو المقصود، وتصحف اسمه في كتاب " القشيري " إلى " بشر ".
أما ابن السماك فهو ثقة، ترجمته في "سير أعلام النبلاء" للذهبي (١٧ / ٣١٢) .
وكذا مالك بن دينار (١٢٧ هـ) ترجمته في " تهذيب التهذيب " (١٠ / ١٥) .
والخلاصة:
أن القصة والدعاء لا يصحان بوجه من الوجوه، إلا أن جمل هذا الدعاء وعباراته ليس في شيء منها نكارة، بل كلماته صحيحة عظيمة تشهد لها نصوص من الكتاب والسنة، ولكن لا يعني ذلك لزوم نجاة من دعا بها، أو اعتقاد نصرة الله تعالى لمن ذكرها، فذلك متوقف على صحة السند به إلى النبي ﷺ ، وبما أن السند لم يصح: فلا ينبغي اعتقاد ذلك، ومن أحب أن يحفظ هذه الكلمات ويدعو بها دون أن ينسبها إلى الشرع: فلا حرج عليه إن شاء الله تعالى.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12949
هل يكتب أجر الصدقة بمجرد وضعها في الصندوق أم بوصولها للمستحق ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[لدي صندوق صدقة في منزلي، وأتصدق فيه كل يوم تقريباً - ولله الحمد -، وعندما أضع فيه الصدقة أدعو ربي بما أريد، ثم أضعها؛ فهل تُحسب لي في الوقت الذي أتصدق فيه، أم عندما أُخرج الصندوق بأكمله للفقراء - علماً بأنني أستعين بالصدقة على تيسير أموري كلها -؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نسأل الله أن يتقبل منك صدقاتك، وأن يجزيك أعظم الجزاء، وقد أحسنتَ صنعاً إذ فعلتَ هذا، ولعلك أن يكون لك مثل أجور من فعل مثل فعلك.
وبذل الصدقات من أعظم ما يتقرب به العبد لربه ، وقد ذكرنا في جواب السؤال رقم: (٣٦٧٨٣) طائفة من النصوص في بيان فضل التصدق، والصدقة لغة: مأخوذة من الصِّدق؛ إذ هي دليل على صِدق مخرجها في إيمانه.
انظر: " فتح القدير " (٢ / ٣٩٩) .
وننبه هنا إلى أمرين مهمين:
١. أن من الصدقات ما هو واجب، وليست كلها نفلاً.
٢. أن الصدقة ليست بالمال وحده، بل " كل معروف صدقة " – كما رواه البخاري (٥٦٧٥) -، فالتسبيحة صدقة، والتهليلة صدقة، والأمر بالمعروف صدقة.
ويجمع هذين الأمرين هذين الحديثين:
أ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (كُلُّ سُلَامَى مِنْ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ: كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ يَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَيُمِيطُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ) .
رواه البخاري (٢٨٢٧) ومسلم (١٠٠٩) .
ب. عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنْ الضُّحَى) .
رواه مسلم (٧٢٠) .
(سُلامى) : عظام البدن ومفاصله.
ثانياً:
الصندوق الذي توضع فيه الصدقات في المنزل له حالان:
الحال الأولى: أن يكون في مكانٍ بارز، تضع فيه صدقاتك، ويضع فيه غيرك من ضيوفك، وأقربائك.
والحال الثانية: أن يكون الصندوق مختصاً بك، تضع فيه وحدك المال.
وفي الحال الأولى: يكون لك أجر الصدقة بمجرد وضعك المال في الصندوق، ويكون المال قد خرج من ملكك، ولا يحل لك الرجوع في صدقتك، والمال الذي يضعه الآخرون تكون مؤتمناً عليه، إلى حين صرفه في جهاته الشرعية.
وفي الحال الثانية: لا يظهر أنه يُكتب لك أجر الصدقة بمجرد وضعك المال في الصندوق، بل إذا قبضه من دُفع المال له من المستحقين: كُتب لك أجر الصدقة، وليس لك أجر الصدقة بمجرد وضعك المال فيه؛ لأنه لم يخرج عن ملكك، ولك أن تفتح الصندوق، وتأخذ ذلك المال إن احتجت إليه، وإن كان المستحب لك أن لا ترجع في ذلك المال.
قال ابن قدامة – ﵀ بعد أن نسب ذلك لأكثر الفقهاء -:
ولنا: إجماع الصحابة ﵃، فإن ما قلناه مروي عن أبي بكر، وعمر، ﵄، ولم يُعرف لهما في الصحابة مخالف، فروى عروة عن عائشة ﵂: أن أبا بكر ﵁ نحَلها - أي: أهداها - جذاذ – أي: حصاد - عشرين وِسقا من ماله بـ " العالية "، فلما مرض قال: يا بنية! ما أحد أحب إليَّ غنىً بعدي منك، ولا أحد أعز عليَّ فقراً منك، وكنت نحلتك جذاذ عشرين وسقا وددت أنك حزتيه أو قبضتيه، وهو اليوم مال الوارث: أخواك وأختك، فاقتسموا على كتاب الله .
وروى ابن عيينة عن الزهري عن عروة عن عبد الرحمن بن عبد القارئ: أن عمر بن الخطاب قال: ما بال أقوام ينحلون أولادهم فإذا مات أحدهم قال: مالي، وفي يدي! وإذا مات هو قال: كنت نحلته ولدي؟ لا نحلة إلا نحلة يحوزها الولد دون الوالد، فإن مات ورثه، قال المروذي: اتفق أبو بكر وعمر وعثمان وعلي أن الهبة لا تجوز إلا مقبوضة.
" المغني " (٦ / ٢٧٣) .
وقال النووي – ﵀:
مَن دفع إلى وكليه، أو ولده، أو غلامه، أو غيرهم شيئاً يعطيه لسائل، أو غيره صدقةَ تطوع: لم يزل ملكه عنه حتى يقبضه المبعوث إليه، فإن لم يتفق دفعه إلى ذلك المعين: استُحب له أن لا يعود فيه، بل يتصدق به على غيره، فإن استرده وتصرف فيه: جاز؛ لأنه باق على ملكه.
" المجموع " (٦ / ٢٤١) .
وروي عن الإمام أحمد ﵀ أن المال في مثل هذه الحال يخرج من ملكه، ولا يسعه الرجوع فيه، والظاهر أن ذلك محمول على الاستحباب لا الوجوب.
قال ابن رجب الحنبلي – ﵀:
وَأَمَّا إذَا عَيَّنَهَا الْمَالِكُ – يعني: الصدقة - مِنْ مَالِهِ، وَأَفْرَدَهَا: فَلَا يَصِيرُ بِذَلِكَ صَدَقَةً، وََا يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ بِدُونِ قَبْضِ الْمُسْتَحِقِّ أَوْ قَبُولِهِ.
وَنُقِلَ عَنْهُ – يعني: عن الإمام أحمد - مَا يَدُلُّ عَلَى خُرُوجِهَا عَنْ مِلْكِهِ بِمُجَرَّدِ التَّعْيِينِ، وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ جَعَلَهُ الرَّجُلُ لِلَّهِ يُمْضِيهِ وَلَا يَرْجِعُ فِي مَالِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مِنْ مِلْكِهِ فَلَيْسَ هُوَ لَهُ، مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ صِلَةِ رَحِمٍ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا أَمْضَاهُ.
" القواعد الفقهية " (ص ٨٦) .
ثالثاً:
أما حكم الدعاء قبل التصدق فقد سبق بيان في جواب السؤال رقم (٩٨٥٧٩)
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12950
يسأل عن دعاء يبارك له تجارته
[السُّؤَالُ]
ـ[أود - فقط - معرفة ما إذا كان بوسعكم إخباري عن دعاء يمكنني أن أدعو به باللغة العربية حتى تنجح تجارتي.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ليس في السنة النبوية شيء يدل على استحباب ذكر أو دعاء معين ينفع في التوفيق في التجارة والكسب والرزق، اللهم إلا ما جاء عن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ : كان يقول بعد صلاة الفجر: (الَّلهُمَّ إِنِّي أَسأَلُكَ رِزقًا طَيِّبًا، وَعِلمًا نَافِعًا، وَعَمَلاً مُتَقَبَّلاً)
رواه أحمد في "المسند" (٦/٢٩٤) وابن ماجه في "السنن" (٦٦)
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/١٤٦) : " ورجاله ثقات " انتهى. وحسنه الحافظ ابن حجر كما في "الفتوحات الربانية" (٣/٧٠) ، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه.
وهو - كما ترى - دعاء عام، يشمل الرزق في التجارة أو في الزراعة أو الوظيفة أو الصناعة، وهكذا جاءت السنة النبوية في الدعاء بجوامع الكلم التي تشمل وتعم.
ولكن يستحب لك – أخي الكريم – أن تسأل الله تعالى حاجتك باسمها، بالكلمات والعبارات اليسيرة التي يفتح الله تعالى بها عليك: فتقول مثلا: اللهم وفقني في تجارتي، اللهم بارك لي فيها، اللهم أغنني بها عن الحرام، واكتب لي فيها الخير والغنى ... ونحو ذلك من الكلمات.
والأهم من صيغةِ الدعاء صدقُ الدعاء، وإخلاصُ القلب به، وإقبالُه على الله تعالى، فإنَّ الله سبحانه لا ينظر إلى فصاحة الكلمات، بل ينظر إلى ما في القلب من الإخبات والإنابة والذل والفاقة إلى رحمته تعالى، ومنه تعلم أن الدعاء باللغة غير العربية أيضا جائز، إذا كان دعاء مطلقا لم يرد في الكتاب أو السنة تعيينه.
كما ينبغي أن تعلم - أخي السائل - أن تقوى الله سببُ كلِّ نجاح، وأن التجارة التي يبتغي بها العبد رضوان الله، ويراقب فيها أمره ونهيه، هي تجارة مباركة موفقة بإذن الله، وأن الحرام يمحق كل بركة، كما قال تعالى: (يَمْحَقُ اللهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) البقرة/٢٧٦
ويقول النبي ﷺ : (الرِّبَا وَإِنْ كَثُرَ فَإِنَّ عَاقِبَتَهُ تَصِيرُ إِلَى قُلٍّ)
رواه أحمد (١/٣٩٥) وحسنه ابن حجر في "فتح الباري" (٤/٣٦٩) وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (٣٥٤٢)
ويقول يحيى بن معاذ الرازي (٢٥٨هـ) – وهو من خيار السلف -:
" الطاعة مخزونة في خزائن الله تعالى، ومفتاحها الدعاء، وأسنانه الحلال ".
ويقول الإمام الغزالي ﵀ في حديثه عما ينبغي مراعاته في التجارة "إحياء علوم الدين" (٢/١٠٣) :
" حسن النية والعقيدة في ابتداء التجارة، فَلْيَنوِ بها الاستعفافَ عن السؤال، وكفَّ الطمع عن الناس، استغناءً بالحلال عنهم، واستعانةً بما يكسبه على الدين، وقيامًا بكفاية العيال ليكون من جملة المجاهدين به، ولْيَنوِ النصح للمسلمين، وأن يحبَّ لسائر الخلق ما يحب لنفسه، ولْيَنوِ اتباعَ طريق العدل والإحسان في معاملته، ولْيَنوِ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل ما يراه في السوق، فإذا أضمر هذه العقائد والنيات كان عاملا في طريق الآخرة، فإن استفاد مالا فهو مزيد، وإن خسر في الدنيا ربح في الآخرة " انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12951
إذا دعا المسلم فهل يبدأ بالدعاء لنفسه أم لغيره ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما الواجب على المرء في دعائه، هل يبدأ بالدعاء لنفسه أم للمؤمنين أولى، حيث يلاحظ في الأدعية المذكورة في كتاب الله العزيز البدء بالنفس ثم الغير، كما في الآية الكريمة: (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم) صدق الله مولانا العظيم.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
اعتياد ختم قراءة الآية أو الآيات من القرآن بقوله " صدق الله العظيم " ليس له أصل في السنة، وقد بيَّنا حكم هذه المسألة في جوابي السؤالين: (٢٢٠٩) و (١٠١١٩) .
ثانياً:
يستحب للمسلم أن يقدم نفسه على غيره في الدعاء، وفي ذلك أدلة، منها:
١. عن عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (َإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمُوهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) . رواه البخاري (٧٩٧) ومسلم (٤٠٢) .
قالَ الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀:
قوله (السلام علينا) استُدل به على استحباب البداءة بالنفس في الدعاء، وفي الترمذي مصححا من حديث أبي بن كعب (أن رسول الله ﷺ كان إذا ذكر أحداً فدعا له بدأ بنفسه) ، وأصله في مسلم، ومنه قول نوح وإبراهيم ﵉، كما في التنزيل." فتح الباري " (٢ / ٣١٤) .
٢. حديث ابن عباس الطويل في قصة موسى والخضر ﵉ – وهو الذي أشار إليه الحافظ أنه في الترمذي وأصله في " مسلم " -، وفيه:
فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غِلْمَانًا يَلْعَبُونَ قَالَ فَانْطَلَقَ إِلَى أَحَدِهِمْ بَادِيَ الرَّأْيِ فَقَتَلَهُ فَذُعِرَ عِنْدَهَا مُوسَى ﵇ ذَعْرَةً مُنْكَرَةً قَالَ: أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَاكِيَةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ هَذَا الْمَكَانِ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى مُوسَى، لَوْلَا أَنَّهُ عَجَّلَ لَرَأَى الْعَجَبَ، وَلَكِنَّهُ أَخَذَتْهُ مِنْ صَاحِبِهِ ذَمَامَةٌ، قَالَ: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا، وَلَوْ صَبَرَ لَرَأَى الْعَجَبَ، قَالَ: وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ أَحَداً مِنْ الْأَنْبِيَاءِ بَدَأَ بِنَفْسِهِ " رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى أَخِي ".
ذمامة: أي: حياء وإشفاق من الذم واللوم؛ لتكرار مخالفته للخضر.
قال النووي – ﵀:
قال أصحابنا: فيه استحباب ابتداء الإنسان بنفسه في الدعاء، وشبهه من أمور الآخرة، وأما حظوظ الدنيا: فالأدب فيها الإيثار، وتقديم غيره على نفسه.
" شرح مسلم " (١٥ / ١٤٤) .
وقال السيوطي – ﵀:
ومن ثم ندبوا للداعي أن يبدأ بالدعاء لنفسه قبل دعائه لغيره؛ فإنه أقرب إلى الإجابة، إذ هو أخلص في الاضطرار، وأدخل في العبودية، وأبلغ في الافتقار، وأبعد عن الزهو والإعجاب، وذلك سنة الأنبياء والرسل ... – وساق بعض أدعيتهم، وستأتي -.
" الشمائل الشريفة " (ص ١٣٩) .
٣. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقُبُورِ الْمَدِينَةِ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْقُبُورِ يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ أَنْتُمْ سَلَفُنَا وَنَحْنُ بِالْأَثَرِ) .
رواه الترمذي (١٠٥٣) وَقَالَ: حَسَن غريب، وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ".
قال الإمام الصنعاني – ﵀ – في فوائد هذا الحديث ورواية أخرى قريبة من لفظه -:
وفي الحديثين الأول وهذا: دليل أنَّ الإنسان إذا دعا لأحد أو استغفر له يبدأ بالدعاء لنفسه والاستغفار لها، وعليه وردت الأدعية القرآنية: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا) ، (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِك وَلِلْمُؤْمِنِينَ) ، وغير ذلك.
" سبل السلام " (٢ / ٢٤٣) .
٤. وهذا الفعل هو من هدي الأنبياء ﵈، ومنهم:
أ. نبي الله موسى ﵇:
(قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) الأعراف/١٥١.
ب. نبي الله نوح ﵇:
(رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَاراً) نوح/٢٨.
ج. نبيَّا الله إبراهيم وإسماعيل ﵉:
(رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) البقرة/١٢٨، ١٢٩.
د. نبي الله إبراهيم ﵇:
١. (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ. رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) إبراهيم/ ٤٠، ٤١.
٢. (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ) إبراهيم/ ٣٥.
٥. وهو فعل المؤمنين:
(وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) الحشر/ ١٠.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12952
يريد أن يسأل الله قصرا في الدنيا والآخرة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز الدعاء بـ: (اللهم ابن لي عندك قصرا في الجنة، وقصرا في هذه الحياه بالقريب العاجل، إنك أنت الرزاق) وجزاكم الله خيرا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد للَّه
أمر الله بدعائه في أكثر من موضع في كتابه الكريم:
(وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) غافر/٦٠
وهو أمر مطلق، يشمل دعاءه سبحانه لسؤال حاجات الدنيا وحاجات الآخرة، كما أنه إطلاق يناسب سَعَةَ فضل الله وكرمه، وأنه لا يتعاظمه شيء يعطيه، ولو أعطى كل واحد مسألته ما نقص من ملكه شيء.
يقول : (وَاسْأَلُواْ اللهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً) النساء/٣٢
وقد جاء في حديث أبي ذر القدسي الطويل من قول الله ﵎:
(يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ ... يَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ)
رواه مسلم (٢٥٧٧)
يقول ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" (١/٢٢٥) :
" وفي الحديث دليل على أن الله يحب أن يسأله العباد جميع مصالح دينهم ودنياهم من الطعام والشراب والكسوة وغير ذلك، كما يسألونه الهداية والمغفرة، وفي الحديث: (ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله إذا انقطع) ، وكان بعض السلف يسأل الله في صلاته كل حوائجه حتى ملح عجينه وعلف شاته، وفي الإسرائيليات: أن موسى ﵊ قال: يا رب! إنه ليعرض لي الحاجة من الدنيا فأستحي أن أسألك. قال: سلني حتى ملح عجينك وعلف حمارك.
فإنَّ كلَّ ما يحتاج العبد إليه إذا سأله من الله فقد أظهر حاجته فيه وافتقاره إلى الله، وذاك يحبه الله، وكان بعض السلف يستحي من الله أن يسأله شيئا من مصالح الدنيا، والاقتداءُ بالسنة أَولَى " انتهى.
وعن عائشة ﵂ قال رسول الله ﷺ : (إِذَا تَمَنَّى أَحَدُكُم فَلْيُكثِر، فَإِنَّمَا يَسأَلُ رَبَّهُ رواه ابن حبان (٢٤٠٣) والطبراني في "الأوسط" (٢/٣٠١) وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/١٥٠) : رجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (١٣٢٥)
وعن عائشة ﵂ قالت: (سَلُوا اللَّهَ كُلَّ شَيءٍ حَتَّى الشِّسعَ، فَإِنَّ اللَّهَ إِن لَمْ يُيَسِّرهُ لَمْ يَتَيَسَّرْ) أخرجه أبو يعلى (٨/٤٤) وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٣٤٩) ، ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" (٢/٤٢) من طريق آخر.
قال في "مجمع الزوائد" (١٠/١٥٠) : رجاله رجال الصحيح.
قال الألباني في "السلسلة الضعيفة" (١٣٦٣) :
" وهذا سند موقوف جيد رجاله كلهم ثقات رجال مسلم " انتهى.
والشِّسْعُ: سَورُ النعل الذي تدخل بين الأصبعين، ويدخل طرفه في الثقب الذي في صدر النعل المشدود في الزمام.
يقول المناوي في "فيض القدير" (٤/١١٠) :
" لا طريق إلى حصول أي مطلوب من جلائل النعم ودقائقها إلا بالتطفل على موائد كَرَمِ مَن له الأمر، وفي الإنجيل: سلوا تعطوا، اطلبوا تجدوا، اقرعوا يفتح لكم، كل من سأل أعطي، ومن طلب وجد، ومن يقرع يفتح له. أوحى الله إلى موسى: قل للمؤمنين لا يستعجلوني إذا دعوني، ولا يبخلوني، أليس يعلمون أني أبغض البخيل، كيف أكون بخيلا، يا موسى! لا تخف مني بخلا أن تسألني عظيما، ولا تستحي أن تسألني صغيرا، اطلب إلي الدقة والعلف لشاتك، يا موسى! أما علمت أني خلقت الخردلة فما فوقها، وأني لم أخلق شيئا إلا وقد علمت أن الخلق يحتاجون إليه، فمن سألني مسألة وهو يعلم أني قادر أعطي وأمنع أعطيته مسألته بالمغفرة.
قال عروة بن الزبير: إني أسأل الله في صلاتي، حتى أسأله الملح إلى أهلي " انتهى.
ويقول الشيخ ابن عثيمين ﵀ في "الشرح الممتع" (٣/٢٨٤) :
" لا بأس أن يدعو بشيء يتعلَّق بأمور الدُّنيا؛ مثل أن يقول: اللَّهُمَّ اُرزقني بيتاً واسعاً، أو: اللَّهُمَّ اُرزقني زوجة جميلة، أو: اللَّهُمَّ اُرزقني مالاً كثيراً، أو: اللَّهُمَّ اُرزقني سيارة مريحة؛ وذلك لأن الدُّعاء نفسه عبادة ولو كان بأمور الدنيا، وليس للإنسان ملجأ إلا الله " انتهى بتصرف.
وانظر جواب السؤال رقم (٢٢٤٩٨)
فلا حرج عليك أخي السائل من دعاء الله بأن يرزقك قصرا في الدنيا والآخرة، وإن كان الأولى بالمؤمن ألا يحرص على متاع الدنيا الزائل، وأن يكون همه ما عند الله من نعيم الجنة، وإن سأل شيئا من غنى الدنيا ونعيمها فيجب أن يقيده بالنعيم الناع الذي لا يُطغي ولا يُنسي حقوق الآخرة، وانظر أخي الكريم حال من قص الله علينا شأنه في القرآن الكريم:
يقول تعالى:
(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) التحريم/١١
ومن المكروه أيضا الاعتداء في الدعاء بذكر بعض التفاصيل التي ليست في محلها، كأن تسأل قصرا عدد طوابقه كذا، وعدد غرفه كذا، ونحو ذلك من التنطع المكروه، وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال رقم (٤١٠١٧)
ولتعلم ـ يا عبد الله ـ أن الله تعالى لا يختار لعبده المؤمن إلا الخير؛ وهكذا ينبغي أن يكون مرادك من الدعاء بشيء من الدنيا: أن يقدر الله تعالى لك الخير حيث كان، وأن يرزقك الرضا بما قضى لك وقدر؛ سواء أكان الخير في قضاء حاجتك وتعجيلها، أو في حبسها عنك، وادخارها لك عنده سبحانه.
وانظر: جواب سؤال رقم (٣٦٩٩)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12953
المقيم على المعصية وارتكاب الكبائر هل له أن يسأل الله أمرا دنيويا
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز للمسلم أن يسأل الله أمرا دنيويا وهو يعصي الله ويرتكب الكبائر؟ علما أنه يعزم على التوبة ولكن يخاف أن تكون توبته لأجل هذا الغرض الدنيوي.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الواجب على من يعصي الله تعالى ويرتكب الكبائر، أن يبادر بالتوبة، وأن يحذر التسويف والتأجيل، فلربما فاجأه الأجل، ونزلت به مصيبة الموت، وأُغلق في وجهه باب التوبة، فيبوء بالخسران، كما قال : (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) النساء/١٨.
وما الذي يحول بينه وبين التوبة؟ ولمَ الإصرار والتمادي والتردد والترقب؟ ورب العالمين يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويفرح بتوبة عبده، ويقبلها منه، ويثيبه عليها.
فهل يليق بالعبد المذنب أن يعرض ويتمادى، وربه يبسط يده؟
وهل يليق بالعبد المذنب أن يقول يارب يارب، يسأل لعاعة من الدنيا، ولسانه حاله يقول: لكني مصر على معصيتك يا رب! فوالله لو استحينا من الله، وعرفنا عظمة الله، لما فعلنا ذلك.
وأما الخوف من أن تكون التوبة لأجل الأمر الدنيوي، فهذا قد يكون من وسواس الشيطان، ليستمر العبد في المعصية، ويؤخر التوبة.
فالواجب هو التوبة، وإخلاصها لله تعالى، رجاء عفوه ومغفرته، ثم يسأل العبد ربه ما أحب من خيري الدنيا والآخرة.
ومع ذلك نقول: لو استمر العبد في معصيته، فلا يحرم عليه أن يسأل ربه، ولو كان السؤال في أمر من أمور الدنيا، وقد يعطيه الله تعالى سؤله، فهو الكريم الجواد، ولطالما أحسن إلى عبده مع تقصيره وتفريطه، ولكن هذا السلوك لا يليق بالمؤمن المحب لله، المعظّم له، المدرك لخطر الذنوب والتمادي فيها. فإن المعاصي قد تكون سبباً للحرمان، وعدم إجابة الدعاء.
ولهذا ذكر النبي ﷺ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ ثم قال: فَأَنَّى يُسْتَجَابُ له) رواه مسلم (١٠١٥) .
نسأل الله تعالى أن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين أجمعين.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12954
هل يجوز استقبال القبر عند الدعاء لصاحبه ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز استقبال القبر عند الدعاء لصاحبه؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يجب أن نفرق بين أمرين اثنين مشتبهين:
الأول: القصد إلى القبر وتحري استقباله أثناء دعاء الإنسان لنفسه، تبركا، واعتقادا بقرب ذلك الإجابة: فهذا لا شك من البدع المحدثة، ومن الغلو الذي نهت عنه الشريعة، قد يؤدي إلى الوقوع في الشرك إذا صار الداعي يسأل صاحب القبر أن يقضي له الحاجات.
يقول ابن تيمية ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٢٧/١٦٥) :
" وأما زيارة القبور لأجل الدعاء عندها أو التوسل بها أو الاستشفاع بها فهذا لم تأت به الشريعة أصلا، ولهذا كانت السنة عند الصحابة وأئمة المسلمين إذا سلم العبد على النبي ﷺ وصاحبيه أن يدعو الله مستقبل القبلة، ولا يدعو مستقبل الحجرة، ولم أعلم الأئمة تنازعوا في أن السنة استقبال القبلة وقت الدعاء، لا استقبال القبر النبوي." انتهى
ويقول أيضا ﵀ في "اقتضاء الصراط المستقيم" (٣٦٤) :
" ولعل هذا الذي ذكره الأئمة أخذوه من كراهة الصلاة إلى القبر، فإن ذلك قد ثبت النهي فيه عن النبي ﷺ ، كما تقدم؛ فلما نهى أن يتخذ القبر مسجدا أو قبلة، أمروا بأن لا يتحرى الدعاء إليه كما لا يصلي إليه. قال مالك في المبسوط: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو، ولكن يسلم ويمضى.
وهذا أصل مستمر، فإنه لا يستحب للداعي أن يستقبل إلا ما يستحب أن يصلي إليه، ألا ترى أن المسلم لما نهى عن الصلاة إلى جهة المشرق وغيرها، فإنه ينهى أن يتحرى استقبالها وقت الدعاء، ومن الناس من يتحرى وقت دعائه استقبال الجهة التي يكون فيها معظمه الصالح، سواء كانت في المشرق أو غيره، وهذا ضلال بين وشرك واضح." انتهى.
والمسلم حين يعبد الله بالدعاء يستحب له أن يتوجه إلى القبلة التي أمرنا بتعظيمها، وليس إلى قبور البشر الذين لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا.
جاء في "كشاف القناع" ـ من كتب الحنابلة ـ (١/٣٦٧) :
" ويستقبل الداعي القبلة لأن خير المجالس ما استقبل به القبلة " انتهى.
ومثله في حاشية "تحفة المحتاج" ـ من كتب الشافعية ـ (٢/١٠٥) .
ويقول ابن تيمية ﵀ في "نقض التأسيس" (٢/٤٥٢) :
" إن المسلمين مجمعون على أن القبلة التي يشرع للداعي استقبالها حين الدعاء هي القبلة التي شرع استقبالها حين الصلاة " انتهى.
الثاني:
أما عند زيارة القبر للدعاء للميت والاستغفار له، كما يصنع الناس عند زيارة موتاهم في قبورهم، فلا حرج على من يستقبل القبر في دعائه حينئذ، فإنه لم يفعل ذلك تقصدا لبركة ذلك القبر أو تعظيما لجهته، إنما ليكون أقرب في مكانه من الميت، وأقرب في دعائه منه.
سئل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ (١٣/٣٣٨) ما يلي:
هل ينهى عن استقبال القبر حال الدعاء للميت؟
فأجاب ﵀:
" لا ينهى عنه؛ بل يدعى للميت سواء استقبل القبلة أو استقبل القبر؛ لأن النبي ﷺ وقف على القبر بعد الدفن، وقال: (استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل) رواه البخاري.
ولم يقل استقبلوا القبلة، فكله جائز، سواء استقبل القبلة أو استقبل القبر، والصحابة ﵃ دعوا للميت وهم مجتمعون حول القبر." انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 12955
حكم الدعاء الجماعي
[السُّؤَالُ]
ـ[هل الدعاء مع الجماعة لا يجوز ?]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الدعاء مع الجماعة (بمعنى أن يدعو أحدهم ويؤمن الباقي) إما أن يكون ثبت ذلك في السنة، كما في الاستسقاء وفي دعاء القنوت. فهذا لا شك أنه مشروع.
وإما أن يكون في مواضع لم يثبت فيها ذلك في السنة النبوية، كأدبار الصلوات، أو عقب دفن الميت، أو في عرفة، ونحو ذلك، فهذا لا بأس به إذا فُعل أحياناً، فإن كان ذلك عادة مستمرة كان بدعة.
وإليك طرفاً من كلام أهل العلم في ذلك:
١- سئل الإمام أحمد ﵀: هل يكره أن يجتمع القوم يدعون الله ويرفعون أيديهم؟ قال: ما أكرهه للإخوان إذا لم يجتمعوا على عمد إلا أن يكثروا. انتهى
قال ابن منصور: قال إسحاق بن راهويه كما قال، وإنما معنى: إلا أن يكثروا: إلا أن يتخذوها عادة حتى يكثروا.
وقال أبو العباس الفضل بن مهران: سألت يحيى بن معين وأحمد بن حنبل قلت: إن عندنا قوما يجتمعون فيدعون ويقرءون القرآن ويذكرون الله تعالى فما ترى فيهم؟
قال: فأما يحيى بن معين فقال: يقرأ في المصحف، ويدعو بعد صلاة، ويذكر الله في نفسه. قلت: فأخٌ لي يفعل هذا قال: انْهه. قلت: لا يقبل. قال: عظه. قلت: لا يقبل , أهجره؟ قال: نعم.
ثم أتيت أحمد حكيت له نحو هذا الكلام، فقال لي أحمد أيضا: يقرأ في المصحف، ويذكر الله تعالى في نفسه، ويطلب حديث رسول الله ﷺ ، قلت: فأنهاه؟ قال: نعم. قلت: فإن لم يقبل؟ قال: بلى إن شاء الله تعالى، [يعني: سيستجيب إن شاء الله] فإن هذا مُحْدَث , الاجتماع والذي تصف. قلت: فإن لم يفعل أهجره؟ فتبسم وسكت " انتهى من "الآداب الشرعية" (٢/١٠٢) .
٢- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " الاجتماع على القراءة والذكر والدعاء حسن مستحب إذا لم يتخذ ذلك عادة راتبة كالاجتماعات المشروعة، ولا اقترن به بدعة منكرة " انتهى من "مجموع الفتاوى" (٢٢/٥٢٣) .
٣- وسئلت اللجنة الدائمة للإفتاء عن إمام يرفع يديه بعد الصلوات المكتوبة والمأمومون كذلك، يدعو الإمام والمأمومون يؤمنون على دعائه.
فأجابت:
" العبادات مبنية على التوقيف، فلا يجوز أن يقال: هذه العبادات مشروعة من جهة أصلها أو عددها أو هيئتها، أو مكانها إلا بدليل شرعي يدل على ذلك، ولا نعلم سنةً في ذلك عن النبي ﷺ ، لا من قوله، ولا من فعله، ولا من تقريره " انتهى من "مجلة البحوث الإسلامية" (١٧/٥٥) .
وسئلت اللجنة الدائمة للإفتاء أيضا عن شخص كانت عادته أن يطعم الطعام لطائفة من الناس في كل يوم جمعة، وبعد قضاء الطعام لا يتركون أماكنهم ومجالسهم، بل ينتظرون الدعاء لأحد منهم، الذي عينه صاحب الطعام، أن يدعو الله أن يصل ثواب ذلك الطعام إلى أهاليهم الموتى وأقربائهم، وفي أثناء ذلك الدعاء يرفع السائل يده مع الحاضرين وهم يقولون: (آمين) ، فهل هذا الدعاء الذي ترفع فيه الأيدي جماعة بعد الطعام جائز أم لا؟
فأجابت: "الدعاء الجماعي بعد الطعام بالكيفية المذكورة لا أصل له في الشرع المطهر، فالواجب تركه؛ لأنه بدعة، والاكتفاء بما جاءت به السنة من الدعاء لصاحب الطعام بالبركة ونحو ذلك، كل شخص يقوله بمفرده، ومما جاء في السنة قول: (اللهم بارك لهم فيما رزقتهم واغفر لهم وارحمهم) وقول: (أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة) " انتهى من "فتاوى اللجنة الدائمة" (٢٤/١٩٠) .
٤- وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: بعض الناس يجتمعون على حديث ذكر, وفي النهاية يقومون بدعاء جماعي، واحد يدعو والبقية يقولون: آمين , هل هذا صحيح؟
فأجاب: "هذا صحيح إذا لم يتخذ عادة , فإن اتخذ عادة صار سنة , وهو ليس بسنة , فإذا كان هذا عادة كلما جلسوا ختموا بالدعاء، فهذا بدعة، لا نعلمها عن النبي ﵊ , وأما إذا كان أحياناً كأن يمر بهم وعيد أو ترغيب ثم يدعون الله فلا بأس , لأنه فرق بين الشيء الراتب والعارض , العارض قد يفعله الإنسان أحياناً ولا يلام عليه , كما كان الرسول ﵊ أحياناً يصلي معه بعض الصحابة في صلاة الليل جماعة , ومع ذلك ليس بسنة أن يصلي الإنسان جماعة في صلاة الليل إلا أحياناً " انتهى من "لقاءات الباب المفتوح (١١٧/٢١) .
وانظر جواب السؤال: (١٠٦٥٢٣) و (١٠٦٥١٨) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →