← Фатава

Фатава · id 26332

موقع الإسلام سؤال وجواب

محمد صالح المنجد

Полный текст (16 344 стр.). Показаны 13056–13095 · переход к 13061.

стр. 13056

ما الحكمة في أن للشهيد اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ما الحكمة أن للشهيد اثنتين وسبعين حورية في الجنة أي ما الحكمة في هذا العدد بالذات. وأنه يشفع في سبعين من أهله؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله روى الترمذي (١٦٦٣) وابن ماجة (٢٧٩٩) وأحمد (١٦٧٣٠) عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ، وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنْ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ الْيَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنْ الْحُورِ الْعِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ) . حسنه المنذري في "الترغيب والترهيب" (٢/٢١٠) ، وابن حجر في "الفتح" (٦/١٦) من حديث عبادة بن الصامت، وصححه الألباني في "صحيح الترمذي". أما التحديد في قوله: (وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنْ الْحُورِ الْعِينِ) فقال الملا علي القاري ﵀: "في التقييد بالثنتين والسبعين إشارة إلى أن المراد به التحديد لا التكثير، ويحمل على أن هذا أقل ما يعطي ولا مانع من التفضل بالزيادة عليها " انتهى. "مرقاة المفاتيح" (١١ / ٤٨١) . وأما قوله: (وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ) فهذا يحتمل أن المراد هذا العدد تحديدا، ويحتمل أن المراد: أنه يشفع في عدد كثير من أهله، ولا يقصد هذا العدد على سبيل التحديد، وذلك لأن العرب تستعمل مضاعفات العدد (سبعة) للدلالة على التكثير. قال الطاهر بن عاشور في قوله تعالى: (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) التوبة/٨٠. قال: " (سَبْعِينَ مَرَّةً) غير مراد به المقدار من العدد، بل هذا الاسم من أسماء العدد التي تستعمل في معنى الكثرة، قال في الكشاف: السبعون جار مجرى المثل في كلامهم للتكثير " انتهى. "التحرير والتنوير" (٦/٣٤٨) . وقال المناوي ﵀ عن شفاعة الشهيد في سبعين من أهله قال: "ويحتمل أن المراد بالسبعين التكثير" انتهى. "فيض القدير" (٦/٥٩٨) . أما لماذا هذا العدد؟ (اثنتان وسبعون، أو السبعون على أن المراد به التحديد) فعلم ذلك عند الله تعالى، والواجب علينا التسليم لخبر الله، وخبر رسوله ﷺ ، سواء عرفنا الحكمة من ذلك أو لم نعرف، ولا داعي لتكلف الجواب، والبحث عن حكمة ذلك. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13057

هل يؤجر الأب إذا عمل ابنه عملا صالحا [السُّؤَالُ] ـ[والدى متوفى وأريد أن أعرف: هل إن قمت بإذن الله بأي عمل صالح يكون لي أجر عليه، ويكون لأبى مثل أجري، لأنني منه؟ وكذلك إن تزوجت ورزقني الله بالذرية الصالحة، يكون لي أجر على أعمالهم الصالحة، ولأبي؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إذا مات الإنسان انقطع عمله، وتوقفت حسناته التي يستحقها على أعماله، إلا بسبب أعمال معينة بينها النبي ﷺ ، كالصدقة الجارية، أو العلم النافع الذي تركه، أو دعاء الولد الصالح له. قال ﷺ : (إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَةٍ: إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ) رواه مسلم (١٦٣١) . وقال ﷺ : (إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ أَوْ بَيْتًا لِابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ يَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ) رواه ابن ماجه (٢٤٢) وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه. وقد جمعها السيوطي رحمها الله ونظمها بقوله: إِذَا مَاتَ اِبْن آدَم لَيْسَ يَجْرِي عَلَيْهِ مِنْ فِعَال غَيْر عَشْر عُلُوم بَثَّهَا وَدُعَاء نَجْل وَغَرْس النَّخْل وَالصَّدَقَات تَجْرِي وِرَاثَة مُصْحَف وَرِبَاط ثَغْر وَحَفْر الْبِئْر أَوْ إِجْرَاء نَهَر وَبَيْت لِلْغَرِيبِ بَنَاهُ يَأْوِي إِلَيْهِ أَوْ بَنَاهُ مَحَلّ ذِكْر وَتَعْلِيم لِقُرْآنٍ كَرِيم فَخُذْهَا مِنْ أَحَادِيث بِحَصْرٍ فهذه أعمال يمتد نفعها وثوابها ولو مات الإنسان. وإذا عمل الابن عملا صالحا، وكان أبوه هو الذي دله عليه وعلّمه إياه، فإن الأب يؤجر على ذلك، لقوله ﷺ : (مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا) ـ رواه مسلم (٢٦٧٤) ـ، ثم هذا ـ أيضا ـ داخل في قوله ﷺ : (عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ) ، ولهذا قال أهل العلم: إن النبي ﷺ يأخذ مثل أجور أمته؛ لأنه هو الذي دلهم على الخير وأرشدهم إليه. وبهذا يتضح أن كون الإنسان من أبيه أو من سعيه، لا يعني أن الأب يؤجر على كل عمل صالح يفعله الابن، بل يؤجر على ما كان سببا فيه، لتعليمه لابنه ودلالته عليه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " النبي ﷺ لم يجعل للأب مثل عمل جميع ابنه، ولا نعلم دليلا على ذلك، وإنما جعل ما يدعوه الابن له من عمله الذي لا ينقطع، بخلاف الداعي إلى هدى، كان له مثل أجر المدعو، وهذا الفرق ظاهر، وهو أن الداعي إلى هدى أراد إرادة جازمة فعل ذلك الهدى بحسب قدرته، وهو لم يقدر إلا على الأمر به والدعاء إليه، ومن أراد عملا إرادة جازمة، وعمل منه ما يقدر عليه: كان بمنزلة العامل له ". انتهى. وقال أيضا: " لم يثبت أن كل عمل يعمله الولد يكون لأمه أو أبيه مثل أجره، وإنما قال ﷺ : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ... ) ، وفي الحديث الآخر: (إن الرجل إذا قرأ القرآن فإنه يكسى والداه من حلل الجنة) ، ويقال: (بأخذ ولدكما القرآن) ، ونحو ذلك مما فيه أن الوالد يحصل له نفع وثواب بعمل ولده، لكن لا يجب أن يكون مثله ... ، بخلاف الداعي إلى الخير، كنبينا صلى الله عيله وسلم، فإن له مثل أعمال أمته التي دعاهم إليها؛ فأجر المعلم الداعي للخير مثل أجر المدعو العامل، بخلاف الوالد والولد، ولهذا حق النبي ﷺ ، وخلفائه في دعوته، على المدعويين والمعلَّمين: أعظم من حقوق الآباء.. " انتهى. "جامع المسائل" لابن تيمية (٤/٢٦٦، ٢٧٣) . وينبغي للابن أن يكثر من الدعاء لوالده، وأن يتصدق عنه إن استطاع، وله أن يقف عليه وقفا فيكون صدقة جارية له، والجزاء من جنس العمل، فلعله باجتهاده في إلحاق النفع بوالده، يهيء الله له من ولده من يسعى لنفعه بعد وفاته. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13058

حكم الإيثار بالقربات [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم الإيثار بالقرب؟ كأن نؤثر العالم أو الوالد بالصف الأول، فإذا كنا في الصف الأول – مثلاً - ووجدنا الأب أو العالم الشيخ في الصف الثاني، وأردنا أن نقدمه إلى الصف الأول -مثلاً - فهل هو مشروع، أو مكروه، أو يدخل في حدود الإباحة وجزاكم الله خيراً؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "الإيثار بالقرب على نوعين: النوع الأول: القرب الواجبة: فهذه لا يجوز الإيثار بها، ومثاله رجل معه ماء يكفي لوضوء رجل واحد فقط، وهو على غير وضوء، وصاحبه الذي معه على غير وضوء ففي هذه الحال لا يجوز أن يؤثر صاحبه بهذا الماء؛ لأنه يكون قد ترك واجباً عليه وهو الطهارة بالماء، فالإيثار في الواجب حرام. وأما الإيثار بالمستحب فالأصل فيه أنه لا ينبغي، بل صرح بعض العلماء بالكراهة، وقالوا: إن إيثاره بالقرب يفيد أنه في رغبة عن هذه القرب، لكن الصحيح أن الأولى عدم الإيثار، وإذا اقتضت المصلحة أن يؤثر فلا بأس، مثل أن يكون أبوه في الصف الثاني وهو في الصف الأول، ويعرف أن أباه من الرجال الذين يكون في نفوسهم شيء إذا لم يقدمهم الولد، فهنا نقول: الأفضل أن تقدم والدك، أما إذا كان من الآباء الطيبين الذين لا تهمهم مثل هذه الأمور فالأفضل أن يبقى في مكانه، ولو كان والده في الصف الثاني، وكذلك بالنسبة للعالم. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين" انتهى. فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀. "لقاءات الباب المفتوح" اللقاء/٣٥ ص ٢٢. [الْمَصْدَرُ] فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين لقاءات الباب المفتوح

стр. 13059

يشق عليه الإقامة في المدينة وترك أهله وأمه بعيداً فهل يصبر أم يرجع ؟ [السُّؤَالُ] ـ[قدمت إلى المدينة المنورة كمدرس للحاسب الآلي منذ ثلاثة أشهر وتركت أهلي في بلدي، وإني والله أشتاق إليهم وأشعر بالضغط النفسي لفراقهم، كما أن والدتي بحاجة إلي وأخشى إن أنهيت تعاقدي أن أكون قد خالفت رسول الله ﷺ بالصبر على لأواء المدينة وجهدها، فما رأي سماحتكم بارك الله فيكم؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا حرج عليك في إنهاء عقدك للأسباب المذكورة، ولا يدخل هذا في عدم الصبر على لأواء المدينة، أي: حرها وجهدها، كما في الحديث الذي رواه مسلم (١٣٦٣) عن سَعْدٍ بن أبي وقاص ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْ الْمَدِينَةِ، أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا، أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا، وَقَالَ: الْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، لَا يَدَعُهَا أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْهَا إِلَّا أَبْدَلَ اللَّهُ فِيهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَلَا يَثْبُتُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا وَجَهْدِهَا إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) . وروى مسلم (١٣٧٤) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى الْمَهْرِيِّ أَنَّهُ جَاءَ إلى أَبَي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ يستشيره فِي الْجَلَاءِ مِنْ الْمَدِينَةِ وَشَكَا إِلَيْهِ أَسْعَارَهَا وَكَثْرَةَ عِيَالِهِ وَأَخْبَرَهُ أَنْ لَا صَبْرَ لَهُ عَلَى جَهْدِ الْمَدِينَةِ وَلَأْوَائِهَا، فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ، لَا آمُرُكَ بِذَلِكَ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (لَا يَصْبِرُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا فَيَمُوتَ إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا كَانَ مُسْلِمًا) . قال النووي ﵀ في "شرح مسلم": " قَالَ أَهْل اللُّغَة: (اللَّأْوَاء) بِالْمَدِّ: الشِّدَّة وَالْجُوع , وَأَمَّا الْجَهْد: فَهُوَ الْمَشَقَّة " انتهى. وأنت إن تركت المدينة فإنك لا تتركها جزعا من الشدة والمشقة الحاصلة فيها، بل برا بوالدتك، وإعفافا لنفسك، فإن استطعت أن تجمع بين الأمرين، وتأتي بزوجتك، وتصل والدتك على فترات متقاربة، لتنال بذلك فضل المقام بالمدينة، والدخول في هذا الوعد العظيم بنيل شفاعته ﷺ ، فلا شك أن هذا هو الأولى والأكمل. ونسأل الله لنا ولك التوفيق والسداد. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13060

حكم المكافأة التي تدفعها الدولة لرعاية اليتيم [السُّؤَالُ] ـ[تمنح الشؤون الاجتماعية لرعاية الأيتام مكافأة لمن يكفل يتيم (٢٠٠٠) ريال شهريا ومكافأة لنهاية المدة (٢٠٠٠٠) ريال. السؤال ما حكم هذا المال؟ وهل لي الأخذ منه قدر الحاجة؟ وإذا زاد من هذه المكافأة ماذا أفعل بها؟ علما بأنه ممكن تكون المكافأة أكثر من مصاريف الحاجة لدى الطفل.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله كفالة اليتيم عمل صالح نافع، وقد جاء في فضله قول النبي ﷺ : (أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا) رواه البخاري (٥٣٠٤) ومسلم (٢٩٨٣) . قال النووي ﵀ في شرح مسلم: " (كَافِل الْيَتِيم) الْقَائِم بِأُمُورِهِ مِنْ نَفَقَة وَكِسْوَة وَتَأْدِيب وَتَرْبِيَة وَغَيْر ذَلِكَ , وَهَذِهِ الْفَضِيلَة تَحْصُل لِمَنْ كَفَلَهُ مِنْ مَال نَفْسه , أَوْ مِنْ مَال الْيَتِيم بِوِلَايَةٍ شَرْعِيَّة " انتهى. وبعد الاطلاع على النظام المعمول به في وزارة الشؤون الاجتماعية، الذي جاء فيه: " ٢- إعانات الأسر الكافلة للأيتام: هذه الإعانات تصرف للأسر التي تقوم بكفالة الأيتام ورعايتهم عن الوزارة بناء على المادة [١٤] من اللائحة الأساسية للأطفال المحتاجين للرعاية، الصادرة بقرار مجلس الوزراء رقم (٦١٢) في ١٣/٥/١٣٩٥هـ ونصها: " تصرف الوزارة إعانة شهرية لجهة الرعاية اعتباراً من تاريخ تسلم الطفل إذا رغبت تلك الجهة في الإعانة ". بحيث تصرف على النحو الآتي: ـ #٢٠٠٠# ريال شهرياً لمن هم دون السادسة من العمر. ـ #٣٠٠٠# ريال شهرياً لمن هم فوق السادسة من العمر. ٣- إعانة انتهاء فترة الكفالة: حدد القرار رقم (١٤٣٠) وتاريخ ١٣/١٠/١٣٩٥هـ إعانة مالية تصرف لكل أسرة لدى انتهاء مدة إقامة الأطفال مجهولي الأبوين بمقدار (٢٠٠٠٠) ريال " انتهى من موقع الوزارة http://www.mosa.gov.sa/portal/cdisplay.php?cid=١٠ وظاهر من هذا النظام أن هذه المكافأة هي مكافأة للأسرة وليست نفقة لليتيم، بدليل صرفها بعد انتهاء مدة الكفالة. وعلى هذا، فهذه المكافأة ملك للأسرة، فلا حرج عليها من الانتفاع بها أو بما زاد عن حاجة اليتيم. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13061

هل قراءة القرآن بالعين قراءة ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل قراءة القرآن بالعين يعتبر قراءة ويؤجر عليها؟ وهل يجوز لي ختم القرآن بهذه الطريقة؟ فأنا يحصل لي تدبر وفهم واستيعاب وتأثر أكبر عند القراءة بالعين ولا أستوعب إلا قليلاً جداً وأحياناً أبداً إذا قرأت بصوت أو بترتيل! فالمقصود من القرآن تدبره ... وهذه الحالة ليست فقط في قراءة القرآن بل حتى قراءة الكتب بل وفي الدراسة أيضا فأنا لا أستوعب المادة التي أدرسها إذا درستها بصوت ولكن يحصل عندي حفظ وفهم وتدبر أكثر عند الدراسة بدون صوت! فما توجيهك يا شيخ؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قراءة القرآن بالعين فقط دون تحريك اللسان لا تعتبر قراءة، ولا يثاب عليها ثواب القراءة، وإنما هي تدبر للقرآن ويؤجر عليها المسلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " النَّاسَ فِي الذِّكْرِ أَرْبَعُ طَبَقَاتٍ: إحْدَاهَا: الذِّكْرُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَهُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ. الثَّانِي: الذِّكْرُ بِالْقَلْبِ فَقَطْ، فَإِنْ كَانَ مَعَ عَجْزِ اللِّسَانِ فَحَسَنٌ، وَإِنْ كَانَ مَعَ قُدْرَتِهِ فَتَرْكٌ لِلْأَفْضَلِ. الثَّالِثُ: الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ فَقَطْ، وَهُوَ كَوْنُ لِسَانِهِ رَطْبًا بِذِكْرِ اللَّهِ. الرَّابِعُ: عَدَمُ الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ حَالُ الْخَاسِرِينَ " انتهى باختصار. "مجموع الفتاوى" (١٠ / ٥٦٦) . فما تقومين به هو عمل صالح، والأكمل منه أن تجمعي بين القراءة باللسان، والتدبر بالقلب، ولا يشترط لذلك الجهر بالقراءة، بل يكفي تحريك اللسان، ولو كان ذلك بدون صوت، فاحرصي على ذلك حتى يكون ثوابك أعظم. وينبغي التنبه إلى أن هذا التدبر لا يثاب عليه الإنسان ثواب القراءة، فما رتب من الثواب على القراءة فلابد فيه من تحريك اللسان، ولا يكون المسلم قد ختم القرآن قراءةً حتى يحرك لسانه بالقراءة، ولهذا اتفق العلماء على أنه يجب على المصلي أن يحرك لسانه بقراءة القرآن وبالأذكار الواجبة، فإن لم يفعل لم تصح صلاته. قال في "مواهب الجليل" (١/٣١٧) : " قَالَ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ: وَلَا يَجُوزُ إسْرَارٌ مِنْ غَيْرِ حَرَكَةِ لِسَانٍ ; لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُحَرِّكْ لِسَانَهُ لَمْ يَقْرَأْ وَإِنَّمَا فَكَّرَ" انتهى. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "يجب أن يحرك لسانه بالذكر والواجب في الصلاة من القراءة ونحوها مع القدرة" انتهى. ولمزيد الفائدة راجعي جواب السؤال رقم: (٧٠٥٧٧) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13062

التصدق بمبلغ ثابت كل شهر [السُّؤَالُ] ـ[ما الحكم فيمن يتصدق بمبلغ ثابت كل شهر، وشخص أعطاه مبلغاً ليتصدق به فأخرج هذا المبلغ بالنيتين؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله مواظبة الإنسان على التصدق بمبلغ ثابت كل شهر عمل صالح نافع؛ لما جاء في الصدقة من الفضل والأجر، وإذا أعطاه شخص مبلغا ليتصدق به، فإنه يصرفه فيمن يستحق الصدقة من الفقراء والمساكين، أو بحسب ما اشترطه صاحب المال. وإذا كان المقصود من سؤالك أنه أخرج مال صاحبه، ولم يخرج في هذا الشهر مبلغه الثابت، ونوى بمال صاحبه الأمرين معاً، فهذا لا يحسب صدقة له، بل هو صدقة لصاحبه فقط، وله أجر إعانته وتوزيع صدقته. والتصدق بالمبلغ الثابت: تطوعٌ، للإنسان أن يفعله، وأن يتركه، ما لم يكن قد نذره، والأولى أن لا ينقطع عن صدقته وما نواه من الاستمرار على هذا العمل الصالح، فإن أحب الأعمال إلى الله أدومه وإن قل. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13063

أعمال لا تمس النار أصحابها [السُّؤَالُ] ـ[أود أن أعلم أي الأعمال يكون جزاؤها أن النار لا تمس صانعها؟ جزاكم الله خيراً ونفع بكم أمة الإسلام..]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله يمكن الإجابة على هذا السؤال بجواب مجمل وهو: أن طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ ، بفعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه، هي أصل الفوز بالجنة والنجاة من النار، وأن معصية الله ورسوله هما سبب دخول النار، كما قال الله : (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ) النساء/١٣، ١٤. وكما أخبر النبي ﷺ حيث قَالَ: (كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى) . رواه البخاري (٧٢٨٠) . وأما الجواب المفصل فهناك من الأعمال ما نص الرسول ﷺ على تحريم صاحبها على النار، وذلك ترغيباً لنا في القيام بهذه الأعمال، وإتقانها على الوجه الذي يرضاه الله تعالى. فمن ذلك: ١- قول لا إله إلا الله بإخلاص ويقين: فعن أَنَس بْن مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لمعاذ ﵁: (مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ) رواه البخاري (١٢٨) ومسلم (٣٢) . وروى مسلم (٢٩) عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ) . وروى البخاري (٤٢٥) ومسلم (٣٣) عن عِتْبَانَ بْن مَالِكٍ الْأَنْصارِيَّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ) . ٢– حسن الخلق ولين الجانب: روى الترمذي (٢٤٨٨) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ أَوْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّارُ؟ عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ هَيِّنٍ سَهْلٍ) . وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٩٣٨) . " قَالَ الْقَارِي: أَيْ تُحَرَّمُ عَلَى كُلِّ سَهْلٍ طَلْقٍ حَلِيمٍ لَيِّنِ الْجَانِبِ " انتهى. "تحفة الأحوذي" (٧/١٦٠) . ٣- تغبير القدم في سبيل الله: روى البخاري (٩٠٧) أَن النَّبِيَّ ﷺ قال: (مَنْ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ) . وروى أحمد (٢١٤٥٥) أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: (مَنْ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ فَهُمَا حَرَامٌ عَلَى النَّارِ) صححه الألباني في "الإرواء" (٥/٥) . ورواه ابن حبان في "صحيحه" (٤٠٦٤) ولفظه: عن أبي المصبح المقرائي قال: بينما نحن نسير بأرض الروم في طائفة عليها مالك بن عبد الله الخثعمي إذ مر مالك بجابر بن عبد الله وهو يمشي يقود بغلاً له، فقال له مالك: أي أبا عبد الله، اركب، فقد حملك الله، فقال جابر: أصلح دابتي، وأستغني عن قومي، وسمعت رسول الله ﷺ يقول: (من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار) فأعجب مالكاً قولُه، فسار حتى إذا كان حيث يسمعه الصوت ناداه بأعلى صوته: يا أبا عبد الله، اركب، فقد حملك الله، فعرف جابر الذي أراد برفع صوته، وقال: أصلح دابتي، وأستغني عن قومي، وسمعت رسول الله ﷺ يقول: (من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار) فوثب الناس عن دوابهم، فما رأينا يوما أكثر ماشيا منه. صححه الألباني في "الإرواء" (٥/٦) . ٤- الصلاة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ) متفق عليه. وروى أحمد (١٧٨٨٢) عَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيْدِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَنْ حَافَظَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، عَلَى وُضُوئِهَا، وَمَوَاقِيتِهَا، وَرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا، يَرَاهَا حَقًّا لِلَّهِ عَلَيْهِ حُرِّمَ عَلَى النَّارِ) حسنه الألباني في "صحيح الترغيب" (٣٨١) . ٥- المحافظة على أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا: روى أبو داود (١٢٦٩) والترمذي (٤٢٨) وصححه عن أُمّ حَبِيبَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ﵂ قالت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ) وصححه الألباني في صحيح الترمذي. ٦- ذكر الله وتوحيده عند الموت: روى ابن ماجة (٣٧٩٤) عن أبي إسحاق عن الأغر أبي مسلم أنه شهد على أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ ﵄ أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِذَا قَالَ الْعَبْدُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ. يَقُولُ اللَّهُ : صَدَقَ عَبْدِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، وَأَنَا أَكْبَرُ. وَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ. قَالَ: صَدَقَ عَبْدِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَحْدِي. وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. قَالَ: صَدَقَ عَبْدِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، وَلَا شَرِيكَ لِي. وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ. قَالَ: صَدَقَ عَبْدِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، لِي الْمُلْكُ، وَلِيَ الْحَمْدُ. وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. قَالَ: صَدَقَ عَبْدِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِي) . ثم قال رسول الله ﷺ : (مَنْ رُزِقَهُنَّ عِنْدَ مَوْتِهِ لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ) صححه الألباني في "صحيح الجامع" (٧١٣) . ٧- البكاء من خشية الله، والحراسة في سبيل الله: روى الترمذي (١٦٣٩) وحسنه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وصححه الألباني في صحيح الترمذي. ٨- غض البصر: روى الطبراني في "المعجم الكبير" (١٠٠٣) عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاثة لا ترى أعينهم النار: عين حرست في سبيل الله، وعين بكت من خشية الله، وعين غضت عن محارم الله) . وصححه الألباني في "الصحيحة" (٢٦٧٣) . ٩- الصبر على فقد الولد: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لا يَمُوتُ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ) متفق عليه. قال النووي في "شرح مسلم": "قَالَ الْعُلَمَاء: (تَحِلَّة الْقَسَم) مَا يَنْحَلّ بِهِ الْقَسَم، وَهُوَ الْيَمِين، وَجَاءَ مُفَسَّرًا فِي الْحَدِيث أَنَّ الْمُرَاد قَوْله تَعَالَى: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدهَا) وَبِهَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْد وَجُمْهُور الْعُلَمَاء، وَالْقَسَم مُقَدَّر، أَيْ: وَاَللَّه إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدهَا، وَقَالَ اِبْن قُتَيْبَة: مَعْنَاهُ تَقْلِيل مُدَّة وِرْدهَا. قَالَ: وَتَحِلَّة الْقَسَم تُسْتَعْمَل فِي هَذَا فِي كَلَام الْعَرَب، وَقِيلَ: تَقْدِيره: وَلَا تَحِلَّة الْقَسَم، أَيْ: لَا تَمَسّهُ أَصْلًا، وَلَا قَدْرًا يَسِيرًا كَتَحِلَّةِ الْقَسَم، وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدهَا) الْمُرُور عَلَى الصِّرَاط، وَهُوَ جِسْر مَنْصُوب عَلَيْهَا. وَقِيلَ: الْوُقُوف عِنْدهَا" انتهى باختصار. وروى الطبراني في "الكبير" (٢٣١) عن واثلة ﵁ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من دفن ثلاثة من الولد حرم الله عليه النار) صححه الألباني في "صحيح الجامع" (٦٢٣٨) . هذه بعض الأعمال التي جاء النص عليها أن من فعلها حرمه الله على النار، نسأل الله تعالى أن يوفقنا للعمل بها. وجماع ذلك كما سبق هو: طاعة الله تعالى ورسوله ﷺ . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13064

يكفلون يتيما وتأتيه صدقات كثيرة [السُّؤَالُ] ـ[يتيم توفي أهله وقمنا برعايته وحفظه، ونعتبره واحدا من عيالنا، وحيث له أعمام، ومن يريدون الخير، يعطونه فلوسا، وهذه الفلوس نجعلها مع فلوسنا التي ننفق منها على البيت، ويمكن أن تكون أكثر مما ننفق عليه، فما الحكم في ذلك؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله " لا حرج عليكم في أخذ ما يدفع إليه من الصدقات، إذا كانت مثل نفقتكم عليه، أو أقل، أما ما زاد على ذلك فعليكم أن تحفظوه له، وأبشروا بالأجر الجزيل على حضانته، والإحسان إليه " انتهى. "مجموع فتاوى ابن باز" (٢٢/٣٢٣) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13065

إذا انقطع عن نفقة اليتيم معذورا فهل ينقطع أجره ؟ [السُّؤَالُ] ـ[السؤال: فاعل خير يقوم بكفالة الأيتام في إحدى الأقليات خارج المملكة العربية السعودية مستشعر حديث الرسول ﷺ في ذلك، تكون غالبا مدة الكفالة سنة واحدة ومن ثم بعدها لابد من تجديد الكفالة حتى لا ينقطع عن اليتيم المال المدفوع بعد مرور السنة لا يجد المال لكي يجدد الكفالة ووالله إنه ليحزنه ذلك أن ينقطع عن هذا اليتيم مثل ذلك وأن يحرم الأجر فهل عليه إثم أو ينقص من أجره شيء؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله نسأل الله أن يجزيك خيراً، ويعينك على ذكره وشكره وحسن عبادته كفالة اليتيم لها منزلة في الدين، وقد قال رسول الله ﷺ : (أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا) وَقَالَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى. رواه البخاري (٦٠٠٥) – واللفظ له - ومسلم (٢٩٨٣) . ٍقال ابن بطال: "حق على كل مؤمن يسمع هذا الحديث أن يرغب في العمل به؛ ليكون في الجنة رفيقًا للنبي ﵇ ولجماعة النبيين والمرسلين - صلوات الله عليهم أجمعين - ولا منزلة عند الله في الآخرة أفضل من مرافقة الأنبياء " انتهى. "شرح ابن بطال" (١٧/٢٦٠) . وكافل اليتيم: هو المربي له، القائم بأمره من نحو نفقة وكسوة وتأديب وغير ذلك، وليس من ينفق عليه فقط، إنما الإنفاق بعض كفالته، وجانب منها. قال الحافظ في "الفتح": " (كَافِل الْيَتِيم) أَيْ: الْقَيِّم بِأَمْرِهِ وَمَصالحه ". وقال ابن علان: " وذلك بالنفقة والكسوة والتربية والتأديب وغير ذلك، قال في «شرح مسلم» وهذه الفضيلة تحصل لمن كفل اليتيم من مال نفسه أو مال اليتيم بولاية شرعية " انتهى. "دليل الفالحين" (٢/٣٦٦) . وقال الشيخ ابن عثيمين: " وكفالة اليتيم هي القيام بما يصلحه في دينه ودنياه: بما يصلحه في دينه من التربية والتوجيه والتعليم وما أشبه ذلك، وما يصلحه في دنياه من الطعام والشراب والمسكن " انتهى. "شرح رياض الصالحين" (ص ٣١١) . ومن كان ينفق على اليتيم، وحصل له ما يمنع هذه النفقة، وكان عازماً على استمرارها لولا هذا المانع، فإنه يُرجى له أن ينال ثواب الصدقة، وفضل الله تعالى واسع. وقد روى البخاري (٤٤٢٣) ومسلم (١٩١١) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَدَنَا مِنْ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: (إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَ: (وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ، حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ) . قال النووي: " فِي هَذَا الْحَدِيث: فَضِيلَة النِّيَّة فِي الْخَيْر , وَأَنَّ مَنْ نَوَى الْغَزْو وَغَيْره مِنْ الطَّاعَات فَعَرَضَ لَهُ عُذْر مَنَعَهُ حَصَلَ لَهُ ثَوَاب نِيَّته " انتهى. وقال الحافظ: " وَالْمُرَادُ بِالْعُذْرِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْمَرَضِ وَعَدَمُ اَلْقُدْرَةِ عَلَى اَلسَّفَرِ " انتهى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية:و " فَهَذَا وَمِثْلُهُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْمَعْذُورَ يُكْتَبُ لَهُ مِثْلُ ثَوَابِ الصَّحِيحِ , إذَا كَانَتْ نِيَّتُهُ أَنْ يَفْعَلَ , وَقَدْ عَمِلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ " انتهى. "إقامة الدليل على إبطال التحليل" (٢/٤٣٧) . وقال أيضا: " مَنْ نَوَى الْخَيْرَ وَعَمِلَ مِنْهُ مَقْدُورَهُ , وَعَجَزَ عَنْ إكْمَالِهِ: كَانَ لَهُ أَجْرُ عَامِلٍ " انتهى. "إقامة الدليل على إبطال التحليل" (٥/٤٦٣) . وقال ابن القيم: " قاعدة الشريعة أن العزم التام إذا اقترن به ما يمكن من الفعل أو مقدمات الفعل نُزِّل صاحبه في الثواب والعقاب منزلة الفاعل التام " انتهى. "طريق الهجرتين" (ص ٥٣٢) . ونسأل الله تعالى أن يبارك لك في مالك، وأن يتقبل منك. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13066

قراءة سورة الكهف يوم الجمعة [السُّؤَالُ] ـ[هل قراءة سورة الكهف يوم الجمعة وليلتها عمل مندوب؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "في ذلك أحاديث مرفوعة يشد بعضها بعضا، تدل على شرعية قراءة سورة الكهف في يوم الجمعة. وقد ثبت ذلك عن أبي سعيد الخدري ﵁ موقوفا عليه، ومثل هذا لا يعمل من جهة الرأي، بل يدل على أن لديه فيه سنة" انتهى. "مجموع فتاوى ابن باز" (٢٥/١٩٦) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13067

حكم إنشاء الجمعيات الخيرية، ونصائح في التعامل مع أصحاب الأموال [السُّؤَالُ] ـ[نسأل عن حكم الجمعيات الخيرية، وما الضوابط التي تنصح بها السلفي في حالة التعاون معها - إن كان جائزاً - ومع أصحاب الأموال من عوام الناس الذين يحبون دعوتنا، ولا يعرفون تفاصيلها؛ لأنهم يثقون في إخواننا السلفيين بإعطائهم الأموال، وتوزيعها في أماكنها، وجزاكم الله خيراً.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: إقامة الجمعيات الخيرية الإسلامية يعدُّ من الأعمال الجليلة للأشخاص القائمين على تأسيسها، ونرجو لهم تحصيل الأجور العظيمة بسبب إنشاء تلك الجمعيات؛ لما لها من نفع متعدٍّ للمسلمين، ضعفائهم، وفقرائهم، وإن إعانة هؤلاء، وتفريج كرباتهم: لهو من الأعمال الجليلة في شرع الله تعالى؛ لما لها من أجور جزيلة، ومن هذه الأعمال التي تقوم بها الجمعيات، ولها تلك الأجور: ١. كفالة الأيتام. عَنْ سَهْل بنِ سَعْد قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وَأَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا - وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا -) . رواه البخاري (٤٩٩٨) . ومسلم (٢٩٨٣) من حديث أبي هريرة بلفظ قريب. ٢. السعي على الأرامل. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ الْقَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ) . رواه البخاري (٥٠٣٨) ومسلم (٢٩٨٢) . ٣. بناء المساجد. عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ بَنَى مَسْجِداً يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ) . رواه البخاري (٤٣٩) ومسلم (٥٣٣) . ٤. قضاء الديون. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) . رواه مسلم (٢٦٩٩) . ٥. تزويج العزاب. عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: (المُسلِمُ أَخُو المُسلِمِ لا يَظلِمُهُ وَلا يُسْلِمُه، مَن كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَن فَرَّجَ عَن مُسلِمٍ كُربَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنهُ بِهَا كُربَةً مِن كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، وَمَن سَتَرَ مُسلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَومَ القِيَامَةِ) . رواه البخاري (٢٤٤٢) ومسلم (٢٥٨٠) . ٦. تفطير الصائمين. عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا) . رواه الترمذي (٨٠٧) وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وابن ماجه (١٧٤٦) ، وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ". ويشمل ما سبق – وثمة كثير لم نذكره - وغيره من أعمال الجمعيات الخيرية: هذا الحديث المبارك، والذي هو نصٌّ في فضل الطاعات المتعدية: عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَجُلا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ وَأَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ , وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ , أَوْ تَكَشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً , أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا , أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا , وَلأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخِ فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ - يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ - شَهْرًا , وَمَنَ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ , وَمَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ مَلأَ اللَّهُ قَلْبَهُ رَجَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ , وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يَتَهَيَّأَ لَهُ أَثْبَتَ اللَّهُ قَدَمَهُ يَوْمَ تَزُولُ الأَقْدَامِ) . رواه الطبراني (١٢ / ٤٥٣) وصححه الألباني في " صحيح الترغيب " (٩٥٥) . وعليه: فمن كان من الجمعيات الخيرية قائماً على مثل هذه المشاريع النافعة: فإنه يُعان، ويشجع عليها؛ لما في ذلك من التعاون على البر والتقوى المأمور به في قوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) المائدة/ من الآية ٢. ومن أهم ما ينبغي أن يهتم الإخوة القائمون على هذه الجميعات: أن يتحروا في أمر الأموال التي في أيديهم، فلا يتساهلوا في صرفها، بل ينبغي عليهم أن يضعوها حيث يجب، وأن يقدموا الأهم والأنفع من الأعمال التي يحتاجها أهل المكان، وأن يراعوا مصارف الزكاة الشرعية في أموال الزكوات، ولا يخرجوا عنها إلى غيرها، وإن كان من أبواب البر والخير، وأن يراعوا شرط الواقف إن كان تحت أيديهم وقف، أو شرط المتصدق والمنفق، إن شرط وجها معينا لنفقته، لأن الجمعية بمثابة الوكيل عنه، لا يجوز لها أن تتعدى شرطه. فإن بدا للإخوة القائمين عليه باب من الخير لم يأذن فيه، فلهم أن يدلوه عليه، حتى يدخله في نفقته، أو يصرف إليه ماله. ثانياً: ليست الجمعيات الخيرية كلها سواء من حيث المنهج، والاعتقاد، بل منها ما هو حزبي جلد، تتعصب لحزبها، ومنها ما يتبنى أفرادها اعتقاداً فاسداً، كالأشعرية، والتصوف. والموقف من الأولى يختلف عنه من الثانية، ففي حال كانت الجمعية حزبية – والحزب في إطاره العام من أهل السنَّة -: فإنها تُعان على ما فيه خدمة للإسلام، ولا تعان على ما في نشاط لحزبها، وجماعتها، وأما الجمعيات التي يقوم عليها أصحاب اعتقاد فاسد: فينبغي هجرها، وأن يقوم أهل السنَّة بإنشاء جمعية مستقلة خاصة بهم. ثالثاً: والموقف من أصحاب الأموال ينبغي أن يكون حكيماً، وإذا كانوا من أهل الدنيا، وليسوا أفراداً منكم: فإننا ننصح في التعامل معهم: ١. أن لا يكون التقرب منهم طمعاً في أموالهم، بل طمعاً في هدايتهم، وهم لو هداهم الله، واقتنعوا بالمنهج السلفي، واعتقدوا عقيدة أهل السنَّة والجماعة: فإن ذلك كافٍ ليقوموا بنصرته، بأموالهم، وجاههم. ٢. أن تجعلوا بعضاً من عقلائهم ومعادن الخير منهم أعضاء في مجلس إدارة الجمعية؛ خاصة إذا كانت له وجاهة اجتماعية، يرجى من ورائها حصول خير عام للمسلمين. فإن من شأن هذا أن يُكسبكم ثقتهم، وفي الوقت نفسه يقربهم من الاعتقاد الصحيح، والمنهج السليم. ٣. أن تتعاهدوهم بالعناية، والرعاية، وذلك بتقديمهم في احتفالات الجمعية، ونشاطاتها العامة، فكثير من هذه النفوس مجبولة على حب التقديم، وهذا ما يفعله أهل الدنيا معهم، فأنتم أولى بهذه المداراة، وليس في ذلك مخالفة لشرع الله. وفي فتح مكة قال النبي ﷺ : (مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ) . رواه مسلم (١٧٨٠) . قال الدكتور علي الصلابي – حفظه الله -: ففي تخصيص بيت أبي سفيان شيئٌ يُشبع ما تتطلع إليه نفس أبي سفيان، وفي هذا تثبيت له على الإسلام، وتقوية لإيمانه، وكان هذا الأسلوب النبوي الكريم عاملاً على امتصاص الحقد من قلب أبي سفيان، وبرهن له بأن المكانة التي كانت له عند قريش: لن تنتقص شيئاً في الإسلام، إن هو أخلص له، وبذل في سبيله، وهذا منهج نبوي كريم، على العلماء، والدعاة إلى الله أن يستوعبوه، ويعملوا به في تعاملهم مع الناس. " السيرة النبوية، عرض وقائع، وتحليل أحداث " (ص ٧٥٦) . ٤. إيقافهم بأنفسهم على حالات محتاجة؛ وذلك حتى يطمئنوا إلى أن أموالهم تذهب في طريقها الصحيح، وحتى يكون هذا دافعاً لهم لاستقرار البذل، واستمراره، بل زيادته. ٥. الدعاء لهم، والثناء عليهم ببذلهم، ولو كان ذلك في صورة شهادات باسم الجمعية، أو هدايا رمزية متجددة؛ حتى يستمر عطاؤهم، وتقوى قلوبهم على البذل، وفي شرعنا أُمر النبي ﷺ أن يدعو لكل من يأتي بزكاته، فقال تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) التوبة/ ١٠٣، وهو ما طبَّقه ﷺ عمليّاً. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ) فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ: (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى) . رواه البخاري (١٤٢٧) ومسلم (١٠٧٨) . هذا ما ننصحكم به في التعامل مع أصحاب المال، والجاه، ونسأل الله تعالى أن يوفقكم لما فيه خير الإسلام والمسلمين. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13068

شفاعة السقط لوالديه [السُّؤَالُ] ـ[ابني توفي في الشهر التاسع، فهل يشفع لي؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله نسأل الله تعالى أن يأجرك على مصيبتك، وأن يكتب لك ولزوجتك الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون. ثم نبشرك بما جاءَ عن أبي موسى الأشعريِّ ﵁ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: (إِذَا ماتَ ولدُ العَبْدِ، قالَ اللهُ لمَلَائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: قَبَضْتُم ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: مَاْذَا قالَ عَبْدِيْ؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ. فَيَقُولُ اللهُ: ابْنُوا لِعَبْدِيْ بَيْتًا فِيْ الجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بيتَ الحَمْدِ) رواه الترمذي (١٠٢١) وصححه الألباني في "صحيح الترمذي". والجنين إذا مات بعد نفخ الروح فيه، وذلك بعد تمام أربعة أشهر من بداية الحمل، فهو إنسان، وسيبعث يوم القيامة، وقد ورد عن النبي ﷺ ما يدل على أن السقط يشفع في أمه يوم القيامة. فعن مُعاذِ بنِ جبلٍ ﵁ عن النبيِّ ﷺ قالَ: (وَالَّذِيْ نَفْسِيْ بِيَدِهِ إِنَّ السِّقْطَ لَيَجُرُّ أُمَّهُ بِسَرَرِهِ إِلَىْ الجَنَّةِ إِذَا احْتَسَبَتْهُ) رواه ابن ماجه (١٦٠٩) وقد اختلف العلماء في صحة هذا الحديث، فضعفه النووي في "الخلاصة" (٢/١٠٦٦) ، والعراقي في "مغني الأسفار" (١/٣٧٣) ، والبوصيري في "مصباح الزجاجة". ومحققو مسند أحمد، وحسنه المنذري في "الترغيب والترهيب" (٣/٥٧) ، وصححه الألباني في "أحكام الجنائز" (ص/٣٩) . والسَّرَرُ: ما تقطعه القابلة من السرة. كما في " النهاية في غريب الحديث " (٣/٩٩) . وفي الباب أحاديث أخرى ضعيفة أو موضوعة، منها ما في " تذكرة الموضوعات " (٢٢٧) حديث لا أصل له فيه: (السقط يثقل الله به الميزان، ويكون شافعا لأبويه يوم القيامة) . على أن الولد الذي يموت في الشهر التاسع ويسقط من بطن أمه أقرب إلى كونه ولدا من كونه سقطا، لأنه نزل لتمام أشهر حمله، وقد جاء في "الموسوعة الفقهية" (٢٥/٨٠) في تعريف السقط: "السقط لغة: الولد ذكرا كان أو أنثى يسقط قبل تمامه وهو مستبين الخلق" انتهى. وقد نص بعض العلماء على أن السقط يشفع في أبويه يوم القيامة. قال النووي ﵀: "موتُ الواحدِ من الأولادِ حجابٌ منَ النار، وكذا السقطُ" انتهى. "المجموع" (٥/٢٨٧) . وانظر: " حاشية ابن عابدين " (٢/٢٢٨) . فنرجو أن ولدك هذا ممن تشمله أحاديث شفاعة الأولاد لآبائهم. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13069

لا حرج في الاجتماع على تلاوة القرآن الكريم [السُّؤَالُ] ـ[أقوم وزملائي في العمل بالاجتماع ليلة في الأسبوع نتلوا فيها آيات محددة من كتاب الله للتعلم وإجادة القرآن ثم نتحدث بعد ذلك في أمور عديدة وقد سمعنا أنه لا يجوز الاجتماع من أجل التلاوة ويجوز من أجل الحفظ فهل هذا صحيح؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "لا حرج في الاجتماع من أجل التلاوة ومدارسة القرآن وحفظه والتفقه في الدين؛ لقول النبي ﷺ : (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه فيما بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده) . رواه الإمام مسلم في صحيحه، وثبت عن النبي ﷺ أنه كان يعرض القرآن على جبرائيل ﵇ ويدارسه إياه كل ليلة في رمضان، وكان ﷺ ، يجلس مع أصحابه كثيرا يقرأ عليهم القرآن، ويذكرهم بالله وربما أمر بعض أصحابه أن يقرأ عليه بعض القرآن. وفيما ذكرناه كله دلالة صريحة على شرعية الاجتماع لسماع القرآن ومدارسته والمذاكرة فيه ومدارسة العلم، والله ولي التوفيق" انتهى. "مجموع فتاوى ابن باز" (٢٤/٣٧٦) . [الْمَصْدَرُ] موقع الإسلام سؤال وجواب

стр. 13070

هل يجوز أن يسأل الله أن تكون الفتاة التي توفيت وكان يريد خطبتها عروسا له في الجنة ؟ [السُّؤَالُ] ـ[توفيت ابنة خالي في حادث، والتي كنت أنوي خطبتها، فهل يجوز أن أدعو الله أن يجعلها عروسا لي في الجنة، أم أن هذا من التعدي في الدعاء؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد للَّه بداية نسأل الله تعالى أن يتغمد تلك الفتاة برحمته، وأن يدخلها جنته، وأن يرزق أهلها وجميع ذويها الصبر والسلوان. ونوصيك أخانا السائل بالإحسان إلى والديها، ومساعدتهم على تجاوز محنتهم، ونوصيك في نفسك بالرضا بقضاء الله وقدره، والإيمان بأن لله سبحانه الأمر من قبل ومن بعد، وهو مقدر كل شيء في هذا العالم، له الحكمة البالغة، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون. وأما سؤالك عن الدعاء بأن تكون هذه الفتاة زوجك في الجنة: فليس هناك ما يمنع منه، إن شاء الله، ولك أن تدعو به. وإن كان الذي نختاره لك أن تدعو الله بالرحمة والمغفرة، ورفعة درجتها في الجنة؛ فهذا هو الذي ينفعها منك، وتؤجر ـ أنت ـ عليه، إن شاء الله. ونخشى عليك من المبالغة في هذا الأمر، أو اللهج بمثل هذا الدعاء، أن يزداد تعلقك بها، فينغص عليك عيشك، أو يشغلك عن طلب ما يعفك في الدنيا من الزواج الحلال. وننبهك ـ حتى لا تسترسل في تعلقك ـ إلى أنها ماتت وهي أجنبية عنك، فاحذر من الاستغراق في مشهد الحزن، والأسف على ما فاتك منها؛ وقد جعل الله لكل شيء قدرا. ونذكرك بأدب الله لنا في مثل ذلك: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) البقرة /١٥٥-١٥٧. قال الشيخ السعدي، ﵀: " أخبر تعالى أنه لا بد أن يبتلي عباده بالمحن، ليتبين الصادق من الكاذب، والجازع من الصابر، وهذه سنته تعالى في عباده؛ لأن السراء لو استمرت لأهل الإيمان، ولم يحصل معها محنة، لحصل الاختلاط الذي هو فساد، وحكمة الله تقتضي تمييز أهل الخير من أهل الشر. هذه فائدة المحن، لا إزالة ما مع المؤمنين من الإيمان، ولا ردهم عن دينهم، فما كان الله ليضيع إيمان المؤمنين، فأخبر في هذه الآية أنه سيبتلي عباده ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾ من الأعداء ﴿وَالْجُوعِ﴾ أي: بشيء يسير منهما؛ لأنه لو ابتلاهم بالخوف كله، أو الجوع، لهلكوا، والمحن تمحص لا تهلك. ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوَالِ﴾ وهذا يشمل جميع النقص المعتري للأموال من جوائح سماوية، وغرق، وضياع، وأخذ الظلمة للأموال: من الملوك الظلمة، وقطاع الطريق وغير ذلك. ﴿وَالأنْفُسِ﴾ أي: ذهاب الأحباب من الأولاد، والأقارب، والأصحاب، ومن أنواع الأمراض في بدن العبد، أو بدن من يحبه، ﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾ أي: الحبوب، وثمار النخيل، والأشجار كلها، والخضر ببرد، أو برد، أو حرق، أو آفة سماوية، من جراد ونحوه. فهذه الأمور، لا بد أن تقع، لأن العليم الخبير، أخبر بها، فوقعت كما أخبر. فإذا وقعت انقسم الناس قسمين: جازعين وصابرين، فالجازع، حصلت له المصيبتان، فوات المحبوب، وهو وجود هذه المصيبة، وفوات ما هو أعظم منها، وهو الأجر بامتثال أمر الله بالصبر، ففاز بالخسارة والحرمان، ونقص ما معه من الإيمان، وفاته الصبر والرضا والشكران، وحصل له السخط الدال على شدة النقصان. وأما من وفقه الله للصبر عند وجود هذه المصائب، فحبس نفسه عن التسخط، قولا وفعلا واحتسب أجرها عند الله، وعلم أن ما يدركه من الأجر بصبره أعظم من المصيبة التي حصلت له، بل المصيبة تكون نعمة في حقه، لأنها صارت طريقا لحصول ما هو خير له وأنفع منها، فقد امتثل أمر الله، وفاز بالثواب، فلهذا قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ أي: بشرهم بأنهم يوفون أجرهم بغير حساب. فالصابرون هم الذين فازوا بالبشارة العظيمة، والمنحة الجسيمة، ثم وصفهم بقوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ وهي كل ما يؤلم القلب أو البدن أو كليهما مما تقدم ذكره. ﴿قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ﴾ أي: مملوكون لله، مدبرون تحت أمره وتصريفه، فليس لنا من أنفسنا وأموالنا شيء، فإذا ابتلانا بشيء منها، فقد تصرف أرحم الراحمين، بمماليكه وأموالهم، فلا اعتراض عليه، بل من كمال عبودية العبد، علمه، بأن وقوع البلية من المالك الحكيم، الذي أرحم بعبده من نفسه، فيوجب له ذلك، الرضا عن الله، والشكر له على تدبيره، لما هو خير لعبده، وإن لم يشعر بذلك، ومع أننا مملوكون لله، فإنا إليه راجعون يوم المعاد، فمجاز كل عامل بعمله، فإن صبرنا واحتسبنا وجدنا أجرنا موفورا عنده، وإن جزعنا وسخطنا، لم يكن حظنا إلا السخط وفوات الأجر، فكون العبد لله، وراجعا إليه، من أقوى أسباب الصبر. ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بالصبر المذكور ﴿عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: ثناء وتنويه بحالهم ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ عظيمة، ومن رحمته إياهم، أن وفقهم للصبر الذي ينالون به كمال الأجر، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ الذين عرفوا الحق، وهو في هذا الموضع، علمهم بأنهم لله، وأنهم إليه راجعون، وعملوا به وهو هنا صبرهم لله. ودلت هذه الآية، على أن من لم يصبر، فله ضد ما لهم، فحصل له الذم من الله، والعقوبة، والضلال والخسار، فما أعظم الفرق بين الفريقين وما أقل تعب الصابرين، وأعظم عناء الجازعين. فقد اشتملت هاتان الآيتان على توطين النفوس على المصائب قبل وقوعها، لتخف وتسهل، إذا وقعت، وبيان ما تقابل به، إذا وقعت، وهو الصبر، وبيان ما يعين على الصبر، وما للصابر من الأجر، ويُعْلَم حالُ غير الصابر، بضد حال الصابر. وأن هذا الابتلاء والامتحان، سنة الله التي قد خلت، ولن تجد لسنة الله تبديلا وبيان أنواع المصائب. ". انتهى. " تفسير السعدي" (ص/٧٥) . وتأمل معنا ـ أخانا الكريم ـ هذا الأدب النبوي، والهدي السلفي: عَنْ أم المؤمنين: أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا؛ إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا) . قَالَتْ: فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ، قُلْتُ: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؛ أَوَّلُ بَيْتٍ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟!! ثُمَّ إِنِّي قُلْتُهَا؛ فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ !! قَالَتْ: أَرْسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ يَخْطُبُنِي لَهُ. فَقُلْتُ: إِنَّ لِي بِنْتًا، وَأَنَا غَيُورٌ؟ فَقَالَ: أَمَّا ابْنَتُهَا فَنَدْعُو اللَّهَ أَنْ يُغْنِيَهَا عَنْهَا، وَأَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَذْهَبَ بِالْغَيْرَةِ. رواه مسلم في صحيحه (٩١٨) . فادع الله أن يأجرك في مصيبتك، وأن يخلف لك خيرا منها، وادع الله ـ أيضا ـ لهذه الفتاة، ولكل موتى المسلمين، بالرحمة والمغفرة. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13071

فضل تكبيرة الإحرام، وبم تُدرك ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل من أدرك الإمام قبل أن يركع الركعة الأولى مدركاً لتكبيرة الإحرام وفضلها؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله: أولا: من الأمور المستحبة والمندوبة: إدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام في صلاة الجماعة، وقد ورد في فضل ذلك جملة من النصوص والآثار. ومن ذلك: ما رواه الترمذي (٢٤١) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ صَلَّى لِلَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الْأُولَى، كُتِبَتْ لَهُ بَرَاءَتَانِ: بَرَاءَةٌ مِنْ النَّارِ، وَبَرَاءَةٌ مِنْ النِّفَاقِ) . وهذا الحديث يروى موقوفا على أنس بن مالك ﵁، ومرفوعا إلى النبي ﷺ ، وقد رجح الترمذي والدارقطني وقفه، واختار الشيخ الألباني تحسينه مرفوعا. وللكلام حول الحديث ينظر جواب السؤال رقم (٣٤٦٠٥) . وسواء صح مرفوعا أو موقوفا فله حكم الرفع؛ لأن مثل هذا الحكم لا يقوله أنس ﵁ اجتهاداً من عند نفسه، فالظاهر أنه علم ذلك من النبي ﷺ . وقد ورد في فضل إدراك تكبيرة الإحرام أحاديث أخرى مرفوعة ولكنها لا تخلو من ضعف. ينظر: "مجمع الزوائد" (٢/١٢٣) ، "التلخيص الحبير" (٢ /٢٧) . وأما الآثار عن السلف في الحرص على إدراك تكبيرة الإحرام فكثيرة جداً، ومنها: ١- ما جاء عن مجاهد قال: سمعت رجلا من أصحاب النبي ﷺ لا أعلمه إلا ممن شهد بدرا- قال لابنه: أدركت الصلاة معنا؟ قال: نعم قال: أدركت التكبيرة الأولى؟. قال: لا. قال: لَمَا فاتك منها خير من مئة ناقة كلها سود العين. "مصنف عبد الرزاق" (٢٠٢١) . ٢- قال سعيد بن المسيب: ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين سنة. "حلية الأولياء" (٢ /١٦٣) . ٣- قال وكيع: كان الأعمش قريبا من سبعين سنة، لم تفته التكبيرة الأولى، واختلفت إليه قريبا من سنتين، فما رأيته يقضي ركعة. "مسند ابن الجعد" (٧٥٥) . ٤-وعن إبراهيم قال: إذا رأيت الرجل يتهاون في التكبيرة الأولى فاغسل يدك منه [يعني: لا خير فيه] . "حلية الأولياء" (٤ /٢١٥) . ٥- قال يحيى بن معين: سمعت وكيعاً، يقول: (من لم يدرك التكبيرة الأولى فلا ترج خيره) . "شعب الإيمان" للبيهقي (٢٦٥٢) . قال ابن حجر: " وَالْمَنْقُولُ عَنْ السَّلَفِ فِي فَضْلِ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى آثَارٌ كَثِيرَةٌ ". "التلخيص الحبير" (٢ /١٣١) . فينبغي الحرص على إدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام. ثانياً: بماذا يدرك المأموم فضل تكبيرة الإحرام؟ للعلماء في ذلك عدة أقوال: الأول: أن المأموم يدرك فضلها بحضوره تكبيرة إحرام إمامه، وتكبيره بعده دون تأخير. الثاني: أنه يدركها ما لم يشرع الإمام في الفاتحة. الثالث: يدركها إذا أدرك الإمام قبل أن ينتهي من قراءة الفاتحة، وهو قول وكيع حيث سئل عن حد التكبيرة الأولى، فقال: " ما لم يختم الإمام بفاتحة الكتاب ". "طبقات المحدثين" للأصبهاني (٣/٢١٩) . الرابع: أنها تُدرك بإدرك القيام مع الإمام لأنه محل تكبيرة الإحرام. الخامس: أنها تحصل بإدراك الركوع الأول مع الإمام، وهو مذهب الحنفية. ينظر: "رد المحتار" (٤/١٣١) ، " الفتاوى الهندية " (٣ /١١) ، " المجموع " (٤/ ٢٠٦) . والقول الأول هو الأقرب، وهو مذهب جمهور العلماء من الشافعية والحنابلة وغيرهم. قال النووي: " يستحب المحافظة على إدراك التكبيرة الأولى مع الإمام، وفيما يدركها به أوجه: أصحها بأن يشهد تكبيرة الإمام ويشتغل عقبها بعقد صلاته، فإن أخر لم يدركها ... ". "روضة الطالبين وعمدة المفتين" (١ /٤٤٦) . وقال ابن رجب: " ونص [الإمام] أحمد فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيْم بْن الحارث عَلَى أَنَّهُ إذا لَمْ يدرك التكبيرة مَعَ الإمام لَمْ يدرك التكبيرة الأولى ". وقال أيضاً: " وقد قال وكيع: من أدرك آمين مع إمامه فقد أدرك معه فضلية تكبيرة الإحرام. وأنكر الإمام أحمد ذلك، وقال: لا تُدرك فضلية تكبيرة الإحرام إلا بإدراكها مع الإمام ". وقال ابن مفلح ﵀: " قَالَ جَمَاعَةٌ: وَفَضِيلَةُ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى لَا تَحْصُلُ إلَّا بِشُهُودِ تَحْرِيمِ الْإِمَامِ ". "الفروع" لابن مفلح (١/٥٢١ (. وقال الحجاوي: " وإدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام فضيلة، وإنما تحصل بالاشتغال بالتحرم عقب تحرم إمامه مع حضوره تكبيرة إحرامه". " الإقناع " (١ / ١٥١) . وقال الشيخ ابن عثيمين: " السنة: إذا كبر الإمام أن تبادر وتكبر حتى تدرك فضل تكبيرة الإحرام، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا كبر فكبروا) والفاء تدل على الترتيب والتعقيب، يعني: من حين أن يكبر وينقطع صوته من الراء بقوله: (الله أكبر) فكبر أنت ولا تشتغل لا بدعاء ولا بتسوك ولا بمخاطبة من بجانبك، فإن هذا يفوت عليك إدراك فضل تكبيرة الإحرام ". "لقاء الباب المفتوح" (٢/١٩٢) . وفي "الملخص الفقهي" (١/١٤٠) للشيخ صالح الفوزان: " ولا تحصل فضيلتها المنصوصة إلا بشهود تحريم الإمام ". والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13072

حكم الفتوى بغير علم [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم الفتوى بغير علم؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لما كانت الفتوى بيانا لحكم الله في الوقائع والأحداث، وهناك من الناس من سيتبع هذا المفتي فيما قاله من أحكام، كان المفتي بغير علم واقعاً في كبيرتين عظيمتين: الكبيرة الأولى: الجرأة على الكذب والافتراء على الله. قال الله : (قُُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) الأعراف/٣٣. والمفتي بغير علم يقول على الله ما لا يعلم، وقد قرن الله تعالى تحريم ذلك بتحريم الإشراك به، مما يدل عل عظم ذنب من قال على الله ما لا يعلم. قال ابن القيم ﵀: " وقد حرم الله سبحانه القول عليه بغير علم في الفتيا والقضاء، وجعله من أعظم المحرمات، بل جعله في المرتبة العليا منها فقال تعالى: (قُُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) الأعراف/٣٣. فرتب المحرمات أربع مراتب: وبدأ بأسهلها وهو الفواحش. ثم ثَنَّى بما هو أشد تحريما منه وهو الإثم والظلم. ثم ثَلَّث بما هو أعظم تحريما منها وهو الشرك به سبحانه. ثم ربَّع ما هو أشد تحريما من ذلك كله وهو القول عليه بلا علم، وهذا يعم القول عليه سبحانه بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وفي دينه وشرعه. ومما يدل أيضا على أنه من كبائر الإثم قول الله تعالى: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) النحل/١١٦-١١٧. فتقدم إليهم سبحانه بالوعيد على الكذب عليه في أحكامه، وقولهم لما لم يحرمه: هذا حرام، ولما لم يحله: هذا حلال، وهذا بيان منه سبحانه أنه لا يجوز للعبد أن يقول هذا حلال وهذا حرام إلا بما علم أن الله أحله وحرمه " انتهى. " إعلام الموقعين " (١/٣٨) . الكبيرة الثانية: إغواء الناس وإضلالهم. فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا، يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالاً فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا) رواه البخاري (١٠٠) ومسلم (٢٦٧٣) . فالمفتي بغير علم ضلَّ عن الحق، وأضل غيره ممن اتبعه في فتواه. جاء في " الموسوعة الفقهية " (٣٢/٢٤) : " الإفتاء بغير علم حرام , لأنه يتضمن الكذب على الله تعالى ورسوله , ويتضمن إضلال الناس , وهو من الكبائر , لقوله تعالى: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) , فقرنه بالفواحش والبغي والشرك , ولقول النبي ﷺ : (إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور العلماء , ولكن يقبض العلم بقبض العلماء , حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا , فسئلوا , فأفتوا بغير علم , فضلوا وأضلوا) . من أجل ذلك كثر النقل عن السلف إذا سئل أحدهم عما لا يعلم أن يقول للسائل: لا أدري. نقل ذلك عن ابن عمر ﵄ والقاسم بن محمد والشعبي ومالك وغيرهم , وينبغي للمفتي أن يستعمل ذلك في موضعه ويعود نفسه عليه , ثم إن فَعَل المستفتي بناءً على الفتوى أمراً محرماً أو أَدَّى العبادة المفروضة على وجه فاسد , حمل المفتي بغير علم إثمَه , إن لم يكن المستفتي قَصَّر في البحث عمن هو أهل للفتيا , وإلا فالإثم عليهما" انتهى. وقال ابن مسعود: (من كان عنده علم فليقل به، ومن لم يكن عنده علم فليقل: الله أعلم، فإن الله قال لنبيه: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) ص/٨٦. " إعلام الموقعين " (٢/١٨٥) وانظر جواب السؤال رقم: (٢١٠١٨) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13073

ينبغي لطالب العلم أن يحرص على النوافل ويعمل بعلمه [السُّؤَالُ] ـ[كثير من طلبة العلم اليوم يعرفون كثيرا من فضائل الأعمال وأجرها ومنها قيام الليل، ولا يفعلون هذا حيث إنهم يعلمون ولا يعملون؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "الأعمال التي جاءت النصوص ببيان فضلها قسمان: قسم واجب: فعلى المرء المسلم سواء كان عالما أو غير عالم أن يعتني به، وأن يتقي الله في ذلك، وأن يحافظ عليه كالصلوات الخمس وأداء الزكاة وغيرهما من الفرائض. وقسم مستحب: كالتهجد بالليل وصلاة الضحى ونحو ذلك. فالمشروع للمؤمن أن يجتهد في ذلك ويحرص عليه، ولا سيما أهل العلم؛ لأنهم قدوة، ولو شُغل عن ذلك أو تركه بعض الأحيان لم يضره ذلك؛ لأنه نافلة، لكن من صفات أهل العلم والأخيار العناية بهذا الأمر، والمحافظة عليه، كالتهجد بالليل وصلاة الضحى والرواتب إلى غير ذلك من وجوه الخير" انتهى. "مجموع فتاوى ابن باز" (٢٤/٧٧) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13074

الخوف من التقصير يجعله يتردد من محبة لقاء الله [السُّؤَالُ] ـ[أعرف أن الناس الحكماء هم الذين يذكرون أنفسهم دائما بالموت، وأحب لقاء ربي، ولكن خوفي من تقصيري في ترك الواجبات يجعلني في تردد من حب هذا اللقاء، فأرجو منكم نصيحتي في هذا الشأن.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله نصيحتنا لك في هذا الشأن أن تفرق بين خوفين: ١- الخوف من الله الذي يؤدي إلى تقوى الله في جميع الأعمال، بالحرص على الطاعات، واجتناب المحرمات، والإكثار من نوافل العبادات، والإحسان إلى الخلق: فهذا خوف محمود مأجور عليه بإذن الله. ٢- الخوف من لقاء الله يأساً من رحمته، وفرقا من عذابه، من غير أن يكون لذلك أثر ظاهر في أخلاقك وأعمالك: فهذا خوف مذموم، لا تنتفع به، بل هو من وسواس الشيطان الذي يقنط عباد الله من رحمته. فتأمل أخي الكريم في أي الخوفين من الله أنت؟ ورغم أن المسلم مأمور بدوام خشية الله والخوف من عذابه، إلا أنه مأمور أيضا أن يبقي في قلبه فسحة كبيرة من الأمل بالله، ورجاء عفوه وإحسانه، رجاء يدفع إلى الطمع برحمة الله ولا يدفع إلى الكسل عن العمل الصالح أو الوقوع في المحرمات، وهذه أحوال دقيقة يجب على كل مسلم أن يتعلمها ويعامل الله بها. عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ يَقُولُ: (لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ رواه مسلم (٢٨٧٧) . والله تعالى وسعت رحمته كل شيء وهو أرحم بنا من أمهاتنا وأبائنا، ولهذا قال الإمام سفيان الثوري ﵀: " ما أحب أن حسابي جعل إلى والدي؛ فربي خير لي من والدي " انتهى. وقال النووي ﵀: " قال العلماء: معنى حسن الظن بالله تعالى أن يظن أنه يرحمه ويعفو عنه، قالوا: وفى حالة الصحة يكون خائفاً راجياً ويكونان سواء، وقيل: يكون الخوف أرجح، فإذا دنت أمارات الموت غلَّب الرجاء أو محَّضه؛ لأن مقصود الخوف الانكفاف عن المعاصي والقبائح والحرص على الإكثار من الطاعات والأعمال، وقد تعذر ذلك أو معظمه في هذا الحال، فاستحب إحسان الظن المتضمن للافتقار إلى الله تعالى والإذعان له، ويؤيده الحديث المذكور بعده: (يبعث كل عبد على ما مات عليه) ، ولهذا عقبه مسلم للحديث الأول، قال العلماء معناه: يبعث على الحالة التي مات عليها، ومثله الحديث الآخر بعده: (ثم بعثوا على نياتهم) " انتهى. "شرح مسلم" (١٧/٢١٠) . وقد عقد الإمام البخاري في صحيحه بابا بعنوان " باب الرجاء مع الخوف "، قال الحافظ ابن حجر ﵀ في شرحه: " قوله: " باب الرجاء مع الخوف " أي: استحباب ذلك، فلا يقطع النظر في الرجاء عن الخوف، ولا في الخوف عن الرجاء، لئلا يفضي في الأول إلى المكر، وفي الثاني إلى القنوط، وكل منهما مذموم. والمقصود من الرجاء أنَّ مَن وقع منه تقصير فليحسن ظنه بالله، ويرجو أن يمحو عنه ذنبه، وكذا من وقع منه طاعة يرجو قبولها، وأما من انهمك على المعصية راجيا عدم المؤاخذة بغير ندم ولا إقلاع فهذا غرور، وما أحسن قول أبي عثمان الجيزي: من علامة السعادة أن تطيع وتخاف أن لا تقبل. ومن علامة الشقاء: أن تعصي وترجو أن تنجو. وقد أخرج ابن ماجه من طريق عبد الرحمن بن سعيد بن وهب عن أبيه عن عائشة قلت: (يا رسول الله! (الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة) أهو الذي يسرق ويزني؟ قال: لا، ولكنه الذي يصوم ويتصدق ويصلي ويخاف أن لا يقبله منه) . وهذا كله متفق على استحبابه في حالة الصحة، وقيل: الأولى أن يكون الخوف في الصحة أكثر وفي المرض عكسه، وأما عند الإشراف على الموت فاستحب قوم الاقتصار على الرجاء لما يتضمن من الافتقار إلى الله تعالى، ولأن المحذور من ترك الوف قد تعذر، فيتعين حسن الظن بالله برجاء عفوه ومغفرته، ويؤيده حديث: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله) . وقال آخرون: لا يهمل جانب الخوف أصلا بحيث يجزم بأنه آمن. ويؤيده ما أخرج الترمذي عن أنس: (أن النبي ﷺ دخل على شاب وهو في الموت، فقال له: كيف تجدك؟ فقال: أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال رسول الله ﷺ : لا يجتمعان في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف) . ولعل البخاري أشار إليه في الترجمة، ولما لم يوافق شرطه أورد ما يؤخذ منه، وإن لم يكن مساويا له في التصريح بالمقصود " انتهى. "فتح الباري" (١١/٣٠١) . ويقول ابن القيم ﵀: " وقد تبين الفرق بين حسن الظن والغرور، وأن حسن الظن إن حمل على العمل وحث عليه وساعده وساق إليه فهو صحيح، وإن دعا إلى البطالة والانهماك في المعاصي فهو غرور، وحسن الظن هو الرجاء، فمن كان رجاؤه جاذبا له على الطاعة زاجرا له عن المعصية فهو رجاء صحيح، ومن كانت بطالته رجاء، ورجاؤه بطالة وتفريطا فهو المغرور " انتهى. "الجواب الكافي" (ص/٢٤) . وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: هل يجب على المؤمن عدم الخوف من الموت؟ وإذا حدث هذا فهل معناه عدم الرغبة في لقاء الله؟ . فأجاب: " يجب على المؤمن والمؤمنة أن يخافا الله سبحانه ويرجواه؛ لأن الله سبحانه قال في كتابه العظيم: (فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) آل عمران/١٧٥، وقال : (فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ) المائدة/٤٤، وقال سبحانه: (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) البقرة/٤٠، وقال : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ) البقرة/٢١٨، وقال : (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) الكهف/١١٠، في آيات كثيرة. ولا يجوز للمؤمن ولا للمؤمنة اليأس من رحمة الله، ولا الأمن من مكره، قال الله سبحانه: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) الزمر/٥٣، وقال تعالى: (وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) يوسف/٨٧، وقال : (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) الأعراف/٩٩. ويجب على جميع المسلمين من الذكور والإناث الإعداد للموت، والحذر من الغفلة عنه؛ للآيات السابقات، ولما روي عنه ﷺ أنه قال: (أكثروا من ذكر هادم اللذات) - الموت -؛ ولأن الغفلة عنه وعدم الإعداد له من أسباب سوء الخاتمة، وقد ثبت عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه فقلت: يا نبي الله: أكراهية الموت؟ فكلنا نكره الموت، قال: ليس كذلك، ولكن المؤمن إذا بشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا بشر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله فكره الله لقاءه) متفق عليه. وهذا الحديث يدل على أن كراهة الموت والخوف منه لا حرج فيه، ولا يدل ذلك على عدم الرغبة في لقاء الله؛ لأن المؤمن حين يكره الموت أو يخاف قدومه يرغب في المزيد من طاعة الله والإعداد للقائه، وهكذا المؤمنة حين تخاف من الموت وتكره قدومه إليها إنما تفعل ذلك رجاء المزيد من الطاعات والاستعداد للقاء ربها " انتهى. " فتاوى الشيخ ابن باز " (٦/٣١٣) . وحاصل الجواب: أن الخوف من الله والخوف من لقائه إذا كان الباعث عليه الخوف من التقصير في حقوق الله، لا حرج فيه، بل هو أمر ممدوح، وينبغي أن يكون دافعاً إلى الاستعداد لذلك اليوم بالعمل الصالح والتوبة النصوح واجتناب المعاصي. ولمزيد الفائدة انظر جواب السؤال: (١٠٠٤٥١) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13075

حليب المرأة غير المتزوجة هل ينشر المحرمية؟ وكيف تربي لقيطاً؟ وما معنى "العرق دسّاس "؟ [السُّؤَالُ] ـ[أفكر أنا وزوجي بكفالة طفل يتيم، خاصة أنه لم يرزقنا الله بالذرية، ولديّ في هذا الموضوع سؤالان: الأول: ما حكم أخذ حبوب لدر الحليب؛ وذلك لإرضاع الطفل، وحتى يصبح ابننا بالرضاعة؟ (مع العلم أنني سمعت بوجود هذا النوع من الحبوب، وسأحاول التأكد من وجوده، ولكن يهمني الحكم الشرعي أولاً) ، وهل يصبح الطفل ابننا بالرضاعة؟ ، مع العلم أن الحليب لم يكن نتاج حمل. الثاني: ما معنى قول الرسول ﷺ (العرق دساس) ؟ . وأريد استشارة فضيلتكم في هذا الموضوع في أخذنا لطفل يتيم لتربيته وخاصة أن معظم اليتامى في دور الأطفال في السعودية هم لقطاء، وأنا أعرف ومقتنعة أن الطفل لا ذنب له، ولكني أفكر في مستقبل الطفل وكيف يكون شعوره عندما نخبره بأنه كان طفلاً لقيطاً، وكيف يكون تعامل الناس معه والزواج ومثل هذه الأمور، أعرف أنه وهو طفل لن يكون هناك مشاكل بإذن الله لأننا سنحسن معاملته بما يرضي الله، ولكن أفكر في مستقبله؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: نسأل الله تعالى أن يرزقكِ وزوجك الذرية الصالحة، وأن يجزيكما خير الجزاء على وقوفكما عند أحكام الشرع، وعلى اهتمامكما بالأيتام، وحب رعايتهم والعناية بهم، ونحن ندعو من يقرأ جوابنا هذا أن يخصكما بدعوة في ظهر الغيب، لعلَّ الله أن ينفعكما بها في الدنيا والآخرة. ثانياً: بخصوص تناول الحبوب التي تدر الحليب: فبالإضافة إلى تأكدكما من وجودها: نرجو التأكد من عدم ظهور أثرها في الحليب، حتى لا يكون له تأثير سيئ على من يتناوله من أولئك الأيتام. وأما من حيث الحكم الشرعي: فقد اختلف العلماء في حكم الحليب الذي يدر من امرأة غير متزوجة، أو من غير جماع وحمل، فذهب بعض العلماء إلى أنه لا ينشر المحرمية، وقال آخرون إن العبرة بوجوده، لا بوجوده من زوج، فقالوا بأنه ينشر المحرمية، وهذا هو الراجح، وهو قول الجمهور، ويكاد يتفق عليه الأئمة الأربعة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀: " ولو قدر أن هذا اللبن ثاب لامرأة لم تتزوج قط: فهذا ينشر الحرمة في مذهب أبى حنيفة، ومالك، والشافعي، وهي رواية عن أحمد، وظاهر مذهبه: أنه لا ينشر الحرمة " انتهى. "مجموع الفتاوى" (٣٤ /٥١) . وقال ابن قدامة – ﵀: " وإن ثاب لامرأة لبن من غير وطء، فأرضعت به طفلاً: نشر الحرمة في أظهر الروايتين، وهو قول ابن حامد، ومذهب مالك، والثوري، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وكل من يحفظ عنه ابنُ المنذر؛ لقول الله تعالى: (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم) ؛ ولأنه لبن امرأة فتعلق به التحريم، كما لو ثاب بوطء؛ ولأن ألبان النساء خلقت لغذاء الأطفال، فإن كان هذا نادراً: فجنسه معتاد. والرواية الثانية: لا تنشر الحرمة؛ لأنه نادر، لم تجر العادة به لتغذية الأطفال فأشبه لبن الرجال. والأول: أصح " انتهى. "المغني" (٩ /٢٠٧) . وقال الماوردي الشافعي – ﵀: " لبن النساء مخلوق للاغتذاء، وليس جماع الرجل شرطاً فيه، وإن كان سبباً لنزوله في الأغلب، فصار كالبكر إذا نزل لها لبن فأرضعت به طفلاً: انتشرت به حرمة الرضاع، وإن كان من غير جماع " انتهى. "الحاوي في فقه الشافعي" (١١/٤١٣) . وينبغي التنبيه على أمرين مهمين في هذا الباب: الأول: أن يكون الطفل الرضيع دون السنتين، فإن كان عمره أكثر من ذلك: لم ينشر لبن المرأة التحريم. الثاني: أن يرتضع خمس رضعات مشبعات، فإن ارتضع أقل من ذلك: لم يصر ولداً في الرضاع لمن أرضعته. عن عائشة أنها قالت: (كان فيما أُنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرِّمن، ثم نُسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ وهنَّ فيما يُقرأ من القرآن) رواه مسلم (١٤٥٢) . وانظر أدلة هذين الأمرين، وبعض تفاصيل مهمة في جوابي السؤالين: (٨٠٤) و (٤٠٢٢٦) . ثالثاً: أما لفظ " العرق دسَّاس ": فقد جاء في روايات، لكنها بين ضعيف جدّاً، وموضوع، ومنها: ١. (أقلَّ من الدَّيْن تعش حرّاً، وأقلَّ من الذنوب يهن عليك الموت، وانظر في أي نصاب تضع ولدك؛ فإن العِرق دسَّاس) . وهو حديث ضعيف جدّاً، انظر "السلسلة الضعيفة" للألباني (٢٠٢٣) . ٢. (تزوجوا في الحجر الصالح؛ فإن العرق دساس) . وهو حديث موضوع، انظر "السلسلة الضعيفة" (٣٤٠١) . وأما معنى الحديث: فباطل كذلك، وهو أنه إن كان ثمة خبث وسوء في أصول الزوجة فإنه قد يسري ذلك في الفروع! ، وهذا ليس على إطلاقه، والحديث ليس صحيحاً أصلاً. رابعاً: تربية الأيتام والقيام على العناية بهم من أجلّ الأعمال، ونحن نعلم حاجة الطفل اللقيط ليكون جزءاً من المجتمع بعد أن يكبر، ولا يتأثر سلباً بسبب حاله، لكن هذا لا يجيز أن يُنسب لشخص بعينه، ويدخل في أسرة حاملاً اسمها؛ لأن في هذا اختلاطاً في الأنساب، وتحريم ما أحل الله، وإباحة ما حرَّم الله، ويمكن أن تعطيه الدولة اسماً عامّاً لا يرجع لشخص بعينه، ويتربى عندكم على أنه ابنكم في الرضاعة، ويمكن التورية عليه بأن أهله حصل لهم " حادث " – مثلاً – وبقي وحيداً، أو ما يشبه ذلك من الأسباب والتي تختلف من بلد لآخر، ومن بيئة لأخرى. وتجدون تفصيل هذه المسألة في أجوبة الأسئلة: (١٠٠١٤٧) و (١٠٠١٠) و (٤٦٩٦) و (٥٢٠١) و (٩٥٢١٦) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13076

الأعمال الصالحة [السُّؤَالُ] ـ[ما هي الأعمال الصالحات؟ أعرف بعضها ولكنني لا أظن بأنني أعرفها كلها.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الأعمال الصالحة هي ما كانت موافقة للشرع، ويكون صاحبها مُخلصاً لربه ﵎، وقد عرف شيخ الإسلام العبادة بأنها: " اسم جامعٌ لكل ما يحبه ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرو والباطنة "، وهي متنوعة وكثيرة، ولا يمكننا حصرها فضلاً عن تعدادها، لكننا نذكر منها: ١. الإيمان بالله ويشمل: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقَدَر خيره وشرِّه. ٢. والصلاة لوقتها وهي خمس صلوات فرضهن الله في اليوم والليلة، وقد أجمع الصحابة ﵃ على كفر من تركها. ولا يحل تأخيرها عن أوقاتها، ويجب أداء أركانها وواجباتها، وأن يصلِّي المسلم كما صلَّى النبي ﷺ . ٣. وحج مبرور. والحج المبرور معناه: أ- أن يكون من مالٍ حلال. ب- أن يبتعد عن الفسق والإثم والجدال فيه. ج- أن يأتي بالمناسك وفق السنَّة النبويَّة. د- أن لا يرائي بحجه، بل يخلص فيه لربه. هـ- أن لا يعقبه بمعصية أو إثم. ٤. بر الوالدين وهو طاعتهما في طاعة الله تعالى، ولا يجوز طاعتهما في معصية، ومن البرِّ بهما عدم رفع الصوت عليهما، ولا إيذاؤهما بكلام قبيح. ومن البرِّ بهما الإنفاق عليهما، والقيام على خدمتهما. ٥. الجهاد في سبيل الله وقد شرع الله تعالى الجهاد لإقامة التوحيد، ونشر الإسلام في الأرض، وقد أعدَّ الله تعالى للمجاهدين في سبيله أجراً عظيماً. ٦. الحب في الله والبغض في الله وهو أن يحبَّ المسلمُ أخاه المسلم لله تعالى لا للونه ولا لجنسه ولا لماله، بل لطاعته لربه ولقربه منه تعالى. كما أنه يبغض العاصي لأنه عصى الله تعالى. ٧. قراءة القرآن سواء كان ذلك في حزبه اليومي أو في صلاته بالليل. ٨. المداومة على الطاعات وإن قلَّت وقد كان النبي ﷺ يحب الأعمال الدائمة ولو كانت قليلة، وقليل دائم خير من كثيرٍ منقطع. ٩. أداء الأمانة وهي من الواجبات ومن أفضل الأعمال، وقد عُلم في الشرع أن المنافق هو الذي يخون الأمانة ولا يؤديها لأهلها. ١٠. العفو عن الناس وهو التنازل عن الحق الشخصي، والعفو عن الظالم إن كان ذلك العفو يصلحه، أو أنه تاب وندم على ظلمه، وقد قال النبي ﷺ " ما ازداد عبدٌ بعفوٍ إلا عزّاً " رواه مسلم (٢٥٨٨) ١١. الصدق في الحديث وقد قال النبي ﷺ : " ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صِدِّيقاً "، والصدق منجاة لصاحبه، وهو خلق عظيم تخلَّق به الأنبياء وأتباعهم بحقٍّ " رواه مسلم (٢٦٠٧) ١٢. النفقة في سبيل الله وتشمل النفقة في الجهاد، وعلى الوالدين والفقراء والمساكين والمحتاجين، وفي بناء المساجد، وفي طباعة المصاحف والكتب الإسلاميَّة، والنفقة على الأهل والأولاد. ١٣. أن يسلم المسلمون من لسانه ويده. وذلك بالكف عن الغيبة والنميمة والقذف والسب واللعن، وكذا الكف عن البطش والضرب لمن لا يستحق. ١٤. إطعام الطعام ويشمل إطعام الإنسان والبهائم. ١٥. إفشاء السلام على من عرفت ومن لم تعرف إلا من ورد النص بالمنع من ابتدائه بالسلام وهم الكفار. ١٦. تعين ضائعاً أو تصنع لأخرق. والضائع هو ذو الحاجة من فقر أو عيال، والأخرق هو الجاهل الذي لا صنعة له. ١٧. تدع الناس من الشر فإنها صدقة تصدق بها على نفسك. وغير ذلك كثير. . . وإليك هذا الحديث في تعداد بعض الأعمال الصالحة: روى البيهقي عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله ماذا ينجي العبد من النار؟ قال: الإيمان بالله. قلت: يا رسول الله إن مع الإيمان عملاً. قال: يرضخ مما رزقه الله [ومعنى الرضخ هو العطاء] . قلت: يا رسول الله أرأيت إن كان فقيراً لا يجد ما يرضخ به؟ قال: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. قلت: يا رسول الله، أرأيت إن كان لا يستطيع أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ قال: يصنع لأخرق. [وهو الجاهل الذي لا صنعة له يكتسب منها] . قلت: أرأيت إن كان أخرق لا يستطيع أن يصنع شيئاً؟ قال: يعين مظلوماً. قلت: أرأيت إن كان ضعيفاً لا يستطيع أن يعين مظلوماً؟ قال: ما تريد أن تترك في صاحبك من خير؟ ! ليمسك أذاه عن الناس. فقلت: يا رسول الله إذا فعل ذلك دخل الجنة؟ قال: ما من مؤمن يطلب خصلة من هذه الخصال إلا أخذت بيده حتى تدخله الجنة. صححه الألباني في الترغيب (٨٧٦) . والله الموفق. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13077

من مات شهيدا في سبيل الله يأمن سؤال القبر [السُّؤَالُ] ـ[بعض المؤمنين، من الذين قاموا بأعمال جليلة، أو أصيبوا بمصائب كبيرة، يأمنون فتنة القبر وعذابه، ومن هؤلاء الشهيد: فقد روى المقدام بن معدي كرب، قال: قال رسول الله ﷺ : (للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة، ويرى مقعده في الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج ثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقربائه) رواه الترمذي وابن ماجه. وروى النسائي في سننه عن راشد بن سعد، عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ ، أن رجلا قال: يا رسول الله! ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: (كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة) وسنده صحيح. سؤالي هو: ما مدى صحة هذه الأحاديث..؟؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله المقرر في عقائد المسلمين أن الأموات يُفتَنون – أي يُسألون ويُمتحنون – في قبورهم، فقد ورد ذلك في أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ ، من أصحها وأظهرها قوله ﷺ : (مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلَّا رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي، حَتَّى الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ مِثْلَ أَوْ قَرِيبَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ. يُقَالُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أَوْ الْمُوقِنُ فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا، هُوَ مُحَمَّدٌ ثَلَاثًا. فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحًا، قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا بِهِ. وَأَمَّا الْمُنَافِقُ أَوْ الْمُرْتَابُ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ) رواه البخاري (٨٦) ومسلم (٩٠٥) يقول الإمام السيوطي ﵀: " أطبق العلماء على أن المراد بقوله: (يُفتنون) ، و (بفتنة القبر) سؤال الملكين: منكر ونكير، والأحاديث صريحة فيه، ولهذا سُمِّيَ ملكا السؤال " الفتَّانين " " انتهى. "الحاوي للفتاوي" (٢/١٧٥) ولكن جاءت أحاديث أخرى تخصص هذا الحديث، وتستثني من عموم الفتنة أناسا صدقوا الله في الدنيا، فرفع الله عنهم فتنة القبر وسؤاله. يقول الإمام القرطبي ﵀: " اعلم رحمك الله أن هذا الباب – يعني الذين يأمنون فتنة القبر - لا يعارض ما تقدم من الأبواب – يعني عموم فتنة القبر -، بل يخصها، ويبين مَن يُسأل في قبره ولا يفتن فيه ممن يجري عليه السؤال ويقاسي تلك الأهوال، وهذا كله ليس فيه مدخل للقياس، ولا مجال للنظر فيه، وإنما فيه التسليم والانقياد لقول الصادق المرسل للعباد ﷺ وعلى آله وأصحابه إلى يوم التناد " انتهى. "التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة" (ص/٤٢٣) ومن هؤلاء الذين يأمنون فتنة القبر: الشهيد. دليله: ما رواه رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا بَالُ الْمُؤْمِنِينَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ إِلَّا الشَّهِيدَ؟ قَالَ: (كَفَى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ عَلَى رَأْسِهِ فِتْنَةً) رواه النسائي (رقم/٢٠٥٣) ، وحسنه ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (٥/٧٤٣) ، وصححه الشيخ الألباني في "أحكام الجنائز" (ص/٥٠) ويدل على ذلك أيضا: الحديث الأول المذكور في السؤال: (للشهيد عن الله ست خصال..) والحديث رواه الإمام أحمد (١٦٧٣٠) والترمذي (١٦٦٣) وابن ماجة (٢٧٩٩) . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، وصححه الألباني. يقول الإمام القرطبي ﵀: " قوله ﷺ في الشهيد: (كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة) ، معناه: أنه لو كان في هؤلاء المقتولين نفاق، كان إذا التقى الزحفان وبرقت السيوف: فروا؛ لأن من شأن المنافق الفرار والروغان عند ذلك، ومن شأن المؤمن البذل والتسليم لله نفسا، وهيجان حمية الله، والتعصب له لإعلاء كلمته، فهذا قد أظهر صدق ما في ضميره، حيث برز للحرب والقتل، فلماذا يعاد عليه السؤال في القبر؟ قاله الحكيم الترمذي " انتهى. "التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة" (ص/٤٢٤) . ويقول المناوي ﵀: " (ببارقة السيوف) أي: بلمعانها. قال الراغب: البارقة: لمعان السيف. (على رأسه) يعني: الشهيد. (فتنة) : فلا يفتن في قبره، ولا يسأل، إذ لو كان فيه نفاق لفر عند التقاء الجمعين، فلما ربط نفسه لله في سبيله ظهر صدق ما في ضميره. وظاهره اختصاص ذلك بشهيد المعركة، لكن أخبار الرباط تؤذن بالتعميم " انتهى. "فيض القدير" (٥/٦) وسئل الحافظ ابن حجر الهيتمي ﵀ السؤال الآتي: هل يسأل الشهيد؟ فأجاب: " لا، كما صرح به جماعة، واستدل له القرطبي بخبر مسلم: (هل يفتن الشهيد؟ قال: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة) ، قال: ومعناه أن السؤال في القبر إنما جعل لامتان المؤمن الصادق في إيمانه من المنافق، وثبوته تحت بارقة السيوف أدل دليل على صدقه في إيمانه، وإلا لفر للكفار. قال: وإذا كان الشهيد لا يفتن فالصديق أولى لأنه أجل قدرا.ووردت أحاديث أن المرابط لا يسأل أيضا، وكذا المطعون، والصابر في بلد الطعن محتسبا ومات بغير الطاعون، كما في بذل الماعون لشيخ الإسلام ابن حجر. والله تعالى أعلم " انتهى. "الفتاوى الفقهية الكبرى" (٢/٣٠) . ويقول الشيخ ابن عثيمين ﵀: " وأما الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله فإنهم لا يسألون؛ لظهور صدق إيمانهم بجهادهم. قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) التوبة/١١١، وقال: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) آل عمران/١٦٩. وقال النبي ﷺ : (كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة) ، وإذا كان المرابط إذا مات أمن الفتان؛ لظهور صدقه؛ فهذا الذي قتل في المعركة مثله أو أولى منه؛ لأنه بذل وعرَّض رقبته لعدو الله؛ إعلاء لكلمة الله، وانتصارا لدينه، وهذا من أكبر الأدلة على صدق إيمانه " انتهى. "مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين" (٨/٤٧٧) وقد جمع الإمام القرطبي في "التذكرة لأحوال الموتى وأمور الآخرة" (ص/٤١٥-٤٢٦) طبعة دار المنهاج، وكذلك العلامة ابن القيم في كتابه " الروح " (ص/٧٩-٨٢) الأسباب المنجية من عذاب القبر وفتنة القبر بالتفصيل، فمن أراد الاطلاع عليها والتوسع فيها فليرجع إلى هذين الكتابين، وإن كان في بعض ما ذكراه توقف ونظر. وانظر جواب السؤال رقم: (١٠٤٠٣) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13078

سكرات الموت هل تخفف من الذنوب [السُّؤَالُ] ـ[صعوبة سكرات الموت هل تخفف من الذنوب، وكذلك المرض هل يخفف من الذنوب نرجو الإفادة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله نعم كل ما يصيب الإنسان من مرض أو شدة أو همّ أو غمّ حتى الشوكة تصيبه فإنها كفارة لذنوبه، ثم إن صبر واحتسب كان له مع التكفير أجر ذلك الصبر الذي قابل به هذه المصيبة التي لحقت به، ولا فرق في ذلك بينما يكون عند الموت وما يكون قبله، فالمصائب كفارات للذنوب بالنسبة للمؤمن ويدل على هذا قوله تعالى: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) الشورى/٣٠ فإذا كان ذلك بما كسبت أيدينا دل هذا على أنها مكفرة لما عملناه منها وكسبناه وكذلك أخبر النبي ﵊ بأنه لا يصيب المؤمن هم ولا غم ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها عنه. [الْمَصْدَرُ] الشيخ ابن عثيمين في الفتاوى الجامعة للمرأة المسلمة ج/٣ ص ١١٣٨

стр. 13079

ما ورد في فضل ميتة الغرق [السُّؤَالُ] ـ[هل صحيح بأن الغارق في البحر يقبض روحه الله تعالى، وتسقط جميع ديونه بذلك؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ميتة الغرق شهادة، فقد قال رسول الله ﷺ : (الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِيقُ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) رواه البخاري (٢٨٢٩) ومسلم (١٩١٤) فيرجى لمن مات غريقا في سفر طاعة أن يكتب الله له أجر الشهادة. لكن، ليعلم ـ أولا ـ أن هؤلاء الشهداء ليسوا على مرتبة واحدة في الأجر. قال الحافظ ابن حجر ﵀: " والذي يظهر أن المذكورين ليسوا في المرتبة سواء، ويدل عليه ما روى أحمد وابن حبان في صحيحه من حديث جابر، والدارمي وأحمد والطحاوي من حديث عبد الله بن جحش، وابن ماجه من حديث عمرو بن عتبة: أن النبي ﷺ ، سئل أي الجهاد أفضل؟ قال: من عقر جواده وأهريق دمه. وروى الحسن بن علي الجلواني في (كتاب المعرفة) له بإسناد حسن من حديث ابن أبي طالب قال: " كل موتة يموت بها المسلم فهو شهيد غير أن الشهادة تتفاضل " انتهى. "فتح الباري" (٦/٤٤) وليس من أجر الشهادة العفو عن حقوق العباد، فهذه لا تسقط إلا بعفو أصحابها، وقد قال رسول الله ﷺ في شهيد المعركة: (يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْنَ) رواه مسلم (١٨٨٦) . فإذا كان الشهيد حقا، في الدنيا والآخرة، لا يغفر له الدين، فمن باب أولى ألا يغفر لشهيد الغرق ديونه، وهو أقل درجة من الشهيد في سبيل الله، وفي هذا تحذير شديد من خطورة أمر الدين على المسلم في الآخرة. وانظر جواب السؤال رقم: (٣٠٩٥) ، (٣٦٨٣٠) وأما أن الله تعالى هو الذي يقبض روحه، فهذا لا أصل له، بل هو باطل مخالف لما دل عليه الكتاب والسنة من أن ملك الموت، وأعوانه من الملائكة، هم الموكلون بقبض أرواح العباد. قال الله تعالى: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) السجدة /١١ وقال تعالى: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ) الأنعام /٦١ قال ابن عباس وغيره: " لملك الموت أعوان من الملائكة، يخرجون الروح من الجسد، فيقبضها ملك الموت إذا انتهت إلى الحلقوم " اهـ تفسير ابن كثير (٣/٢٦٧) . ولفظ الآية عام (إذا جاء أحدكم) ، لم يصح شيء في خروج أحد من عمومه، بل أدلة الكتاب والسنة موافقة له، غير مخالفة. والأحاديث في قبض الملك الموت أرواح العباد كثيرة معروفة. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13080

يسأل عن فضل العشر من ذي الحجة [السُّؤَالُ] ـ[هل للأيام العشر الأوائل من شهر ذي الحجة فضل على غيرها من سائر الأيام؟ وما هي الأعمال الصالحة التي يستحب الإكثار منها في هذه العشر؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله من مواسم الطّاعة العظيمة العشر الأول من ذي الحجة، التي فضّلها الله تعالى على سائر أيام العام؛ فعن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله منه في هذه الأيام العشر. قالوا ولا الجهاد في سبيل الله!! قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء) أخرجه البخاري ٢/٤٥٧. وعنه أيضا،ً ﵄، عن النبي ﷺ قال: (ما من عمل أزكى عند الله ، ولا أعظم أجراً من خير يعمله في عشر الأضحى. قيل: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله ، إلا رجل خرج بنفسه وماله، فلم يرجع من ذلك بشيء) رواه الدارمي ١/٣٥٧ وإسناده حسن كما في الإرواء ٣/٣٩٨. فهذه النصوص وغيرها تدلّ على أنّ هذه العشر أفضل من سائر أيام السنة من غير استثناء شيء منها، حتى العشر الأواخر من رمضان. ولكنّ ليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة، لاشتمالها على ليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر. انظر تفسير ابن كثير ٥/٤١٢ فينبغي على المسلم أن يستفتح هذه العشر بتوبة نصوح إلى الله، ، ثم يستكثر من الأعمال الصالحة، عموما، ثم تتأكد عنايته بالأعمال التالية: ١- الصيام فيسن للمسلم أن يصوم تسع ذي الحجة. لأن النبي ﷺ حث على العمل الصالح في أيام العشر، والصيام من أفضل الأعمال. وقد اصطفاه الله تعالى لنفسه كما في الحديث القدسي: " قال الله: كل عمل بني آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به " أخرجه البخاري ١٨٠٥ وقد كان النبي ﷺ يصوم تسع ذي الحجة. فعن هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي ﷺ قالت: كان النبي ﷺ يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر. أول اثنين من الشهر وخميسين " أخرجه النسائي ٤/٢٠٥ وأبو داود وصححه الألباني في صحيح أبي داود ٢/٤٦٢. ٢- الإكثار من التحميد والتهليل والتكبير: فيسن التكبير والتحميد والتهليل والتسبيح أيام العشر. والجهر بذلك في المساجد والمنازل والطرقات وكل موضع يجوز فيه ذكر الله إظهاراً للعبادة، وإعلاناً بتعظيم الله تعالى. ويجهر به الرجال وتخفيه المرأة قال الله تعالى: (ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام) الحج/٢٨. والجمهور على أن الأيام المعلومات هي أيام العشر لما ورد عن ابن عباس ﵄: (الأيام المعلومات: أيام العشر) وعن عبد الله بن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: (ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد) أخرجه احمد ٧/٢٢٤ وصحّح إسناده أحمد شاكر. وصفة التكبير: الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد، وهناك صفات أخرى. والتكبير في هذا الزمان صار من السنن المهجورة ولاسيما في أول العشر فلا تكاد تسمعه إلا من القليل، فينبغي الجهر به إحياء للسنة وتذكيراً للغافلين، وقد ثبت أن ابن عمر وأبا هريرة ﵄ كانا يخرجان إلى السوق أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما، والمراد أن الناس يتذكرون التكبير فيكبر كل واحد بمفرده وليس المراد التكبير الجماعي بصوت واحد فإن هذا غير مشروع. إن إحياء ما اندثر من السنن أو كاد فيه ثواب عظيم دل عليه قوله ﷺ : (من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً) أخرجه الترمذي ٧/٤٤٣ وهو حديث حسن لشواهده. ٣- أداء الحج والعمرة: إن من أفضل ما يعمل في هذه العشر حج بيت الله الحرام، فمن وفقه الله تعالى لحج بيته وقام بأداء نسكه على الوجه المطلوب فله نصيب - إن شاء الله - من قول رسول الله ﷺ : (الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) . ٤- الأضحية: ومن الأعمال الصالحة في هذا العشر التقرب إلى الله تعالى بذبح الأضاحي واستسمانها واستحسانها وبذل المال في سبيل الله تعالى. فلنبادر باغتنام تلك الأيام الفاضلة، قبل أن يندم المفرّط على ما فعل، وقبل أن يسأل الرّجعة فلا يُجاب إلى ما سأل. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13081

تريد نصيحة لزوجها كي يحفظ القرآن الكريم [السُّؤَالُ] ـ[زوجي يتهاون في حفظ القرآن، ودائما أنبهه وأكثر الكلام في هذا الموضوع، أريد منكم نصيحة لزوجي؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله حفظ القرآن الكريم أعظم ما يفني المرء فيه عمره، وأولى ما يقضي فيه دهره، إذ هو كلام الله تعالى، رب الأرض والسماوات، وخالق كل شيء سبحانه. روى البخاري في صحيحه (٥٠٢٧) عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عُثْمَانَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ) . وَأَقْرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي إِمْرَةِ عُثْمَانَ، حَتَّى كَانَ الْحَجَّاجُ، قَالَ: وَذَاكَ الَّذِي أَقْعَدَنِي مَقْعَدِي هَذَا. ورغم أن حفظ القرآن الكريم هو فضل من الله به علينا، ولكنه سبحانه لكرمه وجوده منحنا عليه أيضا الأجر الجزيل، والثواب العظيم، فكتب لنا فيه بكل حرف حسنة، وجعله سببا للترقي في درجات الجنة في الآخرة، بل يأتي يوم القيامة القرآن الكريم شفيعا لصاحبه، ويلبس به حلة الكرامة وتاج الكرامة. ينظر ذلك كله في جواب السؤال رقم: (١٤٠٣٥) ، فأي فضل فوق هذا الفضل؟! وماذا ينتظر المؤمن من الوعد كي يقبل على الاجتهاد والعمل؟ أوليست هي مكارم الله تعالى لنا، وهباته التي منحنا إياها كي نتقرب منه، وننال الدرجات العلى من الجنة؟! والأمر أيسر مما نظن، فالمهم هو المحافظة على ورد يومي معتدل من الحفظ والمراجعة، وليكن هذا الورد بعد صلاة الفجر، كي يبدأ المسلم يومه بأهم عمل يقدمه ابن آدم بين يديه، ويصادف ذلك وقت نشاطه واجتهاده. فإن تعذر أن يكون وردا يوميا فليكن يوما بعد يوم، ولتكن الغاية من هذا الورد هي التزود بما يمكن من بركة وفضل كلام الله ، وليس الاستكثار من الحفظ استكثارا مجردا عن استشعار عظمة كلام الرب سبحانه. ولنتذكر جميعا أن القرآن الكريم هو أنيس صاحبه في قبره، فلطالما شغل القرآن حافظه في الدنيا، وأجهده في تثبيته ومراجعته، وحرمه من مجالسة أصحابه وأحبابه، ولذلك جعل الله جزاءه من جنس عمله، فيكون أنيسه وجليسه في قبره، بل تشفع عنه سورة واحدة وتنجيه من عذاب القبر، وهي سورة تبارك. انظر جواب السؤال رقم: (٢٦٢٤٠) . وأخيرا وصيتنا لزوجك أن يحمد الله تعالى أن يسر له زوجة صالحة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر وتحب له الخير والسعادة في الدنيا والآخرة، والواجب عليه أن يتعاون معها على طاعة الله تعالى وعبادته، بل ويكون هو الحافز والمشجع على المسابقة إلى الخيرات. نسأل الله تعالى لكم التوفيق والسداد. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13082

من مات مرابطا في سبيل الله يأمن سؤال القبر [السُّؤَالُ] ـ[بعض المؤمنين من الذين قاموا بأعمال جليلة، أو أصيبوا بمصائب كبيرة، يأمنون فتنة القبر وعذابه، ومن هؤلاء، الذي مات مرابطا في سبيل الله: فقد روى فضالة بن عبيد ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (كل ميت يختم على عمله، إلا الذي مات مرابطا في سبيل الله، فإنه ينمى له عمله يوم القيامة، ويأمن فتنة القبر) رواه الترمذي وأبو داود. سؤالي هو: ما مدى صحة هذه الأحاديث؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ورد في فضل من مات مرابطا في سبيل الله أنه يأمن فتنة القبر، وذلك يعني أنه لا يُسأل في قبره الأسئلة المعروفة الواردة في أحاديث فتنة القبر: من ربك؟ وما هو دينك؟ ومن هو النبي الذي بعث فيكم؟ وإنما تشهد له مرابطته وجهاده في سبيل الله على صدقه ويقينه وإيمانه، والمرابط في سبيل الله هو من أقام في الثغور التي يخاف فيها من هجمات العدو، مأخوذ من ربط الخيل، ثم سمي كل ملازم لثغر مرابطا، فارسا كان أو راجلا. انظر "التذكرة" للقرطبي (ص/٤١٨) . والدليل على فضل الرباط في سبيل أحاديث عن النبي ﷺ ، منها: الحديث الأول: عَنْ سَلْمَانَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ) رواه مسلم (١٩١٣) . قال النووي ﵀: " هذه فضيلة ظاهرة للمرابط، وجريان عمله عليه بعد موته فضيلة مختصة به لا يشاركه فيها أحد، وقد جاء صريحا في غير مسلم: (كل ميت يختم على عمله الا المرابط فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة) . قوله ﷺ : " وأجرى عليه رزقه " موافق لقول الله تعالى في الشهداء: (أحياء عند ربهم يرزقون) ، والأحاديث السابقة أن أرواح الشهداء تأكل من ثمار الجنة. قوله ﷺ : " أمن الفتان " ضبطوا (أمن) بوجهين: أحدهما أَمِن بفتح الهمزة وكسر الميم من غير واو، والثاني: (أُومِن) بضم الهمزة وبواو. وقوله " الفتان " فقال القاضي: رواية الأكثرين بضم الفاء، جمع فاتن، قال: ورواية الطبري بالفتح، وفي رواية أبى داود في سننه (أومن من فتاني القبر) " انتهى. "شرح مسلم" (١٣/٦١) . وقال المناوي ﵀: " (من فتان القبر) أي: فتانَيْه: منكر ونكير، أي: لا يأتيانه، ولا يختبرانه، بل يكتفى بموته مرابطا شاهدا على صحة إيمانه " انتهى. "فيض القدير" (٥/٤٤) . الحديث الثاني: عن فَضَالَةَ بْنُ عُبَيْدٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ، إِلَاّ الَّذِي مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللهِ، فَإِنَّهُ يُنْمَى لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَيَأْمَنُ مِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ) رواه الترمذي (١٦٢١) وغيره، وقال الترمذي ﵀: حسن صحيح، وصححه ابن العربي في "عارضة الأحوذي" (٤/١١٣) ، وابن دقيق العيد في "الاقتراح" (ص/١٢٤) ، وابن حجر في "فتح الباري" (١٢/٤٢١) ، والشيخ الألباني في "صحيح الترمذي". قال الإمام السرخسي ﵀: " ومعنى هذا الوعد في حق من مات مرابطا - والله أعلم - أنه في حياته كان يُؤمِّن المسلمين بعمله، فيجازَى في قبره بالأمن مما يخاف منه. أو لَمَّا اختار في حياته المقام في أرض الخوف والوحشة لإعزاز الدين، يُجازَى بدفع الخوف والوحشة عنه في القبر " انتهى. "شرح السير الكبير" (١/٩) . وقد جمع الإمام القرطبي في "التذكرة لأحوال الموتى وأمور الآخرة" (ص/٤١٥-٤٢٦) طبعة دار المنهاج، وكذلك العلامة ابن القيم في كتابه " الروح " (ص/٧٩-٨٢) جميع الأسباب المنجية من عذاب القبر وفتنة القبر بالتفصيل، فمن أراد الاطلاع عليها والتوسع فيها فليرجع إلى هذين الكتابين. وانظر جواب السؤال رقم: (١٠٤٠٣) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13083

منزلة الفقيه أعلى من منزلة راوي الحديث وفي كل خير [السُّؤَالُ] ـ[هل منزلة الفقيه أعلى من منزلة راوي الحديث؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الفقيه هو المجتهد الذي يستنبط الأحكام الشرعية، ويوضح مقررات الشريعة، ويشرح للناس أحكام دينهم، فدائرة حديثه مقاصد الدين، ومحكمات القرآن المبين، وتحقيق الفهم الصحيح لما يريده الله من العباد. وهذا عمل لا يقوم به إلا أفراد الناس والقلائل منهم، لما يقتضيه من اطلاع واسع على النصوص، وممارسة طويلة لكلام أهل العلم، وذكاء في دراسة الواقع وتنزيل الأحكام الشرعية عليه. أما راوي الحديث: فهو ناقل لما سمع من السنة النبوية، يؤدي ما تحمله بكل صدق وأمانة، ويعتني بتبليغ الحديث كما بلغ إليه بأي طريقة كانت، ولا يتكلف عناء شرح الحديث أو استنباط الأحكام الشرعية منه، ومعرفة الناسخ والمنسوخ والعام والخاص والمطلق والمقيد، وإنما يقتصر دوره على الأداء والرواية. وهذا عمل يتطلب الدقة والعناية النقلية، ولا يقتضي نظرا فقهيا ولا عناية أصولية. وقد وصف الإمام الأعمش ﵀ عملَ كلٍّ مِن الفقيه وراوي الحديث بوصف دقيق فقال: " يا معشر الفقهاء أنتم الأطباء ونحن الصيادلة " انتهى. "نصيحة أهل الحديث للخطيب البغدادي" (١/٤٥) . ولا يخفى أن عمل كُلٍّ من الطبيب والصيدلي عمل متكامل، لا يستغني أحدهما عن الآخر، فكان لكل منهما من الفضل والتأثير القدر البالغ من الأهمية، وبذلك جاءت الشريعة أيضا تقر لكل من الفقيه والراوي بالفضل والأجر عند الله تعالى، مع مزيد فضل للفقيه (الطبيب) الذي يعتني بالفهم والاستنباط. وقد استنبط بعض أهل العلم هذا التقرير من قوله ﷺ : (نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ) رواه أبو داود (٣٦٦٠) قال الرامهرمزي (ت ٣٦٠هـ) ﵀: " ففرَّق النبي ﷺ بين ناقل السنة وواعيها، ودل على فضل الواعي بقوله: (فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه غير فقيه) وبوجوب الفضل لأحدهما يثبت الفضل للآخر، مثال ذلك أن تمثل بين مالك بن أنس وعبيد الله العمري، وبين الشافعي وعبد الرحمن بن مهدي، وبين أبي ثور وابن أبي شيبة، فإن الحق يقودك إلى أن تقضي لكل واحد منهم بالفضل، وهذا طريق الإنصاف لمن سلكه، وعلم الحق لمن أمه ولم يتعده " انتهى. "المحدث الفاصل" (١/١٦٩-١٧٠) . وأما من جمع بين الحسنيين، فوعى مقالة النبي ﷺ ، وحفظ ما جاء به من العلم، وتفقه في معانيه، فانتفع به في نفسه، ونفع به الناس، فهؤلاء خير أصناف الناس قاطبة. عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتْ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتْ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتْ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسَقَوْا وَرَعَوْا، وَأَصَابَ طَائِفَةً مِنْهَا أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ، لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً. فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ بِمَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ) رواه البخاري (٧٩) ، ومسلم (٢٢٨٢) . الغيث: المطر. الأجادب: الأرض التي لا تنبت كلأ. القيعان: جمع القاع وهو الأرض التي لا نبات فيها. يقول الإمام النووي ﵀: " أما معاني الحديث ومقصوده فهو تمثيل الهدى الذي جاء به ﷺ بالغيث، ومعناه أن الأرض ثلاثة أنواع، وكذلك الناس: فالنوع الأول من الأرض ينتفع بالمطر، فيحيى بعد أن كان ميتا، وينبت الكلأ فتنتفع بها الناس والدواب والزرع وغيرها، وكذا النوع الأول من الناس يبلغه الهدى والعلم فيحفظه فيحيا قلبه ويعمل به ويعلمه غيره فينتفع وينفع. والنوع الثاني من الأرض ما لا تقبل الانتفاع في نفسها، لكن فيها فائدة، وهي إمساك الماء لغيرها، فينتفع بها الناس والدواب، وكذا النوع الثاني من الناس، لهم قلوب حافظة لكن ليست لهم أفهام ثاقبة، ولا رسوخ لهم في العقل يستنبطون به المعاني والأحكام، وليس عندهم اجتهاد في الطاعة والعمل به، فهم يحفظونه حتى يأتي طالب محتاج متعطش لما عندهم من العلم أهل للنفع والانتفاع فيأخذه منهم فينتفع به، فهؤلاء نفعوا بما بلغهم. والنوع الثالث من الأرض السباخ التي لا تنبت، ونحوها، فهي لا تنتفع بالماء، ولا تمسكه لينتفع بها غيرها، وكذا النوع الثالث من الناس، ليست لهم قلوب حافظة، ولا أفهام واعية، فإذا سمعوا العلم لا ينتفعون به ولا يحفظونه لنفع غيرهم " انتهى. "شرح مسلم" (١٥/٤٧-٤٨) . وقال ابن القيم ﵀: " شبه ﷺ العلم والهدى الذي جاء به بالغيث، لما يحصل بكل واحد منهما من الحياة والنافع والأغذية والأدوية وسائر مصالح العباد، فإنها بالعلم والمطر. وشبه القلوب بالأراضي التي وقع عليها المطر، لأنها المحل الذي يمسك الماء، فينبت سائر أنواع النبات النافع، كما أن القلوب تعي العلم فيثمر فيها ويزكو وتظهر بركته وثمرته. ثم قسم الناس إلى ثلاثة أقسام، بحسب قبولهم واستعدادهم لحفظه وفهم معانيه واستنباط أحكامه واستخراج حكمه وفوائده: أحدها: أهل الحفظ والفهم الذين حفظوه وعقلوه وفهموا معانيه، واستنبطوا وجوه الأحكام والحكم والفوائد منه؛ فهؤلاء بمنزلة الأرض التي قبلت الماء، وهذا بمنزلة الحفظ، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وهذا هو الفهم فيه والمعرفة والاستنباط ... فهذا مثل الحفاظ الفقهاء، أهل الرواية والدراية. القسم الثاني: أهل الحفظ الذين رُزِقوا حفظه ونقله وضبطه، ولم يرزقوا تفقها في معانيه ولا استنباطا ولا استخراجا لوجوه الحكم والفوائد منه، فهم بمنزلة من يقرأ القرآن ويحفظه، ويراعي حروفه وإعرابه، ولم يرزق فيه فهما خاصا عن الله، كما قال على بن أبي طالب ﵁: (إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه) . والناس متفاوتون في الفهم عن الله ورسوله أعظم تفاوت، فرب شخص يفهم من النص حكما أو حكمين، ويفهم منه الآخر مائة أو مائتين، فهؤلاء بمنزلة الأرض التي أمسكت الماء للناس فانتفعوا به، هذا يشرب منه وهذا يسقى وهذا يزرع. فهؤلاء القسمان هم السعداء، والأولون أرفع درجة وأعلى قدرا، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. القسم الثالث: الذين لا نصيب لهم منه، لا حفظا ولا فهما، ولا رواية ولا دراية؛ بل هم بمنزلة الأرض التي هي قيعان، لا تنبت ولا تمسك الماء. وهؤلاء هم الأشقياء، والقسمان الأولان اشتركا في العلم والتعليم، كل بحسب ما قبله ووصل إليه، فهذا يعلم ألفاظ القرآن ويحفظها، وهذا يعلم معانيه وأحكامه وعلومه، والقسم الثالث لا علم ولا تعليم، فهم الذين لم يرفعوا بهدى الله رأسا ولم يقبلوه، وهؤلاء شر من الأنعام، وهم وقود النار. فقد اشتمل هذا الحديث الشريف العظيم على التنبيه على شرف العلم والتعليم وعظم موقعه، وشقاء من ليس من أهله، وذكر أقسام بني آدم بالنسبة فيه إلى شقيهم وسعيدهم، وتقسم سعيدهم إلى سابق مقرب وصاحب يمين مقتصد. وفيه دلالة على أن حاجة العباد إلى العلم كحاجتهم إلى المطر، بل أعظم، وأنهم إذا فقدوا العلم فهم بمنزلة الأرض التي فقدت الغيث. قال الإمام أحمد: الناس محتاجون إلى العلم أكثر من حاجتهم إلى الطعام والشراب لأن الطعام والشراب يحتاج إليه في اليوم مرة أو مرتين، والعلم يحتاج إليه بعدد الأنفاس " انتهى. "مفتاح دار السعادة" (١/٦٥-٦٦) . فيا أيها الأخ الكريم، أين أنت من ذلك كله، ومن أي أنواع الأرض ـ يا ترى ـ طينتك، أمن التي انتفعت في نفسها، ونفعت الناس، فحفظت وتفقهت، وعملت وعلّمت؟ أمن التي حفظت لغيرها حتى انتفع، والدال على الخير كفاعله؟ إننا نعيذك بالله، ونكرمك عن أن تكون طينتك من الأرض السباخ، فلا أمسكت ولا أنبتت، ولا حفظت ولا تفقهت، ثم هي تقيم نفسها مقام الحكم بين الفريقين!! انظر في همتك ـ يا عبد الله ـ ووطنها على معالي الأمور، واطلب لها الحفظ والفقه، فإن عجزت عن بعض ذلك، فليس أقل من أن تكون دالا على الخير، حافظا لما أمرت به. قد رشَّحوك لأمرٍ إنْ فطِنتَ لهُ فاربأْ بنفسكَ أن ترعى مع الهَمَلِ والله أعلم. [الْمَصْدَرُ]

стр. 13084

هل يلزم البقاء في مكان صلاة الفجر كي يدرك الفضيلة ؟ [السُّؤَالُ] ـ[من صلى الفجر ثم بدل المكان الذى صلى فيه، وقعد يذكر الله، هل يجوز أم أن عليه أن يبقى في مكانه؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله روى الترمذي (٥٨٦) عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (مَنْ صَلَّى الغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ) ، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" برقم (٣٤٠٣) . والذي يظهر أن هذا الثواب لا يشترط لحصوله بقاء المصلي في المكان الذي صلى فيه، فما دام في المسجد يذكر الله تعالى فإنه يرجى له حصول هذا الثواب، ويدل على ذلك: إطلاق الحديث: (مَنْ صَلَّى الغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ، ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ) ، فلم يشترط النبي ﷺ بقاءه في المكان الذي صلى فيه، فلو انتقل إلى مكان آخر داخل المسجد، وجلس يذكر الله تعالى، شمله الحديث، وقد نص على ذلك بعض أهل العلم. قال ابن رجب ﵀ في "فتح الباري" (٤/٥٦) : " ورد في فضل من جلس في مصلاه بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس أحاديث متعددة. وهل المراد بـ (مُصلاه) نفس الموضع الَّذِي صلى فِيهِ، أو المسجد الَّذِي صلى فِيهِ كله مصلى لَهُ؟ هَذَا فِيهِ تردد. وفي صحيح مُسْلِم عَن جابر بن سمرة، أن النَّبِيّ ﷺ كَانَ إذا صلى الفجر جلس فِي مصلاه حَتَّى تطلع الشمس حسناء. وفي رِوَايَة لَهُ: كَانَ النَّبِيّ ﷺ لا يقوم من مُصلاه الَّذِي يصلي فِيهِ الصبح أو الغداة حَتَّى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس قام. ومعلوم أَنَّهُ ﷺ لَمْ يكن جلوسه فِي الموضع الَّذِي صلى فِيهِ؛ لأنه كَانَ ينفتل إلى أصحابه عقب الصلاة ويقبل عليهم بوجهه. وخرجه الطبراني، وعنده: كَانَ إذا صلى الصبح جلس يذكر الله حَتَّى تطلع الشمس. ولفظة: (الذكر) غريبة. وفي تمام حَدِيْث جابر بْن سمرة الَّذِي خرجه مُسْلِم: وكانوا يتحدثون فيأخذون فِي أمر الجَاهِلِيَّة، فيضحكون ويتبسم. فهذا الحديث يدل على أن المراد بـ (مصلاه الذي يجلس فيه) : المسجد كله. وإلى هذا ذهب طائفة من العلماء، منهم: ابن بطة من أصحابنا وغيره " انتهى. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13085

هل يكفل الأيتام أم المسنين ؟ [السُّؤَالُ] ـ[يقول الرسول ﷺ : (أنا وكافل اليتيم كهاتين) سألت في المسجد عن المحتاجين من الأيتام وعلمت أن هناك من هم أشد فقراً وحاجةً من الأيتام: إنهم فقراء المسنين، فمنهم الذين لا يملكون قوت غدهم على الأكثر، ومنهم الذي فقد صحته وربما نظره، ولا عائل لهم، إنهم أيضا أيتام ولكن أيتام الأبناء والعائل، وحزنت على حالهم وأمنيتي جوار الرسول ﷺ ، وقلبي حزين لهؤلاء المساكين (المسنين المنسيين) خصوصاً وإن الأيتام يهتم بهم كثير من الناس، ما العمل جزاكم الله كل الخير؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله كفالة المسنين وإزالة الضرر عنهم أحد فروض الكفاية، فيجب أن يوفر لهم عيش كريم، وتجب لهم حقوق الإنسان كاملة موفرة، ولا شك أن في القيام بذلك ابتغاء مرضاة الله خيراً كثيراً، فما تنفقه من مال في سبيل رعايتهم مكتوب مضاعف إن شاء الله، قال الله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) البقرة/٢٦١. ثم إن في عملك هذا تفريجا للكرب، وتنفيساً للشدائد، وعوناً للأخ المسلم، وقد رغب رسول الله ﷺ في ذلك أيما ترغيب حين قال: (مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ) رواه مسلم (٤٨٦٧) . ولا شك أن ثواب كفالة اليتيم عظيمة، ولكن مع ذلك ينبغي للإنسان أن يقدم بصدقته من هو أشد فقراً وحاجة، وقد يكون اليتيم له مال ينفق منه، أو له من ينفق عليه من الأغنياء، فيكون غيره الذي لا مال له، ولا أحد ينفق عليه أولى بالصدقة عليه ومعاونته، ويكون أكثر ثواباً إن شاء الله من ثواب الإنفاق على اليتيم. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ – بعد ما ذكر أهل الزكاة الثمانية: "فإن قيل: أيها أولى أن تصرف فيه الزكاة من هذه الأصناف الثمانية؟ قلنا: إن الأولى من كانت الحاجة إليه أشد، لأن كل هؤلاء استحقوا الوصف، فمن كان أشد إلحاحاً وحاجة فهو أولى، والغالب أن الأشد هم الفقراء والمساكين، لهذا بدأ الله تعالى بهم فقال: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) التوبة/٦٠ " انتهى. "مجموع فتاوى ابن عثيمين" (١٨/٣٣٩) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13086

ما هو المقصود بالليلة الخاصة الواردة في سورة الدخان [السُّؤَالُ] ـ[ما هي أهمية الخامس عشر (١٥) من شعبان، هل هي الليلة التي يقرر فيها مصير كل شخص للعام المقبل؟ وما هو المقصود بالليلة الخاصة الواردة في سورة الدخان، هل هي تلك التي في شعبان، أم أنها ليلة القدر؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ليلة النصف من شعبان كغيرها من الليالي لم يثبت عن النبي ﷺ ما يدل على أن في تلك الليلة يكون تحديد مصير الأشخاص، أو أقدارهم. يراجع سؤال رقم ٨٩٠٧. أما الليلة الواردة في قول الله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٣-٤) الدخان، قال ابن جرير الطبري ﵀: واختلف أهل التأويل في تلك الليلة، أي ليلة من ليالي السنة هي. فقال بعضهم هي ليلة القدر، وعن قتادة أنها ليلة القدر، وقال آخرون هي ليلة النصف من شعبان، قال: والصواب في ذلك قول من قال: يعني بها ليلة القدر، لأن الله جل ثناؤه أخبر أن ذلك كذلك لقوله تعالى: (إنا كنا منذرين) تفسير الطبري ١١/٢٢١، وقوله تعالى: (فيها يُفرق كل أمر حكيم) : قال ابن حجر في شرحه على صحيح البخاري: وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُقَدَّرُ فِيهَا أَحْكَام تِلْكَ السَّنَة لِقَوْلِهِ تَعَالَى (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) وَبِهِ صَدَّرَ النَّوَوِيُّ كَلامَهُ فَقَالَ: قَالَ الْعُلَمَاءُ سُمِّيَتْ لَيْلَة الْقَدْر لِمَا تَكْتُبُ فِيهَا الْمَلائِكَةُ مِنْ الأَقْدَارِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) وَرَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق وَغَيْره مِنْ الْمُفَسِّرِينَ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنْ مُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَة وَقَتَادَةَ وَغَيْرهمْ , وَقَالَ التُّورْبَشْتِيُّ: إِنَّمَا جَاءَ (الْقَدْر) بِسُكُونِ الدَّال , وَإِنْ كَانَ الشَّائِعُ فِي الْقَدَرِ الَّذِي هُوَ مُؤَاخِي الْقَضَاءِ فَتْحَ الدَّالِ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ لَمْ يُرَدْ بِهِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ تَفْصِيلُ مَا جَرَى بِهِ الْقَضَاء وَإِظْهَارُهُ وَتَحْدِيدُهُ فِي تِلْكَ السَّنَة لِتَحْصِيلِ مَا يُلْقَى إِلَيْهِمْ فِيهَا مِقْدَارًا بِمِقْدَار.ِ وليلة القدر لها فضل عظيم لمن أحسن فيها العمل واجتهد في العبادة. قال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) وقد جاء في فضل هذه الليلة أحاديث كثيرة، فمنها، ما رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) رواه البخاري (الصوم/١٧٦٨) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 13087

اتصال الجن بالإنس [السُّؤَالُ] ـ[هل هناك اتصال حقيقة للإنس بالجن، وهل صحيح ما يُقال بأن هذا الشخص لبسه جن فأصبح هذا الجني يتكلم على لسانه أم لا؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "نعم، ثابت أن الجن يصرعون الإنس، ويصيبونه، والله تعالى يقول في المرابين: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ) البقرة/٢٧٥. أي: لا يقومون من قبورهم عند البعث، إلا كقيام المصروع الذي أصابه الجن وخالطوه، وذلك أن المرابي والعياذ بالله يتضخم بطنه، فإذا أراد القيام فإنه يسقط، وكلما أراد القيام يسقط فضيحة له بين الخلق، فهو يشبه المصروع الذي أصابه الجن والشياطين، وهذا دليل على إصابة الجن الإنس، وهذا شيء ثابت ومعروف بالتجربة والحس، الجن يخالطون الإنسي ويُخبلونه ويصيبونه، إما لأن الإنسي قد ضرهم وهم يريدون الانتقام منه، وإما لأنهم يعبثون به، أو لغير ذلك من الأغراض التي يريدونها. والحاصل: أن إصابة الجن للإنس بالصرع ثابت، ويدل عليه القرآن، ويدل عليه التجربة والمشاهدة ولا يُنكر هذا إلا جاهل. وأفضل وسيلة للعلاج من هذا، قراءة القرآن الكريم على المصاب ورقيته بالأدعية الواردة، ويزول ما فيه بإذن الله تعالى. وأما ما يفعله بعض المشعوذين أو الدجالين في هذا الوقت من عمل، كوصف بعض الأدعية، وبعض المشروبات، مدعين بذلك أنهم يخرجون هذا الجني من جسد الإنسان: فالأصل في هذا أنه محرم لا يجوز العلاج بمثل هذه الأمور إلا بالأدعية القرآنية، والأدعية النبوية " انتهى. "مجموع فتاوى الشيخ صالح الفوزان" (١/٥٢) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13088

أجر مرافق المريض [السُّؤَالُ] ـ[أرجو أن تساعدوني في هذه القضية , حيث إني بحثت في النت عن أدلة لفضل مرافق المريض، أو الذي يقوم بعنايته، وأريد بعض القصص، أو ما هو الأجر المنتظر لمرافق المريض.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إن من أزكى الأعمال عند الله تعالى، وأحبها إلى الرحمن، وأعلاها شرفا، وأكرمها مروءة، الإحسانَ إلى الضعيف والمريض والقيامَ على حوائجهم وشؤونهم. عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: (المُسلِمُ أَخُو المُسلِمِ لا يَظلِمُهُ وَلا يُسْلِمُه، مَن كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَن فَرَّجَ عَن مُسلِمٍ كُربَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنهُ بِهَا كُربَةً مِن كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ) رواه البخاري (٢٤٤٢) ومسلم (٢٥٨٠) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ) رواه مسلم (٢٦٩٩) . ومُرافق المريض والقائمُ على رعايته والعناية به قد أحسن إليه بخدمته ورعايته، والله تعالى يقول: (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) البقرة/١٩٥. وإعانة المريض وخدمته صدقة، فإن النبي ﷺ قال: (وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ، فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ) رواه مسلم (١٠٠٩) . وكذلك إذا أعان الرجلَ نفسَه، فحمله أو أعانه في مشيه أو نومه أو دوائه. عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: (أَنَّ رَجُلا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ وَأَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ , وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ , أَوْ تَكَشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً , أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا , أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا , وَلأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخِ فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ - يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ - شَهْرًا) رواه الطبراني (١٢ / ٤٥٣) وصححه الألباني في " صحيح الترغيب " (٩٥٥) . ولما مرضت بنت رسول الله ﷺ ، أمر النبي ﷺ زوجها عثمان بن عفان ﵁ أن يبقى عندها ليمرضها، وتخلف عن معركة بدر، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : (إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَسَهْمَهُ) رواه البخاري (٤٠٦٦) . ومرافق المريض لابد أن يتصف بالصبر، لما يتكبده من مشقة في سهره، ومراقبته وملاطفته للمريض، والله تعالى يقول: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) الزمر/١٠ ولابد أن يكون رحيماً، وقد قال النبي ﷺ : (الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا أَهْلَ الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) رواه أبو داود (٤٩٤١) والترمذي (١٩٢٤) وصححه الألباني في صحيح أبي داود. وروى ابن أبي الدنيا في "قضاء الحوائج" (ص/٤٨) عن الحسن البصري قال: (لأن أقضى لمسلم حاجة أحب إليَّ من أن أصلي ألف ركعة) . وقال ابن رجب في "لطائف المعارف" (٢٣٢) : " وكان كثير من السلف يشترط على أصحابه في السفر أن يخدمهم اغتناما لأجر ذلك، منهم عامر بن عبد قيس وعمرو بن عتبة بن فرقد مع اجتهادهما في العبادة في أنفسهما، وكذلك كان إبراهيم بن أدهم يشترط على أصحابه في السفر الخدمة والأذان، وكان رجل من الصالحين يصحب إخوانه في سفر الجهاد وغيره فيشترط عليهم أن يخدمهم، فكان إذا رأى رجلا يريد أن يغسل ثوبه قال له: هذا مِن شَرطي فيغسله، وإذا رأى مَن يريد أن يغسل رأسه قال: هذا مِن شرطي فيغسله، فلما مات نظروا في يده، فإذا فيها مكتوب: " مِن أهل الجنة " فنظروا إليها فإذا هي كتابة بين الجلد واللحم " انتهى. فهنيئا لمن وفقه الله تعالى لتقديم يد العون إلى الضعيف والمريض والمحتاج، وهنيئا لمن يبذل عمره ووقته وجهده في صنائع المعروف، ونرجو أن يعامله الله بالرحمة والعفو والرضوان. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13089

معنى أن العمرة في رمضان تعدل حجة [السُّؤَالُ] ـ[العمرة في شهر رمضان تعدل حجة، ما المقصود من ذلك، أريد شرحا مفصلا؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: روى البخاري (١٧٨٢) ومسلم (١٢٥٦) عن ابْن عَبَّاسٍ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِامْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ: (مَا مَنَعَكِ أَنْ تَحُجِّي مَعَنَا؟ قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ لَنَا إِلَّا نَاضِحَانِ [بعيران] ، فَحَجَّ أَبُو وَلَدِهَا وَابْنُهَا عَلَى نَاضِحٍ، وَتَرَكَ لَنَا نَاضِحًا نَنْضِحُ عَلَيْهِ [نسقي عليه] الأرض، قَالَ: فَإِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فَاعْتَمِرِي، فَإِنَّ عُمْرَةً فِيهِ تَعْدِلُ حَجَّةً) وفي رواية لمسلم: (حجة معي) . ثانيا: اختلف أهل العلم فيمن يُحَصِّلُ الفضيلة المذكورة في الحديث، على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن هذا الحديث خاص بالمرأة التي خاطبها النبي ﷺ ، وممن اختار هذا القول: سعيد بن جبير من التابعين، نقله عنه ابن حجر في "فتح الباري" (٣/٦٠٥) . ومما يستدل به لهذا القول ما جاء في حديث أم معقل أنها قالت: (الحج حجة، والعمرة عمرة، وقد قال هذا لي رسول الله ﷺ ، ما أدري أَلِي خاصةً. – تعني: أم للناس عامة-) رواه أبو داود (١٩٨٩) غير أن هذا اللفظ ضعيف، ضعفه الألباني في "ضعيف أبي داود". القول الثاني: أن هذه الفضيلة يحصلها من نوى الحج فعجز عنه، ثم عوضه بعمرة في رمضان، فيكون له باجتماع نية الحج مع أداء العمرة أجر حجة تامة مع النبي ﷺ . قال ابن رجب في "لطائف المعارف" (ص/٢٤٩) : " واعلم أن مَن عجز عن عملِ خيرٍ وتأسف عليه وتمنى حصوله كان شريكا لفاعله في الأجر ... – وذكر أمثلة لذلك منها -: وفات بعضَ النساءِ الحجُّ مع النبي ﷺ ، فلما قدم سألته عما يجزئ من تلك الحجة، قال: (اعتمري في رمضان، فإن عمرة في رمضان تعدل حجة أو حجة معي) " انتهى. ونحو ذلك قاله ابن كثير في التفسير (١/٥٣١) . وذكر هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية احتمالا في "مجموع الفتاوى" (٢٦/٢٩٣-٢٩٤) . القول الثالث: ما ذهب إليه أهل العلم من المذاهب الأربعة وغيرهم، أن الفضل في هذا الحديث عام لكل من اعتمر في شهر رمضان، فالعمرة فيه تعدل حجة لجميع الناس، وليس مخصوصا بأشخاص أو بأحوال. انظر: "رد المحتار" (٢/٤٧٣) ، "مواهب الجليل" (٣/٢٩) ، "المجموع" (٧/١٣٨) ، "المغني" (٣/٩١) ، "الموسوعة الفقهية" (٢/١٤٤) . والأقرب من هذه الأقوال – والله أعلم - هو القول الأخير، وأن الفضل عام لكل من اعتمر في رمضان، ويدل على ذلك: ١- ورود الحديث عن جماعة من الصحابة، فقد قال الترمذي: " وفي الباب عن ابن عباس وجابر وأبي هريرة وأنس ووهب بن خنبش "، وأكثر مروياتهم لا تذكر قصة المرأة السائلة. ٢- عمل الناس عبر العصور، من الصحابة والتابعين والعلماء والصالحين، ما زالوا يحرصون على أداء العمرة في شهر رمضان كي ينالهم الأجر. وأما تخصيص الفضل بمن عجز عن أداء الحج في عامه لمانع، فيقال: إن من صدقت نيته وعزيمته وأخذ بالأسباب ثم منعه مانع فوق إرادته فإن الله يكتب له أجر العمل بفضل النية، فكيف يعلق النبي ﷺ حصول الأجر بعمل زائد وهو أداء العمرة في رمضان وقد كانت النية الصادقة كافية لتحصيل الأجر! ثالثا: ويبقى السؤال في معنى الفضل المذكور، وأن العمرة في رمضان تعدل حجة، وبيان ذلك بما يلي: لا شك أن العمرة في رمضان لا تجزئ عن حج الفريضة، بمعنى أن من اعتمر في رمضان لم تبرأ ذمته من أداء الحج الواجب لله تعالى. فالمقصود من الحديث إذًا التشبيه من حيث الثواب والأجر، وليس من حيث الإجزاء. ومع ذلك، فالمساواة المقصودة بين ثواب العمرة في رمضان وثواب الحج هي في قدر الأجر، وليست في جنسه ونوعه، فالحج لا شك أفضل من العمرة من حيث جنس العمل. فمن اعتمر في رمضان تحصل على قدر أجر الحج، غير أن عمل الحج فيه من الفضائل والمزايا والمكانة ما ليس في العمرة، من دعاء بعرفة ورمي جمار وذبح نسك وغيرها، فهما وإن تساويا في قدر الثواب من حيث الكم – يعني العدد –، ولكنهما لا يتساويان في الكيف والنوع. وهذا هو توجيه ابن تيمية حين تكلم عن الحديث الذي فيه أن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن، يمكن مراجعة كلامه في جواب السؤال رقم (١٠٠٢٢) . قال إسحاق بن راهويه: " معنى هذا الحديث – يعني حديث (عمرة في رمضان تعدل حجة) - مثل ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: من قرأ: قل هو الله أحد فقد قرأ ثلث القرآن " "سنن الترمذي" (٢/٢٦٨) وجاء في "مسائل الإمام أحمد بن حنبل رواية أبي يعقوب الكوسج" (١/٥٥٣) : " قلت: من قال: (عمرة في رمضان تعدل حجة) أثبت هو؟ قال: بلى، هو ثبت. قال إسحاق: ثبت كما قال، ومعناه: أن يكتب له كأجر حجة، ولا يلحق بالحاج أبدا " انتهى. وقال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٢٦/٢٩٣-٢٩٤) : " معلوم أن مراده: أن عمرتك فى رمضان تعدل حجة معي، فإنها كانت قد أرادت الحج معه، فتعذر ذلك عليها، فأخبرها بما يقوم مقام ذلك، وهكذا من كان بمنزلتها من الصحابة، ولا يقول عاقل ما يظنه بعض الجهال أن عمرة الواحد منا من الميقات أو من مكة تعدل حجة معه، فإنه من المعلوم بالاضطرار أن الحج التام أفضل من عمرة رمضان، والواحد منا لو حج الحج المفروض لم يكن كالحج معه، فكيف بعمرة!! وغاية ما يحصله الحديث أن تكون عمرة أحدنا في رمضان من الميقات بمنزلة حجة " انتهى. وانظر جواب السؤال (١٣٤٨٠) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13090

الخوف من الموت: خيرُه وشرُّه، وهل يُدعى بطول العمر ؟ [السُّؤَالُ] ـ[لدي بعض الأسئلة أرجو الإجابة عليها: ١. لقد مررت بفترة عصيبة فلم أعد أفكر سوى بالموت في كل تصرفاتي، فلم أعد أستطيع النوم بسبب هذه الوساوس، وأصبحت أفكر في كل من مات، وكيف مات، وأصبحت صور الموتى ممن أعرفهم تراودني بين لحظة ولحظة، فلم أعد أحتمل هذه الحالة، فأصبحت أخاف من كل شيء، لم يعد للحياة طعم، فهل هذا إنذار باقتراب الأجل، وأني سأموت في فترة قريبة؟ أرجوكم أفيدوني، في الواقع هذه الحالة انتابتني بعد ذنب ارتكبته، فهل لهذا الذنب علاقة؟ . ٢. أحد أقاربي أخبرني بأنه رآني في المنام أني ميت، وسأل أحد شيوخ البلدة وقال: إنه يدل على طول العمر، فهل هذا صحيح أم أنه غير ذلك؟ . ٣. هل الدعاء بطول العمر مستجاب أم إنه قد كتبت الأعمار وانتهى الأمر؟ وما الذي يبارك في العمر من أعمال؟ . وجزاكم الله خيراً. نرجو الإجابة على الأسئلة بأسرع وقت؛ لأنني بحاجه إليها.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أخي الفاضل أولاً: أرجو منك أن تعي ما أكتبه لك، وأن تعمل به، فلعل ما أصابك أن يكون خيراً لك: ١. كلُّ نفس ذائقة الموت: وهذه حقيقة يجب أن تعلمها، فليس أحدٌ بناجٍ من الموت، طال عمره أو قصر، صحيحاً كان أو مريضاً، غنيّاً كان أو فقيراً. قال تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) آل عمران/ ١٨٥، وقال سبحانه: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) العنكبوت/ ٥٧. وقال : (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) الأنبياء/ ٣٥. ولو كانت الدنيا تدوم لأحدٍ: لأدامها الله لأنبيائه وأوليائه وأصفيائه، فأين هم الأنبياء والرسل؟ وأين هم الصدِّيقون والشهداء؟ وأين هم الصحابة والتابعون؟ كلهم ذاقوا الموت – إلا عيسى ﵇ وسيذوقه في آخر المطاف -. قال تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ) الأنبياء/ ٣٤. وقال تعالى: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) الزمر/ ٣٠. ٢. لا مهرب من الموت: ومهما بذل الإنسان من أسباب الصحة والنشاط فهو ميت، وأينما كان فإن الموت يدركه، وحيثما فرَّ من الموت فإنه سيجده مقابل وجهه. قال تعالى: (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ) الجمعة/ ٨. وقال تعالى: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) النساء/ ٧٨. قال ابن كثير- ﵀: أي: أينما كنتم يدرككم الموت، فكونوا في طاعة الله، وحيث أمركم الله فهو خير لكم، فإن الموت لا بد منه، ولا محيد عنه، ثم إلى الله المرجع، فمن كان مطيعا له جازاه أفضل الجزاء، ووافاه أتم الثواب. " تفسير ابن كثير " (٦ / ٢٩١) . وقال- ﵀ –: أنتم صائرون إلى الموت لا محالة، ولا ينجو منه أحد منكم، كما قال تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وِالإكْرَامِ) . " تفسير ابن كثير " (٢ / ٣٦٠) . وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀ – في تفسير قوله تعالى (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ) ق/ ١٩ -: وقوله (بِالْحَقِّ) : أي: أن الموت حق، كما جاء في الحديث: " الموت حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ " – متفق عليه -، فهي تأتي بالحق، وتأتي أيضاً بحق اليقين، فإن الإنسان عند الموت يشاهد ما تُوُعِّد به، وما وُعِدَ به؛ لأنه إن كان مؤمناً: بُشِّر بالجنة، وإن كان كافراً: بُشِّر بالنار- أعاذنا الله منها -. (ذَلِكَ) أي: الموت. (مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ) اختلف المفسرون في " ما " هل هي نافية فيكون المعنى: ذلك الذي لا تحيد منه، ولا تنفك منه، أو أنها موصولة فيكون المعنى: ذلك الذي كنت تحيد منه، ولكن لا مفر منه، فعلى الأول يكون معنى الآية: ذلك الذي لا تحيد منه، بل لابد منه، وقد قال الله تعالى: (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ) . وتأمل يا أخي: (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ) ولم يقل " فإنه يدرككم "، وما ظنك بشيء تفر منه وهو يلاقيك؟ إن فرارك منه يعني دنوك منه في الواقع، فلو كنت فارّاً من شيء وهو يقابلك، فكلما أسرعت في الجري أسرعت في ملاقاته، ولهذا قال: (فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ) ، وفي الآية الأخرى: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) النساء/ ٧٨؛ لأنه ذكر في هذه الآية أن الإنسان مهما كان في تحصنه فإن الموت سوف يدركه على كل حال، وهنا يقول تعالى: (ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ) . وعلى المعنى الثاني، أي: ذلك الذي كنت تحيد منه وتفر منه في حياتك، قد وصلك وأدركك، وعلى كل حال: ففي الآية التحذير من التهاون بالأعمال الصالحة، والتكاسل عن التوبة، وأن الإنسان يجب أن يبادر؛ لأنه لا يدري متى يأتيه الموت. " تفسير القرآن من الحجرات إلى الحديد " (ص ٩٥، ٩٦) . قالَ الشاعر: الموت بابٌ وكل الناسِ داخله الا ليت شعري بعد الموت ما الدار الدارُ جَنَّةُ خُلدٍ إِن عَمِلتَ بِما يُرضي الإِلَهَ وَإِن قَصَّرتَ فَالنارُ ٣. تذكر الموت خير لا شر. وما لي أراك – أخي الفاضل – قلقاً من الموت، خائفاً من ذِكره؟! ألم تعلم أن النبي ﷺ أوصانا بالإكثار من ذِكر الموت؟! ألم تعلم أن في ذلك خيراً عظيماً لمن فعل ذلك حتى يكون مستعدّاً للقاء ربه، ويكثر من الأعمال الصالحة قبل أن يفجأه الموت؟! وهل تعلم أن نسيان الموت والغفلة عنه تؤدي إلى التعلق بالدنيا، وتسويف التوبة، والتكاسل عن الطاعات؟! . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ - يَعْنِي: الْمَوْتَ) رواه الترمذي (٢٣٠٧) والنسائي (١٨٢٤) وابن ماجه (٤٢٥٨) وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ". على أننا ننبهك هنا ـ أخانا الكريم ـ إلى أن المراد بذكر الموت هو الذكر القاطع عن الانهماك في لذات الدينا وشواغلها، والحامل على الاستعداد للموت والقبر، وليس المراد بالذكر هنا الذكر السلبي الذي يوشك أن يقطع الإنسان عن مصالحه في معاشه ومعاده، ويصيبه بالإحباط أو الجبرية في أفعاله. قال الشيخ عطية سالم ﵀: " المراد بذلك أن تكثر من ذكر الموت لتستعد له، لا لتكدر صفوك في الدنيا وتقول: أنا سأموت، لماذا اعمل؟!! ثم يضيق صدرك؛ لا، المراد: أكثروا من تذكُّره في نفوسكم، من أجل أن تستعدوا له " شرح بلوغ المرام (٤/٢) . وقال بعض العلماء: " مَن أكثر ذكر الموت أكرمه الله بثلاث: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة، ومن نسي ذكر الموت ابتلي بثلاث: تسويف التوبة، وترك الرضا، والتكاسل بالعبادة ". فينبغي أن يكون تذكرك للموت سبباً لقيامك بالطاعات، ومحفِّزاً على سرعة التوبة، ولا تجعل خوفك من الموت يسبب لك قلقاً، ولا وساوس، ولا يُقعدك عن العمل والطاعات، ولا يمنعك من الكسب، ولا يجعلك تقوم بحقوق نفسك وأسرتك، وإلا كان هذا التذكر عليك، لا لك. ولا تنس مع ذِكرك للموت، بل إكثارك منه، أن تحسن الظن بربك تعالى، وأنه لا يظلم الناس شيئاً، وأنه تعالى يضاعف الحسنات، ويعفو ويصفح، ويقبل من عباده المسيئين توبتهم وإنابتهم، فاحذر أشد الحذر من القنوط من رحمة الله، واجمع في قلبك بين الخوف من الله وبين رجائه تعالى، فالخوف والرجاء للمؤمن كالجناحين للطائر، فلا يغني أحدهما عن الآخر ، وهذا هو حال الأنبياء والأولياء والصالحين. قال تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) الأنبياء/ ٩٠. وقال سبحانه: (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا) السجدة/ ١٦. وقال تعالى: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) الزمر/ ٩. فلا تسأل نفسك متى تموت؟ بل على أي شيء تموت؟ على خير أم شر؟ على طاعة أم معصية؟ على الإسلام أم على الكفر؟ وبما أن الإنسان لا يدري متى يموت فإن هذا يدفعه لأن يكون متأهباً دائما للموت استعداداً للقاء ربه على أحسن حال. قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: ولهذا نقول: أنت لا تسأل متى تموت، ولا أين تموت؛ لأن هذا أمر لا يحتاج إلى سؤال، أمر مفروغ منه، ولابد أن يكون، ومهما طالت بك الدنيا، فكأنما بقيت يوماً واحداً، بل كما قال تعالى هنا: (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا) النازعات/ ٤٦، ولكن السؤال الذي يجب أن يرِد على النفس، ويجب أن يكون لديك جواب عليه هو: على أي حال تموت؟! ولست أريد على أي حال تموت هل أنت غني أو فقير، أو قوي أو ضعيف، أو ذو عيال أو عقيم، بل على أي حال تموت في العمل، فإذا كنت تسائل نفسك هذا السؤال، فلابد أن تستعد؛ لأنك لا تدري متى يفجَؤُك الموت، كم من إنسان خرج يقود سيارته ورجع به محمولاً على الأكتاف، وكم من إنسان خرج من أهله يقول هيئوا لي طعام الغداء أو العشاء ولكن لم يأكله، وكم من إنسان لبس قيمصه وزر أزرته ولم يفكها إلا الغاسل يغسله، هذا أمر مشاهد بحوادث بغتة، فانظر الآن وفكِّر على أي حال تموت، ولهذا ينبغي لك أن تكثر من الاستغفار ما استطعت، فإن الاستغفار فيه من كل همٍّ فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً. " لقاءات الباب المفتوح " (اللقاء رقم ١٧) . ثانياً: وأما بالنسبة لرؤيا قريبك وأنه رآك في المنام ميتاً: فقد سبق بيان أن الموت حق، وأن الإنسان لا يدري متى يموت ولا في أي أرض، فليس في الرؤيا ما ينافي الواقع لك عاجلاً أم آجلاً، ولم يبق لك إلا الاستعداد له – كما سبق -، مع التنبيه أن رؤية الشخص من قبَل غيره أنه ميت قد تعني أنه يرزق بولد أو حفيد كما أفاده بعض إخواننا المشتغلين بتعبير الرؤى، ولو فرِض أن رؤيا قريبك ستتحقق قريبا: فهذا يجعلك تسارع في العمل الصالح، ولسنا نشتغل هنا بتعبير رؤى الناس، لكننا ننصحهم ونبين لهم ما ينتفعون به من أحكام ومسائل شرعية واجتماعية وتربوية. ثالثاً: الدعاء بطول العمر جائز، على أن يكون معه الدعاء بأن يكون في طاعة الله، أو حُسن العمل؛ إذ طول العمر من غير توفيق لأعمال صالحة فيه ضرر على صاحبه؛ لأنه تكثر أعماله السيئة وتكثر معاصيه، وها هو إبليس له عمر طويل، وهو يقضيه في الوسوسة والكيد. وقد سبق في جواب السؤال رقم: (١٢٣٧٢) جواز الدعاء بطول العمر، مع الزيادة التي نبهنا عليها وهي " في طاعة الله " وما يشبهها. والأعمار والأرزاق مكتوبة مقدَّر في اللوح المحفوظ لا تتبدل ولا تتغير، لكن الله تعالى جعل لها أسباباً تطول بها الأعمار – أو يبارك فيها – ويكسب بها رزقاً، ومن ذلك: صلة الرحم؛ فإنها تطيل في العمر وتزيد في الرزق، وقد علم الله تعالى أزلاً أن فلاناً سيصل رحمه فقدَّر له عمُراً ورزقاً بسببه، والمسلم لا يدري ما كُتب له، لكنه يبذل أسباب الحفاظ على حياته، ويبذل أسباب تحصيل الرزق. وبعض العلماء يرى أن التبديل والتغيير يكون بما في أيدي الملائكة من صحف، وأما ما في اللوح المحفوظ فلا يمكن؛ لأن النبي ﷺ قال: " رُفعَت الأَقلام وجفَّت الصحف". رواه أحمد (٢٦٦٤) والترمذي (٢٥١٦) وصححه الألباني. قال تعالى: (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) فاطر/من الآية ١١. وقال تعالى: (يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) الرعد/ ٣٩. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀: (يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ) من الأقدار. (وَيُثْبِتُ) ما يشاء منها، وهذا المحو والتغيير في غير ما سبق به علمه، وكتبه قلمه؛ فإن هذا لا يقع فيه تبديل ولا تغيير؛ لأن ذلك محال على الله أن يقع في علمه نقص أو خلل، ولهذا قال: (وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) أي: اللوح المحفوظ، الذي ترجع إليه سائر الأشياء، فهو أصلها، وهي فروع له وشُعب. فالتغيير والتبديل يقع في الفروع والشعب، كأعمال اليوم والليلة التي تكتبها الملائكة، ويجعل الله لثبوتها أسباباً، ولمحوها أسباباً، لا تتعدى تلك الأسباب ما رسم في اللوح المحفوظ، كما جعل الله البر والصلة والإحسان من أسباب طول العمر وسعة الرزق، وكما جعل المعاصي سبباً لمحق بركة الرزق والعمر، وكما جعل أسباب النجاة من المهالك والمعاطب سبباً للسلامة، وجعل التعرض لذلك سبباً للعطب، فهو الذي يدبر الأمور بحسب قدرته وإرادته، وما يدبره منها لا يخالف ما قد علِمه وكَتَبه في اللوح المحفوظ. " تفسير السعدي " (ص ٤١٩) . وسواء كانت الزيادة حقيقية في صحف الملائكة، كما هو الصحيح، أو أنها بالبركة في عمُر المسلم: فإن المطلوب من المسلم بذل الأسباب التي تطيل عمره أو تبارك له فيه، كما يبذل الأسباب في الرزق والبركة فيه. عنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ: فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ) . رواه البخاري (١٩٦١) ومسلم (٢٥٥٧) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀: " وقد تأول بعضهم أنه يبارك له في عمره حتى قد يعمل فيه من الخير في العمر القصير ما يعمل في العمر الطويل، والصحيح: أنه يزيد وينقص فيما في أيدي الملائكة من الصحف كما تقدم، وليس لأحد اطِّلاع على اللوح سوى الله ". " مختصر الفتاوى المصرية " (١ / ٢٢٧) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13091

هل "مجهولو النسب" لهم حكم الأيتام ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل يدخل الطفل مجهول الأب في مسمى اليتيم؟ وإن دخل فهل تمكن كفالته كعبادة؟ سبب السؤال هو أنه عندنا في السجون مجموعة من النساء ومعهن أطفال دخلوا معهن، والظاهر أنهم من علاقات غير مشروعة، لذا يسمونهم مجهولو الأب، ولنا رغبة في أن نقدم برنامجاً لكفالة الأيتام داخل السجون، ثم صادفتنا هذه المشكلة، فما هو التحليل والتفصيل؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: اليُتم هو فقد الأب قبل البلوغ. والإحسان إلى اليتيم وكفالته والعناية به من شعب الإيمان، قال تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) البقرة/ ١٧٧، وكفالة اليتيم من أسباب دخول العبد الجنة، بل والقرب من النبي ﷺ ، كما جاء عَنْ سَهْل بنِ سَعْد ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وَأَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا - وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا -) رواه البخاري (٤٩٩٨) . وكفالة اليتيم من أعظم الطاعات والأعمال التي فيها صلاح المجتمعات، ولذا لم تكن كفالة اليتيم القيام على مصالحه الدنيوية من طعام وشراب وكساء فقط، بل وكذا القيام على مصالحه الدينية في التوجيه والتربية والتعليم. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " كفالة اليتيم هي القيام بما يصلحه في دينه ودنياه؛ بما يصلحه في دينه من التربية والتوجيه والتعليم، وما أشبه ذلك، وما يصلحه في دنياه من الطعام والشراب والمسكن " انتهى. " شرح رياض الصالحين " (٥ / ١١٣) . وانظر تفصيلاً أوفى في أجوبة الأسئلة: (٤٧١٩٠) و (٥٢٠١) و (٤٧٠٦١) . ومجهولو النسب لهم أحكام اليتامى، بل هم أولى بالعناية لعدم وجود أحد من والديهم وأهلهم، واليتيم قد تكون أمه بجانبه، وقد يزوره خاله وعمه وخالته وعمته، أما مجهول النسب: فإنه منقطع عن كل أحد، ولذا كانت العناية به أوجب من اليتيم معروف النسب. سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء: نظراً لتقدم كثير من الأسَر لمكتبنا بطلب احتضان الأطفال من دار الحضانة الاجتماعية بالدمام، وعند تعريفهم بوضعهم الاجتماعي (بأنهم مجهولو النسب) يتردد الكثير منهم خوفاً من أنهم لا ينطبق عليهم الأجر المترتب على تربية اليتيم الذي حث عليه الرسول الكريم ﵊، عليه نرجو من فضيلتكم التكرم بتوضيح نظرة الإسلام لهذه الفئة مع إفادتنا بفتوى شرعية تبين الأجر المترتب على تربيتهم لنشر هذه الفتوى بين الناس حتى يقبلوا على احتضانهم واحتوائهم وإحاطتهم بالانتماء الأسري المفقود عندهم. فأجابوا: مجهولو النسب في حكم اليتيم؛ لفقدهم لوالديهم، بل هم أشد حاجة للعناية والرعاية من معروفي النسب؛ لعدم معرفة قريب لهم يلجئون إليه عند الضرورة، وعلى ذلك: فإن من يكفل طفلا من مجهولي النسب: فإنه يدخل في الأجر المترتب على كفالة اليتيم؛ لعموم قوله ﷺ : (َأَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا) ، لكن يجب على مَن كفل مثل هؤلاء الأطفال أن لا ينسبهم إليه، أو يضيفهم معه في بطاقة العائلة؛ لما يترتب على ذلك من ضياع الأنساب والحقوق، ولارتكاب ما حرَّم الله، وأن يعرف من يكفلهم أنهم بعد أن يبلغوا سن الرشد فإنهم أجانب منه كبقية الناس، لا يحل الخلوة بهم أو نظر المرأة للرجل أو الرجل للمرأة منهم، إلا إن وجد رضاع محرم للمكفول، فإنه يكون محرماً لمن أرضعته ولبناتها وأخواتها ونحو ذلك مما يحرم بالنسب. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. " فتاوى اللجنة الدائمة " (١٤ / ٢٥٥) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13092

هل كفالة أيتام غير المسلمين جائزة ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل يمكن كفالة الأيتام غير المسلمين، من أمهات نصرانيات، أو هندوسيات، أو بوذيات، أو غير ذلك؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله كفالة الأيتام غير المسلمين: تجوز بشرطين: الأول: عدم تأثيرها على كفالة المسلمين. والثاني: أن يكون أولئك الأيتام في رعاية وعناية المسلمين، وبين أظهرهم، فإن كانوا عند أهليهم الكفار، أو في ديار الكفر عند مؤسساتهم ومراكزهم: لم يجز كفالتهم. سئل الشيخ عبد الله بن جبرين – حفظه الله -: مما لا يخفى عليكم الأجر العظيم والثواب الجزيل لكافل اليتيم، وتوجد بعض اللجان أو الهيئات الخيرية التي تُساهم مشكورة في كفالة بعض الأيتام في بعض الدول، وقد يوجد في المجتمع مسلمون، ونصارى، وغيرهم، فهل يجوز كفالة أيتام النصارى لتحقيق المصالح التالية: ١. دعوتهم للإسلام. ٢. المساهمة في التأثير على ذويهم، ومن ثم إسلامهم. مع العلم أنه يوجد أيتام مسلمون بعضهم قد كفلوا والبعض الآخر لم يكفلوا بعد؟ . فأجاب: " لا يجوز كفالة أيتام النصارى إذا كانوا في بلادهم، وبين ظهرانيهم؛ حيث إنهم في الغالب بعد البلوغ يكونون بين النصارى، ويبقون على دينهم وكفرهم، فيكون الذي كفلهم قد أعان الكُفار وتعاون معهم على بقاء الكفر وتمكنه، بخلاف ما إذا كان أولاد النصارى قد نزحوا عن بلاد الكفر واستوطنوا بين المسلمين وانقطعت صلتهم بأهل دين النصرانية؛ فإنهم يتربون على دين مَن نشأوا عنده؛ وذلك لأن كل مولود يولد على الفطرة، وإنما يتغير بسبب التربية، ثم إذا وجد أولاد المسلمين اليتامى في بعض البلاد التي هي بحاجة إلى الدعم: فإنهم أحق بالحضانة، والكفالة، من أولاد النصارى، ومن أولاد المبتدعة كالرافضة، والصوفية، والإباضية، ونحوهم، والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم ". فتوى رقم (٧٩٠٧) من موقعه. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13093

منازل ودرجات الجنة والنار وأعمالهما [السُّؤَالُ] ـ[كم جنة ونار يوجد؟ وكيف تختلف مراتبها؟ وماذا يجب أن تفعل لتكون في كل مستوى؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: من حيث العدد هي نارٌ واحدة وجنة واحدة، لكن كل منهما درجات ومنازل. وقد يأتي في السُنَّة ذكر الجنة بالجمع وليس المراد تعدد جنس الجنة وإنما الإشارة إلى عظمتها ودرجاتها وأنواعها أو إلى عظمة أجر من يدخلها كما في حديث أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ بِنْتَ الْبَرَاءِ وَهِيَ أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَلا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ صَبَرْتُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ قَالَ يَا أُمَّ حَارِثَةَ إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ ـ وفي رواية إنها جنان كثيرة ـ وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الأَعْلَى) رواه البخاري (٢٨٠٩) ثانياً: تختلف دركات النار باختلاف كفر أهلها في الدنيا، والمنافقون في الدرك الأسفل منها كما قال ربنا ﵎: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا) النساء/١٤٥ وأخف دركاتها - والعياذ بالله - ما أشار إليه النبي ﷺ فيما رواه النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا مَنْ لَهُ نَعْلانِ وَشِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ ـ وفي رواية توضع في أخمص قدميه جمرتان ـ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِ الْمِرْجَلُ ـ إي القِدْر ـ مَا يَرَى أَنَّ أَحَدًا أَشَدُّ مِنْهُ عَذَابًا وَإِنَّهُ لأَهْوَنُهُمْ عَذَابًا) رواه البخاري (٦٥٦٢) ومسلم (٢١٢) ، وجاء تعيينه في إحدى روايات مسلم بأنه أبو طالب عم النبي ﷺ خفف الله تعالى عليه لما كان له من دور في حماية الإسلام في بداياته. ثالثاً: لا يُعرف تحديداً عدد درجات الجنة، وقد قيل إنها بعدد آيات القرآن الكريم أخذا من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: " يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ بها ". رواه أبو داود (١٤٦٤) والترمذي (٢٩١٤) وصححه الألباني في صحيح أبي داود. قال المنذري في الترغيب: قال الخطابي: جاء في الأثر أن عدد آي القرآن على قدر درج الجنة في الآخرة , فيقال للقارئ ارق في الدرج على قدر ما كنت تقرأ من آي القرآن , فمن استوفى قراءة جميع القرآن استولى على أقصى درج الجنة في الآخرة , ومن قرأ جزءا منه كان رقيه في الدرج على قدر ذلك , فيكون منتهى الثواب عند منتهى القراءة. " الترغيب والترهيب " (٢ / ٢٢٨) . لكن في كلامه هذا نظر؛ لأن الحديث في بيان " منازل " الحفظة وليس في درجاتهم، وتختلف الدرجات باختلاف العاملين في الدنيا، كما أن هناك أعمال أخرى يتفاضل الناس بها كالصِّدِّيقيَّة والجهاد وغيرها فعليه لا يلزم أن يكون صاحب القرآن الحافظ لأكمله في أعلى درجات الجنة على الإطلاق. وأعلى درجات الجنة هي الفردوس كما ثبت عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ".. فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، فوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة ". رواه البخاري (٢٦٣٧) ومسلم (٢٨٣١) . ومعنى " أوسط الجنة " أي: أفضلها وأعدلها، ومثله قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً﴾ . وقد جاءت السنَّة ببيان بعض الأعمال وبيان درجات أهلها، ومنها: ١. الإيمان بالله والتصديق بالمرسلين عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر أي النجم في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم، قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: بلى، والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين ". رواه البخاري (٣٠٨٣) ومسلم (٢٨٣١) . ٢. الجهاد في سبيل الله عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ".. إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ". رواه البخاري (٢٦٣٧) . ٣. وقد يحصِّلها الصادق في سؤاله للشهادة بصدق عن سهل بن حنيف أن النبي ﷺ قال: " من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه ". رواه البخاري (١٩٠٩) . ٤. الإنفاق في سبيل الله عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء الفقراء إلى النبي ﷺ فقالوا: ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلا والنعيم المقيم يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ولهم فضل من أموال يحجون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون ... ) رواه البخاري (٨٠٧) ومسلم (٥٩٥) . ٥. إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط. رواه مسلم (٢٥١) . ٦. حافظ القرآن لحديث عبد الله بن عمرو الذي سبق ذكره عن النبي ﷺ قال: " يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ بها ". رواه أبو داود (١٤٦٤) والترمذي (٢٩١٤) وصححه الألباني في صحيح أبي داود. فعلى من سمت همته أن يتطلع للأعلى، ويعمل لينال رضي الله، ويدخل جنة الفردوس، وها هي الأعمال قد وعد الله أهلَها بتلك الدرجات، فكم بين زهد الناس عنها وتشميرهم لها. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13094

هل يجوز الدعاء قبل التصدق ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز لمن أراد الصدقة أن يدعو بما يريد قبل أن يتصدق، ثم يتصدق بعد ذلك. فما حكم القيام بهذا العمل بشكل مستمر؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا نعلم في السنَّة النبوية أن النبي ﷺ كان يدعو ثم يتصدق بعدها، ولا أنه أوصى بذلك أمته، إلا أن يكون دعاء يتعلق بقبول الله لصدقته، أو توفيقه للمزيد من البذل. ويمكن للمسلم أن يتصدق ليدعو إن احتاج للدعاء لشيء معيَّن، ويكون هذا من باب التوسل بالأعمال الصالحة، كما جاء في حديث الأعمى الذي طلب من النبي ﷺ أن يدعو الله له بأن يرد عليه بصرَه، فأمره النبي ﷺ بالدعاء، وأمره بالوضوء والصلاة قبل أن يدعو الله، ودعا له النبي ﷺ ، فهذا من التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة. جاء " كشاف القناع " (١ / ٣٦٨) - من كتب الحنابلة -: ويقدِّم بين يدي دعائه صدقة.انتهى. ولعل من هذا الباب – أيضاً – ما استحبه عامة العلماء من الصدقة قبل الاستسقاء، إما لكون الصدقة جالبة للرحمة، أو توسلاً بفعلها قبل دعاء الاستسقاء. ففي " الموسوعة الفقهية " (٣ / ٣١٠) . اتّفقت المذاهب على استحباب الصّدقة قبل الاستسقاء، ولكنّهم اختلفوا في أمر الإمام بها، قال الشّافعيّة، والحنابلة، والحنفيّة، وهو المعتمد عند المالكيّة: يأمرهم الإمام بالصّدقة في حدود طاقتهم، وقال بعض المالكيّة: لا يأمرهم بها، بل يترك هذا للنّاس بدون أمرٍ؛ لأنّه أرجى للإجابة، حيث تكون صدقتهم بدافعٍ من أنفسهم، لا بأمرٍ من الإمام.انتهى وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀: قوله: " والصدقة " أي: ويأمرهم أيضاً بالصدقة – أي: قبل الاستسقاء -، والصدقة قد يقال: إنها مناسبة؛ لأن الصدقة إحسان إلى الغير، والإحسان سبب للرحمة؛ لقول الله تعالى: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) الأعراف/من الآية ٥٦، والغيث رحمة؛ لقول الله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ) الشورى/من الآية ٢٨، والصدقة هنا ليست الصدقة الواجبة، بل المستحبة، أما الصدقة الواجبة فإن منْعها سبب لمنع القطر من السماء كما قال النبي ﵊ في الحديث المروي عنه: "وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء". " الشرح الممتع " (٥ / ٢٠٩) . فإذا احتاج المسلم لتفريج كربة، أو تيسير أمر، أو كانت المناسبة عامة كالاستسقاء: فتصدق قبل أن يدعو كان ذلك من التوسل بالأعمال الصالحة، أما أن يكون ذلك باستمرار مع كل مرة يتصدق بها: ففيه نظر؛ لأنه لم يشرع لنا ذلك، ولا رغبنا به نبينا ﷺ ، وقد وُجد السبب – وهو الصدقة – ولم يوجد الفعل – وهو الدعاء – فدلَّ على عدم المشروعية. وأما ما يفعله الأخ السائل - وفقه الله - من الدعاء قبل الصدقة: فلا نعلم له أصلا إلا بما ذكرناه من كون الدعاء متعلقاً بقبول الصدقة، وسؤال الله التوفيق للمزيد. قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: يقول المزكِّي ما ورد من الآثار والأدعية في ذلك: (اللهم تقبَّل منِّي إنك أنت السميع العليم) ، وقيل: يقول: (اللهمَّ اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرماً) . " الشرح الممتع " (٦ / ٢٧٠) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13095

الصدقة في وقت الحاجة والمجاعة أفضل من التطوع بالعمرة [السُّؤَالُ] ـ[سمعت بعض الدعاة يقول: إن التصدق على المسلمين المضطرين إلى المال، كمن عندهم مجاعة أفضل من الاعتمار في رمضان، ما رأي فضيلتكم؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله " نعم، الصدقة في وقت الحاجة وشدة المجاعة أفضل من عمرة التطوع، لأن نفع العمرة قاصر على صاحبها، والصدقة على المحاويج والجياع يتعدى نفعها، وما كان نفعه متعدياً أفضل مما كان نفعه قاصراً، وهذا عام في فقراء المسلمين في كل مكان، ولكن الفقراء الذين في البلد أحق من الذين في الخارج. والله أعلم ". "المنتقى من فتاوى الشيخ صالح الفوزان" (٢ / ٣٣٣) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →