← Фатава

Фатава · id 26332

موقع الإسلام سؤال وجواب

محمد صالح المنجد

Полный текст (16 344 стр.). Показаны 13091–13130 · переход к 13096.

стр. 13091

هل "مجهولو النسب" لهم حكم الأيتام ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل يدخل الطفل مجهول الأب في مسمى اليتيم؟ وإن دخل فهل تمكن كفالته كعبادة؟ سبب السؤال هو أنه عندنا في السجون مجموعة من النساء ومعهن أطفال دخلوا معهن، والظاهر أنهم من علاقات غير مشروعة، لذا يسمونهم مجهولو الأب، ولنا رغبة في أن نقدم برنامجاً لكفالة الأيتام داخل السجون، ثم صادفتنا هذه المشكلة، فما هو التحليل والتفصيل؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: اليُتم هو فقد الأب قبل البلوغ. والإحسان إلى اليتيم وكفالته والعناية به من شعب الإيمان، قال تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) البقرة/ ١٧٧، وكفالة اليتيم من أسباب دخول العبد الجنة، بل والقرب من النبي ﷺ ، كما جاء عَنْ سَهْل بنِ سَعْد ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وَأَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا - وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا -) رواه البخاري (٤٩٩٨) . وكفالة اليتيم من أعظم الطاعات والأعمال التي فيها صلاح المجتمعات، ولذا لم تكن كفالة اليتيم القيام على مصالحه الدنيوية من طعام وشراب وكساء فقط، بل وكذا القيام على مصالحه الدينية في التوجيه والتربية والتعليم. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " كفالة اليتيم هي القيام بما يصلحه في دينه ودنياه؛ بما يصلحه في دينه من التربية والتوجيه والتعليم، وما أشبه ذلك، وما يصلحه في دنياه من الطعام والشراب والمسكن " انتهى. " شرح رياض الصالحين " (٥ / ١١٣) . وانظر تفصيلاً أوفى في أجوبة الأسئلة: (٤٧١٩٠) و (٥٢٠١) و (٤٧٠٦١) . ومجهولو النسب لهم أحكام اليتامى، بل هم أولى بالعناية لعدم وجود أحد من والديهم وأهلهم، واليتيم قد تكون أمه بجانبه، وقد يزوره خاله وعمه وخالته وعمته، أما مجهول النسب: فإنه منقطع عن كل أحد، ولذا كانت العناية به أوجب من اليتيم معروف النسب. سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء: نظراً لتقدم كثير من الأسَر لمكتبنا بطلب احتضان الأطفال من دار الحضانة الاجتماعية بالدمام، وعند تعريفهم بوضعهم الاجتماعي (بأنهم مجهولو النسب) يتردد الكثير منهم خوفاً من أنهم لا ينطبق عليهم الأجر المترتب على تربية اليتيم الذي حث عليه الرسول الكريم ﵊، عليه نرجو من فضيلتكم التكرم بتوضيح نظرة الإسلام لهذه الفئة مع إفادتنا بفتوى شرعية تبين الأجر المترتب على تربيتهم لنشر هذه الفتوى بين الناس حتى يقبلوا على احتضانهم واحتوائهم وإحاطتهم بالانتماء الأسري المفقود عندهم. فأجابوا: مجهولو النسب في حكم اليتيم؛ لفقدهم لوالديهم، بل هم أشد حاجة للعناية والرعاية من معروفي النسب؛ لعدم معرفة قريب لهم يلجئون إليه عند الضرورة، وعلى ذلك: فإن من يكفل طفلا من مجهولي النسب: فإنه يدخل في الأجر المترتب على كفالة اليتيم؛ لعموم قوله ﷺ : (َأَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا) ، لكن يجب على مَن كفل مثل هؤلاء الأطفال أن لا ينسبهم إليه، أو يضيفهم معه في بطاقة العائلة؛ لما يترتب على ذلك من ضياع الأنساب والحقوق، ولارتكاب ما حرَّم الله، وأن يعرف من يكفلهم أنهم بعد أن يبلغوا سن الرشد فإنهم أجانب منه كبقية الناس، لا يحل الخلوة بهم أو نظر المرأة للرجل أو الرجل للمرأة منهم، إلا إن وجد رضاع محرم للمكفول، فإنه يكون محرماً لمن أرضعته ولبناتها وأخواتها ونحو ذلك مما يحرم بالنسب. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. " فتاوى اللجنة الدائمة " (١٤ / ٢٥٥) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13092

هل كفالة أيتام غير المسلمين جائزة ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل يمكن كفالة الأيتام غير المسلمين، من أمهات نصرانيات، أو هندوسيات، أو بوذيات، أو غير ذلك؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله كفالة الأيتام غير المسلمين: تجوز بشرطين: الأول: عدم تأثيرها على كفالة المسلمين. والثاني: أن يكون أولئك الأيتام في رعاية وعناية المسلمين، وبين أظهرهم، فإن كانوا عند أهليهم الكفار، أو في ديار الكفر عند مؤسساتهم ومراكزهم: لم يجز كفالتهم. سئل الشيخ عبد الله بن جبرين – حفظه الله -: مما لا يخفى عليكم الأجر العظيم والثواب الجزيل لكافل اليتيم، وتوجد بعض اللجان أو الهيئات الخيرية التي تُساهم مشكورة في كفالة بعض الأيتام في بعض الدول، وقد يوجد في المجتمع مسلمون، ونصارى، وغيرهم، فهل يجوز كفالة أيتام النصارى لتحقيق المصالح التالية: ١. دعوتهم للإسلام. ٢. المساهمة في التأثير على ذويهم، ومن ثم إسلامهم. مع العلم أنه يوجد أيتام مسلمون بعضهم قد كفلوا والبعض الآخر لم يكفلوا بعد؟ . فأجاب: " لا يجوز كفالة أيتام النصارى إذا كانوا في بلادهم، وبين ظهرانيهم؛ حيث إنهم في الغالب بعد البلوغ يكونون بين النصارى، ويبقون على دينهم وكفرهم، فيكون الذي كفلهم قد أعان الكُفار وتعاون معهم على بقاء الكفر وتمكنه، بخلاف ما إذا كان أولاد النصارى قد نزحوا عن بلاد الكفر واستوطنوا بين المسلمين وانقطعت صلتهم بأهل دين النصرانية؛ فإنهم يتربون على دين مَن نشأوا عنده؛ وذلك لأن كل مولود يولد على الفطرة، وإنما يتغير بسبب التربية، ثم إذا وجد أولاد المسلمين اليتامى في بعض البلاد التي هي بحاجة إلى الدعم: فإنهم أحق بالحضانة، والكفالة، من أولاد النصارى، ومن أولاد المبتدعة كالرافضة، والصوفية، والإباضية، ونحوهم، والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم ". فتوى رقم (٧٩٠٧) من موقعه. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13093

منازل ودرجات الجنة والنار وأعمالهما [السُّؤَالُ] ـ[كم جنة ونار يوجد؟ وكيف تختلف مراتبها؟ وماذا يجب أن تفعل لتكون في كل مستوى؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: من حيث العدد هي نارٌ واحدة وجنة واحدة، لكن كل منهما درجات ومنازل. وقد يأتي في السُنَّة ذكر الجنة بالجمع وليس المراد تعدد جنس الجنة وإنما الإشارة إلى عظمتها ودرجاتها وأنواعها أو إلى عظمة أجر من يدخلها كما في حديث أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ بِنْتَ الْبَرَاءِ وَهِيَ أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَلا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ صَبَرْتُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ قَالَ يَا أُمَّ حَارِثَةَ إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ ـ وفي رواية إنها جنان كثيرة ـ وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الأَعْلَى) رواه البخاري (٢٨٠٩) ثانياً: تختلف دركات النار باختلاف كفر أهلها في الدنيا، والمنافقون في الدرك الأسفل منها كما قال ربنا ﵎: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا) النساء/١٤٥ وأخف دركاتها - والعياذ بالله - ما أشار إليه النبي ﷺ فيما رواه النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا مَنْ لَهُ نَعْلانِ وَشِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ ـ وفي رواية توضع في أخمص قدميه جمرتان ـ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِ الْمِرْجَلُ ـ إي القِدْر ـ مَا يَرَى أَنَّ أَحَدًا أَشَدُّ مِنْهُ عَذَابًا وَإِنَّهُ لأَهْوَنُهُمْ عَذَابًا) رواه البخاري (٦٥٦٢) ومسلم (٢١٢) ، وجاء تعيينه في إحدى روايات مسلم بأنه أبو طالب عم النبي ﷺ خفف الله تعالى عليه لما كان له من دور في حماية الإسلام في بداياته. ثالثاً: لا يُعرف تحديداً عدد درجات الجنة، وقد قيل إنها بعدد آيات القرآن الكريم أخذا من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: " يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ بها ". رواه أبو داود (١٤٦٤) والترمذي (٢٩١٤) وصححه الألباني في صحيح أبي داود. قال المنذري في الترغيب: قال الخطابي: جاء في الأثر أن عدد آي القرآن على قدر درج الجنة في الآخرة , فيقال للقارئ ارق في الدرج على قدر ما كنت تقرأ من آي القرآن , فمن استوفى قراءة جميع القرآن استولى على أقصى درج الجنة في الآخرة , ومن قرأ جزءا منه كان رقيه في الدرج على قدر ذلك , فيكون منتهى الثواب عند منتهى القراءة. " الترغيب والترهيب " (٢ / ٢٢٨) . لكن في كلامه هذا نظر؛ لأن الحديث في بيان " منازل " الحفظة وليس في درجاتهم، وتختلف الدرجات باختلاف العاملين في الدنيا، كما أن هناك أعمال أخرى يتفاضل الناس بها كالصِّدِّيقيَّة والجهاد وغيرها فعليه لا يلزم أن يكون صاحب القرآن الحافظ لأكمله في أعلى درجات الجنة على الإطلاق. وأعلى درجات الجنة هي الفردوس كما ثبت عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ".. فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، فوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة ". رواه البخاري (٢٦٣٧) ومسلم (٢٨٣١) . ومعنى " أوسط الجنة " أي: أفضلها وأعدلها، ومثله قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً﴾ . وقد جاءت السنَّة ببيان بعض الأعمال وبيان درجات أهلها، ومنها: ١. الإيمان بالله والتصديق بالمرسلين عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر أي النجم في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم، قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: بلى، والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين ". رواه البخاري (٣٠٨٣) ومسلم (٢٨٣١) . ٢. الجهاد في سبيل الله عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ".. إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ". رواه البخاري (٢٦٣٧) . ٣. وقد يحصِّلها الصادق في سؤاله للشهادة بصدق عن سهل بن حنيف أن النبي ﷺ قال: " من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه ". رواه البخاري (١٩٠٩) . ٤. الإنفاق في سبيل الله عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء الفقراء إلى النبي ﷺ فقالوا: ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلا والنعيم المقيم يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ولهم فضل من أموال يحجون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون ... ) رواه البخاري (٨٠٧) ومسلم (٥٩٥) . ٥. إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط. رواه مسلم (٢٥١) . ٦. حافظ القرآن لحديث عبد الله بن عمرو الذي سبق ذكره عن النبي ﷺ قال: " يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ بها ". رواه أبو داود (١٤٦٤) والترمذي (٢٩١٤) وصححه الألباني في صحيح أبي داود. فعلى من سمت همته أن يتطلع للأعلى، ويعمل لينال رضي الله، ويدخل جنة الفردوس، وها هي الأعمال قد وعد الله أهلَها بتلك الدرجات، فكم بين زهد الناس عنها وتشميرهم لها. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13094

هل يجوز الدعاء قبل التصدق ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز لمن أراد الصدقة أن يدعو بما يريد قبل أن يتصدق، ثم يتصدق بعد ذلك. فما حكم القيام بهذا العمل بشكل مستمر؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا نعلم في السنَّة النبوية أن النبي ﷺ كان يدعو ثم يتصدق بعدها، ولا أنه أوصى بذلك أمته، إلا أن يكون دعاء يتعلق بقبول الله لصدقته، أو توفيقه للمزيد من البذل. ويمكن للمسلم أن يتصدق ليدعو إن احتاج للدعاء لشيء معيَّن، ويكون هذا من باب التوسل بالأعمال الصالحة، كما جاء في حديث الأعمى الذي طلب من النبي ﷺ أن يدعو الله له بأن يرد عليه بصرَه، فأمره النبي ﷺ بالدعاء، وأمره بالوضوء والصلاة قبل أن يدعو الله، ودعا له النبي ﷺ ، فهذا من التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة. جاء " كشاف القناع " (١ / ٣٦٨) - من كتب الحنابلة -: ويقدِّم بين يدي دعائه صدقة.انتهى. ولعل من هذا الباب – أيضاً – ما استحبه عامة العلماء من الصدقة قبل الاستسقاء، إما لكون الصدقة جالبة للرحمة، أو توسلاً بفعلها قبل دعاء الاستسقاء. ففي " الموسوعة الفقهية " (٣ / ٣١٠) . اتّفقت المذاهب على استحباب الصّدقة قبل الاستسقاء، ولكنّهم اختلفوا في أمر الإمام بها، قال الشّافعيّة، والحنابلة، والحنفيّة، وهو المعتمد عند المالكيّة: يأمرهم الإمام بالصّدقة في حدود طاقتهم، وقال بعض المالكيّة: لا يأمرهم بها، بل يترك هذا للنّاس بدون أمرٍ؛ لأنّه أرجى للإجابة، حيث تكون صدقتهم بدافعٍ من أنفسهم، لا بأمرٍ من الإمام.انتهى وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀: قوله: " والصدقة " أي: ويأمرهم أيضاً بالصدقة – أي: قبل الاستسقاء -، والصدقة قد يقال: إنها مناسبة؛ لأن الصدقة إحسان إلى الغير، والإحسان سبب للرحمة؛ لقول الله تعالى: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) الأعراف/من الآية ٥٦، والغيث رحمة؛ لقول الله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ) الشورى/من الآية ٢٨، والصدقة هنا ليست الصدقة الواجبة، بل المستحبة، أما الصدقة الواجبة فإن منْعها سبب لمنع القطر من السماء كما قال النبي ﵊ في الحديث المروي عنه: "وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء". " الشرح الممتع " (٥ / ٢٠٩) . فإذا احتاج المسلم لتفريج كربة، أو تيسير أمر، أو كانت المناسبة عامة كالاستسقاء: فتصدق قبل أن يدعو كان ذلك من التوسل بالأعمال الصالحة، أما أن يكون ذلك باستمرار مع كل مرة يتصدق بها: ففيه نظر؛ لأنه لم يشرع لنا ذلك، ولا رغبنا به نبينا ﷺ ، وقد وُجد السبب – وهو الصدقة – ولم يوجد الفعل – وهو الدعاء – فدلَّ على عدم المشروعية. وأما ما يفعله الأخ السائل - وفقه الله - من الدعاء قبل الصدقة: فلا نعلم له أصلا إلا بما ذكرناه من كون الدعاء متعلقاً بقبول الصدقة، وسؤال الله التوفيق للمزيد. قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: يقول المزكِّي ما ورد من الآثار والأدعية في ذلك: (اللهم تقبَّل منِّي إنك أنت السميع العليم) ، وقيل: يقول: (اللهمَّ اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرماً) . " الشرح الممتع " (٦ / ٢٧٠) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13095

الصدقة في وقت الحاجة والمجاعة أفضل من التطوع بالعمرة [السُّؤَالُ] ـ[سمعت بعض الدعاة يقول: إن التصدق على المسلمين المضطرين إلى المال، كمن عندهم مجاعة أفضل من الاعتمار في رمضان، ما رأي فضيلتكم؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله " نعم، الصدقة في وقت الحاجة وشدة المجاعة أفضل من عمرة التطوع، لأن نفع العمرة قاصر على صاحبها، والصدقة على المحاويج والجياع يتعدى نفعها، وما كان نفعه متعدياً أفضل مما كان نفعه قاصراً، وهذا عام في فقراء المسلمين في كل مكان، ولكن الفقراء الذين في البلد أحق من الذين في الخارج. والله أعلم ". "المنتقى من فتاوى الشيخ صالح الفوزان" (٢ / ٣٣٣) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13096

الفرق بين الحج وبين الجلوس بعد الفجر وفيه أجر حجة تامة [السُّؤَالُ] ـ[ما الفرق بين الحج والجلوس بعد صلاة الفجر حتى طلوع الشمس ثم صلاة ركعتين كما أخبر الرسول ﵌ أن من فعل ذلك له مثل حجة تامة تامة تامة.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: الجلوس بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس وصلاة ركعتين، ورد فيه قول النبي ﷺ : (مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ , تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ) رواه الترمذي (٥٨٦) . وهذا الحديث مختلف في صحته، فضعفه جماعة من أهل العلم، وحسنه آخرون. وممن حسنه الألباني ﵀ في صحيح سنن الترمذي. وسئل عنه الشيخ ابن باز ﵀ , فقال: "هذا الحديث له طرق لا بأس بها، فيعتبر بذلك من باب الحسن لغيره، وتستحب هذه الصلاة بعد طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح، أي بعد ثلث أو ربع ساعة تقريبا من طلوعها " انتهى من "فتاوى الشيخ ابن باز" (٢٥/١٧١) . وظاهر هذا الحديث أن من فعل ذلك له أجر حجة وعمرة تامة تامة، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء. وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: ورد في الحديث: (من جلس في مصلاه بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس كان كحجة وعمرة تامة تامة) أو كما ورد في الحديث، هل معنى ذلك: أن من فعل هذا فله مثل أجر الحج والعمرة، أم كيف ذلك؟ فأجاب: " أولاً هذا الحديث فيه مقال، فإن كثيراً من الحفاظ ضعفوه. ثانياً: على تقدير صحته فالثواب لا قياس فيه، قد يثاب الإنسان على عمل قليل ثواب عمل كثير؛ لأن الثواب فضل من الله يؤتيه من يشاء " انتهى من "اللقاء الشهري" (٧٤/٢٢) . وأما الفرق بين هذا الجلوس وبين أداء الحج والعمرة، فالحج فيه بذل المال، وسعي البدن، وتحمل المشاق، وهو فرض على القادر المستطيع، وركن من أركان الإسلام , وهذا الجلوس والذكر والصلاة يشابه الحج في الثواب فقط , وليس معنى الحديث أن من فعل ذلك فقد أتى بالحج والعمرة وسقط عنه وجوبهما. ونظير هذا: أن من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له في يوم مائة مرة كانت كعتق عشر رقاب , ولو كان عليه كفارة يمين (ومن خصالهما عتق رقبة) وقال هذا الذكر فإنه لا يجزئ عنه. وقد اشتهر عن أهل العلم قولهم في مثل هذا: المشابهة في الجزاء، لا في الإجزاء. والمقصود أن هذا الحديث فيه ترغيب في ذكر الله تعالى، والجلوس في المسجد إلى طلوع الشمس، وأداء ركعتين بعد ذلك. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13097

هل هناك أجور في الدنيا على الطاعات عدا أجور الآخرة ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل يأجرنا الله في هذه الحياة (الدنيا) بالإضافة إلى الدار الآخرة؟ أعني أن الله يثيبنا ويأجرنا في الحياة عن قيامنا بالصالحات ونحصل أيضا على أجور أكثر في الدار الآخرة....]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله نعم، وعد الله تعالى المؤمن الذي يعمل الصالحات بالثواب العاجل في الدنيا، مع ما ينتظره من الثواب الأعظم في الآخرة. قال الله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) النحل/٩٧ قال ابن القيم: فضمن لأهل الإيمان والعمل الصالح الجزاء في الدنيا بالحياة الطيبة والحسنى يوم القيامة. وقد ورد في الكتاب والسنة ذكر جزاء بعض الأعمال الصالحة في الدنيا فمن ذلك: ١. النفقة قال الله تعالى: (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين) سبأ/٣٩. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : قال الله ﵎: " يا ابن آدم أنْفِق أُنْفِق عليك ". رواه البخاري (٤٤٠٧) ومسلم (٩٩٣) . فالنفقة في وجوه الطاعات من أسباب سعة الرزق وزيادته. ٢. التيسير على المعسر والستر على المسلم ومعاونته: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " مَن نفَّس عن مؤمن كربةً من كُرب الدنيا نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسرٍ يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن سَتر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ". رواه مسلم (٢٦٩٩) . ٣. التواضع لله عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزّاً، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله ". رواه مسلم (٢٥٨٨) . قال المباركفوري: " رفعه الله " في الدنيا والآخرة. " تحفة الأحوذي " (٦ / ١٥٠) . ٤. صلة الرحم عن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: " مَن سرَّه أن يُبسط له في رزقه أو يُنسأ له في أثره فليصِل رحِمَه ". رواه البخاري (١٩٦١) ومسلم (٢٥٥٧) . قال النووي: " ينسأ " أي: يؤخر. و" الأثر " الأجل , لأنه تابع للحياة في أثرها. و" بسط الرزق " توسيعه وكثرته , وقيل: البركة فيه. وأما التأخير في الأجل ففيه سؤال مشهور , وهو أن الآجال والأرزاق مقدرة لا تزيد ولا تنقص , ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ وأجاب العلماء بأجوبة الصحيح منها: أن هذه الزيادة بالبركة في عمره , والتوفيق للطاعات , وعمارة أوقاته بما ينفعه في الآخرة , وصيانتها عن الضياع في غير ذلك. والثاني: أنه بالنسبة إلى ما يظهر للملائكة وفي اللوح المحفوظ , ونحو ذلك , فيظهر لهم في اللوح أن عمره ستون سنة إلا أن يصل رحمه فإن وصلها زيد له أربعون , وقد علم الله ما سيقع له من ذلك , وهو من معنى قوله تعالى: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾ فبالنسبة إلى علم الله تعالى , وما سبق به قدره لا زيادة بل هي مستحيلة , وبالنسبة إلى ما ظهر للمخلوقين تُتصور الزيادة , وهو مراد الحديث. والله أعلم. " شرح مسلم " (١٦ / ١١٤) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13098

متى ساعة الإجابة يوم الجمعة [السُّؤَالُ] ـ[آخر ساعة من عصر يوم الجمعة هل هي ساعة الإجابة، وهل يلزم المسلم أن يكون في المسجد في هذه الساعة، وكذلك النساء في المنازل؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أرجح الأقوال في ساعة الإجابة يوم الجمعة قولان: أحدهما: إنها بعد العصر إلى غروب الشمس في حق من جلس ينتظر صلاة المغرب، سواء كان في المسجد أو في بيته يدعو ربه، وسواء كان رجلاً أو امرأة، فهو حري بالإجابة، لكن ليس للرجل أن يصلي في البيت صلاة المغرب، ولا غيرها إلا بعذر شرعي كما هو معلوم من الأدلة الشرعية. والثاني: أنها من حين يجلس الإمام على المنبر للخطبة يوم الجمعة إلى أن تقضي الصلاة، فالدعاء في هذين الوقتين حري بالإجابة. وهذان الوقتان هما أحرى ساعات الإجابة يوم الجمعة، لما ورد فيهما من الأحاديث الصحيحة الدالة على ذلك، وترجى هذه الساعة في بقية ساعات اليوم، وفضل الله واسع . ومن أوقات الإجابة في جميع الصلوات فرضها ونفلها، حال السجود لقوله ﷺ : (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء) أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ في الصلاة (٤٨٢) ، وروى مسلم ﵀ في صحيحه عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (فأما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يُستجاب لكم) مسلم في الصلاة (٤٧٩) ، ومعنى قوله ﷺ فقمن أن يستجاب لكم أي حري. [الْمَصْدَرُ] الشيخ ابن باز في مجلة البحوث عدد رقم ٣٤ ص ١٤٢

стр. 13099

فضل الإنصات لخطبة الجمعة [السُّؤَالُ] ـ[هل يُجزى الرجل في خطبة الجمعة عند إنصاته لها؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد للًّه الإنصات للخطيب يوم الجمعة من الواجبات المحتمات، فلا يجوز للمسلم أن يتساهل في ذلك، فيعبث أو يتحدث أو ينشغل عن الخطبة، وقد ورد في فضائل الإنصات الأحاديث الآتية: ١- تكفير ما بين الجمعة والجمعة السابقة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ اغْتَسَلَ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ ثُمَّ أَنْصَتَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى وَفَضْلُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) رواه مسلم (٨٥٧) وبنحوه عن سلمان الفارسي عند البخاري (٨٨٣) ٢- يُكتَب له بكل خطوة إلى الجمعة أجرُ صيامِ سنةٍ وقيامها: عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَغَسَّلَ وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ وَدَنَا وَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا أَجْرُ سَنَةٍ صِيَامُهَا وَقِيَامُهَا) رواه الترمذي (٤٩٦) وقال: حديث حسن وصححه البيهقي في "السنن الكبرى" (٣/٢٢٧) والألباني في صحيح الترمذي. ٣- أجر صلاة الجمعة موقوف على الإنصات: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ) رواه البخاري (٩٣٤) ومسلم (٨٥١) ٤- من أنصت له كفلان من الأجر: خطب علي بن أبي طالب في الكوفة فكان في خطبته: (فَإِذَا جَلَسَ الرَّجُلُ مَجْلِسًا يَسْتَمْكِنُ فِيهِ مِنْ الِاسْتِمَاعِ وَالنَّظَرِ فَأَنْصَتَ وَلَمْ يَلْغُ كَانَ لَهُ كِفْلَانِ مِنْ أَجْرٍ، فَإِنْ نَأَى وَجَلَسَ حَيْثُ لَا يَسْمَعُ فَأَنْصَتَ وَلَمْ يَلْغُ لَهُ كِفْلٌ مِنْ أَجْرٍ، وَإِنْ جَلَسَ مَجْلِسًا يَسْتَمْكِنُ فِيهِ مِنْ الِاسْتِمَاعِ وَالنَّظَرِ فَلَغَا وَلَمْ يُنْصِتْ كَانَ لَهُ كِفْلٌ مِنْ وِزْرٍ) ثُمَّ يَقُولُ فِي آخِرِ ذَلِكَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ رواه أبو داود (١٠٥١) وضعفه الألباني، وجاء نحوه عن أبي أمامة مرفوعا في "المعجم الكبير" (٨/١٦٥) ، ومرسلا عن يحيى بن أبي كثير في "مصنف عبد الرزاق" (٣/٢٢٣) وانظر حكم الإنصات لخطبة الجمعة في جواب السؤال رقم (٤٥٦٥١) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سوال وجواب

стр. 13100

ما هو أجر إحسان الزوجين لبعضهما ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ما أجر الزوجة الصالحة في دينها عند الله إذا كانت تسعد زوجها، وتحبه، وتصونه، وتدلِّلُه، وتعامله وكأنه طفلها الصغير بكل حنان، وتعمل كل شيء في سبيل سعادته، وتطيعه في كل شيء، ويكون هو سعيدا منها كثيرا، ودائما يدعو لها برضى الله عليها. وما أجر الرجل كذلك إن كان يعاملها نفس المعاملة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أسأل الله تعالى أن يديم عليكما الود والمحبة والسعادة، وأن يملأ بيوت المسلمين بما ملأ به بيتكما من حسن الصحبة والمعاشرة، وأبشرك – أختي السائلة – بالبشارات الكثيرة التي أخبرنا بها نبينا محمد ﷺ في بيان أجر الزوجة التي حالها ما ذكرت: فعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال رسول الله ﷺ : (إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفظتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا، قِيْلَ لَهَا ادخُلِي مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ) رواه أحمد (١/١٩١) وقال محققو المسند: حسن لغيره. وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب" (١٩٣٢) وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: (أَلَا أُخبِرُكُم بِرِجَالِكُم فِي الجَنَّةِ؟ قُلنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قال: النَّبِيُّ فِي الجَنَّةِ، وَالصِّدِّيقُ فِي الجَنَّةِ، وَالرَّجُلُ يَزُورُ أَخَاهُ فِي نَاحِيَةِ المِصرِ لَا يَزُورُهُ إِلَاّ لِلَّهِ فِي الجَنَّةِ، أَلَا أُخبِرُكُم بِنِسَائِكُم فِي الجَنَّةِ؟ قُلنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: وَدُودٌ وَلُودٌ إِذَا غَضِبَت أَو أُسِيءَ إِلَيهَا أَو غَضِبَ زَوجُهَا قَالَت: هَذِهِ يَدِي فِي يَدِكَ، لَا أَكتَحِلُ بِغِمضٍ حَتَّى تَرضَى) رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٢/٢٠٦) وقد جاء عن جماعة من الصحابة آخرين، لذلك حسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣٣٨٠) وفي صحيح الترغيب (١٩٤٢) وعن حصين بن محصن ﵁ عن عمته: (أَنَّهَا أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي حَاجَةٍ، فَقَضَى لَهَا حَاجَتَهَا، ثُمَّ قَالَ: أَذَاتُ بَعْلٍ أَنْتِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَيْفَ أَنْتِ لَهُ؟ قَالَتْ: مَا آلُوَهُ إِلا مَا عَجَزْتُ عَنْهُ. قَالَ: فَانْظُرِي كَيْفَ أَنْتِ لَهُ فَإِنَّهُ جَنَّتُكِ وَنَارُكِ) رواه أحمد (٤/٣٤١) وقال محققو المسند: إسناده محتمل للتحسين. وقال المنذري: إسناد جيد. وصححه الحاكم في المستدرك (٦/٣٨٣) والألباني في "صحيح الترغيب" (١٩٣٣) يقول المناوي في "فيض القدير" (٣/٦٠) : " أي: هو سبب لدخولك الجنة برضاه عنك، وسبب لدخولك النار بسخطه عليك، فأحسني عشرته، ولا تخالفي أمره فيما ليس بمعصية " انتهى. أما البشارة التي جاءت للزوج الذي يحسن صحبة زوجته، فهي أن النبي ﷺ شهد له بكمال الإيمان الموجب لدخول الجنة، وبالأفضلية على سائر الناس. عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : (أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا) رواه الترمذي (١١٦٢) وقال حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في صحيح الترمذي. وانظري جواب السؤال رقم (٤٣١٢٣) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13101

علاقة الذنوب والمعاصي والأخلاق بالعقيدة [السُّؤَالُ] ـ[هل الوقوع في الذنوب دليل على فساد في العقيدة أو شبهة في العقيدة؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الأخلاق الحسنة – وهي التي تكون في ذاتها طاعة، أو تؤدي إلى طاعة - من الدِّين، بل هي الدِّين، وقد أثنى الله تعالى على نبيه محمد ﷺ بأنه على خُلُق عظيم، وفسر ابنُ عباس الخلق هنا بالإسلام. قال تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) القلم/٤. قال ابن عباس ﵄: أي: " إنك على دين عظيم، وهو الإسلام ". رواه الطبري في " تفسيره " (١٢ / ١٧٩) . فالصحيح أنه لا انفكاك للخلُق عن الدِّين، قال الفيروزآبادي في كتابه " بصائر ذوي التمييز " (٢ / ٥٦٨) : واعلم أن الدين كلّه خلُق، فمن زاد عليك في الخلُق زاد عليك في الدِّين. انتهى. ومما لا شك فيه أن للعقيدة ارتباطاً وثيقاً بالسلوك والأخلاق، سلباً وإيجاباً، ويتبين ذلك من خلال أمور، منها: ١. أن المسلم الذي يعتقد أن الله تعالى يسمعه ويبصره ويطلع على سريرته، ويقوى هذا الجانب فيه لا يصدر منه من الأخلاق والأفعال ما يفعله من ضعف اعتقاده في هذه الأمور. ومما يدل على ذلك: أ. قوله تعالى (وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) النساء/١٢٨. ب. وقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) النساء/١٣٥. ج. وقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) النساء/٥٨. ٢. ومنها: أن المسلم الذي يؤمن بوعد الله تعالى ووعيده يدفعه اعتقاده ذاك للقيام بما هو محبوب لله تعالى، والابتعاد عن كل ما هو مبغوض له . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا) . رواه الترمذي (١١٦٢) وقال: حَسَنٌ صَحِيحٌ وأبو داود (٤٦٨٢) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀: ومن المعلوم أن أحبَّ خلقه إليه المؤمنون، فإذا كان أكملهم إيمانا أحسنهم خلقا: كان أعظمهم محبة له أحسنهم خلقا، والخُلُق الدين كما قال الله تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَى? خُلُقٍ عَظِيمٍ) ، قال ابن عباس: على دين عظيم، وبذلك فسره سفيان بن عيينة، وأحمد بن حنبل، وغيرهما، كما قد بيَّناه في غير هذا الموضع. " الاستقامة " (ص ٤٤٢) . وقال المباركفوري – ﵀: قوله: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلُقاً) بضم اللام ويسكن؛ لأن كمال الإيمان يوجب حسن الخلق والإحسان إلى كافة الإنسان. " تحفة الأحوذي " (٤ / ٢٧٣) . ٣. ومنها: أن قوة الإيمان تدفع للقيام بالأعمال الصالحة، وتمنع من التدنس برجس المعاصي والآثام. ومما يدل على ذلك: أ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ) . رواه البخاري (٢٣٣٤) ومسلم (٥٧) . ب. عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ، قِيلَ: وَمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الَّذِي لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَايِقَهُ) . رواه البخاري (٥٦٧٠) . ج. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَر أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنْ الإِيمَانِ) . رواه البخاري (٢٤) ومسلم (٣٦) . قَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ ﵀: الإِيمَانُ يَبْدُو فِي الْقَلْبِ ضَعِيفًا ضَئِيلا كَالْبَقْلَةِ ; فَإِنْ صَاحِبُهُ تَعَاهَدَهُ فَسَقَاهُ بِالْعُلُومِ النَّافِعَةِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَأَمَاطَ عَنْهُ الدَّغَلَ وَمَا يُضْعِفُهُ وَيُوهِنُهُ، أَوْشَكَ أَنْ يَنْمُوَ أَوْ يَزْدَادَ وَيَصِيرَ لَهُ أَصْلٌ وَفُرُوعٌ وَثَمَرَةٌ وَظَلَّ إلَى مَا لا يَتَنَاهَى، حَتَّى يَصِيرَ أَمْثَالَ الْجِبَالِ. وَإِنْ صَاحِبَهُ أَهْمَلَهُ وَلَمْ يَتَعَاهَدْهُ جَاءَهُ عَنْزٌ فَنَتَفَتْهَا، أَوْ صَبِيٌّ فَذَهَبَ بِهَا، وَأَكْثَرَ عَلَيْهَا الدَغَلَ فَأَضْعَفَهَا، أَوْ أَهْلَكَهَا أَوْ أَيْبَسَهَا؛ كَذَلِكَ الإِيمَانُ!! وَقَالَ خيثمة بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: الإِيمَانُ يَسْمَنُ فِي الْخِصْبِ وَيَهْزُلُ فِي الْجَدْبِ؛ فَخِصْبُهُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ وَجَدْبُهُ الذُّنُوبُ وَالْمَعَاصِي!! [نقله ابن تيمية في كتاب "الإيمان" ص (٢١٣) ] ٤. ومنها: أن الإيمان بقضاء الله تعالى وقدره يمنع من أخلاق سيئة كثيرة، ومعاصي توعد الشرع عليها أشد الوعيد، كالتسخط، وشق الثياب، وتمزيق الشعر، والنياحة، كما أن هذا الإيمان يدعو صاحبه للتحلى بفضائل الأخلاق ومعاليها، كالصبر، والرضا، والاحتساب. عَنْ صُهَيْبٍ الرومي ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) . رواه مسلم (٢٩٩٩) . وفي سنن أبي داود (٤٧٠٠) : قَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ حَقِيقَةِ الإِيمَانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ؛ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ!! قَالَ: رَبِّ، وَمَاذَا أَكْتُبُ؟!! قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ!!) يَا بُنَيَّ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنِّي!!) صححه الألباني. ٥. ومنها: أن الشرع حث على كثيرٍ من الطاعات مؤكدا عليها بارتباطها بالإيمان بالله واليوم الآخر، وحرَّم معاصٍ وموبقات مذكِّراً بالإيمان بالله واليوم الآخر. ومما يدل على ذلك: أ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ) . رواه البخاري (٥٦٧٢) ومسلم (٤٧) . ب. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ ثَلاثِ لَيَالٍ إِلا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ) . رواه البخاري (١٠٣٦) ومسلم (١٣٣٨) – واللفظ له -. ج. عَن أُمِّ حَبِيبَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلاثٍ إِلا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) . رواه البخاري (١٢٢١) ومسلم (١٤٨٦) . ٦. ومنها: أن النبي ﷺ بيَّن في سنَّته أن فساد الاعتقاد – كالنفاق – يؤدي إلى فساد الأخلاق والأعمال. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ) . رواه البخاري (٣٣) ومسلم (٥٩) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (المخالفون لأهل الحديث هم مظنة فساد الأعمال؛ إما عن سوء عقيدة ونفاق، وإما عن مرض في القلب وضعف إيمان؛ ففيهم من ترك الواجبات واعتداء الحدود والاستخفاف بالحقوق وقسوة القلب ما هو ظاهر لكل أحد، وعامة شيوخهم يُرمون بالعظائم، وإن كان فيهم من هو معروف بزهد وعبادة، ففي زهد بعض العامة من أهل السنة وعبادته ما هو أرجح مما هو فيه!! ومن المعلوم أن العلم أصل العمل، وصحة الأصول توجب صحة الفروع، والرجل لا يصدر عنه فساد العمل إلا لشيئين: إما الحاجة وإما الجهل؛ فأما العالم بقبح الشيء الغني عنه فلا يفعله؛ اللهم إلا من غلب هواه عقله، واستولت عليه المعاصي، فذاك لون آخر وضرب ثان!!) مجموع الفتاوى (٤/ ٥٣) . نسأل الله تعالى أن يصلح شأننا كله، وأن يهدينا لأحسن الأقوال والأفعال والأخلاق. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13102

هل السيئات تتضاعف في رمضان ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل السيئات تضاعف في رمضان كما تتضاعف الحسنات؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "المشروع للمسلم في رمضان وفي غيره مجاهدة نفسه الأمارة بالسوء حتى تكون نفسا مطمئنة آمرة بالخير راغبة فيه، وواجب عليه أن يجاهد عدو الله إبليس حتى يسلم من شره ونزغاته، فالمسلم في هذه الدنيا في جهاد عظيم متواصل للنفس والهوى والشيطان، وعليه أن يكثر من التوبة والاستغفار في كل وقت وحين، ولكن الأوقات يختلف بعضها عن بعض، فشهر رمضان هو أفضل أشهر العام، فهو شهر مغفرة ورحمة وعتق من النار، فإذا كان الشهر فاضلا والمكان فاضلا ضوعفت فيه الحسنات، وعظم فيه إثم السيئات، فسيئة في رمضان أعظم إثما من السيئة في غيره، كما أن طاعة في رمضان أكثر ثوابا عند الله من طاعة في غيره، لما كان رمضان بتلك المنزلة العظيمة كان للطاعة فيه فضل عظيم ومضاعفة كثيرة وكان إثم المعاصي فيه أشد وأكبر من إثمها في غيره. فالمسلم عليه أن يغتنم هذا الشهر المبارك بالطاعات والأعمال الصالحات والإقلاع عن السيئات، عسى الله أن يمن عليه بالقبول ويوفقه للاستقامة على الحق، ولكن السيئة دائما بمثلها لا تضاعف في العدد لا في رمضان ولا في غيره، أما الحسنة فإنها تضاعف بعشر أمثالها إلى أضعاف كثيرة؛ لقول الله في سورة الأنعام: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) الأنعام/١٦٠. والآيات في هذا المعنى كثيرة. وهكذا في المكان الفاضل كالحرمين الشريفين تضاعف الحسنات فيهما أضعافا كثيرة في الكمية والكيفية، أما السيئات فلا تضاعف بالكمية ولكنها تضاعف بالكيفية في الزمان الفاضل، والمكان الفاضل كما تقدمت الإشارة إلى ذلك" اهـ. [الْمَصْدَرُ] مجموع فتاوى الشيخ ابن باز (١٥/٤٤٦) .

стр. 13103

يرعى عمته ويقوم على شئونها فهل لها أن تهبه دون باقي إخوته ؟ [السُّؤَالُ] ـ[لي عمة كبيرة في السن تملك قدراً من المال والعقار ورثتها عن والدها، ومنذ ما يقارب من خمسة عشر سنة قامت بتوكيلي رسميّاً في إدارة أموالها وممتلكاتها وكان ذلك بموافقة والدي، والجدير بالذكر أن عمتي قد عاشت حياة محافظة جدّاً، ولا تعرف الكتابة أو القراءة ولا تستطيع تدبير أمورها دون مساعدتي لها. وطوال الفترة التي كنت وكيلا عنها كانت تعاملني وكأني ولدها الوحيد وكنت المتصرف في مالها والقائم على إدارة شئونها المعيشية والمرضية وغيره دون بقية إخوتي الاثني عشر الآخرين الذين لا يصلونها إلا في المناسبات الاجتماعية أو الدينية. توفى والدي فأصبحت أنا وإخوتي الوارثين الشرعيين الوحيدين لها وقد استأذنتها بدون علم إخوتي أو موافقتهم في تسجيل أغلب ممتلكاتها من العقار والمال لي شخصيّاً والبعض الآخر لإحدى أخواتي وابنها الذي هو في الحقيقة زوج ابنتي لكونه يساعدني في تدبير حال معيشتها، وقد وافقتْ على ذلك وقمت بالتسجيل لنفسي ولأختي وابنها، إلا أن إخوتي الآخرين اكتشفوا ذلك مؤخراً وبدأ الجميع في توجيه اللوم لي واتهامي بالتعمد في الإضرار بالعمة وبهم من جراء هذه الفعلة واستغلال عدم أهلية العمة وعدم إدراكها بأمور الحياة وعدم معرفتها لقيمة أملاكها وإساءة استخدام الوكالة التي في حوزتي، إضافة إلى اتهامي بارتكاب مخالفة لحكم الله ورسوله. فهل يعتبر ذلك تعديّاً على حكم الشرع الشريف فيما قمت به من عملية الهبة، علما أنها تمت بعلم عمتي وموافقتها عليها؟ وهل يجوز لإخواني الآخرين الاعتراض على هذه الهبة؟ أرجو منكم نصحي بما يجنبني التعدي على حدود الله إن كنت مخطأً لتدارك تصحيح ما قمت به والاستغفار منه قبل فوات الأوان.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: قيامك على شئون عمتك ورعايتك لها من الأعمال الصالحة التي تقربك إلى الله وتزيد في أجورك وتثقِّل موازينك، لكن ذلك مشروط باحتساب عملك لوجه الله تعالى، ولا حرج من أخذك أجرة المثل مقابل تلك الرعاية والعناية. ولا يحل لك أخذ ما يزيد على هذا بالإحراج أو بالحيلة , قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) النساء/٢٩، وقال النبي ﷺ : (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه) رواه أحمد (٢٠١٧٢) وصححه الألباني في " إرواء الغليل " (١٤٥٩) . كما لا يحل لك - ولا لها – قصد الإضرار بالورثة، سواء كان ذلك بالهبة أو الوقف في حال الحياة أو وصية بعد الموت لغير وارث؛ قال النبي ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار) رواه أحمد وابن ماجه (٢٣٤١) وصححه الألباني في " صحيح ابن ماجه " قال ابن رجب الحنبلي ﵀: " وأما إن قصد المضارة بالوصية لأجنبي بالثلث فإنه يأثم بقصده المضارة، وهل ترد وصيته إذا ثبت بإقراره أم لا؟ حكى ابن عطية رواية عن مالك: أنها ترد، وقيل: إنه قياس مذهب أحمد " انتهى. " جامع العلوم الحِكَم " (١ / ٣٠٥) . وقال الشيخ صدِّيق حسن خان ﵀: " ومن وقف شيئا مضارة لوارثه كان وقفه باطلا , لأن ذلك مما لم يأذن به الله سبحانه , بل لم يأذن إلا بما كان صدقة جارية ينتفع بها صاحبها , لا بما كان إثما جاريا , وعقابا مستمرا , وقد نهى الله تعالى عن الضرار في كتابه العزيز عموما وخصوصا , ونهى عنه النبي ﷺ عموما , كحديث: (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام) " انتهى. " الروضة الندية " (٢ / ١٥٤) . ثانياً: جاء في سؤالك قولك عن إخوتك فيما أنكروه عليك " واستغلال عدم أهلية العمة "! فإذا كان ما قالوه صحيحاً وأن عمتك ليست أهلاً للتصرف في المال , كما لو كانت غير عاقلة , أو كانت سفيهة تضيع الأموال: فإن ما قامت به من هبتك أموالها باطل شرعاً ولا يحل لك تملكه؛ لعدم أهليتها في التصرف في أموالها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " جميع الأقوال والعقود مشروطة بوجود التمييز والعقل، فمن لا تمييز له ولا عقل: ليس لكلامه في الشرع اعتبار أصلا , كما قال النبي ﷺ : (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد , وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب) فإذا كان القلب قد زال عقله الذي به يتكلم ويتصرف فكيف يجوز أن يجعل له أمر ونهي أو إثبات ملك أو إزالته، وهذا معلوم بالعقل مع تقرير الشارع له ... . العقود وغيرها من التصرفات مشروطة بالقصود كما قال النبي ﷺ (إنما الأعمال بالنيات) ، وقد قررت هذه القاعدة في كتاب " بيان الدليل على بطلان التحليل " وقررت أن كل لفظ بغير قصد من المتكلم لسهو وسبق لسان وعدم عقل: فإنه لا يترتب عليه حكم " انتهى. " مجموع الفتاوى " (٣٣ / ١٠٧) . ثالثاً: أما إذا كانت عمتك عاقلة رشيدة فإن تصرفها في أموالها بالهبة أو الصدقة أو غير ذلك: صحيح. قال الشيخ عبد الله بن جبرين حفظه الله في حكم مطابق لمسألتنا: " يجوز للزوج في صحته وحياته أن يهدي زوجته ما يشاء مقابل صبرها أو حسن خدمتها أو ما دخل عليه لها من مال أو صداق إذا لم يفعله إضراراً بالورثة الآخرين، ولا يتحدد ذلك بربع المال ولا غيره. وهكذا بالنسبة للزوجة، لها أن تعطي زوجها ما شاءت من مالها أو صداقها؛ لقوله تعالى: (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً) . ولا يجوز ذلك في حال المرض؛ لكونه يُعتبر وصية لوارث " انتهى. " فتاوى إسلامية " (٣ / ٢٩) . وليعلم إخوتك أنه لا يجب على العمة أن تعدل في العطية بين أولاد أخيها، والعدل في العطية إنما يجب إذا كانت العطية للأولاد , أما غيرهم فلا يجب العدل بينهم في العطية. قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: " يجوز للإنسان أن يفضِّل بعض ورثته على بعض إذا كان هذا التفضيل في حال صحته إلا في أولاده فإنه لا يجوز أن يفضل بعضهم على بعض " انتهى. " فتاوى إسلامية " (٣ / ٣٠) . وخلاصة الجواب: إذا كانت عمتك عاقلة رشيدة ووهبتك هذه الأموال بمحض إرادتها ورضاها من غير إجبار منك أو احتيال , ولم تُرِدْ بذلك الإضرار بالورثة , فهذه الهبة صحيحة , وليست مخالفة للشرع. أما إذا كانت غير رشيدة أو كانت الهبة بدون رضاها , أو أرادت الإضرار بالورثة , فهذه الهبة حرام ولا تصح , وأموالها ما زالت باقية في ملكها. ولك في هذه الحالة أن تأخذ منها أجرة مقابل خدمتك لها وإدارتك لأموالها , على أن تكون هذه الأجرة على قدر العمل وليس مبالغاً فيها. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13104

أجر من توفي له ولد فصبر عليه [السُّؤَالُ] ـ[ما هو ثواب الوالدين إذا صبرا وشكرا الله إذا مات لهم طفل ولد حديثاً؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ثبت في الكتاب والسنة نصوص كثيرة تدل على فضل الصابرين وعظيم أجرهم، وأن الله يوفيهم أجرهم بغير حساب. وهذا يشمل كل من صبر على أي مصيبة ابتلي بها، ولا شك أن فقد الولد من المصائب العظيمة على من وقعت عليه، فمن صبر عليها ورضي بقضاء الله وقدره، حصل له هذا الأجر العظيم بفضل الله وكرمه. وإليك شيئا من هذه النصوص لعلها أن تكون مسلية لك في مصيبتك: قال الله تعالى: " (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) البقرة / ١٥٥، ١٥٦،١٥٧) . وقال سبحانه: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) آل عمران /١٤٦. وقال جل شأنه: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) الزمر / ١٠. والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا. وأما الأحاديث فهي كثيرة أيضا منها: ما رواه مسلم (٥٣١٨) عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ " هذا في فضل الصبر عامة. وقد ورد في فضل الصبر على فقد الولد خاصة أحاديث منها: ما رواه الترمذي (٩٤٢) عَنْ أَبِي سِنَانٍ قَالَ دَفَنْتُ ابْنِي سِنَانًا وَأَبُو طَلْحَةَ الْخَوْلانِيُّ جَالِسٌ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ فَلَمَّا أَرَدْتُ الْخُرُوجَ أَخَذَ بِيَدِي فَقَالَ أَلا أُبَشِّرُكَ يَا أَبَا سِنَانٍ قُلْتُ بَلَى فَقَالَ حَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَرْزَبٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَالَ اللَّهُ لِمَلائِكَتِهِ قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيَقُولُ قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيَقُولُ مَاذَا قَالَ عَبْدِي فَيَقُولُونَ حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ فَيَقُولُ اللَّهُ: " ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ " حسنه الألباني في السلسة الصحيحة (١٤٠٨) . وورد في الصحيحين أجر خاص لمن توفي له أكثر من طفل فصبر واحتسب فعن عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّ النِّسَاءَ قُلْنَ لِلنَّبِيِّ ﷺ اجْعَلْ لَنَا يَوْمًا فَوَعَظَهُنَّ وَقَالَ أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَ لَهَا ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ كَانُوا حِجَابًا مِنْ النَّارِ قَالَتْ امْرَأَةٌ وَاثْنَانِ قَالَ وَاثْنَانِ " أخرجه البخاري (٩٩) ومسلم (٤٧٨٦) . وفي رواية عند البخاري (١٢٩٢) عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا مِنْ النَّاسِ مُسْلِمٌ يَمُوتُ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إِلا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ" فهذه الأحاديث تبين أن من توفي له ولدان أو أكثر فصبر عليهما أنه موعود بالجنة، والنجاة من النار. وقد علمنا نبينا ﷺ دعاء نقوله عند المصيبة فيه فضل وأجر عظيم وهو ما رواه مسلم في صحيحه (١٥٢٥) عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إِلا أَخَْفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا قَالَتْ فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ أَوَّلُ بَيْتٍ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ إِنِّي قُلْتُهَا فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ " نسأل الله أن يلهمك الصبر على مصيبتك وأن يخلف لك خيرا.. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13105

معنى حديث (مَن صَلَّى الصُّبحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ) [السُّؤَالُ] ـ[ما معنى حديث رسول الله ﷺ : (مَن صَلَّى الصُّبحَ فِي جَمَاعَةٍ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ ... ) ؛ وكيف أكون في ذمة الله؟ وهل صلاة الرجل مع زوجته في البيت جماعة له نفس معنى الجماعة المراد في الحديث؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله روى مسلم (٦٥٧) عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مَن صَلَّى الصُّبحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ، فَلا يَطلُبَنَّكُمُ اللَّهُ مِن ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ فَيُدرِكَهُ فَيَكُبَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ) . قال النووي في "شرح مسلم" (٥/١٥٨) :" الذِّمَّة هنا: الضمان، وقيل الأمان " انتهى. قال الطيبي ﵀: " وإنما خص صلاة الصبح بالذكر؛ لما فيها من الكلفة والمشقة، وأداؤها مظنة خلوص الرجل، ومنه إيمانه؛ ومن كان مؤمنا خالصا فهو في ذمة الله تعالى وعهده. " شرح مشكاة المصابيح، للطيبي (٢/١٨٤) . وفي المراد بالحديث قولان للعلماء: الأول: أن يكون في الحديث نهي عن التعرض بالأذى لكل مسلم صلى صلاة الصبح، فإن من صلى صلاة الصبح فهو في أمان الله وضمانه، ولا يجوز لأحد أن يتعرض لِمَن أمَّنَه الله، ومن تعرض له، فقد أخفر ذمة الله وأمانه، أي أبطلها وأزالها، فيستحق عقاب الله له على إخفار ذمته، والعدوان على من في جواره. انظر: فيض القدير للمناوي (٦/١٦٤) . قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ "شرح رياض الصالحين" (١/٥٩١) : " في هذا دليل على أنه يجب احترام المسلمين الذي صدَّقوا إسلامهم بصلاة الفجر؛ لأن صلاة الفجر لا يصليها إلا مؤمن، وأنه لا يجوز لأحد أن يعتدي عليهم " انتهى. ويدل لهذا المعنى ما رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٤/٥) بسنده، وقال الألباني عنه في "صحيح الترغيب" (١/١١٠) : صحيح لغيره: عن الأعمش قال: كان سالم بن عبد الله بن عمر قاعدا عند الحجاج، فقال له الحجاج: قم فاضرب عنق هذا، فأخذ سالم السيف، وأخذ الرجل، وتوجه باب القصر، فنظر إليه أبوه وهو يتوجه بالرجل، فقال: أتراه فاعلا؟! فردَّه مرتين أو ثلاثا، فلما خرج به قال له سالم: صليت الغداة؟ قال: نعم. قال: فخذ أي الطريق شئت، ثم جاء فطرح السيف، فقال له الحجاج: أضربت عنقه؟ قال: لا، قال: ولِمَ ذاك؟ قال: إني سمعت أبي هذا يقول: قال رسول الله ﷺ : (مَن صَلَّى الغَدَاةَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ حَتَّى يُمسِيَ) !! والقول الثاني: أن يكون المقصود من الحديث التحذير من ترك صلاة الصبح والتهاون بها، فإن في تركها نقضا للعهد الذي بين العبد وربه، وهذا العهد هو الصلاة والمحافظة عليها. قال البيضاوي: " ويحتمل أن المراد بالذمة الصلاة المقتضية للأمان، فالمعنى: لا تتركوا صلاة الصبح ولا تتهاونوا في شأنها، فينتقض العهد الذي بينكم وبين ربكم، فيطلبكم الله به، ومن طلبه الله للمؤاخذة بما فرط في حقه أدركه، ومن أدركه كبه على وجهه في النار، وذلك لأن صلاة الصبح فيها كلفة وتثاقل، فأداؤها مظنة إخلاص المصلي، والمخلص في أمان الله " انتهى. نقلا عن "فيض القدير" (٦/١٦٤) وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن فضيلة الدخول في ذمة الله تعالى وجواره، المذكورة في هذا الحديث، إنما تثبت لمن صلى الصبح في جماعة؛ ولذلك بوب عليه النووي ﵀ في تبويبه لصحيح مسلم: باب فضل صلاة العشاء والصبح في جماعة، وسبقه إلى ذلك المنذري ﵀، فذكر الحديث في كتابه: الترغيب والترهيب، باب: (الترغيب في صلاة الصبح والعشاء خاصة، في جماعة، والترهيب من التأخر عنهما) . بل إن هذا هو ظاهر صنيع الإمام مسلم؛ حيث روى قبل الحديث نحوا من عشرين حديثا، وبعده بضعة عشر حديثا، كلها تتحدث عن صلاة الجماعة، وما يتعلق بها. ولذلك أورده الحافظ عبد الحق الأشبيلي في الجمع بين الصحيحين له، في باب: صلاة الجماعة (٩٢٣) . واعتمده المباركفوري في شرح الترمذي. قال: " (من صلى الصبح) في جماعة ". انتهى. وقال ابن علان في دليل الفالحين (٣/٥٥٠) : " أي: جماعة، كما في رواية أخرى ". ويشهد لهذا التقييد ـ من حيث الرواية ـ حديث أبي بكرة ﵁: (من صلى الصبح في جماعة فهو في ذمة الله ... ) قال الهيثمي ﵀ (٢/٢٩) : رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح، وقال المنذري في الترغيب: "ورجال إسناده رجال الصحيح "، وقال الألباني: صحيح لغيره. انظر: صحيح الترغيب، رقم (٤٦١) . تنبيه: هذه الزيادة اعتمدها المناوي أيضا، ونسبها إلى مسلم. وهو وهم منه، فزيادة (جماعة ليست في مسلم، بل ولا في شيء من الكتب الستة. وقيل: إن هذه الفضيلة تحصل لكل من صلى صلاة الصبح في وقتها، حتى ولو لم يدرك الجماعة، لعدم التقييد بذلك في رواية مسلم وغيره من أصحاب الكتب الستة. وهذا هو الظاهر من تبويب ابن ماجة ﵀ على هذا الحديث في سننه: باب: المسلمون في ذمة الله، من كتاب الفتن. وعلى ذلك ـ أيضا ـ ابن حبان في صحيحه (٥/٣٦) : " باب ذكر إثبات ذمة الله جل وعلا للمصلي صلاة الغداة "، هكذا بإطلاق المصلي. ثالثا:الجماعة الشرعية التي جاء الأمر بها وترتيب الأجور عليها هي جماعة المسجد، وليست أي جماعة أخرى، وقد سبق تفصيل ذلك في الأسئلة (٨٩١٨) (٤٩٩٤٧) (٧٢٣٩٨) وفي خصوص فضل صلاة الصبح في جماعة جاءت بعض الأدلة: فقد جاء في تفسير الطبري (٣/٢٧٠) في تفسير قوله تعالى (وَالمُستَغفِرِينَ بِالأَسحَارِ) عن زيد بن أسلم أنه قال: هم الذين يشهدون الصبح في جماعة. وفي تفسير قوله تعالى (تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ يَدعُونَ رَبَّهُم خَوفًا وَطَمَعًا) السجدة/١٦ قال أبو الدرداء والضحاك: صلاة العشاء والصبح في جماعة. انظر "زاد المسير" (٦/٣٣٩) وفي صحيح مسلم (٦٥٦) من حديث عثمان ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (مَن صَلَّى العِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصفَ الَّليلِ، وَمَن صَلَّى الصُّبحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى الَّليلَ كُلَّهُ) . وروى البخاري (٦١٥) ومسلم (٤٣٧) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (وَلَو يَعلَمُونَ مَا فِي العَتمَةِ وَالصُّبحِ لَأَتَوهُمَا وَلَو حَبوًا) وقال عمر بن الخطاب ﵁: لأن أشهد صلاة الصبح في جماعة أحب إلي من أن أقوم ليلة. "الاستذكار" (٢/١٤٧) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13106

موقف المؤمن من الابتلاء [السُّؤَالُ] ـ[إذا أصيب المسلم بمصيبة في نفسه أو ماله أو غير كذلك، كيف يكون تصرفه صحيحاً موافقا للشرع؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: إن المصائب والبلاء امتحانٌ للعبد، وهي علامة حب من الله له؛ إذ هي كالدواء، فإنَّه وإن كان مُرًّا إلا أنَّك تقدمه على مرارته لمن تحب - ولله المثل الأعلى - ففي الحديث الصحيح: (إنَّ عِظم الجزاء مع عظم البلاء، وإنَّ الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط) رواه الترمذي (٢٣٩٦) وابن ماجه (٤٠٣١) ، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي. ونزول البلاء خيرٌ للمؤمن من أن يُدَّخر له العقاب في الآخرة، وكيف لا وفيه تُرفع درجاته وتكفر سيئاته، قال النبي ﷺ : (إذا أراد الله بعبده الخير عجَّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافيه به يوم القيامة) رواه الترمذي (٢٣٩٦) وصححه الألباني في صحيح الترمذي. وقال الحسن البصري ﵀: لا تكرهوا البلايا الواقعة، والنقمات الحادثة، فَلَرُبَّ أمرٍ تكرهه فيه نجاتك، ولَرُبَّ أمرٍ تؤثره فيه عطبك – أي: هلاكك -. وقال الفضل بن سهل: إن في العلل لنعَماً لا ينبغي للعاقل أن يجهلها، فهي تمحيص للذنوب، وتعرّض لثواب الصبر، وإيقاظ من الغفلة، وتذكير بالنعمة في حال الصحة، واستدعاء للتوبة، وحضّ على الصدقة. والمؤمن يبحث في البلاء عن الأجر، ولا سبيل إليه إلَاّ بالصبر، ولا سبيل إلى الصبر إلَاّ بعزيمةٍ إيمانيةٍ وإرادةٍ قوية. وليتذكر قول الرسول ﷺ : (عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) رواه مسلم (٢٩٩٩) . وعلى المسلم إذا أصابته مصيبة أن يسترجع ويدعو بما ورد. فما أجمل تلك اللحظات التي يفر فيها العبد إلى ربه ويعلم أنه وحده هو مفرج الكرب، وما أعظم الفرحة إذا نزل الفرج بعد الشدة، قال الله تعالى: (وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ) . وروى مسلم (٩١٨) عن أم سلمة ﵂ أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله " إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها " إلا أخلف الله له خيراً منها) . قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة؟! أول بيت هاجر إلى رسول الله ﷺ ، ثم إني قلتها فأخلف اللهُ لي رسولَ الله ﷺ . ثانياً: وهناك أمور إذا تأملها من أصيب بمصيبة هانت عليه مصيبته وخفت. وقد ذكر ابن القيم في كتابه القيم " زاد المعاد " (٤/١٨٩–١٩٥) أموراً منها: ١- " أن ينظر إلى ما أصيب به فيجد ربه قد أبقى عليه مثله أو أفضل منه، وادَّخر له إن صبر ورضي ما هو أعظم من فوات تلك المصيبة بأضعاف مضاعفة، وأنه لو شاء لجعلها أعظم مما هي. ٢- أن يطفئ نار مصيبته ببرد التأسي بأهل المصائب، ولينظر يمنة فهل يرى إلا محنة؟ ثم ليعطف يسرة فهل يرى إلا حسرة؟ وأنه لو فتَّش العالم لم ير فيهم إلا مبتلى، إما بفوات محبوب، أو حصول مكروه، وأن شرور الدنيا أحلام نوم، أو كظل زائل، إن أضحكت قليلاً أبكت كثيراً، وإن سرَّت يوماً ساءت دهراً، وإن متَّعت قليلاً منعت طويلاً، ولا سرته بيوم سروره إلا خبأت له يوم شرور، قال ابن مسعود ﵁: لكل فرحة ترحة، وما مليء بيت فرحاً إلا مليء ترحاً. وقال ابن سيرين: ما كان ضحك قط إلا كان من بعده بكاء. ٣- أن يعلم أن الجزع لا يردها – أي: المصيبة - بل يضاعفها، وهو في الحقيقة من تزايد المرض. ٤- أن يعلم أن فوات ثواب الصبر والتسليم وهو الصلاة والرحمة والهداية التي ضمنها الله على الصبر والاسترجاع أعظم من المصيبة في الحقيقة. ٥- أن يعلم أن الجزع يشمت عدوه، ويسوء صديقه، ويغضب ربه، ويسر شيطانه، ويحبط أجره، ويضعف نفسه، وإذا صبر واحتسب وأرضى ربه، وسر صديقه، وساء عدوه، وحمل عن إخوانه وعزاهم هو قبل أن يعزوه، فهذا هو الثبات والكمال الأعظم، لا لطم الخدود، وشق الجيوب، والدعاء بالويل والثبور، والسخط على المقدور. ٦- أن يعلم أن ما يعقبه الصبر والاحتساب من اللذة والمسرة أضعاف ما كان يحصل له ببقاء ما أصيب به لو بقي عليه ويكفيه من ذلك " بيت الحمد " الذي يبنى له في الجنة على حمده لربه واسترجاعه، فلينظر أي المصيبتين أعظم: مصيبة العاجلة، أو مصيبة فوات بيت الحمد في جنة الخلد، وفي الترمذي مرفوعاً: (يود ناس يوم القيامة أن جلودهم كانت تقرض بالمقاريض في الدنيا لما يرون من ثواب أهل البلاء) ، وقال بعض السلف: لولا مصائب الدنيا لوردنا القيامة مفاليس. ٧- أن يعلم أن الذي ابتلاه بها أحكم الحاكين، وأرحم الراحمين، وأنه سبحانه لم يرسل إليه البلاء ليهلكه به، ولا ليعذبه به، ولا ليجتاحه، وإنما افتقده به ليمتحن صبره ورضاه عنه وإيمانه وليسمع تضرعه وابتهاله، وليراه طريحا ببابه، لائذاً بجنابه، مكسور القلب بين يديه، رافعا قصص الشكوى إليه. ٨- أن يعلم أنه لولا محن الدنيا ومصائبها لأصاب العبد من أدواء الكبر والعجب والفرعنة وقسوة القلب ما هو سبب هلاكه عاجلا وآجلا، فمن رحمة أرحم الراحمين أن يفتقده في الأحيان بأنواع من أدوية المصائب تكون حمية له من هذه الأدواء، وحفظا لصحة عبوديته، واستفراغاً للمواد الفاسدة الرديئة المهلكة منه، فسبحان من يرحم ببلائه، ويبتلي بنعمائه، كما قيل: قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ويبتلي الله بعض القوم بالنعم ٩- أن يعلم أن مرارة الدنيا هي بعينها حلاوة الآخرة، يقلبها الله سبحانه، كذلك وحلاوة الدنيا بعينها مرارة الآخرة، ولأن ينتقل من مرارة منقطعة إلى حلاوة دائمة خير له من عكس ذلك، فإن خفي عليك هذا فانظر إلى قول الصادق المصدوق ﷺ : (حُفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات) " انتهى باختصار. ثالثاً: كثير من الناس إذا أحسن تلقي البلاء علم أنه نعمة عليه ومنحة لا محنة قال شيخ الإسلام ﵀: " مصيبة تقبل بها على الله خير لك من نعمة تنسيك ذكر الله ". وقال سفيان: " ما يكره العبد خير له مما يحب، لأن ما يكرهه يهيجه للدعاء، وما يحبه يلهيه ". وكان ابن تيمية ﵀ يعد سجنه نعمة عليه تسبب فيها أعداؤه. قال ابن القيم: " وقال لي مرة – يعني شيخ الإسلام - ما يصنع أعدائي بي!! أنا جنتي وبستاني في صدري، أنى رحت فهي معي لا تفارقني، إنّ حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة. وكان يقول في محبسه في القلعة: لو بذلت ملء هذه القلعة ذهبا ما عدل عندي شكر هده النعمة أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير ونحو هذا. وكان يقول في سجوده وهو محبوس: اللهم اعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ما شاء الله، وقال لي مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه، ولما دخل إلى القلعة وصار داخل سورها نظر إليه وقال: فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، وعلم الله ما رأيت أحدا أطيب عيشا منه قط، مع كل ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والنعيم، بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشاً، وأشرحهم صدراً، وأقواهم قلباً، وأسرهم نفساً، تلوح نضرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض، أتيناه فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحاً وقوة ويقينا وطمأنينة، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فأتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها " انتهى. "الوابل الصيب" (ص ١١٠) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13107

تريد الإسلام لكنها لا تعرف القبلة [السُّؤَالُ] ـ[أرغب في دخول الإسلام، فأنا أعتقد أن الله هو الأعظم وأن الإسلام هو الدين الحق. لقد تعلمت من العربية ما يمكنني من إقامة الصلوات، لكني لا أعرف الاتجاه الصحيح الذي علي أن أصلي إليه. أرجو أن تساعدني، أين اتجاه القبلة من مديني ساوث ويلز؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: نهنئك على ما توصلت إليه من الاعتقاد الصحيح، ومعرفة الدين الحق، ونسأل الله تعالى أن يعينك ويوفقك ويزيدك إيمانا وسعادة وطمأنينة في الدنيا والآخرة. وعليك أن تشهدي شهادة الحق، شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، لتدخلي في هذا الدين العظيم، ولا تؤخري ذلك لحظة واحدة، حتى تكتبي عند الله من السعداء الفائزين، حتى لو فرض أنك لم تعرفي اتجاه القبلة، فأسلمي، وسلي عن الاتجاه نحو مكة، فهذا هو اتجاه القبلة، وهذا أمر يسير إن شاء الله، بل لو فرض عدم اهتدائك لاتجاه القبلة، فاجتهدي حتى يغلب على ظنك أن مكة في هذه الجهة وصلِّي إليها، وصلاتك صحيحة ولا شيء عليك. وراجعي أقرب مركز إسلامي، فسيساعدونك في تعلم الإسلام، ويزودونك بالكتب اللازمة إن شاء الله. ثانيا: يمكنك الاستعانة بالبوصلة أو بعض الساعات أو الأجهزة المزودة بالبوصلة، أو بخريطة العالم لتحديد اتجاه القبلة. وبالنظر إلى خريطة العالم يتبين أن اتجاه القبلة بالنسبة للمقيمين في بريطانيا هو الجنوب الشرقي، فعليك أن تحددي اتجاه الشرق، والجنوب، وتكون القبلة بينهما، والخطأ اليسير لمن كان مكانه بعيداً أمر مغتفر. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13108

الترغيب في الصدقة الجارية [السُّؤَالُ] ـ[أريد كلمة فيها بيان ما المراد بالصدقة الجارية والترغيب فيها.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله فإن الله خلق الإنسان لعبادته، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ) الذريات/٥٦ وشرع له من العبادات ما ينال به الثواب والأجر الجزيل في الدنيا والآخرة. ولم تقتصر هذه الأعمال والعبادات على الحياة الدنيا فقط، بل شرع له من الأسباب ما تزداد به حسناته بعد مماته، وهي الصدقات الجارية، كما قال الرسول ﷺ : (إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ: صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ، وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ) رواه مسلم (٣٠٨٤) . قال النووي ﵀ في شرح مسلم: "قَالَ الْعُلَمَاء: مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ عَمَل الْمَيِّت يَنْقَطِع بِمَوْتِهِ , وَيَنْقَطِع تَجَدُّد الْثوَاب لَهُ, إِلا فِي هَذِهِ الأَشْيَاء الثَّلاثَة ; لِكَوْنِهِ كَانَ سَبَبهَا; فَإِنَّ الْوَلَد مِنْ كَسْبه , وَكَذَلِكَ الْعِلْم الَّذِي خَلَّفَهُ مِنْ تَعْلِيم أَوْ تَصْنِيف , وَكَذَلِكَ الصَّدَقَة الْجَارِيَة , وَهِيَ الْوَقْف " انتهى. وروى ابن ماجه (٢٢٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ: عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ، وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ، أَوْ بَيْتًا لابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ، يَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ) حسنه الألباني في صحيح ابن ماجه. والصدقة الجارية هي التي يستمر ثوابها بعد وفاة الإنسان، ولذلك خصها كثير من العلماء بـ (الوقف) كمن بنى مسجداً، لأنه يجري عليه ثوابه ما دام الوقف باقياً. وأما ما لا يستمر ثوابه – كإطعام الفقراء والمساكين - فإنه لا يصح أن يسمى صدقة جارية، وإن كان فيه ثواب عظيم، إلا أنه لا يسمى صدقة جارية. قال ابن حزم في المحلى (٨/١٥١) : " الصَّدَقَةَ الْجَارِيَةَ , الْبَاقِي أَجْرُهَا بَعْدَ الْمَوْتِ " انتهى. وقال الشيخ ابن عثيمين في شرح رياض الصالحين (٤/١٣) : الصدقة الجارية: كل عمل صالح يستمر للإنسان بعد موته. والذي يتصدق به الإنسان من ماله، هو ماله الحقيقي الباقي له، الذي ينتفع به. فقد روى الترمذي (٢٤٧٠) أنهم ذبحوا شاة على عهد النبي ﷺ وتصدقوا بها إلا كتفها، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا بَقِيَ مِنْهَا؟ قَالَتْ عائشة: مَا بَقِيَ مِنْهَا إِلا كَتِفُهَا. قَالَ: بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا. صححه الألباني في صحيح الترمذي. والمعنى: أن ما يأكله الإنسان هو الذي سيفنى ولا يبقى له، وأما ما تصدق به فهو الباقي له عند الله، ينتفع به يوم القيامة، وفي هذا الحديث إشارة إلى قوله تعالى: (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ) النحل/٩٦. وأخبر الرسول ﷺ أن كُلّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ يوم القيامة، يوم تُدْنَى الشمسُ من رؤوس العباد، حَتَّى يحكم الله بين الناس. رواه أحمد (١٦٨٨٢) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٥١٠) . فلتبادر يا أخي بالصدقة، واحرص أن تكون صدقتك جارية، حتى تنتفع بها بعد الممات. نسأل الله تعالى أن يوفقنا لما يحب ويرضى. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13109

كيف يوفق المسلمون بين العمل للآخرة والعمل للدنيا ؟ [السُّؤَالُ] ـ[في هذا العالم إذا كرس المسلمون جميع أوقاتهم وأفعالهم لما ينفع في اليوم الآخر ولم ينخرطوا في أي من الأعمال الدنيوية، فكيف سيساهمون فيما فيه نفع الحضارة والإنسانية مثل التكنولوجيا والعلم والاختراع؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله دين الإسلام هو خاتم الأديان، وإن مِن أهم خصائص هذا الدين أنه دين ينظم الحياة كلها , فالإسلام دين الدنيا والآخرة , قال الله : (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) الأنعام/١٦٢، وفي دعاء المسلمين في مواضع متفرقة يقولون: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) ، فهذا دين الله الكامل والشامل والجامع، جمع بين حق الله وحق العبد، وبين أمر الدنيا وأمر الآخرة. وإن ادِّعاء أن الإسلام جاء بالرهبانية ادعاء باطل، بل الرهبانية في دين النصارى المحرَّف، وأخذها عنهم بعض مبتدعة المسلمين كالصوفية، أما أهل السنة والجماعة الذي أخذوا الدين من نبعه الصافي، وفهموه على وجهه الصحيح فإنهم يعتقدون أن الدنيا معبر إلى الآخرة، وأن الإنسان لا ينبغي له أن يتعلق بالدنيا على حساب الآخرة، فهم جعلوا الآخرة هي محط أنظارهم لأنها الحياة الأبدية الخالدة، فالعمل ينبغي أن يكون من أجلها لا من أجل حياة قصيرة فانية، وليس معنى هذا أن لا يعملوا في الدنيا ولا يعمروا الأرض، بل إن المسلمين بلغوا في مجالات العلم النظرية والعملية أعلى المنازل، وكانت الحضارات تتبع المسلمين في تقدمهم وعلومهم، ولا تزال بعض الجامعات الغربية العريقة تعترف بهذا وتدرِّس كتاباً للمسلمين في مناهجهم. قال الفيلسوف الفرنسي " جوستاف لوبون " في كتابه " حضارة العرب ": هل يتعين أن نذكر أن العرب - والعرب وحدهم - هم الذين هدونا إلى العالم اليوناني والعالم اللاتيني القديم، وأن الجامعات الأوربية ومنها جامعة باريس عاشت مدة ستمئة عام على ترجمات كتبهم وجرت على أساليبهم في البحث، وكانت الحضارة الإسلامية من أعجب ما عرف التاريخ " انتهى. والمسلمون ليسوا كغيرهم، فإنهم لما كانوا متمسكين بدينهم كانوا سابقين – أيضاً – في الدنيا، ولما تركوا دينهم وتخلوا عنه صاروا تبعاً لغيرهم وعالة عليهم، والنصارى لما كانوا متمسكين بدينهم المحرَّف كانوا متخلفين في دنياهم، ولما قاموا على كنائسهم حرقاً وعلى رهبانهم قتلاً وفصلوا الدين عن الدنيا تقدموا في دنياهم وعلومها، فالمسلمون يدفعهم دينهم إلى التقدم، ويتأخرون بتأخرهم عن دينهم، والنصارى تخلفوا لما تمسكوا بدينهم المحرَّف، لأنه لا يمكن لدين حرفه العباد أن يؤدي إلى التقدم، وتقدموا لما تخلوا عنه، فأي المنهجين يدعو لعمارة الدنيا ويسعى في تقدمه في العلوم وإسعاد الناس في الدنيا والآخرة؟ والآيات والأحاديث التي تحث المسلم على عمارة الأرض بالزراعة والصناعة كثيرة، وقد فهم المسلمون ذلك فسارعوا إلى العمل على هذه العمارة دون أن يؤثر ذلك على عبادتهم وطاعتهم، ودون أن يروا أن بين الدين والدنيا تضادّاً وتنافراً، والمحذور في هذه العمارة هو أن ينشغل المسلم بها عن واجبات دينه وطاعة ربه. عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة) رواه البخاري (٢١٩٥) ومسلم (١٥٥٣) . قال الحافظ ابن حجر ﵀: وفي الحديث: فضل الغرس والزرع والحض على عمارة الأرض , ويستنبط منه اتخاذ الضيعة والقيام عليها، وفيه فساد قول من أنكر ذلك من المتزهدة، وحُمل ما ورد من التنفير عن ذلك على ما إذا شغل عن أمر الدين , فمنه حديث ابن مسعود مرفوعا: (لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا) الحديث , قال القرطبي: يجمع بينه وبين حديث الباب بحمله على الاستكثار والاشتغال به عن أمر الدين , وحمل حديث الباب على اتخاذها للكفاف أو لنفع المسلمين بها وتحصيل ثوابها. "فتح الباري" (٥/٤) . والحديث الذي ذكره الحافظ ابن حجر: (لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا) رواه الترمذي (٢٣٢٨) وحسَّنه. قال المباركفوري ﵀: (الضيعة) هي: البستان والقرية والمزرعة. (فترغبوا في الدنيا) أي: فتميلوا إليها عن الأخرى , والمراد: النهي عن الاشتغال بها وبأمثالها مما يكون مانعاً عن القيام بعبادة المولى وعن التوجه كما ينبغي إلى أمور العقبى. وقال الطيبي: المعنى لا تتوغلوا في اتخاذ الضيعة فتلهوا بها عن ذكر الله قال تعالى: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) . "تحفة الأحوذي" (٦/٥١١) . وقد رأينا إنصاف المسلمين ودينهم من بعض الباحثين الغربيين، فاعترفوا بسبق المسلمين في مجالات العلوم الدنيوية المختلفة، وهاهي بعض أقوالهم ليعلم السائل – وغيره – موقع الإسلام من الحضارات الأخرى، وليعلم منهج الإسلام في حثه أتباعه على النظر والتأمل والعمل والإبداع، وسنحرص على تنويع بلدان القائلين واختلاف ثقافاتهم. ١. يقول المفكر الفرنسي " جوستاف لوبون " في كتابه المعروف " حضارة العرب " - ترجمة " عادل زعيتر " -: " لو أن العرب استولوا على فرنسا: إذن لصارت باريس مثل قرطبة في إسبانيا، مركزاً للحضارة والعلم؛ حيث كان رجل الشارع فيها يكتب ويقرأ، بل ويقرض الشعر أحياناً، في الوقت الذي كان فيه ملوك أوروبا لا يعرفون كتابة أسمائهم "! . ٢. وقالت المستشرقة الألمانية " زيغريد هونكة " - في كتابها المعروف " شمس الله تشرق على الغرب" - انتشار المكتبات في العالم العربي والإسلامي: " نمت دور الكتب في كل مكان نمو العشب في الأرض الطيبة، ففي عام ٨٩١ م يحصي مسافر عدد دور الكتب العامة في بغداد بأكثر من مئة، وبدأت كل مدينة تبني لها داراً للكتب يستطيع عمرو وزيد من الناس استعارة ما يشاء منها، وأن يجلس في قاعات المطالعة ليقرأ ما يريد، كما يجتمع فيها المترجمون والمؤلفون في قاعات خصصت لهم، يتجادلون ويتناقشون كما يحدث اليوم في أرقى الأندية العلمية ". وكتاب " شمس الله تشرق على الغرب " في النص الألماني معناه: نور الإسلام يضيء الحضارة الغربية، والكتاب مليء بأسماء مبدعين مسلمين عرب وغير عرب. ٣. واقرأ هذا الكلام لحكيم روسي وهو يبين أن هذا الدين فيه ما خدم الإنسانية، وقاد إلى الرقي والمدنية. وقال تولستوي الحكيم الروسي: " ومما لا ريب فيه أن النبي محمداً كان من عظام الرجال المصلحين الذين خدموا المجتمع الإنساني خدمة جليلة، ويكفيه فخراً أنه هدى أمة برمتها إلى نور الحق، وجعلها تجنح للسكينة والسلام وتؤثر عيشة الزهد، ومنعها من سفك الدماء وتقديم الضحايا البشرية، وفتح لها طريق الرقي والمدنية، وهو عمل عظيم لا يقوم به إلا شخص أوتي قوة، ورجل مثل هذا جدير بالاحترام والإكرام ". ٤. وقال الدكتور النمساوي شبرك: " إنّ البشرية لتفتخر بانتساب رجل كمحمد إليها، إذ إنّه رغم أُمّيته استطاع قبل بضعة عشر قرنًا أنْ يأتي بتشريع، سنكونُ نحنُ الأوروبيين أسعد ما نكون إذا توصلنا إلى قمّته ". ٥. وفي باب الطب والجراحة كان للمسلمين دورٌ لا يُنكر. يقول الكاتب البريطاني هـ. ج. ويلز في كتابه " معالم تاريخ الإنسانية ": " وتقدموا في الطب أشواطا بعيدة على الإغريق، ودرسوا علم وظائف الأعضاء، وعلم تدبير الصحة، ... ولا يبرح كثير من طرق العلاج عندهم مستعملا بين ظهرانينا إلى اليوم، وكان لجراحيهم دراية باستعمال التخدير، وكانوا يجرون طائفة من أصعب الجراحات المعروفة، وفي ذات الوقت التي كانت الكنيسة تحرم فيه ممارسة الطب انتظاراً منها لتمام الشفاء بموجب المناسك الدينية التي يتولاها القساوسة: كان لدى العرب علم طبي حق " انتهى. بل ويقول – أيضاً -: "كل دين لا يسير مع المدنية فاضرب به عرض الحائط، ولم أجد ديناً يسير مع المدنية أنَّى سارت سوى دين الإسلام " انتهى. والشهادات أكثر من أن تحصى، وأردنا بذكر بعضها التدليل على ما قلناه من كلام غير المسلمين، وقد اخترنا أناساً لا يمكن تواطؤهم على الكذب، فهم من دول مختلفة، ومن ثقافات مختلفة، بل ومن أديان وحضارات مختلفة، وفي كل ما ذكرناه عنهم بيان لما كان عليه المسلمون – ويجب أن يبقوا عليه – من تقدم وازدهار في العلوم المدنية ومن السعي في الإنسانية للرقي بحياتها في مختلف المجالات، وكان المسلمون مع بروزهم في هذه المجالات متقدمين – كذلك – في العلوم الدينية والعبادات والطاعات لربهم ، وتاريخ هذا الدين يشهد بالحركة العظيمة في التأليف في المجال الشرعي المتعلق بالقرآن والسنة، ويشهد بنماذج عالية لعبَّاد وزهَّاد لم تمنعهم عبادتهم ولم يمنعهم زهدهم من أن يكونوا علماء في الشرع أو علماء في علوم دنيوية. وثمة أسماء لامعة لعلماء مسلمين في مجالات متعددة لا يُنكِر علمَهم وتقدمَهم إلا جاهل أو مكابر، ومنهم: ابن النفيس والزهراوي في الطب، وابن الهيثم في الرؤية والضوء، والخوارزمي في الرياضيات، وغيرهم كثير كثير. وفي نهاية الجواب نتمنى أن تطلع على هذه المحاضرة والتي هي بعنوان " عمل الدنيا لا ينافي عمل الآخرة " وستجد فيها المزيد مما تستفيد منه وتفيد غيرك به، وهي مفرغة تحت هذا الرابط: http://www.islamdoor.com/k/٣٦٤.htm ونسأل الله أن يهدي المسلمين لدينهم، وأن يوفقهم للعمل بما أمروا به، وأن يهدي كل باحث عن الحقيقة ساعٍ في طلبها، راغبٍ في الهداية. والله الموفق. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13110

مزايا حافظ القرآن في الدنيا والآخرة [السُّؤَالُ] ـ[ما هي المنافع التي يحصل عليه حافظ (القرآن) في هذه الحياة وفي الآخرة؟ وما الذي سيحصل عليه أقرباؤه وذريته؟ وماذا عن الأجيال قبله وبعده؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: إن حفظ القرآن عبادة يبتغي به صاحبه وجه الله والثواب في الآخرة، وبغير هذه النية لن يكون له أجر بل وسيعذَّب على صرفه هذه العبادة لغير الله . يجب على حافظ القرآن أن لا يقصد بحفظه تحصيل منافع دنيوية لأن حفظه ليس سلعة يتاجر بها في الدنيا، بل هي عبادة يقدمها بين يدي ربِّه ﵎. وقد اختصَّ الله تعالى حافظ القرآن بخصائص في الدنيا وفي الآخرة، ومنها: ١. أنه يُقدَّم على غيره في الصلاة إماماً. عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : " يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلما ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه ". رواه مسلم (٦٧٣) . وعن عبد الله بن عمر قال: لما قدم المهاجرون الأولون العصبة موضع بقباء قبل مقدم رسول الله ﷺ كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة وكان أكثرهم قرآنا. رواه البخاري (٦٦٠) . ٢. أنه يقدَّم على غيره في القبر في جهة القبلة إذا اضطررنا لدفنه مع غيره. عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان النَّبي ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى " أحد " في ثوب واحد ثم يقول: أيهم أكثر أخذاً للقرآن؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدَّمه في اللحد وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة وأمر بدفنهم في دمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم. رواه البخاري (١٢٧٨) . ٣. يقدّم في الإمارة والرئاسة إذا أطاق حملها. عن عامر بن واثلة أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بعسفان وكان عمر يستعمله على مكة فقال: من استعملتَ على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزى! قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا! قال: فاستخلفتَ عليهم مولى؟ قال: إنه قارئ لكتاب الله ، وإنه عالم بالفرائض، قال عمر: أما إن نبيكم ﷺ قد قال: إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين. رواه مسلم (٨١٧) . وأما في الآخرة: ٤. فإن منزلة الحافظ للقرآن عند آخر آية كان يحفظها. عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: " يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ بها ". رواه الترمذي (٢٩١٤) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وقال الألباني في " صحيح الترمذي " برقم (٢٣٢٩) : حسن صحيح، وأبو داود (١٤٦٤) . ومعنى القراءة هنا: الحفظ. ٥. أنه يكون مع الملائكة رفيقاً لهم في منازلهم. عن عائشة عن النبي ﷺ قال: " مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة ومثل الذي يقرأ وهو يتعاهده وهو عليه شديد فله أجران ". رواه البخاري (٤٦٥٣) ومسلم (٧٩٨) . ٦. أنه يُلبس تاج الكرامة وحلة الكرامة. عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " يجيء القرآن يوم القيامة فيقول: يا رب حلِّه، فيلبس تاج الكرامة ثم يقول: يا رب زِدْه، فيلبس حلة الكرامة، ثم يقول: يا رب ارض عنه فيرضى عنه، فيقال له: اقرأ وارق وتزاد بكل آية حسنة ". رواه الترمذي (٢٩١٥) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وقال الألباني في " صحيح الترمذي " برقم (٢٣٢٨) : حسن. ٧. أنه يَشفع فيه القرآن عند ربِّه. عن أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه اقرءوا الزهراوين البقرة وسورة آل عمران فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة قال معاوية بلغني أن البطلة السحرة. رواه مسلم (٨٠٤) ، والبخاري معلَّقاً. ثانياً: وأما أقرباؤه وذريته فقد ورد الدليل في والديه أنهما يكسيان حلَّتين لا تقوم لهما الدنيا وما فيها، وما ذلك إلا لرعايتهما وتعليمهما ولدهما، وحتى لو كانا جاهليْن فإن الله يكرمهما بولدهما، وأما من كان يصدُّ ولده عن القرآن ويمنعه منه فهذا من المحرومين. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " يجيء القرآن يوم القيامة كالرجل الشاحب يقول لصاحبه: هل تعرفني؟ أنا الذي كنتُ أُسهر ليلك وأظمئ هواجرك، وإن كل تاجر من وراء تجارته وأنا لك اليوم من وراء كل تاجر فيعطى الملك بيمينه والخلد بشماله ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويُكسى والداه حلَّتين لا تقوم لهما الدنيا وما فيها، فيقولان: يا رب أنى لنا هذا؟ فيقال لهما: بتعليم ولدكما القرآن ". رواه الطبراني في " الأوسط " (٦ / ٥١) . وعن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من قرأ القرآن وتعلَّم وعمل به أُلبس والداه يوم القيامة تاجاً من نور ضوؤه مثل ضوء الشمس، ويكسى والداه حلتين لا تقوم لهما الدنيا فيقولان: بم كسينا هذا؟ فيقال: بأخذ ولدكما القرآن ". رواه الحاكم (١ / ٧٥٦) . والحديثان يحسن أحدهما الآخر، انظر " السلسلة الصحيحة " (٢٨٢٩) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 13111

هل للزوجة أن تمتنع عن زوجها في رمضان للعبادة ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ما الحكم في امرأة تأبى زوجها في رمضان نتيجة انشغالها بالعبادة والقُرب من الله؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: شهر رمضان مناسبة عظيمة للعابدين ليزيدوا في عباداتهم، وللعاصين أن يتركوا ما هم عليه من معاصٍ ويصطلحوا مع ربهم بتركها والإكثار من الطاعة فيه لبداية طيبة لحياة أخرى غير التي كانوا عليها. وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بفضيلة الصيام والقيام والاعتكاف في هذا الشهر، كما أن فيه ليلة – وهي ليلة القدر – جعلها الله تعالى خيراً من ألف شهر. وعليه: فلا يُنكر على من أراد استغلال أيام هذا الشهر لطاعة ربه، فالنفوس فيه مهيأة لقراءة القرآن وطاعة الرحمن، وسواء كان ذلك من الرجال أم من النساء. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) رواه البخاري (٣٧) ومسلم (٧٦٠) . ثانياً: يجب أن تعلم المرأة أن لزوجها عليها حقّاً عظيماً، فلا يجوز لها أن تضرب بهذه الحقوق عرض الحائط، ولا يجوز لها أن تعارض حق زوجها بما تؤديه من نافلة العبادات. فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لا تُؤَدِّي الْمَرْأَةُ حَقَّ رَبِّهَا حَتَّى تُؤَدِّيَ حَقَّ زَوْجِهَا , وَلَوْ سَأَلَهَا نَفْسَهَا وَهِيَ عَلَى قَتَبٍ لَمْ تَمْنَعْهُ) . رواه ابن ماجه (١٨٥٣) وصححه الألباني في "صحيح الترغيب" (١٩٣٨) . " القَتَب للجمل كالإكاف لغيره، ومعناه: الحث لهن على مطاوعة أزواجهن، وأنه لا ينبغي لهن الامتناع في هذه الحالة، فكيف في غيرها؟ "حاشية السندي على ابن ماجه". ولعظم حق الزوج أُمرت المرأة باستئذانه قبل قيامها ببعض التطوعات التي قد تتعارض مع حقه، ومنها: ١. صوم النافلة: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قال: (لا تَصُومُ الْمَرْأَةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ إِلا بِإِذْنِهِ) رواه البخاري (٤٨٩٦) ومسلم (١٠٢٦) . قال النووي ﵀: " هذا محمول على صوم التطوع والمندوب الذي ليس له زمن معين , وهذا النهي للتحريم صرح به أصحابنا , وسببه أن الزوج له حق الاستمتاع بها في كل الأيام , وحقه فيه واجب على الفور فلا يفوته بتطوع ولا بواجب على التراخي " انتهى. " شرح مسلم " (٧ / ١١٥) . ٢. الخروج للمسجد عن عبد الله بن عمر ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قال: (إِذَا اسْتَأْذَنَتْ امْرَأَةُ أَحَدِكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلا يَمْنَعْهَا) رواه البخاري (٤٩٤٠) ومسلم (٤٤٢) . ثالثاً: ويجب على الزوج أن يتقي الله في امرأته، وأن لا يكلفها فوق طاقتها، إذ كثير من الرجال يشغلون نساءهم نهاراً بالطبخ، وليلاً بالحلويات، فتضيع الأيام والليالي على المرأة، فلا تحسن استغلال نهار صومها بطاعة، ولا ليله بعبادة، ومن حق الزوجة على زوجها أن يكون لها نصيب من عبادات هذا الشهر وطاعاته، فلا يمنعها من قراءة القرآن، ولا من قيام الليل، وأن يكون ذلك بتنسيق بينهما لئلا يحصل تعارض بين حقه وطاعة ربها وعبادته، وهذا – طبعاً – في عبادات النوافل، أما الفرائض فليس للزوج منعها منها. وقد كان هدي النبي ﷺ مع نسائه هو حثهن على الطاعة والعبادة، وخاصة في العشر الأواخر من رمضان. فعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ , وَأَحْيَا لَيْلَهُ , وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ) رواه البخاري (١٩٢٠) ومسلم (١١٧٤) . وإذا عرف كل واحد من الزوجين ما له وما عليه استراحا من الشقاق والنزاع غالباً , وإذا علما أن مثل هذه المناسبة قد لا تتكرر في حياتهما إلا قليلاً زاد ذلك من حرصهما على استغلال أيام رمضان ولياليه أحسن استغلال. ونسأل الله ﵎ أن يؤلف بين قلوبكما، وأن يعينكما على طاعته وحسن عبادته. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13112

هل حفظ القرآن أفضل أم قراءته في رمضان ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل حفظ القرآن أفضل أم قراءته في رمضان؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قراءة القرآن في رمضان من أجل الأعمال وأفضلها، فرمضان هو شهر القرآن، قال الله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) البقرة/١٨٥. وكان جبريل يأتي النبي ﷺ كل ليلة في رمضان فيدارسه القرآن. رواه البخاري (٥) ومسلم (٤٢٦٨) . وروى البخاري (٤٦١٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أن جبريل (كان يعْرضُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الْقُرْآنَ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً، فَعرضَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ) . فيؤخذ من هذا استحباب الإكثار من تلاوة القرآن الكريم ومدارسته في رمضان. انظر السؤال (٥٠٧٨١) . ويؤخذ منه استحباب ختمه كذلك، لأن جبريل ﵇ كان يعرض القرآن كاملاً على النبي ﷺ . انظر: "فتاوى الشيخ ابن باز" (١١/٣٣١) . وكل من الحفظ والمراجعة هو قراءة وزيادة، لأنه لن يحفظ أو يراجع إلا بعد تكرار قراءة الآية عدة مرات، وله بكل حرف عشر حسنات. وعلى هذا يكون اهتمامه بالحفظ والمراجعة أولى. وقد دلّت السنة إذاً على: ١- مراجعة الحفظ. ٢- المدارسة. ٣- التلاوة. وهي حاصلة مما سبق. وينبغي في مثل هذه الحال أن يختم القرآن، ولو مرّة واحدة في الشهر، ثم يفعل الأنسب لحاله بعد ذلك: إما أن يكثر من التلاوة وختم القرآن أو يهتم بالمراجعة، أو الحفظ الجديد ويراعي الأصلح لقلبه، فقد يكون الأصلح له الحفظ أو القراءة أو المراجعة، فإن المقصود من القرآن هو قراءته وتدبره والتأثر به والعمل بما فيه. فعلى المؤمن أن يتعاهد قلبه، وينظر الأصلح له فيفعله. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13113

يستحب ختم القرآن في رمضان [السُّؤَالُ] ـ[أرجو أن تخبرني ما إذا كان من الضروري على المسلم ختم القرآن الكريم خلال شهر رمضان، إذا كان الجواب بنعم، أرجو أن تورد الحديث المؤيد لذلك القول.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: يشكر السائل الكريم على حرصه على معرفة حكم المسألة بدليلها، ولا شك أن هذا أمر مطلوب، يجب أن يسعى إليه كل مسلم، حتى يكون متبعاً للكتاب والسنة. قال الشوكاني ﵀ "إرشاد الفحول" (٤٥٠-٤٥١) : " إذا تقرر لك أن العامي يسأل العالم، والمقصر يسأل الكامل، فعليه أن يسأل أهل العلم المعروفين بالدين وكمال الورع، عن العالم بالكتاب والسنة، العارف بما فيهما، المطلع على ما يحتاج إليه في فهمهما من العلوم الآلية، حتى يدلوه عليه ويرشدوه إليه، فيسأله عن حادثته طالباً ما في كتاب الله سبحانه أو ما في سنة رسول الله ﷺ ، فحينئذ يأخذ الحق من معدنه، ويستفيد الحكم من موضعه، ويستريح من الرأي الذي لا يأمن المتمسك به أن يقع في الخطأ المخالف للشرع، المباين للحق " انتهى. وفي كتاب ابن الصلاح "أدب المفتي والمستفتي" (ص١٧١) قال: " وذكر السمعاني أنه لا يمنع من أن يطالب المفتي بالدليل، لأجل احتياطه لنفسه، وأنه يلزمه أن يذكر له الدليل إن كان مقطوعاً به، ولا يلزمه ذلك إن لم يكن مقطوعاً به؛ لافتقاره إلى اجتهاد يقصر عنه العامي. والله أعلم بالصواب " انتهى. ثانياً: نعم، يستحب للمسلم أن يكثر من قراءة القرآن في رمضان ويحرص على ختمه، لكن لا يجب ذلك عليه، بمعنى أنه إن لم يختم القرآن فلا يأثم، لكنه فوت على نفسه أجوراً كثيرة. والدليل على ذلك: ما رواه البخاري (٤٦١٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: (أن جبريل كان يعْرضُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الْقُرْآنَ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً، فَعرضَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ فيه) قال ابن الأثير في "الجامع في غريب الحديث" (٤/٦٤) : " أي كان يدارسه جميع ما نزل من القرآن " انتهى. وقد كان من هدي السلف رضوان الله عليهم، الحرص على ختم القرآن في رمضان، تأسياً بالنبي ﷺ . فعن إبراهيم النخعي قال: كان الأسود يختم القرآن في رمضان في كل ليلتين. "السير" (٤/٥١) . وكان قتادة يختم القرآن في سبع، فإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث، فإذا جاء العشر ختم في كل ليلة. "السير" (٥/٢٧٦) . وعن مجاهد أنه كان يختم القرآن في رمضان في كل ليلة. "التبيان" للنووي (ص/٧٤) وقال: إسناده صحيح. وعن مجاهد قال: كان علي الأزدي يختم القرآن في رمضان كل ليلة. "تهذيب الكمال" (٢/٩٨٣) . وقال الربيع بن سليمان: كان الشافعي يختم القرآن في رمضان ستين ختمة. "السير" (١٠/٣٦) . وقال القاسم ابن الحافظ ابن عساكر: كان أبي مواظباً على صلاة الجماعة وتلاوة القرآن، يختم كل جمعة، ويختم في رمضان كل يوم. "السير" (٢٠/٥٦٢) . قال النووي ﵀ معلقاً على مسألة قدر ختمات القرآن: " والاختيار أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فمن كان يظهر له بدقيق الفكر، لطائف ومعارف، فليقتصر على قدر يحصل له كمال فهم ما يقرؤه، وكذا من كان مشغولا بنشر العلم، أو غيره من مهمات الدين، ومصالح المسلمين العامة، فليقتصر على قدر لا يحصل بسببه إخلال بما هو مرصد له. وإن لم يكن من هؤلاء المذكورين فليستكثر ما أمكنه من غير خروج إلى حد الملل والهذرمة " انتهى. "التبيان" (ص٧٦) . ومع هذا الاستحباب والتأكيد على قراءة القرآن وختمه في رمضان، يبقى ذلك في دائرة المستحبات، وليس من الضروريات الواجبات التي يأثم المسلم بتركها. سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل يجب على الصائم ختم القرآن في رمضان؟ فأجاب: " ختم القرآن في رمضان للصائم ليس بأمر واجب، ولكن ينبغي للإنسان في رمضان أن يكثر من قراءة القرآن، كما كان ذلك سنة رسول الله ﷺ ، فقد كان ﵊ يدارسه جبريل القرآن كل رمضان " انتهى. "مجموع فتاوى ابن عثيمين" (٢٠/٥١٦) وانظر الأسئلة رقم (٦٦٠٦٣) (٢٦٣٢٧) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13114

الطاعة في الصغر وهل تتسلط عليه الشياطين إذا أكثر من الطاعة ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أنا صغير في سني وأحب أن أتعبد الله بعد الساعة ١٢ بعد منتصف الليل خاصة أثناء الصيام، لكن هناك من يقول لي إنه عندما يكثر المسلم من الصلاة أو عبادة الله فإن الجن والشيطان يحاولون منعه، فهل هذا صحيح؟ وأسأل أيضاً: عندما يقوم الشاب بالتعبد لله وهو صغير فإن ذلك يشبه الذهب بالنسبة له، سأكون في غاية الامتنان لك إذا أوضحت لي هذا الأمر بشيء من الاستطراد.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: إننا لنسرُّ كثيراً عندما نقف على مثل هذه النماذج الطيبة لشباب الإسلام، فبينما الصغار يفكرون في اللهو واللعب، ويقضون أوقاتهم فيما لا ينفع تأتينا هذه النماذج الطيبة لشباب يحبون التعبد لله، ويطلبون العلم، ويدعون إلى الله ، ويحرصون على حفظ القرآن والسنَّة، فهنيئاً لك هذه الهمة، ونسأل الله أن يثبتك على دينه وأن يحفظك، وأن يجعلك قرة عين لوالديك. واعلم أيها الابن الفاضل أن الشيطان إذا رأى إقبال العبد على ربه تعالى فإنه يحاول صدَّه، وقد أخذ الشيطان العهد على نفسه لهذه المهمة الخبيثة، لكن الله تعالى أعلمنا أن لا سبيل له على عباده المخلَصين. قال تعالى: (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ. قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ. إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) الحجر/٣٩ – ٤٢. واعلم أن الشيطان لا يملك إلا دعوة الناس للضلال، وتزيينه لهم، وليس له سلطان عليهم يجبرهم به على ما يريد، فاللوم إنما يكون على من استجاب له. قال تعالى: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) إبراهيم/٢٢. وطاعة الله سدٌّ منيع أمام كيد الشيطان ووسوسته، وذِكر الله تعالى حصن حصين يحفظ الله تعالى به الذاكر من مكر الشيطان وغوايته. عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: (إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ، فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ. قَالَ: يُقَالُ حِينَئِذٍ: هُدِيتَ وَكُفِيتَ وَوُقِيتَ، فَتَتَنَحَّى لَهُ الشَّيَاطِينُ، فَيَقُولُ لَهُ شَيْطَانٌ آخَرُ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ؟!) رواه الترمذي (٣٤٢٣) وأبو داود (٥٠٩٥) . وصححه الألباني في صحيح أبي داود. ولا سبيل للشيطان على قلب عرف الله، وعلى جوارح ذلَّت لله تعالى، بفعل طاعته، وترك معصيته، وإن نور الطاعة ليحرق الشياطين كما تحرق الشهب إخوانهم. قال ابن القيم ﵀: " الطاعة تنوِّر القلب وتجلوه وتصقله وتقويه وتثبته حتى يصير كالمرآة المجلوة في جلائها وصفائها فيتلألأ نوراً، فإذا دنا الشيطان منه أصابه من نوره ما يصيب مسترق السمع من الشهب الثواقب، فالشيطان يفرق من هذا القلب أشد من فرق الذئب من الأسد " انتهى. " الجواب الكافي " (ص ٦٤) . ثانياً: وأما التعبد لله تعالى في الصغر فهو علامة خير لصاحبه، وقد أخبر النبي ﷺ عن فضل عظيم للشاب الذي ينشأ في طاعة الله وهو أنه يكون في ظل الله يوم القيامة، يوم تكون الشمس فوق رؤوس الخلائق. عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ. . . وذكر منهم: وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ) رواه البخاري (١٤٢٣) ومسلم (١٠٣١) . ومن حفظ جوارحه في صغره عن المعصية حفظها الله له في كبَره، وقد قال النبي ﷺ لابن عباس وهو غلام صغير: (احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ) رواه الترمذي (٢٥١٦) وصححه الألباني في صحيح الترمذي. قال ابن رجب الحنبلي ﵀: " ومَنْ حفظ الله في صباه وقوته: حفظه الله في حال كبَره وضعف قوته، ومتَّعه بسمعه وبصره وحوله وقوته وعقله، وكان بعض العلماء قد جاوز المائة سنة وهو ممتع بقوته وعقله، فوثب يوماً وثبةً شديدةً فعوتب في ذلك، فقال: هذه جوارح حفظناها عن المعاصي في الصغَر فحفظها الله علينا في الكبَر، وعكس هذا: أن بعض السلف رأى شيخاً يسأل الناس فقال: إن هذا ضعيف ضيَّع الله في صغره فضيَّعه الله في كبَره " انتهى. " جامع العلوم والحكَم " (١ / ١٨٦) . فاستعن بالله على طاعته واسأله المزيد من فضله، ولا تلتفت إلى المثبطات والمعوقات عن هذا الطريق، واحذر شياطين الإنس والجن، ونسأل الله أن يعينك لى ذِكره وشكره وحسن عبادته. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13115

فضائل الأعمال لا تكفر حقوق العباد [السُّؤَالُ] ـ[سمعت أن رسول الله ﷺ قال: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه) هل يدخل في ذلك الذنوب التي ارتكبها المرء متعمداً في حق إخوانه المسلمين وندم عليها أشد الندم ولكنه لا يستطيع أن يعترف لهم بما فعله معهم لأن ذلك سيؤدي إلى الكثير من المشاكل؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله مكفرات الذنوب كثيرة، منها: التوبة والاستغفار والقيام بالطاعات، وإقامة الحدود على من فعل ما يوجب حدّاً، وغير ذلك. وفضائل الأعمال كالصلاة الصيام والحج وغيرها لا تكفر إلا الصغائر عند جمهور أهل العلم، وتكفر حقوق الله فقط. أما المعاصي المتعلقة بحقوق العباد فإنها لا تُكَفَّر إلا بالتوبة منها، ومن شروط التوبة منها: رَدُّ المظلم إلى أهلها. روى مسلم (١٨٨٦) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلا الدَّيْنَ) . قال النووي في "شرح مسلم": " وَأَمَّا قَوْله ﷺ : (إِلا الدَّيْن) فَفِيهِ تَنْبِيه عَلَى جَمِيع حُقُوق الآدَمِيِّينَ , وَأَنَّ الْجِهَاد وَالشَّهَادَة وَغَيْرهمَا مِنْ أَعْمَال الْبِرّ لا يُكَفِّر حُقُوق الآدَمِيِّينَ , وَإِنَّمَا يُكَفِّر حُقُوق اللَّه تَعَالَى " انتهى. وقال ابن مفلح في "الفروع" (٦/١٩٣) : " وتكفر الشهادة غيرَ الدين. قال شيخنا (يعني شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ : وغير مظالم العباد كقتل وظلم " انتهى. وجاء في "الموسوعة الفقهية" (١٤/١٢٩) : " التوبة بمعنى الندم على ما مضى والعزم على عدم العود لمثله لا تكفي لإسقاط حق من حقوق العباد، فمن سرق مال أحد أو غصبه أو أساء إليه بطريقة أخرى لا يتخلص من المسائلة بمجرد الندم والإقلاع عن الذنب والعزم على عدم العود , بل لا بد من رد المظالم , وهذا الأصل متفق عليه بين الفقهاء " انتهى. هذا فيما يتعلق بالحقوق المادية كالمال المأخوذ غصباً أو باحتيال، أما الحقوق المعنوية كالقذف والغيبة فإن كان المظلوم قد علم بالظلم فلا بد من الاعتذار إليه وطلب المسامحة، وإن لم يكن علم بذلك فإنه لا يُعْلِمُه، بل يدعو ويستغفر له، لأن إخباره بذلك قد يسبب نفوراً ويوقع بينهما العداوة والبغضاء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: " وفي الحديث الصحيح: (من كان عنده لأخيه مظلمة في دم أو مال أو عرض فليأته فليستحل منه قبل أن يأتي يوم ليس فيه درهم ولا دينار إلا الحسنات والسيئات. فإن كان له حسنات وإلا أُخِذَ من سيئات صاحبه فطرحت عليه ثم يلقى في النار) أو كما قال. وهذا فيما علمه المظلوم، فأما إذا اغتابه أو قذفه ولم يعلم بذلك فقد قيل: من شرط توبته إعلامه. وقيل: لا يشترط ذلك، وهذا قول الأكثرين وهما روايتان عن أحمد. لكن قوله (في) مثل هذا أن يفعل مع المظلوم حسنات كالدعاء له والاستغفار وعمل صالح يُهدى إليه يقوم مقام اغتيابه وقذفه. قال الحسن البصري: كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته " انتهى. "مجموع الفتاوى" (١٨/١٨٩) . وقال علماء اللجنة الدائمة في رجل سرق مالا من عبدٍ: إن كان يعرف العبدَ أو يعرف من يعرفه: فيتعين عليه البحث عنه ليسلم له نقوده فضة أو ما يعادلها أو ما يتفق معه عليه، وإن كان يجهله وييأس من العثور عليه: فيتصدق بها أو بما يعادلها من الورق النقدي عن صاحبها، فإن عثر عليه بعد ذلك فيخبره بما فعل فإن أجازه فبها ونعمت، وإن عارضه في تصرفه وطالبه بنقوده: ضمنها له وصارت له الصدقة، وعليه أن يستغفر الله ويتوب إليه ويدعو لصاحبها. "فتاوى إسلاميَّة" (٤/١٦٥) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13116

الفرق بين كفالة الأيتام وتبنيهم [السُّؤَالُ] ـ[الكثير من اللاجئين الكوسوفيين يدخلون أمريكا وربما ترعاهم منظمات نصرانية. بعض الأخوة يريدون أن يكفلوا الأيتام بأن يأخذوهم ليعيشوا في بيوتهم ويطعموهم. أحد الشيوخ قال بأن هذا حرام فلا يجوز التبني في الإسلام ولم يشجع الناس على كفالة الأيتام. هل الإسلام يسمح لنا بأن نتبنى الأيتام وبدون تغيير أسم اليتيم؟ هل يعتبر اليتيم المكفول كطفل للكافل؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هناك فروق بين التبني وكفالة اليتيم. أ - أما التبني: فهو أن يتخذ الرجل يتيماً من الأيتام فيجعله كأحد أبنائه الذين هم من صلبه ويدعى باسمه ولا تحل له محارم ذلك الرجل فأولاد المتبني إخوة لليتيم وبناته أخوات له وأخواته عماته وما أشبه ذلك. وهذا كان من فعل الجاهلية الأولى، حتى أن هذه التسميات لصقت ببعض الصحابة كالمقداد بن الأسود حيث أن اسم أبيه (عمرو) ولكنه يقال له ابن الأسود باسم الذي تبناه. وظل كذلك في أول الإسلام حتى حرم الله ذلك في قصة مشهورة حيث كان زيد بن حارثة يدعى زيد بن محمد، وكان زوجاً لزينب بنت جحش فطلقها زيد. عن أنس قال: لما انقضت عدة زينب قال رسول الله لزيد بن حارثة: " اذهب فاذكرها علي فانطلق حتى أتاها وهي تخمر عجينهاقال: يا زينب ابشري أرسلني رسول الله يذكرك قالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أُوامر ربي فقامت إلى مسجدها وجاء رسول الله صلى الله فدخل عليها ". وفي هذا أنزل الله قوله: (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً وكان أمر الله مفعولاً) الأحزاب/٣٧. رواه مسلم (١٤٢٨) . ب - وقد حرم الله تعالى التبني لأن فيه تضييعاً للأنساب وقد أُمرنا بحفظ أنسابنا. عن أبي ذر ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: " ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر ومن ادَّعى قوما ليس له فيهم نسب فليتبوأ مقعده من النار ". رواه البخاري (٣٣١٧) ومسلم (٦١) . ومعنى كفر: أي جاء بأفعال الكفار لا أنه خرج من الدين. لأن فيه تحريم لما أحل الله وتحليل لما حرم. فإن تحريم بنات المتبني مثلاً على اليتيم فيه تحريم للمباح الذي لم يحرمه الله تعالى واستحلال الميراث من بعد موت المتبني مثلاً فيه إباحة ما حرم الله لأن الميراث من حق الأولاد الذين هم من الصلب. قد يُحدث هذا الشحناء والبغضاء بين المُتَبنَّى وأولاد المُتبنِّي. لأنه سيضيع عليهم بعض الحقوق التي ستذهب إلى هذا اليتيم بغير وجه حق وهم بقرارة أنفسهم يعلمون أنه ليس مستحقاً معهم. وأما كفالة اليتيم فهي أن يجعل الرجل اليتيم في بيته أو أن يتكفل به في غير بيته دون أن ينسبه إليه، ودون أن يحرم عليه الحلال أو أن يحل له الحرام كما هو في التبني، بل يكون الكفيل بصفة الكريم المنعم بعد الله تعالى، فلا يقاس كافل اليتيم على المتبني لفارق الشبه بينهما ولكون كفالة اليتيم مما حث عليه الإسلام. قال تعالى: (... ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير، وإن تخالطوهم فإخوانكم. والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم) البقرة/٢٢٠. وقد جعل الرسول ﷺ كفالة اليتيم سبباً لمرافقته في الجنة مع الملازمة. عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : " وأنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا - وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئاً – ". رواه البخاري (٤٩٩٨) . ولكن يجب التنبيه على أن هؤلاء الأيتام متى بلغوا الحلم يجب فصلهم عن نساء الكافل وبناته وألا يُصلح من جانب ويُفسد من جانب آخر كما أنه ينبغي العلم بأن المكفول قد تكون يتيمة وقد تكون جميلة تشتهى قبل البلوغ فيجب على الكافل أن يراقب أبناءه من أن يقعوا بالمحرمات مع الأيتام لأن هذا قد يحدث ويكون سبباً للفساد الذي قد يعسر إصلاحه. ثم إننا نحث إخواننا على كفالة الأيتام وأن هذا من الأخلاق التي يندر فعلها إلا عند من وهبه الله الصلاح وحب الخير والعطف على الأيتام والمساكين، لاسيما إخواننا في كوسوفو والشيشان فقد لاقوا من الضنك والعذاب ما نسأل الله تعالى أن يفرّج عنهم كربهم وشدائدهم. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13117

تسلية والد عن فقد ابنته [السُّؤَالُ] ـ[ماتت ابنتي البالغة من العمر ١٦ عامًا في أكتوبر الماضي في شهر شعبان بسبب سرطان في معدتها. كانت مسلمة جيدة تصلي دائمًا وتسعى في طلب العلوم الإسلامية. هل هناك أي شيء يمكنني فعله لها في شهر رمضان كي يزيد ثوابها وحسناتها؟ وكيف أتعامل مع فقد ابنتي؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أسأل الله الكريم بأسمائه وصفاته أن يتغمد ابنتك بواسع رحمته، وأن يجمعك بها يوم القيامة في جنته، وأن يلهمك ووالدتها الصبر والسلوان. وأبشرك أخي الكريم بقول النبي ﷺ – (من قتله بطنه لم يعذب في قبره) رواه الترمذي (١٠٦٤) وحسنه وصححه الألباني (أحكام الجنائز ٥٣) وبقول النبي – ﷺ – (من مات في البطن فهو شهيد) رواه مسلم (١٩١٥) قال ابن الأثير: أي الذي يموت بمرض بطنه كالاستسقاء ونحوه. (النهاية ١/١٣٦) ، ورجاؤنا أن تكون ابنتك قد بلغت ذلك، رحمة الله ومَنِّه. فحري بك ألا تجزع لفقدها وأن ترجو لها الخير والثواب عند الله تعالى، وعليك – أخي- بالتأمل والتفكر والتدبر والنظر في كتاب الله جل وعلا وسنة نبيه محمد ﷺ , ففيهما ما تقر به الأعين , وتسكن به القلوب وتطمئن له تبعاً لذلك الجوارح مما منحه الله , ويمنحه لمن صبر ورضي واحتسب من الثواب العظيم والأجر الجزيل فلو قارن المكروب ما أخذ منه بما أعطي لوجد ما أعطي من الأجر والثواب أعظم مما أصابه بتلك المصيبة بأضعاف مضاعفة، وكل ذلك عنده بحكمة، وكل شيء عنده بمقدار. قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ - الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ - أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) البقرة/ ١٥٥-١٥٧ روى مسلم في صحيحه (٩١٧) من حديث أم سلمة ﵂ قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من عبدٍ تصيبه مصيبة فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أْجُرْنِي في مصيبتي واخلف لي خيراً منها , إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيراً منها " قالت: فلما توفي أبو سلمة قلت: ومن خيرٌ من أبي سلمة؟ صاحب رسول الله ﷺ , ثم عزم الله علي فقلتها قالت: فتزوجت رسول الله ﷺ ، وَمَنْ خيرٌ من رسول الله؟!) ثم نزف إليك هذه البشائر من كلام النبي ﷺ تُسَلّي من قدّم أحداً من ولده، فمات في حياته، وتبشره برحمة الله وفضله عليه، عسى الله أن يشملنا وإياك بهما، ويعمّنا بعفوه وغفرانه في سنن الترمذي (٢٣٩٩) وحسنه: (ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله , حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة) وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (٥٨١٥) وجاء في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إذا مات ولد الرجل يقول الله تعالى لملائكته: "أقبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم.. فيقول وهو أعلم: أقبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم.. فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله جل وعلا: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسمّوه بيت الحمد) . رواه الترمذي وحسنه (١٠٢١) وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة. يالها من بشارة بالموت على الإيمان لأن الله إذا أمر ببناء بيت لأحد من عبيده لابد لذلك العبد من سكنى هذا البيت في يومٍ من الأيام ... وروى الإمام أحمد (٣/٤٣٦) وصححه الحاكم (١/٥٤١) من حديث معاوية بن قرة عن أبيه: (أنه كان رجل يأتي النبي ﷺ ومعه ابن له , فقال النبي ﷺ : " أتحبه؟ " فقال: يا رسول الله , أحبك الله كما أحبه.. فتفقده النبي ﷺ فقال: " ما فعل ابن فلان؟ فقالوا: يا رسول الله مات , فقال النبي ﷺ لأبيه: " أما تحب أن تأتي باباً من أبواب الجنة إلا وجدته عليه ينتظرك؟ " فقال رجل: يا رسول الله , أله خاصة أم لكلنا؟ فقال ﷺ : " بل لكلكم) . وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب برقم (١٧٥٦) أما ما يمكن أن تقدمه من عمل لابنتك فعدة أمور: ١ – الدعاء الصادق بالرحمة والمغفرة فعن أبي الدرداء قال قال رسول الله – ﷺ ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك ولك بمثل. رواه مسلم (٢٧٣٢) يقول الشيخ ابن عثيمين: أفضل ما يقدم للميت الدعاء. (لقاء الباب المفتوح ١/٢٠٥) ٢ – الصدقة عنها، خاصة الصدقة الجارية، يقول النووي: فان الصدقة تصل إلى الميت وينتفع بها بلا خلاف بين المسلمين.اهـ (شرح النووي على صحيح مسلم ج:١ ص:٨٩) وليس هناك دليل صحيح على أن الصدقة في رمضان تضاعف عنها في غيره إنما الذي جاء عن ابن عباس قال: كان رسول الله – ﷺ أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله – ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة. البخاري (٦) ومسلم (٢٣٠٨) قال النووي: وفي هذا الحديث فوائد منها بيان عظم جوده – ﷺ ومنها استحباب إكثار الجود في رمضان. اهـ (شرح النووي على صحيح مسلم ج:١٥ ص:٦٩) والله أعلم (مستفاد من كتاب فضل من مات له من الأولاد للسيوطي ومحاضرة كشف الكربة للشيخ علي القرني وأحكام الجنائز للألباني) وانظر سؤال رقم (٢١٤٣٤) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13118

كفالة اليتيم القريب [السُّؤَالُ] ـ[أحد أخوالي توفاه الله وله ستة أبناء هل يمكن أن أكفل أحد أبنائه أم أن كفالة اليتيم لا تكون للأرحام؟ وإن جازت كفالتي هل تعتبر صالحة إذا كنت في بلد عربي وهم في بلد عربي آخر وأكتفي بإرسال مبلغ مالي شهريا إلي جانب تقديمي للهدايا عند زيارتي لهم علما باني لي إجازة كل سنة؟ وهل يجوز أن يكون المال المرسل على دفعتين سنويا؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا شك أن كفالة اليتيم من أعمال البر العظيمة، وخصال الخير الحميدة، فقد أمر الله تعالى بها في كتابه، وذكر فضلها نبينا - صلى الله عليه وسم - في سنته. قال الله تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا) النساء/٣٦، وقال تعالى: (ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى) البقرة/١٧٧ وعن سهل بن سعد عن النبي ﷺ قال: (أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وقال بإصبعيه السبابة والوسطى) رواه البخاري برقم ٥٦٥٩ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة وأشار مالك بالسبابة والوسطى) رواه مسلم برقم ٢٩٨٣ وكفالة اليتيم لا تقتصر على الأباعد، فتستحب في الأقارب والأباعد، بل أجر كفالة اليتيم القريب يشمل كفالة اليتيم، وأجر صلة الرحم. ويدل لذلك حديث أبي هريرة ﵁ – السابق. قال الحافظ في الفتح:" ومعنى قوله له بأن يكون جدا أو عما أو أخا أو نحو ذلك من الأقارب أو يكون أبو المولود قد مات فتقوم أمه مقامه " ١٠/٤٣٦ وقال النووي:" وأما قوله له أو لغيره فالذي له أن يكون قريبا له كجده وأمه وجدته وأخيه وأخته وعمه وخاله وعمته وخالته وغيرهم من أقاربه والذي لغيره أن يكون أجنبيا " شرح مسلم ١٨/١١٣ إذا علم هذا فيجوز أن ترسل مال كفالة اليتيم، وأنت في بلد آخر، ويجوز أن ترسله على دفعتين أو أكثر، وينبغي أن تلحظ في ذلك مصلحة اليتيم، حتى لا يحتاج إلى المال. وإذا أرسلت المال إلى بلد اليتيم، فإن الناظر على شأن اليتيم عليه أن ينفق منه على اليتيم بالمعروف دون إسراف أو تقتير. واعلم أخي أن من أهم معاني كفالة اليتيم السعي في تنشئتة التنشئة الإسلامية الصحيحة فاحرص على تعاهده بما يناسب عمره مما يكون له أثر في ذلك من كتيبات وأشرطة واهتمام وعناية في وقت إجازتك بما يكون له الأثر الحسن بإذن الله في إعطائه شيئاً من شفقة وحنان من فقده. ونسأل الله أن يثبت أجرك ويكثر في الأمة من أمثالك. انظر السؤال رقم (٥٢٠١) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13119

هل يعتبر كافلاً لليتيم إذا كان يدفع المال فقط لجمعية خيرية تكفله [السُّؤَالُ] ـ[أنا كافل لأحد الأيتام في جمعية البر في جده بمبلغ ٢٠٠ شهريا تعطى لوالدة الطفل عن طريقهم وأنا لست مسؤولا عن أي شي آخر في الطفل غير الدفع فهل هذا ما وصى به الرسول ﷺ حين قال (أنا وكافل اليتيم في الجنة) أرشدوني؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: كفالة اليتيم من أعمال البر التي ندبنا إليها الشرع، ودل على أنها من أسباب دخول الجنة، بل من أسباب نيل أعلى درجاتها، ويكفي لحث المؤمن على الحرص عليها، قول النبي، ﷺ : (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين، وأشار بالسبابة والوسطى، وفرق بينهما) البخاري (٥٣٠٤) . قال ابن بطال، ﵀: (حق على من سمع هذا الحديث أن يعمل به، ليكون رفيق النبي ﷺ في الجنة) نقله ابن حجر في فتح الباري ١٠/٤٣٦ ثانيا: إنفاق المال على اليتيم قد ورد الحث عليه بخصوصه؛ قال النبي ﷺ : (َإِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ، مَا أَعْطَى مِنْهُ الْمِسْكِينَ وَالْيَتِيمَ وَابْنَ السَّبِيلِ، أَوْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ رواه البخاري (١٤٦٥) ومسلم (١٠٥٢) لكن هذه النفقة ليست هي كل الكفالة التي ندب إليها الشرع، ووعد فاعلها المنزلة العظيمة في الجنة، وإنما هي نوع منها، وشعبة من شعبها، وإنما الكفالة التامة: القيام بأمره، والنظر في مصالحه الدينية والدنيوية، وتربيته، والإحسان إليه حتى يزول يتمه. قال ابن الأثير: (الكافل هو القائم بأمر اليتيم، المربي له) النهاية ٤/١٩٢، ولما عرف النووي، ﵀، في كتابه رياض الصالحين، كافل اليتيم بأنه القائم بأموره، قال شارحه: (دينا ودنيا، وذلك بالنفقة والكسوة، وغير ذلك) . دليل الفالحين ٣/١٠٣، وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: (كفالة اليتيم هي القيام بما يصلحه في دينه ودنياه؛ بما يصلحه في دينه من التربية والتوجيه والتعليم، وما أشبه ذلك، وما يصلحه في دنياه من الطعام والشراب والمسكن.) شرح رياض الصالحين ٥/١١٣. ودخول مصالح اليتيم الدينية والتربوية في معنى الكفالة، ليس أقل من دخول المصالح المادية الدنيوية، بل هي أولى، كما أن قيام الأب على تربية أبنائه، وتأديبهم، أعظم من مجرد إنفاقه عليهم. قال الشيخ ابن سعدي ـ في تربية الإنسان لأبنائه ـ: (كما أنك إذا أطعمتهم وكسوتهم وقمت بتربية أبدانهم، فأنت قائم بالحق مأجور، فكذلك، بل أعظم من ذلك، إذا قمت بتربية قلوبهم وأرواحهم بالعلوم النافعة، والمعارف الصادقة، والتوجيه للأخلاق الحميدة، والتحذير من ضدها) بهجة قلوب الأبرار ١٢٨ وتلك هي الكفالة الحقيقية لليتيم؛ أن يربيه تربية ابنه، ولا يقتصر على الشفقة عليه والتلطف به، ويؤدبه أحسن تأديب، ويعلمه أحسن تعليم. فيض القدير للمناوي ١/١٠٨ واستظهر العراقي، ﵀، أن يكون هذا المعنى هو السر في مرافقة كافل اليتيم للنبي، ﷺ ، في الجنة؛ قال: (لعل الحكمة في كون كافل اليتيم.. شبهت منزلته في الجنة بالقرب من النبي، أو منزلة النبي، لكون النبي شأنه أن يبعث إلى قوم لا يعقلون أمر دينهم، فيكون كافلا لهم ومعلما ومرشدا، وكذلك كافل اليتيم يقوم بكفالة من لا يعقل أمر دينه، بل ولا دنياه ن ويرشده ويعلمه، ويحسن أدبه) نقله الحافظ في الفتح ١٠/٤٣٧ ثم إن الاقتصار على النفقة، لاسيما مع تباعد الأمكنة، يحرم العبد من واحد من أسباب لين القلب وقضاء الحوائج؛ وهو ضم اليتيم، والإلطاف له. قال ﷺ : (أدن اليتيم، وامسح برأسه، وأطعمه من طعامك، فإن ذلك يلين قلبك، ويدرك حاجتك) السلسلة الصحيحة (٨٥٤) والحاصل أن أعلى مقامات كفالة اليتيم هي أن يضمه الإنسان إلى ولده؛ فيربيه تربيتهم، وينفق عليه كما ينفق عليهم. فإن لم يكن للكافل مال يسع اليتيم، أو كان لليتيم من المال ما يستغني به، وضمه الإنسان إلى أولاده، فهذا، وإن كان دون المنزلة الأولى، فهو من أعظم معاني الكفالة، ومن أعظم مقاصدها؛ حتى قال النووي ﵀: (وهذه الفضيلة تحصل لمن كفل اليتيم من مال نفسه، أو مال اليتيم بولاية شرعية) نقله ابن علان في دليل الفالحين ٣/١٠٤ فإن كان للإنسان مال ينفق منه على اليتيم، كحال السائل، فهذا على خير عظيم إن شاء الله، ويكفي أنه توقى من فتنة المال والشح به، وأدى شرط النبي ﷺ عليه: (لمن أَعْطَى مِنْهُ الْمِسْكِينَ وَالْيَتِيمَ وَابْنَ السَّبِيلِ) , لكن ليست هذه هي الكفالة التامة التي وعد صاحبها مرافقة النبي، ﷺ ، في الجنة، ولعله أن يحصل بإخلاص النية، وصدق الإرادة، ما عجز عن أن يناله بعمله، فعنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي غَزَاةٍ فَقَالَ: (إِنَّ أَقْوَامًا بِالْمَدِينَةِ خَلْفَنَا مَا سَلَكْنَا شِعْبًا وَلا وَادِيًا إِلا وَهُمْ مَعَنَا فِيه؛ِ حَبَسَهُمْ الْعُذْر) رواه البخار (٢٨٣٩) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13120

فضل قراءة القرآن بالليل والناس نيام [السُّؤَالُ] ـ[ما الفضل في قراءة القرآن الكريم في الليل والناس نيام؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ثبت في السنة الصحيحة أن القرآن يشفع لمن قرأه في الليل، وآثره على النوم، كما روى أحمد (٦٦٢٦) عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: " الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه. ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه. قال: فيشفعان" رواه أحمد وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم ٣٨٨٢ وبين النبي ﷺ أن قراءة القرآن بالليل من النعم التي يغبط عليها المؤمن، فقال: " لا حسد إلا في اثنتين رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار فسمعه جار له فقال ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل ورجل آتاه الله مالا فهو يهلكه في الحق فقال رجل ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل " رواه البخاري (٤٧٣٨) وتلاوة القرآن في الليل منجاة من الغفلة، كما قال النبي ﷺ : " من قرأ عشر آيات في ليلة لم يكتب من الغافلين" رواه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٦٤٠) : صحيح لغيره. وقال ﷺ : " من حافظ على هؤلاء الصلوات المكتوبات لم يكتب من الغافلين ومن قرأ في ليلة مائة آية كتب من القانتين " رواه ابن خزيمة في صحيحه والحاكم واللفظ له وقال صحيح على شرطهما، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٦٤٠) . وقد وصف الله المتقين بأنهم (كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُون وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) الذريات/١٧، ١٨. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13121

هل نستطيع الاجتهاد في العبادة كاجتهاد السابقين الأولين ؟ [السُّؤَالُ] ـ[لقد اشتهر الصالحون السابقون بحب العبادة، والتفاني في أدائها، مثل: قيام الليل، وقراءة القرآن، وحفظه، فهل نستطيع نحن جيل هذا العصر القيام ولو بالقليل من هذا، مع كل الفتن المحيطة من كل النواحي؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله يستطيع الواحد منا أن يجتهد في العبادة ينافس أولئك الرجال بالقيام بما ندبت إليه الشريعة وحثَّ عليه الإسلام، وينبغي أن تكون عند المسلم همة يهد بها الجبال، وقد قيل: (همة الرجال تقلع الجبال) . والصحابة ﵃ كانوا للأمة خير قدوة في الطاعة والعبادة، ومع هذا فلم يمنع ذلك مَنْ بعدهم أن يحثوا أنفسهم على منافستهم في العبادة حتى لا يستأثروا بالنبي ﷺ ، واسمع لواحد منهم واعجب لهذه الهمة العظيمة، قال أبو مسلم الخولاني ﵀: (أيظن أصحاب محمد أن يستأثروا به دوننا، كلا والله! لنزاحمنهم عليه زحاماً حتى يعلموا أنهم قد خلَّفوا وراءهم رجالاً!!) . وقد كان يقول كلمته هذه عندما كان يقوم الليل فإذا تعبت قدماه ضربها بيديه وقال ذلك، فبمثل هذه الهمم يستطيع المسلم أن يقوم بالطاعات والعبادات، وهو من التنافس المحمود المأمور به في قوله تعالى (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون) . ولو لم يكن في مقدور المتأخرين القيام بالأعمال الجليلة في الطاعة والعبادة لما رأينا الله تعالى يحث عباده جميعاً عليها، ويعدهم بالثواب الجزيل إن قاموا بها، ولما أوصى النبي ﷺ بالوصية العظيمة وهي قوله (اغتنم خمسا قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك) صححه الألباني ﵀ في صحيح وضعيف الجامع الصغير، فهي – إذن – دعوة لنا أن نغتنم حياتنا بالطاعة قبل أن يفاجئنا الموت، وأن نغتنم صحتنا قبل العجز والمرض، فالصحيح يستطيع ما لا يستطيعه المريض، وأن نغتنم فراغنا قبل شغلنا بالزوجة والأولاد والأعمال، وأن نغتنم شبابنا حيث النشاط والهمة قبل الكبَر والضعف، وأن نغتنم غنانا بالصدقة والإنفاق قبل سلب ذلك وعجزنا عنه. وفي المعاصرين أمثلة مشرقة، في حياتهم الطاعة والعبادة، ولا يخلو عصر من عصور المسلمين – ولله الحمد – من أمثال هؤلاء، يشحذون الهمم للقيام بكل ما يحب الله ويرضى من الأقوال والأعمال، ففي هذه الأمة من المعاصرين من قضى عمره في ساحات الجهاد حتى قدَّم نفسه رخيصة لربه تعالى واشترى بها الجنة، ومنهم من جدَّ واجتهد في العلم منذ أن عقل إلى أن مات، ومنهم من حافظ على قيام الليل ولم يعرف عنه تركه لا في سفر ولا في حضر، ومنهم من بذل أمواله كلها في سبيل الله تعالى ولم تجب عليه الزكاة في حياته قط، ومنهم من بذل نفسه للمسلمين يشفع لهذا ويقضي حاجة ذاك، ويجيب السائل ويفتي المستفتي، ويعلم الجاهل ويحث الناس على الخير. فلن تعدم – أخي – صوراً مشرقة من حياة علمائنا وأئمتنا ومجاهدينا، وسترى في حياتهم ما يحثك على فعل الطاعة ويجعلك تعلم أنه يوجد مجال للمنافسة مع المتقدمين، ونظرة في حياة الأئمة الثلاثة: عبد العزيز بن باز والألباني وابن عثيمين تجد فيها العلم والتعليم والجد والاجتهاد والبذل والإنفاق والشفاعة والدعوة، ولا يزال المسلمون يقدمون أروع الأمثلة في جهادهم الكفار في الأرض كلها. وفي حفظ القرآن نماذج صالحة كثيرة، فقد حفظ كثيرون القرآن وهم لم يبلغوا الثامنة من عمرهم، وقد وجد من حفظ القرآن كاملاً في شهرين، بل في شهر. وينبغي على المسلم المحب للقيام بالطاعة والعبادة والراغب بالتنافس مع من قبله أو مع من عاصره من أهل الهمم أن يحذر من أشياء: أولها: الغفلة عن الآخرة وما فيها من ثواب جزيل وأجر عظيم، قال ابن القيم ﵀ – في " بدائع الفوائد " (ص ٩٨) : خراب القلب من الأمن والغفلة، وعمارته من الخشية والذكر. وثانيها: أن يترك التنافس على الدنيا مع أهلها وليدعها لهم ولتتطلع نفسه لعالي الأمور، وأن يحذر أن يجعل الدنيا أكبر همه ومبلغ علمه، وأن يجعل المال والمتاع في يده لا في قلبه. وثالثها: الابتعاد عن التأجيل والتسويف، وعليه أن يبادر بالقيام بالأعمال استجابة لأمر الله تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) آل عمران/١٣٣ وقال (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) الحديد/٢١. والله الموفق. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13122

يريد أمرا فيه صلاح دينه ونياه [السُّؤَالُ] ـ[هل من الممكن أن تنصحنا بأمر فيه صلاح الدين والدنيا؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله سئل الإمام أحمد السؤال التالي: يتفضل الشيخ الإمام , بقية السلف , وقدوة الخلف , أعلم من لقيت ببلاد المشرق والمغرب , تقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية بأن يوصيني بما يكون فيه صلاح ديني ودنياي؟ فأجاب رحمه الله تعالى: أما الوصية فما أعلم وصية أنفع من وصية الله ورسوله لمن عقلها واتبعها قال تعالى: (ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله) . وصى النبي ﷺ معاذاً لما بعثه إلى اليمن فقال: (يا معاذ: اتق الله حيث ما كنت , واتبع السيئة الحسنة تمحها , وخالق الناس بخلق حسن) , وكان معاذاً ﵁ من النبي ﷺ بمنزلة عالية , فإنه قال له (يا معاذ: والله إني لأحبك) وكان يردفه وراءه. وروى فيه أنه أعلم الأمة بالحلال والحرام , أنه يحشر أمام العلماء برتوة - أي: بخطوة - ومن فضله أنه بعثه النبي ﷺ مبلغاً عنه , داعياً ومفتياً وحاكماً إلى أهل اليمن , وكان يشبهه بإبراهيم ﵇ , وإبراهيم إمام الناس. وكان ابن مسعود ﵁ إن معاذاً كان أمة قانتاً ولم يك من المشركين تشبيهاً له بإبراهيم ﵇. ثم إنه ﷺ وصاه هذه الوصية , فاعلم أنها جامعة , وهي كذلك لمن عقلها , مع أنها تفسير الوصية القرآنية. أما بيان جمعها فلأن للعبد عليه حقان: حق الله , وحق لعباده.الحق الذي عليه لا بد أن يخل به أحياناً , إما بترك مأمور به , أو فعل منهي عنه , فقال النبي ﷺ : (اتق الله حيث ما كنت) وهذه الكلمة جامعة , وفي قوله: (حيثما كنت) تحقيق لحاجته للتقوى في السر والعلانية ثم قال: (واتبع السيئة الحسنة تمحها) فإن الطبيب متى تناول المريض شيئاً مضراً أمره بما يصلحه. والذنب للعبد كأنه أمر حتم. فالكيس هو الذي لا يزال يأتي من الحسنات بما يمحو السيئات. وإنما قدم في لفظ الحديث (السيئة) وإن كانت مفعولة , لأن المقصود هنا محوها لا فعل الحسنة فصار كقوله في بول الأعرابي (صبوا عليه ذنوباً من ماء) . وينبغي أن تكون الحسنات من جنس السيئات , فإنه أبلغ في المحو , والذنوب يزول موجبها بأشياء: أحدها التوبة , والثاني الاستغفار من غير توبة , فإن الله تعالى قد يغفر له إجابة لدعائه وإن لم يتب , فإذا اجتمعت التوبة والاستغفار فهو الكمال , والثالث الأعمال الصالحة المكفرة. إما الكفارات المكفرة المقدرة كما يكفر المجامع في رمضان والمظاهر والمرتكب لبعض محظورات الحج , أو تارك بعض واجباته , أو قاتل الصيد بالكفارات المقدرة , وهي أربعة أجناس: هدي وعتق وصدقة وصيام. وإما الكفارات المطلقة كما قال حذيفة لعمر: فتنة الرجل في أهله وماله وولده يكفرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , وقد دل على ذلك القرآن والأحاديث الصحاح في التكفير بالصلوات الخمس والجمعة والصيام والحج وسائر الأعمال التي يقال فيها: من قال كذا وعمل كذا غفر له , أو غفر له ما تقدم من ذنبه , وهي كثيرة لمن تلقاها من السنن خصوصاً ما صنف في فضائل الأعمال. واعلم أن العناية بهذا من أشد ما بالإنسان الحاجة إليه , فإن الإنسان من حين يبلغ , خصوصاً في هذه الأزمنة ونحوها من أزمنة الفترات التي تشبه الفترات الجاهلية من بعض الوجوه , فإن الإنسان الذي ينشأ بين أهل علم ودين قد يتلطخ من أمور الجاهلية بعدة أشياء , فكيف بغير هذا؟ وفي الصحيحين عن النبي ﷺ من حديث أبي سعيد ﵁: (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. قالوا: يا رسول الله , اليهود والنصارى؟ قال: فمن) . هذا خبر تصديقه في قوله تعالى: (فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا) ولهذا شواهد في الصحاح والحسان. وهذا أمر قد يسري في المنتسبين إلى الدين من الخاصة , كما قال غير واحد من السلف منهم ابن عيينة فإن كثيراً من أحوال اليهود قد ابتلي به بعض المنتسبين إلى العلم وكثيراً من أحوال النصارى قد ابتلى به بعض المنتسبين إلى الدين كما يبصر من ذلك من فهم دين الإسلام الذي بعث الله به محمداً ﷺ ثم نزله على أحوال الناس. وإذا كان الأمر كذلك فمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه , وكان ميتاً فأحياه الله وجعل له نوراً يمشي به في الناس , لا بد أن يلاحظ أحوال الجاهلية وطريق الأمتين المغضوب عليهم ولا الضالين من اليهود والنصارى , فيرى أن قد ابتلي ببعض ذلك فأنفع ما للخاصة والعامة العلم بما يخلص النفوس من هذه المورطات وهو اتباع السيئات الحسنات , والحسنات ما نُدِب إليه على لسان خاتم النبيين من الأعمال والأخلاق والصفات , ومما يزيل موجب الذنوب المصائب المكفرة وهي كل ما يؤلم من هم أو حزن أو أذى في مال أو عرض ,أو جسد أو غير ذلك ولكن ليس هذا من فعل العبد. فلما قضى بهاتين الكلمتين حق الله من عمل صالح وإصلاح الفاسد , قال: (وخالق الناس بخلق حسن) وهو حق الناس. وجماع الخلق الحسن مع الناس: أن تصل من قطعك بالسلام , والإكرام , والدعاء له , والاستغفار , والثناء عليه , والزيارة له , وتعطي من حرمك من التعليم والمنفعة والمال , وتعفو عمن ظلمك في دم أو مال أو عرض , وبعض هذا واجب وبعضه مستحب. وأما الخُلق العظيم الذي وصف الله به محمداً ﷺ فهو الدين الجامع لجميع ما أمر الله به مطلقاً , هكذا قال مجاهد وهو تأويل القرآن كما قالت عائشة ﵂: (كان خُلُقه القرآن) وحقيقته المبادرة إلى امتثال ما يحبه الله تعالى بطيب نفس وانشراح صدر. وأما بيان أن هذا كله في وصية الله , فهو أن اسم تقوى الله يجمع فعل كل ما أمر الله به إيجاباً واستحباباً , وما نهى عنه تحريماً وتنزيهاً , وهذا يجمع حقوق الله وحقوق العباد. لكن لما كان تارة يعني بالتقوى خشية العذاب المقتضية للانكفاف عن المحارم , جاء مفسراً في حديث معاذ , وكذلك في حديث أبي هريرة ﵄ الذي رواه الترمذي وصححه: (قيل يا رسول الله: ما أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ قال: تقوى الله وحسن الخلق. قيل: وما أكثر ما يدخل الناس النار؟ قال: الأجوفان: الفم والفرج) . وفي الصحيح عن عبد الله ابن عمر ﵄ قال رسول الله ﷺ : (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً) فجعل كمال الإيمان في كمال حسن الخلق , ومعلوم أن الإيمان كله تقوى الله , وتفصيل أصول التقوى وفروعها لا يحتمله هذا الموضع , فإنها الدين كله , لكن ينبوع الخير وأصله إخلاص العبد لربه عبادة واستعانة كما في قوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين) وفي قوله تعالى: (فاعبده وتوكل عليه) , وفي قوله تعالى (عليه توكلت وإليه أنيب) وفي قوله تعالى: (فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له) بحيث يقطع العبد تعلق قلبه من المخلوقين انتفاعاً بهم أو عملاً لأجلهم , ويجعل همته ربه تعالى , وذلك بملازمة الدعاء في كل مطلوب من فاقة وحاجة ومخافة وغير ذلك , والعمل له بكل محبوب. ومن أحكم هذا فلا يمكن أن يوصف ما يعقبه ذلك. [الْمَصْدَرُ] نقلاً عن رسالة (الوصية الجامعة لخير الدنيا والآخرة) تصنيف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ طبعة المكتبة السلفية بالقاهرة..

стр. 13123

استماع القرآن من قرص مدمج في الباص [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز للشخص أن يسمع القرآن من قرص مدمج في الباص.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله القرآن كلام الله المنزل على محمد ﷺ تستحب قراءته والإكثار من تلاوته. وهو من وسائل الارتقاء في درج الجنة كما ثبت في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ قال: " يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق،ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها ". والاستماع للقرآن - كذلك - مستحب كما فعله النبي ﷺ في استماعه لقراءة أبي موسى الأشعري وقال له: " لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة "، وطلب النبي ﷺ من عبد الله بن مسعود ﵁ أن يقرأ عبد الله عليه القرآن، فقال عبد الله: أقرأ عليك وعليك أُنزل؟! فقال الرسول ﷺ : " إني أحب أن أسمعه من غيري ". وكذلك استماعك - أخي السائل - للقرآن على الأقراص المدمجة التي سألت عنها، أو من المسجل أو المذياع أو الرائي (التلفزيون) له نفس الحكم (الاستحباب) . وسواء كان ذلك في بيتك أو في السيارة أو الحافلة أو ما سوى ذلك من الأماكن المناسبة ما دمت تستمع له غير منشغل عنه فأنت مأجور على هذا الاستماع. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 13124

المصائب تكفر الذنوب [السُّؤَالُ] ـ[زوجتي كانت تصلي حتى كان مولودها الأول، فتكاسلت مدعية أن أي امرأة تلد تسقط عنها ذنوبها كلها لما تلاقيه أثناء الولادة من آلام فماذا تقولون لها؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذا ليس بصحيح ولكن المرأة كغيرها من بني آدم إذا أصابها شيء فصبرت واحتسبت الأجر فإنها تؤجر على هذه الآلام والمصائب حتى إن النبي ﷺ مثل بما دون ذلك، مثل بالشوكة يشاكها فإنه يكفر بها عنه، واعلم أن المصائب التي تصيب المرء إذا صبر واحتسب الأجر من الله كان مثاباً على ما حصل منه من صبر واحتساب وكان أصل المصيبة تكفيراً لذنوبه، فالمصائب مكفرة على كل حال، فإن قارنها الصبر كان مثاباً عليها الإنسان من أجل هذا الصبر الذي حصل منه عليها، فالمرأة عند الولادة لا شك أنها تتألم وأنها تتأذى وهذا الألم يكفر به عنها فإذا صبرت واحتسبت الأجر من الله كان من التكفير زيادة في ثوابها وحسناتها.. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] من فتاوى الشيخ ابن عثيمين مجلة الدعوة العدد/١٧٨٩، ص/٦١.

стр. 13125

من مات بالزائدة وتليّف الكبد فهو شهيد [السُّؤَالُ] ـ[ورد في الحديث أن المبطون شهيد، ما معنى كلمة مبطون، وهل يدخل في معناها من توفي من تليّف في الكبد؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله المبطون قال أهل العلم: من مات بداء البطن، والظاهر أن من جنسه من مات بالزائدة لأنها من أدواء البطن التي تميت، ولعل من ذلك أيضاً من مات بتليف الكبد لأنها داء في البطن مميت. [الْمَصْدَرُ] من فتاوى فضيلة الشيخ ابن عثيمين لمجلة الدعوة.

стр. 13126

أمثلة على فعل المعروف نقوم بها يوميّاً للإكثار من الحسنات [السُّؤَالُ] ـ[أرجو إعطاء أمثلة على فعل المعروف نقوم بها يوميّاً للإكثار من الحسنات.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله يستطيع المسلم إذا وفقه الله للعمل الصالح أن يكثر من الأجر والثواب. والأعمال الصالحة كثيرة ومتنوعة، يستطيعها الغني والفقير، الكبير والصغير، الذكر والأنثى، وهي تتفاوت بحسب حال فاعلها وهمته ونشاطه بعد توفيق الله له. قال الله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) النحل/٩٧. وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا ". رواه مسلم (١١٨) . ومن هذه الأعمال التي يستطيع أن يفعلها يوميّاً: ١. صلاة الجماعة في المسجد. عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " من غدا إلى المسجد وراح أعد الله له نزله من الجنة كلما غدا أو راح ". رواه البخاري (٦٣١) ومسلم (٦٦٩) . ٢. اتباع الجنازة والصلاة عليها. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من شهد الجنازة حتى يصلي فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن كان له قيراطان، قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين ". رواه البخاري (١٢٦١) ومسلم (٩٤٥) . ٣. قول " لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة " عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " من قال " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير " في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك. رواه البخاري (٣١١٩) ومسلم (٢٦٩١) . ٤. صلة الرحم. عن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من سره أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه ". رواه البخاري (٥٦٣٩) ومسلم (٢٥٥٧) . ٥. صيام التطوع وعيادة المريض والصدقة. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " من أصبح منكم اليوم صائماً؟ قال أبو بكر ﵁: أنا، قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر ﵁: أنا، قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً؟ قال أبو بكر ﵁: أنا، قال: فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر ﵁: أنا، فقال رسول الله ﷺ : ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة ". رواه مسلم (١٠٢٨) . ٦. قول " سبحان الله وبحمده " مئة مرة. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " من قال حين يصبح وحين يمسي " سبحان الله وبحمده " مائة مرة: حُطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر ". رواه البخاري (٦٠٤٢) ومسلم (٢٦٩١) . ٧. التسبيح والتحميد والتكبير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصلاة الضحى. عن أبي ذر عن النبي ﷺ أنه قال: " يُصبح على كل سُلَامَى من أحدكم صدقة: فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر، صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى ". رواه مسلم (٧٢٠) . ٨. قراءة القرآن. عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : " مَن قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ﴿الم﴾ حرف، ولكن ألِف حرف، ولام حرف، وميم حرف. رواه الترمذي (٢٩١٠) وقال: حسن صحيح. وصححه الألباني في صحيح الترمذي. وغير ذلك كثير، وليستعن المسلم بربه تعالى ليوفقه للعمل الصالح، وليبذل وسعه وطاقته لفعلها، وليحافظ على المداومة على هذه الأعمال ولو كانت قليلة، فهي خير من أن يُكثر منها ثم ينقطع. فعن عائشة – أيضاً - أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : " يا أيها الناس عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دوْوِمَ عليه وإن قَلَّ، وكان آل محمد ﷺ إذا عملوا عملا أثبتوه ". رواه البخاري (٤٣) ومسلم – واللفظ له - (٧٨٢) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13127

الحكمة من الابتلاءات [السُّؤَالُ] ـ[أسمع كثيرا عن أن هناك حِكَماً عظيمة لوقوع الابتلاء على الناس، فما هي هذه الحكم؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله نعم للابتلاء حكم عظيمة منها: ١- تحقيق العبودية لله رب العالمين فإن كثيراً من الناس عبدٌ لهواه وليس عبداً لله، يعلن أنه عبد لله، ولكن إذا ابتلي نكص على عقبيه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين , قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) الحج/١١. ٢- الابتلاء إعداد للمؤمنين للتمكين في الأرض قيل للإمام الشافعي ﵀: أَيّهما أَفضل: الصَّبر أو المِحنة أو التَّمكين؟ فقال: التَّمكين درجة الأنبياء، ولا يكون التَّمكين إلا بعد المحنة، فإذا امتحن صبر، وإذا صبر مكن. ٣- كفارة للذنوب روى الترمذي (٢٣٩٩) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه، وولده، وماله، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة) رواه الترمذي (٢٣٩٩) وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٢٢٨٠) . وعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) . رواه الترمذي (٢٣٩٦) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٢٢٠) . ٤- حصول الأجر ورفعة الدرجات روى مسلم (٢٥٧٢) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ شَوْكَةٍ فَمَا فَوْقَهَا إِلا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، أَوْ حَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً) . ٥- الابتلاء فرصة للتفكير في العيوب، عيوب النفس وأخطاء المرحلة الماضية لأنه إن كان عقوبة فأين الخطأ؟ ٦- البلاء درسٌ من دروس التوحيد والإيمان والتوكل يطلعك عمليّاً على حقيقة نفسك لتعلم أنك عبد ضعيف، لا حول لك ولا قوة إلا بربك، فتتوكل عليه حق التوكل، وتلجأ إليه حق اللجوء، حينها يسقط الجاه والتيه والخيلاء، والعجب والغرور والغفلة، وتفهم أنك مسكين يلوذ بمولاه، وضعيف يلجأ إلى القوي العزيز سبحانه. قال ابن القيم: " فلولا أنه سبحانه يداوي عباده بأدوية المحن والابتلاء لطغوا وبغوا وعتوا، والله سبحانه إذا أراد بعبد خيراً سقاه دواء من الابتلاء والامتحان على قدر حاله، يستفرغ به من الأدواء المهلكة، حتى إذا هذبه ونقاه وصفاه: أهَّله لأشرف مراتب الدنيا، وهي عبوديته، وأرفع ثواب الآخرة وهو رؤيته وقربه " انتهى. " زاد المعاد " (٤ / ١٩٥) . ٧- الابتلاء يخرج العجب من النفوس ويجعلها أقرب إلى الله. قال ابن حجر: " قَوْله: (وَيَوْم حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتكُمْ) رَوَى يُونُس بْن بُكَيْر فِي " زِيَادَات الْمَغَازِي " عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس قَالَ: قَالَ رَجُل يَوْم حُنَيْنٍ: لَنْ نُغْلَب الْيَوْم مِنْ قِلَّة , فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيّ ﷺ فَكَانَتْ الْهَزِيمَة.." قال ابن القيم زاد المعاد (٣/٤٧٧) : " واقتضت حكمته سبحانه أن أذاق المسلمين أولاً مرارة الهزيمة والكسرة مع كثرة عَدَدِهم وعُدَدِهم وقوة شوكتهم ليضع رؤوسا رفعت بالفتح ولم تدخل بلده وحرمه كما دخله رسول الله واضعا رأسه منحنيا على فرسه حتى إن ذقنه تكاد تمس سرجه تواضعا لربه وخضوعا لعظمته واستكانة لعزته " انتهى. وقال الله تعالى: (وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) آل عمران/١٤١. قال القاسمي (٤/٢٣٩) : " أي لينقّيهم ويخلّصهم من الذنوب، ومن آفات النفوس. وأيضاً فإنه خلصهم ومحصهم من المنافقين، فتميزوا منهم. .........ثم ذكر حكمة أخرى وهي (ويمحق الكافرين) أي يهلكهم، فإنهم إذا ظفروا بَغَوا وبطروا، فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم، إذ جرت سنّة الله تعالى إذا أراد أن يهلك أعداءه ويمحقهم قيّض لهم الأسباب التي يستوجبون بها هلاكهم ومحقهم، ومن أعظمها بعد كفرهم بغيهم وطغيانهم في أذى أوليائه ومحاربتهم وقتالهم والتسليط عليهم ... وقد محق الله الذي حاربوا رسول الله ﷺ يوم أحد وأصروا على الكفر جميعاً " انتهى. ٨- إظهار حقائق الناس ومعادنهم. فهناك ناس لا يعرف فضلهم إلا في المحن. قال الفضيل بن عياض: " الناس ما داموا في عافية مستورون، فإذا نزل بهم بلاء صاروا إلى حقائقهم؛ فصار المؤمن إلى إيمانه، وصار المنافق إلى نفاقه ". ورَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي "الدَّلائِل" عَنْ أَبِي سَلَمَة قَالَ: اُفْتُتِنَ نَاس كَثِير - يَعْنِي عَقِب الإِسْرَاء - فَجَاءَ نَاس إِلَى أَبِي بَكْر فَذَكَرُوا لَهُ فَقَالَ: أَشْهَد أَنَّهُ صَادِق. فَقَالُوا: وَتُصَدِّقهُ بِأَنَّهُ أَتَى الشَّام فِي لَيْلَة وَاحِدَة ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّة؟ قَالَ نَعَمْ , إِنِّي أُصَدِّقهُ بِأَبْعَد مِنْ ذَلِكَ , أُصَدِّقهُ بِخَبَرِ السَّمَاء , قَالَ: فَسُمِّيَ بِذَلِكَ الصِّدِّيق. ٩- الابتلاء يربي الرجال ويعدهم لقد اختار الله لنبيه ﷺ العيش الشديد الذي تتخلله الشدائد، منذ صغره ليعده للمهمة العظمى التي تنتظره والتي لا يمكن أن يصبر عليها إلا أشداء الرجال، الذين عركتهم الشدائد فصمدوا لها، وابتلوا بالمصائب فصبروا عليها. نشأ النبي ﷺ يتيماً ثم لم يلبث إلا يسيرا حتى ماتت أمه أيضاً. والله يُذكّر النبي صلّى الله عليه وآله بهذا فيقول: (ألم يجدك يتيماً فآوى) . فكأن الله تعالى أرد إعداد النبي ﷺ على تحمل المسئولية ومعاناة الشدائد من صغره. ١٠- ومن حكم هذه الابتلاءات والشدائد: أن الإنسان يميز بين الأصدقاء الحقيقيين وأصدقاء المصلحة كما قال الشاعر: جزى الله الشدائد كل خير وإن كانت تغصصني بريقي وما شكري لها إلا لأني عرفت بها عدوي من صديقي ١١- الابتلاء يذكرك بذنوبك لتتوب منها والله يقول: (وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيئَةٍ فَمِن نفسِكَ) النساء/٧٩، ويقول سبحانه: (وَمَا أَصابَكُم من مصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَت أَيدِيكُم وَيَعفُوا عَن كَثِيرٍ) الشورى/٣٠. فالبلاء فرصة للتوبة قبل أن يحل العذاب الأكبر يوم القيامة؛ فإنَّ الله تعالى يقول: (وَلَنُذِيقَنهُم منَ العَذَابِ الأدنَى دُونَ العَذَابِ الأكبَرِ لَعَلهُم يَرجِعُونَ) السجدة/٢١، والعذاب الأدنى هو نكد الدنيا ونغصها وما يصيب الإنسان من سوء وشر. وإذا استمرت الحياة هانئة، فسوف يصل الإنسان إلى مرحلة الغرور والكبر ويظن نفسه مستغنياً عن الله، فمن رحمته سبحانه أن يبتلي الإنسان حتى يعود إليه. ١٢- الابتلاء يكشف لك حقيقة الدنيا وزيفها وأنها متاع الغرور وأن الحياة الصحيحة الكاملة وراء هذه الدنيا، في حياة لا مرض فيها ولا تعب (وَإِن الدارَ الآخِرَةَ لَهِىَ الحَيَوَانُ لَو كَانُوا يَعلَمُونَ) العنكبوت/٦٤، أما هذه الدنيا فنكد وتعب وهمٌّ: (لَقَد خَلَقنَا الإِنسانَ في كَبَدٍ) البلد/٤. ١٣- الابتلاء يذكرك بفضل نعمة الله عليك بالصحة والعافية فإنَّ هذه المصيبة تشرح لك بأبلغ بيان معنى الصحة والعافية التي كنت تمتعت بهما سنين طويلة، ولم تتذوق حلاوتهما، ولم تقدِّرهما حق قدرهما. المصائب تذكرك بالمنعِم والنعم، فتكون سبباً في شكر الله سبحانه على نعمته وحمده. ١٤- الشوق إلى الجنة لن تشتاق إلى الجنة إلا إذا ذقت مرارة الدنيا , فكيف تشتاق للجنة وأنت هانئ في الدنيا؟ فهذه بعض الحكم والمصالح المترتبة على حصول الابتلاء وحكمة الله تعالى أعظم وأجل. والله تعالى أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13128

فضل الصبر [السُّؤَالُ] ـ[هل ممكن أن تخبرني ببعض الآيات والأحاديث التي فيها فضل الصبر؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله " فإن الله سبحانه جعل الصبر جواداً لا يكبو , وجنداً لا يهزم , وحصناً حصينا لا يهدم، فهو والنصر أخوان شقيقان، فالنصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، والعسر مع اليسر، وهو أنصر لصاحبه من الرجال بلا عدة ولا عدد، ومحله من الظفر كمحل الرأس من الجسد. ولقد ضمن الوفي الصادق لأهله في محكم الكتاب أنه يوفيهم أجرهم بغير حساب. وأخبر أنه معهم بهدايته ونصره العزيز وفتحه المبين، فقال تعالى: (واصبروا إن الله مع الصابرين) . وجعل سبحانه الإمامة في الدين منوطة بالصبر واليقين، فقال تعالى: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) . وأخبر أن الصبر خير لأهله مؤكداً باليمن فقال تعالى: (ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) . وأخبر أن مع الصبر والتقوى لا يضر كيد العدو ولو كان ذا تسليط، فقال تعالى: (وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً إن الله بما يعلمون محيط) . وأخبر عن نبيه يوسف الصديق أن صبره وتقواه وصلاه إلى محل العز والتمكين فقال: (إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) . وعلق الفلاح بالصبر والتقوى، فعقل ذلك عنه المؤمنون فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون) . وأخبر عن محبته لأهله، وفي ذلك أعظم ترغيب للراغبين، فقال تعالى: (والله يحب الصابرين) . ولقد بشر الصابرين بثلاث كل منها خير مما عليه أهل الدنيا يتحاسدون، فقال تعالى: (وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) . وأوصى عباده بالاستعانة بالصبر والصلاة على نوائب الدنيا والدين فقال تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) . وجعل الفوز بالجنة والنجاة من النار لا يحظى به إلا الصابرون، فقال تعالى: (إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون) . وأخبر أن الرغبة في ثوابه والإعراض عن الدنيا وزينتها لا ينالها إلا أولو الصبر المؤمنون، فقال تعالى: (وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون) . وأخبر تعالى أن دفع السيئة بالتي هي أحسن تجعل المسيء كأنه ولي حميم، فقال: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) وأن هذه الخصلة (لا يلقاها إلا الذين صبروا. وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) . وأخبر سبحانه مؤكدا بالقسم (إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) . وقسَّم خلقه قسمين: أصحاب ميمنة وأصحاب مشأمة، وخص أهل الميمنة أهل التواصى بالصبر والمرحمة. وخص بالانتفاع بآياته أهل الصبر وأهل الشكر تمييزاً لهم بهذا الحظ الموفور، فقال في أربع آيات من كتابه: (إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور) . وعلَّق المغفرة والأجر بالعمل الصالح والصبر، وذلك على من يسره عليه يسير، فقال: (إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير) . وأخبر أن الصبر والمغفرة من العزائم التي تجارة أربابها لا تبور، فقال: (ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور) . وأمر رسوله بالصبر لحكمه، وأخبر أن صبره إنما هو به وبذلك جميع المصائب تهون فقال: (واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا) ، وقال: (واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون. إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) . والصبر ساق إيمان المؤمن الذي لا اعتماد له إلا عليها , فلا إيمان لمن لا صبر له وإن كان فإيمان قليل في غاية الضعف وصاحبه يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة، ولم يحظ منهما إلا بالصفقة الخاسرة. فخير عيش أدركه السعداء بصبرهم , وترقوا إلى أعلى المنازل بشكرهم، فساروا بين جناحي الصبر والشكر إلى جنات النعيم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم " انتهى. " عدة الصابرين " لابن القيم (ص ٣ – ٥) . وأما الأحاديث في فضل الصبر، فمنها: روى البخاري (١٤٦٩) ومسلم (١٠٥٣) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : (مَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ) . روى مسلم (٩١٨) عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ " إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا " إِلا أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا) . وروى مسلم (٢٩٩٩) عَنْ صُهَيْبٍ ﵁ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) . ولمعرفة المزيد من الأحاديث في فضل الصبر، والترغيب فيه، انظر: "الترغيب والترهيب" للمنذري (٤/٢٧٤-٣٠٢) . وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: ما أنعم الله على عبد نعمة فانتزعها منه فعاض (أي عوضه) مكانها الصبر إلا كان ما عوضه خيراً مما انتزعه. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13129

هل كل بلاء من مرض أو حادث أو غيره يؤجر عليه العبد إذا أصيب به ؟ [السُّؤَالُ] ـ[السحر والعين ابتلاء من عند الله فهل يؤجر العبد إذا أصيب بأحدها؟ وهل كل بلاء من مرض أو حادث أو غيره يؤجر عليه العبد إذا أصيب به أم أن هناك أموراً وضحها الإسلام يجب أن تتبع حتى يحصل له الأجر؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله تقدم في جواب السؤال رقم (١٠٩٣٦) فتوى للشيخ محمد بن صالح ابن عثيمين ﵀، وفيها بيان أن المصائب التي يُؤجر عليها العبد المسلم هي التي يصبر عليها ويحتسب أجرها عند الله ﵎. ولاشك أن الإصابة بالعين والسحر من أعظم ما يصيب المسلم من مصائب، فإن أثرهما على عقل وقلب وجوارح المبتلى بهما عظيم. فإن صبر على ذلك كان له من الله أجر عظيم. فعن ابْنُ عَبَّاسٍ أن امَرْأَةُ السَّوْدَاءُ أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: (إِنِّي أُصْرَعُ وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللَّهَ لِي قَالَ إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ فَقَالَتْ أَصْبِرُ فَقَالَتْ إِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ لا أَتَكَشَّفَ فَدَعَا لَهَا) رواه البخاري (٥٦٥٢) ومسلم (٢٥٧٦) والمصائب التي تصيب الإنسان في نفسه، أو في ماله، أو أسرته ليست شرّاً محضاً، بل قد يترتب عليها للعبد كثير من الخير. وقد بيَّن الله تعالى في كتابه ما يخفف البلاء على النفس، وما يحفِّز على الحصول على الأجر، وذلك بالصبر والاسترجاع، وهو وعد من الله سينجزه سبحانه، كما قال سبحانه: (وبشّر الصابرين. الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) البقرة/١٥٥-١٥٧. قال ابن القيم: وهذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب وأنفعه له في عاجلته وآجلته، فإنها تتضمن أصلين عظيمين إذا تحقق العبد بمعرفتها تسلى عن مصيبته: أحدهما: أن العبد وأهله وماله ملك لله حقيقة، وقد جعله عند العبد عارية، فإذا أخذه منه: فهو كالمعير يأخذ متاعه من المستعير. والثاني: أن مصير العبد ومرجعه إلى الله مولاه الحق، ولا بد أن يخلِّف الدنيا وراء ظهره ويجىء ربه فرداً كما خلقه أول مرة بلا أهل ولا مال ولا عشيرة، ولكن بالحسنات والسيئات، فإذا كانت هذه بداية العبد ونهايته: فكيف يفرح بموجود أو يأسى على مفقود؟ ففكره في مبدئه ومعاده من أعظم علاج هذا الداء. " زاد المعاد " (٤ / ١٨٩) باختصار. وبيَّن النبي ﷺ أن الصبر على الضراء والمصائب لا يكون إلا ممن حقق الإيمان. عن صهيب الرومي ﵁ قال: قال النبي ﷺ : " عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابه سراء فشكر الله فله أجر، وإن أصابته ضراء فصبر فله أجر، فكل قضاء الله للمسلم خير ". رواه مسلم (٢٩٩٩) . إن المصائب والبلاء امتحانٌ للعبد، وهي علامة حب من الله له؛ إذ هي كالدواء، فإنَّه وإن كان مراً إلا أنَّك تقدمه على مرارته لمن تحب - ولله المثل الأعلى - ففي الحديث الصحيح: " إنَّ عِظم الجزاء من عظم البلاء، وإنَّ الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط " رواه الترمذي (٢٣٩٦) وابن ماجه (٤٠٣١) ، وصححه الشيخ الألباني. ولا ينبغي أن يكره العبد ما يقِّدره الله له من البلاء، يقول الحسن البصري ﵀: لا تكرهوا البلايا الواقعة، والنقمات الحادثة، فَلَرُبَّ أمرٍ تكرهه فيه نجاتك، ولَرُبَّ أمرٍ تؤثره فيه عطبك. (أي هلاكك) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13130

فضل صيام الستّ من شوال [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم صيام الستّ من شوال، وهل هي واجبة؟.]ـ [الْجَوَابُ] صيام ست من شوال بعد فريضة رمضان سنّة مستحبّة وليست بواجب، ويشرع للمسلم صيام ستة أيام من شوال، وفي ذلك فضل عظيم، وأجر كبير ذلك أن من صامها يكتب له أجر صيام سنة كاملة كما صح ذلك عن المصطفى ﷺ كما في حديث أبي أيوب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر. " رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه. وقد فسّر ذلك النبي ﷺ بقوله: " من صام ستة أيام بعد الفطر كان تمام السنة: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) . " وفي رواية: " جعل الله الحسنة بعشر أمثالها فشهر بعشرة أشهر وصيام ستة أيام تمام السنة " النسائي وابن ماجة وهو في صحيح الترغيب والترهيب ١/٤٢١ ورواه ابن خزيمة بلفظ: " صيام شهر رمضان بعشرة أمثالها وصيام ستة أيام بشهرين فذلك صيام السنة ". وقد صرّح الفقهاء من الحنابلة والشافعية: بأن صوم ستة أيام من شوال بعد رمضان يعدل صيام سنة فرضا، وإلا فإنّ مضاعفة الأجر عموما ثابت حتى في صيام النافلة لأن الحسنة بعشرة أمثالها. ثم إنّ من الفوائد المهمّة لصيام ستّ من شوال تعويض النّقص الذي حصل في صيام الفريضة في رمضان إذ لا يخلو الصائم من حصول تقصير أو ذنب مؤثّر سلبا في صيامه ويوم القيامة يُؤخذ من النوافل لجبران نقص الفرائض كما قال ﷺ : " إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة قال يقول ربنا جل وعز لملائكته وهو أعلم انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها فإن كانت تامة كتبت تامة وإن انتقص منها شيئا قال انظروا هل لعبدي من تطوع فإن كان له تطوع قال أتموا لعبدي فريضته من تطوعه ثم تؤخذ الأعمال على ذاكم " رواه أبو داود. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الشيخ محمد صالح المنجد
следующие страницы →