Полный текст (16 344 стр.). Показаны 13126–13165 · переход к 13131.
стр. 13126
أمثلة على فعل المعروف نقوم بها يوميّاً للإكثار من الحسنات
[السُّؤَالُ]
ـ[أرجو إعطاء أمثلة على فعل المعروف نقوم بها يوميّاً للإكثار من الحسنات.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يستطيع المسلم إذا وفقه الله للعمل الصالح أن يكثر من الأجر والثواب.
والأعمال الصالحة كثيرة ومتنوعة، يستطيعها الغني والفقير، الكبير والصغير، الذكر والأنثى، وهي تتفاوت بحسب حال فاعلها وهمته ونشاطه بعد توفيق الله له.
قال الله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) النحل/٩٧.
وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا ". رواه مسلم (١١٨) .
ومن هذه الأعمال التي يستطيع أن يفعلها يوميّاً:
١. صلاة الجماعة في المسجد.
عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " من غدا إلى المسجد وراح أعد الله له نزله من الجنة كلما غدا أو راح ". رواه البخاري (٦٣١) ومسلم (٦٦٩) .
٢. اتباع الجنازة والصلاة عليها.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من شهد الجنازة حتى يصلي فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن كان له قيراطان، قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين ". رواه البخاري (١٢٦١) ومسلم (٩٤٥) .
٣. قول " لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة "
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " من قال " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير " في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك. رواه البخاري (٣١١٩) ومسلم (٢٦٩١) .
٤. صلة الرحم.
عن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من سره أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه ". رواه البخاري (٥٦٣٩) ومسلم (٢٥٥٧) .
٥. صيام التطوع وعيادة المريض والصدقة.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " من أصبح منكم اليوم صائماً؟ قال أبو بكر ﵁: أنا، قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر ﵁: أنا، قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً؟ قال أبو بكر ﵁: أنا، قال: فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر ﵁: أنا، فقال رسول الله ﷺ : ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة ". رواه مسلم (١٠٢٨) .
٦. قول " سبحان الله وبحمده " مئة مرة.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " من قال حين يصبح وحين يمسي " سبحان الله وبحمده " مائة مرة: حُطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر ". رواه البخاري (٦٠٤٢) ومسلم (٢٦٩١) .
٧. التسبيح والتحميد والتكبير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصلاة الضحى.
عن أبي ذر عن النبي ﷺ أنه قال: " يُصبح على كل سُلَامَى من أحدكم صدقة: فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر، صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى ". رواه مسلم (٧٢٠) .
٨. قراءة القرآن.
عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : " مَن قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ﴿الم﴾ حرف، ولكن ألِف حرف، ولام حرف، وميم حرف. رواه الترمذي (٢٩١٠) وقال: حسن صحيح. وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
وغير ذلك كثير، وليستعن المسلم بربه تعالى ليوفقه للعمل الصالح، وليبذل وسعه وطاقته لفعلها، وليحافظ على المداومة على هذه الأعمال ولو كانت قليلة، فهي خير من أن يُكثر منها ثم ينقطع.
فعن عائشة – أيضاً - أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : " يا أيها الناس عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دوْوِمَ عليه وإن قَلَّ، وكان آل محمد ﷺ إذا عملوا عملا أثبتوه ". رواه البخاري (٤٣) ومسلم – واللفظ له - (٧٨٢) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13127
الحكمة من الابتلاءات
[السُّؤَالُ]
ـ[أسمع كثيرا عن أن هناك حِكَماً عظيمة لوقوع الابتلاء على الناس، فما هي هذه الحكم؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نعم للابتلاء حكم عظيمة منها:
١- تحقيق العبودية لله رب العالمين
فإن كثيراً من الناس عبدٌ لهواه وليس عبداً لله، يعلن أنه عبد لله، ولكن إذا ابتلي نكص على عقبيه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين , قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) الحج/١١.
٢- الابتلاء إعداد للمؤمنين للتمكين في الأرض
قيل للإمام الشافعي ﵀: أَيّهما أَفضل: الصَّبر أو المِحنة أو التَّمكين؟ فقال: التَّمكين درجة الأنبياء، ولا يكون التَّمكين إلا بعد المحنة، فإذا امتحن صبر، وإذا صبر مكن.
٣- كفارة للذنوب
روى الترمذي (٢٣٩٩) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه، وولده، وماله، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة) رواه الترمذي (٢٣٩٩) وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٢٢٨٠) .
وعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) . رواه الترمذي (٢٣٩٦) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٢٢٠) .
٤- حصول الأجر ورفعة الدرجات
روى مسلم (٢٥٧٢) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ شَوْكَةٍ فَمَا فَوْقَهَا إِلا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، أَوْ حَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً) .
٥- الابتلاء فرصة للتفكير في العيوب، عيوب النفس وأخطاء المرحلة الماضية
لأنه إن كان عقوبة فأين الخطأ؟
٦- البلاء درسٌ من دروس التوحيد والإيمان والتوكل
يطلعك عمليّاً على حقيقة نفسك لتعلم أنك عبد ضعيف، لا حول لك ولا قوة إلا بربك، فتتوكل عليه حق التوكل، وتلجأ إليه حق اللجوء، حينها يسقط الجاه والتيه والخيلاء، والعجب والغرور والغفلة، وتفهم أنك مسكين يلوذ بمولاه، وضعيف يلجأ إلى القوي العزيز سبحانه.
قال ابن القيم:
" فلولا أنه سبحانه يداوي عباده بأدوية المحن والابتلاء لطغوا وبغوا وعتوا، والله سبحانه إذا أراد بعبد خيراً سقاه دواء من الابتلاء والامتحان على قدر حاله، يستفرغ به من الأدواء المهلكة، حتى إذا هذبه ونقاه وصفاه: أهَّله لأشرف مراتب الدنيا، وهي عبوديته، وأرفع ثواب الآخرة وهو رؤيته وقربه " انتهى.
" زاد المعاد " (٤ / ١٩٥) .
٧- الابتلاء يخرج العجب من النفوس ويجعلها أقرب إلى الله.
قال ابن حجر: " قَوْله: (وَيَوْم حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتكُمْ) رَوَى يُونُس بْن بُكَيْر فِي " زِيَادَات الْمَغَازِي " عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس قَالَ: قَالَ رَجُل يَوْم حُنَيْنٍ: لَنْ نُغْلَب الْيَوْم مِنْ قِلَّة , فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيّ ﷺ فَكَانَتْ الْهَزِيمَة.."
قال ابن القيم زاد المعاد (٣/٤٧٧) :
" واقتضت حكمته سبحانه أن أذاق المسلمين أولاً مرارة الهزيمة والكسرة مع كثرة عَدَدِهم وعُدَدِهم وقوة شوكتهم ليضع رؤوسا رفعت بالفتح ولم تدخل بلده وحرمه كما دخله رسول الله واضعا رأسه منحنيا على فرسه حتى إن ذقنه تكاد تمس سرجه تواضعا لربه وخضوعا لعظمته واستكانة لعزته " انتهى.
وقال الله تعالى: (وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) آل عمران/١٤١.
قال القاسمي (٤/٢٣٩) :
" أي لينقّيهم ويخلّصهم من الذنوب، ومن آفات النفوس. وأيضاً فإنه خلصهم ومحصهم من المنافقين، فتميزوا منهم. .........ثم ذكر حكمة أخرى وهي (ويمحق الكافرين) أي يهلكهم، فإنهم إذا ظفروا بَغَوا وبطروا، فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم، إذ جرت سنّة الله تعالى إذا أراد أن يهلك أعداءه ويمحقهم قيّض لهم الأسباب التي يستوجبون بها هلاكهم ومحقهم، ومن أعظمها بعد كفرهم بغيهم وطغيانهم في أذى أوليائه ومحاربتهم وقتالهم والتسليط عليهم ... وقد محق الله الذي حاربوا رسول الله ﷺ يوم أحد وأصروا على الكفر جميعاً " انتهى.
٨- إظهار حقائق الناس ومعادنهم. فهناك ناس لا يعرف فضلهم إلا في المحن.
قال الفضيل بن عياض: " الناس ما داموا في عافية مستورون، فإذا نزل بهم بلاء صاروا إلى حقائقهم؛ فصار المؤمن إلى إيمانه، وصار المنافق إلى نفاقه ".
ورَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي "الدَّلائِل" عَنْ أَبِي سَلَمَة قَالَ: اُفْتُتِنَ نَاس كَثِير - يَعْنِي عَقِب الإِسْرَاء - فَجَاءَ نَاس إِلَى أَبِي بَكْر فَذَكَرُوا لَهُ فَقَالَ: أَشْهَد أَنَّهُ صَادِق. فَقَالُوا: وَتُصَدِّقهُ بِأَنَّهُ أَتَى الشَّام فِي لَيْلَة وَاحِدَة ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّة؟ قَالَ نَعَمْ , إِنِّي أُصَدِّقهُ بِأَبْعَد مِنْ ذَلِكَ , أُصَدِّقهُ بِخَبَرِ السَّمَاء , قَالَ: فَسُمِّيَ بِذَلِكَ الصِّدِّيق.
٩- الابتلاء يربي الرجال ويعدهم
لقد اختار الله لنبيه ﷺ العيش الشديد الذي تتخلله الشدائد، منذ صغره ليعده للمهمة العظمى التي تنتظره والتي لا يمكن أن يصبر عليها إلا أشداء الرجال، الذين عركتهم الشدائد فصمدوا لها، وابتلوا بالمصائب فصبروا عليها.
نشأ النبي ﷺ يتيماً ثم لم يلبث إلا يسيرا حتى ماتت أمه أيضاً.
والله يُذكّر النبي صلّى الله عليه وآله بهذا فيقول: (ألم يجدك يتيماً فآوى) .
فكأن الله تعالى أرد إعداد النبي ﷺ على تحمل المسئولية ومعاناة الشدائد من صغره.
١٠- ومن حكم هذه الابتلاءات والشدائد: أن الإنسان يميز بين الأصدقاء الحقيقيين وأصدقاء المصلحة
كما قال الشاعر:
جزى الله الشدائد كل خير وإن كانت تغصصني بريقي
وما شكري لها إلا لأني عرفت بها عدوي من صديقي
١١- الابتلاء يذكرك بذنوبك لتتوب منها
والله يقول: (وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيئَةٍ فَمِن نفسِكَ) النساء/٧٩، ويقول سبحانه: (وَمَا أَصابَكُم من مصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَت أَيدِيكُم وَيَعفُوا عَن كَثِيرٍ) الشورى/٣٠.
فالبلاء فرصة للتوبة قبل أن يحل العذاب الأكبر يوم القيامة؛ فإنَّ الله تعالى يقول: (وَلَنُذِيقَنهُم منَ العَذَابِ الأدنَى دُونَ العَذَابِ الأكبَرِ لَعَلهُم يَرجِعُونَ) السجدة/٢١، والعذاب الأدنى هو نكد الدنيا ونغصها وما يصيب الإنسان من سوء وشر.
وإذا استمرت الحياة هانئة، فسوف يصل الإنسان إلى مرحلة الغرور والكبر ويظن نفسه مستغنياً عن الله، فمن رحمته سبحانه أن يبتلي الإنسان حتى يعود إليه.
١٢- الابتلاء يكشف لك حقيقة الدنيا وزيفها وأنها متاع الغرور
وأن الحياة الصحيحة الكاملة وراء هذه الدنيا، في حياة لا مرض فيها ولا تعب (وَإِن الدارَ الآخِرَةَ لَهِىَ الحَيَوَانُ لَو كَانُوا يَعلَمُونَ) العنكبوت/٦٤، أما هذه الدنيا فنكد وتعب وهمٌّ: (لَقَد خَلَقنَا الإِنسانَ في كَبَدٍ) البلد/٤.
١٣- الابتلاء يذكرك بفضل نعمة الله عليك بالصحة والعافية
فإنَّ هذه المصيبة تشرح لك بأبلغ بيان معنى الصحة والعافية التي كنت تمتعت بهما سنين طويلة، ولم تتذوق حلاوتهما، ولم تقدِّرهما حق قدرهما.
المصائب تذكرك بالمنعِم والنعم، فتكون سبباً في شكر الله سبحانه على نعمته وحمده.
١٤- الشوق إلى الجنة
لن تشتاق إلى الجنة إلا إذا ذقت مرارة الدنيا , فكيف تشتاق للجنة وأنت هانئ في الدنيا؟
فهذه بعض الحكم والمصالح المترتبة على حصول الابتلاء وحكمة الله تعالى أعظم وأجل.
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13128
فضل الصبر
[السُّؤَالُ]
ـ[هل ممكن أن تخبرني ببعض الآيات والأحاديث التي فيها فضل الصبر؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" فإن الله سبحانه جعل الصبر جواداً لا يكبو , وجنداً لا يهزم , وحصناً حصينا لا يهدم، فهو والنصر أخوان شقيقان، فالنصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، والعسر مع اليسر، وهو أنصر لصاحبه من الرجال بلا عدة ولا عدد، ومحله من الظفر كمحل الرأس من الجسد.
ولقد ضمن الوفي الصادق لأهله في محكم الكتاب أنه يوفيهم أجرهم بغير حساب.
وأخبر أنه معهم بهدايته ونصره العزيز وفتحه المبين، فقال تعالى: (واصبروا إن الله مع الصابرين) .
وجعل سبحانه الإمامة في الدين منوطة بالصبر واليقين، فقال تعالى: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) .
وأخبر أن الصبر خير لأهله مؤكداً باليمن فقال تعالى: (ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) .
وأخبر أن مع الصبر والتقوى لا يضر كيد العدو ولو كان ذا تسليط، فقال تعالى: (وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً إن الله بما يعلمون محيط) .
وأخبر عن نبيه يوسف الصديق أن صبره وتقواه وصلاه إلى محل العز والتمكين فقال: (إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) .
وعلق الفلاح بالصبر والتقوى، فعقل ذلك عنه المؤمنون فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون) .
وأخبر عن محبته لأهله، وفي ذلك أعظم ترغيب للراغبين، فقال تعالى: (والله يحب الصابرين) .
ولقد بشر الصابرين بثلاث كل منها خير مما عليه أهل الدنيا يتحاسدون، فقال تعالى: (وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) .
وأوصى عباده بالاستعانة بالصبر والصلاة على نوائب الدنيا والدين فقال تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) .
وجعل الفوز بالجنة والنجاة من النار لا يحظى به إلا الصابرون، فقال تعالى: (إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون) .
وأخبر أن الرغبة في ثوابه والإعراض عن الدنيا وزينتها لا ينالها إلا أولو الصبر المؤمنون، فقال تعالى: (وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون) .
وأخبر تعالى أن دفع السيئة بالتي هي أحسن تجعل المسيء كأنه ولي حميم، فقال: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) وأن هذه الخصلة (لا يلقاها إلا الذين صبروا. وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) .
وأخبر سبحانه مؤكدا بالقسم (إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) .
وقسَّم خلقه قسمين: أصحاب ميمنة وأصحاب مشأمة، وخص أهل الميمنة أهل التواصى بالصبر والمرحمة.
وخص بالانتفاع بآياته أهل الصبر وأهل الشكر تمييزاً لهم بهذا الحظ الموفور، فقال في أربع آيات من كتابه: (إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور) .
وعلَّق المغفرة والأجر بالعمل الصالح والصبر، وذلك على من يسره عليه يسير، فقال: (إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير) .
وأخبر أن الصبر والمغفرة من العزائم التي تجارة أربابها لا تبور، فقال: (ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور) .
وأمر رسوله بالصبر لحكمه، وأخبر أن صبره إنما هو به وبذلك جميع المصائب تهون فقال: (واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا) ، وقال: (واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون. إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) .
والصبر ساق إيمان المؤمن الذي لا اعتماد له إلا عليها , فلا إيمان لمن لا صبر له وإن كان فإيمان قليل في غاية الضعف وصاحبه يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة، ولم يحظ منهما إلا بالصفقة الخاسرة.
فخير عيش أدركه السعداء بصبرهم , وترقوا إلى أعلى المنازل بشكرهم، فساروا بين جناحي الصبر والشكر إلى جنات النعيم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم " انتهى.
" عدة الصابرين " لابن القيم (ص ٣ – ٥) .
وأما الأحاديث في فضل الصبر، فمنها:
روى البخاري (١٤٦٩) ومسلم (١٠٥٣) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : (مَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ) .
روى مسلم (٩١٨) عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ " إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا " إِلا أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا) .
وروى مسلم (٢٩٩٩) عَنْ صُهَيْبٍ ﵁ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) .
ولمعرفة المزيد من الأحاديث في فضل الصبر، والترغيب فيه، انظر: "الترغيب والترهيب" للمنذري (٤/٢٧٤-٣٠٢) .
وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: ما أنعم الله على عبد نعمة فانتزعها منه فعاض (أي عوضه) مكانها الصبر إلا كان ما عوضه خيراً مما انتزعه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13129
هل كل بلاء من مرض أو حادث أو غيره يؤجر عليه العبد إذا أصيب به ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[السحر والعين ابتلاء من عند الله فهل يؤجر العبد إذا أصيب بأحدها؟ وهل كل بلاء من مرض أو حادث أو غيره يؤجر عليه العبد إذا أصيب به أم أن هناك أموراً وضحها الإسلام يجب أن تتبع حتى يحصل له الأجر؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
تقدم في جواب السؤال رقم (١٠٩٣٦) فتوى للشيخ محمد بن صالح ابن عثيمين ﵀، وفيها بيان أن المصائب التي يُؤجر عليها العبد المسلم هي التي يصبر عليها ويحتسب أجرها عند الله ﵎.
ولاشك أن الإصابة بالعين والسحر من أعظم ما يصيب المسلم من مصائب، فإن أثرهما على عقل وقلب وجوارح المبتلى بهما عظيم. فإن صبر على ذلك كان له من الله أجر عظيم.
فعن ابْنُ عَبَّاسٍ أن امَرْأَةُ السَّوْدَاءُ أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: (إِنِّي أُصْرَعُ وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللَّهَ لِي قَالَ إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ فَقَالَتْ أَصْبِرُ فَقَالَتْ إِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ لا أَتَكَشَّفَ فَدَعَا لَهَا) رواه البخاري (٥٦٥٢) ومسلم (٢٥٧٦)
والمصائب التي تصيب الإنسان في نفسه، أو في ماله، أو أسرته ليست شرّاً محضاً، بل قد يترتب عليها للعبد كثير من الخير.
وقد بيَّن الله تعالى في كتابه ما يخفف البلاء على النفس، وما يحفِّز على الحصول على الأجر، وذلك بالصبر والاسترجاع، وهو وعد من الله سينجزه سبحانه، كما قال سبحانه: (وبشّر الصابرين. الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) البقرة/١٥٥-١٥٧.
قال ابن القيم:
وهذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب وأنفعه له في عاجلته وآجلته، فإنها تتضمن أصلين عظيمين إذا تحقق العبد بمعرفتها تسلى عن مصيبته:
أحدهما: أن العبد وأهله وماله ملك لله حقيقة، وقد جعله عند العبد عارية، فإذا أخذه منه: فهو كالمعير يأخذ متاعه من المستعير.
والثاني: أن مصير العبد ومرجعه إلى الله مولاه الحق، ولا بد أن يخلِّف الدنيا وراء ظهره ويجىء ربه فرداً كما خلقه أول مرة بلا أهل ولا مال ولا عشيرة، ولكن بالحسنات والسيئات، فإذا كانت هذه بداية العبد ونهايته: فكيف يفرح بموجود أو يأسى على مفقود؟ ففكره في مبدئه ومعاده من أعظم علاج هذا الداء.
" زاد المعاد " (٤ / ١٨٩) باختصار.
وبيَّن النبي ﷺ أن الصبر على الضراء والمصائب لا يكون إلا ممن حقق الإيمان.
عن صهيب الرومي ﵁ قال: قال النبي ﷺ : " عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابه سراء فشكر الله فله أجر، وإن أصابته ضراء فصبر فله أجر، فكل قضاء الله للمسلم خير ". رواه مسلم (٢٩٩٩) .
إن المصائب والبلاء امتحانٌ للعبد، وهي علامة حب من الله له؛ إذ هي كالدواء، فإنَّه وإن كان مراً إلا أنَّك تقدمه على مرارته لمن تحب - ولله المثل الأعلى - ففي الحديث الصحيح: " إنَّ عِظم الجزاء من عظم البلاء، وإنَّ الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط " رواه الترمذي (٢٣٩٦) وابن ماجه (٤٠٣١) ، وصححه الشيخ الألباني.
ولا ينبغي أن يكره العبد ما يقِّدره الله له من البلاء، يقول الحسن البصري ﵀: لا تكرهوا البلايا الواقعة، والنقمات الحادثة، فَلَرُبَّ أمرٍ تكرهه فيه نجاتك، ولَرُبَّ أمرٍ تؤثره فيه عطبك. (أي هلاكك)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13130
فضل صيام الستّ من شوال
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم صيام الستّ من شوال، وهل هي واجبة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
صيام ست من شوال بعد فريضة رمضان سنّة مستحبّة وليست بواجب، ويشرع للمسلم صيام ستة أيام من شوال، وفي ذلك فضل عظيم، وأجر كبير ذلك أن من صامها يكتب له أجر صيام سنة كاملة كما صح ذلك عن المصطفى ﷺ كما في حديث أبي أيوب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر. " رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
وقد فسّر ذلك النبي ﷺ بقوله: " من صام ستة أيام بعد الفطر كان تمام السنة: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) . " وفي رواية: " جعل الله الحسنة بعشر أمثالها فشهر بعشرة أشهر وصيام ستة أيام تمام السنة " النسائي وابن ماجة وهو في صحيح الترغيب والترهيب ١/٤٢١ ورواه ابن خزيمة بلفظ: " صيام شهر رمضان بعشرة أمثالها وصيام ستة أيام بشهرين فذلك صيام السنة ".
وقد صرّح الفقهاء من الحنابلة والشافعية: بأن صوم ستة أيام من شوال بعد رمضان يعدل صيام سنة فرضا، وإلا فإنّ مضاعفة الأجر عموما ثابت حتى في صيام النافلة لأن الحسنة بعشرة أمثالها.
ثم إنّ من الفوائد المهمّة لصيام ستّ من شوال تعويض النّقص الذي حصل في صيام الفريضة في رمضان إذ لا يخلو الصائم من حصول تقصير أو ذنب مؤثّر سلبا في صيامه ويوم القيامة يُؤخذ من النوافل لجبران نقص الفرائض كما قال ﷺ : " إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة قال يقول ربنا جل وعز لملائكته وهو أعلم انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها فإن كانت تامة كتبت تامة وإن انتقص منها شيئا قال انظروا هل لعبدي من تطوع فإن كان له تطوع قال أتموا لعبدي فريضته من تطوعه ثم تؤخذ الأعمال على ذاكم " رواه أبو داود. والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 13131
رؤية ليلة القدر
[السُّؤَالُ]
ـ[هل ترى ليلة القدر عيانا أي أنها ترى بالعين البشرية المجردة؟ حيث أن بعض الناس يقولون إن الإنسان إذا استطاع رؤية ليلة القدر يرى نورا في السماء ونحو هذا، وكيف رآها رسول الله ﷺ والصحابة رضوان الله عليهم أجمعين؟ وكيف يعرف المرء أنه قد رأى ليلة القدر؟ وهل ينال الإنسان ثوابها وأجرها وإن كانت في تلك الليلة التي لم يستطع أن يراها فيها؟ نرجو توضيح ذلك مع ذكر الدليل.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قد ترى ليلة القدر بالعين لمن وفقه الله سبحانه وذلك برؤية أماراتها، وكان الصحابة ﵃ يستدلون عليهما بعلامات ولكن عدم رؤيتها لا يمنع حصول فضلها لمن قامها إيمانا واحتسابا، فالمسلم ينبغي له أن يجتهد في تحريها في العشر الأواخر من رمضان كما أمر النبي ﷺ طلبا للأجر والثواب فإذا صادف قيامه إيمانا واحتسابا هذه الليلة نال أجرها وإن لم يعلمها قال ﷺ : (من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) وفي رواية أخرى (من قامها ابتغاءها ثم وقعت له غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر)
وقد ثبت عن النبي ﷺ ما يدل على أن من علاماتها طلوع الشمس صبيحتها لا شعاع لها، وكان أبي بن كعب يقسم على أنها ليلة سبع وعشرين ويستدل بهذه العلامة، والراجح أنها متنقلة في ليالي العشر كلها، وأوتارها أحرى، وليلة سبع وعشرين آكد الأوتار في ذلك، ومن اجتهد في العشر كلها في الصلاة والقرآن والدعاء وغير ذلك من وجوه الخير أدرك ليلة القدر بلا شك وفاز بما وعد الله به من قامها إذا فعل ذلك إيمانا واحتسابا.
والله ولي التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 13132
خطورة التسرع في الفتوى
[السُّؤَالُ]
ـ[يوجد بعض المفتين في بعض القنوات الفضائية يجيبون على جميع الأسئلة دائماً بلا استثناء، وبعض الناس في بعض المجالس إذا طرح سؤال يتسابقون للإجابة عليه وكل واحد يريد أن يتكلم قبل الآخر، فما حكم الشرع في هذا العمل؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال ابن القيم:
وكان السلف من الصحابة والتابعين يكرهون التسرع في الفتوى، ويود كل واحد منهم أن يكفيه إياها غيره: فإذا رأى بها قد تعينت عليه بذل اجتهاده في معرفة حكمها من الكتاب والسنة أو قول الخلفاء الراشدين ثم أفتى. وقال عبد الله بن المبارك: حدثنا سفيان عن عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله ﷺ ، أراه قال في المسجد، فما كان منهم محدث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث، ولا مفت إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا وقال الإمام أحمد: حدثنا جرير عن عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ ما منهم رجل يسأل عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه، ولا يحدث حديثا إلا ود أن أخاه كفاه.
وقال مالك عن يحيى بن سعيد إن بكير بن الأشج أخبره عن معاوية بن أبي عياش أنه كان جالسا عند عبد الله بن الزبير وعاصم بن عمر، فجاءهما محمد بن إياس بن البكير فقال: إن رجلا من أهل البادية طلق امرأته ثلاثا فماذا تريان؟ فقال عبد الله بن الزبير: إن هذا الأمر ما لنا فيه قول، فاذهب إلى عبد الله بن عباس وأبي هريرة فإني تركتهما عند عائشة زوج النبي ﷺ ، ثم ائتنا فأخبرنا، فذهبت فسألتهما فقال ابن عباس لأبي هريرة: أفته يا أبا هريرة فقد جاءتك معضلة، فقال أبو هريرة: الواحدة تبينها، والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيره.
وقال مالك عن يحيى بن سعيد قال: قال ابن عباس: إن كل من أفتى الناس في كل ما يسألونه عنه لمجنون، قال مالك: وبلغني عن ابن مسعود مثل ذلك، رواه ابن وضاح عن يوسف بن عدي عن عبد بن حميد عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله، ورواه حبيب بن أبي ثابت عن أبي وائل عن عبد الله.
وقال سحنون بن سعيد: أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما، يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم يظن أن الحق كله فيه.
قلت: الجرأة على الفتيا تكون من قلة العلم ومن غزارته وسعته، فإذا قل علمه أفتى عن كل ما يسأل عنه بغير علم، وإذا اتسع علمه اتسعت فتياه، ولهذا كان ابن عباس من أوسع الصحابة فتيا، وقد تقدم أن فتاواه جمعت في عشرين سفرا، وكان سعيد بن المسيب أيضا، واسع الفتيا، وكانوا يسمونه (بالجريء) كما ذكر ابن وهب عن محمد بن سليمان المرادي عن أبي إسحاق قال: كنت أرى الرجل في ذلك الزمان وإنه ليدخل يسأل عن الشيء فيدفعه الناس عن مجلس إلى مجلس حتى يدفع إلى مجلس سعيد بن المسيب كراهية للفتيا، قال: وكانوا يدعونه سعيد بن المسيب الجريء.
وقال سحنون: إني لأحفظ مسائل منها ما فيه ثمانية أقوال من ثمانية أئمة من العلماء، فكيف ينبغي أن أعجل بالجواب قبل الخبر؟ فلم ألام على حبس الجواب؟ وقال ابن وهب: حدثنا أشهل بن حاتم عن عبد الله بن عون عن ابن سيرين قال: قال حذيفة: إنما يفتي الناس أحد ثلاثة: من يعلم ما نُسخ من القرآن، أو أمير لا يجد بُدّا، أو أحمق متكلف، قال: فربما قال ابن سيرين: فلست بواحد من هذين، ولا أحب أن أكون الثالث.
[الْمَصْدَرُ]
" إعلام الموقعين " (١ / ٢٨، ٢٩) .
стр. 13133
ما هي أفضل مجالات العمل الدنيوي في الوظائف والتجارات
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي أفضل مجالات العمل الدنيوي في الوظائف والتجارات؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سئل الإمام ابن تيمية السؤال التالي:
يتفضل الشيخ الإمام , بقية السلف , وقدوة الخلف , أعلم من لقيت ببلاد المشرق والمغرب , تقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية بأن يبين لي أرجح المكاسب.
فأجاب رحمه الله تعالى:
أما أرجح المكاسب: فالتوكل على الله , والثقة بكفايته , وحسن الظن به.وذلك أنه ينبغي للمهتم بأمر الرزق أن يلجأ فيه إلى الله ويدعوه , كما قال سبحانه فيما يأثر عنه نبيه ﷺ : (كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم) . وفيما رواه الترمذي عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله إذا انقطع , فإنه إن لم ييسره لم يتيسر) إنما صح نحوه من قول أم المؤمنين عائشة ﵂. - انظر: السلسلة الضعيفة رقم ١٣٦٢ -.
وقد قال الله تعالى في كتابه: (واسألوا الله من فضله) وقال سبحانه: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) وهذا وإن كان في الجمعة فمعناه قائم في جميع الصلوات.
ولهذا والله أعلم أمر النبي ﷺ الذي يدخل المسجد أن يقول: (اللهم افتح لي أبواب رحمتك) وإذا خرج أن يقول: (اللهم إني أسألك من فضلك) وقد قال الخليل ﷺ : (فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له) وهذا أمر , والأمر يقتضي الإيجاب. الاستعانة بالله واللجوء إليه في أمر الرزق وغيره أصل عظيم.
ثم ينبغي له أن يأخذ المال بسخاوة نفس ليبارك له فيه , ولا يأخذه بإشراف وهلع , بل يكون المال عنده بمنزلة الخلاء الذي يحتاج إليه من غير أن يكون له في القلب مكانة , والسعي فيه إذا سعى كإصلاح الخلاء. وفي الحديث المرفوع. رواه الترمذي وغيره (من أصبح والدنيا همه شتت الله عليه شمله , وفرق عليه ضيعته , ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له , ومن أصبح والآخرة أكبر همه جمع الله عليه شمله , وجعل غناه في قلبه , وأتته الدنيا وهي راغمة) . وقال بعض السلف: أنت محتاج إلى الدنيا وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج , فإن بدأت بنصيبك من الآخرة مر على نصيبك من الدنيا فانتظمه انتظاماً. قال الله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون. إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين) .
فأما تعيين مكسب على مكسب من صناعة أو تجارة أو بناية أو حراثة أو غير ذلك , فهذا مختلف باختلاف الناس , ولا أعلم في ذلك شيئاً عاماً , لكن إذا عنَّ للإنسان جهة فليستخر الله تعالى فيها الاستخارة المتلقاة عن معلم الخير ﷺ , فإن فيها من البركة ما لا يحاط به. ثم ما تيسر له فلا يتكلف غيره إلا أن يكون منه كراهة شرعية.
[الْمَصْدَرُ]
نقلاً عن رسالة (الوصية الجامعة لخير الدنيا والآخرة) تصنيف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ طبعة المكتبة السلفية بالقاهرة.
стр. 13134
ما هي أفضل الأعمال الصالحة بعد الواجبات
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي أفضل الأعمال الصالحة بعد الواجبات؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سئل الأمام ابن تيمية السؤال التالي:
يتفضل الشيخ الإمام , بقية السلف , وقدوة الخلف , أعلم من لقيت ببلاد المشرق والمغرب , تقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية بأن ينبهني على أفضل الأعمال الصالحة بعد الواجبات
فأجاب رحمه الله تعالى:
وأما ما سألت عنه من أفضل الأعمال بعد الفرائض فإنه يختلف باختلاف الناس فيما يقدرون عليه وما يناسب أوقاتهم , فلا يمكن فيه جواب جامع مفصل لكل أحد , لكن ما هو كالإجماع بين العلماء بالله وأمره: أن ملازمة ذكر الله دائماً هو أفضل ما شغل العبد به نفسه في الجملة , وعلى ذلك دل حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم: (سبق المفردون , قالوا يا رسول الله: ومن المفردون؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات) . وفيما رواه أبو داوود عن أبي الدرداء ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: (ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم , وأرفعها في درجاتكم , وخير لكم من إعطاء الذهب والورق , ومن أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله , قال ذكر الله) والدلائل القرآنية والإيمانية بصراً وخبراً ونظراً على ذلك كثيرة. وأقل ذلك أن يلازم العبد الأذكار المأثورة عن معلم الخير وإمام المتقين ﷺ كالأذكار المؤقتة في أول النهار وآخره , وعند أخذ المضجع وعند الاستيقاظ من المنام , وأدبار الصلوات , والأذكار المقيدة , مثل ما يقال عند الأكل والشرب واللباس والجماع , ودخول المنزل والمسجد والخلاء والخروج من ذلك , وعند المطر والرعد , إلى غير ذلك , وقد صنفت له الكتب المسماة بعمل يوم وليلة - ومن أحسن ما صنف في هذا الباب كتاب من الحجم الصغير (صحيح الكلم الطيب) وهو مستقي من كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية (الكلم الطيب) وهو من تحقيق العلامة الألباني -.
ثم ملازمة الذكر مطلقاً , وأفضله لا إله إلا الله.
وقد تعرض أحوال يكون بقية الذكر مثل سبحان الله والحمد لله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله أفضل منه.
ثم يعلم أن كل ما تكلم به اللسان وتصوره القلب مما يقرب إلى الله من تعلم علم وتعليمه , وأمر بمعروف ونهي عن منكر فهو من ذكر الله. ولهذا من اشتغل بطلب العلم النافع بعد أداء الفرائض , أوجلس مجلساً يتفقه أو يفقهه فيه الفقه الذي سماه الله ورسوله (فقهاً) , فهذا أيضاً من أفضل ذكر الله.
وعلى ذلك إذا تدبرت لم تجد من الأولين في كلماتهم في أفضل الأعمال كبير اختلاف. وما اشتبه أمره على العبد فعليه بالاستخارة المشروعة , فما ندم من استخار الله تعالى. وليكثر من ذلك ومن الدعاء , فإنه مفتاح كل خير , ولا يعجل فيقول: قد دعوت فلم يستجب لي , وليتحرَّ الأوقات الفاضلة , كآخر الليل , وأدبار الصلوات , وعند الأذان , ووقت نزول المطر , ونحو ذلك.
[الْمَصْدَرُ]
نقلاً عن رسالة (الوصية الجامعة لخير الدنيا والآخرة) تصنيف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ طبعة المكتبة السلفية بالقاهرة.
стр. 13135
كفالة طفل مفقود
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يمكن كفالة طفل فقد والده من مشروع كفالة الأيتام، أم أن ذلك خاص بالأيتام؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
اليتيم هو من يموت أبوه كما قرر ذلك أهل اللغة كما في لسان العرب وغيره، وهو يتيم حتى يبلغ الحلم، وهو بلوغ سن الخامسة عشرة، أو ظهور علامات البلوغ قبل ذلك وهي إنزال الماء الدافق في جماع أو احتلام، أو نبات الشعر الخشن حول الفرج، وتزيد الأنثى بعلامة رابعة وهي الحيض فهو عَلم على البلوغ. (انظر المغني لابن قدامة ٦/٥٩٧)
أما من فقد أباه، فإنه لا يعتبر يتيماً حتى يتيقن من موته، أو يمضي عليه مدة لا يعيش في مثلها، ويرجع في ذلك إلى اجتهاد الحاكم، كما قرر ذلك جمهور الفقهاء في أبواب ميراث المفقود.
فإذا كان هذا الطفل فقيراً أو من عائلة فقيرة فإنه يمكن الصرف عليه من الزكاة والصدقات، وأما كفالة اليتيم فلا تنطبق عليه. والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
المرجع: مسائل ورسائل/محمد الحمود النجدي ص١٣
стр. 13136
هل وفاة المرأة عند الولادة شهادة
[السُّؤَالُ]
ـ[توفيت زوجتي رحمها الله بعد الولادة بساعتين وأنجبت لي بنتا، فهل تعتبر زوجتي شهيدة؟ وما هو واجبي نحو البنت؟ وهل أكون كافلا ليتيمة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا ماتت المرأة وفي بطنها جنين، أو ماتت أثناء الولادة، أو بعد الولادة في مدة نفاسها، فإنها تعتبر شهيدة بإذن الله؛ لما رواه راشد بن حبيش، أن رسول الله ﷺ دخل على عبادة بن الصامت في مرضه، فقال رسول الله ﷺ : " أتعلمون من الشهيد من أمتي؟ فأرمَّ القوم، فقال عبادة: ساندوني، فأسندوه، فقال: يا رسول الله الصابر المحتسب، فقال رسول الله ﷺ : شهداء أمتي إذاً لقليل، القتل في سبيل الله شهادة، والطاعون شهادة، والغرق شهادة، والبطن شهادة، والنفساء يجرها ولدها بسرره إلى الجنة " والسرر: ما تقطعه القابلة من المولود، والحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح (المسند ٣/٤٨٩) ، وله شاهد عند مالك (١/٢٣٣) وأبي داود (٣/٤٨٢) .
ولما رواه عبادة بن الصامت، أن رسول الله ﷺ قال: " ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا: الذي يقاتل فيقتل في سبيل الله ، فقال الرسول ﷺ : " إن شهداء أمتي إذا لقليل، القتيل في سبيل الله شهيد، والمطعون شهيد، والمبطون شهيد، والمرأة تموت بجُمع شهيد " رواه الإمام أحمد (٥/٣١٥) ، وابن ماجه وابن حبان في صحيحه، وقال: صحيح الإسناد، ومعناه عند مسلم كما ذكر في الحديث السابق، ومعنى المرأة التي تموت بجمع: أي تموت وفي بطنها ولد.
أما رعايتك لابنتك بعد موت أمها، فتكون بالقيام بأمورها من نفقة وكسوة وتأديب وتربية وغير ذلك، فهذا هو الواجب عليك، ولك الأجر في ذلك، مع إخلاص النية لله تعالى، ولا تعتبر في هذه الحالة كافلا ليتيم؛ لأن اليتيم من الناس شرعا من مات أبوه وهو صغير، ذكرا كان أو أنثى. أما الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : " كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة " وأشار مالك بالسبابة والوسطى، فالمراد بقوله " له " أن يكون الكافل له قريبا له: كجده وأمه وجدته وأخيه وأخته وعمه وعمته وخاله وخالته، وغيرهم من أقاربه، والمراد بقوله " أو لغيره " أن يكون الكافل له أجنبيا من اليتيم. أما ما يجب عليك نحو ابنتك، فهو النفقة عليها من مطعم ومشرب وملبس وسكنى، والاهتمام بتربيتها تربية إسلامية، والاهتمام بتعليمها أمور دينها، وغرس العقيدة الإسلامية الصافية في نفسها.
[الْمَصْدَرُ]
من فتاوى اللجنة الدائمة
стр. 13137
الذين يظلهم الله في ظله
[السُّؤَالُ]
ـ[من هم الذين يظلهم في ظله عندما تقترب الشمس من الأرض يوم القيامة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
جاء ذكر السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله في أحاديث صحيحة ثابتة،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
" سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ: الإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ " متفق عليه، رواه البخاري (٢/١٤٤-١٧٤) ومسلم برقم ١٧١٢، وغيرهما.
وهذا مما يمن الله به على عباده المؤمنين، ففي ذلك اليوم العظيم يكون الناس في كرب وشدة، وتدنو الشمس من الخلائق على قدر ميل، ويعرق الناس كلٌ على حسب عمله، إلا بعض المؤمنين الذين يختصهم الله فيظلهم تحت ظله، ويقيهم من الشمس والعرق.
عن عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " تَدْنُو الشَّمْسُ مِنْ الْأَرْضِ فَيَعْرَقُ النَّاسُ، فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَبْلُغُ عَرَقُهُ عَقِبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ الْعَجُزَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ الْخَاصِرَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ مَنْكِبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ عُنُقَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ وَسَطَ فِيهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُغَطِّيهِ عَرَقُه ُ.. " رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ١٦٧٩٨.
ونورد فيما يلي شرح ابن حجر ﵀ لهذا الحديث:
" قَوْله: (فِي ظِلّه) إِضَافَة الظِّلّ إِلَى اللَّه إِضَافَة تَشْرِيف , وَكُلّ ظِلّ فَهُوَ مِلْكُهُ. وَقِيلَ: الْمُرَاد بِظِلِّهِ: كَرَامَته وَحِمَايَته، كَمَا يُقَال: فُلانٌ فِي ظِلّ الْمَلِكِ. وَقِيلَ: الْمُرَاد ظِلّ عَرْشه وهو أرجح.
قَوْله: (الإِمَام الْعَادِل) الْمُرَاد بِهِ: صَاحِب الْوِلَايَة الْعُظْمَى , وَيَلْتَحِقُ بِهِ كُلُّ مَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ أُمُور الْمُسْلِمِينَ فَعَدَلَ فِيهِ.
وَأَحْسَن مَا فُسِّرَ بِهِ الْعَادِل: أَنَّهُ الَّذِي يَتَّبِعُ أَمْر اللَّه بِوَضْعِ كُلّ شَيْء فِي مَوْضِعه مِنْ غَيْر إِفْرَاط وَلا تَفْرِيط. وَقَدَّمَهُ - الإمام العادل - فِي الذِّكْرِ لِعُمُومِ النَّفْع بِهِ.
قَوْله: (وَشَابّ) : خَصَّ الشَّابّ لِكَوْنِهِ مَظِنَّة غَلَبَة الشَّهْوَة؛ لِمَا فِيهِ مِنْ قُوَّة الْبَاعِث عَلَى مُتَابَعَة الْهَوَى ; فَإِنَّ مُلَازَمَة الْعِبَادَة مَعَ ذَلِكَ أَشَدُّ وَأَدَلّ عَلَى غَلَبَة التَّقْوَى.
قَوْله: (فِي عِبَادَة رَبّه) : َفِي حَدِيث سَلْمَانَ " أَفْنَى شَبَابه وَنَشَاطه فِي عِبَادَة اللَّه ".
قَوْله: (مُعَلَّق فِي الْمَسَاجِد) : وَظَاهِره أَنَّهُ مِنْ التَّعْلِيق؛ كَأَنَّهُ شَبَّهَهُ بِالشَّيْءِ الْمُعَلَّق فِي الْمَسْجِد - كَالْقِنْدِيلِ مَثَلا - إِشَارَةً إِلَى طُول الْمُلازَمَة بِقَلْبِهِ وَإِنْ كَانَ جَسَده خَارِجًا عَنْهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون مِنْ الْعَلَاقَة وَهِيَ شِدَّة الْحُبّ.
قَوْله: (تَحَابَّا) : بِتَشْدِيدِ الْبَاء، أَيْ: اِشْتَرَكَا فِي جِنْس الْمَحَبَّة وَأَحَبَّ كُلٌّ مِنْهُمَا الآخَرُ حَقِيقَةً لا إِظْهَارًا فَقَطْ.
قَوْله: (اِجْتَمَعَا عَلَى ذَلِكَ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ) : الْمُرَاد أَنَّهُمَا دَامَا عَلَى الْمَحَبَّة الدِّينِيَّة وَلَمْ يَقْطَعَاهَا بِعَارِضٍ دُنْيَوِيٍّ، سَوَاء اِجْتَمَعَا حَقِيقَةً أَمْ لا، حَتَّى فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْمَوْت.
قَوْله: (وَرَجُل طَلَبَتْهُ ذَاتُ مَنْصِب) : الْمُرَاد بِالْمَنْصِبِ الأَصْل أَوْ الشَّرَف , وَهُوَ يُطْلَقُ عَلَى الأَصْل وَعَلَى الْمَال أَيْضًا , وَقَدْ وَصَفَهَا بِأَكْمَلِ الأَوْصَاف الَّتِي جَرَتْ الْعَادَة بِمَزِيدِ الرَّغْبَة لِمَنْ تَحْصُلُ فِيهِ وَهُوَ الْمَنْصِب الَّذِي يَسْتَلْزِمُهُ الْجَاه وَالْمَال مَعَ الْجَمَال وَقَلَّ مَنْ يَجْتَمِع ذَلِكَ فِيهَا مِنْ النِّسَاء , وَالظَّاهِر أَنَّهَا دَعَتْهُ إِلَى الْفَاحِشَة.
قَوْله: (فَقَالَ إِنِّي أَخَاف اللَّه) : الظَّاهِر أَنَّهُ يَقُول ذَِكَ بِلِسَانِهِ؛ إِمَّا لِيَزْجُرَهَا عَنْ الْفَاحِشَة، أَوْ لِيَعْتَذِرَ إِلَيْهَا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقُولَهُ بِقَلْبِهِ.
قَوْله: (حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِق يَمِينُهُ) : الْمَعْنَى الْمَقْصُود مِنْ هَذَا الْمَوْضِع إِنَّمَا هُوَ إِخْفَاء الصَّدَقَة. ثم الْمُبَالَغَة فِي إِخْفَاء الصَّدَقَة، بِحَيْثُ إنَّ شِمَاله مَعَ قُرْبِهَا مِنْ يَمِينه وَتَلازُمِهِمَا لَوْ تَصَوَّرَ أَنَّهَا تَعْلَم لَمَا عَلِمَتْ مَا فَعَلَتْ الْيَمِين لِشِدَّةِ إِخْفَائِهَا , فَهُوَ عَلَى هَذَا مِنْ مَجَاز التَّشْبِيه.
قَوْله: (ذَكَرَ اللَّه) أَيْ بِقَلْبِهِ، أَوْ بِلِسَانِهِ.
(خَالِيًا) : مِنْ الْخُلُوّ، لأَنَّهُ يَكُون حِينَئِذٍ أَبْعَدَ مِنْ الرِّيَاء، وَالْمُرَاد خَالِيًا مِنْ الالْتِفَات إِلَى غَيْر اللَّه.
قَوْله: (فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ) : أَيْ فَاضَتْ الدُّمُوع مِنْ عَيْنَيْهِ , وَأُسْنِدَ الْفَيْضُ إِلَى الْعَيْن مُبَالَغَةً كَأَنَّهَا هِيَ الَّتِي فَاضَتْ.
وذِكْر الرِّجَال فِي هَذَا الْحَدِيث لا مَفْهُومَ لَهُ، بَلْ يَشْتَرِك النِّسَاء مَعَهُمْ فِيمَا ذُكِرَ. إِلا إِنْ كَانَ الْمُرَاد بِالإِمَامِ الْعَادِل الإِمَامَة الْعُظْمَى , وَإِلا فَيُمْكِنُ دُخُول الْمَرْأَة حَيْثُ تَكُون ذَاتَ عِيَالٍ فَتَعْدِلُ فِيهِمْ. وَتَخْرُج خَصْلَة مُلازَمَة الْمَسْجِد لأَنَّ صَلاة الْمَرْأَة فِي بَيْتِهَا أَفْضَل مِنْ الْمَسْجِد , وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَالْمُشَارَكَة حَاصِلَةٌ لَهُنَّ , حَتَّى الرَّجُل الَّذِي دَعَتْهُ الْمَرْأَة فَإِنَّهُ يُتَصَوَّر فِي اِمْرَأَة دَعَاهَا مَلِكٌ جَمِيل مَثَلا فَامْتَنَعَتْ خَوْفًا مِنْ اللَّه تَعَالَى مَعَ حَاجَتهَا " فتح الباري (٢/١٤٤) .
وهناك آخرون يظلّهم الله في ظلّه - غير السبعة المذكورين في الحديث السابق - جاء ذكرهم في أحاديث أخرى، نظمهم ابن حجر رحمه الله تعالى في فتح الباري (٦٢٠) ، وهم: " إِظْلال الْغَازِي , وعَوْن الْمُجَاهِد , وإِنْظَار الْمُعْسِر وَالْوَضِيعَة عَنْهُ وَتَخْفِيف حِمْلِهِ، وَإِرْفَادَ ذِي غُرْم، وَعَوْن الْمَكَاتِب , وتَحْسِين الْخُلُق، والمَشْي إلى المساجد، والتَّاجِر الصَّدُوق، وَآخِذ حَقّ، والبَاذِل، والكَافِل ".
نسأل الله أن يظلنا تحت ظله، يوم لا ظل إلا ظله.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 13138
سقطت في بئر فماتت فهل تعد شهيدة
[السُّؤَالُ]
ـ[توفيت والدتي منذ عشرين عاما تقريبا، وذلك بأن سقطت في بئر ليس ممتلئا تماما بالماء، وقد كانت امرأة صالحة، فهل هي من عداد الشهداء؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نعم الغريق من الشهداء؛ لما ثبت عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: " الشهداء خمسة: المطعون والمبطون والغريق وصاحب الهدم والشهيد في سبيل الله " رواه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم والترمذي.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
[الْمَصْدَرُ]
فتاوى اللجنة الدائمة ١٢/٢٤.
стр. 13139
الشهيدة وجزاء الشهيد باثنتين وسبعين من الحور العين
[السُّؤَالُ]
ـ[المرأة المقتولة شهيدة في سبيل الله كيف يطبق عليها حديث: الشهيد يزوج بـ ٧٢ من الحور العين؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
عرضنا هذا السؤال على فضيلة الشيخ عبد الله بن جبرين فأجاب حفظه الله:
هذا العدد خاص بالرجال، وليس للمرأة في الجنة إلا زوج واحد وهو يكفيها وتتنعم به ولا تحتاج إلى زيادة. انتهى
والمرأة المسلمة - التي لم تتأثّر بدعاوى دعاة الإباحيّة وتعلم أنّها ليست مثل الرجل في خلقتها وتكوينها لأنّ الله جعلها هكذا - لا تعترض على أحكام الله ولا تسخط بل ترضى بما قضى الله لها، وفطرتها السليمة تخبرها بأنها لا يُمكن أن تُعاشر أكثر من رجل في الوقت نفسه، وما دام أنها إذا دخلت الجنة ستنال كل ما تشتهيه فهي لا تُجادل الآن في نعيمها وجزائها الذي اختاره ربها لها ولا يظلم ربك أحدا، وهي إذا كانت من أهل الجنة فإنها داخلة ومعنية كالرجل بقوله تعالى: يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١) الزخرف ٧١ نسأل الله الفردوس الأعلى وصلى الله على نبينا محمد.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 13140
أجر الصبر على سقوط الجنين ذي الرّوح
[السُّؤَالُ]
ـ[حديث (من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث) هل يدخل فيه السّقط الذي نفخ فيه الروح؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
عرضنا السؤال على فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين فأجاب حفظه الله بقوله:
نعم، يدخل فيه، ولكن ليس كمن وُجد وتعلقت به النفس.
سؤال: ولكن يحصل له الفضل المذكور.
جواب: نعم يرجى هذا. والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد بن صالح العثيمين
стр. 13141
الميزات الست للشهيد
[السُّؤَالُ]
ـ[أخبرنا نبينا محمد ﷺ بخصال ست لمن يُقتل في سبيل الله (الشهيد) ، فما هي تلك الخصال؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ثبت عن النبي ﷺ من حديث المقدام بن معْدي كرب أنه قال: " إن للشهيد عند الله سبع خصال: يُغفر له في أول دفعة، ويُرى مقعده من الجنة، ويجار من فتنة القبر، ويأمن يوم الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج ثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه "
وفي رواية أخرى " للشهيد عند الله ست خصال، وفي رواية تسع خصال، وفي رواية تسع خصال أو عشر خصال ". أخرجه الترمذي وقال حديث حسن. وابن ماجة في السنن، وأحمد، وعبد الرزاق في المصنف، والطبراني في الكبير، وسعيد بن منصور في السنن.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ وليد الفريان.
стр. 13142
ماذا يمكن أن تفعل في دقيقة واحدة
[السُّؤَالُ]
ـ[نحن في المكاتب ومقرات العمل لا نكاد نجد وقت للعبادة والعمل الصالح فكيف نفعل في الأوقات القليلة التي نجدها في يومنا؟ وكيف يمكن أن نستفيد منها؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إن الوقت هو عمر الإنسان، ومن أجلِّ ما يصان عن الإضاعة والإهمال، والحكيم الخبير من يحافظ على وقته، فلا يتخذه وعاء لأبخس الأشياء وأسخف الكلام، بل يقصره على المساعي الحميدة والأعمال الصالحة التي ترضي الله، وتنفع الناس، فكل دقيقة من عمرك قابلة لأن تضع فيها حجراً يزداد به صرح مجدك ارتفاعاً، ويقطع به قومك في السعادة باعاً أو ذراعاً.
فإن كنت حريصاً على أن يكون لك المجد الأسمى، ولقومك السعادة العظمى فدع الراحة جانباً، واجعل بينك وبين اللهو حاجباً.
هذا وإن الدقيقة من الزمن يمكن أن يُفعل فيها خير كثير وينال بها أجر كبير، دقيقة واحدة فقط يمكن أن تزيد عمرك، في عطائك، في فهمك، في حفظك، في حسناتك، دقيقة واحدة تكتب في صحيفة أعمالك إذا عرفت كيف تستثمرها وتحافظ عليها:
احرص على النفع الأعم من الدقيقة
إن تنسها تنس الأهم بل الحقيقة
وفيما يلي ذكر لمشاريع استثمارية تستطيع إنجازها في دقيقة واحدة بإذن الله:
١- في دقيقة واحدة تستطيع أن تقرأ سورة الفاتحة (٣) مرات سرداً وسراً، حسب بعضهم حسنات قراءة الفاتحة فإذا هي أكثر من (٦٠٠) حسنة فإذا قرأتها (٣) مرات يحصل لك بإذن الله أكثر من (١٨٠٠) حسنة وكل هذا في دقيقة واحدة.
٢- في دقيقة واحدة تستطيع أن تقرأ سورة الإخلاص (قل هو الله أحد) (٢٠) مرة سرداً وسراً، وقراءتها مرة واحدة تعدل ثلث القرآن، فإذا قرأتها (٢٠) مرة فإنها تعدل القرآن (٧) مرات، ولو قرأتها كل يوم في دقيقة واحدة (٢٠) مرة لقرأتها في الشهر (٦٠٠) مرة، وفي السنة (٧٢٠٠) مرة، وهي تعدل في الأجر قراءة القرآن (٢٤٠٠) مرة.
٣- تقرأ وجهاً من كتاب الله في دقيقة.
٤- تحفظ آية قصيرة من كتاب الله في دقيقة.
٥- في الدقيقة الواحدة تستطيع أن تقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على شيء قدير (٢٠) مرة، وأجرها كعتق (٨) رقاب في سبيل الله من ولد إسماعيل.
٦- في دقيقة واحدة تستطيع أن تقول سبحان الله وبحمده (١٠٠) مرة، ومن قال ذلك في يوم غفرت ذنوبه وإن كانت مثل زيد البحر.
٧- في دقيقة واحدة تستطيع أن تقول سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم (٥٠) مرة، وهما كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن، كما روى البخاري ومسلم.
٨- قال ﷺ : (لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس) رواه مسلم، وفي الدقيقة الواحدة تستطيع أن تقول هذه الكلمات جميعاً أكثر من (١٨) مرة، وهذه الكلمات هي من أحب الكلام إلى الله، وهي من أفضل الكلام، ووزنهن في الميزان ثقيل كما ورد في الأحاديث الصحيحة.
٩- في الدقيقة الواحدة تستطيع أن تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله أكثر من (٤٠) مرة، وهي كنز من كنوز الجنة كما روى البخاري ومسلم كما أنها سبب عظيم لتحمل المشاق، والتضلع بعظيم الأعمال.
١٠- في دقيقة واحدة تستطيع أن تقول لا إله إلا الله (٥٠) مرة تقريباً وهي أعظم كلمة، فهي كلمة التوحيد، والكلمة الطيبة، والقول الثابت، ومن كانت آخر كلامه دخل الجنة، إلى غير ذلك مما يدل على فضلها وعظمتها.
١١- في دقيقة واحدة تستطيع أن تقول: سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته أكثر من (١٥) مرة وهي كلمات تعدل أضعافاً مضاعفةً من أجور التسبيح والذكر كما صح عنه عليه الصلاة السلام.
١٢- في دقيقة واحدة تستغفر الله أكثر من (١٠٠) مرة بصيغة أستغفر الله، ولا يخفى عليك فضل الاستغفار، فهو سبب للمغفرة، ودخول الجنة، وهو سبب للمتاع الحسن، وزيادة القوة، ودفع البلايا، وتيسير الأمور، ونزول الأمطار، والإمداد بالأموال والبنين.
١٣- تلقي كلمة مختلة مختصرة في دقيقة وربما يفتح الله بها من الخير ما لا يخطر لك ببال.
١٤- في الدقيقة الواحدة تستطيع أن تصلي على النبي ﷺ (٥٠) مرة بصيغة ﷺ ، فيصلي عليك الله مقابلها (٥٠٠) مرة لأن الصلاة الواحدة بعشر أمثالها.
١٥- في دقيقة واحدة ينبعث قلبك إلى شكر الله، ومحبته، وخوفه، ورجائه والشوق إليه، فتقطع مراحل في العبودية وقد تكون حينئذ مستلقياً على فراشك أو سائراً في طريقك.
١٦- في الدقيقة الواحدة تستطيع أن تقرأ أكثر من صفحتين من كتاب مفيد يسير الفهم.
١٧- في الدقيقة الواحدة تستطيع أن تصل رحمك عبر الهاتف.
١٨- ترفع يديك وتدعو بما شئت من جوامع الدعاء في دقيقة.
١٩- تُسَلِم على عدد من الأشخاص وتصافحهم في دقيقة.
٢٠- تنهى عن منكر في دقيقة.
٢١- تأمر بمعروف في دقيقة.
٢٢- تقدم نصيحة لأخ في دقيقة.
٢٣- تواسي مهموماً في دقيقة
٢٤- تميط الأذى عن الطريق في دقيقة.
٢٥- اغتنام الدقيقة الواحدة يبعث على اغتنام غيرها من الأوقات الطويلة المهدرة.
قال الشافعي ﵀:
إذا هجع النوَّام أسبلت عبرتي وردَّدت بيتاً وهو من ألطف الشعر
أليس من الهجران أن ليالياً تمر بلا علم وتحسب من عمري
وأخيراً فبقدر إخلاصك ومراقبتك يعظم أجرك، وتكثر حسناتك.
واعلم أن معظم هذه الأعمال لا يكلفك شيئاً، فلا يلزمك طهارة، أو تعب، أو بذل جهد، بل قد تقوم به وأنت تسير على قدميك، أو على السيارة، أو أنت مستلق، أو واقف، أو جالس، أو تنتظر أحداً.
كما أن هذه الأعمال من أعظم أسباب السعادة، وانشراح الصدر، وزوال الهموم والغموم. وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه وصلى الله على سيدنا محمد.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 13143
إن أكرمكم عند الله أتقاكم
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو رأي الإسلام في التفرقة العنصرية؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الناس كلهم بنو رجل واحد.. وبنو امرأة واحدة.. المؤمن والكافر.. الأبيض والأسود.. العربي والأعجمي.. الغني والفقير.. الشريف والوضيع.
والإسلام لا يلتفت إلى الفوارق في اللون , والجنس , والنسب فالناس كلهم لآدم وآدم خلق من تراب.. وإنما يكون التفاضل في الإسلام بين الناس بالإيمان والتقوى.. بفعل ما أمر الله به.. واجتناب ما نهى الله عنه , قال تعالى: (يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) الحجرات/١٣.
والإسلام يسوي بين جميع الناس في الحقوق والواجبات.. فالناس أمام الشرع سواء كما قال سبحانه (من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) النحل/٩٧.
فالإيمان , والصدق , والتقوى كله في الجنة.. وهو حق لمن تخلق به.. ولو كان أضعف الناس..أو أدنى الناس كما قال سبحانه (ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً قد أحسن الله له رزقاً) الطلاق/١١.
والكفر والكبر , والطغيان كله في النار.. ولو كان صاحبه أغنى الناس..أو أشرف الناس كما قال سبحانه (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير) التغابن/١٠.
وقد جمعت وزارة الرسول ﷺ رجالاً مسلمين.. من قبائل وأجناس وألوان شتى.. يملأ قلوبهم التوحيد.. ويجمعهم الإيمان والتقوى.. كأبي بكر القرشي.. وعلي بن أبي طالب الهاشمي.. وبلال الحبشي.. وصهيب الرومي.. وسلمان الفارسي..والغني كعثمان.. والفقير كعمار.. وأهل الثروة.. وأهل الصفة.. وغيرهم.
وقد آمنوا بالله وجاهدوا في سبيله.. حتى ﵃ ورسوله..أولئك المؤمنون حقاً.. (جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه) البينة/ ٨.
[الْمَصْدَرُ]
من كتاب أصول الدين الإسلامي للشيخ محمد بن إبراهيم التويجري.
стр. 13144
إذا فعل طاعة وهو لا يدري ثوابها، فهل يكتب له أم لا ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا فعل إنسان عمل خير ولم يقصد بذلك العمل نيل الثواب لجهله بالثواب، فهل يكتب له الأجر؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" ما دام يقصد القربة إلى الله بذلك، وكان عمله موافقا للشرع المطهر، فإنه يحصل له الثواب الذي رتبه الله على ذلك العمل، وإن لم يعرفه العامل.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم " انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (٢/٢٠١) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13145
هل يجوز لطالب العلم أن يأخذ أجرة على مؤلفاته وأشرطته ودروسه في الفضائيات ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم أخذ الداعية أجراً مقابل مصنفاته، وأشرطته، وإلقائه الدروس عبر القنوات الفضائية؟ وهل الحكم يختلف باختلاف النية بحيث تكون الأولى من أجل الكسب فقط، والثانية نفع الأمة لكن يحصل الكسب؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
تأليف الكتب، وإنتاج الأشرطة يعتبران من الحقوق الخاصة بأصحابها، وهي حقوق مصونة في الشرع، فلا يجوز الاعتداء عليها بالنسخ، أو الطباعة، أو الإنتاج، من غير إذن أصحابها، ولا حرج على أصحابها في طلب مبالغ مقابلها.
وقد ذكرنا في جواب السؤال رقم: (٢١٨٩٩) قرار " مجلس الفقه الإسلامي ": أن حقوق التأليف، والاختراع، أو الابتكار: مصونة شرعاً، ولأصحابها حق التصرف فيها، ولا يجوز الاعتداء عليها.
ثانياً:
أما أخذ الداعية، أو العالِم مالاً مقابل تعليمه الناس الأحكام الشرعية، أو كيفية قراءة القرآن، في المساجد، أو المدارس، أو الفضائيات: فإن كان ما يُعطاه من بيت مال المسلمين [أموال الدولة] : فلا خلاف في جوازه، وإن كان يُعطاه من غيره: فللعلماء فيه أقوال ثلاثة:
١. الجواز، وهو قول جمهور العلماء، من المالكية، والشافعية، وبه قال متأخرو الحنفية، وهو الذي يرجحه الشيخان ابن باز، والعثيمين، رحمهما الله، وعلماء اللجنة الدائمة للإفتاء.
٢. المنع، وهو قول المتقدمين من الحنفية، ورواية عن الإمام أحمد.
٣. الجواز للحاجة [كما لو كان العالم فقيراً محتاجاً إلى المال] ، وهو رواية عن الإمام أحمد، وقد مال إلى القول به: شيخ الإسلام ابن تيمية.
جاء في " الموسوعة الفقهية " (١٣ / ١٤ – ١٦) :
"لا خلاف بين الفقهاء في جواز أخذ الرِّزق من بيت المال على تعليم القرآن، وتدريس علم نافع، من حديث، وفقه، ونحوهما؛ لأن هذا الرزق ليس أجرة من كل وجه، بل هو كالأجرة.
وإنما اختلفوا في الاستئجار لتعليم القرآن، والحديث، والفقه، ونحوهما من العلوم الشرعية: فيرى متقدمو الحنفية - وهو المذهب عند الحنابلة - عدم صحة الاستئجار لتعليم القرآن، والعلم الشرعي، كالفقه، والحديث؛ لحديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: علمتُ ناسا من أهل الصفَّة القرآن، والكتابة، فأهدى إليَّ رجل منهم قوساً، قال: قلت: قوس، وليس بمال، قال: قلت: أتقلدها في سبيل الله، فذكرت ذلك للنبي ﷺ وقصصت عليه القصة، فقلت: يا رسول الله، رجل أهدى إليَّ قوساً ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن، وليست بمال، وأرمي عنها في سبيل الله، قال: (إن كنتَ تحبُّ أن تُطوَّق طوقاً من نارٍ فَاقْبَلْها) ؛ وحديث أبي بن كعب ﵁، أنه عَلَّم رجلا سورة من القرآن، فأهدى له خميصة، أو ثوبا، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: (إنَّكَ لَوْ لَبِسْتَها لأَلْبَسَك الله مَكَانَها ثَوْباً مِن نارٍ) ؛ ولأنه استئجار لعمل مفروض، فلا يجوز، كالاستئجار للصوم والصلاة ... ؛ ولأن الاستئجار على تعليم القرآن والعلم سبب لتنفير الناس على تعليم القرآن والعلم؛ لأن ثقل الأجر يمنعهم من ذلك، وإلى هذا أشار الله جل شأنه في قوله : (أََمْ تَسْأَلهُم أَجْراً فَهُم من مغْرَمٍ مُثْقَلُون) فيؤدي إلى الرغبة عن هذه الطاعة، وهذا لا يجوز.
وذهب متأخرو الحنفية - وهو المختار للفتوى عندهم - والمالكية في قول، وهو القول الآخر عند الحنابلة - يؤخذ مما نقله أبو طالب عن أحمد - إلى جواز الاستئجار على تعليم القرآن والفقه، لخبر: (إنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتم عَلَيْهِ أَجْراَ كِتَاب الله) ؛ ولما روي عن عبد الجبار بن عمر أنه قال: (كل من سألت من أهل المدينة لا يرى بتعليم الغلمان بالأجر بأساً) ؛ ولأن الحفاظ، والمعلمين - نظراً لعدم وجود عطيات لهم في بيت المال - ربما اشتغلوا بمعاشهم، فلا يتفرغون للتعليم حسبة، إذ حاجتهم تمنعهم من ذلك، فلو لم يفتح لهم باب التعليم بالأجر: لذهب العلم، وقلَّ حفاظ القرآن.
والمذهب عند المالكية: جواز الاستئجار على تعليم القرآن، أما الإجارة على تعليم الفقه وغيره من العلوم، كالنحو والأصول والفرائض فإنها مكروهة عندهم.
وفرَّق المالكية بين جواز الإجارة على تعليم القرآن، وكراهتها على تعليم غيره: بأن القرآن كله حق لا شك فيه، بخلاف ما عداه مما هو ثابت بالاجتهاد، فإن فيه الحق والباطل، وأيضا فإن تعليم الفقه بأجرة ليس عليه العمل، بخلاف القرآن، كما أن أخذ الأجرة على تعليمه يؤدي إلى تقليل طالبه.
وذهب الشافعية - على الأصح - إلى جواز الاستئجار لتعليم القرآن، بشرط تعيين السورة والآيات التي يعلمها، فإن أخل بأحدهما لم يصح، وقيل: لا يشترط تعيين واحد منهما، أما الاستئجار لتدريس العلم: فقالوا: بعدم جوازه إلا أن يكون الاستئجار لتعليم مسألة، أو مسائل مضبوطة، فيجوز" انتهى.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:
ولهذا لما تنازع العلماء في أخذ الأجرة على تعليم القرآن، ونحوه: كان فيه ثلاثة أقوال في مذهب الإمام أحمد، وغيره، أعدلها: أنه يباح للمحتاج.
قال أحمد: أجرة التعليم خير من جوائز السلطان، وجوائز السلطان خير من صلة الإخوان.
" مجموع فتاوى ابن تيمية " (٣٠ / ١٩٢، ١٩٣) .
وأدلة الجواز قوية، لا يمكن دفعها، كحديث الصحيحين: (إنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتم عَلَيْهِ أَجْراَ كِتَاب الله) ، وكذا حديث تزويج النبي ﷺ صحابيّاً على تعليم امرأته القرآن.
قال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:
"يجوز لك أن تأخذ أجراً على تعليم القرآن؛ فإن النبي ﷺ زوَّج رجلا امرأة بتعليمه إياها ما معه من القرآن، وكان ذلك صداقها، وأخذ الصحابي أجرة على شفاء مريض كافر بسبب رقيته إياه بفاتحة الكتاب، وقال في ذلك النبي ﷺ : (إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله) أخرجه البخاري ومسلم، وإنما المحظور: أخذ الأجرة على نفس تلاوة القرآن، وسؤال الناس بقراءته" انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٥ / ٩٦) .
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀:
"لا حرج في أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وتعليم العلم؛ لأن الناس في حاجة إلى التعليم؛ ولأن المعلم قد يشق عليه ذلك، ويعطله التعليم عن الكسب , فإذا أخذ أجرة على تعليم القرآن، وتحفيظه، وتعليم العلم: فالصحيح أنه لا حرج في ذلك ... ثم استدل بحديث أخذ الأجرة على الرقية ... ثم قال: وقال ﷺ : (إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله) رواه البخاري في الصحيح أيضاً , فهذا يدل على أنه لا بأس بأخذ الأجرة على التعليم، كما جاز أخذها على الرقية.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٥ / ٣٦٤، ٣٦٥) .
ثالثاً:
أما ما استدل به المانعون: فحديث عبادة بن الصامت وحديث أبي بن كعب ﵄ قد ضعفهما بعض أهل العلم:
قال ابن عبد البر ﵀:
وأما حديث القوس فمعروف عند أهل العلم؛ لأنه روي عن عبادة من وجهين، وروي عن أبي بن كعب من حديث موسى بن علي عن أبيه عن أبي بن كعب، وهو منقطع.
وليس في هذا الباب حديث يجب به حجة من جهة النقل، والله أعلم.
" التمهيد " (٢١ / ١١٤) .
وقال ابن بطَّال ﵀:
"واحتجوا بأحاديث ضعاف، منها: حديث عبادة بن الصامت ...
وأما قول الطحاوى: إن تعليم الناس القرآن بعضهم بعضاً فرض: فغلط؛ لأن تعلم القرآن ليس بفرض، فكيف تعليمه؟! وإنما الفرض المتعين منه على كل أحد: ما تقوم به الصلاة، وغير ذلك: فضيلة، ونافلة، وكذلك تعليم الناس بعضهم بعضاً الصلاة ليس بفرض متعين عليهم، وإنما هو على الكفاية، ولا فرق بين الأجرة على الرقَى، وعلى تعليم القرآن؛ لأن ذلك كله منفعة.
وقوله ﵇: (إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله) هو عام يدخل فيه إباحة التعليم وغيره، فسقط قولهم" انتهى باختصار.
" شرح صحيح البخاري " (٦ / ٤٠٥، ٤٠٦) .
رابعاً:
أما ضابط النية في تحصيل الأجر الأخروي مع الدنيوي: فهو ما قاله بعض الأئمة، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من التفريق بين من يقوم بالعمل الصالح ليأخذ الأجر، وبين من يأخذ ليقوم به، فالأول فعله حسن، والثاني: ليس له في الآخرة أجر، وإنما أخذ أجره في الدنيا، والأول يقصد الدين، والمال وسيلة له، والثاني يقصد المال، والدين وسيلة له، وشتان ما بينهما.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
وجماع هذا: أن المستحب: أن يأخذ ليحج، لا أن يحج ليأخذ، وهذا في جميع الأرزاق المأخوذة على عمل صالح، فمن ارتزق ليتعلم، أو ليعلِّم، أو ليجاهد: فحسن، كما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (مثل الذين يغزون من أمتي ويأخذون أجورهم مثل أم موسى ترضع ابنها، وتأخذ أجرها) ، شبههم بمن يفعل الفعل لرغبة فيه كرغبة أم موسى في الإرضاع، بخلاف الظئر (المرضعة) المستأجر على الرضاع إذا كانت أجنبية.
وأما من اشتغل بصورة العمل الصالح لأن يرتزق: فهذا من أعمال الدنيا، ففرق بين من يكون الدين مقصوده والدنيا وسيلة، ومن تكون الدنيا مقصوده، والدين وسيلة، والأشبه: أن هذا ليس له في الآخرة من خلاق، كما دلت عليه نصوص، ليس هذا موضعها.
" مجموع الفتاوى " (٢٦ / ١٩، ٢٠) .
فالوصية لأهل العلم وطلَاّبه أن يقصدوا في خروجهم على الفضائيات: تعليم الناس، ورفع الجهل عنهم، ونشر الاعتقاد الصحيح، ومن أغناه الله من فضله فليستعفف عن المال، ومن احتاج فليأخذ ما يتيسر له دون اشتراط مبالغ باهظة، وليجعل المال وسيلة له، لا غاية، حتى لا يُحرم الأجر الأخروي.
والوصية للمؤلفين، والخطباء، والمدرسين، أن يراعوا أحوال الناس، وأن لا يبالغوا في حقوق الطبع، والتأليف، والتوزيع، وليكن على بالهم الأجور الأخروية، والثواب الجزيل من الله لمن نشر علماً، أو رفع جهلاً، والفوز برضا الله وثوابه لا يعدله شيء.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13146
كيف ينوي المسلم حياته كلها لله
[السُّؤَالُ]
ـ[لدي صعوبة في فهم قضية، أننا يجب أن نعمل كل شيء لله، وله وحده فقط، مثلا إذا أردت أن أقلل من وزني أو أي شيء آخر، فإذا فعلته لكي أبدو أحسن، هل هذه نية خاطئة؟ وإذا كانت خاطئة، فما هي النية الصحيحة التي أنوي بها إذا أردت عمل شيء كهذا؟ عندما يقول الناس ينبغي أن تتزوج لله فقط، وتعمل أي عمل آخر فلله فقط، فما معنى ذلك عملياً؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
المسلم هو المستسلم لله ، المنقاد لشرعه وأمره ونهيه، الذي يعبد الله لأنه ربه وخالقه المستحق للعبادة، آمن بعظمة الله وقيوميته ووحدانيته، فملك عليه قلبه ونفسه، وجعل حبه لربه مقصد معاشه ومعاده، ورجا أن يتقبله في عباده الصالحين.
قال تعالى: (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) الأنعام/١٦١-١٦٣.
فمن استشعر هذه المعاني سعى في استحضار نية التقرب لله في جميع شؤون حياته، فإذا نام احتسب نومه لله كي يستعين براحة جسمه على العبادة حين يستيقظ، وإذا أكل أو شرب قصد بذلك التقوي للقيام بحقوق الله، وإذا تزوج أراد إعفاف نفسه والاشتغال بالحلال عن الحرام، وإذا طلب الذرية قصد الذرية الصالحة التي تعمر الأرض بمنهج الله، إذا تكلم فبالخير، وإذا سكت فإمساكاً عن الشر، يرجو بنفقته على نفسه وأهله الأجر والثواب أيضاً، وإذا تعلم وقرأ ودرس احتسب ذلك أيضاً ... ، وهكذا تكون مقاصده في أعماله كلها.
قال ابن تيمية ﵀: " ينبغي ألا يفعل من المباحات إلا ما يستعين به على الطاعة، ويقصد الاستعانة بها على الطاعة " انتهى.
"مجموع الفتاوى" (١٠/٤٦٠-٤٦١) .
هذا هو باختصار بيان كيف يمكن أن ينوي المسلم حياته وأعماله كلها لله، ويمكن أن نُجمِلَ ذلك بأمرين اثنين:
١- أن يلتزم في أعماله الشريعة، فلا يترك واجباً، ولا يقع في محذور.
٢- أن يلحظ في قلبه كيف يمكن أن يوصله هذا العمل – ولو كان في أصله دنيوياً – إلى الأجر والثواب والقربة من الله تعالى.
ويمكن تطبيق ذلك على سؤالك خاصة عن تقليل الوزن، فمن أراد باجتهاده لتقليل وزنه المحافظة على صحته ليقوم بواجباته وحقوق الله عليه أكمل قيام، أو أراد بذلك التجمل لزوجته لتحقيق السعادة والمودة بينهما، أو أراد بذلك التجمل للخلق ليكون أكثر قبولاً بينهم فيحسن التواصل معهم، فهذا القصد قصد حسن مأجور عليه إن شاء الله تعالى.
كما أن هذا الفعل المباح إذا أراد به صاحبه التشبه ببعض الكفار، أو التجمل لفتنة الفتيات، ونحو ذلك من المقاصد الشيطانية فهذا يستحق الإثم والعقوبة.
وهكذا سائر الأمور المباحة، لا يؤجر عليها صاحبها إلا إذا احتسبها لتحقيق مقصد من مقاصد الخير والفضل والأجر.
قال ابن الحاج ﵀: " المباح ينتقل بالنية إلى الندب " انتهى.
"المدخل" (١/٢١) .
وذكر ابن القيم أن خواص المقربين هم الذين انقلبت المباحات في حقهم إلى طاعات وقربات بالنية، فليس في حقهم مباح متساوي الطرفين، بل أعمالهم راجحة " انتهى.
"مدارج السالكين" (١/١٠٧) .
وقد صح عن الرسول ﷺ أنه قال لسعد بن أبي وقاص ﵁: (إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في فيِّ امرأتك) رواه البخاري (٥٦) ، ومسلم (١٦٢٨) .
قال الإمام النووي ﵀ معلقاً على الحديث:
" وفيه أن المباح إذا قصد به وجه الله تعالى صار طاعة ويثاب عليه، وقد نبه ﷺ على هذا بقوله ﷺ : (حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك) ؛ لأن زوجة الإنسان هي من أخص حظوظه الدنيوية وشهواته وملاذه المباحة، وإذا وضع اللقمة في فيها فإنما يكون ذلك في العادة عند الملاعبة والملاطفة والتلذذ بالمباح، فهذه الحالة أبعد الأشياء عن الطاعة وأمور الآخرة، ومع هذا فأخبر ﷺ أنه إذا قصد بهذه اللقمة وجه الله تعالى حصل له الأجر بذلك، فغير هذه الحالة أولى بحصول الأجر إذا أراد وجه الله تعالى.
ويتضمن ذلك أن الإنسان إذا فعل شيئا أصله على الإباحة وقصد به وجه الله تعالى يثاب عليه، وذلك كالأكل بنية التقوي على طاعة الله تعالى، والنوم للاستراحة ليقوم إلى العبادة نشيطاً، والاستمتاع بزوجته وجاريته ليكف نفسه وبصره ونحوهما عن الحرام، وليقضي حقها، وليحصل ولداً صالحاً، وهذا معنى قوله ﷺ : (وفي بُضعِ أحدِكم صدقة) والله أعلم " انتهى.
"شرح مسلم" (١١/٧٧) .
وقال السيوطي ﵀:
" ومن أحسن ما استدلوا به على أن العبد ينال أجرًا بالنية الصالحة في المباحات والعادات قوله ﷺ : (ولكل امرئ ما نوى) ، فهذه يثاب فاعلها إذا قصد بها التقرب إلى الله، فإن لم يقصد ذلك فلا ثواب له " انتهى.
"شرح السيوطي على النسائي" (١/١٩) .
والنقول عن أهل العلم في هذا الشأن كثيرة.
وانظر جواب السؤال رقم: (٦٩٩٦٠) .
لكن ينبغي أن تعلم ـ أخانا السائل ـ أن ما ذكرناه لك من نية التقرب إلى الله تعالى بما تعمله من المباحات: ليس هو على وجه الوجوب والإلزام؛ فإنه لو كان واجباً لازماً: لم يكن مباحاً، وإنما كان واجباً، يأثم الإنسان بتركه.
وأما من لم يقصد شيئاً إلا تحقيق رغبته النفسية، أو قضاء شهوته، أو حاجته، أو التمتع بالمباح: فهذا لا حرج عليه فيما فعل، ما دام قد علم أن هذا الأمر مما رخص فيه الشرع وأذن فيه؛ لكن ليس له أجر بمجرد ذلك الفعل، كما أنه لا إثم عليه بمجرد فعله.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13147
النية في العمل الصالح
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف يجب أن تكون نية الشخص وهو يقوم بعمل صالح؟ هل يجب أن يقوم به لوجه الله ونبيه ﷺ ؟ أم يكون لوجه الله ومن محبته للرسول ﷺ وسنته؟ أم يكون لوجه الله فقط؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الواجب في العبادة أن تكون خالصة لله تعالى وحده، كما قال الله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) البينة/٥.
وقال: (وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى) الليل/١٩-٢٠.
وقال النبي ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ مِنْ الْعَمَلِ إِلا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ) رواه النسائي (٣١٤٠) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٥٢) .
وتأمل قول الله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ) التوبة/٥٩.
كيف جعل الإيتاء لله ولرسوله، وجعل الحسب (وهو الكفاية) لله وحده، فلم يقل: (وقالوا حسبنا الله ورسوله) وجعل الرغبة إلى الله وحده فقال: (إنا إلى الله راغبون) ولم يقل: وإلى رسوله. كما قال تعالى: (فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب) الانشراح / ٧-٨.
انظر: زاد المعاد (١/٣٦) .
فيجب إفراد الله تعالى بالعبادة، ولا يجوز أن يقوم بالعبادة وهو ينوي بها التقرب إلى أحد من المخلوقين.
وأما حق النبي ﷺ ومحبته فذلك يكون باتباعه وتعظيم سنته لا بصرف العبادة إليه.
والعبادة لا تكون مقبولة عند الله تعالى إلا إذا توفر فيها شرطان:
الأول: الإخلاص لله تعالى.
الثاني: متابعة النبي ﷺ وموافقة شريعته.
وقد دل على هذين الشرطين قول الله تعالى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) الكهف / ١١٠.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى:
(فليعمل عملا صالحا) ما كان موافقاً لشرع الله (ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) وهو الذي يراد به وجه الله وحده لا شريك له، وهذان ركنا العمل المتقبل، لا بدَّ أن يكون خالصاً لله، صواباً على شريعة رسول الله ﷺ اهـ.
فعليك أن تقصد بالعبادة وجه الله تعالى وحده، وتجتهد في موافقة سنة النبي ﷺ ، نسأل الله تعالى أن يوفقنا للعمل الصالح.
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13148
هل تؤجر المرأة على عملها في البيت ولو لم تنو الاحتساب ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل إذا عملت المرأة في بيتها دون احتساب نية أجر العمل عند الله تؤجر على عملها أم لا يحسب لها؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
عمل المرأة في بيتها عمل عظيم تساهم به في نشر المودة والرحمة في بيتها، ولها اليد الطولى في المساهمة في تربية أولادها، وهي مُعينة لزوجها على عمله وعلى دعوته وطلبه للعلم.
وهذا العمل – شأنه في ذلك شأن سائر الأعمال – لا تثاب عليها المرأة إلا إذا أخلصت فيه النية لله تعالى.
وهذه بعض النصوص المؤيدة لهذا مع نقل طائفة من أقوال أهل العلم:
١. ذكر البخاري رحمه الله تعالى في كتاب الإيمان باباً عدَّد فيه واجبات شرعية، وذكر فيه احتساب الأجر على فعله.
قال البخاري ﵀:
بَاب مَا جَاءَ إِنَّ الأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ وَالْحِسْبَةِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَدَخَلَ فِيهِ الإِيمَانُ وَالْوُضُوءُ وَالصَّلاةُ وَالزَّكَاةُ وَالْحَجُّ وَالصَّوْمُ وَالأَحْكَامُ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ) عَلَى نِيَّتِهِ، نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا صَدَقَةٌ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ) .
"صحيح البخاري" (١/٢٩) "كتاب الإيمان".
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
قوله: " باب ما جاء " أي: باب بيان ما ورد دالاًّ على أن الأعمال الشرعية معتبرة بالنية والحسبة.
"فتح الباري" (١/١٣٥، ١٣٦) .
٢. عن أبي مسعود البدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة يحتسبها كانت له صدقة) . رواه البخاري (٥٥) ومسلم (١٠٠٢) .
فنفقة الرجل على زوجته وأولاده واجب شرعي، ولا يثاب عليها إلا إن قصد الاحتساب.
قال القرطبي:
أفاد منطوقه أن الأجر في الإنفاق إنما يحصل بقصد القربة سواء كانت واجبة أو مباحة , وأفاد مفهومه أن من لم يقصد القربة لم يؤجر , لكن تبرأ ذمته من النفقة الواجبة.
"فتح الباري" (١/١٣٦) .
وقال ابن حجر:
ويستفاد منه أن الأجر لا يحصل بالعمل إلا مقرونا بالنية. . .
وقال الطبري ما ملخصه: الإنفاق على الأهل واجب , والذي يعطيه يؤجر على ذلك بحسب قصده , ولا منافاة بين كونها واجبة وبين تسميتها صدقة , بل هي أفضل من صدقة التطوع. "فتح الباري" (٩/٤٩٨) .
وقال النووي ﵀:
(يحتسبها) معناه: أراد بها وجه الله تعالى، فلا يدخل فيه من أنفقها ذاهلا (أي غفل عن النية، ولم ينو الاحتساب) , ولكن يدخل المحتسب.
وطريقه في الاحتساب: أن ينفق بنية أداء ما أمر به من النفقة والإحسان.
"شرح مسلم" (٧/٨٨، ٨٩) باختصار وتصرف.
٣. وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجِرتَ عليها حتى ما تجعل في فم امرأتك) رواه البخاري (٥٦) ومسلم (١٦٢٨) .
قال ابن الحاج المالكي ﵀:
وينبغي له أن لا يخلي نفسه من أن يلقم زوجته اللقمة واللقمتين، لقوله ﵊: (حتى اللقمة يضعها في فم امرأته) فقد حصل له الثواب مع أن وضع اللقمة في فم امرأته له فيها استمتاع، وينبغي له أن يحتسب في ذلك كله أعني: إحضار الطعام والإطعام.
"المدخل" (١/٢٢٤) باختصار.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀:
(وإنك لن تنفق نفق تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها) علق حصول الأجر بذلك (أي بابتغاء وجه الله) وهو المعتبر.
"فتح الباري" (٥/٣٦٧) .
والخلاصة:
أن عمل المرأة في بيتها تثاب عليه إذا احتسبت ثواب ذلك عند الله تعالى، وأخلصت النية.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13149
هل النية الحسنة تشفع لصاحبها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل النية الحسنة تشفع لصاحبها؟ أم لها ضوابط؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إن المسلم لا تقبل منه العبادة إلا إذا تحقق فيها شرطان أساسيان:
الأول: إخلاص النية لله تعالى، وهو أن يكون مراد العبد بأقواله وأعماله الظاهرة والباطنة ابتغاء وجه الله تعالى دون غيره.
الثاني: موافقة الشرع الذي أمر الله تعالى أن لا يعبد إلا به، وذلك يكون بمتابعة النبي ﷺ فيما جاء به، وترك مخالفته، وعدم إحداث عبادة جديدة أو هيئة جديدة في العبادة لم تثبت عنه ﵊.
والدليل على هذين الشرطين قوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) الكهف/١١٠.
قال ابن كثير ﵀:
" (فمن كان يرجوا لقاء ربه) أي: ثوابه وجزاءه الصالح.
(فليعمل عملا صالحا) أي: ما كان موافقا لشرع الله.
(ولا يشرك بعبادة ربه أحداً) وهو الذي يراد به وجه الله وحده لا شريك له، وهذان ركنا العمل المتقبَّل، لابد أن يكون خالصاً لله، صواباً على شريعة رسول الله ﷺ " انتهى.
" تفسير ابن كثير " (٤ / ١٠٨) .
ولهذا قال الله تعالى في أعظم سورة في القرآن (إياك نعبد وإياك نستعين) للدلالة على أن التوحيد والإخلاص شرط في صحة العمل، والشرط الثاني بعده مباشرة: (اهدنا الصراط المستقيم) ، فلا تصح العبادة إلا على النهج السليم، والصراط المستقيم، الذي شرعه الله تعالى بمتابعة نبيه ﷺ ، وفي الصحيح عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) رواه مسلم (١٧١٨) أي: فعمله مردود عليه، ولا يقبل منه، فإذا تخلف أحد هذين الشرطين عن العمل (الإخلاص لله، والمتابعة لشرعه) لم يستفد صاحبه منه، فمن أراد الخير والأجر ورضى الرب سبحانه فليعبده وليتقرب إليه بما شرع، قال سبحانه: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) آل عمران/٣١.
فلا تكفي النية الصالحة، ولا تشفع لصاحبها إذا خالف الشرع، وعبد الله تعالى بشيء من البدع، وكثير من أهل البدع – بسبب جهلهم – اخترعوا هذه البدع ليتقربوا بها إلى الله!!
ولهذا لما أنكر ابن مسعود ﵁ على المجتمعين على ذكر الله، لما أنكر عليهم اجتماعهم، واعتذروا بحسن نيتهم وأنهم لم يريدوا إلا الخير، قال لهم: (وَكَمْ مِنْ مُرِيدٍ لِلْخَيْرِ لَنْ يُصِيبَهُ) رواه الدارمي (٢٠٤) ، فلا يكفي حسن النية بمفرده حتى يصيب الإنسان الخير، وينال الثواب والقرب من الله، بل لا بد مع ذلك من موافقة الشرع، واجتناب البدع.
وربما تشفع النية الصالحة لصاحبها في مسألتين:
الأولى: في تحويل العادات إلى عبادات.
فالنية الصالحة تجعل العادة عبادة، يثاب عليها صاحبها، فينوي بالطعام والشراب التقوي على طاعة الله تعالى، وينوي بالزواج إعفاف نفسه وزوجته، وهكذا.
والثانية: في كسب الأجر دون عمل إذا كانت النية جازمة.
فقد ينوي المسلم نية جازمة على القيام بأعمال شرعية فيحول بينه وبين العمل موانع للقيام به: فيؤجر عليه، وفي ذلك أحاديث، ومنها:
١. عن جابر ﵁ قال: كنَّا مع النبي ﷺ في غزاة فقال: (إن بالمدينة لرجالاً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم حبسهم المرض) وفي رواية: (إلا شركوكم في الأجر) رواه مسلم (١٩١١) .
٢. عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من أتى إلى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبته عيناه حتى أصبح: كتب له ما نوى، وكان نومه صدقة عليه من ربه رواه النسائي (١٧٨٧) وابن ماجه (١٣٤٤) ، وصححه الشيخ الألباني في " صحيح الترغيب " (٦٠١) .
٣. عن سهل بن حنيف ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه) رواه مسلم (١٩٠٩) .
وغير ذلك كثير، وكله يدل على أن من نوى نية صادقة جازمة على فعل خير أو طاعة فحال بينه وبين الفعل حائل كتب الله له الأجر.
فهنا: النية الصادقة شفعت لصاحبها حتى أُجر عليها.
وانظر جواب السؤالين رقم (٢١٥١٩) و (٢١٣٦٢) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13150
هل يجوز أن يعرض مالاً على شخص ما بشرط أن يفعل عمل صالحاً ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز أن تعرض مالاً لشخص ما بشرط أن يفعل عمل صالحاً؟ مثلاً: أن أعرض على عمي أن أدفع له ٥٠٠ درهماً مقابل أن يطلق لحيته.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الذي يظهر أنه لا بأس في هذا الفعل، وقد أوجب الله تعالى على عباده أفعالاً، ووعدهم على فعلها الثواب الجزيل في الدنيا، ترغيباً لهم في فعلها، قال الله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) الطلاق / ٢-٣.
وقال النبي ﷺ : (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ) رواه البخاري (٥٩٨٦) ومسلم (٢٥٥٧) . ومعنى " يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ" أي: يؤخر أجله.
ومن باب التشجيع على الأفعال أذن النبي ﷺ لمن قتل قتيلاً من الكفار في أرض المعركة أن يأخذ سلَبه.
عن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ عام حنين –: " من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلَبه ".
رواه البخاري (٢٩٧٣) ومسلم (١٧٥١) .
والسَّلَب: هو ما يوجد مع المحارب من مال ومتاع ولباس وسلاح.
وأجاز العلماء وضع جائزة لحفظ سورٍ من القرآن أو أحاديث من السنة أو لحل مسابقة علمية.
سئل علماء اللجنة الدائمة:
ما الحكم في أخذ جوائز في مسابقة لحفظ القرآن؟
فأجابوا:
لا حرج في ذلك، ولا فرق بين الرجال والنساء في هذا الأمر.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٤ / ١٢٦) .
هذا بالنسبة للدافع وللعارض: وهو جواز عرض وإعطاء مال لمن يطلق لحيته أو ما يشبهه من التزام شيء من أحكام الشرع.
أما بالنسبة للآخذ: فإن كان قد أطلق لحيته لأجل هذه الجائزة: فلا أجر له على هذا الفعل، إلا أن تكون هذه الجائزة دافعاً له لتطبيق ما أمره الله تعالى به، أو أنه بدأ من أجل الجائزة ثم غَيَّر نيتَه بعد فعله هذا والتزامه: فهو مأجور على ما سلمت فيه النية، ولا يضره أنه فعل ذلك ابتداء من أجل الجائزة.
عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، فَأَتَى قَوْمَهُ فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ، أَسْلِمُوا، فَو َاللَّهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَيُعْطِي عَطَاءً، مَا يَخَافُ الْفَقْرَ.
فَقَالَ أَنَسٌ: إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُرِيدُ إِلا الدُّنْيَا فَمَا يُسْلِمُ حَتَّى يَكُونَ الإِسْلامُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا. رواه مسلم (٢٣١٢) .
قال النووي:
هكذا هو في معظم النسخ: " فما يسلم " , وفي بعضها " فما يمسي " , وكلاهما صحيح , ومعنى الأول: فما يلبث بعد إسلامه إلا يسيراً حتى يكون الإسلام أحب إليه , والمراد: أنه يُظهر الإسلام أولا للدنيا , لا بقصد صحيح بقلبه , ثم من بركة النبي ﷺ ونور الإسلام لم يلبث إلا قليلا حتى ينشرح صدره بحقيقة الإيمان , ويتمكن من قلبه , فيكون حينئذ أحب إليه من الدنيا وما فيها.
" شرح مسلم " (١٥ / ٧٢، ٧٣) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13151
طلب ناظر الوقف من الدعاة تقريراً شهرياً لا يقدح في الإخلاص
[السُّؤَالُ]
ـ[هناك جهة توظف عددا من الدعاة في العمل الدعوي وتطالبهم في نهاية كل شهر بتقرير عن أعمالهم الدعوية من دروس وندوات ومحاضرات لترفع إلى صاحب الوقف، وبعض الدعاة في نفوسهم شيء من هذا التقرير ويرون أنه يقدح في الإخلاص لله وأقرب إلى الرياء.
السؤال: هل هذا العمل جائز؟ أعني المطالبة بالتقرير عن الأعمال الدعوية، وهل هو قادح في الإخلاص أم لا؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
مطالبة جهة العمل المسئولة عن الأعمال الدعوية بإعداد تقارير شهرية عن الأعمال التي قاموا بها في الشهر لتقديمها لصاحب الوقف لا يقدح في الإخلاص لله وليس من باب الرياء إذا قصد به الداعية معد التقرير إبراء ذمته وإطلاع أصحاب الوقف على ما قام به على الحقيقة ليتأكد الناظر على الوقف أن المبالغ التي صرفت للدعاة واقعة في موقعها.
بل هذا مما يتطلبه العمل، إذ فيه حث على الإنتاج في العمل وتقدير المنتجين وحفز على التنافس والاجتهاد، وبالله التوفيق.
[الْمَصْدَرُ]
من فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء ٢٣ / ٤٠٩.
стр. 13152
إذا أخذ صاحب الموقع الإسلامي أجور إعلانات فهل ينقص من أجره
[السُّؤَالُ]
ـ[نحن مجموعة شباب نعمل محتسبين الأجر عند الله في موقع إسلامي على الإنترنت، وبدأ الموقع يدر دخلا ماليا من خلال الإعلانات الموجودة فيه ونحو ذلك، فهل أخذنا للمال والاستعانة به بعد الله على تهيئة أمور الزواج ينقص أجرنا لأننا قرأنا لابن حجر في فتح الباري: أن الذي يأخذ الأجر الدنيوي على عمله الأخروي ينقص أجره الأخروي؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
عرضنا هذا السؤال على فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين، فأجاب حفظه الله:
إذا كان العِوض (أي المقابل) يأتيهم بدون سؤال فلا ينقص أجرهم.
سؤال:
أصحاب هذا الموقع يعلنون في زاوية من موقعهم: أن الذي يريد وضع إعلان عندنا شهريا فعليه أن يدفع مبلغا معيّنا وبناء على هذا تأتيهم الإعلانات وأجورها؟
جواب:
إذا كان كذلك فإن أخذ هذا المال ينقص الأجر، لأنهم هم الذين طلبوا، لكن لو أن أحدا أعطاهم مساعدة على ما يعملون فلا بأس أن يأخذوها، كما جاء في حديث عمر أنّ النبي ﷺ قال له: إِذَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ شَيْءٌ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ (أي غير متطلع إليه) وَلا سَائِلٍ فَخُذْهُ وَمَا لا فَلا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ (أي إن لم يجئ إليك فلا تطلبه بل اتركه) رواه البخاري ١٤٧٣. والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد بن صالح العثيمين
стр. 13153
هل تعيد التوبة أجر ما حبط بسبب الرياء ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا كان أحد الأشخاص يقوم بالأعمال لأجل الناس لا لأجل الله , ثم تاب من هذا الأمر العظيم وهو الرياء , فهل يحصل على أجر ما قام به بعد التوبة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ورد في السنة الشريفة ما يدل على أن من عمل صالحا في كفره، ثم تاب وأسلم: أنه يكتب له بعد التوبة أجر ما أسلف من الصالحات، كأنه عملها في الإسلام، وذلك من عظيم كرم الله وسعة فضله وجوده وإحسانه، وإن خالف في ذلك بعض العلماء، لكن هذا هو الصواب، فهو ظاهر السنة الصحيحة.
عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ قَالَ:
(قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ أَشْيَاءَ كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ عَتَاقَةٍ وَصِلَةِ رَحِمٍ، فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَجْرٍ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرٍ)
رواه البخاري (رقم/١٤٣٦) ومسلم (رقم/١٢٣)
يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي ﵀ في شرح هذا الحديث:
" من كان له عمل صالح فعمل سيئة أحبطته ثم تاب؛ فإنه يعود إليه ثواب ما حبط من عمله بالسيئات " انتهى.
" فتح الباري " لابن رجب (١/١٤٦)
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" لو تاب المنافق والمرائي فهل تجب عليه في الباطن الإعادة، أو تنعطف توبته على ما عمله قبل ذلك فيثاب عليه، أو لا يعيد ولا يثاب.
أما الإعادة فلا تجب على المنافق قطعا؛ لأنه قد تاب من المنافقين جماعة عن النفاق على عهد رسول الله ولم يأمر أحدا منهم بالإعادة , وقد قال تعالى:
(وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة)
وأيضا فالمنافق كافر في الباطن، فإذا آمن فقد غفر له ما قد سلف، فلا يجب عليه القضاء، كما لا يجب على الكافر المعلن إذا أسلم.
وأما ثوابه على ما تقدم، مع التوبة: فيشبه الكافر إذا عمل صالحا في كفره ثم أسلم، هل يثاب عليه؟ ففي الصحيحين أن النبي ﷺ قال لحكيم بن حزام: أسلمت على ما سلف لك من خير.
وأما المرائي إذا تاب من الرياء، مع كونه كان يعتقد الوجوب: فهو شبيه بالمسألة التي نتكلم فيها، وهى مسألة من لم يلتزم أداء الواجب، وإن لم يكن كافرا في الباطن، ففي إيجاب القضاء عليه تنفير عظيم عن التوبة " انتهى باختصار.
مجموع الفتاوى (٢٢/٢٠-٢١)
ويقول أيضا ﵀:
" التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وإذا زال الذنب زالت عقوباته وموجباته، وحبوط العمل من موجباته " انتهى.
" شرح العمدة " (١/٣٩)
ويقول ابن قيم الجوزية ﵀:
" فصل: وإذا استغرقت سيئاته الحديثات حسناته القديمات وأبطلتها، ثم تاب منها توبة نصوحا خالصة: عادت إليه حسناته، ولم يكن حكمه حكم المستأنف لها، بل يقال له: تبت على ما أسلفت من خير، فإن الحسنات التي فعلها في الإسلام أعظم من الحسنات التي يفعلها الكافر في كفره: من عتاقة وصدقة وصلة، وقد قال حكيم بن حزام: (يا رسول الله! أرأيت عتاقة أعتقتها في الجاهلية، وصدقة تصدقت بها، وصلة وصلت بها رحمي، فهل لي فيها من أجر؟ فقال: أسلمت على ما أسلفت من خير)
وذلك لأن الإساءة المتخللة بين الطاعتين قد ارتفعت بالتوبة، وصارت كأنها لم تكن، فتلاقت الطاعتان واجتمعتا. والله أعلم " انتهى.
" مدارج السالكين " (١/٢٨٢)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13154
الصدقة خجلاً من مديره في العمل
[السُّؤَالُ]
ـ[تبرعت لمشروع خيري خوفاً من الرئيس المباشر في العمل ولو ترك المجال لي لم أتبرع ولو بنصف قرش، فهل لي ثواب كامل على عملي هذا كما لو كنت تبرعت لهذا المشروع من حسن خاطر واختيار مني مع الدليل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا كان الأمر كما ذكرت فأنت لا تؤجر على هذا المبلغ لأنك لم تقصد به وجه الله، وإنما قدمته لوجه صاحبك خوفاً منه، وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) البخاري في بدء الوحي ومسلم في الإمارة برقم ١٩٠٧
[الْمَصْدَرُ]
فتاوى للموظفين والعمل، اللجنة الدائمة ص ٦٦
стр. 13155
أخوف آية في القرآن العظيم
[السُّؤَالُ]
ـ[ما صحة هذا الكلام، وما مدى صدقه، فقد ذكر بمنتديات كثيرة، واختلفنا بين مؤيد ومعارض، ولم نجد مصدرا لصحة هذا الكلام ... فالرجاء إفادتنا بأسرع وقت ممكن، وجزاكم الله كل خير. السؤال هو: أكثر آيات القرآن تخويفا للمؤمنين، أتعلمون ما هي أخوف آية في القرآن؟ أتعلمون أن أخوف آية في القرآن هي قوله تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا) الفرقان/٢٣، إنها حقا من أكثر آيات القرآن تخويفا للمؤمنين.. وتتحدث عن فئة من المسلمين تقوم بأعمال كجبال تهامة من حج، وصدقات، وقراءة قرآن، وأعمال بر كثيرة، وقيام ليل، ودعوة، وصيام، وغيرها من الأعمال.. وإذا بالله تعالى ينسف هذه الأعمال فيكون صاحبها من المفلسين! وذلك لأن عنصر الإخلاص كان ينقص تلك الأعمال، فليس لصاحب تلك الأعمال إلا التعب والسهر والجوع، ولا خلاص يوم القيامة من العذاب والفضيحة إلا بالإخلاص، ولا قبول للعمل إلا بالإخلاص. هذا ما يتم تناقله عبر المنتديات، وكثيرون يعارضون هذا الكلام، وأنه لا صحة له، ولا مصدر يصدقه، وآخرون يوافقونه. فما مدى صدقه، رجاء الإفادة، جزاكم الله كل خير.]ـ
[الْجَوَابُ]
أولا:
التعبد لله مبني على الإخلاص والاتباع، فهو أساس كل العبادات، وهو مقصد جميع الأنبياء، وعليه مدار الثواب والعقاب يوم القيامة، فمن عمل صالحا يقصد به وجه الله تعالى، من غير التفات إلى حظوظ دنيوية عاجلة كان من الفائزين، أما من راقب الجاه والمال والسمعة كان عمله وبالا عليه يوم القيامة.
يقول ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (٦/١٠٣) :
" وقوله تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) ، هذا يوم القيامة، حين يحاسب الله العباد على ما عملوه من خير وشر، فأخبر أنه لا يتحصل لهؤلاء المشركين من الأعمال - التي ظنوا أنها منجاة لهم – شيء؛ وذلك لأنها فقدت الشرط الشرعي: إما الإخلاص فيها، وإما المتابعة لشرع الله. فكل عمل لا يكون خالصا وعلى الشريعة المرضية فهو باطل. فأعمال الكفار لا تخلو من واحد من هذين، وقد تجمعهما معا، فتكون أبعد من القبول حينئذ؛ كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا) البقرة/٢٦٤ " انتهى مختصرا.
وقد اتفق أهل العلم على أن الرياء يحبط ثواب العمل المراءى به، لقوله ﵊: (قَالَ اللَّهُ ﵎: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ) رواه مسلم (٢٩٨٥)
يقول النووي في "شرح مسلم" (١٨/١١٦) :
" والمراد: أن عمل المرائي باطل لا ثواب فيه، ويأثم به " انتهى.
فلا شك أن مثل هذا الوعيد مخوف للمسلم أشد التخويف، ودافع له نحو مراقبة الإخلاص لله في قلبه، وقطع كل أسباب المراءاة والتسميع، وإلا فقد خسر أعماله التي راءى بها ولو كانت كأمثال الجبال.
وللنظر في تفصيلات الفقهاء حول موضوع إحباط الثواب بالرياء ينظر "إحياء علوم الدين" للغزالي (٤/٣٨٤)
أما حديث ثوبان ﵁ المشهور، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ هَبَاءً مَنْثُورًا.
قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا، أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ.
قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا) ، فهذا رواه ابن ماجه في سننه (رقم/٤٢٤٥) ، والروياني في "المسند" (١/٤٢٥) ، والطبراني في "الأوسط" (٥/٤٦) و"الصغير" (١/٣٩٦) ، وقال المنذري في "الترغيب والترهيب" (٣/٢٤٢) : " رواته ثقات " انتهى، وقال الألباني في "السلسلة الصحيحة": " إسناده صحيح " انتهى.
والذي يبدو من حال هؤلاء هو الجرأة على معاصي السر، حين يستخفون من الناس، مع إظهار الصلاح والاستقامة أمام الناس.
ثانيا:
أما الأعمال التي أخلص العبد فيها لله سبحانه، ولم يقصد بها غير وجهه ، فهذه يكتب الله له به الحسنات، ويثيبه عليها في الجنة، ولا يحبطها وقوع الرياء في أعمال أخرى، ولا ارتكابه المعاصي في أبواب أخرى، فهو سبحانه لا يضيع أجر المحسنين، ولا يظلم مؤمنا حسنة عملها، وقد قرر ذلك في قاعدة عامة في سورة الزلزلة فقال:
(فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) الزلزلة/٧-٨
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – كما في "مجموع الفتاوى" (١٠/٣٢١) -:
" صاحب الكبيرة إذا أتى بحسنات يبتغي بها رضا الله أثابه الله على ذلك وإن كان مستحقا للعقوبة على كبيرته. وعند أهل السنة والجماعة يُتقبل العمل ممن اتقى الله فيه فعمله خالصا لله موافقا لأمر الله، فمن اتقاه في عمل تقبله منه وإن كان عاصيا في غيره، ومن لم يتقه فيه لم يتقبله منه وإن كان مطيعا في غيره " انتهى باختصار.
ثالثا:
في القرآن الكريم الكثير من آيات الترهيب التي تتضمن من المعاني الثقيلة العظيمة التي تحدث في قلوب المؤمنين من تقوى الله والخوف من عقابه ما يكون له أكبر الأثر في ارتقائهم مدارج السالكين، وفوزهم بأعلى درجات النعيم.
عن سفيان قال: " ما في القرآن آية أشد علي مِن (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) المائدة/٦٨. " انتهى.
وعن ابن سيرين: " لم يكن شيء عندهم أخوف من هذه الآية: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) البقرة/٨ " انتهى.
وعن أبي حنيفة: " أخوف آية في القرآن: (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) آل عمران/١٣١ " انتهى.
وعن الشافعي قوله تعالى (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) العصر/٢-٣.
وقيل إن أخوف آية في القرآن: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) آل عمران/٢٨، وقيل: (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ) الرحمن/٣١، وقيل: (فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ) التكوير/٢٦، وقيل: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) النساء/١٢٣، وقيل: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) المؤمنون/١١٥، وقيل: (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ) البروج/١٢، وقيل: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) الجاثية/٢١
يمكن مراجعة هذه الأقوال في "الإتقان في علوم القرآن" للسيوطي (٢/٤٣٠) وفي "الحاوي" له أيضا.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13156
يعمل في مشروع إنشاء بنك ربوي ولو تركه ربما فصل من عمله
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا مهندس أعمل موظف في مكتب استشاري في القاهرة وقد أسند إلي المكتب منذ حوالي العام والنصف مهمة العمل في مشروع إنشاء بنك ربوي للأسف ولكني طلبت من المسؤول في المكتب أن يسند إلي العمل في مشروع آخر لأني أخشى أن يكون هذا العمل حراماً فأخبرني حينئذ أنه لا يوجد عمل آخر فسألته إن كان هناك مشروع سيبدأ في خلال شهور قريبة فقال لي لا. (علماً بأن مهمتي هي الفصل في مستحقات المقاول الذي قام بالبناء ولا تتعلق بالإشراف على العمل التنفيذي) . شعرت وقتها أني مضطر للعمل بالمشروع حيث إني متزوج وأب لثلاثة أولاد وليس لدي مصدر دخل آخر غير المرتب، وبدأت العمل في المشروع وظللت أبحث في المواقع الإسلامية على النت ما يفصل في مشروعية عملي هذا، وقد وجدت حكماً وقتئذ شعرت معه أنه قريب من حالتي وهي أن الحارس الذي يعمل في حراسة البنك الربوي يكون عمله جائزاً أو مكروهاً فقط وليس محرماً إن كان لا يجد عملاً آخر، فاطمأن قلبي وقتها واستمريت بعملي وأنا أحمد الله أني لم أغضبه. ولكن منذ حوالي ثلاثة أشهر تقريباً راودني إحساس بأن تلك الوظيفة يشوبها شيء فبدأت بإرسال الاستفتاءات للمواقع الإسلامية لكي أتيقن من هذا الخاطر وقد رد على سؤالي أحد المشايخ بأن عملي هذا يحرم. منذ ذلك الحين وأنا أشعر بالذنب وأن مالي يشوبه الحرام وهذا مالا أتحمله ولكن المشكلة أن طبيعة عملي تلك تجعل كل تفاصيل وخيوط العمل معي والمشروع قد أوشك على الانتهاء وأصبح موقف مكتبي حرج جداً في حال انسحابي من المشروع في تلك المرحلة الحرجة أمام مالك المشروع وبالتبعية موقفي أمام مكتبي سيكون أشد حرجاً وأنا الآن لا أعرف ما هو الحل الصحيح لتلك المشكلة والذي أسألكم لأجله.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
لا يجوز العمل في إنشاء البنوك الربوية، ولا الإعانة على ذلك بوجه من الوجوه؛ تنفيذا أو إشرافا أو تخطيطا أو غير ذلك، لما تقرر في الشريعة من تحريم الربا ولعن فاعله وشاهده وكاتبه، والبنك الربوي مؤسسة تقوم على هذا الربا وترعاه وتنشره وتدعو الناس إليه، فإنشاء هذا البنك أعظم ولاشك من الوقوع في معاملة ربوية معيّنة، والقائمون على ذلك معرضون للعقاب الشديد، والحرب من الله ورسوله، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) البقرة/٢٧٨-٢٧٩.
وروى مسلم (١٥٩٨) عن جابر قال: لعن رسول الله ﷺ آكل الربا، ومؤكله، وكاتبه، وشاهديه. وقال: هم سواء.
وقد أفتى كبار أهل العلم بتحريم العمل في البنوك الربوية، ولو كان العمل فيما لا يتصل بالربا كالحراسة، والنظافة، والخدمة.
جاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (١٥/٤١) : "لا يجوز لمسلم أن يعمل في بنك تعامله بالربا، ولو كان العمل الذي يتولاه ذلك المسلم غير ربوي؛ لتوفيره لموظفيه الذين يعملون في الربويات ما يحتاجونه ويستعينون به على أعمالهم الربوية، وقد قال تعالى: (وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَان) المائدة/٢" انتهى.
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل يجوز العمل في مؤسسة ربوية كسائق أو حارس؟
فأجاب: "لا يجوز العمل بالمؤسسات الربوية ولو كان الإنسان سائقا أو حارسا، وذلك لأن دخوله في وظيفة عند مؤسسات ربوية يستلزم الرضى بها، لأن من ينكر الشيء لا يمكن أن يعمل لمصلحته، فإذا عمل لمصلحته فإنه يكون راضيا به، والراضي بالشيء المحرم يناله من إثمه. أما من كان يباشر القيد والكتابة والإرسال والإيداع وما أشبه ذلك فهو لاشك أنه مباشر للحرام. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه لعن آكل الربا، وموكله، وشاهديه، وكاتبه. وقال: هم سواء" انتهى نقلا عن "فتاوى إسلامية" (٢/٤٠١) .
وبهذا تعلم أن عملك المذكور لا يجوز، وأنه يجب عليك الخروج منه، والتوبة إلى تعالى، والحذر من مقته وغضبه، وأن من أفتاك بأن عملك محرم قد أصاب.
ثانيا:
كون المشروع في مراحله الأخيرة، وكون خروجك سيسبب إحراجا للشركة، وربما أدى إلى فصلك من العمل، كل ذلك لا يبيح لك الاستمرار فيه، بل الواجب تركه، لان إنشاء البنك الربوي من أعظم المنكرات، كما عُلم مما سبق، وأبواب الرزق الحلال كثيرة، ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه، فينبغي أن يعظُم توكلك على الله ورجاؤك فيما عنده وثقتك فيما أعده لعباده الصالحين المتقين، فإنه أخبر سبحانه أنه يحبهم، وأنه معهم، وأنه يرزقهم، وأنه يحسن إليهم، ويفرّج عنهم، وهو مالك الملك جل وعلا، لا تنزل قطرة من السماء إلا بأمره، ولا يأتيك درهم حتى يأذن فيه سبحانه، فَلِمَ تخاف؟ ومِمَّ تخاف؟!
قال الله سبحانه: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) الذاريات/٢٢، ٢٣، وقال سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) الذاريات/٥٨، وقال تعالى: (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) النحل/٩٦، وقال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً) الطلاق/٢، ٣.
وقال ﷺ : (إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها، وتستوعب رزقها، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب، ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإن الله تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته) رواه أبو نعيم في الحلية من حديث أبي أمامة، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم ٢٠٨٥
فبادر بالتوبة والرجوع إلى الله، وأعلن براءتك من الربا والقائمين عليه، ثم إن وجدت عملا مباحا في شركتك فانتقل إليه، وإلا فابحث عن غيره، ولن تضيع، فإن الله سبحانه لا يضيع أجر المحسنين.
نسأل الله لنا ولك التوفيق والسداد والرشاد.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13157
لا ينبغي ترك العمل المشروع خوف الرياء
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد أحيانأً أن أقوم بعمل صالح مثل الصلاة أو قراءة القرآن فيدخل عليّ أحد الأشخاص فأتوقف عن القراءة في المصحف أو لا أبدأ في الصلاة أو أقصر فيها إذا كنت بدأت بها، فهل هذا الفعل صحيح؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال ابن مفلح:
(لا ينبغي ترك العمل المشروع خوف الرياء) .
مما يقع للإنسان أنه أراد فعل طاعة يقوم عنده شيء يحمله على تركها خوف وقوعها على وجه الرياء، والذي ينبغي عدم الالتفات إلى ذلك، وللإنسان أن يفعل ما أمره الله به ورغبه فيه، ويستعين بالله تعالى، ويتوكل عليه في وقوع الفعل منه على الوجه الشرعي.
وقد قال الشيخ محيي الدين النووي ﵀: لا ينبغي أن يترك الذكر باللسان مع القلب خوفا من أن يظن به الرياء بل يذكر بهما جميعا، ويقصد به وجه الله ، وذكر قول الفضيل بن عياض ﵀: إن ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك قال: فلو فتح الإنسان عليه باب ملاحظة الناس والاحتراز من تطرق ظنونهم الباطلة لانسد عليه أكثر أبواب الخير. انتهى كلامه. قال أبو الفرج بن الجوزي: فأما ترك الطاعات خوفا من الرياء فإن كان الباعث له على الطاعة غير الدين فهذا ينبغي أن يترك؛ لأنه معصية، وإن كان الباعث على ذلك الدين وكان ذلك لأجل الله مخلصا فلا ينبغي أن يترك العمل؛ لأن الباعث الدين، وكذلك إذا ترك العمل خوفا من أن يقال: مراء، فلا ينبغي ذلك لأنه من مكايد الشيطان.
قال إبراهيم النخعي: إذا أتاك الشيطان وأنت في صلاة، فقال: إنك مراء فزدها طولا، وأما ما روي عن بعض السلف أنه ترك العبادة خوفا من الرياء، فيحمل هذا على أنهم أحسوا من نفوسهم بنوع تزين فقطعوا، وهو كما قال، ومن هذا قول الأعمش كنت عند إبراهيم النخعي، وهو يقرأ في المصحف فاستأذن رجل فغطى المصحف، وقال: لا يظن أني أقرأ فيه كل ساعة، وإذا كان لا يترك العبادة خوف وقوعها على وجه الرياء فأولى أن لا يترك خوف عجب يطرأ بعدها.
وقد تقدم شيء في العجب قبل فصول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويأتي قبل فصول اللباس في الدخول على السلطان يأمره وينهاه قول داود الطائي أخاف عليه السوط، قال: إنه يقوى قال: أخاف عليه السيف قال: إنه يقوى قال: أخاف عليه الداء الدفين: العجب.
[الْمَصْدَرُ]
" الآداب الشرعية " لابن مفلح (١ / ٢٦٧، ٢٦٨) .
стр. 13158
إمام له معاصٍ خفية هل يستمر في الإمامة
[السُّؤَالُ]
ـ[شاب إمام لأحد المساجد، وهو - كما يقول - محبوب عند جماعة المسجد، ويعلم في قرارة نفسه أنه مقصّر وعنده بعض المعاصي ولا يستحق الإمامة، ولا يستحق هذه المحبة والتقدير من الناس، يخشى على نفسه إذا بقي إماماً للمسجد من النفاق والرياء، فهل يبقى في المسجد؟ وهل يستمر في إمامة الناس، أو يترك الإمامة خشية الرياء والنفاق؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إن هذا الشاب الذي وصفت بأنه محبوب عند قومه، ولكن عنده إسراف فيما بينه وبين ربه، أقول: إن هذا الذي حباه الله به من الإمامة ومحبة قومه له توجب أن ينزع عن الإسراف على نفسه، وأن يحسن العبادة وأن يشكر الله ، لأن كون الإنسان محبوباً عند قومه وهو إمام لهم نعمة من الله كبيرة، قال تعالى: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً) إلى أن قال: (واجعلنا للمتقين إماماً) ، والمصلون من المتقين وإمامهم داخل في قوله: (واجعلنا للمتقين إماماً) ، فليحمد الله على هذه النعمة، ولينزع عن الإسراف على نفسه، وليجعل هذا من الأسباب التي تعينه على طاعة الله، وليتق الله في مكانه.
وكونه يقول: أخشى الرياء، فهذه وسوسة يلقيها الشيطان في قلب الإنسان كلما أراد أن يعمل طاعة، يدخل عليه الشيطان ويقول: أنت مراء، فيجب عليه أن يطرح هذا ويعرض عنه ويستعين بالله فهو دائماً يردد في الصلاة: (إياك نعبد وإياك نستعين) .
[الْمَصْدَرُ]
لقاء الباب المفتوح لابن عثيمين ٥٣/٧٧
стр. 13159
الامتناع عن عمل الخير خوفاً من الرياء
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي حدود الامتناع عن عمل الخير خوفا من الرياء؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يجب أن يُعلم أن الشيطان حريص على إيقاع المسلم في أحد أمرين: إما أن يجعله يعمل العمل رياءً وسمعة، ولا يخلص فيه لله، وإما أن يجعله يترك العمل بالكلية.
والمسلم الصادق في نيته لا يهمه ما يلقيه الشيطان من وساوس في عمله وأنه لغير الله، ولا يهمه ما يلقيه الشيطان من وساوس ليترك الطاعة تخويفاً له من الرياء، فإن القلب الصادق المطمئن يستوي عند صاحبه العمل في السر والعمل في العلن.
سئل الشيخ ابن باز ﵀:
امرأة تسأل فتقول: إني أخاف من الرياء وأحذره لدرجة أنني لا أستطيع أن أنصح بعض الناس أو أنهاهم عن أمور معينة مثل الغيبة والنميمة ونحو ذلك، فأخشى أن يكون ذلك رياء مني، وأخشى أن يظن الناس فيّ ذلك ويعدوه رياء فلا أنصحهم بشيء، كما أني أقول في نفسي: إنهم أناس متعلمون، وليسوا في حاجة إلى نصح، فما هو توجيهكم؟
فأجاب:
" هذا من مكايد الشيطان، يخذل بها الناس عن الدعوة إلى الله وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن ذلك أن يوهمهم أن هذا من الرياء، أو أن هذا يخشى أن يعده الناس رياء فلا ينبغي لك أيتها الأخت في الله أن تلتفتي إلى هذا، بل الواجب عليك أن تنصحي لأخواتك في الله وإخوانك إذا رأيت منهم التقصير في الواجب أو ارتكاب المحرم كالغيبة والنميمة وعدم التستر عند الرجال ولا تخافي الرياء، ولكن أخلصي لله واصدقي معه وأبشري بالخير، واتركي خداع الشيطان ووساوسه، والله يعلم ما في قلبك من القصد والإخلاص لله تعالى والنصح لعباده، ولا شك أن الرياء شرك ولا يجوز فعله، لكن لا يجوز للمؤمن ولا للمؤمنة أن يدع ما أوجب الله عليه من الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خوفا من الرياء، فعليه الحذر من ذلك، وعليه القيام بالواجب في أوساط الرجال والنساء، والرجل والمرأة في ذلك سواء، وقد بين الله ذلك في كتابه العزيز حيث يقول سبحانه: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) التوبة/٧١.
"فتاوى ابن باز" (٦/٤٠٣) .
وعن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ قلت: أنا، ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لدغت ... .
رواه مسلم (٢٢٠) .
قال الشيخ ابن عثيمين:
" قال هذا ﵀ لئلا يظن أنه قائم يصلي فيُحمد بما لم يفعل، وهذا خلاف ما عليه بعضهم، يفرح أن الناس يتوهمون أنه يقوم يصلي، وهذا من نقص التوحيد.
وقول حصين ﵀ ليس من باب المراءاة، بل هو من باب الحسنات، وليس كمن يترك الطاعات خوفاً من الرياء؛ لأن الشيطان قد يلعب على الإنسان، ويزين له ترك الطاعة خشية الرياء، بل افعل الطاعة، ولكن لا يكن في قلبك أنك ترائي الناس.
"مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين" (٩/٨٥، ٨٦) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13160
يوسوس له الشيطان أنه مرائي ليترك الطاعة
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا ملتزم ولله الحمد بما فرضه الله علي من فرائض نسأل الله القبول، ولكن في الفترة الأخيرة بدأت تأتيني وساوس بأن ما أعمله يشوبه شيء من الرياء لن يقبله الله مني فتجدني أحيانا أتراجع عن بعض الأمور الطيبة خشية الرياء؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
كما يأتي الشيطان للمسلم ليجعله يزين عمله ويرائي به الناس فإنه يأتيه كذلك من الباب المقابل ليوسوس له بأن عمله هذا رياء فلا تفعله!
وللخروج من هذين الأمرين فإن عليه أن يصلح نيته ويجعلها خالصة لوجه الله تعالى، ولا يهمه بعدها ما يأتيه الشيطان به.
قال ابن مفلح الحنبلي – تحت فصل " لا ينبغي ترك العمل المشروع خوف الرياء " -:
مما يقع للإنسان أنه إذا أراد فعل طاعة يقوم عنده شيء يحمله على تركها خوف وقوعها على وجه الرياء.
والذي ينبغي عدم الالتفات إلى ذلك , وللإنسان أن يفعل ما أمره الله به ورغبه فيه , ويستعين بالله تعالى , ويتوكل عليه في وقوع الفعل منه على الوجه الشرعي.
وقد قال الشيخ محيي الدين النووي ﵀: لا ينبغي أن يترك الذكر باللسان مع القلب خوفا من أن يظن به الرياء بل يذكر بهما جميعا , ويقصد به وجه الله , وذكر قول الفضيل بن عياض ﵀: إن ترك العمل لأجل الناس رياء , والعمل لأجل الناس شرك، قال: فلو فتح الإنسان عليه باب ملاحظة الناس والاحتراز من تطرق ظنونهم الباطلة لانسد عليه أكثر أبواب الخير. انتهى كلامه.
قال أبو الفرج ابن الجوزي: فأما ترك الطاعات خوفا من الرياء: فإن كان الباعث له على الطاعة غير الدين: فهذا ينبغي أن يترك ; لأنه معصية , وإن كان الباعث على ذلك الدين وكان ذلك لأجل الله مخلصا: فلا ينبغي أن يترك العمل ; لأن الباعث الدين , وكذلك إذا ترك العمل خوفا من أن يقال: مراء , فلا ينبغي ذلك لأنه من مكايد الشيطان.
قال إبراهيم النخعي: إذا أتاك الشيطان وأنت في صلاة , فقال: إنك مراء فزدها طولا , وأما ما روي عن بعض السلف أنه ترك العبادة خوفا من الرياء , فيحمل هذا على أنهم أحسوا من نفوسهم بنوع تزين فقطعوا , وهو كما قال , ومن هذا قول الأعمش كنت عند إبراهيم النخعي , وهو يقرأ في المصحف فاستأذن رجل فغطى المصحف , وقال: لا يظن أني أقرأ فيه كل ساعة , وإذا كان لا يترك العبادة خوف وقوعها على وجه الرياء فأولى أن لا يترك خوف عجب يطرأ بعدها.
" الآداب الشرعية " (١ / ٢٦٦، ٢٦٧) .
وسئل الشيخ ابن عثيمين – ﵀:
عندما يهم الإنسان بعمل الخير، يأتي الشيطان فيوسوس له ويقول: إنك تريد ذلك رياء وسمعة، فيبعد عن فعل الخير، فكيف يمكن تجنب مثل هذا الأمر؟ .
فأجاب بقوله:
يمكن تجنب مثل هذا الأمر بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، والمضي قدماً في فعل الخير، ولا يلتفت إلى هذه الوساوس التي تثبطه عن فعل الخير، وهو إذا أعرض عن هذا واستعاذ بالله من الشيطان الرجيم زال عنه ذلك بإذن الله.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (السؤال رقم ٢٧٧) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13161
حاتم الطائي في السنة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ماذا قال النبي محمد ﷺ عن حاتم الطائي؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
جاء في " حاتم الطائي " عدة أحاديث منها الحسن ومنها الضعيف ومنها الموضوع.
أ. عن عدي بن حاتم قال قلت لرسول الله ﷺ إن أبي كان يصل الرحم ويفعل ويفعل فهل له في ذلك - يعني: من أجر -؟ قال: " إن أباك طلب شيئاً فأصابه ".
رواه أحمد (٣٢ / ١٢٩) ، وحسَّنه الشيخ شعيب الأرناؤط.
ب. عن عدي بن حاتم قال: قلت: " يا رسول الله إن أبي كان يصل الرحم، وكان يفعل ويفعل، قال: إن أباك أراد أمراً فأدركه - يعني: الذِّكر -.
رواه أحمد (٣٠ / ٢٠٠) ، وحسَّنه الشيخ شعيب الأرناؤط، وصححه ابن حبان (١ / ٤١) .
ج. عن سهل بن سعد الساعدي أن عدي بن حاتم أتى رسول الله ﷺ فقال: " يا رسول الله إن أبي كان يصل القرابة ويحمل الكلَّ ويطعم الطعام، قال: هل أدرك الإسلام؟ قال: لا، قال: إن أباك كان يُحبُّ أن يُذكر ".
رواه الطبراني في " الكبير " (٦ / ١٩٧) ، وفيه: رشدين بن سعد، وهو ضعيف، لكن يشهد له ما قبله.
ومعنى: (يحمل الكلّ) أي ينفق على الضعيف والفقير واليتيم والعيال وغير ذلك.
د. عن ابن عمر قال: ذُكر حاتم عند النبي ﷺ فقال: " ذاك رجلٌ أراد أمراً فأدركه ".
قال الهيثمي:
رواه البزار، وفيه عبيد بن واقد العبسي ضعفه أبو حاتم.
" مجمع الزوائد " (١ / ١١٩) .
لكن يشهد له ما قبله.
قال ابن كثير:
وقد ذكرنا ترجمة حاتم طيء أيام الجاهلية عند ذكرنا من مات من أعيان المشهورين فيها وما كان يسديه حاتم إلى الناس من المكارم والإحسان، إلا أن نفع ذلك في الآخرة أي: (مشروط) بالإيمان، وهو ممن لم يقل يوماً من الدهر رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين.
" البداية والنهاية " (٥ / ٦٧) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13162
أترك نصح الناس خوفاً من الرياء
[السُّؤَالُ]
ـ[إني أخاف الرياء وأحذره لدرجة إنني لا أستطييع أن أنصح بعض الناس أو أنهاهم عن أمور معينة مثل الغيبة والنميمة ونحو ذلك فأخشى أن يكون ذلك رياء مني وأخشى أن يظن الناس فيّ ذلك ويعدوه رياء فلا أنصحهم بشيء كما أني أقول في نفسي: إنهم أناس متعلمون وليس في حاجة إلى نصح، فما هو توجيهاتكم؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا من مكائد الشيطان يخذّل بها الناس عن الدعوة إلى الله وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن ذلك أن يوهمهم أن هذا من الرياء أو أن هذا يخشى أن يعده الناس رياء فلا ينبغي لك أيتها الأخت في الله أن تلتفتي إليه، بل الواجب عليك أن تنصحي لأخواتك في الله وإخوانك إذا رأيت منهم التقصير في الواجب أو أرتكاب المحرم كالغيبة، والنميمة، وعدم التستر عند الرجال، ولا تخافي الرياء ولكن أخلصي لله واصدقي معه وأبشري بالخير، واتركي خداع الشيطان ووساوسه، والله يعلم ما في قلبك من القصد والإخلاص لله تعالى والنصح لعباده والله يعلم أن الرياء شرك ولا يجوز فعله لكن لا يجوز للمؤمن ولا المؤمنة أن يدع ما أوجب الله عليه من الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خوفاً من الرياء، فعليك الحذر من ذلك والقيام بالواجب في أوساط الرجال والنساء، والرجل والمرأة في ذلك سواء وقد بين الله ذلك في كتابه العزيز حيث يقول سبحانه: (المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم) التوبة /٧١
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ عبد العزيز بن باز في كتاب الفتاوى الجامعة للمرأة المسلمة ص ١٠١٦.
стр. 13163
العمل من أجل الراتب وليس للآخرة هل هو مذموم
[السُّؤَالُ]
ـ[موظف يعمل في الدولة أكثر من عشرين عاما، يخلص في العمل، ويحسن الخلق من أجل إرضاء المسئولين ومديره، ومن أجل أن يستلم رواتبه كاملة من دون حسم، ومن أجل الترقيات، كل هذه التصرفات محصورة في هذه الحالة، ليس لله من ذلك شيء، لكن هذا الموظف يعبد الله، ويخلص أعمال الخير لله تعالى، خارج عمله، ويصلي ويصوم، ويتصدق ويزكي، ويحج ويتلو القرآن، ويقرأ التفسير، ويعمل في كل أوجه الخير مخلصا لله تعالى، موافقا لشريعته، فما يقول فضيلتكم جزاكم الله خيرا في حاله أثناء دوامه، هل هذا جائز أو شرك أم ماذا؟ أفيدونا وماذا يعمل، وهل عليه آثام ما مضى من سنين العمل بالوظيفة، حفظكم الله ورعاكم؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
معلوم أن العمل الوظيفي لا يسمى عبادة، وليس هو من القربات التي لا تصلح إلا لله تعالى، فالإنسان يعمل في وظيفته لأجل حل الراتب، ولأجل استحقاقه ما بذل له، ونحو ذلك فالنية فيها لا تسمى قربة، لكن إذا عرف أنها أمانة بينه وبين الله ، وأن الله هو المطلع عليه، فراقب ربه في هذا العمل، حتى يكون ما يأخذه حلالا بدون شبهة، فله أجر هذا الإخلاص، ولو كانت نيته أن لا يحسم عليه شيء من الراتب ونحو ذلك، وحيث أن هذا الموظف يقوم بواجباته الدينية، ويؤدي ما فرض الله عليه، ويبتعد عن المحرمات، فإنه يمدح على ذلك والله يضاعف لمن يشاء، والله واسع عليم.
[الْمَصْدَرُ]
اللؤلؤ المكين من فتاوى الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين ص ٦٢.
стр. 13164
تعلم العلم لنفع الناس وليس رياء
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا حفظ الإنسان علماً من علوم الدين لكي يقوم بدوره في القرية التي يسكنها، وحفظ القرآن لكي يصلي بالشباب صلاة قيام رمضان، هل يكون هناك نوع من الشرك الأصغر؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
من المعلوم بالأدلة الشرعية أن طلب العلم والتفقه في الدين من أفضل القربات والطاعات، وهكذا دراسة القرآن الكريم والعناية بالإكثار من تلاوته والحرص على حفظه أو ما تيسر منه، كل ذلك من أفضل القربات، فإذا قمت بما ينبغي من تعليم أهل قريتك وتوجيههم والصلاة بهم والصلاة بالشباب وغيرهم فكل هذا عمل صالح تشكر عليه وتؤجر عليه، وليس ذلك من الرياء، وليس من الشرك إذا كان قصدك وجه الله والدار الآخرة، ولم ترد رياء الناس، ولا حمدهم، ولا ثناءهم، وإنما أردت بذلك أن تنفعهم وأن تتزود من العلم والفقه في الدين. وإنما يكون ذلك شركاً أصغر إذا فعلت ذلك رياء للناس، وطلباً لثنائهم، كما قال النبي ﷺ : (إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر) فسئل عنه، فقال: (الرياء) (يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر الناس إليه) يقول الله سبحانه يوم القيامة للمرائين: (اذهبوا إلى من كنتم تراءون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عنده من جزاء) فالرياء أن تعمل العمل وتقصد الناس أن يشاهدوك ويثنوا عليك ويمدحوك، ومن ذلك السمعة، كأن تقرأ ليثنوا عليك ويقولوا: إنه جيد القراءة ويحسن القراءة أو تكثر من ذكر الله ليثنوا عليك ويقولوا: يكثر من الذكر، أو تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر لتمدح ويثنى عليك، وهذا هو الرياء، وهو الشرك الأصغر، فالوالجب الحذر من ذلك، وأن تعمل أعمالك لله وحده، لا لأجل مراءاة الناس وحمدهم وثنائهم ولكنك تتعلم لتعمل وتعلم إخوانك وتصلي بهم وترجو ما عند الله من المثوبة وتقصد بذلك نفعهم لا رياء ولا سمعة، وإذا قرأت من المصحف فلا بأس أن تصلي بإخوانك من المصحف في رمضان فقد كان مولى عائشة ﵂ يصلي بها من المصحف، فلا حرج على المصلي أن يقرأ من المصحف في قيام رمضان إذا كان لا يحفظ، وإن كان يحفظ عن ظهر قلب وقرأه حفظاً فهو أفضل وأحسن ولكن لا حرج في القراءة من المصحف عند الحاجة إلى ذلك.
[الْمَصْدَرُ]
كتاب مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀. م/٩ ص/٣٦٦.
стр. 13165
الإعجاب بالنفس بعد العمل الصالح
[السُّؤَالُ]
ـ[يشعر الإنسان في بعض الأحيان بالإعجاب بالنفس أو الرياء إذا عمل الخير أو أدى العبادة ويخاف أن يكون ذلك مبطلاً لأعماله، فما هو توجيهكم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا دخل على الإنسان عجب بعد العمل الصلح أو خوف من الرياء فعليه أن يطرده ويحاربه ويستعيذ منه بقوله (اللهم أني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم) كما ثبت عن النبي ﷺ .
ومثل هذا الشعور ينتاب كل إنسان، لكن عليه أن يستحضر الإخلاص، ويستغفر الله تعالى، ويتذكر أنه لا حول ولا قوة إلا بالله تعالى، فلولا أن الله تعالى أعانه على أداء هذا العمل ما أطاق فعله، فلله الحمد أولاً وآخراً.
وقد قال ﷺ لمعاذ بن جبل: (يا معاذ والله إني لأحبك، أوصيك يا معاذ: لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) . رواه أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم وهو صحيح.
ولا يترك العمل الصالح خوفاً من الرياء , لأن هذا من خطوات الشيطان لتخذيله عما يحبه الله تعالى ويرضاه من الأعمال.
أما مجرد الفرح بالعمل الصالح فإنه لا ينافي الإخلاص والإيمان، فقد قال سبحانه (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خيرمما يجمعون) يونس / ٥٨ أي إذا حصل الهدي والإيمان والعمل الصالح وحلت الرحمة الناشئة عنه حصلت السعادة والفلاح، ولذلك أمر تعالى بالفرح بذلك.
وقال ﵊: (إذا سرتك حسناتك، وساءتك سيئتك، فأنت مؤمن) . رواه أحمد وابن حبان وغيرهما من حديث أبي أمامة وهو حديث صحيح.
وكذا لو أثنى الناس عليه وعلى عمله الصالح، فإن هذا من بشرى الله تعالى له العاجلة، فقد قيل للرسول ﷺ : أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه؟ قال: (تلك عاجل بشرى المؤمن) . رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁.
وهو دليل رضى الله تعالى عنه ومحبته له فيُحببه إلى الخلق.
نسأل الله تعالى صلاح النية والعمل.
[الْمَصْدَرُ]
المرجع: مسائل ورسائل/محمد المحمود النجدي ص٢١
следующие страницы →