← Фатава

Фатава · id 26332

موقع الإسلام سؤال وجواب

محمد صالح المنجد

Полный текст (16 344 стр.). Показаны 13196–13235 · переход к 13201.

стр. 13196

حكم دخول غرف المحادثة على شبكة (الإنترنت) للتسلية [السُّؤَالُ] ـ[أرجو أن تفيدني بحكم دخولي لـ (الشات) وصفحات (الدردشة) ، حيث إن دخولي لها هو فقط للتسلية والنظر في بعض الموضوعات المطروحة ومناقشتها، ولا يخفاكم شيخنا ما يتخلل هذه الأماكن من كلام فاحش وبذيء ... أفدني حفظك الله بهذا الخصوص، ولك مني جلّ محبتي ودعائي.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إن مما ينبغي على العبد المسلم: الحرص على تقويم النفس وتهذيبها، والارتقاء بها إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب وذلك يعني منه طول المجاهدة وحسن السياسة، وأهم ما يمكن أن يعينه على ذلك: تجنب أماكن الفساد، وموارد الهلاك، فقد اتفق علماء السلوك على أن النفس مجبولة على الضعف والميل في أصل تكوينها، وأن العقل هو الذي يضبطها ويوجه طاقتها، فإذا أسلم العقلُ النفسَ إلى مراتع الفساد والهوى: فقد لا يملك بعد ذلك أن يعيدها إلى حياض النجاة والخلاص. وهكذا هي مجالس اللهو والعبث – أخي السائل - فقد كانت – وما زالت بصورتها المعاصرة على الإنترنت – مصارف لاستنفاد الطاقات وتضييع المواهب وإهدار الإنجازات، يجتمع عليها أهل البطالة ممن لا يحملون رسالة العمل والنجاح في حياتهم، فيهدرون فيها أوقاتهم وأعمارهم التي هي أغلى ما يملكون، ويقضون أيامهم في القيل والقال، فلا هم أقاموا دنيا ولا التزموا بدين. والمسلم حين يستشعر نعمة الفراغ التي أكرمه الله بها لا يملك إلا أن يبحث عن أفضل عمل يملأ به أيامه وساعاته، وليس فقط عن عمل حسن يسد عنه ذلك، ولذلك تجد الصحابة الكرام رضوان الله عليهم يسألون النبي ﷺ في أحاديث كثيرة عن أفضل الأعمال التي ينالون بها أرقى المراتب عند الله تعالى، فيجيبهم النبي ﷺ عما يسألون. يقول النبي ﷺ : (نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ) . رواه البخاري (٦٤١٢) . مغبون: أي: ذو خسران فيهما كثير من الناس. قال ابن القيم ﵀ وهو يتحدث عن الغيرة على الوقت -: غيْرة على وقت فات! وهي غيرة قاتلة، فإن الوقت وَحِيُّ التقضي – أي: سريع الانقضاء – أبيُّ الجانب، بطيء الرجوع ... والوقت عند العابد: هو وقت العبادة والأوراد، وعند المريد هو وقت الإقبال على الله، والجمعية عليه، والعكوف عليه بالقلب كله. والوقت أعز شيء عليه، يغار عليه أن ينقضي بدون ذلك، فإذا فاته الوقت: لا يمكنه استدراكه البتة؛ لأن الوقت الثاني قد استحق واجبه الخاص، فإذا فاته وقت: فلا سبيل له إلى تداركه. " مدارج السالكين " (٣ / ٤٩) . وإن أهم ما يساعد على اغتنام الأوقات الهروب من المجالس الخاوية، وترك فضول الكلام، والنأي عن أهل الكسل والبطالة، ومصاحبة المجدين النبهاء الأذكياء المتيقظين للوقت والدقائق، والانغماس في متعة المطالعة والاستزادة من المعرفة. فالعاقل الموفق من يملأ حاضر عمره ووقته بفائدة وعمل صالح نافع، فيترقى في مدارج السمو والرفعة، يطلب علما أو يكتب درسا أو يتعلم صنعة أو يزور رحما أو يعود مريضا أو ينصح ضالا أو يتكسب رزقا يقوم به على عياله يكفهم عما في أيدي الناس. يقول عمر بن الخطاب ﵁: إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللا – أي: فارغا – لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة. ذكره أبو عبيد القاسم بن سلَاّم في " الأمثال " (٤٨) . وليس في حياة المسلم تسلية في سماع المعاصي ورؤية المنكرات، وأنت تعلم أن هذه المحادثات فيها ما يخالف الشرع من الفحش في القول، والسوء في الخلق، فهل الدخول في هذه المستنقعات الآسنة هو مما ينفع المسلم، ومن الذي يحرص عليه في حياته. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ) . رواه مسلم (٢٦٦٤) . ولو سألك الله تعالى يوم القيامة عن هذه الأوقات التي أضعتها في القيل والقال، والكتابة والمحادثة فيما لا ينفعه، بل هو يضرك: فماذا سيكون جوابك؟ . عن أَبي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيّ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : (لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعن عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وعن مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفيمَ أَنْفَقَهُ، وعن جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ) . رواه الترمذي (٢٤١٧) وصححه الشيخ الألباني في " صحيح الترغيب والترهيب " (١٢٦) . واعلم – أخي – أخيراً: أن هذه غرف المحادثة قد أفسدت أخلاق كثيرين، وقد فرَّقت بين أحبة، وطلَّق رجال زوجاتهم بسببها، وخسرت نساء شرفهن بسببها، واغتر ضعاف الإيمان وقليلو العلم بما فيها من شبهات وانحرافات فزلت أقدامهم، والواجب على المسلم إذا سمع عن بيئة فتنة أو معصية أن ينكر على أهلها ويصلح حالهم – إن كان على ذلك من القادرين -، أو ينأى بنفسه عن تلك البيئات ولا يغتر بقوة إيمانه، أو أنه عارف بأحوالهم، وإنما هو يتسلى! فحذار أخي السائل الكريم من الانغماس في مجالس المحادثة على شبكة (الإنترنت) ، وانأ بنفسك عما فيها من الفحش والبذاءة، فهي مجالس قليلة النفع كثيرة الضرر، لا تنفع في دنيا ولا تنجي في الآخرة. وإذا وجدت في نفسك انجراراً نحو الفتنة والمعصية، من محادثة النساء من غير حاجة، وتوسع في الحديث مع هذه وتلك: فاعلم أنك على خطر عظيم، نرجو أن تنجو بنفسك منه وتعتقها من قيود الشيطان الرجيم. وقد سبق في موقعنا التنبيه على خطر مجالس المحادثة هذه في أجوبة كثيرة، منها: (٣٤٨٤١) و (٧٨٣٧٥) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13197

خلافات أدت إلى قطيعة الرحم [السُّؤَالُ] ـ[هناك خلافات عائلية بين أبي وعمتي مما جعل صلة الرحم تنقطع بيننا، هل في ذلك إثم؟ علما أن العمة تقوم بزيارتنا من جهتها.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا شك أن قطيعة الرحم من كبائر الذنوب، والنصوص الكثيرة في الكتاب والسنة التي جاءت في الأمر بصلة الرحم تدل على عظم شأن هذا الموضوع في شريعتنا السمحة، فإن من أعظم مقاصد الشريعة التأليف بين الناس، وحفظ روابط الأخوة والصلة بينهم. يقول الله : (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ) الرعد/٢١ ومما جاء في السنة النبوية من التشديد في قطيعة الرحم: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ قَامَتْ الرَّحِمُ فَقَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ مِنْ الْقَطِيعَةِ. قَالَ: نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى. قَالَ: فَذَاكِ لَكِ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) رواه البخاري (٥٩٨٧) ومسلم (٢٥٥٤) ولو تأمل الناس فيما يسبب قطيعة الرحم بينهم لوجدوه شيئا من حطام الدنيا الزائل، مما لا يغني عند الله شيئا يوم القيامة، أو يكون بسبب ما ينزغ الشيطان بينهم، فيوقع بينهم العداوة والبغضاء بأسباب تافهة لا تستحق الالتفات إليها أصلا. وذلك مع أن الشريعة تأمر بالصلة ولو كان ثمة سبب معتبر للقطيعة، وتحث المؤمنين على تجاوز الأخطاء والتعامل بالعفو والصفح والمسامحة، وليس بتصيد الأخطاء واكتناز الحقد والبغض والحسد. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: (أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ؟ فَقَالَ: لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمْ الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنْ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ) رواه مسلم (٢٥٥٨) يقول النووي في "شرح مسلم" (١٦/١١٥) : " المَل: الرماد الحار. ويجهلون أي يسيئون. ومعناه كأنما تطعمهم الرماد الحار، وهو تشبيه لما يلحقهم من الألم بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم، ولا شيء على هذا المحسن بل ينالهم الإثم العظيم في قطيعته، وإدخالهم الأذى عليه. وقيل: معناه أنك بالإحسان إليهم تخزيهم وتحقرهم في أنفسهم لكثرة إحسانك وقبيح فعلهم والله أعلم " انتهى. ويقول النبي ﷺ : (لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ وَلَكِنْ هُوَ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا) رواه البخاي (٥٩٩١) هذه هي الأخلاق التي يدعو لها الإسلام أخي الكريم، ولا ينبغي لأحد أن يتردد في الإنكار على من يقطع أخته أو أمه من صلته، ولا يجوز لك أخي السائل أن توافق والدك في قطيعته لأخته، بل يجب عليك صلتها والإحسان إليها، ومحاولة الإصلاح بينها وبين والدك، وبذل كل الجهود في ذلك. ويمكنك مراجعة موقعنا في جواب السؤال رقم (٤٦٣١) ، (٧٥٧١) ، (٧٥٤١١) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13198

فسخ الخطبة بسبب رؤيا منام [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز فسخ الخطوبة بعد سنتين لأن الخطيب رؤي في حلم سيء بعد الاستخارة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله المسلم ينطلق في أحكامه وفهمه لواقعه ومعايشته لتجارب زمانه من منطلقات العقل والحكمة، والأسباب التي أمر الله بمراعاتها والأخذ بها، وبذلك جاءت الشريعة الإسلامية، تأمر بالنظر والتفكر واستعمال موازين العقل والتجربة، ثم الحكم بعد ذلك على الأشخاص أو الأعمال. يقول الله : (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) البقرة/٢٤٢ وليس في شريعتنا أبدا الركون إلى الرؤى والأحلام والمنامات، لا في معايش الدنيا ولا في أحكام الدين، فإن المعرفة المتحصلة عن طريق الرؤى والمنامات غير منضبطة ولا متيقنة، بل يداخلها الشك والريبة، ولا يمكن أن تُرجع الشريعة الناس في معارفهم إلى مصادر موهومة لا تحقق أدنى مستويات العلم. عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الرُّؤْيَا ثَلَاثَةٌ: فَرُؤْيَا الصَّالِحَةِ بُشْرَى مِنَ اللَّهِ، وَرُؤْيَا تَحْزِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَرُؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ الْمَرْءُ نَفْسَهُ) رواه مسلم (٢٢٦٣) فالشيطان له نصيب مما يراه الإنسان في منامه، كما للنفس نصيب أيضا، وتمييز ذلك قد لا يكون واضحا في جميع الأحيان، فكيف يطمئن المسلم إلى منام رآه ثم يبني عليه اختياره وهو يعلم أن الشيطان قد يكون له منه أوفر حظ ونصيب؟! ومن ذلك أمر الزواج أيضا، فقد حدد لنا النبي ﷺ الصفات التي ينبغي أن ينبني عليها الحكم بالقبول أو الرفض فيمن يتقدم للخطبة فقال: (إذا جاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ قَالَ إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) رواه الترمذي (١٠٨٥) وقال حسن غريب، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي. فجعل الخلق والدين هو المقياس الذي ينبغي أن يتحاكم إليه الناس في رفضهم أو قبولهم، وينبغي للسائلة الكريمة ألا تلتفت إلا إليه، ولا تستجيب لما تراه في منامها من أمور قد يكون للشيطان فيها نصيب، يريد بها التفريق بين الزوجين وإحداث الشقاق والنزاع. وقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ في "لقاء الباب المفتوح" (لقاء رقم ٥/سؤال رقم ١٧) ما يلي: خطب رجل امرأة، فرأته في المنام حالق اللحية، فهل توافق عليه أم لا؟ وفي اليقظة ظاهره طيب، لم يحلق اللحية، وهو شخص ملتزم ولا نزكي على الله أحدا ً. فأجاب ﵀: " المرأة التي رأت الرجل الذي خطبها في المنام حالق اللحية وهو في الواقع ليس بحالق لها لا يضرها ما رأت في المنام، ولا ينبغي أن يمنعها من التزوج به ما دام مستقيماً في دينه وخلقه " انتهى. ثم يجب التنبه إلى أن الاستخارة لا علاقة لها برؤيا المنام – كما يظن كثير من الناس -، فإن المقصود من الاستخارة هو سؤال الله تعالى تيسير خير الأمرين، والالتجاء إليه سبحانه في الإرشاد إلى أحسن الأمور، والاستخارة دعاء إذا استجاب الله له يسر الأمر الذي اختاره المستخير – بعد التفكير والتأمل – ولا يرتبط الدعاء من قريب أو بعيد برؤيا المنام. فالنصيحة للأخت السائلة الكريمة أن تراجع أمرها، ولا تسعى في خراب رابطتها الزوجية بمجرد رؤيا منامية، بل ينبغي أن تحكم الدين والعقل في أمر خطيبها، ثم تتخذ بعد ذلك الموقف المناسب. وانظري جواب السؤال رقم (٢٥٧٩٣) ، (٣٤٧٢٦) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13199

الدعاء لمن أحسن إليك بـ (جزاك الله خيرا) [السُّؤَالُ] ـ[هل شكر من تأخذ منه المال بمثل: " جزاك الله خيرا " فيه محذور؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الخلق الكريم يقتضي مكافأة من يؤدي إليك المعروف، وقد أمر النبي ﷺ بهذا، فقال: (مَن صَنَعَ إِليكُم مَعرُوفًا فَكَافِئُوه، فَإِن لَم تَجِدُوا مَا تُكَافِئُوا بِهِ فَادعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوا أَنَّكُم قَد كَافَأتُمُوهُ) رواه أبو داود (١٦٧٢) وصححه الألباني. وإحسان المكافأة يعني اختيار ما يدخل الفرح والسرور على صاحب المعروف، فكما أنه أدخل على قلبك المسرة، فينبغي أن تسعى لشكره بالمثل، قال تعالى: (هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) الرحمن/٦٠. فإن قصرت الحيلة عن مكافأته بهدية، أو مساعدة في عمل، أو تقديم خدمة له، ونحو ذلك، فلا أقل من الدعاء له، وقد يكون هذا الدعاء من أسباب سعادته في الدنيا والآخرة. ومن أفضل صيغ الدعاء لمن أدى إليك معروفا ما جاءت به السنة: فعن أسامة بن زيد ﵄ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا. فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ) . رواه الترمذي (١٩٥٨) والنسائي في "السنن الكبرى" (٦/٥٣) وصححه الألباني في صحيح الترمذي. وقد ورد هذا الدعاء من قول النبي ﷺ في سياق حديث طويل وفيه قوله: (وَأَنتُم مَعشَرَ الأَنصَارِ! فَجَزَاكُمُ اللَّهُ خَيرًا، فَإِنَّكُم أَعِفَّةٌ صُبُرٌ) رواه ابن حبان (٧٢٧٧) والحاكم (٤/٧٩) وقال: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي، وقال الشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٣٠٩٦) : وهو كما قالا. كما كانت هذه الجملة من الدعاء معتادة على ألسنة الصحابة رضوان الله عليهم: جاء في مصنف ابن أبي شيبة (٥/٣٢٢) : قال عمر بن الخطاب ﵁: (لو يعلم أحدكم ما له في قوله لأخيه: جزاك الله خيرا، لأَكثَرَ منها بعضكم لبعض) . وهذا أسيد بن الحضير ﵁ يقول لعائشة ﵂: (جزاك الله خيرا، فوالله ما نزل بك أمر قط إلا جعل الله لك منه مخرجا، وجعل للمسلمين فيه بركة) رواه البخاري (٣٣٦) ومسلم (٣٦٧) . وفي صحيح مسلم (١٨٢٣) عن ابن عمر ﵄ قال: (حضرت أبي حين أصيب فأثنوا عليه، وقالوا: جزاك الله خيرا. فقال: راغب وراهب) . أي راغب فيما عند الله من الثواب والرحمة، وراهب مما عنده من العقوبة. ومعنى " جزاك الله خيرا" أي أطلب من الله أن يثيبك خيرا كثيراً. "فيض القدير" (١/٤١٠) . وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀ "شرح رياض الصالحين" (٤/٢٢) : " والمكافأة تكون بحسب الحال، من الناس من تكون مكافأته أن تعطيه مثل ما أعطاك أو أكثر، ومن الناس من تكون مكافأته أن تدعو له، ولا يرضى أن تكافئه بمال، فإن الإنسان الكبير الذي عنده أموال كثيرة، وله جاه وشرف في قومه إذا أهدى إليك شيئا فأعطيته مثل ما أهدى إليك رأى في ذلك قصورا في حقه، لكن مثل هذا ادع الله له، (فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه) ، ومن ذلك أن تقول له: (جزاك الله خيرا) ، وذلك لأن الله تعالى إذا جزاه خيرا كان ذلك سعادة له في الدنيا والآخرة " انتهى. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13200

السبب في تفضيل اليد اليمنى على اليد اليسرى [السُّؤَالُ] ـ[لماذا فضلت اليد اليمنى على اليد اليسرى في السلام وفي الأكل وخلافه؟ وما العيب في استخدام اليسرى لهذه الأغراض؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله من تمام نعمة الله علينا، وكمال هذا الدين العظيم أنه نظم كل شيء في حياتنا، فما من خير إلا دلنا عليه، وما من شر إلا حذرنا منه، ومن ذلك: بعد العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق، تصرفاتنا الخاصة والتي وجهنا فيها إلى مستوى يليق بشرف الإنسان وتكريم الله تعالى له، ومن ذلك: كيفية تناول الإنسان المسلم لطعامه وشرابه ونحو ذلك. و"هَذِهِ قَاعِدَة مُسْتَمِرَّة فِي الشَّرْع: أنَّ مَا كَانَ مِنْ بَاب التَّكْرِيم وَالتَّشْرِيف كَلُبْسِ الثَّوْب وَالسَّرَاوِيل وَالْخُفّ وَدُخُول الْمَسْجِد وَالسِّوَاك وَالِاكْتِحَال , وَتَقْلِيم الْأَظْفَار , وَقَصّ الشَّارِب , وَتَرْجِيل الشَّعْر (وهو تسريحه) , وَنَتْف الْإِبِط , وَحَلْق الرَّأْس , وَالسَّلَام مِنْ الصَّلَاة , وَغَسْل أَعْضَاء الطَّهَارَة , وَالْخُرُوج مِنْ الْخَلَاء , وَالْأَكْل وَالشُّرْب , وَالْمُصَافَحَة , وَاسْتِلَام الْحَجَر الْأَسْوَد , وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهُ يُسْتَحَبّ التَّيَامُن فِيهِ. وَأَمَّا مَا كَانَ بِضِدِّهِ كَدُخُولِ الْخَلَاء وَالْخُرُوج مِنْ الْمَسْجِد وَالِامْتِخَاط وَالِاسْتِنْجَاء وَخَلْعِ الثَّوْب وَالسَّرَاوِيل وَالْخُفّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ , فَيُسْتَحَبّ التَّيَاسُر فِيهِ , وَذَلِكَ كُلّه لِكَرَامَةِ الْيَمِين وَشَرَفهَا " قاله النووي في شرح صحيح مسلم. وقد دل على هذه القاعدة أدلة كثيرة، منها: في الصحيحين عن عمر بن سلمة رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : (يَا غُلَامُ، سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ) رواه البخاري (٥٣٧٦) ومسلم (٢٠٢٢) وفي صحيح مسلم (٢٠٢١) : (أَنَّ رَجُلًا أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِشِمَالِهِ، فَقَالَ: (كُلْ بِيَمِينِكَ) قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ، قَالَ: لَا اسْتَطَعْتَ، مَا مَنَعَهُ إِلَّا الْكِبْرُ، قَالَ: فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ) . دعا عليه النبي ﷺ بأن يتحقق ما ادعاه من عدم الاستطاعة التي اعتذر بها، لأنه تكبر على الحق ولم يلتزم الأدب مع النبي ﷺ ، وكذب في اعتذاره، والكذب على النبي ﷺ ليس كالكذب على أحد. وفي سنن أبي داود (٣٣) عن عائشة ﵂ قالت: (كَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْيُمْنَى لِطُهُورِهِ وَطَعَامِهِ، وَكَانَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى لِخَلَائِهِ وَمَا كَانَ مِنْ أَذًى) وصححه الألباني في صحيح أبي داود. وروى مسلم (٢٦٢) من حديث سلمان ﵁ قال: (نَهَانَا ـ يعني النبي ﷺ أَنْ يَسْتَنْجِيَ أَحَدُنَا بِيَمِينِهِ) . وروى مسلم (٢٠٢٠) عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ) . وقد حذر الله تعالى من مخالفة أوامر رسول الله ﷺ فقال: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) النور/٦٣. وهذا عند القدرة على الأكل باليمين، أما عند العجز فلا حرج في ذلك، قال النووي في "شرح مسلم " (١٣/١٩١) : " وكراهتهما - أي الأكل والشرب بالشمال ـ وهذا إذا لم يكن عذر، فإن كان عذر يمنع الأكل والشرب باليمين من مرض أو جراحة أو غير ذلك فلا كراهة " اهـ. قال الغزالي في "الإحياء" (٤/٩٣) : " ثم أحوجك من أعطاك اليدين إلى أعمال بعضها شريف، كأخذ المصحف، وبعضها خسيس كإزالة النجاسة، فإذا أخذت المصحف باليسار، وأزلت النجاسة باليمين، فقد خصصت الشريف بما هو خسيس، فغضضت من حقه، وظلمته، وعدلت عن العدل " انتهى. وحاصل ما ذكره العلماء من الحكمة من التيامن في الأشياء التي هي من باب الإكرام: ١- أن في هذا مخالفة للشيطان، كما في الأكل والشرب. ٢- أن فيه إكراماً لليد اليمنى على اليسرى. ٣- أن فيه استعمال الأدب مع الناس، حيث لا يصافحهم ولا يأخذ منهم، ولا يعطيهم بيده التي يزيل بها النجاسة. ٤- أن في هذا تفاؤلاً أن يجعلنا الله من أهل اليمين. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13201

ما هي السنة في السواك ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ما معنى السواك؟ وما حكم استعماله؟ وما هي الأوقات التي يستعمل بها؟ ما هي صفات السواك وكيفية طريقة استعماله؟ هناك بعض الأنواع منه تكون بنكهة الليمون وغير ذلك فهل حكمها كحكم السواك العادي؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله السواك والاستياك بمعنى تنظيف الفم والأسنان بالسواك، ويطلق السواك على الآلة وهي العود الذي يستاك به. والسواك سبب لتطهير الفم وموجب لمرضاة الرب ، كما ثبت من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب " علقه البخاري في صحيحه (٢/٢٧٤) ووصله أحمد (٦/٤٧) والنسائي (١/٥٠) وإسناده صحيح (الإرواء ١/١٠٥) . وقد ورد في حقه الندب المؤكد كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة " رواه البخاري (٢/٢٩٩) ومسلم (١/١٥١) . وفي رواية للبخاري: " عند كل وضوء ". وقد حكى الإمام النووي ﵀ إجماع من يعتد برأيهم على استحباب السواك وسنيته، ومما يدل على عظم شأنه أن بعض السلف قال بوجوبه ومنهم الإمام إسحاق بن راهويه. الأوقات التي يستحب فيها السواك: السواك مستحب في كل جميع الأوقات من ليل أو نهار لعموم قوله ﷺ في حديث عائشة المتقدم: " السواك مطهرة للفم مرضاة للرب ". وقد ذكر العلماء مواضع يتأكد فيها استحباب السواك فمن ذلك: ١- عند الوضوء والصلاة لقوله ﷺ : " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة " وفي رواية مع كل وضوء وقد تقدم. ٢- عند دخول البيت للالتقاء بالأهل والاجتماع بهم كما ثبت من حديث عائشة ﵂ أنها سئلت: بأي شيء يبدأ رسول الله ﷺ إذا دخل بيته، قالت: " كان إذا دخل بيته بدأ بالسواك " رواه مسلم (١/٢٢٠) . ٣- عند الإنتباه من النوم لحديث حذيفة بن اليمان ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك " رواه البخاري (١/٩٨) ومسلم (١/٢٢٠) ومعنى: يشوص فاه، أي: يغسله ويدلكه. ٤- عند تغير رائحة الفم سواء كان التغير بأكل ماله رائحة كريهة أو بسبب طول الجوع أو العطش أو غير ذلك: لأنه إذا كان السواك مطهرة للفم فإن مقتضى ذلك أن يتأكد السواك متى احتاج الفم إلى التطهير. ٥- عند دخول المسجد لأنه من تمام الزينة التي أمر الله بها عند كل مسجد، قال تعالى: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) ، ولما فيه من حضور الملائكة واجتماع المصلين. ٦- عند قراءة القرآن وفي مجالس الذكر لحضور الملائكة. الاستياك للصائم: اتفق أهل العلم ﵏ على أنه لا بأس في الاستياك للصائم أول النهار، واختلفوا في الاستياك للصائم بعد الزوال فمنهم من كرهه والصحيح أنه سنة في حق الصائم كغيره لعموم الأدلة التي تدل على سنية السواك فإن النبي ﷺ لم يستثن وقتاً دون وقت والعام يجب بقاؤه على عمومه إلا أن يرد مخصص وأما ما استدلوا به من حديث علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي " رواه الدارقطني وهو حديث ضعيف قال ابن حجر في التلخيص الحبير (١/٦٢) : إسناد ضعيف. فالحديث ليس بثابت عن النبي ﷺ ، وأما الاستدلال بقوله ﷺ : " لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك " رواه البخاري (٢/٢٩) ومسلم (٢/٨٠٦) فإن هذا الخلوف لا يذهبه السواك لأن سببه خلو المعدة، ثم إنه قد يحصل في أول النهار إذا لم يستحر الصائم والجميع متفق على جواز السواك في أول النهار، فتبين بهذا أن السواك مستحب حتى للصائم من غير تفريق بين أول النهار وآخره. ما يستاك به: اتفق العلماء على أن أفضل ما يستاك به هو عود الأراك لما فيه من طيب وريح وتشعير يخرج وينقي ما بين الأسنان من بقايا الطعام وغير ذلك، ولحديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كنت أجتني لرسول الله ﷺ سواكاً من الأراك.. الحديث " وراه أحمد (٣٩٩١) وسنده حسن (الإرواء ١/١٠٤) . ومن ثم استحب الفقهاء إذا لم يوجد عود الأراك التسوك بجريد النخل، ويليه التسوك بعود شجرة الزيتون وقد رويت في ذلك أحاديث لم تصح عن النبي ﷺ . والصواب أن كل عود مُنقٍّ غير مضر يقوم مقام السواك عند عدمه في التنظيف وإزالة ما يعلق بالأسنان من أذى. وكذلك فرشاة الأسنان المعروفة نافعة واستخدامها مفيد. ما لا يتسوك به: ذكر أهل العلم أنه يحرم التسوك بالأعواد السامة أو ما ليس بطاهر، وكذلك يكره الاستياك بكل عود يُدْمي أو يحدث ضرراً أو مرضاً. صفات المسواك: ذكر الفقهاء استحباب السواك بعود متوسط الغلظ والطول، وحدوه بغلظ الخنصر، وأن يكون خالياً من العُقَد، وأن لا يكون رطباً يلتوي لأنه إذا كان كذلك فلا يزيل الأذى، وأن لا يكون يابساً يجرح الفم أو يتفتت فيه، ولا شك أن تطلب ذلك من باب الكمال وإلا فإن الأدلة الواردة في السواك لم تقيد سواكاً دون آخر بل يجوز الاستياك بكل عود يحقق مقصود الشارع في الأمر بالسواك والحث عليه. كيفية الاستياك: اختلف الفقهاء في الاستياك هل يكون باليد اليمنى أو باليد اليسرى: فذهبت طائفة وهم الجمهور إلى أن الأفضل الاستياك باليد اليمنى لعموم حديث عائشة ﵂ قالت: " كان النبي ﷺ يعجبه التيامن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله " متفق عليه. ولأن السواك طاعة وقربة لله تعالى فلا يكون باليسرى. وذهبت طائفة أخرى من العلماء إلى استحباب الاستياك باليد اليسرى لأنه من باب إزالة الأذى وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. وفصّل بعض أهل العلم بأن المتسوك إن كان يقصد تحصيل السنة فيستاك باليد اليمنى وإن كان يستاك لإزالة الأذى فباليسرى، والراجح أن الأمر في هذا واسع لعدم ثبوت النص الخاص في المسألة ولكل قول وجهه. واستحب الفقهاء أن يبدأ المرء في استياكه من الجانب الأيمن عرضاً لأن الاستياك طولاً قد يجرح اللثة، وذكروا من جملة آدب السواك: - أن لا يستاك بحضرة جماعة أو في المحافل العامة لأنه ينافي المروءة. - أن يغسل السواك بعد الاستياك لتخليصه مما علق به وفي حديث عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يستاك، فيعطيني السواك لأغسله، فأبدأ به فأستاك، ثم أغسله وأدفعه إليه " رواه أبو داود (١/٤٥) . - أن يحفظ السواك بعيداً عما يستقذر. الاستياك بالإصبع: وفي إجزاء التسوك بالإصبع عند عدم وجود غيره خلاف بين أهل العلم، والراجح أنه لا تحصل به السنية لأن الشرع لم يرد به ولا يحصل الإنقاء للفم به مثل حصوله بالعود ونحوه. ومما يلحق بالعود ونحوه استعمال أدوات تنظيف الأسنان الحديثة مثل الفرشاة ونحوها مما يحصل به إزالة الأذى وطيب رائحة الفم ... إلخ ولا بأس باستعمال السواك بنكهة النعناع والليمون وما شابه ذلك ما لم تكن ضارّة ولكن على الصّائم أن يجتنب استعمال ما فيه نكهة ويقتصر أثناء صيامه على السّواك الطبيعي. والله تعالى أعلم. يراجع لسان العرب (مادة سوك) ، المجموع للنووي (١/٢٦٩) نهاية المحتاج للرملي (١/١٦٢) حاشية ابن عابدين (١/٧٨) نيل الأوطار للشوكاني (١/٢٤) المغني لابن قدامة (١/٧٨) الفتوحات الربانية على أذكار النووي لابن علان (٣/٢٥٦) الشرح الممتع للشيخ ابن عثيمين (١/١٣٧) . [الْمَصْدَرُ] الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 13202

عيادة المريض وبعض آدابها [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم عيادة المريض وما هي آداب الزيارة؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله عيادة المريض هي زيارته , وسميت عيادة لأن الناس يعودون إليه مرة بعد أخرى. حكم عيادة المريض: ذهب بعض العلماء إلى أنها سنة مؤكدة , واختار شيخ الإسلام أنها فرض كفاية، كما في "الاختيارت" (ص ٨٥) , وهو الصحيح. فقد ثبت في الصحيحين قوله ﷺ : (خمس تجب للمسلم على أخيه المسلم: وذكر منها: عيادة المريض) وفي لفظ: (حق المسلم على المسلم ... ) وقال البخاري: " باب وجوب عيادة المريض وروى قول النبي ﷺ : (أطعموا الجائع , وعودوا المريض , وفكوا العاني) " انتهى. وهذا الحديث يدل على الوجوب , وقد يؤخذ منها أنها فرض كفاية كإطعام الجائع وفك الأسير. ونقل النووي الإجماع على أنها لا تجب. قال الحافظ في الفتح (١٠/١١٧) : يعني على الأعيان. وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في "الشرح الممتع" (٥/١٧٣) : " الصحيح أنها واجب كفائي، فيجب على المسلمين أن يعودوا مرضاهم " انتهى بتصرف. فضل عيادة المريض: وورد في فضلها أحاديث كثيرة، منها: قوله ﷺ : (إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا عَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ) رواه مسلم (٢٥٦٨) . خرفة الجنة أي جناها. شبه ما يحوزه العائد من ثواب بما يحوزه الذي يجتني الثمر. وللترمذي (٢٠٠٨) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ عَادَ مَرِيضًا أَوْ زَارَ أَخًا لَهُ فِي اللَّهِ نَادَاهُ مُنَادٍ: أَنْ طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ وَتَبَوَّأْتَ مِنْ الْجَنَّةِ مَنْزِلا) حسنه الألباني في صحيح الترمذي. وروى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَزَلْ يَخُوضُ فِي الرَّحْمَةِ حَتَّى يَجْلِسَ , فَإِذَا جَلَسَ اغْتَمَسَ فِيهَا) صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٥٠٤) . وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ (٩٦٩) عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا غُدْوَةً إلا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ , وَإِنْ عَادَهُ عَشِيَّةً إلا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ) صححه الألباني في صحيح الترمذي. والخريف هو البستان. وليست عيادة المريض خاصة بمن يعرفه فقط، بل هي مشروعة لمن يعرفه ومن لا يعرفه. قاله النووي في "شرح مسلم". حد المريض الذي تجب عيادته: هو المريض الذي يحبسه مرضه عن شهود الناس , أما إذا كان مريضاً ولكنه يخرج ويشهد الناس فلا تجب عيادته. "الشرح الممتع" (٥/١٧١) . عيادة المرأة الأجنبية ولا حرج في عيادة الرجل المرأة الأجنبية، أو المرأة الرجل الأجنبي عنها، إذا توفرت الشروط الآتية: التستر، وأمن الفتنة، وعدم الخلوة. قال الإمام البخاري: " باب عيادة النساء الرجال , وعادت أم الدرداء رجلاً من أهل المسجد من الأنصار ". ثم ذكر حديث عائشة ﵂ أنها عادت أبا بكر وبلالاً ﵄ لما مرضا في أول مقدمهم المدينة. وروى مسلم عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ لِعُمَرَ ﵃ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ : (انْطَلِقْ بِنَا إلَى أُمِّ أَيْمَنَ نَزُورُهَا، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَزُورُهَا , وَذَهَبَا إلَيْهَا) . قال ابن الجوزي: " وَالأَوْلَى حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى مَنْ لا يُخَافُ مِنْهَا فِتْنَةٌ كَالْعَجُوزِ " انتهى. عيادة الكافر: ولا حرج في عيادة المشرك إذا ترتب على ذلك مصلحة , فقد عاد النبي ﷺ غلاماً يهودياً ودعاه إلى الإسلام فأسلم. رواه البخاري (١٣٥٦) . وحضر النبي ﷺ موت عمه أبي طالب فدعاه إلى الإسلام فأبى. متفق عليه. والمصلحة في ذلك قد تكون دعوته إلى الإسلام , أو كف شره أو تأليف أهله ونحو ذلك.. انظر "فتح الباري" (١٠/١٢٥) . هل يكرر العيادة؟ اختار بعض العلماء أنه لا يعوده كل يوم حتى لا يثقل عليه , والصواب أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال , فبعض الناس يستأنس بهم المريض ويشق عليه عدم رؤيتهم كل يوم , فهؤلاء يسن لهم المواصلة ما لم يعلموا من حال المريض أنه يكره ذلك. حاشية ابن قاسم (٣/١٢) . لا يطيل الجلوس عند المريض ينبغي أن لا يطيل الجلوس عند المريض , بل تكون الزيارة خفيفة حتى لا يشق عليه , أو يشق على أهله، فإن المريض قد تمر به حالات أو أوقات يتألم فيها من المرض، أو يفعل ما لا يحب أن يطلع عليه أحد , فإطالة الجلوس عنده يوقعه في الحرج. إلا أنه يعمل في ذلك بقرائن الأحوال , فقد يحب المريض من بعض الناس طول الجلوس عنده. حاشية ابن قاسم (٣/١٢) ، الشرح الممتع (٥/١٧٤) . وقت الزيارة: وأما وقت الزيارة , فلم يرد في السنة ما يدل على تخصيصها بوقت معين , قال ابن القيم: لم يخص ﷺ يوماً من الأيام , ولا وقتاً من الأوقات بعيادة , بل شرع لأمته ذلك ليلاً ونهاراً , وفي سائر الأوقات اهـ. "زاد المعاد" (١/٤٩٧) . وكان بعض السلف يعود المريض في أول النهار أو أول المساء حتى تصلي عليه الملائكة وقتاً أطول , عملاً بالحديث المتقدم: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا غُدْوَةً إلا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ , وَإِنْ عَادَهُ عَشِيَّةً إلا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ) . لكن يجب مراعاة حال المريض والأرفق به، فلا ينبغي للزائر أن يختار الوقت الأنسب له، ولو كان في ذلك مشقة على المريض أو على أهله، ويمكن تنسيق ذلك بالاتفاق مع المريض نفسه أو أهله. وقد تتسبب كثرة زيارات الناس للمرضى وعدم مراعاتهم تخفيفها واختيار الوقت المناسب لها في زيادة المرض على المريض. الدعاء للمريض: وينبغي أن يدعو للمريض بما ثبت في السنة: (لا بأس، طهور إن شاء الله) رواه البخاري. ويدعو له بالشفاء ثلاثاً , فقد عاد النبي ﷺ سعد بن أبي وقاص وقال: (اللهم اشف سعداً، ثلاثاً) رواه البخاري (٥٦٥٩) ومسلم (١٦٢٨) . وكان النبي ﷺ يمسح بيده اليمنى على المريض ويقول: (أَذْهِبْ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ , وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي , لا شِفَاءَ إِلا شِفَاؤُكَ شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا) رواه مسلم (٢١٩١) . ولأحمد وأبي داود (٣١٠٦) أن النَّبِيًّ ﷺ قَالَ: (مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ فَقَالَ عِنْدَهُ سَبْعَ مِرَارٍ: أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ إِلا عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ) صححه الألباني في صحيح أبو داود. وينبغي أن يسأله عن حاله: كيف حالك؟ كيف تجدك؟ ونحو ذلك. فقد ثبت ذلك عن النبي ﷺ . رواه الترمذي (٩٨٣) وحسنه الألباني. وثبت ذلك عن عائشة في صحيح البخاري لما عادت أبا بكر وبلالاً ﵄. وينفس له في الأجل ورد في ذلك حديث عند الترمذي (٢٠٨٧) وهو حديث ضعيف: (إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَى الْمَرِيضِ فَنَفِّسُوا لَهُ فِي أَجَلِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لا يَرُدُّ شَيْئًا وَيُطَيِّبُ نَفْسَهُ) ضعفه الألباني في ضعيف الترمذي. ولكن يشهد له من حيث المعنى قوله ﷺ : (لا بأس، طهور إن شاء الله) فينبغي أن يهون عليه ما يجد، ويبشره بحصول الشفاء والعافية إن شاء الله تعالى , فإن ذلك يطيب نفس المريض. انظر "الشرح الممتع" (٥/١٧١-١٧٦) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13203

الحقوق الإسلامية [السُّؤَالُ] ـ[ما هي أهم الحقوق التي يحترمها الإسلام؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الحقوق الإسلامية كثيرة ومن أهم هذه الحقوق: حق الله نِعم الله على العباد لا تعد ولا تحصى وكل نعمة تستوجب شكراً وحقوق الله على العباد كثيرة ومن أهمها: ١. التوحيد ومعناه أن يوحدوا الله في ذاته , وأسمائه, وصفاته وأفعاله فيعتقدوا أن الله وحده هو الرب المالك المتصرف الخالق الرازق الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير: (تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير) الملك/١. ٢. العبادة وهي أن يعبدوا الله وحده لأنه ربهم , وخالقهم ورازقهم وذلك بصرف جميع أنواع العبادة لله وحده كالدعاء , والذكر والاستعانة , والاستغاثة والتذلل , والخضوع والرجاء , والخوف والنذر والذبح ونحو ذلك قال تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً) النساء/٣٦. ٣. الشكر فالله هو المنعم المتفضل على جميع الخلق فعليهم شكر هذه النعم بألسنتهم , وقلوبهم , وجوارحهم وذلك بحمد الله والثناء عليه واستعمال هذه النعم في طاعة الله وفيما أحل الله: (فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون) البقرة/١٥٢. حق الرسول بعثة الرسول ﷺ نعمة كبرى للبشرية كافة فقد أرسله الله ليخرج الناس من الظلمات إلى النور ويبين لهم ما يسعدهم في الدنيا والآخرة. ومن حق الرسول علينا أن نحبه , ونطيعه , ونصلي عليه , ومحبته ﵇ تكون بطاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما نهى عنه وزجر , وأن لا يعبد الله إلا بما شرع. حق الوالدين يهتم الإسلام بالأسرة ويؤكد على المحبة والاحترام داخلها والوالدان قاعدتها وأساسها لذا كان بر الوالدين من أفضل الأعمال وأحبها إلى الله تعالى. بر الوالدين يكون بطاعتهما واحترامهما والتواضع لهما والإحسان إليهما والإنفاق عليهما والدعاء لهما وصلة أرحامهما وإكرام صديقهما: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً) الإسراء/٢٣. والأم في هذه الحقوق حقها أعظم , لأنها هي التي حملته , وولدته وأرضعته: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي قال: أمك , قال: ثم من؟ قال: أمك , قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك) متفق عليه واللفظ للبخاري/الأدب/٧٨. حق المسلم على المسلم المؤمنون أخوة وهم أمة متماسكة , كالبنيان يشد بعضه بعضاً يتراحمون فيما بينهم ويتعاطفون ويتحابون ولحفظ هذا البنيان , وتلك الأخوة شرع الله حقوقاً للمسلم على أخيه المسلم ومنها محبته ونصيحته وتفريج كربته وستر زلته ونصرته في الحق واحترام جواره وإكرام ضيفه. ومنها رد السلام وعيادة المريض وإجابة الدعوة وتشميته إذا عطس واتباع جنازته قال ﵊: (حق المسلم على المسلم خمس رد السلام وتشميت العاطس وإجابة الدعوة , وعيادة المريض , واتباع الجنائز) رواه مسلم/٢٦٢٥. حق الجار الإسلام يهتم بشأن الجار مسلماً كان أو غيره , لما في ذلك من المصالح التي تجعل الأمة كالجسد الواحد قال ﵊: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) متفق عليه. ومن الحقوق التي قررها الإسلام للجار على جاره أن يبدأه السلام ويعوده إذا مرض ويعزيه في المصيبة ويهنئه في الفرح ويصفح عن زلاته ويستر عوراته ويصبر على أذاه ويهدي له ويقرضه إذا احتاج ويغض بصره عن محارمه ويرشده إلى ما ينفعه في دينه ودنياه قال ﵊: (خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه , وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره) رواه البخاري في الأدب المفرد/١١٥. وفي حق الجار يقول تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب) النساء/٣٦. وقد حذر الإسلام من إيذاء الجار , والإساءة إليه , وبين الرسول ﷺ أن ذلك سبب للحرمان من الجنة بقوله: (لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه) متفق عليه. وأوجب الإسلام تحقيقاً للمصلحة حقوقاً للوالي على الرعية وحقوقاً للرعية على الوالي وحقوقاً للزوج على زوجته وحقوقاً للزوجة على زوجها , وغير ذلك من الحقوق العادلة التي أوجبها الإسلام. [الْمَصْدَرُ] من كتاب أصول الدين الإسلامي للشيخ محمد بن ابراهيم التويجري.

стр. 13204

شُوِّهت سمعته، فماذا يفعل ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ماذا يفعل الشخص الذي اتُهم بالفتنة وتم تشويه سمعته إذا كان ما قيل عنه غير صحيح؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله اعلم أنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له) رواه مسلم (٢٩٩٩) ، فهذا الحديث يدل على أن كل أمور المؤمن خير، فهو يتقلب بين شكر وصبر، وفي كليهما أجر. ثم اعلم أن خير الناس، وأفضل البشر، وهم رسل الله قد طعن فيهم أعداؤهم، قال الله تعالى: (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) الذريات/٥٢، حتى نبينا ﷺ قد سبَّه أعداؤه واتهموه بالسحر والجنون. بل وصل الأمر إلى أن طعن في عرضه المنافقون، لكنه مع ذلك صبر، واحتسب، ووكل أمر لله تعالى، (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ) الطلاق/٢-٣ فعليك أن تصبر وتحتسب، واعلم أن ذلك مما يكفر الله به عنك خطاياك. ولك أن تدافع عن نفسك وتثبت براءتك مما اتهمت به، وتكذب من اتهمك بذلك، ولا يعد ذلك من الغيبة المحرمة، قال الله تعالى: (لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ) النساء/١٤٨ وإذا استطعت أن تواجه من اتهمك بهذا وتنصحه وتعظه وتخوفه بالله، فذلك خير، وقد يرتدع عما يفعله ويكون ذلك سبب توبته واستقامته، أو ترسل شخصاً عاقلاً يقوم بذلك. وعليك بتجنب المواضع التي تكون مثار شبهة وشك، فقد يتخذها ذلك الشخص ذريعة لتصديق اتهاماته. وعليك بالصبر والإلحاح على الله في الدعاء، والله تعالى يفرج عنك ما أصابك. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13205

هل قطع شجرة السدر حرام ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل قطع شجرة السدر حرام. علما بأنني أنا الذي زرعتها، ولكن الآن لا أريدها في ذاك المكان، فهل يجوز لي أن أقطعها؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ورد النهي عن قطع شجر السدر في أحاديث فيها كلام من حيث إسنادها، وصححها بعض أهل العلم، والصحيح في النهي – بعد ثبوته - أنه خاص بأمرين: قطع الشجر الذي يتخذ للظل، أو قطع شجر السدر في حدود الحرم، وأما ما عداهما مما يزرعه الإنسان في بيته أو بستانه فلا حرج عليه من قطعه. قال ابن القيم – تحت فصل " كليات في الموضوعات " -: ومن هذا: أحاديث مدح العزوبة، كلها باطلة، ومن ذلك: أحاديث النهي عن قطع السدر، قال العقيلي: لا يصح في قطع السدر شيء، وقال أحمد: ليس فيه حديث صحيح. " المنار المنيف " (ص ١١٧، ١١٨) . لكن الشيخ الألباني حسَّن بعض أحاديث النهي، ومنها: أ. عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " إن الذين يقطعون السدر يصبون في النار على رءوسهم صبّاً ". رواه البيهقي (٦ / ١٤٠) . وحسَّنه الشيخ الألباني في " صحيح الجامع " (١٦٩٦) . ب. عن معاوية بن حيدة عن النبي ﷺ قال: " قاطع السدر يصوب الله رأسه في النار ". رواه البيهقي (٦ / ١٤١) . وحسَّنه الشيخ الألباني في " السلسلة الصحيحة " (٦١٥) . وقال – تحت الحديث السابق -: تأوله أبو داود بقوله " هذا الحديث مختصر، يعني: " من قطع سدرة في فلاة يستظل بها ابن السبيل والبهائم عبثا وظلما بغير حق يكون له فيها: صوب الله رأسه في النار ". وذهب الطحاوي إلى أنه منسوخ، واحتج بأن عروة بن الزبير – وهو أحد رواة الحديث – قد ورد عنه أنه قطع السدر ... قلت: وأولى من ذلك كله عندي أن الحديث محمول على قطع سدر الحرم، كما أفادته زيادة الطبراني في حديث عبد الله بن حبشي – والزيادة هي " يعني: من سدر الحرم " -، وبذلك يزول الإشكال، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. ثم رأيت السيوطي قد سبقني إلى هذا الحمل في رسالته " رفع الحذر عن قطع السدر " (ص ٢١٢ ج ٢ " الحاوي للفتاوي ") ، فليراجعها من شاء؛ فإنه سيجد فيها للحديث طرقاً أخرى، وإن كان لم يحرر القول فيها كما هي عادته غالباً. انتهى والخلاصة: أن أحاديث النهي عن قطع السدر إما أحاديث ضعيفة لا تصحُّ، وإما أنها حسنة، وتحمل على أحد معنيين: الأول: قطع السدر الذي يستظل به الناس عبثاً من غير حاجة ولا مصلحة. الثاني: قطع شجر السدر الذي يكون في الحرم، وعلى هذا لا حرج عليك في قطع هذه الشجرة التي زرعتها ما لم تكن زرعتها في طريق ليستظل بها الناس. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13206

الكلام بعد صلاة العشاء مكروه [السُّؤَالُ] ـ[قرأت بأنه لا يجوز للمسلمين الحديث بعد صلاة العشاء إلا للضرورة، في المكان الذي أعيش فيه تُقام صلاة العشاء في أبكر وقت ممكن بدلاً من أن تُقام في آخر وقت ممكن، فكيف نتصرف؟ وهل يجوز الكلام بعد العشاء؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله يكره الحديث بعد صلاة العشاء إلا إذا كان لمصلحة، أو حديثا في خير، وذلك لما في الصحيحين عن أبي برزة أن رسول الله ﷺ كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها " رواه البخاري (٥٦٨) ، ومسلم (٦٤٧) . قال النووي رحمه في شرحه: (قال العلماء: وسبب كراهة النوم قبلها أنه يعرضها لفوات وقتها باستغراق النوم أو لفوات وقتها المختار والأفضل، ولئلا يتساهل الناس في ذلك فيناموا عن صلاتها جماعة. وسبب كراهة الحديث بعدها أنه يؤدي إلى السهر ويخاف منه غلبة النوم عن قيام الليل أو الذكر فيه أو عن صلاة الصبح في وقتها الجائز أو في وقتها المختار أو الأفضل، ولأن السهر في الليل سبب للكسل في النهار عما يتوجه من حقوق الدين والطاعات ومصالح الدنيا. قال العلماء: والمكروه من الحديث بعد العشاء هو ما كان في الأمور التي لا مصلحة فيها، أما ما فيه مصلحة وخير فلا كراهة فيه، وذلك كمدارسة العلم وحكايات الصالحين ومحادثة الضيف والعروس للتأنيس ومحادثة الرجل أهله وأولاده للملاطفة والحاجة ومحادثة المسافرين بحفظ متاعهم أو أنفسهم والحديث في الإصلاح بين الناس والشفاعة إليهم في خير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإرشاد إلى مصلحة ونحو ذلك، فكل هذا لا كراهة فيه وقد جاءت أحاديث صحيحة ببعضه والباقي في معناه ... ثم كراهة الحديث بعد العشاء المراد بها بعد صلاة العشاء لا بعد دخول وقتها واتفق العلماء على كراهة الحديث بعدها إلا ما كان في خير كما ذكرناه) انتهى. وقال في كتابه الأذكار (ص٥٣٣) : (وأما الأحاديث بالترخيص في الكلام للأمور التي قدمتها فكثيرة، فمن ذلك حديث ابن عمر في الصحيحين أن رسول الله ﷺ صلى العشاء في آخر حياته فلما سلم قال: " أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض اليوم أحد ". ومنها حديث أبي موسى الأشعري في صحيحيهما " أن رسول الله ﷺ أعتم بالصلاة حتى ابهارّ الليل ثم خرج رسول الله ﷺ فصلى بهم، فلما قضى صلاته قال لمن حضره: على رسلكم أعلمكم، وابشروا أن من نعمة الله عليكم أنه ليس من الناس أحد يصلي هذه الساعة غيركم " أو قال " ما صلى أحد هذه الساعة غيركم ". ومعنى: (أعتم بالصلاة حتى ابهار الليل) أي: أخر صلاة العشاء حتى كان قريباً من نصف الليل. ومنها حديث أنس في صحيح البخاري أنهم انتظروا النبي ﷺ فجاءهم قريبا من شطر الليل فصلى بهم يعني العشاء، قال: ثم خطبنا فقال " ألا إن الناس صلوا ثم رقدوا، وإنكم لا تزالون في صلاة ما انتظرتم الصلاة ". ومنها حديث ابن عباس ﵄ في مبيته في بيت خالته ميمونة قوله " إن النبي ﷺ صلى العشاء ثم دخل فحدث أهله ". ومنها حديث عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ في قصة أضيافه واحتباسه عنهم حتى صلى العشاء، ثم جاء وكلمهم وكلم امرأته وابنه وتكرر كلامهم، وهذان الحديثان في الصحيحين، ونظائر هذا كثيرة لا تحصر، وفيما ذكرناه أبلغ كفاية والحمد لله) انتهى. وخلاصة ما سبق: أن الحديث بعد صلاة العشاء جائز من غير كراهة إذا كان فيه مصلحة، فإن لك يكن فيه مصلحة فهو مكروه وليس محرماً، إلا أن يكون نفس الكلام محرماً كالغيبة والنميمة. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13207

هل يستمع الرجل لاقتراحات زوجته ويشاورها في أموره [السُّؤَالُ] ـ[كيف تتم معاملة الزوجة؟ هل نستمع لنصيحتها واقتراحاتها؟ أسأل هذا السؤال لأنني أرى أن النساء ينصحون ويقترحون من قلوبهن، وليس من عقولهن؟ فإلى أي حد يستمع الرجل لنصائح زوجته؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قال الله تعالى آمراً بالإحسان إلى الزوجة: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) النساء/١٩ وقال ﷺ : (َاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا ... فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا) رواه البخاري (٥١٨٦) ومسلم (١٤٦٨) وقال ﷺ : (خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي) رواه الترمذي (٣٨٩٥) وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (٣٣١٤) ولا شك أن مشاورة الزوجة والاستماع لنصيحتها وقبولها منها، هو من تمام المعروف في العشرة، واستصلاح قلبها، وإشعارها بدورها في بيتها، ومسؤوليتها عن أسرتها، لاسيما إذا جرب الرجل من امرأته الحكمة والعقل، والروية في النظر إلى الأمور، وعدم التسرع والانسياق وراء العاطفة. ثم إن تفاضل المصلحة في استشارة المرأة وقبول رأيها، أو عدم ذلك تختلف باختلاف الموضوع الذي تبذل المرأة فيها مشورتها، وتدلي بنصيحتها، وهل لطبيعتها العاطفية أثر في رأيها في هذه القضية أو لا. ويختلف أيضاً باختلاف حال كل من الزوجين ومدى تقديرهما وحسن ضبطهما. وإذا ما بدا للزوج وجه المصلحة في رد قولها، أو بدا له خطأ في مشورتها، فعليه أن يتلطف في عدم القبول، وألا يسفِّه رأيها، أو يزدري نصحها، ويبين له وجه الصواب، ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. وتأمل قصة الحديبية، وما جرى فيها، لتعلم قيمة مشاورة المرأة العاقلة الحكيمة، فإن النبي ﷺ لما صالح قريشاً على الرجوع، وعدم دخول مكة عامهم هذا، قال لأصحابه: " قوموا فانحروا. قال الراوي: فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات. فلما لم يقم أحد منهم، دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس. فقالت أم سلمة: يا نبي الله، أتحب ذلك؟! أخرج ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة، حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك. فلما فعل ذلك قاموا فنحروا.. " قال الحافظ ابن حجر ﵀: فيه فضل المشورة.. وجواز مشاورة المرأة الفاضلة " اهـ. وتأمل أيضاً قصة موسى، وكيف رباه الله في بيت فرعون، وكم كانت لمشورة آسيا امرأة فرعون ﵂ من بركة: (وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) القصص/٩ وفي نفس السورة قصة المرأتين على ماء مدين، وكيف أن إحداهما قالت لأبيها: (يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ) القصص/٢٦، فانظر إلى وفور عقلها، وعلمها بمن هو أهل للإجارة، وحفظ الأمانة في الأعمال، وكيف كانت بركة هذه المشورة على أهل البيت. والله الموفق. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13208

يأخذ بعض الأشياء التي ترميها الشركة إلى المنزل [السُّؤَالُ] ـ[أعمل في شركة وتصرف لنا وجبات يومية وأنا لا آكل بعضا منها وأجمعها وأخذها معي المنزل، وترمى بعض الملفات وأجمعها وآخذها، فما حكم ذلك؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الذي يظهر من تصرف الشركات بالنسبة لهذه الوجبات أنها تعطيها للموظفين والعاملين على سبيل التمليك، والقاعدة أن الشخص إذا تملك شيئاً فإنه يتصرف فيه بما يشاء وعلى هذا فلا بأس أن تأخذ معك في المنزل ما تبقى من وجبتك الخاصة التي تصرف لك في الشركة إلا إذا صرحت الشركة باشتراط عدم أخذ أي شيء من ذلك خارج مقرها، فحينئذ لا يجوز أخذه ولا حرج من أخذ الملفات التي ترمى والانتفاع بها؛ لأن الشيء الذي يتركه صاحبه رغبة عنه يملكه آخذه. وقد سُئلت اللجنة الدائمة عن الأغراض المتدنية التي وُجدت في القمامة وتصلح للاستعمال: هل يجوز أخذها إلى المنزل واستعمالها؟ فأفتت بما يلي: " إذا كان الواقع كما ذكرت، وكانت تلك الأغراض مما لا يحرص على مثله فلا حرج عليك في أخذها والانتفاع بها " فتاوى اللجنة الدائمة ١٥/٤٥٥. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13209

حكم من قُتل في سبيل مكافحة المخدرات [السُّؤَالُ] ـ[انتشرت في بلاد المسلمين المخدرات فهل يعتبر شهيدا من قتل من رجال مكافحة المخدرات المسلمين عند مداهمة أوكار متعاطي المخدرات ومروجيها؟ ثم ما حكم من يدلي بمعلومات تساعد رجال المكافحة للوصول إلى تلك الأوكار؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا ريب أن مكافحة المسكرات والمخدرات من أعظم الجهاد في سبيل الله، ومن أهم الواجبات التعاون بين أفراد المجتمع في مكافحة ذلك، لأن مكافحتها في مصلحة الجميع؛ ولأن فشوها ورواجها مضرة على الجميع ومن قتل في سبيل مكافحة هذا الشر وهو حسن النية فهو من الشهداء، ومن أعان على فضح هذه الأوكار وبيانها للمسئولين فهو مأجور وبذلك يعتبر مجاهدا في سبيل الحق وفي مصلحة المسلمين وحماية مجتمعهم مما يضر بهم، فنسأل الله أن يهدي أولئك المروجين لهذا البلاء وأن يردهم إلى رشدهم وأن يعيذهم من شرور أنفسهم ومكائد عدوهم الشيطان، وأن يوفق المكافحين لهم لإصابة الحق وأن يعينهم على أداء واجبهم ويسدد خطاهم وينصرهم على حزب الشيطان إنه خير مسئول. [الْمَصْدَرُ] كتاب مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز يرحمه الله، م/٤، ص/٤١٠

стр. 13210

آداب الأكل بالأدلة التفصيلية [السُّؤَالُ] ـ[ما هي آداب الأكل في الإسلام؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله للأكل آداب في الشريعة الإسلامية وهي على أقسام: " أولاً - آدَابُ مَا قَبْلَ الأَكْلِ: ١- غَسْلُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الطَّعَامِ: ينبغي غَسْلُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الطَّعَامِ، لِيَأْكُلَ بِهَا وَهُمَا نَظِيفَتَانِ، لِئَلا يَضُرَّ نَفْسَهُ بِمَا قَدْ يَكُونُ عَلَيْهِمَا مِنْ الْوَسَخِ. ٢- مِنْ آدَابِ الأَكْلِ السُّؤَالُ عَنْ الطَّعَامِ إذَا كَانَ ضَيْفًا عَلَى أَحَدٍ وَلا يَعْرِفُهُ (أي لا يعرف نوع الطعام) ، وَلا يَطْمَئِنُّ إلَى مَا قَدْ يُقَدِّمُهُ إلَيْهِ. فَقَدْ كَانَ الرَّسُولُ ﷺ لَا يَأْكُلُ طَعَامًا حَتَّى يُحَدَّثَ أَوْ يُسَمَّى لَهُ فَيَعْرِفَ مَا هُوَ، فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَيْمُونَةَ، وَهِيَ خَالَتُهُ وَخَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَوَجَدَ عِنْدَهَا ضَبًّا مَحْنُوذًا قَدِمَتْ بِهِ أُخْتُهَا حَفِيدَةُ بنت الْحَارِثِ مِنْ نَجْدٍ فَقَدَّمَتْ الضَّبَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ قَلَّمَا يُقَدِّمُ يَدَهُ لِطَعَامٍ حَتَّى يُحَدَّثَ بِهِ وَيُسَمَّى لَهُ، وَأَهْوَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ إلَى الضَّبِّ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ النِّسْوَةِ الْحُضُورِ: أَخْبِرْنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَنَّ مَا قَدَّمْتُنَّ لَهُ هُوَ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ يَدَهُ عَنْ الضَّبِّ، قَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: أَحَرَامٌ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لا. وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ إلَيَّ، رواه البخاري (٥٣٩١) ومسلم (١٩٤٦) . قَالَ ابْنُ التِّينِ: إنَّمَا كَانَ يَسْأَلُ، لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ لا تَعَافُ شَيْئًا مِنْ الْمَآكِلِ لِقِلَّتِهَا عِنْدَهُمْ، وَكَانَ هُوَ ﷺ قَدْ يَعَافُ بَعْضَ الشَّيْءِ، فَلِذَلِكَ كَانَ يَسْأَلُ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ يَسْأَلُ لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِتَحْرِيمِ بَعْضِ الْحَيَوَانَاتِ وَإِبَاحَةِ بَعْضِهَا، وَكَانُوا لَا يُحَرِّمُونَ مِنْهَا شَيْئًا، وَرُبَّمَا أَتَوْا بِهِ مَشْوِيًّا أَوْ مَطْبُوخًا فَلا يَتَمَيَّزُ مِنْ غَيْرِهِ إلا بِالسُّؤَالِ عَنْهُ. " فتح الباري " (٩ / ٥٣٤) . ٣- الْمُبَادَرَةُ إلَى الْأَكْلِ إذَا قُدِّمَ إلَيْهِ الطَّعَامُ مِنْ مُضِيفِهِ: فَإِنَّ مِنْ كَرَامَةِ الضَّيْفِ تَعْجِيلَ التَّقْدِيمِ لَهُ، وَمِنْ كَرَامَةِ صَاحِبِ الْمَنْزِلِ الْمُبَادَرَةُ إلَى قَبُولِ طَعَامِهِ وَالْأَكْلُ مِنْهُ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا إذَا رَأَوْا الضَّيْفَ لَا يَأْكُلُ ظَنُّوا بِهِ شَرًّا، فَعَلَى الضَّيْفِ أَنْ يُهَدِّئَ خَاطِرَ مُضِيفِهِ بِالْمُبَادَرَةِ إلَى طَعَامِهِ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ اطْمِئْنَانًا لِقَلْبِهِ. ٤- التَّسْمِيَةُ قَبْلَ الْأَكْلِ: (تجب) التَّسْمِيَةُ قَبْلَ الْأَكْلِ، وَالْمُرَادُ بِالتَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّعَامِ قَوْلُ " بِاسْمِ اللَّهِ " فِي ابْتِدَاءِ الْأَكْلِ، عن أُمُّ كُلْثُومٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَوَّلِهِ فَلْيَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ " رواه الترمذي (١٨٥٨) وأبو داود (٣٧٦٧) وابن ماجه (٣٢٦٤) ، وصححه الألباني في " صحيح سنن أبي داود " (٣٢٠٢) . ولِمَا رَوَى عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: كُنْت غُلَامًا فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَا غُلَامُ: سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِك، وَكُلُّ مِمَّا يَلِيك " رواه البخاري (٣٥٧٦) ومسلم (٢٠٢٢) . ثانياً: آدَابُ الأَكْلِ أَثْنَاءَ الطَّعَامِ: ١- (الْأَكْلُ بِالْيَمِينِ) : (يجب) على الْمُسْلِمِ أَنْ يَأْكُلَ بِيَمِينِهِ وَلَا يَأْكُلَ بِشِمَالِهِ، فعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " لا يَأْكُلَن أَحَدٌ مِنْكُمْ بِشِمَالِهِ، وَلَا يَشْرَبَنَّ بِهَا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِهَا " رواه مسلم (٢٠٢٠) . وَهَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ، فَإِنْ كَانَ عُذْرٌ يَمْنَعُ الْأَكْلَ أَوْ الشُّرْبَ بِالْيَمِينِ مِنْ مَرَضٍ أَوْ جِرَاحَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا (بأس من الأكل) بالشِّمَالِ. وَالْحَدِيثُ يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَجَنَّبَ الْأَفْعَالَ الَّتِي تُشْبِهُ أَفْعَالَ الشَّيْطَانِ. ٢ – (الْأَكْلُ مِمَّا يَلِيهِ) : يُسَنُّ أَنْ يَأْكُلَ الْإِنْسَانُ مِمَّا يَلِيهِ فِي الطَّعَامِ مُبَاشَرَةً، وَلَا تَمْتَدُّ يَدُهُ إلَى مَا يَلِي الْآخَرِينَ، وَلَا إلَى وَسَطِ الطَّعَامِ، لقوله ﵊ لعمرو بن أبي سلمة: " يَا غُلامُ: سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِك، وَكُلُّ مِمَّا يَلِيك "، رواه البخاري (٣٥٧٦) ومسلم (٢٠٢٢) . ولِأَنَّ أَكْلَ الْمَرْءِ مِنْ مَوْضِعِ صَاحِبِهِ سُوءُ عِشْرَةٍ وَتَرْكُ مُرُوءَةٍ، وَقَدْ يَتَقَذَّرُهُ صَاحِبُهُ لا سِيَّمَا فِي الْأَمْرَاقِ وَمَا شَابَهَهَا، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " إنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ وَسَطَ الطَّعَامِ، فَكُلُوا مِنْ حَافَّتَيْهِ وَلَا تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهِ " رواه الترمذي (١٨٠٥) وابن ماجه (٣٢٧٧) ، وصححه الألباني في " صحيح الجامع " (٨٢٩) ، إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ الطَّعَامُ تَمْرًا أَوْ أَجْنَاسًا فَقَدْ نَقَلُوا إبَاحَةَ اخْتِلَافِ الْأَيْدِي فِي الطَّبَقِ وَنَحْوِهِ. ٣ - غَسْلُ الْيَدِ بَعْدَ الطَّعَامِ: تَحْصُلُ السُّنَّةُ بِمُجَرَّدِ الْغَسْلِ بِالْمَاءِ، قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ: وَالْأَوْلَى غَسْلُ الْيَدِ بِالْأُشْنَانِ أَوْ الصَّابُونِ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُمَا. انظر " تحفة الأحوذي " (٥ / ٤٨٥) . هَذَا وَالْغَسْلُ مُسْتَحَبٌّ قَبْلَ الْأَكْلِ وَبَعْدَهُ، وَلَوْ كَانَ الشَّخْصُ عَلَى وُضُوءٍ. ٤ - (الْمَضْمَضَةُ بَعْدَ الطَّعَامِ) : الْمَضْمَضَةُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الطَّعَامِ مُسْتَحَبَّةٌ، لِمَا رَوَى بَشِيرُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ سُوَيْد بْنِ النُّعْمَانِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالصَّهْبَاءِ - وَهِيَ عَلَى رَوْحَةٍ مِنْ خَيْبَرَ - فَحَضَرَتْ الصَّلاةُ، فَدَعَا بِطَعَامٍ فَلَمْ يَجِدْهُ إلا سَوِيقًا فَلَاكَ مِنْهُ، فَلُكْنَا مَعَهُ ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ، ثُمَّ صَلَّى وَصَلَّيْنَا وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، رواه البخاري (٥٣٩٠) . ٥ - (الدُّعَاءُ لِلْمُضِيفِ) : فَقَدْ رَوَى أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَاءَ إلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَجَاءَ بِخُبْزٍ وَزَيْتٍ فَأَكَلَ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " أَفْطَرَ عِنْدَكُمْ الصَّائِمُونَ، وَأَكَلَ طَعَامَكُمْ الْأَبْرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمْ الْمَلائِكَةُ "، رواه أبو داود (٣٨٥٤) وصححه الألباني في " صحيح سنن أبي داود " (٣٢٦٣) . ٦- وَالْأَكْلُ بِثَلَاثَةِ أَصَابِعَ: السُّنَّةُ الْأَكْلُ بِثَلَاثَةِ أَصَابِعَ، قَالَ عِيَاضٌ: وَالْأَكْلُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا مِنْ الشَّرَهِ وَسُوءِ الْأَدَبِ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ لِذَلِكَ لِجَمْعِهِ اللُّقْمَةَ وَإِمْسَاكِهَا مِنْ جِهَاتِهَا الثَّلَاثِ، وَإِنْ اُضْطُرَّ إلَى الْأَكْلِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ، لِخِفَّةِ الطَّعَامِ وَعَدَمِ تَلْفِيقِهِ بِالثَّلَاثِ يَدْعَمُهُ بِالرَّابِعَةِ أَوْ الْخَامِسَةِ. انظر " فتح الباري " (٩ / ٥٧٨) . هَذَا إنْ أَكَلَ بِيَدِهِ، وَلَا بَأْسَ بِاسْتِعْمَالِ الْمِلْعَقَةِ وَنَحْوِهَا كَمَا يَأْتِي. ٧ - أَكْلُ اللُّقْمَةِ السَّاقِطَةِ: إذَا وَقَعَتْ اللُّقْمَةُ فَلْيُمِطْ الْآكِلُ عَنْهَا الْأَذَى وَلْيَأْكُلْهَا وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ، لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَوْضِعَ الْبَرَكَةِ فِي طَعَامِهِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي هَذِهِ اللُّقْمَةِ السَّاقِطَةِ، فَتَرْكُهَا يُفَوِّتُ عَلَى الْمَرْءِ بَرَكَةَ الطَّعَامِ لحديث أَنَس ابن مالك أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَكَلَ طَعَامًا لَعِقَ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ قَالَ وَقَالَ إِذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيُمِطْ عَنْهَا الْأَذَى وَلْيَأْكُلْهَا وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ وَأَمَرَنَا أَنْ نَسْلُتَ الْقَصْعَةَ قَالَ: " فَإِنَّكُمْ لا تَدْرُونَ فِي أَيِّ طَعَامِكُمْ الْبَرَكَةُ " رواه مسلم (٢٠٣٤) . ٨ - عَدَمُ الِاتِّكَاءِ أَثْنَاءَ الْأَكْلِ: وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﷺ " َلا آكُلُ وأنا مُتَّكِئ " رواه البخاري (٥٣٩٩) ، وَاخْتُلِفَ فِي صِفَةِ الِاتِّكَاءِ قال ابن حجر: وَاخْتُلِفَ فِي صِفَة الِاتِّكَاء فَقِيلَ: أَنْ يَتَمَكَّن فِي الْجُلُوس لِلْأَكْلِ عَلَى أَيِّ صِفَة كَانَ، وَقِيلَ أَنْ يَمِيل عَلَى أَحَد شِقَّيْهِ، وَقِيلَ أَنْ يَعْتَمِد عَلَى يَده الْيُسْرَى مِنْ الْأَرْض ... ، وَأَخْرَجَ اِبْن عَدِيٍّ بِسَنَدٍ ضَعِيف: زَجَرَ النَّبِيّ ﷺ أَنْ يَعْتَمِد الرَّجُل عَلَى يَده الْيُسْرَى عِنْد الْأَكْل، قَالَ مَالِك هُوَ نَوْع مِنْ الِاتِّكَاء. قُلْت: وَفِي هَذَا إِشَارَة مِنْ مَالِك إِلَى كَرَاهَة كُلّ مَا يُعَدّ الْآكِل فِيهِ مُتَّكِئًا، وَلا يَخْتَصّ بِصِفَةٍ بِعَيْنِهَا " أ.هـ من فتح الباري (٩ / ٥٤١) . ٩- عَدَمُ الْبُصَاقِ وَالْمُخَاطِ حَالَ الْأَكْلِ إلَّا لِضَرُورَةٍ. ١٠- ومن الآداب: الْأَكْلُ مَعَ الْجَمَاعَةِ، وَالْحَدِيثُ غَيْرُ الْمُحَرَّمِ عَلَى الطَّعَامِ، وَمُؤَاكَلَةُ صِغَارِهِ وَزَوْجَاتِهِ، وَأَلَّا يَخُصَّ نَفْسَهُ بِطَعَامٍ إلَّا لِعُذْرٍ كَدَوَاءٍ، بَلْ يُؤْثِرُهُمْ عَلَى نَفْسِهِ فَاخِرَ الطَّعَامِ، كَقِطْعَةِ لَحْمٍ وَخُبْزٍ لَيِّنٍ أَوْ طَيِّبٍ. وَإِذَا فَرَغَ ضَيْفُهُ مِنْ الطَّعَامِ وَرَفَعَ يَدَهُ قَالَ صَاحِبُ الطَّعَامِ: كُلْ، وَيُكَرِّرُهَا عَلَيْهِ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّهُ اكْتَفَى مِنْهُ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثِ مَرَّاتٍ، وَأَنْ يَتَخَلَّلَ، وَلا يَبْتَلِعَ مَا يَخْرُجُ مِنْ أَسْنَانِهِ بِالْخِلَالِ بَلْ يَرْمِيهِ. ثالثاً: آدَابُ الْأَكْلِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ: يُسَنُّ أَنْ يَقُولَ الْآكِلُ مَا وَرَدَ مِنْ حَمْدِ اللَّهِ وَالدُّعَاءِ بَعْدَ تَمَامِ الْأَكْلِ، فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ قَالَ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلا مُوَدَّعٍ وَلا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبَّنَا " رواه البخاري (٥٤٥٨) وَقَدْ كَانَ الرَّسُولُ ﷺ إذَا أَكَلَ طَعَامًا غَيْرَ اللَّبَنِ قَالَ: " اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وَأَطْعِمْنَا خَيْرًا مِنْهُ " وَإِذَا شَرِبَ لَبَنًا قَالَ: " اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وَزِدْنَا مِنْهُ " رواه الترمذي (٣٣٧٧) وحسنه الألباني في " صحيح الجامع " (٣٨١) . وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ أَطْعَمَهُ اللَّهُ طَعَامًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَأَطْعِمْنَا خَيْرًا مِنْهُ، وَمَنْ سَقَاهُ اللَّهُ لَبَنًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَزِدْنَا مِنْهُ " رواه الترمذي (٣٤٥٥) وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢٧٤٩) . رابعاً: آدَابٌ عَامَّةٌ فِي الْأَكْلِ: ١ - عَدَمُ ذَمِّ الطَّعَامِ: رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: " مَا عَابَ النَّبِيُّ ﷺ طَعَامًا قَطُّ، إنْ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ " رواه البخاري (٣٣٧٠) ومسلم (٢٠٤٦) . وَالْمُرَادُ: الطَّعَامُ الْمُبَاحُ، أَمَّا الْحَرَامُ فَكَانَ يَعِيبُهُ وَيَذُمُّهُ وَيَنْهَى عَنْهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: مِنْ آدَابِ الطَّعَامِ الْمُتَأَكِّدَةِ أَلَّا يُعَابَ كَقَوْلِهِ: مَالِحٌ، حَامِضٌ، قَلِيلُ الْمِلْحِ، غَلِيظٌ، رَقِيقٌ، غَيْرُ نَاضِجٍ، وَغَيْرُ ذَلِكَ - قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا مِنْ حَسَنِ الْآدَابِ، لِأَنَّ الْمَرْءَ قَدْ لَا يَشْتَهِي الشَّيْءَ وَيَشْتَهِيهِ غَيْرُهُ، وَكُلُّ مَأْذُونٍ فِي أَكْلِهِ مِنْ قِبَلِ الشَّرْعِ لَيْسَ فِيهِ عَيْبٌ ". " شرح مسلم " (١٤ / ٢٦) . ٢- مِنْ آدَابِ الْأَكْلِ الِاعْتِدَالُ فِي الطَّعَامِ وَعَدَمُ مِلْءِ الْبَطْنِ، وَأَكْثَرُ مَا يَسُوغُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَجْعَلَ الْمُسْلِمُ بَطْنَهُ أَثْلَاثًا: ثُلُثًا لِلطَّعَامِ وَثُلُثًا لِلشَّرَابِ وَثُلُثًا لِلنَّفَسِ لِحَدِيثِ: " مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أَكَلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ " رواه الترمذي (٢٣٨٠) وابن ماجه (٣٣٤٩) ، وصححه الألباني في صحيح الترمذي (١٩٣٩) ؛ وَلاعْتِدَالِ الْجَسَدِ وَخِفَّتِهِ؛ لأَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَى الشِّبَعِ ثِقَلُ الْبَدَنِ، وَهُوَ يُورِثُ الْكَسَلَ عَنْ الْعِبَادَةِ وَالْعَمَلِ، وَيُعْرَفُ الثُّلُثُ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى ثُلُثِ مَا كَانَ يَشْبَعُ بِهِ ". " الموسوعة " (٢٥ / ٣٣٢) . ٣- اجتناب الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة لأنه محرم، لقول النبي ﷺ : " لا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ وَلا الدِّيبَاجَ وَلا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا ولنا في الآخرة " رواه البخاري (٥٤٢٦) ومسلم (٢٠٦٧) . والله أعلم. ٤- حمد الله بعد الفراغ من الأكل، وهذا فيه فضل عظيم فعن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: " إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها " رواه مسلم (٢٧٣٤) . هذا وللحمد صيغٌ متعددة وردت عن النبي ﷺ : ١- ما أخرجه البخاري عن أبي أُمامة قال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ قَالَ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلَا مُوَدَّعٍ وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبَّنَا " رواه البخاري (٥٤٥٨) ، قال ابن حجر: " قوله (غير مكفي) قيل: أي غير محتاج إلى أحدٍ من عباده لكنه هو الذي يطعم عباده ويكفيهم. قَوْله (وَلا مُوَدَّع) أَيْ غَيْر مَتْرُوك. ٢- عن معاذ بن أنس عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : " من أكل طعاماً فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حولٍ مني ولا قوة غفرله ما تقدم من ذنبه " رواه الترمذي (٣٤٥٨) وابن ماجه (٣٢٨٥) ، وحسَّنه الألباني في " صحيح الترمذي " (٣٣٤٨) . ٣- عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: " كان رسول الله ﷺ إذا أكل أو شرب قال: الحمد لله الذي أطعم وسقى وسوغه وجعل له مخرجاً " رواه أبو داود (٣٨٥١) وصححه الألباني. ٤- عن عبد الرحمن بن جبير أنه حدثه رجلٌ خدم النبي ﷺ ثمان سنين أنه كان يسمع النبي ﷺ إذا قٌرب إليه الطعام يقول: " بسم الله، فإذا فرغ قال: اللهم أطعمت وأسقيت وهديت وأحييت، فلك الحمد على ما أعطيت " رواه أحمد (١٦١٥٩) وصححه الألباني في " السلسلة الصحيحة " (١ / ١١١) . فائدة: يستحب الإتيان بألفاظ الحمد الواردة بعد الفراغ من الطعام جميعها، فيقول هذا مرة، وهذا مرة حتى يحصل له حفظ السنة من جميع وجوهها، وتناله بركة هذه الأدعية، مع ما يشعر به المرء في قرارة نفسه من استحضار هذه المعاني عندما يقول هذا اللفظ تارة وهذا اللفظ تارة أخرى؛ لأن النفس إذا اعتادت على ذكرٍ معين فإنه مع كثرة التكرار يقل معها استحضار المعاني لكثرة الترداد. انتهى من كتاب " الآداب " للشلهوب (ص ١٥٥) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13211

حكم استخدام الجرائد سفرة للأكل [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز استخدام الجرائد كسفرة للأكل عليها؟ وإذا كان لا يجوز فما العمل فيها بعد قراءتها؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا يجوز استعمال الجرائد سفرة للأكل عليها، ولا جعلها ملفا للحوائج، ولا امتهانها بسائر أنواع الامتهان إذا كان فيها شيء من الآيات القرآنية أو من ذكر الله ، والواجب إذا كان الحال ما ذكرنا حفظها في محل مناسب أو إحراقها أو دفنها في أرض طيبة. انتهى مجموع فتاوى ومقالات متنوعة للشيخ ابن باز ٦ / ٣٤٧ أما إذا كانت الجرائد بغير اللغة العربية وليس فيها ذكر الله فلا بأس باستخدامها حينئذ. والله اعلم. [الْمَصْدَرُ] الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 13212

حكم قتل الفأرة وتعليق على شخصية ميكي ماوس [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم قتل الفأرة.]ـ [الْجَوَابُ] لا حرج في قتل الفأرة لما رواه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ قال: قَالَتْ حَفْصَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ لا حَرَجَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ الْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَالْفَأْرَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ. رواه البخاري ١٨٢٨ وعن الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ سَمِعْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ أَرْبَعٌ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ الْحِدَأَةُ وَالْغُرَابُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ. رواه مسلم ١١٩٨ ولأنّ الفأرة من المخلوقات الضارة، وقد بيّن النبي ﷺ ذلك بقوله: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ جَاءَتْ فَأْرَةٌ فَأَخَذَتْ تَجُرُّ الْفَتِيلَةَ فَجَاءَتْ بِهَا فَأَلْقَتْهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْخُمْرَةِ الَّتِي كَانَ قَاعِدًا عَلَيْهَا فَأَحْرَقَتْ مِنْهَا مِثْلَ مَوْضِعِ الدِّرْهَمِ فَقَالَ إِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوا سُرُجَكُمْ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدُلُّ مِثْلَ هَذِهِ عَلَى هَذَا فَتُحْرِقَكُمْ رواه أبو داود ٥٤٢٧ (فأخذت) : أي شرعت (فجاءت) : الفأرة (بها) : أي بالفتيلة (فألقتها) : أي الفتيلة (على الخمرة) : وهي السجادة التي يسجد عليها المصلي تُصنع من حصير أو خوص ونحوه .. وفأرة البيت هي الفويسقة التي أمر النبي ﷺ بقتلها في الحل والحرم وأصل الفسق الخروج عن الاستقامة والجور , وبه سمي العاصي فاسقا , وإنما سميت هذه الحيوانات فواسق على الاستعارة لخبثهن , وقيل لخروجهن عن الحرمة في الحل والحرم أي لا حرمة لهنّ بحال. وروى الطحاوي في أحكام القرآن بإسناده عن يزيد بن أبي نعيم أنه سأل أبا سعيد الخدري لم سميت الفأرة الفويسقة , فقال استيقظ النبي ﷺ ذات ليلة وقد أخذت فأرة فتيلة السراج لتحرق على رسول الله ﷺ البيت فقام إليها وقتلها وأحل قتلها للحلال والمحرم ذكره العلامة الدميري. وقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي موسى الأشعري قال " احترق بيت على أهله بالمدينة فلما حدث رسول الله ﷺ بشأنهم قال إن هذه النار إنما هي عدوة لكم فإذا نمتم فأطفئوها عنكم ". وأخرج البخاري من حديث جابر بن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ " خمّروا الآنية , وفيه فإن الفويسقة ربما جرت الفتيلة فأحرقت أهل البيت " وأخرجه مسلم بمعناه وفيه " فإن الفويسقة تضرم على أهل البيت بيتهم " قال الطبري في هذه الأحاديث الإبانة على أن الحق على من أراد المبيت في بيت ليس فيه غيره وفيه نار أو مصباح أن لا يبيت حتى يطفئه.. والحديث أخرجه الحاكم وقال إسناده صحيح. انتهى من عون المعبود شرح أبي داود فإذا علمنا أنّ الشّارع سمّى الفأرة فويسقة وأباح قتلها حتى في مكّة وأنها كانت وسيلة الشيطان لإحراق بيت النبي ﷺ وهي سبب رئيس لإفساد الأطعمة ونقل مرض الطّاعون.. نستغرب بعد ذلك (سخافة الغربيين) في هذا التحبيب للأطفال في الفأرة عن طريق الترويج لشخصية ميكي ماوس في الألعاب والمجلات ومدن الملاهي فتأمّل!!. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 13213

نصائح لرواد ساحات الحوار [السُّؤَالُ] ـ[كثرت مواقع ساحات الحوار وكَثُر المشاركون فيها فما هي النصيحة لرواد قنوات الحوار سواء القراء أو المشاركين.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله نعم لقد كثرت مواقع الحوار على الشبكة وكثر روادها وفيما يلي بعض النصائح للقراء والكتّاب فيها: - الإخلاص لله: وكل امرئ سيفنى ويُبقي الدهر ما كتبت يداه، فاحرص أن لا تكتب غير شيء يسرك في القيامة أن تراه، ولا خير في عمل لا يراد به وجه الله تعالى. - العامي وغير المتخصص لا بد أن يختار المواقع السليمة والمفيدة ويتحاشى مواقع أهل البدع والمواقع السيئة. - مقاطعة مواقع أهل البدعة أو المواقع التي غلبت عليها البدعة لأن المشاركة والنقاش هو مادة الحياة لهذه المواقع، ولا يجوز إشهار أهل البدع ويجب إخمال ذكرهم، والعمل على ألا يشتهروا، وقد يحصل من طريقة ردود بعض أهل السنة خلاف ذلك، ولا يجوز للعامي المسلم أن يقرأ في مواقع أهل البدع بدافع حب الاستطلاع أو يناقش بدون علم بل يكل الأمر لأهله ولا بأس بأن يأخذ كلام المبتدع إلى أهل العلم ثم ينقل رده عليه. - تذكير أصحاب المواقع المختلطة بالله وأنه لا يجوز لهم أن يسمحوا لأحد من أهل البدع أو المقالات الباطلة بنشر ذلك في مواقعهم. - يجب على طلبة العلم مؤازرة أخيهم الذي يردّ على أهل البدع والذين يعتمدون على الكثرة حيث يكتب أحدهم ويصفق له عشرة ويمدحون صاحبهم ويشتمون الذي يرد عليه. - أهمية مشاركة الشيوخ وأصحاب الأقلام والأصوات المشهورة في هذه المنتديات. - لا يشترط دخول العالم بصفة مباشرة فقد يُشغله ذلك ويكفي أن ينقل الثقات من طلابه عنه. - الحذر من إضاعة الأوقات فإن عدداً من طلبة العلم قد استنزفت ساحات الحوار منهم وقتاً طويلاً ولا يلزم الرد على كل ناعق وعلى الأطروحات التافهة ويمكن الاكتفاء بإيراد النبي ﷺ : من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. - إدراك أن أهمية إنفاق الأوقات لتعليم المسلمين ودعوتهم مقدمة في الرد على هذا وذاك ولنترك الردود إلى الحالات التي لا بد منها مثل شخص من أهل البدع أثار شبهة أو حكى باطلاً ولم يرد عليه أحد فيتعين الرد حينئذٍ. - لا بد أن يدرك الداخل إلى ساحات الحوار أنه يتعامل مع شخصيات كثيرة مجهولة وأن هامش الثقة بمن يكتبون بغير أسمائهم الحقيقية هو هامش ضيق. - ينصح الشباب المتحمسون أن لا يورطوا أنفسهم فيما لا يحسنونه علمياً، ويكفينا في الفتوى بغير علم قول الله تعالى: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ) - التزام الأدب الشّرعي وعفّة اللسان (والقلم أحد اللسانين) ، قال الله تعالى: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا) والله الموفق. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 13214

هل يجوز ذكر لفظ الفاسق في بعض المنتديات على من اشتهر بالفسق والمجون [السُّؤَالُ] ـ[أنا أشرف على بعض المنتديات.. وتمر علي أحياناً بعض المواضيع أو المشاركات التي يكون فيها إساءة لبعض الأشخاص علناً، ممن اشتهروا بالفسق والمعاصي حيث يطلق عليهم لقب الفاسق أو المجرم أو الخبيث أو نحو ذلك.. فما رأيكم حول هذه الكلمات هل ندعها بحجة أنهم هم من أهل الفسق وأنهم هم من جاهروا بمعاصيهم وجعلوا أنفسهم عرضة للتحدث عنهم أم أحذف هذه الكلمات وليس علي إثم في حذفها؟؟ أفتونا بارك الله فيكم ونفع بكم الإسلام والمسلمين..]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: إذا كان هذا الشخص المشار إليه، أو غيره، متعالنا بفسقه وفجوره، كأهل الرقص والمجون، ودعاة السوء: فهذا لا حرمة له في ذلك، ويجوز ذكر ذلك عنه، إذا كان في ذكره مصلحة شرعية، من تحذير للناس من فعله، ونهيهم عن سبيله، ونحو ذلك من المصالح. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " ما يذكر عن النبي ﷺ أنه قال لا غيبة لفاسق: فليس هو من كلام النبي ﷺ ، لكنه مأثور عن الحسن البصري أنه قال: أترغبون عن ذكر الفاجر؛ اذكروه بما فيه يحذره الناس ... وهذا النوعان يجوز فيهما الغيبة بلا نزاع بين العلماء: أحدهما: أن يكون الرجل مظهر للفجور، مثل الظلم والفواحش والبدع المخالفة للسنة؛ فإذا أظهر المنكر وجب الإنكار عليه بحسب القدرة، ويهجر ويذكر ما فعله، ويذم على ذلك، ولا يرد ﵇ إذا أمكن من غير مفسدة راجحة. وينبغي لأهل الخير أن يهجروه حيا إذا كان في ذلك كف لأمثاله، ولا يشيعوا جنازته. وكل من عَلم ذلك منه ولم ينكر عليه فهو عاص لله ورسوله. فهذا معنى قولهم: من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له. بخلاف من كان مستترا بذنبه مستخفيا: فإن هذا يستر عليه، لكن ينصح سرا. النوع الثاني: أن يستشار الرجل في مناكحته ومعاملته أو استشهاده [يعني: جعله شاهدا على عقد ونحوه] ، ويعلم أنه لا يصلح لذلك: فينصح مستثيره ببيان حاله؛ فهو كما قال الحسن: اذكروه بما فيه يحذره الناس؛ فإن النصح في الدين من أعظم النصح في الدنيا " انتهى. "مختصر الفتاوى المصرية" (٥٠٣) . ثانيا: إذا جازت غيبة الفاسق المتعالن بفسقه، أو ترجحت لمصلحة شرعية، فإن الواجب ألا يتجاوز ذلك حدود ما تهتك فيه من المعاصي؛ فلا يجوز أن يحمل عليه ـ ظلما وبهتانا ـ ما لم يتحقق القائل أنه فعله من المعاصي، ولا يجوز أن يذكر عنه ما استتر به بينه وبين ربه. قال المناوي ﵀: " (اذكروا الفاجر) الفاسق (بما فيه) : من الفجور، وهتك ستر الديانة؛ فذكره بذلك من النصيحة الواجبة لئلا يغتر به مسلم فيقتدي به في فعلته، أو يضله في بدعته، أو يسترسل له فيؤذيه بخدعته. وبيَّن قولُه: (بما فيه) : أنه لا يجوز ذكره بغير ما فيه، ولا بما لا يعلن به. قال ابن عون: دخلت على ابن سيرين فذكرت الحجاج؛ أي: بما لم يتظاهر به. فقال: إن الله ينتقم للحجاج، كما ينتقم منه؛ وإنك إذا لقيت الله غدا كان أصغر ذنب أصبتَه أشدَّ عليك من أعظم ذنب أصابه الحجاج!! وأشار بقوله: (يحذره) : أي لكي يحذره الناس، إلى أن مشروعية ذكره بذلك مشروطة بقصد الاحتساب، وإرادة النصيحة؛ دفعا للاغترار ونحوه مما ذكر؛ فمن ذكر واحدا من هذا الصنف تشفيا لغيظه أو انتقاما لنفسه أو احتقارا أو ازدراء ونحو ذلك من الحظوظ النفسانية فهو آثم، كما ذكره الغزالي ثم السبكي فيما نقله عنه ولده " انتهى. "فيض القدير" (١/١٥١) . وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " هل يجوز غيبة تارك الصلاة؟ ". فأجاب: " الحمد لله إذا قيل عنه إنه تاركُ للصلاة، وكان تاركَها: فهذا جائز. ويَنبغي أن يُشاعَ ذلك عنه ويُهْجَر حتى يُصلي، وأمَّا مع القدرة فيجِبُ أن يُستَتابَ، فإن تابَ وإلا قُتِل ". "جامع المسائل" (٤/١٢٢) . على أنه متى تردد القائل أو الناشر في حصول المصلحة الشرعية الراجحة من وراء ذلك: فالواجب عليه إيثار السلامة، وتغليب حرمة المسلم على ذكر قول لا يتيقن من نفعه. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13215

التعليق على مقولة " أعذرُ ربي يوم أن فعل بي كذا وكذا "!! [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز قول الرجل: (بعذر الله بي يوم أنه سوى بي كذا وكذا) ؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إن الإسلام عظَّم شأن الكلمة التي يتكلم بها المرء , ولذلك جاء التحذير من إلقاء الكلام على عواهنه، قال تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) ق/ ١٨. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِى لَهَا بَالاً، يَرْفَعُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِى لَهَا بَالاً يَهْوِى بِهَا فِي جَهَنَّمَ) رواه البخاري (٦١١٣) . وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ) رواه البخاري (٥٦٧٢) ومسلم (٤٧) . قال النووي ﵀: إذا أراد أن يتكلم: فإن كان ما يتكلم به خيراً محقّقاً يثاب عليه، واجباً، أو مندوباً: فليتكلم , وإن لم يظهر له أنه خيرٌ يثاب عليه: فليمسك عن الكلام، سواء ظهر له أنه حرام، أو مكروه، أو مباح مستوي الطرفين، فعلى هذا: يكون الكلام المباح مأموراً بتركه، مندوباً إلى الإمساك عنه، مخافة من انجراره إلى المحرم، أو المكروه , وهذا يقع في العادة كثيراً، أو غالباً، وقد قال الله تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) . "شرح مسلم" (٢/١٩) . وهذه الجملة الوارد ذِكرها في السؤال: قبيحة اللفظ، سيئة المعنى، وهي تحتمل في طياتها معنى لا يليق بالله سبحانه , وكأن العبد له أن يعذر الله، أو لا يعذره! أو ربما لا يعذره في بعض الأمور؛ لأن الله – في ظنه – يظلمه - والعياذ بالله- , والله تعالى يقول: (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) الأنبياء/٢٣، وذلك لكمال حكمته وعلمه وعدله ومشيئته، ويقول: (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) يونس/٤٤. قال ابن كثير ﵀ في بيان حكمة الله فيما يشرع: فهو الحاكم، المتصرف في ملكه بما يشاء، الذي لا يُسْأل عما يفعل وهم يسألون؛ لعلمه، وحكمته، وعدله، ولهذا قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) يونس/ ٤٤، وفي الحديث عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ فيما يرويه عنه ربه : (يَا عِبَادي إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمُ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُم مُحَرَّماً فَلَا تَظَالَمُوا) – رواه مسلم - "تفسير ابن كثير" (٤/٢٧١) . ومن اعتقد في ربه تعالى أن له كمال العلم، وكمال العدل، وكمال الحكمة: لم تصدر منه هذه الكلمة، ولا مثيلاتها، وليعلم كل عبدٍ أن الله تعالى لا يؤاخذه على كل ما يعمل، وأنه لو آخذ تعالى الناس بكل ما عملوا ما ترك على ظهر الأرض أحداً، ولذا فإنه تعالى يعفو عن كثير، وما يؤاخذ به فهو القليل من أفعال العباد، قال تعالى: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) النحل/٦١، وقال تعالى: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً) فاطر/ ٤٥. والصحيح في هذه الآيات ومثيلاتها أنها عامة في الكفار والمسلمين، كما حققه العلَاّمة الشنقيطي في "أضواء البيان" (٢/٣٩٠ – ٣٩٣) . وبه يعلم المسلم أن ما أصابه من مصائب وعقوبات إنما هو بسبب ذنوبه، وما اكتسبته يداه، ولم يظلمه ربه تعالى، بل قد عفا عن كثيرٍ من زلاته، كما قال تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) الشورى/٣٠. قال ابن كثير ﵀: وقوله: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) أي: مهما أصابكم أيها الناس من المصائب: فإنما هو عن سيئات تقدمت لكم، (وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) أي: من السيئات، فلا يجازيكم عليها بل يعفو عنها، (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ) فاطر/ ٤٥. "تفسير ابن كثير" (٤/٤٣٣) . فالله تعالى لا يحتاج أن يعذره عباده، فهم الظالمون لأنفسهم، والمقصرون في شكر نعمه، والقيام بحقه. فعلى المسلم ألا يتلفظ بهذه الكلمة، ومن تلفظ بها فعليه أن يتوب منها ويستغفر، ويندم على قولها، ويعزم على عدم العود لها. وهذا الذي قلناه إنما هو بحسب ما ظهر لنا من معنى الكلمة، فإن كان المتكلم بها يريد معنىً آخر، فالله أعلم. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13216

التحذير من أنشودة " نون نون " [السُّؤَالُ] ـ[تردد في الآونة الأخيرة أناشيد للأطفال، بغض النظر عما تحويها من محاذير، ولكن لفت انتباهي كلِمات تِلك الأنشودة التي تقول (نون نون قلمٌ مِن وحيّ القُرآن, نون نون يكتُب لي شِعراً موزون، شِعرا ينبِضُ بالإيمان....الخ) فما حُكم تِلك الكلمات؟ هل الشعرُ هُنا عائِد على القُرءان؟ أم عائِد على القلم؟ وجزاكم الله خيرا]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: سلَّى الله نبيه عما يصيبه من أذى قومه، وكفرهم به، وتكذيبهم له، فأقسم ﷻ أنه على الحق، وأن ما جاء به من الدين دين عظيم جليل، لا مدخل فيه للسحر ولا للكهانة ولا للجنون، على ما يقوله أعداؤه المجرمون. قال الله تعالى: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) سورة القلم/١-٤. وأشهر ما قيل في تفسير (ن) أنها حرف من حروف الهجاء، كالمعهود في نظائرها في بقية السور، مثل (ق) ، (ص) ونحو ذلك. وقيل: هي الدواة التي يستمد منها القلم حبره. وقيل: إنها الحوت الذي تحت الأرض السابعة. وقيل غير ذلك. وأما القلم، فهو القلم، لكن اختلف أهل العلم هل المقصود به عامة الأقلام التي يعهدها الناس، ويكتبون بها، أو المقصود به قلم معين، وهو الذي خلقه الله تعالى أول الخلق، وأمره بكتابة ما هو كائن في اللوح المحفوظ. ينظر: "تفسير الطبري" (٢٣/٥٢٣-٥٢٧) ، تفسير ابن جزي (٢٤٣٨) . قال الشيخ ابن سعدي ﵀: " يقسم تعالى بالقلم، وهو اسم جنس شامل للأقلام التي تكتب بها أنواع العلوم، ويسطر بها المنثور والمنظوم، وذلك أن القلم وما يسطرون به من أنواع الكلام: من آيات الله العظيمة، التي تستحق أن يقسم الله بها على براءة نبيه محمد ﷺ مما نسبه إليه أعداؤه من الجنون، فنفى عنه الجنون بنعمة ربه عليه وإحسانه، حيث من عليه بالعقل الكامل، والرأي الجزل، والكلام الفصل، الذي هو أحسن ما جرت به الأقلام، وسطره الأنام، وهذا هو السعادة في الدنيا. ثم ذكر سعادته في الآخرة فقال: ﴿وَإِنَّ لَكَ لأجْرًا﴾ أي: عظيمًا، كما يفيده التنكير ﴿غير ممنون﴾ أي: غير مقطوع، بل هو دائم مستمر، وذلك لما أسلفه النبي ﷺ من الأعمال الصالحة والأخلاق الكاملة ". انتهى. "تفسير السعدي" (٨٧٩) . ثانيا: ما جاء في الأنشودة المشار إليها من قولهم (نون قلم من وحي) غير صحيح، فلم يقل أحد إن (نون) هي القلم، بل الآية عطفتهما عطف مغايرة (ن والقلم) فنون غير القلم. وقولهم (.. من وحي القرآن) باطل، بل كذب وعدوان؛ فإن هذا القلم الذي يتغنون به ليس من وحي القرآن، بل الذي من وحي القرآن هو سورة القلم، على ما أنزلها الله ﷻ ، وأما أن يقول القائل كلاما من عنده، ثم يزعم أن ذلك من وحي القرآن، فهذا من أعظم الباطل والعدوان، والكذب على كتاب الله ﷻ ، وإن كان يغلب على الظن جهل المؤلف لذلك، والقائل له، وإنما جرهم إلى ذلك سجع الكهان الذي تكلفوه، كما كان يتكلفه مسيلمة الكذاب، ونحوه من الكهان والدجاجلة. ثم إن القلم الذي هو من وحي القرآن لا يكتب شعرا موزونا، بل وحي القرآن شيء، والشعر شيء آخر. قال الله تعالى: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ) ؛ فنزه الله تعالى نبيه عن قول الشعر، ونزه كتابه وكلامه عن أن يكون شعرا، وإنما هو قرآن مبين. وأيا ما كان مراد القائل من قوله (شعرا) هل يعود على القرآن، وهو مستبعد جدا، لا يقوله مسلم، أو يعود على القلم، فقد أوقعه في الحرج زعمه أن هذا القلم هو من وحي القرآن، وهو قول باطل، معنى وواقعا. والواب على كل قائل، من شاعر وغيره، أن يتخير لنفسه من الكلام الحسن ما فيه متسع لقوله، دون أن يوقع نفسه في حرج شرعي، أو يتكلف سجع الكهان، أو يقع في محاكاة القرآن، ونحو ذلك من الأخطاء. والواجب الحذر من هذه الأنشودة ونحوها، ومناصحة من يتغنى بها، أو يستمع إليها. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13217

حكم الشتم في السر [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز أن أشتم أحدا، ولكن أشتم في قلبي وفي السر، لا أحد يعلم أني شتمت فلانا، مثلا أن أقول في نفسي يا فلان يا ... لماذا فعلت بي كذا. وهل أنا آثم؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله السب والشتم إما أن يكون بوجه حق، أو بغير وجه حق: أولا: إن كان بحق: كأن يقع على المسلم ظُلمٌ ظاهر، وأذى بالغ لا يمتري فيه أحد: فليس على مَن دفع عن نفسه الظلم والعدوان بالسب والشتم مِن حرج، سرا كان الشتم أو جهرا، من غير اعتداء ولا تجاوز، وإن كان الأولى والأفضل ألا يفعل ذلك. يقول الله تعالى: (لَاْ يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَاّ مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيْعًا عَلِيْمًا) النساء/١٤٨ يقول السعدي ﵀: " يخبر تعالى أنه لا يحب الجهر بالسوء من القول، أي: يبغض ذلك، ويمقته، ويعاقب عليه، ويشمل ذلك جميع الأقوال السيئة التي تسوء وتحزن: كالشتم، والقذف، والسب ونحو ذلك، فإن ذلك كله من المنهي عنه الذي يبغضه الله. ويدل مفهومها أنه يحب الحسن من القول: كالذكر، والكلام الطيب الليِّن. وقوله: (إِلا مَن ظُلِمَ) أي: فإنه يجوز له أن يدعو على من ظلمه ويتشكى منه، ويجهر بالسوء لمن جهر له به، من غير أن يكذب عليه، ولا يزيد على مظلمته، ولا يتعدى بشتمه غير ظالمه، ومع ذلك فعفوه وعدم مقابلته أولى، كما قال تعالى: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) " انتهى. " تيسير الكريم الرحمن " (ص/٢١٢) . وقال تعالى: (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيْلٍ، إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَىْ الّذِيْنَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِيْ الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ، أُوْلئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ) الشورى/ ٤١-٤٢ وعن أبي هريرة ﵃ أنّ رسول الله ﷺ قال: (الْمُسْْتَبّانِ: مَا قَالَاْ فَعَلَىْ البَادِئِ مِنْهُمَا، مَا لَمْ يَعْتَدِ المَظْلُومُ) رواه مسلم (٢٥٨٧) وخير ما دعا به المظلوم على الظالم، هو ما جاء عن النبي ﷺ عن جابرٍ ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: (الَّلهُمّ أَصْلِحْ لِيْ سَمْعِي وَبَصَرِيْ، وَاجْعَلْهُمَا الوَارِثَيْنِ مِنّي، وَانصُرنِي عَلَى مَنْ ظَلَمَنِي، وَأَرِنِي مِنْهُ ثَأْرِي) رواه البخاري في الأدب المفرد (١/٢٢٦) ، وصححه الألباني، وانظر الدعاء للطبراني (١/٤٢١، ٤٢٦) يقول الخطيب الشربيني ﵀: " إذا سب إنسانٌ إنسانا جاز للمسبوب أن يسب الساب بقدر ما سبه، لقوله تعالى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها) ، ولا يجوز أن يسب أباه ولا أمه، وروي أن زينب لما سبت عائشة قال لها النبي ﷺ – كما في سنن ابن ماجة وصححه الألباني -: (دونك فانتصري) فأقبلت عليها حتى يبس ريقها في فيها، فتهلل وجه النبي ﷺ . وإنما يجوز السب بما ليس كذبا ولا قذفا، كقوله: يا ظالم، يا أحمق، لأن أحدا لا يكاد ينفك عن ذلك، وإذا انتصر بسبه فقد استوفى ظلامته، وبرئ الأول من حقه، وبقي عليه إثم الابتداء، أو الإثم لحق الله تعالى " انتهى. " مغني المحتاج " (٤/١٥٧) والأولى والأكمل والأفضل هو العفو والصفح والتجاوز، لعل الله أن يتجاوز عنا يوم القيامة، فالجزاء من جنس العمل. يقول الله : (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) الشورى/٤٠ وقال ﷺ : (يَا عُقبَةَ بنَ عَامِر: صِلْ مَنْ قَطَعَكَ، وَأَعْطِ مَنْ حَرَمَكَ، وَاعْفُ عَمَّن ظَلَمَكَ) رواه أحمد (٤/١٥٨) وصححه الألباني (السلسلة الصحيحة/٨٩١) وعنْ عائشة ﵂ قالت: (سُرِقَتْ مِلْحفةٌ لَهَا، فَجَعَلَتْ تَدْعُو عَلَى مَن سَرَقَهَا، فَجَعَلَ النَّبيّ ﷺ يقولُ: لَاْ تُسَبِّخِي عَنْهُ) قال أبو داود: لا تسبخي: أي: لا تخففي عنه. رواه أبو داود برقم (١٤٩٧) وصححه الألباني في (صحيح الترغيب/٢٤٦٨) كما جاء من الآثار عن التابعين ما يدلّ على فضيلة العفو والصفح في الدنيا: قال الهيثم بن معاوية: " من ظُلِمَ فلمْ ينتصرْ بيدٍ ولا لسانٍ، ولم يحقدْ بقلبٍ، فذاك يضيء نوره في الناس " انتهى. رواه البيهقي في شعب الإيمان (٦/٢٦٤) ثانيا: أما إن وقع السب والشتم بغير وجه حق، وإنما كرها شخصيا أو بغضا يدفع إليه الحسد، أو استقباح الهيئة أو النسب أو التصرف أو غير ذلك مما يقع بسببه الناسُ في السب والشتم: فذلك من المحرمات الظاهرة، ومن سقطات اللسان التي تأكل الحسنات، وتأتي بالسيئات، سواء كان في السر أو في العلن. عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ) رواه البخاري (رقم/٤٨) ، ومسلم (٦٤) وعنه أيضا ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الْفَاحِشِ وَلَا الْبَذِيءِ) رواه الترمذي (١٩٧٧) وقال: حسن غريب. وصححه الألباني في صحيح الترمذي يقول المباركفوري ﵀: " قوله: (ليس المؤمن) أي: الكامل. (بالطعان) أي: عيَّاباً الناس. (ولا اللعان) ولعل اختيار صيغة المبالغة فيها لأن الكامل قل أن يخلو عن المنقصة بالكلية. (ولا الفاحش) أي: فاعل الفحش أو قائله. وفي " النهاية ": أي: من له الفحش في كلامه وفعاله، قيل: أي: الشاتم، والظاهر أن المراد به الشتم القبيح الذي يقبح ذكره. (ولا البذيء) قال القاري: هو الذي لا حياء له." انتهى باختصار. " تحفة الأحوذي " (٦/١١١) ثالثا: فإذا وقع السب في القلب كحديث نفس، ولم يقصده صاحبه، ولم ينطق به، إنما هي بعض الوساوس التي تراوده في شتم فلان وعلان، ولكنه لا يمتثل لها ولا يعقد العزم عليها، فتلك أحاديث نفس وخواطر معفو عنها بإذن الله، لقول النبي ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ) . رواه البخاري (٤٩٦٨) ومسلم (١٢٧) . على أنه يُخْشى من إضمار ذلك: أن يتحرك القلب بما استقر فيه، رغبة فيه، وحرصا عليه، ومحبة له، وهذا من أعمال القلب التي يؤاخذ العبد بمثلها. قال القاسمي ﵀: " وأما أثره ـ أي: الغضب ـ في القلب: فالحقد والحسد، وإضمار السوء، والشماتة بالمساءات، والحزن بالسرور، والعزم على إفشاء السر، وهتك الستر، والاستهزاء، وغير ذلك من القبائح؛ فهذه ثمرة الغضب المفرط " انتهى من "تهذيب موعظة المؤمنين" (٣١٢) . وقال الغزالي ﵀: " اعلم أن سوء الظن حرام مثل سوء القول؛ فكما يحرم عليك أن تحدث غيرك بلسانك بمساويء الغير، فليس لك أن تحدث نفسك وتسيء الظن بأخيك. ولست أعني به إلا عقد القلب وحكمه على غيره بالسوء، فأما الخواطر وحديث النفس فهو معفو عنه ... ، والظن عبارة عما تركن إليه النفس، ويميل إليه القلب ". انتهى. "إحياء علوم الدين" (٣/١٥٠) ، وانظر: الأذكار للنووي (٣٤٤) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13218

معنى قول عائشة ﵂: أتوب إلى الله وإلى رسوله . [السُّؤَالُ] ـ[قرأت في فتوى رقم ١٠٥٣٤٧ أن قول تبت لله والرسول لا يجوز، وأشكل علي هذا الحديث في صحيح مسلم (عن عائشة أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير فلما رآها رسول الله ﷺ قام على الباب فلم يدخل فعرفت أو فعرفت في وجهه الكراهية فقالت يا رسول الله أتوب إلى الله وإلى رسوله فماذا أذنبت ... ) أرجو توضيح هذا الإشكال وجزاكم الله خيرا.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ما ذكرت من الفتوى صحيح، ولا يخالف ما ورد في الحديث المشار إليه - وهو حديث صحيح متفق عليه – وذلك لاختلاف مخرجيهما: فالتوبة عبادة من أجل العبادات وأعظمها شأنا، ولا يجوز أن تبذل لغير الله - شأنها في ذلك شأن كل عبادة - سواء كان هذا الغير نبيا مرسلا، أو ملكا مقربا، أو عبدا صالحا، وهي التوبة الشرعية التي في قوله تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [النور/٣١] . وأما ما ورد في الحديث من قول عائشة ﵂: (أتوب إلى الله وإلى رسوله) فالتوبة إلى رسول الله ﷺ محمولة على معناها اللغوي لا الشرعي الاصطلاحي، ومعناها الرجوع عن الخطأ، فهي ﵂ أرادت أنها راجعة عن خطئها في حق الله وفي حق رسوله، إن كانت أخطأت، مستغفرة من ذنبها، إن كانت أذنبت. قال الطيبي ﵀: " فيه أدب حسن من عائشة ﵂، حيث قدمت التوبة على اطلاعها على الذنب ". "شرح مشكاة المصابيح" للطيبي (٨/٢٧٤) . وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: أن التوبة لا شك عبادة، ولكن هذا من التوبة اللغوية، والتوبة اللغوية تكون عبادة وغير عبادة، ولهذا فصلتها ﵂ وقالت: (وإلى رسوله) فأعادت حرف الجر لتكون توبة متميزة عن التوبة الأولى. www.alathar.net/esound/index.php?page=tadevi&id=٣٠٥٨&coid=٣٦٤٥٦ ويؤيد هذه المسلك أن التوبة في اللغة تعنى الرجوع، قال ابن فارس ﵀: " التاء والواو والباء كلمةٌ واحدةٌ تدلُّ على الرُّجوع. يقال تابَ مِنْ ذنبه، أي رَجَعَ عنه " انتهى. "مقاييس اللغة" (١/٣٢٦) . قال القاري: " وفي إعادة "إلى" دلالة على استقلال الرجوع إلى كل منهما " انتهى. "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (١٣/ ٢٣٤) . وليعلم أن هذه التوبة إنما تصح إلى رسول الله ﷺ في حياته، أما بعد مماته فلا يصح أن يقال: أتوب إلى رسول الله. قال الشيخ عبد العزيز الراجحي حفظه الله: " الرسول يتاب إليه في حياته، مثل ما قالت عائشة ﵂، لما دخل عليها في الصحيح، ولما أراد أن يدخل وعلى الباب ستر فيه صورة فامتنع من الدخول فقالت عائشة: ماذا أذنبت، أتوب إلى الله وإلى رسوله. أتوب إلى الله - يعني- من معصية الله، وأتوب إلى رسوله مما أخطأت في حقه، هذا في حياته، لكن بعد وفاته ما يقال: أتوب إلى رسول الله بل يقال: أتوب إلى الله " انتهى. http://www.taimiah.com/Display.asp?t=book٨٢&f=mso٠٠٠٦٩.htm&pid=٢ والله تعالى أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13219

الحكم على مقولة: (الله بالعين ما شفناه وبالعقل عرفناه) [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم قول: (الله ما شفناه بالعقل عرفناه) ؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذه الكلمة تحتوي على مسألتين: الأولى حق، لا ريب فيها، والثانية: فيها جزء من الحقيقة، وليست الحقيقة كاملة. وبيان ذلك: ١. أما المسألة الأولى: فهي قولهم "الله ما شفناه" – أي: ما رأيناه -: فهذا حق؛: لأنه من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله لا يراه أحد في الدنيا؛ وإنما تكون رؤيته في الآخرة، بعد الموت، ففي صحيح مسلم (٧٥٤٠) أن النبي ﷺ قال: (تَعَلَّمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ولهذا اتفق سلف الأمة، وأئمتها، على أن الله يُرى في الآخرة، وأنه لا يَراه أحدٌ في الدنيا بعينه. "مجموع الفتاوى" (٢/٢٣٠) . ٢. وأما المسألة الثانية: وهي قولهم " بالعقل عرفناه ": فهي تمثِّل جزء من الحقيقة؛ لأن دلائل معرفة الله متنوعة، منها الفطرية، والعقلية، والشرعية، والحسية. فوجود الله تعالى معروف بالعقل. ومن الأدلة العقلية التي يستند عليها العلماء في إثبات وجود الله تعالى: أن كل سبب لا بد له من مسبِّب , وكل محدَث - بالفتح - لا بد له من محدِث - بالكسر -، وهذا دليل عقلي. وقد أمر الله تعالى بالتفكر في خلق السماء، والأرض , وهذا التفكر إنما يتم بالعقل، قال تعالى: (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ) الأعراف/١٨٥، وقال تعالى: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ) الروم/٨. ومن ذلك قول الأعرابي: البعرة تدل على البعير، وآثار السير تدل على المسير، فأرض ذات فجاج، وسماء ذات أبراج: ألا تدل على اللطيف الخبير؟! . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أما إثبات الصانع: فطرُقه لا تحصى بل الذي عليه جمهور العلماء أن الإقرار بالصانع فطري، ضروري، مغروز في الجِبِلَّة، ولهذا كانت دعوة عامَّة الرسل إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وكان عامَّة الأمَّة مقرين بالصانع، مع إشراكهم به بعبادة ما دونه، والذين أظهروا إنكار الصانع - كفرعون - خاطبتهم الرسل خطاب مَن يعرف أنه حق، كقول موسى لفرعون (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ) الإسراء/١٠٢، ولما قال فرعون: (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ) الشعراء/٢٣، قال له موسى: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) الشعراء/٢٤ – ٢٨. "منهاج السنة" (٢/٢٧٠) . وكون الله تعالى موصوفاً بكل كمال، ومنزهاً عن كل نقص معروف أيضاً بالعقل. ولكن هذه المعرفة معرفة إجمالية , وأما المعرفة التفصيلية: فلا تتم إلا بالشرع، فبه تُعرف أسماؤه تعالى الحسنى، وصفاته العلى. وقد سئل الشيخ عبد الرحمن البرَّاك حفظه الله: ما مدى جواز قول القائل: " عرفْنا ربَّنا بالعقل تفصيلاً "؟ وجزاكم الله خيراً. فأجاب: " الحمد لله، وبعد: لقد فطر الله عباده على معرفته، فإن الإنسان بفطرته يَعلم أن كل مخلوق لا بد له من خالق، وأن المُحدَث لا بد له من مُحدِث، وقد ذكر الله الأدلة الكونية من آيات السماوات والأرض على وجوده، وقدرته، وعلمه، وحكمته، ولهذا يذكِّر الله عباده بهذه الآيات، وينكر على المشركين إعراضهم عنها، قال تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) يوسف/ ١٠٥. وهذه المعرفة الحاصلة بالآيات الكونية هي من معرفة العقل، فتحصل بالنظر، والتفكُّر؛ ولهذا يقول تعالى: (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ) الأعراف/١٨٥، ويقول تعالى: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ) الروم/٨. والآيات بهذا المعنى كثيرة، ومع ذلك: فالمعرفة الحاصلة بالعقل هي معرفة إجمالية؛ إذ الإنسان لا يعرف ربه بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، على وجه التفصيل إلا بما جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، فالرسل صلوات الله وسلامه عليهم جاؤوا بتعريف العباد بربهم، بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وبهذا يُعلم أن العقول عاجزة عن معرفة ما لله من الأسماء، والصفات، وما يجب له، ويجوز عليه، على وجه التفصيل، فطريق العلم بما لله من الأسماء، والصفات تفصيلاً هو: ما جاءت به الرسل، ومع ذلك فلا يحيط به العباد علماً مهما بلغوا من معرفة، كما قال تعالى: (وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) طه/١١٠، وقال صلى الله عليه وسلم: (لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ) أخرجه مسلم (٤٨٦) . وبهذا يتبين أن من طرق معرفة الله طريقين: العقل، والسمع - وهو النقل - وهو ما جاء به الرسول ﷺ من الكتاب، والسنَّة، وأن مِن أسمائه وصفاته ما يُعرف بالعقل والسمع، ومنها ما لا يعرف إلا بالسمع. وبهذه المناسبة: يحسُن التنبيه إلى أنه يجب تحكيم السمع - وهو الوحي - وجعل العقل تابعاً مهتدياً بهدى الله، ومن الضلال المبين أن يعارَض النقل بالعقل، كما صنع كثير من طوائف الضلَاّل، من الفلاسفة، والمتكلمين. ووَفَّق الله أهل السنة والجماعة للاعتصام بكتابه، وسنَّة رسوله ﷺ ، واقتفاء آثار السلف الصالح، فحكّموا كتاب الله، وسنَّة رسوله ﷺ ، ووضعوا الأمور في مواضعها، وعرفوا فضيلة العقل، فلم يعطلوا دلالته، ولم يقدموه على نصوص الكتاب والسنَّة، كما فعل الغالطون، والمبطلون، فهدى الله أهل السنة صراطه المستقيم، فنسأل الله أن يسلك بنا سبيل المؤمنين، وأن يعصمنا من طريق المغضوب عليهم، والضالين. والله أعلم. من موقع الشيخ حفظه الله http://albarrak.islamlight.net/index.php?option=content&task=view&id=١١٦٤&Itemid=٢٥ أكرمنا الله، وإياك برؤية الله سبحانه في دار القرار. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13220

حكم إطلاق "سيدنا" على النبي ﷺ والتسمي بأسماء الله [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم إطلاق كلمة "سيدنا" على النبي محمد ﷺ وعلى الأولياء الصالحين؟ وحكم تسمية البشر بأسماء الله الحسنى مثل البصير والعزيز وغيرها؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إطلاق لفظ سيدنا على النبي ﷺ حق، لأنه سيد ولد آدم ﵊، وثبت عنه ﷺ أنه قال: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) وهو سيد العباد والمرسلين، فإذا قال الرجل: سيدنا محمد، اللهم صلِّ على سيدنا محمد. فلا بأس بهذا، هو سيد ولد آدم ﵊، وسيد الخلق. وإنما كره ذلك على الناس في حياته؛ لأنه خاف عليهم الغلو. لما قالوا: أنت سيدنا قال: (السيد الله ﵎ سداً للذريعة؛ خاف عليهم أن يغلوا فيه ﵊، ولكن بعد أن توفي ﵊، وأخبرنا أنه سيد ولد آدم فلا بأس أن تقول: سيدنا، ﵊، فهو خيرنا وسيدنا وإمامنا، وهو خليل الرحمن ﵊. أما بقية الناس فالأولى ألا يقال سيدنا ولا يخاطب بهذا، لكن لو قيل: فلان سيدهم، يعني رئيسهم. سيدهم فلان يعني أميرهم، وشيخ قبيلتهم فلا بأس. مثل ما قال النبي ﷺ لابنه الحسن: (إن ابني هذا سيد) وقال: (مَنْ سيد بني فلان؟) وقال للصحابة يوم جاء سعد بن معاذ ليحكم في بني قريظة: (قوموا إلى سيدكم) فهذا لا بأس به. لكن لا يقول: يا سيدنا. بل تركه أولى، لأن الرسول ﷺ قال: (السيد الله ﵎ ، ولأن هذا يفضي إلى التكبر والغلو فيه إذا قيل له هكذا. فالأولى أن يقول الناس: يا أخانا، يا أبا فلان فهذا يكفي، وأما إذا قيل على سبيل الإضافة: من سيد بني فلان، هذا فلان سيد؛ لأنه من بيت النبوة، أو لأنه فقيه، أو عالم أو شريف في نفسه في أخلاقه وأعماله أو جواد كريم ـ فلا بأس، لكن إذا خيف من إطلاق صفة سيد عليه أن يتكبر أو يتعاظم في نفسه يُترك ذلك. ولا يقال هذا للكافر ولا المنافق ولا العاصي؛ إنما يقال هذا للشيخ الكبير، للفقيه العالم الرئيس المعروف بالإصلاح والخير والحلم والفضل والجود. فإذا قيل لهؤلاء: سيد، فلا بأس، أما أن يخاطب: يا سيدنا فتركه أولى، أما إذا كان الفاجر أو المنافق سيد قومه فلا بأس أن يُقال له: يا سيد بني فلان. أما الشق الثاني من السؤال: فأسماء الرب تعالى قسمان: قسم يجوز التسمية به، وقسم لا يجوز، لا يقال: خلاق ولا رزَّاق، ولا رب العالمين، ولكن مثل عزيز وبصير لا بأس؛ فالله سمى بعض مخلوقاته كذلك: (فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) الإنسان/٢، (قَالَتْ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ) يوسف/٥١، مثل هذه الأشياء تطلق على المخلوق، عزيز قومه، كذا بصير بالأمور، أو بصير بمعنى المبصر، كذلك حكيم يعني المحكم فلا بأس بهذه الأشياء؛ لأنها مشتركة وللمخلوق نصيبه منها. والله له الأكمل منها ، لكن الأسماء المختصة بالله لا تطلق على غير الله، لا يقال الله لابن آدم، ولا الرحمن ولا الخلاق، ولا الرزاق ولا خالق الخلق أو ما أشبهه مما يختص بالله " انتهى. سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ والله أعلم "فتاوى نور على الدرب" (١/٤٧٢) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13221

يحتج بالقدر عند المعصية ويقول: " الله غالب " [السُّؤَالُ] ـ[في بلدنا كثيرا ما نقول كلمة "الله غالب"، وقد يكون ذلك في سياق الاحتجاج على عدم فعل أمر ما، فمثلا تقول لشخص لماذا لم تفعل كذا وكذا؟ فيجيب الله غالب، تقول لماذا لم توف بعهدك؟ فيجيب الله غالب، فما حكم هذه الكلمة؟ خاصة في ذلك السياق؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله يقول الله : (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) يوسف / ٢١ قال ابن كثير: " أي إذا أراد شيئا فلا يُرَد ولا يمانع ولا يخالف، بل هو الغالب لما سواه. قال سعيد بن جبير: أي: فعال لما يشاء " انتهى. "تفسير ابن كثير" (٤ / ٣٧٨) . وقال الشيخ السعدي ﵀: " أي: أمره تعالى نافذ، لا يبطله مبطل، ولا يغلبه مغالب، (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) فلذلك يجري منهم، ويصدر ما يصدر، في مغالبة أحكام الله القدرية، وهم أعجز وأضعف من ذلك " انتهى. "تفسير السعدي" (ص ٣٩٥) . وهذا كقوله تعالى: (وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ) الأنعام/ ١٨، ونحو ذلك. فقول القائل: " الله غالب " متى قصد به وصف الله بالغلبة والقدرة، والعزة والقهر، فقد وصف الله بما هو أهله. أما إن قصد به الاحتجاج لنفسه عند التقصير أو العصيان فهو من الاحتجاج بالقدر، والقدر إنما يحتج به على المصائب لا المعائب. قال شيخ الإسلام ﵀: " الْقَدَرَ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ وَلَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ عَلَى مُخَالَفَةِ أَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ " انتهى. "مجموع الفتاوى" (١ /١٥٥) . وقال أيضا: " وَلَمَا كَانَ الِاحْتِجَاجُ بِالْقَدَرِ بَاطِلًا فِي فِطَرِ الْخَلْقِ وَعُقُولِهِمْ: لَمْ تَذْهَبْ إلَيْهِ أُمَّةٌ مِنْ الْأُمَمِ، وَلَا هُوَ مَذْهَبُ أَحَدٍ مِنْ الْعُقَلَاءِ الَّذِينَ يَطْرُدُونَ قَوْلَهُمْ؛ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ عَلَيْهِ مَصْلَحَةُ أَحَدٍ لَا فِي دُنْيَاهُ وَلَا آخِرَتِهِ " انتهى. "مجموع الفتاوى" (١ / ١٦٧) . وقال الشيخ السعدي ﵀: " كل عاقل لا يقبل الاحتجاج بالقدر، ولو سلكه في حالة من أحواله لم يثبت عليها قدمه. وأما شرعا، فإن الله تعالى أبطل الاحتجاج به، ولم يذكره عن غير المشركين به المكذبين لرسله " انتهى. "تفسير السعدي" (١ / ٧٦٣) . وقد روى مسلم (٢٦٦٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ؛ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ) . قال شيخ الإسلام ﵀: " فأمره إذا أصابته المصائب أن ينظر إلى القدر ولا يتحسر على الماضي، بل يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، فالنظر إلى القدر عند المصائب والاستغفار عند المعائب " انتهى. "مجموع الفتاوى" (٨/ ٧٧) . وقال أيضا: " فإن الإنسان ليس مأمورا أن ينظر إلى القدر عند ما يؤمر به من الأفعال، ولكن عند ما يجرى عليه من المصائب التي لا حيلة له في دفعها، فما أصابك بفعل الآدميين أو بغير فعلهم اصبر عليه، وارض وسلم " انتهى. "مجموع الفتاوى" (٨/ ١٧٨) . ويقال لهذا القائل: كما أن الله " غالب على أمره "، فالله تعالى حكم قسط، له الخلق والأمر، وقد أمرنا بالطاعة، ونهانا عن المعصية؛ فالنظر إلى قدره، والاحتجاج به لإبطال شرعه، إنما هو من فعل المشركين، كما حكى الله تعالى عنهم ذلك، فقال الله تعالى: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) الأعراف/٢٨-٢٩. وينظر: إجابة السؤال رقم: (٢٠٨٠٦) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13222

لا يقال للكافر أو الفاسق: يا سيد [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز أن يقال للكافر: يا سيد. مثل أن يكتب بالفاتورة أو غيرها: السيد فلان وهو يعلم أنه كافر، أو أثناء الحديث معه بالإنجليزية مثلاً مستر فلان؟ وإذا كان لا يجوز أن يقال للكافر يا سيد؛ فما الدليل؟ أفيدونا أفادكم الله؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله " نعم، لا يقال للكافر: سيد، ولا للفاسق: سيد، لأنه ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تقولوا للمنافق سيدنا) فنهى النبي ﵊ عن هذا الشيء، فلا نبغي للمؤمن أن يقول للكافر ولا للفاسق سيداً، لأن هذا وصف عظيم لا يليق بالكافر والفاسق، والسيد هو الرئيس والكبير والفقيه ـ فلا ينبغي أن يقال للكافر بالله أو المعروف بالمعاصي الظاهرة لا يقال له سيد، بل يدعى باسمه المعروف: فلان، أو: أبي فلان، كما قال النبي ﷺ في عبد الله بن أبي: (ما فعل أبو الحباب) . فإن دعي بلقبه أو باسمه أو قيل فلان المدعو كذا وكذا فلا بأس ويكفي هذا، أما أن يقال السيد فلان، أو يأتي بما هو أعظم من ذلك، فلا يجوز لكونه فاسقاً معروفاً بالفسق، ولا حول ولا قوة إلا بالله " انتهى. سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ "فتاوى نور على الدرب" (١/٣٠٠) . وانظر جواب السؤال رقم (١٢٦٢٥) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13223

لا يعد هذا من سب الدهر [السُّؤَالُ] ـ[بعض الأناشيد الإسلامية، يذكر بها بعض الكلمات، لا أدري إن كانت مباحة أم لا؟ فمثلا هنالك نشيد يقال به (والله لو يمحو الزمان شمائلا سأظل وحدي طول عمري ثابتاً) ، وقد سمعت: أن الله نهى عن سب الدهر، فهل هذا الكلام مباح؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: هذا الحديث الذي أشار إليه السائل، رواه البخاري (٤٨٢٦) ، ومسلم (٢٢٤٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " قَالَ اللَّهُ : يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ بِيَدِي الْأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ". قال الإمام النووي في "شرح صحيح مسلم" (٧/٤١٩) : " قَالَ الْعُلَمَاء: وَهُوَ مَجَاز، وَسَبَبه أَنَّ الْعَرَب كَانَ شَأْنهَا أَنْ تَسُبّ الدَّهْر عِنْد النَّوَازِل وَالْحَوَادِث وَالْمَصَائِب النَّازِلَة بِهَا مِنْ مَوْت أَوْ هَرَم أَوْ تَلَف مَال أَوْ غَيْر ذَلِكَ، فَيَقُولُونَ: يَا خَيْبَة الدَّهْر، وَنَحْو هَذَا مِنْ أَلْفَاظ سَبّ الدَّهْر، فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ : " لَا تَسُبُّوا الدَّهْر فَإِنَّ اللَّه هُوَ الدَّهْر " أَيْ لَا تَسُبُّوا فَاعِل النَّوَازِل، فَإِنَّكُمْ إِذَا سَبَبْتُمْ فَاعِلهَا وَقَعَ السَّبّ عَلَى اللَّه تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ هُوَ فَاعِلهَا وَمُنْزِلهَا. وَأَمَّا الدَّهْر الَّذِي هُوَ الزَّمَان فَلَا فِعْل لَهُ، بَلْ هُوَ مَخْلُوق مِنْ جُمْلَة خَلْق اللَّه تَعَالَى " انتهى. قال الشيخ ابن عثيمين في "القول المفيد على كتاب التوحيد" (٢/٢٤٠) : " وسب الدهر ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: أن يقصد الخبر المحض دون اللوم ; فهذا جائز، مثل أن يقول: تعبنا من شدة حر هذا اليوم أو برده، وما أشبه ذلك ; لأن الأعمال بالنيات، ومثل هذا اللفظ صالح لمجرد الخبر، ومنه قول لوط ﵊: " هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ " هود/٧٧. الثاني: أن يسب الدهر على أنه هو الفاعل، كأن يعتقد بسبه الدهر، أن الدهر هو الذي يقلب الأمور إلى الخير والشر، فهذا شرك أكبر لأنه اعتقد أن مع الله خالقا ; لأنه نسب الحوادث إلى غير الله، وكل من اعتقد أن مع الله خالقا ; فهو كافر، كما أن من اعتقد أن مع الله إلها يستحق أن يعبد، فإنه كافر. الثالث: أن يسب الدهر لا لاعتقاده أنه هو الفاعل، بل يعتقد أن الله هو الفاعل، لكن يسبه لأنه محل لهذا الأمر المكروه عنده ; فهذا محرم، ولا يصل إلى درجة الشرك، وهو من السفه في العقل والضلال في الدين ; لأن حقيقة سبه تعود إلى الله - سبحانه - ; لأن الله تعالى هو الذي يصرف الدهر، ويُكَوِّن فيه ما أراد من خير أو شر، فليس الدهر فاعلا، وليس هذا السب يُكَفِّر ; لأنه لم يسب الله تعالى مباشرة " انتهى. ثانياً: ما جاء في هذا النشيد لا يعتبر سباً للدهر؛ لأنه من باب الإخبار، فهو إخبار بعزمه على الثبات على أخلاقه ومبادئه، حتى وإن تغير حال غيره، مع مرور الأيام والأزمان. وهذا المعنى صحيح، لا إشكال فيه. وذكر ما يحدث في الدهر، وما تنزل فيه من مصائب، وكوارث، وتقلب أحوال الناس فيه بين الخير والشر لا يعد سباً للدهر، كما سبق. وفي صحيح البخاري (٧٠٦٨) عن الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ قَالَ: أَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنْ الْحَجَّاجِ، فَقَالَ: (اصْبِرُوا فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، سَمِعْتُهُ مِنْ نَبيِّكُمْ ﷺ . ولا يزال هذا الأمر – أعني فساد أحوال الزمان – يتتابع شيئا فشيئا، وينقص العلم، ويظهر الشح ويتغير الناس حتى لا يبقى في آخر الزمان إلا شرار الخلق، يتهارجون تهارج الحُمُر، وعليهم تقوم الساعة. عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ وَيَنْقُصُ الْعَمَلُ وَيُلْقَى الشُّحُّ وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ قَالُوا وَمَا الْهَرْجُ قَالَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ " رواه البخاري (٦٠٧٣) ، ومسلم (١٥٧) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13224

قولهم: يسار ما تشناك (يعني: تسوؤك) ويسارك يمينك [السُّؤَالُ] ـ[عندنا إن قدم لك أحدٌ شيئاَ بيده الشمال لسبب ما قال: (يسار ما تشناك) يعني: تسوؤك، فيرد عليه بـ (يسارك يمينك) ولا نقصد بذلك مشابهة الله في أن كلتا يديه يمين، ولكن من باب أنه لا يضير أن تأخذ ممن قال لك هذه المقولة بشماله أو يمينه، فهل هذا اللفظ صحيح؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله جاء النهي عن الأخذ والإعطاء بالشمال، فيما رواه ابن ماجه (٣٢٦٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (لِيَأْكُلْ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ، وَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، وَلْيَأْخُذْ بِيَمِينِهِ، وَلْيُعْطِ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ، وَيُعْطِي بِشِمَالِهِ، وَيَأْخُذُ بِشِمَالِهِ) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه. وروى مسلم (٢٠٢٠) عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (لَا يَأْكُلَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِشِمَالِهِ، وَلَا يَشْرَبَنَّ بِهَا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِهَا) . وَكَانَ نَافِعٌ يَزِيدُ فِيهَا: (وَلَا يَأْخُذُ بِهَا، وَلَا يُعْطِي بِهَا) . قال الشوكاني ﵀ في "نيل الأوطار" (٨/١٨٣) : " قوله: (لا يأكل أحدكم بشماله) فيه: النهي عن الأكل والشرب بشماله , والنهي حقيقة في التحريم كما تقرر في الأصول , ولا يكون مجرد الكراهة فقط إلا مجازا مع قيام صارف. قال النووي: وهذا إذا لم يكن عذر , فإن كان عذر يمنع الأكل أو الشرب باليمين من مرض أو جراحة أو غير ذلك فلا كراهة في الشمال " انتهى. وعليه؛ فإن قدم أحد شيئا بشماله لعذر فلا شيء عليه، وقوله حينئذ: يسار ما تشناك، أي ما تشنؤك، من الشناءة وهي البغض، لعل صوابه أن يقول: يمين ما تشناك، أي أن اليمين معذورة في عدم التقديم بها، وليس بها من شناءة لك. أو يكون المراد: أن الشمال أيضاً تحبك ولها نصيب من خدمتك. وقول الآخذ: يسارك يمينك، يقصد أنه لا يضرك بأيهما أعطيت، إن كان مع وجود العذر فلا شيء فيه، وإن كان مع انتفاء العذر كان قولا خاطئا مصادما للشرع؛ لأن الشمال ليست كاليمين، بل يُنهى عن الإعطاء بها كما تقدم. وقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: ما حكم قول الرجل لأخيه: يسارك يمين. إذا هو لم يستطع أن يعطيه شيئاً بيده اليمنى فيعطيه بيده اليسرى ويقول له: يسارك ما تشناك. ونحن نعلم أنه لا يوجد أحد يساره يمين إلا الله ؟ فأجاب: "على كل حال هذا حسب نية القائل، إذا قال: يسارك يمين. بمعنى أنها تكون عوضاً عن اليمين عند العجز فلا بأس، ولا أظن أحداً يريد أن يشبه المخلوق بالخالق في هذه المسألة. وأما يسارك ما تشناك، فأنا لا أعرف ما معناها. السائل: يا شيخ! معروف هذا، ومثال ذلك: شخص أعطى آخر شيئاً باليسار فلئلا يأخذ الآخر في نفسه يقول: شمال ما تشنأك. أي: ما تشنؤك، من الشنآن وهو البغض، فيجيب الآخذ: يسارك يمين! الشيخ: أولاً هذه ما سمعناها، ما هي موجودة في مجتمعنا هنا، لكن لا أظن أن الرجل يقصد التشبيه بالله " انتهى من "الفتاوى الثلاثية". والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13225

حكم قول الإنسان: شوفتك ترد الروح [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم قول: ردت الروح لي ... بحيث تقال في حال شرب ماء.. أو رؤية صديق,, لم يره منذ زمن ... ويقول له: شوفتك ترد الروح ... ما حكم ذلك؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذه العبارات الدارجة على ألسنة الناس لا يراد بها حقيقتها من أن الروح فارقت البدن ثم عادت إليه، أو أن رؤية فلان من الناس تعيد الروح للميت، وإنما مرادهم حصول الراحة والسرور بعد الألم والضيق، حتى يكون الإنسان بعدها بمنزلة من عادت إليه الحياة. والروح لا تفارق البدن إلا في حال الموت ويبقى لها به نوع من التعلق، وتفارقه مفارقة جزئية حال النوم. قال ابن القيم ﵀: " الروح لها بالبدن خمسة أنواع من التعلق متغايرة الأحكام: أحدها: تعلقها به في بطن الأم جنينا. الثاني: تعلقها به بعد خروجه إلى وجه الأرض. الثالث: تعلقها به في حال النوم فلها به تعلق من وجه ومفارقة من وجه. الرابع: تعلقها به في البرزخ فإنها وإن فارقته وتجردت عنه فإنها لم تفارقه فراقا كليا بحيث لا يبقى لها التفات إليه البتة، وقد ذكرنا من الأحاديث والآثار ما يدل على ردّها إليه وقت سلام المسلِّم، وهذا الرد إعادة خاصة لا يوجب حياة البدن قبل يوم القيامة. الخامس: تعلقها به يوم بعث الأجساد، وهو أكمل أنواع تعلقها بالبدن، ولا نسبة لما قبله من أنواع التعلق إليه إذ (هو) تعلق لا يقبل البدن معه موتا ولا نوما ولا فسادا. ... وإذا كان النائم روحه في جسده وهو حي وحياته غير حياة المستيقظ فإن النوم شقيق الموت، فهكذا الميت إذا أعيدت روحه إلى جسده كانت له حال متوسطة بين الحي وبين الميت الذي لم ترد روحه إلى بدنه، كحال النائم المتوسطة بين الحي والميت، فتأمل هذا يزيح عنك إشكالات كثيرة " انتهى من "كتاب الروح" ص ٤٤. والحاصل: أنه لا حرج في قول الإنسان: ردت الروح لي، وما شابه ذلك على إرادة معنى صحيح كحصول الفرج والفرح والسرور، بعد الشدة والألم والضيق. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13226

حكم المقولات المنتشرة " باسم الحب " و " أقسم باسم العشق " ونحوهما [السُّؤَالُ] ـ[منذ فترة لفت انتباهي في بعض المنتديات البعض تدفعه عواطفه نحو المقرَّب إلى نفسه، يهديه كلمات، وأنا متأكدة أنها دون قصد؛ لأننا لا نعلم الحكم في هذا اللفظ، وأرجو منكم مساعدتي؛ لأني فعلاً في حيرة من أمري، مثلاً: " باسم الحب أهديك قلبي "، " أقسم باسم الصداقة سأبقى وفيّاً "، " أحلف باسم العشق "، " باسم الهوى أحبك "، " باسم الحب ". سؤالي: باسم الحب وغيره ألا يعتبر هذا حلفاً بغير الله ؟ من الأساس هل جائز القسم باسم الحب، وغيره، وعند كتابتي " باسم الحب " هل هذا حلف أم لا؟ هل جائز المناداة أو المخاطبة باسم الحب، أو العشق، وغيره؟ . أتمنى أن لا أكون أثقلت عليكم بالأسئلة.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: أما الحلف والقسَم: فلا يجوز إلا بالله تعالى، وبأسمائه، وصفاته، ولا يحل لأحدٍ أن يحلف بغير الله تعالى، فإن فعل: وقع فيما حرَّم الله عليه، وهو شرك أصغر بمجرده، فإن كان المحلوف به عند الحالف في منزلة الله تعالى أو أعظم: كان حلفه كفراً مخرجاً عن الملة، وهو بتنزيله للمحلوف به منزلة الله يكون كافراً أصلاً حتى لو لم يحلف به، لكن حلفه به مع ذلك الاعتقاد السيء علامة على كفره أصلاً. وعليه: فيكون قول القائل: " أقسم باسم الصداقة سأبقى وفيّاً "، " أحلف باسم العشق "، وما يشبهه: من الحلف بغير الله، وهو محرَّم، يجب صون اللسان عنه. وانظر أجوبة الأسئلة: (٣٤٥٠١) و (١١٥٤٧٤) و (١٠٧٤) . ثانياً: أما قول القائل " باسم الحب "، أو " باسم الوطن "، أو " باسم الحرية "، وما يشبهه: ففيه تفصيل: ١- أن يكون في ابتداء الكلام، قاصداً قائله التبرك، والاستعانة به، وهو ما يكون مقابل قول الموحدين " بسم الله الرحمن الرحيم ": فهذا شرك، وقد يكون شركاً أكبر، وذلك بحسب منزلة هذا المتبرك والمستعان به، كما سبق في الحلف والقسم. ٢- أن يكون في ابتداء الكلام، أو أثنائه، قاصداً قائله أن يكون وكيلاً حقيقيّاً، أو مجازيّاً عن المتكلم باسمه، كأن يتكلم باسم " الطلاب "، أو باسم " المسلمين "، أو باسم " المتهم "، أو ما يشبهه: فهذا جائز، ولا حرج فيه. ٣- أن يتكلم بكلام فيه عشق وغرام، ويدعي أنه يتكلم باسم " الحب "! أو يتكلم عن الوفاء، ويدعي أنه يتكلم باسم الوفاء، وهكذا في أمور معنوية، يريد تسويق كلامه على أن كلامه جزء من اللفظ المزعوم – كالحب، والوفاء -: فكل هذا ليس شركاً في حدِّ ذاته، لكنه يأثم بحسب كلامه، وما يحويه من فحش، وبحسب من يخاطبه به، فإن كان كلاماً عن الغرام، والعشق، والعلاقات المحرَّمة، وكان مع أجنبية عنه: حرم عليه قوله، وحرم على المخاطبة الأجنبية استماعه منه أو قراءته؛ لما في ذلك من نشر الفاحشة، والتهييج على فعل المعاصي، والآثام. وإن كان كلاماً من زوج مع زوجته: كان جائزاً، غير أنه ينبغي أن يكون بينهما، لا يطلع عليه أحد سواهما. ٤- أن يكون كلاماً في معان سامية – كالأُخوَّة، والوفاء، والصلة -: كان جائزاً أيضاً، بشرط أن يكون مطابقاً للحكم الشرعي المنزل في الكتاب والسنَّة، فلا يتكلم عن وفاء العشيق لمعشوقته، ولا عن صلة الحبيبة بحبيبها، بل الجائز منه ما كان كلاماً شرعيّاً، مطابقاً للشرع. وهذه فتاوى أهل العلم فيما سبق ذِكره: ١. سئل علماء اللجنة الدائمة: بعض من يقوم بالتقديم لمحاضر، أو شيخ، يقول في البداية: " باسمي، وباسمكم أرحِّب بفضيلة الشيخ " مثلا، فهل يجوز ذلك؟ ، وكذلك من يقول: " باسم الشعب، أو الحكومة "، وغيره. فأجابوا: إذا كان المقصود أنه يرحب بالقادم، أو الحاضر، أصالة عن نفسه، ونيابة عمَّن أقاموه في هذا الأمر: فلا حرج في ذلك. وإذا كان يقصد الاستفتاح بها بدلاً من اسم الله: فهو ممنوع. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. " فتاوى اللجنة الدائمة " (٢٦ / ١٣٩، ١٤٠) . سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀: عن هذه العبارات: " باسم الوطن "، " باسم الشعب "، " باسم العروبة "؟ فأجاب: هذه العبارات: إذا كان الإنسان يقصد بذلك أنه يعبِّر عن العرب، أو يعبِّر عن أهل البلد: فهذا لا بأس به. وإن قصد التبرك، والاستعانة: فهو نوعٌ من الشرك، وقد يكون شركاً أكبر، بحسب ما يقوم في قلب صاحبه من التعظيم بما استعان به. " مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " (٣ / ٨٨، ٨٩) ، وانظر: معجم المناهي اللفظية، للشيخ بكر أبو زيد ﵀ (١٧١) . ثالثاً: ننبه هنا إلى حرمة هذه العلاقات بين الرجال والنساء الأجانب، في المنتديات، والجامعات، والمدارس، والعمل، وغيرها من نواحي الحياة، سواء كانت العلاقات شخصية ذاتية، أو بالمكالمات الهاتفية، أو بالمراسلات الكتابية، وكل ذلك من وسائل إغواء الشيطان للمسلمين للإيقاع بهم في جرائم شنيعة، وكبائر قبيحة. وقد بيَّنا حكم المراسلة والمحادثة بين الجنسين في فتاوى متعددة، فانظروا أجوبة الأسئلة: (٧٨٣٧٥) و (٣٤٨٤١) و (٢٣٣٤٩) و (٢٠٩٤٩) ، (٢٦٨٩٠) ، (٨٢٧٠٢) . وانظروا جواب السؤال رقم: (٨٢١٩٦) ففيه بيان حكم مشاركة المرأة في المنتديات، ومناقشة الرجال. وانظروا جواب السؤال رقم: (١٠٤٣٩٨) ففيه بيان مسئولية أصحاب المواقع، والمشرفين عليها عن وجود المنكرات، والصور المحرمة. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13227

لا حرج في إطلاق كلمة " زنوبة " على نوع من الحذاء المنزلي [السُّؤَالُ] ـ[ما هو مدى صحة المقولة التالية: اعتاد الناس استخدام (نعال زنوبة) كبار وصغار، فنحن ندلع الفتاة الصغيرة التى اسمها زينب: زنوبة، ولكن الأمويين هم أول من أطلقوا اسم زنوبة على نعلتهم، استهزاء بالسيدة زينب ﵍، وكأنهم لا يعرفون أنها بنت أشرف الخلائق وأحسنهم نسبا، فهي زينب حفيدة الرسول ﷺ ، وهي بنت علي وفاطمة الزهراء، وهي أخت الحسن والحسين. فيا مسلمون، احذروا استخدام كلمة زنوبة.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله " زنوبة " تصغير عامي لاسم زينب، والتصغير الفصيح هو: زوينب. يقول الزبيدي ﵀: " زينب بنت أم سلمة، كان رسول الله ﷺ يدعوها زُناب بالضم، هكذا ضبطه الأمير، ويصغرها العوام فيقولون: زنوبة " انتهى. " تاج العروس " (٣/٢٧) وهي من الكلمات العامية التي تطلق أيضا في بعض البلدان العربية على نوع من الحذاء المنزلي، مصنوع من البلاستيك، رقيق المداس، وله في مقدمته مشبك واحد يدخل بين أصابع الأقدام كي يثبت فيها. فهذان الاستعمالان من الاستعمالات العامية التي ليس لها علاقة باللغة العربية الفصحى، فمن أين جاء صاحب المقولة الواردة في السؤال بتاريخ هذه الكلمة، ويزعم أن منشأها أيام الدولة الأموية، ولو بحثت في معاجم اللغة العربية المتقدمة لما وجدت لكلمة " زنوبة " أثرا، مما يدلك على حدوث هذه الكلمة، ولذلك نص الزبيدي أن نفس الصيغة من تصغير العوام، وأن ما ينتشر في بعض المنتديات من التحذير منها هو من تلفيق بعض جهلة الشيعة المعاصرين، وإلا فلم نجد شيئا في التحذير منها في كتب الشيعة المتقدمين رغم كثرة الخرافات والأساطير فيها. فالذي نراه أنه لا حرج من استعمالها كما يستعملها العامة، وإن كنا نختار ونحب اعتياد اللغة الفصحى في كلماتنا وخطاباتنا، فهي لغة القرآن الكريم، ولغة النبي ﷺ ، ولغة العلم والعلماء. وقد وجدنا من علمائنا المعاصرين من يستعمل كلمة " زنوبة " على هذا النوع من الحذاء المنزلي، فقد جاء في " فتاوى اللجنة الدائمة " (٦/٢١٥) قولهم: " إذا كانت النعال زنوبة أو غيرها فيها شيء من الأوساخ والرطوبة التي تؤذي المصلين وتوسخ الفرش فينبغي لصاحبها أن يحملها في يديه حتى يضعها في مكان مناسب لا يحصل به أذى لأحد " انتهى. وأخيرا لا بد من تنبيه إخواننا المسلمين على الحرص على التثبت من المعلومات التي يسمعونها ويقرؤونها، والبحث عن مصادر هذه المعلومات والتأكد من صدقها، وعدم نشرها أو العمل بها قبل التأكد منها، وبذلك تصفو لنا ثقافتنا وشريعتنا من كل الشبهات والخرافات. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13228

إذا أصيب أحد بمصيبة قالوا: والله ما يستاهل [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم قول هذه الكلمات: أ- توفي شخص فقال بعضهم: والله ما يستاهل. ب – إذا حصل أذى للإنسان قالوا: مسكين. يعني: لماذا يحصل له هذا؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "أولاً: قول: (والله ما يستاهل) لا يجوز استعماله؛ لأنه اعتراض على الله جل وعلا في حكمه وقضائه، إذ معناها: أن ما أصاب فلاناً من مرض أو محنة أو موت ونحو ذلك لا يستحقه، وهذا طعن في حكمة الله سبحانه. ثانياً: قول: (مسكين) لمن حصل له أذى، يعني لماذا يحصل له هذا: يقال في هذا اللفظ ما قيل في اللفظ الأول. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ ... الشيخ عبد الله بن غديان ... الشيخ صالح الفوزان ... الشيخ بكر أبو زيد. "فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" (٢٦/٣٦٠) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13229

التفصيل في حكم إطلاق الألقاب على الناس، وكلمة حول إطلاق لقب " حمار " على صحابي ! [السُّؤَالُ] ـ[ي يتعلق بالألقاب، فإن زملائي في المدرسة يلقبون بعضهم البعض بألقاب مختلفة، ولا ينزعج بعضهم من بعض، فهل هذا جائز؟ وهل صحيح أن النبي ﷺ داعب امرأة طاعنة في السن وقال لها (لا يدخل الجنة عجوز) ؟ وهل صحيح أنه كان هناك رجل في زمن النبي ﷺ يُلقب بـ " حمار "؟ فكيف نجمع بين هذه الأحاديث وقول الله تعالى في سورة الحجرات (ولا تنابزوا بالألقاب) ؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: الأصل في أدب الشرع أن ينادى الإنسان بأحب الأسماء إليه، ولا بأس بمخاطبته بكنيته التي يحبها، وأما اللقب فإن غالب استعماله في الذم، ومثل هذا لا يجوز استعماله، إلا أن يُعرف أن صاحبه لا يكرهه، أو أنه لا يُعرف إلا به، وأما تلقيب الشخص بقلب يكرهه: فلا يحل فعله، وهو من التنابز المنهي عنه في الشرع، والتلقيب بألقاب فاحشة ومنكرة منتشر بين الطلاب بعضهم مع بعض، ويطلقونه على مدرسيهم، كما أنه منتشر بين أهل المهن اليدوية، وأكثر تلك الألقاب منهي عنها، وكثير منها لا يخلو من طعن، وقذف في العرض، واتهام بالسوء والفحش، وتعييب خلقة الله تعالى. قال الشاعر: أكنيه حين أناديه لأكرمه ... ولا ألقبه والسوأة اللقب قال ابن القيم ﵀: الفرق بين الاسم والكنية واللقب: هذه الثلاثة وإن اشتركت في تعريف المدعو بها: فإنها تفترق في أمرٍ آخر، وهو: أن الاسم إما أن يُفهم مدحاً، أو ذمّاً، أو لا يفهم واحداً منهما، فإن أفهم ذلك فهو: اللقب، وغالب استعماله في الذم، ولهذا قال الله تعالى: (ولا تنابزوا بالألقاب) الحجرات/ ١١، ولا خلاف في تحريم تلقيب الإنسان بما يكرهه، سواء كان فيه، أو لم يكن، وأما إذا عُرف بذلك واشتهر به، كالأعمش، والأشتر، والأصم، والأعرج: فقد اضطرد استعماله على ألسنة أهل العلم، قديماً، وحديثاً، وسهَّل فيه الإمام أحمد. قال أبو داود في " مسائله ": سمعت أحمد بن حنبل سئل عن الرجل يكون له اللقب لا يُعرف إلا به، ولا يكرهه، قال: أليس يقال سليمان الأعمش، وحميد الطويل؟ كأنه لا يرى به بأساً. قال أبو داود: سألت أحمد عنه مرة أخرى فرخص فيه، قلت: كان أحمد يكره أن يقول " الأعمش "، قال الفضيل: يزعمون كان يقول " سليمان ". وإما أن لا يُفهم مدحاً، ولا ذمّاً، فإن صُدِّر بـ " أب "، و " أم ": فهو الكنية، كأبي فلان، وأم فلان. وإن لم يُصدر بذلك: فهو الاسم، كزيد، وعمرو، وهذا هو الذي كانت تعرفه العرب، وعليه مدار مخاطباتهم، وأما فلان الدين، وعز الدين، وعز الدولة، وبهاء الدولة: فإنهم لم يكونوا يعرفون ذلك، وإنما أتى هذا من قبَل العجم. " تحفة المودود بأحكام المولود " (ص ١٣٥، ١٣٦) . وعليه: فما يحصل بين الطلاب من إطلاق ألقاب بعضهم على بعض: فإنه يُنظر في أمرين حتى يكون مباحاً: الأول: خلو اللقب من فحش، وسوء، وقذف، ولو رضي به الملقَّب؛ لأنه قد يكون سفيهاً، ولا يهتم لطعن الناس، وقذفهم، أو قد يكون اللقب فيه طعن في أهله الذين يكرههم، فيمنع من إطلاق اللقب الفاحش لكونه منكراً بذاته، ولو رضي به الملقَّب. الثاني: رضى الملقَّب بما أطلق عليه من ألقاب، وعدم كراهيته له، فهو صاحب الحق، وله أن يمنع الناسَ من تلقيبه، كما له الحق في الموافقة عليه. فإذا خلا اللقب من فحش وسوء في ذاته، ورضي به الطالب – وغيره -: فلا مانع من إطلاق ذلك اللقب عليه. وأحياناً يكون اللقب ملتصقاً بالطالب – وغيره – لا ينفك عنه، ولا يُعرف إلا به، فيجوز إطلاقه عليه من باب التعريف، لا من باب المناداة به، وبينهما فرق. قال الحافظ العلائي – ﵀: والحاصل أن الألقاب على ثلاثة أقسام: قسم منها لا يُشْعِرُ بذمٍّ، ولا نقص، ولا يَكره صاحبُه تسميته به: فلا ريب في جوازه كما في قول النبي ﷺ (أصَدَقَ ذو اليدين؟) فقد تقدم أن هذا الصحابي ﵁ كانت يداه طويلتين، وأنه يحتمل أن يكون ذلك كناية عن طولهما بالبذل، والعمل، وأيّاً ما كان: فليس ذلك مما يقتضي ذمّاً، ولا نقصاً. وثانيهما: يُشعر بتنقص المسمَّى به، وذمِّه، وليس ذلك بوصف خَلْقي: فلا ريب في تحريم ذلك؛ لدلالة الآية الكريمة، ولا يزول التحريم برضى المسمَّى به بذلك، كما لا يرتفع تحريم القذف، والكذب برضى المقول فيه بذلك، واستدعائه من قائله. وثالثها: ما يشعر بوصف خَلقي، كالأعمش، والأعرج، والأصم، والأشل، والأثرم، وأشباه ذلك، فما غلب منه على صاحبه حتى صار كالعلَم له، بحيث أنه ينفك عنه قصد التنقص عند الإطلاق غالباً: فليس بمحرم، ولعل إجماع أهل الحديث قديماً وحديثاً على استعمال مثل ذلك، ولا يضر كون المقول فيه يكرهه؛ لأن القائل لذلك لم يقصد تنقصه، وإنما قصد تعريفه، فجاز هذا للحاجة كما جاز جرح الرواة وذكر مثالبهم للحاجة إليه، وما كان غير غالب على صاحبه، ولا يُقصد به العلمية، والتعريف له: فلا يسمى لقباً، ولكنه إذا عُلم رضى المقول فيه بذلك، ولم يقصد تنقصه بهذا الوصف: لم يحرم، ومتى وُجد أحد هذين: كان حراماً، والله أعلم. " نظم الفرائد لما تضمنه حديث ذي اليدين من الفوائد " (ص ٤٢٠ – ٤٢١) . وينظر جواب السؤال سؤال رقم (٧٦٦٠) . ثانياً: أما بخصوص السؤل عن حديث (لا يدخل الجنة عجوز) : فقد رواه الإمام الترمذي في " الشمائل المحمدية " (ص ١٩٩) عن الحسن البصري قال: أتت عجوز إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يدخلني الجنة، فقال: يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها عجوز، قال: فولَّت تبكي، فقال: أَخْبِرُوهَا أَنَّها لَا تَدْخُلُهَا وَهِيَ عَجُوزٌ، إِنَّ الله تعالى يَقُول (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً. عُرُباً أَتْرَاباً) الواقعة/ ٣٥ – ٣٧. انتهى والحديث كما هو ظاهر: مرسل، ولذا ضعفه طائفة من علماء الحديث، وهو حريٌّ بالتضعيف، وفي متنه نكارة، وهو ترويع النبي ﷺ لتلك المرأة، وقد نهانا عن الترويع جادين، وهازلين، وليس هذا من خلُقه ﷺ ، وقد ذكر الشيخ الألباني ﵀ للحديث شواهد، وحسَّنه بها، فانظر " السلسلة الصحيحة " (٢٩٨٧) ، فالله أعلم. ثالثاً: أما بخصوص الصحابي الذي كان يلقب " حماراً ": فقد ثبت هذا في البخاري وغيره. عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ اللَّهُمَّ الْعَنْهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (لَا تَلْعَنُوهُ فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) . رواه البخاري (٦٣٩٨) . والسؤال هو: كيف أُطلق عليه هذا اللقب، وظاهر الأمر أنه لقب سوء؟ . والجواب: أن مثل هذا اللقب كان مألوفا عند العرب، بل كانوا يجعلونه من الأسماء التي يسمي أحدهم بها بنيه! وليس فقط لقباً، ومنه اسم الصحابي " عياض بن حمار "، و " عبد الله بن جحش "، وغيرهما، وإنما كان يُنظر في ذلك لمعانٍ غير التي يتوهمها أهل زماننا. ومن ذلك ما لقِّب به الخليفة الأموي مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، فقد لقِّب " مروان الحمار "! لصبره، وجلَده. قال الحافظ بدر الدين العيني – ﵀: قوله " وكان يلقب حماراً ": لعله كان لا يكره ذلك اللقب وكان قد اشتهر به. " عمدة القاري " (٢٣ / ٢٧٠) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] موقع الإسلام سؤال وجواب

стр. 13230

حكم عبارة "حرية الفكر " [السُّؤَالُ] ـ[نسمع ونقرأ كلمة "حرية الفكر"، وهي دعوة إلى حرية الاعتقاد، فما تعليقكم على ذلك؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله " تعليقنا على ذلك أن الذي يجيز أن يكون الإنسان حر الاعتقاد، يعتقد ما شاء من الأديان، فإنه كافر؛ لأن كل من اعتقد أن أحداً يسوغ له أن يتدين بغير دين محمد ﷺ ، فإنه كافر بالله يستتاب، فإن تاب وإلا وجب قتله. والأديان ليست أفكاراً، ولكنها وحي من الله ينزله على رسله، ليسير عباده عليه، وهذه الكلمة ـ أعني كلمة فكر ـ التي يقصد بها الدين: يجب أن تحذف من قواميس الكتب الإسلامية، لأنها تؤدي إلى هذا المعنى الفاسد، وهو أن يقال عن الإسلام: فكر، والنصرانية فكر، واليهودية فكر ـ وأعني بالنصرانية التي يسميها أهلها بالمسيحية ـ فيؤدي إلى أن تكون هذه الشرائع مجرد أفكار أرضية يعتنقها من شاء من الناس، والواقع أن الأديان السماوية أديان سماوية من عند الله ، يعتقدها الإنسان على أنها وحي من الله، تَعَبَّد بها عبادَه، ولا يجوز أن يطلق عليها "فكر". وخلاصة الجواب: أن من اعتقد أنه يجوز لأحد أن يتدين بما شاء، وأنه حر فيما يتدين به، فإنه كافر بالله ؛ لأن الله تعالى يقول: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) آل عمران/٨٥، ويقول: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) آل عمران/١٩. فلا يجوز لأحد أن يعتقد أن ديناً سوى الإسلام جائز، يجوز للإنسان أن يتعبد به، بل إذا اعتقد هذا فقد صرح أهل العلم بأنه كافر كفراً مخرجاً عن الملة " انتهى. "مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ ابن عثيمين" (٣/٩٩، ١٠٠) . وللفائدة ينظر جواب السؤال رقم (١٠٤٣٤٢) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13231

أسلوب عامي يقرن لفظ الجلالة في كل تعبير للدلالة على المبالغة [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم قول حلوة ل الله، أو بعيدة ل الله، للدلالة على الكثرة والزيادة: فمثلاً إذا أريد التدليل على أن الشيء بعيد جداً فيقال: بعيدة ل الله، فيقرن اسم الله تعالى بقوله، بعيدة ل الله؛ لأن الله تعالى يدل على العظمة. فإن عظم عليه شيء أو صعب عليه فيقول صعب ل الله. وهذا قول منتشر بين بعض الناس، ويقرن كثيراً بكل شيء، يراد به التدليل على الكثرة، مثل: قصير ل الله، طويل ل الله، حقير ل الله، قوي ل الله، غير لذيذ ل الله. وقول آخر للدلالة على الانزعاج فيقول: أنا واصلة معي لعند الله. فإن كانت الأقوال السابقة مخالفة لشرع الله تعالى، ومحرمة، فما سبب ذلك، وما الدليل على التحريم؟ ، وهل يختلف القول على حسب اقترانه بشيء حسن أو شيء قبيح في الحكم، فمثلا: جميل ل الله، تختلف عن قبيح ل الله؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إذا قصد قائل هذه العبارات الاستخفاف بِقَدْرِ الله، أو الاستهانة بجلاله : كَفَرَ باتفاق علماء المسلمين. أما إِن لم يقصد ذلك: فلا يجوز للمسلم – على جميع الأحوال - أن يعتاد مثل هذه الألفاظ في كلامه وخطابه، وذلك: ١- لأن في اعتيادها جرأة على لفظ الجلالة، وإشعارا بالتعدي على عظمته وجلالته، والاستخفاف بحقه، والواجب على المسلم تعظيم أسماء الله تعالى، وصيانتها، وحفظ جلالتها عن كل سبيل قد يؤدي إلى الاستخفاف بها، أو الوقوع في الخطأ فيها. ٢- ثم إن الذي يظهر لنا – من قرائن أحوال قائلي هذه الكلمات – أنها تصدر في أحيان كثيرة عن حَنَقٍ وغضب يَشْعُرُ قائلُها نفسُه أنه قد تجاوز الأدب والحدود مع الله ، نخص من ذلك قوله: " أنا واصلة معي لعند الله "، فسوء أدب هذه العبارة ظاهر، يخشى على قائلها من عقوبتها يوم القيامة، وكذلك إرداف لفظ الجلالة لبعض الأوصاف السيئة، كما جاء في السؤال من قول بعض العامة: " حقير ل الله "، فهذا فيما نرى لفظ كفري يخشى على قائله من الردة والعياذ بالله. ٣- والله يقول: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ) الحج/٣٠، ويقول : (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) الحج/٣٢. يقول الشيخ محمد الخادمي الحنفي ﵀: " من آفات اللسان (ما فيه خوف الكفر) ، وهو الذي لم يجزم الفقهاء بإيجابه كفرا، بل قالوا فيه خوف الكفر، أو خيف فيه الكفر، أو خطأ عظيم، (وحُكمُهُ أن يؤمر بالتوبة وتجديد النكاح احتياطا) لاحتمال كونه كفرا " انتهى. "بريقة محمودية" (٣/١٦٨) . ٤- وقد فسر بعض أهل العلم قوله : (وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمَانِكُمْ) البقرة/٢٢٤ بأن المقصود النهي عن الإكثار من حلف الأيمان ولو كانت بوجه حق، فكيف إذن بالإكثار من ذكر لفظ الجلالة في كل عبارة تليق أو لا تليق. يقول العلامة الطاهر ابن عاشور: " أي لا تجعلوا اسم الله كالشيء المعرَّض للقاصدين " انتهى. "التحرير والتنوير" (٢/٣١٠) وانظر: "تفسير القرطبي" (٣/٩٧) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13232

حكم نشرة بعنوان " بيت للتمليك، لا يفوتك، يطل على ثلاث واجهات "! [السُّؤَالُ] ـ[السؤال: ما حكم هذه الرسالة: (بيت للتمليك.. لا يفوتك! يطلّ على ثلاث واجهات: ١. عرش الرحمن ٢. قصر الرسول ٣. نهر الكوثر، المكان: جنة عرضها السماوات والأرض، والثمن زهيد جدّاً: فقط ١٢ ركعة سنَّة في اليوم والليلة) ؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذه الرسالة تحتوي على الافتراء على الله، وادعاء علم لا يعلمه إلا الله، فما أدراه أن البيت الذي يبنى في الجنة لصاحبه سيكون مطلاًّ على عرش الرحمن، وقصر الرسول ﷺ ، ونهر الكوثر؟! . وعرش الرحمن هو سقف جميع المخلوقات، وفوق جميع المخلوقات، فكيف سيكون هذا البيت مطلاً عليه؟! وقد حثَّ النبي ﷺ على أفعال وَعَد أصحابها ببيوت في الجنة، ولم يفصِّل لهم موقعها، وإطلالتها. ثم إن في هذا النوع من الرسائل نوعاً من السذاجة والسفاهة، وقد نبَّه عليها أهل العلم، وحذروا من الاغترار بنشرها، كمثل تلك الرسالة التي تجعل أعداد ركعات الصلوات أرقاما للاتصال بالله تعالى – والعياذ بالله -، أو كتلك التي يشبهون فيها الدار الآخرة برحلة على خطوط جوية، وفيها تذاكر، ومقاعد، وأشياء أخرى تافهة، ومثلها – أيضاً – نشرة فيها معلومات عن النبي ﷺ ، وقد سموها " جواز النبي "! و " هوية أحوال للنبي "! وكل ذلك فيه تضييع للأوقات والأموال، مع ما قد يشوبه من السخرية والاستهزاء. وقد يكون مقصد من يفعل ذلك خبيثاً، وقد يكون حسناً، لا ندري عن حقيقة الأمر، ولكنه بكل حال لا يحل نشر مثل الرسائل، بل الواجب الحذر والتحذير منها. والركعات الواردة في السؤال هي السنن الرواتب، وانظر تفصيلها في جواب السؤال رقم: (١٠٤٨) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13233

يقول في أثناء كلامه: بالأمانة [السُّؤَالُ] ـ[أحياناً يقول الرجل أثناء كلامه: بالأمانة كذا، ولا يقصد الحلف بالأمانة، وإنما يقصد أنه يتكلم بأمانة ولا يكذب، فما حكم ذلك؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ما دام أنه لم يقصد الحلف بالأمانة، فلا حرج عليه إن شاء الله، والأفضل له أن يعدل عن هذا الأسلوب، حتى لا يفهم المتكلم معه أنه يحلف بغير الله. وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: رجل أراد أن يشتري من تاجر سلعة فأعطاه ثلاثة أنواع منها، فقال له الرجل: تخبرني عن الأفضل من هذه السلع، وقال التاجر: بالأمانة هذا هو الأفضل، وكلا الرجلين لم يقصد يمينا، وإنما قصدهما ائتمان أحدهما الآخر في الإخبار بالحقيقة، ويسأل هل هذا يعتبر كفرا وإلحادا؟ فأجابوا: " إذا لم يكن أحدهما قصد بقوله: بالأمانة الحلف بغير الله، وإنما أراد بذلك ائتمان أخيه في أن يخبره بالحقيقة، فلا شيء في ذلك مطلقا، لكن ينبغي ألا يعبر بهذا اللفظ الذي ظاهره الحلف بالأمانة. أما إذا كان القصد بذلك الحلف بالأمانة فهو حلف بغير الله، والحلف بغير الله شرك أصغر، ومن أكبر الكبائر؛ لما روى عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) ، وقال ﷺ : (من حلف بالأمانة فليس منا) ، وقال ابن مسعود ﵁: (لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا) . وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم " انتهى. الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن منيع. "فتاوى اللجنة الدائمة" (١/٢٧٤) . وللفائدة ينظر جواب السؤال رقم (١٣٠١٩) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13234

الاقتباس من القرآن، أنواعه، وأحكامه [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز - يا شيخ - أن نقتبس من القرآن الكريم بعض جمل وفقرات واستخدامها في الحياة العامة؟ مثلاً: يقول لي صديقي: " تعال نأكل في هذا المطعم "، أقول له: " أكل المطاعم لا يسمن ولا يغني من جوع "، ومثال آخر: يطلب مني صديق أن أخبره بشيء، فأقول له: " انتظر حتى أحدث لك منه ذِكراً ".]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: الاقتباس في اللغة: هو طلب القَبَس، وهو الشعلة من النار، ويستعار لطلب العلم، قال الجوهري في " الصحاح ": اقتبست منه علما: أي استفدته. وفي الاصطلاح: تضمين المتكلم كلامه - شعراً كان أو نثراً - شيئاً من القرآن، أو الحديث، على وجه لا يكون فيه إشعار بأنه من القرآن أو الحديث. "الموسوعة الفقهية" (٦/١٦، ١٧) . ثانياً: أنواع الاقتباس: في " الموسوعة الفقهية " (٦ / ١٦، ١٧) : الاقتباس على نوعين: أحدهما: ما لم ينقل فيه المقتبَس (بفتح الباء) عن معناه الأصلي، ومنه قول الشاعر: قد كان ما خفت أن يكونا ... إنا إلى الله راجعونا وهذا من الاقتباس الذي فيه تغيير يسير؛ لأن الآية (وإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) البقرة/١٥٦. والثاني: ما نقل فيه المقتبَس عن معناه الأصلي كقول ابن الرومي: لئن أخطأتُ في مدحِـ ك ما أخطأتَ في منعي لقد أنزلتُ حاجاتي " بوادٍ غير ذي زرع " فقوله " بواد غير ذي زرع ": اقتباس من القرآن الكريم، فهي وردت في القرآن الكريم بمعنى " مكة المكرمة "، إذ لا ماء فيها ولا نبات، فنقله الشاعر عن هذا المعنى الحقيقي إلى معنى مجازي، هو: " لا نفع فيه ولا خير ". ثالثاً: حكم الاقتباس: جاء في "الموسوعة الفقهية" (٦ / ١٧، ١٨) : " يرى جمهور الفقهاء جواز الاقتباس في الجملة، إذا كان لمقاصد لا تخرج عن المقاصد الشرعية، تحسيناً للكلام، أما إن كان كلاماً فاسداً: فلا يجوز الاقتباس فيه من القرآن، وذلك ككلام المبتدعة، وأهل المجون، والفحش. قال السيوطي: لم يتعرض له المتقدمون، ولا أكثر المتأخرين من الشافعية، مع شيوع الاقتباس في أعصارهم، واستعمال الشعراء له قديماً، وحديثاً، وقد تعرض له جماعة من المتأخرين، فسئل عنه الشيخ العز بن عبد السلام فأجازه، واستدل له بما ورد عنه ﷺ من قوله في الصلاة وغيرها: (وجهت وجهي ... إلخ) ، وقوله: (اللهم فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا اقض عني الدين وأغنني من الفقر) . وفي سياق الكلام لأبي بكر ... " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ". وفي حديث لابن عمر ... " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ". وقد اشتهر عند المالكية تحريمه، وتشديد النكير على فاعله، لكن منهم من فرَّق بين الشِّعر فكره الاقتباس فيه، وبين النثر فأجازه، وممن استعمله في النثر من المالكية: القاضي عياض، وابن دقيق العيد، وقد استعمله فقهاء الحنفية في كتبهم الفقهية. ونقل السيوطي عن " شرح بديعية " ابن حجة أن الاقتباس ثلاثة أقسام: الأول: مقبول، وهو ما كان في الخطب والمواعظ والعهود. والثاني: مباح، وهو ما كان في الغزل والرسائل والقصص. والثالث: مردود، وهو على ضربين. أحدهما: اقتباس ما نَسبه الله إلى نفسه، بأن ينسبه المقتبِس إلى نفسه، كما قيل عمن وقع على شكوى بقوله: " إن إلينا إيابهم، ثم إن علينا حسابهم "!! . والآخر: تضمين آية في معنى هزل، أو مجون. قال السيوطي: وهذا التقسيم حسن جدّاً، وبه أقول " انتهى. وبهذا التقسيم الأخير يقول العلماء المحققون، وليس ثمة فرق بين الشِّعر والنثر عندهم. ١. سئل علماء اللجنة الدائمة عن: استعمال بعض آيات القرآن في المزاح ما بين الأصدقاء، مثال: (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ) الحاقة/٣٠، (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ) عبس/٤٠، (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ) الفتح/٢٩، هل يجوز استعمال هذه الآيات في المزاح ما بين الأصدقاء؟ . فأجابوا: " لا يجوز استعمال آيات القرآن في المزاح على أنها آيات من القرآن، أما إذا كانت هناك كلمات دارجة على اللسان لا يقصد بها حكاية آية من القرآن أو جملة منه: فيجوز. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم " انتهى. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي. " فتاوى اللجنة الدائمة " (٤ / ٨٢، ٨٣) . ٢. وسئل علماء اللجنة الدائمة – أيضاً –: ما حكم تأول القرآن عندما يعرض لأحد منَّا شيءٌ من أمور الدنيا، كقول أحدنا عندما يحصل عليه شدة، أو ضيق: (تَؤُزُّهُمْ أَزًّا) مريم/٨٣. عندما يلاقي صاحبه: (جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى) طه/٤٠. عندما يحضر طعام: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ) الحاقة/٢٤. إلى آخر ما هنالك مما يستعمله بعض الناس اليوم؟ . أجابوا: " الخير في ترك استعمال هذه الكلمات وأمثالها فيما ذكر؛ تنزيهاً للقرآن، وصيانة له عما لا يليق. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم " انتهى. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. " فتاوى اللجنة الدائمة " (٤ / ٨١، ٨٢) . ٣. وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀: كثيراً ما يتناقل بعض الناس أثناء الحديث على ألسنتهم آيات من القرآن الكريم، أو من السنَّة على سبيل المزاح، مثاله: كأن يقول بعضهم: فلان (نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا) الشمس/١٣، أو قول بعضهم للبعض: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) الكافرون/ ٦، واليوم رأينا نون وما يعلمون، وهكذا، ومن السنَّة: كأن يقول أحدهم إذا ذُكّر ونُصح بترك المعصية: يا أخي (التقوى هاهنا) ، أو قوله: (إن الدين يسر) وهكذا. فما قولكم في أمثال هؤلاء؟ وما نصيحتكم لهم؟ . فأجاب: " أما من قال هذا على سبيل الاستهزاء والسخرية: فإنه على خطر عظيم، وقد يقال إنه خرج من الإسلام؛ لأن القرآن لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يُتخذ هزواً، وكذلك الأحكام الشرعية، كما قال الله ﵎: (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ. وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ. لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) التوبة/٦٤ – ٦٦. ولهذا قال العلماء ﵏: من قال كلمة الكفر ولو مازحاً: فإنه يكفر، ويجب عليه أن يتوب، وأن يعتقد أنه تاب من الردة، فيجدد إسلامه، فآيات الله ورسوله أعظم من أن تتخذ هزواً أو مزحاً. أما من استشهد بآية على واقعة جرت وحدثت: فهذا لا بأس به، فإن رسول الله ﷺ استشهد بالآيات على الوقائع، فاستشهد بقوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ) التغابن/١٥، حينما جاء الحسن والحسين يتعثران في أثوابهما، فنزل من المنبر ﷺ ، وقال: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَة) التغابن/١٥، فالاستشهاد بالآيات على الوقائع: لا بأس به، وأما أن تنزّل الآيات على ما لم يُرد الله بها - ولاسيما إن قارن ذلك سخرية واستهزاء -: فالأمر خطير جدّاً " انتهى. "لقاءات الباب المفتوح" (٦٠/السؤال الأول) . ٤. وسئل الشيخ صالح بن فوزان الفوزان – حفظه الله –: نسمع كثيراً من الإخوان يستخدمون الآيات القرآنية لضرب أمثلة، كقوله تعالى: (لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِن جُوعٍ) الغاشية/٧، وقوله: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ) طه/٥٥. فهل هذا جائز أم لا؟ وإذا كان جائزاً: ففي أي الحالات يمكن ذكرها وترديدها؟ . فأجاب: " لا بأس بالتمثل بالقرآن الكريم إذا كان لغرض صحيح، كأن يقول: هذا الشيء لا يُسمن، ولا يُغني من جوع، أو يقول: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ) طه/٥٥، إذا أراد التذكير بحالة الإنسان مع الأرض، وأنه خلق منها، ويعود إليها بعد الموت ثم يبعثه الله منها، فالتمثل بالقرآن الكريم إذا لم يكن على وجه السخرية والاستهزاء: لا بأس به، أما إذا كان على وجه السخرية والاستهزاء: فهذا يعتبر ردة عن الإسلام؛ لأن من استهزأ بالقرآن الكريم أو بشيء من ذكر الله ، وهزل بشيء من ذلك: فإنه يرتد عن دين الإسلام، كما قال تعالى: (قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ. لَا تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) التوبة/٦٥، ٦٦، فيجب تعظيم القرآن واحترامه " انتهى. "المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان" (٢ /٧٩) . وللفائدة ينظر جواب السؤال رقم (١٠٣٩٢٣) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13235

حكم تسمية العمارات بـ قصر الكوثر، والفردوس.. ونحو ذلك [السُّؤَالُ] ـ[توجد بعض العمائر التي أعدها أصحابها للإيجار، كغرف مفروشة أو شقق، وقد أطلقوا عليها بعض الأسماء، مثل: (قصر عباد الرحمن، قصر تبارك، قصر الكوثر، قصر الفردوس ... ) وما شابه ذلك. هل يجوز إطلاق مثل هذه العبارات على العمارات المعدة للإيجار أو خلافه؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "لا يجوز إطلاق العبارات المذكورة على الغرف والشقق المعدة للإيجار؛ لأنها تشتمل على الكذب، فالتسمية بـ (قصر عباد الرحمن) مشعرة بالمدح، وقد يسكنه من ليس أهلاً لذلك. وتسمية قصر تبارك لا يجوز، لأن كلمة (تبارك) لا تطلق إلا على الله ، كما قال سبحانه: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) الملك/١، والقصر المذكور قد يكون غير مبارك ولا خير فيه. و (قصر الكوثر) الذي هو (الخير الكثير) ، وقد يكون القصر شراً محضاً، ويطلق على نهر في الجنة أعطاه الله نبيه محمداً ﷺ ، كما في قول الله : (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) الكوثر/١. ولأن (الفردوس) اسم لأعلى الجنة وأوسطها، فلا يليق أن يسمى به قصر من قصور الدنيا. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... الشيخ عبد الرزاق عفيفي ... الشيخ عبد الله بن غديان. "فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" (٢٦/٣٧٧) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →