Полный текст (16 344 стр.). Показаны 13231–13270 · переход к 13236.
стр. 13231
أسلوب عامي يقرن لفظ الجلالة في كل تعبير للدلالة على المبالغة
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم قول حلوة ل الله، أو بعيدة ل الله، للدلالة على الكثرة والزيادة: فمثلاً إذا أريد التدليل على أن الشيء بعيد جداً فيقال: بعيدة ل الله، فيقرن اسم الله تعالى بقوله، بعيدة ل الله؛ لأن الله تعالى يدل على العظمة. فإن عظم عليه شيء أو صعب عليه فيقول صعب ل الله. وهذا قول منتشر بين بعض الناس، ويقرن كثيراً بكل شيء، يراد به التدليل على الكثرة، مثل: قصير ل الله، طويل ل الله، حقير ل الله، قوي ل الله، غير لذيذ ل الله. وقول آخر للدلالة على الانزعاج فيقول: أنا واصلة معي لعند الله. فإن كانت الأقوال السابقة مخالفة لشرع الله تعالى، ومحرمة، فما سبب ذلك، وما الدليل على التحريم؟ ، وهل يختلف القول على حسب اقترانه بشيء حسن أو شيء قبيح في الحكم، فمثلا: جميل ل الله، تختلف عن قبيح ل الله؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا قصد قائل هذه العبارات الاستخفاف بِقَدْرِ الله، أو الاستهانة بجلاله : كَفَرَ باتفاق علماء المسلمين.
أما إِن لم يقصد ذلك: فلا يجوز للمسلم – على جميع الأحوال - أن يعتاد مثل هذه الألفاظ في كلامه وخطابه، وذلك:
١- لأن في اعتيادها جرأة على لفظ الجلالة، وإشعارا بالتعدي على عظمته وجلالته، والاستخفاف بحقه، والواجب على المسلم تعظيم أسماء الله تعالى، وصيانتها، وحفظ جلالتها عن كل سبيل قد يؤدي إلى الاستخفاف بها، أو الوقوع في الخطأ فيها.
٢- ثم إن الذي يظهر لنا – من قرائن أحوال قائلي هذه الكلمات – أنها تصدر في أحيان كثيرة عن حَنَقٍ وغضب يَشْعُرُ قائلُها نفسُه أنه قد تجاوز الأدب والحدود مع الله ، نخص من ذلك قوله: " أنا واصلة معي لعند الله "، فسوء أدب هذه العبارة ظاهر، يخشى على قائلها من عقوبتها يوم القيامة، وكذلك إرداف لفظ الجلالة لبعض الأوصاف السيئة، كما جاء في السؤال من قول بعض العامة: " حقير ل الله "، فهذا فيما نرى لفظ كفري يخشى على قائله من الردة والعياذ بالله.
٣- والله يقول: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ) الحج/٣٠، ويقول : (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) الحج/٣٢. يقول الشيخ محمد الخادمي الحنفي ﵀: " من آفات اللسان (ما فيه خوف الكفر) ، وهو الذي لم يجزم الفقهاء بإيجابه كفرا، بل قالوا فيه خوف الكفر، أو خيف فيه الكفر، أو خطأ عظيم، (وحُكمُهُ أن يؤمر بالتوبة وتجديد النكاح احتياطا) لاحتمال كونه كفرا " انتهى. "بريقة محمودية" (٣/١٦٨) .
٤- وقد فسر بعض أهل العلم قوله : (وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمَانِكُمْ) البقرة/٢٢٤ بأن المقصود النهي عن الإكثار من حلف الأيمان ولو كانت بوجه حق، فكيف إذن بالإكثار من ذكر لفظ الجلالة في كل عبارة تليق أو لا تليق. يقول العلامة الطاهر ابن عاشور: " أي لا تجعلوا اسم الله كالشيء المعرَّض للقاصدين " انتهى. "التحرير والتنوير" (٢/٣١٠) وانظر: "تفسير القرطبي" (٣/٩٧) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13232
حكم نشرة بعنوان " بيت للتمليك، لا يفوتك، يطل على ثلاث واجهات "!
[السُّؤَالُ]
ـ[السؤال: ما حكم هذه الرسالة: (بيت للتمليك.. لا يفوتك! يطلّ على ثلاث واجهات: ١. عرش الرحمن ٢. قصر الرسول ٣. نهر الكوثر، المكان: جنة عرضها السماوات والأرض، والثمن زهيد جدّاً: فقط ١٢ ركعة سنَّة في اليوم والليلة) ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذه الرسالة تحتوي على الافتراء على الله، وادعاء علم لا يعلمه إلا الله، فما أدراه أن البيت الذي يبنى في الجنة لصاحبه سيكون مطلاًّ على عرش الرحمن، وقصر الرسول ﷺ ، ونهر الكوثر؟! .
وعرش الرحمن هو سقف جميع المخلوقات، وفوق جميع المخلوقات، فكيف سيكون هذا البيت مطلاً عليه؟!
وقد حثَّ النبي ﷺ على أفعال وَعَد أصحابها ببيوت في الجنة، ولم يفصِّل لهم موقعها، وإطلالتها.
ثم إن في هذا النوع من الرسائل نوعاً من السذاجة والسفاهة، وقد نبَّه عليها أهل العلم، وحذروا من الاغترار بنشرها، كمثل تلك الرسالة التي تجعل أعداد ركعات الصلوات أرقاما للاتصال بالله تعالى – والعياذ بالله -، أو كتلك التي يشبهون فيها الدار الآخرة برحلة على خطوط جوية، وفيها تذاكر، ومقاعد، وأشياء أخرى تافهة، ومثلها – أيضاً – نشرة فيها معلومات عن النبي ﷺ ، وقد سموها " جواز النبي "! و " هوية أحوال للنبي "! وكل ذلك فيه تضييع للأوقات والأموال، مع ما قد يشوبه من السخرية والاستهزاء.
وقد يكون مقصد من يفعل ذلك خبيثاً، وقد يكون حسناً، لا ندري عن حقيقة الأمر، ولكنه بكل حال لا يحل نشر مثل الرسائل، بل الواجب الحذر والتحذير منها.
والركعات الواردة في السؤال هي السنن الرواتب، وانظر تفصيلها في جواب السؤال رقم: (١٠٤٨) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13233
يقول في أثناء كلامه: بالأمانة
[السُّؤَالُ]
ـ[أحياناً يقول الرجل أثناء كلامه: بالأمانة كذا، ولا يقصد الحلف بالأمانة، وإنما يقصد أنه يتكلم بأمانة ولا يكذب، فما حكم ذلك؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ما دام أنه لم يقصد الحلف بالأمانة، فلا حرج عليه إن شاء الله، والأفضل له أن يعدل عن هذا الأسلوب، حتى لا يفهم المتكلم معه أنه يحلف بغير الله.
وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: رجل أراد أن يشتري من تاجر سلعة فأعطاه ثلاثة أنواع منها، فقال له الرجل: تخبرني عن الأفضل من هذه السلع، وقال التاجر: بالأمانة هذا هو الأفضل، وكلا الرجلين لم يقصد يمينا، وإنما قصدهما ائتمان أحدهما الآخر في الإخبار بالحقيقة، ويسأل هل هذا يعتبر كفرا وإلحادا؟
فأجابوا: " إذا لم يكن أحدهما قصد بقوله: بالأمانة الحلف بغير الله، وإنما أراد بذلك ائتمان أخيه في أن يخبره بالحقيقة، فلا شيء في ذلك مطلقا، لكن ينبغي ألا يعبر بهذا اللفظ الذي ظاهره الحلف بالأمانة.
أما إذا كان القصد بذلك الحلف بالأمانة فهو حلف بغير الله، والحلف بغير الله شرك أصغر، ومن أكبر الكبائر؛ لما روى عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) ، وقال ﷺ : (من حلف بالأمانة فليس منا) ، وقال ابن مسعود ﵁: (لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا) .
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم " انتهى.
الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن منيع.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (١/٢٧٤) .
وللفائدة ينظر جواب السؤال رقم (١٣٠١٩) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13234
الاقتباس من القرآن، أنواعه، وأحكامه
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز - يا شيخ - أن نقتبس من القرآن الكريم بعض جمل وفقرات واستخدامها في الحياة العامة؟ مثلاً: يقول لي صديقي: " تعال نأكل في هذا المطعم "، أقول له: " أكل المطاعم لا يسمن ولا يغني من جوع "، ومثال آخر: يطلب مني صديق أن أخبره بشيء، فأقول له: " انتظر حتى أحدث لك منه ذِكراً ".]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الاقتباس في اللغة: هو طلب القَبَس، وهو الشعلة من النار، ويستعار لطلب العلم، قال الجوهري في " الصحاح ": اقتبست منه علما: أي استفدته.
وفي الاصطلاح: تضمين المتكلم كلامه - شعراً كان أو نثراً - شيئاً من القرآن، أو الحديث، على وجه لا يكون فيه إشعار بأنه من القرآن أو الحديث.
"الموسوعة الفقهية" (٦/١٦، ١٧) .
ثانياً:
أنواع الاقتباس:
في " الموسوعة الفقهية " (٦ / ١٦، ١٧) :
الاقتباس على نوعين:
أحدهما: ما لم ينقل فيه المقتبَس (بفتح الباء) عن معناه الأصلي، ومنه قول الشاعر:
قد كان ما خفت أن يكونا ... إنا إلى الله راجعونا
وهذا من الاقتباس الذي فيه تغيير يسير؛ لأن الآية (وإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) البقرة/١٥٦.
والثاني: ما نقل فيه المقتبَس عن معناه الأصلي كقول ابن الرومي:
لئن أخطأتُ في مدحِـ ك ما أخطأتَ في منعي
لقد أنزلتُ حاجاتي " بوادٍ غير ذي زرع "
فقوله " بواد غير ذي زرع ": اقتباس من القرآن الكريم، فهي وردت في القرآن الكريم بمعنى " مكة المكرمة "، إذ لا ماء فيها ولا نبات، فنقله الشاعر عن هذا المعنى الحقيقي إلى معنى مجازي، هو: " لا نفع فيه ولا خير ".
ثالثاً:
حكم الاقتباس:
جاء في "الموسوعة الفقهية" (٦ / ١٧، ١٨) : " يرى جمهور الفقهاء جواز الاقتباس في الجملة، إذا كان لمقاصد لا تخرج عن المقاصد الشرعية، تحسيناً للكلام، أما إن كان كلاماً فاسداً: فلا يجوز الاقتباس فيه من القرآن، وذلك ككلام المبتدعة، وأهل المجون، والفحش.
قال السيوطي: لم يتعرض له المتقدمون، ولا أكثر المتأخرين من الشافعية، مع شيوع الاقتباس في أعصارهم، واستعمال الشعراء له قديماً، وحديثاً، وقد تعرض له جماعة من المتأخرين، فسئل عنه الشيخ العز بن عبد السلام فأجازه، واستدل له بما ورد عنه ﷺ من قوله في الصلاة وغيرها: (وجهت وجهي ... إلخ) ، وقوله: (اللهم فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا اقض عني الدين وأغنني من الفقر) .
وفي سياق الكلام لأبي بكر ... " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ".
وفي حديث لابن عمر ... " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ".
وقد اشتهر عند المالكية تحريمه، وتشديد النكير على فاعله، لكن منهم من فرَّق بين الشِّعر فكره الاقتباس فيه، وبين النثر فأجازه، وممن استعمله في النثر من المالكية: القاضي عياض، وابن دقيق العيد، وقد استعمله فقهاء الحنفية في كتبهم الفقهية.
ونقل السيوطي عن " شرح بديعية " ابن حجة أن الاقتباس ثلاثة أقسام:
الأول: مقبول، وهو ما كان في الخطب والمواعظ والعهود.
والثاني: مباح، وهو ما كان في الغزل والرسائل والقصص.
والثالث: مردود، وهو على ضربين.
أحدهما: اقتباس ما نَسبه الله إلى نفسه، بأن ينسبه المقتبِس إلى نفسه، كما قيل عمن وقع على شكوى بقوله: " إن إلينا إيابهم، ثم إن علينا حسابهم "!! .
والآخر: تضمين آية في معنى هزل، أو مجون.
قال السيوطي: وهذا التقسيم حسن جدّاً، وبه أقول " انتهى.
وبهذا التقسيم الأخير يقول العلماء المحققون، وليس ثمة فرق بين الشِّعر والنثر عندهم.
١. سئل علماء اللجنة الدائمة عن: استعمال بعض آيات القرآن في المزاح ما بين الأصدقاء، مثال: (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ) الحاقة/٣٠، (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ) عبس/٤٠، (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ) الفتح/٢٩، هل يجوز استعمال هذه الآيات في المزاح ما بين الأصدقاء؟ .
فأجابوا: " لا يجوز استعمال آيات القرآن في المزاح على أنها آيات من القرآن، أما إذا كانت هناك كلمات دارجة على اللسان لا يقصد بها حكاية آية من القرآن أو جملة منه: فيجوز.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم " انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٤ / ٨٢، ٨٣) .
٢. وسئل علماء اللجنة الدائمة – أيضاً –: ما حكم تأول القرآن عندما يعرض لأحد منَّا شيءٌ من أمور الدنيا، كقول أحدنا عندما يحصل عليه شدة، أو ضيق: (تَؤُزُّهُمْ أَزًّا) مريم/٨٣.
عندما يلاقي صاحبه: (جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى) طه/٤٠.
عندما يحضر طعام: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ) الحاقة/٢٤.
إلى آخر ما هنالك مما يستعمله بعض الناس اليوم؟ .
أجابوا: " الخير في ترك استعمال هذه الكلمات وأمثالها فيما ذكر؛ تنزيهاً للقرآن، وصيانة له عما لا يليق.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم " انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٤ / ٨١، ٨٢) .
٣. وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀: كثيراً ما يتناقل بعض الناس أثناء الحديث على ألسنتهم آيات من القرآن الكريم، أو من السنَّة على سبيل المزاح، مثاله: كأن يقول بعضهم: فلان (نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا) الشمس/١٣، أو قول بعضهم للبعض: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) الكافرون/ ٦، واليوم رأينا نون وما يعلمون، وهكذا، ومن السنَّة: كأن يقول أحدهم إذا ذُكّر ونُصح بترك المعصية: يا أخي (التقوى هاهنا) ، أو قوله: (إن الدين يسر) وهكذا.
فما قولكم في أمثال هؤلاء؟ وما نصيحتكم لهم؟ .
فأجاب: " أما من قال هذا على سبيل الاستهزاء والسخرية: فإنه على خطر عظيم، وقد يقال إنه خرج من الإسلام؛ لأن القرآن لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يُتخذ هزواً، وكذلك الأحكام الشرعية، كما قال الله ﵎: (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ. وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ. لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) التوبة/٦٤ – ٦٦.
ولهذا قال العلماء ﵏: من قال كلمة الكفر ولو مازحاً: فإنه يكفر، ويجب عليه أن يتوب، وأن يعتقد أنه تاب من الردة، فيجدد إسلامه، فآيات الله ورسوله أعظم من أن تتخذ هزواً أو مزحاً.
أما من استشهد بآية على واقعة جرت وحدثت: فهذا لا بأس به، فإن رسول الله ﷺ استشهد بالآيات على الوقائع، فاستشهد بقوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ) التغابن/١٥، حينما جاء الحسن والحسين يتعثران في أثوابهما، فنزل من المنبر ﷺ ، وقال: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَة) التغابن/١٥، فالاستشهاد بالآيات على الوقائع: لا بأس به، وأما أن تنزّل الآيات على ما لم يُرد الله بها - ولاسيما إن قارن ذلك سخرية واستهزاء -: فالأمر خطير جدّاً " انتهى.
"لقاءات الباب المفتوح" (٦٠/السؤال الأول) .
٤. وسئل الشيخ صالح بن فوزان الفوزان – حفظه الله –: نسمع كثيراً من الإخوان يستخدمون الآيات القرآنية لضرب أمثلة، كقوله تعالى: (لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِن جُوعٍ)
الغاشية/٧، وقوله: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ) طه/٥٥.
فهل هذا جائز أم لا؟ وإذا كان جائزاً: ففي أي الحالات يمكن ذكرها وترديدها؟ .
فأجاب: " لا بأس بالتمثل بالقرآن الكريم إذا كان لغرض صحيح، كأن يقول: هذا الشيء لا يُسمن، ولا يُغني من جوع، أو يقول: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ) طه/٥٥، إذا أراد التذكير بحالة الإنسان مع الأرض، وأنه خلق منها، ويعود إليها بعد الموت ثم يبعثه الله منها، فالتمثل بالقرآن الكريم إذا لم يكن على وجه السخرية والاستهزاء: لا بأس به، أما إذا كان على وجه السخرية والاستهزاء: فهذا يعتبر ردة عن الإسلام؛ لأن من استهزأ بالقرآن الكريم أو بشيء من ذكر الله ، وهزل بشيء من ذلك: فإنه يرتد عن دين الإسلام، كما قال تعالى: (قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ. لَا تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) التوبة/٦٥، ٦٦، فيجب تعظيم القرآن واحترامه " انتهى.
"المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان" (٢ /٧٩) .
وللفائدة ينظر جواب السؤال رقم (١٠٣٩٢٣) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13235
حكم تسمية العمارات بـ قصر الكوثر، والفردوس.. ونحو ذلك
[السُّؤَالُ]
ـ[توجد بعض العمائر التي أعدها أصحابها للإيجار، كغرف مفروشة أو شقق، وقد أطلقوا عليها بعض الأسماء، مثل: (قصر عباد الرحمن، قصر تبارك، قصر الكوثر، قصر الفردوس ... ) وما شابه ذلك. هل يجوز إطلاق مثل هذه العبارات على العمارات المعدة للإيجار أو خلافه؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"لا يجوز إطلاق العبارات المذكورة على الغرف والشقق المعدة للإيجار؛ لأنها تشتمل على الكذب، فالتسمية بـ (قصر عباد الرحمن) مشعرة بالمدح، وقد يسكنه من ليس أهلاً لذلك.
وتسمية قصر تبارك لا يجوز، لأن كلمة (تبارك) لا تطلق إلا على الله ، كما قال سبحانه: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) الملك/١، والقصر المذكور قد يكون غير مبارك ولا خير فيه. و (قصر الكوثر) الذي هو (الخير الكثير) ، وقد يكون القصر شراً محضاً، ويطلق على نهر في الجنة أعطاه الله نبيه محمداً ﷺ ، كما في قول الله : (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) الكوثر/١.
ولأن (الفردوس) اسم لأعلى الجنة وأوسطها، فلا يليق أن يسمى به قصر من قصور الدنيا.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... الشيخ عبد الرزاق عفيفي ... الشيخ عبد الله بن غديان.
"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" (٢٦/٣٧٧) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13236
وقفة تأمل مع جملة " الإسلام دين الوسطية "
[السُّؤَالُ]
ـ[أهل الصلاح يتحدثون عن " الوسطية في الدين "، والعلمانيون يتحدثون عن " الوسطية في الدين "، بل حتى الكافر يتحدث عن " الوسطية في الدين "، فما الوسطية في الدين؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
شاع في زماننا هذا جملة " الإسلام دين الوسطية "، وهي كلمة حق، لها أدلتها من الكتاب والسنَّة وأقوال أهل العلم، لكننا وجدنا في الوقت نفسه من أساء استعمالها، وأراد تمرير " التمييع " للأحكام الشرعية من خلالها، وذهب إلى الثوابت الشرعية ليهز قواعدها، انطلاقاً من تلك الجملة، ومن فهمه المغلوط لها.
فصار لتلك الجملة الآن استعمالان، أحدهما حق، والآخر باطل.
أ. أما الاستعمال الحق لها: فله ما يؤيده من القرآن والسنَّة وأقوال أهل العلم من أهل السنَّة، وقد جاء في القرآن بأن هذه الأمة " أمة الوسط "، والمقصود بها الخيار والعدول، وهم الذين يكونون بين طرفي النقيض.
قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) البقرة/ ١٤٣.
قال الإمام الطبري – ﵀:
" وأرى أن الله تعالى ذِكْره إنما وصفهم بأنهم " وسَط ": لتوسطهم في الدين، فلا هُم أهل غُلوٍّ فيه، غلوَّ النصارى الذين غلوا بالترهب، وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هُم أهلُ تقصير فيه، تقصيرَ اليهود الذين بدَّلوا كتابَ الله، وقتلوا أنبياءَهم، وكذبوا على ربهم، وكفروا به، ولكنهم أهل توسط، واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحبَّ الأمور إلى الله أوْسطُها " انتهى. " تفسير الطبري " (٣ / ١٤٢) .
وقال ابن القيم – ﵀ – مؤكداً هذا المعنى -: " فدين الله بين الغالي فيه، والجافي عنه، وخير الناس: النمط الأوسط، الذين ارتفعوا عن تقصير المفرطين، ولم يلحقوا بغلوِّ المعتدين، وقد جعل الله سبحانه هذه الأمة وسطاً، وهي الخيار، العدل؛ لتوسطها بين الطرفين المذمومين، والعدل هو: الوسط بين طرفي الجور، والتفريط، والآفات إنما تتطرق إلى الأطراف والأوساط محمية بأطرافها، فخيار الأمور أوساطها.
قال الشاعر:
كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت ... بها الحوادث حتى أصبحت طرفا " انتهى.
" إغاثة اللهفان " (١ / ١٨٢) .
ومما يؤكد هذا المعنى من الأمثلة في الشرع الحكيم المطهَّر:
١. دعاء المسلمين في سورة الفاتحة (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ) الفاتحة/٦، ٧.
وهذا الدعاء يكرره المسلم دائما في الصلاة وغيرها، وفيه سؤال الله تعالى أن يهديه طريق المنعَم عليهم من النبيين والصدِّيقين، وأن يجنبه طريق المغضوب عليهم من اليهود الذين ضلوا على علم، ومن طريق النصارى الذي ضلوا بسبب جهلهم.
٢. لا يؤخذ في الزكاة كريم المال ولا رديئه.
وقد أوصى النبيُّ ﷺ معاذ بن جبل ﵁ لمَّا بعثه إلى اليمن بقوله:
(أَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ) رواه البخاري (١٤٢٥) ومسلم (١٣٠) .
قال النووي – ﵀ – معدِّداً فوائد الحديث -: " وفيه: أنه يحرم على الساعي أخذ كرائم المال، في أداء الزكاة، بل يأخذ الوسط، ويحرم على رب المال إخراج شر المال " انتهى.
"شرح صحيح مسلم للنووي" (١ / ١٩٧) .
٣. وفي الإنفاق.
قال تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً) الفرقان/ ٦٧.
قال ابن كثير – ﵀: " أي: ليسوا بمبذرين في إنفاقهم فيصرفون فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهْليهم فيقصرون في حقهم فلا يكفونهم، بل عَدْلا خياراً، وخير الأمور أوسطها، لا هذا ولا هذا.
(وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) ، كَمَا قَالَ: (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا) الإسراء/ ٢٩ " انتهى.
" تفسير ابن كثير " (٦ /١٢٣، ١٢٤) .
ب. وأما الاستعمال الباطل لجملة " الإسلام دين الوسطية " فهو ما يدعو إليه بعض الكتاب والدعاة من الوقوف في الوسط بين كل متناقضين، وعدم اتخاذ الموقف الشرعي الذي يوجبه عليه دينه، فهو يقف – مثلاً – بين السنَّة والبدعة، فلا يرفض البدعة بإطلاق، ولا يقبل السنَّة بإطلاق! ، وفي حكم الردة يحاول التوسط! فلا يقبل الاستتابة والقتل فيها، ولا يسمح بها بإطلاق! ، وهو لا يرفض التصوف بإطلاق، بل يوهم نفسه بأنه من أهل العدل حين لا يحكم عليها بأنها من فرق الضلال والهلاك، وقل مثل هذا في الفرق الضالة، بل تعدى ذلك إلى الكفر والإسلام! ، ولهذا تجد هؤلاء هم عمدة الحوارات التي تعقد للتقريب بين التوحيد والشرك – كما هو الحال في التقريب بين السنة والشيعة -، والإسلام والكفر – كما هو الحال في التقريب بين الإسلام والنصرانية واليهودية -، فلا الإسلام والسنَّة نصروا، ولا البدعة والكفر كسروا، وعاشوا على تمييع دينهم، والتنازل عن ثوابته، من أجل أن تلمَّع صورتهم في الإعلام أنهم من " دعاة الوسطية " فيحصلوا مكاسب دنيوية، لا تنفعهم عند ربهم، بل تضرهم، وقد خذل الله بعض رموزهم، فمنع من دخول بعض دول الكفر، مع أنه من أبرز من أطلق عليهم " إخوة "! بل ووصف نصارى بلده بأنهم " شهداء "! ولطالما ميَّع دينه بفتاوى يزعم أنها " تيسيرية " و " وسطية "، فما نفعه هذا في دنياه؛ وصدق الله العظيم: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) البقرة/ من الآية ١٢٠.
وينبغي أن يعلم هؤلاء وغيرهم: أن الوسط، والتوسط ليس هو أن يقف المسلم وسط الطريق بين كل متناقضين، بل هو أن يلتزم شرع الله تعالى في موقفه، وأن يحكم على الشيء بما يستحقه مما جاء في الكتاب والسنَّة، والوسطية هي التوسط بين أمرين كلاهما خطأ وضلال في الأصل، وأما من يستعملها على غير وجهها فهو يقف في وسط الطريق مطلقاً، ولو كان أحد الجانبين فيه التوحيد، والسنَّة؛ فهذا باطل.
قال أبو المظفر السمعاني ﵀: " والقول بين القولين إنما يُسْتحب اختياره، وسلوك طريق بين الغالي والمقصر، إنما يكون أولى إذا أمكن تمشيته؛ فأما إذا لم يمكن تمشيته، فلا " انتهى.
"قواطع الأدلة في أصول الفقه" (٥/٢٥٦) .
وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀: ما المراد بالتوسط في الدين، أو الوسطية؟ .
فأجاب: " التوسط في الدين، أو الوسطية: أن يكون الإنسان بين الغالي والجافي، وهذا يدخل في الأمور العلمية العقدية، وفي الأمور العملية التعبدية.
فمثلاً: في الأمور العقدية، انقسم الناس فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته إلى ثلاثة أقسام: طرفان، ووسط، طرفٌ غلا في التنزيه، فنفى عن الله ما سمَّى ووصف به نفسه، وقسمٌ غلا في الإثبات، فأثبت لله ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات، لكن باعتقاد المماثلة، وقسمٌ وسط أثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، لكن بدون اعتقاد المماثلة، بل باعتقاد المخالفة، وأن الله تعالى لا يماثله شيء من مخلوقاته ... .
هذا في العقيدة، كذلك أيضاً في الأعمال البدنية: مِن الناس مَن يغلو، فيزيد، ويشدد على نفسه، ومن الناس من يتهاون، ويفرط، فيضيع شيئاً كثيراً، وخير الأمور الوسط.
والوسط الضابط فيه: ما جاءت به الشريعة، فهو وسط، وما خالف الشريعة: فليس بوسط، بل هو مائل، إما للإفراط، وإما إلى التفريط.
وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ في " العقيدة الواسطية " خمسة أصول، بيَّن فيها ﵀ أن أهل السنة فيها وسطٌ بين طوائف المبتدعة، فيا حبذا لو أن السائل رجع إليها؛ لما فيها من الفائدة " انتهى.
" فتاوى نور على الدرب " (شريط ٢٢٦، وجه ب) .
ويمكن مراجعة رسالة الوسطية، لفضيلة الشيخ الدكتور ناصر العمر، حفظه الله.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13237
هل يجوز قول عبارة " إلا رسول الله "؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم قول العبارة: " إلا رسول الله "؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
تتابع كثير من الناس على استعمال هذه العبارة للدفاع عن نبينا محمد ﷺ ، وجعلوها شعاراً لمقاطعتهم الدول التي وقفت مع من أساء إلى نبينا محمد ﷺ .
ولا شك في حسن قصد من استعملها وأطلقها، ولكن هذه العبارة من حيث معناها فيها إشكال، وهو أنه ذكر فيها المستثنى ولم يذكر المستثنى منه.
وعلى أي تقدير للمستثنى منه، يكون معنى العبارة غير مستقيم، فإن ظاهرها أننا نقبل أو نسكت عن الإساءة إلى أي شيء إلا رسول الله ﷺ , وهذا المعنى باطل، فإننا لا نقبل ولا نسكت على الإساءة إلى الله تعالى، ولا إلى القرآن، أو الإسلام، أو أحد من الأنبياء والمرسلين، أو الملائكة، أو الصحابة ﵃، أو أمهات المؤمنين، أو إخواننا المؤمنين، فظهر بذلك أن معنى العبارة غير صحيح، وهو ما جعل بعض علمائنا يفتون بأنها غير جائزة.
فقد سئل الشيخ عبد الرحمن البراك حفظه الله: انتشر في هذه الأيام كتابة عبارة " إلا رسول الله "، فهل ترون جواز استعمال هذه العبارة؟ .
فأجاب:
"لا أرى جوازها؛ لأنها لا تُفيد شيئاً، هي عندي تشبه ذِكر الصوفية " الله، الله "! .
لكن نعلم أن مقصود الذين يكتبونها هو: " كل شيء إلا الرسول، لا تقربون حماه، ومقامه، وحرمته، هذا مُراد من كتبها، لكن إذا نظرنا لتحديد لفظة " إلا رسول الله ": (صار المعنى) : سبُّوا كلَّ أحدٍ إلا رسول الله! هل هذا صحيح؟ وهل يستقيم الكلام؟ .
سبُّوا كلَّ أحدٍ إلا رسول الله. فهي غلط" انتهى.
" شرح مقدمة أصول التفسير " الدرس الرابع، السؤال الأول.
وهذا رابط المادة الصوتية:
http://www.liveislam.net/browsearchive.php?sid=&id=٤٨٧٠٨
وسئل الشيخ عبد المحسن العبَّاد حفظه الله: عن تعليق هذه العبارة.
فأجاب: "أما " إلا رسول الله ": فهذا كلام غير صحيح؛ لا بد أن يؤتى بالمستثنى منه , ولا شك أن الإساءة لله تعالى أعظم من الإساءة إلى رسول الله ﷺ ، فهي عبارة غير مستقيمة، ولا تصح" انتهى.
" شرح سنن ابن ماجه ".
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13238
إطلاق لفظ الرب مقيدا على السيد
[السُّؤَالُ]
ـ[ي عن نهي النبي ﷺ عن قول: (أطعم ربك) ، وقول المولى جل وعلا في سورة يوسف ﵇: (أما الآخر فيسقي ربه خمرا) ، فكيف الجمع بين النصين؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
وردت في هذه المسألة بعض النصوص التي ظاهرها التعارض:
فقد جاء في السنة النبوية نهي عن استعمال لفظ العبودية أو الربوبية مضافا لغير الله تعالى:
فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئْ رَبَّكَ، اسْقِ رَبَّكَ. وَلْيَقُلْ سَيِّدِي مَوْلَاي. وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ عَبْدِي أَمَتِي. وَلْيَقُلْ فَتَاي وَفَتَاتِي وَغُلَامِي) رواه البخاري (٢٥٥٢) ومسلم (٢٢٤٩) ، وزاد فيه: (ولا يقل أحدكم ربي) .
ولكن جاء في القرآن الكريم، وفي السنة الصحيحة أيضا، ما يدل على استعمال هذه الألفاظ مضافة لغير الله تعالى.
يقول الله تعالى: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) النور/٣٢، وقال سبحانه: (قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) يوسف/٢٣، وقال : (وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) يوسف/٤٢.
وقال النبي ﷺ في جوابه لجبريل ﵇ حين سأله عن أمارات الساعة: (أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا) رواه مسلم برقم (٨) ، وأصله في البخاري برقم (٥٠) .
وقال ﷺ في ضالة الإبل: (فَذَرْهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا) رواه البخاري (٩١) ومسلم (١٧٢٢) ، وقال ﷺ : (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ فَيَفِيضَ، حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ) رواه البخاري (١٤١٢) ومسلم (١٥٧) .
وقال عمر بن الخطاب ﵁ لمولاه: (وَأَدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَرَبَّ الْغُنَيْمَةِ) رواه البخاري (٣٠٥٩) .
ثانيا:
تعددت أجوبة العلماء على هذا التعارض:
١. فذهب بعضهم إلى أن الجواز كان في شرع من قبلنا، ولذلك استعملها النبي يوسف ﵇، أما في شرعنا فلا يجوز.
قال ابن حزم ﵀ في "المحلى" (٩/٢٥٠) : " فإن احتج محتج بقول يوسف ﵊: (إنه ربى أحسن مثواي) ، وقوله: (اذكرني عند ربك) ، فتلك شريعة وهذه أخرى، وتلك لغة وهذه أخرى، وقد كان هذا مباحا عندنا وفي شريعتنا حتى نهى رسول الله ﷺ عن ذلك " انتهى.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "مجموع الفتاوى" (١٥/١١٨) : " فإن قيل: لا ريب أن يوسف سمى السيد ربا في قوله: (اذكرني عند ربك) ، وقوله: (ارجع إلى ربك) ونحو ذلك، وهذا كان جائزا في شرعه، كما جاز في شرعه أن يسجد له أبواه وإخوته، وكما جاز في شرعه أن يؤخذ السارق عبدا، وإن كان هذا منسوخا في شرع محمد ﷺ " انتهى.
٢. وذهب بعض أهل العلم إلى تخصيص النهي بالذي يضيف اللفظ إلى نفسه، فيقول: عبدي، وأما إذا قال: هذا عبدك: فلا بأس.
قال ابن حزم ﵀: " لا يجوز للسيد أن يقول لغلامه: هذا عبدي، ولا لمملوكته: هذه أَمَتي، لكن يقول: غلامي وفتاي ومملوكي ومملوكتي وخادمي وفتاتي.
ولا يجوز للعبد أن يقول: هذا ربي، أو مولاي، أو ربتي، ولا يقل أحد لمملوك: هذا ربك، ولا ربتك، لكن يقول: سيدي.
وجائز أن يقول المرء لآخر: هذا عبدك، وهذا عبد فلان، وأمة فلان، ومولى فلان؛ لأن النهى لم يرد إلا فيما ذكرنا فقط، وجائز أن يقول: هؤلاء عبيدك، وعبادك، وإماؤك " انتهى.
"المحلى" (٩/٢٤٩) .
٣. النهي للكراهة وليس للتحريم.
وهو توجيه أكثر الشراح والفقهاء.
٤. النهي هو عن اتخاذ ذلك عادة، وليس عن استعماله أحيانا.
قال النووي ﵀ في "شرح مسلم" (١٥/٦) : " الجواب من وجهين:
أحدهما: أن الحديث الثاني لبيان الجواز، وأن النهي في الأول للأدب وكراهة التنزيه لا للتحريم.
والثاني: أن المراد النهي عن الإكثار من استعمال هذه اللفظة واتخاذها عادة شائعة، ولم ينه عن إطلاقها في نادر من الأحوال، واختار القاضي هذا الجواب " انتهى.
وقال ﵀ أيضاً: " قال العلماء: وإنما كره للمملوك أن يقول لمالكه: ربي؛ لأن في لفظه مشاركة لله تعالى في الربوبية.
وأما حديث: (حتى يلقاها ربها) فإنما استعمل لأنها غير مكلفة، فهي كالدار والمال، ولا شك أنه لا كراهة في قول: رب الدار، ورب المال.
وأما قول يوسف ﷺ : (اذكرني عند ربك) فعنه جوابان:
أحدهما: أنه خاطبه بما يعرفه، وجاز هذا الاستعمال للضرورة، كما قال موسى ﷺ للسامري: (وانظر إلى إلهك) طه /٩٧، أي: الذي اتخذته إلها.
والجواب الثاني: أن هذا شرع من قبلنا، وشرع من قبلنا لا يكون شرعا لن إذا ورد شرعنا بخلافه، وهذا لا خلاف فيه " انتهى.
"الأذكار" (ص/٣٦٣) .
وقال القرطبي ﵀:
" قال العلماء: قوله ﵇: (لا يقل أحدكم) ، (وليقل) : من باب الإرشاد إلى إطلاق اسم الأولى، لا أن إطلاق ذلك الاسم محرم، ولأنه قد جاء عنه ﵇: (أن تلد الأمة ربها) أي: مالكها وسيدها، وهذا موافق للقرآن في إطلاق ذلك اللفظ، فكان محل النهي في هذا الباب ألا نتخذ هذه الأسماء عادة فنترك الأولى والأحسن.
وقد قيل: إن قول الرجل عبدي وأمتي يجمع معنيين:
أحدهما: أن العبودية بالحقيقة إنما هي لله تعالى، ففي قول الواحد من الناس لمملوكه عبدي وأمتي تعظيم عليه، وإضافة له إلى نفسه بما أضافه الله تعالى به إلى نفسه، وذلك غير جائز.
والثاني: أن المملوك يدخله من ذلك شيء في استصغاره بتلك التسمية، فيحمله ذلك على سوء الطاعة.
وقال ابن العربي: يحتمل أن يكون ذلك جائزا في شرع يوسف ﵇ " انتهى.
"الجامع لأحكام القرآن" (٩/١٩٥) .
وانظر جواب السؤال رقم (١١٤٧٤٩) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13239
حكم كتابة إن شاء الله هكذا: إنشاء الله
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم كتابة إن شاء الله كالآتي "إنشاء الله" حاشاه ربي، علما أني قرأت في المنتديات: كثيراً ما لاحظت ولاحظ غيري من يكتب إن شاء الله بهذا الشكل (إنشاء الله) لذلك أحببت أن أطلعكم على هذا الموضوع الذي يبين الفرق بينهما ... معنى الفعل "إنشاء" أي: إيجاد، ومنه قوله تعالى: (إنا أنشأنهن إنشاءً..) أي: أوجدناهن إيجاداً ... فمن هذا لو كتبنا (إنشاء الله) يعني: أننا نقل والعياذ بالله إننا أوجدنا الله.. تعالى شأنه عن هذا علواً كبيراً ... وهذا غير صحيح كما عرفنا ... أما الصحيح هو أن نكتب (إن شاء الله) ... فإننا بهذا اللفظ نحقق هنا إرادة الله ... فقد جاء في معجم لسان العرب معنى الفعل شاء، أي أراد. فالمشيئة هي الإرادة فعندما نكتب إن شاء الله ... كأننا نقول بإرادة الله نفعل كذا.. ومنه قوله تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
في ظننا أن الحامل للكثير على كتابة: (إن شاء الله) بهذا الشكل: (إنشاء الله) هو الخطأ في الكتابة، وليس هذا القصد الذي ذكرتيه.
والقول بأن "إنشاء الله" بمعنى أننا أوجدنا الله، تعالى الله عن ذلك، فهو احتمال لغوي، إذا اعتبرنا هذا من باب إضافة المصدر إلى مفعوله، وليس هذا هو الاحتمال الوحيد، بل هناك احتمال آخر وهو أن يكون من باب إضافة المصدر إلى فاعله، ومعنى ذلك: أن الإنشاء مضاف إلى الخالق، على وجه أنه فاعله، والمصدر يضاف إلى فاعله مثل قوله تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) البقرة/٢٥١.
على أننا نرى أن الكاتب لم يقصد إضافة المصدر إلى فاعله، ولا إلى مفعوله، وإنما قصد: (إن شاء الله) ولكنه أخطأ في الكتابة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13240
هل يصح تسمية النصارى بـ "المسيحيين "؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يسمى أتباع الديانة النصرانية "نصارى" أو "مسيحيين"؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا شك أن الأفضل أن يسمون "نصارى" وبهذا الاسم جاء القرآن الكريم، ولم يطلق عليهم ولو في موضع واحد أنهم "مسيحيون" ولفظ "مسيحي" نسبةً إلى المسيح عيسى بن مريم ﵇.
وهذه النسبة غير صحيحة في الواقع، لأنهم لو كانوا أتباع المسيح حقاً لآمنوا أنه عبد الله ورسوله، ولآمنوا بالنبي الخاتم محمد ﷺ ، كما بشرهم بذلك المسيح نفسه، وأمرهم بالإيمان به، قال الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) الصف/٦.
فتبين بذلك أنهم ليسوا اتباعاً للمسيح ﵇ حقيقةً.
ولكن.. نظراً لأنه غلب إطلاق "مسيحي" على أتباع الديانة النصرانية، ولا يقصد كثير ممن يطلق هذا الاسم أنهم اتباعه حقيقةً، وإنما يريد فقط التعريف بهم، وأنهم ينسبون أنفسهم إليه، فلا حرج من استعماله، وممن استعمل هذا الاسم "مسيحي" من علمائنا: فضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀، وفضيلة الشيخ صالح بن عبد الله الفوزان حفظه الله، وعلماء اللجنة الدائمة للإفتاء، كما يعلم ذلك من البحث في فتاواهم بكلمة "مسيحي".
وإن كان الأولى والأفضل استعمال اسم " النصارى".
فقد سئل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀:
شاع منذ زمن استخدام كلمة "مسيحي"، فهل الصحيح أن يقال: "مسيحي"، أو "نصراني"؟.
فأجاب:
"معنى " مسيحي " نسبة إلى المسيح بن مريم ﵇، وهم يزعمون أنهم ينتسبون إليه، وهو بريء منهم، وقد كذبوا؛ فإنه لم يقل لهم إنه ابن الله، ولكن قال: عبد الله ورسوله. فالأولى أن يقال لهم: " نصارى "، كما سماهم الله ، قال تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ) البقرة/ ١١٣" انتهى.
" فتاوى الشيخ ابن باز " (٥ / ٣٨٧) .
وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
يَرِدُ على ألسنة بعض المسلمين كلمة " مسيحية " حتى إنهم لا يميزون بين كلمتَي " نصراني "، و " مسيحي "، حتى في الإعلام الآن يقولون عن النصارى: مسيحيين، فبدل أن يقولوا: هذا " نصراني "، يقولون: هذا " مسيحي "، فنرجو التوضيح لكلمة " المسيحية " هذه، وهل صحيحٌ أنها تطلق على ما ينتهجه النصارى اليوم؟ .
فأجاب:
"الذي نرى أن نسمي " النصارى " بـ " النصارى "، كما سماهم الله ، وكما هو معروف في كتب العلماء السابقين، كانوا يسمونهم: " اليهود والنصارى "؛ لكن لما قويت الأمة النصرانية بتخاذل المسلمين: سَمَّوا أنفسهم بالمسيحيين؛ ليُضْفوا على ديانتهم الصبغة الشرعية، ولو باللفظ، وإلا فأنا على يقين أن المسيح عيسى بن مريم رسول الله ﷺ بريء منهم، وسيقول يوم القيامة إذا سأله الله: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) المائدة/ ١١٦، سيقول: (سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ. مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ... ) المائدة/ ١١٦، ١١٧، إلى آخر الآية. سيقول هذا في جانب التوحيد، وإذا سئل عن الرسالة فسيقول: يا رب! إني قلت لهم: (يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) الصف/ ٦، فهو مقرر للرسالات قَبْلَه، وللرسالة بَعْدَه ﵊، فأمر أمته بمضمون شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله؛ ولكن أمته كفََرَت ببشارته، وكفَرَت بما أتى به من التوحيد، فقالوا: (إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ) المائدة/ ٧٣، وقالوا: (الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) التوبة/ ٣٠، وقالوا: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) المائدة/ ١٧، نسأل الله العافية.
الحاصل: أني أقول: إن المسيح عيسى بن مريم بريءٌ منهم، ومما هم عليه من الدين اليوم، وعيسى بن مريم يُلْزِمهم بمقتضى رسالته من الله أن يؤمنوا بمحمد ﷺ ؛ ليكونوا عباداً لله، قال الله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مسْلِمُونَ) آل عمران/ ٦٤" انتهى.
" لقاءات الباب المفتوح " (٤٣ / السؤال رقم ٨) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13241
قول بعض الخطباء: في السماء ملكك وفي الأرض سلطانك وفي البحر عظمتك
[السُّؤَالُ]
ـ[يرد على ألسنة بعض الأئمة والخطباء في مستهل خطبهم وبعد حمد الله والثناء عليه قولهم هذه العبارة، وهي: (في السماء ملكك، وفي الأرض سلطانك، وفي البحر عظمتك) فهل ورد نص شرعي من السنة عن النبي ﷺ أو أحد من صحابته الكرام بهذا الدعاء؟ وإن كان لم يرد ألا تدل هذه العبارة على تخصيص ملك الله في السماء فقط؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"حمد الله والثناء عليه بما هو أهله في خطبة الجمعة إنما يكون بما ثبت في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وما لا محذور فيه شرعاً من مطلق المحامد والثناء على الله تعالى.
أما العبارة المذكورة في السؤال فتركها أولى؛ لأن فيها إيهاماً، فقد يظن البعض تخصيص الملك بالسماء فقط، أو السلطان بالأرض فقط، وهكذا.
وعظمة الله وملكه وسلطانه وقهره عام في جميع خلقه، فمن تأمل جميع ما خلقه الله أدرك عظمة الله، وملكه لذلك، وسعة سلطانه، وقهره لجميع خلقه، قال الله تعالى:) لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ) غافر/٥٧، وقال تعالى: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) الذاريات/٢٠، ٢١، وقال تعالى: (أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ) الأعراف/١٨٥، وقال تعالى: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) البقرة/٢٥٥، وقال سبحانه: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) المائدة/١٢٠.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... الشيخ عبد العزيز آل الشيخ ... الشيخ صالح الفوزان ... الشيخ بكر أبو زيد.
"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" (٢٦/٣٦٩) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13242
حكم الصلاة على غير النبي ﷺ
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز أن يصلى على غير النبي ﷺ بأن يقال: اللهم صل على فلان؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سئل عن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فأجاب:
"قد تنازع العلماء: هل لغير النبي ﷺ أن يصلي على غير النبي ﷺ مفردا؟ على قولين:
أحدهما: المنع وهو المنقول عن مالك والشافعي واختيار جدي أبي البركات.
والثاني: أنه يجوز وهو المنصوص عن أحمد واختيار أكثر أصحابه: كالقاضي وابن عقيل والشيخ عبد القادر. واحتجوا بما روي عن علي أنه قال لعمر: صلى الله عليك. واحتج الأولون بقول ابن عباس: لا أعلم الصلاة تنبغي من أحد على أحد إلا على رسول الله ﷺ . وهذا الذي قاله ابن عباس قاله لما ظهرت الشيعة وصارت تظهر الصلاة على علي دون غيره فهذا مكروه منهي عنه كما قال ابن عباس. وأما ما نقل عن علي: فإذا لم يكن على وجه الغلو وجعل ذلك شعارا لغير الرسول فهذا نوع من الدعاء وليس في الكتاب والسنة ما يمنع منه وقد قال تعالى: (هو الذي يصلي عليكم وملائكته) وقال النبي ﷺ : (إن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث) وفي حديث قبض الروح: (صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه) . ولا نزاع بين العلماء أن النبي ﷺ يصلي على غيره كقوله: (اللهم صل على آل أبي أوفى) وأنه يصلي على غيره تبعا له كقوله: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد) والله أعلم" انتهى.
"مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" (٢٢/٤٧٢-٤٧٤) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13243
حكم قول: (يا من أمره بين الكاف والنون)
[السُّؤَالُ]
ـ[نرجو معرفة حكم قول: (يا من أمره بين الكاف والنون) ؟ وخاصة أنها كَثُرت على ألسنة الدعاة، فما حكمها؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا القول قد انتشر على ألسنة بعض الخطباء، وهم يريدون بذلك أن ما أمر الله به يقع فوراً، ولا يتأخر وقوعه، وهو معنى صحيح بلا شك، قال الله تعالى: (وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) القمر/٥٠.
ولكن هذا اللفظ عند التأمل نجده غير صحيح، ومخالفاً لما دل عليه القرآن.
ولعل هذه العبارة مقتبسة من أبيات لأبي محمد التيمي، وهي قوله:
لا تخضعنّ لمخلوق علي طمعٍ فإن ذلك مُضرّ منك في الدينِ
واسترزقِ الله مما في خزائنه فإنما الأمر بين الكاف والنون
إن الذي أنت ترجوه وتأمله من البرية مسكينُ ابن مسكين
"رسائل الثعالبي" (ص٢٩) ، "الأغاني" (٢٠/٧٠) .
قال الله : (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) البقرة/١١٧.
وقال تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) آل عمران/٥٩.
وقال سبحانه: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) النحل/٤٠
وهذا يعني أن الأمر لا يتم إلا بعد قوله تعالى: (كن) ، أما قبل النون فلم يتم الأمر من الله للشيء، فلا يكون حتى يأمره الله.
قال الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى:
" اشتهر بين العوام أنهم يقولون: (يا من أمره بين الكاف والنون) وهذا خطأ، ليس أمر الله بين الكاف والنون، بل بعد الكاف والنون؛ لأن الله قال: (كُنْ فَيَكُونُ) البقرة/١١٧.
متى؟ بعد "كن". فقولهم: "بين الكاف والنون" خطأ، يعني: ما تم الأمر بين الكاف والنون، لا يتم الأمر إلا بالكاف والنون، لكنه بعد الكاف والنون فوراً كلمحٍ بالبصر ". انتهى."الباب المفتوح" (١٨٦/١٠) .
وقال أيضاً في "شرح الأربعين النووية" (ص ٦٥) :
" أود أن أنبه على كلمة دارجة بين العوام: (يا من أمره بين الكاف والنون) ، وهذا غلط عظيم، الصواب: (يا من أمره - مأموره - بعد الكاف والنون) ، لأن ما بين الكاف والنون ليس أمراً، الأمر لا يتم إلا إذا جاءت الكاف والنون، لأن الكاف المضمومة ليس أمراً، والنون كذلك، لكن باجتماعهما تكون أمراً.
فالصواب أن تقول: (يا من أمره - مأموره - بعد الكاف والنون) " انتهى.
فالذي ينبغي للخطباء والدعاة ألا يتعجلوا في قول شيء حتى يتأكدوا من صوابه، إما بالبحث بأنفسهم، وإما بسؤال أهل العلم.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13244
تقسيم المسلمين إلى ملتزمين وغير ملتزمين
[السُّؤَالُ]
ـ[ي بخصوص عبارة: " مسلم ملتزم "، و " مسلم غير ملتزم ". هنا في السويد يجري استخدام هاتين العبارتين باستمرار " مسلم ملتزم "، و " مسلم غير ملتزم "، وبالتالي حين يطرح سؤال " هل أنت مسلم؟ " يتم استخدام " مسلم ملتزم " أو " مسلم غير ملتزم "، ويعني الناس بعبارة " مسلم ملتزم " من يؤمن بدين الإسلام، وهو الإيمان بالله والرسل والملائكة والكتاب واليوم الآخر، ويعنون أيضا بعبارة " مسلم ملتزم " أن صاحبها يؤمن بالشريعة الإسلامية، وأنه غالبا يتبعها ويفعل كذا وكذا، على سبيل المثال يؤدي الصلوات الخمس يوميًا، ويصوم رمضان، ويؤدي الزكاة، إلى آخره. أما قولهم: " مسلم غير ملتزم " فيعنون به من يؤمن بدين الإسلام، وهو الإيمان بالله والملائكة والكتاب واليوم الآخر، ويعنون أيضا بقولهم " مسلم غير ملتزم " من يؤمن غالبا بالشريعة الإسلامية، لكنه لا يتبعها، على سبيل المثال: لا يصلي الصلوات الخمس يوميا، ولا يصوم رمضان، ولا يؤدي الزكاة، والمرأة لا ترتدي الحجاب، إلى آخره. وسؤالي: هل يكون الواحد " مسلما ملتزما " أم " مسلما غير ملتزم "؟ هل هذه التسميات شرعية، وصحيحة؟ ومن هو المسلم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
المسلم هو الذي آمن بأركان الإيمان الستة: آمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره. ونطق بشهادة التوحيد، ليعلن استسلامه لله وحده لا شريك له، وانقياده للشريعة التي جاء بها النبي محمد ﷺ .
فكل من أتى بذلك فهو من المسلمين، له ما للمسلمين، وعليه ما عليهم، إلا أن يهدم إسلامه بعمل أو قول أو اعتقاد كفري ينقض أركان الإيمان التي قامت في قلبه.
غير أن الناس يتفاوتون في درجة الإيمان، كما يتفاوتون في درجة الانقياد بالعمل بأحكام الدين وامتثال أوامره.
فقد أخبرنا النبي ﷺ أن للإيمان شعبا كثيرة، ومراتب متفاوتة، وذلك يعني أن المؤمنين يتفاوتون في درجاتهم بحسب امتثالهم لهذه الشعب والمراتب.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ)
رواه البخاري (٩) ، ومسلم (٣٥) واللفظ له.
وفي القرآن الكريم تقسيم الناس إلى مراتب ثلاثة: الظالم لنفسه بمعصيته، والمقتصد بطاعته في الواجبات واجتنابه المحرمات، والسابق بالخير المحافظ على النوافل والمجتهد في معالي الأمور. يقول الله تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) فاطر/٣٢
فانقسام الناس بحسب طاعتهم وتمسكهم بشرع الله انقسام حاصل ولا بد، غير أن تسميات الناس لهذه الأقسام هي التي قد تختلف، لكنها في مجملها تقسيمات شرعية صحيحة.
ونحن - وإن كنا لا نرى حرجا في هذه التسميات ابتداء، ومنها " ملتزم " و " غير ملتزم " - غير أنا ننبه على بعض الأخطاء التي تتعلق بهذه الأسماء المنتشرة اليوم:
١- لا يجوز أن يختزل مفهوم " الملتزم " بالمظاهر، لتطلق هذه الكلمة على صاحب اللحية والثوب فقط، بل الواجب اعتبار التمسك الحقيقي بالدين الحنيف والعقيدة الصحيحة والأخلاق الفاضلة المعيارَ الأساسيَّ لهذا التقسيم، والثوب واللحية وحجاب المرأة أجزاء لا كليات، وهي تدل على الالتزام في الظاهر، الذي ينبغي أن يصاحبه التزام في الباطن، لكن ذلك التوازن المطلوب بين الظاهر والباطن، يتخلف في أحيان ليست بالقليلة، مع الأسف!! ولذلك لا يجوز أن تتخذ هذه الأوصاف سلاحا لجزم الحكم في الناس بغير وجه حق، فمن أبغض شخصا وسمه بعدم الالتزام، ومن أحب آخر وصفه بالملتزم، يريد بذلك الحكم على الشخص بين الناس بالفسق أو العدالة، وهو غير أهل لذلك، بل قد يكون ساقط العدالة أصلا، وقد رأينا صورا كثيرة من هذا المسلك في كثير من المجتمعات، استغلت فيها الألقاب الشرعية لتحقيق مآرب شخصية، وهي ظاهرة خطيرة يجب على الجميع التنبه لها.
٢- أما اتخاذ هذه الألقاب سبيلا لتفريق صف الناس، وإحداث النزاع بينهم، وإظهار الانقسام في وحدتهم، فهو غرض قبيح، ليس له وجه شرعي، إلا إذا كان الموصوف بعدم الالتزام قد غرق في سبل الشر والمنكرات الظاهرة المتفق عليها بين علماء المسلمين، فمثله يمكن وسمه بالمعصية وعدم الالتزام، لكننا نشاهد – لدى كثير من الناس – تعريف " الالتزام " بأشياء يراها هو من الدين، وقد تكون من مسائل الاجتهاد، ثم يطلق في الناس ألقاب الالتزام أو عدم الالتزام بناء على ما يختاره هو من أقوال الفقهاء، دون مراعاة الخلاف الواقع في هذا العمل بين أهل العلم، وهذا أيضا خلل كبير.
ولذلك، فالذي نراه أقرب إلى الإنصاف والاعتدال، وأبعد عن الخلاف، وأسلم عند الله تعالى، أن يوصف الناس ـ عند الحاجة الشرعية إلى إطلاق الأوصاف الإضافية الزائدة على مجرد التسمي باسم الإسلام ـ بألفاظ محددة، وليس بالألفاظ المجملة، فيقال مثلا: هو محافظ على الصلوات، أو هو كريم النفس، أو هو قارئ للقرآن، فهذه صفات واضحة معينة تعبر عن الحقيقة التي يتصف بها، دون تدخل الرأي الشخصي، فلا تتحمل مسؤولية الألقاب المجملة التي تخفي وراءها أطماعا أو أحقادا، وأما إطلاق " ملتزم " فهو لفظ مجمل محتمل يقتضي متابعة حثيثة لحال الرجل الموصوف، ثم أمانة في الحكم عليه، وقلما تجد هذا اليوم، ومعلوم أن غالب مشكلات الناس إنما ترد من الألفاظ المجملة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13245
حكم قول: جزاك الله ألف خير
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم قول: جزاك الله ألف خير؟ هل هو من المناهي اللفظية؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أرشدنا النبي ﷺ إلى مكافأة من أحسن إلينا، فإن لم نجد فإننا ندعو الله له: جزاك الله خيرا.
روى أبو داود (١٦٧٢) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ) صححه الألباني في "إرواء الغليل" (١٦١٧) .
وروى الترمذي (٢٠٣٥) عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ) صححه الألباني في صحيح الترمذي.
(فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ) أَيْ: بَالَغَ فِي أَدَاءِ شُكْرِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ اِعْتَرَفَ بِالتَّقْصِيرِ، وعجزه عَنْ جَزَائِهِ، فَفَوَّضَ جَزَاءَهُ إِلَى اللَّهِ، لِيَجْزِيَهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى.
فهذا هو اللفظ الوارد عن النبي ﷺ : (جزاك الله خيرا) ، وهو أكمل من غيره بلا شك، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، فلا ينبغي العدول عن هذا اللفظ إلى غيره.
وإن كان المسلم إذا قال: جزاك الله ألف خير، أحياناً، لا حرج فيه، مع التسليم بأن اللفظ النبوي أكمل وأفضل.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13246
دعاء اللهم إنا لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف فيه
[السُّؤَالُ]
ـ[بعض المرات ندعو بهذا الدعاء: اللهم إنا لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف فيه، فهل هذا الدعاء جائز أم فيه مخالفة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" لا نرى الدعاء هذا، بل نرى أنه محرم، وأنه أعظم من قول الرسول ﵊: (لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت) ؛ وذلك لأن الدعاء مما يرد الله به القضاء، كما جاء في الحديث: (لا يرد القضاء إلا الدعاء) والله يقضي الشيء ثم يجعل له موانع، فيكون قاضيا بالشيء، وقاضيا بأن هذا الرجل يدعو فيرد القضاء، والذي يرد القضاء هو الله .
فمثلا: الإنسان المريض، هل يقول: اللهم إني لا أسألك الشفاء، ولكني أسألك أن تهون المرض؟
لا، بل يقول: اللهم إنا نسألك الشفاء، فيجزم بطلب المحبوب إليه، دون أن يقول: يا رب أبق ما أكره لكن الطف بي، هل الله إلا أكرم الأكرمين وأجود الأجودين؟ وهو القادر على أن يرد عنك ما كان أراده أولا بسبب دعائك، فلهذا نحن نرى أن هذه العبارة محرمة، وأن الواجب أن يقول: اللهم إني أسألك أن تعافيني، أن تشفيني، أن ترد علي غائبي، وما أشبه ذلك " انتهى.
"فتاوى نور على الدرب" للشيخ ابن عثيمين ﵀.
http://www.ibnothaimeen.com/all/sound/article_١٧٣٨١.shtml
وسئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء عن هذا الدعاء، فأجابوا:
" هذا الدعاء لا نعلم أنه وارد عن النبي ﷺ ، فتركه أحسن، وهناك أدعية تغني عنه، مثل: (وأسألك ما قضيت لي من أمر أن تجعل عاقبته رشداً) رواه أحمد وابن ماجه وصاحب المستدرك، وقال: صحيح الإسناد، ومثل ما ذكره أبو هريرة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يتعوذ من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء) قال سفيان -وهو أحد رواة الحديث -: (الحديث ثلاث زدت أنا واحدة لا أدري أيتهن هي) رواه البخاري.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم " انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... الشيخ عبد العزيز آل الشيخ ... الشيخ صالح الفوزان ... الشيخ بكر أبو زيد.
"فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء" (٢٤/٢٩١) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13247
هل يجوز قول تبت لله والرسول ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز قول: (تبت لله والرسول) ، و (أستودعك الله ورسوله) في الوداع، و (حسبنا الله والنبي) ، في الأذكار؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" التوبة والإنابة قربة أمر الله بها في قوله: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) النور/٣١، وقوله: (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ) الزمر/٥٤، فلا يكون ذلك لأحد من خلقه، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، وكذا الحسب والكفاية لا يكونان إلا من الله تعالى، ولذلك أثنى الله على أهل التوحيد، حيث أفردوه بالحسب، فقال تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) آل عمران/١٧٣، ولم يقولوا: حسبنا الله ورسوله، قال ابن القيم ﵀ في تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ) الأنفال/٦٤، أي: الله كافيك، وكافي أتباعك، فلا تحتاجون معه إلى أحد. وذكر أن هذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم خَطَّأ من قال: المعنى: حسبك الله وحسبك المؤمنون، وعلل ذلك بأن الحسب والكفاية لله وحده، كالتوكل والتقوى والعبادة، قال الله تعالى: (وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ) الأنفال/٦٢، ففرق بين الحسب والتأييد، فجعل الحسب لله وحده، وجعل التأييد له بنصره وبعباده، وأثنى على أهل التوحيد من عباده، حيث أفردوه بالحسب، فقال تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) آل عمران/١٧٣، ولم يقولوا حسبنا الله والرسول، ونظير هذا قوله، (وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ) التوبة/٥٩، فتأمل كيف جعل الإيتاء لله والرسول، وجعل الحسب له وحده فلم يقل: (وقالوا حسبنا الله ورسوله) بل جعله خالص حقه، كما قال: (إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ) التوبة/٥٩، فجعل الرغبة إليه وحده، كما قال: (وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ) الشرح/٨، فجعل الرغبة والتوكل والإنابة والحسب لله وحده، كما أن العبادة والتقوى والسجود والنذر والحلف لا يكون إلا له . اهـ.
وبهذا يعلم أن ما يقوله بعض الناس عند التوبة: (تبت إلى الله والرسول) أمر لا يجوز، وكذا قولهم: (حسبنا الله والنبي) لا يجوز، بل ذلك شرك، وكذا قول بعضهم في وداع المسافر: (أستودعك الله ورسوله) ؛ لما رواه أبو داود والترمذي عن ابن عمر ﵄، أنه كان يقول للرجل إذا أراد سفراً: ادن مني أودعك كما كان رسول الله ﷺ يودعنا، فيقول: (أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم أعمالك) .
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... الشيخ عبد الرزاق عفيفي ... الشيخ عبد الله بن غديان.
"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" (٢٤/٢٩٨) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13248
قول الإنسان لأخيه: الله لا يضرك
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم قول: الله لا يضرك؟ هل هو من المناهي اللفظية؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قول الإنسان: الله لا يضرك، لا حرج فيه؛ لأن الله تعالى هو النافع الضار سبحانه، كما قال تعالى: (قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ) الزمر/٣٨، وقال تعالى: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) الأنعام/١٧، وقال تعالى: (أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ) يس/٢٣.
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن هذه العبارة: "أعطني الله لا يهينك".
فأجاب: "هذه العبارة صحيحة، والله قد يهين العبد ويذله، وقد قال الله تعالى في عذاب الكفار: (فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُون) الأحقاف/٢٠، فأذاقهم الله الهوان والذل بكبريائهم واستكبارهم في الأرض بغير الحق. وقال تعالى: (وَمَنْ يُهِنْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ) الحج/١٨، والإنسان إذا أمرك فقد تشعر بأن هذا إذلال وهوان لك فيقول: "الله لا يهينك" انتهى من "مجموع الفتاوى" (٣/٧٧) .
ولو دعا بقوله: الله يسلمك أو يحفظك أو يعافيك، لكان أولى وأحسن، لما فيه من كمال التأدب مع الله تعالى، وعدم نسبة الشر إليه، كما قال إبراهيم ﵇: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) الشعراء/٧٨-٨٠، فنسب المرض إلى نفسه ولم ينسبه إلى الله كما فعل في الخلق والإطعام، وإن كان لا يقع شيء إلا بمشيئته وإرادته سبحانه.
وقال ﷺ تأدبا مع ربه: (لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ) رواه مسلم (٧٧١) .
قال النووي ﵀ في شرح مسلم: " قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره: فِيهِ الْإِرْشَاد إِلَى الْأَدَب فِي الثَّنَاء عَلَى اللَّه تَعَالَى , وَمَدْحه بِأَنْ يُضَاف إِلَيْهِ مَحَاسِن الْأُمُور دُون مَسَاوِيهَا عَلَى جِهَة الْأَدَب " انتهى.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13249
اقتباس الألفاظ النبوية وتضمينها في الشعر
[السُّؤَالُ]
ـ[قال احد الشعراء فأنا قتيل العشق ملء إرادتي رفع الكتاب وجفت الاقلام ولما نوقش في الشطر الثاني من البيت قال: انه للضرورة الشعرية وأنه من قبيل رواية الحديث بالمعنى وأن الكتاب الذي سجل أقدرانا رفع وحفظ وأن الأقلام قد جفت فما توجيهكم حول هذا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله:
أما بعد: فإن المعنى الذي أراده القائل هنا لا يزال صحيحا موافقا للمعنى الوارد في الحديث النبوي الذي قال فيه النبي ﷺ : (رفعت الأقلام وجفت الصحف) رواه الترمذي (٢٤٤٠) من حديث ابن عباس، وقال حسن صحيح،
فإن وصف القلم بالجفوف قد ورد في الأحاديث الصحيحة أيضا ففي صحيح البخاري (٤٦٨٦) قال ﷺ : " يا أبا هريرة جف القلم بما أنت لاق " قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٩/١١٩) : (أي نفذ المقدور بما كتب في اللوح المحفوظ فبقي القلم الذي كتب به جافا لا مداد فيه لفراغ ما كتب به) .
وأما قوله: " رفعت الصحف "، فهو من تمام هذا المعنى: أن هذا أمر قد جرى به سابق القدر، ولم تعد الصحف منشورة يكتب فيها، بل رفعت وطويت من قديم، حتى لقد جف مدادها، كناية عن قدم رفعها.
وقد ورد حديث ابن عباس بلفظ: (قضي القضاء وجفت الأقلام وطويت الصحف) رواه البيهقي في الشعب (١٩٢ـ ط الرشد) ، والطبراني في الكبير (١٢/٢٣٨) ، وقال محقق الشعب: إسناده حسن، والحديث صحيح لطرقه. اهـ.
وجاء الأثر بلفظ: رفع الكتاب، كما ذكره الناظم، عن الحسن بن علي ﵁، موقوفا عليه، قال: (رفع الكتاب وجف القلم، وأمور تقضى في كتاب قد خلا)
رواه عبد الله بن أحمد في السنة (٧٨٣) والفريابي في القدر (٨٤) والطبراني في الكبير (٢٦٨٤) وتمام في فوائده (١٣٧٥) .
والمعنى في الجميع واحد، قال الحافظ ابن رجب ﵀: " هو كنايةٌ عن تقدُّم كتابة المقادير كلِّها، والفراغ منها من أمدٍ بعيد، فإنَّ الكتابَ إذا فُرِغَ من كتابته، ورفعت الأقلامُ عنه، وطال عهده، فقد رُفعت عنه الأقلام، وجفتِ الأقلام التي كتب بها مِنْ مدادها، وجفت الصَّحيفة التي كتب فيها بالمداد المكتوب به فيها، وهذا من أحسن الكنايات وأبلغِها.
وقد دلَّ الكتابُ والسننُ الصحيحة الكثيرة على مثل هذا المعنى، قال الله تعالى:
(مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَاّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ
ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ) وفي " صحيح مسلم [٢٦٥٣] " عن عبد الله بن عمرو، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: (إنَّ الله كتبَ مقاديرَ الخلائق قبل أنْ يخلُقَ السَّماوات والأرض بخمسين ألفَ سنة) .. " انتهى من جامع العلوم والحكم (١/٥٠٨) .
ولكن هنا مسألة أخرى وهي ما حكم اقتباس كلمات من القرآن أو الحديث ووضعها في الشعر أو النثر من كلام الناس؟
والجواب: أن ذلك جائز عند جمهور أهل العلم إذا كان لمقاصد حسنه تضاهى وتشابه المقاصد الشرعية، أما الكلام الفاسد ككلام أهل البدع أو كلام أهل المجون والفحش، ونحو ذلك، فإنه لا يجوز اقتباس الألفاظ الشريفة ووضعها فيه.
انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية (٦/١٧) .
قال السيوطي ﵀ في الإتقان (١/٢٩٧) (وفي شرح بديعية ابن حجة الاقتباس ثلاثة أقسام: مقبول ومباح ومردود.
فالأول: ما كان في الخطب والمواعظ والعهود.
والثاني: ما كان في الغزل والرسائل والقصص.
والثالث: على ضربين: أحدهما: ما نسبه الله إلى نفسه، ونعوذ بالله ممن ينقله إلى نفسه: كما قيل عن أحد بني مروان أنه وقع على مطالعة فيها شكاية عماله:"إن إلينا إيابهم* ثم إن علينا حسابهم".
والآخر تضمين آية في معنى هزل ونعوذ بالله من ذلك كقوله:
أوحى إلى عشاقه طرفه ... هيهات هيهات لما توعدون
وردفه ينطق من خلفه ... لمثل ذا فليعمل العاملون
قلت: وهذا التقسيم حسن جدا وبه أقول) انتهى.
وقال ابن مفلح ﵀ في الآداب الشرعية (٢/ ٢٨٩) : " سئل ابن عقيل عن وضع كلمات وآيات من القرآن في آخر فصول خطبة وعظية؟ فقال: تضمين القرآن لمقاصد تضاهي مقصود القرآن لا بأس به تحسينا للكلام، كما يضمن في الرسائل إلى المشركين آيات تقتضي الدعاية إلى الإسلام، فأما تضمين كلام فاسد فلا يجوز.. " انتهى.
ومما سبق يتبين أن ما فعله هذا الناظم غير جائز، لما فيه من امتهان النصوص الشرعية الكريمة، ووضعها في غير موضعها اللائق بها.
ثم إن المعنى الذي ذكره هذا الناظم مختل غير متناسب؛ فحق الذي يقول: إنه قتيل العشق ملء إرادته، أن يقر على نفسه بالجناية، وأنه الذي أورد نفسه الموارد حتى أتلفها، لا أن يذيل ذلك برفع الكتاب وجفاف القلم، وما فيه من تقرير سبق المقادير؛ اللهم إلا أن يكون الرجل لا يعلم مغزى الكلام، ولا يدري معنى الحديث، وإنما هو شيء اجتلبته القافية، وضرورة الشعر، فهذا شأنه أن يعلم مقاصد الكلام، ويدرب على أن يضع الشيء موضعه؛ وقد قالوا في البلاغة: إنها مطابقة الكلام لمقتضى الحال.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13250
هل يجوز إطلاق لفظ " الجاهلية " على المجتمعات بعد البعثة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز إطلاق لفظ الجاهلية على مجتمعات بعد البعثة سواء منها الكافرة أو المسلمة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
يُطلق لفظ " الجاهلية " ويُراد به فترة ما قبل بعثة النبي ﷺ ، وهي نسبة لأمرين اثنين يجتمعان في هذه الحقبة، وهما: الجهل، والجهالة – أي: السفاهة -.
ولفظ الجاهلية لفظ مذموم، ويكفي الجهل والجهالة سوءً أن يتبرأ منهما الإنسان ولو كان من أهلهما، ويكفي العلم والرشد فخراً أن ينتسب إليهما أهلهما، ولو كان من غير أهلهما.
وفي " المعجم الوسيط " (١ / ٣٠٠) :
" الجاهلية ": ما كان عليه العرب قبل الإسلام من الجهالة، والضلالة.
انتهى
وقال الحافظ ابن حجر – ﵀:
والجاهلية: ما كان قبل الإسلام.
" فتح الباري " (١٠ / ٤٦٨) .
وقال المنَّاوي – ﵀:
والجاهلية: ما قبل البعثة، سُمُّوا به لفرط جهلهم.
" فيض القدير " (١ / ٤٦٢) .
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
المراد بالجاهلية ما قبل البعثة؛ لأن الناس كانوا فيها على جهل عظيم، فجهلهم شامل للجهل في حقوق الله، وحقوق عباده.
" القول المفيد على كتاب التوحيد " (٢ / ١٤٦) و " مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (١٠ / ص ٦٠١) .
وقال:
والنياحة من أمر الجاهلية، ولابد أن تكون في هذه الأمة، وإنما كانت من أمر الجاهلية:
إما من الجهل الذي هو ضد العلم.
أو من الجهالة التي هي السفه، وهي ضد الحكمة.
" القول المفيد على كتاب التوحيد " (٢ / ١٤٩) و " مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (١٠ / ص ٦٠٣) .
ثانياً:
وقد أرسل الله تعالى نبيَّه محمَّداً ﷺ بالهدى ودين الحق، فأنار الله تعالى به الكون، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، فبدَّد الله به ظلمات الجهل والكفر، وانتهى ببعثته ﷺ عهد الجاهلية، ولكن هل رُفعت الجاهلية عن الأمكنة كلها، وفي جميع الأزمنة؟! بالطبع لا، ولذا فإنه لا يجوز وصف جميع المجتمعات بالجاهلية بعد بعثته ﷺ ، ولا نزعها عن جميع المجتمعات ـ أيضا ـ، فما تزال بعض المجتمعات تعيش في مستنقعات الجاهلية، فلا يرفع عنها هذا الوصف، وأما من استنار بنور الإسلام من المجتمعات فلا يجوز وصفها بهذا اللفظ، ولو حصل تقصير في بعض جوانب الإسلام منها فهذا لا يبيح وصفها بالجاهلية، وعلى هذا التفصيل اتفقت كلمة العلماء المحققين.
١. قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
فالناس قبل مبعث الرسول ﷺ كانوا في حال جاهلية منسوبة إلى الجهل، فإن ما كانوا عليه من الأقوال والأعمال إنما أحدثه لهم جاهل، وإنما يفعله جاهل.
وكذلك كل ما يخالف ما جاءت به المرسلون من يهودية، ونصرانية: فهي جاهلية، وتلك كانت الجاهلية العامة، فأما بعد مبعث الرسول ﷺ قد تكون في مصر دون مصر - كما هي في دار الكفار -، وقد تكون في شخص دون شخص، كالرجل قبل أن يسلم فإنه في جاهلية وإن كان في دار الإسلام.
فأما في زمان مطلق: فلا جاهلية بعد مبعث محمد ﷺ ؛ فإنه لا تزال من أمته طائفة ظاهرين على الحق إلى قيام الساعة.
والجاهلية المقيدة قد تقوم في بعض ديار المسلمين، وفي كثير من الأشخاص المسلمين كما قال ﷺ : (أربع في أمتي من أمر الجاهلية) وقال لأبي ذر: (إنك امرؤ فيك جاهلية) ، ونحو ذلك.
فقوله في هذا الحديث: (ومبتغ في الإسلام سنَّة جاهلية) : يندرج فيه كل جاهلية مطلقة، أو مقيدة، يهودية، أو نصرانية، أو مجوسية، أو صابئة، أو وثنية، أو مركبة من ذلك، أو بعضه، أو منتزعة من بعض هذه الملل الجاهلية فإنها جميعها مبتدعها ومنسوخها صارت جاهلية بمبعث محمد ﷺ ، وإن كان لفظ الجاهلية لا يقال غالباً إلا على حال العرب التي كانوا عليها فإن المعنى واحد.
اقتضاء الصراط المستقيم " (ص ٧٨، ٧٩) .
٢. وفي بيان خطأ مصطلح " جاهلية القرن العشرين " قال الشيخ بكر أبو زيد – حفظه الله -: بيَّن العلامة الألباني ما في هذا التعبير منْ تسمُّحٍ، وغضٍّ من ظهور الإسلام على الدِّين كله، فجاء في كتاب: " حياة الألباني " ما نصه:
مصطلح " جاهلية القرن العشرين " في نظر الألباني:
السؤال: تناول الداعية " سيد قطب " ﵀ مصطلحاً متداولاً بكثرة في إحدى المدارس الإسلامية التي يمثلها، ألا وهو مصطلح " جاهلية القرن العشرين " فما مدى الدقة والصواب في هذه العبارة؟ وما مدى التقائها مع الجاهلية القديمة وفقاً لتصوركم؟ .
فأجاب العلامة الألباني:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد: الذي أراه أن هذه الكلمة " جاهلية القرن العشرين " لا تخلو من مبالغة في وصف القرن الحالي - القرن العشرين - فوجود الدِّين الإسلامي في هذا القرن وإن كان قد دخل فيه ما ليس منه: يمنعنا من القول بأن هذا القرن يمثل جاهليةً كالجاهلية الأُولى، فنحن نعلم أن الجاهلية الأولى إن كان المعني بها العرب فقط: فهم كانوا وثنيين، وكانوا في ضلال مبين، وإن كان المعني بها ما كان حول العرب من أديان كاليهودية والنصرانية: فهي أديان محرفة، فلم يبق في ذلك الزمان دين خالص منزه عن التغيير والتبديل، فلا شك في أن وصف الجاهلية على ذلك العهد وصف صحيح، وليس الأمر كذلك في قرننا هذا، ما دام أن الله ﵎ قد منَّ على العرب أولاً، ثم على سائر الناس ثانياً، بأن أرسل إليهم محمداً ﷺ خاتم النبيين، وأنزل عليه دين الإسلام، وهو خاتم الأديان، وتعهد الله بحفظ شريعته هذه بقوله : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ونبيه ﷺ قد أخبر أن الأُمة الإسلامية وإن كان سيصيبها شيء من الانحراف الذي أصاب الأُمم من قبلهم في مثل قوله ﷺ : (لتتبعن سَنَن من قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا: من هم يا رسول الله؟ اليهود والنصارى؟ فقال ﵊ فمنِ الناس؟!) أقول: وإن كان الرسول ﷺ قد أخبر بهذا الخبر المفيد أن المسلمين سينحرفون إلى حد كبير ويقلدون اليهود والنصارى في ذلك الانحراف، لكن ﵊ في الوقت نفسه قد بشَّر أتباعه بأنهم سيبقون على خطه الذي رسمه لهم، فقال ﵊ في حديث التفرقة: (وستفترق أُمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة) ، قال ﵊: (كلها في النار إلا واحدة) ، قالوا: ما هي يا رسول الله؟ قال: (هي الجماعة) وفي رواية قال: (هي التي تكون على ما أنا عليه وأصحابي) .
وأكد ذلك ﵊ في قوله في الحديث المتفق عليه بين الشيخين: (لا تزال طائفة من أُمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله) .
فإذن لا تزال في هذه الأُمة جماعة مباركة طيبة قائمة على هدي الكتاب والسنة، فهي أبعد ما تكون عن الجاهلية القديمة أو الحديثة؛ ولذلك فإن الذي أراه: أن إطلاق " الجاهلية " على القرن العشرين فيه تسامح، قد يُوهم الناس بأن الإسلام كله قد انحرف عن التوحيد وعن الإخلاص في عبادة الله انحرافاً كليّاً، فصار هذا القرن - القرن العشرون - كقرن الجاهلية الذي بُعِثَ رسول الله ﷺ إلى إخراجه من الظلمات إلى النور، حينئذ: هذا الاستعمال، أو هذا الإطلاق يحسن تقييده في الكفَّار أولاً، الذين كما قال تعالى في شأنهم: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) .
وصْف القرن العشرين بـ " الجاهلية " إنما ينطبق على غير المسلمين الذين لم يتبعوا الكتاب والسنَّة، ففي هذا الإطلاق إيهام بأنه لم يبق في المسلمين خير، وهذا خلاف ما سبق بيانه من أحاديث الرسول ﵊ المبشرة ببقاء طائفة من الأُمة على الحق، ومن ذلك قوله ﵊: (إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً فطوبي للغرباء ... ) قالوا: من هم يا رسول الله؟ جاء الحديث على روايات عدة في بعضها يقول الرسول ﷺ واصفاً الغرباء -: (هم الذين يُصلحون ما أفسد الناس من سنَّتي من بعدي) ، وفي رواية أُخرى قال ﵊: (هم أُناس قليلون صالحون بين أُناس كثيرين من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم) فلذلك لا يجوز هذا الإطلاق في العصر الحاضر على القرن كله؛ لأنَّ فيه - والحمد لله - بقية طيبة لا تزال على هدي النبي ﷺ ، وعلى سنته، وستظل كذلك حتى تقوم الساعة، ثم إن في كلام سيد قطب ﵀ وفي بعض تصانيفه ما يشعر الباحث أنه كان قد أصابه شيء من التحمس الزائد للإسلام في سبيل توضيحه للناس، ولعل عذره في ذلك أنه كان يكتب بلغة أدبية؛ ففي بعض المسائل الفقهية كحديثه عن حق العمال في كتابه: " العدالة الاجتماعية " أخذ يكتب بالتوحيد، وبعبارات كلها قوية تحيي في نفوس المؤمنين الثقة بدينهم وإيمانهم، فهو من هذه الخلفية في الواقع قد جدّد دعوة الإسلام في قلوب الشباب، وإن كنَّا نلمس أحياناً أن له بعض الكلمات تدل على أنه لم يساعده وقته على أن يحرر فكره من بعض المسائل التي كان يكتب حولها أو يتحدث فيها، فخلاصة القول أن إطلاق هذه الكلمة في العصر الحاضر لا يخلو من شيء من المبالغة التي تدعو إلى هضم حق الطائفة المنصورة، وهذا ما عنَّ في البال فذكرته.انتهى.
" معجم المناهي اللفظية " (ص ٢١٢ – ٢١٥) .
٣. وسئل الشيخ صالح بن فوزان الفوزان – حفظه الله -:
هل يجوز إطلاق لفظ " الجاهلية " على المجتمعات الإسلامية المعاصرة؟ .
فأجاب:
الجاهلية العامة قد زالت ببعثة الرسول ﷺ ؛ فلا يجوز إطلاقها على المجتمعات الإسلامية بصفة العموم، وأما إطلاق شيء من أمورها على بعض الأفراد، أو بعض الفِرق، أو بعض المجتمعات: فهذا ممكن، وجائز، وقد قال النبي ﷺ لبعض أصحابه: (إنك امرؤٌ فيك جاهلية) ، وقال ﷺ : (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة) .
" الأجوبة المفيدة عن أسئلة المناهج الجديدة " (٨٦، رقم السؤال: ٣١) .
ثالثاً:
لا يجوز للمسلم أن ينظر للمجتمعات الإسلامية بعين الكبر في نفسه، والاحتقار لهم، ومن ذلك: تعميم الحكم بالجهل والانحراف والهلاك.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا قَالَ الرَّجُلُ هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ) رواه مسلم (٢٦٢٣) .
قال الأمام ابن عبد البر – ﵀:
معناه عند أهل العلم: أن يقولها الرجل احتقاراً للناس، وإزراء عليهم، وإعجاباً بنفسه، وأما إذا قال ذلك تأسفاً، وتحزناً، وخوفاً عليهم لقبح ما يرى من أعمالهم: فليس ممن عني بهذا الحديث، والفرق بين الأمرين أن يكون في الوجه الأول راضياً عن نفسه، معجباً بها، حاسداً لمن فوقه، محتقراً لمن دونه، ويكون في الوجه الثاني ماقتاً لنفسه، موبخاً لها، غير راضٍ عنها.
" التمهيد " (٢١ / ٢٤٢) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13251
حكم لفظ "لا قدر الله "
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم الشرع في مثل هذه الألفاظ: لا قَدََّر الله، أو لا سمح الله، أو لا يَُقدِّر كذا أو كذا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"لا أعلم حرجاً في ذلك، والله الموفق" انتهى.
"مجموع فتاوى الشيخ ابن باز" (٢٨/٣٧٤) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13252
التأدب في وصف النبي ﷺ
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يقال للنبي ﷺ إنه " بدوي "؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نبينا محمد ﷺ أكرم الخلق، وسيد البشر، وأحب خلق الله إلى الله، له المقام المحمود، والحوض المورود، اصطفاه الله من بين ولد آدم كلهم، واختاره من خير العرب أعراقا وأنسابا وأحسابا، مولدُه في أعظم حاضرةٍ من حواضر العرب يومها، في مكة المكرمة، خير بقاع الأرض، وأحب أرض الله إلى الله، سماها القرآن الكريم " أم القرى " لعظيم مكانتها في جزيرة العرب، بل في الأرض كلها، "
قال الله : (وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا) الأنعام/٩٢
وقد أورثت هذه المكانة الجليلة للنبي محمد ﷺ في نفوس أصحابه من الإكبار والإجلال والتقدير ما يبلغ الغاية والكمال، فهذا أبو بكر الصديق ﵁ يرجع عن موقف الإمامة في الصلاة ليتقدم النبيُّ ﷺ ، ويقول: (مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ البخاري (٦٨٤) ومسلم (٤٢١) .
ويرفض أبو أيوب الأنصاري ﵁ أن يعلو سقيفة تحتها رسول الله ﷺ . رواه مسلم (٢٠٥٣) .
وكان عمرو بن العاص ﵁ يقول: (وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجْلَالًا لَهُ، وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ، لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ) رواه مسلم (١٢١) .
ولمَّا قام البراء بن عازب يَعُدُّ كما عد النبي ﷺ ما لا يجوز في الأضاحي قال: (وَأَصَابِعِي أَقْصَرُ مِنْ أَصَابِعِهِ، وَأَنَامِلِي أَقْصَرُ مِنْ أَنَامِلِهِ ﷺ رواه أبو داود (٢٨٠٢) وصححه ابن دقيق العيد في "الاقتراح" (ص/١٢١) والشيخ الألباني في "صحيح أبي داود".
إلى غير ذلك من صُورِ الأدب العظيمة التي ضربها الصحابة رضوان الله عليهم للبشرية كلها في تكريمِ وإجلالِ أفضلِ الرسل وسيد البشر صلوات الله وسلامه عليه.
أما وَصفُهُ ﷺ بما لا يليق به، أو لَمْزُهُ بسيء الألفاظ والمعاني، أو حكايةُ ما فيه تنقيصٌ لقدره فهو من الكذب الفج القبيح، والكفر الصريح، لِما فيه من تزويرٍ للحقائق وتَعَدٍّ على خير الخلائق، ولا يقع في ذلك إلا مَن لا يَعرف الأدبَ ولا الخلقَ ولا الإيمان.
قال الله : (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ) التوبة/٦٥-٦٦.
قال القاضي عياض ﵀ في "الشفا" (٢/٢١٤) :
" اعلم - وفقنا الله وإياك - أن جميع من سب النبي ﷺ ، أو عابه، أو ألحق به نقصا في نفسه أو نسبه أو دينه، أو خصلة من خصاله، أو عرَّض به، أو شبَّهَه بشيء على طريق السب له أو الإزراء عليه أو التصغير لشأنه أو الغض منه والعيب له، فهو سابٌّ له، والحكم فيه حكم الساب، يُقتل ... وكذلك مَن نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم، أو عَبَثَ في جهته العزيزة بسخفٍ من الكلام، وهُجر ومنكر من القول وزور، أو عَيَّره بشيءٍ مما جرى من البلاء والمحنة عليه، أو غَمَصَهُ ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهودة لديه.
وهذا كله إجماع من العلماء وأئمة الفتوى من لدن الصحابة رضوان الله عليهم إلى هَلُمَّ جرًّا " انتهى.
ولا شك أن إطلاق لفظ " البداوة " أو وصفه ﷺ بـ " البدوي " هو من التنقص الصريح والعيب الواضح، فإن البداوة وصفُ ذمٍّ وتنقيص، يُقصَد به الوسمُ بالجهل والرعونة والجفاء، وهو ﷺ مُعَلَّمٌ من رب الأرض والسماء، جاء وصفه في التوراة بأنه (ليس بفظٍّ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق) ، كما وصفه الله بقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) القلم/٤، فكيف يجرؤ كذاب أن يصفه ﷺ بخلاف ذلك؟! لا جرم أن في هذا مِن الجرأة والوقاحة ما يستحق عليها متعمدها العذاب والنكال في الدنيا والآخرة.
قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) التوبة/٦١.
قال النووي في "شرح مسلم" (١/١٦٩) :
" أهل البادية هم الأعراب، ويغلب فيهم الجهل والجفاء، ولهذا جاء فى الحديث: (من بدا جفا) والبادية والبدو بمعنًى: وهو ما عدا الحاضرة والعمران. والنسبة اليها بدوي " انتهى.
وقد أفتى العلماء بكفر كلِّ وَصفٍ فيه إشعارٌ بتنقُّصِ قدرِ الرسول ﷺ ولو لم يكن صريحا في ذلك، حتى روى ابن وهب عن الإمام مالك ﵀:
" مَن قال: إن رداء النبي ﷺ وَسِخ - وأراد به عَيْبه - قُتل.
وقال أحمد بن أبى سليمان (من علماء المالكية، توفي عام ٢٩١هـ) : من قال إن النبي ﷺ كان أسود، يُقتل.
وأفتى فقهاء الأندلس بقتل " ابن حاتم " المُتَفَقِّه الطُّلَيطلي وصلبه، بما شُهد عليه به من استخفافه بحق النبي ﷺ ، وتسميته إياه أثناء مناظرته بـ " اليتيم " و " ختن حيدرة "، وزعمه أن زهده لم يكن قصدا، ولو قدر على الطيبات أَكَلَهَا. إلى أشباهٍ لهذا " انتهى.
نقل جميع ما سبق القاضي عياض في "الشفا" (٢/٢١٧-٢١٩) ، ثم قال:
" وكذلك أقول حكم من غَمَصَه، أو عَيَّره برعاية الغنم، أو السهو، أو النسيان، أو السحر، أو ما أصابه من جُرحٍ أو هزيمة لبعض جيوشه، أو أذى من عدوه، أو شدة من زمنه، أو بالميل إلى نسائه، فحُكمُ هذا كلِّه - لِمن قصد به نقصَه - القتل " انتهى.
ونسبته ﷺ إلى " البداوة " من الكذب الصريح، لأنه عاش في مكة، ثم هاجر منها إلى المدينة، وهما أفضل مدينتين في الأرض كلها، فكيف يكون بدوياً؟!
ولم يعرف ﷺ البادية إلا في صغره حين استرضع في بادية بني سعد عند مرضعته حليمة السعدية. انظر "السيرة النبوية الصحيحة" د. أكرم العمري (١/١٠٣) .
يقول الدكتور جواد علي في "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" (٤/٢٧١) :
" المجتمع العربي: بدو وحضر. أهل وبر وأهل مدر، فأما أهل المدر، فهم الحواضر وسكان القرى، وكانوا يعيشون من الزرع والنخل والماشية والضرب في الأرض للتجارة. وأما أهل الوبر، فهم قطان الصحارى، يعيشون من ألبان الإبل ولحومها، منتجعين منابت الكلأ، مرتادين لمواقع القطَر، فيخيمون هنالك ما ساعدهم الخصب وأمكنهم الرعي، ثم يتوجهون لطلب العشب وابتغاء المياه، فلا يزالون في حلّ وترحال.
ويعرف الحضر، وهم العرب المستقرون بـ " أهل المدر "، عرفوا بذلك لأن أبنية الحضر إنما هي بالمدر. والمدر: قطع الطين اليابس.
وورد أن أهل البادية إنما قيل لهم " أهل الوبر "، لأن لهم أخبية الوبر. تمييزاً لهم عن أهل الحضر الذين لهم مبان من المدر.
وتطلق لفظة " عرب " على أهل المدر خاصة، أي على الحضر و " الحاضر " و " الحاضرة " من العرب، أما أهل البادية فعرفوا بـ " أعراب ". " انتهى.
وسئل الشيخ محمد الحسن الددو حفظه الله:
لماذا ذكر الله أنه ما أرسل رسولاً إلا من أهل القرى؟
فأجاب:
" أما كون الأنبياء جميعاً من سكان القرى كما أخبر الله بذلك في كتابه، فإن ذلك مقتض منهم لحصول الرفعة، وأهل البوادي دائماً أشد عنجهية وأسوأ أخلاقاً، وأقل نظافةً ممن سواهم؛ ولذلك قال الله تعالى في كتابه: (الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ) التوبة/٩٧، وليس التحضر نسباً، حتى يقال: فلان بدوي، معناه: أن أباه كان كذلك، بل المقصود هو في نفسه، فلو سكن شخص من أهل البادية في الحاضرة، فإنه ليس من الأعراب، ولا يدخل في ذلك؛ بل المقصود به من يتصف بهذه الصفة بنفسه لا بنسبه.
الرسل عليهم الصلاة والسلام يراد بهم أن يسوسوا البشرية وأن يقودوها، فلا بد أن يعرفوا طرق تدبير المعاش، وهذه لا يعرفها أهل البوادي، ولا يعتنون بها، فأهل البوادي إنما يعيشون من الصيد – مثلاً - أو اتباع البهائم، ويعيشون مع الأحلام والأوهام كثيراً، وقد أخرج أحمد في المسند أن النبي ﷺ قال: (من طلب الصيد غفل، ومن بدا جفا) ومعناه: من سكن البادية غلظ طبعه، (ومن طلب الصيد غفل) أي: نقص عقله بقدر ذلك؛ فلهذا اختير الرسل من أهل القرى " انتهى. "سلسلة دروس منشورة" (الدرس الثالث/ص/٩) .
وقال العلامة عبد الله بن جبرين حفظه الله:
" وكذلك أيضا من سخر بشيء من آيات الله تعالى، أو بالنبي ﷺ ، ذُكر عن بعض الكتاب أنه كتب مرة يطعن في النبي ﷺ ويقول: إنه بدوي، إنه كان يرعى الغنم، وإنه عاش في عهد ليس فيه تقدم، وليس فيه كذا وكذا، ولا شك أن هذا طعن في الدين؛ لأن هذا الدين جاءنا من قبل هذا النبي الكريم؛ فمن طعن فيه بأنه جاهل، أو بأنه بدوي لا يعرف شيئا، أو بأن هذا الذي جاء به من محادثة فكره، أو أنه مما خيل إليه، أو أنه يريد بذلك أن يكون له شهرة وأتباع ونحو ذلك؛ يعتبر قد كذب على الله، وكذب النبي ﷺ الذي جاء بهذا الدين الشرعي، وكذَّب القرآن، وكذَّب الشرع كله، لا شك أن هذا أيضا قادح في الدين، قادح في العقيدة، وهو ما ذكر في هذه الآية: (قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ) يعني بالاستهزاء بالله تعالى الاستهزاء بأسمائه وصفاته، وكذلك الاستهزاء بكلامه والتنقص له؛ داخل أيضا في القوادح في الدين.
وكذلك أيضا الاستهزاء بالقرآن، كما ذكر الله تعالى عن الكفار الذين قالوا: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا) الفرقان/٤ وهؤلاء بلا شك أتوا بما يقدح في عقيدتهم وفي دينهم؛ فلأجل ذلك جعل الله مقالتهم مقالة كفرية، وكذلك أيضا هؤلاء الذين قدحوا في النبي ﷺ وقالوا: إنه جاهل، أو إنه بدوي، أو ما أشبه ذلك " انتهى. نقلا عن موقع الشيخ تحت هذا الرابط:
http://www.ibn-jebreen.com/print.php?page=٦٣٧٧
وقال الشيخ بكر أبو زيد حفظه الله في "معجم المناهي اللفظية" (٤٩٦) :
" ووصْفُ النبي ﷺ بأنه بدوي مُناقضةٌ للقرآن الكريم، فهو ﷺ من حاضرة العرب لا من باديتها، قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى) يوسف/١٠٩
وما يزال انعدام التوفيق يغْشى مَن في قلوبهم دخن، ففي العقد التاسع بعد الثلاثمائة والألف نشر أحد الكاتبين من البادية الدارسين مقالاً، صرَّح فيه بأن النبي ﷺ من البادية. وقد ردَّ عليه الشيخ حمود بن عبد الله التويجري النجدي برسالة سمَّاها: " منشور الصواب في الرد من زعم أن النبي ﷺ من الأعراب " والله أعلم " انتهى.
وقال الشيخ محمد المختار الشنقيطي حفظه الله في "سلسلة دروس شرح زاد المستقنع" (درس رقم ٣٩٥، ص/٧) :
" إذا سب النبي ﷺ سباً مباشراً باللعن - والعياذ بالله -، أو انتقصه كأن يصف النبي ﷺ وصفاً ينتقصه به، كأن يقول: إنه بدوي يرعى الغنم، وقصد به التحقير له صلوات الله وسلامه عليه، ونحو ذلك من العبارات؛ فإنه يحكم بكفره " انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13253
هل عبارة " لنضع يدنا بيد الزمن " جائزة؟ وحكم سب الزمن
[السُّؤَالُ]
ـ[ (لنضع يدنا بيد الزمن) هل هذه الكلمة تعتبر محرمة باعتبار أن الله هو الدهر؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
ينبغي تصحيح فهم جملة " أن الله هو الدهر "؛ لأن الخلل في فهمها أدى إلى استشكال العبارة الواردة في السؤال، فنقول:
ثبت في السنَّة الصحيحة أن النبي ﷺ قال: (لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر) متفق عليه.
وقد فُهم هذا الأمر خطأً من بعض الناس فظنوا أن " الدهر " من أسماء الله، وليس الأمر كذلك، بل " الدهر " هو الزمن، وقد كان الجاهليون – ولا يزال لهم أتباع في هذا – يسبون الدهر، ولم يكن أحد منهم يقصد سبَّ الله، وكيف يقصدون سب الله وهو يقولون " قبَّح الله الدهر "؟! وإنما نهي عن سبِّ الدهر، ونُسب الدهر إلى الله: لأنه تعالى هو خالقه ومدبره ومصرِّفه.
وتفصيل ذلك في:
١. جواب السؤال رقم (٢٦٩٧٧) وفيه بيان أن الدهر ليس من أسماء الله.
٢. جواب السؤال رقم (٩٥٧١) وفيه بيان معنى الحديث الصحيح (لا تسبوا الدهر؛ فإن الله هو الدهر) .
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
عن قوله ﷺ : (لا تسبوا الدهر؛ فإن الله هو الدهر) ، فهل هذا موافق لما يقوله الاتحادية، بيِّنوا لنا ذلك؟ .
فأجاب:
الحمد لله، قوله (لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر) : مروي بألفاظ أخر كقوله: " يقول الله: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار) ، وفي لفظ: (لا تسبوا الدهر؛ فإن الله هو الدهر، يقلب الليل والنهار) ، وفي لفظ: (يقول ابن آدم يا خيبة الدهر وأنا الدهر) .
فقوله في الحديث (بيدي الأمر أقلب الليل والنهار) يبيِّن أنه ليس المراد به أنا الزمان فإنه قد أخبر أنه يقلِّب الليل والنهار، والزمان هو الليل والنهار. فدلَّ نفس الحديث على أنه هو يقلِّب الزمان ويصرِّفه، كما دلَّ عليه قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ) وإزجاء السحاب: سوقه، والودق: المطر.
فقد بيَّن سبحانه خلقه للمطر وإنزاله على الأرض فإنه سبب الحياة في الأرض فإنه سبحانه جعل من الماء كل شيء حي، ثم قال: (يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) إذ تقليبه الليل والنهار: تحويل أحوال العالم بإنزال المطر، الذي هو سبب خلق النبات والحيوان والمعدن، وذلك سبب تحويل الناس من حال إلى حال، المتضمن رفع قوم، وخفض آخرين.
وقد أخبر سبحانه بخلقه الزمان في غير موضع كقوله: (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) ، وقوله: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) ، وقوله: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً) ، وقوله: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) ، وغير ذلك من النصوص التي تبين أنه خالق الزمان ... .
فليس في الحديث شبهة لهم، لو لم يكن قد بيَّن فيه أنه سبحانه مقلب الليل والنهار، فكيف وفي نفس الحديث أنه بيده الأمر يقلب الليل والنهار ... .
فقد أجمع المسلمون - وهو مما علم بالعقل الصريح - أن الله ليس هو الدهر الذي هو الزمان، أو ما يجري مجرى الزمان ... .
" مجموع الفتاوى " (٢ / ٤٩١ – ٤٩٤) وقد اختصرنا كلامه ﵀.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي – ﵀:
قوله: إن الله هو الدهر وهذا لا ينبغي لأحد من أهل الإسلام أن يجهل وجهه وذلك أن أهل التعطيل يحتجون به على المسلمين، وقد رأيت بعض من يتهم بالزندقة والدهرية يحتج بهذا الحديث ويقول: ألا تراه يقول: فإن الله هو الدهر؟! فقلت: وهل كان أحد يسب الله في آباد الدهر؟ وإنما تأويله عندي - والله أعلم -: أن العرب كان شأنها أن تذمَّ الدهر، وتسبَّه عند المصائب التي تنزل بهم من موت، أو هرم، أو تلف مال، أو غير ذلك، فيقولون: " أصابتهم قوارع الدهر "، و " أبادهم الدهر "، و " أتى عليهم الدهر "، فيجعلونه الذي يفعل ذلك، فيذمونه عليه، وقد ذكروه في أشعارهم ... .
" غريب الحديث " (٢ / ١٤٥) .
ثانياً:
وإذا تبين لك أخي السائل أن " الدهر " ليس من أسماء الله: علمتَ أنه لا إشكال في العبارة الواردة في السؤال، وهي " لنضع يدنا بيد الزمن "؛ إذ ليس المراد بذلك شيء يناقض الشرع، وإنما هو أسلوب بلاغي.
وقد يكون عليه مؤاخذة من وجه آخر، فقد رأينا بعض من يستعمل هذه الكلمة يجعل " الزمن " متصرِّفاً بنفسه، - وللأسف فكثير من عباراتهم فيها سب للزمن كقول بعضهم " بيد الزمن الظالم "! - وبعضهم يطلق هذه اللفظة على الله تعالى، وبعضهم يطلقها ويريد بها " القدَر "، وهكذا تتنوع استعمالات الناس لها،ولم نرَ هذه العبارة في كتب العلماء والأئمة، والحكم عليها يكون بحسب موقعها من الجملة، وبحسب ما يعتقده القائل فيها.
وقد يكون المقصود من العبارة الواردة في السؤال أن يكون الإنسان سائراً في حياته مع متغيرات الواقع والزمن، ولا يكون مخالفاً لها، وهذا معنى يحوي حقّاً وباطلاً، ولا يمكن الحكم على العبارة إلا بمعرفة سياقها ومراد قائلها.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13254
مقولة: عمرك أطول من عمره
[السُّؤَالُ]
ـ[هل من السنة إذا أراد شخص أن يعمل عملا أو يحدث بكلام وعندما أراد ذلك سبقه غيره فيقال له: عمره أطول من عمرك أي عمر الذي سبق بالكلام أطول من عمر الذي أراد التكلم به فهل هذه المقولة من السنة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الكلام لا أصل له من السنة فيما نعلم. وكون المقالة أو الخاطرة ترد على ذهن اثنين أو أكثر، أمر لا غرابة فيه، ومن تكلم بها أولاً لم يكن هذا دليلا على طول عمره أو قصره.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13255
إذا قال لزوجته: يا ماما أو يا أختي أو أنت أمي أو أختي
[السُّؤَالُ]
ـ[ما الحكم في أن يقول الزوج لزوجته: يا ماما؟ هل هذا حرام أو هل يجعل الزوجة محرمة عليه؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
قول الرجل لزوجته أنت أمي أو أختي أو يا ماما يحتمل أن يكون ظهارا، وألا يكون، بحسب نيته، لقول النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) متفق عليه.
والغالب أن الزوج يقول مثل هذه الكلمات على سبيل التلطف والتوقير، فلا يكون ظهارا، ولا تحرم الزوجة بذلك على زوجها.
قال ابن قدامة ﵀ في "المغني" (٨/٦) : " وإن قال: أنت علي كأمي. أو: مثل أمي. ونوى به الظهار , فهو ظهار , في قول عامة العلماء، وإن نوى به الكرامة والتوقير فليس بظهار. . .
وهكذا لو قال: أنت أمي , أو: امرأتي أمي " انتهى باختصار.
وسئلت "اللجنة الدائمة": يقول بعض الناس لزوجته: أنا أخوك وأنت أختي، فما الحكم؟
فأجابت: " إذا قال الزوج لزوجته: أنا أخوك أو أنت أختي، أو أنت أمي أو كأمي، أو أنت مني كأمي أو كأختي، فإن أراد بذلك أنها مثل ما ذكر في الكرامة أو الصلة والبر أو الاحترام أو لم يكن له نية ولم يكن هناك قرائن تدل على إرادة الظهار، فليس ما حصل منه ظهارا، ولا يلزمه شيء.
وإن أراد بهذه الكلمات ونحوها الظهار أو قامت قرينة تدل على الظهار مثل صدور هذه الكلمات عن غضب عليها أو تهديد لها، فهي ظهار، وهو محرم، وتلزمه التوبة وتجب عليه الكفارة قبل أن يمسها، وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا " انتهى من "فتاوى اللجنة الدائمة" (٢٠/٢٧٤) .
ثانياً:
كره بعض العلماء أن يقول الرجل لامرأته: يا أمي أو يا أختي، لما روى أبو داود (٢٢١٠) أَنَّ رَجُلا قَالَ لامْرَأَتِهِ: يَا أُخَيَّةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أُخْتُكَ هِيَ! فَكَرِهَ ذَلِكَ وَنَهَى عَنْهُ) .
والصواب: أنه لا كراهة في ذلك، وهذا الحديث لا يصح، فقد ضعفه الألباني في ضعيف أبي داود.
وقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل يجوز للرجل أن يقول لزوجته يا أختي بقصد المحبة فقط , أو يا أمي بقصد المحبة فقط.
فأجاب:
" نعم , يجوز له أن يقول لها يا أختي , أو يا أمي , وما أشبه ذلك من الكلمات التي توجب المودة والمحبة , وإن كان بعض أهل العلم كره أن يخاطب الرجل زوجته بمثل هذه العبارات , ولكن لا وجه للكراهة , وذلك لأن الأعمال بالنيات , وهذا الرجل لم ينو بهذه الكلمات أنها أخته بالتحريم والمحرمية , وإنما أراد أن يتودد إليها ويتحبب إليها , وكل شيء يكون سبباً للمودة بين الزوجين , سواء كان من الزوج أو الزوجة فإنه أمر مطلوب " انتهى.
"فتاوى برنامج نور على الدرب".
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13256
لا يجوز أن يقال: الحكم للشعب أو المال مال الشعب
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم من يقول: الحكم للشعب والمال للشعب؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذه كلمات مخترعة، ومخترعوها كاذبون في زعمهم، لا يطبقون ذلك في أنفسهم، فيتنازلوا للشعب ولا عن رأي واحد من آرائهم، بل هي نغمة تغرير لإلهاء الشعوب التي تحب التنفس من حكمها الأول لتنخدع بالحكم الثاني، الذي هو أشقى وأضل سبيلاً.
والحق؛ أن الشعوب البشرية يجب أن تكون مصونة الكرامة، نائلة للعدل والحرمة الصحيحة، لا تساق كالأنعام، ولكن لا يجوز إطلاق هذه الكلمات على عواهنها، فالحكم لله الذي يجب أن يكون توجيه الشعب على نور وحيه وحكمه على وفق شريعته، قال الله تعالى: (إِنْ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ) الأنعام/٥٧. وقال: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) المائدة/٥٠. لا أن يقول: (الحكم للشعب) مَنْ يوجه الشعوب نحو رغباته هو من أصحاب المذاهب المادية والمبادئ الوثنية المخالفة لما أنزل الله، ويفرض سلطته عليها قهراً تحت شعارات دجلية ماكرة.
كذلك (مال الله) يجب صرفه في المصالح العامة، وحفظ ثغور المسلمين، والدفاع عن جميع قضاياهم في مشارق الأرض ومغاربها فوق كل شيء، والقيام بالدعوة إلى الله، والاستعداد بكل قوة لقمع المفتري عليه أو المعتدي على بعض المسلمين، وسد حاجة ذوي الحاجات المذكورين في سورة الحشر في قوله تعالى: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) الحشر/٨-١٠.
ويقدم في صرفه ما تدعو الحاجة الضرورية إليه من ذلك، هكذا يعمل بمال الله، لا يجوز أن ينتهبه ذو الأنانية، ولا أن يصرف في البذخ والميوعة والتبذير، فضلاً عن الفسق والفجور والمسارح والبلاجات الخليعة.
ولا يجوز قطعاً أن يقال (مال الشعب) لأنه إذا سُلِّم هذا كان لهم أن يفعلوا ذلك، وأن يبددوا قسماً كبيراً منه على حفظ سلطانهم والتجسس وشراء الضمائر هذا من جهة – ومن جهة أخرى – فإن الشعب يختلف في القوة والضعف والغنى والفقر والجهل والصلاح والحزم والخمول، فكيف يكون المال ملكاً للمستغني عنه بثروته أو بقوته أو بعلمه وفنه أو من يجب حرمانه منه لفساده وخبثه، وما إلى ذلك؟!
وصدق الله العظيم إذ يقول: (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ) يونس/٣٢. ولكن راجت هذه الأكاذيب لتعطيل الحكم بالشريعة.
انظر: "الأجوبة المفيدة لمهمات العقيدة" ص (٥٥-٥٦) بتصرف يسير.
لفضيلة الشيخ عبد الرحمن الدوسري ﵀.
فلا يجوز أن يقال المال مال الشعب، لأن ذلك معناه أن للشعب أن يتصرف في المال حسب ما يشتهي.
والحق؛ أن المال مال الله، وعلى جميع الناس أن ينفقوه كما أمر الله تعالى ورسوله ﷺ .
قال شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" (١٠/٢٨١) عن الرسول ﷺ :
" بَلْ الْمَالُ الَّذِي يَتَصَرَّفُ فِيهِ كُلُّهُ هُوَ مَالُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، بِمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ رَسُولَهُ أَنْ يَصْرِفَ ذَلِكَ الْمَالَ فِي طَاعَتِهِ، فَتَجِبُ طَاعَتُهُ فِي قِسْمِهِ كَمَا تَجِبُ طَاعَتُهُ فِي سَائِرِ مَا يَأْمُرُ بِهِ ; فَإِنَّهُ مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَهُوَ فِي ذَلِكَ مُبَلِّغٌ عَنْ اللَّهِ" اهـ.
وقال عن الأموال التي يأخذها الجنود من بيت المال (٢٥/٢٦) :
" وَأَيْضًا فَهَؤُلاءِ الْجُنْدُ إِنَّمَا هُمْ جُنْدُ اللَّهِ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عِبَادَهُ، وَيَأْخُذُونَ هَذِهِ الأَرْزَاقَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِيَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى الْجِهَادِ، وَمَا يَأْخُذُونَهُ لَيْسَ مِلْكًا لِلسُّلْطَانِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَالُ اللَّهِ يُقَسِّمُهُ وَلِيُّ الأَمْرِ بَيْنَ الْمُسْتَحِقِّينَ" اهـ.
وقال أيضاً (٢٨/٢٦٨) :
" وَلَيْسَ لِوُلاةِ الأُمُورِ أَنْ يَقْسِمُوهَا (يعني أموال بيت المال) بِحَسَبِ أَهْوَائِهِمْ، كَمَا يَقْسِمُ الْمَالِكُ مِلْكَهُ ; فَإِنَّمَا هُمْ أُمَنَاءُ وَنُوَّابٌ وَوُكَلاءُ لَيْسُوا مُلاكًا ; كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إنِّي - وَاَللَّهِ - لا أُعْطِي أَحَدًا وَلا أَمْنَعُ أَحَدًا ; وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْت) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
فَهَذَا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمَنْعُ وَالْعَطَاءُ بِإِرَادَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ كَمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الْمَالِكُ الَّذِي أُبِيحَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي مَالِهِ، وَكَمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الْمُلُوكُ الَّذِينَ يُعْطُونَ مَنْ أَحَبُّوا وَيَمْنَعُونَ مَنْ أَبْغَضُوا، وَإِنَّمَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ يَقْسِمُ الْمَالَ بِأَمْرِهِ فَيَضَعُهُ حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى" اهـ.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13257
مقالة باطلة: الدين أفيون الشعوب
[السُّؤَالُ]
ـ[كثيراً ما نسمع هذه المقالة: الدين أفيون الشعوب، فما معناها؟ وهل هي مقالة صحيحة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذه مقالة نطق بها كارل ماركس اليهودي، اخترع هذه المقالة يزعم بها أن الدين مُخَدِّرٌ ومُبَلِّدٌ للشعوب.
وكلامه مردود بالحق الحقيق بالقبول، وهو أن الدين الصحيح الحنيف ملة إبراهيم الذي أمر الله خلقه بإقامته؛ دين يلهب القلوب والمشاعر، مُحرك لجميع الأحاسيس والقوى، دافع بها إلى الأمام، لا يقبل من أهله الذل والاستكانة والخضوع للظلم، ومجاملة الأعداء، والسكوت عن الباطل والفساد، أو الجمود على طقوس وأوضاع ما أنزل الله بها من سلطان، بل يوجب عليهم النهوض والاستعداد بكل قوة، وتسخير كل دابة ومادة على وجه الأرض، أو في جوفها أو أجوائها كيلا يغلبهم عدوهم في ذلك، وأن يجعلوا جميع مواهبهم وطاقتهم في سبيل الله، لإعلاء كلمته، وقمع المفتري عليه، والبراءة ممن جانب دينَه وتَنَكَّر حكمَ شريعته.
فهذا الدين الصحيح على العكس مما قاله هذا اليهودي وأتباعه وتلاميذه الذين ربوهم وأبرزوهم لمحاربة هذا الدين الصحيح، الذي لا يُوقَف في وجوه أهله لو حملوه كما أنزل.
أما الأديان الأخرى المزعومة من لاهوتية وثنية فيصح أن يقال عنها بكلمة اليهودي، لتقيد أهلها بالخرافات، وتقييدهم العلم الفني والاختراع عن الانطلاق.
[الْمَصْدَرُ]
"الأجوبة المفيدة لمهمات العقيدة" ص ٨٠ لفضيلة الشيخ عبد الرحمن الدوسري ﵀.
стр. 13258
عبارة " استجرت برسول الله "
[السُّؤَالُ]
ـ[ما رأيكم فيمن يقول " آمنت بالله، وتوكلت على الله، واعتصمت بالله، واستجرت برسول الله ﷺ "؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: " أما قول القائل (أمنت بالله، وتوكلت على الله، واعتصمت بالله) فهذا ليس فيه بأس وهذه حال كل مؤمن أن يكون متوكلا على الله، مؤمنا به، معتصما به.
وأما قوله (واستجرت برسول الله ﷺ فإنها كلمة منكرة والاستجارة بالنبي ﷺ بعد موته لا تجوز.
أما الاستجارة به في حياته في أمر يقدر عليه فهي جائزة قال الله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ فالاستجارة بالرسول ﷺ ، بعد موته شرك أكبر وعلى من سمع أحدا يقول مثل هذا الكلام أن ينصحه، لأنه قد يكون سمعه من بعض الناس وهو لا يدري ما معناها، فإذا أخبرته وبينت له أن هذا شرك فلعل الله أن ينفعه على يدك والله الموفق."
[الْمَصْدَرُ]
انتهى من مجموع فتاوى الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ ٣/٧٠.
стр. 13259
عبارة " فلان المرحوم " " انتقل إلى رحمة الله " " تغمده الله برحمته "
[السُّؤَالُ]
ـ[ما رأيكم في قول بعض الناس (فلان المرحوم) . و (تغمده الله برحمته) و (انتقل إلى رحمة الله) ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀:
" قول (فلان المرحوم) أو (تغمده الله برحمته) لا بأس بها، لأن قولهم (المرحوم) من باب التفاؤل والرجاء، وليس من باب الخبر، وإذا كان من باب التفاؤل والرجاء فلا بأس به.
وأما (انتقل إلى رحمة الله) فهو كذلك فيما يظهر لي أنه من باب التفاؤل، وليس من باب الخبر، لأن مثل هذا من أمور الغيب ولا يمكن الجزم به.
.... ولا يقال " انتقل إلى الرفيق الأعلى "."
[الْمَصْدَرُ]
انتهى من مجموع فتاوى الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ ٣/٨٥.
стр. 13260
لا حرج في استعمال كلمة "صدفة "
[السُّؤَالُ]
ـ[كلمة صدفة، هل يجوز لي أن أقول عندما ذهبت إلى السوق قابلت فلاناً صدفة؟
وهل هذه الكلمة (صدفة) حرام أو شرك بالله ، وماذا أقول بدلاً من هذه الكلمة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا بأس باستعمال كلمة قابلة فلاناً صدفة، لأن مراد المتكلم بذلك أنه قابله بدون اتفاق سابق، وبدون قصد منه، وليس المراد أنه قابله بدون تقدير من الله .
وقد ورد استعمال هذه الكلمة في بعض الأحاديث. منها: ما رواه مسلم (٢١٤٤) عَنْ أَنَسٍ قَالَ فَانْطَلَقْتُ بِهِ (يعني بعبد الله بن أبي طلحة) إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَادَفْتُهُ وَمَعَهُ مِيسَمٌ. . . الحديث. والميسم أداة تستخدم في الكي.
وروى أبو داود (١٤٢) عَنْ لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ قَالَ كُنْتُ وَافِدَ بَنِي الْمُنْتَفِقِ أَوْ فِي وَفْدِ بَنِي الْمُنْتَفِقِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ نُصَادِفْهُ فِي مَنْزِلِهِ وَصَادَفْنَا عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ. . . الحديث. صححه الألباني في صحيح أبي داود.
وجاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (٣/٣٩٣) :
"ليس قول الإنسان قابلت فلاناً صدفة محرّماً أو شركاً، لأن المراد منها قابلته دون سابق وعد أو اتفاق على اللقاء مثلاً وليس في هذا المعنى حرج" اهـ.
وسئل الشيخ ابن عثيمين: ما رأي فضيلتكم في استعمال كلمة "صدفة"؟
فأجاب ﵀:
"رأينا في هذا القول أنه لا بأس به، وهذا أمر متعارف، ووردت أحاديث بهذا التعبير: صادفْنا رسول الله صادفَنا رسول الله.
والمصادفة والصدفة بالنسبة لفعل الإنسان أمر واقع، لأن الإنسان لا يعلم الغيب فقد يصادفه الشيء من غير شعور به ومن غير مقدمات له ولا توقع له، ولكن بالنسبة لفعل الله لا يقع هذا، فإن كل شيء عند الله معلوم وكل شيء عنده بمقدار وهو لا تقع الأشياء بالنسبة إليه صدفة أبداً، لكن بالنسبة لي أنا وأنت نتقابل بدون ميعاد وبدون شعور وبدون مقدمات فهذا يقال له: صدفة، ولا حرج فيه، وأما بالنسبة لفعل الله فهذا أمر ممتنع ولا يجوز" اهـ بتصرف.
فتاوى الشيخ ابن عثيمين (٣/١١٧) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13261
عبارة طال عمرك وأطال الله بقاءك
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم قول (أطال الله بقاءك) (طال عمرك) ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀:
" لا ينبغي أن يطلق القول بطول البقاء، لأن طول البقاء قد يكون خيراً وقد يكون شراً، فإن شر الناس من طال عمره وساء عمله، وعلى هذا فلو قال أطال الله بقاءك على طاعته ونحوه فلا بأس بذلك." انتهى
مجموع فتاوى الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ ٣/٧١.
ومثله طال عمرك على الطاعة فهو جائز.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13262
عبارات: " جلالة " " صاحب الجلالة " " صاحب السمو " " أرجو آمل "
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يصح أن يقال لبعض الوجهاء هذه الألفاظ: " جلاله "، " صاحب الجلالة "، " صاحب السمو "، " أرجو "، " آمل "؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀:
" لا بأس بها إذا كان من قيلت فيه أهلا لذلك، ولم يخش منه الترفع والإعجاب بالنفس، وكذلك أرجو وآمل."
[الْمَصْدَرُ]
انتهى من مجموع فتاوى ابن عثيمين ﵀ ٣/٦٩.
стр. 13263
قول بعض العصاة " أنا حر في تصرفاتي "
[السُّؤَالُ]
ـ[بعض العصاة إذا أنكرنا عليه معصيته قال (أنا حر في تصرفاتي) ؟ فهل هذه الكلمة صحيحة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀:
" هذا خطأ، نقول: لست حراً في معصية الله، بل إنك إذا عصيت ربك فقد خرجت من الرق الذي تدَّعيه في عبودية الله إلى رق الشيطان والهوى. "
[الْمَصْدَرُ]
مجموع فتاوى ابن عثيمين ﵀ ٣/٨١.
стр. 13264
حكم لعن المعين
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم لعن (وليس سب فقط) اليهود والنصارى أفرادا أو جماعات أحياءً كانوا أم أمواتا؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال صاحب لسان العرب: اللعن: الإبعاد والطرد من الخير، وقيل الطرد والإبعاد من الله، ومن الخَلْق السب والدعاء.
واللعن يقع على وجهين:
الأول: أن يلعن الكفار وأصحاب المعاصي على سبيل العموم، كما لو قال: لعن الله اليهود والنصارى. أو: لعنة الله على الكافرين والفاسقين والظالمين. أو: لعن الله شارب الخمر والسارق. فهذا اللعن جائز ولا بأس به. قال ابن مفلح في الآداب الشرعية (١/٢٠٣) : ويجوز لعن الكفار عامة اهـ.
الثاني: أن يكون اللعن على سبيل تعيين الشخص الملعون سواء كان كافراً أو فاسقاً، كما لو قال: لعنة الله على فلان ويذكره بعينه، فهذا على حالين:
١- أن يكون النص قد ورد بلعنه مثل إبليس، أو يكون النص قد ورد بموته على الكفر كفرعون وأبي لهب، وأبي جهل، فلعن هذا جائز.
قال ابن مفلح في الآداب الشرعية (١/٢١٤) : ويجوز لعن من ورد النص بلعنه، ولا إثم عليه في تركه اهـ.
٢- لعن الكافر أو الفاسق على سبيل التعيين ممن لم يرد النص بلعنه بعينه مثل: بائع الخمر – من ذبح لغير الله – من لعن والديه – من آوى محدثا - من غير منار الأرض – وغير ذلك.
" فهذا قد اختلف العلماء في جواز لعنه على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يجوز بحال.
الثاني: يجوز في الكافر دون الفاسق.
الثالث: يجوز مطلقا " اهـ
الآداب الشرعية لابن مفلح (١/٣٠٣) .
واستدل من قال بعدم جواز لعنه بعدة أدلة، منها:
١- ما رواه البخاري (٤٠٧٠) عن عبد الله بن عمر أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ مِنْ الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِنْ الْفَجْرِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلانًا وَفُلانًا وَفُلانًا بَعْدَ مَا يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ) .
٢- ما رواه البخاري (٦٧٨٠) عن عمر أن رجلا على عهد النبي ﷺ كان اسمه عبد الله، وكان يلقب حمارا، وكان يضحك رسول الله ﷺ ، وكان النبي ﷺ قد جلده في الشراب، فأتي به يوما فأمر به فجلد، قال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي ﷺ : (لا تلعنوه، فو الله ما علمت، إلا أنه يحب الله ورسوله) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٦/٥١١) :
" واللعنة تجوز مطلقا لمن لعنه الله ورسوله، وأما لعنة المعين فإن علم أنه مات كافرا جازت لعنته، وأما الفاسق المعين فلا تنبغي لعنته لنهي النبي ﷺ أن يلعن عبد الله بن حمار الذي كان يشرب الخمر، مع أنه قد لعن شارب الخمر عموما، مع أن في لعنة المعين إذا كان فاسقا أو داعيا إلى بدعة نزاعاً " اهـ " انتهى.
وقال الشيخ ابن عثيمين في "القول المفيد" (١/٢٢٦) :
" الفرق بين لعن المعين ولعن أهل المعاصي على سبيل العموم؛ فالأول (لعن المعين) ممنوع، والثاني (لعن أهل المعاصي على سبيل العموم) جائز، فإذا رأيت محدثا، فلا تقل لعنك الله، بل قل: لعنة الله على من آوى محدثا، على سبيل العموم، والدليل على ذلك أن النبي ﷺ لما صار يلعن أناسا من المشركين من أهل الجاهلية بقوله: (اللهم! العن فلانا وفلانا وفلانا) نهي عن ذلك بقوله تعالى: (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون) رواه البخاري" اهـ.
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13265
عبارات " أرجوك " " تحياتي " " أنعم صباحا " " أنعم مساءً "
[السُّؤَالُ]
ـ[ما رأيكم بهذه الألفاظ (أرجوك) ، (تحياتي) ، و (أنعم صباحا) ، و (أنعم مساءً) ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀:
" لا بأس أن تقول لفلان (أرجوك) في شئ يستطيع أن يحقق رجاءك به، وكذلك (تحياتي لك) ، و (لك منى التحية) وما أشبه ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾ ، وكذلك (أنعم صباحا) و (أنعم مساء) لا بأس به، ولكن بشرط ألا تتخذ بديلا عن السلام الشرعي ".
[الْمَصْدَرُ]
انتهى من مجموع فتاوى الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ ٣/٧٠.
стр. 13266
هل يصح أن يقول المتكلم " أحبائي في رسول الله "؟
[السُّؤَالُ]
ـ[نسمع بعض الناس يستخدمون عبارة: " أحبائي في رسول الله " فهل هذا الاستخدام صحيح؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀:
" هذا القول وإن كان صاحبه فيما يظهر يريد معنى صحيحا، يعني: أجتمع أنا وإياكم في محبة رسول الله ﷺ ، ولكن هذا التعبير خلاف ما جاءت به السنة، فإن الحديث (من أحب في الله، وأبغض في الله) ، فالذي ينبغي أن يقول: أحبائي في الله ولأن هذا القول الذي يقوله فيه عدول عما كان يقول السلف، ولأنه ربما يوجب الغلو في رسول الله ﷺ ، والغفلة عن الله، والمعروف – في السنة و - عن علمائنا وعن أهل الخير هو أن يقول: أحبك في الله ".
[الْمَصْدَرُ]
مجموع فتاوى ابن عثيمين ﵀ ٣/٦٨.
стр. 13267
عبارة " أدام الله أيامك "
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز أن تقول لشخص (أدام الله أيامك) ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: " قول (أدام الله أيامك) من الاعتداء في الدعاء لأن دوام الأيام محال منافٍ لقوله تعالي: ﴿كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ وقوله تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفئِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ "
انتهى من مجموع فتاوى ابن عثيمين ﵀ (٣/٦٩) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13268
لا يقال عن أحد إنه خليفة الله
[السُّؤَالُ]
ـ[قرأت في بعض الكتب عبارة: (وأنتم أيها المسلمون خلفاء الله في أرضه) فما حكم هذه العبارة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"هذا التعبير غير صحيح من جهة معناه؛ لأن الله تعالى هو الخالق لكل شيء , المالك له , ولم يغب عن خلقه وملكه , حتى يتخذ خليفة عنه في أرضه , وإنما يجعل الله بعض الناس خلفاء لبعض في الأرض , فكلما هلك فرد أو جماعة أو أمة جعل غيرها خليفة منها يخلفها في عمارة الأرض , كما قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ) . وقال تعالى: (قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) . وقال: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) . أي: نوعا من الخلق يخلف من كان قبلهم من مخلوقاته" اهـ
من "فتاوى اللجنة الدائمة" (١/٣٣) .
وقال النووي ﵀ في كتابه "الأذكار":
بابٌ في ألفاظٍ يُكرهُ استعمالُها.
ينبغي أن لا يُقال للقائم بأمر المسلمين خليفة الله، بل يُقال الخليفة، وخليفةُ رسولِ الله ﷺ وأميرُ المؤمنين. . .
وعن ابن أبي مُليكة أن رجلاً قال لأبي بكر الصديق ﵁: يا خليفة الله! فقال: أنا خليفة محمد ﷺ ، وأنا راضٍ بذلك.
وقال رجلٌ لعمرَ بن الخطاب ﵁: يا خليفة الله! فقال: ويلَك لقد تناولتَ تناولاً بعيداً، إن أُمّي سمّتني عمر، فلو دعوتني بهذا الاسم قبلتُ، ثم كَبِرتُ فكُنِّيتُ أبا حفص، فلو دعوتني به قبلتُ، ثم وليتموني أمورَكم فسمَّيتُوني أمَير المؤمنين، فلو دعوتني بذاك كفاك.
وذكر الإِمام أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي البصري الفقيه الشافعي في كتابه "الأحكام السلطانية" أن الإِمامَ سُمِّيَ خليفةً؛ لأنه خلفَ رسولَ الله ﷺ في أُمته، قال: فيجوز أن يُقال الخليفة على الإِطلاق، ويجوز خليفة رسول الله.
قال: واختلفوا في جواز قولنا خليفة الله، فجوّزه بعضُهم لقيامه بحقوقه في خلقه، ولقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ في الأرْضِ) فاطر / ٣٩. وامتنع جمهورُ العلماء من ذلك ونسبُوا قائلَه إلى الفجور، هذا كلام الماوردي. انتهى كلام النووي ﵀.
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13269
هل يصح أن يقال " والدي العزيز "؟
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا كتب الإنسان رسالة وقال فيها (إلى والدي العزيز) أو (إلى أخي الكريم) فهل في هذا شئ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀:
" هذا لا شيء فيه بل هو جائز قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .
وقال تعالى: ﴿ولها عرش عظيم﴾
وقال النبي ﷺ : " إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف " رواه البخاري (٣٣٩٠) .
فهذا دليل على أن مثل هذه الأوصاف تصح لله - تعالى - ولغيره ولكن اتصاف الله بها لا يماثله شيء من اتصاف المخلوق بها، فإن صفات الخالق تليق به وصفات المخلوق تليق به. وقول القائل لأبيه أو أمه أو صديقه (العزيز) يعني أنك غالٍ عندي وما أشبه ذلك، ولا يُقصد بها أبداً الصفة التي تكون لله وهي العزة التي لا يقهره بها أحد، وإنما يريد أنك عزيز عليَّ وغالٍ عندي وما أشبه ذلك "
[الْمَصْدَرُ]
انتهى من مجموع فتاوى ابن عثيمين ﵀ ٣/٦٨.
стр. 13270
الدعاء أثناء قراءة القرآن
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا أقرأ القرآن والحمد لله، وعندما أصل إلى صفات المؤمنين أدعو الله أن يجعلني منهم، وعندما أصل إلى صفات الكفار والمنافقين ومصيرهم أستعيذ بالله أن يجعلني منهم. فهل بعد الدعاء تلزمني البسملة من جديد، أم اتباع القراءة دون ذلك؟ وهل قطع القراءة للدعاء جائز؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"هذا يجوز، فعله النبي ﷺ ، فكان في تهجده بالليل ﵊ إذا مر بآية وعيد تعوذ، وإذا مر بآية رحمة سأل ربه الرحمة، فلا بأس بهذا، بل هذا مستحب في التهجد بالليل، أو في صلاة النهار، أو في القراءة خارج الصلاة، كل هذا مستحب وليس عليك أن تعيد البسملة ولا التعوذ، بل تأتي بهذا الدعاء ثم تشرع في القراءة من دون حاجة إلى إعادة التعوذ ولا إعادة البسملة، وهذا كله إذا كنت تصلي وحدك في النافلة.
أما إذا كنت في الفريضة فلم يثبت عنه ﷺ أنه كان يفعل هذا في الفريضة، وهكذا إذا كنت مع الإمام فإنك تنصت لإمامك ولا تدعُ بهذه الأدعية والإمام يقرأ بل تنصت وتستمع في الجهرية، أما في السرية فتقرأ الفاتحة وما تيسر معها من دون الأدعية التي يدعى بها في النافلة؛ لأن الرسول ﷺ لم يكن يفعل هذا في الفريضة، ولعل السبب في ذلك والله أعلم التخفيف على الناس وعدم التطويل عليهم؛ لأنه لو دعا عند كل آية فيها رحمة وتعوذ عند كل آية فيها وعيد ربما طالت الصلاة، وربما شق على الناس، فكان من رحمة الله ومن إحسانه إلى عباده ومن لطفه بهم أنه لم يشرع ذلك في الفريضة حتى تكون القراءة متوالية، وحتى لا تطول القراءة على الناس، أما في النافلة أو في التهجد أو في الليل أو في صلاة الضحى أو في غير ذلك من النوافل فلا بأس فالأمر فيها واسع" انتهى.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀
"فتاوى نور على الدرب" (١/٣٣٤)
следующие страницы →